الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 4 النساء > الآية ٤٣
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةأمر الله تعالى في الآيات السابقة بعبادته وترك الشرك به وبالإحسان للوالدين وغيرهم وتوعد الذين لا يقومون بهذه الأوامر والنواهي، وقد عرفنا من سور أخرى أن الله تعالى يأمر بالاستعانة بالصلاة على القيام بأمور الدين وتكاليفه كما قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾ وقد كثر في القرآن الأمر بالصلاة، لا بالصلاة هكذا مطلقًا بل بإقامتها، وإنما إقامتها القيام بها على الوجه الأكمل، وهو أن ينبعث المؤمن إليها بباعث الشعور بعظمة الله وجلاله، ويؤديها بالخشوع له تعالى، فهذه الصلاة هي التي تعين على القيام بالأوامر وترك النواهي، ولذلك جاء ذكرها ههنا عقب تلك الأوامر والنواهي الجامعة، وقد ذكرت الصلاة في القرآن بأساليب مختلفة وذكرت ههنا في سياق النهي عن الإتيان بها في حال السكر الذي لا يتأتى معه الخشوع والحضور مع الله تعالى بمناجاته بكتابه وذكره ودعائه فالمراد بالصلاة حقيقتها لا موضعها وهو المساجد كما قال الشافعية، والنهي عن قربانها دون مطلق الإتيان بها لا يدل على إرادة المسجد إذ النهي عن قربان العمل معروف في الكلام العربي وفي التنزيل خاصة ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ﴾ والنهي عن العمل بهذه الصيغة يتضمن النهي عن مقدماته ومن مقدمات الصلاة الإقامة فقد سنها الله لنا لأعدادنا للدخول في الصلاة.
وقال بعض المفرقين الذين يحملون القرآن على مذاهبهم المستحدثة إن الآية تدل على جواز بل وقوع التكليف بالمحال إذ وجَّه الأمر إلى السكران وهو لا يعي الخطاب.
والجواب عنه من وجوه: أحدها: أن الخطاب موجه إلى المسلم قبل السكر بأن يجتنبه إذا ظن أنه ينتهي به إلى التلبس بالصلاة في أثنائه، فهو أمر بالاحتياط واجتناب السكر في أكثر الأوقات.
ثانيها: أن الأمر موجه إلى جمهور المؤمنين لأنهم متكافلون مأمورون بمنع المنكر، فعليهم أن يمنعوا السكران من الدخول في الصلاة فالأمر على حد ﴿ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ﴾ ثالثها: أن السكر الذي يطلبه الغواة لا ينافي فهم الخطاب وهو النشوة والسرور ففي هذه الحالة يَفْهَم السكران ويُفْهِم ويصح أن يوجه إليه الخطاب، ولكنه لا يضبط أعماله وأفكاره وأقواله بالتفصيل، ولذلك قال تعالى: ﴿ حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾ فأما ما ينتهي إليه السكران مما لا يقصد فصاحبه لا يخاطب فيه وهو ما عرّف به أبو حنيفة السكران إذ قال: إنه من لا يفرّق بين الأرض والسماء.
وهناك قول آخر في معنى هذا القول، وهذا التعليل للنهي يفيد أن العلم بما يقوله الإنسان في الصلاة من تلاوة وذكر واجب أو شرط والعلم به فهمه، ولهذا المعنى أجاز أبو حنيفة الصلاة بغير العربية لمن لا يحسنها أي إلى أن يحسنها أو يعجز.
هذا هو حاصل المعنى على القول بأن المراد بالصلاة حقيقتها كما هو الظاهر فإن أريد بها موضعها فالمراد تنزيه المساجد وهي بيوت الله عن اللغو والكلام الباطل الذي من شأنه أن يبدر من السكران.
وحتى للغاية.
﴿ وَلَا جُنُبًا ﴾ والجنب يعرفه كل أحد.
﴿ إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ المراد بالصلاة مواضعها أي المساجد والعابر هنا هو المجتاز لها لحاجة.
﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ﴾ .
المعنى أن حكم المريض والمسافر إذا أراد الصلاة كحكم المحدث حدثًا أصغر أو ملامس النساء ولم يجد الماء، فعلى كل هؤلاء التيمم فقط.
هذا ما يفهمه القارئ من الآية نفسها إذا لم يكلف نفسه حملها على مذهب من وراء القرآن يجعلها بالتكلف حجة له منطبقة عليه.
وقد طالعت في تفسيرها خمسة وعشرين تفسيرًا فلم أجد فيها غناء ولا رأيت قولًا فيها يسلم من التكلف ثم رجعت إلى المصحف وحده فوجدت المعنى واضحًا جليًا، فالقرآن أفصح الكلام وأبلغه وأظهره وهو لا يحتاج عند من يعرف العربية، مفرداتها وأساليبها إلى تكلفات فنون النحو وغيره من فنون اللغة عند حافظي أحكامها من الكتب مع عدم تحصيل ملكة البلاغة.
<div class="verse-tafsir"