الآية ١ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١ من سورة النساء

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 219 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال العوفي عن ابن عباس : نزلت سورة النساء بالمدينة .

وكذا روى ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير ، وزيد بن ثابت ، وروى من طريق عبد الله بن لهيعة ، عن أخيه عيسى ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما نزلت سورة النساء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا حبس " .

وقال الحاكم في مستدركه : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا أبو البختري عبد الله بن محمد بن شاكر ، حدثنا محمد بن بشر العبدي ، حدثنا مسعر بن كدام ، عن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، قال : إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها : ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة ) الآية ، و ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ) الآية ، و ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) و ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك ) الآية ، و ( ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ) ثم قال : هذا إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن سمع من أبيه ، فقد اختلف في ذلك .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن رجل ، عن ابن مسعود قال في خمس آيات من النساء : لهن أحب إلي من الدنيا جميعا : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ) وقوله : ( وإن تك حسنة يضاعفها ) وقوله : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) وقوله : ( ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ) وقوله : ( والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما ) رواه ابن جرير : ثم روى من طريق صالح المري ، عن قتادة ، عن ابن عباس قال : ثمان آيات نزلت في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت ، أولاهن : ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم ) والثانية : ( والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ) والثالثة : ( يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ) .

ثم ذكر قول ابن مسعود سواء ، يعني في الخمسة .

الباقية .

وروى الحاكم من طريق أبي نعيم ، عن سفيان بن عيينة ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن ابن أبي مليكة ; سمعت ابن عباس يقول : سلوني عن سورة النساء ، فإني قرأت القرآن وأنا صغير .

ثم قال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .

بسم الله الرحمن الرحيم ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ( 1 ) ) يقول تعالى آمرا خلقه بتقواه ، وهي عبادته وحده لا شريك له ، ومنبها لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة ، وهي آدم ، عليه السلام ( وخلق منها زوجها ) وهي حواء ، عليها السلام ، خلقت من ضلعه الأيسر من خلفه وهو نائم ، فاستيقظ فرآها فأعجبته ، فأنس إليها وأنست إليه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن مقاتل ، حدثنا وكيع ، عن أبي هلال ، عن قتادة ، عن ابن عباس قال : خلقت المرأة من الرجل ، فجعل نهمتها في الرجل ، وخلق الرجل من الأرض ، فجعل نهمته في الأرض ، فاحبسوا نساءكم .

وفي الحديث الصحيح : " إن المرأة خلقت من ضلع ، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه ، فإن ذهبت تقيمه كسرته ، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج " .

وقوله : ( وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ) أي : وذرأ منهما ، أي : من آدم وحواء رجالا كثيرا ونساء ، ونشرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم وصفاتهم وألوانهم ولغاتهم ، ثم إليه بعد ذلك المعاد والمحشر .

ثم قال تعالى : ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ) أي : واتقوا الله بطاعتكم إياه ، قال إبراهيم ومجاهد والحسن : ( الذي تساءلون به ) أي : كما يقال : أسألك بالله وبالرحم .

وقال الضحاك : واتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون ، واتقوا الأرحام أن تقطعوها ، ولكن بروها وصلوها ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، والحسن ، والضحاك ، والربيع وغير واحد .

وقرأ بعضهم : ( والأرحام ) بالخفض على العطف على الضمير في به ، أي : تساءلون بالله وبالأرحام ، كما قال مجاهد وغيره .

وقوله : ( إن الله كان عليكم رقيبا ) أي : هو مراقب لجميع أعمالكم وأحوالكم كما قال : ( والله على كل شيء شهيد ) [ البروج : 9 ] .

وفي الحديث الصحيح : " اعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " وهذا إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب ; ولهذا ذكر تعالى أن أصل الخلق من أب [ واحد ] وأم واحدة; ليعطف بعضهم على بعض ، ويحننهم على ضعفائهم ، وقد ثبت في صحيح مسلم ، من حديث جرير بن عبد الله البجلي; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه أولئك النفر من مضر - وهم مجتابو النمار - أي من عريهم وفقرهم - قام فخطب الناس بعد صلاة الظهر فقال في خطبته : ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ) حتى ختم الآية وقال : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد [ واتقوا الله ] ) [ الحشر : 18 ] ثم حضهم على الصدقة فقال : " تصدق رجل من ديناره ، من درهمه ، من صاع بره ، صاع تمره .

.

.

" وذكر تمام الحديث .

وهكذا رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن ابن مسعود في خطبة الحاجة وفيها ثم يقرأ ثلاث آيات هذه منها : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم [ الذي خلقكم من نفس واحدة ] ) الآية .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز وجل : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة "، احذروا، أيها الناس، ربكم في أن تخالفوه فيما أمركم وفيما نهاكم، فيحلّ بكم من عقوبته ما لا قِبَل لكم به.

ثم وصف تعالى ذكره نفسه بأنه المتوحِّد بخلق جميع الأنام من شخص واحد، مُعَرِّفًا عباده كيف كان مُبتدأ إنشائه ذلك من النفس الواحدة، (1) ومنبِّهَهم بذلك على أن جميعهم بنو رجل واحد وأم واحدة= وأن بعضهم من بعض، وأن حق بعضهم على بعض واجبٌ وجوبَ حق الأخ على أخيه، لاجتماعهم في النسب إلى أب واحد وأم واحدة= وأن الذي يلزمهم من رعاية بعضهم حق بعض، وإن بَعُدَ التلاقي في النسب إلى الأب الجامع بينهم، مثل الذي يلزمهم من ذلك في النسب &; 7-514 &; الأدنى= (2) وعاطفًا بذلك بعضهم على بعض، ليتناصفوا ولا يتظالموا، وليبذُل القوي من نفسه للضعيف حقه بالمعروف على ما ألزمه الله له، فقال: " الذي خلقكم من نفس واحدة "، يعني: من آدم، كما:- 8400 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أمّا " خلقكم من نفس واحدة "، فمن آدم عليه السلام.

(3) 8401 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة "، يعني آدم صلى الله عليه.

(4) 8402 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد: " خلقكم من نفس واحدة "، قال: آدم.

* * * ونظير قوله: " من نفس واحدة "، والمعنيُّ به رجل، قول الشاعر.

أَبُــوكَ خَلِيفَــةٌ وَلدَتْــهُ أُخْــرَى وَأَنْـــتَ خَلِيفَـــةٌ, ذَاكَ الكَمَــالُ (5) فقال،" ولدته أخرى "، وهو يريد " الرجل "، فأنّث للفظ " الخليفة ".

وقال تعالى ذكره: " من نفس واحدة " لتأنيث " النفس "، والمعنى: من رجل واحد.

ولو قيل: " من نفس واحد "، وأخرج اللفظ على التذكير للمعنى، كان صوابًا.

(6) * * * القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " وخلق منها زوجها "، وخلق من النفس الواحدة زوجها= يعني بـ" الزوج "، الثاني لها.

(7) وهو فيما قال أهل التأويل، امرأتها حواء.

* ذكر من قال ذلك: 8403 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وخلق منها زوجها "، قال: حواء، من قُصَيري آدم وهو نائم، (8) فاستيقظ فقال: " أثا "= بالنبطية، امرأة.

8404 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

8405 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وخلق منها زوجها "، يعني حواء، خلقت من آدم، من ضِلَع من أضلاعه.

8406 - حدثني موسى بن هارون قال، أخبرنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أسكن آدمَ الجنة، فكان يمشي فيها وَحْشًا ليس له زوج يسكن إليها.

(9) فنام نومةً، فاستيقظ، فإذا عند رأسه امرأة قاعدة، خلقها الله من ضلعه، فسألها ما أنت؟

قالت: امرأة.

قال: ولم خلقت؟

قالت: لتسكن إليّ.

(10) 8407 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ألقي على آدم صلى الله عليه وسلم السَّنة -فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم، عن عبدالله بن العباس وغيره- ثم أخذ ضِلَعًا من أضلاعه، من شِقٍّه الأيسر، ولأم مكانه، (11) وآدم نائمٌ لم يهبَّ من نومته، حتى خلق الله تبارك وتعالى من ضِلَعه تلك زوجته حواء، فسوَّاها امرأة ليسكن إليها، فلما كُشِفت عنه السِّنة وهبَّ من نومته، رآها إلى جنبه، فقال -فيما يزعمون، والله أعلم-: لحمي ودمي وزوجتي!

فسكن إليها.

(12) 8408 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وخلق منها زوجها ".

جعل من آدم حواء.

* * * وأما قوله: " وبثَّ منهما رجالا كثيرًا ونساء "، فإنه يعني: ونشر منهما، يعني من آدم وحواء=" رجالا كثيرًا ونساء "، قد رآهم، كما قال جل ثناؤه: كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ [سورة القارعة: 4].

(13) * * * يقال منه: " بثَّ الله الخلق، وأبثهم ".

(14) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 8409 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل، قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وبث منهما رجالا كثيرًا ونساء "، وبثَّ، خلق.

* * * القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه عامة قرأة أهل المدينة والبصرة: " تَسَّاءَلونَ" بالتشديد، بمعنى: تتساءلون، ثم أدغم إحدى " التاءين " في" السين "، فجعلهما " سينًا " مشددة.

* * * وقرأه بعض قرأة الكوفة: " تَسَاءَلُونَ"، بالتخفيف، على مثال " تفاعلون "، * * * وهما قراءتان معروفتان، ولغتان فصيحتان= أعني التخفيف والتشديد في قوله: " تساءلون به "= وبأيِّ ذلك قرأ القارئ أصابَ الصواب فيه.

لأن معنى ذلك، بأيّ وجهيه قرئ، غير مختلف.

* * * وأما تأويله: واتقوا الله، أيها الناس، الذي إذا سأل بعضكم بعضًا سأل به، فقال السائل للمسئول: " أسألك بالله، وأنشدك بالله، وأعزِم عليك بالله "، وما أشبه ذلك.

يقول تعالى ذكره: فكما تعظّمون، أيها الناس، رّبكم بألسنتكم حتى تروا أنّ من أعطاكم عهده فأخفركموه، (15) فقد أتى عظيمًا.

فكذلك فعظّموه بطاعتكم إياه فيما أمركم، واجتنابكم ما نهاكم عنه، واحذروا عقابه من مخالفتكم إياه فيما أمركم به أو نهاكم عنه، كما:- 8410 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: " واتقوا الله الذي تساءلون به "، قال يقول: اتقوا الله الذي تعاقدون وتعاهدون به.

8411 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " واتقوا الله الذي تساءلون به "، يقول: اتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون.

8412 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس مثله.

8413 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، أخبرنا حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: " تساءلون به "، قال: تعاطفون به.

* * * وأما قوله: " والأرحام "، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم: معناه: واتقوا الله الذي إذا سألتم بينكم قال السائل للمسئول: " أسألك به وبالرّحِم " ذكر من قال ذلك: 8414 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن إبراهيم: " اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام "، يقول: اتقوا الله الذي تعاطفون به والأرحام.

يقول: الرجل يسأل بالله وبالرَّحم.

8415 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: هو كقول الرجل: " أسألك بالله، أسألك بالرحم "، يعني قوله: " واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ".

8416 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: " اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام "، قال يقول: " أسألك بالله وبالرحم ".

8417 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: هو كقول الرجل: " أسألك بالرحم ".

8418 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام "، قال يقول: " أسألك بالله وبالرحم ".

8419 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن منصور -أو مغيرة- عن إبراهيم في قوله: " واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام "، قال: هو قول الرجل: " أسألك بالله والرحم ".

8420 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن الحسن قال: هو قول الرجل: " أنشدك بالله والرحم ".

* * * قال محمد: (16) وعلى هذا التأويل قول بعض من قرأ قوله: " وَالأرْحَامِ" بالخفض عطفًا بـ" الأرحام "، على " الهاء " التي في قوله: " به "، كأنه أراد: واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام= فعطف بظاهر على مكنيّ مخفوض.

وذلك غير فصيح من الكلام عند العرب، لأنها لا تَنسُق بظاهر على مكني في الخفض، (17) إلا في ضرورة شعر، وذلك لضيق الشعر.

(18) وأما الكلام، فلا شيء يضطر المتكلم إلى اختيار المكروه من المنطق، والرديء في الإعراب منه.

ومما جاء في الشعر من ردّ ظاهر على مكنيّ في حال الخفض، قول الشاعر: (19) نُعَلِّـقُ فِـي مِثْـلِ السَّـوَارِي سُـيُوفَنَا وَمَـا بَيْنَهَـا والكَـعْبِ غُـوطٌ نَفَـانِفُ (20) فعطف بـ" الكعب " وهو ظاهر، على " الهاء والألف " في قوله: " بينها " وهي مكنية.

* * * وقال آخرون: تأويل ذلك:واتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الأرحام أن تقطعوها.

* ذكر من قال ذلك: 8421 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: " واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام "، يقول: اتقوا الله، واتقوا الأرحام لا تقطعوها.

8422 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد عن قتادة: " واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إنّ الله كان عليكم رقيبًا "، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: اتقوا الله، وصلُوا الأرحام، فإنه أبقى لكم في الدنيا، وخير لكم في الآخرة.

8423 - حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبدالله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قول الله: " واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام "، يقول: اتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الله في الأرحام فصِلُوها.

8424 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم، عن منصور، عن الحسن في قوله: " واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام "، قال: اتقوا الذي تساءلون به، واتقوه في الأرحام.

8425 - حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن عكرمة في قول الله: " الذي تساءلون به والأرحام "، قال: اتقوا الأرحام أن تقطعوها.

8426 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله: " واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام "، قال: هو قول الرجل: " أنشدك بالله والرَّحم ".

8427 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا الله، وصلوا الأرحام.

8428 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " الذي تساءلون به والأرحام "، قال: اتقوا الأرحام أن تقطعوها.

8429 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثني أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: " الذي تساءلون به والأرحام "، قال يقول: اتقوا الله في الأرحام فصلوها.

8430 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام "، قال يقول: واتقوا الله في الأرحام فصلوها.

8431 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي حماد، وأخبرنا أبو جعفر الخزاز، عن جويبر، عن الضحاك: أن ابن عباس كان يقرأ: " والأرحام "، يقول: اتقوا الله لا تقطعوها.

8432 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: اتقوا الأرحام.

8433 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال،" واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام "، أن تقطعوها.

8434 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " واتقوا الله الذي تساءلون به "، واتقوا الأرحام أن تقطعوها= وقرأ: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [سورة الرعد: 21].

* * * قال أبو جعفر: وعلى هذا التأويل قرأ ذلك من قرأه نصبًا بمعنى: واتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الأرحام أن تقطعوها= عطفًا بـ" الأرحام "، في إعرابها بالنصب &; 7-523 &; على اسم الله تعالى ذكره.

قال: والقراءة التي لا نستجيز لقارئٍ أن يقرأ غيرها في ذلك، (21) النصب: ( وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ )، بمعنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، لما قد بينا أن العرب لا تعطف بظاهرٍ من الأسماء على مكنيّ في حال الخفض، إلا في ضرورة شعر، على ما قد وصفت قبل.

(22) * * * القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: إنّ الله لم يزل عليكم رقيبًا.

* * * ويعني بقوله: " عليكم "، على الناس الذين قال لهم جل ثناؤه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ، والمخاطب والغائب إذا اجتمعا في الخبر، فإن العرب تخرج الكلام على الخطاب، فتقول: إذا خاطبتْ رجلا واحدًا أو جماعة فعلتْ هي وآخرون غُيَّبٌ معهم فعلا " فعلتم كذا، وصنعتم كذا ".

ويعني بقوله: " رقيبًا "، حفيظًا، مُحصيًا عليكم أعمالكم، متفقدًا رعايتكم حرمةَ أرحامكم وصلتكم إياها، وقطعكموها وتضييعكم حرمتها، كما:- 8435 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " إن الله كان عليكم رقيبًا "، حفيظًا.

8435م - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد في قوله: " إن الله كان عليكم رقيبًا "، على أعمالكم، يعلمها ويعرفها.

ومنه قول أبي دُؤاد الإيادِيّ: كَمَقَاعِدِ الرُّقَبَاءِ لِلضُّرَبَاءِ أَيْدِيهمْ نَوَاهِدْ (23) --------------------- الهوامش : (1) في المطبوعة والمخطوطة وعرف عباده..." ، واستظهرت من نهج أبي جعفر في بيانه ، ومن قوله بعد: "ومنبههم" ثم قوله: "وعاطفًا" ، على أن الصواب"ومعرفًا" ، وهو مقتضى سياق الكلام بعد ذلك كله.

(2) قوله: "وعاطفًا" ، عطف على قوله: "معرفًا عباده...

ومنبههم...".

(3) في المطبوعة: "صلى الله عليه وسلم" ، وأثبت ما فيه المخطوطة.

(4) في المطبوعة: "صلى الله عليه وسلم" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(5) سلف البيت وتخريجه في 6: 362.

(6) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 252.

(7) انظر تفسير"الزوج" فيما سلف 1: 514 / 2: 446 ، وأراد بقوله في تفسير"الزوج""الثاني لها" ، أن"الزوج" هو"الفرد الذي له قرين" ، فكل واحد من القرينين ، يقال له: "زوج" ، ثم قيل لامرأة الرجل ، وللرجل صاحب المرأة: "زوج".

(8) القصرى (بضم القاف وسكون الصاد وفتح الراء) والقصيري (بضم القاف وفتح الصاد ، على التصغير): أسفل الأضلاع ، أو هي الضلع التي تلي الشاكلة ، بين الجنب والبطن.

(9) قوله: "وحشا" ، أي وحده ليس معه غيره.

(10) الأثر: 4806- مضى هذا الأثر مطولا برقم: 710 ، وكان في المطبوعة هنا: "لتسكن إلي" باللام في أولها ، وأثبت نص المخطوطة ، وما سلف في الأثر: 710.

(11) لأم الشيء لأمًا ، ولاءمه ، فالتأم: أصلحه حتى اجتمع وذهب ما كان فيه من الصدع.

وفي روايته في الأثر رقم: 711: "ولأم مكانه لحما".

(12) الأثر: 8407- مضى هذا الأثر برقم: 711 ، وتخريجه هناك.

(13) انظر معاني القرآن للفراء 1: 252.

(14) انظر تفسير"بث" فيما سلف 3: 275.

(15) أخفر الذمة والعهد: نقضه وغدره وخاس به ، ولم يف بعهده.

(16) قوله: "قال محمد" ، يعني محمد بن جرير الطبري ، أبا جعفر صاحب التفسير.

وهذه أول مرة يكتب فيها الطبري ، أو أحد تلامذته ، أو بعض ناسخي تفسيره"قال محمد" ، دون كنيته قال"أبو جعفر".

وانظر ما سيأتي ص: 569 ، تعليق: 2.

(17) قوله: "تنسق" ، أي تعطف.

و"النسق" العطف ، انظر فهارس المصطلحات في هذه الأجزاء من التفسير ، و"المكني" الضمير ، انظر فهارس المصطلحات.

(18) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 252 ، 253 ، وقد ذكر هذه القراءة بإسنادها إلى إبراهيم بن يزيد النخعي ، وهي قراءة حمزة وغيره.

(19) هو مسكين الدارمي.

(20) معاني القرآن للفراء 1: 253 ، الحيوان 6: 493 ، 494 ، الإنصاف: 193 ، الخزانة ، 2: 338 ، العيني (بهامش الخزانة) 4: 164 ، وهو من أبيات ذكرها الجاحظ ، وأتمها العيني ، يمجد نفسه وقومه ، قال: لَقَــدْ عَلِمَـتْ قَيْسٌ وَخِـنْدِفُ أنَّنــي بِثَغْـرِهِمُ مِـنْ عَـارِمِ النَّـاسِ وَاقِـفُ وَقَـدْ عَلِمُـوا أَنْ لَـنْ يُبقَّـى عَـدُوُّهُمْ إِذَا قَذَفَتْــه فــي يَــدَيّ القَـوَاذِفُ وأنَّ أبَانَــا بِكــرُ آدَمَ، فَــاعْلَمُوا، وَحَـوَّاءَ، قَــرْمٌ ذُو عَثَـانينَ شَـارِفُ كَــأَنَّ عَــلَى خُرْطُومِــهِ مُتَهافِتًـا مِـنَ القُطْــنِ هَاجَتْـهُ الأكُفُ النَّوَادِفُ وَللَصَّــدَأُ المُسْــوَدُّ أَطْيـبُ عِنْدَنَـا مِـنَ المِسْـكِ، دَافَتْـهُ الأَكُفُّ الـدَّوَائِفُ تُعَلَّـقُ في مِثْـلِ السَّـوَارِي سُـيُوفُنَا ومـا بَيْنَهـا والكَـعْبِ غُـوطٌ نفـانِفُ وَتَضْحَـكُ عِرْفَـانَ الـدرُوع جُلُودُنَـا إِذَا جَـاء يَـوْمٌ مُظْلِـمُ اللَّـوْن كاسِفُ في أبيات أخر ، ورواية الحيوان: "والكعب منا تنائف" ، وفي الطبري ومعاني القرآن والخزانة"نعلق" بالنون ، وكلتاهما صواب.

و"السواري" جمع سارية ، وهي الأسطوانة.

و"الغوط" جمع غائط ، وهو المطمئن من الأرض.

و"النفانف" جمع نفنف: وهو الهواء بين شيئين ، وكل شيء بينه وبين الأرض مهوي بعيد فهو نفنف.

(21) في المخطوطة والمطبوعة: "لا نستجيز القارئ أن يقرأ" بتعريف"القارئ" ، وهو خطأ صوابه ما أثبت.

(22) انظر ما سلف قريبا ص: 519 ، 520.

(23) تهذيب الألفاظ: 475 ، المعاني الكبير: 1148 ، مجاز القرآن 1: 113 ، الميسر والقداح: 133 ، وغيرها ، وهو من أبيات جياد في نعت الثور الأبيض ، لم أجدها مجتمعة ، منها: وَقَـــوَائِمٌ خُــذُفٌ، لَهَــا مِــنْ خَلْفِهَــــا زَمَـــــعٌ زَوَائِـــدْ كَمقَـــاعِدِ الرُّقَبَـــاءِ لِلضُّـــرَ بَــــاءِ أَيْــــدِيهِمْ نَوَاهِــــدْ لَهَـــقٌ كَنَــارِ الـرَّأْسِ بِــالـ عَلْيَــــاءِ تُذْكِيهَـــا الأَعَـــابِدْ وَيُصِيــخُ أَحْيَانًــا كَمَـــا اسْـ ـتَمَــعَ المُضِــلُّ لِصَــوْتِ نَاشِـدْ يصف قوائم هذا الثور ، "خذف" جمع خذوف ، وهي السريعة السير والعدو ، تخذف الحصى بقوائمها.

أي تقذفه.

و"الزمع" جمع زمعة ، وهي هنة زائدة ناتئة فوق ظلف الشاة والثور ، مدلاة فيها شعر.

ثم وصف هذه الزمع الناتئة خلف أظلاف الثور ، وشبه إشرافها على الأظلاف بالرقباء المشرفين على الضرباء ، وقد مدوا أيديهم.

وهذا وصف في غاية البراعة والحسن.

و"الرقباء" جمع رقيب ، وهو أمين أصحاب الميسر ، يحفظ ضربهم بالقداح ويرقبهم.

و"الضرباء" جمع ضريب ، وهو الضارب بالقداح.

وزعم ابن قتيبة أن قوله: "أيديهم" أي: أيدي الضرباء ، وأخطأ ، إنما عنى أيدي الرقباء لا الضرباء.

وقوله: "لهق" هو البياض ، يعني بياض الثور ، فشبه بياضه بياض النار على رأس رابية مشرقة ، تذكي لهيبها العبيد.

ثم وصف الثور عند الارتياع ، فقال إنه يصيخ -أي ينصت مميلا رأسه ناحية من الفزع- و"المضل" الذي أضاع شيئًا فهو يترقب أن يجده."والناشد" ، هو الذي ينشد ضالة ، أي يعرفها ويصفها.

فهو يصغي لصوت المنشد المعرف إصغاء من يرجو أن تكون هي ضالته.

وهذا من جيد الشعر وبارعه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سورة النساءوهي مدنية إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي وهي قوله : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها على ما يأتي بيانه .

قال النقاش : وقيل : نزلت عند هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة .

وقد قال بعض الناس : إن قوله تعالى : يا أيها الناس حيث وقع إنما هو مكي ، وقاله علقمة وغيره ، فيشبه أن يكون صدر السورة مكيا ، وما نزل بعد الهجرة فإنما هو مدني .

وقال النحاس : هذه السورة مكية .قلت : والصحيح الأول ، فإن في صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت : ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ تعني قد بنى بها .

ولا خلاف بين العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بنى بعائشة بالمدينة .

ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها .

وأما من قال : إن قوله : يا أيها الناس مكي حيث وقع فليس بصحيح ؛ فإن البقرة مدنية وفيها قوله ، يا أيها الناس في موضعين ، وقد تقدم .

والله أعلمقوله يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبافيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم قد مضى في [ ص: 4 ] " البقرة " اشتقاق الناس ومعنى التقوى والرب والخلق والزوج والبث ، فلا معنى للإعادة .

وفي الآية تنبيه على الصانع .

وقال : " واحدة " على تأنيث لفظ النفس .

ولفظ النفس يؤنث وإن عني به مذكر .

ويجوز في الكلام " من نفس واحد " وهذا على مراعاة المعنى ؛ إذ المراد بالنفس آدم عليه السلام ، قاله مجاهد وقتادة .

وهي قراءة ابن أبي عبلة " واحد " بغير هاء .

وبث : فرق ونشر في الأرض ؛ ومنه وزرابي مبثوثة وقد تقدم في " البقرة " .ومنهما يعني آدم وحواء .

قال مجاهد : خلقت حواء من قصيرى آدم .

وفي الحديث : خلقت المرأة من ضلع عوجاء ، وقد مضى في البقرة .

رجالا كثيرا ونساء حصر ذريتهما في نوعين ؛ فاقتضى أن الخنثى ليس بنوع ، لكن له حقيقة ترده إلى هذين النوعين وهي الآدمية فيلحق بأحدهما ، على ما تقدم ذكره في " البقرة " من اعتبار نقص الأعضاء وزيادتها .الثانية : قوله تعالى واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام كرر الاتقاء تأكيدا وتنبيها لنفوس المأمورين .

والذي في موضع نصب على النعت .

والأرحام معطوف .

أي اتقوا الله أن تعصوه ، واتقوا الأرحام أن تقطعوها .

وقرأ أهل المدينة " تساءلون " بإدغام التاء في السين .

وأهل الكوفة بحذف التاء ، لاجتماع تاءين ، وتخفيف السين ؛ لأن المعنى يعرف ؛ وهو كقوله : ولا تعاونوا على الإثم وتنزل وشبهه .وقرأ إبراهيم النخعي وقتادة والأعمش وحمزة " الأرحام " بالخفض .وقد تكلم النحويون في ذلك .

فأما البصريون فقال رؤساؤهم : هو لحن لا تحل القراءة به .

وأما الكوفيون فقالوا : هو قبيح ؛ ولم يزيدوا على هذا ولم يذكروا علة قبحه ؛ قال النحاس : فيما علمت .وقال سيبويه : لم يعطف على المضمر المخفوض ؛ لأنه بمنزلة التنوين ، والتنوين لا يعطف عليه .

وقال جماعة : هو معطوف على المكني ؛ فإنهم كانوا يتساءلون بها ، يقول الرجل : سألتك بالله والرحم ؛ هكذا فسره الحسن والنخعي ومجاهد ، وهو الصحيح في المسألة ، على ما يأتي .

وضعفه أقوام منهم الزجاج ، وقالوا : يقبح عطف الاسم الظاهر على المضمر في الخفض إلا بإظهار الخافض ؛ كقوله فخسفنا به وبداره الأرض ويقبح " مررت به وزيد " .

قال الزجاج : عن المازني : لأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان [ ص: 5 ] ، يحل كل واحد منهما محل صاحبه ؛ فكما لا يجوز " مررت بزيد وك " كذلك لا يجوز " مررت بك وزيد " .

وأما سيبويه فهي عنده قبيحة ولا تجوز إلا في الشعر ؛ كما قال :فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجبعطف " الأيام " على الكاف في " بك " بغير الباء للضرورة .

وكذلك قول الآخر :نعلق في مثل السواري سيوفنا وما بينها والكعب مهوى نفانفعطف " الكعب " على الضمير في " بينها " ضرورة .

وقال أبو علي : ذلك ضعيف في القياس .

وفي كتاب التذكرة المهدية عن الفارسي أن أبا العباس المبرد قال : لو صليت خلف إمام يقرأ ما أنتم بمصرخي و اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام لأخذت نعلي ومضيت .

قال الزجاج : قراءة حمزة مع ضعفها وقبحها في العربية خطأ عظيم في أصول أمر الدين ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تحلفوا بآبائكم فإذا لم يجز الحلف بغير الله فكيف يجوز بالرحم .

ورأيت إسماعيل بن إسحاق يذهب إلى أن الحلف بغير الله أمر عظيم ، وأنه خاص لله تعالى .

قال النحاس : وقول بعضهم " والأرحام " قسم خطأ من المعنى والإعراب ؛ لأن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على النصب .

وروى شعبة عن عون بن أبي جحيفة ، عن المنذر بن جرير ، عن أبيه قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء قوم من مضر حفاة عراة ، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير لما رأى من فاقتهم ؛ ثم صلى الظهر وخطب الناس فقال : يا أيها الناس اتقوا ربكم ، إلى : والأرحام ؛ ثم قال : تصدق رجل بديناره تصدق رجل بدرهمه تصدق رجل بصاع تمره .

.

.

وذكر الحديث .

فمعنى هذا على النصب ؛ لأنه حضهم على صلة أرحامهم .

وأيضا فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت .

فهذا يرد قول من قال : المعنى أسألك بالله وبالرحم .

وقد قال أبو إسحاق : معنى تساءلون به يعني تطلبون حقوقكم به .

ولا معنى للخفض أيضا مع هذا .قلت : هذا ما وقفت عليه من القول لعلماء اللسان في منع قراءة " والأرحام " [ ص: 6 ] بالخفض ، واختاره ابن عطية .

ورده الإمام أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري ، واختار العطف فقال : ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين ؛ لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم تواترا يعرفه أهل الصنعة ، وإذا ثبت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن رد ذلك فقد رد على النبي صلى الله عليه وسلم ، واستقبح ما قرأ به ، وهذا مقام محذور ، ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو ؛ فإن العربية تتلقى من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يشك أحد في فصاحته .

وأما ما ذكر من الحديث ففيه نظر ؛ لأنه عليه السلام قال لأبي العشراء : وأبيك لو طعنت في خاصرته .

ثم النهي إنما جاء في الحلف بغير الله ، وهذا توسل إلى الغير بحق الرحم فلا نهي فيه .

قال القشيري : وقد قيل هذا إقسام بالرحم ، أي اتقوا الله وحق الرحم ؛ كما تقول : افعل كذا وحق أبيك .

وقد جاء في التنزيل : والنجم ، والطور ، والتين ، لعمرك وهذا تكلفقلت : لا تكلف فيه فإنه لا يبعد أن يكون " والأرحام " من هذا القبيل ، فيكون أقسم بها كما أقسم بمخلوقاته الدالة على وحدانيته وقدرته تأكيدا لها حتى قرنها بنفسه .

والله أعلم .ولله أن يقسم بما شاء ويمنع ما شاء ويبيح ما شاء ، فلا يبعد أن يكون قسما .

والعرب تقسم بالرحم .

ويصح أن تكون الباء مرادة فحذفها كما حذفها في قوله :مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعب إلا ببين غرابهافجر وإن لم يتقدم باء .

قال ابن الدهان أبو محمد سعيد بن مبارك : والكوفي يجيز عطف الظاهر على المجرور ولا يمنع منه .

ومنه قوله :آبك أيه بي أو مصدر من حمر الجلة جأب حشورومنه :فاذهب فما بك والأيام من عجبوقول الآخر :وما بينها والكعب غوط نفانفومنه :فحسبك والضحاك سيف مهندوقول الآخر :وقد رام آفاق السماء فلم يجد له مصعدا فيها ولا الأرض مقعدا[ ص: 7 ] وقول الآخر :ما إن بها والأمور من تلف ما حم من أمر غيبه وقعاوقول الآخر :أمر على الكتيبة لست أدري أحتفي كان فيها أم سواهاف " سواها " مجرور الموضع بفي .

وعلى هذا حمل بعضهم قوله تعالى : وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين فعطف على الكاف والميم .

وقرأ عبد الله بن يزيد " والأرحام " بالرفع على الابتداء ، والخبر مقدر ، تقديره : والأرحام أهل أن توصل .

ويحتمل أن يكون إغراء ؛ لأن من العرب من يرفع المغرى .

وأنشد الفراء :إن قوما منهم عمير وأشبا ه عمير ومنهم السفاحلجديرون باللقاء إذا قا ل أخو النجدة السلاح السلاحوقد قيل : إن " والأرحام " بالنصب عطف على موضع به ؛ لأن موضعه نصب ، ومنه قوله :فلسنا بالجبال ولا الحديداوكانوا يقولون : أنشدك بالله والرحم .

والأظهر أنه نصب بإضمار فعل كما ذكرنا .الثالثة : اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرمة .

وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء وقد سألته أأصل أمي ؟

نعم صلي أمك فأمرها بصلتها وهي كافرة .فلتأكيدها دخل الفضل في صلة الكافر ، حتى انتهى الحال بأبي حنيفة وأصحابه فقالوا بتوارث ذوي الأرحام إن لم يكن عصبة ولا فرض مسمى ، ويعتقون على من اشتراهم من ذوي رحمهم لحرمة الرحم ؛ وعضدوا ذلك بما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من ملك ذا رحم محرم فهو حر .

وهو قول أكثر أهل العلم .

روي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود ، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة .

وهو قول الحسن البصري وجابر بن زيد وعطاء والشعبي والزهري ، وإليه ذهب الثوري وأحمد وإسحاق .

ولعلمائنا في [ ص: 8 ] ذلك ثلاثة أقوال : الأول - أنه مخصوص بالآباء والأجداد .الثاني - الجناحان يعني الإخوة .الثالث - كقول أبي حنيفة .وقال الشافعي : لا يعتق عليه إلا أولاده وآباؤه وأمهاته ، ولا يعتق عليه إخوته ولا أحد من ذوي قرابته ولحمته .والصحيح الأول للحديث الذي ذكرناه وأخرجه الترمذي والنسائي .

وأحسن طرقه رواية النسائي له ؛ رواه من حديث ضمرة ، عن سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ملك ذا رحم محرم فقد عتق عليه .

وهو حديث ثابت بنقل العدل عن العدل ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بعلة توجب تركه ؛ غير أن النسائي قال في آخره : هذا حديث منكر .

وقال غيره : تفرد به ضمرة .

وهذا هو معنى المنكر والشاذ في اصطلاح المحدثين .

وضمرة عدل ثقة ، وانفراد الثقة بالحديث لا يضره .

والله أعلم .الرابعة : واختلفوا من هذا الباب في ذوي المحارم من الرضاعة .

فقال أكثر أهل العلم لا يدخلون في مقتضى الحديث .

وقال شريك القاضي بعتقهم .

وذهب أهل الظاهر وبعض المتكلمين إلى أن الأب لا يعتق على الابن إذا ملكه ؛ واحتجوا بقوله عليه السلام : لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه .

قالوا : فإذا صح الشراء فقد ثبت الملك ، ولصاحب الملك التصرف .

وهذا جهل منهم بمقاصد الشرع ؛ فإن الله تعالى يقول : وبالوالدين إحسانا فقد قرن بين عبادته وبين الإحسان للوالدين في الوجوب ، وليس من الإحسان أن يبقى والده في ملكه وتحت سلطانه ؛ فإذا يجب عليه عتقه إما لأجل الملك عملا بالحديث فيشتريه فيعتقه ، أو لأجل الإحسان عملا بالآية .

ومعنى الحديث عند الجمهور أن الولد لما تسبب إلى عتق أبيه باشترائه نسب الشرع العتق إليه نسبة الإيقاع منه .

وأما اختلاف العلماء فيمن يعتق بالملك ، فوجه القول الأول ما ذكرناه من معنى الكتاب والسنة ، ووجه الثاني إلحاق القرابة القريبة المحرمة بالأب المذكور في الحديث ، ولا أقرب للرجل من ابنه فيحمل على الأب ، والأخ يقاربه في ذلك لأنه يدلي بالأبوة ؛ فإنه يقول : أنا ابن أبيه .

وأما القول الثالث فمتعلقه حديث ضمرة وقد ذكرناه .

والله أعلم .الخامسة : قوله تعالى : والأرحام الرحم اسم لكافة الأقارب من غير فرق بين [ ص: 9 ] المحرم وغيره .

وأبو حنيفة يعتبر الرحم المحرم في منع الرجوع في الهبة ، ويجوز الرجوع في حق بني الأعمام مع أن القطيعة موجودة والقرابة حاصلة ؛ ولذلك تعلق بها الإرث والولاية وغيرهما من الأحكام .

فاعتبار المحرم زيادة على نص الكتاب من غير مستند .

وهم يرون ذلك نسخا ، سيما وفيه إشارة إلى التعليل بالقطيعة ، وقد جوزوها في حق بني الأعمام وبني الأخوال والخالات .

والله أعلم .السادسة : قوله تعالى : إن الله كان عليكم رقيبا أي حفيظا ؛ عن ابن عباس ومجاهد .

ابن زيد : عليما .

وقيل : رقيبا حافظا ؛ قيل : بمعنى فاعل .

فالرقيب من صفات الله تعالى ، والرقيب : الحافظ والمنتظر ؛ تقول رقبت أرقب رقبة ورقبانا إذا انتظرت .

والمرقب : المكان العالي المشرف ، يقف عليه الرقيب .

والرقيب : السهم الثالث من السبعة التي لها أنصباء .

ويقال : إن الرقيب ضرب من الحيات ، فهو لفظ مشترك .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

افتتح تعالى هذه السورة بالأمر بتقواه، والحث على عبادته، والأمر بصلة الأرحام، والحث على ذلك.

وبيَّن السبب الداعي الموجب لكل من ذلك، وأن الموجب لتقواه لأنه { رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ } ورزقكم، ورباكم بنعمه العظيمة، التي من جملتها خلقكم { مِن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } ليناسبها، فيسكن إليها، وتتم بذلك النعمة، ويحصل به السرور، وكذلك من الموجب الداعي لتقواه تساؤلكم به وتعظيمكم، حتى إنكم إذا أردتم قضاء حاجاتكم ومآربكم، توسلتم بـها بالسؤال بالله.

فيقول من يريد ذلك لغيره: أسألك بالله أن تفعل الأمر الفلاني؛ لعلمه بما قام في قلبه من تعظيم الله الداعي أن لا يرد من سأله بالله، فكما عظمتموه بذلك فلتعظموه بعبادته وتقواه.

وكذلك الإخبار بأنه رقيب، أي: مطلع على العباد في حال حركاتـهم وسكونـهم، وسرهم وعلنهم، وجميع أحوالهم، مراقبا لهم فيها مما يوجب مراقبته، وشدة الحياء منه، بلزوم تقواه.

وفي الإخبار بأنه خلقهم من نفس واحدة، وأنه بثهم في أقطار الأرض، مع رجوعهم إلى أصل واحد -ليعطف بعضهم على بعض، ويرقق بعضهم على بعض.

وقرن الأمر بتقواه بالأمر ببر الأرحام والنهي عن قطيعتها، ليؤكد هذا الحق، وأنه كما يلزم القيام بحق الله، كذلك يجب القيام بحقوق الخلق، خصوصا الأقربين منهم، بل القيام بحقوقهم هو من حق الله الذي أمر به.

وتأمل كيف افتتح هذه السورة بالأمر بالتقوى، وصلة الأرحام والأزواج عموما، ثم بعد ذلك فصل هذه الأمور أتم تفصيل، من أول السورة إلى آخرها.

فكأنـها مبنية على هذه الأمور المذكورة، مفصلة لما أجمل منها، موضحة لما أبهم.

وفي قوله: { وخلق مِنْهَا زَوْجَهَا } تنبيه على مراعاة حق الأزواج والزوجات والقيام به، لكون الزوجات مخلوقات من الأزواج، فبينهم وبينهن أقرب نسب وأشد اتصال، وأقرب علاقة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ) يعني : آدم عليه السلام ، ( وخلق منها زوجها ) يعني : حواء ، ( وبث منهما ) نشر وأظهر ، ( رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به ) أي : تتساءلون به ، وقرأ أهل الكوفة بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين ، كقوله تعالى : ( ولا تعاونوا ) ، ( والأرحام ) قراءة العامة بالنصب ، أي : واتقوا الأرحام أن تقطعوها ، وقرأ حمزة بالخفض ، أي : به وبالأرحام كما يقال : سألتك بالله والأرحام ، والقراءة الأولى أفصح لأن العرب لا تكاد =تنسق بظاهر على مكنى ، إلا أن تعيد الخافض فتقول : مررت به وبزيد ، إلا أنه جائز مع قلته ، ( إن الله كان عليكم رقيبا ) أي : حافظا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الناس» أي أهل مكة «اتقوا ربكم» أي عقابه بأن تطيعوه «الذي خلقكم من نفس واحدة» آدم «وخلق منها زوجها» حواء بالمد من ضلع من أضلاعه اليسرى «وبث» فرق ونشر «منهما» من آدم وحواء «رجالا كثيرا ونساء» كثيرة «واتقوا الله الذي تَسّاءلون» فيه إدغام التاء في الأصل في السين، وفي قراءة بالتخفيف بحذفها أي تتساءلون «به» فيما بينكم حيث يقول بعضكم لبعض أسألك بالله وأنشدك بالله «و» اتقوا «الأرحام» أن تقطعوها، وفي قراءة بالجر عطفا على الضمير في به وكانوا يتناشدون بالرحم «إنَّ الله كان عليكم رقيبا» حافظا لأعمالكم فيجازيكم بها، أي لم يزل متصفا بذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الناس خافوا الله والتزموا أوامره، واجتنبوا نواهيه؛ فهو الذي خلقكم من نفس واحدة هي آدم عليه السلام، وخلق منها زوجها وهي حواء، ونشر منهما في أنحاء الأرض رجالا كثيرًا ونساء كثيرات، وراقبوا الله الذي يَسْأل به بعضكم بعضًا، واحذروا أن تقطعوا أرحامكم.

إن الله مراقب لجميع أحوالكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

افتتحت السورة الكريمة بهذا النداء الشامل لجميع المكلفين من وقت نزولها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، وذلك لأن لفظ الناس لا يختص بقبيل دون قبيل ، ولا بقوم دون قوم ، وقد دخلته الألف واللام المفيدة للاستغراق؛ ولأن ما في مضمون هذا النداء من إنذار وتبشير وأمر بمراقبة الله وخشيته ، يتناول جميع المكلفين لا أهل مكة وحدهم كما ذكره بعضهم؛ لأن تخصيص قوله - تعالى - ( ياأيها الناس ) بأهل مكة تخصيص بغير مخصص .والمراد بالنفس الواحدة هنا : آدم - عليه السلام - .

وقد جاء الوصف وهو واحدة بالتأنيث باعتبار لفظ النفس فإنها مؤنثة .ومن فى قوله ( مِنْهَا ) للتبعيض .

والضمير المؤنث " ها " يعود إلى النفس الواحدة .والمراد بقوله - تعالى - : ( زَوْجَهَا ) حواء؛ فإنها أخرجت من آدم كما يقتضيه ظاهر قوله - تعالى - ( مِنْهَا ) .قال الفخر الرازى ما ملخصه : " المراد من هذا الزوج هو حواء .

وفى كون حواء مخلوقة من آدم قولان :الأول : وهو الذي عليه الأكثرون : أنه لما خلق الله - تعالى - آدم ألقى عليه النوم ، ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه ، فلما استيقظ رآها ومال إليها وألفها ، لأنها كانت مخلوقة من جزء من أجزائه .

واحتجوا عليه بقول النبى صلى الله عليه وسلم : " إن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها "والقول الثانى : وهو اختيار أبى مسلم الأصفهانى : أن المراد من قوله ( وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) أى من جنسها .

وهو كقوله - تعالى - ( والله جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ) وكقوله ( إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ) وقوله ( لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ) قال القاضى : والقول الأول أقوى ، لكى يصح قوله : ( خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ) ، إذ لو كانت حواء مخلوقة إبتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة .وقد تضمن هذا النداء لجميع المكلفين تنبيهم إلى أمرين :أولهما : وحدة الاعتقاد بأن ربهم جميعا واحد لا شريك له .

فهو الذى خلقهم وهو الذى رزقهم ، وهو الذى يميتهم وهو الذى يحييهم ، وهو الذى أوجد أبيضهم وأسودهم ، وعربيهم وأعجميهم .وثانيهما : وحدة النوع والتكوين ، إذ الناس جميعاً على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم قد انحدروا عن أصل واحد وهو آدم - عليه السلام - .فيجب أن يشعر الجميع بفضل الله عليهم .

وأن يخلصوا له العبادة والطاعة ، وأن يتعاونوا على البر والتقوى لا على الإِثم والعدوان ، وأن يوقنوا بأنه لا فضل لجنس على جنس ، ولا للون على لون إلا بمقدار حسن صلتهم بربهم وما لكهم ومدبر أمورهم .والمعنى : يا أيها الناس اتقوا ربكم بأن تطيعوه فلا تعصوه ، وبأن تشكروه فلا تكفروه ، فهو وحده الذى أوجدكم من نفس واحدة هى نفس أبيكم آدم ، وذلك من أظهر الأدلة على كمال قدرته - سبحانه ، ومن أقوى الدواعى إلى اتقاء موجبات نقمته ، ومن أشد المقتضيات التى تحملكم على التاطف والتراحم والتعاون فيما بينكم ، إذ أنتم جميعا قد أوجدكم - سبحانه - من نفس واحدة .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : " فإن قلت : الذى يقتضيه سداد نظم الكلام وجزالته ، أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يوجبها أو يدعو إليها ويحث عليها فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة على التفصيل الذى ذكره موجبا للتقوى وداعيا إليها؟قلت : لأن ذلك مما يدل على القدرة العظيمة .

ومن قدر على نحوه كان قادرا على كل شىء ، ولأنه يدل على النعمة السابغة عليهم ، فحقهم أن يتقوه فى كفرانها والتفريط فيما يلزمهم من القيام بشكرها .

أو أراد بالتقوى تقوى خاصة ، وهى أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم ، فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله فقيل : اتقوا ربكم الذى وصل بينكم؛ حيث جعلكم صنوانا مفرعة من أرومة واحدة فيما يجب على بعضكم لبعض ، فحافظوا عليه ولا تغفلوا عنه وهذا المعنى مطابق لمعانى السورة " .وقوله : ( وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) معطوف على قوله ( خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ) .

أو معطوفة على محذوف والتقدير : خلقكم من نفس واحدة ابتدأها وخلق منها زوجها .ثم بين - سبحانه - ما ترتب على هذا الازدواج من تناسل فقال : ( وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ) .والبث معناه : النشر والتفريق .

يقال : بث الخيل فى الغارة ، أى فرقها ونشرها .

ويقال : يثثت البسط إذا نشرتها .

قال - تعالى - ( وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ) أى منشورة .والمعنى : ونشر وفرق من تلك النفس الواحدة وزوجها على وجه التوالد والتناسل ، رجالا كثيرا ونساء كثيرة .والتعبير بالبث يفيد أن هؤلاء الذين توالدوا وتناسلوا عن تلك النفس وزوجها ، قد تكاثروا وانتشروا فى أقطار الأرض على اختلاف ألوانهم ولغاتهم ، وأن من الواجب عليهم مهما تباعدت ديارهم ، واختلفت ألسنتهم وأشكالهم أن يدركوا أنهم جميعا ينتمون إلى أصل واحد ، وهذا يقتضى تراحمهم وتعاطفهم فيما بينهم .

وقوله ( كَثِيراً ) صفة لقوله ( رِجَالاً ) وهو صفة مؤكدة لما إفاده التنكير من معنى الكثرة .

وجاء الوصف بصيغة الإِفراد ، لأن ( كَثِيراً ) وإن كان مفردا لفظا إلا أنه دال على معنى الجمع .

واستغنى عن وصف النساء بالكثرة ، اكتفاء بوصف الرجال بذلك ، ولأن الفعل ( وَبَثَّ ) يقضى الكثرة والانتشار .وقال الفخر الرازى : خصص وصف الكثرة بالرجال دون النساء ، لأن شهرة الرجال أتم ، فكانت كثرتهم أظهر ، فلا جرم خصوا بوصف الكثرة .

وهذا كالتنبيه على أن اللائق بحال الرجال الاشتهار والخروج البروز .

واللائق بحال النساء الاختفاء والخمول " .وقوله : ( واتقوا الله الذي تَسَآءَلُونَ بِهِ والأرحام ) تكرير للأمر بالتقوى لتربية المهابة فى النفس وتذكير ببعض آخر من الأمور الموجبة لخشية الله وامتثال أوامره .وقوله ( تَسَآءَلُونَ ) أصلها تتساءلون فطرحت إحدى التاءين تخفيفا .

وهى قراءة عصام وحمزة الكسائى .وقرأ الباقون " تساءلون " بالتشديد بإدغام تاء التفاعل فى السينه لتقاربهما فى الهمس .

والأرحام : جمع رحم وهى القرابة .

مشتقة من الرحمة ، لأن ذوى القرابة من شأنهم أن يتراحموا ويعطف بعضهم على بعض .وكلمة ( والأرحام ) قرأها الجمهور بالنصب عطفا على اسم الله تعالى .والمعنى؛ واتقوا الله الذى يسأل بعضكم بعضا به ، بأن يقول له على سبيل الاستعطاف : أسألك بالله أن تفعل كذا ، أو أن تترك كذا .

واتقوا الأرحام أن تقطعوها فلا تصلوها بالبر والإِحسان ، فإن قطيعتها وعدم صلتها مما يجب أن يتقى ويبعد عنه ، وإنما الذى يجب أن يفعل هو صلتها وبرها .وقرأها حمزة بالجر عطفا على الضمير المجرور فى ( به ) .

أى : اتقوا الله الذى تساءلون به وبالأرحام بأن يقول بعضكم لبعض مستعطفا أسألك بالله وبالرحم أن تفعل كذا .وقد كان من عادة العرب أن يقرنوا الأرحام بالله تعالى - فى المناشدة والسؤال فيقولون : اسألك بالله وبالرحم .ولم يرتض كثير من النحويين هذه القراءة من حمزة ، وقالوا : إنها تخالف القواعد النحوية التى تقول : إن عطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور المتصل بدون إعادة الجار لا يصح ، لأن الضمير المجرور المتصل بمنزلة الحرف ، والحرف لا يصح عطف الاسم الظاهر عليه ، ولأن الضمير المجرور كبعض الكلمة لشدة اتصاله بها ، وكما أنه لا يجوز أن يعطف على بعض الكلمة فكذلك لا يجوز أن يعطف عليه .

إلى غير ذلك مما قالوه فى تضعيف هذه القراءة .

وقد دافع كثير من المفسرين عن هذه القراءة التى قرأها حمزة .

وأنكروا على النحويين تشنيعهم عليه .ومما قاله القرطبى فى دفاعه عن صحة هذه القراءة : ومثل هذا الكلام - أى من النحويين - مردود عند أئمة الدين ، لأن القراءات التى قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبى صلى الله عليه وسلم تواترا يعرفه أهل الصنعة ، وإذا ثبت شىء عن النبى صلى الله عليه وسلم فمن رد ذلك فقد رد على النبى صلى الله عليه وسلم واسقبح ما قرأ به .وهذا مقام محذور ، ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو ، فإن العربية تتلقى من النبى صلى الله عليه وسلم ولا يشك أحد فى فصاحته .ثم قال : والكوفى يجيز عطف الظاهر على الضمير المجرور ولا يمنع منه ، ومنه قولهم :فاذهب فما بك والأيام من عجبومما قاله الفخر الرازى فى ذلك : واعلم أن هذه الوجوه - أى التى احتج بها النحويون في تضعيف قراءة حمزة - ليست وجوها قوية فى رفع الروايات الواردة فى اللغات؛ وذلك لأن حمزة أحد القراء السبعة ، ولم يأت بهذه القراءة من عند نفسه ، بل رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك يوجب القطع بصحة هذه اللغة ، والقياس يتضاءل عند سماع لا سيما بمثل هذه الأقيسة التى هى أوهن من بيت العنكبوت .وأيضا فلهذه القراءة وجهان :أحدهما : أنها على تقدير تكرير الجار .

كأنه قيل : تساءلون به وبالأرحام .وثانيهما : أنه ورد ذلك فى الشعر ومنه :نعلق فى مثل السوارى سيوفنا ...

وما بينها والكعب غوط نفائفثم قال : والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون إثبات هذه اللغة بمثل هذه الأبيات المجهولة ، ولا يستحسنوا إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد ، مع أنهما كانا من أكابر علماء السلف فى علم القرآن " .هذا ، وهناك قراءة بالرفع .

قال الآلوسى : وقرأ ابن زيد ( والأرحام ) بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر .

أى والأرحام كذلك أى مما يتقى لقرينه ( واتقوا ) .

أو مما يتساءل به لقرينة ( تَسَآءَلُونَ ) .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يحمل العقلاء على المبالغة فى تقوى الله ، وفى صلة الرحم فقال - تعالى : ( إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) .

أى حافظا يحصى عليكم كل شىء .

من رقبه إذا حفظه .أو مطلعا على جميع أحوالكم وأعمالكم ، ومنه المرقب للمكان العالى الذى يشرف منه الرقيب ليطلع على ما دونه .وقد أكد - سبحانه - رقابته على خلقه ، واطلاعه على جميع أحوالهم بأوثق المؤكدات .

فقد أكد - سبحانه - الجملة الكريمة بإن ، وبتكرار لفظ الجلالة التى يبعث فى النفوس كل معانى الخشية والعبودية له ، وبالتعبير بكان الدالة على الدوام والاستمرار ، وبذكر الفوقية التى يدل عليها لفظ ( عَلَيْكُمْ ) إذ هو يفيد معنى الاطلاع الدائم مع السيطرة والقهر ، وبالإِتيان بصيغة المبالغة وهى قوله : ( رَقِيباً ) أى شديد المراقبة لجميع أقوالكم وأعمالكم فهو يراها ويعلمها وسيحاسبكم عليها يوم القيامةوقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة : وجوب مراقبته - سبحانه - وخشيته وإخلاص العبادة له ، لأنه هو الذى أوجدهم من نفس واحدة ، وهو الذى أوجد من هذه النفس الموحدة زوجها ، وهو الذى أوجد منها عن طريق التناسل الذكور والإِناث الذين يملؤون أقطار الأرض على اختلاف صفاتهم وألوانهم ولغاتهم ، وهو الذى لا تخفى عليه خافية من أحوالهم ، بل هو مطلع عليهم وسيحاسبهم على أعمالهم يوم الدين ، ومن كان كذلك فمن حقه أن يتقى ويخضى ويطاع ولا يعصى .كما أخذوا منها جواز المسألة بالله - تعالى - لأنه - سبحانه - قد أقرهم على هذا التساؤل؛ لكونهم يعتقدون عظمته وقدرته .وقد ورد فى هذا الباب أحاديث متعددة منها ما أخرجه الإِمام أحمد وأبو داود والنسائى وابن حبان عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من استعاذ بالله فأعيذه ، ومن سألكم بالله فأعطوه ، ومن دعاكم فأجيبوه .

ومن أسدى إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لم تجدوا ما تكافئون به فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه " .نعم من أداه التساؤل باسمه - تعالى - إلى التساهل فى شأنه ، وجعله عرضة لعدم إجلاله ، فإنه يكون محظورا قطعا .

وعليه يحمل ما ورد من أحاديث تصرح بلعن من سأل بوجه الله .

ومنها ما رواه الطبرانى عن أبى موسى الأشعرى مرفوعا : ملعون من سأل بوجه الله .

وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجراً .

أى ما لم يسأل أمرا قبيحا لا يليق .كما أخذوا منها أيضا وجوب صلة الرحم ، فقد جعل - سبحانه - الإِحسان إلى الآباء وإلى الأقارب فى المنزلتين الثانية والثالثة بعد الأمر بعبادته فقال : ( واعبدوا الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إِحْسَاناً وَبِذِي القربى واليتامى والمساكين ) ومن الأحاديث التى وردت فى وجوب صلة الرحم ما رواه البخارى عن أبى هريرة قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من سره أن يبسط له فى رزقه ، وأن ينسأ له فى أجله ، فليصل رحمه "وأخرج الإِمام مسلم فى صحيحه عن عائشة - رضى الله عنها - عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " الرحم مغلفة بالعرش .

تقول : من وصلنى وصله الله ، ومن قطعنى قطعه الله "وأخرج البخارى عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ليس الواصل بالمكافىء "ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها .إلى غير ذلك من الأحاديث التى وردت فى الترغيب فى صلة الرحم والترهيب من قطيعتها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذه السورة مشتملة على أنواع كثيرة من التكاليف، وذلك لأنه تعالى أمر الناس في أول هذه السورة بالتعطف على الأولاد والنساء والأيتام، والرأفة بهم وإيصال حقوقهم إليهم وحفظ أموالهم عليهم، وبهذا المعنى ختمت السورة، وهو قوله: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة  ﴾ وذكر في أثناء هذه السورة أنواعا أخر من التكاليف، وهي الأمر بالطهارة والصلاة وقتال المشركين ولما كانت هذه التكاليف شاقة على النفوس لثقلها على الطباع، لا جرم افتتح السورة بالعلة التي لأجلها يجب حمل هذه التكاليف الشاقة، وهي تقوى الرب الذي خلقنا والاله الذي أوجدنا، فلهذا قال: ﴿ يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: روى الواحدي عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا أَيُّهَا الناس ﴾ أن هذا الخطاب لأهل مكة، وأما الأصوليون من المفسرين فقد اتفقوا على أن الخطاب عام لجميع المكلفين، وهذا هو الأصح لوجوه: أحدها: أن لفظ الناس جمع دخله الألف واللام فيفيد الاستغراق.

وثانيها: أنه تعالى علل الأمر بالاتقاء بكونه تعالى خالقاً لهم من نفس واحدة، وهذه العلة عامة في حق جميع المكلفين بأنهم من آدم عليه السلام خلقوا بأسرهم، وإذا كانت العلة عامة كان الحكم عاما.

وثالثها: أن التكليف بالتقوى غير مختص بأهل مكة، بل هو عام في حق جميع العالمين، وإذا كان لفظ الناس عاما في الكل، وكان الأمر بالتقوى عاما في الكل، وكانت علة هذا التكليف، وهي كونهم خلقوا من النفس الواحدة عامة في حق الكل، كان القول بالتخصيص في غاية البعد.

وحجة ابن عباس أن قوله: ﴿ واتقوا الله الذي تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام ﴾ مختص بالعرب لأن المناشدة بالله وبالرحم عادة مختصة بهم.

فيقولون أسألك بالله وبالرحم، وأنشدك الله والرحم، وإذا كان كذلك كان قوله: ﴿ واتقوا الله الذي تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام ﴾ مختصا بالعرب، فكان أول الآية وهو قوله: ﴿ أَيُّهَا الناس ﴾ مختصا بهم لأن قوله في أول الآية: ﴿ اتقوا رَبَّكُمُ ﴾ وقوله بعد ذلك: ﴿ واتقوا الله الذي تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام ﴾ وردا متوجهين إلى مخاطب واحد، ويمكن أن يجاب عنه بأنه ثبت في أصول الفقه أن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها، فكان قوله: ﴿ يا أَيُّهَا الناس ﴾ عاما في الكل، وقوله: ﴿ واتقوا الله الذي تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام ﴾ .

خاصاً بالعرب.

المسألة الثانية: أنه تعالى جعل هذا المطلع مطلعا لسورتين في القرآن: إحداهما: هذه السورة وهي السورة الرابعة من النصف الأول من القرآن.

والثانية: سورة الحج، وهي أيضا السورة الرابعة من النصف الثاني من القرآن، ثم إنه تعالى علل الأمر بالتقوى في هذه السورة بما يدل على معرفة المبدأ، وهو أنه تعالى خلق الخلق من نفس واحدة، وهذا يدل على كمال قدرة الخالق وكمال علمه وكمال حكمته وجلاله، وعلل الأمر بالتقوى في سورة الحج بما يدل على كمال معرفة المعاد، وهو قوله: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيء عَظِيمٌ  ﴾ فجعل صدر هاتين السورتين دلالة على معرفة المبدأ ومعرفة المعاد، ثم قدم السورة الدالة على المبدأ على السورة الدالة على المعاد، وتحت هذا البحث أسرار كثيرة.

المسألة الثالثة: اعلم أنه تعالى أمرنا بالتقوى وذكر عقبيه أنه تعالى خلقنا من نفس واحدة، وهذا مشعر بأن الأمر بالتقوى معلل بأنه تعالى خلقنا من نفس واحدة، ولا بد من بيان المناسبة بين هذا الحكم وبين ذلك الوصف، فنقول: قولنا إنه تعالى خلقنا من نفس واحدة، مشتمل على قيدين: أحدهما: أنه تعالى خلقنا، والثاني: كيفية ذلك التخليق، وهو أنه تعالي إنما خلقنا من نفس واحدة، ولكل واحد من هذين القيدين أثر في وجوب التقوى.

أما القيد الأول: وهو أنه تعالى خلقنا، فلا شك أن هذا المعنى علة لأن يجب علينا الانقياد لتكاليف الله تعالى والخضوع لأوامره ونواهيه، وبيان ذلك من وجوه: الأول: أنه لما كان خالقا لنا وموجداً لذواتنا وصفاتنا فنحن عبيده وهو مولى لنا، والربوبية توجب نفاذ أوامره على عبيده، والعبودية توجب الانقياد للرب والموجد والخالق.

الثاني: أن الإيجاد غاية الإنعام ونهاية الإحسان، فإنك كنت معدوما فأوجدك، وميتا فأحياك، وعاجزا فأقدرك.

وجاهلا فعلمك، كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ الذي خلقني فهو يهدين والذين هو يطعمني ويسقين ﴾ فلما كانت النعم بأسرها من الله سبحانه وجب على العبد أن يقابل تلك النعم بإظهار الخضوع والانقياد، وترك التمرد والعناد، وهذا هو المراد بقوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ  ﴾ الثالث: وهو أنه لما ثبت كونه موجدا وخالقاً وإلها وربا لنا.

وجب علينا أن نشتغل بعبوديته وأن نتقي كل ما نهى عنه وزجر عنه، ووجب أن لا يكون شيء من هذه الأفعال موجباً ثواباً ألبتة، لأن هذه الطاعات لما وجبت في مقابلة النعم السالفة امتنع أن تصير موجبة للثواب، لأن أداء الحق إلى المستحق لا يوجب شيئاً آخر، هذا إذا سلمنا أن العبد أتى بتلك الطاعات من عند نفسه ابتداء، فكيف وهذا محال، لأن فعل الطاعات لا يحصل إلا إذا خلق الله القدرة على الطاعة، وخلق الداعية على الطاعة، ومتى حصلت القدرة والداعي كان مجموعهما موجبا لصدور الطاعة عن العبد، وإذا كان كذلك كانت تلك الطاعة إنعاما من الله على عبده، والمولى إذا خص عبده بإنعام لم يصر ذلك الإنعام موجبا عليه إنعاماً آخر، فهذا هو الاشارة إلى بيان أن كونه خالقاً لنا يوجب علينا عبوديته والاحتراز عن مناهيه.

وأما القيد الثاني: وهو أن خصوص كونه خالقاً لنا من نفس واحدة يوجب علينا الطاعة والاحتراز عن المعصية، فبيانه من وجوه: الأول: أن خلق جميع الأشخاص الانسانية من الإنسان الواحد أدل على كمال القدرة، من حيث أنه لو كان الأمر بالطبيعة والخاصية لكان المتولد من الإنسان الواحد، لم يكن إلا أشياء متشاكلة في الصفة متشابهة في الخلقة والطبيعة، فلما رأينا في أشخاص الناس الأبيض والأسود والأحمر والأسمر والحسن والقبيح والطويل والقصير، دل ذلك على أن مدبرها وخالقها فاعل مختار، لا طبيعة مؤثرة، ولا علة موجبة، ولما دلت هذه الدقيقة على أن مدبر العالم فاعل مختار قادر على كل الممكنات عالم بكل المعلومات، فحينئذ يجب الانقياد لتكاليفه وأوامره ونواهيه، فكان ارتباط قوله: ﴿ اتقوا رَبَّكُمُ ﴾ بقوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ في غاية الحسن والانتظام.

والوجه الثاني: وهو أنه تعالى لما ذكر الأمر بالتقوى ذكر غقبيه الأمر بالاحسان إلى اليتامى والنساء والضعفاء، وكون الخلق بأسرهم مخلوقين من نفس واحدة له أثر في هذا المعنى، وذلك لأن الأقارب لابد وأن يكون بينهم نوع مواصلة ومخالطة توجب مزيد المحبة، ولذلك ان الإنسان يفرح بمدح أقاربه وأسلافه، ويحزن بذمهم والطعن فيهم، وقال عليه الصلاة والسلام: «فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها».

وإذا كان الأمر كذلك، فالفائدة في ذكر هذا المعنى أن يصير ذلك سبباً لزيادة شفقة الخلق بعضهم على البعض.

الوجه الثالث: أن الناس اذا عرفوا كون الكل من شخص واحد تركوا المفاخرة والتكبر وأظهروا التواضع وحسن الخلق.

الوجه الرابع: أن هذا يدل على المعاد، لأنه تعالى لما كان قادرا على أن يخرج من صلب شخص واحد أشخاصا مختلفين، وأن يخلق من قطرة من النطفة شخصا عجيب التركيب لطيف الصورة، فكيف يستبعد إحياء الأموات وبعثهم ونشورهم، فتكون الآية دالة على المعاد من هذا الوجه ﴿ لِيَجْزِىَ الذين أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى  ﴾ .

الوجه الخامس: قال الأصم: الفائدة فيه: أن العقل لا دليل فيه على أن الخلق يجب أن يكونوا مخلوقين من نفس واحدة، بل ذلك إنما يعرف بالدلائل السمعية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمياً ما قرأ كتابا ولا تتلمذ لأستاذ، فلما أخبر عن هذا المعنى كان إخبارا عن الغيب فكان معجزا، فالحاصل أن قوله: ﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ دليل على معرفة التوحيد، وقوله: ﴿ مّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ دليل على معرفة النبوة.

فان قيل: كيف يصح أن يكون الخلق أجمع من نفس واحدة مع كثرتهم وصغر تلك النفس؟

قلنا: قد بين الله المراد بذلك لأن زوج آدم اذا خلقت من بعضه، ثم حصل خلق أولاده من نطفتهما ثم كذلك أبدا، جازت إضافة الخلق أجمع الى آدم.

المسألة الرابعة: أجمع المسلمون على أن المراد بالنفس الواحدة هاهنا هو آدم عليه السلام، إلا أنه أنث الوصف على لفظ النفس، ونظيره قوله تعالى: ﴿ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ  ﴾ وقال الشاعر: أبوك خليفة ولدته أخرى *** فأنت خليفة ذاك الكمال قالوا فهذا التأنيث على لفظ الخليفة.

قوله تعالى: ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: المراد من هذا الزوج هو حواء، وفي كون حواء مخلوقة من آدم قولان: الأول: وهو الذي عليه الأكثرون أنه لما خلق الله آدم ألقى عليه النوم، ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى، فلما استيقط رآها ومال اليها وألفها، لأنها كانت مخلوقة من جزء من أجزائه، واحتجوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها».

والقول الثاني: وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني: أن المراد من قوله: ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ أي من جنسها وهو كقوله تعالى: ﴿ والله جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا  ﴾ وكقوله: ﴿ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ  ﴾ وقوله: ﴿ لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ  ﴾ قال القاضي: والقول الأول أقوى، لكي يصح قوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين، لا من نفس واحدة، ويمكن أن يجاب عنه بأن كلمة من لابتداء الغاية، فلما كان ابتداء التخليق والايجاد وقع بآدم عليه السلام صح أن يقال: خلقكم من نفس واحدة، وأيضا فلما ثبت أنه تعالى قادر على خلق آدم من التراب كان قادرا أيضا على خلق حواء من التراب، وإذا كان الأمر كذلك، فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم.

المسألة الثانية: قال ابن عباس: إنما سمي آدم بهذا الاسم لأنه تعالى خلقه من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها؛ فلذلك كان في ولده الأحمر والأسود والطيب والخبيث والمرأة إنما سميت بحواء لأنها خلقت من ضلع من أضلاع آدم فكانت مخلوقة من شيء حي، فلا جرم سميت بحواء.

المسألة الثالثة: احتج جمع من الطبائعيين بهذه الآية فقالوا: قوله تعالى: ﴿ خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ يدل على أن الخلق كلهم مخلوقون من النفس الواحدة، وقوله: ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ يدل على أن زوجها مخلوقة منها، ثم قال في صفة آدم: ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ  ﴾ فدل على أن آدم مخلوق من التراب، ثم قال في حق الخلائق: ﴿ مِنْهَا خلقناكم  ﴾ وهذه الآيات كلها دالة على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة يصير الشيء مخلوقا منها، وأن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال.

أجاب المتكلمون فقالوا: خلق الشيء من الشيء محال في العقول، لأن هذا المخلوق إن كان عين ذلك الشيء الذي كان موجودا قبل ذلك لم يكن هذا مخلوقا ألبتة، واذا لم يكن مخلوقا امتنع كونه مخلوقا من شيء آخر، وإن قلنا: إن هذا المخلوق مغاير للذي كان موجوداً قبل ذلك، فحينئذ هذا المخلوق وهذا المحدث إنما حدث وحصل عن العدم المحض، فثبت أن كون الشيء مخلوقا من غيره محال في العقول، وأما كلمة ﴿ مِنْ ﴾ في هذه الآية فهو مفيد ابتداء الغاية، على معنى أن ابتداء حدوث هذه الأشياء من تلك الأشياء لا على وجه الحاجة والافتقار، بل على وجه الوقوع فقط.

المسألة الرابعة: قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ وَخَالَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا ﴾ بلفظ اسم الفاعل، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره هو خالق.

قوله تعالى: ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء ﴾ .

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: بث منهما: يريد فرق ونشر، قال ابن المظفر: البث تفريقك الأشياء، يقال: بث الخيل في الغارة وبث الصياد كلابه، وخلق الله الخلق فبثهم في الأرض، وبثثت البسط إذا نشرتها، قال الله تعالى: ﴿ وَزَرَابِيّ مَبْثُوثَةٌ ﴾ قال الفراء والزجاج: وبعض العرب يقول: أبث الله الخلق.

المسألة الثانية: لم يقل: وبث منهما الرجال والنساء لأن ذلك يوجب كونهما مبثوثين عن نفسهما وذلك محال، فلهذا عدل عن هذا اللفظ إلى قوله: ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء ﴾ .

فان قيل: لم لم يقل: وبث منهما رجالا كثيراً ونساء كثيراً؟

ولم خصص وصف الكثرة بالرجال دون النساء؟

قلنا: السبب فيه والله أعلم أن شهرة الرجال أتم، فكانت كثرتهم أظهر، فلا جرم خصوا بوصف الكثرة، وهذا كالتنبيه على أن اللائق بحال الرجال الاشتهار والخروج والبروز، واللائق بحال النساء الاختفاء والخمول.

المسألة الثالثة: الذين يقولون: إن جميع الأشخاص البشرية كانوا كالذر، وكانوا مجتمعين في صلب آدم عليه السلام، حملوا قوله: ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء ﴾ على ظاهره، والذين أنكروا ذلك قالوا: المراد بث منهما أولادهما ومن أولادهما جمعا آخرين، فكان الكل مضافا اليهما على سبيل المجاز.

قوله تعالى: ﴿ واتقوا الله الذي تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾ .

فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿ تَسَاءلُونَ ﴾ بالتخفيف والباقون بالتشديد، فمن شدد أراد: تتساءلون فأدغم التاء في السين لاجتماعهما في أنهما من حروف اللسان وأصول الثنايا واجتماعهما في الهمس، ومن خفف حذف تاء تتفاعلون لاجتماع حروف متقاربة، فأعلها بالحذف كما أعلها الأولون بالإدغام، وذلك لأن الحروف المتقاربة إذا اجتمعت خففت تارة بالحذف وأخرى بالإدغام.

المسألة الثانية: قرأ حمزة وحده ﴿ والأرحام ﴾ بجر الميم قال القفال رحمه الله: وقد رويت هذه القراءة عن غير القراء السبعة عن مجاهد وغيره، وأما الباقون من القراء فكلهم قرؤا بنصب الميم.

وقال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ والأرحام ﴾ بالحركات الثلاث، أما قراءة حمزة فقد ذهب الأكثرون من النحويين إلى أنها فاسدة، قالوا: لأن هذا يقتضي عطف المظهر على المضمر المجرور وذلك غير جائز.

واحتجوا على عدم جوازه بوجوه: أولها: قال أبو علي الفارسي: المضمر المجرور بمنزلة الحرف، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر عليه، إنما قلنا المضمر المجرور بمنزلة الحرف لوجوه: الأول: أنه لا ينفصل ألبتة كما أن التنوين لا ينفصل، وذلك أن الهاء والكاف في قوله: به، وبك لا ترى واحدا منفصلا عن الجار ألبتة فصار كالتنوين.

الثاني: أنهم يحذفون الياء من المنادى المضاف في الاختيار كحذفهم التنوين من المفرد، وذلك كقولهم: يا غلام، فكان المضمر المجرور مشابها للتنوين من هذا الوجه، فثبت أن المضمر المجرور بمنزلة حرف التنوين، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر عليه لأن من شرط العطف حصول المشابهة بين المعطوف والمعطوف عليه، فإذا لم تحصل المشابهة هاهنا وجب أن لا يجوز العطف.

وثانيها: قال علي بن عيسى: إنهم لم يستحسنوا عطف المظهر على المضمر المرفوع.

فلا يجوز أن يقال: اذهب وزيد، وذهبت وزيد بل يقولون: يا غلام، فكان المضمر المجرور مشابها للتنوين من هذا الوجه، فثبت أن المضمر المجرور بمنزلة حرف التنوين، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر عليه لأن من شرط العطف حصول المشابهة بين المعطوف والمعطوف عليه، فإذا لم تحصل المشابهة هاهنا وجب أن لا يجوز العطف.

وثانيها: قال علي بن عيسى: إنهم لم يستحسنوا عطف المظهر على المضمر المرفوع.

فلا يجوز أن يقال: اذهب وزيد، وذهبت وزيد بل يقولون: اذهب أنت وزيد، وذهبت أنا وزيد.

قال تعالى: ﴿ فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا  ﴾ مع ان المضمر المرفوع قد ينفصل، فاذا لم يجز عطف المظهر على المضمر المجرور مع انه أقوى من المضمر المجرور بسبب أنه قد ينفصل، فلأن لا يجوز عطف المظهر على المضمر المجرور مع أنه ألبتة لا ينفصل كان أولى.

وثالثها: قال أبو عثمان المازني: المعطوف والمعطوف عليه متشاركان، وإنما يجوز عطف الأول على الثاني لو جاز عطف الثاني على الأول، وهاهنا هذا المعنى غير حاصل، وذلك لأنك لا تقول: مررت بزيدوك، فكذلك لا تقول مررت بك وزيد.

واعلم أن هذه الوجوه ليست وجوها قوية في دفع الروايات الواردة في اللغات، وذلك لأن حمزة أحد القراء السبعة، والظاهر أنه لم يأت بهذه القراءة من عند نفسه، بل رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يوجب القطع بصحة هذه اللغة، والقياس يتضاءل عند السماع لا سيما بمثل هذه الأقيسة التي هي أوهن من بيت العنكبوت، وأيضا فلهذه القراءة وجهان: أحدهما: أنها على تقدير تكرير الجار، كأنه قيل تساءلون به وبالأرحام.

وثانيها: أنه ورد ذلك في الشعر وأنشد سيبويه في ذلك: فاليوم قد بت تهجونا وتشتمنا *** فاذهب فما بك والأيام من عجب وأنشد أيضا: نعلق في مثل السواري سيوفنا *** وما بينها والكعب غوط نفانف والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون إثبات هذه اللغة بهذين البيتين المجهولين ولا يستحسنون إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد، مع أنهما كانا من أكابر علماء السلف في علم القرآن.

واحتج الزجاج على فساد هذه القراءة من جهة المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تحلفوا بآبائكم» فإذا عطفت الأرحام على المكنى عن اسم الله اقتضى ذلك جواز الحلف بالارحام، ويمكن الجواب عنه بأن هذا حكاية عن فعل كانوا يفعلونه في الجاهلية لأنهم كانوا يقولون: أسألك بالله والرحم، وحكاية هذا الفعل عنهم في الماضي لا تنافي ورود النهي عنه في المستقبل، وأيضاً فالحديث نهي عن الحلف بالآباء فقط، وهاهنا ليس كذلك، بل هو حلف بالله أولا ثم يقرن به بعده ذكر الرحم، فهذا لا ينافي مدلول ذلك الحديث، فهذا جملة الكلام في قراءة قوله: ﴿ والأرحام ﴾ بالجر.

أما قراءته بالنصب ففيه وجهان: الأول: وهو اختيار أبي علي الفارسي وعلي بن عيسى أنه عطف على موضع الجار والمجرور كقوله: فلسنا بالجبال ولا الحديدا *** والثاني: وهو قول أكثر المفسرين: أن التقدير: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد والفراء والزجاج، وعلى هذا الوجه فنصب الأرحام بالعطف على قوله: ﴿ الله ﴾ أي: اتقوا الله واتقوا الأرحام أي اتقوا حق الأرحام فصلوها ولا تقطعوها قال الواحدي رحمه الله: ويجوز أيضاً أن يكون منصوبا بالاغراء، أي والأرحام فاحفظوها وصلوها كقولك: الأسد الأسد، وهذا التفسير يدل على تحريم قطيعة الرحم، ويدل على وجوب صلتها.

وأما القراءة بالرفع فقال صاحب الكشاف: الرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف كأنه قيل: والأرحام كذلك على معنى والأرحام مما يتقى، أو والأرحام مما يتساءل به.

المسألة الثالثة: أنه تعالى قال أولا: ﴿ اتقوا رَبَّكُمُ ﴾ ثم قال بعده: ﴿ واتقوا الله ﴾ وفي هذا التكرير وجوه: الأول: تأكيد الأمر والحث عليه كقولك للرجل: اعجل اعجل فيكون أبلغ من قولك: اعجل الثاني: أنه أمر بالتقوى في الأول لمكان الإنعام بالخلق وغيره، وفي الثاني أمر بالتقوى لمكان وقوع التساؤل به فيما يلتمس البعض من البعض.

الثالث: قال أولا: ﴿ اتقوا رَبَّكُمُ ﴾ وقال ثانيا: ﴿ واتقوا الله ﴾ والرب لفظ يدل على التربية والإحسان، والاله لفظ يدل على القهر والهيبة، فأمرهم بالتقوى بناء على الترغيب، ثم أعاد الأمر به بناء على الترهيب كما قال: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً  ﴾ وقال: ﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً  ﴾ كأنه قيل: إنه رباك وأحسن إليك فاتق مخالفته لأنه شديد العقاب عظيم السطوة.

المسألة الرابعة: اعلم أن التساؤل بالله وبالأرحام قيل هو مثل أن يقال: بالله أسألك، وبالله أشفع إليك، وبالله أحلف عليك، إلى غير ذلك مما يؤكد المرء به مراده بمسألة الغير، ويستعطف ذلك الغير في التماس حقه منه أو نواله ومعونته ونصرته، وأما قراءة حمزة فهي ظاهرة من حيث المعنى، والتقدير: واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، لأن العادة جرت في العرب بأن أحدهم قد يستعطف غيره بالرحم فيقول: أسألك بالله والرحم، وربما أفرد ذلك فقال: أسألك بالرحم، وكان يكتب المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نناشدك الله والرحم أن لا تبعث إلينا فلانا وفلانا»، وأما القراءة بالنصب فالمعنى يرجع الى ذلك، والتقدير: واتقوا الله واتقوا الأرحام، قال القاضي: وهذا أحد ما يدل على أنه قد يراد باللفظ الواحد المعاني المختلفة، لأن معنى تقوى الله مخالف لمعنى تقوى الأرحام، فتقوى الله إنما يكون بالتزام طاعته واجتناب معاصيه، واتقاء الأرحام بأن توصل ولا تقطع فيما يتصل بالبر والافضال والاحسان، ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى لعله تكلم بهذه اللفظة مرتين، وعلى هذا التقدير يزول الاشكال.

المسألة الخامسة: قال بعضهم: اسم الرحم مشتق من الرحمة التي هي النعمة، واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تعالى أنا الرحمن وهي الرحم اشتققت اسمها من اسمي» ووجه التشبيه أن لمكان هذه الحالة تقع الرحمة من بعض الناس لبعض.

وقال آخرون: بل اسم الرحم مشتق من الرحم الذي عنده يقع الإنعام وأنه الأصل، وقال بعضهم: بل كل واحد منهما أصل بنفسه، والنزاع في مثل هذا قريب.

المسألة السادسة: دلت الآية على جواز المسألة بالله تعالى.

روى مجاهد عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سألكم بالله فأعطوه» وعن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع: منها إبرار القسم.

المسألة السابعة: دل قوله تعالى: ﴿ والأرحام ﴾ على تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها، قال تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ  ﴾ وقال: ﴿ لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ قيل في الأول: إنه القرابة، وقال: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين إحسانا  ﴾ وقال: ﴿ واعبدوا الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إحسانا وَبِذِى القربى واليتامى والمساكين  ﴾ وعن عبد الرحمن بن عوف: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى أنا الرحمن وهي الرحم اشتققت اسمها من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء أطيع الله فيه أعجل ثوابا من صلة الرحم وما من عمل عصى الله به أعجل عقوبة من البغي واليمين الفاجرة».

وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر ويدفع بهما ميتة السوء ويدفع الله بهما المحذور والمكروه».

وقال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح».

قيل الكاشح العدو، فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها، ثم إن أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه بنوا على هذا الأصل مسألتين: إحداهما: أن الرجل إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه مثل الأخ والأخت، والعم والخال، قال لأنه لو بقي الملك لحل الاستخدام بالإجماع، لكن الاستخدام إيحاش يورث قطيعة الرحم، وذلك حرام بناء على هذا الأصل، فوجب أن لا يبقى الملك، وثانيهما: أن الهبة لذي الرحم المحرم لا يجوز الرجوع فيها لان ذلك الرجوع إيحاش يورث قطيعة الرحم، فوجب أن لا يجوز، والكلام في هاتين المسألتين مذكور في الخلافيات.

ثم أنه تعالى ختم هذه الآية بما يكون كالوعد والوعيد والترغيب والترهيب فقال: ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾ والرقيب هو المراقب الذي يحفظ عليك جميع أفعالك.

ومن هذا صفته فإنه يجب أن يخاف ويرجى، فبين تعالى أنه يعلم السر وأخفى، وأنه إذا كان كذلك يجب أن يكون المرء حذرا خائفا فيما يأتي ويترك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ياأيها الناس ﴾ يا بني آدم ﴿ خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ فرعكم من أصل واحد وهو نفس آدم أبيكم.

فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ ؟

قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يعطف على محذوف، كأنه قيل: من نفس واحدة أنشأها أو ابتدأها، وخلق منها زوجها.

وإنما حذف لدلالة المعنى عليه.

والمعنى: شعبكم من نفس واحدة هذه صفتها، وهي أنه أنشأها من تراب وخلق زوجها حواء من ضلع من أضلاعها ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا ﴾ نوعي جنس الإنس وهما الذكور والإناث، فوصفها بصفة هي بيان وتفصيل بكيفية خلقهم منها.

والثاني: أن يعطف على خلقكم، ويكون الخطاب في ﴿ ياأيها الناس ﴾ للذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والمعنى: خلقكم من نفس آدم، لأنهم من جملة الجنس المفرع منه، وخلق منها أمكم حواء وبث منهما ﴿ رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً ﴾ غيركم من الأمم الفائتة للحصر.

فإن قلت: الذي يقتضيه سداد نظم الكلام وجزالته أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يوجبها أو يدعو إليها ويبحث عليها، فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة على التفصيل الذي ذكره موجباً للتقوى وداعياً إليها؟

قلت: لأنّ ذلك مما يدل على القدرة العظيمة.

ومن قدر على نحوه كان قادراً على كل شيء، ومن المقدورات عقاب العصاة، فالنظر فيه يؤدي إلى أن يتقي القادر عليه ويخشى عقابه، ولأنَّه يدل على النعمة السابغة عليهم، فحقهم أن يتقوه في كفرانها والتفريط فيما يلزمهم من القيام بشكرها.

أو أراد بالتقوى تقوى خاصة وهي أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم، فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله، فقيل: اتقوا ربكم الذي وصل بينكم، حيث جعلكم صنوانا مفرعة من أرومة واحدة.

فيما يجب على بعضكم لبعض، فحافظوا عليه ولا تغفلوا عنه.

وهذا المعنى مطابق لمعاني السورة.

وقرئ: ﴿ وخالق منها زوجها.

وباث منهما ﴾ ، بلفظ اسم الفاعل، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره: وهو خالق ﴿ تَسَاءلُونَ بِهِ ﴾ تتساءلون به، فأدغمت التاء في السين.

وقرئ ﴿ تساءلون ﴾ بطرح التاء الثانية، أي يسأل بعضكم بعضاً بالله وبالرحم.

فيقول: بالله وبالرحم أفعل كذا على سبيل الاستعطاف.

وأناشدك الله والرحم.

أو تسألون غيركم بالله والرحم، فقيل (تفاعلون) موضع (تفعلون) للجمع، كقولك: رأيت الهلال وتراءيناه.

وتنصره قراءة من قرأ: ﴿ تسلون به ﴾ .

مهموز أو غير مهموز.

وقرئ ﴿ والأرحام ﴾ بالحركات الثلاث، فالنصب على وجهين: إما على: واتقوا الله والأرحام، أو أن يعطف على محل الجار والمجرور، كقولك: مررت بزيد وعمراً.

وينصره قراءة ابن مسعود: ﴿ تسألون به وبالأرحام ﴾ ، والجر على عطف الظاهر على المضمر، وليس بسديد؛ لأنّ الضمير المتصل متصل كاسمه، والجار والمجرور كشيء واحد، فكانا في قولك: (مررت به وزيد) و(هذا غلامه وزيد) شديدي الاتصال، فلما اشتد الاتصال لتكرره أشبه العطف على بعض الكلمة، فلم يجز ووجب تكرير العامل، كقولك: (مررت به وبزيد) و(هذا غلامه وغلام زيد) ألا ترى إلى صحة قولك: (رأيتك وزيداً) و(مررت بزيد وعمرو) لما لم يقو الاتصال، لأنه لم يتكرر، وقد تمحل لصحة هذه القراءة بأنها على تقدير تكرير الجار ونظيرها.

فاذهب فَمَا بِكَ وَالأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ والرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف، كأنه قيل: والأرحام كذلك، على معنى: والأرحام مما يتقى أو والأرحام مما يُسَاءل به.

والمعنى أنهم كانوا يقرون بأن لهم خالقاً، وكانوا يتساءلون بذكر الله والرحم، فقيل لهم: اتقوا الله الذي خلقكم، واتقوا الذي تتناشدون به واتقوا الأرحام فلا تقطعوها.

أو واتقوا الله الذي تتعاطفون بأذكاره وبأذكار الرحم.

وقد آذن عز وجل إذ قرن الأرحام باسمه أن صلتها منه بمكان، كما قال: ﴿ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين إحسانا ﴾ [الإسراء: 23] ، وعن الحسن: إذا سألك بالله فأعطه، وإذا سألك بالرحم فأعطه.

وللرحم حجنة عند العرش، ومعناه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه: الرحم معلقة بالعرش فإذا أتاها الواصل بشت به وكلمته.

وإذا أتاها القاطع احتجبت منه.

وسئل ابن عيينة عن قوله عليه الصلاة والسلام: «تخيروا لنطفكم» فقال: يقول لأولادكم وذلك أن يضع ولده في الحلال.

ألم تسمع قوله تعالى: ﴿ واتقوا الله الذى تَسَاءلُونَ بِهِ والارحام ﴾ وأول صلته أن يختار له الموضع الحلال، فلا يقطع رحمه ولا نسبه فإنما للعاهر الحجر، ثم يختار الصحة ويجتنب الدَّعر، ولا يضعه موضع سوء يتبع شهوته وهواه بغير هدى من الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

(4 سُورَةُ النِّساءِ) مَدَنِيَّةٌ وهي مِائَةٌ وخَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ خِطابٌ يَعُمُّ بَنِي آدَمَ.

﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ هي آدَمُ.

﴿ وَخَلَقَ مِنها زَوْجَها ﴾ عَطْفٌ عَلى خَلَقَكم أيْ خَلَقَكم مِن شَخْصٍ واحِدٍ وخَلَقَ مِنهُ أُمَّكم حَوّاءَ مِن ضِلَعٍ مِن أضْلاعِهِ، أوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ خَلَقَها وخَلَقَ مِنها زَوْجَها، وهو تَقْرِيرٌ لِخَلْقِهِمْ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ.

﴿ وَبَثَّ مِنهُما رِجالا كَثِيرًا ونِساءً ﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِهِمْ مِنهُما، والمَعْنى ونَشَرَ مِن تِلْكَ النَّفْسِ والزَّوْجِ المَخْلُوقَةِ مِنها بَنِينَ وبَناتٍ كَثِيرَةً، واكْتَفى بِوَصْفِ الرِّجالِ بِالكَثْرَةِ عَنْ وصْفِ النِّساءِ بِها، إذِ الحِكْمَةُ تَقْتَضِي أنْ يَكُنْ أكْثَرَ، وذَكَرَ كَثِيرًا حَمْلًا عَلى الجَمْعِ وتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالتَّقْوى عَلى هَذِهِ القِصَّةِ لِما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ القاهِرَةِ الَّتِي مِن حَقِّها أنْ تُخْشى، والنِّعْمَةِ الباهِرَةِ الَّتِي تُوجِبُ طاعَةَ مُوَلِّيها، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِهِ تَمْهِيدُ الأمْرِ بِالتَّقْوى فِيما يَتَّصِلُ بِحُقُوقِ أهْلِ مَنزِلِهِ وبَنِي جِنْسِهِ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ الَّتِي بَعْدَها.

وقُرِئَ «وَخالِقُ» «وَباثُّ» عَلى حَذْفِ مُبْتَدَأٍ تَقْدِيرُهُ وهو خالِقٌ وباثٌّ.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ ﴾ أيْ يَسْألُ بَعْضُكم بَعْضًا تَقُولُ أسْألُكَ بِاللَّهِ، وأصْلُهُ تَتَساءَلُونَ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ في السِّينِ.

وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِطَرْحِها.

﴿ والأرْحامَ ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرٍو، أوْ عَلى اللَّهِ أيِ اتَّقُوا اللَّهَ واتَّقُوا الأرْحامَ فَصِلُوها ولا تَقْطَعُوها.

وقَرَأ حَمْزَةُ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ كَبَعْضِ الكَلِمَةِ.

وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ تَقْدِيرُهُ والأرْحامُ كَذَلِكَ، أيْ مِمّا يُتَّقى أوْ يُتَساءَلُ بِهِ.

وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى إذْ قَرَنَ الأرْحامَ بِاسْمِهِ الكَرِيمِ عَلى أنَّ صِلَتَها بِمَكانٍ مِنهُ.

وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ تَقُولُ ألا مَن وصَلَنِي وصَلَهُ اللَّهُ ومَن قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ».» ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا ﴾ حافِظًا مُطَّلِعًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وآتوا اليتامى أموالهم} يعني الذين ماتت آباؤهم فانفردوا عنهم واليتم الانفراد ومنه الدرة اليتيمة وقيل اليتم في الأناسي من قبل الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء معنى الانفراد عن الآباء إلا أنه قد غلب أن يسموا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال فإذا استغنوا بأنفسهم عن كافل وقائم عليهم زال هذا الاسم عنهم وقوله عليه السلام لا يتم بعد الحلم تعليم شريعة لا لغة يعني أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار والمعنى وآتوا اليتامى أموالهم بعد

البلوغ وسماهم يتامى لقرب عهدهم إذا بلغوا بالصغر وفيه إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عن حد البلوغ أن أونس منهم الرشد وأن يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب} ولا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم أو لاتستبدلوا الأمر الخبيث وهو اختزال أموال اليتامى بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز ومنه التعجل بمعنى الاستعجال {وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم} إلى متعلقة بمحذوف وهو في موضع الحال أي مضافة إلى أموالكم المعنى ولا تضموها إليها فى الإنفاق حتى لاتفرقوا بين أموالكم وأموالهم قلة مبالاة بمالا يحل لكم وتسوية بينه وبن الحلال {إنّهُ} إن أكلها {كَانَ حُوباً كَبِيراً} ذنبا عظيما

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

4- سُورَةُ النِّساءِ.

مَدَنِيَّةٌ عَلى الصَّحِيحِ، وزَعَمَ النَّحّاسُ أنَّها مَكِّيَّةٌ مُسْتَنِدًا إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ ﴾ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ اتِّفاقًا في شَأْنِ مِفْتاحِ الكَعْبَةِ، وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ السُّيُوطِيُّ بِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَنَدٌ واهٍ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن نُزُولِ آيَةٍ أوْ آياتٍ بِمَكَّةَ مِن سُورَةٍ طَوِيلَةٍ نَزَلَ مُعْظَمُها بِالمَدِينَةِ أنْ تَكُونَ مَكِّيَّةً خُصُوصًا أنَّ الأرْجَحَ أنَّ ما نَزَلْ بَعْدَ الهِجْرَةِ مَدَنِيٌّ، ومَن راجَعَ أسْبابَ نُزُولِ آياتِها عَرَفَ الرَّدَّ عَلَيْهِ، ومِمّا يَرُدُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: ما نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ والنِّساءِ إلّا وأنا عِنْدَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وبِناؤُهُ عَلَيْها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ اتِّفاقًا، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ عِنْدَ الهِجْرَةِ، وعِدَّةُ آياتِها عِنْدَ الشّامِيِّينَ مِائَةٌ وسَبْعٌ وسَبْعُونَ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ سِتٌّ وسَبْعُونَ، وعِنْدَ الباقِينَ خَمْسٌ وسَبْعُونَ، والمُخْتَلَفُ فِيهِ مِنها آيَتانِ: إحْداهُما ﴿ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ﴾ وثانِيَتُهُما ﴿ فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ فالكُوفِيُّونَ يُثْبِتُونَ الأُولى آيَةً فَقَطْ، والشّامِيُّونَ يُثْبِتُونَ الثّانِيَةَ أيْضًا، والباقُونَ يَقُولُونَ هُما بَعْضا آيَةٍ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِآلِ عِمْرانَ أُمُورٌ مِنها أنَّ آلَ عِمْرانَ خُتِمَتْ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى، وافْتُتِحَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِهِ، وذَلِكَ مِن آكَدِ وُجُوهِ المُناسَباتِ في تَرْتِيبِ السُّوَرِ، وهو نَوْعٌ مِن أنْواعِ البَدِيعِ يُسَمّى في الشِّعْرِ تَشابُهَ الأطْرافِ، وقَوْمٌ يُسَمُّونَهُ بِالتَّسْبِيغِ، وذَلِكَ كَقَوْلِ لَيْلى الأخْيَلِيَّةِ: إذا نَزَلَ الحَجّاجُ أرْضًا مَرِيضَةً تَتَبَّعَ أقْصى دائِها فَشَفاها شَفاها مِنَ الدّاءِ العُضالِ الَّذِي بِها ∗∗∗ غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ رَواها رَواها فَأرْواها بِشُرْبِ سِجالِها ∗∗∗ دِماءَ رِجالٍ حَيْثُ نالَ حَشاها ومِنها أنَّ في آلِ عِمْرانَ ذِكْرَ قِصَّةِ أُحُدٍ مُسْتَوْفاةً، وفي هَذِهِ السُّورَةِ ذِكْرُ ذِيلِها، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ فَإنَّهُ نَزَلَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الغَزْوَةِ عَلى ما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مَرْوِيًّا عَنِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما.

ومِنها أنَّ في آلِ عِمْرانَ ذِكْرَ الغَزْوَةِ الَّتِي بَعْدَ أُحُدٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ ﴾ إلَخْ، وأُشِيرَ إلَيْها هَهُنا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ ﴾ الآيَةَ، وبِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يُعْرَفُ أنَّ تَأْخِيرَ النِّساءِ عَنْ آلِ عِمْرانَ أنْسَبُ مِن تَقْدِيمِها عَلَيْها كَما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِأنَّ المَذْكُورَ هُنا ذَيْلٌ لِما ذُكِرَ هُناكَ وتابِعٌ فَكانَ الأنْسَبُ فِيهِ التَّأْخِيرَ، ومَن أمْعَنَ نَظَرَهُ وجَدَ كَثِيرًا مِمّا ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مُفَصِّلًا لِما ذُكِرَ فِيما قَبْلَها فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ مَزِيدُ الِارْتِباطِ وغايَةُ الِاحْتِباكِ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ خِطابٌ يَعُمُّ المُكَلَّفِينَ مِن لَدُنْ نَزَلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ عَلى ما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، وفي تَناوُلِ نَحْوِ هَذِهِ الصِّيغَةِ لِلْعَبِيدِ شَرْعًا حَتّى يَعُمَّهُمُ الحُكْمُ خِلافٌ، فَذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى التَّناوُلِ لِأنَّ العَبْدَ مِنَ النّاسِ مَثَلًا فَيَدْخُلُ في الخِطابِ العامِّ لَهُ قَطْعًا، وكَوْنُهُ عَبْدًا لا يَصْلُحُ مانِعًا لِذَلِكَ، وذَهَبَ البَعْضُ إلى عَدَمِ التَّناوُلِ قالُوا: لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالإجْماعِ صَرْفُ مَنافِعِ العَبْدِ إلى سَيِّدِهِ، فَلَوْ كُلِّفَ بِالخِطابِ لَكانَ صَرْفًا لِمَنافِعِهِ إلى غَيْرِ سَيِّدِهِ وذَلِكَ تَناقُضٌ فَيُتْبَعُ الإجْماعُ ويُتْرَكُ الظّاهِرُ، وأيْضًا خَرَجَ العَبْدُ عَنِ الخِطابِ بِالجِهادِ والجُمُعَةِ والعُمْرَةِ والحَجِّ والتَّبَرُّعاتِ والأقارِيرِ ونَحْوِها، ولَوْ كانَ الخِطابُ مُتَناوِلًا لَهُ لِلْعُمُومِ لَزِمَ التَّخْصِيصُ، والأصْلُ عَدَمُهُ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنّا لا نُسَلِّمُ صَرْفَ مَنافِعِهِ إلى سَيِّدِهِ عُمُومًا بَلْ قَدْ يُسْتَثْنى مِن ذَلِكَ وقْتُ تَضايُقِ العِباداتِ حَتّى لَوْ أمَرَهُ السَّيِّدُ في آخِرِ وقْتِ الظُّهْرِ ولَوْ أطاعَهُ لَفاتَتْهُ الصَّلاةُ وجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ، وعَدَمُ صَرْفِ مَنفَعَتِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى السَّيِّدِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فالتَّعَبُّدُ بِالعِبادَةِ لَيْسَ مُناقِضًا لِقَوْلِهِمْ: بِصَرْفِ المَنافِعِ لِلسَّيِّدِ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ خُرُوجَهُ بِدَلِيلٍ اقْتَضى خُرُوجَهُ وذَلِكَ كَخُرُوجِ المَرِيضِ والمُسافِرِ والحائِضِ عَنِ العُمُوماتِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ الصَّوْمِ والصَّلاةِ والجِهادِ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ تَناوُلِها اتِّفاقًا، غايَتُهُ أنَّهُ خِلافُ الأصْلِ ارْتُكِبَ لِدَلِيلٍ وهو جائِزٌ ثُمَّ الصَّحِيحُ أنَّ الأُمَمَ الدّارِجَةَ قَبْلَ نُزُولِ هَذا الخِطابِ لا حَظَّ لَها فِيهِ لِاخْتِصاصِ الأوامِرِ والنَّواهِي بِمَن يُتَصَوَّرُ مِنهُ الِامْتِثالُ، وأنّى لَهم بِهِ وهم تَحْتَ أطْباقِ الثَّرى لا يَقُومُونَ حَتّى يُنْفَخَ في الصُّورِ.

وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الخِطابِ عامًّا بِحَيْثُ يَنْدَرِجُونَ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ الآتِي عامًّا لَهم أيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلى الكَلامِ القَدِيمِ القائِمِ بِذاتِهِ تَعالى، وإنْ كانَ كَوْنُهُ عَرَبِيًّا عارِضًا بِالنِّسْبَةِ إلى هَذِهِ الأُمَّةِ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ المَنظُورَ إلَيْهِ إنَّما هو أحْكامُ القُرْآنِ بَعْدَ النُّزُولِ وإلّا لَكانَ النِّداءُ وجَمِيعُ ما فِيهِ مِن خِطابِ المُشافَهَةِ مَجازاتٍ، ولا قائِلَ بِهِ فَتَأمَّلْ، وعَلى العِلّاتِ لَفْظُ (النّاسِ) يَشْمَلُ الذُّكُورَ والإناثَ بِلا نِزاعٍ، وفي شُمُولِ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ﴾ خِلافٌ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ الإناثَ لا يَدْخُلْنَ في مِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ ظاهِرًا خِلافًا لِلْحَنابِلَةِ، اسْتَدَلَّ الأوَّلُونَ بِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ النِّساءَ قُلْنَ: ما نَرى اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ إلّا الرِّجالَ، فَأُنْزِلَ ذِكْرُهُنَّ»، فَنَفَتْ ذِكْرَهُنَّ مُطْلَقًا ولَوْ كُنَّ داخِلاتٍ لَما صَدَقَ نَفْيُهُنَّ ولَمْ يَجُزْ تَقْرِيرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلنَّفْيِ، وبِأنَّهُ قَدْ أجْمَعَ أرْبابُ العَرَبِيَّةِ عَلى أنَّ نَحْوَ هَذِهِ الصِّيغَةِ جَمْعٌ مُذَكَّرٌ، وأنَّهُ لِتَضْعِيفِ المُفْرَدِ والمُفْرَدُ مُذَكَّرٌ، وبِأنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الصِّيغَةِ المُسْلِمُونَ ولَوْ كانَ مَدْلُولُ المُسْلِماتِ داخِلًا فِيهِ لَما حَسُنَ العَطْفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ ﴾ إلّا بِاعْتِبارِ التَّأْكِيدِ، والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، وقالَ الآخَرُونَ: المَعْرُوفُ مِن أهْلِ اللِّسانِ تَغْلِيبُهُمُ المُذَكَّرَ عَلى المُؤَنَّثِ عِنْدَ اجْتِماعِهِما بِاتِّفاقٍ، وأيْضًا لَوْ لَمْ تَدْخُلِ الإناثُ في ذَلِكَ لَما شارَكْنَ في الأحْكامِ لِثُبُوتِ أكْثَرِها بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ، واللّازِمُ مُنْتَفٍ بِالِاتِّفاقِ كَما في أحْكامِ الصَّلاةِ والصِّيامِ والزَّكاةِ، وأيْضًا لَوْ أوْصى لِرِجالٍ ونِساءٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قالَ: أوْصَيْتُ لَهم بِكَذا دَخَلَتِ النِّساءُ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ، وهو مَعْنى الحَقِيقَةِ فَيَكُونُ حَقِيقَةً في الرِّجالِ والنِّساءِ ظاهِرًا فِيهِما وهو المَطْلُوبُ، وأُجِيبَ أمّا عَنِ الأوَّلِ فَبِأنَّهُ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ الإطْلاقَ صَحِيحٌ إذا قَصَدَ الجَمِيعَ، والجُمْهُورُ يَقُولُونَ بِهِ، لَكِنَّهُ يَكُونُ مَجازًا ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ظاهِرًا وفِيهِ النِّزاعُ.

وأمّا عَنِ الثّانِي فَبِمَنعِ المُلازِمَةِ، نَعَمْ يَلْزَمُ أنْ لا يُشارِكَهُنَّ في الأحْكامِ بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ، وما المانِعُ أنْ يُشارِكْنَ بِدَلِيلٍ خارِجٍ ؟

والأمْرُ كَذَلِكَ، ولِذَلِكَ لَمَّ يَدْخُلْنَ في الجِهادِ والجُمُعَةِ مَثَلًا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الخارِجِيِّ هُناكَ، وأمّا عَنِ الثّالِثِ فَبِمَنعِ المُبادَرَةِ ثَمَّةَ بِلا قَرِينَةٍ، فَإنَّ الوَصِيَّةَ المُتَقَدِّمَةَ قَرِينَةٌ دالَّةٌ عَلى الإرادَةِ، فالحَقُّ عَدَمُ دُخُولِ الإناثِ ظاهِرًا، نَعَمِ الأوْلى هُنا القَوْلُ بِدُخُولِهِنَّ بِاعْتِبارِ التَّغْلِيبِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنْ لا تَغْلِيبَ بَلِ الأمْرُ لِلرِّجالِ فَقَطْ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الصِّيغَةِ، ودُخُولُ الإناثِ في الأمْرِ بِالتَّقْوى لِلدَّلِيلِ الخارِجِيِّ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا يَسْتَدْعِي تَخْصِيصَ لَفْظِ النّاسِ بِبَعْضِ أفْرادِهِ؛ لِأنَّ إبْقاءَهُ حِينَئِذٍ عَلى عُمُومِهِ مِمّا يَأْباهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، والمَأْمُورُ بِهِ إمّا الِاتِّقاءُ بِحَيْثُ يَشْمَلُ ما كانَ بِاجْتِنابِ الكُفْرِ والمَعاصِي وسائِرِ القَبائِحِ، ويَتَناوَلُ رِعايَةَ حُقُوقِ النّاسِ كَما يَتَناوَلُ رِعايَةَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى وأمّا الِاتِّقاءُ في الإخْلالِ بِما يَجِبُ حِفْظُهُ مِنَ الحُقُوقِ فِيما بَيْنَ العِبادِ، وهَذا المَعْنى مُطابِقٌ لِما في السُّورَةِ مِن رِعايَةِ حالِ الأيْتامِ وصِلَةِ الأرْحامِ والعَدْلِ في النِّكاحِ والإرْثِ ونَحْوِ ذَلِكَ بِالخُصُوصِ، بِخِلافِ الأوَّلِ فَإنَّهُ إنَّما يُطابِقُها مِن حَيْثُ العُمُومُ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ما لا يَخْفى مِن تَأْيِيدِ الأمْرِ وتَأْكِيدِ إيجابِ الاِمْتِثالِ، وكَذا في وصْفِ الرَّبِّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ لِأنَّ الِاسْتِعْمالَ جارٍ عَلى أنَّ الوَصْفَ الَّذِي عُلِّقَ بِهِ الحُكْمُ عِلَّةٌ مُوجِبَةٌ لَهُ، أوْ باعِثَةٌ عَلَيْهِ، داعِيَةٌ إلَيْهِ، ولا يَخْفى أنَّ ما هُنا كَذَلِكَ لِأنَّ ما ذُكِرَ يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ العَظِيمَةِ أوِ النِّعْمَةِ الجَسِيمَةِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ يُوجِبُ التَّقْوى مُطْلَقًا حَذَرًا عَنِ العِقابِ العَظِيمِ، وأنَّ الثّانِيَ يَدْعُو إلَيْها وفاءً بِالشُّكْرِ الواجِبِ، وإيجابُ الخَلْقِ مِن أصْلٍ واحِدٍ لِلِاتِّقاءِ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي ظاهِرٌ جِدًّا، وفي الوَصْفِ المَذْكُورِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُخاطَبِينَ عالِمُونَ بِما ذُكِرَ مِمّا يَسْتَدْعِي التَّحَلِّيَ بِالتَّقْوى، وفِيهِ كَمالُ تَوْبِيخٍ لِمَن يَفُوتُهُ ذَلِكَ، والمُرادُ مِنَ النَّفْسِ الواحِدَةِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والَّذِي عَلَيْهِ الجَماعَةُ مِنَ الفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ ومَن وافَقَهم أنَّهُ لَيْسَ سِوى آدَمَ واحِدٍ - وهو أبُو البَشَرِ - وذَكَرَ صاحِبُ جامِعِ الأخْبارِ مِنَ الإمامِيَّةِ في الفَصْلِ الخامِسَ عَشَرَ خَبَرًا طَوِيلًا نَقَلَ فِيهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ قَبْلَ أبِينا آدَمَ ثَلاثِينَ آدَمَ، بَيْنَ كُلِّ آدَمَ وآدَمَ ألْفُ سَنَةٍ، وأنَّ الدُّنْيا بَقِيَتْ خَرابًا بَعْدَهم خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ عُمِّرَتْ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ خُلِقَ أبُونا آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ، ورَوى ابْنُ بابَوَيْهِ في كِتابِ التَّوْحِيدِ عَنِ الصّادِقِ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ أيْضًا أنَّهُ قالَ: لَعَلَّكَ تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ بَشَرًا غَيْرَكُمْ، بَلى، واللَّهِ لَقَدْ خَلَقَ ألْفَ ألْفَ آدَمَ أنْتُمْ في آخِرِ أُولَئِكَ الآدَمِيِّينَ، وقالَ المِيثَمُ في شَرْحِهِ الكَبِيرِ عَلى النَّهْجِ ونُقِلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ أنَّهُ قالَ: قَدِ انْقَضى قَبْلَ آدَمَ الَّذِي هو أبُونا ألْفُ ألْفِ آدَمَ، أوْ أكْثَرُ.

وذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في فُتُوحاتِهِ ما يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ أنَّ قَبْلَ آدَمَ بِأرْبَعِينَ ألْفَ سَنَةٍ آدَمَ غَيْرَهُ.

وفي كِتابِ الخَصائِصِ ما يَكادُ يُفْهَمُ مِنهُ التَّعَدُّدُ أيْضًا الآنَ، حَيْثُ رُوِيَ فِيهِ عَنِ الصّادِقِ أنَّهُ قالَ: إنَّ لِلَّهِ تَعالى اثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ عالَمٍ، كُلُّ عالَمٍ مِنهم أكْبَرُ مِن سَبْعِ سَمَواتٍ وسَبْعِ أرَضِينَ، ما يَرى عالَمٌ مِنهم أنَّ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ عالَمًا غَيْرَهم، وأنّى لِلْحُجَّةِ عَلَيْهُمْ، ولَعَلَّ هَذا وأمْثالَهُ مِن أرْضِ السِّمْسِمَةِ وجابِرْسا وجابِلْقا، إنْ صَحَّ مَحْمُولٌ عَلى عالَمِ المِثالِ لا عَلى هَذا العالَمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وحَمْلُ تَعَدُّدِ آدَمَ في ذَلِكَ العالَمِ أيْضًا غَيْرُ بَعِيدٍ، وأمّا القَوْلُ بِظَواهِرِ هَذِهِ الأخْبارِ فَمِمّا لا يَراهُ أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ بَلْ قَدْ صَرَّحَ زَيْنُ العَرَبِ بِكُفْرِ مَن يَعْتَقِدُ التَّعَدُّدَ، نَعَمْ، إنَّ آدَمَنا هَذا عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْبُوقٌ بِخَلْقٍ آخَرِينَ كالمَلائِكَةِ والجِنِّ وكَثِيرٍ مِنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى لا بِخَلْقِ أمْثالِهِ وهو حادِثٌ نَوْعًا وشَخْصًا خِلافًا لِبَعْضِ الفَلاسِفَةِ في زَعْمِهِمْ قِدَمَ نَوْعِ الإنْسانِ، وذَهَبَ الكَثِيرُ مِنّا إلى أنَّهُ مُنْذُ كانَ إلى زَمَنِ البِعْثَةِ سِتَّةُ آلافِ سَنَةٍ، وأنَّ عُمْرَ الدُّنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ ورَوَوْا أخْبارًا كَثِيرَةً في ذَلِكَ، والحَقُّ عِنْدِي أنَّهُ كانَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ ولا يَكُونُ بَعْدَ أنْ كانَ، وأمّا أنَّهُ مَتى كانَ ومَتى لا يَكُونُ فَمِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، والأخْبارُ مُضْطَرِبَةٌ في هَذا البابِ فَلا يَكادُ يُعَوَّلُ عَلَيْها.

والقَوْلُ بِأنَّ النَّفْسَ الكُلِّيَ يَجْلِسُ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ الأنْفُسِ الجُزْئِيَّةِ في كُلِّ سَبْعَةِ آلافِ سَنَةٍ مَرَّةً، وأنَّ قِيامَ السّاعَةِ بَعْدَ تَمامِ ألْفِ البَعْثَةِ مَحْمُولٌ عَلى ذَلِكَ فَمِمّا لا أرْتَضِيهِ دِينًا ولا أخْتارَهُ يَقِينًا، والخِطابُ في (رَبَّكُمْ) و(خَلَقَكُمْ) لِلْمَأْمُورِينَ وتَعْمِيمُهُ بِحَيْثُ يَشْمَلُ الأُمَمَ السّالِفَةَ مَعَ بَقاءِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الخِطابِ غَيْرُ شامِلٍ بِناءً عَلى أنَّ شُمُولَ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى وخَلْقَهُ لِلْكُلِّ أتَمُّ في تَأْكِيدِ الأمْرِ السّابِقِ مَعَ أنَّ فِيهِ تَفْكِيكًا لِلنَّظْمِ مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ لِأنَّ خَلْقَهُ تَعالى لِلْمَأْمُورِينَ مِن نَفْسِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ كانُوا بِواسِطَةِ ما بَيْنَهُ وبَيْنَهم مِنَ الآباءِ والأُمَّهاتِ كانَ التَّعَرُّضُ لِخَلْقِهِمْ مُتَضَمِّنًا لِحَقِّ الوَسائِطِ جَمِيعًا، وكَذا التَّعَرُّضُ لِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهم مُتَضَمِّنًا لِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِأُصُولِهِمْ قاطِبَةً لا سِيَّما وقَدْ أُرْدِفَ الكَلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها ﴾ وهو عَطْفٌ عَلى ( خَلَقَكم ) داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وأُعِيدَ الفِعْلُ لِإظْهارِ ما بَيْنَ الخَلْقَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ لِأنَّ الأوَّلَ بِطَرِيقِ التَّفْرِيعِ مِنَ الأصْلِ والثّانِيَ بِطَرِيقِ الإنْشاءِ مِنَ المادَّةِ فَإنَّ المُرادَ مِنَ الزَّوْجِ حَوّاءُ وهي قَدْ خُلِقَتْ مِن ضِلْعِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الأيْسَرِ كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وغَيْرِهِ، ورَوى الشَّيْخانِ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّساءِ خَيْرًا فَإنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِن ضِلْعٍ، وإنَّ أعْوَجَ شَيْءٍ مِنَ الضِّلْعِ أعْلاهُ، فَإنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وإنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أعْوَجَ» .

وأنْكَرَ أبُو مُسْلِمٍ خَلْقَها مِنَ الضِّلْعِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى خَلْقِها مِنَ التُّرابِ فَأيُّ فائِدَةٍ في خَلْقِها مِن ذَلِكَ وزَعَمَ أنَّ مَعْنى مِنها مِن جِنْسِها، والآيَةُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ( جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ) ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ بَعْضُهم مُدَّعِيًا أنَّ القَوْلَ بِما ذُكِرَ يَجُرُّ إلى القَوْلِ بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَنْكِحُ بَعْضَهُ بَعْضًا، وفِيهِ مِنَ الِاسْتِهْجانِ ما لا يَخْفى، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ حَوّاءَ كانَتْ حُورِيَّةً خُلِقَتْ مِمّا خُلِقَ مِنهُ الحُورُ بَعْدَ أنْ أُسْكِنَ آدَمُ الجَنَّةَ، وكِلا القَوْلَيْنِ باطِلٌ، أمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ لَيْسَ في الآياتِ ولا الأحادِيثِ ما يُتَوَهَّمُ مِنهُ الإشارَةُ إلَيْهِ أصْلًا فَضْلًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ، ومَعَ هَذا يُقالُ عَلَيْهِ: إنَّ الحُورَ خُلِقْنَ مِن زَعْفَرانِ الجَنَّةِ - كَما ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ- فَإنْ كانَتْ حَوّاءُ مَخْلُوقَةً مِمّا خُلِقْنَ مِنهُ - كَما هو نَصُّ كَلامِ الزّاعِمِ - فَبَيْنَها وبَيْنَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ المَخْلُوقِ مِن تُرابِ الدُّنْيا بُعْدٌ كُلِّيٌ يَكادُ يَكُونُ افْتِراقًا في الجِنْسِيَّةِ الَّتِي رُبَّما تُوهِمُها الآيَةُ، ويَسْتَدْعِي بُعْدَ وُقُوعِ التَّناسُلِ بَيْنَهُما في هَذِهِ النَّشْأةِ، وإنْ كانَتْ مَخْلُوقَةً مِمّا خُلِقَ مِنهُ آدَمُ فَهو مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ نَصِّ كَلامِهِ يَرُدُّ عَلَيْهِ إنَّ هَذا قَوْلٌ بِما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ وإلّا يَكُنْهُ فَهو قَرِيبٌ مِنهُ، وأمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَ فِيهِ لَكانَ النّاسُ مَخْلُوقِينَ مِن نَفْسَيْنِ، لا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وهو خِلافُ النَّصِّ، وأيْضًا هو خِلافُ ما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهَذا يَرُدُّ عَلى الثّانِي أيْضًا.

والقَوْلُ بِأنَّهُ أيُّ فائِدَةٍ في خَلْقِها مِن ضِلْعٍ واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَها مِن تُرابٍ يُقالُ عَلَيْهِ: إنَّ فائِدَةً ذَلِكَ سِوى الحِكْمَةِ الَّتِي خَفِيَتْ عَنّا إظْهارُ أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ حَيًّا مِن حَيٍّ لا عَلى سَبِيلِ التَّوالُدِ - كَما أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ حَيًّا مِن جَمادٍ كَذَلِكَ - ولَوْ كانَتِ القُدْرَةُ عَلى الخَلْقِ مِنَ التُّرابِ مانِعَةً عَنِ الخَلْقِ مِن غَيْرِهِ لِعَدَمِ الفائِدَةِ لِخَلْقِ الجَمِيعِ مِنَ التُّرابِ بِلا واسِطَةٍ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ كَما أنَّهُ قادِرٌ عَلى خَلْقِ آدَمَ مِنَ التُّرابِ هو قادِرٌ عَلى خَلْقِ سائِرِ أفْرادِ الإنْسانِ مِنهُ أيْضًا فَما هو جَوابُكم عَنْ خَلْقِ النّاسِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ مَعَ القُدْرَةِ عَلى خَلْقِهِمْ كَخَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَهو جَوابُنا عَنْ خَلْقِ حَوّاءَ مِن آدَمَ مَعَ القُدْرَةِ عَلى خَلْقِها مِن تُرابٍ، والقَوْلُ: بِأنَّ ذَلِكَ يَجُرُّ إلى ما فِيهِ اسْتِهْجانٌ لا يَخْفى ما فِيهِ لِأنَّ هَذا التَّشَخُّصَ الخاصَّ الحاصِلَ لِذَلِكَ الجُزْءِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِن تَشَخُّصِهِ الأصْلِيِّ شَيْءٌ ظاهِرٌ يَدْفَعُ الِاسْتِهْجانَ الَّذِي لا مُقْتَضى لَهُ إلّا الوَهْمُ الخالِصُ لا سِيَّما والحِكْمَةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ التَّناكُحَ الكَذائِيَ.

فَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سَرُّهُ أنَّ حَوّاءَ لَمّا انْفَصَلَتْ مِن آدَمَ عَمَرَ مَوْضِعَها مِنهُ بِالشَّهْوَةِ النِّكاحِيَّةِ الَّتِي بِها وقَعَ الغَشَيانُ لِظُهُورِ التَّوالُدِ والتَّناسُلِ وكانَ الهَواءُ الخارِجُ الَّذِي عَمَرَ مَوْضِعَهُ جِسْمَ حَوّاءَ عِنْدَ خُرُوجِها إذْ لا خَلاءَ في العالَمِ فَطَلَبَ ذَلِكَ الجُزْءُ الهَوائِيُّ مَوْضِعَهُ الَّذِي أخَذَتْهُ حَوّاءُ بِشَخْصِيَّتِها فَحَرَّكَ آدَمَ لِطَلَبِ مَوْضِعِهِ فَوَجَدَهُ مَعْمُورًا بِحَوّاءَ فَوَقَعَ عَلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ مِنهُ فَجاءَتْ بِالذُّرِّيَّةِ فَبَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ سُنَّةً جارِيَةً في الحَيَوانِ مِن بَنِي آدَمَ وغَيْرِهِ بِالطَّبْعِ، لَكِنَّ الإنْسانَ هو الكَلِمَةُ الجامِعَةُ ونُسْخَةُ العالَمِ فَكُلُّ ما في العالَمِ جُزْءٌ مِنهُ ولَيْسَ الإنْسانُ بِجُزْءٍ لِواحِدٍ مِنَ العالَمِ، وكانَ سَبَبُ الفَصْلِ وإيجادُ هَذا المُنْفَصِلِ الأوَّلِ طَلَبَ الأُنْسِ بِالمُشاكِلِ في الجِنْسِ الَّذِي هو النَّوْعُ الأخَصُّ، ولِيَكُونَ في عالَمِ الأجْسامِ بِهَذا الِالتِحامِ الطَّبِيعِيِّ لِلْإنْسانِ الكامِلِ بِالصُّورَةِ الَّتِي أرادَها اللَّهُ تَعالى ما يُشْبِهُ القَلَمَ الأعْلى واللَّوْحَ المَحْفُوظَ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالعَقْلِ الأوَّلِ والنَّفْسِ الكُلِّيَّةِ انْتَهى.

ويُفْهَمُ مِن كَلامِهِمْ أنَّ هَذا الخَلْقَ لَمْ يَقَعْ هَكَذا إلّا بَيْنَ هَذَيْنِ الزَّوْجَيْنِ دُونَ سائِرِ أزْواجِ الحَيَواناتِ ولَمْ أظْفَرْ في ذَلِكَ بِما يَشْفِي الغَلِيلَ، نَعَمْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ زَوْجَ إبْلِيسَ عَلَيْهِما اللَّعْنَةُ خُلِقَتْ مِن خَلْفِهِ الأيْسَرِ، والخَلْفُ - كَما في الصِّحاحِ - أقْصَرُ أضْلاعِ الجَنْبِ وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ الضَّحّاكُ في هَذا المَقامِ، وإنَّما أُخِّرَ بَيانُ خَلْقِ الزَّوْجِ عَنْ بَيانِ خَلْقِ المُخاطَبِينَ لِما أنَّ تَذْكِيرَ خَلْقِهِمْ أدْخَلُ في تَحْقِيقِ ما هو المَقْصُودُ مِن حَمْلِهِمْ عَلى امْتِثالِ الأمْرِ مِن تَذْكِيرِ خَلْقِها، وقُدِّمَ الجارُّ لِلْاعْتِناءِ بِبَيانِ مَبْدَئِيَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَها ما في التَّقْدِيمِ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ واخْتِيرَ عُنْوانُ الزَّوْجِيَّةِ تَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِنَ التَّناسُلِ وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى جَوازِ عَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى مُقَدَّرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ السَّوْقُ، لِأنَّ تَفْرِيعَ الفُرُوعِ مِن أصْلٍ واحِدٍ يَسْتَدْعِي إنْشاءَ ذَلِكَ الأصْلِ لا مَحالَةَ كَأنَّهُ قِيلَ: خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ خَلَقَها أوَّلًا وخَلَقَ مِنها زَوْجَها إلَخْ، وهَذا المُقَدَّرُ إمّا اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ وحْدَةِ المَبْدَأِ، وبَيانِ كَيْفِيَّةِ خَلْقِهِمْ مِنهُ بِتَفْصِيلِ ما أُجْمَلَ أوَّلًا، وإمّا صِفَةٌ لِنَفْسٍ مُفِيدَةٍ لِذَلِكَ، وأوْجَبَ بَعْضُهم هَذا التَّقْدِيرَ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِ الخِطابِ فِيما تَقَدَّمَ عامًّا في الجِنْسِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْلا التَّقْدِيرُ حِينَئِذٍ لَكانَ هَذا مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وبَثَّ مِنهُما ﴾ أيْ نَشَرَ وفَرَّقَ مِن تِلْكَ النَّفْسِ وزَوْجِها عَلى وجْهِ التَّناسُلِ والتَّوالُدِ رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً تَكْرارًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( خَلَقَكم ) لِأنَّ مُؤَدّاهُما واحِدٌ ولَيْسَ عَلى سَبِيلِ بَيانِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ عَلى عَدَمِ التَّقْدِيرِ ولَأوْهَمَ أنَّ الرِّجالَ والنِّساءَ غَيْرُ المَخْلُوقِينَ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، وأنَّهم مُنْفَرِدُونَ بِالخَلْقِ مِنها ومِن زَوْجِها، والنّاسُ إنَّما خُلِقُوا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ مِن غَيْرِ مَدْخَلٍ لِلزَّوْجِ، ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ عَلى العَطْفِ؛ وجُعِلَ المُخاطَبُ -بِخَلَقَكُمْ- مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ إذْ يَكُونُ ﴿ وبَثَّ مِنهُما ﴾ إلَخْ واقِعًا عَلى مَن عَدا المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ مِنَ الأُمَمِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ والتَّوَهُّمِ في غايَةِ البُعْدِ، وكَذا لا يَلْزَمُ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وجُعِلَ الخِطابُ عامًّا؛ لِأنَّ ذَلِكَ المَحْذُوفَ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ يَكُونانِ بَيانًا لِكَيْفِيَّةِ الخَلْقِ مِن تِلْكَ النَّفْسِ، ومِنَ النّاسِ مَنِ ادَّعى أنَّهُ لا مانِعَ مِن جَعْلِ الخِطابِ عامًّا مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَقْدِيرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ مَعَهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ، والمَحْذُورُ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ لَيْسَ بِمُتَوَجَّهٍ؛ إذْ لا يُفْهَمُ مِن خَلْقِ بَنِي آدَمَ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ خَلْقُ زَوْجِها مِنهُ، ولا خَلْقُ الرِّجالِ والنِّساءِ مِنَ الأصْلَيْنِ جَمِيعًا.

والمَعْطُوفُ مُتَكَفِّلٌ بِبَيانِ ذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ اللّازِمَ في العَطْفِ تَغايُرُ المَعْطُوفاتِ، ولَوْ مِن وجْهٍ، وهو هُنا مُحَقَّقٌ بِلا رَيْبٍ، كَما لا يَخْفى، والتَّلْوِينُ في ﴿ رِجالا ونِساءً ﴾ لِلتَّكْثِيرِ، و ﴿ كَثِيرًا ﴾ نَعْتٌ لِـ ( رِجالًا ) مُؤَكِّدٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ، والإفْرادُ بِاعْتِبارِ مَعْنى الجَمْعِ، أوِ العَدَدِ، أوْ لِرِعايَةِ صِيغَةِ فَعِيلٍ، ونَقَلَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: بَثًّا ﴿ كَثِيرًا ﴾ ، ولِهَذا أُفْرِدَ، وجَعْلُهُ صِفَةَ حِينَ -كَما قِيلَ- تَكَلُّفٌ سَمِجٌ، ولَيْسَ المُرادُ بِالرِّجالِ والنِّساءِ البالِغِينَ والبالِغاتِ، بَلِ الذُّكُورُ والإناثُ مُطْلَقًا تَجَوُّزًا، ولَعَلَّ إيثارَهُما عَلى الذُّكُورِ والإناثِ لِتَأْكِيدِ الكَثْرَةِ، والمُبالَغَةِ فِيها بِتَرْشِيحِ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الأفْرادِ المَبْثُوثَةِ لِمَبْدَئِيَّةِ غَيْرِهِ، وقِيلَ: ذَكَرَ الكِبارَ مِنهم؛ لِأنَّهُ في مَعْرِضِ المُكَلَّفِينَ بِالتَّقْوى، واكْتَفى بِوَصْفِ الرِّجالِ بِالكَثْرَةِ عَنْ وصْفِ النِّساءِ بِها؛ لِأنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي أنْ يَكُنَّ أكْثَرَ؛ إذْ لِلرَّجُلِ أنْ يَزِيدَ في عِصْمَتِهِ عَلى واحِدَةٍ، بِخِلافِ المَرْأةِ، قالَهُ الخَطِيبُ.

واحْتَجَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّ الحادِثَ لا يَحْدُثُ إلّا عَنْ مادَّةٍ سابِقَةٍ، وأنَّ خَلْقَ الشَّيْءِ عَنِ العَدَمِ المَحْضِ والنَّفْيِ الصِّرْفِ مُحالٌ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن إحْداثِ شَيْءٍ في صُورَةٍ واحِدَةٍ مِنَ المادَّةِ لِحِكْمَةِ أنْ يَتَوَقَّفَ الإحْداثُ عَلى المادَّةِ في جَمِيعِ الصُّوَرِ.

عَلى أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرَ مِن خَلْقِنا، وخَلْقِ الزَّوْجِ مِمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وهو غَيْرُ وافٍ بِالمُدَّعى، وقُرِئَ: (وخالِقٌ وباثٌّ) عَلى حَذْفِ المُبْتَدَأِ؛ لِأنَّهُ صِلَةٌ لِعَطْفِهِ عَلى الصِّلَةِ، فَلا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً بِخِلافِ نَحْوِ زَيْدٌ رَكِبَ وذاهِبٌ، أيْ: وهو خالِقٌ وباثٌّ.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ، وتَأْكِيدٌ لَهُ، والمُخاطَبُ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أيْضًا كَما مَرَّ، وقِيلَ: المُخاطَبُ هُنا وهُناكَ هُمُ العَرَبُ -كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -؛ لِأنَّ دَأْبَهم هَذا التَّناشُدُ، وقِيلَ: المُخاطَبُ هُناكَ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ مُطْلَقًا، وهُنا العَرَبُ خاصَّةً، وعُمُومُ أوَّلِ الآيَةِ لا يَمْنَعُ خُصُوصَ آخِرَها كالعَكْسِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّفْكِيكِ، ووَضْعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشارَةِ إلى جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ تَرَقِّيًا بَعْدَ صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اتَّقُوهُ لِرُبُوبِيَّتِهِ وخَلْقِهِ إيّاكم خَلْقًا بَدِيعًا، ولِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِصِفاتِ الكَمالِ كُلِّها.

وفِي تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ إشارَةٌ إلى بَعْضٍ آخَرَ مِن مُوجِباتِ الِامْتِثالِ؛ فَإنَّ قَوْلَ القائِلِ لِصاحِبِهِ: أسْألُكَ بِاللَّهِ، وأنْشُدُكَ اللَّهَ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْطافِ يَقْتَضِي الِاتِّقاءَ مِن مُخالَفَةِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ و ﴿ تَساءَلُونَ ﴾ إمّا بِمَعْنى يَسْألُ بَعْضُكم بَعْضًا، فالمُفاعَلَةُ عَلى ظاهِرِها، وإمّا بِمَعْنى تَسْألُونَ - كَما قُرِئَ بِهِ - وتَفاعَلَ يَرِدُ بِمَعْنى فَعَّلَ إذا تَعَدَّدَ فاعِلُهُ، وأصْلُهُ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ - تَتَساءَلُونَ - بَتاءَيْنِ، فَحُذِفَتْ إحْداهُما لِلثِّقَلِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ وسائِرُ أهْلِ الكُوفَةِ (تَسّاءَلُونَ) بِإدْغامِ تاءِ التَّفاعُلِ في السِّينِ؛ لِتَقارُبِهِما في الهَمْسِ.

﴿ والأرْحامَ ﴾ بِالنَّصْبِ وهو مَعْطُوفٌ إمّا عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ إنْ كانَ المَحَلُّ لَهُما، أوْ عَلى مَحَلِّ المَجْرُورِ إنْ كانَ المَحَلُّ لَهُ، والكَلامُ عَلى حَدِّ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ، وعُمَرَ، ويَنْصُرُهُ قِراءَةُ (تَساءَلُونَ بِهِ وبِالأرْحامِ )، وأنَّهم كانُوا يُقْرِنُونَها في السُّؤالِ والمُناشَدَةِ بِاللَّهِ تَعالى، ويَقُولُونَ: أسْألُكَ بِاللَّهِ تَعالى، وبِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وبِالرَّحِمِ - كَما أخْرَجَ ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ- عَنْ مُجاهِدٍ، وهو اخْتِيارُ الفارِسِيِّ، وعَلِيِّ بْنِ عِيسى.

وإمّا مَعْطُوفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، أيِ: اتَّقُوا اللَّهَ تَعالى والأرْحامَ، وصِلُوها ولا تَقْطَعُوها؛ فَإنَّ قَطْعَها مِمّا يَجِبُ أنْ يُتَّقى، وهو رِوايَةُ ابْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ، وحُكِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، وجَوَّزَ الواحِدِيُّ النَّصْبَ عَلى الإغْراءِ، أيْ: والزَمُوا الأرْحامَ وصِلُوها، وقَرَأ حَمْزَةُ بِالجَرِّ، وخُرِّجَتْ في المَشْهُورِ عَلى العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، وضَعَّفَ ذَلِكَ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ بِأنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ كَبَعْضِ الكَلِمَةِ؛ لِشِدَّةِ اتِّصالِهِ بِها، فَكَما لا يُعْطَفُ عَلى جُزْءِ الكَلِمَةِ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ وأوَّلُ مَن شَنَّعَ عَلى حَمْزَةَ في هَذِهِ القِراءَةِ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ، حَتّى قالَ: لا تَحِلُّ القِراءَةُ بِها، وتَبِعَهُ في ذَلِكَ جَماعَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وزَعَمَ أنَّهُ يَرُدُّها وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ ذِكْرَ أنَّ الأرْحامَ مِمّا يُتَساءَلُ بِها لا مَعْنى لَهُ في الحَضِّ عَلى تَقْوى اللَّهِ تَعالى، ولا فائِدَةَ فِيها أكْثَرُ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّ الأرْحامَ يُتَساءَلُ بِها، وهَذا مِمّا يَغُضُّ مِنَ الفَصاحَةِ.

والثّانِي أنَّ في ذِكْرِها عَلى ذَلِكَ تَقْرِيرُ التَّساؤُلِ بِها، والقَسَمُ بِحُرْمَتِها، والحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَرُدُّ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن كانَ حالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ تَعالى أوْ لِيَصْمُتْ» ”.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَمْزَةَ لَمْ يَقْرَأْ كَذَلِكَ مِن نَفْسِهِ، ولَكِنْ أخَذَ ذَلِكَ، بَلْ جَمِيعَ القُرْآنِ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مِهْرانَ الأعْمَشِ، والإمامِ ابْنِ أعْيَنَ، ومُحَمَّدِ بْنِ أبِي لَيْلى، وجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصّادِقِ، - وكانَ صالِحًا ورِعًا ثِقَةً في الحَدِيثِ- مِنَ الطَّبَقَةِ الثّالِثَةِ.

وقَدْ قالَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ، ويَحْيى بْنُ آدَمَ في حَقِّهِ: غَلَبَ حَمْزَةُ النّاسَ عَلى القِراءَةِ والفَرائِضِ، وأخَذَ عَنْهُ جَماعَةٌ وتَلْمَذُوا عَلَيْهِ، مِنهم إمامُ الكُوفَةِ - قِراءَةً وعَرَبِيَّةً - أبُو الحَسَنِ الكِسائِيُّ، وهو أحَدُ القُرّاءِ السَّبْعِ الَّذِينَ قالَ أساطِينُ الدِّينِ: إنَّ قِراءَتَهم مُتَواتِرَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ومَعَ هَذا لَمْ يَقْرَأْ بِذَلِكَ وحْدَهُ، بَلْ قَرَأ بِهِ جَماعَةٌ مِن غَيْرِ السَّبْعَةِ كابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، وغَيْرِهِمْ - كَما نَقَلَهُ ابْنُ يَعِيشَ - فالتَّشْنِيعُ عَلى هَذا الإمامِ في غايَةِ الشَّناعَةِ، ونِهايَةِ الجَسارَةِ والبَشاعَةِ، ورُبَّما يُخْشى مِنهُ الكُفْرُ، وما ذُكِرَ مِنِ امْتِناعِ العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ هو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، ولَسْنا مُتَعَبِّدِينَ بِاتِّباعِهِمْ، وقَدْ أطالَ أبُو حَيّانَ في“البَحْرِ”الكَلامَ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وادَّعى أنَّ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلِ الصَّحِيحُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الكُوفِيُّونَ مِنَ الجَوازِ، ووَرَدَ ذَلِكَ في لِسانِ العَرَبِ نَثْرًا ونَظْمًا، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ مالِكٍ، وحَدِيثُ: إنَّ ذِكْرَ الأرْحامِ - حِينَئِذٍ لا مَعْنى لَهُ في الحَضِّ عَلى تَقْوى اللَّهِ تَعالى - ساقِطٌ مِنَ القَوْلِ؛ لِأنَّ التَّقْوى إنْ أُرِيدَ بِها تَقْوى خاصَّةً، وهي الَّتِي في حُقُوقِ العِبادِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها صِلَةُ الرَّحِمِ، فالتَّساؤُلُ بِالأرْحامِ مِمّا يَقْتَضِيهِ بِلا رَيْبٍ، وإنْ أُرِيدَ الأعَمُّ فَلِدُخُولِهِ فِيها، وأمّا شُبْهَةُ أنَّ في ذِكْرِها تَقْرِيرُ التَّساؤُلِ بِها، والقَسَمُ بِحُرْمَتِها، والحَدِيثُ يَرُدُّ ذَلِكَ؛ لِلنَّهْيِ فِيهِ عَنِ الحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، فَقَدْ قِيلَ في جَوابِها: لا نُسَلِّمُ أنَّ الحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى مُطْلَقًا مَنهِيٌّ عَنْهُ، بَلِ المَنهِيُّ عَنْهُ ما كانَ مَعَ اعْتِقادِ وُجُوبِ البِرِّ، وأمّا الحَلِفُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ مَثَلًا فَمِمّا لا بَأْسَ بِهِ؛ فَفي الخَبَرِ: «“أفْلَحَ وأبِيهِ إنْ صَدَقَ» .

وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَ الشَّخْصِ لِآخَرَ: أسْألُكَ بِالرَّحِمِ أنْ تَفْعَلَ كَذا لَيْسَ الغَرَضُ مِنهُ سِوى الِاسْتِعْطافِ ولَيْسَ هو -كَقَوْلِ القائِلِ-: والرَّحِمِ لَأفْعَلَنَّ كَذا، ولَقَدْ فَعَلْتُ كَذا، فَلا يَكُونُ مُتَعَلِّقَ النَّهْيِ في شَيْءٍ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ هَهُنا حِكايَةُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ - لا يَخْفى ما فِيهِ فافْهَمْ، وقَدْ خَرَّجَ ابْنُ جِنِّي هَذِهِ القِراءَةَ عَلى تَخْرِيجٍ آخَرَ، فَقالَ في الخَصائِصِ: بابٌ في أنَّ المَحْذُوفَ إذا دَلَّتِ الدَّلالَةُ عَلَيْهِ كانَ في حُكْمِ المَلْفُوظِ بِهِ، مِن ذَلِكَ: رَسْمُ دارٍ وقَفْتُ في طَلَلِهِ أيْ رُبَّ رَسْمِ دارٍ، وكانَ رُؤْبَةُ إذا قِيلَ لَهُ: كَيْفَ أصْبَحْتَ؟

يَقُولُ: خَيْرٌ عافاكَ اللَّهُ تَعالى - أيْ بِخَيْرٍ - ويَحْذِفُ الباءَ؛ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْها، وعَلى نَحْوٍ مِن هَذا تَتَوَجَّهُ عِنْدَنا قِراءَةُ حَمْزَةَ، وفي شَرْحِ المُفَصَّلِ أنَّ الباءَ في هَذِهِ القِراءَةِ مَحْذُوفَةٌ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِها، وقَدْ مَشى عَلى ذَلِكَ أيْضًا الزَّمَخْشَرِيُّ في أحاجِيهِ، وذَكَرَ صاحِبُ الكَشْفِ أنَّهُ أقْرَبُ مِنَ التَّخْرِيجِ الأوَّلِ عِنْدَ أكْثَرِ البَصْرِيَّةِ؛ لِثُبُوتِ إضْمارِ الجارِّ في نَحْوِ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ، وفي نِحْوِ - ما مَثَّلَ عَبْدُ اللَّهِ ولا أخِيهِ يَقُولانِ: ذَلِكَ - والحَمْلُ عَلى ما ثَبَتَ هو الوَجْهُ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ الواوَ لِلْقَسَمِ عَلى نَحْوِ - اتَّقِ اللَّهَ تَعالى فَواللَّهِ إنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْكَ - وتَرْكُ الفاءِ؛ لِأنَّ الِاسْتِئْنافَ أقْوى الأصْلَيْنِ وهو وجْهٌ حَسَنٌ.

وقَرَأ ابْنُ زَيْدٍ: (والأرْحامُ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: والأرْحامُ كَذَلِكَ، أيْ مِمّا يُتَّقى لِقَرِينَةِ اتَّقُوا أوْ مِمّا يُتَساءَلُ بِهِ لِقَرِينَةِ ﴿ تَساءَلُونَ ﴾ وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: - أهْلٌ لِأنْ تُوصَلَ- وابْنُ جِنِّي: -مِمّا يَجِبُ أنْ تُوَصِلُوهُ وتَحْتاطُوا فِيهِ- ولَعَلَّ الجُمْلَةَ حِينَئِذٍ مُعْتَرِضَةٌ - وإلّا فَفي العَطْفِ خَفاءٌ، وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ إذْ قَرَنَ الأرْحامَ بِاسْمِهِ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ صِلَتَها بِمَكانٍ مِنهُ تَعالى، وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ حَتّى إذا فَرَغَ مِنهم قامَتِ الرَّحِمُ فَقالَتْ: هَذا مَقامُ العائِذُ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ قالَ: نَعَمْ، أما تَرْضَيْنَ أنِّي أصِلُ مَن وصَلَكِ، وأقْطَعُ مَن قَطَعَكِ؟

قالَتْ: بَلى، قالَ: فَذَلِكَ لَكِ»، وأخْرَجَ البَزّارُ بِإسْنادٍ حَسَنٍ: «الرَّحِمُ حَجْنَةٌ مُتَمَسِّكَةٌ بِالعَرْشِ تَكَلَّمُ بِلِسانٍ زَلِقٍ: اللَّهُمَّ صِلْ مَن وصَلَنِي، واقْطَعُ مَن قَطَعَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: أنا الرَّحْمَنُ أنا الرَّحِيمُ؛ فَإنِّي شَقَقْتُ الرَّحِمَ مِنِ اسْمِي، فَمَن وصَلَها وصَلْتُهُ، ومَن بَتَكَها بَتَكْتُهُ» .

وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ: " «إنَّ مِن أرْبى الرِّبا الِاسْتِطالَةَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وإنَّ هَذِهِ الرَّحِمَ شَجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، فَمَن قَطَعَها حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الجَنَّةَ» .

والأخْبارُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ، والمُرادُ بِالرَّحِمِ الأقارِبُ، ويَقَعُ عَلى كُلِّ مَن يَجْمَعُ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ نَسَبٌ، وإنْ بَعُدَ، ويُطْلَقُ عَلى الأقارِبِ مِن جِهَةِ النِّساءِ، وتَخْصِيصُهُ في بابِ الصِّلَةِ بِمَن يَنْتَهِي إلى رَحِمِ الأُمِّ مُنْقَطِعٌ عَنِ القَبُولِ؛ إذْ قَدْ ورَدَ الأمْرُ بِالإحْسانِ إلى الأقارِبِ مُطْلَقًا، ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا ﴾ (1) أيْ حَفِيظًا، - قالَهُ مُجاهِدٌ - فَهو مِن رَقِبَهُ بِمَعْنى حَفِظَهُ، كَما قالَهُ الرّاغِبُ، وقَدْ يُفَسَّرُ: بِالمُطَّلِعِ، ومِنهُ المَرْقَبُ لِلْمَكانِ العالِي الَّذِي يُشْرَفُ عَلَيْهِ لِيُطَّلَعَ عَلى ما دُونَهُ، ومِن هُنا فَسَّرَهُابْنُ زَيْدٍ: بِالعالِمِ، وعَلى كُلٍّ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ ووُجُوبِ الِامْتِثالِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَأْكِيدِهِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي مائة وستة وسبعون آية مكية يا أَيُّهَا النَّاسُ قال ابن عباس  في قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ قال: الناس عامة، وقد يكون يا أَيُّهَا النَّاسُ خاصة وعامة، يعني خاصة لأهل مكة، وفي هذا الموضع عام لجميع الناس اتَّقُوا رَبَّكُمُ يعني اخشوا ربكم ويقال أطيعوا ربكم احذروا المعاصي لكي تنجوا من عقوبة ربكم.

وقال: وحّدوا ربكم ولا تشركوا به شيئا، ثم دل على وحدانية نفسه بصنيعه فقال: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني آدم وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها يعني خلق من نفس آدم زوجها حواء، وذلك أن الله تعالى لما خلق آدم وأسكنه الجنة ألقى عليه النوم، فكان آدم بين النائم واليقظان، فخلق من ضلع من أضلاعه اليسرى حواء، فلما استيقظ قيل له من هذه يا آدم؟

قال امرأة لأنها خلقت من المرء، فقيل: ما اسمها؟

قال: حواء لأنها خلقت من حي.

وقد قيل: إنما سميت حواء لأنه كان على شفتيها حوة وقيل لأن لونها كان يضرب إلى السمرة فسميت حواء من قولك أحوى كقوله تعالى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى [الأعلى: 5] .

ثم قال تعالى: وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً يعني: خلق منهما يعني من آدم وحواء، ونشر منهما رجالا كثيرا ونساء، يعني خلق منهما رجالاً كثيراً ونساءً.

قال مقاتل: أي خلق منهما ألف ذرية من الناس.

ثم قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ أي أطيعوا الله الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم، وأبو عمرو في رواية هارون: «تسألون» بغير تشديد.

وقرأ الباقون بالتشديد، فأما من قرأ بالتشديد لأن أصله تتساءلون فأدغم إحدى التاءين في السين وأقيم التشديد مقامه، ومن قرأ بالتخفيف فالأصل أيضاً تتساءلون، فحذف إحدى التاءين لاجتماع الحرفين من جنس واحد للتخفيف.

ثم قال: وَالْأَرْحامَ قرأ حمزة: وَالْأَرْحامَ بكسر الميم، والباقون بنصب الميم، ومعناه واتقوا الله الذي تسألون به الحاجات، يعني الذي يسأل الناس بعضهم بعضاً، فيقول الرجل للرجل: أسألك بالله وأنشدك بالله والأرحام.

يقول: واتقوا اللَّهَ في ذوي الأرحام، فصلوها ولا تقطعوها.

وأما من قرأ بالكسر معناه: أسألك بالله وبالرحم أن تعطيني شيئاً.

وقال الزجاج: من قرأ بالخفض فخطأ في العربية وفي أمر الدين، أما الخطأ في العربية لأن الاسم يعطف على الاسم المفصح به ولا يعطف على المكنى به إلا في اضطرار الشعر، كقول الشاعر: فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ...

فما لنا بك والأيام من عجب وأما في غير الشعر فلا يستعمل، وأما الخطأ الذي في الدين لأن النبيّ  قال: «لا تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ» .

فالسؤال بالأرحام أمر عظيم.

ولكن روي عن إبراهيم النخعي أنه كان يقرأ بالخفض أيضاً.

ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً أي حفيظا لأعمالكم يسألكم عنها فيما أمركم به.

وروى أبو هريرة عن رسول الله  أنه قال: «ما من عمل حسنة أسرع ثوابا من صلة الرّحم، وما من عمل سيّئة أسرع عقوبة من البغي، واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع» وروي عن رسول الله  أنه قال: «إن الله لمّا خلق الرّحم قال له: صل من وصلك واقطع من قطعك» .

ويقال: الرحم مشتق من الرحمة، فمن قطعها فليس له من رحمة الله تعالى نصيب.

وقال  : «الرّحم معلّق بالعرش، فمن قطعها قطعني، ومن وصلها وصلني» <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بسم الله الرّحمن الرّحيم

تفسير سورة النّساء مدنيّة

إلّا آية واحدة نزلت بمكّة عام الفتح، وهي: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ...

[النساء: ٥٨] الآية: وفي البخاريُّ: عَن عائشَة (رضي الله عنها) أنَّها قالت:

ما نزلت سورة النّساء إلّا وأنا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، تعني: قد بنى بها «١» .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ...

الآية: في الآية تنبيهٌ على الصانع، وعلى افتتاحِ الوجودِ، وفيها حضٌّ على التواصل لحرمةِ هذا النَّسَب، والمرادُ بالنَّفْس آدم صلّى الله عليه وسلّم، وقال: واحِدَةٍ على تأنيث لفظ النّفس، وزَوْجَها، يعني: حَوَّاء، قال ابن عَبَّاس وغيره: خَلَق اللَّه آدم وَحِشاً في الجنة وحده، ثم نام، فانتزع اللَّهُ إحدى أضلاعه القصيرى مِنْ شِمَاله «٢» ، وقيل: مِنْ يمينه، فَخَلَقَ منها حَوَّاء، ويعضد هذا- الحديث الصحيح في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ أَعْوَجَ ...

» الحديث «٣» ، وَبَثَّ: معناه: نَشَرَ كقوله تعالى: كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة: ٤] أي: المنتشر، وفي تكرير الأمر بالتقوى

تأكيد لنفوس المأمورين، وتَسائَلُونَ: معْنَاه: تتعاطَفُون به، فيقول أحدكم: أسألكَ باللَّه، وقوله: وَالْأَرْحامَ، أي: واتقوا الأرحَامَ، وقرأ حمزةُ «والأَرْحَامِ» (بالخفض) عطفًا على الضميرِ كقولهم: أسألك باللَّه وبالرَّحِمِ قاله مجاهد وغيره.

قال ع «١» : وهذه القراءةُ عند نحاة البَصْرة لا تَجُوز لأنه لا يجوزُ عندهم أنْ يعطف ظَاهِرٌ على مضمرٍ مخفوضٍ إلا في ضرورة الشِّعْرِ كقوله: [البسيط]

................

...

فاذهب فَمَا بِكَ وَالأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ «٢»

لأن الضميرَ المخفوضَ لا ينفصلُ فهو كحرف من الكلمة، ولا يعطف على حرفٍ، واستسهلَ بعضُ النحاة هذه القراءة.

انتهى كلام ع.

قال ص: والصحيحُ جوازُ العَطْف على الضميرِ المجرورِ من غير إعادة الجَارِّ كمذهب الكوفيِّين، ولا تُرَدُّ القراءة المتواترةُ بمثل مذهب البصريّين «٣» ، قال: وقد أمعنّا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

٤ - سُورَةُ النِّساءِ ﴿ يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها وبَثَّ مِنهُما رِجالا كَثِيرًا ونِساءً واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا ﴾ اخْتَلَفُوا في نُزُولِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، رَواهُ عَطاءُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ.

وقِيلَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ إلّا آيَةً نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ حِينَ أرادَ النَّبِيُّ  أنْ يَأْخُذَ مِنهُ مَفاتِيحَ الكَعْبَةِ، فَيُسَلِّمَها إلى العَبّاسِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها ﴾ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: بِمَعْنى: الخَشْيَةُ.

قالَهُ مُقاتِلٌ.

.

والنَّفْسُ الواحِدَةُ: آدَمُ، وزَوْجُها حَوّاءُ، و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿ وَخَلَقَ مِنها ﴾ لِلتَّبْعِيضِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.

وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: مِنها، أيْ: مِن جِنْسِها.

واخْتَلَفُوا أيُّ وقْتٍ خُلِقَتْ لَهُ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها خُلِقَتْ بَعْدَ دُخُولِهِ الجَنَّةَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: قَبْلَ دُخُولِهِ الجَنَّةَ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ، ووَهْبٌ، وابْنُ إسْحاقَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ، ألْقى عَلَيْهِ النَّوْمَ، فَخَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِهِ اليُسْرى، فَلَمْ تُؤْذِهِ بِشَيْءٍ، ولَوْ وجَدَ الأذى ما عَطَفَ عَلَيْها أبَدًا، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ؛ قِيلَ: يا آدَمَ ما هَذِهِ؟

قالَ: حَوّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَثَّ مِنهُما ﴾ قالَ الفَرّاءُ: بَثَّ: نَشَرَ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: أبَثَّ اللَّهُ الخَلْقَ، ويَقُولُونَ: بَثَثْتُكَ ما في نَفْسِي، وأبْثَثْتُكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والبُرْجُمِيُّ، عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ.

واليَزِيدِيُّ، وشُجاعٌ، والجَعْفِيُّ، وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: ( تَسّاءَلُونَ) بِالتَّشْدِيدِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وكَثِيرٌ مِن أصْحابِ أبِي عَمْرٍو عَنْهُ بِالتَّخْفِيفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ: تَتَساءَلُونَ، فَمَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ.

أدْغَمَ التّاءَ في السِّينِ، لِقُرْبِ مَكانِ هَذِهِ مِن هَذِهِ، ومَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ، حَذَفَ التّاءَ الثّانِيَةَ لِاجْتِماعِ التّاءَيْنِ.

وَفِي مَعْنى "تُساءَلُونَ بِهِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَتَعاطَفُونَ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: تَتَعاقَدُونَ، وتَتَعاهَدُونَ بِهِ.

قالَهُ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ.

والثّالِثُ: تَطْلُبُونَ حُقُوقَكم بِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

فَأمّا قَوْلُهُ: "والأرْحامَ" فالجُمْهُورُ عَلى نَصْبِ المِيمِ عَلى مَعْنى: واتَّقُوا الأرْحامَ أنْ تَقْطَعُوها، وفَسَّرَها عَلى هَذا ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِخَفْضِ المِيمِ عَلى مَعْنى: تُساءَلُونَ بِهِ وبِالأرْحامِ، وفَسَّرَها عَلى هَذا الحَسَنُ، وعَطاءُ، والنَّخَعِيُّ.

وَقالَ الزَّجّاجُ: الخَفْضُ في "الأرْحامِ" خَطَأٌ في العَرَبِيَّةِ لا يَجُوزُ إلّا في اضْطِرارِ الشِّعْرِ، وخَطَأٌ في الدِّينِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « "لا تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ"» وذَهَبَ إلى نَحْوِ هَذا الفَرّاءُ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أرادَ حَمْزَةُ الخَبَرَ عَنِ الأمْرِ القَدِيمِ الَّذِي جَرَتْ عادَتُهم بِهِ، فالمَعْنى: الَّذِي كُنْتُمْ تُساءَلُونَ بِهِ وبِالأرْحامِ في الجاهِلِيَّةِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن جَرَّ عَطَفَ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِالباءِ، وهو ضَعِيفٌ في القِياسِ، قَلِيلٌ في الِاسْتِعْمالِ، فَتَرْكُ الأخْذِ بِهِ أحْسَنُ.

فَأمّا الرَّقِيبُ، فَقالَ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: الرَّقِيبُ الحافِظُ.

وقالَ الخَطّابِيُّ: هو الحافِظُ الَّذِي لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ، وهو في نُعُوتِ الآدَمِيِّينَ المُوَكَّلُ بِحِفْظِ الشَّيْءِ، المُتَرَصِّدِ لَهُ، المُتَحَرِّزُ عَنِ الغَفْلَةِ فِيهِ، يُقالُ مِنهُ: رَقَبْتُ الشَّيْءَ أرْقُبُهُ رِقْبَةً.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ النِساءِ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ، وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا ومَوْلانا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلِّمْ تَسْلِيمًا.

هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ، إلّا آيَةً واحِدَةً نَزَلَتْ بِمَكَّةَ عامَ الفَتْحِ في عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ وهي قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها  ﴾ قالَ النَقّاشُ: وقِيلَ نَزَلَتِ السُورَةُ عِنْدَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللهِ  مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ قالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( يا أيُّها الناسُ ) حَيْثُ وقَعَ إنَّما هو مَكِّيٌّ، فَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ صَدْرُ هَذِهِ السُورَةِ مَكِّيًّا، وما نَزَلَ بَعْدَ الهِجْرَةِ فَإنَّما هو مَدَنِيٌّ وإنْ نَزَلَ في مَكَّةَ أو في سَفَرٍ مِن أسْفارِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ النَحّاسُ: هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا خِلافَ أنَّ فِيها ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، وفي البُخارِيِّ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ  ﴾ ، ذَكَرَها في تَفْسِيرِ سُورَةِ [بَراءَةٍ] مِن رِوايَةِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ.

وفي البُخارِيِّ «عن عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: ما نَزَلَتْ سُورَةُ النِساءِ إلّا وأنا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ  ، تَعْنِي قَدْ بَنى بِها.» قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الناسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها وبَثَّ مِنهُما رِجالا كَثِيرًا ونِساءً واتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ إنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا ﴾ "يا" حَرْفُ نِداءٍ، و"أيُّ" مُنادىً مُفْرَدٌ، و"ها" تَنْبِيهٌ، و"الناسُ" نَعْتٌ لِأيُّ، أو صِلَةٌ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ الأخْفَشِ.

والرَبُّ: المالِكُ.

وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى الصانِعِ وعَلى افْتِتاحِ الوُجُودِ، وفِيها حَضٌّ عَلى التَواصُلِ لِحُرْمَةِ هَذا النَسَبِ وإنْ بَعُدَ، وقالَ: "واحِدَةٍ"، عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ النَفْسِ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى وأنْتَ خَلِيفَةٌ ذاكَ الكَمالُ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "مِن نَفْسٍ واحِدٍ" بِغَيْرِ هاءٍ، وهَذا عَلى مُراعاةِ المَعْنى، إذِ المُرادُ بِالنَفْسِ: آدَمُ  ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما.

والخَلْقُ في الآيَةِ: بِمَعْنى الِاخْتِراعِ، ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: "زَوْجَها" حَوّاءَ، والزَوْجُ في كَلامِ العَرَبِ: امْرَأةُ الرَجُلِ، ويُقالُ زَوْجَةٌ، ومِنهُ بَيْتُ أبِي فِراسٍ: وإنَّ الَّذِي يَسْعى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي ∗∗∗ كَساعٍ إلى أُسْدِ الشَرى يَسْتَبِيلُها وقَوْلُهُ: "مِنها"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والسُدِّيُّ وقَتادَةُ: إنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ وحْشًا في الجَنَّةِ وحْدَهُ، ثُمَّ نامَ فانْتَزَعَ اللهُ أحَدَ أضْلاعِهِ القُصَيْرى مِن شِمالِهِ، وقِيلَ: مِن يَمِينِهِ فَخَلَقَ مِنهُ حَوّاءَ، ويُعَضِّدُ هَذا القَوْلَ الحَدِيثُ الصَحِيحُ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ: « "إنَّ المَرْأةَ خُلِقَتْ مِن ضِلَعٍ، فَإنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُها كَسَرْتَها، وكَسْرُها طَلاقُها".» وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنى "مِنها" مِن جِنْسِها، واللَفْظُ يَتَناوَلُ المَعْنَيَيْنِ، أو يَكُونُ لَحْمُها وجَواهِرُها مِن ضِلْعِهِ، ونَفْسُها مِن جِنْسِ نَفْسِهِ.

"وَبَثَّ" مَعْناهُ: نَشَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كالفَراشِ المَبْثُوثِ  ﴾ أيِ: المُنْتَشِرِ.

وحَصْرُهُ ذُرِّيَّتَها إلى نَوْعَيْنِ: الرِجالِ والنِساءِ مُقْتَضٍ أنَّ الخُنْثى لَيْسَ بِنَوْعٍ، وأنَّهُ وإنْ فَرَضْناهُ مُشْكِلَ الظاهِرِ عِنْدَنا، فَلَهُ حَقِيقَةٌ تَرُدُّهُ إلى أحَدِ هَذَيْنِ النَوْعَيْنِ.

وفي تَكْرارِ الأمْرِ بِالِاتِّقاءِ تَأْكِيدٌ وتَنْبِيهٌ لِنُفُوسِ المَأْمُورِينَ.

و"الَّذِي" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَعْتِ، و"تَساءَلُونَ" مَعْناهُ: تَتَعاطَفُونَ بِهِ، فَيَقُولُ أحَدُكُمْ: أسْألُكَ بِاللهِ أنْ تَفْعَلَ كَذا وما أشْبَهَهُ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ مَعْناهُ: تَساءَلُونَ بِهِ حُقُوقَكم وتَجْعَلُونَهُ مُقْطِعًا لَها، وأصْلُهُ: تَتَساءَلُونَ، فَأُبْدِلَتِ التاءُ الثانِيَةُ سِينًا وأُدْغِمَتْ في السِينِ، وهَذِهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ وابْنِ عامِرٍ وابْنِ عَمْرٍو، بِخِلافٍ عنهُ.

وقَرَأ الباقُونَ: "تَساءَلُونَ" بِسِينٍ مُخَفَّفَةٍ، ذَلِكَ لِأنَّهم حَذَفُوا التاءَ الثانِيَةَ تَخْفِيفًا، فَهَذِهِ تاءُ تَتَفاعَلُونَ تُدْغَمُ في لُغَةٍ وتُحْذَفُ في أُخْرى لِاجْتِماعِ حُرُوفٍ مُتَقارِبَةٍ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وإذا اجْتَمَعَتِ المُتَقارِبَةُ خُفِّفَتْ بِالحَذْفِ والإدْغامِ والإبْدالِ، كَما قالُوا: طَسْتٌ، فَأبْدَلُوا مِنَ السِينِ الواحِدَةِ تاءً، إذِ الأصْلُ طَسٌّ، قالَ العَجّاجُ: لَوْ عَرَضَتْ لِأيْبُلِيٍّ قَسِّ ∗∗∗ أشْعَثَ في هَيْكَلِهِ مُنْدَسِّ حَنَّ إلَيْها كَحَنِينِ الطَسِّ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "تَسَلُونَ" خَفِيفَةً بِغَيْرِ ألِفٍ، "والأرْحامَ" نُصِبَ عَلى العَطْفِ عَلى مَوْضِعِ "بِهِ" لِأنَّ مَوْضِعَهُ نُصِبَ، والأظْهَرُ أنَّهُ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: واتَّقُوا الأرْحامَ أنْ تَقْطَعَها، وهَذِهِ قِراءَةُ السَبْعَةِ إلّا حَمْزَةَ، وعَلَيْها فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ.

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ "والأرْحامُ" بِالرَفْعِ، وذَلِكَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: والأرْحامُ أهْلٌ أنْ تُوصَلَ، وقَرَأ حَمْزَةُ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: "والأرْحامِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى الضَمِيرِ، والمَعْنى عِنْدَهُمْ: إنَّها يُتَساءَلُ بِها كَما يَقُولُ الرَجُلُ: أسْألُكَ بِاللهِ وبِالرَحِمِ، هَكَذا فَسَّرَها الحَسَنُ وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ.

وهَذِهِ القِراءَةُ عِنْدَ رُؤَساءِ نَحْوِيِّي البَصْرَةِ لا تَجُوزُ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَهم أنْ يُعْطَفَ ظاهِرٌ عَلى مُضْمَرٍ مَخْفُوضٍ، قالَ الزَجّاجُ عَنِ المازِنِيِّ: لِأنَّ المَعْطُوفَ والمَعْطُوفَ عَلَيْهِ شَرِيكانِ يَحُلُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَحَلَّ صاحِبِهِ، فَكَما لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدِوَكَ، فَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ مَرَرْتُ بِكَ وزَيْدٍ.

وأمّا سِيبَوَيْهِ فَهي عِنْدَهُ قَبِيحَةٌ لا تَجُوزُ إلّا في الشِعْرِ، كَما قالَ: فاليَوْمَ قَدْ بِتَّ تَهْجُونا وتَشْتُمُنا ∗∗∗ فاذْهَبْ فَما بِكَ والأيّامِ مِن عَجَبِ وَكَما قالَ: نُعَلِّقُ في مِثْلِ السَوارِي سُيُوفَنا ∗∗∗ وما بَيْنَها والكَعْبِ غَوْطٌ نَفانِفُ واسْتَسْهَلَها بَعْضُ النَحْوِيِّينَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ذَلِكَ ضَعِيفٌ في القِياسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: المُضْمَرُ المَخْفُوضُ لا يَنْفَصِلُ فَهو كَحَرْفٍ مِنَ الكَلِمَةِ، ولا يُعْطَفُ عَلى حَرْفٍ، ويَرُدُّ عِنْدِي هَذِهِ القِراءَةَ مِنَ المَعْنى وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ ذِكْرَ "الأرْحامِ" فِيما يُتَساءَلُ بِهِ لا مَعْنى لَهُ في الحَضِّ عَلى تَقْوى اللهِ، ولا فائِدَةَ فِيهِ أكْثَرُ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّ الأرْحامَ يُتَساءَلُ بِها، وهَذا تَفَرُّقٌ في مَعْنى الكَلامِ وغَضٌّ مِن فَصاحَتِهِ، وإنَّما الفَصاحَةُ في أنْ يَكُونَ لِذِكْرِ الأرْحامِ فائِدَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.

والوَجْهُ الثانِي أنَّ في ذِكْرِها عَلى ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِلتَّساؤُلِ بِها والقَسَمِ بِحُرْمَتِها، والحَدِيثُ الصَحِيحُ يَرُدُّ ذَلِكَ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ: « "مَن كانَ حالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أو لِيَصْمُتْ"،» وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّما خَفَضَ "والأرْحامِ" عَلى جِهَةِ القَسَمِ مِنَ اللهِ عَلى ما اخْتَصَّ بِهِ لا إلَهَ إلّا هو مِنَ القَسَمِ بِمَخْلُوقاتِهِ، ويَكُونُ المُقْسَمُ عَلَيْهِ فِيما بَعْدُ مِن قَوْلِهِ: "إنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا"، وهَذا كَلامٌ يَأْباهُ نَظْمُ الكَلامِ وسَرْدُهُ، وإنْ كانَ المَعْنى يُخْرِجُهُ.

و"كانَ" في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَتْ لِتَحْدِيدِ الماضِي فَقَطْ، بَلِ المَعْنى: كانَ وهو يَكُونُ.

والرَقِيبُ: بِناءٌ لِاسْمِ الفاعِلِ مِن رَقَبَ يَرْقُبُ إذا أحَدَّ النَظَرَ بِالبَصَرِ أو بِالبَصِيرَةِ إلى أمْرٍ ما لِيَتَحَقَّقَهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ، ويَقْتَرِنُ بِذَلِكَ حِفْظٌ ومُشاهَدَةٌ وعِلْمٌ بِالحاصِلِ عَنِ الرِقْبَةِ.

وفي قَوْلِهِ "عَلَيْكُمْ" ضَرْبٌ مِنَ الوَعِيدِ، ولَمْ يَقُلْ "لَكُمْ" لِلِاشْتِراكِ الَّذِي كانَ يَدْخُلُ مِن أنَّهُ يَرْقُبُ لَهم ما يَصْنَعُ غَيْرُهم.

ومِمّا ذَكَرْناهُ قِيلَ لِلَّذِي يَرْقُبُ خُرُوجَ السَهْمِ مِن رِبابَةِ الضَرِيبِ في القِداحِ: رَقِيبٌ، لِأنَّهُ يَرْتَقِبُ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي داوُدَ: ؎ كَمَقاعِدِ الرُقَباءِ لِلضُّـ ∗∗∗ ـرَباءِ أيْدِيهِمْ نَواهِدْ <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ واحدة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ﴾ .

جاء الخطاب بيأيُّها الناس: ليشمل جميع أمّة الدعوة الذين يسمعون القرآن يومئذ وفيما يأتي من الزمان.

فضمير الخطاب في قوله: ﴿ خلقكم ﴾ عائد إلى الناس المخاطبين بالقرآن، أي لئلاّ يختصّ بالمؤمنين، إذ غير المؤمنين حينئذ هم كفّار العرب وهم الذين تلقّوا دعوة الإسلام قبل جميع البشر لأنّ الخطاب جاء بلغتهم، وهم المأمورون بالتبليغ لبقية الأمم، وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتبه للروم وفارس ومصر بالعربية لتترجم لهم بلغاتهم.

فلمَّا كان ما بعد هذا النداء جامعاً لما يؤمر به الناس بين مؤمن وكافر، نودي جميع الناس، فدعاهم الله إلى التذكّر بأنّ أصلهم واحد، إذ قال: ﴿ اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ دعوة تظهر فيها المناسبة بين وحدة النوع ووحدة الاعتقاد، فالمقصود من التقوى في ﴿ اتّقوا ربّكم ﴾ اتّقاء غضبه، ومراعاة حقوقه، وذلك حقّ توحيده والاعتراف له بصفات الكمال، وتنزيهه عن الشركاء في الوجود والأفعال والصفات.

وفي هذه الصلة براعة استهلال مناسبة لما اشتملت عليه السورة من الأغراض الأصلية، فكانت بمنزلة الديباجة.

وعبّر ب (ربّكم)، دون الاسم العلم، لأنّ في معنى الربّ ما يبعث العباد على الحرص في الإيمان بوحدانيته، إذ الربّ هو المالك الذي يربّ مملوكه أي، يدبّر شؤونه، وليتأتّى بذكر لفظ (الربّ) طريق الإضافة الدالّة على أنّهم محقوقون بتقواه حقّ التقوى، والدالّة على أنّ بين الربّ والمخاطبين صلة تعدّ إضاعتها حماقة وضلالاً.

وأمّا التقوى في قوله: ﴿ واتقوا اللَّه الذي تساءلون به والأرحام ﴾ فالمقصد الأهمّ منها: تقوى المؤمنين بالحذر من التساهل في حقوق الأرحام واليتامى من النساء والرجال.

ثم جاء باسم الموصول ﴿ الذي خلقكم ﴾ للإيماء إلى وجه بناء الخبر لأنّ الذي خلق الإنسان حقيق بأن يتّقى.

ووَصْل ﴿ خلقكم ﴾ بصلة ﴿ من نفس واحدة ﴾ إدماج للتنبيه على عجيب هذا الخلق وحقّه بالاعتبار.

وفي الآية تلويح للمشركين بأحقّيّة اتّباعهم دعوة الإسلام، لأنّ الناس أبناء أب واحد، وهذا الدين يدعو الناس كلّهم إلى متابعته ولم يخصّ أمّة من الأمم أو نسباً من الأنساب، فهو جدير بأن يكون دين جميع البشر، بخلاف بقية الشرائع فهي مصرّحة باختصاصها بأمم معيّنة.

وفي الآية تعريض للمشركين بأنّ أولى الناس بأن يتّبعوه هو محمد صلى الله عليه وسلم لأنّه من ذوي رحمهم.

وفي الآية تمهيد لما سَيُبَيَّنُ في هذه السورة من الأحكام المرتّبة على النسب والقرابة.

والنفس الواحدة: هي آدم.

والزوج: حوّاء، فإنّ حوّاء أخرجت من آدم.

من ضلعه، كما يقتضيه ظاهر قوله: ﴿ منها ﴾ .

و (مِن) تبعيضية.

ومعنى التبعيض أنّ حوّاء خلقت من جزء من آدم.

قيل: من بقية الطينة التي خلق منها آدم.

وقيل: فصلت قطعة من ضلعه وهو ظاهر الحديث الوارد في «الصحيحين».

ومن قال: إنّ المعنى وخلق زوجها من نوعها لم يأت بطائل، لأنّ ذلك لا يختصّ بنوع الإنسان فإنّ أنثى كلّ نوع هي من نوعه.

وعُطف قوله: ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ على ﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ ، فهو صلة ثانية.

وقوله: ﴿ وبث منهما ﴾ صلة ثالثة لأنّ الذي يخلق هذا الخلق العجيب جدير بأن يتّقى، ولأنّ في معاني هذه الصلات زيادة تحقيق اتّصال الناس بعضهم ببعض، إذ الكلّ من أصل واحد، وإن كان خَلْقهم ما حصل إلاّ من زوجين فكلّ أصل من أصولهم ينتمي إلى أصل فوقه.

وقد حصل من ذكر هذه الصلات تفصيل لكيفية خلق الله الناس من نفس واحدة.

وجاء الكلام على هذا النظم توفية بمقتضى الحال الداعي للإتيان باسم الموصول، ومقتضى الحال الداعي لتفصيل حالة الخلق العجيب.

ولو غير هذا الأسلوب فجيء بالصورة المفصّلة دون سبق إجمال، فقيل: الذي خلقكم من نفس واحدة وبثّ منها رجالاً كثيراً ونساء لفاتت الإشارة إلى الحالة العجيبة.

وقد ورد في الحديث: أنّ حواء خلقت من ضلع آدم، فلذلك يكون حرف (مِن) في قوله: ﴿ وخلق منها ﴾ للابتداء، أي أخرج خلق حواء من ضلع آدم.

والزوج هنا أريد به الأنثى الأولى التي تناسل منها البشر، وهي حوّاء.

وأطلق عليها اسمُ الزوج لأنّ الرجل يكون منفرداً فإذا اتّخذ امرأة فقد صارا زوجاً في بيت، فكلّ واحد منهما زوج للآخر بهذا الاعتبار، وإن كان أصل لفظ الزوج أن يطلق على مجموع الفردين، فإطلاق الزوج على كلّ واحد من الرجل والمرأة المتعاقدين تسامح صار حقيقة عرفية، ولذلك استوى فيه الرجل والمرأة لأنّه من الوصف بالجامد، فلا يقال للمرأة (زوجة)، ولم يسمع في فصيح الكلام، ولذلك عدّه بعض أهل اللغة لحناً.

وكان الأصمعي ينكره أشد الإنكار قيل له: فقد قال ذو الرمّة: أذو زوجة بالمصِر أمْ ذو خصومة *** أراك لها بالبصرة العام ثاويا فقال: إنّ ذا الرّمة طالما أكل المالح والبقْل في حوانيت البقّالين، يريد أنّه مولّد.

وقال الفرزدق: وإنّ الذي يسعى ليفسد زوجتي *** كساع إلى أسد الشرى يستبيلها وشاع ذلك في كلام الفقهاء، قصدوا به التفرقة بين الرجل والمرأة عند ذكر الأحكام، وهي تفرقة حسنة.

وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ في سورة البقرة (35).

وقد شمل وخلق منها زوجها } العبرة بهذا الخلق العجيب الذي أصله واحد، ويخرج هو مختلف الشكل والخصائص، والمنّة على الذكران بخلق النساء لهم، والمنّة على النساء بخلق الرجال لهنّ، ثم منّ على النوع بنعمة النسل في قوله: ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ﴾ مع ما في ذلك من الاعتبار بهذا التكوين العجيب.

والبثّ: النشر والتفريق للأشياء الكثيرة قال تعالى: ﴿ يوم يكون الناس كالفراش المبثوب ﴾ [القارعة: 4].

ووصف الرجال، وهو جمع، بكثير، وهو مفرد، لأنّ كثير يستوي فيه المفرد والجمع، وقد تقدّم في قوله تعالى: ﴿ وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير ﴾ في سورة آل عمران (146).

واستغنى عن وصف النساء بكثير لدلالة وصف الرجل به ما يقتضيه فعل البث من الكثرة.

شروع في التشريع المقصود من السورة، وأعيد فعل ﴿ اتّقوا ﴾ : لأنّ هذه التقوى مأمور بها المسلمون خاصّة، فإنّهم قد بقيت فيهم بقية من عوائد الجاهلية لا يشعرون بها، وهي التساهل في حقوق الأرحام والأيتام.

واستحضر اسم الله العلم هنا دون ضمير يعود إلى ربّكم لإدخال الرّوع في ضمائر السامعين.

لأنّ المقام مقام تشريع يناسبه إيثار المهابة بخلاف مقام قوله: ﴿ اتقوا ربكم ﴾ فهو مقام ترغيب.

ومعنى ﴿ تسَّاءلون به ﴾ يَسْأل بعضكم بعضاً به في القسم فالمسايلة به تؤذن بمنتهى العظمة، فكيف لا تتّقونه.

وقرأ الجمهور ﴿ تسَّاءلون ﴾ بتشديد السين لإدغام التاء الثانية، وهي تاء التفاعل في السين، لقرب المخرج واتّحاد الصفة، وهي الهمس.

وقرأ حمزة، وعاصم، والكسائي، وخلف: تساءلون بتخفيف السين على أنّ تاء الافتعال حذفت تخفيفاً.

﴿ والأرحام ﴾ قرأه الجمهور بالنصب عطفاً على اسم الله.

وقرأه حمزة بالجرّ عطفاً على الضمير المجرور.

فعلى قراءة الجمهور يكون الأرحام مأموراً بتقواها على المعنى المصدري أي اتّقائها، وهو على حذف مضاف، أي اتّقاء حقوقها، فهو من استعمال المشترك في معنييه، وعلى هذه القراءة فالآية ابتداء تشريع وهو ممّا أشار إليه قوله تعالى: ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ وعلى قراءة حمزة يكون تعظيماً لشأن الأرحام أي التي يسأل بعضكم بعضاً بها، وذلك قول العرب: «ناشدتك اللَّه والرحم» كما روى في «الصحيح»: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم حين قرأ على عتبة بن ربيعة سورة فصّلت حتّى بلغ: ﴿ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ [فصلت: 13] فأخذت عتبة رهبة وقال: ناشدتك اللَّه والرحم.

وهو ظاهر محمل هذه الرواية وإن أباه جمهور النحاة استعظاماً لعطف الاسم على الضمير المجرور بدون إعادة الجارّ، حتّى قال المبرّد: «لو قرأ الإمام بهاته القراءة لأخذت نعلي وخرجت من الصلاة» وهذا من ضيق العطن وغرور بأنّ العربية منحصرة فيما يعلمه، ولقد أصاب ابن مالك في تجويزه العطف على المجرور بدون إعادة الجارّ، فتكون تعريضاً بعوائد الجاهلية، إذ يتساءلون بينهم بالرحم وأواصر القرابة ثم يهملون حقوقها ولا يصلونها، ويعتدون على الأيتام من إخوتهم وأبناء أعمامهم، فناقضت أفعالُهم أقوالَهم، وأيضاً هم قد آذوا النبي صلى الله عليه وسلم وظلموه، وهو من ذوي رحمهم وأحقّ الناس بصلتهم كما قال تعالى: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ [التوبة: 128] وقال: ﴿ لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم ﴾ [آل عمران: 164].

وقال: ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ [الشورى: 23].

وعلى قراءة حمزة يكون معنى الآية تتمّة لمعنى التي قبلها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ النِّساءِ مَدَنِيَّةٌ إلّا آيَةً نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ حِينَ أرادَ النَّبِيُّ  أنْ يَأْخُذَ مَفاتِيحَ الكَعْبَةِ فَيُسَلِّمَها إلى عَمِّهِ العَبّاسِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ يَعْنِي آدَمَ، وفي ذَلِكَ نِعْمَةٌ عَلَيْكم لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى التَّعاطُفِ بَيْنَكم.

﴿ وَخَلَقَ مِنها زَوْجَها ﴾ يَعْنِي حَوّاءَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ: خُلِقَتْ مِن ضِلَعِ آدَمَ، وقِيلَ: الأيْسَرُ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْمَرْأةِ: ضِلَعٌ أعْوَجُ.

﴿ وَبَثَّ مِنهُما رِجالا كَثِيرًا ونِساءً ﴾ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ عِنْدَ نُزُولِها عَلَيْهِ: ( «خُلِقَتِ المَرْأةُ مِنَ الرَّجُلِ فَهَمُّها في الرَّجُلِ، وخُلِقَ الرَّجُلُ مِنَ التُّرابِ فَهَمُّهُ في التُّرابِ» ) .

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ ﴾ ومَعْنى قَوْلِهِ: تَساءَلُونَ بِهِ، هو قَوْلُهُمْ: أسْألُكَ بِاللَّهِ وبِالرَّحِمِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وإبْراهِيمَ، وقَرَأ حَمْزَةُ (والأرْحامِ) بِالكَسْرِ عَلى هَذا المَعْنى.

وَفي الأرْحامِ قَوْلٌ آخَرُ: أنَّهُ أرادَ صِلُوها ولا تَقْطَعُوها، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَصَدَ بِأوَّلِ السُّورَةِ حِينَ أخْبَرَهم أنَّهم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ أنْ يَتَواصَلُوا ويَعْلَمُوا أنَّهم إخْوَةٌ وإنْ بَعُدُوا.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: حَفِيظًا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: عَلِيمًا، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ قال: من آدم ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ قال: خلق حوّاء من قصيراء أضلاعه.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ قال: آدم ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ قال: حوّاء من قصيراء آدم وهو نائم فاستيقظ فقال: أأنا..؟!

بالنبطية امرأة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عمرو قال خلقت حوّاء من خلف آدم الأيسر، وخلقت امرأة إبليس من خلفه الأيسر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ وخلق منها زوجها ﴾ قال: خلق حواء من آدم من ضلع الخلف وهو أسفل الأضلاع.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: خلقت المرأة من الرجل فجعلت نهمتها في الرجال، فاحبسوا نساءكم.

وخلق الرجل من الأرض، فجعل نهمته في الأرض.

قوله تعالى: ﴿ وبث منهما رجالاً ﴾ الآية.

أخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال: ولد لآدم أربعون ولداً: عشرون غلاماً، وعشرون جارية.

وأخرج ابن عساكر عن أرطاة بن المنذر قال: بلغني أن حوّاء حملت بشيث حتى نبتت أسنانه، وكانت تنظر إلى وجهه من صفاء في بطنها، وهو الثالث من وِلْد آدم، وإنه لما حضرها الطلق أخذها عليه شدة شديدة، فلما وضعته أخذته الملائكة، فمكث معها أربعين يوماً، فعلموه الرمز ثم رد إليها.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به ﴾ قال: تعاطون به.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في الآية يقول: اتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ تساءلون به والأرحام ﴾ قال: يقول: أسألك بالله وبالرحم.

وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال: هو قول الرجل: أنشدك بالله والرحم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن إبراهيم ﴿ تساءلون به والأرحام ﴾ خفض.

قال: هو قول الرجل: أسألك بالله وبالرحم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن.

أنه تلا هذه الآية قال: إذا سئلت بالله فأعطه، وإذا سئلت بالرحم فأعطه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ﴾ يقول: اتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الأرحام وصلوها.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ الذي تساءلون به والأرحام ﴾ قال: قال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: صلوا أرحامكم فإنه أبقى لكم في الحياة الدنيا، وخير لكم في آخرتكم» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اتقوا الله وصلوا الأرحام، فإنه أبقى لكم في الدنيا، وخير لكم في الآخرة» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا الله وصلوا الأرحام» .

وأخرج ابن جرير عن الضحاك إن ابن عباس كان يقرأ ﴿ والأرحام ﴾ يقول: اتقوا الله لا تقطعوها.

وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج قال: قال ابن عباس: اتقوا الأرحام.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ الذي تساءلون به والأرحام ﴾ قال: اتقوا الله واتقوا الأرحام أن تقطعوها، نصب الأرحام.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ والأرحام ﴾ قال: اتقوا الأرحام أن تقطعوها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ إن الله كان عليكم رقيباً ﴾ قال: حفيظاً.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: رقيباً على أعمالكم، يعلمها ويعرفها.

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة عن ابن مسعود قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الصلاة وخطبة الحاجة.

فأما خطبة الصلاة فالتشهد.

وأما خطبة الحاجة فإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

ثم يقرأ ثلاث آيات من كتاب الله ﴿ اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ [ آل عمران: 102] ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً ﴾ ﴿ اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ﴾ [ الأحزاب: 70] ثم تعمد حاجتك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ﴾ قال ابن عباس: الخطاب لأهل مكة (١) وقوله تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ أنثها على لفظ النفس وإن عَنَى به مُذَكَّرا كما قال: أبُوكَ خَلِيفةٌ وَلَدَتْه أُخْرى ...

وأَنْت خَلِيفةٌ ذاكَ الكَماَل (٢) وعنى بالنفس الواحدة آدم (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ حواء (٤) (٥)  : "إن المرأة خلقت من ضلع، فإن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها" (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا ﴾ يريد فرّق ونشر (٧) (٨) (٩) ﴿ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ﴾ (١٠) قال الفراء، والزجاج: وبعض العرب يقول أَبَثّ (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ﴾ قُرئ (تساءلون) بالتخفيف والتشديد (١٤) ومن خفف، حذف تاء تتفاعلون لاجتماع حروف متقاربة فأعلَّها بالحَذْف، كما أعلَّ الأول بالإدغام (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) أَإِنْ رأيتِ (هَامَتِي) (١٩) (٢٠) وأنشد المازني في الطسّ: لو عَرَضَت لأَيْبُلِي قَسّ ...

أشعثَ في هيكلِه مُنْدَسّ حَنَّ إِلَيهَا كحَنِين الطَّسّ (٢١) ومعنى: ﴿ تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ﴾ أي تتساءلون فيما بينكم حوائجكم وحقوقكم به فتقولون: أسألُك بالله والرحِم، وأنشدك اللهَ والرحم (٢٢) قال ابن عباس: يريدون أن أهل مكة لم يكونوا يؤمنون بالبَعْث، وكانوا يتواصلون بالأرحام، فإذا ناشد الرجلُ الرجلَ، قال: أنشدك الله والرحم، وكذلك كان يكتب المشركون إلى رسول الله  : نناشدك الله والرحم (إلَّا) (٢٣) (٢٤) وعلى هذا التفسير انتصب ﴿ وَالْأَرْحَامَ ﴾ بالعطف على موضع ﴿ بِهِ ﴾ ، كأنه قيل: وتذكرون الأرحامَ؛ لأن معنى ﴿ تَسَاءَلُونَ بِهِ ﴾ : تذكرونه في سؤالكم ومناشدتكم، فالأرحام عطف على موضع الجار والمجرور.

قال أبو علي (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقال أكثر المفسرين: معنى ﴿ وَالْأَرْحَامَ ﴾ أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها.

قاله: قتادة (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) وعلى هذا التفسير انتصب الأرحام بالعطف على قوله أي: اتقوا اللهَ واتقوا الأرحامَ، أي: اتقوا حقَّ الأرحام فصلوها ولا تقطعوها (٣٤) ويجوز على هذا التفسير أنْ يكون منصوبًا بالإغراء، أي: والأرحام فاحفظوها وصلوها، كقولك: الأسدَ الأسدَ (٣٥) وهذا التفسير يدل على تحريم قطيعة الرحم، وينبئ بوجوب صلتها.

وقرأ حمزة ﴿ والأرحامِ ﴾ جرًا (٣٦) ﴿ بِهِ ﴾ كما يقال: سألتك باللهِ والرحمِ، ونشدتك باللهِ والرحم، وإنما حَملَه على هذه القراءة ما ورد في التفسير أن المشركين كانوا يقولون: نناشدك بالله والرحم، ونسألك بالله والرحم إلّا فعلت كذا (٣٧) وضعف النحويون كلُّهم هذه القراءة واستقبحوها (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) قال (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) وقال الزجاج (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) وقال علي بن عيسى (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) فأما الضمير المنصوب نحو: ضربته، لا يستقبح العطف عليه؛ لأنه ظاهر لم يختلط بالفعل حتى صار كبعض أجزائه، كضمير المرفوع، ولا يقوم مقام التنوين في موضع ما كضمير المجرور، وذلك أن ضمير المنصوب لا يتصل إلا بالفعل نحو: منعته وقتلته، ولا ينون الفعل قط.

وضمير المجرور إما أن يَتَّصل باسمٍ فيقوم فيه مقام التنوين، أو بحرفٍ نحو: به وبك، واتصالُه بالحرف كاتصالهِ بالاسم، ألا ترى أنه لا ينفصل من الاسم، ولا يفصل بينهما كما يفصل بين الجار والمجرور الظاهر في باب المضاف والمضاف إليه نحو: كأن أصواتَ -مِن إِيغالِهِنَّ بنا- ...

أَوَاخِرِ المَيْس إِنْقَاض الفَراريجِ (٦١) وإِذا اتّصلَ بالحرف لم ينفَصِل منه ولم يُفصل أيضًا بينهما بشيء، فلا فصل إذًا بين اتصاله بالاسم وبين اتصاله بالحرف.

ولأبي عثمان المازني (٦٢) (٦٣) وقال سيبويه: لا يجوز عطف الظاهر على المكني المخفوض من غير إعادة الخافض إلا في ضرورة الشعر (٦٤) فاليَومَ قرَّبت تهجُونا وتشتُمُنا ...

فاذْهَب فَمَا بِكَ والأيامِ من عَجَبِ (٦٥) وأنشد الفراء أيضًا: نُعَلِّقُ في مثلِ السَّواري سيوفَنَا ...

وما بَينَها والكَعْبِ غَوطٌ نَفَانِفُ (٦٦) قال أبو إسحاق (٦٧)  قال: "لا تحلفوا بآبائكم (٦٨) (٦٩) (٧٠) يعني أن الحَلِفَ بغير الله لا يجوز، وإذا عطفت الأرحام (كالمَكْنِيّ) (٧١) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا  ﴾ .

الرقيب: الحافظ، يقال: رَقَبَ يرقُبُ رِقْبَةً وُرقُوبا (٧٢) (١) لم أجد هذا القول بنصه لابن عباس في تفسير هذه الآية، لكن قال ابن الجوزي: اختلفوا في نزولها على قولين: أحدهما: أنها مكية، رواه عطية عن ابن عباس.

والثاني: أنها مدنية، رواه عطاء عن ابن عباس.

"زاد المسير" 2/ 1، وقد ذهب كثير من العلماء والمفسرين -ومنهم ابن عباس- إلى أن كل شيء نزل فيه ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ فهو بمكة، وكل شيء نزل فيه ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فهو بالمدينة.

انظر "البرهان" 1/ 189، 190.

فلعل المؤلف ساق هذا الرأي لابن عباس بمعناه.

هذا وقد رجح المحققون من العلماء أن سورة النساء مدنية.

انظر "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 1، "الإتقان" 1/ 16، 22.

قال القرطبي: ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها.

وأما من قال: إن قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ مكي حيث وقع فليس بصحيح فإن البقرة مدنية وفيها قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ في موضعين، والله أعلم.

(٢) لم أعرف قائله، وهو غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء 1/ 208، "تفسير الطبري" 4/ 224، "لسان العرب" (خلف) 2/ 1235.

والشاهد من البيت أن التأنيث يقع على اللفظ.

قال الفراء: فقال (أخرى) لتأنيث اسم الخليفة، والوجه أن يقول: ولده آخر.

"معاني القرآن" 1/ 208.

(٣) هذا تفسير ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي، وهو ظاهر.

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 224، "تفسير البغوي" 2/ 159، "الدر المنثور" 2/ 206.

(٤) عن مجاهد وقتادة والسدي وغيرهم.

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 224، والبغوي 2/ 159، و"ابن كثير" 1/ 487، و"الدر المنثور" 2/ 206.

(٥) ما بين القوسين ساقط من (د).

(٦) أخرجه البخاري (3331) بنحوه من حديث أبي هريرة  في كتاب الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته (635)، ولفظه: "استوصوا بالنساء فإن المرأة خُلِقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء".

ومسلم (1468) كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء.

(٧) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (111)، "تفسير الطبري" 4/ 225.

(٨) يعني الليث كما في "تهذيب اللغة" 1/ 273 (بثث).

وكلما أتى بهذه الكنية فأنما يعني: الليث.

وتقدمت ترجمته ضمن مصادر الواحدي.

(٩) في "التهذيب" ومثبت البسط إذا بسطت.

(١٠) انتهى من "تهذيب اللغة" 1/ 273 بتصرف، وانظر: "مقاييس اللغة" 86 - 87 (بث).

(١١) عند الفراء والزجاج: (بث).

(١٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 252 بنصه، "معاني الزجاج" 3/ 5 بتصرف.

(١٣) البيت في "ديوان ذي الرمة" بشرح الباهلي 2/ 821، "الكتاب" 4/ 59، "تهذيب اللغة" 2/ 1908 (شكا)، "اللسان" 4/ 2314، وفيهما: وأشكيه بدل: وأسقيه.

انظر "معجم شواهد العربية" ص 423.

وهذا البيت ثاني بيت في القصيدة هو كما في الديوان والكتاب: وقفتُ على رَبعٍ لمَيَّة ناقتي ...

فما زِلتُ أبكي عنده وأخاطبُه قال الباهلي: قوله: أبثه أي أُخْبِره بكل ما في نفسي، وقوله: وأسقِيه أي أدعو له بالسقيا، وملاعبُه مواضيع يلعب بها.

واستشهد به المؤلف على أن أبث يأتي بمعنى: أفشى ونشر.

(١٤) قراءة التخفيف (تساءلون) خفيفة السين لعاصم وحمزة والكسائي وخلف، وقراءة التشديد (تساءلون) مشددة السين لأبي عمرو ونافع وابن كثيرِ وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب.

انظر: "السبعة" ص 226، "الحجة" 3/ 118، "المبسوط" ص 153، "النشر" 2/ 247، "البدور الزاهرة" (93).

وتوجيه المؤلف للقراءة بعد ذلك من "الحجة" لأبي علي الفارسي.

(١٥) انظر: "الحجة في القراءات السبعة" لابن خالويه ص 118، "حجة القراءات" ص 188، "الكشف عن وجوه القراءات السبع" لمكي 1/ 375.

(١٦) في "الحجة": أو الإدغام والإبدال.

(١٧) ما بين القوسين ليس في "الحجة".

(١٨) هذه الكلمات ليست في "الحجة"، ويبدو أنها ساقطة.

(١٩) في (ب): (متى) ولعله تحريف.

(٢٠) نسبه المؤلف للعجاج تبعًا لأبي علي في "الحجة" 3/ 120، والواقع أنه ليس له وإنما هو لابنه رؤبة كما في ديوانه في "مجمع أشعار العرب" ص 23، وهو عجز بيت صدره: ويحكِ إن أسلم فأنتِ أنتِ والطست: من آنية الصفر.

"اللسان" 5/ 2670 (طست).

(٢١) إلى هنا انتهى أخذ المؤلف من "الحجة" 3/ 118 - 120.

والرجز في "تهذيب اللغة" 3/ 2191 (طس)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 156، "اللسان" 5/ 2671 (طس) بدون نسبة، ونسبه أبو حيان للعجاج في "البحر المحيط" 3/ 156، لكن في "البحر": لأسقُفي بدل: لأيبُلي، ولم أجده في "ديوانه".

والأيبلي والأيبل هو الراهب عند النصارى أو صاحب الناقوس الذي يدعوهم به إلى الصلاة.

والقس هو القسيس رئيس من رؤساء النصارى، والهيكل معبدٌ للنصارى فيه صنم على سورة مريم وعيسى -عليهما السلام- فيما يزعمون، ومُنَدسّ أي داخلٌ ومختفي، والحنين الشديد من البكاء والطرب، والطس والطسة لغة في الطست.

انظر "اللسان" 3/ 1372 - 1373، 5/ 2671 (طسس)، 1/ 11 (أبل)، 8/ 1681 (هكل)،2/ 1029 (حنن).

(٢٢) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 226، "معاني القرآن" للزجاج 2/ 6.

(٢٣) في (د): (أن لا).

(٢٤) لم أقف له على تخريجٍ في تفسير هذه الآية عن ابن عباس.

(٢٥) ما نسبه المؤلف إلى أبي علي أحد الوجهين الذين ذكرهما في نصب الأرحام، والوجه الآخر أن يكون معطوفًا على قوله: ﴿ وَاتَّقُوا ﴾ ، التقدير: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ ﴾ ، واتقوا الأرحام أي اتقوا حقَّ الأرحام فصلوها ولا تقطعوها.

"الحجة" 3/ 121.

وسيأتي نحوه عند المصنف قريبًا.

(٢٦) لعله أبو الحسن علي بن عيسى بن علي بن عبد الله الرماني النحوي، وهو إمام في اللغة والنحو، صنف كتبًا كثيرة منها: "شرح كتاب سيبويه"، "معاني الحروف".

وكان متهمًا بالاعتزال.

توفي سنة 384 هـ انظر: "سير أعلام النبلاء" 16/ 355، "البلغة" ص 154، "بغية الوعاة" 2/ 180، ولم أقف على قوله.

(٢٧) عجز بيتٍ صدره: معاويَ إننا بشرٌ فأسجِحْ ومعنى أسجح: سهل علينا حتى نصبر، "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 1/ 301.

وقد نسب هذا البيت إلى عُقَيبة بن هبيرة الأسدي كما نسب إلى عبد الله ابن الزبير وهو من "شواهد الكتاب" 1/ 67، 2/ 292، 344، 3/ 912، "معاني القرآن" للفراء 2/ 348، "المقتضب" 2/ 337، 4/ 112، 371، "الجمل" للزجاجي ص 55، "الإنصاف" للأنباري ص 284.

وقد استشهد به المؤلف عند تفسير البسملة في أول الكتاب.

والشاهد منه نصبه الحديدا عطفًا على موضع المجرور بالجبال، وقد أنكر بعضهم على سيبويه استشهاده بهذا البيت لأنه من قصيدة القافية فيها مجرورة، لكن رد ذلك السيرافي بأن البيت له روايتان النصب والبحر، وكل رواية في قصيدةٍ مشاكلةٍ لها.

انظر "شرح السيرافي" 1/ 300 - 303.

(٢٨) هو أبو الخطاب، قَتادة بن دِعَامة السّدوسِي الشيباني، ولد سنة 60 وهو أعمى، وعني بالعلم حتى صار من حفاظ التابعين وأعلمهم بالقرآن والسنة وهو من أخص تلامذة ابن عباس، توفي -رحمه الله- سنة 117 هـ، وقيل بعدها.

انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 96، "وفيات الأعيان" 4/ 85.

(٢٩) هو عبد الرحمن بن زَيد بن أَسْلم العَمري.

(٣٠) هو الرَّبِيع بن أنس البّكري، تقدم.

(٣١) أخرج أقوالهم: ابن جرير 4/ 227 - 228 انظر: "زاد المسير" 2/ 3، و"ابن كثير" 1/ 487.

(٣٢) "معاني القرآن" 1/ 252.

(٣٣) "معاني القرآن" 2/ 6.

(٣٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 252، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 390، "الحجة" 3/ 121.

(٣٥) القول بنصب ﴿ الأرحامَ ﴾ على الإغراء لم أره عند غير المؤلف.

(٣٦) هذه القراءة لحمزة وحده من العشرة، انظر "السبعة" ص 226، "المبسوط" ص 153، "الحجة" 3/ 121، "النشر" 2/ 247، "البدور الزاهرة" ص 93.

(٣٧) انظر:"معاني القرآن" 1/ 252.

(٣٨) انظر: "معاني الفراء" 1/ 252، "معاني الأخفش" 1/ 430، "تفسير الطبري" 4/ 226، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 391، "معاني الزجاج" 2/ 6، "الإنصاف" 373 - 379، "إملاء ما من به الرحمن" بهامش الفتوحات الإلهية 2/ 182، "البحر المحيط" 3/ 158، "الدر المصون" 3/ 554.

(٣٩) في "الحجة" 3/ 121.

(٤٠) إلى هنا نص كلامه أبي علي، وما بعده إلى قوله: قال: ويدلك ..

بمعناه.

انظر "الحجة" 3/ 121 ،122.

(٤١) في (د): (بك وبه).

(٤٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: لا وليس ألا.

(٤٣) أي: أبو على.

(٤٤) في "الحجة" المضاف إليه.

(٤٥) ليس في "الحجة".

(٤٦) ليس في "الحجة".

(٤٧) انتهى كلام أبي علي من "الحجة" 3/ 121، 122.

(٤٨) في "معاني القرآن" 2/ 6.

(٤٩) دعوى الإجماع فيها نظر، لأن ذلك رأي البصريين وأنه لا يجوز إلا في الشعر، == وأما الكوفيون فقد أجازوا ذلك.

انظر "المقتضب" 4/ 152، "الأصول في النحو" 2/ 79، "الإنصاف" ص371، "شذور الذهب" ص 533.

(٥٠) هذا الشاهد القرآني ليس في "معاني الزجاج".

(٥١) بعد هذا المقال كلام للزجاج هو: وبك وزيد، إلا مع إظهار الخافض، حتى يقولوا: بك وبزيد، فقال بعضهم: لأن المخفوض ...

"معاني الزجاج" 2/ 6.

(٥٢) ليس في (د).

(٥٣) "معاني الزجاج" 2/ 6 بتصرف.

(٥٤) هذا الكلام في "الحجة" 3/ 125، لكن دون نسبة إلى علي بن عيسى هذا، وعلي هذا لعله الرماني وقد تقدمت ترجمته.

(٥٥) في "الحجة": فيقع.

(٥٦) هذا عند البصريين، لكن إذا طال الكلام حسن حذف التوكيد، أما الكوفيون فلا قُبْح في الحالين.

انظر "المقتضب" 3/ 210، 279، "الإنصاف" ص380 - 381، "شذور الذهب" ص 531 - 532.

(٥٧) في (د): (غليط)، بإعجام الغين.

(٥٨) في "الحجة" لم يستجيزوا العطف عليه في حال السعة إلا بالتأكيد.

(٥٩) انظر: "الإنصاف" ص 381.

(٦٠) إلى هنا نفس الكلام في "الحجة" 3/ 125، وما بعده يحتمل أن يكون من زيادة المؤلف.

(٦١) البيت لذي الرمة: "ديوانه" ص 76، وهو من شواهد سيبويه 1/ 179، 2/ 166، 280، "المقتضب" 4/ 376، والأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3648 (نقض)،== "سر صناعة الإعراب" 1/ 10، "اللسان" 8/ 4525 (نفض).

قال الأزهري: وفي تقديم وتأخير، أراد كأن أصوات أواخر الميس إنقاض الفراريج من إيغال الرواحل بنا، أي من إسراعها السير بنا.

والفراريج جمع فروج وهو الفتيّ من ولد الدجاج.

"اللسان" 6/ 3371 (فرج)، وإنقاضها أصواتها، ففي "سر صناعة الإعراب" أصوات الفراريج وبين ابن جني فيه أن الميس خشب الرحل.

والشاهد منه أنه فصل بين المضاف أصوات والمضاف إليه أواخر.

(٦٢) من "معاني القرآن" للزجاج 2/ 6.

(٦٣) في "معاني الزجاج" قال: فكما لا تقول ....

(٦٤) معنى كلام سيبويه.

انظر "الكتاب" 2/ 382 - 383.

(٦٥) الظاهر أن هذا البيت من الأبيات الخمسين عند سيبويه التي لم يُعرف لها قائل.

انظر: "الكتاب" 2/ 383، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 390، "الإنصاف" ص 377.

وقد استشهد بالبيت الزجاج في "معاني القرآن" 2/ 7، وقال محققه: البيت للأعشى وينسب لعمرو بن معد يكرب، ولم أجده في ديوان الأعشى.

قال عبد السلام هارون في تحقيقه للكتاب: قرَّبت: أخذت وشرهت.

يقول: إن هِجاءك الناس وشتمَهم صار أمرًا معروفًا لا يتعجب منه.

كما لا يتعجب الناس من فعل الدهر.

والشاهد فيه أنه عطف الأيام على الكاف الخطاب دون إعادة حرف الجر.

(٦٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 253.

والبيت نسبه الجاحظ في "الحيوان" 6/ 494 لمسكين الدارمي، وانظر "الإنصاف" ص 378، "معجم شواهد العربية" ص 237.

واختلفت الروايات لأول البيت بين نُعَلِّق بالنون والبناء للمعلوم فيكون سيوفَنا منصوبًا على أنه مفعول به، وبين تُعَلَّق بالتاء والبناء للمفعول ويكون سيوفُنا مرفوعًا على أنه نائب فاعل.

كما أن قافيته جاءت على روايتين: نفانف، وتنائف.

قال عبد السلام هارون في شرحه للحيوان: مثل السواري، عنى بها أعناق الرجال.

والسارية: الأسطوانة من أساطين البيوت ونحوها.

التنائف جمع تنوفة وهي المفازة، وهذه مبالغة ظاهرة أن يجعل ما بين أعناقهم وكعوبهم تنائف.

والشاهد منه أنه عطف الكعب على الضمير في بينها دون إعادة الخافض.

(٦٧) أي الزجاج في "معاني القرآن" 2/ 6.

(٦٨) طرف حديث أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر -  ما- رقم (2101) كتاب الكفارات، باب: من حُلِف له بالله فليرض 1/ 679، والحاكم في كتاب الأيمان من "مستدركه" 1/ 52، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير" 6/ 136 (7247).

كما أخرجه من حديث أبي هريرة  أبو داود (3247) في الأيمان والنذور، باب: في كراهية الحلف بالآباء، والنسائي 7/ 5 في الأيمان والنذور، باب: الحلف بالأمهات 7/ 5، وابن حبان 10/ 199 رقم (4357) (٦٩) في (أ): (والأرحام)، وما أثبته هو الموافق لما في "معاني الزجاج" إلا أن فيه: وبالرحم.

(٧٠) انتهى من "معاني القرآن" للزجاج 2/ 6.

(٧١) هكذا فى (أ)، و (د)، ولعل الصواب: على المكنى.

(٧٢) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1448 (رقب)، "مقاييس اللغة" 2/ 427 (رقب) والمصدر فيهما: رُقْبانًا.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ ﴾ خطاب على العموم وقد تكلمنا على التقوى في أوّل البقرة ﴿ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ هو آدم عليه السلام ﴿ زَوْجَهَا ﴾ هي حواء خلقت من ضلع آدم ﴿ وَبَثَّ ﴾ نشر ﴿ تَسَآءَلُونَ بِهِ ﴾ أي يقول بعضكم لبعض: أسألك بالله أن تفعل كذا و ﴿ والأرحام ﴾ بالنصب عطفاً على اسم الله أي: اتقوا الأرحام فلا تقطعوها، أو على موضع الجار والمجرور.

وهو به، لأنّ موضعه نصب وقرئ بالخفض عطف على الضمير في به، وهو ضعيف عند البصريين، لأن الضمير المخفوض لا يعطف عليه إلاّ بإعادة الخافض ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾ إذا تحقق العبد بهذه الآية وأمثالها استفاد مقام المراقبة وهو مقام شريف أصله علم وحال، ثم يثمر حالين: أما العلم: فهو معرفة العبد؛ بأن الله مطلع عليه، ناظر إليه يرى جميع أعماله، ويسمع جميع أقواله، ويعلم كل ما يخطر على باله، وأما الحال: فهي ملازمة هذا العلم والحال: كانت ثمرتها عند أصحاب اليمين: الحياء من الله، وهو يوجب بالضرورة ترك المعاصي والجِدّ في الطاعات، وكانت ثمرتها عند المقرّبين: الشهادة التي توجب التعظيم والإجلال لذي الجلال، وإلى هاتين الثمرتين أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» ، فقوله أن تعبد الله كأنك تراه: إشارة إلى الثمرة الثانية، وهي المشاهدة الموجبة للتعظيم: كمن يشاهد ملكاً عظيماً، فإنه يعظمه إذ ذاك بالضرورة، وقوله فإن لم تكن تراه فإنه يراك: إشارة إلى الثمرة الأولى ومعناه إن لم تكن من أهل المشاهدة التي هي مقام المقربين، فاعلم أنه يراك، فكن من أهل الحياء الذي هو مقام أصحاب اليمين، فلما فسر الإحسان أوّل مرة بالمقام الأعلى؛ رأى أن كثيراً من الناس قد يعجزون عنه، فنزل عنه إلى المقام الآخر، واعلم أن المراقبة لا تستقيم حتى تتقدّم قبلها المشارطة والمرابطة، وتتأخر عنها المحاسبة والمعاقبة، فأما المشارطة: فهي اشتراط العبد على نفسه بالتزام الطاعة وترك المعاصي، وأما المرابطة؛ فهي معاهدة العبد لربه على ذلك، ثم بعد المشارطة والمرابطة أول الأمر تكون المراقبة إلى آخره، وبعد ذلك يحاسب العبد نفسه على ما اشترطه وعاهد عليه، فإن وجد نفسه قد أوفى بما عاهد عليه الله: حمد الله، وإن وجد نفسه قد حل عقد المشارطة، ونقض عهد المرابطة، عاقب النفس عقاباً بزجرها عن العودة إلى مثل ذلك، ثم عاد إلى المشارطة، والمرابطة وحافظ على المراقبة، ثم اختبر بالمحاسبة، فهكذا يكن حتى يلقى الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تساءلون ﴾ خفيفاً بحذف التاء: عاصم وحمزة وعلي وخلف وعباس مخير.

الباقون بالتشديد أي بإدغام تاء التفاعل في السين ﴿ والأرحام ﴾ بالجر حمزة.الباقون بالنصب.

﴿ ما طاب ﴾ بالإمالة: حمزة.

﴿ واحدة ﴾ بالرفع: يزيد: الباقون بالنصب.

﴿ هنيّاً مريّاً ﴾ بالتشديد فيهما: يزيد وحمزة في الوقف على أيهما وقف، وإذا انفرد ﴿ هنيئاً ﴾ / همزها كل القرآن: يزيد.

﴿ قيماً ﴾ ابن عامر ونافع.

الباقون ﴿ قياماً ﴾ ﴿ ضعافاً ﴾ بالإمالة: خلف عن حمزة وابن سعدان والعجلي وخلف لنفسه وقتيبة على أصله.

﴿ وسيصلون ﴾ بضم الياء: ابن عامر وأبو بكر وحماد والمفضل.

الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ ونساء ﴾ ج.

لأن الجملتين وإن اتفقتا إلا أنه اعترضت المعطوفات ﴿ والأرحام ﴾ ط ﴿ رقيباً ﴾ ه ﴿ بالطيب ﴾ ص ﴿ إلى أموالكم ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ ورباع ﴾ ج ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ أن لا تعولوا ﴾ ط لابتداء حكم آخر ﴿ نحلة ﴾ ط لأن المشروط خارج عن أصل الشرط الموجب ﴿ مريئاً ﴾ ه ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ النكاح ﴾ ج بناء على أنه ابتداء شرط بعد بلوغ النكاح، أو مجموع الشرط والجواب جواب "إذا" و"حتى" تكون داخلة على جملة شرطية مقدمها حملية، وثالثها شرطية أخرى.

﴿ أموالهم ﴾ ج ﴿ أن يكبروا ﴾ ط لابتداء جملتين متضادتين ﴿ فليستعفف ﴾ ج ﴿ بالمعروف ﴾ ط للعود إلى أصل الموجب بعد وقوع العارض.

﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ والأقربون ﴾ الأول ص ﴿ أو أكثر ﴾ ط بتقدير جعلناه نصيباً مفروضاً ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ خافوا عليهم ﴾ ص ﴿ سديداً ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه.

التفسير: لما كانت هذه السورة مشتملة على تكاليف كثيرة من التعطيف على الأولاد والنساء والأيتام وإيصال حقوقهم إليهم وحفظ أموالهم عليهم، ومن الأمر بالطهارة والصلاة، والجهاد والدية، ومن تحريم المحارم وتحليل غيرهن إلى غير ذلك من السياسات ومكارم الأخلاق التي يناط بها صلاح المعاش والمعاد، افتتح السورة ببعث المكلفين على التقوى.

ومن غرائب القرآن أن فيه سورتين صدرهما ﴿ يا أيها الناس ﴾ إحداهما في النصف الأول وهي الرابعة من سوره، والأخرى في النصف الثاني وهي أيضاً في الرابعة من سوره.

ثم التي في النصف الأول مصدرة بذكر المبدأ ﴿ اتقوا ربكم الذي خلقكم ﴾ والتي في النصف الثاني مصدرة بذكر المعاد ﴿ اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم  ﴾ ثم إنه  علل الأمر بالتقوى بأنه خلقنا من نفس واحدة.

أما القيد الأوّل وهو أنه خلقنا فلا شك أنه علة لوجوب الانقياد لتكاليفه والخشوع لأوامره ونواهيه، لأن المخلوقية هي العبودية ومن شأن العبد امتثال أمر مولاه في كل ما يأمره وينهاه.

وأيضاً الإيجاد غاية الإحسان فيجب مقابلتها بغاية الإذعان، على أن مقابلة نعمته بالخدمة محال لأن توفيق تلك الخدمة نعمة أخرى منه.

وأما القيد الثاني وهو خصوص أنه خلقنا من نفس واحدة، فإنما يوجب علينا الطاعة لأن خلق أشخاص غير محصورة من إنسان واحد مع تغاير أشكالهم وتباين أمزجتهم واختلاف أخلاقهم دليل ظاهر وبرهان باهر على وجود مدبر مختار وحكيم قدير، ولو كان ذلك بالطبيعة أو لعلة موجبة كان كلهم على حد واحد ونسبة واحدة.

ثم في / هذا القيد فوائد أخر منها: أنه يأمر عقبه بالإحسان إلى اليتامى والنسوان، وكونهم متفرعين من أصل واحد وأرومة واحدة أعون على هذا المعنى ولهذا قال  : " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" ومنها أنهم إذا عرفوا ذلك تركوا المفاخرة وأظهروا التواضع وحسن الخلق.

ومنها أن تصوّر ذلك يذكر أمر المعاد فليس الإعادة بأصعب من الإبداء.

ومنها أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزاً للنبي  لأنه لم يقرأ كتاباً.

وأجمع المفسرون على أن المراد بالنفس الواحدة ههنا هو آدم  ، والتأنيث في الوصف نظراً إلى لفظة النفس.

﴿ وخلق منها زوجها ﴾ حواء من ضلع من أضلاعها.

وقال أبو مسلم: المرادوخلق من جنسها زوجها لقوله ﴿ جعل لكم من أنفسكم أزواجاً  ﴾ ولأنه  قادر على خلق حواء من التراب فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم؟

والجواب أن الأمر لو كان كما ذكره أبو مسلم لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة وهو خلاف النص وخلاف ما روي عن النبي  " "أن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها" احتج جمع من الطبائعيين بالآية على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة، وإن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال.

والجواب أنه لا يلزم من إحداث شيء في صورة واحدة من المادة لحكمة أن يتوقف الإحداث على المادة في جميع الصور.

قال في الكشاف: قوله: ﴿ وخلق منها ﴾ معطوف على محذوف أي أنشأها وخلق منها، أو معطوف على ﴿ خلقكم ﴾ والخطاب للذين بحضرة رسول الله  أي خلقكم من نفس آدم لأنهم من جنس المفرع منه، وخلق منها أمكم حواء ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ﴾ غيركم من الأمم الفائتة للحصر.

أقول: وإنما التزم الإضمار في الأول والتخصيص في الثاني دفعاً للتكرار، ولا تكرار بالحقيقة إذ لا يفهم من خلق بني آدم من نفس خلق زوجها منه ولا خلق الرجال والنساء من الأصلين جميعاً.

نعم لو كان المراد بقوله: ﴿ وخلق منها ﴾ إلى آخره بيان الخلق الأول وتفصيله، لكان الأولى عدم دخول الواو إلا أن المراد وصف ذاته  بالأوصاف الثلاثة جميعاً من غير ترتيب يستفاد من النسق وإلا كان الأنسب أن يقال: "فبث" بالفاء.

فدل العطف بالواو في الجميع على أن المراد هو ما ذكرنا، وأن / التفصيل والترتيب موكول إلى قضية العقل فافهم والله تعالى أعلم.

ومعنى بث فرق ونشر.

وإنما خص وصف الكثرة بالرجال اعتماداً على الفهم، ولأن شهرة الرجال أتم فكانت كثرتهم أظهر.

وفيه تنبيه على أن اللائق بحال الرجال والاشتهار والخروج، واللائق بحال النسوان الاختفاء والخمول.

وإنما يقل الرجال والنساء معرفتين لئلا يلزم كونهما مبثوثين من نفسهما، ثم إن هذا البث معناه محمول على ظاهره عند من يرى أن جميع الأشخاص البشرية كانوا كالذر مجتمعين في صلب آدم، وأما عند من ينكر ذلك فالمراد أنه بث منهما أولادهما، ومن أولادهما جمعاً آخرين وهلم جراً، فأضيف الكل إليهما على سبيل المجاز.

﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ﴾ من قرأ بالنصب فللعطف على اسم الله أي واتقوا حق الأرحام فلا تقطعوها وهو اختيار أكثر الأئمة كمجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد والفراء والزجاج.

وأما للعطف على محل الجار والمجرور كقوله: فلسنا بالجبال ولا الحديدا *** وهو اختيار أبى علي الفارسي وعلي بن عيسى.

وقيل: منصوب الإغراء أي والأرحام فاحفظوها وصلوها.

ومن قرأ بالجر فلأجل العطف على الضمير المجرور في ﴿ به ﴾ وهذا وإن كان مستنكراً عند النحاة بدون إعادة الخافض لأن الضمير المتصل من تتمة ما قبله ولا سيما المجرور فأشبه العطف على بعض الكلمة، إلا أن قراءة حمزة مما ثبت بالتواتر عن رسول الله  فلا يجوز الطعن فيها لقياسات نحوية واهية كبيت العنكبوت.

وقد طعن الزجاج فيها من جهة أخرى وهي أنها تقتضي جواز الحلف بالأرحام وقد قال النبي  : " "لا تحلفوا بآبائكم" والجواب أن المنهي عنه هو الحلف بالآباء وههنا حلف أولاً بالله ثم قرن به الرحم فأين أحدهما من الآخر؟

ولئن سلمنا أن الحلف بالرحم أيضاً منهي عنه لكن لا نسلم أنه منهي عنه مطلقاً، وإنما المنهي عنه ما حلف به على سبيل التعظيم، وأما الحلف بطريق التأكيد فلا بأس بها، ولهذا جاء في الحديث "أفلح وأبيه إن صدق" سلمنا أنها منهي عنها مطلقاً لكن المراد ههنا حكاية ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من قولهم في الاستعطاف والتساؤل وهو سؤال البعض البعض: أسألك بالله وبالرحم، وأنشدك الله والرحم.

وقرىء ﴿ والأرحام ﴾ بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف أي والأرحام كذلك أي أنها مما يتقى ويتساءل به.

فإن قيل: لم قال أولاً ﴿ اتقوا ربكم ﴾ ثم قال بعده ﴿ وااتقوا الله ﴾ ؟

قلنا: أما تكرار الأمر فللتأكيد كقولك للرجل: عجل عجل.

وأما تخصيص الرب بالأول والله بالثاني فلأن الغرض في الأول الترغيب بتذكير النعمة والإحسان والتربية، وفي الثاني الترهيب.

ولفظ الله يدل على كمال القدرة والقهر فكأنه قيل: إنه رباك وأحسن إليك فاتق مخالفته وإلا فإنه شديد العقاب فاتق سخطه.

قال العلماء: في الآية دليل على جواز المسألة بالله.

روى مجاهد عن عمر قال: قال رسول الله  : " "من سألكم بالله فأعطوه" .

وعن البراء بن عازب قال: "أمرنا رسول الله  بسبع..." منها إبرار القسم.

ولا يخفى ما في الآية من تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها حيث قرن الأرحام باسمه، وقال في سورة البقرة: ﴿ لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى  ﴾ وعن عبد الرحمن بن عوف سمعت رسول الله  يقول: قال الله عز وجل: "أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته" وفي الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله  : "الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله" .

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص سمعت رسول الله  يقول: " "ليس الواصل بالمكافىء الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها" عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله  : " الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة " .

فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها، فلهذا بنى أصحاب أبي حنيفة على هذا الأصل مسألتين: إحداهما أن الرجل إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه مثل الأخ والأخت والعم والخال لأنه لو بقي الملك حل الاستخدام بالإجماع، لكن الاستخدام إيحاش وقطيعة رحم.

والثانية أن الهبة لذي الرحم المحرم لا يجوز الرجوع فيها حذراً من / الإيحاش والقطيعة.

ثم إنه ختم الآية بما يتضمن الوعد والوعيد فقال: ﴿ إن الله كان عليكم رقيباً ﴾ مراقباً يحفظ عليكم جميع أعمالكم فيجازيكم بحسبها.

ثم إنه  بعد تقديم موجبات الشفقة على الضعفة ومن له رحم ماسة قال ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ وأصل اليتيم الانفراد ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة.

فاليتامى هم الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم.

فاليتيم لغة يتناول الصغير والكبير إلا أنه في عرف الشرع اختص بالذي لم يبلغ الحلم.

قال  : " لا يتم بعد الحلم" .

والمراد أنه إذا احتلم لا تجري عليه أحكام الصغار لأنه في تحصيل مصالحه يستغني بنفسه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره.

فإن قيل: إذا كان اسم اليتيم في الشرع مختصاً بالصغير فما دام يتيماً لا يجوز دفع أمواله إليه، وإذا صار كبيراً بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيماً فكيف قال: ﴿ وآتوا التيامى أموالكم ﴾ ؟

ففي الجواب طريقان: أحدهما أن المراد باليتامى الكبار البالغون، سماهم بذلك على مقتضى اللغة أو لقرب عهدهم باليتم كقوله: ﴿ فألقى السحرة ساجدين  ﴾ أي الذين كانوا سحرة قبل السجود.

ويؤكد هذا الطريق قوله فيما بعد ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ والإشهاد لا يصح قبل البلوغ بل إنما يصح بعد البلوغ.

وقال  : " تستأمر اليتيمة في نفسها " ولا تستأمر إلا وهي بالغة.

وعلى هذا يكون في الآية إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عند حد البلوغ ولا يمطلوا إن أونس منهم الرشد، وأن لا يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار، ويوافقه ما رواه مقاتل والكلبي أنها نزلت "في رجل من غطفان كان معه مال كثير لأبن أخ يتيم.

فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى رسول الله  فنزلت الآية.

فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع إليه ماله.

فقال النبي  : من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره - يعني جنته -.

فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله فقال النبي  : ثبت الأجر وبقي الوزر.

فقالوا: يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بيقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟

فقال: ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده" .

قيل: لأنه كان مشركاً.

الطريق الثاني أن المراد بهم الصغار أي الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتيم أموالهم، وآتوهم من أموالهم ما يحتاجون إليه لنفقتهم وكسوتهم، والخطاب للأولياء والأوصياء.

﴿ ولا / تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ قال الفراء والزجاج: أي لا تستبدلوا الحرام - وهو مال اليتامى - بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه.

والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز كالتعجل بمعنى الاستعجال والتأخر بمعنى الاستئخار، أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث - وهو اختزال أموال اليتامى والاعتزال عنها حتى تتلف - بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها.

وقال كثير من المفسرين: هذا التبدل هو أن يأخذ الجيد من مال اليتيم ويجعل مكانه الرديء، قال صاحب الكشاف: هذا ليس بتبدل وإنما هو تبديل.

يريد أن الباء في بدل تدخل على المأخوذ، وفي تبدل على المعطى.

ولما كان المأخوذ الطيب كان تبديلاً.

ثم وجهه بأنه لعله يكارم صديقاً له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي فيكون الباء في موضعه.

وقيل: معنى الآية أن يأكل مال اليتيم سلفاً مع التزام بدلة بعد ذلك فيكون متبدلاً الخبيث بالطيب.

﴿ ولا تأكلوا أموالهم ﴾ منضمة ﴿ إلى أموالكم ﴾ وفي الانفاق تسوية بين المالين في الحل ﴿ إنه ﴾ أي الأكل ﴿ كان حوباً كبيراً ﴾ ذنباً عظيماً.

والحاب مثله، والتركيب يدور على الضعف، والمراد بالأكل مطلق التصرف إلا أنه خص بالذكر لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف.

وقيل: "إلى" ههنا بمعنى "مع" والفائدة في زيادة قوله: ﴿ إلى أموالكم ﴾ أكل أموال اليتامى محرم على الإطلاق زيادة التقبيح والتوبيخ لأنهم إذا كانوا مستغنين عنها بما لهم من المال الحلال ومع ذلك طمعوا في مال اليتيم كانوا بالذم أحرى، ولأنهم كانوا يفعلون كذلك فنعى عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم.

﴿ وإن خفتم ألاتقسطوا ﴾ أقسط الرجل عدل وقسط جار.

وقال الزجاج: أصلهما جميعاً من القسط وهو النصيب.

فإذا قالوا قسط فمعناه ظلم صاحبه في قسطه من قولهم: قاسطته فقسطته أي غلبته على قسطه.

وإذا قالوا أقسط بالهمز فمعناه صار ذا قسط مثل أنصف إذا أتى بالنصف فيلزمه العدالة والتسوية.

واعلم أن قوله: ﴿ وإن خفتم ﴾ شرط وقوله: ﴿ فانكحوا ﴾ جواب له.

ولا بد من بيان أن هذا الجزاء كيف يتعلق بهذا الشرط وللمفسرين فيه وجوه: الأول ما روي عن عروة "أنه قال: قلت لعائشة: ما معنى قول الله  : ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ﴾ فقالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب الرجل في مالها وجمالها إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها.

ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة ردية لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها.

فقال  وإن خفتم أن تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا غيرهن ما طاب لكم من العدد.

قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله  بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله  ﴿ يستفتونك في النساء  ﴾ الآية." فقوله فيها: ﴿ وما يتلى عليكم في الكتاب / في يتامى النساء  ﴾ المراد منه هذه الآية وهي قوله: ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا ﴾ .

وعبر في الكشاف عن هذه الرواية بعبارة أخرى وهي: كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال أو يكون وليها فيتزوجها ضناً بها عن غيره، فربما اجتمعت عنده عشر منهن فيخاف لضعفهن وفقد من يغضب لهن أن يظلمهن حقوقهن ويفرط فيما يجب لهن فقيل لهم: إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن ﴿ ما طاب لكم ﴾ .

الثاني وهو قول سعيد بن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي منقولاً عن ابن عباس: لما نزلت الآية المتقدمة وما في أكل أموال اليتامى من الحوب الكبير، خاف الأولياء لحوق الحوب فتحرجوا من ولاية اليتامى.

وكان الرجل منهم ربما كانت تحته العشر من الأزواج وأكثر فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهم فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فكونوا خائفين من ترك العدل بين النساء لأنهن كالتيامى في تعجيز والضعف، فقللوا عدد المنكوحات لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فكأنه غير متحرج.

الثالث: كانوا لا يتحرجون من الزنا ويتحرجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم ذلك فكونوا خائفين من الزنا أيضاً وانكحوا ما حل لكم من النساء.

الرابع روي عن عكرمة كان الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام فإذا أنفق مال نفسه على النسوة أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن.

فقيل: إن خفتم أن تظلموا اليتامى بأكل أموالهم عند كثرة الزوجات فقد حظرت لكم أن تنكحوا أكثر من أربع ليزول هذا الخوف، فإن خفتم في الأربع أيضاً فواحدة، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع والناقص وهو الواحدة، ونبه بذلك على ما بينهما فكأنه قيل: إن خفتم الأربع فثلاثاً وإن خفتم فاثنتين وإن خفتم فواحدة.

قال الظاهريون: النكاح واجب لقوله: ﴿ فانكحوا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب.

وعورض بقوله  : ﴿ ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم  ﴾ ولو سلم فالوجوب بحالة الخوف فلا يلزم منه الوجوب على الإطلاق وأيضاً الآية سيقت لبيان وجوب تقليل الأزواج لا لأصل الوجوب وإنما قال: ﴿ ما طاب ﴾ ولم يقل من طاب لأنه أراد به الجنس.

تقول: ما عندك؟

فيقال: رجل أو امرأة.

تريد ما ذلك الشيء الذي عندك أو ما تلك الحقيقة.

ولأن الإناث من العقلاء تنزل منزلة غير العقلاء ومنه قوله  : ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ ولأن "ما" و"من" يتعاقبان.

قال  ﴿ والسماء وما بناها  ﴾ ﴿ فمنهم من يمشي على بطنه ﴾ {النور:45].

قال المفسرون: معنى ﴿ ما طاب لكم ﴾ أي ما حل لكم من النساء لأن فيهن من يحرم نكاحها كما سيجيء.

واعترض عليه الإمام بأن قوله: ﴿ فانكحوا ﴾ أمر إباحة فيؤول المعنى إلى قوله: أبحت لكم نكاح من هي مباحة لكم وهذا كلام مستدرك سلمناه، لكن الآية تصير مجملة لأن أسباب الحل والإباحة غير مذكورة في هذه الآية.

وإذا حملنا الطيب / عن استطابة النفس وميل القلب كانت الآية عامة دخلها التخصيص وأنه أولى من الإجمال عند التعارض لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجمل لا يكون حجة أصلاً، والجواب عن الأول أن ذكر الشيء ضمناً ثم صريحاً لا يعد تكراراً بدليل قوله: ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ } [البقرة:57] وعن الثاني أن قوله: ﴿ ما طاب لكم ﴾ بمعنى ما حل لكم إذا كان إشارة إلى ما بقي بعد ما أخرجته آية التحريم فلا إجمال.

وأما قوله: ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ ولم يوجد في كلام الفصحاء إلا هذه، وأحاد وموحد وجوّزوا إلى عشار ومعشر قياساً على قول الكميت: ولم يستر يثوك حتى رميت *** فوق الرجال خصالاً عشارا فاتفق النحويون على أن فيها عدلاً محققاً.

وذلك أن فائدتها تقسيم أمر ذي أجزاء على عدد معين، ولفظ المقسوم عليه في غير العدد مكرر على الإطراد في كلام العرب نحو: قرأت الكتاب جزءاً جزءاً، وجاءني القوم رجلاً رجلاً وجماعة جماعة.

وكان القياس في باب العدد أيضاً التكرير عملاً بالاستقراء وإلحاقاً للفرد المتنازع فيه بالأعم الأغلب، فلما وجد ثلاث مثلاً غير مكرر لفظاً حكم بأن أصله لفظ مكرر وليس إلأ ثلاثة ثلاثة.

فعند سيبويه منع صرف مثل هذا للعدل والوصف الأصلي، فإن هذا التركيب لم يستعمل إلا وصفاً بخلاف المعدول عنه.

وقيل: إن فيه عدلاً مكرراً من حيث اللفظ لأن أصله كان ثلاثة ثلاثة مرتين فعدل إلى واحد ثم إلى لفظ ثلاث أو مثلث.

وقيل: إن فيه العدل والتعريف إذ لا يدخله اللام خلافاً لما في الكشاف.

وإذا جرى على النكرة فمحمول على البدل، وضعف بعدم جريانه على المعارف ولوقوعه حالاً.

فمعنى الآية فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثاً وثلاثاً وأربعاً أربعاً، فإن خفتم أن لا تعدلوا بين هذه الأعداد فواحدة.

فمن قرأ بالنصب أراد: فاختاروا أو انكحوا أو الزموا واحدة، ومن قرأ بالرفع أراد: فكفت واحدة أو فحسبكم واحدة وذروا الجمع رأساً فإن الأمر كله يدور مع العدل فأينما وجدتموه فعليكم به.

ثم قال: ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ فسوّى في السهولة بين الحرة الواحدة وبين ما شاء من الإماءة لأنهن أقل تبعة وأخف مؤنة من المهائر لا على المرء أكثر منهن أو أقل، عدل بينهن في القسم أم لم يعدل، عزل عنهن أم لم يعزل، ولما كانت التسوية بينها وبينهن احتج بها الشافعي في بيان أن نوافل العبادات أفضل من النكاح وذلك للإجماع على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري، فوجب أن يكون أفضل من النكاح لأن الزائد على أحد المتساويين يكون زائداً على المساوي الآخر، ولمانع أن يمنع التسوية فإن قول الطبيب مثلاً / للمريض: كل التفاح أو الرمان يحتمل أن يكون للتسوية بينهما وقد يكون للمقاربة أي إن لم تجد التفاح فكل الرمان فإنه قريب منه في دفع الحاجة للضرورة، ومع وجود هذا الاحتمال لا يتم الاستدلال على أن فضل الحرة على الأمة معلوم شرعاً وعقلاً.

وههنا مسألتان: الأولى أكثر الفقهاء على أن نكاح الأربع مشروع للأحرار دون العبيد، لأن هذا الخطاب إنما يتناول إنساناً متى طابت له امرأة قدر على نكاحها والعبد ليس كذلك لأنه لا يمكن من النكاح إلا بإذن مولاه.

وأيضاً إنه قال بعد ذلك ﴿ فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ﴾ وهذا لا يكون إلا للأحرار، فكذا الخطاب الأوّل لأن هذه الخطابات وردت متتالية على نسق واحد فيبعد أن يدخل التقييد في اللاحق دون السابق.

وكذا قوله: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ والعبد لا يأكل فيكون لسيده.

وقال مالك: يحل للعبد أن يتزوج بالأربع تمسكاً بظاهر الآية.

ومن الفقهاء من سلم أن ظاهر الآية يتناول العبيد إلا أنهم خصصوا هذا العموم بالقياس.

قالوا: أجمعنا على أن الرق له تأثير في نقصان حقوق النكاح كالطلاق والعدة، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يحصل للعبد نصف ما للحر.

الثانية ذهب جماعة إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد لأن قوله: ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ إطلاق في جميع الأعداد لصحة استثناء كل عدد منه، وقوله: ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ لا يصلح مخصصاً لذلك العموم لأن تخصيص بعض الأعداد بالذكر لا ينافي ثبوت الحكم في الباقي، بل نقول: ذكرها يدل على نفي الحرج والحجر مطلقاً، فإن من قال لولده افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدرسة وإلى البستان كان تصريحاً في أن زمام الاختيار بيده ولا يكون تخصيصاً.

وايضاً ذكر جميع الأعداد متعذر، فذكر بعضها تنبيه على حصول الإذن في جميعها.

ولئن سلمنا لكن الواو للجمع المطلق فيفيد الإذن في جمع تسعة بل ثمانية عشر لتضعيف كل منها.

وأما السنة فلما ثبت بالتواتر أنه  مات عن تسع وقد أمرنا باتباعه في قوله: ﴿ فاتبعوه  ﴾ وأقل مراتب الأمر الإباحة، وقد قال  " "فمن رغب عن سنتي فليس مني" والمعتمد عند الجمهور في جوابهم أمران: أحدهما الخبر كنحو ما روي أن نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة فقال  : " أمسك أربعاً وفارق واحدة" وزيف بأن القرآن دل على عدم الحصر، ونسخ القرآن بخبر الواحد غير جائز، وبأن الأمر بمفارقة الزائدة قد يكون لمانع النسب أو الرضاع.

وأقول: إن القرآن لم / يدل على عدم الحصر، غايته أنه لم يدل على الحصر فيكون مجملاً.

وبيان المجمل بخبر الواحد جائز, وأيضاً قوله "أمسك أربعاً" على الإطلاق وكذا "فارق واحدة" دليل على أن المانع هو الزيادة على الأربع لا غيرها، وكذا في نظائر هذا الحديث.

وثانيهما إجماع فقهاء الأمصار.

وضعف بأن الإجماع مع وجود المخالف لا ينعقد، وبتقدير التسليم فإن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به.

والجواب أن المخالف إذا كان شاذاً فلا يعبأ به، والقرآن لم يدل على عدم الحصر حتى يلزم نسخ الإجماع إياه ولكن الإجماع دل على وجود مبين في زمان الرسول  .

ولئن سلم أن القرآن دل على عدم الحصر فالإجماع يكشف عن وجود ناسخ في عهده وذلك جائز بالاتفاق.

لا يقال: فعلى تقدير الحصر كان ينبغي أن يقال مثنى أو ثلاث أو رباع بأو الفاصلة، لأنا نقول: يلزم حينئذٍ أن لا يجوز النكاح إلا على أحد هذه الأقسام، فلا يجوز لبعضهم أن يأتي بالتثنية، ولفريق ثان بالتثليث، والآخرين بالتربيع، فيذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو.

﴿ ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾ أي اختيار الواحدة أو التسري أقرب من أن لا تميلوا أو لا تجوروا.

وكلا اللفظين مروي عن عائشة عن النبي  من قولهم: عال الميزان عولاً إذا مال.

وعال الحاكم في حكمه إذا جار.

ومنه عالت الفريضة إذا زادت سهامها.

وفيه الميل عن الاعتدال.

وقيل: معناه أن لا تفتقروا.

ورجل عائل أي فقير وذلك أنه إذا قل عياله قلت نفقاته فلم يفتقر.

ونقل عن الشافعي أنه قال: معناه أن لا تكثروا عيالكم.

وطعن فيه بعض القاصرين بأن هذا في اللغة معنى "تعيلوا" لا معنى "تعولوا" يقال: أعال الرجل إذا كثر عياله.

ومنه قراءة طاوس ﴿ أن لا تعيلوا ﴾ وأيضاً إنه لا يناسب أول الآية ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا ﴾ وأيضاً هب أنه يقل العيال في اختيار الحرة الواحدة، فكيف يقل عند اختيار التسري ولا حصر لهن؟

والجواب عن الأوّل أن الشافعي لم يذهب إلى تفسير اللغة وإنما زعم أنه  أشار إلى الشيء بذكر لازمه أي جعل الميل والجور كناية عن كثرة العيال، لأن كثرة العيال لا تنفك عن الميل والجور.

وقرر الكناية في الكشاف على وجه آخر، وهو أنه جعل قوله  : ﴿ أن لا تعولوا ﴾ من عال الرجل عياله يعولهم كقولك: مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم.

ولا شك أن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما تصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال.

فالحاصل أنه ذكر اللازم وهو الإنفاق وأراد الملزوم وهو كثرة العيال.

والحاصل على ما قلنا أنه ذكر اللازم وهو الميل والجور وأراد الملزوم وهو كثرة العيال.

والجواب عن الثاني أن حمل الكلام على ما لا يلزم منه تكرار أولي وبتقدير التسليم فتفسير الشافعي أيضاً يؤل إلى تفسير الجمهور لكن بطريق الكناية كما قررنا.

وعن الثالث أن / الجواري إذا كثرن فله أن يكلفهن الكسب فينفقن على أنفسهن وعلى مولاهن أيضاً فكأنه لا عيال.

وأيضاً إذا عجز المولى باعهن وتخلّص منهن بخلاف المهائر فإن الخلاص عنهن يفتقر إلى تسليم المهر إليهن.

وقال في الكشاف: العزل عن السراري جائز بغير إذنهن فكن مظان قلة الولد بالإضافة إلى التزوج.

﴿ وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ أي مهورهن.

والخطاب للأزواج وهو قول علقمة وقتادة والنخعي واختيار الزجاج لأن ما قبله خطاب للناكحين.

وقيل: خطاب للأولياء لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي البنات من مهورهن شيئاً، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له ابنة: هينئاً لك النافجة - يعنون أنك تأخذ مهرها إبلاً فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه.

وقال ابن الأعرابي: النافجة ما يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته.

فنهى الله عن ذلك وأمر بدفع الحق إلى أهله، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن قتيبة.

قال القفال: يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء المناولة فيكونوا قد أمروا بدفع المهور التي سموها لهن، ويحتمل أن يراد الالتزام كقوله: ﴿ حتى يعطوا الجزية عن يد  ﴾ أي حتى يضمنوها ويلتزموها.

فيكون المعنى أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلتزم سواء سمي ذلك أو لم يسم إلا ما خص به الرسول  من الموهوبة.

قال: ويجوز أن يراد الوجهان جميعاً.

أما قوله نحلة فقد قال ابن عباس وقتادة ابن جريج وابن زيد: أي شريعة وديانة.

فيكون مفعولاً له، أو حالاً من الصدقات أي ديناً من الله شرعه وفرضه.

وقال الكلبي: أي عطية وهبة فيكون نصباً على المصدر لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء، أو الحال على من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء من غير مطالبة منهن، لأن ما يؤخذ بالمطالبة لا يسمى نحلة، أو من الصدقات أي منحولة معطاة عن طيب نفس، وإنما سميت عطية من الزوج لأن الزوج لا يملك بدله شيئاً، لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح كهو قبله.

وإنما الذي استحقه الزوج هو الاستباحة لا الملك.

والنحلة العطية من غير بدل.

وقال قوم: إن الله  جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركاً بين الزوجين، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر وكان ذلك عطية من الله  ابتداء.

ثم لما أمرهم بإيتاء الصدقات أباح لهم جواز قبول إبرائها وهبتها.

وانتصب ﴿ نفساً ﴾ على التمييز وإنما وحد لأنه لا يلبس أن النفس لهن لأنهن أنفس ولو جمعت لجاز، والضمير في ﴿ منه ﴾ للصداق أو للمذكور في قوله: ﴿ طبن ﴾ وبناء الكلام على الإبهام ثم التمييز دون أن يقول سمحن أو وهبن.

وفي قوله: ﴿ عن شيء منه ﴾ دون أن يقول عنه تنبيه على أن قبول ذلك إنما يحل إذا طابت نفوسهن بالهبة من غير اضطرار وسوء معاشرة من الزوج يحملهن على ذلك وبعث لهن على تقليل الموهوب، / ولهذا ذكر الضمير في ﴿ منه ﴾ لينصرف إلى الصداق الواحد فيكون متناولاً بعضه، ولو أنث لتناول ظاهرة هبة الصداق كله لأن بعض الصدقات واحدة منها أو أكثر.

ومن هذا التقرير يظهر أن "من" في قوله: ﴿ منه ﴾ للتبعيض إخراجاً للكلام مخرج الغالب مع فائدة البحث المذكور لأنه لا يجوز هبة كل الصداق إذا طابت نفسها عن المهر بالكلية، ومن غفل عن هذه الدقيقة زعم أن "من" للتبيين والمعنى عن شيء هو هذا الجنس يعني الصداق.

﴿ فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه.

وقيل: الهنيء ما يستلذه الآكل، والمريء ما تحمد عاقبته.

وقيل: هو ما ينساغ في مجراه ومنه يقال: المريء لمجرى الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة.

وقيل: أصله من الهناء وهو معالجة الجرب بالقطران.

فالهنيء شفاء من الجرب.

وبالجملة فهو عبارة عن التحلل أو المبالغة في إزالة التبعة في الدنيا والآخرة.

وهما صفتان للمصدر أي أكلاً هنياً مريئاً، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء.

وقد يوقف على قوله: ﴿ فكلوه ﴾ ويبتدأ ﴿ هنيئاً مريئاً ﴾ على الدعاء أو على أنهما قاما مقام مصدريهما أي هنأ مرأ.

والمراد بالأكل التصرف الشامل للعين والدين.

قال بعض العلماء: إن وهبت ثم طلبت علم أنها لم تطب عنه نفساً.

وعن عمر أنه كتب إلى قضاته أن النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها.

وعن ابن عباس "أن رسول الله  سئل عن هذه الآية فقال: إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهه لا يقضي به عليكم سلطان ولا يؤاخذكم الله به في الآخرة" .

ثم إنه  لما أمر بإيتاء اليتامى أموالهم ويدفع صدقات النساء إليهن، استثنى منهم خفاف الأحلام وإن بلغوا أوان التكليف فقال: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ أكثر العلماء على أن هذا الخطاب للأولياء.

فورد أن الأنسب أن لو قيل لأموالهم.

وأجيب بأنه إنما حسنت إضافة الأموال إلى المخاطبين إجراء للوحدة النوعية مجرى الوحدة الشخصية كقوله: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم  ﴾ ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه ولكن كان بعضهم يقتل بعضاً فقيل: "أنفسكم" لأن الكل من نوع واحد فكذا هنا المال شيء ينتفع به الإنسان ويحتاج إليه، فلهذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء إلى أوليائهم، ويحتمل أن يضاف المال إليهم لا لأنهم ملكوه بل لأنهم ملكوا التصرف فيه، ويكفي في حسن الإضافة أدنى سبب.

وقيل: خطاب للآباء نهاهم الله تعالى إذا كان أولادهم سفهاء أن يدفعوا أموالهم أو بعضها إليهم.

فعلى هذا تكون إضافة الأموال إليهم حقيقة.

والغرض الحث على حفظ المال وأنه إذا قرب أجله يجب عليه أن يوصي بماله إلى أمين يحفظه على ورثته.

وقد يرجح القول بأن ظاهر النهي للتحريم، وأجمعت الأمة على أنه لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله.

وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السفهاء أموالهم، وأيضاً قوله: ﴿ وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ هذه الأوامر تناسب حال الأولياء لا الآباء.

وأقول: لا يبعد حمل الآية على كلا القولين، لأن الإضافة في أموالكم لا تفيد إلا الاختصاص سواء كان اختصاص الملكية أو اختصاص التصرف.

واختلفوا في السفهاء فعن مجاهد والضحاك أنها النساء أزواجاً كن أو أمهات أو بنات، وهو مذهب ابن عمرو يدل عليه ما روى أبو أمامة عن النبي  : "ألا إنما خلقت النار للسفهاء" يقولها ثلاثاً.

وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيمها.

وقد جمع فعيلة على فعلاء كفقيرة وفقراء.

وقال الزهري وابن زيد: هم الأولاد الخفاف العقول.

وعن ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد بن جبير: إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وأن ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن يسلط واحداً منهما على ماله.

والصحيح أن المراد بالسفهاء كل من ليس له عقل يفي بحفظ المال ولا يد له بإصلاحه وتثميره والتصرف فيه، ويدخل فيه النساء والصبيان والأيتام والفساق وغيرهم مما لا وزن لهم عند أهل الدين والعلم بمصالح الدارين، فيضع المال فيما لا ينبغي ويفسده.

ومعنى ﴿ جعل الله لكم قياماً ﴾ أنه لا يحصل قيامكم وانتعاشكم إلا به.

سماه بالقيام إطلاقاً لاسم المسبب على السبب.

ومن قرأ ﴿ قيماً ﴾ فعلى حذف الألف من ﴿ قياماً ﴾ وهو مصدر قام وأصله قوام قلبت الواو ياء لإعلال فعله.

فإن لم يكن مصدراً لم يعل كقوام لما يقام به.

وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالاً يحاسبني الله عليه خير من أحتاج إلى الناس.

وقال عبد الله بن عباس: الدراهم والدنيانير خواتيم الله في الأرض لا تؤكل ولا تشرب حيث قصدت بها قضيت حاجتك.

وقال قيس بن سعد: اللهم ارزقني حمداً ومجداً فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال.

وقيل لأبي الزناد: لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟

قال: هي وإن أدنتني فقد صانتني عنها.

وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه.

وربما رأوا رجلاً في تشييع جنازة فقالوا له: اذهب إلى مكانك.

وقال بعض الحكماء: من أضاع ماله فقد ضارّ الأكرمين: الدين العرض.

وفي منثور الحكم: من استغنى كرم على أهله.

وفيه: الفقر مخذلة، والغنى مجدلة، والبؤس مرذلة، والسؤال مبذلة.

وكان يقال: الدراهم مراهم لأنها تداوي كل جرح ويطيب بها كل صلح.

وقال أبو العتاهية: أجلك قوم حين صرت إلى الغنى *** وكل غني في العيون جليل إذا مالت الدنيا على المرء رغبت *** إليه ومال الناس حيث تميل وليس الغنى إلا غنى زين الفتى *** عشية يقرى أو غداة ينيل وقد اختلف أقوال الناس في تفضيل الغنى والفقر مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه، وما أبطر من الغنى مذموم.

فذهب قوم إلى تفضيل الغنى على الفقر، لأن الغني مقتدر والفقير عاجز والقدرة أفضل من العجز.

وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة.

وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر على الغنى، لأن الفقير تارك والغنى ملابس، وترك الدنيا أفضل من ملابستها وهذا قول من غلب عليه حب السلامة.

وقال الباقون: خير الأمر أوساطها، والفضل للاعتدال بين الفقر والغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين، ويسلم من مذمة الحالين.

ومن كلفته النفس فوق كفافها *** فما ينقضي حتى الممات عناؤه والحاصل أن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بمصالح الدارين، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال، فبذلك يتمكن من جلب المنافع ودفع المضار ولهذا رغب الله  في حفظه ههنا.

وفي آية المداينة حيث أمر بالكتاب والشهادة والرهان المقبوضة، فمن أراد الدنيا لهذا الغرض فنعمت المعونة هي، ومن أرادها لعينها فيا لها من حسرة وندامة.

ثم إنه  أمر بعد ذلك بثلاثة أشياء وذلك قوله: ﴿ وارزقوهم فيها ﴾ وإنما لم يقل"منها" كيلا يكون أمراً بجعل بعض أموالهم رزقاً لهم فيأكلها الإنفاق، بل أمر بأن يجعلوها مكاناً لرزقهم بأن يتجروا فيها ويربحوها حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من أصول الأموال وصلبها ﴿ واكسوهم ﴾ كل من الرزق والكسوة بحسب المصلحة وكما يليق بحال أمثالهم ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ قال ابن جريج ومجاهد: هو عدة جميلة من البر والصلة.

وقال ابن عباس: هو مثل أن يقول: إذا ربحت في سفري هذا فعلت بك ما أنت أهله، وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظاً.

وقال ابن زيد: إن لم يكن ممن وجبت نفقته عليك فقل: عافانا الله وإياك وبارك الله فيك.

وقال الزجاج: علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم بما يتعلق بالعلم والعمل.

وقال القفال: إن كان صبياً فالوالي يعرّفه أن المال ماله وأنه إذا زال صباه فإن يرّد المال إليه كقوله: ﴿ فأما اليتيم فلا تقهر  ﴾ أي لا تعاشره بالتسلط عليه كما تعاشر العبيد وإن كان سفيهاً، وعظه ونصحه وحثه على الصلاة وعرفه أن عاقبة الإسراف فقر واحتياج.

وبالجملة فكل ما سكنت إليه النفس وأحبته لحسنة عقلاً أو شرعاً من قول أو عمل فهو معروف، وما نفرت من لقبحه فمنكر، ثم بيّن أن السفهاء متى يؤتون أموالهم فشرط في ذلك شرطين: أحدهما بلوغ النكاح والثاني إيناس / الرشد منهم.

فبلوغ النكاح أن يحتمل لأنه يصلح للنكاح عنده، ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد ومناط الاحتلام خروج المني، ويدخل وقت إمكانه باستكمال تسع سنين قمرية أو يبلغ خمس عشرة سنة تامة قمرية عند الشافعي، وثماني عشرة عند أبي حنيفة.

وهذان مشتركان بين الغلام والجارية ولها أمارتان أخريان: الحيض أو الحبل، ولطفل الكفار أمارة زائدة هي إنبات الشعر الخشن على العانة.

وأما الإيناس ففي اللغة الإبصار.

والمراد في الآية التبين والعرفان.

والرشد خلاف الغيّ.

ومعنى قوله: ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ اختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف قبل البلوغ، ومن هنا قال أبو حنيفة: تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة لأن الابتلاء المأمور به قبل بلوغهم إنما يحصل إذا إذن له في البيع والشراء.

وقال الشافعي: الابتلاء قبل البلوغ لا يقتضي الإذن في التصرف لأن الإذن يتوقف على دفع المال إليهم، ولكن لا يصح دفع المال إليهم لأنه موقوف على الشرطين.

بل المراد بالابتلاء اختبار عقله واستبراء حاله حسبما يليق بكل طائفة.

فولد التاجر يختبر في البيع والشراء بحضوره، ثم باستكشاف ذلك البيع والشراء منه وما فيهما من المصالح والمفاسد.

وقد يدفع إليه شيئاً ليبيع أو يشتري فيعرف بذلك مقدار فهمه وعقله، ثم الولي بعد ذلك يتم العقد لو أراد.

وولد الزارع يختبر في أمر المزارعة والإنفاق على القوّام بها، وولد المحترف فيما يتعلق بحرفته، والمرأة في أمر القطن والغزل وحفظ الأقمشة وصون الأطعمة عن الهرة والفأرة وما أشبهها.

ولا يكفي المرة الواحدة في الاختبار بل لا بد من مرتين وأكثر على ما يليق بالحال ويفيد غلبة الظن أنه رشد نوعاً من الرشد يختص بحاله، لا الرشد من جميع الوجوه وعلى أكمل ما يمكن ولهذا ورد منكراً.

وقد ظهر مما ذكرنا أنه لا بد بعد البلوغ من الرشد فيما يتعلق بصلاح ماله بحيث لا يقدر الغير على خديعته.

ثم إن أبا حنيفة قال: إذا بلغ مهتدياً إلى وجوه مصالح الدنيا فهو رشيد يدفع إليه ماله.

وقال الشافعي: لا بد مع ذلك من الاهتداء لمصالح الدين، فإن الفاسق لا يخلو من إتلاف المال في الوجوه الفاسدة المحرمة، وقد نفى الله  الرشد عن فرعون في قوله ﴿ وما أمر فرعون برشيد  ﴾ مع أنه كان يراعي مصالح الدنيا.

ويتفرع على القولين أن الشافعي يرى الحجر على الفاسق وأبا حنيفة لا يراه.

ثم إنه إذا بلغ غير رشيد واستمر على ذلك لم يدفع إليه ماله بالاتفاق إلى خمس وعشرين سنة، وفيما وراء ذلك خلاف.

فعند أصحاب أبي حنيفة وعند الشافعي لا يدفع إليه أبداً إلا بإيناس الرشد كما هو مقتضى الآية.

وعند أبي حنيفة يدفع لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسن ثماني عشرة سنة، فإيذا زادت عليها سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير أحوال الإنسان لقوله  : "مروهم بالصلاة لسبع" دفع إليه ماله، أونس منه رشد أو لم يؤنس.

ثم قال: ﴿ ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ﴾ مصدران في موضع الحال أي مسرفين ومبادرين كبرهم، أو مفعول لهما أي لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم، والإسراف التبذير ضد القصد والإمساك.

والكبر في السن وقد كبر الرجل بالكسر يكبر بالفتح كبراً أي أسن، وكبر بالضم يكبر كبراً وكبارة أي عظم.

نهاهم عن الإفراط في الإنفاق كما يشتهون قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيديهم ﴿ ومن كان غنياً فليستعفف ﴾ فليمتنع منه وليتركه.

وفي السين زيادة مبالغة كأنه طلب مزيد العفة ﴿ ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ وللعلماء خلاف في أن الوصي هل له أن ينتفع بمال اليتيم؟

قال الشافعي: له أن يأخذ قدر ما يحتاج إليه وبقدر أجرة عمله، لأن النهي في الآية عن الإسراف مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة، ولا سيما إذا كان فقيراً، ولما روي عن النبي  "أن رجلاً قال له: إن في حجري يتيماً أفآكل من ماله؟

قال: بالمعروف غير متأثل مالاً ولا واق مالك بماله.

قال: أفأضربه؟

قال: مما كنت ضارباً منه ولدك" وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمار وابن مسعود وعثمان بن حنيف: سلام عليكم.

أما بعد فإني قد رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار، وربعها لعبد الله بن مسعود، وربعها لعثمان ألا وإني قد أنزلت نفسي وإياكم من مال الله منزلة والي مال اليتيم، ﴿ من كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ .

وأيضاً قياساً على الساعي في أخذ الصدقات وجمعها فإنه يضرب له في تلك الصدقات بسهم، فكذا هنا.

وعن سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه قرضاً، ثم إذا أيسر قضاه، وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه.

وأكثر العلماء على أن هذا الافتراض إنما جاء في أصول الأموال من الذهب والفضة وغيرهما.

وأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب فمباح له إذا كان غير مضر بالمال.

وقال أبو بكر الرازي: الذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذه لا على سبيل القرض ولا على سبيل الابتداء، سواء كان غنياً أو فقيراً، واحتج بقوله  ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ وأجيب بأنها عامة.

وقوله: ﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ خاص والخاص مقدم على العام.

قال: ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ﴾ وأجيب بأن محل النزاع هو أن أكل الوصي مال اليتيم ظلم أو لا؟

قال: ﴿ وأن تقوموا لليتامى بالقسط ﴾ وهو أيضاً عين النزاع.

ثم اعلم أن الأئمة اتفقوا على أن الوصي إذا دفع المال إلى اليتيم بعد بلوغه رشيداً فالأولى والأحوط أن يشهد عليه إظهاراً / للأمانة وبراءة من التهمة.

ولكن اختلفوا في أن الوصي إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه فهل هو مصدق؟

فقال أبو حنيفة وأصحابه: يصدق بيمينه كسائر الأمناء.

وقال مالك والشافعي: لا يصدق إلا بالبينة لأنه  نص على الإشهاد فقال: ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ وظاهر الأمر للوجوب، ولأنه أمين من جهة الشرع لا من جهة اليتيم، وليس له نيابة عامة كالقاضي، ولا كمال الشفقة كالأب.

نعم يصدق في قدر النفقة وفي عدم التقتير والإسراف لعسر إقامة البينة على ذلك وتنفيره الناس عن قبول الوصاية ﴿ وكفى بالله حسيباً ﴾ أي كافياً في الشهادة عليكم بالدفع والقبض، أو محاسباً كالشريب بمعنى المشارب، وفيه تهديد للولي ولليتم أن يتصادقوا ولا يتكاذبوا.

والباء في ﴿ بالله ﴾ زائدة نظراً إلى أصل المعنى وهي كفى الله.

و ﴿ حسيباً ﴾ نصب على التمييز، ويحتمل الحال.

ثم من ههنا شرع في بيان المواريث والفرائض.

قال ابن عباس: "إن أوس بن ثابت الانصاري توفي وترك امرأة يقال لها أم كجة وثلاث بنات له منها.

فقام رجلان - هما ابنا عم الميت ووصياه سويد وعرفجة - فأخذا ماله ولم يعيطيا امرأته ولا بناته شيئاً، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكراً، إنما يورثون الرجال الكبار وكانوا يقولون لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة، قال: فجاءت أم كجة إلى رسول الله  فقالت: يا رسول الله، إن أوس بن ثابت مات وترك لي بنات وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالاً حسناً وهو عند سويد وعرفجة ولم يعطياني ولا بناته من المال شيئاً.

فدعاهما رسول الله صلى الله وسلم فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً، ولا يحمل كلاً، ولا ينكي عدوّاً.

فقال رسول الله  : انصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن.

فانصرفوا فأنزل الله ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ الآية.

فبعث إليهما لا تقربا من مال أوس شيئاً فإن الله قد جعل لهن نصيباً، ولم يبين حتى يتبين فنزلت ﴿ يوصيكم الله ﴾ فأعطى أم كجة الثمن، والبنات الثلثين، والباقي ابني العم" .

وسبب الإجمال في الآية ثم التفصيل فيما بعد، هو أن الفطام من المألوف شديد، والتدرج في الأمور دأب الحكيم، وهكذا قد نزل الأحكام والتكاليف شيئاً بعد شيء إلى أن كملت الشريعة الحقة وتم الدين الحنيفي ﴿ مما قل منه أو كثر ﴾ بدل ﴿ مما ترك ﴾ تكرير العامل و ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ نصب على الاختصاص تقديره أعني نصيباً ومقطوعاً مقدراً لا بد لهم أن يحوزوه، أو على المصدر المؤكد كأنه قيل: قسمة مفروضة.

احتج بعض أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام كالعمات والخالات والأخوال وأولاد البنات، لأن الكل من الأقربين.

غاية ما في الباب أن مقدار أنصبائهم غير مذكور ههنا إلا أنا / نثبت بالآية استحقاقهم لأصل النصيب، ونستفيد المقادير من سائر الدلائل.

وأجيب بأنه  قال: ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ وبالإجمال ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر.

وايضاً الواجب عندهم ما علم ثبوته بدليل مظنون، والمفروض ما علم بدليل قاطع، وتوريث ذوي الأرحام ليس من هذا القبيل بالاتفاق، فعرفنا أنه غير مراد من الآية.

وأيضاً ليس المراد بالأقربين من له قرابة ما وإن كانت بعيدة وإلا دخل جميع أولاد آدم فيه.

فالمراد إذن أقرب الناس إلى الوارث، وما ذاك إلا الوالدين والأولاد.

ودخول الوالدين في الأقربين يكون كدخول النوع في الجنس، فلا يلزم تكرار والله  أعلم.

قال المفسرون: أنه  لما ذكر في الآية للنساء أسوة بالرجال في أن لهن حظاً من الميراث، وعلم أن في الأقارب من يرث وفيهم من لا يرث وربما حضروا القسمة فلا يحسن حرمانهم قال: ﴿ وإذا حضر القسمة أولو القربى ﴾ الآية.

ثم منهم من قال بوجوبه ومنهم من قال باستحبابه.

وعلى الوجوب فعن سعيد بن المسيب والضحاك أنها منسوخة بآية المواريث، وعن أبي موسى الأشعري وإبراهيم النخعي والشعبي والزهري ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير أنها محكمة لكنها مما تهاون به الناس، قال الحسن: أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات واليتامى والمساكين من الورق والذهب، فإذا آل الأمر إلى قسمة الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك قالوا لهم قولاً معروفاً.

كانوا يقولون لهم: ارجعوا بورك فيكم.

وعلى الاستحباب وهو مذهب فقهاء الأمصار اليوم قالوا: إن هذا الرضخ يستحب إذا كانت الورثة كباراً، أما إذا كانوا صغاراً فليس إلا القول المعروف كأن يقول الولي: إني لا أملك هذا المال إنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعرفون ما عليهم من الحق، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم.

والضمير في ﴿ منه ﴾ إما أن يعود إلى ما ترك، وإما إلى الميراث بدليل ذكر القسمة.

وقيل: المراد قسمة الوصية.

وإذا حضرها من لا يرث من الأقرباء واليتامة والمساكين، أمر الله الموصي أن يجعل لهم نصيباً من تلك الوصية ويقول لهم مع ذلك قولاً معروفاً.

وقيل: أولو القربى الوارثون واليتامى والمساكين الذين لا يرثون.

وقوله: ﴿ وقولوا لهم ﴾ راجع إلى هؤلاء الذين لا يرثون.

ويحكى هذا القول عن سعيد بن جبير.

﴿ وليخش الذين لو تركوا ﴾ الجملة الشرطية وهي "لو" مع ما في حيزه صلة الذين.

والمعنى ليخشى الذين من صفتهم وحالهم أنهم لو تركوا ذرية ضعافاً خافوا عليهم, وأما المخشى فغير منصوص عليه.

قال بعض المفسرين: هم الأوصياء أمروا بأن يخشوا الله فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافاً، أو أمروا بأن يخشوا على اليتامى من الضياع كما يخشون على أولادهم لو تركوهم، وعلى هذا فيكون القول السديد أي الصواب.

القصد أن لا يؤذوا اليتامى ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالقول الجميل ويدعوهم بيا بني ويا ولدي، وهذا القول أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام.

نبههم الله على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها ليكون ذلك أجدر ما يدعوهم إلى حفظ مال اليتيم كما قال القائل: لقد زاد الحياة إليّ حباً *** بناتي إنهن من الضعاف أحاذر أن يرين البؤس بعدي *** وأن يشربن رنقاً بعد صافي وقيل: هم الذين يجلسون إلى المريض فيقولون: إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئاً.

فقدِّم مالك، ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن يستغرق المال بالوصايا.

فأمروا بأن يخشوا ربهم ويخشوا على أولاد المريض خوفهم على أولاد أنفسهم لو كانوا.

وعلى هذا تكون الآية نهياً للحاضرين عن الترغيب في الوصية.

والقول السديد أن يقولوا للمريض لا تسرف في الوصية فتجحف بأولادك مثل قول رسول الله  لسعد: "الثلث كثير" .

وكان الصحابة  م يستحبون أن لا تبلغ الوصية الثلث وإن الخمس أفضل من الربع والربع من الثلث.

وقيل: يجوز أن تتصل الآية بما قبلها فيكون أمراً للورثة بالشفقة على الذين يحضرون القسمة من الضعفاء، وأن يتصوروا أنهم لو كانوا أولادهم خافوا عليهم الحرمان.

وعن حبيب بن ثابت سألت مقسماً عن الآية.

فقال: هو الرجل الذي يحضره الموت ويريد الوصية للأجانب فيقول له من كان عنده: اتق الله وأمسك على ولدك مالك.

مع أن ذلك الإنسان يحب أن يوصي له.

وعلى هذا يكون نهياً عن الوصية ولا يساعده قوله: ﴿ لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ﴾ ثم أكد الوعيد في باب إهمال مال اليتيم فقال ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ﴾ أي ظالمين أو على وجه الظلم من ولاة السوء وقضاته لا بالمعروف ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ﴾ أي ملء بطونهم ناراً أي ما يجر إلى النار وكأنه نار في الحقيقة.

وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه، فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا.

وعن أبي سعيد الخدري أن النبي  قال: "رأيت ليلة أسري بي قوماً لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من النار يخرج من أسافلهم فقال جبريل: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً" ﴿ وسيصلون ﴾ من قرأ بفتح الياء فهو من صلى فلان النار بالكسر يصلى صلياً احترق.

ومن قرأ بالضم فمعناه الإلقاء في النار لأجل الإحراق من الإصلاء.

وقد يشدد من التصلية والمعنى واحد.

والسعير النار، وسعرت النار والحرب هيجتها وألهبتها فهي سعير أي مسعورة.

والتنكير للتعظيم أي ناراً مبهمة الوصف لا يعلم شدتها إلا خالقها.

قالت المعتزلة: لا يجوز أن يدخل تحت هذا الوعيد آكل اليسير من / ماله، بل لا بد أن يكون مقدار خمسة دراهم لأنه القدر الذي وقع عليه الوعيد في آية الكنز في منع الزكاة ولا بد مع ذلك من عدم التوبة.

فقيل لهم: إنكم خالفتم هذا العموم من وجهين: من جهة شرط عدم التوبة، ومن جهة شرط عدم كونه صغيرة، فلم لا يجوز لنا أن نزيد فيه شرط عدم العفو؟

وههنا نكتة وهي أنه أوعد مانع الزكاة بالكي، وآكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار.

ولا شك أن هذا الوعيد أشد، والسبب فيه أن الفقير غير مالك لجزء من النصاب حتى يملكه المالك، واليتيم مالك لماله فكان منع اليتيم أشنع.

وأيضاً الفقير يقدر على الاكتساب من وجه آخر أو على السؤال، واليتيم عاجز عنهما فكان ضعفه أظهر وهذا من كمال عنايته  بالضعفاء فنرجو أن يرحم ذلنا وضعفنا بعزته وقوته.

التأويل: ذكر الناسين بدء خلقهم بالأشباح والأرواح فخلقوا بالأشباح من آدم، وبالأرواح من روح محمد  .

قال: أول ما خلق الله روحي فهو أبو الأرواح.

وخلق من الروح زوجه وهي النفس، خلقها من أدنى شعاع من أشعة أنوار روح محمد  ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ﴾ أرواحاً كاملين ﴿ ونساء ﴾ أرواحاً ناقصات ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به ﴾ أي اتقوه أن تساءلوا به غيره ﴿ والأرحام ﴾ ولا تقطعوا رحم رحمتي بصلة غيري ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ تزكية عن آفة الحرص والحسد والدناءة والخسة والطمع وتحلية بالقناعة والمروءة وعلو الهمة والعافية ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ تزكية عن آفة الخيانة والخديعة وتحلية بالأمانة وسلامة الصدر ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ تزكية عن الجور وتحلية بالعدل، فإن اجتماع هذه الرذائل كان حوباً كبيراً حجاباً عظيماً ﴿ فانكحوا ما طاب لكم ﴾ تزكية عن الفاحشة وتحلية بالعفة ﴿ ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾ تزكية عن الحدة والغضب، وتحلية بالسكون والحلم ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ تزكية عن البخل والغدر وتحلية بالوفاء والكرم ﴿ فكلوه هنيئاً ﴾ تزكية عن الكبر والأنفة وتحلية بالتواضع والشفقة.

فهذه كلها إشارات إلى تربية يتامى القلوب والنفوس بإيتاء حقوق تزكيتهم عن هذه الأوصاف وتحليتهم بهذه الأخلاق.

ثم نهى عن إيتاء النفوس الأمارة حظوظها فقال: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء ﴾ وإنما قال: ﴿ أموالكم ﴾ لأن الخطاب مع العقلاء والصلحاء وقد خلق الله الدنيا لأجلهم أن الأرض يرثها عبادي الصالحون.

﴿ وارزقوهم فيها ﴾ قدر ما يسد الجوعة ﴿ واكسوهم ﴾ ما يستر العورة وما زاد فإسراف في حق النفس ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ كنحو: أكلت رزق الله فأدّي شكر نعمته بامتثال أوامره نواهيه وإلا أذيبي طعامك بذكر الله كما قال  : " "أذيبوا طعامكم بذكر الله " .

﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ أي قلوب السائرين بأدنى توسع في المعيشة بعد أن كانوا محجورين عن التصرف ﴿ حتى إذا بلغوا ﴾ مبلغ الرجال البالغين ﴿ فإن آنستم منهم / رشداًَ ﴾ بأن استمروا بذلك التوسع على السير وزادوا في اجتهادهم وجدهم كما قال الجنيد: أشبع الزنجي وكدّه ﴿ فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ فالعبد في هذا المقام يكون جائز التصرف في مماليك سيده كالعبد المأذون، ولهذا قال ههنا ﴿ أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً ﴾ أي فإن آنستم يا أولياء الطريقة من المريدين البالغين رشد التصرف في أصحاب الإرادة فادفعوا إليهم عنان التصرف بإجازة الشيخوخية، ولا تجعلوا الشيخوخية مأكلة لكم غيرة وغبطة عليهم أن يكبروا بالشيخوخة.

﴿ ومن كان غنياً ﴾ بالله من قوة الولاية مستظهراً بالعناية ﴿ فليستعفف ﴾ عن الانتفاع بصحبتهم، ﴿ ومن كان فقيراً ﴾ مفتقراً إلى ولاية المريد ﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ فلينتفع بإعانته وليجزله بالشيخوخية مع الإمداد في الظاهر والباطن ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم ﴾ سلمتم إليهم مقام الشيخوخية ﴿ فأشهدوا عليهم ﴾ الله ورسوله وأرواح المشايخ وأوصوهم برعاية حقوقها مع الله والخلق.

ثم أخبر عن نصيب كل نسيب فقال: ﴿ للرجال ﴾ وهم الأقوياء من الطلبة ﴿ وللنساء ﴾ وهم الضعفاء ﴿ نصيب مما ترك الولدان والأقربون ﴾ وهم المشايخ والإخوان في الله وتركتهم بركتهم وأنوارهم ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ على قدر استعدادهم ﴿ وإذا حضر القسمة ﴾ أي في محافل صحبتهم ومجالس ذكرهم ﴿ أولو القربى ﴾ المنتمون إليهم المقتبسون من أنوارهم والمقتفون لآثارهم ﴿ فارزقوهم ﴾ من مواهب بركاتهم ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ في التشويق وإرشاد الطريق وتقرير هوان الدنيا عند الله، وعزة أهل الله في الدارين.

﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعفاً ﴾ من متوسطي المريدين أو المبتدئين ﴿ خافوا عليهم ﴾ آفات المفارقة بسفر أو موت ﴿ فليتقوا الله ﴾ أي يوصونهم بالتقوى وأن يقولوا قولاً سديداً هو لا إله إلاَّ الله.

فإن التقوى ومداومة الذكر خطوتان يوصلان العبد إلى الله ﴿ إن الذين يأكلون ﴾ يضيعون أطفال الطريقة بعدم التربية ورعاية وظائف النصيحة ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ﴾ نار الحسرة والغرامة يوم لا تنفع الندامة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ﴾ .

في كل ما كان الخطاب للكفرة: ذكر الله -  وتعالى - على أثره حُجج وحدانيته، ودلائل ربوبيته؛ لأنهم لم يعرفوا ربهم، من نحو ما ذكر: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ...

﴾ الآية، وكقوله -  -: ﴿ يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ...

 ﴾ ، وكقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا  ﴾ ، ونحوه كثير: ذكر الحجج والدلائل التي بها يوصل إلى معرفة الصانع وتوحيده؛ لينظروا فيها وليتفكروا؛ فيعرفوا بها خالقهم وإلههم.

وفي كل ما كان الخطابُ للمؤمنين: لم يذكرْ حجج الوحدانية، ولا دلائل الربوبية؛ لأنهم قد عرفوا ربهم قبل الخطاب، ولكن ذكر على أثره نعمه التي أنعمها عليهم، وثوابه الذي وعد لهم، نحو قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ * وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً...

﴾ إلى آخر ما ذكر [آل عمران: 102-103]، ذكر نعمه التي أنعمها عليهم، وكقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ...

﴾ كذا إلى [آخر] ما ذكر [الحديد: 28]؛ على هذا يخرج الخطاب في الأغلب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ﴾ .

قيل: اتقوا عذابه ونقمته.

وقيل: اتقوا عصيانه في أمره ونهيه.

وقيل: اتقوا الله بحقه في أمره ونهيه.

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ .

أضاف خلقنا إلى آدم؛ إذ [صورة] الإنسان في النطفة.

قال: دلت إضافة خلقنا من آدم - وإن لم تكن أنفسنا مستخرجة منه - على أمرين: أحدهما جوازُ إضافة الشيء إلى الأصل الذي إليه المرجع، وإنْ بَعُدَ ذلك عن الراجع إليه؛ على التوالد والتتابع.

والثاني: أنَّا لم نكن بأبداننا فيه، وإن أضيف خلقنا إليه؛ إذ لو كنا فيه لكُنَّا منه بحق الإخراج لا بحق الخلق منه.

وذلك يبطل قول من يجعل صورة الإنسان في النطفة مع الإحالة أن يكون معنانا في التراب أو النطفة؛ إذ هما من الموات الخارج من احتمال الدرك، ونحن أحياء داركون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ﴾ .

أي: فرق، ونشر، وأظهر منهما أولاداً كثيراً: ذكوراً وإناثاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ ﴾ .

قوله: ﴿ تَسَآءَلُونَ بِهِ ﴾ ، أي: اتقوا الله الذي تساءلون بعضكم من بعض، أي: يسأل بعضكم من بعض الحوائج والحقوق به، يقول: أسألك بوجه الله، وبحق الله، وبالله.

ويسأل بعضكم من بعض بالرحم، يقول الرجل لآخر: أسألك بالرَّحم وبالقرابة أن تعطيني.

وقوله: ﴿ وَٱلأَرْحَامَ ﴾ ، روي عن ابن عباس -  -: يقول: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ ﴾ ، واتقوا في الأرحام وصلوها.

وقرئ بالنصب والخفض: ﴿ وَٱلأَرْحَامَ ﴾ : فمن قرأ بالنصب يقول: اتقوا الله فلا تعصوه، واتقوه الأرحام فلا تقطعوها.

ومن قرأ بالخفض يقول: اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام.

وروي في الخبر أن النبي  قال: "اتَّقُوا اللهَ وَصِلُوا الأَرْحَامَ؛ فإِنَّهُ أَتْقَى لَكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَخَيْرٌ لَكُمْ فِي الآخِرَةِ" .

والآية في الظاهر على العظة والتنبيه.

وكذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾ .

هو على التنبيه والاتعاظ.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الناس، اتقوا ربكم، فهو الذي خلقكم من نفس واحدة هي أبوكم آدم، وخلق من آدم زوجه حواء أمكم، ونشر منهما في أقطار الأرض بشرًا كثيرًا ذكورًا وإناثًا، واتقوا الله الذي يسأل بعضكم بعضًا به بأن يقول: أسألك بالله أن تفعل كذا، واتقوا قَطْع الأرحام التي تربط بينكم، إن الله كان عليكم رقيبًا، فلا يفوته شيء من أعمالكم، بل يحصيها ويجازيكم عليها.

<div class="verse-tafsir" id="91.xP9vq"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

افتتح سبحانه السورة بتذكير الناس المخاطبين بأنهم من نفس واحدة فكان هذا تمهيدًا وبراعة مطلع؛ لما في السورة من أحكام القرابة بالنسب والمصاهرة وما يتعلق بذلك من أحكام الأنكحة والمواريث، فبينّ القرابة العامة بالإجمال ثم ذكر الأرحام وشرع بعد ذلك في تفصيل الأحكام المتعلقة بها.

وسميت سورة النساء لأنها افتتحت بذكر النساء وبعض الأحكام المتعلقة بهن، وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ  ﴾ خطاب عام ليس خاصًا بقوم دون قوم فلا وجه لتخصيصها بأهل مكة كما فعل المفسر (الجلال) لا سيما مع العلم بأن السورة مدنية إلا آية واحدة فيها شك هل هي مدنية أم مكية، ولفظ الناس اسم لجنس البشر قيل أصله "أناس" فحذفت الهمزة عند إدخال الألف واللام عليه.

﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ  ﴾ ظاهرة، فإن الخلق أثر القدرة ومن كان متصفًا بهذه القدرة العظيمة جدير بأن يتقى ويحذر عصيانه، كذا قال بعضهم.

وأحسن من هذا أن يقال إن هذا تمهيد لما يأتي من أحكام اليتامى ونحوها كأنه يقول يا أيها الناس خافوا الله واتقوا اعتداء ما وضعه لكم من حدود الأعمال، واعلموا أنكم أقرباء يجمعكم نسب واحد، وترجعون إلى أصل واحد فعليكم أن تعطفوا على الضعيف كاليتيم الذي فقد والده وتحافظوا على حقوقه.

وليس المراد بالنفس الواحدة آدم بالنص ولا بالظاهر، فمن المفسرين من يقول إن كل نداء مثل هذا يراد به أهل مكة أو قريش فإذا صح هذا هنا جاز أن يفهم منه بنوا قريش أن النفس الواحدة هي قريش أو عدنان، وإذا قلنا إن الخطاب لجميع أهل الدعوة إلى الإسلام، أي لجميع الأمم، فلا شك أن كل أمة تفهم منه ما تعتقده، فالذين يعتقدون أن جميع البشر من سلالة آدم يفهمون أن المراد بالنفس الواحدة آدم، والذين يعتقدون أن لكل صنف من البشر أبًا يحملون النفس على ما يعتقدون (والأصناف الكبرى هي الأبيض القوقاسي، والأصفر المغولي، والأسود الزنجي، وغيره، وبعض فروع هذا تكاد تكون أصولًا كالأحمر الحبشي، والهندي الأمريكي، والملقي).

والقرينة على أنه ليس المراد هنا بالنفس الواحدة آدم قوله ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً  ﴾ بالتنكير وكان المناسب على هذا الوجه أن يقول وبث منها جميع الرجال والنساء.

وكيف ينص على نفس معهودة والخطاب عام لجميع الشعوب وهذا العهد ليس معروفًا عند جميعهم فمن الناس من لا يعرفون آدم ولا حواء ولم يسمعوا بهما، وهذا النسب المشهور عند ذرية نوح مثلًا هو مأخوذ عن العبرانيين فإنهم هم الذين جعلوا للبشر تاريخًا متصلًا بآدم وحددوا له زمنًا قريبًا، وأهل الصين ينسبون البشر إلى أب آخر ويذهبون بتاريخه إلى زمن أبعد من الزمن الذي ذهب إليه العبرانيون.

والعلم والبحث في آثار البشر مما يطعن في تاريخ العبرانيين، ونحن المسلمين لا نكلف تصديق تاريخ اليهود وإن عزوه إلى موسى  فإنه لا ثقة عندنا بأنه من التوراة وأنه بقي كما جاء به موسى.

نحن لا نحتج على ما وراء مدركات الحس والعقل إلا بالوحي الذي جاء به نبينا  ، وإننا نقف عند هذا الوحي لا نزيد ولا ننقص، كما قلنا مرات كثيرة، وقد أبهم الله تعالى ههنا أمر النفس التي خلق الناس منها وجاء بها نكرة فندعها على إبهامها، فإذا ثبت ما يقوله الباحثون من الإفرنج من أن لكل صنف من أصناف البشر أبًا كان ذلك غير وارد على كتابنا كما يرد على كتابهم التوراة لما فيها من النص الصريح في ذلك، وهو مما حمل باحثيهم على الطعن في كونها من عند الله تعالى ووحيه.

وما ورد في آيات أخرى من مخاطبة الناس بقوله: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ  ﴾ لا ينافي هذا ولا يعد نصًا قاطعًا في كون جميع البشر من أبنائه إذ يكفي في صحة الخطاب أن يكون من وجه إليهم في زمن التنزيل من أولاد آدم، وقد تقدم في تفسير قصة آدم في أوائل سورة البقرة أنه كان في الأرض قبله نوع من هذا الجنس فسدوا فيها وسفكوا الدماء.

﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً  ﴾ نكر رجالًا ونساء وأكد هذا بقوله كثيرًا إشارة إلى كثرة الأنواع، وإلى أنه ليس المراد بالتثنية في قوله "منهما" آدم وحواء بل كل زوجين، وهو ينطبق على ما قلناه في تفسير الجملة السابقة، ثم إن ذكر خلق الزوج بعد ذكر خلق الناس لا يقتضي تأخره عنه في الزمن فإن العطف بالواو لا يفيد الترتيب ولا ينافي كون الكلام مرتبًا متناسقًا كما تطلب البلاغة، فإنه جاء على أسلوب التفصيل بعد الإجمال.

يقول إنه خلقكم من نفس واحدة فهذا إجمال فصله ببيان كونه خلق من جنس تلك النفس زوجًا لها، وجعل النسل من الزوجين كليهما فجميع سلائل البشر متولدة من زوجين ذكر وأنثى.

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ  ﴾ إن الأرحام إما منصوب عطفًا على لفظ الجلالة وإما مجرورة عطفًا على الضمير في "به" وهو جائز بنص هذه الآية على هذه القراءة، وهي متواترة خلافًا لبعضهم.

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا  ﴾ إن الله تعالى ذكرنا هنا بمراقبته لنا؛ لتنبيهنا إلى الإخلاص، يعني أن من تذكر أن الله مشرف عليه مراقب لأعماله كان جديرًا بأن يتقيه ويلتزم حدوده.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر