تفسير سورة النساء الآية ١ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 4 النساء > الآية ١

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا ١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

افتتح سبحانه السورة بتذكير الناس المخاطبين بأنهم من نفس واحدة فكان هذا تمهيدًا وبراعة مطلع؛ لما في السورة من أحكام القرابة بالنسب والمصاهرة وما يتعلق بذلك من أحكام الأنكحة والمواريث، فبينّ القرابة العامة بالإجمال ثم ذكر الأرحام وشرع بعد ذلك في تفصيل الأحكام المتعلقة بها.

وسميت سورة النساء لأنها افتتحت بذكر النساء وبعض الأحكام المتعلقة بهن، وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ  ﴾ خطاب عام ليس خاصًا بقوم دون قوم فلا وجه لتخصيصها بأهل مكة كما فعل المفسر (الجلال) لا سيما مع العلم بأن السورة مدنية إلا آية واحدة فيها شك هل هي مدنية أم مكية، ولفظ الناس اسم لجنس البشر قيل أصله "أناس" فحذفت الهمزة عند إدخال الألف واللام عليه.

﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ  ﴾ ظاهرة، فإن الخلق أثر القدرة ومن كان متصفًا بهذه القدرة العظيمة جدير بأن يتقى ويحذر عصيانه، كذا قال بعضهم.

وأحسن من هذا أن يقال إن هذا تمهيد لما يأتي من أحكام اليتامى ونحوها كأنه يقول يا أيها الناس خافوا الله واتقوا اعتداء ما وضعه لكم من حدود الأعمال، واعلموا أنكم أقرباء يجمعكم نسب واحد، وترجعون إلى أصل واحد فعليكم أن تعطفوا على الضعيف كاليتيم الذي فقد والده وتحافظوا على حقوقه.

وليس المراد بالنفس الواحدة آدم بالنص ولا بالظاهر، فمن المفسرين من يقول إن كل نداء مثل هذا يراد به أهل مكة أو قريش فإذا صح هذا هنا جاز أن يفهم منه بنوا قريش أن النفس الواحدة هي قريش أو عدنان، وإذا قلنا إن الخطاب لجميع أهل الدعوة إلى الإسلام، أي لجميع الأمم، فلا شك أن كل أمة تفهم منه ما تعتقده، فالذين يعتقدون أن جميع البشر من سلالة آدم يفهمون أن المراد بالنفس الواحدة آدم، والذين يعتقدون أن لكل صنف من البشر أبًا يحملون النفس على ما يعتقدون (والأصناف الكبرى هي الأبيض القوقاسي، والأصفر المغولي، والأسود الزنجي، وغيره، وبعض فروع هذا تكاد تكون أصولًا كالأحمر الحبشي، والهندي الأمريكي، والملقي).

والقرينة على أنه ليس المراد هنا بالنفس الواحدة آدم قوله ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً  ﴾ بالتنكير وكان المناسب على هذا الوجه أن يقول وبث منها جميع الرجال والنساء.

وكيف ينص على نفس معهودة والخطاب عام لجميع الشعوب وهذا العهد ليس معروفًا عند جميعهم فمن الناس من لا يعرفون آدم ولا حواء ولم يسمعوا بهما، وهذا النسب المشهور عند ذرية نوح مثلًا هو مأخوذ عن العبرانيين فإنهم هم الذين جعلوا للبشر تاريخًا متصلًا بآدم وحددوا له زمنًا قريبًا، وأهل الصين ينسبون البشر إلى أب آخر ويذهبون بتاريخه إلى زمن أبعد من الزمن الذي ذهب إليه العبرانيون.

والعلم والبحث في آثار البشر مما يطعن في تاريخ العبرانيين، ونحن المسلمين لا نكلف تصديق تاريخ اليهود وإن عزوه إلى موسى  فإنه لا ثقة عندنا بأنه من التوراة وأنه بقي كما جاء به موسى.

نحن لا نحتج على ما وراء مدركات الحس والعقل إلا بالوحي الذي جاء به نبينا  ، وإننا نقف عند هذا الوحي لا نزيد ولا ننقص، كما قلنا مرات كثيرة، وقد أبهم الله تعالى ههنا أمر النفس التي خلق الناس منها وجاء بها نكرة فندعها على إبهامها، فإذا ثبت ما يقوله الباحثون من الإفرنج من أن لكل صنف من أصناف البشر أبًا كان ذلك غير وارد على كتابنا كما يرد على كتابهم التوراة لما فيها من النص الصريح في ذلك، وهو مما حمل باحثيهم على الطعن في كونها من عند الله تعالى ووحيه.

وما ورد في آيات أخرى من مخاطبة الناس بقوله: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ  ﴾ لا ينافي هذا ولا يعد نصًا قاطعًا في كون جميع البشر من أبنائه إذ يكفي في صحة الخطاب أن يكون من وجه إليهم في زمن التنزيل من أولاد آدم، وقد تقدم في تفسير قصة آدم في أوائل سورة البقرة أنه كان في الأرض قبله نوع من هذا الجنس فسدوا فيها وسفكوا الدماء.

﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً  ﴾ نكر رجالًا ونساء وأكد هذا بقوله كثيرًا إشارة إلى كثرة الأنواع، وإلى أنه ليس المراد بالتثنية في قوله "منهما" آدم وحواء بل كل زوجين، وهو ينطبق على ما قلناه في تفسير الجملة السابقة، ثم إن ذكر خلق الزوج بعد ذكر خلق الناس لا يقتضي تأخره عنه في الزمن فإن العطف بالواو لا يفيد الترتيب ولا ينافي كون الكلام مرتبًا متناسقًا كما تطلب البلاغة، فإنه جاء على أسلوب التفصيل بعد الإجمال.

يقول إنه خلقكم من نفس واحدة فهذا إجمال فصله ببيان كونه خلق من جنس تلك النفس زوجًا لها، وجعل النسل من الزوجين كليهما فجميع سلائل البشر متولدة من زوجين ذكر وأنثى.

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ  ﴾ إن الأرحام إما منصوب عطفًا على لفظ الجلالة وإما مجرورة عطفًا على الضمير في "به" وهو جائز بنص هذه الآية على هذه القراءة، وهي متواترة خلافًا لبعضهم.

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا  ﴾ إن الله تعالى ذكرنا هنا بمراقبته لنا؛ لتنبيهنا إلى الإخلاص، يعني أن من تذكر أن الله مشرف عليه مراقب لأعماله كان جديرًا بأن يتقيه ويلتزم حدوده.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد