تفسير الرازي سورة النساء

الإسلام > القرآن > تفسير > الرازي > تفسير سورة النساء

تفسيرُ سورةِ النساء كاملةً من تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) (فخر الدين الرازي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 949 دقيقة قراءة

تفسير سورة النساء كاملةً (فخر الدين الرازي)

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا ١

اعلم أن هذه السورة مشتملة على أنواع كثيرة من التكاليف، وذلك لأنه تعالى أمر الناس في أول هذه السورة بالتعطف على الأولاد والنساء والأيتام، والرأفة بهم وإيصال حقوقهم إليهم وحفظ أموالهم عليهم، وبهذا المعنى ختمت السورة، وهو قوله: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة  ﴾ وذكر في أثناء هذه السورة أنواعا أخر من التكاليف، وهي الأمر بالطهارة والصلاة وقتال المشركين ولما كانت هذه التكاليف شاقة على النفوس لثقلها على الطباع، لا جرم افتتح السورة بالعلة التي لأجلها يجب حمل هذه التكاليف الشاقة، وهي تقوى الرب الذي خلقنا والاله الذي أوجدنا، فلهذا قال: ﴿ يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: روى الواحدي عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا أَيُّهَا الناس ﴾ أن هذا الخطاب لأهل مكة، وأما الأصوليون من المفسرين فقد اتفقوا على أن الخطاب عام لجميع المكلفين، وهذا هو الأصح لوجوه: أحدها: أن لفظ الناس جمع دخله الألف واللام فيفيد الاستغراق.

وثانيها: أنه تعالى علل الأمر بالاتقاء بكونه تعالى خالقاً لهم من نفس واحدة، وهذه العلة عامة في حق جميع المكلفين بأنهم من آدم عليه السلام خلقوا بأسرهم، وإذا كانت العلة عامة كان الحكم عاما.

وثالثها: أن التكليف بالتقوى غير مختص بأهل مكة، بل هو عام في حق جميع العالمين، وإذا كان لفظ الناس عاما في الكل، وكان الأمر بالتقوى عاما في الكل، وكانت علة هذا التكليف، وهي كونهم خلقوا من النفس الواحدة عامة في حق الكل، كان القول بالتخصيص في غاية البعد.

وحجة ابن عباس أن قوله: ﴿ واتقوا الله الذي تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام ﴾ مختص بالعرب لأن المناشدة بالله وبالرحم عادة مختصة بهم.

فيقولون أسألك بالله وبالرحم، وأنشدك الله والرحم، وإذا كان كذلك كان قوله: ﴿ واتقوا الله الذي تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام ﴾ مختصا بالعرب، فكان أول الآية وهو قوله: ﴿ أَيُّهَا الناس ﴾ مختصا بهم لأن قوله في أول الآية: ﴿ اتقوا رَبَّكُمُ ﴾ وقوله بعد ذلك: ﴿ واتقوا الله الذي تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام ﴾ وردا متوجهين إلى مخاطب واحد، ويمكن أن يجاب عنه بأنه ثبت في أصول الفقه أن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها، فكان قوله: ﴿ يا أَيُّهَا الناس ﴾ عاما في الكل، وقوله: ﴿ واتقوا الله الذي تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام ﴾ .

خاصاً بالعرب.

المسألة الثانية: أنه تعالى جعل هذا المطلع مطلعا لسورتين في القرآن: إحداهما: هذه السورة وهي السورة الرابعة من النصف الأول من القرآن.

والثانية: سورة الحج، وهي أيضا السورة الرابعة من النصف الثاني من القرآن، ثم إنه تعالى علل الأمر بالتقوى في هذه السورة بما يدل على معرفة المبدأ، وهو أنه تعالى خلق الخلق من نفس واحدة، وهذا يدل على كمال قدرة الخالق وكمال علمه وكمال حكمته وجلاله، وعلل الأمر بالتقوى في سورة الحج بما يدل على كمال معرفة المعاد، وهو قوله: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيء عَظِيمٌ  ﴾ فجعل صدر هاتين السورتين دلالة على معرفة المبدأ ومعرفة المعاد، ثم قدم السورة الدالة على المبدأ على السورة الدالة على المعاد، وتحت هذا البحث أسرار كثيرة.

المسألة الثالثة: اعلم أنه تعالى أمرنا بالتقوى وذكر عقبيه أنه تعالى خلقنا من نفس واحدة، وهذا مشعر بأن الأمر بالتقوى معلل بأنه تعالى خلقنا من نفس واحدة، ولا بد من بيان المناسبة بين هذا الحكم وبين ذلك الوصف، فنقول: قولنا إنه تعالى خلقنا من نفس واحدة، مشتمل على قيدين: أحدهما: أنه تعالى خلقنا، والثاني: كيفية ذلك التخليق، وهو أنه تعالي إنما خلقنا من نفس واحدة، ولكل واحد من هذين القيدين أثر في وجوب التقوى.

أما القيد الأول: وهو أنه تعالى خلقنا، فلا شك أن هذا المعنى علة لأن يجب علينا الانقياد لتكاليف الله تعالى والخضوع لأوامره ونواهيه، وبيان ذلك من وجوه: الأول: أنه لما كان خالقا لنا وموجداً لذواتنا وصفاتنا فنحن عبيده وهو مولى لنا، والربوبية توجب نفاذ أوامره على عبيده، والعبودية توجب الانقياد للرب والموجد والخالق.

الثاني: أن الإيجاد غاية الإنعام ونهاية الإحسان، فإنك كنت معدوما فأوجدك، وميتا فأحياك، وعاجزا فأقدرك.

وجاهلا فعلمك، كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ الذي خلقني فهو يهدين والذين هو يطعمني ويسقين ﴾ فلما كانت النعم بأسرها من الله سبحانه وجب على العبد أن يقابل تلك النعم بإظهار الخضوع والانقياد، وترك التمرد والعناد، وهذا هو المراد بقوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ  ﴾ الثالث: وهو أنه لما ثبت كونه موجدا وخالقاً وإلها وربا لنا.

وجب علينا أن نشتغل بعبوديته وأن نتقي كل ما نهى عنه وزجر عنه، ووجب أن لا يكون شيء من هذه الأفعال موجباً ثواباً ألبتة، لأن هذه الطاعات لما وجبت في مقابلة النعم السالفة امتنع أن تصير موجبة للثواب، لأن أداء الحق إلى المستحق لا يوجب شيئاً آخر، هذا إذا سلمنا أن العبد أتى بتلك الطاعات من عند نفسه ابتداء، فكيف وهذا محال، لأن فعل الطاعات لا يحصل إلا إذا خلق الله القدرة على الطاعة، وخلق الداعية على الطاعة، ومتى حصلت القدرة والداعي كان مجموعهما موجبا لصدور الطاعة عن العبد، وإذا كان كذلك كانت تلك الطاعة إنعاما من الله على عبده، والمولى إذا خص عبده بإنعام لم يصر ذلك الإنعام موجبا عليه إنعاماً آخر، فهذا هو الاشارة إلى بيان أن كونه خالقاً لنا يوجب علينا عبوديته والاحتراز عن مناهيه.

وأما القيد الثاني: وهو أن خصوص كونه خالقاً لنا من نفس واحدة يوجب علينا الطاعة والاحتراز عن المعصية، فبيانه من وجوه: الأول: أن خلق جميع الأشخاص الانسانية من الإنسان الواحد أدل على كمال القدرة، من حيث أنه لو كان الأمر بالطبيعة والخاصية لكان المتولد من الإنسان الواحد، لم يكن إلا أشياء متشاكلة في الصفة متشابهة في الخلقة والطبيعة، فلما رأينا في أشخاص الناس الأبيض والأسود والأحمر والأسمر والحسن والقبيح والطويل والقصير، دل ذلك على أن مدبرها وخالقها فاعل مختار، لا طبيعة مؤثرة، ولا علة موجبة، ولما دلت هذه الدقيقة على أن مدبر العالم فاعل مختار قادر على كل الممكنات عالم بكل المعلومات، فحينئذ يجب الانقياد لتكاليفه وأوامره ونواهيه، فكان ارتباط قوله: ﴿ اتقوا رَبَّكُمُ ﴾ بقوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ في غاية الحسن والانتظام.

والوجه الثاني: وهو أنه تعالى لما ذكر الأمر بالتقوى ذكر غقبيه الأمر بالاحسان إلى اليتامى والنساء والضعفاء، وكون الخلق بأسرهم مخلوقين من نفس واحدة له أثر في هذا المعنى، وذلك لأن الأقارب لابد وأن يكون بينهم نوع مواصلة ومخالطة توجب مزيد المحبة، ولذلك ان الإنسان يفرح بمدح أقاربه وأسلافه، ويحزن بذمهم والطعن فيهم، وقال عليه الصلاة والسلام: «فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها».

وإذا كان الأمر كذلك، فالفائدة في ذكر هذا المعنى أن يصير ذلك سبباً لزيادة شفقة الخلق بعضهم على البعض.

الوجه الثالث: أن الناس اذا عرفوا كون الكل من شخص واحد تركوا المفاخرة والتكبر وأظهروا التواضع وحسن الخلق.

الوجه الرابع: أن هذا يدل على المعاد، لأنه تعالى لما كان قادرا على أن يخرج من صلب شخص واحد أشخاصا مختلفين، وأن يخلق من قطرة من النطفة شخصا عجيب التركيب لطيف الصورة، فكيف يستبعد إحياء الأموات وبعثهم ونشورهم، فتكون الآية دالة على المعاد من هذا الوجه ﴿ لِيَجْزِىَ الذين أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى  ﴾ .

الوجه الخامس: قال الأصم: الفائدة فيه: أن العقل لا دليل فيه على أن الخلق يجب أن يكونوا مخلوقين من نفس واحدة، بل ذلك إنما يعرف بالدلائل السمعية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمياً ما قرأ كتابا ولا تتلمذ لأستاذ، فلما أخبر عن هذا المعنى كان إخبارا عن الغيب فكان معجزا، فالحاصل أن قوله: ﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ دليل على معرفة التوحيد، وقوله: ﴿ مّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ دليل على معرفة النبوة.

فان قيل: كيف يصح أن يكون الخلق أجمع من نفس واحدة مع كثرتهم وصغر تلك النفس؟

قلنا: قد بين الله المراد بذلك لأن زوج آدم اذا خلقت من بعضه، ثم حصل خلق أولاده من نطفتهما ثم كذلك أبدا، جازت إضافة الخلق أجمع الى آدم.

المسألة الرابعة: أجمع المسلمون على أن المراد بالنفس الواحدة هاهنا هو آدم عليه السلام، إلا أنه أنث الوصف على لفظ النفس، ونظيره قوله تعالى: ﴿ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ  ﴾ وقال الشاعر: أبوك خليفة ولدته أخرى *** فأنت خليفة ذاك الكمال قالوا فهذا التأنيث على لفظ الخليفة.

قوله تعالى: ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: المراد من هذا الزوج هو حواء، وفي كون حواء مخلوقة من آدم قولان: الأول: وهو الذي عليه الأكثرون أنه لما خلق الله آدم ألقى عليه النوم، ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى، فلما استيقط رآها ومال اليها وألفها، لأنها كانت مخلوقة من جزء من أجزائه، واحتجوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها».

والقول الثاني: وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني: أن المراد من قوله: ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ أي من جنسها وهو كقوله تعالى: ﴿ والله جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا  ﴾ وكقوله: ﴿ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ  ﴾ وقوله: ﴿ لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ  ﴾ قال القاضي: والقول الأول أقوى، لكي يصح قوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين، لا من نفس واحدة، ويمكن أن يجاب عنه بأن كلمة من لابتداء الغاية، فلما كان ابتداء التخليق والايجاد وقع بآدم عليه السلام صح أن يقال: خلقكم من نفس واحدة، وأيضا فلما ثبت أنه تعالى قادر على خلق آدم من التراب كان قادرا أيضا على خلق حواء من التراب، وإذا كان الأمر كذلك، فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم.

المسألة الثانية: قال ابن عباس: إنما سمي آدم بهذا الاسم لأنه تعالى خلقه من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها؛ فلذلك كان في ولده الأحمر والأسود والطيب والخبيث والمرأة إنما سميت بحواء لأنها خلقت من ضلع من أضلاع آدم فكانت مخلوقة من شيء حي، فلا جرم سميت بحواء.

المسألة الثالثة: احتج جمع من الطبائعيين بهذه الآية فقالوا: قوله تعالى: ﴿ خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ يدل على أن الخلق كلهم مخلوقون من النفس الواحدة، وقوله: ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ يدل على أن زوجها مخلوقة منها، ثم قال في صفة آدم: ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ  ﴾ فدل على أن آدم مخلوق من التراب، ثم قال في حق الخلائق: ﴿ مِنْهَا خلقناكم  ﴾ وهذه الآيات كلها دالة على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة يصير الشيء مخلوقا منها، وأن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال.

أجاب المتكلمون فقالوا: خلق الشيء من الشيء محال في العقول، لأن هذا المخلوق إن كان عين ذلك الشيء الذي كان موجودا قبل ذلك لم يكن هذا مخلوقا ألبتة، واذا لم يكن مخلوقا امتنع كونه مخلوقا من شيء آخر، وإن قلنا: إن هذا المخلوق مغاير للذي كان موجوداً قبل ذلك، فحينئذ هذا المخلوق وهذا المحدث إنما حدث وحصل عن العدم المحض، فثبت أن كون الشيء مخلوقا من غيره محال في العقول، وأما كلمة ﴿ مِنْ ﴾ في هذه الآية فهو مفيد ابتداء الغاية، على معنى أن ابتداء حدوث هذه الأشياء من تلك الأشياء لا على وجه الحاجة والافتقار، بل على وجه الوقوع فقط.

المسألة الرابعة: قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ وَخَالَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا ﴾ بلفظ اسم الفاعل، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره هو خالق.

قوله تعالى: ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء ﴾ .

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: بث منهما: يريد فرق ونشر، قال ابن المظفر: البث تفريقك الأشياء، يقال: بث الخيل في الغارة وبث الصياد كلابه، وخلق الله الخلق فبثهم في الأرض، وبثثت البسط إذا نشرتها، قال الله تعالى: ﴿ وَزَرَابِيّ مَبْثُوثَةٌ ﴾ قال الفراء والزجاج: وبعض العرب يقول: أبث الله الخلق.

المسألة الثانية: لم يقل: وبث منهما الرجال والنساء لأن ذلك يوجب كونهما مبثوثين عن نفسهما وذلك محال، فلهذا عدل عن هذا اللفظ إلى قوله: ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء ﴾ .

فان قيل: لم لم يقل: وبث منهما رجالا كثيراً ونساء كثيراً؟

ولم خصص وصف الكثرة بالرجال دون النساء؟

قلنا: السبب فيه والله أعلم أن شهرة الرجال أتم، فكانت كثرتهم أظهر، فلا جرم خصوا بوصف الكثرة، وهذا كالتنبيه على أن اللائق بحال الرجال الاشتهار والخروج والبروز، واللائق بحال النساء الاختفاء والخمول.

المسألة الثالثة: الذين يقولون: إن جميع الأشخاص البشرية كانوا كالذر، وكانوا مجتمعين في صلب آدم عليه السلام، حملوا قوله: ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء ﴾ على ظاهره، والذين أنكروا ذلك قالوا: المراد بث منهما أولادهما ومن أولادهما جمعا آخرين، فكان الكل مضافا اليهما على سبيل المجاز.

قوله تعالى: ﴿ واتقوا الله الذي تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾ .

فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿ تَسَاءلُونَ ﴾ بالتخفيف والباقون بالتشديد، فمن شدد أراد: تتساءلون فأدغم التاء في السين لاجتماعهما في أنهما من حروف اللسان وأصول الثنايا واجتماعهما في الهمس، ومن خفف حذف تاء تتفاعلون لاجتماع حروف متقاربة، فأعلها بالحذف كما أعلها الأولون بالإدغام، وذلك لأن الحروف المتقاربة إذا اجتمعت خففت تارة بالحذف وأخرى بالإدغام.

المسألة الثانية: قرأ حمزة وحده ﴿ والأرحام ﴾ بجر الميم قال القفال رحمه الله: وقد رويت هذه القراءة عن غير القراء السبعة عن مجاهد وغيره، وأما الباقون من القراء فكلهم قرؤا بنصب الميم.

وقال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ والأرحام ﴾ بالحركات الثلاث، أما قراءة حمزة فقد ذهب الأكثرون من النحويين إلى أنها فاسدة، قالوا: لأن هذا يقتضي عطف المظهر على المضمر المجرور وذلك غير جائز.

واحتجوا على عدم جوازه بوجوه: أولها: قال أبو علي الفارسي: المضمر المجرور بمنزلة الحرف، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر عليه، إنما قلنا المضمر المجرور بمنزلة الحرف لوجوه: الأول: أنه لا ينفصل ألبتة كما أن التنوين لا ينفصل، وذلك أن الهاء والكاف في قوله: به، وبك لا ترى واحدا منفصلا عن الجار ألبتة فصار كالتنوين.

الثاني: أنهم يحذفون الياء من المنادى المضاف في الاختيار كحذفهم التنوين من المفرد، وذلك كقولهم: يا غلام، فكان المضمر المجرور مشابها للتنوين من هذا الوجه، فثبت أن المضمر المجرور بمنزلة حرف التنوين، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر عليه لأن من شرط العطف حصول المشابهة بين المعطوف والمعطوف عليه، فإذا لم تحصل المشابهة هاهنا وجب أن لا يجوز العطف.

وثانيها: قال علي بن عيسى: إنهم لم يستحسنوا عطف المظهر على المضمر المرفوع.

فلا يجوز أن يقال: اذهب وزيد، وذهبت وزيد بل يقولون: يا غلام، فكان المضمر المجرور مشابها للتنوين من هذا الوجه، فثبت أن المضمر المجرور بمنزلة حرف التنوين، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر عليه لأن من شرط العطف حصول المشابهة بين المعطوف والمعطوف عليه، فإذا لم تحصل المشابهة هاهنا وجب أن لا يجوز العطف.

وثانيها: قال علي بن عيسى: إنهم لم يستحسنوا عطف المظهر على المضمر المرفوع.

فلا يجوز أن يقال: اذهب وزيد، وذهبت وزيد بل يقولون: اذهب أنت وزيد، وذهبت أنا وزيد.

قال تعالى: ﴿ فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا  ﴾ مع ان المضمر المرفوع قد ينفصل، فاذا لم يجز عطف المظهر على المضمر المجرور مع انه أقوى من المضمر المجرور بسبب أنه قد ينفصل، فلأن لا يجوز عطف المظهر على المضمر المجرور مع أنه ألبتة لا ينفصل كان أولى.

وثالثها: قال أبو عثمان المازني: المعطوف والمعطوف عليه متشاركان، وإنما يجوز عطف الأول على الثاني لو جاز عطف الثاني على الأول، وهاهنا هذا المعنى غير حاصل، وذلك لأنك لا تقول: مررت بزيدوك، فكذلك لا تقول مررت بك وزيد.

واعلم أن هذه الوجوه ليست وجوها قوية في دفع الروايات الواردة في اللغات، وذلك لأن حمزة أحد القراء السبعة، والظاهر أنه لم يأت بهذه القراءة من عند نفسه، بل رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يوجب القطع بصحة هذه اللغة، والقياس يتضاءل عند السماع لا سيما بمثل هذه الأقيسة التي هي أوهن من بيت العنكبوت، وأيضا فلهذه القراءة وجهان: أحدهما: أنها على تقدير تكرير الجار، كأنه قيل تساءلون به وبالأرحام.

وثانيها: أنه ورد ذلك في الشعر وأنشد سيبويه في ذلك: فاليوم قد بت تهجونا وتشتمنا *** فاذهب فما بك والأيام من عجب وأنشد أيضا: نعلق في مثل السواري سيوفنا *** وما بينها والكعب غوط نفانف والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون إثبات هذه اللغة بهذين البيتين المجهولين ولا يستحسنون إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد، مع أنهما كانا من أكابر علماء السلف في علم القرآن.

واحتج الزجاج على فساد هذه القراءة من جهة المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تحلفوا بآبائكم» فإذا عطفت الأرحام على المكنى عن اسم الله اقتضى ذلك جواز الحلف بالارحام، ويمكن الجواب عنه بأن هذا حكاية عن فعل كانوا يفعلونه في الجاهلية لأنهم كانوا يقولون: أسألك بالله والرحم، وحكاية هذا الفعل عنهم في الماضي لا تنافي ورود النهي عنه في المستقبل، وأيضاً فالحديث نهي عن الحلف بالآباء فقط، وهاهنا ليس كذلك، بل هو حلف بالله أولا ثم يقرن به بعده ذكر الرحم، فهذا لا ينافي مدلول ذلك الحديث، فهذا جملة الكلام في قراءة قوله: ﴿ والأرحام ﴾ بالجر.

أما قراءته بالنصب ففيه وجهان: الأول: وهو اختيار أبي علي الفارسي وعلي بن عيسى أنه عطف على موضع الجار والمجرور كقوله: فلسنا بالجبال ولا الحديدا *** والثاني: وهو قول أكثر المفسرين: أن التقدير: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد والفراء والزجاج، وعلى هذا الوجه فنصب الأرحام بالعطف على قوله: ﴿ الله ﴾ أي: اتقوا الله واتقوا الأرحام أي اتقوا حق الأرحام فصلوها ولا تقطعوها قال الواحدي رحمه الله: ويجوز أيضاً أن يكون منصوبا بالاغراء، أي والأرحام فاحفظوها وصلوها كقولك: الأسد الأسد، وهذا التفسير يدل على تحريم قطيعة الرحم، ويدل على وجوب صلتها.

وأما القراءة بالرفع فقال صاحب الكشاف: الرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف كأنه قيل: والأرحام كذلك على معنى والأرحام مما يتقى، أو والأرحام مما يتساءل به.

المسألة الثالثة: أنه تعالى قال أولا: ﴿ اتقوا رَبَّكُمُ ﴾ ثم قال بعده: ﴿ واتقوا الله ﴾ وفي هذا التكرير وجوه: الأول: تأكيد الأمر والحث عليه كقولك للرجل: اعجل اعجل فيكون أبلغ من قولك: اعجل الثاني: أنه أمر بالتقوى في الأول لمكان الإنعام بالخلق وغيره، وفي الثاني أمر بالتقوى لمكان وقوع التساؤل به فيما يلتمس البعض من البعض.

الثالث: قال أولا: ﴿ اتقوا رَبَّكُمُ ﴾ وقال ثانيا: ﴿ واتقوا الله ﴾ والرب لفظ يدل على التربية والإحسان، والاله لفظ يدل على القهر والهيبة، فأمرهم بالتقوى بناء على الترغيب، ثم أعاد الأمر به بناء على الترهيب كما قال: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً  ﴾ وقال: ﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً  ﴾ كأنه قيل: إنه رباك وأحسن إليك فاتق مخالفته لأنه شديد العقاب عظيم السطوة.

المسألة الرابعة: اعلم أن التساؤل بالله وبالأرحام قيل هو مثل أن يقال: بالله أسألك، وبالله أشفع إليك، وبالله أحلف عليك، إلى غير ذلك مما يؤكد المرء به مراده بمسألة الغير، ويستعطف ذلك الغير في التماس حقه منه أو نواله ومعونته ونصرته، وأما قراءة حمزة فهي ظاهرة من حيث المعنى، والتقدير: واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، لأن العادة جرت في العرب بأن أحدهم قد يستعطف غيره بالرحم فيقول: أسألك بالله والرحم، وربما أفرد ذلك فقال: أسألك بالرحم، وكان يكتب المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نناشدك الله والرحم أن لا تبعث إلينا فلانا وفلانا»، وأما القراءة بالنصب فالمعنى يرجع الى ذلك، والتقدير: واتقوا الله واتقوا الأرحام، قال القاضي: وهذا أحد ما يدل على أنه قد يراد باللفظ الواحد المعاني المختلفة، لأن معنى تقوى الله مخالف لمعنى تقوى الأرحام، فتقوى الله إنما يكون بالتزام طاعته واجتناب معاصيه، واتقاء الأرحام بأن توصل ولا تقطع فيما يتصل بالبر والافضال والاحسان، ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى لعله تكلم بهذه اللفظة مرتين، وعلى هذا التقدير يزول الاشكال.

المسألة الخامسة: قال بعضهم: اسم الرحم مشتق من الرحمة التي هي النعمة، واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تعالى أنا الرحمن وهي الرحم اشتققت اسمها من اسمي» ووجه التشبيه أن لمكان هذه الحالة تقع الرحمة من بعض الناس لبعض.

وقال آخرون: بل اسم الرحم مشتق من الرحم الذي عنده يقع الإنعام وأنه الأصل، وقال بعضهم: بل كل واحد منهما أصل بنفسه، والنزاع في مثل هذا قريب.

المسألة السادسة: دلت الآية على جواز المسألة بالله تعالى.

روى مجاهد عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سألكم بالله فأعطوه» وعن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع: منها إبرار القسم.

المسألة السابعة: دل قوله تعالى: ﴿ والأرحام ﴾ على تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها، قال تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ  ﴾ وقال: ﴿ لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً ﴾ قيل في الأول: إنه القرابة، وقال: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين إحسانا  ﴾ وقال: ﴿ واعبدوا الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إحسانا وَبِذِى القربى واليتامى والمساكين  ﴾ وعن عبد الرحمن بن عوف: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى أنا الرحمن وهي الرحم اشتققت اسمها من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء أطيع الله فيه أعجل ثوابا من صلة الرحم وما من عمل عصى الله به أعجل عقوبة من البغي واليمين الفاجرة».

وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر ويدفع بهما ميتة السوء ويدفع الله بهما المحذور والمكروه».

وقال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح».

قيل الكاشح العدو، فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها، ثم إن أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه بنوا على هذا الأصل مسألتين: إحداهما: أن الرجل إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه مثل الأخ والأخت، والعم والخال، قال لأنه لو بقي الملك لحل الاستخدام بالإجماع، لكن الاستخدام إيحاش يورث قطيعة الرحم، وذلك حرام بناء على هذا الأصل، فوجب أن لا يبقى الملك، وثانيهما: أن الهبة لذي الرحم المحرم لا يجوز الرجوع فيها لان ذلك الرجوع إيحاش يورث قطيعة الرحم، فوجب أن لا يجوز، والكلام في هاتين المسألتين مذكور في الخلافيات.

ثم أنه تعالى ختم هذه الآية بما يكون كالوعد والوعيد والترغيب والترهيب فقال: ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾ والرقيب هو المراقب الذي يحفظ عليك جميع أفعالك.

ومن هذا صفته فإنه يجب أن يخاف ويرجى، فبين تعالى أنه يعلم السر وأخفى، وأنه إذا كان كذلك يجب أن يكون المرء حذرا خائفا فيما يأتي ويترك.

<div class="verse-tafsir"

وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا۟ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبًۭا كَبِيرًۭا ٢

اعلم أنه لما افتتح السورة بذكر ما يدل على أنه يجب على العبد أن يكون منقادا لتكاليف الله سبحانه، محترزا عن مساخطه، شرع بعد ذلك في شرح أقسام التكاليف.

فالنوع الأول: ما يتعلق بأموال اليتامى، وهو هذه الآية، وأيضا أنه تعالى وصى في الآية السابقة بالأرحام، فكذلك في هذه الآية وصى بالأيتام، لأنهم قد صاروا بحيث لا كافل لهم ولا مشفق شديد الإشفاق عليهم، ففارق حالهم حال من له رحم ماسة عاطفة عليه لمكان الولادة أو لمكان الرحم فقال: ﴿ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: اليتامى الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم، واليتم الانفراد، ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة، وقيل: اليتم في الأناسي من قبل الآباء، وفي البهائم من قبل الأمهات.

قال: وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء الانفراد عن الآباء، إلا أن في العرف اختص هذا الاسم بمن لم يبلغ مبلغ الرجال، فاذا صار بحيث يستغني بنفسه في تحصيل مصالحه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره، زال عنه هذا الاسم، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يتيم أبي طالب، إما على القياس، وإما على حكاية الحال التي كان عليها حين كان صغيرا ناشئا في حجر عمه توضيعا له.

وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يتم بعد حلم» فهو تعليم الشريعة لا تعليم اللغة، يعني إذا احتلم فإنه لا تجرى عليه أحكام الصغار.

وروى أبو بكر الرازي في أحكام القرآن أن جده كتب إلى ابن عباس يسأله عن اليتيم متى ينقطع يتمه؟

فكتب إليه: إذا أونس منه الرشد انقطع يتمه، وفي بعض الروايات: أن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه يتمه بعد، فأخبر ابن عباس أن اسم اليتيم قد يلزمه بعد البلوغ اذا لم يؤنس منه الرشد، ثم قال أبو بكر: واسم اليتيم قد يقع على المرأة المفردة عن زوجها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تستأمر اليتيمة» وهي لا تستأمر إلا وهي بالغة، قال الشاعر: ان القبور تنكح الأيامى *** النسوة الأرامل اليتامى فالحاصل من كل ما ذكرنا أن اسم اليتيم بحسب أصل اللغة يتناول الصغير والكبير، إلا أنه بحسب العرف مختص بالصغير.

المسألة الثانية: هاهنا سؤال وهو أن يقال: كيف جمع اليتيم على يتامى؟

واليتيم فعيل، والفعيل يجمع على فعلى، كمريض ومرضى وقتيل وقتلى وجريح وجرحى، قال صاحب الكشاف: فيه وجهان: أحدهما: أن يقال: جمع اليتيم يتمى، ثم يجمع فعلى على فعالى، كأسير وأسرى وأسارى، والثاني: أن يقال: جمع يتيم يتائم، لأن اليتيم جار مجرى الأسماء نحو صاحب وفارس، ثم يقلب اليتائم يتامى.

قال القفال رحمه الله: ويجوز يتيم ويتامى، كنديم وندامى، ويجوز أيضا يتيم وأيتام كشريف وأشراف.

المسألة الثالثة: هاهنا سؤال ثان: وهو أنا ذكرنا أن اسم اليتيم مختص بالصغير، فما دام يتيما لا يجوز دفع ماله اليه، وإذا صار كبيراً بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيما، فكيف قال: ﴿ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم ﴾ والجواب عنه على طريقين: الأول: أن نقول المراد من اليتامى الذين بلغوا أو كبروا ثم فيه وجهان: أحدهما: أنه تعالى سماهم يتامى على مقتضى أصل اللغة، والثاني: أنه تعالى سماهم باليتامى لقرب عهدهم باليتم وإن كان قد زال في هذا الوقت كقوله تعالى: ﴿ فَأُلْقِىَ السحرة ساجدين  ﴾ أي الذين كانوا سحرة قبل السجود، وأيضاً سمى الله تعالى مقاربة انقضاء العدة، بلوغ الأجل في قوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ  ﴾ والمعنى مقاربة البلوغ، ويدل على أن المراد من اليتامى في هذه الآية البالغون قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ  ﴾ والإشهاد لا يصح قبل البلوغ وإنما يصح بعد البلوغ.

الطريق الثاني: أن نقول: المراد باليتامى الصغار، وعلى هذا الطريق ففي الآية وجهان: أحدهما: أن قوله: ﴿ وآتُواْ ﴾ أمر، والأمر إنما يتناول المستقبل، فكان المعنى أن هؤلاء الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتم عنهم أموالهم، وعلى هذا الوجه زالت المناقضة.

والثاني: المراد: وآتوا اليتامى حال كونهم يتامى ما يحتاجون إليه لنفقتهم وكسوتهم، والفائدة فيه أنه كان يجوز أن يظن أنه لا يجوز إنفاق ماله عليه حال كونه صغيرا، فأباح الله تعالى ذلك، وفيه إشكال وهو أنه لو كان المراد ذلك لقال: وآتوهم من أموالهم، فلما أوجب إيتاءهم كل أموالهم سقط ذلك.

المسألة الرابعة: نقل أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن الحسن أنه قال: لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم وعزلوا أموال اليتامى عن أموالهم، فشكوا ذلك الى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وإن تخالطوهم فإخوانكم  ﴾ قال أبو بكر الرازي: وأظن أنه غلط من الراوي، لأن المراد بهذه الآية إيتاؤهم أموالهم بعد البلوغ وإنما غلط الراوي بآية أخرى، وهو ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أنزل الله ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ  ﴾ و ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً  ﴾ ذهب من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فاشتد ذلك على اليتامى، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وإن تخالطوهم فاخوانكم ﴾ فخلطوا عند ذلك طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم.

قال المفسرون: الصحيح أنها نزلت في رجل من غطفان، كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه، فتراجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير، ودفع ماله اليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره» أي جنته، فلما قبض الصبي ماله أنفقه في سبيل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثبت الأجر وبقي الوزر» فقالوا: يا رسول الله لقد عرفنا أنه ثبت الأجر، فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟

فقال: ثبت أجر الغلام وبقي الوزر على والده.

المسألة الخامسة: احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على أن السفيه، لا يحجر عليه بعد الخمس والعشرين، قال لأن قوله: ﴿ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم ﴾ مطلق يتناول السفيه أونس منه الرشد أو لم يؤنس ترك العمل به قبل الخمس والعشرين سنة لاتفاق العلماء على أن إيناس الرشد قبل بلوغ هذا السن، شرط في وجوب دفع المال إليه، وهذا الإجماع لم يوجد بعد هذا السن، فوجب إجراء الأمر بعد هذا السن على حكم ظاهر هذه الآية.

أجاب أصحابنا عنه: بأن هذه الآية عامة، لأنه تعالى ذكر اليتامى فيها جملة، ثم إنهم ميزوا بعد ذلك بقوله: ﴿ وابتلوا اليتامى  ﴾ وبقوله: ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم  ﴾ حرم بهاتين الآيتين إيتاءهم أموالهم إذا كانوا سفهاء، ولا شك أن الخاص مقدم على العام.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب ﴾ .

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: ولا تتبدلوا، أي ولا تستبدلوا، والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز، ومنه التعجل بمعنى الاستعجال، والتأخر بمعنى الاستئخار.

وقال الواحدي رحمه الله: يقال: تبدل الشيء بالشيء إذا أخذه مكانه.

المسألة الثانية: في تفسير هذا التبدل وجوه: الوجه الأول: قال الفراء والزجاج: لا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى، بالحلال وهو مالكم الذي أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض، فتأكلوه مكانه.

الثاني: لا تستبدلوا الأمر الخبيث، وهو اختزال أموال اليتامى، بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع منها وهو قول الأكثرين أنه كان ولي اليتيم يأخذ الجيد من ماله ويجعل مكانه الدون، يجعل الزائف بدل الجيد، والمهزول بدل السمين، وطعن صاحب الكشاف في هذا الوجه، فقال: ليس هذا بتبدل إنما هو تبديل إلا أن يكارم صديقا له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي.

الرابع: هو أن هذا التبدل معناه: أن يأكلوا مال اليتيم سلفا مع التزام بدله بعد ذلك، وفي هذا يكون متبدلا الخبيث بالطيب.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم ﴾ وفيه وجهان: الأول: معناه ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم في الإنفاق حتى تفرقوا بين أموالكم وأموالهم في حل الانتفاع بها.

والثاني: أن يكون إلى بمعنى مع قال تعالى: ﴿ مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله  ﴾ أي مع الله، والأول: أصح.

واعلم أنه تعالى وإن ذكر الأكل، فالمراد به التصرف لأن أكل مال اليتيم كما يحرم، فكذا سائر التصرفات المهلكة لتلك الأموال محرمة، والدليل عليه أن في المال ما لا يصح أن يؤكل، فثبت أن المراد منه التصرف، وإنما ذكر الأكل لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف.

فإن قيل: إنه تعالى لما حرم عليهم أكل أموال اليتامى ظلما في الآية الأولى المتقدمة دخل فيها أكلها وحدها وأكلها مع غيرها، فما الفائدة في إعادة النهي عن أكلها مع أموالهم؟

قلنا: لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من حلال وهم مع ذلك يطمعون في أموال اليتامى، كان القبح أبلغ والذم أحق.

واعلم أنه تعالى عرف الخلق بعد ذلك أن أكل مال اليتيم من جميع الجهات المحرمة إثم عظيم فقال: ﴿ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً ﴾ قال الواحدي رحمه الله: الكناية تعود إلى الأكل، وذلك لأن قوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ ﴾ دل على الأكل والحوب الإثم الكبير.

قال عليه الصلاة والسلام: «إن طلاق أم أيوب لحوب» وكذلك الحوب والحاب ثلاث لغات في الاسم والمصدر قال الفراء: الحوب لأهل الحجاز، والحاب لتميم، ومعناه الاثم قال عليه الصلاة والسلام: «رب تقبل توبتي واغسل حوبتي» قال صاحب الكشاف: الحوب والحاب كالقول والقال.

قال القفال: وكأن أصل الكلمة من التحوب وهو التوجع، فالحوب هو ارتكاب ما يتوجع المرتكب منه، وقال البصريون: الحوب بفتح الحاء مصدر، والحوب بالضم الاسم، والحوبة، المرة الواحدة، ثم يدخل بعضها في البعض كالكلام فإنه اسم، ثم يقال: قد كلمته كلاما فيصير مصدرا.

قال صاحب الكشاف: قرأ الحسن حوبا، وقرئ: حابا.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟ ٣

اعلم أن هذا من النوع الثاني من الأحكام التي ذكرها في هذه السورة وهو حكم الأنكحة وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: الأقساط العدل، يقال أقسط الرجل إذا عدل، قال الله تعالى: ﴿ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين  ﴾ والقسط العدل والنصفة، قال تعالى: ﴿ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط  ﴾ قال الزجاج: وأصل قسط وأقسط جميعا من القسط وهو النصيب، فاذا قالوا: قسط بمعنى جار أرادوا أنه ظلم صاحبه في قسطه الذي يصيبه، ألا ترى أنهم قالوا: قاسطته إذا غلبته على قسطه، فبنى قسط على بناء ظلم وجار وغلب، وإذا قالوا أقسط فالمراد أنه صار ذا قسط عدل، فبنى على بناء أنصف إذا أتى بالنصف والعدل في قوله وفعله وقسمه.

المسألة الثانية: اعلم أن قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ ﴾ شرط وقوله: ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء ﴾ جزاء، ولا بد من بيان أنه كيف يتعلق هذا الجزاء بهذا الشرط، وللمفسرين فيه وجوه: الأول: روي عن عروة أنه قال: قلت لعائشة: ما معنى قول الله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِي اليتامى ﴾ فقالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها، إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها، ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة رديئة لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها، فقال تعالى: وإن خفتم أن تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء، قالت عائشة رضي الله عنها: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النساء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يتامى النساء  ﴾ قالت: وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يتامى النساء  ﴾ المراد منه هذه الآية وهي قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ ﴾ .

الوجه الثاني: في تأويل الآية: انه لما نزلت الآية المتقدمة في اليتامى وما في أكل أموالهم من الحوب الكبير، خاف الأولياء أن يلحقهم الحوب بترك الاقساط في حقوق اليتامى، فتحرجوا من ولايتهم، وكان الرجل منهم ربما كان تحته العشر من الأزواج وأكثر، فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهن، فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها، فكونوا خائفين من ترك العدل من النساء، فقالوا عدد المنكوحات، لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب لمثله فكأنه غير متحرج.

الوجه الثالث: في التأويل: أنهم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم في حق اليتامى فكونوا خائفين من الزنا، فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات.

الوجه الرابع: في التأويل: ما روي عن عكرمة أنه قال: كان الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام، فاذا أنفق مال نفسه على النسوة ولم يبق له مال وصار محتاجا، أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن فقال تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِي أموال اليتامى ﴾ عند كثرة الزوجات فقد حظرت عليكم أن لا تنكحوا أكثر من أربع كي يزول هذا الخوف، فان خفتم في الأربع أيضاً فواحدة، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع، والناقص وهو الواحدة، ونبه بذلك على ما بينهما، فكأنه تعالى قال: فان خفتم من الأربع فثلاث، فان خفتم فاثنتان، فان خفتم فواحدة، وهذا القول أقرب، فكأنه تعالى خوف من الاكثار من النكاح بما عساه يقع من الولي من التعدي في مال اليتيم للحاجة الى الانفاق الكثير عند التزوج بالعدد الكثير.

أما قوله تعالى: ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء مثنى وثلاث وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تَعْدِلُواْ فواحدة أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم ذلك أدنى أَن لا تَعُولُواْ ﴾ .

ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال أصحاب الظاهر: النكاح واجب وتمسكوا بهذه الآية، وذلك لأن قوله: ﴿ فانكحوا ﴾ أمر، وظاهر الأمر للوجوب، وتمسك الشافعي في بيان انه ليس بواجب بقوله تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم  ﴾ الى قوله: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ فحكم تعالى بأن ترك النكاح في هذه الصورة خير من فعله، وذلك يدل على أنه ليس بمندوب، فضلا عن أن يقال إنه واجب.

المسألة الثانية: إنما قال: ﴿ مَا طَابَ ﴾ ولم يقل: من طاب لوجوه: أحدها: أنه أراد به الجنس تقول: ما عندك؟

فيقول رجل أو امرأة، والمعنى ما ذلك الشيء الذي عندك، وما تلك الحقيقة التي عندك.

وثانيها: أن (ما) مع ما بعده في تقدير المصدر، وتقديره: فانكحوا الطيب من النساء.

وثالثها: ان ما ومن ربما يتعاقبان.

قال تعالى: ﴿ والسماء وَمَا بناها  ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ  ﴾ وحكى أبو عمرو بن العلاء: سبحان ما سبح له الرعد، وقال: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى على بَطْنِهِ  ﴾ .

ورابعها: إنما ذكر ما تنزيلا للاناث منزلة غير العقلاء.

ومنه: قوله: ﴿ إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم  ﴾ .

المسألة الثالثة: قال الواحدي وصاحب الكشاف: قوله: ﴿ مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ أي ما حل لكم من النساء لأن منهن من يحرم نكاحها، وهي الأنواع المذكورة في قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم وبناتكم  ﴾ وهذا عندي فيه نظر، وذلك لأنا بينا أن قوله: ﴿ فانكحوا ﴾ أمر إباحة.

فلو كان المراد بقوله: ﴿ مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ أي ما حل لكم لنزلت الآية منزلة ما يقال: أبحنا لكم نكاح من يكون نكاحها مباحا لكم: وذلك يخرج الآية عن الفائدة، وأيضاً فبتقدير أن تحمل الآية على ما ذكروه تصير الآية مجملة، لأن أسباب الحل والاباحة لما لم تكن مذكورة في هذه الآية صارت الآية مجملة لا محالة، أما إذا حملنا الطيب على استطابة النفس وميل القلب، كانت الآية عاما دخله التخصيص.

وقد ثبت في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين الاجمال والتخصيص كان رفع الاجمال أولى، لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجمل لا يكون حجة أصلا.

المسألة الرابعة: ﴿ مثنى وثلاث وَرُبَاعَ ﴾ معناه: اثنين اثنين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، وهو غير منصرف وفيه وجهان: الأول: أنه اجتمع فيها أمران: العدل والوصف، أما العدل فلأن العدل عبارة عن أنك تذكر كلمة وتريد بها كلمة أخرى، كما تقول: عمر وزفر وتريد به عامراً وزافرا، فكذا هاهنا تريد بقولك: مثنى: ثنتين ثنتين فكان معدولا، وأما أنه وصف، فدليله قوله تعالى: ﴿ أُوْلِى أَجْنِحَةٍ مثنى وثلاث ورباع  ﴾ ولا شك أنه وصف.

الوجه الثاني: في بيان أن هذه الأسماء غير منصرفة أن فيها عدلين لأنها معدولة عن أصولها كما بيناه، وأيضا انها معدولة عن تكررها فانك لا تريد بقولك: مثنى ثنتين فقط، بل ثنتين ثنتين، فاذا قلت: جاءني اثنان أو ثلاثة كان غرضك الاخبار عن مجيء هذا العدد فقط، أما إذا قلت: جاءني القوم مثنى أفاد أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين، فثبت أنه حصل في هذه الألفاظ نوعان من العدد فوجب أن يمنع من الصرف، وذلك لأنه إذا اجتمع في الاسم سببان أوجب ذلك منع الصرف، لأنه يصير لأجل ذلك نائبا من جهتين فيصير مشابها للفعل فيمتنع صرفه، وكذا إذا حصل فيه العدل من جهتين فوجب أن يمنع صرفه والله أعلم.

المسألة الخامسة: قال أهل التحقيق: ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء ﴾ لا يتناول العبيد وذلك لأن الخطاب إنما يتناول إنسانا متى طابت له امرأة قدر على نكاحها، والعبد ليس كذلك بدليل أنه لا يتمكن من النكاح إلا باذن مولاه، ويدل عليه القرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَيء  ﴾ فقوله: ﴿ لاَّ يَقْدِرُ على شَيء ﴾ ينفي كونه مستقلا بالنكاح، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام: «أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر».

فثبت بما ذكرناه أن هذه الآية لا يندرج فيها العبد.

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: ذهب أكثر الفقهاء إلى أن نكاح الأربع مشروع للأحرار دون العبيد، وقال مالك: يحل للعبد أن يتزوج بالأربع وتمسك بظاهر هذه الآية.

والجواب الذي يعتمد عليه: أن الشافعي احتج على أن هذه الآية مختصة بالأحرار بوجهين آخرين سوى ما ذكرناه: الأول: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تَعْدِلُواْ فواحدة أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ وهذا لا يكون إلا للأحرار، والثاني: أنه تعالى قال: ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً  ﴾ والعبد لا يأكل ما طابت عنه نفس امرأته من المهر، بل يكون لسيده قال مالك: إذا ورد عمومان مستقلان، فدخول التقييد في الأخير لا يوجب دخوله في السابق.

أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن هذه الخطابات في هذه الآيات وردت متوالية على نسق واحد فلما عرف في بعضها اختصاصها بالأحرار عرف أن الكل كذلك، ومن الفقهاء من علم أن ظاهر هذه الآية متناول للعبيد إلا أنهم خصصوا هذا العموم بالقياس، قالوا: أجمعنا على أن للرق تأثيراً في نقصان حقوق النكاح، كالطلاق والعدة، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يحصل للعبد نصف ما للحر، والجواب الأول أولى وأقوى والله أعلم.

المسألة السادسة: ذهب قوم سدى إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد، واحتجوا بالقرآن والخبر، أما القرآن فقد تمسكوا بهذه الآية من ثلاثة أوجه: الأول: أن قوله: ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء ﴾ إطلاق في جميع الأعداد بدليل أنه لا عدد إلا ويصح استثناؤه منه، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لكان داخلا.

والثاني: أن قوله: ﴿ مثنى وثلاث وَرُبَاعَ ﴾ لا يصلح تخصيصا لذلك العموم، لأن تخصيص بعض الاعداد بالذكر لا ينفي ثبوت الحكم في الباقي، بل نقول: ان ذكر هذه الأعداد يدل على رفع الحرج والحجر مطلقا، فان الإنسان إذا قال لولده: افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدينة وإلى البستان، كان تنصيصا في تفويض زمام الخيرة اليه مطلقاً، ورفع الحجر والحرج عنه مطلقاً، ولا يكون ذلك تخصيصاً للاذن بتلك الأشياء المذكورة، بل كان إذنا في المذكور وغيره فكذا هاهنا، وأيضاً فذكر جميع الأعداد متعذر، فاذا ذكر بعض الأعداد بعد قوله: ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء ﴾ كان ذلك تنبيها على حصول الاذن في جميع الأعداد.

والثالث: أن الواو للجمع المطلق فقوله: ﴿ مثنى وثلاث وَرُبَاعَ ﴾ يفيد حل هذا المجموع، وهو يفيد تسعة، بل الحق أنه يفيد ثمانية عشر، لان قوله: مثنى ليس عبارة عن اثنين فقط، بل عن اثنين اثنين وكذا القول في البقية.

وأما الخبر فمن وجهين: الأول: أنه ثبت بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم مات عن تسع، ثم ان الله تعالى أمرنا باتباعه فقال: ﴿ فاتبعوه ﴾ وأقل مراتب الأمر الاباحة.

الثاني: أن سنة الرجل طريقته، وكان التزوج بالأكثر من الأربع طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام، فكان ذلك سنة له، ثم انه عليه السلام قال: «فمن رغب عن سنتي فليس مني».

فظاهر هذا الحديث يقتضي توجه اللوم على من ترك التزوج بأكثر من الأربعة، فلا أقل من أن يثبت أصل الجواز.

واعلم أن معتمد الفقهاء في إثبات الحصر على أمرين: الأول: الخبر، وهو ما روي ان غيلان أسلم وتحته عشر نسوة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أمسك أربعا وفارق باقيهن»، وروي ان نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة فقال عليه السلام: «أمسك أربعا وفارق واحدة» واعلم أن هذا الطريق ضعيف لوجهين: الأول: أن القرآن لما دل على عدم الحصر بهذا الخبر كان ذلك نسخا للقرآن بخبر الواحد وإنه غير جائز.

والثاني: وهو أن الخبر واقعة حال، فلعله عليه الصلاة والسلام إنما أمره بامساك أربع ومفارقة البواقي لأن الجمع بين الأربعة وبين البواقي غير جائز، إما بسبب النسب، أو بسبب الرضاع، وبالجملة فلهذا الاحتمال قائم في هذا الخبر فلا يمكن نسخ القرآن بمثله.

الطريق الثاني: وهو إجماع فقهاء الامصار على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع وهذا هو المعتمد، وفيه سؤالان: الأول: أن الاجماع لا ينسخ ولا ينسخ، فكيف يقال: الاجماع نسخ هذه الآية.

الثاني: أن في الأمة أقواما شذاذا لا يقولون بحرمة الزيادة على الأربع، والاجماع مع مخالفة الواحد والاثنين لا ينعقد.

والجواب عن الأول: الاجماع يكشف عن حصول الناسخ في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن الثاني، أن مخالف هذا الاجماع من أهل البدعة فلا عبرة بمخالفته.

فان قيل: فاذا كان الأمر على ما قلتم فكان الأولى على هذا التقدير أن يقال: مثنى أو ثلاث أو رباع، فلم جاء بواو العطف دون أو؟

قلنا: لو جاء بكلمة أو لكان ذلك يقتضي أنه لا يجوز ذلك الا على أحد هذه الأقسام، وأنه لا يجوز لهم أن يجمعوا بين هذه الأقسام، بمعنى أن بعضهم يأتي بالتثنية، والبعض الآخر بالتثليث والفريق الثالث بالتربيع، فلما ذكره بحرف الواو أفاد ذلك أنه يجوز لكل طائفة أن يختاروا قسما من هذه الأقسام، ونظيره أن يقول الرجل للجماعة: اقتسموا هذا المال وهو ألف، درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، والمراد أنه يجوز لبعضهم أن يأخذ درهمين درهمين، ولبعض آخرين أن يأخذوا ثلاثة ثلاثة، ولطائفة ثالثة أن يأخذوا أربعة أربعة، فكذا هاهنا الفائدة في ترك أو وذكر الواو ما ذكرناه والله أعلم.

المسألة السابعة: قوله: ﴿ مثنى وثلاث وَرُبَاعَ ﴾ محله النصب على الحال مما طاب، تقديره: فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد، ثنتين ثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا.

قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فواحدة أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ .

وفيه مسائل: المسألة الأولى: المعنى: فان خفتم أن لا تعدلوا بين هذه الأعداد كما خفتم ترك العدل فيما فوقها، فاكتفوا بزوجة واحدة أو بالمملوكة، سوى في السهولة واليسر بين الحرة الواحدة وبين الاماء من غير حصر، ولعمري إنهن أقل تبعة وأخف مؤنة من المهائر، لا عليك أكثرت منهم أم أقللت، عدلت بينهن في القسم أم لم تعدل، عزلت عنهن أم لم تعزل.

المسألة الثانية: قرئ ﴿ فواحدة ﴾ بنصب التاء والمعنى: فالتزموا أو فاختاروا واحدة وذروا الجمع رأسا، فان الأمر كله يدور مع العدل، فأينما وجدتم العدل فعليكم به، وقرئ ﴿ فواحدة ﴾ بالرفع والتقدير: فكفت واحدة، أو فحسبكم واحدة أو ما ملكت أيمانكم.

المسألة الثالثة: للشافعي رحمه الله أن يحتج بهذه الآية في بيان الاشتغال بنوافل العبادات أفضل من النكاح، وذلك لأن الله تعالى خير في هذه الآية بين التزوج بالواحدة وبين التسري، والتخيير بين الشيئين مشعر بالمساواة بينهما في الحكمة المطلوبة، كما اذا قال الطبيب: كل التفاح أو الرمان، فان ذلك يشعر بكون كل واحد منهما قائما مقام الآخر في تمام الغرض، وكما أن الآية دلت على هذه التسوية، فكذلك العقل يدل عليها، لأن المقصود هو السكن والازدواج وتحصين الدين ومصالح البيت، وكل ذلك حاصل بالطريقين، وأيضاً إن فرضنا الكلام فيما اذا كانت المرأة مملوكة ثم أعتقها وتزوج بها، فهاهنا يظهر جدا حصول الاستواء بين التزوج وبين التسري، واذا ثبت بهذه الآية ان التزوج والتسري متساويان.

فنقول: أجمعنا على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري فوجب أن يكون أفضل من النكاح؛ لان الزائد على أحد المتساويين يكون زائد على المساوي الثاني لا محالة.

ثم قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ أدنى أَن لا تَعُولُواْ ﴾ وفيه مسألتان.

المسألة الأولى: المراد من الادنى هاهنا الاقرب، والتقدير: ذلك أقرب من أن لا تعولوا وحسن حذف من لدلالة الكلام عليه.

المسألة الثانية: في تفسير ﴿ أَن لا تَعُولُواْ ﴾ وجوه: الأول: معناه: لا تجوروا ولا تميلوا، وهذا هو المختار عند أكثر المفسرين، وروي ذلك مرفوعا، روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ ﴾ قال: (لا تجوروا) وفي رواية أخرى أن لا تميلوا قال الواحدي رحمه الله: كلا اللفظين مروي، وأصل العول الميل يقال: عال الميزان عولا، اذا مال، وعال الحاكم في حكمه اذا جار، لانه اذا جار فقد مال.

وأنشدوا لأبي طالب: بميزان قسط لا يغل شعيرة *** فصل ووزان صدق وزنه غير عائل وروي أن أعرابيا حكم عليه حاكم، فقال له: أتعول علي، ويقال: عالت الفريضة اذا زادت سهامها، وقد أعلتها أنا اذا ازدت في سهامها، ومعلوم أنها اذا زادت سهامها فقد مالت عن الاعتدال فدلت هذه الاشتقاقات على أن أصل هذا اللفظ الميل، ثم اختص بحسب العرف بالميل الى الجور والظلم.

فهذا هو الكلام في تقرير هذا الوجه الذي ذهب اليه الأكثرون.

الوجه الثاني: قال بعضهم: المراد أن لا تفتقروا، يقال: رجل عائل أي فقير، وذلك لأنه اذا قل عياله قلت نفقاته، واذا قلت نفقاته لم يفتقر.

الوجه الثالث: نقل عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: ﴿ ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾ معناه: ذلك أدنى أن لا تكثر عيالكم، قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن: وقد خطأه الناس في ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا خلاف بين السلف وكل من روى تفسير هذه الآية: أن معناه: أن لا تميلوا ولا تجوروا.

وثانيها: أنه خطأ في اللغة لأنه لو قيل: ذلك أدنى أن لا تعيلوا لكان ذلك مستقيما، فأما تفسير ﴿ تَعُولُواْ ﴾ بتعيلوا فانه خطأ في اللغة.

وثالثها: أنه تعالى ذكر الزوجة الواحدة أو ملك اليمين والاماء في العيال بمنزلة النساء، ولا خلاف أن له أن يجمع من العدد من شاء بملك اليمين، فعلمنا أنه ليس المراد كثرة العيال.

وزاد صاحب النظم في الطعن وجها رابعا، وهو أنه تعالى قال في أول الآية: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فواحدة ﴾ ولم يقل أن تفتقروا، فوجب أن يكون الجواب معطوفا على هذا الشرط، ولا يكون جوابه إلا بضد العدل، وذلك هو الجور لا كثرة العيال.

وأنا أقول: أما السؤال الأول: فهو في غاية الركاكة وذلك أنه لم ينقل عن الشافعي رحمة الله عليه أنه طعن في قول المفسرين أن معنى الآية: أن لا تجوروا ولا تميلوا، ولكنه ذكر فيه وجها آخر، وقد ثبت في أصول الفقه أن المتقدمين اذا ذكروا وجها في تفسير الآية فذلك لا يمنع المتأخرين من استخراج وجه آخر في تفسيرها، ولولا جواز ذلك وإلا لصارت الدقائق التي استنبطها المتأخرون في تفسير كلام الله مردودة باطلة، ومعلوم أن ذلك لا يقوله إلا مقلد خلف، وأيضا: فمن الذي أخبر الرازي أن هذا الوجه الذي ذكره الشافعي لم يذكره واحد من الصحابة والتابعين، وكيف لا نقول ذلك، ومن المشهور أن طاوساً كان يقرأ: ذلك أدنى أن لا تعيلوا، واذا ثبت أن المتقدمين كانوا قد جعلوا هذا الوجه قراءة، فبأن يجعلوه تفسيرا كان أولى، فثبت بهذه الوجوه شدة جهل الرازي في هذا الطعن.

وأما السؤال الثاني: فنقول: انك نقلت هذه اللفظة في اللغة عن المبرد، لكنك بجهلك وحرصك على الطعن في رؤساء المجتهدين والاعلام، وشدة بلادتك، ما عرفت ان هذا الطعن الذي ذكره المبرد فاسد، وبيان فساده من وجوه: الأول: أنه يقال: عالت المسألة اذا زادت سهامها وكثرة، وهذا المعنى قريب من الميل لانه اذا مال فقد كثرت جهات الرغبة وموجبات الارادة واذا كان كذلك كان معنى الآية: ذلك أدنى أن لا تكثروا، واذا لم تكثروا لم يقع الإنسان في الجور والظلم لان مطية الجور والظلم هي الكثرة والمخالطة، وبهذا الطريق يرجع هذا التفسير الى قريب من التفسير الأول الذي اختاره الجمهور.

الوجه الثاني: ان الإنسان اذا قال: فلان طويل النجاد كثير الرماد، فاذا قيل له ما معناه؟

حسن أن يقال: معناه أنه طويل القامة كثير الضيافة، وليس المراد منه أن تفسير طويل النجاد هو أنه طويل القامة، بل المراد أن المقصود من ذلك الكلام هو هذا المعنى.

وهذا الكلام تسميه علماء البيان التعبير عن الشيء بالكناية والتعريض، وحاصله يرجع الى حرف واحد وهو الاشارة الى الشيء بذكر لوازمه، فهاهنا كثرة العيال مستلزمة للميل والجور، والشافعي رضي الله عنه جعل كثرة العيال كناية عن الميل والجور، لما أن كثرة العيال لا تنفك عن الميل والجور، فجعل هذا تفسيراً له لا على سبيل الكناية والاستلزام، وهذه طريقة مشهورة في كتاب الله، والشافعي لما كان محيطاً بوجوه أساليب المطابقة، بل على سبيل الكلام العربي استحسن ذكر هذا الكلام، فأما أبو بكر الرازي لما كان بليد الطبع بعيدا عن أساليب كلام العرب، لا جرم لم يعرف الوجه الحسن فيه.

الوجه الثالث: ما ذكره صاحب الكشاف وهو أن هذا التفسير مأخوذ من قولك: عال الرجل عياله يعولهم.

كقولهم: مانهم يمونهم اذا أنفق عليهم، لان من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما تصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب، فثبت بهذه الوجوه أن الذي ذكره إمام المسلمين الشافعي رضي الله عنه في غاية الحسن، وأن الطعن لا يصدر الا عن كثرة الغباوة وقلة المعرفة.

وأما السؤال الثالث: وهو قوله: إن كثرة العيال لا تختلف بأن تكون المرأة زوجة أو مملوكة فجوابه من وجهين: الأول: ما ذكره القفال رضي الله عنه، وهو أن الجواري إذا كثرن فله أن يكلفهن الكسب، وإذا اكتسبن أنفقن على أنفسهن وعلى مولاهن أيضا، وحينئذ تقل العيال أما اذا كانت المرأة حرة لم يكن الامر كذلك فظهر الفرق.

الثاني: ان المرأة اذا كانت مملوكة فاذا عجز المولى عن الانفاق عليها باعها وتخلص منها، أما اذا كانت حرة فلابد له من الانفاق عليها، والعرف يدل على أن الزوج ما دام يمسك الزوجة فانها لا تطالبه بالمهر، فاذا حاول طلاقها طالبته بالمهر فيقع الزوج في المحنة.

وأما السؤال الرابع: وهو الذي ذكره الجرجاني صاحب النظم، فالجواب عنه من وجهين: الأول: ما ذكره القاضي وهو أن الوجه الذي ذكره الشافعي أرجح، لانه لو حمل على الجور لكان تكراراً لانه فهم ذلك من قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ ﴾ أما اذا حملناه على ما ذكره الشافعي لم يلزم التكرار فكان أولى.

الثاني: أن نقول: هب أن الامر كما ذكرتم لكنا بينا أن التفسير الذي ذكره الشافعي راجع عند التحقيق الى ذكر التفسير الأول، لكن على سبيل الكناية والتعريض، واذا كان الامر كذلك فقد زال هذا السؤال، فهذا تمام البحث في هذا الموضع، وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةًۭ ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍۢ مِّنْهُ نَفْسًۭا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًۭٔا مَّرِيٓـًۭٔا ٤

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وَءاتُواْ النساء ﴾ خطاب لمن؟

فيه قولان: أحدهما: ان هذا خطاب لأولياء النساء، وذلك لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي النساء من مهورهن شيئا، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت: هنيئا لك النافجة، ومعناه أنك تأخذ مهرها إبلاً فتضمها الى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه، وقال ابن الأعرابي: النافجة يأخذه الرجل من الحلوان اذا زوج ابنته، فنهى الله تعالى عن ذلك، وأمر بدفع الحق الى أهله، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن قتيبة.

القول الثاني: ان الخطاب للأزواج.

أمروا بايتاء النساء مهورهن، وهذا قول: علقمة والنخعي وقتادة واختيار الزجاج، قال لأنه لا ذكر للأولياء هاهنا، وما قبل هذا خطاب للناكحين وهم الأزواج.

المسألة الثانية: قال القفال رحمه الله: يحتمل أن يكون المراد من الايتاء المناولة، ويحتمل أن يكون المراد الالتزام، قال تعالى: ﴿ حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ  ﴾ والمعنى حتى يضمنوها ويلتزموها، فعلى هذا الوجه الأول كأن المراد أنهم أمروا بدفع المهور التي قد سموها لهن، وعلى التقدير الثاني: كان المراد أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلزم سواء سمي ذلك أو لم يسم، إلا ما خص به الرسول صلى الله عليه وسلم في الموهوبة، ثم قال رحمه الله: ويجوز أن يكون الكلام جامعا للوجهين معا، والله أعلم.

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: ﴿ صدقاتهن ﴾ مهورهن، وفي حديث شريح: قضى ابن عباس لها بالصدقة وقرأ ﴿ صدقاتهن ﴾ بفتح الصاد وسكون الدال على تخفيف صدقاتهن و ﴿ صدقاتهن ﴾ بضم الصاد وسكون الدال جمع صدقة، وقرئ ﴿ صدقاتهن ﴾ بضم الصاد والدال على التوحيد وهو مثقل صدقة كقوله في ظلمة: ظلمة، قال الواحدي: موضوع (ص د ق) على هذا الترتيب للكمال والصحة، فسمي المهر صداقاً وصدقة لأن عقد النكاح به يتم ويكمل.

المسألة الرابعة: في تفسير النحلة وجوه: الأول: قال ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد: فريضة، وإنما فسروا النحلة بالفريضة، لأن النحلة في اللغة معناها الديانة والملة والشرعة والمذهب، يقال: فلان ينتحل كذا إذا كان يتدين به، ونحلته كذا أي دينه ومذهبه، فقوله: ﴿ آتَوْا النساء صدقاتهن نِحْلَةً ﴾ أي آتوهن مهورهن، فانها نحلة أي شريعة ودين ومذهب وما هو دين ومذهب فهو فريضة.

الثاني: قال الكلبي: نحلة أي عطية وهبة، يقال: نحلت فلانا شيئاً أنحله نحلة ونحلا، قال القفال: وأصله إضافة الشيء إلى غير من هوله، يقال: هذا شعر منحول، أي مضاف إلى غير قائله، وانتحلت كذا إذا ادعيته وأضفته إلى نفسك، وعلى هذا القول فالمهر عطية ممن؟

فيه احتمالان: أحدهما: أنه عطية من الزوج، وذلك لأن الزوج لا يملك بدله شيئاً لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح كهو قبله، فالزوج أعطاها المهر ولم يأخذ منها عوضا يملكه، فكان في معنى النحلة التي ليس بازائها بدل، وإنما الذي يستحقه الزوج منها بعقد النكاح هو الاستباحة لا الملك، وقال آخرون إن الله تعالى جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركا بين الزوجين، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر فكان ذلك عطية من الله ابتداء.

والقول الثالث: في تفسير النحلة قال أبو عبيدة: معنى قوله: ﴿ نِحْلَةً ﴾ أي عن طيب نفس، وذلك لأن النحلة في اللغة العطية من غير أخذ عوض، كما ينحل الرجل لولده شيئاً من ماله، وما أعطى من غير طلب عوض لا يكون إلا عن طيب النفس، فأمر الله باعطاء مهور النساء من غير مطالبة منهن ولا مخاصمة، لأن ما يؤخذ بالمحاكمة لا يقال له نحلة.

المسألة الخامسة: إن حملنا النحلة على الديانة ففي انتصابها وجهان: أحدهما: أن يكون مفعولا له، والمعنى آتوهن مهورهن ديانة.

والثاني: أن يكون حالا من الصدقات أي دينا من الله شرعه وفرضه، وأما إن حملنا النحلة على العطية ففي انتصابها أيضاً وجهان: أحدهما: أنه نصب على المصدر، وذلك لأن النحلة والايتاء بمعنى الاعطاء، فكأنه قيل: وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة أي أعطوهن مهورهن عن طيبة أنفسكم.

والثاني: أنها نصب على الحال، ثم فيه وجهان: أحدهما: على الحال من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالاعطاء.

والثاني: على الحال من الصدقات، أي منحولة معطاة عن طيبة الأنفس.

المسألة السادسة: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: الخلوة الصحيحة تقرر المهر، وقال الشافعي رضي الله عنه: لا تقرره احتج أبو حنيفة على صحة قوله بهذه الآية، وذلك لأن هذا النص يقتضي إيجاب إيتاء المهر بالكلية مطلقا، ترك العمل به فيما إذا لم يحصل المسيس ولا الخلوة، فعند حصولهما وجب البقاء على مقتضى الآية.

أجاب أصحابنا بأن هذه عامة وقوله تعالى: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ  ﴾ يدل على أنه لا يجب فيها إلا نصف المهر، وهذه الآية خاصة ولا شك أن الخاص مقدم على العام.

قوله تعالى: ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ .

اعلم أنه تعالى لما أمرهم بايتائهن صدقاتهن عقبه بذكر جواز قبول إبرائها وهبتها له، لئلا يظن أن عليه إيتاءها مهرها وإن طابت نفسها بتركه، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: نفسا: نصب على التمييز والمعنى: طابت أنفسهن لكم عن شيء من الصداق بنقل الفعل من الأنفس إليهن، فخرجت النفس مفسرة كما قالوا: أنت حسن وجها، والفعل في الأصل للوجه، فلما حول إلى صاحب الوجه خرج الوجه مفسراً لموقع الفعل، ومثله: قررت به عيناً وضقت به ذرعا.

المسألة الثانية: إنما وحد النفس لأن المراد به بيان موقع الفعل، وذلك يحصل بالواحد ومثله عشرون درهما.

قال الفراء: لو جمعت كان صوابا كقوله: ﴿ الأخسرين أعمالا  ﴾ .

المسألة الثالثة: من: في قوله: ﴿ مِنْهُ ﴾ ليس للتبعيض، بل للتبيين والمعنى عن شيء من هذا الجنس الذي هو مهر كقوله: ﴿ فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان  ﴾ وذلك أن المرأة لو طابت نفسها عن جميع المهر حل للزوج أن يأخذه بالكلية.

المسألة الرابعة: منه: أي من الصدقات أو من ذلك وهو كقوله تعالى: ﴿ قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم  ﴾ بعد ذكر الشهوات.

وروي أنه لما قال رؤبة: فيها خطوط من سواد وبلق *** كأنه في الجلد توليع البهق فقيل له: الضمير في قوله كأنه ان عاد إلى الخطوط كان يجب أن تقول: كأنها، وان عاد إلى السواد والبلق كان يجب أن تقول: كأنهما، فقال: أردت كأن ذاك، وفيه وجه آخر وهو أن الصدقات في معنى الصداق لأنك لو قلت: وآتوا النساء صداقهن لكان المقصود حاصلا، وفيه وجه ثالث: وهو أن الفائدة في تذكير الضمير أن يعود ذلك إلى بعض الصداق، والغرض منه ترغيبها في أن لا تهب إلا بعض الصداق.

المسألة الخامسة: معنى الآية: فان وهبن لكم شيئا من الصداق عن طيبة النفس من غير أن يكون السبب فيه شكاسة أخلاقكم معهن، أو سوء معاشرتكم معهن، فكلوه وأنفقوه، وفي الآية دليل على ضيق المسلك في هذا الباب، ووجوب الاحتياط، حيث بنى الشرط على طيب النفس فقال: ﴿ فَإِن طِبْنَ ﴾ ولم يقل: فان وهبن أو سمحن، إعلاما بأن المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة.

المسألة السادسة: الهنيء والمريء: صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ، إذا كان سائغا لا تنغيص فيه، وقيل: الهنئ ما يستلذه الآكل، والمريء ما يحمد عاقبته، وقيل: ما ينساغ في مجراه، وقيل: لمدخل الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة: المريء لمروء الطعام فيه وهو انسياغه.

وحكى الواحدي عن بعضهم أن أصل الهنيء من الهناء وهو معالجة الجرب بالقطران، فالهنيء شفاء من الجرب، قال المفسرون: المعنى انهن إذا وهبن مهورهن من أزواجهن عن طيبة النفس لم يكن على الأزواج في ذلك تبعة لا في الدنيا ولا في الآخرة، وبالجملة فهو عبارة عن التحليل، والمبالغة في الاباحة وإزالة التبعة.

المسألة السابعة: قوله: ﴿ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ وصف للمصدر، أي أكلا هنيئا مريئا، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء، وقد يوقف على قوله: ﴿ فَكُلُوهُ ﴾ ثم يبتدأ بقوله: ﴿ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين كأنه قيل: هنأ مرأ.

المسألة الثامنة: دلت هذه الآية على أمور: منها: ان المهر لها ولا حق للولي فيه، ومنها جواز هبتها المهر للزوج، وجواز أن يأخذه الزوج، لأن قوله: ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ يدل على المعنيين، ومنها جواز هبتها المهر قبل القبض، لأن الله تعالى لم يفرق بين الحالتين.

وههنا بحث وهو أن قوله: ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ يتناول ما إذ كان المهر عينا، أما إذا كان دينا فالآية غير متناولة له، فانه لا يقال لما في الذمة: كله هنيئاً مريئاً.

قلنا: المراد بقوله: ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ ليس نفس الأكل، بل المراد منه حل التصرفات، وإنما خص الأكل بالذكر لأن معظم المقصود من المال إنما هو الأكل، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً  ﴾ وقال: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل  ﴾ .

المسألة التاسعة: قال بعض العلماء: ان وهبت ثم طلبت بعد الهبة علم أنها لم تطب عنه نفساً، وعن الشعبي: أن امرأة جاءت مع زوجها شريحا في عطية أعطتها إياه وهي تطلب الرجوع فقال شريح: رد عليها، فقال الرجل أليس قد قال الله تعالى: ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيء ﴾ فقال: لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه.

وروي عنه أيضا: أقيلها فيما وهبت ولا أقيله لأنهن يخدعن، وحكي أن رجلا من آل أبي معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقا كان لها عليه، فلبث شهرا ثم طلقها، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان، فقال الرجل: أعطتني طيبة به نفسها، فقال عبد الملك: فان الآية التي بعدها ﴿ فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً ﴾ اردد عليها.

وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى قضاته: ان النساء يعطين رغبة ورهبة، فايما امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك لها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰمًۭا وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا ٥

واعلم أن هذا هو النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذه السورة.

واعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها هو كأنه تعالى يقول: إني وإن كنت أمرتكم بايتاء اليتامى أموالهم وبدفع صدقات النساء اليهن، فانما قلت ذلك إذا كانوا عاقلين بالغين متمكنين من حفظ أموالهم، فأما إذا كانوا غير بالغين، أو غير عقلاء، أو ان كانوا بالغين عقلاء إلا أنهم كانوا سفهاء مسرفين، فلا تدفعوا اليهم أموالهم وأمسكوها لأجلهم إلى أن يزول عنهم السفه، والمقصود من كل ذلك الاحتياط في حفظ أموال الضعفاء والعاجزين.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في الآية قولان: الأول: أنها خطاب الأولياء فكأنه تعالى قال: أيها الأولياء لا تؤتوا الذين يكونون تحت ولايتكم وكانوا سفهاء أموالهم.

والدليل على أنه خطاب الأولياء قوله: ﴿ وارزقوهم فِيهَا واكسوهم ﴾ وأيضا فعلى هذا القول يحسن تعلق الآية بما قبلها كما قررناه.

فان قيل: فعلى هذا الوجه كان يجب أن يقال: ولا تؤتوا السفهاء أموالهم، فلم قال أموالكم؟

قلنا: في الجواب وجهان: الأول: أنه تعالى أضاف المال اليهم لا لأنهم ملكوه، لكن من حيث ملكوا التصرف فيه، ويكفي في حسن الاضافة أدنى سبب.

الثاني: إنما حسنت هذه الاضافة إجراء للوحدة بالنوع مجرى الوحدة بالشخص، ونظيره قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم  ﴾ وقوله: ﴿ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ  ﴾ ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه، ولكن كان بعضهم يقتل بعضا، وكان الكل من نوع واحد، فكذا هاهنا المال شيء ينتفع به نوع الإنسان ويحتاج اليه.

فلأجل هذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء الى أوليائهم.

والقول الثاني: أن هذه الآية خطاب الآباء فنهاهم الله تعالى اذا كان أولادهم سفهاء لا يستقلون بحفظ المال وإصلاحه أن يدفعوا أموالهم أو بعضها اليهم، لما كان في ذلك من الافساد، فعلى هذا الوجه يكون إضافة الأموال اليهم حقيقة، وعلى هذا القول يكون الغرض من الآية الحث على حفظ المال والسعي في أن لا يضيع ولا يهلك، وذلك يدل على أنه ليس له أن يأكل جميع أمواله ويهلكها، واذا قرب أجله فانه يجب عليه أن يوصي بماله الى أمين يحفظ ذلك المال على ورثته، وقد ذكرنا أن القول الأول أرجح لوجهين، ومما يدل على هذا الترجيح أن ظاهر النهي للتحريم، وأجمعت الأمة على أنه لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله، وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع الى السفهاء أموالهم، واذا كان كذلك وجب حمل الآية على القول الأول لا على هذا القول الثاني والله أعلم.

الثاني: أنه قال في آخر الآية: ﴿ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ ولا شك أن هذه الوصية بالأيتام أشبه، لان المرء مشفق بطبعه على ولده، فلا يقول له إلا المعروف، وإنما يحتاج الى هذه الوصية مع الأيتام الأجانب، ولا يمتنع أيضا حمل الآية على كلا الوجهين.

قال القاضي: هذا بعيد لأنه يقتضي حمل قوله: ﴿ أموالكم ﴾ على الحقيقة والمجاز جميعا، ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله: ﴿ أموالكم ﴾ يفيد كون تلك الأموال مختصة بهم اختصاصا يمكنه التصرف فيها، ثم إن هذا الاختصاص حاصل في المال الذي يكون مملوكا له، وفي المال الذي يكون مملوكا للصبي، إلا أنه يجب تصرفه، فهذا التفاوت واقع في مفهوم خارج من المفهوم المستفاد من قوله: ﴿ أموالكم ﴾ واذا كان كذلك لم يبعد حمل اللفظ عليهما من حيث أن اللفظ أفاد معنى واحدا مشتركا بينهما.

المسألة الثانية: ذكروا في المراد بالسفهاء أوجها: الأول: قال مجاهد وجويبر عن الضحاك السفهاء هاهنا النساء سواء كن أزواجا أو أمهات أو بنات.

وهذا مذهب ابن عمر، ويدل على هذا ما روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا انما خلقت النار للسفهاء يقولها ثلاثا ألا وإن السفهاء النساء الا امرأة أطاعت قيمها».

فان قيل: لو كان المراد بالسفهاء النساء لقال: السفائه.

أو السفيهات في جمع السفيهة نحو غرائب وغريبات في جمع الغريبة.

أجاب الزجاج: بأن السفهاء في جمع السفيهة جائز كما أن الفقراء في جمع الفقيرة جائز.

والقول الثاني: قال الزهري وابن زيد: عني بالسفهاء هاهنا السفهاء من الأولاد، يقول: لا تعط مالك الذي هو قيامك، ولدك السفيه فيفسده.

القول الثالث: المراد بالسفهاء هم النساء والصبيان في قول ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد ابن جبير، قالوا اذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة، وان ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن يسلط واحدا منهما على ماله فيفسده.

والقول الرابع: أن المراد بالسفهاء كل من لم يكن له عقل يفي بحفظ المال، ويدخل فيه النساء والصبيان والايتام كل من كان موصوفا بهذه الصفة، وهذا القول أولى لان التخصيص بغير دليل لا يجوز، وقد ذكرنا في سورة البقرة أن السفه خفة العقل، ولذلك سمي الفاسق سفيها لانه لا وزن له عند أهل الدين والعلم، ويسمى الناقص العقل سفيها لخفة عقله.

المسألة الثالثة: أنه ليس السفه في هؤلاء صفة ذم، ولا يفيد معنى العصيان لله تعالى، وإنما سموا سفهاء لخفة عقولهم ونقصان تمييزهم عن القيام بحفظ الاموال.

المسألة الرابعة: اعلم أنه تعالى أمر المكلفين في مواضع من كتابه بحفظ الأموال، قال تعالى: ﴿ وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا  إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوٓا إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِ وَكَانَ ٱلشَّيْطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورًا  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُوراً  ﴾ وقال تعالى: ﴿ والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ  ﴾ وقد رغب الله في حفظ المال في آية المداينة حيث أمر بالكتابة والاشهاد والرهن، والعقل أيضاً يؤيد ذلك، لأن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال لأن به يتمكن من جلب المنافع ودفع المضار، فمن أراد الدنيا بهذا الغرض كانت الدنيا في حقه من أعظم الأسباب المعينة له على اكتساب سعادة الآخرة، أما من أرادها لنفسها ولعينها كانت من أعظم المعوقات عن كسب سعادة الآخرة.

المسألة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما ﴾ معناه أنه لا يحصل قيامكم ولا معاشكم إلا بهذا المال، فلما كان المال سببا للقيام والاستقلال سماه بالقيام إطلاقا لاسم المسبب على السبب على سبيل المبالغة، يعني كان هذا المال نفس قيامكم وابتغاء معاشكم، وقرأ نافع وابن عامر ﴿ التى جَعَلَ الله لَكُمْ قَيِّماً ﴾ وقد يقال: هذا قيم وقيم، كما قال: ﴿ دينا قيما ملة إبراهيم  ﴾ وقرأ عبدالله بن عمر (قواما) بالواو، وقوام الشيء ما يقام به كقولك: ملاك الأمر لما يملك به.

المسألة السادسة: قال الشافعي رحمه الله: البالغ إذا كان مبذراً للمال مفسداً له يحجر عليه وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يحجر عليه.

حجة الشافعي: أنه سفيه، فوجب أن يحجر عليه، إنما قلنا إنه سفيه، لأن السفيه في اللغة، هو من خف وزنه.

ولا شك أن من كان مبذرا للمال مفسداً له من غير فائدة، فانه لا يكون له في القلب وقع عند العقلاء، فكان خفيف الوزن عندهم، فوجب أن يسمى بالسفيه، وإذا ثبت هذا لزم اندراجه تحت قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وارزقوهم فِيهَا واكسوهم وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما نهى عن إيتاء المال السفيه أمر بعد ذلك بثلاثة أشياء: أولها: قوله: ﴿ وارزقوهم ﴾ ومعناه: وأنفقوا عليهم ومعنى الرزق من العباد هو الاجراء الموظف لوقت معلوم يقال: فلان رزق عياله أي أجرى عليهم، وإنما قال: ﴿ فِيهَا ﴾ ولم يقل: منها لئلا يكون ذلك أمراً بأن يجعلوا بعض أموالهم رزقا لهم، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم بأن يتجروا فيها ويثمروها فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لا من أصول الأموال.

وثانيها: قوله: ﴿ واكسوهم ﴾ والمراد ظاهر.

وثالثها: قوله: ﴿ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ .

واعلم انه تعالى إنما أمر بذلك لأن القول الجميل يؤثر في القلب فيزيل السفه، أما خلاف القول المعروف فانه يزيد السفيه سفهاً ونقصانا.

والمفسرون ذكروا في تفسير القول المعروف وجوها: أحدها: قال ابن جريج ومجاهد: انه العدة الجميلة من البر والصلة، وقال ابن عباس: هو مثل أن يقول: اذا ربحت في سفرتي هذه فعلت بك ما انت أهله، وان غنمت في غزاتي أعطيتك.

وثانيها: قال ابن زيد: انه الدعاء مثل أن يقول: عافانا الله وإياك بارك الله فيك، وبالجملة كل ما سكنت اليه النفوس وأحبته من قول وعمل فهو معروف وكل ما أنكرته وكرهته ونفرت منه فهو منكر.

وثالثها: قال الزجاج: المعنى علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم مما يتعلق بالعلم والعمل.

ورابعها: قال القفال رحمه الله القول المعروف هو أنه ان كان المولى عليه صبيا، فالولي يعرفه ان المال ماله وهو خازن له، وأنه اذا زال صباه فانه يرد المال اليه، ونظير هذه الآية قوله: ﴿ فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ  ﴾ معناه لا تعاشره بالتسلط عليه كما تعاشر العبيد، وكذا قوله: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابتغاء رَحْمَةٍ مّن رَّبّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا  ﴾ وان كان المولى عليه سفيها وعظه ونصحه وحثه على الصلاة، ورغبه في ترك التبذير والاسراف، وعرفه أن عاقبة التبذير الفقر والاحتياج الى الخلق الى ما يشبه هذا النوع من الكلام، وهذا الوجه أحسن من سائر الوجوه التى حكيناها.

<div class="verse-tafsir"

وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًۭا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًۭا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا۟ ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّۭا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًۭا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًۭا ٦

واعلم أنه تعالى لما أمر من قبل بدفع مال اليتيم اليه بقوله: ﴿ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم  ﴾ بين بهذه الآية متى يؤتيهم أموالهم، فذكر هذه الآية وشرط في دفع أموالهم اليهم شرطين: أحدهما: بلوغ النكاح، والثاني: إيناس الرشد، ولا بد من ثبوتهما حتى يجوز دفع مالهم اليهم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: تصرفات الصبي العاقل المميز باذن الولي صحيحة، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: غير صحيحة، احتج أبو حنيفة على قوله بهذه الآية، وذلك لان قوله: ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ ﴾ يقتضي ان هذا الابتلاء انما يحصل قبل البلوغ، والمراد من هذا الابتلاء اختبار حاله في أنه هل له تصرف صالح للبيع والشراء، وهذا الاختبار انما يحصل إذا أذن له في البيع والشراء، وإن لم يكن هذا المعنى نفس الاختبار، فهو داخل في الاختبار بدليل أنه يصح الاستثناء، يقال: وابتلوا اليتامى إلا في البيع والشراء، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فثبت أن قوله: ﴿ فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ أمر للأولياء بأن يأذنوا لهم في البيع والشراء قبل البلوغ، وذلك يقتضي صحة تصرفاتهم.

أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن قال: ليس المراد بقوله: ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ الاذن لهم في التصرف حال الصغر بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ فَإِنْ ﴾ فانما أمر بدفع المال اليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد، وإذا ثبت بموجب هذه الآية أنه لا يجوز دفع المال اليه حال الصغر، وجب أن لا يجوز تصرفه حال الصغر، لأنه لا قائل بالفرق، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على قول الشافعي، وأما الذي احتجوا به، فجوابه: أن المراد من الابتلاء اختبار عقله واستبراء حاله، في أنه هل له فهم وعقل وقدرة في معرفة المصالح والمفاسد، وذلك إذا باع الولي واشترى بحضور الصبي، ثم يستكشف من الصبي أحوال ذلك البيع والشراء وما فيهما من المصالح والمفاسد ولا شك أن بهذا القدر يحصل الاختبار والابتلاء، وأيضا: هب أنا سلمنا أنه يدفع اليه شيئا ليبيع أو يشتري، فلم قلت إن هذا القدر يدل على صحة ذلك البيع والشراء، بل إذا باع واشترى وحصل به اختبار عقله، فالولي بعد ذلك يتمم البيع وذلك الشراء، وهذا محتمل والله أعلم.

المسألة الثانية: المراد من بلوغ النكاح هو الاحتلام المذكور في قوله: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم  ﴾ وهو في قول عامة الفقهاء عبارة عن البلوغ مبلغ الرجال الذي عنده يجري على صاحبه القلم ويلزمه الحدود والأحكام، وإنما سمي الاحتلام بلوغ النكاح لأنه إنزال الماء الدافق الذي يكون في الجماع.

واعلم أن للبلوغ علامات خمسة: منها ثلاثة مشتركة بين الذكور والاناث، وهو الاحتلام والسن المخصوص، ونبات الشعر الخشن على العانة، واثنان منها مختصان بالنساء، وهما: الحيض والحبل.

المسألة الثالثة: أما إيناس الرشد فلابد فيه من تفسير الايناس ومن تفسير الرشد، أما الايناس فقوله: ﴿ ءانَسْتُمْ ﴾ أي عرفتم وقيل: رأيتم، وأصل الايناس في اللغة الابصار، ومنه قوله: ﴿ ءَانَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً  ﴾ وأما الرشد فمعلوم أنه ليس المراد الرشد الذي لا تعلق له بصلاح ماله، بل لابد وأن يكون هذا مراداً، وهو أن يعلم أنه مصلح لما له حتى لا يقع منه إسراف ولا يكون بحيث يقدر الغير على خديعته، ثم اختلفوا في أنه هل يضم إليه الصلاح في الدين؟

فعند الشافعي رضي الله عنه لابد منه، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه هو غير معتبر، والأول أولى، ويدل عليه وجوه: أحدها: أن أهل اللغة قالوا: الرشد هو إصابة الخير، والمفسد في دينه لا يكون مصيباً للخير.

وثانيها: أن الرشد نقيض الغي قال تعالى: ﴿ قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي  ﴾ والغي هو الضلال والفساد وقال تعالى: ﴿ وعصى ءادَمَ رَبَّهُ فغوى  ﴾ فجعل العاصي غويا، وهذا يدل على أن الرشد لا يتحقق إلا مع الصلاح في الدين.

وثالثها: أنه تعالى قال: ﴿ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ  ﴾ نفي الرشد عنه لأنه ما كان يراعي مصالح الدين، والله أعلم.

إذا عرفت هذا فنقول: فائدة هذا الاختلاف أن الشافعي رحمه الله يرى الحجر على الفاسق، وأبو حنيفة رضي الله عنه لا يراه.

المسألة الرابعة: اتفقوا على أنه إذا بلغ غير رشيد فانه لا يدفع اليه ماله، ثم عند أبي حنيفة لا يدفع اليه ماله حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة، فاذا بلغ ذلك دفع اليه ماله على كل حال، وإنما اعتبر هذا السن لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسن ثماني عشرة سنة، فاذا زاد عليه سبع سنين وهي مدة معتبر في تغير أحوال الإنسان لقوله عليه الصلاة والسلام: «مروهم بالصلاة لسبع».

فعند ذلك تمت المدة التي يمكن فيها حصول تغير الأحوال، فعندها يدفع اليه ماله، أونس منه الرشد أو لم يؤنس وقال الشافعي رضي الله عنه: لا يدفع إليه أبدا إلا بايناس الرشد، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.

احتج أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بهذه الآية فقال: لا شك أن اسم الرشد واقع على العقل في الجملة، والله تعالى شرط رشداً منكرا ولم يشترط سائر ضروب الرشد، فاقتضى ظاهر الآية أنه لما حصل العقل فقد حصل ما هو الشرط المذكور في هذه الآية، فيلزم جواز دفع المال اليه ترك العمل به فيما دون خمس وعشرين سنة، فوجب العمل بمقتضى الآية فيما زاد على خمس وعشرين سنة ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى قال: ﴿ فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا ﴾ ولا شك أن المراد ابتلاؤهم فيما يتعلق بمصالح حفظ المال، ثم قال: ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ ﴾ ويجب أن يكون المراد: فان آنستم منهم رشدا في حفظ المال وضبط مصالحه، فانه ان لم يكن المراد ذلك تفكك النظم ولم يبق للبعض تعلق بالبعض، وإذا ثبت هذا علمنا أن الشرط المعتبر في الآية هو حصول الرشد في رعاية مصالح المال، وعند هذا سقط استدلال أبي بكر الرازي، بل تنقلب هذه الآية دليلا عليه لأنه جعل رعاية مصالح المال شرطا في جواز دفع المال اليه، فاذا كان هذا الشرط مفقوداً بعد خمس وعشرين سنة، وجب أن لا يجوز دفع المال اليه، والقياس الجلي أيضا يقوي الاستدلال بهذا النص، لأن الصبي إنما منع منه المال لفقدان العقل الهادي إلى كيفية حفظ المال وكيفية الانتفاع به، فاذا كان هذا المعنى حاصلا في الشباب والشيخ كان في حكم الصبي، فثبت أنه لا وجه لقول من يقول: انه إذا بلغ خمسا وعشرين سنة دفع اليه ماله وان لم يؤنس منه الرشد.

المسألة الخامسة: إذا بلغ رشيدا ثم تغير وصار سفيها حجر عليه عند الشافعي ولا يحجر عليه عند أبي حنيفة وقد مرت هذه المسألة عند قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما  ﴾ والقياس الجلي أيضا يدل عليه، لأن هذه الآية دالة على أنه إذا بلغ غير رشيد لم يدفع اليه ماله، وإنما لم يدفع اليه ماله لئلا يصير المال ضائعا فيكون باقيا مرصداً ليوم حاجته، وهذا المعنى قائم في السفه الطارئ، فوجب اعتباره والله أعلم.

المسألة السادسة: قال صاحب الكشاف: الفائدة في تنكير الرشد التنبيه على ان المعتبر هو الرشد في التصرف والتجارة، أو على أن المعتبر هو حصول طرف من الرشد وظهور أثر من آثاره حتى لا ينتظر به تمام الرشد.

المسألة السابعة: قال صاحب الكشاف: قرأ ابن مسعود فان أحستم، بمعنى أحسستم قال: أحسن به فهن اليه شوس *** وقرئ رشدا بفتحتين ورشداً بضمتين.

ثم قال تعالى: ﴿ فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم ﴾ والمراد أن عند حصول الشرطين أعني البلوغ وإيناس الرشد يجب دفع المال اليهم، وإنما لم يذكر تعالى مع هذين الشرطين كمال العقل، لأن إيناس الرشد لا يحصل إلا مع العقل لأنه أمر زائد على العقل.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ ﴾ أي مسرفين ومبادرين كبرهم أو لاسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها وتقولون: ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينزعوها من أيدينا، ثم قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنيا وبين أن يكون فقيرا فقال: ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ قال الواحدي رحمه الله: استعف عن الشيء وعف اذا امتنع منه وتركه، وقال صاحب الكشاف: استعف أبلغ من عف كأنه طالب زيادة العفة وقال: ﴿ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ واختلف العلماء في أن الوصي هل له أن ينتفع بمال اليتيم؟

وفي هذه المسألة أقوال: أحدهما: أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج اليه من مال اليتيم وبقدر أجر عمله، واحتج القائلون بهذا القول بوجوه: الأول: أن قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً ﴾ مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة.

وثانيها: أنه قال: ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ فقوله: ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ ليس المراد منه نهي الوصي الغني عن الانتفاع بمال نفسه، بل المراد منه نهيه عن الانتفاع بمال اليتيم، وإذا كان كذلك لزم أن يكون قوله: ﴿ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ إذنا للوصي في أن ينتفع بمال اليتيم بمقدار الحاجة.

وثالثها: قوله: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً  ﴾ وهذا دليل على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم، ولو لم يكن ذلك لم يكن لقوله: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً ﴾ فائدة، وهذا يدل على أن للوصي المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف.

ورابعها: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال له: ان تحت حجري يتيما أآكل من ماله؟

قال: بالمعروف غير متأثل مالا ولا واق مالك بماله، قال: أفأضربه؟

قال: مما كنت ضاربا منه ولدك.

وخامسها: ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب الى عمار وابن مسعود وعثمان بن حنيف: سلام عليكم أما بعد: فاني رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار، وربعها لعبدالله ابن مسعود، وربعها لعثمان، ألا وإني قد أنزلت نفسي وإياكم من مال الله بمنزلة ولي مال اليتيم: من كان غنيا فليستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف.

وعن ابن عباس أن ولي يتيم قال له: أفأشرب من لبن إبله؟

قال: إن كنت تبغي ضالتها وتلوط حوضها وتهنأ جرباها وتسقيها يوم وردها، فاشرب غير مضر بنسل، ولا ناهك في الحلب وعنه أيضا: يضرب بيده مع أيديهم فليأكل بالمعروف ولا يلبس عمامة فما فوقها.

وسادسها: أن الوصي لما تكفل باصلاح مهمات الصبي وجب أن يتمكن من أن يأكل من ماله بقدر عمله قياسا على الساعي في أخذ الصدقات وجمعها، فانه يضرب له في تلك الصدقات بسهم، فكذا هاهنا، فهذا تقرير هذا القول.

والقول الثاني: أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج اليه من مال اليتيم قرضا، ثم إذا أيسر قضاه، وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه، وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية، وأكثر الروايات عن ابن عباس.

وبعض أهل العلم خص هذا الاقراض بأصول الأموال من الذهب والفضة وغيرها، فأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب، فمباح له إذا كان غير مضر بالمال، وهذا قول أبي العالية وغيره، واحتجوا بأن الله تعالى قال: ﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم ﴾ فحكم في الأموال بدفعها اليهم.

والقول الثالث: قال أبو بكر الرازي: الذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذ على سبيل القرض ولا على سبيل الابتداء، سواء كان غنيا أو فقيرا.

واحتج عليه بآيات: منها: قوله تعالى: ﴿ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم  ﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً  ﴾ ومنها: قوله: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً  ﴾ ومنها: قوله: ﴿ وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط  ﴾ ومنها: قوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل  ﴾ قال: فهذه الآية محكمة حاصرة لمال اليتيم على وصية في حال الغنى والفقر، وقوله: ﴿ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ متشابه محتمل فوجب رده لكونه متشابها إلى تلك المحكمات، وعندي أن هذه الآيات لا تدل على ما ذهب الرازي اليه.

أما قوله: ﴿ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم ﴾ فهو عام وهذه الآية التي نحن فيها خاصة، والخاص مقدم على العام.

وقوله: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً ﴾ فهو إنما يتناول هذه الواقعة لو ثبت أن أكل الوصي من مال الصبي بالمعروف ظلم، وهل النزاع الا فيه، وهو الجواب بعينه عن قوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل ﴾ أما قوله: ﴿ وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط ﴾ فهو إنما يتناول محل النزاع لو ثبت أن هذا الأكل ليس بقسط، والنزاع ليس إلا فيه، فثبت أن كلامه في هذا الموضع ساقط ركيك، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ .

واعلم أن الأمة مجمعة على أن الوصي إذا دفع المال إلى اليتيم بعد صيرورته بالغا، فان الأولى والأحوط أن يشهد عليه لوجوه: أحدها: أن اليتيم إذا كان عليه بينة بقبض المال كان أبعد من أن يدعي ما ليس له.

وثانيها: أن اليتيم إذا أقدم على الدعوى الكاذبة أقام الوصي الشهادة على أنه دفع ماله اليه.

ثالثها: أن تظهر أمانة الوصي وبراءة ساحته، ونظيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب» فأمره بالاشهاد لتظهر أمانته وتزول التهمة عنه، فثبت بما ذكرنا من الاجماع والمعقول أن الاحوط هو الاشهاد.

واختلفوا في أن الوصي إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم انه قد دفع المال اليه هل هو مصدق؟

وكذلك لو قال: أنفقت عليه في صغره هل هو مصدق؟

قال مالك والشافعي: لا يصدق، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يصدق، واحتج الشافعي بهذه الآية فان قوله: ﴿ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ أمر، وظاهر الأمر الوجوب، وأيضا قال الشافعي: القيم غير مؤتمن من جهة اليتيم، وإنما هو مؤتمن من جهة الشرع، وطعن أبو بكر الرازي في هذا الكلام مع السفاهة الشديدة وقال: لو كان ما ذكره علة لنفي التصديق لوجب أن لا يصدق القاضي إذا قال لليتيم: قد دفعت اليك لأنه لم يأتمنه، وكذلك يلزمه أن يقول في الأب إذا قال بعد بلوغ الصبي: قد دفعت مالك اليك أن لا يصدق لأنه لم يأتمنه، ويلزمه أيضا أن يوجب الضمان عليهم إذا تصادقوا بعد البلوغ انه قد هلك لأنه أمسك ماله من غير ائتمان له عليه، فيقال له: ان قولك هذا لبعيد عن معاني الفقه، أما النقض بالقاضي فبعيد، لأن القاضي حاكم فيجب إزالة التهمة عنه ليصير قضاؤه نافذا، ولولا ذلك لتمكن كل من قضى القاضي عليه بأن ينسبه إلى الكذب والميل والمداهنة، وحينئذ يحتاج القاضي إلى قاض آخر، ويلزم التسلسل، ومعلوم أن هذا المعنى غير موجود في وصي اليتيم، وأما الأب فالفرق ظاهر لوجين: أحدهما: ان شفقته أتم من شفقة الاجنبي، ولا يلزم من قلة التهمة في حق الأب قلتها في حق الأجنبي، وأما إذا تصادقوا بعد البلوغ أنه قد هلك فنقول: ان كان قد اعترف بأنه هلك لسبب تقصيره فهاهنا يلزمه الضمان، أما إذا اعترف بأنه هلك لا بتقصيره، فهاهنا يجب أن يقبل قوله، والا لصار ذلك مانعاً للناس من قبول الوصاية، فيقع الخلل في هذا المهم العظيم، فأما الاشهاد عند الرد اليه بعد البلوغ فانه لا يفضي إلى هذه المفسدة فظهر الفرق، ومما يؤكد هذا الفرق أنه تعالى ذكر قبل هذه الآية ما يدل على أن اليتيم حصل في حقه ما يوجب التهمة، وهو قوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ ﴾ وهذا يدل على جريان العادة بكثرة إقدام الولي على ظلم الايتام والصبيان، وإذن دلت هذه الآية على تأكد موجبات التهمة في حق ولي اليتيم.

ثم قال بعده: ﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ ﴾ أشعر ذلك بأن الغرض منه رعاية جانب الصبي؛ لأنه إذا كان لا يتمكن من ادعاء دفع المال اليه إلا عند حضور الشاهد، صار ذلك مانعاً له من الظلم والبخس والنقصان، وإذا كان الأمر كذلك علمنا أن قوله: ﴿ فَأَشْهِدُواْ ﴾ كما أنه يجب لظاهر الايجاب، فكذلك يجب أن القرائن والمصالح تقتضي الايجاب، ثم قال هذا الرازي، ويدل على أنه مصدق فيه بغير إشهاد، اتفاق الجميع على أنه مأمور بحفظه وإمساكه على وجه الأمانة حتى يوصله إلى اليتيم في وقت استحقاقه، فهو بمنزلة الودائع والمضاربات، فوجب أن يكون مصدقا على الرد كما يصدق على رد الوديعة، فيقال له: أما الفرق بين هذه الصورة وصورة الوديعة فقد ذكره الشافعي رضي الله تعالى عنه، واعتراضك على ذلك الفرق قد سبق إبطاله، وأيضاً فعادتك ترك الالتفات إلى كتاب الله لقياس ركيك تتخيله، ومثل هذا الفقه مسلم لك، ولا يجب المشاركة فيه معك وبالله التوفيق.

ثم قال تعالى: ﴿ وكفى بالله حَسِيباً ﴾ قال ابن الانباري والأزهري: يحتمل أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب، وأن يكون بمعنى الكافي، فمن الأول قولهم للرجل للتهديد: حسبه الله ومعناه يحاسبه الله على ما يفعل من الظلم، ونظير قولنا الحسيب بمعنى المحاسب، قولنا الشريب بمعنى المشارب، ومن الثاني قولهم: حسيبك الله أي كافيك الله.

واعلم أن هذا وعيد لولي اليتيم وإعلام له أنه تعالى يعلم باطنه كما يعلم ظاهره لئلا ينوي أو يعمل في ماله ما لا يحل، ويقوم بالأمانة التامة في ذلك إلى أن يصل اليه ماله، وهذا المقصود حاصل سواء فسرنا الحسيب بالمحاسب أو بالكافي.

واعلم أن الباء في قوله: ﴿ وكفى بالله ﴾ ﴿ وكفى بِرَبّكَ  ﴾ في جميع القرآن زائدة، هكذا نقله الواحدي عن الزجاج و ﴿ حَسِيباً ﴾ نصب على الحال أي كفى الله حال كونه محاسبا، وحال كونه كافيا.

<div class="verse-tafsir"

لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا ٧

اعلم أن هذا هو النوع الرابع من الأحكام المذكورة في هذه السورة وهو ما يتعلق بالمواريث والفرائض وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزول هذه الآية قال ابن عباس: ان أوس بن ثابت الانصاري توفي عن ثلاث بنات وامرأة، فجاء رجلان من بني عمه وهما وصيان له يقال لهما: سويد، وعرفجة وأخذا ماله.

فجاءت امرأة أوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت القصة، وذكرت أن الوصيين ما دفعا إلي شيئا، وما دفعا إلى بناته شيئا من المال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ارجعي إلى بيتك حتى أنظر ما يحدث الله في أمرك فنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية، ودلت على أن للرجال نصيبا وللنساء نصيبا، ولكنه تعالى لم يبين المقدار في هذه الآية، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الوصيين وقال: لا تقربا من مال أوس شيئا ثم نزل بعد: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم  ﴾ ونزل فرض الزوج وفرض المرأة، فأمر الرسول عليه الصلاة والسلام الوصيين أن يدفعا إلى المرأة الثمن ويمسكا نصيب البنات، وبعد ذلك أرسل عليه الصلاة والسلام اليهما أن ادفعا نصيب بناتها اليها فدفعاه اليها، فهذا هو الكلام في سبب النزول.

المسألة الثانية: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال، ويقولون لا يرث إلا من طاعن بالرماح وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة، فبين تعالى أن الارث غير مختص بالرجال، بل هو أمر مشترك فيه بين الرجال والنساء، فذكر في هذه الآية هذا القدر، ثم ذكر التفصيل بعد ذلك ولا يمتنع إذا كان للقوم عادة في توريث الكبار دون الصغار ودون النساء، أن ينقلهم سبحانه وتعالى عن تلك العادة قليلا قليلاً على التدريج، لأن الانتقال عن العادة شاق ثقيل على الطبع، فاذا كان دفعة عظم وقعه على القلب، وإذا كان على التدريج سهل، فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذا المجمل أولا، ثم أردفه بالتفصيل.

المسألة الثالثة: احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على توريث ذوي الارحام قال: لأن العمات والخالات والاخوال وأولاد البنات من الأقربين، فوجب دخولهم تحت قوله: ﴿ لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون ﴾ أقصى ما في الباب أن قدر ذلك النصيب غير مذكور في هذه الآية، إلا أنا نثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بهذه الآية، وأما المقدار فنستفيده من سائر الدلائل.

وأجاب أصحابنا عنه من وجهين: أحدهما: انه تعالى قال في آخر الآية ﴿ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ أي نصيبا مقدرا، وبالاجماع ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر، فثبت أنهم ليسوا داخلين في هذه الآية، وثانيهما: أن هذه الآية مختصة بالأقربين، فلم قلتم إن ذوي الأرحام من الأقربين؟

وتحقيقه أنه إما أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب من شيء آخر، أو المراد منه من كان أقرب من جميع الأشياء، والأول باطل؛ لأنه يقتضي دخول أكثر الخلق فيه، لأن كل إنسان له نسب مع غيره إما بوجه قريب أو بوجه بعيد، وهو الانتساب إلى آدم عليه السلام، ولا بد وأن يكون هو أقرب إليه من ولده، فيلزم دخول كل الخلق في هذا النص وهو باطل، ولما بطل هذا الاحتمال وجب حمل النص على الاحتمال الثاني وهو أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب الناس إليه، وما ذاك إلا الوالدان والأولاد، فثبت أن هذا النص لا يدخل فيه ذو الأرحام، لا يقال: لو حملنا الأقربين على الوالدين لزم التكرار، لأنا نقول: الأقرب جنس يندرج تحته نوعان: الوالد والولد، فثبت أنه تعالى ذكر الوالد، ثم ذكر الأقربين، فيكون المعنى أنه ذكر النوع، ثم ذكر الجنس فلم يلزم التكرار.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ نَصِيباً ﴾ في نصبه وجوه: أحدها: أنه نصب على الاختصاص بمعنى أعني نصيبا مفروضا مقطوعا واجبا، والثاني: يجوز أن ينتصب انتصاب المصدر، لأن النصيب اسم في معنى المصدر كأنه قيل: قسما واجبا، كقوله: ﴿ فَرِيضَةً مّنَ الله  ﴾ أي قسمة مفروضة.

المسألة الخامسة: أصل الفرض الحز، ولذلك سمي الحز الذي في سية القوس فرضاً، والحز الذي في القداح يسمى أيضا فرضاً، وهو علامة لها تميز بينها وبين غيرها، والفرضة العلامة في مقسم الماء، يعرف بها كل ذي حق حقه من الشرب، فهذا هو أصل الفرض في اللغة، ثم ان أصحاب أبي حنيفة خصصوا لفظ الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع، واسم الوجوب بما عرف وجوبه بدليل مظنون، قالوا: لأن الفرض عبارة عن الحز والقطع، وأما الوجوب فانه عبارة عن السقوط، يقال: وجبت الشمس إذا سقطت، ووجب الحائط إذا سقط، وسمعت وجبة يعني سقطة قال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا  ﴾ يعني سقطت، فثبت أن الفرض عبارة عن الحز والقطع، وأن الوجوب عبارة عن السقوط، ولا شك أن تأثير الحز والقطع أقوى وأكمل من تأثير السقوط.

فلهذا السبب خصص أصحاب أبي حنيفة لفظة الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع، ولفظ الوجوب بما عرف وجوبه بدليل مظنون.

إذا عرفت هذا فنقول: هذا الذي قرروه يقضي عليهم بأن الآية ما تناولت ذوي الأرحام لأن توريث ذوي الأرحام ليس من باب ما عرف بدليل قاطع باجماع الأمة، فلم يكن توريثهم فرضاً، والآية إنما تناولت التوريث المفروض، فلزم القطع بأن هذه الآية ما تناولت ذوي الأرحام، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُو۟لُوا۟ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا ٨

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن قوله: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ القسمة ﴾ ليس فيه بيان أي قسمة هي، فلهذا المعنى حصل للمفسرين فيه أقوال: الأول: أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن النساء أسوة الرجال في أن لهن حظاً من الميراث، وعلم تعالى أن في الأقارب من يرث ومن لا يرث، وأن الذين لا يرثون إذا حضروا وقت القسمة، فان تركوا محرومين بالكلية ثقل ذلك عليهم، فلا جرم أمر الله تعالى أن يدفع اليهم شيء عند القسمة حتى يحصل الأدب الجميل وحسن العشرة، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا، فمنهم من قال: إن ذلك واجب، ومنهم من قال: إنه مندوب، أما القائلون بالوجوب، فقد اختلفوا في أمور: أحدها: أن منهم من قال: الوارث إن كان كبيراً وجب عليه أن يرضخ لمن حضر القسمة شيئا من المال بقدر ما تطيب نفسه به، وإن كان صغيراً وجب على الولي إعطاؤهم من ذلك المال، ومنهم من قال: إن كان الوارث كبيراً، وجب عليه الاعطاء من ذلك المال، وإن كان صغيراً وجب على الولي أن يعتذر إليهم، ويقول: إني لا أملك هذا المال إنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعقلون ما عليهم من الحق، وان يكبروا فسيعرفون حقكم، فهذا هو القول المعروف.

وثانيها: قال الحسن والنخعي: هذا الرضخ مختص بقسمة الأعيان، فاذا آل الأمر إلى قسمة الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك، قال لهم قولا معروفا، مثل أن يقول لهم: ارجعوا بارك الله فيكم.

وثالثها: قالوا: مقدار ما يجب فيه الرضخ شيء قليل، ولا تقدير فيه بالاجماع.

ورابعها: أن على تقدير وجوب هذا الحكم تكون هذه الآية منسوخة.

قال ابن عباس في رواية عطاء: وهذه الآية منسوخة بآية المواريث، وهذا قول سعيد بن المسيب والضحاك وقال في رواية عكرمة: الآية محكمة غير منسوخة وهو مذهب أبي موسى الأشعري وإبراهيم النخعي والشعبي والزهري ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير، فهؤلاء كانوا يعطون من حضر شيئا من التركة.

روي أن عبدالله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قسم ميراث أبيه وعائشة حية، فلم يترك في الدار أحدا إلا أعطاه، وتلا هذه الآية، فهذا كله تفصيل قول من قال بأن هذا الحكم ثبت على سبيل الوجوب، ومنهم من قال: انه ثبت على سبيل الندب والاستحباب، لا على سبيل الفرض والايجاب، وهذا الندب أيضا إنما يحصل اذا كانت الورثة كباراً، أما اذا كانوا صغارا فليس إلا القول المعروف، وهذا المذهب هو الذي عليه فقهاء الأمصار.

واحتجوا بأنه لو كان لهؤلاء حق معين لبين الله تعالى قدر ذلك الحق كما في سائر الحقوق، وحيث لم يبين علمنا أنه غير واجب، ولأن ذلك لو كان واجبا لتوفرت الدواعي على نقله لشدة حرص الفقراء والمساكين على تقديره، ولو كان ذلك لنقل على سبيل التواتر، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه غير واجب.

القول الثاني: في تفسير الآية: أن المراد بالقسمة الوصية، فاذا حضرها من لا يرث من الأقرباء واليتامى والمساكين أمر الله تعالى أن يجعل لهم نصيبا من تلك الوصية، ويقول لهم مع ذلك: قولا معروفا في الوقت، فيكون ذلك سببا لوصول السرور اليهم في الحال والاستقبال، والقول الأول أولى، لأنه تقدم ذكر الميراث ولم يتقدم ذكر الوصية، ويمكن أن يقال: هذا القول أولى لأن الآية التي تقدمت في الوصية.

القول الثالث: في تفسير الآية أن قوله: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى ﴾ فالمراد من أُوْلِى القربى الذين يرثون والمراد من اليتامى والمساكين الذين لا يرثون.

ثم قال: ﴿ فارزقوهم مّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ فقوله: ﴿ فارزقوهم ﴾ راجع الى القربى الذين يرثون وقوله: ﴿ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ راجع الى اليتامى والمساكين الذين لا يرثون، وهذا القول محكي عن سعيد بن جبير.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: الضمير في قوله: ﴿ فارزقوهم مّنْهُ ﴾ عائد إلى ما ترك الوالدان والأقربون، وقال الواحدي: الضمير عائد الى الميراث فتكون الكناية على هذا الوجه عائدة إلى معنى القسمة، لا الى لفظها كقوله: ﴿ ثُمَّ استخرجها مِن وِعَاء أَخِيهِ  ﴾ والصواع مذكر لا يكنى عنه بالتأنيث، لكن أريد به المشربة فعادت الكناية الى المعنى لا الى اللفظ، وعلى هذا التقدير فالمراد بالقسمة المقسوم، لأنه إنما يكون الرزق من المقسوم لا من نفس القسمة.

المسألة الثالثة: إنما قدم اليتامى على المساكين لأن ضعف اليتامى أكثر، وحاجتهم أشد، فكان وضع الصدقات فيهم أفضل وأعظم في الأجر.

المسألة الرابعة: الأشبه هو أن المراد بالقول المعروف أن لا يتبع العطية المن والأذى بالقول أو يكون المراد الوعد بالزيادة والاعتذار لمن لم يعطه شيئا.

<div class="verse-tafsir"

وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا۟ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةًۭ ضِعَـٰفًا خَافُوا۟ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًا ٩

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الجملة الشرطية وهو قوله: ﴿ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ هي صلة لقوله: ﴿ الذين ﴾ والمعنى: وليخش الذين من صفتهم أنهم لو تركوا ذرية ضعافاً خافوا عليهم وأما الذي يخشى عليه فغير منصوص عليه، وسنذكر وجوه المفسرين فيه.

المسألة الثانية: لا شك أن قوله: ﴿ وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ يوجب الاحتياط للذرية الضعاف، وللمفسرين فيه وجوه: الأول: أن هذا خطاب مع الذين يجلسون عند المريض فيقولون: ان ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئا، فأوص بمالك لفلان وفلان، ولا يزالون يأمرونه بالوصية الى الأجانب الى أن لا يبقى من ماله للورثة شيء أصلا، فقيل لهم: كما أنكم تكرهون بقاء أولادكم في الضعف والجوع من غير مال، فاخشوا الله ولا تحملوا المريض على أن يحرم أولاده الضعفاء من ماله.

وحاصل الكلام أنك لا ترضى مثل هذا الفعل لنفسك، فلا ترضه لأخيك المسلم.

عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

والقول الثاني: قال حبيب بن أبي ثابت: سألت مقسما عن هذه الآية فقال: هو الرجل الذي يحضره الموت ويريد الوصية للأجانب، فيقول له من كان عنده: اتق الله وأمسك على ولدك مالك، مع أن ذلك الإنسان يحب أن يوصي له، ففي القول الأول الآية محمولة على نهي الحاضرين عن الترغيب في الوصية، وفي القول الثاني محمولة على نهي الحاضرين عن النهي عن الوصية، والأولى أولى، لأن قوله: ﴿ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا ﴾ أشبه بالوجه الأول وأقرب اليه.

والقول الثالث: يحتمل أن تكون الآية خطابا لمن قرب أجله، ويكون المقصود نهيه عن تكثير الوصية لئلا تبقى ورثته ضائعين جائعين بعد موته، ثم إن كانت هذه الآية إنما نزلت قبل تقدير الوصية بالثلث، كان المراد منها أن لا يجعل التركة مستغرقة بالوصية، وإن كانت نزلت بعد تقدير الوصية بالثلث، كان المراد منها أن لا يجعل التركة مستغرقة بالوصية، وإن كانت نزلت بعد تقدير الوصية بالثلث.

كان المراد منها أن يوصي أيضا بالثلث، بل ينقص إذا خاف على ذريته والمروي عن كثير من الصحابة أنهم وصوا بالقليل لأجل ذلك، وكانوا يقولون: الخمس أفضل من الربع، والربع أفضل من الثلث، وخبر سعد يدل عليه وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «الثلث والثلث كثير لأن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس».

والقول الرابع: أن هذا أمر لأولياء اليتيم، فكأنه تعالى قال: وليخش من يخاف على ولده بعد موته أن يضيع مال اليتيم الضعيف الذي هو ذرية غيره إذا كان في حجره، والمقصود من الآية على هذا الوجه أن يبعثه سبحانه وتعالى على حفظ ماله، وأن يترك نفسه في حفظه والاحتياط في ذلك بمنزلة ما يحبه من غيره في ذريته لو خلفهم وخلف لهم مالا.

قال القاضي: وهذا أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام، فجعل تعالى آخر ما دعاهم إلى حفظ مال اليتيم أن ينبههم على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها، ولا شك أنه من أقوى الدواعي والبواعث في هذا المقصود.

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: قرئ ضعفاء، وضعافى، وضعافى: نحو سكارى وسكارى.

قال الواحدي: قرأ حمزة ﴿ ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ بالامالة فيهما ثم قال: ووجه إمالة ضعاف أن ما كان على وزن فعال، وكان أوله حرفا مستعلياً مكسوراً نحو ضعاف، وغلاب، وخباب، يحسن فيه الامالة، وذلك لأنه تصعد بالحرف المستعلي ثم انحدر بالكسرة، فيستحب أن لا يتصعد بالتفخيم بعد الكسر حتى يوجد الصوت على طريقة واحدة، وأما الامالة في ﴿ خَافُواْ ﴾ فهي حسنة لأنها تطلب الكسرة التي في خفت، ثم قال: ﴿ فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ وهو كالتقرير لما تقدم، فكأنه قال: فليتقوا الله في الأمر الذي تقدم ذكره والاحتياط فيه، وليقولوا قولا سديدا إذا أرادوا بعث غيرهم على فعل وعمل، والقول السديد هو العدل والصواب من القول.

قال صاحب الكشاف: القول السديد من الأوصياء أن لا يؤذوا اليتامى، ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالترحيب وإذا خاطبوهم قالوا يا بني، يا ولدي، والقول السديد من الجالسين إلى المريض أن يقولوا: إذا أردت الوصية لا تسرف في وصيتك ولا تجحف بأولادك، مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد والقول السديد من الورثة حال قسمة الميراث للحاضرين الذين لا يرثون، أن يلطفوا القول لهم ويخصوهم بالاكرام.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًۭا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًۭا ١٠

اعلم أنه تعالى أكد الوعيد في أكل مال اليتيم ظلما، وقد كثر الوعيد في هذه الآيات مرة بعد أخرى على من يفعل ذلك، كقوله: ﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً  ﴾ ﴿ وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا  ﴾ ثم ذكر بعدها هذه الآية مفردة في وعيد من يأكل أموالهم، وذلك كله رحمة من الله تعالى باليتامى لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد العناية والكرامة، وما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته وكثرة عفوه وفضله، لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: دلت هذه الآية على أن مال اليتيم قد يؤكل غير ظلم، والا لم يكن لهذا التخصيص فائدة، وذلك ما ذكرناه فيما تقدم أن للولي المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾ فيه قولان: الأول: أن يجري ذلك على ظاهره قال السدي: إذا أكل الرجل مال اليتيم ظلما يبعث يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومسامعه وأذنيه وعينيه، يعرف كل من رآه أنه أكل مال اليتيم.

وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليلة أسرى بي رأيت قوما لهم مشافر كمشافر الابل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخرا من النار يخرج من أسافلهم فقلت يا جبريل من هؤلاء: فقال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما».

والقول الثاني: ان ذلك توسع، والمراد: ان أكل مال اليتيم جار مجرى أكل النار من حيث انه يفضي اليه ويستلزمه، وقد يطلق اسم أحد المتلازمين على الآخر، كقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا  ﴾ قال القاضي: وهذا أولى من الأول لأن قوله: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾ الاشارة فيه إلى كل واحد، فكان حمله على التوسع الذي ذكرناه أولى.

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: الأكل لا يكون إلا في البطن فما فائدة قوله: ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾ .

وجوابه: أنه كقوله: ﴿ يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِم  ﴾ والقول لا يكون إلا بالفهم، وقال: ﴿ ولكن تعمى القلوب التى فِي الصدور  ﴾ والقلب لا يكون إلا في الصدر، وقال: ﴿ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ  ﴾ والطيران لا يكون إلا بالجناح، والغرض من كل ذلك التأكيد والمبالغة.

المسألة الرابعة: انه تعالى وإن ذكر الأكل إلا أن المراد منه كل أنواع الاتلافات، فان ضرر اليتيم لا يختلف بأن يكون إتلاف ماله بالأكل، أو بطريق آخر، وإنما ذكر الأكل وأراد به كل التصرفات المتلفة لوجوه: أحدها: أن عامة مال اليتيم في ذلك الوقت هو الأنعام التي يأكل لحومها ويشرب ألبانها.

فخرج الكلام على عادتهم.

وثانيها: أنه جرت العادة فيمن أنفق ماله في وجوه مراداته خيرا كانت أو شرا، أنه يقال: إنه أكل ماله.

وثالثها: أن الأكل هو المعظم فيما يبتغي من التصرفات.

المسألة الخامسة: قالت المعتزلة: الآية دالة على وعيد كل من فعل هذا الفعل، سواء كان مسلما أو لم يكن؛ لأن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً ﴾ عام يدخل فيه الكل فهذا يدل على القطع بالوعيد وقوله: ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ﴾ يوجب القطع على أنهم إذا ماتوا على غير توبة يصلون هذا السعير لا محالة، والجواب عنه قد ذكرناه مستقصى في سورة البقرة، ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون هذا الوعيد مخصوصا بالكفار لقوله تعالى: ﴿ والكافرون هُمُ الظالمون  ﴾ ثم قالت المعتزلة: ولا يجوز أن يدخل تحت هذا الوعيد أكل اليسير من ماله لأن الوعيد مشروط بأن لا يكون معه توبة ولا طاعة أعظم من تلك المعصية، وإذا كان كذلك، فالذي يقطع على أنه من أهل الوعيد من تكون معصيته كبيرة ولا يكون معها توبة، فلا جرم وجب أن يطلب قدر ما يكون كثيرا من أكل ماله، فقال أبو علي الجبائي: قدره خمسة دراهم لأنه هو القدر الذي وقع الوعيد عليه في آية الكنز في منع الزكاة، هذا جملة ما ذكره القاضي، فيقال له: فأنت قد خالفت ظاهر هذا العموم من وجهين: أحدهما: أنك زدت فيه شرط عدم التوبة.

والثاني: أنك زدت فيه عدم كونه صغيرا، وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز لنا أن نزيد فيه شرط عدم العفو؟

أقصى ما في الباب أن يقال: ما وجدنا دليلا يدل على حصول العفو، لكنا نجيب عنه من وجهين: أحدهما: أنا لا نسلم عدم دلائل العفو، بل هي كثيرة على ما قررناه في سورة البقرة.

والثاني: هب أنكم ما وجدتموها لكن عدم الوجدان لا يفيد القطع بعدم الوجود، بل يبقى الاحتمال، وحينئذ يخرج التمسك بهذه الآية من إفادة القطع والجزم، والله أعلم.

المسألة السادسة: أنه تعالى ذكر وعيد مانعي الزكاة بالكي فقال: ﴿ يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ  ﴾ وذكر وعيد آكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار، ولا شك أن هذا الوعيد أشد، والسبب فيه أن في باب الزكاة الفقير غير مالك لجزء من النصاب، بل يجب على المالك أن يملكه جزأ من ماله، أما هاهنا اليتيم مالك لذلك المال فكان منعه من اليتيم أقبح، فكان الوعيد أشد، ولأن الفقير قد يكون كبيرا فيقدر على الاكتساب، أما اليتيم فانه لصغره وضعفه عاجز فكان الوعيد في إتلاف ماله أشد.

ثم قال تعالى: ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ ﴾ بضم الياء، أي يدخلون النار على ما لم يسم فاعله، والباقون بفتح الياء قال أبو زيد يقال: صلى الرجل النار يصلاها صلى وصلاء، وهو صالي النار، وقوم صالون وصلاء قال تعالى: ﴿ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم  ﴾ وقال: ﴿ أولى بِهَا صِلِيّاً  ﴾ وقال: ﴿ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا  ﴾ قال الفراء: الصلي: اسم الوقود وهو الصلاء إذا كسرت مدت، وإذا فتحت قصرت، ومن ضم الياء فهو من قولهم: أصلاه الله حر النار اصلاء.

قال: ﴿ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً  ﴾ وقال تعالى: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ  ﴾ قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ سيصلون ﴾ بضم الياء وتخفيف اللام وتشديدها.

المسألة الثانية: السعير: هو النار المستعرة يقال: سعرت النار أسعرها سعراً فهي مسعورة وسعير، والسعير معدول عن مسعورة كما عدل كف خضيب عن مخضوبة، وإنما قال: ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ ﴾ لأن المراد نار من النيران مبهمة لا يعرف غاية شدتها إلا الله تعالى.

المسألة الثالثة: روي أنه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس فاحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية، فصعب الأمر على اليتامى فنزل قوله تعالى: ﴿ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم  ﴾ ومن الجهال من قال: صارت هذه الآية منسوخة بتلك، وهو بعيد لأن هذه الآية في المنع من الظلم وهذا لا يصير منسوخا، بل المقصود أن مخالطة أموال اليتامى إن كان على سبيل الظلم فهو من أعظم أبواب الاثم كما في هذه الآية، وإن كان على سبيل التربية والاحسان فهو من أعظم أبواب البر، كما في قوله: ﴿ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءًۭ فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةًۭ فَلَهَا ٱلنِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٌۭ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخْوَةٌۭ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًۭا ۚ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا ١١

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن أهل الجاهلية كانوا يتوارثون بشيئين: أحدهما: النسب، والآخر العهد، أما النسب فهم ما كانوا يورثون الصغار ولا الاناث.

وإنما كانوا يورثون من الأقارب الرجال الذين يقاتلون على الخيل ويأخذون الغنيمة، وأما العهد فمن وجهين: الأول: الحلف، كان الرجل في الجاهلية يقول لغيره: دمي دمك، وهدمي هدمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، فاذا تعاهدوا على هذا الوجه فأيهما مات قبل صاحبه كان للحي ما اشترط من مال الميت، والثاني: التبني، فان الرجل منهم كان يتبنى ابن غيره فينسب إليه دون أبيه من النسب ويرثه، وهذا التبني نوع من أنواع المعاهدة، ولما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم تركهم في أول الأمر على ما كانوا عليه في الجاهلية، ومن العلماء من قال: بل قررهم الله على ذلك فقال: ﴿ وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون  ﴾ والمراد التوارث بالنسب.

ثم قال: ﴿ والذين عَقَدَتْ أيمانكم فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ  ﴾ والمراد به التوارث بالعهد، والأولون قالوا المراد بقوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ ليس المراد منه النصيب من المال، بل المراد فآتوهم نصيبهم من النصرة والنصيحة وحسن العشرة، فهذا شرح أسباب التوارث في الجاهلية.

وأما أسباب التوارث في الاسلام، فقد ذكرنا أن في أول الأمر قرر الحلف والتبني، وزاد فيه أمرين آخرين: أحدهما: الهجرة، فكان المهاجر يرث من المهاجر.

وان كان أجنبيا عنه، إذا كان كل واحد منهما مختصا بالآخر بمزيد المخالطة والمخالصة، ولا يرثه غير المهاجر، وإن كان من أقاربه.

والثاني: المؤاخاة، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين كل اثنين منهم، وكان ذلك سببا للتوارث، ثم إنه تعالى نسخ كل هذه الأسباب بقوله: ﴿ وَأُوْلُواْ الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله  ﴾ والذي تقرر عليه دين الاسلام أن أسباب التوريث ثلاثة: النسب، والنكاح، والولاء.

المسألة الثانية: روى عطاء قال: استشهد سعد بن الربيع وترك ابنتين وامرأة وأخا، فأخذ الأخ المال كله، فأتت المرأة وقالت يا رسول الله هاتان ابنتا سعد، وإن سعداً قتل وان عمهما أخذ مالهما، فقال عليه الصلاة والسلام: «ارجعي فلعل الله سيقضي فيه» ثم إنها عادت بعد مدة وبكت فنزلت هذه الآية، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمهما وقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن وما بقي فهو لك».

فهذا أول ميراث قسم في الاسلام المسألة الثالثة: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان: الأول: أنه تعالى لما بين الحكم في مال الأيتام، وما على الأولياء فيه، بين كيف يملك هذا اليتيم المال بالارث، ولم يكن ذلك إلا ببيان جملة أحكام الميراث.

الثاني: أنه تعالى أثبت حكم الميراث بالاجمال في قوله: ﴿ لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والاقربون  ﴾ فذكر عقيب ذلك المجمل، هذا المفصل فقال: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم ﴾ .

المسألة الرابعة: قال القفال: قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم ﴾ أي يقول الله لكم قولا يوصلكم الى إيفاء حقوق أولادكم بعد موتكم، وأصل الايصاء هو الايصال يقال: وصى يصي اذا وصل، وأوصى يوصي اذا أوصل، فاذا قيل: أوصاني فمعناه أوصلني الى علم ما أحتاج إلى علمه، وكذلك وصى وهو على المبالغة قال الزجاج: معنى قوله هاهنا: ﴿ يُوصِيكُمُ ﴾ أي يفرض عليكم، لأن الوصية من الله إيجاب والدليل عليه قوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ذلكم وصاكم بِهِ ﴾ ولا شك في كون ذلك واجبا علينا.

فان قيل: انه لا يقال في اللغة أوصيك لكذا فكيف قال هاهنا: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين ﴾ .

قلنا: لما كانت الوصية قولا، لا جرم ذكر بعد قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ الله ﴾ خبرا مستأنفا وقال: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين ﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً  ﴾ أي قال الله: لهم مغفرة لأن الوعد قول.

المسألة الخامسة: اعلم أنه تعالى بدأ بذكر ميراث الأولاد وإنما فعل ذلك لأن تعلق الإنسان بولده أشد التعلقات، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «فاطمة بضعة مني» فلهذا السبب قدم الله ذكر ميراثهم.

واعلم أن للأولاد حال انفراد، وحال اجتماع مع الوالدين: أما حال الانفراد فثلاثة، وذلك لأن الميت إما أن يخلف الذكور والاناث معا، وإما أن يخلف الاناث فقط، أو الذكور فقط.

القسم الأول: ما اذا خلف الذكران والاناث معا، وقد بين الله الحكم فيه بقوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ .

واعلم أن هذا يفيد أحكاما: أحدهما: اذا خلف الميت ذكراً واحدا وأنثى واحدة فللذكر سهمان وللأنثى سهم.

وثانيها: إذا كان الوارث جماعة من الذكور وجماعة من الاناث كان لكل ذكر سهمان، ولك أنثى سهم.

وثالثها: إذا حصل مع الأولاد جمع آخرون من الوارثين كالأبوين والزوجين فهم يأخذون سهامهم، وكان الباقي بعد تلك السهام بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين فثبت أن قوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ يفيد هذه الأحكام الكثيرة.

القسم الثاني: ما إذا مات وخلف الاناث فقط: بين تعالى أنهم إن كن فوق اثنتين، فلهن الثلثان، وإن كانت واحدة فلها النصف، إلا أنه تعالى لم يبين حكم البنتين بالقول الصريح.

واختلفوا فيه، فعن ابن عباس أنه قال: الثلثان فرض الثلاث من البنات فصاعدا، وأما فرض البنتين فهو النصف، واحتج عليه بأنه تعالى قال: ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ وكلمة إن في اللغة للاشتراط، وذلك يدل على أن أخذ الثلثين مشروط بكونهن ثلاثا فصاعداً، وذلك ينفي حصول الثلثين للبنتين.

والجواب من وجوه: الأول: أن هذا الكلام لازم على ابن عباس، لأنه تعالى قال: ﴿ وَإِن كَانَتْ واحدة فَلَهَا النصف ﴾ فجعل حصول النصف مشروطاً بكونها واحدة، وذلك ينفي حصول النصف نصيباً للبنتين، فثبت أن هذا الكلام إن صح فهو يبطل قوله.

الثاني: أنا لا نسلم أن كلمة ان تدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف؛ ويدل عليه أنه لو كان الأمر كذلك لزم التناقض بين هاتين الآيتين، لأن الاجماع دل على أن نصيب الثنتين إما النصف، وإما الثلثان، وبتقدير أن يكون كلمة إن للاشتراط وجب القول بفسادهما، فثبت أن القول بكلمة الاشتراط يفضي إلى الباطل فكان باطلا، ولأنه تعالى قال: ﴿ وَإِن لَّمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فرهان مَّقْبُوضَةٌ  ﴾ وقال: ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم  ﴾ ، ولا يمكن أن يفيد معنى الاشتراط في هذه الآيات.

الوجه الثالث: في الجواب: هو أن في الآية تقديما وتأخيرا، والتقدير: فان كن نساء اثنتين فما فوقهما فلهن الثلثان، فهذا هو الجواب عن حجة ابن عباس، وأما سائر الأمة فقد أجمعوا على أن فرض البنتين الثلثان، قالوا: وإنما عرفنا ذلك بوجوه: الأول: قال أبو مسلم الاصفهاني: عرفناه من قوله تعالى: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ وذلك لأن من مات وخلف ابنا وبنتا فهاهنا يجب أن يكون نصيب الابن الثلثين لقوله تعالى: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ فاذا كان نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين، ونصيب الذكر هاهنا هو الثلثان، وجب لا محالة أن يكون نصيب الابنتين الثلثين.

الثاني: قال أبو بكر الرازي: اذا مات وخلف ابنا وبنتا فهاهنا نصيب البنت الثلث بدليل قوله تعالى: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ فاذا كان نصيب البنت مع الولد الذكر هو الثلث، فبأن يكون نصيبهما مع ولد آخر أنثى هو الثلث كان أولى، لأن الذكر أقوى من الأنثى.

الثالث: أن قوله تعالى: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ يفيد أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الأنثى الواحدة، وإلا لزم أن يكون حظ الذكر مثل حظ الأنثى الواحدة وذلك على خلاف النص، واذا ثبت أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الواحدة فنقول وجب أن يكون ذلك هو الثلثان، لأنه لا قائل بالفرق، والرابع: أنا ذكرنا في سبب نزول هذه الآية أنه عليه الصلاة والسلام أعطى بنتي سعد بن الربيع الثلثين، وذلك يدل على ما قلناه.

الخامس: أنه تعالى ذكر في هذه الآية حكم الواحدة من البنات وحكم الثلاث فما فوقهن، ولم يذكر حكم الثنتين، وقال في شرح ميراث الأخوات: ﴿ إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ﴾ ﴿ فَإِن كَانَتَا اثنتين فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ  ﴾ فهاهنا ذكر ميراث الأخت الواحدة والأختين ولم يذكر ميراث الأخوات الكثيرة، فصار كل واحدة من هاتين الآيتين مجملا من وجه ومبينا من وجه، فنقول: لما كان نصيب الأختين الثلثين كانت البنتان أولى بذلك، لأنهما أقرب الى الميت من الأختين، ولما كان نصيب البنات الكثيرة لا يزداد على الثلثين وجب أن لا يزداد نصيب الأخوات الكثيرة على ذلك، لأن البنت لما كانت أشد اتصالا بالميت امتنع جعل الأضعف زائدا على الأقوى، فهذا مجموع الوجوه المذكورة في هذا الباب، فالوجوه الثلاثة الاول مستنبطة من الآية، والرابع مأخوذ من السنة، والخامس من القياس الجلي.

أما القسم الثالث: وهو اذا مات وخلف الأولاد الذكور فقط فنقول: أما الابن الواحد فانه اذا انفرد أخذ كل المال، وبيانه من وجوه: الاول من دلالة قوله تعالى: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين  ﴾ فان هذا يدل على أن نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين.

ثم قال تعالى في البنات: ﴿ وَإِن كَانَتْ واحدة فَلَهَا النصف ﴾ فلزم من مجموع هاتين الآيتين ان نصيب الابن المفرد جميع المال.

الثاني: أنا نستفيد ذلك من السنة وهي قوله عليه الصلاة والسلام: «ما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر».

ولا نزاع ان الابن عصبة ذكر، ولما كان الابن آخذاً لكل ما بقي بعد السهام وجب فيما إذا لم يكن سهام أن يأخذ الكل.

الثالث: ان أقرب العصبات إلى الميت هو الابن، وليس له بالاجماع قدر معين من الميراث، فاذا لم يكن معه صاحب فرض لم يكن له ان يأخذ قدرا أولى منه بأن يأخذ الزائد، فوجب أن يأخذ الكل.

فان قيل: حظ الانثيين هو الثلثان فقوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ يقتضي أن يكون حظ الذكر مطلقا هو الثلث، وذلك ينفي أن يأخذ كل المال.

قلنا: المراد منه حال الاجتماع لا حال الانفراد، ويدل عليه وجهان: أحدهما: ان قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم ﴾ يقتضي حصول الأولاد، وقوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ يقتضي حصول الذكر والانثى هناك.

والثاني: أنه تعالى ذكر عقيبه حال الانفراد، هذا كله إذا مات وخلف ابنا واحدا فقط، أما إذا مات وخلف أبناء كانوا متشاركين في جهة الاستحقاق ولا رجحان، فوجب قسمة المال بينهم بالسوية والله أعلم.

بقي في الآية سؤالان: السؤال الأول: لا شك أن المرأة أعجز من الرجل لوجوه: أما أولا فلعجزها عن الخروج والبروز، فان زوجها وأقاربها يمنعونها من ذلك.

وأما ثانيا: فلنقصان عقلها وكثرة اختداعها واغترارها.

وأما ثالثا: فلأنها متى خالطت الرجال صارت متهمة، وإذا ثبت أن عجزها أكمل وجب أن يكون نصيبها من الميراث أكثر، فان لم يكن أكثر فلا أقل من المساواة، فما الحكمة في أنه تعالى جعل نصيبها نصف نصيب الرجل.

والجواب عنه من وجوه: الأول: أن خروج المرأة أقل، لأن زوجها ينفق عليها، وخروج الرجل أكثر لأنه هو المنفق على زوجته، ومن كان خروجه أكثر فهو إلى المال أحوج.

الثاني: أن الرجل أكمل حالا من المرأة في الخلقة وفي العقل وفي المناصب الدينية، مثل صلاحية القضاء والامامة، وأيضا شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، ومن كان كذلك وجب أن يكون الانعام عليه أزيد.

الثالث: ان المرأة قليلة العقل كثيرة الشهوة، فاذا انضاف اليها المال الكثير عظم الفساد قال الشاعر: إن الفراغ والشباب والجده *** مفسدة للمرء أي مفسده وقال تعالى: ﴿ كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَيَطْغَىٰٓ  أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ  ﴾ وحال الرجل بخلاف ذلك.

والرابع: أن الرجل لكمال عقله يصرف المال إلى ما يفيده الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة، نحو بناء الرباطات، وإعانة الملهوفين والنفقة على الأيتام والأرامل، وإنما يقدر الرجل على ذلك لأنه يخالط الناس كثيرا، والمرأة تقل مخالطتها مع الناس فلا تقدر على ذلك.

الخامس: روي أن جعفر الصادق سئل عن هذه المسألة فقال: إن حواء أخذت حفنة من الحنطة وأكلتها، وأخذت حفنة أخرى وخبأتها، ثم أخذت حفنة أخرى ودفعتها إلى آدم، فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الله الأمر عليها، فجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل.

السؤال الثاني: لم لم يقل: للأنثيين مثل حظ الذكر، أو للأنثى مثلا نصف حظ الذكر؟

والجواب من وجوه: الأول: لما كان الذكر أفضل من الأنثى قدم ذكره على ذكر الأنثى، كما جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى.

الثاني: أن قوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ يدل على فضل الذكر بالمطابقة وعلى نقص الأنثى بالالتزام، ولو قال: كما ذكرتم لدل ذلك على نقص الأنثى بالمطابقة وفضل الذكر بالالتزام، فرجح الطريق الأول تنبيها على أن السعي في تشهير الفضائل يجب أن يكون راجحا على السعي في تشهير الرذائل، ولهذا قال: ﴿ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأِنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ فذكر الاحسان مرتين والاساءة مرة واحدة.

الثالث: أنهم كانوا يورثون الذكور دون الاناث وهو السبب لورود هذه الآية، فقيل: كفى للذكر أن جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى، فلا ينبغى له أن يطمع في جعل الأنثى محرومة عن الميراث بالكلية، والله أعلم.

المسألة السادسة: لا شك أن اسم الولد واقع على ولد الصلب على سبيل الحقيقة، ولا شك أنه مستعمل في ولد الابن قال تعالى: ﴿ يا بني آدم  ﴾ وقال للذين كانوا في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿ يا بَنِى إسراءيل  ﴾ الا أن البحث في أن لفظ الولد يقع على ولد الابن مجازاً أو حقيقة.

فان قلنا: إنه مجاز فنقول: ثبت في أصول الفقه أن اللفظ الواحد لا يجوز أن يستعمل دفعة واحدة في حقيقته وفي مجازه معا، فحينئذ يمتنع أن يريد الله بقوله: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم ﴾ ولد الصلب وولد الابن معا.

واعلم أن الطريق في دفع هذا الاشكال أن يقال: انا لا نستفيد حكم ولد الابن من هذه الآية بل من السنة ومن القياس، وأما ان أردنا أن نستفيده من هذه الآية فنقول: الولد وولد الابن ما صارا مرادين من هذه الآية معا، وذلك لأن أولاد الابن لا يستحقون الميراث إلا في إحدى حالتين، إما عند عدم ولد الصلب رأسا، وإما عند ما لا يأخذ ولد الصلب كل الميراث، فحينئذ يقتسمون الباقي، وأما أن يستحق ولد الابن مع ولد الصلب على وجه الشركة بينهم كما يستحقه أولاد الصلب بعضهم مع بعض فليس الأمر كذلك، وعلى هذا لا يلزم من دلالة هذه الآية على الولد وعلى ولد الابن أن يكون قد أريد باللفظ الواحد حقيقته ومجازه معا، لأنه حين أريد به ولد الصلب ما أريد به ولد الابن، وحين أريد به ولد الابن ما أريد به ولد الصلب، فالحاصل ان هذه الآية تارة تكون خطابا مع ولد الصلب وأخرى مع ولد الابن، وفي كل واحدة من هاتين الحالتين يكون المراد به شيئا واحداً، أما إذا قلنا: ان وقوع اسم الولد على ولد الصلب وعلى ولد الابن يكون حقيقة، فان جعلنا اللفظ مشتركا بينهما عاد الاشكال، لأنه ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك لافادة معنييه معا، بل الواجب أن يجعله متواطئا فيهما كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان والفرس.

والذي يدل على صحة ذلك قوله تعالى: ﴿ وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم  ﴾ وأجمعوا أنه يدخل فيه ابن الصلب وأولاد الابن، فعلمنا أن لفظ الابن متواطئ بالنسبة إلى ولد الصلب وولد الابن، وعلى هذا التقدير يزول الاشكال.

واعلم أن هذا البحث الذي ذكرناه في أن الابن هل يتناول أولاد الابن قائم في أن لفظ الأب والأم هل يتناول الأجداد والجدات؟

ولا شك أن ذلك واقع بدليل قوله تعالى: ﴿ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق  ﴾ والأظهر أنه ليس على سبيل الحقيقة، فإن الصحابة اتفقوا على أنه ليس للجد حكم مذكور في القرآن، ولو كان اسم الأب يتناول الجد على سبيل الحقيقة لما صح ذلك والله أعلم.

المسألة السابعة: اعلم أن عموم قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ زعموا أنه مخصوص في صور أربعة: أحدها: أن الحر والعبد لا يتوارثان.

وثانيها: أن القاتل على سبيل العمد لا يرث.

وثالثها: أنه لا يتوارث أهل ملتين، وهذا خبر تلقته الأمة بالقبول وبلغ حد المستفيض، ويتفرع عليه فرعان: الفرع الأول: اتفقوا على أن الكافر لا يرث من المسلم، أما المسلم فهل يرث من الكافر؟

ذهب الأكثرون إلى أنه أيضاً لا يرث، وقال بعضهم: إنه يرث قال الشعبي: قضى معاوية بذلك وكتب به إلى زياد، فأرسل ذلك زياد إلى شريح القاضي وأمره به، وكان شريح قبل ذلك يقضي بعدم التوريث، فلما أمره زياد بذلك كان يقضي به ويقول: هكذا قضى أمير المؤمنين.

حجة الأولين عموم قوله عليه السلام: «لا يتوارث أهل ملتين».

وحجة القول الثاني: ما روي أن معاذا كان باليمن فذكروا له أن يهوديا مات وترك أخا مسلما فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الاسلام يزيد ولا ينقص ثم أكدوا ذلك بأن قالوا إن ظاهر قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين ﴾ يقتضي توريث الكافر من المسلم، والمسلم من الكافر، إلا أنا خصصناه بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يتوارث أهل ملتين» لأن هذا الخبر أخص من تلك الآية، والخاص مقدم على العام فكذا هاهنا قوله: الاسلام يزيد ولا ينقص أخص من قوله: لا يتوارث أهل ملتين فوجب تقديمه عليه، بل هذا التخصيص أولى، لأن ظاهر هذا الخبر متأكد بعموم الآية، والخبر الأول ليس كذلك، وأقصى ما قيل في جوابه: أن قوله: الاسلام يزيد ولا ينقص ليس نصا في واقعة الميراث، فوجب حمله على سائر الأحوال.

الفرع الثاني: المسلم إذا ارتد ثم مات أو قتل، فالمال الذي اكتسبه في زمان الردة أجمعوا على أنه لا يورث، بل يكون لبيت المال، أما المال الذي اكتسبه حال كونه مسلما ففيه قولان: قال الشافعي: لا يورث بل يكون لبيت المال، وقال أبو حنيفة: يرثه ورثته من المسلمين، حجة الشافعي أنا أجمعنا على ترجيح قوله عليه السلام: «لا يتوارث أهل ملتين» على عموم قوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ والمرتد وورثته من المسلمين أهل ملتين، فوجب أن لا يحصل التوارث.

فان قيل: لا يجوز أن يقال: إن المرتد زال ملكه في آخر الاسلام وانتقل إلى الوارث، وعلى هذا التقدير فالمسلم انما ورث عن المسلم لا عن الكافر.

قلنا: لو ورث المسلم من المرتد لكان إما أن يرثه حال حياة المرتد أو بعد مماته، والأول باطل، ولا يحل له أن يتصرف في تلك الأموال لقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم  ﴾ وهو بالاجماع باطل.

والثاني: باطل لأن المرتد عند مماته كافر فيفضي إلى حصول التوارث بين أهل ملتين، وهو خلاف الخبر.

ولا يبقى هاهنا إلا أن يقال: إنه يرثه بعد موته مستنداً إلى آخر جزء من أجزاء إسلامه، إلا أن القول بالاستناد باطل، لأنه لما لم يكن الملك حاصلا حال حياة المرتد، فلو حصل بعد موته على وجه صار حاصلا في زمن حياته لزم إيقاع التصرف في الزمان الماضي، وذلك باطل في بداهة العقول، وإن فسر الاستناد بالتبيين عاد الكلام إلى أن الوارث ورثه من المرتد حال حياة المرتد، وقد أبطلناه، والله أعلم.

الموضع الرابع: من تخصيصات هذه الآية ما هو مذهب أكثر المجتهدين أن الأنبياء عليهم السلام لا يورثون، والشيعة خالفوا فيه، روي أن فاطمة عليها السلام لما طلبت الميراث ومنعوها منه، احتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة».

فعند هذا احتجت فاطمة عليها السلام بعموم قوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ وكأنها أشارت إلى أن عموم القرآن لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد، ثم ان الشيعة قالوا: بتقدير أن يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد إلا أنه غير جائز هاهنا، وبيانه من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه على خلاف قوله تعالى: حكاية عن زكريا عليه السلام ﴿ يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَوَرِثَ سليمان دَاوُودُ  ﴾ قالوا: ولا يمكن حمل ذلك على وراثة العلم والدين لأن ذلك لا يكون وراثة في الحقيقة.

بل يكون كسباً جديداً مبتدأ، إنما التوريث لا يتحقق إلا في المال على سبيل الحقيقة.

وثانيها: أن المحتاج إلى معرفة هذه المسألة ما كان إلا فاطمة وعلي والعباس وهؤلاء كانوا من أكابر الزهاد والعلماء وأهل الدين، وأما أبو بكر فانه ما كان محتاجا الى معرفة هذه المسألة البتة، لأنه ما كان ممن يخطر بباله أنه يرث من الرسول عليه الصلاة والسلام فكيف يليق بالرسول عليه الصلاة والسلام أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة به إليها ولا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشد الحاجة.

وثالثها: يحتمل أن قوله: ما تركناه صدقة صلة لقوله: لا نورث والتقدير: أن الشيء الذي تركناه صدقة، فذلك الشيء لا يورث.

فان قيل: فعلى هذا التقدير لا يبقى للرسول خاصية في ذلك.

قلنا: بل تبقى الخاصية لاحتمال أن الأنبياء إذا عزموا على التصدق بشيء فبمجرد العزم يخرج ذلك عن ملكهم ولا يرثه وارث عنهم، وهذا المعنى مفقود في حق غيرهم.

والجواب: أن فاطمة عليها السلام رضيت بقول أبي بكر بعد هذه المناظرة، وانعقد الاجماع على صحة ما ذهب اليه أبو بكر فسقط هذا السؤال، والله أعلم.

المسألة الثامنة: من المسائل المتعلقة بهذه الآية أن قوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ معناه للذكر منهم، فحذف الراجع اليه لأنه مفهوم، كقولك: السمن منوان بدرهم، والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ المعنى إن كانت البنات أو المولودات نساء خلصا ليس معهن ابن، وقوله: ﴿ فَوْقَ اثنتين ﴾ يجوز أن يكون خبرا ثانيا لكان، وأن يكون صفة لقوله: ﴿ نِسَاء ﴾ أي نساء زائدات على اثنتين.

وهاهنا سؤالات.

السؤال الأول: قوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ كلام مذكور لبيان حظ الذكر من الأولاد، لا لبيان حظ الأنثيين، فكيف يحسن إرادته بقوله: ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء ﴾ وهو لبيان حظ الاناث.

والجواب من وجهين: الأول: أنا بينا أن قوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ دل على أن حظ الأنثيين هو الثلثان، فلما ذكر ما دل على حكم الأنثيين قال بعده: ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ على معنى: فان كن جماعة بالغات ما بلغن من العدد، فلهن ما للثنتين وهو الثلثان، ليعلم أن حكم الجماعة حكم الثنتين بغير تفاوت، فثبت أن هذا العطف متناسب.

الثاني: أنه قد تقدم ذكر الأنثيين، فكفى هذا القول في حسن هذا العطف.

السؤال الثاني: هل يصح أن يكون الضميران في كن وكانت مبهمين ويكون نساء وواحدة تفسيراً لهما على ان كان تامة؟

الجواب: ذكر صاحب الكشاف: أنه ليس ببعيد.

السؤال الثالث: النساء: جمع، وأقل الجمع ثلاثة، فالنساء يجب أن يكن فوق اثنتين فما الفائدة في التقييد بقوله فوق اثنتين؟

الجواب: من يقول أقل الجمع اثنان فهذه الآية حجته، ومن يقول: هو ثلاثة قال هذا للتأكيد، كما في قوله: ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً  ﴾ وقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَتْ واحدة فَلَهَا النصف ﴾ فنقول: قرأ نافع (واحدة) بالرفع، والباقون بالنصب، أما الرفع فعلى كان التامة، والاختيار النصب لأن التي قبلها لها خبر منصوب وهو قوله: ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء ﴾ والتقدير: فان كان المتروكات أو الوارثات نساء فكذا هاهنا، التقدير: وإن كانت المتروكة واحدة، وقرأ زيد بن علي: النصف، بضم النون.

قوله تعالى: ﴿ وَلأِبَوَيْهِ لِكُلّ واحد مّنْهُمَا السدس مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ .

اعلم أنه تعالى لما ذكر كيفية ميراث الأولاد ذكر بعده ميراث الأبوين، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ الحسن ونعيم بن أبي ميسر ﴿ السدس ﴾ بالتخفيف وكذلك الربع و ﴿ الثمن ﴾ .

المسألة الثانية: اعلم أن للأبوين ثلاثة أحوال.

الحالة الأولى: أن يحصل معهما ولد وهو المراد من هذه الآية، واعلم أنه لا نزاع أن اسم الولد يقع على الذكر والانثى، فهذه الحالة يمكن وقوعها على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يحصل مع الأبوين ولد ذكر واحد، أو أكثر من واحد، فهاهنا الابوان لكل واحد منهما السدس.

وثانيها: أن يحصل مع الأبوين بنتان أو أكثر، وهاهنا الحكم ما ذكرناه أيضا.

وثالثها: أن يحصل مع الأبوين بنت واحدة فهاهنا للبنت النصف، وللام السدس وللأب السدس بحكم هذه الآية.

والسدس الباقي أيضا للأب بحكم التعصيب، وهاهنا سؤالات.

السؤال الأول: لا شك أن حق الوالدين على الإنسان أعظم من حق ولده عليه، وقد بلغ حق الوالدين إلى أن قرن الله طاعته بطاعتهما فقال: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين إحسانا ﴾ وإذا كان كذلك فما السبب في أنه تعالى جعل نصيب الأولاد أكثر ونصيب الوالدين أقل؟

والجواب عن هذا في نهاية الحسن والحكمة، وذلك لأن الوالدين ما بقي من عمرهما إلا القليل فكان احتياجهما إلى المال قليلا، أما الأولاد فهم في زمن الصبا فكان احتياجهم إلى المال كثيرا فظهر الفرق.

السؤال الثاني: الضمير في قوله: ﴿ وَلأِبَوَيْهِ ﴾ إلى ماذا يعود؟

الجواب: أنه ضمير عن غير مذكور، والمراد: ولأبوي الميت.

السؤال الثالث: ما المراد بالأبوين؟

والجواب: هما الأب والأم، والأصل في الأم أن يقال لها أبة، فأبوان تثنية أب وأبة.

السؤال الرابع: كيف تركيب هذه الآية.

الجواب: قوله: ﴿ لِكُلّ واحد مّنْهُمَا ﴾ بدل من قوله: ﴿ لأبويه ﴾ بتكرير العامل، وفائدة هذا البدل أنه لو قيل: ولأبويه السدس لكان ظاهره اشتراكهما فيه.

فان قيل: فهلا قيل لكل واحد من أبويه السدس.

قلنا: لأن في الابدال والتفصيل بعد الاجمال تأكيداً وتشديدا، والسدس مبتدأ وخبره: لأبويه، والبدل متوسط بينهما للبيان.

قوله تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُِمّهِ الثلث ﴾ .

وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو الحالة الثانية من أحوال الأبوين، وهو أن لا يحصل معهما أحد من الأولاد، ولا يكون هناك وارث سواهما، وهو المراد من قوله: ﴿ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ ﴾ فهاهنا للأم الثلث، وذلك فرض لها، والباقي للأب، وذلك لأن قوله: ﴿ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ ﴾ ظاهره مشعر بأنه لا وارث له سواهما، واذا كان كذلك كان مجموع المال لهما، فاذا كان نصيب الأم هو الثلث وجب أن يكون الباقي وهو الثلثان للأب، فهاهنا يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين كما في حق الأولاد، ويتفرع على ما ذكرنا فرعان: الأول: أن الآية السابقة دلت على أن فرض الاب هو السدس، وفي هذه الصورة يأخذ الثلثين إلا أنه هاهنا يأخذ السدس بالفريضة، والنصف بالتعصيب.

الثاني: لما ثبت أنه يأخذ النصف بالتعصيب في هذه الصورة وجب أن يكون الأب اذا انفرد أن يأخذ كل المال، لأن خاصية العصبة هو أن يأخذ الكل عند الانفراد، هذا كله اذا لم يكن للميت وارث سوى الأبوين، أما اذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين فذهب أكثر الصحابة الى أن الزوج يأخذ نصيبه ثم يدفع ثلث ما بقي الى الأم، ويدفع الباقي الى الأب، وقال ابن عباس: يدفع الى الزوج نصيبه، والى الأم الثلث، ويدفع الباقي الى الأب، وقال: لا أجد في كتاب الله ثلث ما بقي، وعن ابن سيرين أنه وافق ابن عباس في الزوجة والأبوين، وخالفه في الزوج والأبوين، لأنه يفضي الى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين، وأما في الزوجة فانه لا يفضي الى ذلك، وحجة الجمهور وجوه: الأول: أن قاعدة الميراث أنه متى اجتمع الرجل والمرأة من جنس واحد كان للذكر مثل حظ الأنثيين، ألا ترى أن الابن مع البنت كذلك قال تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ وأيضا الأخ مع الأخت كذلك قال تعالى: ﴿ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأنثيين  ﴾ وأيضا الأم مع الأب كذلك، لأنا بينا أنه اذا كان لا وارث غيرهما فللأم الثلث، وللأب الثلثان، اذا ثبت هذا فنقول: اذا أخذ الزوج نصيبه وجب أن يبقى الباقي بين الأبوين أثلاثا، للذكر مثل حظ الأنثيين.

الثاني: أن الأبوين يشبهان شريكين بينهما مال، فاذا صار شيء منه مستحقا بقي الباقي بينهما على قدر الاستحقاق الأول.

الثالث: أن الزوج إنما أخذ سهمه بحكم عقد النكاح لا بحكم القرابة، فأشبه الوصية في قسمة الباقي.

الرابع: أن المرأة اذا خلفت زوجا وأبوين فللزوج النصف، فلو دفعنا الثلث الى الأم والسدس الى الأب لزم أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين، وهذا خلاف قوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين ﴾ .

واعلم أن الوجوه الثلاثة الأول: يرجع حاصلها الى تخصيص عموم القرآن بالقياس.

وأما الوجه الرابع: فهو تخصيص لأحد العمومين بالعموم الثاني.

المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي ﴿ فَلأُِمّهِ ﴾ بكسر الهمزة والميم وشرطوا في جواز هذه الكسرة أن يكون ما قبلها حرفا مكسوراً أو ياء.

أما الأول: فكقوله: ﴿ فِى بُطُونِ أمهاتكم  ﴾ .

وأما الثاني: فكقوله: ﴿ فِى أُمّهَا رَسُولاً  ﴾ وإذا لم يوجد هذا الشرط فليس إلا الضم كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءايَةً ﴾ وأما الباقون فإنهم قرؤا بضم الهمزة، أما وجه من قرأ بالكسر قال الزجاج: انهم استثقلوا الضمة بعد الكسرة في قوله: ﴿ فَلأِمّهِ ﴾ وذلك لأن اللام لشدة اتصالها بالأم صار المجموع كأنه كلمة واحدة، وليس في كلام العرب فعل بكسر الفاء وضم العين، فلا جرم جعلت الضمة كسرة، وأما وجه من قرأ الهمزة بالضم فهو أتى بها على الأصل، ولا يلزم منه استعمال فعل لأن اللام في حكم المنفصل، والله أعلم.

قوله تعالى: ﴿ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُِمِهِ السدس ﴾ .

اعلم أن هذا هو الحالة الثالثة من أحوال الأبوين وهي أن يوجد معهما الأخوة، والأخوات وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اتفقوا على أن الأخت الواحدة لا تحجب الأم من الثلث إلى السدس، واتفقوا على أن الثلاثة يحجبون، واختلفوا في الأختين، فالأكثرون من الصحابة على القول باثبات الحجب كما في الثلاثة، وقال ابن عباس: لا يحجبان كما في حق الواحدة، حجة ابن عباس أن الآية دالة على أن هذا الحجب مشروط بوجود الاخوة، ولفظ الاخوة جمع وأقل الجمع ثلاثة على ما ثبت في أصول الفقه، فاذا لم توجد الثلاثة لم يحصل شرط الحجب، فوجب أن لا يحصل الحجب.

روي أن ابن عباس قال لعثمان: بم صار الاخوان يردان الأم من الثلث إلى السدس؟

وإنما قال الله تعالى: ﴿ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ ﴾ والأخوان في لسان قومك ليسا باخوة؟

فقال عثمان: لا أستطيع أن أرد قضاء قضى به من قبلي ومضى في الأمصار.

واعلم أن في هذه الحكاية دلالة على أن أقل الجمع ثلاثة لأن ابن عباس ذكر ذلك مع عثمان، وعثمان ما أنكره، وهما كانا من صميم العرب، ومن علماء اللسان، فكان اتفاقهما حجة في ذلك.

واعلم أن للعلماء في أقل الجمع قولين: الأول: أن أقل الجمع اثنان وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني رحمة الله عليه، واحتجوا فيه بوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا  ﴾ ولا يكون للانسان الواحد أكثر من قلب واحد.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين ﴾ والتقييد بقوله: فوق اثنتين إنما يحسن لو كان لفظ النساء صالحاً للثنتين.

وثالثها: قوله: الاثنان فما فوقهما جماعة والقائلون بهذا المذهب زعموا أن ظاهر الكتاب يوجب الحجب بالأخوين، الا أن الذي نصرناه في أصول الفقه أن أقل الجمع ثلاثة، وعلى هذا التقدير فظاهر الكتاب لا يوجب الحجب بالأخوين، وإنما الموجب لذلك هو القياس، وتقريره أن نقول: الأختان يوجبان الحجب، وإذا كان كذلك فالأخوان وجب أن يحجبا أيضا، إنما قلنا إن الأختين يحجبان، وذلك لأنا رأينا أن الله تعالى نزل الاثنين من النساء منزلة الثلاثة في باب الميراث، ألا ترى أن نصيب البنتين ونصيب الثلاثة هو الثلثان، وأيضا نصيب الأختين من الأم ونصيب الثلاثة هو الثلث، فهذا الاستقراء يوجب أن يحصل الحجب بالأختين، كما أنه حصل بالأخوات الثلاثة، فثبت أن الأختين يحجبان، واذا ثبت ذلك في الأختين لزم ثبوته في الأخوين، لأنه لا قائل بالفرق، فهذا أحسن ما يمكن أن يقال في هذا الموضع، وفيه إشكال لأن إجراء القياس في التقديرات صعب لأنه غير معقول المعنى، فيكون ذلك مجرد تشبيه من غير جامع، ويمكن أن يقال: لا يتمسك به على طريقة القياس، بل على طريقة الاستقراء لأن الكثرة أمارة العموم، إلا أن هذا الطريق في غاية الضعف والله أعلم، واعلم أنه تأكد هذا باجماع التابعين على سقوط مذهب ابن عباس، والأصح في أصول الفقه أن الاجماع الحاصل عقيب الخلاف حجة، والله أعلم.

المسألة الثانية: الاخوة اذا حجبوا الأم من الثلث الى السدس فهم لا يرثون شيئا ألبتة، بل يأخذ الأب كل الباقي وهو خمسة أسداس، سدس بالفرض، والباقي بالتعصيب، وقال ابن عباس: الاخوة يأخذون السدس الذي حجبوا الأم عنه، وما بقي فللأب، وحجته أن الاستقراء دل على أن من لا يرث لا يحجب، فهؤلاء الاخوة لما حجبوا وجب أن يرثوا، وحجة الجمهور أن عند عدم الاخوة كان المال ملكا للأبوين، وعند وجود الاخوة لم يذكرهم الله تعالى إلا بأنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، ولا يلزم من كونه حاجبا كونه وارثا، فوجب أن يبقى المال بعد حصول هذا الحجب على ملك الأبوين، كما كان قبل ذلك، والله أعلم.

قوله تعالى: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا ﴾ .

اعلم أن مسائل الوصايا تذكر في خاتمة هذه الآية، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما ذكر أنصباء الأولاد والوالدين، قال: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ أي هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء إذا فضل عن الوصية والدين، وذلك لأن أول ما يخرج من التركة الدين، حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق، فأما إذا لم يكن دين، أو كان إلا أنه قضى وفضل بعده شيء، فان أوصى الميت بوصية أخرجت الوصية من ثلث ما فضل، ثم قسم الباقي ميراثاً على فرائض الله.

المسألة الثانية: روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: إنكم لتقرؤن الوصية قبل الدين، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية.

واعلم أن مراده رضي الله تعالى عنه التقديم في الذكر واللفظ، وليس مراده أن الآية تقتضي تقديم الوصية على الدين في الحكم لأن كلمة أو لا تفيد الترتيب ألبتة.

واعلم أن الحكمة في تقديم الوصية على الدين في اللفظ من وجهين: الأول: أن الوصية مال يؤخذ بغير عوض فكان اخراجها شاقا على الورثة، فكان أداؤها مظنة للتفريط بخلاف الدين، فان نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه، فلهذا السبب قدم الله ذكر الوصية على ذكر الدين في اللفظ بعثا على أدائها وترغيبا في اخراجها، ثم أكد في ذلك الترغيب بادخال كلمة أو على الوصية والدين، تنبيها على أنهما في وجوب الاخراج على السوية.

الثاني: أن سهام المواريث كما أنها تؤخر عن الدين فكذا تؤخر عن الوصية، ألا ترى أنه إذا أوصى بثلث ماله كان سهام الورثة معتبرة بعد تسليم الثلث إلى الموصى له، فجمع الله بين ذكر الدين وذكر الوصية، ليعلمنا أن سهام الميراث معتبرة بعد الوصية كما هي معتبرة بعد الدين، بل فرق بين الدين وبين الوصية من جهة أخرى، وهي أنه لو هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصايا وفي أنصباء أصحاب الارث، وليس كذلك الدين، فانه لو هلك من المال شيء استوفى الدين كله من الباقي، وإن استغرقه بطل حق الموصى له وحق الورثة جميعا، فالوصية تشبه الإرث من وجه، والدين من وجه آخر، أما مشابهتها بالارث فما ذكرنا أنه متى هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصية والارث، وأما مشابهتها بالدين فلأن سهام أهل المواريث معتبرة بعد الوصية كما أنها معتبرة بعد الدين والله أعلم.

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: ما معنى أو هاهنا وهلا قيل: من بعد وصية يوصى بها ودين، والجواب من وجهين: الأول: أن أو معناها الاباحة كما لو قال قائل: جالس الحسن أو ابن سيرين والمعنى أن كل واحد منهما أهل أن يجالس، فان جالست الحسن فأنت مصيب، أو ابن سيرين فأنت مصيب، وإن جمعتهما فأنت مصيب، أما لو قال: جالس الرجلين فجالست واحدا منهما وتركت الآخر كنت غير موافق للأمر، فكذا هاهنا لو قال: من بعد وصية ودين وجب في كل مال أن يحصل فيه الأمران، ومعلوم أنه ليس كذلك، أما اذا ذكره بلفظ أو كان المعنى أن أحدهما إن كان فالميراث بعده، وكذلك إن كان كلاهما.

الثاني: أن كلمة أو اذا دخلت على النفي صارت في معنى الواو كقوله: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً  ﴾ وقوله: ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الحوايا أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ  ﴾ فكانت أو هاهنا بمعنى الواو، فكذا قوله تعالى: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ لما كان في معنى الاستثناء صار كأنه قال إلا أن يكون هناك وصية أو دين فيكون المراد بعدهما جميعا.

المسألة الرابعة: قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ﴿ يُوصِى ﴾ بفتح الصاد على ما لم يسم فاعله.

وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي بكسر الصاد إضافة إلى الموصى وهو الاختيار بدليل قوله تعالى: ﴿ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ .

قوله تعالى: ﴿ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مّنَ الله إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ .

اعلم أن هذا كلام معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم وبين قوله: ﴿ فَرِيضَةً مّنَ الله ﴾ ومن حق الاعتراض أن يكون ما اعترض مؤكدا ما اعترض بينه ومناسبه، فنقول: إنه تعالى لما ذكر أنصباء الأولاد وأنصباء الأبوين، وكانت تلك الأنصباء مختلفة والعقول لا تهتدي إلى كمية تلك التقديرات، والانسان ربما خطر بباله أن القسمة لو وقعت على غير هذا الوجه كانت أنفع له وأصلح، لا سيما وقد كانت قسمة العرب للمواريث على هذا الوجه، وانهم كانوا يورثون الرجال الأقوياء، وما كانوا يورثون الصبيان والنسوان والضعفاء، فالله تعالى أزال هذه الشبهة بأن قال: إنكم تعلمون أن عقولكم لا تحيط بمصالحكم، فربما اعتقدتم في شيء أنه صالح لكم وهو عين المضرة وربما اعتقدتم فيه أنه عين المضرة ويكون عين المصلحة، وأما الاله الحكيم الرحيم فهو العالم بمغيبات الأمور وعواقبها، فكأنه قيل: أيها الناس اتركوا تقدير المواريث بالمقادير التي تستحسنها عقولكم، وكونوا مطيعين لأمر الله في هذه التقديرات التي قدرها لكم، فقوله: ﴿ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ اشارة إلى ترك ما يميل اليه الطبع من قسمة المواريث على الورثة، وقوله: ﴿ فَرِيضَةً مّنَ الله ﴾ اشارة إلى وجوب الانقياد لهذه القسمة التي قدرها الشرع وقضى بها، وذكروا في المراد من قوله: ﴿ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ وجوها: الأول: المراد أقرب لكم نفعا في الآخرة، قال ابن عباس: إن الله ليشفع بعضهم في بعض، فأطوعكم لله عز وجل من الأبناء والآباء أرفعكم درجة في الجنة، وإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله اليه ولده بمسألته ليقر بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله إليه والديه، فقال: ﴿ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ﴾ لأن أحدهما لا يعرف أن انتفاعه في الجنة بهذا أكثر أم بذلك.

الثاني: المراد كيفية انتفاع بعضهم ببعض في الدنيا من جهة ما أوجب من الانفاق عليه والتربية له والذب عنه والثالث: المراد جواز أن يموت هذا قبل ذلك فيرثه وبالضد.

قوله تعالى: ﴿ فَرِيضَةً مّنَ الله ﴾ هو منصوب نصب المصدر المؤكد أي فرض ذلك فرضا إن الله كان عليما حكيما، والمعنى أن قسمة الله لهذه المواريث أولى من القسمة التي تميل اليها طباعكم، لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات، فيكون عالما بما في قسمة المواريث من المصالح والمفاسد، وأنه حكيم لا يأمر إلا بما هو الأصلح الأحسن، ومتى كان الأمر كذلك كانت قسمته لهذه المواريث أولى من القسمة التي تريدونها، وهذا نظير قوله للملائكة: ﴿ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ  ﴾ .

فان قيل: لم قال: ﴿ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ مع أنه الآن كذلك.

قلنا: قال الخليل: الخبر عن الله بهذه الألفاظ كالخبر بالحال والاستقبال، لأنه تعالى منزه عن الدخول تحت الزمان، وقال سيبويه: القوم لما شاهدوا علماً وحكمة وفضلا وإحساناً تعجبوا، فقيل لهم: إن الله كان كذلك، ولم يزل موصوفا بهذه الصفات.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌۭ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌۭ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌۭ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌۭ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌۭ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّۢ ۚ وَصِيَّةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌۭ ١٢

اعلم أنه تعالى أورد أقسام الورثة في هذه الآيات على أحسن الترتيبات، وذلك لأن الوارث إما أن يكون متصلا بالميت بغير واسطة أو بواسطة، فان اتصل به بغير واسطة فسبب الاتصال اما أن يكون هو النسب أو الزوجية، فحصل هاهنا أقسام ثلاثة، أشرفها وأعلاها الاتصال الحاصل ابتداء من جهة النسب، وذلك هو قرابة الولاد، ويدخل فيها الأولاد والوالدان فالله تعالى قدم حكم هذا القسم.

وثانيها: الاتصال الحاصل ابتداء من جهة الزوجية، وهذا القسم متأخر في الشرف عن القسم الأول لأن الأول ذاتي وهذا الثاني عرضي، والذاتي أشرف من العرضي، وهذا القسم هو المراد من هذه الآية التي نحن الآن في تفسيرها.

وثالثها: الاتصال الحاصل بواسطة الغير وهو المسمى بالكلالة، وهذا القسم متأخر عن القسمين الأولين لوجوه: أحدها: أن الأولاد والوالدين والأزواج والزوجات لا يعرض لهم السقوط بالكلية، وأما الكلالة فقد يعرض لهم السقوط بالكلية.

وثانيها: أن القسمين الأولين ينسب كل واحد منهما إلى الميت بغير واسطة، والكلالة تنسب إلى الميت بواسطة والثابت ابتداء أشرف من الثابت بواسطة.

وثالثها: أن مخالطة الإنسان بالوالدين والأولاد والزوج والزوجة أكثر وأتم من مخالطته بالكلالة.

وكثرة المخالطة مظنة الالفة والشفقة، وذلك يوجب شدة الاهتمام بأحوالهم، فلهذه الأسباب الثلاثة وأشباهها أخر الله تعالى ذكر مواريث الكلالة عن ذكر القسمين الأولين فما أحسن هذا الترتيب وما أشد انطباقه على قوانين المعقولات وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما جعل في الموجب النسبي حظ الرجل مثل حظ الانثيين كذلك جعل في الموجب السببي حظ الرجل مثل حظ الانثيين، واعلم أن الواحد والجماعة سواء في الربع والثمن، والولد من ذلك الزوج ومن غيره سواء في الرد من النصف إلى الربع أو من الربع إلى الثمن، واعلم أنه لا فرق في الولد بين الذكر والانثى ولا فرق بين الابن وبين ابن الابن ولا بين البنت وبين بنت الابن، والله أعلم.

المسألة الثانية: قال الشافعي رحمه الله: يجوز للزوج غسل زوجته، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجوز.

حجة الشافعي أنها بعد الموت زوجته فيحل له غسلها، بيان أنها زوجته قوله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم ﴾ سماها زوجة حال ما أثبت للزوج نصف مالها عند موتها، إذا ثبت للزوج نصف مالها عند موتها، فوجب أن تكون زوجة له بعد موتها، إذا ثبت هذا وجب أن يحل له غسلها لأنه قبل الزوجية ما كان يحل له غسلها، وعند حصول الزوجية حل له غسلها، والدوران دليل العلية ظاهرا.

وحجة أبي حنيفة أنها ليست زوجته ولا يحل له غسلها: بيان عدم الزوجية أنها لو كانت زوجته لحل له بعد الموت وطؤها لقوله: ﴿ إِلاَّ على أزواجهم  ﴾ وإذا ثبت هذا وجب أن لا يثبت حل الغسل، لأنه لو ثبت لثبت اما مع حل النظر وهو باطل لقوله عليه السلام: «غض بصرك إلا عن زوجتك» أو بدون حل النظر وهو باطل بالاجماع.

والجواب: لما تعارضت الآيتان في ثبوت الزوجية وعدمها وجب الترجيح فنقول: لو لم تكن زوجة لكان قوله: ﴿ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم ﴾ مجازا، ولو كانت زوجة مع أنه لا يحل وطؤها لزم التخصيص، وقد ذكرنا في أصول الفقه أن التخصيص أولى، فكان الترجيح من جانبنا، وكيف وقد علمنا أن في صور كثيرة حصلت الزوجية ولم يحصل حل الوطء مثل زمان الحيض والنفاس ومثل نهار رمضان، وعند اشتغالها باداء الصلاة المفروضة والحج المفروض، وعند كونها في العدة عن الوطء بالشبهة، وأيضا فقد بينا في الخلافيات أن حل الوطء ثبت على خلاف الدليل لما فيه من المصالح الكثيرة، فبعد الموت لم يبق شيء من تلك المصالح، فعاد إلى أصل الحرمة، أما حل الغسل فان ثبوته بعد الموت منشأ للمصالح الكثيرة فوجب القول ببقائه والله أعلم.

المسألة الثالثة: في الآية ما يدل على فضل الرجال على النساء لأنه تعالى حيث ذكر الرجال في هذه الآية ذكرهم على سبيل المخاطبة، وحيث ذكر النساء ذكرهن على سبيل المغايبة، وأيضا خاطب الله الرجال في هذه الآية سبع مرات، وذكر النساء فيها على سبيل الغيبة أقل من ذلك، وهذا يدل على تفضيل الرجال على النساء، وما أحسن ما راعى هذه الدقيقة لأنه تعالى فضل الرجال على النساء في النصيب، ونبه بهذه الدقيقة على مزيد فضلهم عليهن.

قوله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كلالة أوامرأة وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلّ واحد مّنْهُمَا السدس فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذلك فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثلث مِن بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار وصية الله والله عليم حليم ﴾ .

اعلم أن هذه الآية في شرح توريث القسم الثالث من أقسام الورثة وهم الكلالة وهم الذين ينسبون إلى الميت بواسطة.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: كثر أقوال الصحابة في تفسير الكلالة، واختيار أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنها عبارة عمن سوى الوالدين والولد، وهذا هو المختار والقول الصحيح، وأما عمر رضي الله عنه فانه كان يقول: الكلالة من سوى الولد، وروي أنه لما طعن قال: كنت أرى أن الكلالة من لا ولد له، وأنا أستحيى أن أخالف أبا بكر، الكلالة من عدا الوالد والولد، وعن عمر فيه رواية أخرى: وهي التوقف، وكان يقول: ثلاثة، لأن يكون بينها الرسول صلى الله عليه وسلم لنا أحب الي من الدنيا وما فيها: الكلالة، والخلافة، والربا.

والذي يدل على صحة قول الصديق رضي الله عنه وجوه: الأول: التمسك باشتقاق لفظ الكلالة وفيه وجوه: الأول: يقال: كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت القرابة، وحمل فلان على فلان، ثم كل عنه إذا تباعد.

فسميت القرابة البعيدة كلالة من هذا الوجه.

الثاني: يقال: كل الرجل يكل كلا وكلالة إذا أعيا وذهبت قوته، ثم جعلوا هذا اللفظ استعارة من القرابة الحاصلة لا من جهة الولادة، وذلك لانا بينا أن هذه القرابة حاصلة بواسطة الغير فيكون فيها ضعف، وبهذا يظهر أنه يبعد ادخال الوالدين في الكلالة لأن انتسابهما إلى الميت بغير واسطة.

الثالث: الكلالة في أصل اللغة عبارة عن الاحاطة، ومنه الاكليل لاحاطته بالرأس، ومنه الكل لاحاطته بما يدخل فيه، ويقال تكلل السحاب إذا صار محيطا بالجوانب، إذا عرفت هذا فنقول: من عدا الوالد والولد إنما سموا بالكلالة، لأنهم كالدائرة المحيطة بالانسان وكالاكليل المحيط برأسه: أما قرية الولادة فليست كذلك فان فيها يتفرع البعض عن البعض: ويتولد البعض من البعض، كالشيء الواحد الذي يتزايد على نسق واحد، ولهذا قال الشاعر: نسب تتابع كابراً عن كابر *** كالرمح أنبوبا على أنبوب فأما القرابة المغايرة لقرابة الولادة، وهي كالاخوة والأخوات والأعمام والعمات، فانما يحصل لنسبهم اتصال وإحاطة بالمنسوب اليه، فثبت بهذه الوجوه الاشتقاقية أن الكلالة عبارة عمن عدا الوالدين والولد.

الحجة الثانية: أنه تعالى ما ذكر لفظ الكلالة في كتابه إلا مرتين، في هذه السورة: أحدهما: في هذه الآية، والثاني: في آخر السورة وهو قوله: ﴿ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ  ﴾ واحتج عمر بن الخطاب بهذه الآية على أن الكلالة من لا ولد له فقط، قال: لأن المذكور هاهنا في تفسير الكلالة: هو أنه ليس له ولد، إلا أنا نقول: هذه الآية تدل على أن الكلالة من لا ولد له ولا والد.

وذلك لأن الله تعالى حكم بتوريث الاخوة والأخوات حال كون الميت كلالة، ولا شك أن الاخوة والأخوات لا يرثون حال وجود الأبوين، فوجب أن لا يكون الميت كلالة حال وجود الأبوين.

الحجة الثانية: انه تعالى ذكر حكم الولد والوالدين في الآيات المتقدمة ثم أتبعها بذكر الكلالة، وهذا الترتيب يقتضي أن تكون الكلالة من عدا الوالدين والولد.

الحجة الرابعة: قول الفرزدق: ورثتم قناة الملك لا عن كلالة *** عن ابني مناف عبد شمس وهاشم دل هذا البيت على أنهم ما ورثوا الملك عن الكلالة، ودل على أنهم ورثوها عن آبائهم، وهذا يوجب أن لا يكون الأب داخلا في الكلالة والله أعلم.

المسألة الثانية: الكلالة قد تجعل وصفا للوارث وللمورث، فاذا جعلناها وصفا للوارث فالمراد من سوى الأولاد والوالدين، واذا جعلناها وصفا للمورث، فالمراد الذي يرثه من سوى الوالدين والأولاد، أما بيان أن هذا اللفظ مستعمل في الوارث فالدليل عليه ما روى جابر قال: مرضت مرضاً أشفيت منه على الموت فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني رجل لا يرثني إلا كلالة، وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد، وأما أنه مستعمل في المورث فالبيت الذي رويناه عن الفرزدق، فان معناه أنكم ما ورثتم الملك عن الأعمام، بل عن الآباء فسمى العم كلالة وهو هاهنا مورث لا وارث، اذا عرفت هذا فنقول: المراد من الكلالة في هذه الآية الميت، الذي لا يخلف الوالدين والولد، لأن هذا الوصف إنما كان معتبراً في الميت الذي هو المورث لا في الوارث الذي لا يختلف حاله بسب أن له ولدا أو والدا أم لا.

المسألة الثالثة: يقال رجل كلالة، وامرأة كلالة، وقوم كلالة، لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر كالدلالة والوكالة.

إذا عرفت هذا فنقول: إذا جعلناها صفة للوارث أو المورث كان بمعنى ذي كلالة، كما يقول: فلان من قرابتي يريد من ذوي قرابتي، قال صاحب الكشاف: ويجوز أن يكون صفة كالهجاجة والفقاقة للأحمق.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ يُورَثُ ﴾ فيه احتمالان: الأول: أن يكون ذلك مأخوذاً من ورثه الرجل يرثه، وعلى هذا التقدير يكون الرجل هو الموروث منه، وفي انتصاب كلالة وجوه: أحدها: النصب على الحال، والتقدير: يورث حال كونه كلالة، والكلالة مصدر وقع موقع الحال تقديره: يورث متكلل النسب.

وثانيها: أن يكون قوله: ﴿ يُورَثُ ﴾ صفة لرجل، و ﴿ كلالة ﴾ خبر كان، والتقدير وإن كان رجل يورث منه كلالة.

وثالثها: أن يكون مفعولا له، أي يورث لأجل كونه كلالة.

الاحتمال الثاني: في قوله: ﴿ يُورَثُ ﴾ أن يكون ذلك مأخوذا من أورث يورث، وعلى هذا التقدير يكون الرجل هو الوارب، وانتصاب كلالة على هذا التقدير أيضا يكون على الوجوه المذكورة.

المسألة الخامسة: قرأ الحسن، وأبو رجاء العطاردي: يورث ويورث بالتخفيف والتشديد على الفاعل.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلّ واحد مّنْهُمَا السدس ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: هاهنا سؤال: وهو أنه تعالى قال: ﴿ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كلالة أَو امرأة ﴾ ثم قال: ﴿ وَلَهُ أَخٌ ﴾ فكنى عن الرجل وما كنى عن المرأة فما السبب فيه؟

والجواب قال الفراء: هذا جائز فانه إذا جاء حرفان في معنى واحد بأو جاز إسناد التفسير إلى أيهما أريد، ويجوز إسناده إليهما أيضا، تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله، يذهب إلى الأخ، أو فليصلها يذهب إلى الأخت، وإن قلت فليصلهما جاز أيضا.

المسألة الثانية: أجمع المفسرون هاهنا على أن المراد من الأخ والأخت: الأخ والأخت من الأم، وكان سعد بن أبي قاص يقرأ: وله أخ أو أخت من أم، وإنما حكموا بذلك لأنه تعالى قال في آخر السورة: ﴿ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة  ﴾ فأثبت للأختين الثلثين، وللاخوة كل المال، وهاهنا أثبت للاخوة والأخوات الثلث، فوجب أن يكون المراد من الاخوة والأخوات هاهنا غير الاخوة والأخوات في تلك الآية، فالمراد هاهنا الاخوة والأخوات من الأم فقط، وهناك الاخوة والأخوات من الأب والأم، أو من الأب.

ثم قال تعالى: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أو  ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن ظاهر هذه الآية يقتضي جواز الوصية بكل المال وبأي بعض أريد، ومما يوافق هذه الآية من الأحاديث ما روى نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما حق امرئ مسلم له مال يوصى به ثم تمضي عليه ليلتان إلا ووصيته مكتوبة عنده».

فهذا الحديث أيضا يدل على الاطلاق في الوصية كيف أريد، إلا أنا نقول: هذه العمومات مخصوصة من وجهين: الأول: في قدر الوصية، فانه لا يجوز الوصية بكل المال بدلالة القرآن والسنة، أما القرآن فالآيات الدالة على الميراث مجملا ومفصلا، أما المجمل فقوله تعالى: ﴿ لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والاقربون  ﴾ ومعلوم أن الوصية بكل المال تقتضي نسخ هذا النص، وأما المفصل فهي آيات المواريث كقوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين  ﴾ ويدل عليه أيضا قوله تعالى: ﴿ وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ  ﴾ وأما السنة فهي الحديث المشهور في هذا الباب، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «الثلث والثلث كثير إنك ان تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس».

واعلم أن هذا الحديث يدل على أحكام: أحدها: أن الوصية غير جائزة في أكثر من الثلث.

وثانيها: أن الأولى النقصان عن الثلث لقوله: «والثلث كثير».

وثالثها: أنه اذا ترك القليل من المال وورثته فقراء فالأفضل له أن لا يوصي بشيء لقوله عليه الصلاة والسلام: «أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس».

ورابعها: فيه دلالة على جواز الوصية بجميع المال اذا لم يكن له وارث لأن المنع منه لأجل الورثة، فعند عدمهم وجب الجواز.

الوجه الثاني: تخصيص عموم هذه الآية في الموصى له، وذلك لأنه لا يجوز الوصية لوارث، قال عليه الصلاة والسلام: «ألا لا وصية لوارث».

المسألة الثانية: قال الشافعي رحمة الله عليه: اذا أخر الزكاة والحج حتى مات يجب إخراجهما من التركة، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجب، حجة الشافعي: أن الزكاة الواجبة والحج الواجب دين فيجب اخراجه بهذه الآية، وإنما قلنا إنه دين، لأن اللغة تدل عليه، والشرع أيضاً يدل عليه، أما اللغة فهو أن الدين عبارة عن الأمر الموجب للانقياد، قيل في الدعوات المشهورة؛ يا من دانت له الرقاب، أي انقادت، وأما الشرع فلأنه روي أن الخثعمية لما سألت الرسول صلى الله عليه وسلم عن الحج الذي كان على أبيها، فقال عليه الصلاة والسلام: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزئ؟

فقالت نعم، فقال عليه الصلاة والسلام فدين الله أحق أن يُقضى إذا ثبت أنه دين وجب تقديمه على الميراث لقوله تعالى: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ قال أبو بكر الرازي: المذكور في الآية الدين المطلق، والنبي صلى الله عليه وسلم سمى الحج دينا لله، والاسم المطلق لا يتناول المقيد.

قلنا: هذا في غاية الركاكة لأنه لما ثبت أن هذا دين، وثبت بحكم الآية أن الدين مقدم على الميراث لزم المقصود لا محالة، وحديث الاطلاق والتقييد كلام مهمل لا يقدح في هذا المطلوب، والله أعلم.

المسألة الثالثة: اعلم أن قوله تعالى: ﴿ غَيْرَ مُضَارّ ﴾ نصب على الحال، أي يوصى بها وهو غير مضار لورثته.

واعلم أن الضرار في الوصية يقع على وجوه: أحدها: أن يوصي بأكثر من الثلث.

وثانيها: أن يقر بكل ماله أو ببعضه لأجنبي.

وثالثها: أن يقر على نفسه بدين لا حقيقة له دفعا للميراث عن الورثة.

ورابعها: أن يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه ووصل اليه.

وخامسها: أن يبيع شيئاً بثمن بخمس أو يشتري شيئاً بثمن غال، كل ذلك لغرض أن لا يصل المال إلى الورثة.

وسادسها: أن يوصي بالثلث لا لوجه الله لكن لغرض تنقيص حقوق الورثة، فهذا هو وجه الاضرار في الوصية.

واعلم أن العلماء قالوا: الأولى أن يوصي بأقل من الثلث، قال علي: لأن أوصي بالخمس أحب إلى من الربع.

ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث.

وقال النخعي: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يوص، وقبض أبو بكر فوصى، فان أوصى الإنسان فحسن، وإن لم يوص فحسن أيضا.

واعلم أن الأولى بالانسان أن ينظر في قدر ما يخلف ومن يخلف، ثم يجعل وصيته بحسب ذلك فان كان ماله قليلا وفي الورثة كثرة لم يوص، وإن كان في المال كثرة أوصى بحسب المال وبحسب حاجتهم بعده في القلة والكثرة والله أعلم.

المسألة الرابعة: روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: الاضرار في الوصية من الكبائر.

واعلم أنه يدل على ذلك القرآن والسنة والمعقول، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ  ﴾ قال ابن عباس في الوصية: ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ  ﴾ قال في الوصية، وأما السنة فروى عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الاضرار في الوصية من الكبائر وعن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة وجار في وصيته ختم له بشر عمله فيدخل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة».

وقال عليه الصلاة والسلام: «من قطع ميراثا فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة».

ومعلوم ان الزيادة في الوصية قطع من الميراث، وأما المعقول فهو أن مخالفة أمر الله عند القرب من الموت يدل على جراءة شديدة على الله تعالى، وتمرد عظيم عن الانقياد لتكاليفه، وذلك من أكبر الكبائر.

ثم قال تعالى: ﴿ وَصِيَّةً مّنَ الله ﴾ وفيه سؤالان: السؤال الأول: كيف انتصاب قوله: ﴿ وَصِيَّةً ﴾ .

والجواب فيه من وجوه: الأول: أنه مصدر مؤكد أي يوصيكم الله بذلك وصية، كقوله: ﴿ فَرِيضَةً مّنَ الله  ﴾ .

الثاني: أن تكون منصوبة بقوله: ﴿ غَيْرَ مُضَار ﴾ أي لا تضار وصية الله في أن الوصية يجب أن لا تزاد على الثلث.

الثالث: أن يكون التقدير: وصية من الله بالأولاد وأن لا يدعهم عالة يتكففون وجوه الناس بسبب الاسراف في الوصية، وينصر هذا الوجه قراءة الحسن: غير مضار وصية بالاضافة.

السؤال الثاني: لم جعل خاتمة الآية الأولى: ﴿ فَرِيضَةً مّنَ الله ﴾ وخاتمة هذه الآية ﴿ وَصِيَّةً مّنَ الله ﴾ .

الجواب: ان لفظ الفرض أقوى وآكد من لفظ الوصية، فختم شرح ميراث الأولاد بذكر الفريضة، وختم شرح ميراث الكلالة بالوصية ليدل بذلك على أن الكل، وان كان واجب الرعاية إلا أن القسم الأول وهو رعاية حال الأولاد أولى، ثم قال: ﴿ والله عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ أي عليم بمن جار أو عدل في وصيته ﴿ حَلِيمٌ ﴾ على الجائر لا يعاجله بالعقوبة وهذا وعيد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ١٣ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدْخِلْهُ نَارًا خَـٰلِدًۭا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ١٤

في الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى بعد بيان سهام المواريث ذكر الوعد والوعيد ترغيبا في الطاعة وترهيبا عن المعصية فقال: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: ان قوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى ماذا؟

فيه قولان: الأول: أنه إشارة إلى أحوال المواريث.

القول الثاني: أنه إشارة الى كل ما ذكره من أول السورة الى هاهنا من بيان أموال الأيتام وأحكام الأنكحة وأحوال المواريث وهو قول الأصم، حجة القول الأول أن الضمير يعود الى أقرب المذكورات، وحجة القول الثاني أن عوده الى الأقرب اذا لم يمنع من عوده الى الأبعد مانع يوجب عوده الى الكل.

البحث الثاني: أن المراد بحدود الله المقدرات التي ذكرها وبينها، وحد الشيء طرفه الذي يمتاز به عن غيره، ومنه حدود الدار، والقول الدال على حقيقة الشيء يسمى حداً له، لأن ذلك القول يمنع غيره من الدخول فيه، وغيره هو كل ما سواه.

المسألة الثانية: قال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ وقوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ مختص بمن أطاع أو عصى في هذه التكاليف المذكورة في هذه السورة، وقال المحققون: بل هو عام يدخل فيه هذا وغيره، وذلك لأن اللفظ عام فوجب أن يتناول الكل.

أقصى ما في الباب ان هذا العام إنما ذكر عقيب تكاليف خاصة، إلا أن هذا القدر لا يقتضي تخصيص العموم، ألا ترى أن الوالد قد يقبل على ولده ويوبخه في أمر مخصوص، ثم يقول: احذر مخالفتي ومعصيتي ويكون مقصوده منعه من معصيته في جميع الأمور، فكذا هاهنا والله أعلم.

المسألة الثالثة: قرأ نافع وابن عامر: (ندخله جنات) (ندخله نارا) بالنون في الحرفين، والباقون بالياء.

أما الأول: فعلى طريقة الالتفات كما في قوله: ﴿ بَلِ الله مولاكم  ﴾ ثم قال: ﴿ سَنُلْقِى  ﴾ بالنون.

وأما الثاني: فوجهه ظاهر.

المسألة الرابعة: هاهنا سؤال وهو أن قوله: ﴿ يُدْخِلْهُ جنات ﴾ إنما يليق بالواحد ثم قوله بعد ذلك ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ إنما يليق بالجمع فكيف التوفيق بينهما؟

الجواب: أن كلمة (من) في قوله: ﴿ وَمَن يُطِعِ الله ﴾ مفرد في اللفظ جمع في المعنى فلهذا صح الوجهان.

المسألة الخامسة: انتصب خالدين وخالدا على الحال من الهاء في ندخله والتقدير: ندخله خالدا في النار.

المسألة السادسة: قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أن فساق أهل الصلاة يبقون مخلدين في النار.

وذلك لأن قوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ ﴾ إما أن يكون مخصوصا بمن تعدى في الحدود التي سبق ذكرها وهي حدود المواريث، أو يدخل فيها ذلك وغيره، وعلى التقديرين يلزم دخول من تعدى في المواريث في هذا الوعيد، وذلك عام فيمن تعدى وهو من أهل الصلاة أو ليس من أهل الصلاة، فدلت هذه الآية على القطع بالوعيد، وعلى ان الوعيد مخلد، ولا يقال: هذا الوعيد مختص بمن تعدى حدود الله، وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر.

فانه هو الذي تعدى جميع حدود الله، فانا نقول: هذا مدفوع من وجهين: الأول: انا لو حملنا هذه الآية على تعدي جميع حدود الله خرجت الآية عن الفائدة لأن الله تعالى نهى عن اليهودية والنصرانية والمجوسية، فتعدي جميع حدوده هو أن يترك جميع هذه النواهي، وتركها إنما يكون بأن يأتي اليهودية والمجوسية والنصرانية معا وذلك محال، فثبت أن تعدى جميع حدود الله محال فلو كان المراد من الآية ذلك لخرجت الآية عن كونها مفيدة، فعلمنا ان المراد منه أي حد كان من حدود الله.

الثاني: هو أن هذه الآية مذكورة عقيب آيات قسمة المواريث، فيكون المراد من قوله: ﴿ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ ﴾ تعدى حدود الله في الأمور المذكورة في هذه الآيات.

وعلى هذا التقدير يسقط هذا السؤال.

هذا منتهى تقرير المعتزلة وقد ذكرنا هذه المسألة على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة.

ولا بأس بأن نعيد طرفا منها في هذا الموضع فنقول: أجمعنا على أن هذا الوعيد مختص بعدم التوبة لأن الدليل دل على انه إذا حصلت التوبة لم يبق هذا الوعيد، فكذا يجوز أن يكون مشروطا بعدم العفو، فان بتقدير قيام الدلالة على حصول العفو امتنع بقاء هذا الوعيد عند حصول العفو، ونحن قد ذكرنا الدلائل الكثيرة على حصول العفو، ثم نقول: هذا العموم مخصوص بالكافر، ويدل عليه وجهان: الأول: انا إذا قلنا لكم: ما الدليل على أن كلمة (من) في معرض الشرط تفيد العموم؟

قلتم: الدليل عليه أنه يصح الاستثناء منه، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه، فنقول: ان صح هذا الدليل فهو يدل على أن قوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ مختص بالكافر: لأن جميع المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ فيقال: ومن يعص الله ورسوله إلا في الكفر، والا في الفسق، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فهذا يقتضي أن قوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ الله ﴾ في جميع أنواع المعاصي والقبائح وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر، وقوله: الاتيان بجميع المعاصي محال لأن الاتيان باليهودية والنصرانية معا محال، فنقول: ظاهر اللفظ يقتضي العموم إلا إذا قام مخصص عقلي أو شرعي، وعلى هذا التقدير يسقط سؤالهم ويقوي ما ذكرناه.

الوجه الثاني: في بيان أن هذه الآية مختصة بالكافر: أن قوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ يفيد كونه فاعلا للمعصية والذنب، وقوله: ﴿ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ ﴾ لو كان المراد منه عين ذلك للزم التكرار، وهو خلاف الأصل، فوجب حمله على الكفر، وقوله: بأنا نحمل هذه الآية على تعدي الحدود المذكورة في المواريث.

قلنا: هب أنه كذلك إلا أنه يسقط ما ذكرناه من السؤال بهذا الكلام، لأن التعدي في حدود المواريث تارة يكون بأن يعتقد أن تلك التكاليف والأحكام حق وواجبة القبول إلا أنه يتركها، وتارة يكون بأن يعتقد أنها واقعة لا على وجه الحكمة والصواب، فيكون هذا هو الغاية في تعدي الحدود، وأما الأول فلا يكاد يطلق في حقه أنه تعدى حدود الله، وإلا لزم وقوع التكرار كما ذكرناه، فعلمنا أن هذا الوعيد مختص بالكافر الذي لا يرضى بما ذكره الله في هذه الآية من قسمة المواريث، فهذا ما يختص بهذه الآية من المباحث، وأما بقية الأسئلة فقد تقدم ذكرها في سورة البقرة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةًۭ مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًۭا ١٥

اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآيات المتقدمة الأمر بالاحسان الى النساء ومعاشرتهن بالجميل، وما يتصل بهذا الباب، ضم الى ذلك التغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة، فان ذلك في الحقيقة إحسان إليهن ونظر لهن في أمر آخرتهن، وأيضا ففيه فائدة أخرى: وهو أن لا يجعل أمر الله الرجال بالاحسان إليهن سببا لترك إقامة الحدود عليهن، فيصير ذلك سببا لوقوعهن في أنواع المفاسد والمهالك، وأيضا فيه فائدة ثالثة، وهي بيان أن الله تعالى كما يستوفي لخلقه فكذلك يستوفي عليهم، وأنه ليس في أحكامه محاباة ولا بينه وبين أحد قرابة، وأن مدار هذا الشرع الانصاف والاحتراز في كل باب عن طرفي الافراط والتفريط، فقال: ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نّسَائِكُمْ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اللاتي: جمع التي، وللعرب في جمع التي لغات: اللاتي واللات واللواتي واللوات.

قال أبو بكر الانباري: العرب تقول في الجمع من غير الحيوان: التي، ومن الحيوان: اللاتي، كقوله: ﴿ أموالكم التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما  ﴾ وقال في هذه: اللاتي واللائي، والفرق هو أن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد، وأما جمع الحيوان فليس كذلك، بل كل واحدة منها غير متميزة عن غيرها بخواص وصفات، فهذا هو الفرق، ومن العرب من يسوي بين البابين، فيقول: ما فعلت الهندات التي من أمرها كذا، وما فعلت الأثواب التي من قصتهن كذا، والأول هو المختار.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ يَأْتِينَ الفاحشة ﴾ أي يفعلنها يقال: أتيت أمرا قبيحا، أي فعلته قال تعالى: ﴿ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً  ﴾ وقال: ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً  ﴾ وفي التعبير عن الاقدام على الفواحش بهذه العبارة لطيفة، وهي أن الله تعالى لما نهى المكلف عن فعل هذه المعاصي، فهو تعالى لا يعين المكلف على فعلها، بل المكلف كأنه ذهب اليها من عند نفسه، واختارها بمجرد طبعه، فلهذه الفائدة يقال: إنه جاء إلى تلك الفاحشة وذهب اليها، إلا أن هذه الدقيقة لا تتم إلا على قول المعتزلة.

وفي قراءة ابن مسعود: يأتين بالفاحشة، وأما الفاحشة فهي الفعلة القبيحة وهي مصدر عند أهل اللغة كالعاقبة يقال: فحش الرجل يفحش فحشا وفاحشة، وأفحش إذا جاء بالقبيح من القول أو الفعل.

وأجمعوا على أن الفاحشة هاهنا الزنا، وإنما أطلق على الزنا اسم الفاحشة لزيادتها في القبح على كثير من القبائح.

فان قيل: الكفر أقبح منه، وقتل النفس أقبح منه، ولا يسمى ذلك فاحشة.

قلنا: السبب في ذلك أن القوى المدبرة لبدن الإنسان ثلاثة: القوة الناطقة، والقوة الغضبية والقوة الشهوانية، ففساد القوة الناطقة هو الكفر والبدعة وما يشبههما، وفساد القوة الغضبية هو القتل والغضب وما يشبههما، وفساد القوة الشهوانية هو الزنا واللواط والسحق وما أشبهها، وأخس هذه القوى الثلاثة: القوة الشهوانية، فلا جرم كان فسادها أخس أنواع الفساد، فلهذا السبب خص هذا العمل بالفاحشة والله أعلم بمراده.

المسألة الثالثة: في المراد بقوله: ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نّسَائِكُمْ ﴾ قولان: الأول: المراد منه الزنا، وذلك لأن المرأة إذا نسبت إلى الزنا فلا سبيل لأحد عليها إلا بأن يشهد أربعة رجال مسلمون على أنها ارتكبت الزنا، فاذا شهدوا عليها أمسكت في بيت محبوسة إلى أن تموت أو يجعل الله لهن سبيلا، وهذا قول جمهور المفسرين.

والقول الثاني: وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني: أن المراد بقوله: ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة ﴾ السحاقات، وحدهن الحبس إلى الموت وبقوله: ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ  ﴾ أهل اللواط، وحدهما الأذى بالقول والفعل، والمراد بالآية المذكورة في سورة النور: الزنا بين الرجل والمرأة، وحده في البكر الجلد، وفي المحصن الرجم، واحتج ابو مسلم عليه بوجوه: الأول: أن قوله: ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نّسَائِكُمْ ﴾ مخصوص بالنسوان، وقوله: ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ مخصوص بالرجال، لأن قوله: ﴿ واللذان ﴾ تثنية الذكور.

فان قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿ واللذان ﴾ الذكر والأنثى إلا أنه غلب لفظ المذكر.

قلنا: لو كان كذلك لما أفرد ذكر النساء من قبل، فلما أفرد ذكرهن ثم ذكر بعد قوله: ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ سقط هذا الاحتمال.

الثاني: هو أن على هذا التقدير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من الآيات، بل يكون حكم كل واحدة منها باقيا مقرراً، وعلى التقدير الذي ذكرتم يحتاج إلى التزام النسخ، فكان هذا القول أولى.

والثالث: أن على الوجه الذي ذكرتم يكون قوله: ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة ﴾ في الزنا وقوله: ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ يكون أيضا في الزنا، فيفضي إلى تكرار الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين وإنه قبيح، وعلى الوجه الذي قلناه لا يفضي إلى ذلك فكان أولى.

الرابع: أن القائلين بأن هذه الآية نزلت في الزنا فسروا قوله: ﴿ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ بالرجم والجلد والتغريب، وهذا لا يصح لأن هذه الأشياء تكون عليهن لا لهن.

قال تعالى: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت  ﴾ وأما نحن فانا نفسر ذلك بأن يسهل الله لها قضاء الشهوة بطريق النكاح، ثم قال أبو مسلم: ومما يدل على صحة ما ذكرناه قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان» واحتجوا على إبطال كلام أبي مسلم بوجوه: الأول: أن هذا قول لم يقله أحد من المفسرين المتقدمين فكان باطلا.

والثاني: أنه روي في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال: «قد جعل الله لهن سبيلا الثيب ترجم والبكر تجلد».

وهذا يدل على أن هذه الآية نازلة في حق الزناة.

الثالث: أن الصحابة اختلفوا في أحكام اللواط، ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية، فعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على هذا الحكم من أقوى الدلائل على أن هذه الآية ليست في اللواطة.

والجواب عن الأول: أن هذا اجماع ممنوع فلقد قال بهذا القول مجاهد، وهو من أكابر المفسرين، ولأنا بينا في أصول الفقه أن استنباط تأويل جديد في الآية لم يذكره المتقدمون جائز.

والجواب عن الثاني: أن هذا يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه غير جائز.

والجواب عن الثالث: أن مطلوب الصحابة أنه هل يقام الحد على اللوطي؟

وليس في هذه الآية دلالة على ذلك بالنفي ولا بالاثبات، فلهذا لم يرجعوا إليها.

المسألة الرابعة: زعم جمهور المفسرين أن هذه الآية منسوخة، وقال أبو مُسْلِم: إنها غيرُ منسوخة، أما المفسرون: فقد بنوا هذا على أصلهم، وهو أن هذه الآية في بيان حكم الزنا، ومعلوم أن هذا الحكم لم يبق وكانت الآية منسوخة ثم القائلون بهذا القول اختلفوا أيضا على قولين: فالأول: أن هذه الآية صارت منسوخة بالحديث وهو ما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر والثيب بالثيب البكر تجلد وتنفى والثيب تجلد وترجم» ثم ان هذا الحديث صار منسوخا بقوله تعالى: ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ  ﴾ وعلى هذا الطريق يثبت أن القرآن قد ينسخ بالسنة وأن السنة قد تنسخ بالقرآن خلاف قول الشافعي: لا ينسخ واحد منهما بالآخر.

والقول الثاني: أن هذه الآية صارت منسوخة بآية الجَلْد.

واعلم أن أبا بكر الرازي لشدة حرصه على الطعن في الشافعي قال: القول الأول أولى لأن آية الجلد لو كانت متقدمة على قوله: خذوا عني فائدة فوجب أن يكون قوله: خذوا عني متقدما على آية الجلد، وعلى هذا التقدير تكون آية الحبس منسوخة بالحديث ويكون الحديث منسوخا بآية الجلد، فحينئذ ثبت أن القرآن والسنة قد ينسخ كل واحد منهما بالآخر.

واعلم أن كلام الرازي ضعيف من وجهين: الأول: ما ذكره أبو سليمان الخطابي في معالم السنن فقال: لم يحصل النسخ في هذه الآية ولا في هذا الحديث ألبتة، وذلك لأن قوله تعالى: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ يدل على أن امساكهن في البيوت ممدود إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلا وذلك السبيل كان مجملا، فلما قال صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني الثيب ترجم والبكر تجلد وتنفى» صار هذا الحديث بياناً لتلك الآية لا ناسخا لها وصار أيضا مخصصا لعموم قوله تعالى: ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ  ﴾ ومن المعلوم أن جعل هذا الحديث بيانا لاحدى الآيتين ومخصصا للآية الأخرى، أولى من الحكم بوقوع النسخ مراراً، وكيف وآية الحبس مجملة قطعا فانه ليس في الآية ما يدل على أن ذلك السبيل كيف هو؟

فلابد لها من المبين، وآية الجلد مخصوصة ولا بد لها من المخصص، فنحن جعلنا هذا الحديث مبينا لآية الحبس مخصصا لآية الجلد، وأما على قول أصحاب أبي حنيفة فقد وقع النسخ من ثلاثة أوجه: الأول: آية الحبس صارت منسوخة بدلائل الرجم، فظهر أن الذي قلناه هو الحق الذي لا شك فيه.

الوجه الثاني: في دفع كلام الرازي: انك تثبت أنه لا يجوز أن تكون آية الجلد متقدمة على قوله: خذوا عني فلم قلت انه يجب أن تكون هذه الآية متأخرة عنه؟

ولم لا يجوز أن يقال: إنه لما نزلت هذه الآية ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك؟

وتقديره أن قوله: ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ مخصوص بالاجماع في حق الثيب المسلم، وتأخير بيان المخصص عن العام المخصوص غير جائز عندك وعند أكثر المعتزلة، لما أنه يوهم التلبيس، واذا كان كذلك فثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك مقارنا لنزول قوله: ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ وعلى هذا التقدير سقط قولك: ان الحديث كان متقدما على آية الجلد.

هذا كله تفريع على قول من يقول: هذه الآية أعني آية الحبس نازلة في حق الزناة، فثبت أن على هذا القول لم يثبت الدليل كونها منسوخة، وأما على قول أبي مسلم الأصفهاني فظاهر أنها غير منسوخة والله أعلم.

المسألة الخامسة: القائلون بأن هذه الآية نازلة في الزنا يتوجه عليهم سؤالات: السؤال الأول: ما المراد من قوله: ﴿ مّن نِّسَائِكُمُ ﴾ ؟

الجواب فيه وجوه: أحدها: المراد، من زوجاتكم كقوله: ﴿ والذين يظاهرون مِن نّسَائِهِمْ  ﴾ وقوله: ﴿ مّن نِّسَائِكُمُ اللاتى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ  ﴾ .

وثانيها: من نسائكم، أي من الحرائر كقوله: ﴿ واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ  ﴾ والغرض بيان أنه لا حد على الاماء.

وثالثها: من نسائكم، أي من المؤمنات.

ورابعها: من نسائكم، أي من الثيبات دون الأبكار.

السؤال الثاني: ما معنى قوله: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت ﴾ ؟

الجواب: فخلدوهن محبوسات في بيوتكم، والحكمة فيه ان المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز، فاذا حبست في البيت لم تقدر على الزنا، وإذا استمرت على هذه الحالة تعودت العفاف والفرار عن الزنا.

السؤال الثالث: ما معنى ﴿ يَتَوَفَّاهُنَّ الموت ﴾ والموت والتوفي بمعنى واحد، فصار في التقدير: أو يميتهن الموت؟

الجواب: يجوز أن يراد.

حتى يتوفاهن ملائكة الموت، كقوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة  ﴾ ﴿ قُلْ يتوفاكم مَّلَكُ الموت  ﴾ أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن.

السؤال الرابع: انكم تفسرون قوله: ﴿ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ بالحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «قد جعل الله لهن سبيلا البكر تجلد والثيب ترجم» وهذا بعيد، لأن هذا السبيل عليها لا لها، فان الرجم لا شك أنه أغلظ من الحبس.

والجواب: أن النبي عليه الصلاة والسلام فسر السبيل بذلك فقال: خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ولما فسر الرسول صلى الله عليه وسلم السبيل بذلك وجب القطع بصحته، وأيضا: له وجه في اللغة فان المخلص من الشيء هو سبيل له، سواء كان أخف أو أثقل.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذَانِ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ فَـَٔاذُوهُمَا ۖ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًا ١٦

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ﴿ واللذان ﴾ و ﴿ هذان  ﴾ مشددة النون، والباقون بالتخفيف، وأما أبو عمرو فانه وافق ابن كثير في قوله: ﴿ فَذَانِكَ  ﴾ أما وجه التشديد قال ابن مقسم: إنما شدد ابن كثير هذه النونات لأمرين: أحدهما: الفرق بين تثنية الأسماء المتمكنة وغير المتمكنة، والآخر: أن الذي وهذا مبنيان على حرف واحد وهو الذال، فأرادوا تقوية كل واحد منهما بأن زادوا على نونها نونا أخرى من جنسها، وقال غيره: سبب التشديد فيها ان النون فيها ليست نون التثنية، فأراد أن يفرق بينها وبين نون التثنية، وقيل زادوا النون تأكيدا، كما زادوا اللام، وأما تخصيص أبي عمرو التعويض في المبهمة دون الموصولة، فيشبه أن يكون ذلك لما رأى من أن الحذف للمبهمة ألزم، فكان استحقاقها العوض أشد.

المسألة الثانية: الذين قالوا: ان الآية الأولى في الزناة قالوا: هذه الآية أيضا في الزناة فعند هذا اختلفوا في أنه ما السبب في هذا التكرير وما الفائدة فيه؟

وذكروا فيه وجوها: الأول: أن المراد من قوله: ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نّسَائِكُمْ  ﴾ المراد منه الزواني، والمراد من قوله: ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ الزناة، ثم انه تعالى خص الحبس في البيت بالمرأة وخص الايذاء بالرجل، والسبب فيه أن المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز، فاذا حبست في البيت انقطعت مادة هذه المعصية، وأما الرجل فانه لا يمكن حبسه في البيت، لأنه يحتاج إلى الخروج في إصلاح معاشه وترتيب مهماته واكتساب قوت عياله، فلا جرم جعلت عقوبة المرأة الزانية الحبس في البيت، وجعلت عقوبة الرجل الزاني أن يؤذى، فاذا تاب ترك إيذاؤه، ويحتمل أيضاً أن يقال إن الايذاء كان مشتركا بين الرجل والمرأة، والحبس كان من خواص المرأة، فاذا تابا أزيل الايذاء عنهما وبقي الحبس على المرأة، وهذا أحسن الوجوه المذكورة.

الثاني: قال السدي: المراد بهذه الآية البكر من الرجل والنساء، وبالآية الأولى الثيب، وحينئذ يظهر التفاوت بين الآيتين.

قالوا: ويدل على هذا التفسير وجوه: الأول: أنه تعالى قال: ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نّسَائِكُمْ ﴾ فأضافهن إلى الأزواج.

والثاني: أنه سماهن نساء وهذا الاسم أليق بالثيب.

والثالث: أن الأذى أخف من الحبس في البيت والأخف للبكر دون الثيب.

والرابع: قال الحسن: هذه الآية نزلت قبل الآية المتقدمة والتقدير: واللذان يأتيان الفاحشة من النساء والرجال فآذوهما فان تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما.

ثم نزل قوله: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت  ﴾ يعني إن لم يتوبا وأصرا على هذا الفعل القبيح فأمسكوهن في البيوت إلى أن يتبين لكم أحوالهن، وهذا القول عندي في غاية البعد، لأنه يوجب فساد الترتيب في هذه الآيات.

الخامس: ما نقلناه عن أبي مسلم أن الآية الأولى في السحاقات، وهذه في أهل اللواط وقد تقدم تقريره.

والسادس: أن يكون المراد هو أنه تعالى بين في الآية الأولى أن الشهداء على الزنا لابد وأن يكونوا أربعة، فبين في هذه الآية أنهم لو كانوا شاهدين فآذوهما وخوفوهما بالرفع إلى الامام والحد، فان تابا قبل الرفع إلى الامام فاتركوهما.

المسألة الثالثة: اتفقوا على أنه لابد في تحقيق هذا الايذاء من الايذاء باللسان وهو التوبيخ والتعيير، مثل أن يقال: بئس ما فعلتما، وقد تعرضتما لعقاب الله وسخطه، وأخرجتما أنفسكما عن اسم العدالة، وأبطلتما عن أنفسكما أهلية الشهادة.

واختلفوا في أنه هل يدخل فيه الضرب؟

فعن ابن عباس أنه يضرب بالنعال، والأول أولى لأن مدلول النص إنما هو الايذاء، وذلك حاصل بمجرد الايذاء باللسان، ولا يكون في النص دلالة على الضرب فلا يجوز المصير اليه.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا ﴾ يعني فاتركوا ايذاءهما.

ثم قال: ﴿ إِنَّ الله كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾ معنى التواب: أنه يعود على عبده بفضله ومغفرته إذا تاب اليه من ذنبه، وأما قوله: ﴿ كَانَ تَوبَا ﴾ فقد تقدم الوجهُ فيه.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍۢ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍۢ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا ١٧

اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن المرتكبين للفاحشة إذا تابا وأصلحا زال الاذى عنهما، وأخبر على الاطلاق أيضا أنه تواب رحيم، ذكر وقت التوبة وشرطها، ورغبهم في تعجيلها لئلا يأتيهم الموت وهم مصرون فلا تنفعهم التوبة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أما حقيقة التوبة فقد ذكرناها في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم  ﴾ واحتج القاضي على أنه يجب على الله عقلا قبول التوبة بهذه الآية من وجهين: الأول: ان كلمة على للوجوب فقوله: ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله لِلَّذِينَ ﴾ يدل على أنه يجب على الله عقلا قبولها.

الثاني: لو حملنا قوله: ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ على مجرد القبول لم يبق بينه وبين قوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ فرق لأن هذا أيضا إخبار عن الوقوع، أما إذا حملنا ذلك على وجوب القبول وهذا على الوقوع يظهر الفرق بين الآيتين ولا يلزم التكرار.

واعلم أن القول بالوجوب على الله باطل، ويدل عليه وجوه: الأول: أن لازمة الوجوب استحقاق الذم عند الترك، فهذه اللازمة اما أن تكون ممتنعة الثبوت في حق الله تعالى، أو غير ممتنعة في حقه، والأول باطل، لأن ترك ذلك الواجب لما كان مستلزما لهذا الذم، وهذا الذم محال الثبوت في حق الله تعالى، وجب أن يكون ذلك الترك ممتنع الثبوت في حق الله، وإذا كان الترك ممتنع الثبوت عقلا كان الفعل واجب الثبوت، فحينئذ يكون الله تعالى موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار وذلك باطل، وأما ان كان استحقاق الذم غير ممتنع الحصول في حق الله تعالى، فكل ما كان ممكنا لا يلزم من فرض وقوعه محال، فيلزم جواز أن يكون الاله مع كونه إلها يكون موصوفا باستحقاق الذم وذلك محال لا يقوله عاقل، ولما بطل هذان القسمان ثبت أن القول بالوجوب على الله تعالى باطل.

الحجة الثانية: أن قادرية العبد بالنسبة إلى فعل التوبة وتركها إما أن يكون على السوية، أولا يكون على السوية، فان كان على السوية لم يترجح فعل التوبة على تركها إلا لمرجح، ثم ذلك المرجح إن حدث لا عن محدث لزم نفي الصانع، وإن حدث عن العبد عاد التقسيم وإن حدث عن الله فحينئذ العبد إنما أقدم على التوبة بمعونة الله وتقويته، فتكون تلك التوبة إنعاما من الله تعالى على عبده، وإنعام المولى على عبده لا يوجب عليه أن ينعم عليه مرة أخرى، فثبت أن صدور التوبة عن العبد لا يوجب على الله القبول، وأما إن كانت قادرية العبد لا تصلح للترك والفعل فحينئذ يكون الجبر ألزم، وإذا كان كذلك كان القول بالوجوب أظهر بطلانا وفسادا.

الحجة الثالثة: التوبة عبارة عن الندم على ما مضى والعزم على الترك في المستقبل، والندم والعزم من باب الكراهات والارادات، والكراهة والارادة لا يحصلان باختيار العبد، وإلا افتقر في تحصيلهما إلى إرادة أخرى ولزم التسلسل، وإذا كان كذلك كان حصول هذا الندم وهذا العزم بمحض تخليق الله تعالى، وفعل الله لا يوجب على الله فعلا آخر، فثبت أن القول بالوجوب باطل.

الحجة الرابعة: أن التوبة فعل يحصل باختيار العبد على قولهم، فلو صار ذلك علة للوجوب على الله لصار فعل العبد مؤثراً في ذات الله وفي صفاته، وذلك لا يقوله عاقل.

فأما الجواب عما احتجوا به فهو أنه تعالى وعد قبول التوبة من المؤمنين، فاذا وعد الله بشيء وكان الخلف في وعده محالا كان ذلك شبيها بالواجب، فبهذا التأويل صح اطلاق كلمة على وبهذا الطريق ظهر الفرق بين قوله: ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ وبين قوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ .

إن قيل: فلما أخبر عن قبول التوبة وكل ما أخبر الله عن وقوعه كان واجب الوقوع، فيلزمكم أن لا يكون فاعلا مختارا.

قلنا: الاخبار عن الوقوع تبع للوقوع، والوقوع تبع للايقاع، والتبع لا يغير الأصل، فكان فاعلا مختارا في ذلك الايقاع.

أما أنتم تقولون بأن وقوع التوبة من حيث أنها هي تؤثر في وجوب القبول على الله تعالى، وذلك لا يقوله عاقل فظهر الفرق.

المسألة الثانية: أنه تعالى شرط قبول هذه التوبة بشرطين: أحدهما قوله: ﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السوء بجهالة ﴾ وفيه سؤالان: أحدهما: أن من عمل ذنبا ولم يعلم أنه ذنب لم يستحق عقابا، لأن الخطأ مرفوع عن هذه الأمة، فعلى هذا: الذين يعملون السوء بجهالة فلا حاجة بهم الى التوبة، والسؤال الثاني: أن كلمة إنما للحصر، فظاهر هذه الآية يقتضي أن من أقدم على السوء مع العلم بكونه سوأ أن لا تكون توبته مقبولة، وذلك بالاجماع باطل.

والجواب عن السؤال الأول: أن اليهودي اختار اليهودية وهو لا يعلم كونها ذنبا مع أنه يستحق العقاب عليها.

والجواب عن السؤال الثاني: أن من أتى بالمعصية مع الجهل بكونها معصية يكون حاله أخف ممن أتى بها مع العلم بكونها معصية، واذا كان كذلك لا جرم خص القسم الأول بوجوب قبول التوبة وجوبا على سبيل الوعد والكرم، وأما القسم الثاني فلما كان ذنبهم أغلظ لا جرم لم يذكر فيهم هذا التأكيد في قبول التوبة، فتكون هذه الآية دالة من هذا الوجه على أن قبول التوبة غير واجب على الله تعالى.

واذا عرفت الجواب عن هذين السؤالين فلنذكر الوجوه التي ذكرها المفسرون في تفسير الجهالة.

الأول: قال المفسرون: كل من عصى الله سمي جاهلا وسمي فعله جهالة، قال تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام: ﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مّنَ الجاهلين  ﴾ وقال حكاية عن يوسف عليه السلام أنه قال لأخوته: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جاهلون  ﴾ وقال تعالى: ﴿ يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح فَلاَ تَسْأَلْنِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين  ﴾ وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين  ﴾ وقد يقول السيد لعبده حال ما يذمه على فعل: ياجاهل لم فعلت كذا وكذا، والسبب في إطلاق اسم الجاهل على العاصي لربه أنه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما أقدم على المعصية، فلما لم يستعمل ذلك العلم صار كأنه لا علم له، فعلى هذا الطريق سمي العاصي لربه جاهلا، وعلى هذا الوجه يدخل فيه المعصية سواء أتى بها الإنسان مع العلم بكونهامعصية أو مع الجهل بذلك.

والوجه الثاني: في تفسير الجهالة: أن يأتي الإنسان بالمعصية مع العلم بكونها معصية إلا أن يكون جاهلا بقدر عقابه، وقد علمنا أن الإنسان اذا أقدم على ما لا ينبغي مع العلم بأنه مما لا ينبغي إلا أنه لا يعلم مقدار ما يحصل في عاقبته من الآفات، فانه يصح أن يقال على سبيل المجاز: انه جاهل بفعله.

والوجه الثالث: أن يكون المراد منه أن يأتي الإنسان بالمعصية مع أنه لا يعلم كونه معصية لكن بشرط أن يكون متمكنا من العلم بكونه معصية، فانه على هذا التقدير يستحق العقاب، ولهذا المعنى أجمعنا على أن اليهودي يستحق على يهوديته العقاب، وإن كان لا يعلم كون اليهودية معصية، إلا أنه لما كان متمكنا من تحصيل العلم بكون اليهودية ذنبا ومعصية، كفى ذلك في ثبوت استحقاق العقاب، ويخرج عما ذكرنا النائم والساهي، فانه أتى بالقبيح ولكنه ما كان متمكنا من العلم بكونه قبيحا، وهذا القول راجح على غيره من حيث أن لفظ الجهالة في الوجهين الأولين محمول على المجاز، وفي هذا الوجه على الحقيقة، إلا أن على هذا الوجه لا يدخل تحت الآية إلا من عمل القبيح وهو لا يعلم قبحه، أما المتعمد فانه لا يكون داخلا تحت الآية، وإنما يعرف حاله بطريق القياس وهو أنه لما كانت التوبة على هذا الجاهل واجبة، فلأن تكون واجبة على العامد كان ذلك أولى، فهذا هو الكلام في الشرط الأول من شرائط التوبة، وأما الشرط الثاني فهو قوله: ﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ وقد أجمعوا على أن المراد من هذا القرب حضور زمان الموت ومعاينة أهواله، وإنما سمى تعالى هذه المدة قريبة لوجوه: أحدها: أن الأجل آت وكل ما هو آت قريب.

وثانيها: للتنبيه على أن مدة عمر الإنسان وإن طالت فهي قليلة قريبة فانها محفوفة بطرفي الأزل والأبد، فاذا قسمت مدة عمرك إلى ما على طرفيها صار كالعدم.

وثالثها: أن الإنسان يتوقع في كل لحظة نزول الموت به، وما هذا حاله فانه يوصف بالقرب.

فان قيل: ما معنى من في قوله: ﴿ مِن قَرِيبٍ ﴾ .

الجواب: أنه لابتداء الغاية، أي يجعل مبتدأ توبته زمانا قريبا من المعصية لئلا يقع في زمرة المصرين، فأما من تاب بعد المعصية بزمان بعيد وقبل الموت بزمان بعيد فانه يكون خارجا عن المخصوصين بكرامة حتم قبول التوبة على الله بقوله: ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ وبقوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ ومن لم تقع توبته على هذا الوجه فانه يكفيه أن يكون من جملة الموعودين بكلمة عسى في قوله: ﴿ عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  ﴾ ولا شك أن بين الدرجتين من التفاوت ما لا يخفى.

وقيل: معناه التبعيض، أي يتوبون بعض زمان قريب، كأنه تعالى سمى ما بين وجود المعصية وبين حضور الموت زمانا قريبا، ففي أي جزء من أجزاء هذا الزمان أتى بالتوبة فهو تائب من قريب، وإلا فهو تائب من بعيد.

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذين الشرطين قال: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ .

فان قيل: فما فائدة قوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ بعد قوله: ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ .

قلنا: فيه وجهان: الأول: أن قوله: ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ إعلام بأنه يجب على الله قبولها، وجوب الكرم والفضل والاحسان، لا وجوب الاستحقاق، وقوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ إخبار بأنه سيفعل ذلك.

والثاني: أن قوله: ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾ يعني إنما الهداية الى التوبة والارشاد اليها والاعانة عليها على الله تعالى في حق من أتى بالذنب على سبيل الجهالة ثم تاب عنها عن قريب وترك الاصرار عليها وأتى بالاستغفار عنها.

ثم قال: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ ﴾ يعني أن العبد الذي هذا شأنه اذا أتى بالتوبة قبلها الله منه، فالمراد بالأول التوفيق على التوبة، وبالثاني قبول التوبة.

ثم قال: ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ﴾ أي وكان الله عليما بأنه إنما أتى بتلك المعصية لاستيلاء الشهوة والغضب والجهالة عليه، حكيما بأن العبد لما كان من صفته ذلك، ثم إنه تاب عنها من قريب فانه يجب في الكرم قبول توبته.

<div class="verse-tafsir"

وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْـَٔـٰنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا ١٨

اعلم أنه تعالى لما ذكر شرائط التوبة المقبولة أردفها بشرح التوبة التي لا تكون مقبولة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الآية دالة على أن من حضره الموت وشاهد أهواله فان توبته غير مقبولة، وهذه المسألة مشتملة على بحثين: البحث الأول: الذي يدل على أن توبة من وصفنا حاله غير مقبولة وجوه: الأول: هذه الآية وهي صريحة في المطلوب.

الثاني: قوله تعالى: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا  ﴾ الثالث: قال في صفة فرعون: ﴿ وَجَٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُۥ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ  ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ  ﴾ فلم يقبل الله توبته عند مشاهدة العذاب، ولو أنه أتى بذلك الايمان قبل تلك الساعة بلحظة لكان مقبولا.

الرابع: قوله تعالى: ﴿ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ  لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَٰلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّآ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ  ﴾ الخامس: قوله تعالى: ﴿ وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَآ أَخَّرْتَنِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ  وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ  ﴾ فأخبر تعالى في هذه الآيات أن التوبة لا تقبل عند حضور الموت.

السادس: روى أبو أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، أي ما لم تتردد الروح في حلقه، وعن عطاء: ولو قبل موته بفواق الناقة.

وعن الحسن: أن ابليس قال حين أهبط إلى الأرض: وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دامت روحه في جسده، فقال: وعزتي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر.

واعلم أن قوله: ﴿ حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت ﴾ أي علامات نزول الموت وقربه، وهو كقوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت  ﴾ .

البحث الثاني: قال المحققون: قرب الموت لا يمنع من قبول التوبة، بل المانع من قبول التوبة مشاهدة الأحوال التي عندها يحصل العلم بالله تعالى على سبيل الاضطرار، وإنما قلنا إن نفس القرب من الموت لا يمنع من قبول التوبة لوجوه: الأول: أن جماعة أماتهم الله تعالى ثم أحياهم مثل قوم من بنى إسرائيل، ومثل أولاد أيوب عليه السلام، ثم إنه تعالى كلفهم بعد ذلك الاحياء، فدل هذا على أن مشاهدة الموت لا تخل بالتكليف.

الثاني: أن الشدائد التي يلقاها من يقرب موته تكون مثل الشدائد الحاصلة عند القولنج، ومثل الشدائد التي تلقاها المرأة عند الطلق أو أزيد منها، فاذا لم تكن هذه الشدائد مانعة من بقاء التكليف فكذا القول في تلك الشدائد.

الثالث: أن عند القرب من الموت إذا عظمت الآلام صار اضطرار العبد أشد وهو تعالى يقول: ﴿ أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ  ﴾ فتزايد الآلام في ذلك الوقت بأن يكون سببا لقبول التوبة أولى من أين يكون سبباً لعدم قبول التوبة، فثبت بهذه الوجوه أن نفس القرب من الموت ونفس تزايد الآلام والمشاق، لا يجوز أن يكون مانعاً من قبول التوبة، ونقول: المانع من قبول التوبة أن الإنسان عند القرب من الموت إذا شاهد أحوالا وأهوالا صارت معرفته بالله ضرورية عند مشاهدته تلك الأهوال، ومتى صارت معرفته بالله ضرورية سقط التكليف عنه، ألا ترى أن أهل الآخرة لما صارت معارفهم ضرورية سقط التكليف عنهم وإن لم يكن هناك موت ولا عقاب، لأن توبتهم عند الحشر والحساب وقبل دخول النار، لا تكون مقبولة.

واعلم أن هاهنا بحثا عميقاً أصوليا، وذلك لأن أهل القيامة لا يشاهدون إلا أنهم صاروا أحياء بعد أن كانوا أمواتا، ويشاهدون أيضا النار العظيمة وأصناف الأهوال، وكل ذلك لا يوجب أن يصير العلم بالله ضروريا، لأن العلم بأن حصول الحياة بعد أن كانت معدومة يحتاج إلى الفاعل علم نظري عند أكثر شيوخ المعتزلة، وبتقدير أن يقال: هذا العلم ضروري لكن العلم بأن الاحياء لا يصح من غير الله لا شك أنه نظري، وأما العلم بأن فاعل تلك النيران العظيمة ليس إلا الله، فهذا أيضا استدلالي، فكيف يمكن ادعاء أن أهل الآخرة لأجل مشاهدة أهوالها يعرفون الله بالضرورة ثم هب أن الأمر كذلك، فلم قلتم بأن العلم بالله إذا كان ضروريا منع من صحة التكليف.

وذلك أن العبد مع علمه الضروري بوجود الاله المثيب المعاقب قد يقدم على المعصية لعلمه بأنه كريم، وأنه لا ينفعه طاعة العبد ولا يضره ذنبه، وإذا كان الأمر كذلك، فلم قالوا: بأن هذا يوجب زوال التلكيف وأيضا: فهذا الذي يقوله هؤلاء المعتزلة من أن العلم بالله في دار التكليف يجب أن يكون نظريا، فاذا صار ضروريا سقط التكليف: كلام ضعيف، لأن من حصل في قلبه العلم بالله إن كان تجويز نقيضه قائما في قلبه، فهذا يكون ظنا لا علما، وإن لم يكن تجويز نقيضه قائما، امتنع أن يكون علم آخر أقوى منه وآكد منه، وعلى هذا التقدير لا يبقى ألبتة فرق بين العلم الضروري وبين العلم النظري فثبت أن هذه الأشياء التي تذكرها المعتزلة كلمات ضعيفة واهية، وأنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فهو بفضله وعد بقبول التوبة في بعض الأوقات، وبعدله أخبر عن عدم قبول التوبة في وقت آخر، وله أن يقلب الأمر فيجعل المقبول مردوداً، والمردود مقبولا ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ  ﴾ .

المسألة الثانية: أنه تعالى ذكر قسمين، فقال في القسم الأول: ﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السوء بجهالة  ﴾ وهذا مشعر بأن قبول توبتهم واجب، وقال في القسم الثاني: ﴿ وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات ﴾ فهذا جزم بأنه تعالى لا يقبل توبة هؤلاء فبقي بحكم التقسيم العقلي فيما بين هذين القسمين قسم ثالث: وهم الذين لم يجزم الله تعالى بقبول توبتهم، ولم يجزم برد توبتهم.

فلما كان القسم الأول: هم الذين يعملون السوء بجهالة، والقسم الثاني: هم الذين لا يتوبون إلا عند مشاهدة البأس، وجب أن يكون القسم المتوسط بين هذين القسمين: هم الذين يعملون السوء على سبيل العمد، ثم يتوبون، فهؤلاء ما أخبر الله عنهم أنه يقبل توبتهم، وما أخبر عنهم أنه يرد توبتهم، بل تركهم في المشيئة، كما أنه تعالى ترك مغفرتهم في المشيئة حيث قال: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ .

المسألة الثالثة: أنه تعالى لما بين أن من تاب عند حضور علامات الموت ومقدماته لا تقبل توبته قال: ﴿ وَلاَ الذين يَمُوتُونَ ﴾ وفيه وجهان: الأول: معناه الذين قرب موتهم، والمعنى أنه كما أن التوبة عن المعاصي لا تقبل عند القرب من الموت، كذلك الايمان لا يقبل عند القرب من الموت.

الثاني: المراد أن الكفار إذا ماتوا على الكفر فلو تابوا في الآخرة لا تقبل توبتهم.

المسألة الرابعة: تعلقت الوعيدية بهذه الآية على صحة مذهبهم من وجهين: الأول: قالوا إنه تعالى قال: ﴿ وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ إِنّى تُبْتُ الأن وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ فعطف الذين يعملون السيئات على الذين يموتون وهم كفار، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه، فثبت أن الطائفة الأولى ليسوا من الكفار، ثم إنه تعالى قال في حق الكل: ﴿ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ فهذا يقتضي شمول هذا الوعيد للكفار والفساق.

الثاني: أنه تعالى أخبر أنه لا توبة لهم عند المعاينة، فلو كان يغفر لهم مع ترك التوبة لم يكن لهذا الاعلام معنى.

والجواب: أنا قد جمعنا جملة العمومات الوعيدية في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون  ﴾ وأجبنا عن تمسكهم بها وذكرنا وجوها كثيرة من الأجوبة، ولا حاجة إلى إعادتها في كل واحد من هذه العمومات، ثم نقول الضمير يجب أن يعود الى أقرب المذكورات، وأقرب المذكورات من قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ هو قوله: ﴿ وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ فلم لا يجوز أن يكون قوله: ﴿ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ عائدا إلى الكفار فقط، وتحقيق الكلام فيه أنه تعالى أخبر عن الذين لا يتوبون إلا عند الموت أن توبتهم غير مقبولة، ثم ذكر الكافرين بعد ذلك، فبين أن ايمانهم عند الموت غير مقبول، ولا شك أن الكافر أقبح فعلا وأخس درجة عند الله من الفاسق، فلابد وأن يخصه بمزيد إذلال وإهانة فجاز أن يكون قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ مختصاً بالكافرين، بيانا لكونهم مختصين بسبب كفرهم بمزيد العقوبة والاذلال.

أما الوجه الثاني: مما عولوا عليه: فهو أنه أخبر أنه لا توبة عند المعاينة، واذا كان لا توبة حصل هناك تجويز العقاب وتجويز المغفرة، وهذا لا يخلو عن نوع تخويف وهو كقوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  ﴾ على أن هذا تمسك بدليل الخطاب، والمعتزلة لا يقولون به والله أعلم.

المسألة الخامسة: أنه تعالى عطف على الذين يتوبون عند مشاهدة الموت، الكفار، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه، فهذا يقتضي أن الفاسق من أهل الصلاة ليس بكافر، ويبطل به قول الخوارج: إن الفاسق كافر، ولا يمكن أن يقال: المراد منه المنافق لأن الصحيح أن المنافق كافر، قال تعالى: ﴿ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لكاذبون  ﴾ والله أعلم.

المسألة السادسة: أعتدنا: أي أعددنا وهيأنا، ونظيره قوله تعالى في صفة نار جهنم: ﴿ أُعِدَّتْ للكافرين  ﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن النار مخلوقة لأن العذاب الأليم ليس إلا نار جهنم وبرده، وقوله: ﴿ أَعْتَدْنَا ﴾ إخبار عن الماضي، فهذا يدل على كون النار مخلوقة من هذا الوجه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا۟ ٱلنِّسَآءَ كَرْهًۭا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا۟ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَـٰحِشَةٍۢ مُّبَيِّنَةٍۢ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا ١٩

اعلم أنه تعالى بعد وصف التوبة عاد الى أحكام النساء، واعلم أن أهل الجاهلية كانوا يؤذون النساء بأنواع كثيرة من الايذاء، ويظلمونهن بضروب من الظلم، فالله تعالى نهاهم عنها في هذه الآيات.

فالنوع الأول: قوله تعالى: ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النساء كَرْهاً ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية قولان: الأول: كان الرجل في الجاهلية اذا مات وكانت له زوجة جاء ابنه من غيرها أو بعض أقاربه فألقى ثوبه على المرأة وقال: ورثت امرأته كما ورثت ماله، فصار أحق بها من سائر الناس ومن نفسها، فان شاء تزوجها بغير صداق، إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من إنسان آخر وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيئا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وبين أن ذلك حرام وأن الرجل لا يرث امرأة الميت منه، فعلى هذا القول المراد بقوله: ﴿ أَن تَرِثُواْ النساء ﴾ عين النساء، وأنهن لا يورثن من الميت.

والقول الثاني: ان الوراثة تعود الى المال، وذلك أن وارث الميت كان له أن يمنعها من الأزواج حتى تموت فيرثها مالها، فقال تعالى: لا يحل لكم أن ترثوا أموالهن وهن كارهات.

المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي ﴿ كَرْهاً ﴾ بضم الكاف، وفي التوبة ﴿ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً  ﴾ وفي الأحقاف ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً  ﴾ كل ذلك بالضم، وقرأ عاصم وابن عامر في الأحقاف بالضم، والباقي بالفتح، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالفتح في جميع ذلك، قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، وقال الفراء: الكره بالفتح الاكراه، وبالضم المشقة، فما أكره عليه فهو كره بالفتح، وما كان من قبل نفسه فهو كره بالضم.

النوع الثاني: من الأشياء التي نهى الله عنها مما يتعلق بالنساء قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في محل ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ قولان: الأول: انه نصب بالعطف على حرف أن تقديره: ولا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا أن تعضلوهن في قراءة عبدالله، والثاني: أنه جزم بالنهي عطفا على ما تقدم تقديره، ولا ترثوا ولا تعضلوا.

المسألة الثانية: العضل: المنع، ومنه الداء العضال، وقد تقدم الاستقصاء فيه في قوله: ﴿ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أزواجهن  ﴾ .

المسألة الثالثة: المخاطب في قوله: ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ من هو؟

فيه أقوال: الأول: أن الرجل منهم قد كان يكره زوجته ويريد مفارقتها، فكان يسيء العشرة معها ويضيق عليها حتى تفتدي منه نفسها بمهرها، وهذا القول اختيار أكثر المفسرين، فكأنه تعالى قال: لا يحل لكم التزوج بهن بالاكراه، وكذلك لا يحل لكم بعد التزوج بهن العضل والحبس لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن.

الثاني: أنه خطاب للوارث بأن يترك منعها من التزوج بمن شاءت وأرادت، كما كان يفعله أهل الجاهلية وقوله: ﴿ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ معناه أنهم كانوا يحبسون امرأة الميت وغرضهم أن تبذل المرأة ما أخذت من ميراث الميت.

الثالث: أنه خطاب للأولياء ونهى لهم عن عضل المرأة.

الرابع: أنه خطاب للأزواج.

فانهم في الجاهلية كانوا يطلقون المرأة وكانوا يعضلونهن عن التزوج ويضيقون الأمر عليهن لغرض أن يأخذوا منهن شيئا.

الخامس: أنه عام في الكل.

أما قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في الفاحشة المبينة قولان: الأول: أنها النشوز وشكاسة الخلق وإيذاء الزوج وأهله، والمعنى إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخلع، ويدل عليه قراءة أبي بن كعب: إلا أن يفحش عليكم.

والقول الثاني: أنها الزنا، وهو قول الحسن وأبي قلابة والسدي.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ ﴾ استثناء من ماذا؟

فيه وجوه: الأول: انه استثناء من أخذ الأموال، يعني لا يحل له أن يحبسها ضراراً حتى تفتدي منه إلا إذا زنت، والقائلون بهذا منهم من قال: بقي هذا الحكم وما نسخ، ومنهم من قال: انه منسوخ بآية الجلد.

الثاني: أنه استثناء من الحبس والامساك الذي تقدم ذكره في قوله: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت  ﴾ وهو قول أبي مسلم وزعم أنه غير منسوخ.

الثالث: يمكن أن يكون ذلك استثناء من قوله: ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ لأن العضل هو الحبس فدخل فيه الحبس في البيت، فالأولياء والأزواج نهوا عن حبسهن في البيوت إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فعند ذلك يحل للأولياء والأزواج حبسهن في البيوت.

المسألة الثالثة: قرأ نافع وأبو عمرو ﴿ مُّبَيّنَةٍ ﴾ بكسر الياء و ﴿ آيات مبينات  ﴾ بفتح الياء حيث كان، قال لأن في قوله: ﴿ مبينات ﴾ قصد إظهارها، وفي قوله: ﴿ بفاحشة مُّبَيّنَةٍ ﴾ لم يقصد اظهارها، وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بالفتح فيهما، والباقون بكسر الياء فيهما، أما من قرأ بالفتح فله وجهان: الأول: أن الفاحشة والآيات لا فعل لهما في الحقيقة، إنما الله تعالى هو الذي بينهما.

والثاني: ان الفاحشة تتبين، فان يشهد عليها أربعة صارت مبينة، وأما الآيات فان الله تعالى بينها، وأما من قرأ بالكسر فوجهه أن الآيات إذا تبينت وظهرت صارت أسبابا للبيان وإذا صارت أسبابا للبيان جاز إسناد البيان اليها، كما أن الاصنام لما كانت أسبابا للضلال حسن اسناد الاضلال اليها كقوله تعالى: ﴿ رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس  ﴾ .

النوع الثالث: من التكاليف المتعلقة بأحوال النساء قوله تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ﴾ وكان القوم يسيئون معاشرة النساء فقيل لهم: وعاشروهن بالمعروف، قال الزجاج: هو النصفة في المبيت والنفقة، والاجمال في القول.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ ﴾ أي كرهتم عشرتهن بالمعروف وصحبتهن، وآثرتم فراقهن ﴿ فعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾ والضمير في قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ إلى ماذا يعود؟

فيه وجهان: الأول: المعنى انكم إن كرهتم صحبتهن فأمسكوهن بالمعروف فعسى أن يكون في صحبتهن الخير الكثير ومن قال بهذا القول فتارة فسر الخير الكثير بولد يحصل فتنقلب الكراهة محبة، والنفرة رغبة وتارة بأنه لما كره صحبتها ثم إنه يحمل ذلك المكروه طلبا لثواب الله، وأنفق عليها وأحسن اليها على خلاف الطبع، استحق الثواب الجزيل في العقبى والثناء الجميل في الدنيا.

الثاني: أن يكون المعنى إن كرهتموهن ورغبتم في مفارقتهن، فربما جعل الله في تلك المفارقة لهن خيرا كثيرا، وذلك بأن تتخلص تلك المرأة من هذا الزوج وتجد زوجا خيراً منه، ونظيره قوله: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مّن سَعَتِهِ  ﴾ وهذا قول أبي بكر الأصم، قال القاضي: وهذا بعيد لأنه تعالى حث بما ذكر على سبيل الاستمرار على الصحبة، فكيف يريد بذلك المفارقة.

النوع الرابع: من التكاليف المتعلقة بالنساء.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍۢ مَّكَانَ زَوْجٍۢ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًۭا فَلَا تَأْخُذُوا۟ مِنْهُ شَيْـًٔا ۚ أَتَأْخُذُونَهُۥ بُهْتَـٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا ٢٠ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُۥ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَـٰقًا غَلِيظًۭا ٢١

فيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى في الآية الأولى لما أذن في مضارة الزوجات إذا أتين بفاحشة، بين في هذه الآية تحريم المضارة في غير حال الفاحشة فقال: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ ﴾ روي أن الرجل منهم إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجة نفسه بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوج المرأة التي يريدها قال تعالى: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ ﴾ الآية والقنطار المال العظيم، وقد مر تفسيره في قوله تعالى: ﴿ والقناطير المقنطرة مِنَ الذهب والفضة  ﴾ .

المسألة السادسة: قالوا: الآية تدل على جواز المغالاة في المهر، روي أن عمر رضي الله عنه قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور نسائكم، فقامت امرأة فقالت: يا ابن الخطاب الله يعطينا وأنت تمنع وتلت هذه الآية، فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر، ورجع عن كراهة المغالاة.

وعندي أن الآية لا دلالة فيها على جواز المغالاة لأن قوله: ﴿ وآتيتم إحداهن قنطارا ﴾ لا يدل على جواز إيتاء القنطار كما أن قوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا  ﴾ لا يدل على حصول الآلهة، والحاصل أنه لا يلزم من جعل الشيء شرطا لشيء آخر كون ذلك الشرط في نفسه جائز الوقوع، وقال عليه الصلاة والسلام: «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين».

ولم يلزم منه جواز القتل، وقد يقول الرجل: لو كان الاله جسما لكان محدثا، وهذا حق، ولا يلزم منه ان قولنا: الاله جسم حق.

المسألة الثالثة: هذه الآية يدخل فيها ما اذا آتاها مهرها وما إذا لم يؤتها، وذلك لأنه أوقع العقد على ذلك الصداق في حكم الله، فلا فرق فيه بين ما اذا آتاها الصداق حساً، وبين ما إذا لم يؤتها.

المسألة الرابعة: احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على أن الخلوة الصحيحة تقرر المهر، قال وذلك لأن الله تعالى منع الزوج من أن يأخذ منها شيئا من المهر، وهذا المنع مطلق ترك العمل به قبل الخلوة، فوجب أن يبقى معمولا به بعد الخلوة قال: ولا يجوز أن يقال انه مخصوص بقوله تعالى: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ  ﴾ وذلك لأن الصحابة اختلفوا في تفسير المسيس فقال علي وعمر: المراد من المسيس الخلوة، وقال عبدالله: هو الجماع، واذا صار مختلفا فيه امتنع جعله مخصصا لعموم هذه الآية.

والجواب: ان هذه الآية المذكورة هاهنا مختصة بما بعد الجماع بدليل قوله تعالى: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ وإفضاء بعضهم إلى البعض هو الجماع على قول أكثر المفسرين وسنقيم الدلائل على صحة ذلك.

المسألة الخامسة: اعلم أن سوء العشرة اما أن يكون من قبل الزوج، وإما أن يكون من قبل الزوجة، فان كان من قبل الزوج كره له أنه يأخذ شيئا من مهرها لأن قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً ﴾ صريح في أن النشوز إذا كان من قبله فانه يكون منهيا عن أن يأخذ من مهرها شيئا، ثم ان وقعت المخالعة ملك الزوج بدل الخلع، كما ان البيع وقت النداء منهي عنه، ثم انه يفيد الملك، واذا كان النشوز من قبل المرأة فهاهنا يحل أخذ بدل الخلع؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ أَتَأْخُذُونَهُ بهتانا وَإِثْماً مُّبِيناً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: البهتان في اللغة الكذب الذي يواجه الإنسان به صاحبه على جهة المكابرة، وأصله من بهت الرجل إذا تحير، فالبهتان كذب يحير الإنسان لعظمته، ثم جعل كل باطل يتحير من بطلانه ﴿ بهتانا ﴾ ، ومنه الحديث: «إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته».

المسألة الثانية: في أنه لم انتصب قوله: ﴿ بهتانا ﴾ وجوه: الأول: قال الزجاج: البهتان هاهنا مصدر وضع موضع الحال، والمعنى: أتأخذونه مباهتين وآثمين.

الثاني: قال صاحب الكشاف: يحتمل أنه انتصب لأنه مفعول له وإن لم يكن غرضاً في الحقيقة، كقولك: قعد عن القتال جبنا.

الثالث: انتصب بنزع الخافض، أي ببهتان.

الرابع: فيه اضمار تقديره: تصيبون به بهتانا وإثما.

المسألة الثالثة: في تسمية هذا الأخذ بهتانا وجوه: الأول: أنه تعالى فرض لها ذلك المهر فمن استرده كان كأنه يقول: ليس ذلك بفرض فيكون بهتانا.

الثاني: أنه عند العقد تكفل بتسليم ذلك المهر اليها، وأن لا يأخذه منها، فاذا أخذه صار ذلك القول الأول بهتانا.

الثالث: أنا ذكرنا أنه كان من دأبهم أنهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة حتى تخاف وتشتري نفسها منه بذلك المهر، فلما كان هذا الأمر واقعا على هذا الوجه في الأغلب الأكثر، جعل كأن أحدهما هو الآخر.

الرابع: أنه تعالى ذكر في الآية السابقة: ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ ﴾ والظاهر من حال المسلم أنه لا يخالف أمر الله، فاذا أخذ منها شيئاً أشعر ذلك بأنها قد أتت بفاحشة مبينة، فاذا لم يكن الأمر كذلك في الحقيقة صح وصف ذلك الأخذ بأنه بهتان، من حيث أنه يدل على إتيانها بالفاحشة مع أن الأمر ليس كذلك.

وفيه تقرير آخر وهو أن أخذ المال طعن في ذاتها وأخذ لمالها، فهو بهتان من وجه وظلم من وجه آخر، فكان ذلك معصية عظيمة من أمهات الكبائر.

الخامس: أن عقاب البهتان والاثم المبين كان معلوماً عندهم فقوله: ﴿ أَتَأْخُذُونَهُ بهتانا ﴾ معناه أتأخذون عقاب البهتان فهو كقوله: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً  ﴾ .

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ أَتَأْخُذُونَهُ ﴾ استفهام على معنى الانكار والاعظام، والمعنى أن الظاهر أنكم لا تفعلون مثل هذا الفعل مع ظهور قبحه في الشرع والعقل.

واعلم أنه تعالى ذكر في علة هذا المنع أمورا: أحدهما: أن هذا الأخذ يتضمن نسبتها إلى الفاحشة المبينة، فكان ذلك بهتانا والبهتان من أمهات الكبائر.

وثانيها: أنه إثم مبين لأن هذا المال حقها فمن ضيق الأمر عليها ليتوسل بذلك التشديد والتضييق وهو ظلم، إلى أخذ المال وهو ظلم آخر، فلا شك أن التوسل بظلم إلى ظلم آخر يكون إثما مبينا.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أصل أفضى من الفضاء الذي هو السعة يقال: فضا يفضو وفضاء إذا اتسع، قال الليث: أفضى فلان إلى فلان، أي وصل اليه، وأصله أنه صار في فرجته وفضائه، وللمفسرين في الافضاء في هذه الآية قولان: أحدهما: أن الافضاء هاهنا كناية عن الجماع وهو قول ابن عباس ومجاهد والسدي واختيار الزجاج وابن قتيبة ومذهب الشافعي؛ لأن عنده الزوج إذا طلق قبل المسيس فله أن يرجع في نصف المهر، وإن خلا بها.

والقول الثاني: في الافضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها، قال الكلبي: الافضاء أن يكون معها في لحاف واحد، جامعها أو لم يجامعها، وهذا القول اختيار الفراء ومذهب أبي حنيفة رضي الله عنه.

لأن الخلوة الصحيحة تقرر المهر.

واعلم أن القول الأول أولى، ويدل عليه وجوه: الأول: أن الليث قال: أفضى فلان إلى فلانة أي صار في فرجتها وفضائها، ومعلوم أن هذا المعنى إنما يحصل في الحقيقة عند الجماع، أما في غير وقت الجماع فهذا غير حاصل.

الثاني: أنه تعالى ذكر هذا في معرض التعجب، فقال: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ والتعجب إنما يتم إذا كان هذا الافضاء سببا قويا في حصول الألفة والمحبة، وهو الجماع لا مجرد الخلوة، فوجب حمل الافضاء عليه.

الثالث: وهو أن الافضاء اليها لابد وأن يكون مفسرا بفعل منه ينتهي اليه، لأن كلمة إلى لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليس كذلك، لأن عند الخلوة المحضة لم يصل فعل من أفعال واحد منهما إلى الآخر، فامتنع تفسير قوله: ﴿ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ بمجرد الخلوة.

فان قيل: فاذا اضطجعا في لحاف واحد وتلامسا فقد حصل الافضاء من بعضهم إلى بعض فوجب أن يكون ذلك كافيا.

وأنتم لا تقولون به.

قلنا: القائل قائلان، قائل يقول: المهر لا يتقرر إلا بالجماع، وآخر: انه يتقرر بمجرد الخلوة وليس في الأمة أحد يقول إنه يتقرر بالملامسة والمضاجعة، فكان هذا القول باطلا بالاجماع، فلم يبق في تفسير إفضاء بعضهم إلى بعض إلا أحد أمرين: إما الجماع، وإما الخلوة، والقول بالخلوة باطل لما بيناه، فبقي أن المراد بالافضاء هو الجماع.

الرابع: أن المهر قبل الخلوة ما كان متقرراً، والشرع قد علق تقرره على إفضاء البعض إلى البعض، وقد اشتبه الأمر في أن المراد بهذا الافضاء، هو الخلوة أو الجماع، وإذا وقع الشك وجب بقاء ما كان على ما كان، وهو عدم التقرير، فبهذه الوجوه ظهر ترجيح مذهب الشافعي والله أعلم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ كلمة تعجب، أي لأي وجه ولأي معنى تفعلون هذا؟

فانها بذلت نفسها لك وجعلت ذاتها لذتك وتمتعك، وحصلت الألفة التامة والمودة الكاملة بينكما، فكيف يليق بالعاقل أن يسترد منها شيئاً بذله لها بطبية نفسه؟

إن هذا لا يليق ألبتة بمن له طبع سليم وذوق مستقيم.

الوجه الرابع: من الوجوه التي جعلها الله مانعا من استرداد المهر قوله: ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً ﴾ في تفسير هذا الميثاق الغليظ وجوه: الأول: قال السدي وعكرمة والفراء: هو قولهم زوجتك هذه المرأة على ما أخذه الله للنساء على الرجال، من إمساك بمعروف أو تسريح باحسان، ومعلوم أنه إذا ألجأها إلى أن بذلت المهر فما سرحها بالاحسان، بل سرحها بالاساءة.

الثاني: قال ابن عباس ومجاهد: الميثاق الغليظ كلمة النكاح المعقودة على الصداق، وتلك الكلمة كلمة تستحل بها فروج النساء، قال صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله في النساء فانكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله».

الثالث: قوله: ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً ﴾ أي أخذن منكم بسبب إفضاء بعضكم إلى بعض ميثاقا غليظا، وصفه بالغلظة لقوته وعظمته، وقالوا: صحبة عشرين يوما قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج.

النوع الخامس: من الأمور التي كلف الله تعالى بها في هذه الآية من الأمور المتعلقة بالنساء.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَـٰحِشَةًۭ وَمَقْتًۭا وَسَآءَ سَبِيلًا ٢٢

فيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس وجمهور المفسرين: كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهاهم الله بهذه الآية عن ذلك الفعل.

المسألة الثانية: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه، وقال الشافعي رحمة الله عليه: لا يحرم احتج أبو حنيفة بهذه الآية فقال: إنه تعالى نهى الرجل أن ينكح منكوحة أبيه، والنكاح عبارة عن الوطء فكان هذا نهيا عن نكاح موطوءة أبيه، إنما قلنا: إن النكاح عبارة عن الوطء لوجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ  ﴾ أضاف هذا النكاح إلى الزوج، والنكاح المضاف إلى الزوج هو الوطء لا العقد، لأن الإنسان لا يمكنه أن يتزوج بزوجة نفسه لأن تحصيل الحاصل محال، ولأنه لو كان المراد بالنكاح في هذه الآية هوالعقد لوجب أن يحصل التحليل بمجرد العقد وحيث لم يحصل علمنا أن المراد من النكاح في هذه الآية ليس هو العقد، فتعين أن يكون هو الوطء لأنه لا قائل بالفرق.

الثاني: قوله تعالى: ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ  ﴾ والمراد من النكاح هاهنا الوطء لا العقد، لأن أهلية العقد كانت حاصلة أبدا.

الثالث: قوله تعالى: ﴿ الزانى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً  ﴾ فلو كان المراد هاهنا العقد لزم الكذب.

الرابع: قوله عليه الصلاة والسلام: «ناكح اليد ملعون».

ومعلوم أن المراد ليس هو العقد بل هو الوطء.

فثبت بهذه الوجوه أن النكاح عبارة عن الوطء، فلزم أن يكون قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ ﴾ أي: ولا تنكحوا ما وطئهن آباؤكم، وهذا يدخل فيه المنكوحة والمزنية، لا يقال: كما أن لفظ النكاح ورد بمعنى الوطء فقد ورد أيضاً بمعنى العقد قال تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ  ﴾ ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء  ﴾ ﴿ إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات  ﴾ وقوله عليه الصلاة والسلام: «ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح» فلم كان حمل اللفظ على الوطء أولى من حمله على العقد؟

أجابوا عنه من ثلاثة أوجه: الأول: ما ذهب اليه الكرخي وهو أن لفظ النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد، بدليل أن لفظ النكاح في أصل اللغة عبارة عن الضم، ومعنى الضم حاصل في الوطء لا في العقد، فكان لفظ النكاح حقيقة في الوطء.

ثم إن العقد سمي بهذا الاسم لأن العقد لما كان سبباً له أطلق اسم المسبب على السبب، كما أن العقيقة اسم للشعر الذي يكون على رأس الصبي حال ما يولد، ثم تسمى الشاة التي تذبح عند حلق ذلك الشعر عقيقة فكذا هاهنا.

واعلم أنه كان مذهب الكرخي أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد بالاعتبار الواحد في حقيقته ومجازه معا، فلا جرم كان يقول: المستفاد من هذه الآية حكم الوطء، أما حكم العقد فانه غير مستفاد من هذه الآية، بل من طريق آخر ودليل آخر.

الوجه الثاني: أن من الناس من ذهب إلى أن اللفظ المشترك يجوز استعماله في مفهوميه معا فهذا القائل قال: دلت الآيات المذكورة على أن لفظ النكاح حقيقة في الوطء وفي العقد معا، فكان قوله: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ ﴾ نهيا عن الوطء وعن العقد معا، حملا للفظ على كلا مفهوميه.

الوجه الثالث: في الاستدلال، وهو قول من يقول: اللفظ المشترك لا يجوز استعماله في مفهوميه معا، قالوا: ثبت بالدلائل المذكورة أن لفظ النكاح قد استعمل في القرآن في الوطء تارة وفي العقد أخرى، والقول بالاشتراك والمجاز خلاف الأصل، ولا بد من جعله حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو معنى الضم حتى يندفع الاشتراك والمجاز، وإذا كان كذلك كان قوله: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ ﴾ نهيا عن القدر المشترك بين هذين القسمين، والنهي عن القدر المشترك بين القسمين يكون نهيا عن كل واحد من القسمين لا محالة، فان النهي عن التزويج يكون نهيا عن العقد وعن الوطء معا، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في تقرير هذا الاستدلال.

والجواب عنه من وجوه: الأول: لا نسلم أن اسم النكاح يقع على الوطء، والوجوه التي احتجوا بها على ذلك فهي معارضة بوجوه: أحدها: قوله عليه الصلاة والسلام: «النكاح سنتي».

ولا شك أن الوطء من حيث كونه وطأ ليس سنة له، وإلا لزم أن يكون الوطء بالسفاح سنة له فلما ثبت أن النكاح سنة، وثبت أن الوطء ليس سنة، ثبت أن النكاح ليس عبارة عن الوطء، كذلك التمسك بقوله: «تناكحوا تكثروا» ولو كان الوطء مسمى بالنكاح لكان هذا إذنا في مطلق الوطء وكذلك التمسك بقوله تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء  ﴾ .

لا يقال: لما وقع التعارض بين هذه الدلائل فالترجيح معنا، وذلك لأنا لو قلنا: الوطء مسمى بالنكاح على سبيل الحقيقة لزم دخول المجاز في دلائلنا، ومتى وقع التعارض بين المجاز والتخصيص كان التزام التخصيص أولى.

لأنا نقول: أنتم تساعدون على أن لفظ النكاح مستعمل في العقد، فلو قلنا: إن النكاح حقيقة في الوطء لزم دخول التخصيص في الآيات التي ذكرناها، ولزم القول بالمجاز في الآيات التي ذكر النكاح فيها بمعنى العقد، أما قولنا: ان النكاح فيها بمعنى الوطء فلا يلزمنا التخصيص، فقولكم يوجب المجاز والتخصيص معا، وقولنا يوجب المجاز فقط، فكان قولنا أولى.

الوجه الثاني: من الوجوه الدالة على أن النكاح ليس حقيقة في الوطء قوله عليه الصلاة والسلام: ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح أثبت نفسه مولودا من النكاح وغير مولود من السفاح، وهذا يقتضي أن لا يكون السفاح نكاحا، والسفاح وطء، فهذا يقتضي أن لا يكون الوطء نكاحا.

الوجه الثالث: أنه من حلف في أولاد الزنا: أنهم ليسوا أولاد النكاح لم يحنث، ولو كان الوطء نكاحا لوجب أن يحنث، وهذا دليل ظاهر على أن الوطء ليس مسمى بالنكاح على سبيل الحقيقة.

الثاني: سلمنا أن الوطء مسمى بالنكاح، لكن العقد أيضاً مسمى به، فلم كان حمل الآية على ما ذكرتم أولى من حملها على ما ذكرنا؟

أما الوجه الأول: وهو الذي ذكره الكرخي فهو في غاية الركاكة، وبيانه من وجهين: الأول: أو الوطء مسبب العقد، فكما يحسن إطلاق اسم المسبب على السبب مجازا فكذلك يحسن اطلاق اسم السبب على المسبب مجازا.

فكما يحتمل أن يقال: النكاح اسم للوطء ثم أطلق هذا الاسم على العقد لكونه سببا للوطء، فكذلك يحتمل أن يقال: النكاح اسم للعقد، ثم أطلق هذا الاسم على الوطء لكون الوطء مسبباً له، فلم كان أحدهما أولى من الآخر؟

بل الاحتمال الذي ذكرناه أولى، لأن استلزام السبب للمسبب أتم من استلزام المسبب للسبب المعين، فانه لا يمتنع أن يكون لحصول الحقيقة الواحدة أسباب كثيرة، كالملك فانه يحصل بالبيع والهبة والوصية والارث، ولا شك أن الملازمة شرط لجواز المجاز، فثبت أن القول بأن اسم النكاح حقيقة في العقد مجاز في الوطء، أولى من عكسه.

الوجه الثاني: أن النكاح لو كان حقيقة في الوطء مجازا في العقد، وقد ثبت في أصول الفقه أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه معا، فحينئذ يلزم أن لا تكون الآية دالة على حكم العقد، وهذا وإن كان قد التزمه الكرخي لكنه مدفوع بالدليل القاطع، وذلك لأن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول هذه الآية هو أنهم كانوا يتزوجون بأزواج آبائهم، وأجمع المسلمون على أن سبب نزول الآية لابد وأن يكون داخلا تحت الآية، بل اختلفوا في أن غيره هل يدخل تحت الآية أم لا؟

وأما كون سبب النزول داخلا فيها فذاك مجمع عليه بين الأمة، فاذا ثبت باجماع المفسرين، أن سبب نزول هذه الآية هو العقد لا الوطء، وثبت باجماع المسلمين أن سبب النزول لابد وأن يكون مراداً، ثبت بالاجماع أن النهي عن العقد مراد من هذه الآية، فكان قول الكرخي واقعا على مضادة هذا الدليل القاطع، فكان فاسداً مردودا قطعا.

أما الوجه الثاني: مما ذكروه وهو أنا نحمل لفظ النكاح على مفهوميه، فنقول: هذا أيضا باطل، وقد بينا وجه بطلانه في أصول الفقه.

وأما الوجه الثالث: فهو أحسن الوجوه المذكورة في هذا الباب، وهو أيضاً ضعيف لأن الضم الحاصل في الوطء عبارة عن تجاور الأجسام وتلاصقها، والضم الحاصل في العقد ليس كذلك لأن الايجاب والقبول أصوات غير باقية، فمعنى الضم والتلاقي والتجاور فيها محال، وإذا كان كذلك ثبت أنه ليس بين الوطء وبين العقد مفهوم مشترك حتى يقال: إن لفظ النكاح حقيقة فيه، فاذا بطل ذلك لم يبق إلا أن يقال: لفظ النكاح مشترك بين الوطء وبين العقد، ويقال: إنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، وحينئذ يرجع الكلام إلى الوجهين الأولين، فهذا هو الكلام الملخص في هذا.

الوجه الثاني: في الجواب عن هذا الاستدلال أن نقول: سلمنا أن النكاح بمعنى الوطء، ولكن لم قلتم: إن قوله: ﴿ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ ﴾ المراد منه المنكوحة، والدليل عليه إجماعهم على أن لفظه ما حقيقة في غير العقلاء، فلو كان المراد منه هاهنا المنكوحة لزم هذا المجاز، وإنه خلاف الأصل، بل أهل العربية اتفقوا على أن ما مع بعدها في تقدير المصدر، فتقدير الآية: ولا تنكحوا نكاح آبائكم، وعلى هذا يكون المراد منه النهي عن أن تنكحوا نكاحا مثل نكاح آبائكم، فان أنكحتهم كانت بغير ولي ولا شهود، وكانت موقتة، وكانت على سبيل القهر والالجاء، فالله تعالى نهاهم بهذه الآية عن مثل هذه الأنكحة، وهذا الوجه منقول عن محمد بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية.

الوجه الثالث: في الجواب عن هذا الاستدلال: سلمنا أن المراد من قوله: ﴿ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ ﴾ المنكوحة، والتقدير: ولا تنكحوا من نكح آباؤكم ولكن قوله: من نكح آباؤكم ليس صريحا في العموم بدليل أنه يصح إدخال لفظي الكل والبعض عليه، فيقال: ولا تنكحوا كل ما نكح آباؤكم ولا تنكحوا بعض من نكح آباؤكم، ولو كان هذا صريحا في العموم لكان إدخال لفظ الكل عليه تكريراً، وإدخال لفظ البعض عليه نقصا، ومعلوم أنه ليس كذلك، فثبت أن قوله: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ ﴾ لا يفيد العموم، وإذا لم يفد العموم لم يتناول محل النزاع.

لا يقال: لو لم يفد العموم لم يكن صرفه إلى بعض الأقسام أولى من صرفه الى الباقي، فحينئذ يصير مجملا غير مفيد، والأصل أن لا يكون كذلك.

لأنا نقول: لا نسلم أن بتقدير أن لا يفيد العموم لم يكن صرفه إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره، وذلك لأن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزوله إنما هو التزوج بزوجات الآباء، فكان صرفه إلى هذا القسم أولى، وبهذا التقدير لا يلزم كون الآية مجملة، ولا يلزم كونها متناولة لمحل النزاع.

الوجه الرابع: سلمنا أن هذا النهي يتناول محل النزاع، لكن لم قلتم: إنه يفيد التحريم؟

أليس أن كثيرا من أقسام النهي لا يفيد التحريم، بل يفيد التنزيه، فلم قلتم: إنه ليس الأمر كذلك؟

أقصى ما في الباب أن يقال: هذا على خلاف الأصل، ولكن يجب المصير إليه إذا دل الدليل، وسنذكر دلائل صحة هذا النكاح إن شاء الله تعالى.

الوجه الخامس: أن ما ذكرتم هب أنه يدل على فساد هذا النكاح، إلا أن هاهنا ما يدل على صحة هذا النكاح وهو من وجوه: الحجة الأولى: هذا النكاح منعقد فوجب أن يكون صحيحا، بيان أنه منعقد أنه عند أبي حنيفة رضي الله عنه منهي عنه بهذه الآية، ومن مذهبه أن النهي عن الشيء يدل على كونه في نفسه منعقدا وهذا هو أصل مذهبه في مسألة البيع الفاسد وصوم يوم النحر، فيلزم من مجموع هاتين المقدمتين أن يكون هذا النكاح منعقدا على أصل أبي حنيفة، وإذا ثبت القول بالانعقاد في هذه الصورة وجب القول بالصحة لأنه لا قائل بالفرق.

فهذا وجه حسن من طريق الالزام عليهم في صحة هذا النكاح.

الحجة الثانية: عموم قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ  ﴾ نهى عن نكاح المشركات ومد النهي إلى غاية وهي إيمانهن، والحكم الممدود إلى غاية ينتهي عند حصول تلك الغاية، فوجب أن ينتهي المنع من نكاحهن عند إيمانهن، وإذا انتهى المنع حصل الجواز، فهذا يقتضي جواز نكاحهن على الاطلاق، ولا شك أنه يدخل في هذا العموم مزنية الأب وغيرها، أقصى ما في الباب أن هذا العموم دخله التخصيص في مواضع يبقى حجة في غير محل التخصيص.

وكذلك نستدل بجميع العمومات الواردة في باب النكاح كقوله تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُواْ الأيامى  ﴾ وقوله: ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء  ﴾ وأيضا نتمسك بقوله تعالى: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ  ﴾ وليس لأحد أن يقول: إن قوله: ﴿ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ ضمير عائد إلى المذكور السابق، ومن جملة المذكور السابق قوله: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ ﴾ وذلك لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وأقرب المذكورات اليه هو من قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم  ﴾ فكان قوله: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ عائدا اليه، ولا يدخل فيه قوله: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ ﴾ وأيضاً نتمسك بعمومات الأحاديث كقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه».

وقوله: «زوجوا بناتكم الأكفاء» فكل هذه العمومات يتناول: محل النزاع.

واعلم أنا بينا في أصول الفقه أن الترجيح بكثرة الأدلة جائز، وإذا كان كذلك فنقول بتقدير أن يثبت لهم أن النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد، فلو حملنا الآية على العقد لم يلزمنا إلا مجاز واحد، وبتقدير أن نحمل تلك الآية على حرمة النكاح يلزمنا هذه التخصيصات الكثيرة فكان الترجيح من جانبنا بسبب كثرة الدلائل.

الحجة الثالثة: الحديث المشهور في المسألة وهو قوله عليه الصلاة والسلام: الحرام لا يحرم الحلال أقصى ما في الباب أن يقال: إن قطرة من الخمر إذا وقعت في كوز من الماء فهاهنا الحرام حرم الحلال، وإذا اختلطت المنكوحة بالاجنبيات واشتبهت بهن، فهاهنا الحرام حرم الحلال، إلا أنا نقول: دخول التخصيص فيه في بعض الصور، ولا يمنع من الاستدلال به.

الحجة الرابعة: من جهة القياس أن نقول: المقتضى لجواز النكاح قائم، والفارق بين محل الاجماع وبين محل النزاع ظاهر، فوجب القول بالجواز، أما المقتضى فهو أن يقيس نكاح هذه المرأة على نكاح سائر النسوان عند حصول الشرائط المتفق عليها، بجامع ما في النكاح من المصالح، وأما الفارق فهو أن هذه المحرمية إنما حكم الشرع بثبوتها، سعيا في إبقاء الوصلة الحاصلة بسبب النكاح ومعلوم أن هذا لا يليق بالزنا.

بيان المقام الأول: من تزوج بامرأة، فلو لم يدخل على المرأة أب الرجل وابنه.

ولم تدخل على الرجل أم المرأة وبنتها، لبقيت المرأة كالمحبوسة في البيت، ولتعطل على الزوج والزوجة أكثر المصالح ولو أذنا في هذا الدخول ولم نحكم بالمحرمية فربما امتد عين البعض إلى البعض وحصل الميل والرغبة وعند حصول التزوج بأمها أو ابنتها تحصل النفرة الشديدة بينهن، لأن صدور الايذاء عن الأقارب أقوى وقعا وأشد إيلاما وتأثيرا، وعند حصول النفرة الشديدة يحصل التطليق والفراق، أما إذا حصلت المحرمية انقطعت الأطماع وانحبست الشهوة، فلا يحصل ذلك الضرر، فبقي النكاح بين الزوجين سليما عن هذه المفسدة، فثبت أن المقصود من حكم الشرع بهذه المحرمية، السعي في تقرير الاتصال الحاصل بين الزوجين، وإذا كان المقصود من شرع المحرمية ابقاء ذلك الاتصال، فمعلوم أن الاتصال الحاصل عند النكاح مطلوب البقاء، فيتناسب حكم الشرع باثبات هذه المحرمية، وأما الاتصال الحاصل عند الزنا فهو غير مطلوب البقاء، فلم يتناسب حكم الشرع باثبات هذه المحرمية، وهذا وجه مقبول مناسب في الفرق بين البابين، وهذا هو من قول الامام الشافعي رضي الله عنه عند مناظرته في هذه المسألة محمد بن الحسن حيث قال: وطء حمدت به، ووطء رجمت به، فكيف يشتبهان؟

ولنكتف بهذا القدر من الكلام في هذه المسألة.

واعلم أن السبب في ذكر هذا الاستقصاء هاهنا أن أبا بكر الرازي طول في هذه المسألة في تصنيفه، وما كان ذلك التطويل إلا تطويلا في الكلمات المختلطة والوجوه الفاسدة الركيكة، ثم إنه لما آل الأمر إلى المكالمة مع الامام الشافعي أساء في الأدب وتعدى طوره، وخاض في السفاهة وتعامى عن تقرير دلائله وتغافل عن إيراد حججه، ثم انه بعد أن كتب الأوراق الكثيرة في الترهات التي لا نفع لمذهبه منها ولا مضرة على خصومه بسببها، أظهر القدح الشديد والتصلف العظيم في كثرة علوم أصحابه وقلة علوم من يخالفهم، ولو كان من أهل التحصيل لبكى على نفسه من تلك الكلمات التي حاولت نصرة قوله بها، ولتعلم الدلائل ممن كان أهلا لمعرفتها، ومن نظر في كتابنا ونظر في كتابه وأنصف علم أنا أخذنا منه خرزة، ثم جعلناها لؤلؤة من شدة التخليص والتقرير ثم أجبنا عنه بأجوبة مستقيمة على قوانين الأصول، منطبقة على قواعد الفقه، ونسأل الله حسن الخاتمة ودوام التوفيق والنصرة.

المسألة الثالثة: ذكر المفسرون في قوله: ﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ وجوها: الأول: وهو أحسنها: ما ذكره السيد صاحب حل المقل فقال: هذا استثناء على طريق المعنى لأن قوله: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ النساء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ قبل نزول آية التحريم فانه معفو عنه.

الثاني: قال صاحب الكشاف: هذا كما استثنى غير أن سيوفهم من قوله: (وَلاَ عيب فِيهِمْ) يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فانه لا يحل لكم غيره، وذلك غير ممكن، والغرض المبالغة في تحريمه وسد الطريق إلى إباحته، كما يقال: حتى يبيض القار، وحتى يلج الجمل في سم الخياط.

الثالث: أن هذا استثناء منقطع لأنه لا يجوز استثناء الماضي من المستقبل، والمعنى: لكن ما قد سلف فان الله تجاوز عنه.

والرابع: إلا هاهنا بمعنى بعد، كقوله تعالى: ﴿ لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى  ﴾ أي بعد الموتة الأولى.

الخامس: قال بعضهم: معناه إلا ما قد سلف فانكم مقرون عليه، قالوا: إنه عليه الصلاة والسلام أقرهم عليهن مدة ثم أمر بمفارقتهن.

وإنما فعل ذلك ليكون إخراجهم عن هذه العادة الرديئة على سبيل التدريج، وقيل: إن هذا خطأ، لأنه عليه الصلاة والسلام ما أقر أحدا على نكاح امرأة أبيه، وإن كان في الجاهلية.

روى البراء: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بردة الى رجل عرس بامرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله.

المسألة الرابعة: الضمير في قوله تعالى: ﴿ أَنَّهُ ﴾ إلى ماذا يعود؟

فيه وجهان: الأول: أنه راجع إلى هذا النكاح قبل النهي، أعلم الله تعالى أن هذا الذي حرمه عليهم كان لم يزل منكرا في قلوبهم ممقوتا عندهم، وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه: مقتى، وذلك لأن زوجة الأب تشبه الأم، وكان نكاح الأمهات من أقبح الأشياء عند العرب، فلما كان هذا النكاح يشبه ذلك، لا جرم كان مستقبحا عندهم، فبين الله تعالى أن هذا النكاح أبدا كان ممقوتا وقبيحا.

الثاني: أن هذا الضمير راجع إلى هذا النكاح بعد النهي، فبين الله تعالى أنه كان فاحشة في الاسلام ومقتا عند الله، وإنما قال: ﴿ كَانَ ﴾ لبيان أنه كان في حكم الله وفي علمه موصوفا بهذا الوصف.

المسألة الخامسة: أنه تعالى وصفه بأمور ثلاثة: أولها: أنه فاحشة، وإنما وصف هذا النكاح بأنه فاحشة لما بينا أن زوجة الأب تشبه الأم فكانت مباشرتها من أفحش الفواحش.

وثانيها: المقت: وهو عبارة عن بغض مقرون باستحقار، حصل ذلك بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه، وهو من الله في حق العبد يدل على غاية الخزي والخسار.

وثالثها: قوله: ﴿ وَسَاء سَبِيلاً ﴾ قال الليث: ساء فعل لازم وفاعله مضمر وسبيلا منصوب تفسيرا لذلك الفاعل، كما قال: ﴿ وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً  ﴾ واعلم أن مراتب القبح ثلاثة: القبح في العقول، وفي الشرائع وفي العادات، فقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً ﴾ إشارة إلى القبح العقلي، وقوله: ﴿ وَمَقْتاً ﴾ إشارة إلى القبح الشرعي، وقوله: ﴿ وَسَاء سَبِيلاً ﴾ إشارة إلى القبح، في العرف والعادة، ومتى اجتمعت فيه هذه الوجوه فقد بلغ الغاية في القبح والله أعلم.

النوع السادس: من التكاليف المتعلقة بالنساء المذكورة في هذه الآيات.

<div class="verse-tafsir"

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّـٰتُكُمْ وَخَـٰلَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَـٰتُكُمُ ٱلَّـٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَـٰعَةِ وَأُمَّهَـٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَـٰٓئِبُكُمُ ٱلَّـٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّـٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَـٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ٢٣

قوله تعالى: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وَبَنَاتُ الأخ وَبَنَاتُ الأخت ﴾ .

اعلم أنه تعالى نص على تحريم أربعة عشر صنفا من النسوان: سبعة منهن من جهة النسب، وهن الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت.

وسبعة أخرى لا من جهة النسب: الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة وأمهات النساء وبنات النساء بشرط أن يكون قد دخل بالنساء، وأزواج الابناء والآباء، إلا أن أزواج الأبناء مذكورة هاهنا، وأزواج الآباء مذكورة في الآية المتقدمة، والجمع بين الأختين.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ذهب الكرخي إلى أن هذه الآية مجملة قال: لأنه أضيف التحريم فيها إلى الأمهات والبنات، والتحريم لا يمكن إضافته إلى الاعيان، وإنما يمكن إضافته إلى الأفعال، وذلك الفعل غير مذكور في الآية، فليست إضافة هذا التحريم إلى بعض الأفعال التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات والبنات، أولى من بعض، فصارت الآية مجملة من هذا الوجه.

والجواب عنه من وجهين: الأول: أن تقديم قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ  ﴾ يدل على أن المراد من قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ تحريم نكاحهن.

الثاني: أن من المعلوم بالضرورة من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن المراد منه تحريم نكاحهن، والأصل فيه أن الحرمة والاباحة إذا أضيفتا إلى الاعيان، فالمراد تحريم الفعل المطلوب منها في العرف، فاذا قيل: حرمت عليكم الميتة والدم، فهم كل أحد أن المراد تحريم أكلهما، وإذا قيل: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم، فهم كل أحد أن المراد تحريم نكاحهن، ولما قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا لإحدى معان ثلاث».

فهم كل أحد أن المراد لا يحل إراقة دمه.

وإذا كانت هذه الأمور معلومة بالضرورة كان إلقاء الشبهات فيها جاريا مجرى القدح في البديهيات وشبه السوفسطائية، فكانت في غاية الركاكة، والله أعلم.

بلى عندي فيه بحث من وجوه أخرى: أحدها: أن قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ﴾ مذكور على ما لم يسم فاعله، فليس فيه تصريح بأن فاعل هذا التحريم هو الله تعالى، وما لم يثبت ذلك لم تفد الآية شيئا آخر، ولا سبيل اليه إلا بالاجماع، فهذه الآية وحدها لا تفيد شيئا، بل لابد معها من الاجماع على هذه المقدمة.

وثانيها: أن قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ﴾ ليس نصا في ثبوت التحريم على سبيل التأييد، فان القدر المذكور في الآية يمكن تقسيمه الى المؤبد، والى المؤقت، كأنه تعالى تارة قال: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم الى الوقت الفلاني فقط، وأخرى: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم مؤبدا مخلدا، واذا كان القدر المذكور في الآية صالحا لأن يجعل موردا للتقسيم بهذين القسمين، لم يكن نصا في التأييد، فاذن هذا التأييد لا يستفاد من ظاهر الآية، بل من دلالة منفصلة.

وثالثها: أن قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ خطاب مشافهة فيخصص بأولئك الحاضرين، فاثبات هذا التحريم في حق الكل إنما يستفاد من دليل منفصل.

ورابعها: أن قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ إخبار عن ثبوت هذا التحريم في الماضي، وظاهر اللفظ غير متناول للحاضر والمستقبل فلا يعرف ذلك إلا بدليل منفصل.

وخامسها: أن ظاهر قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ يقتضي أنه قد حرم على كل أحد جميع أمهاتهم وجميع بناتهم، ومعلوم أنه ليس كذلك، بل المقصود أنه تعالى قابل الجمع بالجمع، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد، فهذا يقتضي أن الله تعالى قد حرم على كل أحد أمه خاصة، وبنته خاصة، وهذا فيه نوع عدول عن الظاهر.

وسادسها: أن قوله: ﴿ حرمات ﴾ يشعر ظاهره بسبق الحل، إذ لو كان أبدا موصوفا بالحرمة لكان قوله: ﴿ حرمات ﴾ تحريماً لما هو في نفسه حرام، فيكون ذلك إيجاد الموجود وهو محال، فثبت أن المراد من قوله: ﴿ حرمات ﴾ ليس تجديد التحريم حتى يلزم الاشكال المذكور، بل المراد الاخبار عن حصول التحريم، فثبت بهذه الوجوه أن ظاهر الآية وحده غير كاف في إثبات المطلوب، والله أعلم.

المسألة الثانية: اعلم أن حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمن آدم عليه السلام إلى هذا الزمان، ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأديان الالهية، بل ان زرداشت رسول المجوس قال بحله، إلا أن أكثر المسلمين اتفقوا على انه كان كذابا.

أما نكاح الاخوات فقد نقل أن ذلك كان مباحا في زمن آدم عليه السلام، وإنما حكم الله باباحة ذلك على سبيل الضرورة، ورأيت بعض المشايخ أنكر ذلك، وقال: انه تعالى كان يبعث الحواري من الجنة ليزوج بهن أبناء آدم عليه السلام وهذا بعيد، لأنه إذا كان زوجات أبنائه وأزواج بناته من أهل الجنة، فحينئذ لا يكون هذا النسل من أولاد آدم فقط، وذلك بالاجماع باطل.

وذكر العلماء أن السبب لهذا التحريم: أن الوطء إذلال وإهانة، فان الإنسان يستحي من ذكره ولا يقدم عليه إلا في الموضع الخالي، وأكثر أنواع الشتم لا يكون إلا بذكره، وإذا كان الأمر كذلك وجب صون الأمهات عنه لأن إنعام الأم على الولد أعظم وجوه الانعام، فوجب صونها عن هذا الاذلال، والبنت بمنزلة جزء من الإنسان وبعض منه، قال عليه الصلاة والسلام: «فاطمة بضعة مني».

فيجب صونها عن هذا الاذلال، لأن المباشرة معها تجري مجرى الاذلال، وكذا القول في البقية والله أعلم.

ولنشرع الآن في التفاصيل فنقول: النوع الأول: من المحرمات: الأمهات، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: الأمهات جمع الأم والأم في الأصل أمهة فأسقط الهاء في التوحيد قال الشاعر: أمهتى خندف والياس أبي *** وقد تجمع الأم على أمات بغير هاء وأكثر ما يستعمل في الحيوان غير الآدمي قال الراعي: كانت نجائب منذر ومحرق *** أماتهن وطرقهن فحيلا المسألة الثانية: كل امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو بدرجات، بإناث رجعت إليها أو بذكور فهي أمك.

ثم هاهنا بحث وهو أن لفظ الأم لا شك أنه حقيقة في الأم الأصلية، فأما في الجدات فإما أن يكون حقيقة أو مجازا، فإن كان لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية وفي الجدات، فإما أن يكون لفظا متواطئا أو مشتركا، فإن كان لفظا متواطئا أعني أن يكون لفظ الأم موضوعا بإزاء قدر مشترك بين الأم الأصلية وبين سائر الجدات فعلى هذا التقدير يكون قوله تعالى: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ نصا في تحريم الأم الأصلية وفي تحريم جميع الجدات، وأما إن كان لفظ الأم مشتركا في الأم الأصلية وفي الجدات، فهذا يتفرع على أن اللفظ المشترك بين أمرين هل يجوز استعماله فيهما معا أم لا؟

فمن جوزه حمل اللفظ هاهنا على الكل، وحينئذ يكون تحريم الجدات منصوصا عليه، ومن قال: لا يجوز، فالقائلون بذلك لهم طريقان في هذا الموضع: أحدهما: أن لفظ الأم لا شك أنه أريد به هاهنا الأم الأصلية، فتحريم نكاحها مستفاد من هذا الوجه، وأما تحريم نكاح الجدات فغير مستفاد من هذا النص، بل من الاجماع.

والثاني: أنه تعالى تكلم بهذه الآية مرتين، يريد في كل مرة مفهوما آخر، أما إذا قلنا: لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية مجاز في الجدات، فقد ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد دفعة واحدة في حقيقته ومجازه معا، وحينئذ يرجع الطريقان اللذان ذكرناهما فيما إذا كان لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية، وفي الجدات.

المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه الله: إذا تزوج الرجل بأمه ودخل بها يلزمه الحد، وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يلزمه.

حجة الشافعي أن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة، فكان هذا الوطء زنا محضا فيلزمه الحد لقوله تعالى: ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ  ﴾ إنما قلنا: إن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة لأنه تعالى قال: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم ﴾ وقد علم بالضرورة من دين محمد عليه الصلاة والسلام أن مراد الله تعالى من هذه الآية: تحريم نكاحها وإذا ثبت هذا فنقول: الموجود ليس إلا صيغة الايجاب والقبول، فلو حصل هذا الانعقاد، فإما أن يقال: إنه حصل في الحقيقة أو في حكم الشرع والأول باطل، لأن صيغة الايجاب والقبول كلام وهو عرض لا يبقى، والقبول لا يوجد إلا بعد الايجاب، وحصول الانعقاد بين الموجود والمعدوم محال.

والثاني: باطل، لأن الشرع بين في هذه الآية بطلان هذا العقد قطعا، ومع كون هذا العقد باطلا قطعا في حكم الشرع، كيف يمكن القول بأنه منعقد شرعا؟

فثبت أن وجود هذا العقد وعدمه بمثابة واحدة، وإذا ثبت ذلك فباقي التفريع والتقرير ما تقدم.

النوع الثاني: من المحرمات: البنات، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: كل أنثى يرجع نسبها اليك بالولادة بدرجة أو بدرجات، باناث أو بذكور فهي بنتك، وأما بنت الابن وبنت البنت فهل تسمى بنتا حقيقة أو مجازا؟

فالبحث فيه عين ما ذكرناه في الأمهات.

المسألة الثانية: قال الشافعي رحمه الله: البنت المخلوقة من ماء الزنا لا تحرم على الزاني.

وقال أبو حنيفة: تحرم.

حجة الشافعي أنها ليست بنتاً له فوجب أن لا تحرم، إنما قلنا: إنها ليست بنتا لوجوه: الأول: أن أبا حنيفة إما أن يثبت كونها بنتا له بناء على الحقيقة، وهي كونها مخلوقة من مائه، أو بناء على حكم الشرع بثبوت هذا النسب، والأول باطل على مذهبه طردا وعكسا، أما الطرد فهو أنه إذا اشترى جارية بكرا وافتضها وحبسها في داره فأتت بولد، فهذا الولد معلوم أنه مخلوق من مائه مع أن أبا حنيفة قال: لا يثبت نسبها إلا عند الاستلحاق، ولو كان السبب هو كون الولد متخلقا من مائه لما توقف في ثبوت هذا النسب بغير الاستلحاق، وأما العكس فهو أن المشرقي إذا تزوج بالمغربية وحصل هناك ولد، فأبو حنيفة أثبت النسب هنا مع القطع بأنه غير مخلوق من مائه، فثبت أن القول بجعل التخليق من مائه سببا للنسب باطل طردا وعكسا على قول أبي حنيفة، وأما إذا قلنا: النسب إنما يثبت بحكم الشرع، فهاهنا أجمع المسلمون على أنه لا نسب لولد الزنا من الزاني، ولو انتسب إلى الزاني لوجب على القاضي منعه من ذلك الانتساب، فثبت أن انتسابها اليه غير ممكن، لا بناء على الحقيقة، ولا بناء على حكم الشرع.

الوجه الثاني: التمسك بقوله عليه الصلاة والسلام: «الولد للفراش وللعاهر الحجر».

فقوله: «الولد للفراش» يقتضي حصر النسب في الفراش.

الوجه الثالث: لو كانت بنتاً له لأخذت الميراث لقوله تعالى: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين  ﴾ ولثبتت له ولاية الاجبار، لقوله عليه السلام: «زوجوا بناتكم الأكفاء» ولوجب عليه نفقتها وحضانتها، ولحلت الخلوة بها، فلما لم يثبت شيء من ذلك علمنا انتفاء البنتية، وإذا ثبت أنها ليست بنتاً له وجب أن يحل التزوج بها، لأن حرمة التزوج بها إما للبنتية، أو لأجل أن الزنا يوجب حرمة المصاهرة، وهذا الحصر ثابت بالاجماع.

والبنتية باطلة كما ذكرنا، وحرمة المصاهرة بسبب الزنا أيضا باطلة كما تقدم شرح هذه المسألة، فثبت أنها غير محرمة على الزاني والله أعلم.

النوع الثالث: من المحرمات: الأخوات: ويدخل فيه الأخوات من الأب والأم معا، والأخوات من الأب فقط، والأخوات من الأم فقط.

النوع الرابع والخامس: العمات والخالات.

قال الواحدي رحمه الله: كل ذكر رجع نسبك اليه فأخته عمتك، وقد تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أبي أمك، وكل أنثى رجع نسبك اليها بالولادة فأختها خالتك، وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك.

النوع السادس والسابع: بنات الأخ وبنات الأخت: والقول في بنات الأخ وبنات الأخت كالقول في بنات الصلب.

فهذه الأقسام السبعة محرمة في نص الكتاب بالانساب والارحام.

قال المفسرون: كل امرأة حرم الله نكاحها للنسب والرحم، فتحريمها مؤبد لا يحل بوجه من الوجوه، وأما اللواتي يحل نكاحهن ثم يصرن محرمات بسبب طارئ، فهن اللاتي ذكرن في باقي الآية.

النوع الثامن والتاسع: قوله تعالى: ﴿ وأمهاتكم الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ وأخواتكم مّنَ الرضاعة ﴾ .

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: المرضعات سماهن أمهات لأجل الحرمة، كما أنه تعالى سمى أزواج النبي عليه السلام أمهات المؤمنين في قوله: ﴿ وأزواجه أمهاتهم  ﴾ لأجل الحرمة.

المسألة الثانية: أنه تعالى نص في هذه الآية على حرمة الأمهات والأخوات من جهة الرضاعة إلا أن الحرمة غير مقصورة عليهن، لأنه صلى الله عليه وسلم قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» وإنما عرفنا أن الأمر كذلك بدلالة هذه الآيات، وذلك لأنه تعالى لما سمى المرضعة أماً، والمرضعة أختا، فقد نبه بذلك على أنه تعالى أجرى الرضاع مجرى النسب، وذلك لأنه تعالى حرم بسبب النسب سبعا: اثنتان منها هما المنتسبتان بطريق الولادة، وهما الأمهات والبنات، وخمس منها بطريق الأخوة، وهو الأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، ثم أنه تعالى لما شرع بعد ذلك في أحوال الرضاع ذكر من هذين القسمين صورة واحدة تنبيها بها على الباقي، فذكر من قسم قرابة الولادة الأمهات، ومن قسم قرابة الاخوة الأخوات، ونبه بذكر هذين المثالين من هذين القسمين على أن الحال في باب الرضاع كالحال في النسب، ثم انه عليه السلام أكد هذا البيان بصريح قوله: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب فصار صريح الحديث مطابقاً لمفهوم الآية، وهذا بيان لطيف.

المسألة الثالثة: أم الأنسان من الرضاع هي التي أرضعته، وكذلك كل امرأة انتسبت الى تلك المرضعة بالأمومة، إما من جهة النسب أو من جهة الرضاع، والحال في الأب كما في الأم، واذا عرفت الأم والأب فقد عرفت البنت أيضا بذلك الطريق، وأما الأخوات فثلاثة: الأولى أختك لأبيك وأمك، وهي الصغيرة الأجنبية التي أرضعتها أمك بلبن أبيك، سواء أرضعتها معك أو مع ولد قبلك أو بعدك، والثانية أختك لأبيك دون أمك، وهي التي أرضعتها زوجة أبيك بلبن أبيك، والثالثة أختك لأمك دون أبيك، وهي التي أرضعتها أمك بلبن رجل آخر، واذا عرفت ذلك سهل عليك معرفة العمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت.

المسألة الرابعة: قال الشافعي رحمة الله عليه: الرضاع يحرم بشرط أن يكون خمس رضعات، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: الرضعة الواحدة كافية، وقد مرت هذه المسألة في سورة البقرة، واحتج أبو بكر الرازي بهذه الآية فقال: انه تعالى علق هذا الاسم يعني الأمومة والاخوة بفعل الرضاع، فحيث حصل هذا الفعل وجب أن يترتب عليه الحكم، ثم سأل نفسه فقال: ان قوله تعالى: ﴿ وأمهاتكم الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ ﴾ بمنزلة قول القائل: وأمهاتكم اللاتي أعطينكم، وأمهاتكم اللاتي كسونكم، وهذا يقتضي تقدم حصول صفة الأمومة والأختية على فعل الرضاع، بل لو أنه تعالى قال: اللاتي أرضعنكم هن أمهاتكم لكان مقصودكم حاصلا.

وأجاب عنه بأن قال: الرضاع هو الذي يكسوها سمة الأمومة، فلما كان الاسم مستحقا بوجود الرضاع كان الحكم معلقا به، بخلاف قوله وأمهاتكم اللاتي كسونكم، لأن اسم الأمومة غير مستفاد من الكسوة، قال ويدل على أن ذلك مفهوم من هذه الآية ما روي أنه جاء رجل الى ابن عمر رضي الله عنهما فقال: قال ابن الزبير: لا بأس بالرضعة ولا بالرضعتين، فقال ابن عمر: قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير، قال الله تعالى: ﴿ وأخواتكم مّنَ الرضاعة ﴾ قال: فعقل ابن عمر من ظاهر اللفظ التحريم بالرضاع القليل.

واعلم أن هذا الجواب ركيك جداً، أما قوله: ان اسم الأمومة إنما جاء من فعل الرضاع فنقول: وهل النزاع الا فيه، فإن عندي أن اسم الأمومة إنما جاء من الرضاع خمس مرات، وعندك إنما جاء من أصل الرضاع، وأنت إنما تمسكت بهذه الآية لاثبات هذا الأصل، فاذا أثبت التمسك بهذه الآية على هذا الأصل كنت قد أثبت الدليل بالمدلول وإنه دور وساقط، وأما التمسك بأن ابن عمر فهم من الآية حصول التحريم بمجرد فعل الرضاع، فهو معارض بما أن ابن الزبير ما فهمه منه، وكان كل واحد منهما من فقهاء الصحابة ومن العلماء بلسان العرب، فكيف جعل فهم أحدهما حجة ولم يجعل فهم الآخر حجة على قول خصمه.

ولولا التعصب الشديد المعمي للقلب لما خفي ضعف هذه الكلمات، ثم ان أبا بكر الرازي أخد يتمسك في إثبات مذهبه بالأحاديث والأقيسة، ومن تكلم في أحكام القرآن وجب أن لا يذكر إلا ما يستنبطه من الآية، فأما ما سوى ذلك فانما يليق بكتب الفقه.

النوع العاشر: من المحرمات.

قوله تعالى: ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: يدخل في هذه الآية الأمهات الأصلية وجميع جداتها من قبل الأب والأم كما بينا مثله في النسب.

المسألة الثانية: مذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين أن من تزوج بامرأة حرمت عليه أمها سواء دخل بها أو لم يدخل، وزعم جمع من الصحابة أن أم المرأة إنما تحرم بالدخول بالبنت كما أن الربيبة إنما تحرم بالدخول بأمها، وهو قول علي وزيد وابن عمر وابن الزبير وجابر، وأظهر الروايات عن ابن عباس، وحجتهم أنه تعالى ذكر حكمين وهو قوله: ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِي حُجُورِكُمْ ﴾ ثم ذكر شرطا وهو قوله: ﴿ مّن نِّسَائِكُمُ اللاتى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ فوجب أن يكون ذلك الشرط معتبرا في الجملتين معا، وحجة القول الأول أن قوله تعالى: ﴿ وأمهات نِسَائِكُمْ ﴾ جملة مستقلة بنفسها ولم يدل الدليل على عود ذلك الشرط اليه، فوجب القول ببقائه على عمومه، وإنما قلنا إن هذا الشرط غير عائد لوجوه: الأول: وهو أن الشرط لابد من تعليقه بشيء سبق ذكره فاذا علقناه باحدى الجملتين لم يكن بنا حاجة إلى تعليقه بالجملة الثانية، فكان تعليقه بالجملة الثانية تركا للظاهر من غير دليل، وانه لا يجوز.

الثاني: وهو أن عموم هذه الجملة معلوم، وعود الشرط اليه محتمل، لأنه يجوز أن يكون الشرط مختصاً بالجملة الأخيرة فقط، ويجوز أن يكون عائدا إلى الجملتين معا، والقول بعود هذا الشرط إلى الجملتين ترك لظاهر العموم بمخصص مشكوك، وانه لا يجوز.

الثالث: وهو أن هذا الشرط لو عاد إلى الجملة الأولى، فاما أن يكون مقصورا عليها، وإما أن يكون متعلقا بها وبالجملة الثانية أيضاً، والأول باطل، لأن على هذا التقدير يلزم القول بتحريم الربائب مطلقا، وذلك باطل بالاجماع، والثاني باطل أيضا، لأن على هذا التقدير يصير نظم الآية هكذا وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فيكون المراد بكلمة من هاهنا التمييز ثم يقول: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فيكون المراد بكلمة من هاهنا ابتداء الغاية كما يقول: بنات الرسول من خديجة، فيلزم استعمال اللفظ الواحد المشترك في كلا مفهوميه وانه غير جائز، ويمكن أن يجاب عنه فيقال: إن كلمة من للاتصال كقوله تعالى: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ  ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: «ما أنا من دد ولا الدد مني» ومعنى مطلق الاتصال حاصل في النساء والربائب معا.

الوجه الرابع: في الدلالة على ما قلناه: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها، دخل بالبنت أو لم يدخل، واذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فان شاء تزوج البنت» وطعن محمد بن جرير الطبري في صحة هذا الحديث.

وكان عبدالله بن مسعود يفتي بنكاح أم المرأة اذا طلق بنتها قبل المسيس وهو يومئذ بالكوفة، فاتفق أن ذهب الى المدينة فصادفهم مجمعين على خلاف فتواه، فلما رجع الى الكوفة لم يدخل داره حتى ذهب إلى ذلك الرجل وقرع عليه الباب وأمره بالنزول عن تلك المرأة.

وروى قتادة عن سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت قال: الرجل إذا طلق امرأته قبل الدخول وأراد أن يتزوج أمها فإن طلقها قبل الدخول تزوج أمها، وإن ماتت لم يتزوج أمها، واعلم أنه إنما فرق بين الموت والطلاق في التحريم، لأن الطلاق قبل الدخول لا يتعلق به شيء من أحكام الدخول، ألا ترى أنه لا يجب عليها عدة، وأما الموت فلما كان في حكم الدخول في باب وجوب العدة، لا جرم جعله الله سببا لهذا التحريم.

النوع الحادي عشر: من المحرمات.

قوله تعالى: ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِي حُجُورِكُمْ مّن نِّسَائِكُمُ اللاتى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ .

وفيه مسائل: المسألة الأولى: الربائب: جمع رَبيبَة، وهي بنتُ امرأة الرجل من غيره، ومعناها مَرْبوبَة، لأن الرجل هو يربها يقال: ربيت فلانا أربه: وربيته أربيه بمعنى واحد، والحجور جمع حجر، وفيه لغتان قال ابن السِّكِّيْت: حجر الإنسان وحجره بالفتح والكسر، والمراد بقوله: ﴿ فِى حُجُورِكُمْ ﴾ أي في تربيتكم، يقال: فلان في حجر فلان اذا كان في تربيته، والسبب في هذه الاستعارة أن كل من ربى طفلا أجلسه في حجره، فصار الحجر عبارة عن التربية، كما يقال: فلان في حضانة فلان، وأصله من الحضن الذي هو الابط، وقال أبو عبيدة: في حجوركم أي في بيوتكم.

المسألة الثانية: روى مالك بن أوس بن الحدثان عن علي رضي الله عنه أنه قال: الربيبة اذا لم تكن في حجر الزوج وكانت في بلد آخر، ثم فارق الأم بعد الدخول فانه يجوز له أن يتزوج الربيبة، ونقل أنه رضوان الله عليه احتج على ذلك بأنه تعالى قال: ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِي حُجُورِكُمْ ﴾ شرط في كونها ربيبة له، كونها في حجره، فاذا لم تكن في تربيته ولا في حجره فقد فات الشرط، فوجب أن لا تثبت الحرمة، وهذا استدلال حسن.

وأما سائر العلماء فانهم قالوا: إذا دخل بالمرأة حرمت عليه ابنتها سواء كانت في تربيته أو لم تكن، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ علق رفع الجناح بمجرد عدم الدخول، وهذا يقتضي أن المقتضى لحصول الجناح هو مجرد الدخول.

وأما الجواب عن حجة القول الأول فهو أن الأعم الأغلب أن بنت زوجة الإنسان تكون في تربيته، فهذا الكلام على الأعم، لا أن هذا القيد شرط في حصول هذا التحريم.

المسألة الثالثة: تمسك أبو بكر الرازي في إثبات أن الزنا يوجب حرمة المصاهرة بقوله تعالى: ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِي حُجُورِكُمْ مّن نِّسَائِكُمُ اللاتى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ قال: لأن الدخول بها اسم لمطلق الوطء سواء كان الوطء نكاحا أو سفاحا، فدل هذا على أن الزنا بالأم يوجب تحريم البنت، وهذا الاستدلال في نهاية الضعف، وذلك لأن هذه الآية مختصة بالمنكوحة لدليلين: الأول: أن هذه الآية إنما تناولت امرأة كانت من نسائه قبل دخوله بها والمزني بها ليست كذلك، فيمتنع دخولها في الآية بيان الأول من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ مّن نِّسَائِكُمُ اللاتى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ يقتضي أن كونها من نسائه يكون متقدما على دخوله بها، والثاني: أنه تعالى قسم نساءهم إلى من تكون مدخولا بها، وإلى من لا تكون كذلك، بدليل قوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ وإذا كان نساؤهم منقسمة إلى هذين القسمين علمنا أن كون المرأة من نسائه أمر مغاير للدخول بها، وأما بيان أن المزنية ليست كذلك، فذلك لأن في النكاح صارت المرأة بحكم العقد من نسائه سواء دخل بها أو لم يدخل بها، أما في الزنا فانه لم يحصل قبل الدخول بها حالة أخرى تقتضي صيرورتها من نسائه، فثبت بهذا أن المزنية غير داخلة في هذه الآية.

الثاني: لو أوصى لنساء فلان، لا تدخل هذه الزانية فيهن، وكذلك لو حلف على نساء بني فلان، لا يحصل الحنث والبر بهذه الزانية، فثبت ضعف هذا الاستدلال والله أعلم.

النوع الثاني عشر: من المحرمات.

قوله تعالى: ﴿ وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الشافعي-رحمه الله-: لا يجوز للأب أن يتزوج بجارية ابنه، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: إنه يجوز، احتج الشافعي فقال: جارية الابن حليلة، وحليلة الابن محرمة على الأب، أما المقدمة الأولى فبيانها بالبحث عن الحليلة فنقول: الحليلة فعيلة فتكون بمعنى الفاعل أو بمعنى المفعول، ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون مأخوذا من الحل الذي هو الاباحة، فالحليلة تكون بمعنى المحلة أي المحللة، ولا شك أن الجارية كذلك فوجب كونها حليلة له.

الثاني: أن يكون ذلك مأخوذا من الحلول، فالحليلة عبارة عن شيء يكون محل الحلول، ولا شك أن الجارية موضع حلول السيد، فكانت حليلة له، أما إذا قلنا: الحليلة بمعنى الفاعل ففيه وجهان أيضاً: الأول: أنها لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر كأنهما يحلان في ثوب واحد وفي لحاف واحد وفي منزل واحد ولا شك أن الجارية كذلك.

الثاني: ان كل واحد منهما كأنه حال في قلب صاحبه وفي روحه لشدة ما بينهما من المحبة والالفة، فثبت بمجموع ما ذكرناه أن جارية الابن حليلة، وأما المقدمة الثانية وهي أن حليلة الابن محرمة على الأب لقوله تعالى: ﴿ وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين ﴾ لا يقال: إن أهل اللغة يقولون: حليلة الرجل زوجته لأنا نقول: إنا قد بينا بهذه الوجوه الأربعة من الاشتقاقات الظاهرة أن لفظ الحليلة يتناول الجارية، فالنقل الذي ذكرتموه لا يلتفت اليه.

فكيف وهو شهادة على النفي؟

فانا لا ننكر أن لفظ الحليلة يتناول الزوجة، ولكنا نفسره بمعنى يتناول الزوجة والجارية، فقول من يقول: إنه ليس كذلك شهادة على النفي ولا يلتفت إليه.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ الذين مِنْ أصلابكم ﴾ احترازاً عن المتبني، وكان المتبني في صدر الاسلام بمنزلة الابن، ولا يحرم على الإنسان حليلة من ادعاه ابنا إذا لم يكن من صلبه، نكح الرسول صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش الأسدية وهي بنت أميمة بنت عبد المطلب، وكانت زينب ابنة عمة النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن كانت زوجة زيد بن حارثة، فقال المشركون: إنه تزوج امرأة ابنه فأنزل الله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ  ﴾ وقال: ﴿ لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ  ﴾ المسألة الثالثة: ظاهر قوله: ﴿ وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم ﴾ لا يتناول حلائل الأبناء من الرضاعة، فلما قال في آخر الآية: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ لزم من ظاهر الآيتين حل التزوج بأزواج الأبناء من الرضاع، إلا أنه عليه السلام قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» فاقتضى هذا تحريم التزوج بحليلة الابن من الرضاع لأن قوله: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ يتناول الرضاع وغير الرضاع، فكان قوله: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب أخص منه، فخصصوا عموم القرآن بخبر الواحد والله أعلم.

المسألة الرابعة: اتفقوا على أن حرمة التزوج بحليلة الابن تحصل بنفس العقد كما أن حرمة التزوج بحليلة الأب تحصل بنفس العقد، وذلك لأن عموم الآية يتناول حليلة الابن، سواء كانت مدخولا بها أو لم تكن.

أما ما روي ان ابن عباس سئل عن قوله: ﴿ وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم ﴾ أنه تعالى لم يبين أن هذا الحكم مخصوص بما إذا دخل الابن بها.

أو غير مخصوص بذلك، فقال ابن عباس: أبهموا ما أبهمه الله، فليس مراده من هذا الابهام كونها مجملة مشتبهة، بل المراد من هذا الابهام التأييد.

ألا ترى أنه قال في السبعة المحرمة من جهة النسب: انها من المبهمات، أي من اللواتي تثبت حرمتهن على سبيل التأبيد، فكذا هاهنا، والله أعلم.

المسألة الخامسة: اتفقوا على أن هذه الآية تقتضي تحريم حليلة ولد الولد على الجَدّ، وهذا يدل على أن ولد الولد يطلق عليه أنه من صُلْب الجَدّ، وفيه دلالة على أن ولد الولد منسوب إلى الجد بالولادة.

النوع الثالث عشر: من المحرمات.

قوله تعالى: ﴿ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين ﴾ في محل الرفع، لأن التقدير: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم والجمع بين الأختين.

المسألة الثانية: الجمع بين الأختين يقع على ثلاثة أوجه: إما أن ينكحهما معا، أو يملكهما معاً، أو ينكح إحداهما ويملك الاخرى، أما الجمع بين الأختين في النكاح.

فذلك يقع على وجهين: أحدهما: أن يعقد عليهما جميعا، فالحكم هاهنا: إما الجمع، أو التعيين، أو التخيير، أو الابطال، أما الجمع فباطل بحكم هذه الآية هكذا قالوا، إلا أنه مشكل على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه، لأن الحرمة لا تقتضي الابطال على قول أبي حنيفة، ألا ترى أن الجمع بين الطلقات حرام على قوله، ثم انه يقع، وكذا النهي عن بيع الدرهم بالدرهمين لم يمنع من انعقاد هذا العقد، وكذا القول في جميع المبايعات الفاسدة، فثبت أن الاستدلال بالنهي على الفساد لا يستقيم على قوله.

فان قالوا: وهذا يلزمكم أيضا لأن الطلاق في زمان الحيض وفي طهر جامعها فيه منهيٌ عنه، ثم انه يقع.

قلنا: بين الصورتين فرق دقيق لطيف ذكرناه في الخلافيات، فمن أراده فليطلب ذلك الكتاب، فثبت أن الجمع باطل.

وأما أن التعيين أيضا باطل، فلأن الترجيح من غير مرجح باطل، وأما أن التخيير أيضا باطل، فلأن القول بالتخيير يقتضي حصول العقد وبقاءه إلى أوان التعيين.

وقد بينا بطلانه، فلم يبق إلا القول بفساد العقدين جميعا.

الصورة الثانية: من صور الجمع: وهي أن يتزوج إحداهما، ثم يتزوج الأخرى بعدها، فهاهنا يحكم ببطلان نكاح الثانية، لأن الدفع أسهل من الرفع، وأما الجمع بين الأختين بملك اليمين، أو بأن ينكح إحداهما ويشتري الأخرى، فقد اختلفت الصحابة فيه، فقال علي وعمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عمر: لا يجوز الجمع بينهما: والباقون جوزوا ذلك.

أما الأولون فقد احتجوا على قولهم بأن ظاهر الآية يقتضي تحريم الجمع بين الأختين مطلقا، فوجب أن يحرم الجمع بينهما على جميع الوجوه، وعن عثمان أنه قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، والتحليل أولى، فالآية الموجبة للتحليل هي قوله: ﴿ والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم  ﴾ وقوله: ﴿ إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم  ﴾ .

والجواب عنه من وجهين: الأول: أن هذه الآيات دالة على تحريم الجمع أيضا، لأن المسلمين أجمعوا على أنه لا يجوز الجمع بين الأختين في حل الوطء، فنقول: لو جاز الجمع بينهما في الملك لجاز الجمع بينهما في الوطء لقوله تعالى: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَٰفِظُونَ  إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ  ﴾ لكنه لا يجوز الجمع بينهما في الملك، فثبت أن هذه الآية بأن تكون دالة على تحريم الجمع بينهما في الملك، أولى من أن تكون دالة على الجواز.

الوجه الثاني: إن سلمنا دلالتها على جواز الجمع، لكن نقول: الترجيح لجانب الحرمة، ويدل عليه وجوه: الأول: قوله عليه الصلاة والسلام: «ما اجتمع الحرام والحلال إلا وغلب الحرام الحلال».

الثاني: أنه لا شك أن الاحتياط في جانب الترك فيجب، لقوله عليه الصلاة والسلام: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».

الثالث: أن مبنى الابضاع في الأصل على الحرمة، بدليل أنه إذا استوت الامارات في حصول العقد مع شرائطه وفي عدمه وجب القول بالحرمة، ولأن النكاح مشتمل على المنافع العظيمة، فلو كان خاليا عن جهة الاذلال والضرر، لوجب أن يكون مشروعا في حق الأمهات لأن إيصال النفع اليهن مندوب لقوله تعالى: ﴿ وبالوالدين إحسانا  ﴾ ولما كان ذلك محرما علمنا اشتماله على وجه الاذلال والمضارة، وإذا كان كذلك كان الأصل فيه هو الحرمة، والحل إنما ثبت بالعارض، وإذا ثبت هذا ظهر أن الرجحان لجانب الحرمة، فهذا هو تقرير مذهب علي رضي الله عنه في هذا الباب.

أما إذا أخذنا بالمذهب المشهور بين الفقهاء، وهو أنه يجوز الجمع بين أمتين أختين في ملك اليمين، فاذا وطئ إحداهما حرمت الثانية، ولا تزول هذه الحرمة ما لم يزل ملكه عن الأولى ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة أو تزويج.

المسألة الثالثة: قال الشافعي رضي الله عنه: نكاح الأخت في عدة الأخت البائن جائز، وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: لا يجوز.

حجة الشافعي: أنه لم يوجد الجمع فوجب أن لا يحصل المنع، إنما قلنا: إنه لم يوجد الجمع لأن نكاح المطلقة زائل، بدليل أنه لا يجوز له وطؤها، ولو وطئها يلزمه الحد، وإنما قلنا: انه لما لم يوجد الجمع وجب أن لا يحصل المنع، لقوله تعالى بعد تقرير المحرمات: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ  ﴾ ولا شبهة في انتفاء جميع تلك الموانع، إلا كونه جمعا بين أختين، فاذا ثبت بالدليل أن الجمع منتف وجب القول بالجواز.

فان قيل: النكاح باق من بعض الوجوه بدليل وجوب العدة ولزوم النفقة عليها.

قلنا: النكاح له حقيقة واحدة، والحقيقة الواحدة يمتنع كونها موجودة معدومة معا، بل لو انقسمت هذه الحقيقة الى نصفين حتى يكون أحدهما موجودا والآخر معدوما صح ذلك، أما إذا كانت الحقيقة الواحدة غير قابلة للتنصيف كان هذا القول فاسدا.

وأما وجوب العدة ولزوم النفقة، فاعلم أنه ان حصل النكاح حصلت القدرة على حبسها، وهذا لا ينتج أنه حصلت القدرة على حبسها للنكاح؛ لأن استثناء عين التالي لا ينتج، فبالجملة: فاثبات حق الحبس بعد زوال النكاح بطريق آخر معقول في الجملة، فاما القول ببقاء النكاح حال القول بعدمه، فذلك مما لا يقبله العقل، وتخريج أحكام الشرع على وفق العقول، أولى من حملها على ما يعرف بطلانها في بداهة العقول، والله أعلم.

المسألة الرابعة: قال الشافعي رحمة الله عليه: إذا أسلم الكافر وتحته أختان اختار أيتهما شاء وفارق الأخرى.

وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: إن كان قد تزوج بهما دَفعةً واحدةً فرق بينه وبينهما، وان كان قد تزوج باحداهما أولا وبالأخرى ثانيا، اختار الأولى وفارق الثانية، واحتج أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بقوله: ﴿ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين ﴾ قال: هذا خطاب عام فيتناول المؤمن والكافر، وإذا ثبت أنه تناول الكافر وجب أن يكون النكاح فاسدا، لأن النهي يدل على الفساد.

فيقال له: انك بنيت هذا الاستدلال على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع وعلى أن النهي يدل على الفساد، وأبو حنيفة لا يقول بواحد من هذين الأصلين، فان قال: فهما صحيحان على قولكم: فكان هذا الاستدلال لازما عليكم فنقول: قولنا: الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لا نعني به في أحكام الدنيا، فانه ما دام كافرا لا يمكن تكليفه بفروع الاسلام، وإذا أسلم سقط عنه كل ما مضى بالاجماع، بل المراد منه أحكام الآخرة، وهو أن الكافر يعاقب بترك فروع الاسلام كما يعاقب على ترك الاسلام، إذا عرفت هذا فنقول: أجمعنا على أنه لو تزوج الكافر بغير ولي ولا شهود، أو تزوج بها على سبيل القهر، فبعد الاسلام يقر ذلك النكاح في حقه، فثبت أن الخطاب بفروع الشرائع لا يظهر أثره في الأحكام الدنيوية في حق الكافر، وحجة الشافعي: أن فيروزاً الديلمي أسلم على ثمان نسوة، فقال عليه الصلاة والسلام: «اختر أربعا وفارق سائرهن» خيره بينهن، وذلك ينافي ما ذكرتم من الترتيب والله أعلم.

المسألة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ فيه الاشكال المشهور: وهو أن تقدير الآية حرمت عليكم أمهاتكم وكذا وكذا الا ما قد سلف، وهذا يقتضي استنثاء الماضي من المستقبل، وإنه لا يجوز، وجوابه بالوجوه المذكورة في قوله: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ النساء إِلاَّ مَا قَدْ مَا سَلَفَ ﴾ والمعنى أن ما مضى مغفور بدليل قوله: ﴿ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ ؟

النوع الرابع عشر: من المحرمات.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۖ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ ۚ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةًۭ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُم بِهِۦ مِنۢ بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا ٢٤

قوله تعالى: ﴿ والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم كتاب الله عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ .

فيه مسائل: المسألة الأولى: الاحصان في اللغة المنع، وكذلك الحصانة، يقال: مدينة حصي <div class="verse-tafsir"

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مِّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَـٰتٍ غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍۢ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍۢ ۚ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍۢ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٢٥

اعلم أنه تعالى لما بين من يحل ومن لا يحل: بين فيمن يحل أنه متى يحل، وعلى أي وجه يحل فقال: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الكسائي ﴿ المحصنات ﴾ بكسر الصاد، وكذلك ﴿ محصنات غَيْرَ مسافحات ﴾ وكذلك ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات ﴾ كلها بكسر الصاد، والباقون بالفتح، فالفتح معناه ذوات الأزواج، والكسر معناه العفائف والحرائر، والله أعلم.

المسألة الثانية: الطول: الفضل، ومنه التطول وهو التفضل، وقال تعالى: ﴿ ذِى الطول  ﴾ ويقال: تطاول لهذا الشيء أي تناوله، كما يقال: يد فلان مبسوطة وأصل هذه الكلمة من الطول الذي هو خلاف القصر؛ لأنه إذا كان طويلا ففيه كمال وزيادة، كما أنه إذا كان قصيرا ففيه قصور ونقصان، وسمي الغنى أيضاً طولا، لأنه ينال به من المرادات مالا ينال عند الفقر، كما أن بالطول ينال ما لا ينال بالقصر.

إذا عرفت هذا فنقول: الطول القدرة، وانتصابه على أنه مفعول يستطع وأَن يَنكِحَ في موضع النصب على أنه مفعول القدرة.

فان قيل: الاستطاعة هي القدرة، والطول أيضا هو القدرة، فيصير تقدير الآية: ومن لم يقدر، منكم على القدرة على نكاح المحصنات، فما فائدة هذا التكرير في ذكر القدرة؟

قلنا: الأمر كما ذكرت، والأولى أن يقال: المعنى فمن لم يستطع منكم استطاعة بالنكاح المحصنات، وعلى هذا الوجه يزول الاشكال، فهذا ما يتعلق باللغة.

أما ما قاله المفسرون فوجوه: الأول: ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح أمة.

الثاني: أن يفسر النكاح بالوطء، والمعنى: ومن لم يستطع منكم طولا وطء الحرائر فلينكح أمة، وعلى هذا التقدير فكل من ليس تحته حرة فإنه يجوز له التزوج بالأمة.

وهذا التفسير لائق بمذهب أبي حنيفة، فان مذهبه أنه إذا كان تحته حرة لم يجز له التزوج بالأمة.

وهذا التفسير لائق بمذهب أبي حنيفة، فإن مذهبه أنه إذا كان تحته حرة لم يجز له نكاح الأمة، سواء قدر على التزوج بالحرة أو لم يقدر.

والثالث: الاكتفاء بالحرة، فله أن يتزوج بالأمة سواء كان تحته حرة أو لم يكن، كل هذه الوجوه إنما حصلت، لأن لفظ الاستطاعة محتمل لكل هذه الوجوه.

المسألة الثالثة: المراد بالمحصنات في قوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات ﴾ هو الحرائر، ويدل عليه أنه تعالى أثبت عند تعذر نكاح المحصنات نكاح الاماء، فلابد وأن يكون المراد من المحصنات من يكون كالضد للاماء، والوجه في تسمية الحرائر بالمحصنات على قراءة من قرأ بفتح الصاد: أنهن أحصن بحريتهن عن الأحوال التي تقدم عليها الإماء، فإن الظاهر أن الأمة تكون خراجة ولاجة ممتهنة مبتذلة، والحرة مصونة محصنة من هذه النقصانات، وأما على قراءة من قرأ بكسر الصاد، فالمعنى أنهن أحصن أنفسهن بحريتهن.

المسألة الرابعة: مذهب الشافعي رضي الله عنه: أن الله تعالى شرط في نكاح الإماء شرائط ثلاثة، اثنان منها في الناكح، والثالث في المنكوحة، أما اللذان في الناكح.

فأحدهما: أن يكون غير واجد لما يتزوج به الحرة المؤمنة من الصداق، وهو معنى قوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات ﴾ فعدم استطاعة الطول عبارة عن عدم ما ينكح به الحرة.

فان قيل: الرجل إذا كان يستطيع التزوج بالأمة يقدر على التزوج بالحرة الفقيرة، فمن أين هذا التفاوت؟

قلنا: كانت العادة في الإماء تخفيف مهورهن ونفقتهن لاشتغالهن بخدمة السادات، وعلى هذا التقدير يظهر هذا التفاوت.

وأما الشرط الثاني: فهو المذكور في آخر الآية وهو قوله: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ ﴾ أي بلغ الشدة في العزوبة.

وأما الشرط الثالث: المعتبر في المنكوحة، فأن تكون الأمة مؤمنة لا كافرة، فإن الأمة إذا كانت كافرة كانت ناقصة من وجهين: الرق والكفر، ولا شك أن الولد تابع للأم في الحرية والرق، وحينئذ يعلق الولد رقيقا على ملك الكافر، فيحصل فيه نقصان الرق ونقصان كونه ملكا للكافر، فهذه الشرائط الثلاثة معتبرة عند الشافعي في جواز نكاح الأمة.

وأما أبو حنيفة رضي الله عنه فيقول: إذا كان تحته حرة لم يجز له نكاح الأمة، أما إذا لم يكن تحته حرة جاز له ذلك، سواء قدر على نكاح الحرة أو لم يقدر، واحتج الشافعي على قوله بهذه الآية وتقريره من وجهين: الأول: أنه تعالى ذكر عدم القدرة على طول الحرة، ثم ذكر عقيبه التزوج بالأمة، وذلك الوصف يناسب هذا الحكم لأن الإنسان قد يحتاج الى الجماع، فاذا لم يقدر على جماع الحرة بسبب كثرة مؤنتها ومهرها، وجب أن يؤذن له في نكاح الأمة، اذا ثبت هذا فنقول: الحكم اذا كان مذكورا عقيب وصف يناسبه، فذلك الاقتران في الذكر يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف، اذا ثبت هذا فنقول: لو كان نكاح الأمة جائزا بدون القدرة على طول الحرة ومع القدرة عليه لم يكن لعدم هذه القدرة أثر في هذا الحكم ألبتة، لكنا بينا دلالة الآية على أن له أثرا في هذا الحكم، فثبت أنه لا يجوز التزوج بالأمة مع القدرة على طول الحرة.

الثاني: أن نتمسك بالآية على سبيل المفهوم، وهو أن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه، والدليل عليه أن القائل اذا قال: الميت اليهودي لا يبصر شيئا، فإن كل أحد يضحك من هذا الكلام ويقول: إذا كان غير اليهودي أيضا لا يبصر فما فائدة التقييد بكونه يهوديا، فلما رأينا أن أهل العرف يستقبحون هذا الكلام ويعللون ذلك الاستقباح بهذه العلة، علمنا اتفاق أرباب اللسان على أن التقييد بالصفة يقتضي نفي الحكم في غير محل القيد.

قال أبو بكر الرازي: تخصيص هذه الحالة بذكر الاباحة فيها لا يدل على حظر ما عداه، كقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إملاق  ﴾ ولا دلالة فيه على إباحة القتل عند زوال هذه الحالة، وقوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة  ﴾ لا دلالة فيه على إباحة الأكل عند زوال هذه الحالة، وقوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة ﴾ لا دلالة فيه على إباحة الأكل عند زوال هذه الحالة، فيقال له: ظاهر اللفظ يقتضي ذلك، إلا أنه ترك العمل به بدليل منفصل، كما أن عندك ظاهر الأمر للوجوب، وقد يترك العمل به في صور كثيرة لدليل منفصل، والسؤال الجيد على التمسك بالآية ما ذكرناه، حيث قلنا: لم لا يجوز أن يكون المراد من النكاح الوطء، والتقدير: ومن لم يستطع منكم وطء الحرة، وذلك عند من لا يكون تحته حرة، فإنه يجوز له نكاح الأمة، وعلى هذا التقدير تنقلب الآية حجة لأبي حنيفة.

وجوابه: أن أكثر المفسرين فسروا الطول بالغنى، وعدم الغنى تأثيره في عدم القدرة على العقد، لا في عدم القدرة على الوطء.

واحتج أبو بكر الرازي على صحة قوله بالعمومات، كقوله تعالى: ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء  ﴾ وقوله: ﴿ وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب  ﴾ وهو متناول للاماء الكتابيات.

والمراد من هذا الإحصان العفة.

والجواب: أن آيتنا خاصة، والخاص مقدم على العام، ولأنه دخلها التخصيص فيما إذا كان تحته حرة، وإنما خصت صونا للولد، عن الارقاق، وهو قائم في محل النزاع.

المسألة الخامسة: ظاهر قوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات ﴾ يقتضي كون الإيمان معتبرا في الحرة، فعلى هذا: لو قدر على حرة كتابية ولم يقدر على طول حرة مسلمة فإنه يجوز له أن يتزوج الأمة، وأكثر العلماء أن ذكر الإيمان في الحرائر ندب واستحباب، لأنه لا فرق بين الحرة الكتابية وبين المؤمنة في كثرة المؤنة وقلتها.

المسألة السادسة: من الناس من قال: انه لا يجوز التزوج بالكتابيات ألبتة، واحتجوا بهذه الآيات، فقالوا: إنه تعالى بين أن عند العجز عن نكاح الحرة المسلمة يتعين له نكاح الأمة المسلمة، ولو كان التزوج بالحرة الكتابية جائزا، لكان عند العجز عن الحرة المسلمة لم تكن الأمة المسلمة متعينة، وذلك ينفي دلالة الآية.

ثم أكدوا هذه الدلالة بقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ  ﴾ وقد بينا بالدلائل الكثيرة في تفسير هذه الآية أن الكتابية مشركة.

المسألة السابعة: الآية دالة على التحذير من نكاح الاماء، وأنه لا يجوز الإقدام عليه إلا عند الضرورة، والسبب فيه وجوه: الأول: أن الولد يتبع الأم في الرق والحرية، فإذا كانت الأم رقيقة علق الولد رقيقا، وذلك يوجب النقص في حق ذلك الإنسان وفي حق ولده.

والثاني: أن الأمة قد تكون تعودت الخروج والبروز والمخالطة بالرجال وصارت في غاية الوقاحة، وربما تعودت الفجور، وكل ذلك ضرر على الأزواج.

الثالث: أن حق المولى عليها أعظم من حق الزوج، فمثل هذه الزوجة لا تخلص للزوج كخلوص الحرة، فربما احتاج الزوج إليها جدا ولا يجد إليها سبيلا لأن السيد يمنعها ويحبسها.

الرابع: أن المولى قد يبيعها من إنسان آخر، فعلى قول من يقول: بيع الأمة طلاقها، تصير مطلقة شاء الزوج أم أبى، وعلى قول من لا يرى ذلك فقد يسافر المولى الثاني بها وبولدها، وذلك من أعظم المضار.

الخامس: أن مهرها ملك لمولاها، فهي لا تقدر على هبة مهرها من زوجها، ولا على إبرائه عنه، بخلاف الحرة، فلهذه الوجه ما أذن الله في نكاح الأمة إلا على سبيل الرخصة، والله أعلم.

قوله تعالى: ﴿ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن فتياتكم المؤمنات ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ أي فليتزوج مما ملكت أيمانكم.

قال ابن عباس: يريد جارية أختك، فِِإن الإنسان لا يجوز له أن يتزوج بجارية نفسه.

المسألة الثانية: الفتيات: المملوكة جمع فتاة، والعبد فتى، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقولن أحدكم عبدي ولكن ليقل فتاي وفتاتي».

ويقال للجارية الحديثة: فتاة، وللغلام فتى، والأمة تسمى فتاة، عجوزاً كانت أو شابة، لأنها كالشابة في أنها لا توقر توقير الكبير.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ مّن فتياتكم المؤمنات ﴾ يدل على تقييد نكاح الأمة بما إذا كانت مؤمنة فلا يجوز التزوج بالأمة الكتابية، سواء كان الزوج حراً أو عبدا، وهذا قول مجاهد وسعيد والحسن، وقول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجوز التزوج بالأمة الكتابية.

حجة الشافعي رضي الله عنه: أن قوله: ﴿ مّن فتياتكم المؤمنات ﴾ تقييد لجواز نكاح الأمة بكونها مؤمنة، وذلك ينفي جواز نكاح غير المؤمنة من الوجهين اللذين ذكرناهما في مسألة طول الحرة، وأيضا قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ  ﴾ .

حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه: النص والقياس: أما النص فالعمومات التي ذكرنا تمسكه بها في طول الحرة، وآكدها قوله: ﴿ والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ  ﴾ وأما القياس فهو أنا أجمعنا على أن الكتابة الحرة مباحة، والكتابية المملوكة أيضا مباحة، فكذلك إذا تزوج بالكتابية المملوكة وجب أنه يجوز.

والجواب عن العمومات: أن دلائلنا خاصة فتكون مقدمة على العمومات، وعن القياس: أن الشافعي قال: إذا تزوج بالحرة الكتابية فهناك نقص واحد، أما إذا تزوج بالأمة الكتابية فهناك نوعان من النقص: الرق والكفر، فظهر الفرق.

ثم قال تعالى: ﴿ والله أَعْلَمُ بإيمانكم ﴾ قال الزجاج: معناه اعملوا على الظاهر في الإيمان فإنكم مكلفون بظواهر الأمور، والله يتولى السرائر والحقائق.

ثم قال تعالى: ﴿ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ ﴾ وفيه وجهان: الأول: كلكم أولاد آدم فلا تداخلنكم أنفة من تزوج الإماء عند الضرورة.

والثاني: ان المعنى: كلكم مشتركون في الإيمان، والإيمان أعظم الفضائل، فإذا حصل الاشتراك في أعظم الفضائل كان التفاوت فيما وراءه غير ملتفت إليه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم  ﴾ قال الزجاج: فهذا الثاني أولى لتقدم ذكر المؤمنات، أو لأن الشرف بشرف الإسلام أولى منه بسائر الصفات، وهو يقوي قول الشافعي رضي الله عنه: إن الإيمان شرط لجواز نكاح الأمة.

واعلم أن الحكمة في ذكر هذه الكلمة أن العرب كانوا يفتخرون بالأنساب، فاعلم في ذكر هذه الكلمة أن الله لا ينظر ويلتفت اليه.

روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاث من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والاستسقاء بالانواء»، ولا يدعها الناس في الاسلام وكان أهل الجاهلية يضعون من ابن الهجين، فذكر تعالى هذه الكلمة زجرا لهم عن أخلاق أهل الجاهلية.

ثم أنه تعالى شرح كيفية هذا النكاح فقال: ﴿ فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اتفقوا على أن نكاح الأمة بدون إذن سيدها باطل، ويدل عليه القرآن والقياس.

أما القرآن فهو هذه الآية فان قوله تعالى: ﴿ فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ يقتضي كون الإذن شرطا في جواز النكاح، وان لم يكن النكاح واجبا.

وهو كقوله عليه الصلاة والسلام: «من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» فالسلم ليس بواجب، ولكنه إذا اختار أن يسلم فعليه استيفاء هذه الشرائط، كذلك النكاح وان لم يكن واجبا، لكنه إذا أراد أن يتزوج أمة، وجب أن لا يتزوجها إلا باذن سيدها.

وأما القياس: فهو أن الأمة ملك للسيد، وبعد التزوج يبطل عليه أكثر منافعها، فوجب أن لا يجوز ذلك إلا باذنه.

واعلم أن لفظ القرآن مقتصر على الأمة، وأما العبد فقد ثبت ذلك في حقه بالحديث عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تزوج العبد بغير إذن السيد فهو عاهر».

المسألة الثانية: قال الشافعي رضي الله عنه: المرأة البالغة العاقلة لا يصح نكاحها إلا باذن الولي.

وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يصح، احتج الشافعي بهذه الآية، وتقريره أن الضمير في قوله: ﴿ فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ عائد إلى الاماء، والأمة ذات موصوفة بصفة الرق، وصفة الرق صفة زائلة، والاشارة إلى الذات الموصوفة بصفة زائلة ذات موصوفة بصفة الرق، وصفة الرق صفة زائلة، والاشارة إلى الذات الموصوفة بصفة زائلة لا يتناول الاشارة إلى تلك الصفة، ألا ترى أنه لو حلف لا يتكلم مع هذا الشاب فصار شيخا ثم تكلم معه يحنث في يمينه، فثبت أن الاشارة إلى الذات الموصوفة بصفة عرضية زائلة، باقية بعد زوال تلك الصفة العرضية، وإذا ثبت هذا فنقول: قوله: ﴿ فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ اشارة إلى الاماء، فهذه الاشارة وجب أن تكون باقية حال زوال الرق عنهن، وحصول صفة الحرية لهن، وإذا كان كذلك فالحرة البالغة العاقلة في هذه الصورة يتوقف جواز نكاحها على إذن وليها، وإذا ثبت ذلك في هذه الصورة وجب ثبوت هذا الحكم في سائر الصور؛ ضرورة أنه لا قائل بالفرق.

احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على فساد قول الشافعي في هذه المسألة فقال: مذهبه أنه لا عبارة للمرأة في عقد النكاح، فعلى هذا لا يجوز للمرأة أن تزوج أمتها، بل مذهبه أن توكل غيرها بتزويج أمتها.

قال: وهذه الآية تبطل ذلك، لأن ظاهر هذه الآية يدل على الاكتفاء بحصول اذن أهلها، فمن قال لا يكفي ذلك كان تاركا لظاهر الآية.

والجواب من وجوه: الأول: أن المراد بالإذن الرضا.

وعندنا أن رضا المولى لابد منه، فأما أنه كاف فليس في الآية دليل عليه.

وثانيها: أن أهلهن عبارة عمن يقدر على نكاحهن، وذلك إما المولى أن كان رجلا، أو ولي مولاها إن كان مولاها امرأة.

وثالثها: هب أن الأهل عبارة عن المولى، لكنه عام يتناول الذكور والإناث، والدلائل الدالة على أن المرأة لا تنكح نفسها خاصة قال عليه الصلاة والسلام: «العاهر هي التي تنكح نفسها» فثبت بهذا الحديث أنه عبارة لها في نكاح نفسها، فوجب أن لا يكون لها عبارة في نكاح مملوكتها، ضرورة أنه لا قائل بالفرق والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وآتوهن أجورهن بالمعروف ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في تفسير الآية قولان: الأول: ان المراد من الأجور: المهور، وعلى هذا التقدير فالآية تدل على وجوب مهرها إذا نكحها، سمي لها المهر أو لم يسم، لأنه تعالى لم يفرق بين من سمى، وبين من لم يسم في إيجاب المهر، ويدل على أنه قد أراد مهر لمثل قوله تعالى: ﴿ بالمعروف ﴾ وهذا إنما يطلق فيما كان مبنيا على الاجتهاد وغالب الظن في المعتاد والمتعارف كقوله تعالى: ﴿ وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف  ﴾ الثاني: قال القاضي: ان المراد من أجورهن النفقة عليهن، قال هذا القائل: وهذا أولى من الأول، لأن المهر مقدر، ولا معنى لاشتراط المعروف فيه، فكأنه تعالى بين أن كونها أمة لا يقدح في وجوب نفقتها وكفايتها كما في حق الحرة إذا حصلت التخلية من المولى بينه وبينها على العادة، ثم قال القاضي: اللفظ وان كان يحتمل ما ذكرناه فأكثر المفسرين يحملونه على المهر، وحملوا قوله: ﴿ بالمعروف ﴾ على ايصال المهر اليها على العادة الجميلة عند المطالبة من غير مطل وتأخير.

المسألة الثانية: نقل أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن بعض أصحاب مالك أن الأمة هي المستحقة لقبض مهرها، وان المولى إذا آجرها للخدمة كان المولى هو المستحق للأجر دونها وهؤلاء احتجوا في المهر بهذه الآية، وهو قوله: ﴿ وآتوهن أجورهن بالمعروف ﴾ وأما الجمهور فانهم احتجوا على ان مهرها لمولاها بالنص والقياس، أما النص فقوله تعالى: ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَيء  ﴾ وهذا ينفي كون المملوك مالكا لشيء أصلا، وأما القياس فهو أن المهر وجب عوضا عن منافع البضع، وتلك المنافع مملوكة للسيد، وهو الذي أباحها للزوج بقيد النكاح، فوجب أن يكون هو المستحق لبدلها.

والجواب عن تمسكهم بالآية من وجوه: الأول: أنا إذا حملنا الأجور في الآية على النفقة زال السؤال بالكلية.

الثاني: أنه تعالى إنما أضاف إيتاء المهور إليهن لأنه ثمن بضعهن وليس في قوله: ﴿ وَءاتُوهُنَّ ﴾ ما يوجب كون المهر ملكا لهن، ولكنه عليه الصلاة والسلام قال: العبد وما في يده لمولاه فيصير ذلك المهر ملكا للمولى بهذه الطريق والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ محصنات غَيْرَ مسافحات وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال ابن عباس: محصنات أي عفائف، وهو حال من قوله: ﴿ فانكحوهن ﴾ باذن أهلهن، فظاهر هذا يوجب حرمة نكاح الزواني من الاماء، واختلف الناس في أن نكاح الزواني هل يجوز أم لا؟

وسنذكره في قوله: ﴿ الزانى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً  ﴾ والأكثرون على أنه يجوز فتكون هذه الآية محمولة على الندب والاستحباب وقوله: ﴿ غَيْرَ مسافحات ﴾ أي غير زوان ﴿ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﴾ جمع خدن، كالأتراب جمع ترب، والخدن الذي يخادنك وهو الذي يكون معك في كل أمر ظاهر وباطن.

قال أكثر المفسرين: المسافحة هي التي تؤاجر نفسها مع أي رجل أرادها، والتي تتخذ الخدن فهي التي تتخذ خدنا معينا، وكان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين، وما كانوا يحكمون على ذات الخدن بكونها زانية، فلما كان هذا الفرق معتبرا عندهم لا جرم أن الله سبحانه أفرد كل واحد من هذين القسمين بالذكر، ونص على حرمتهما معاً، ونظيره أيضاً قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ  ﴾ .

المسألة الثانية: قال القاضي: هذه الآية أحد ما يستدل به من لا يجعل الايمان في نكاح الفتيات شرطا، لأنه لو كان ذلك شرطا لكان كونهن محصنات عفيفات أيضاً شرطا، وهذا ليس بشرط.

وجوابه: أن هذا معطوف لا على ذكر الفتيات المؤمنات، بل على قوله: ﴿ فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ ولا شك أن كل ذلك واجب، فعلمنا أنه لا يلزم من عدم الوجوب في هذا، عدم الوجوب فيما قبله والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب ﴾ .

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ﴿ أُحْصِنَّ ﴾ بالفتح في الألف، والباقون بضم الألف، فمن فتح فمعناه: أسلمن، هكذا قاله عمر وابن مسعود والشعبي والنخعي والسدي، ومن ضم الألف فمعناه: أنهن أحصن بالازواج.

هكذا قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد.

ومنهم من طعن في الوجه الأول فقال: انه تعالى وصف الاماء بالايمان في قوله: ﴿ فتياتكم المؤمنات ﴾ ومن البعيد أن يقال فتياتكم المؤمنات، ثم يقال: فاذا آمن، فان حالهن كذا وكذا، ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى ذكر حكمين: الأول: حال نكاح الاماء، فاعتبر الايمان فيه بقوله: ﴿ مّن فتياتكم المؤمنات ﴾ والثاني: حكم ما يجب عليهن عند إقدامهن على الفاحشة، فذكر حال إيمانهن أيضا في هذا الحكم، وهو قوله: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ .

المسألة الثانية: في الآية إشكال قوي، وهو أن المحصنات في قوله: ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات ﴾ إما أن يكون المراد منه الحرائر المتزوجات، أو المراد منه الحرائر الأبكار.

والسبب في إطلاق اسم المحصنات عليهن حريتهن.

والأول مشكل، لأن الواجب على الحرائر المتزوجات في الزنا: الرجم، فهذا يقتضي أن يجب في زنا الاماء نصف الرجم، ومعلوم أن ذلك باطل.

والثاني: وهو أن يكون المراد: الحرائر الأبكار، فحينئذ يكون هذا الحكم معلقا بمجرد صدور الزنا عنهن، وظاهر الآية يقتضي كونه معلقا بمجموع الأمرين: الاحصان والزنا، لأن قوله: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة ﴾ شرط بعد شرط، فيقتضي كون الحكم مشروطا بهما نصا، فهذا إشكال قوي في الآية.

والجواب: أنا نختار القسم الثاني، وقوله: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ ليس المراد منه جعل هذا الاحصان شرطا لأن يجب في زناها خمسون جلدة، بل المعنى أن حد الزنا يغلظ عند التزوج، فهذه إذا زنت وقد تزوجت فحدها خمسون جلدة لا يزيد عليه، فبأن يكون قبل التزوج هذا القدر أيضاً أولى، وهذا مما يجري مجرى المفهوم بالنص، لأن عند حصول ما يغلظ الحد، لما وجب تخفيف الحد لمكان الرق، فبأن يجب هذا القدر عند مالا يوجد ذلك المغلظ كان أولى والله أعلم.

المسألة الثالثة: الخوارج اتفقوا على إنكار الرجم، واحتجوا بهذه الآية، وهو أنه تعالى أوجب على الأَمَةِ نصف ما على الحُرَّة المُحْصَنَة، فلو وجب على الحرة المحصنة الرجم، لزم أن يكون الواجب على الأمة نصف الرجم وذلك باطل، فثبت أن الواجب على الحرة المتزوجة ليس إلا الجلد، والجواب عنه ما ذكرناه في المسألة المتقدمة، وتمام الكلام فيه مذكور في سورة النور في تفسير قوله: ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ  ﴾ .

المسألة الرابعة: اعلم أن الفقهاء صيروا هذه الآية أصلا في نقصان حكم العبد عن حكم الحر في غير الحد، وإن كان في الأمور مالا يجب ذلك فيه والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ ﴾ ولم يختلفوا في أن ذلك راجع إلى نكاح الاماء فكأنه قال: فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات لمن خشي العنت منكم، والعنت هو الضرر الشديد الشاق قال تعالى فيما رخص فيه مخالطة اليتامى: ﴿ والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح وَلَوْ شَاء الله لاعْنَتَكُمْ  ﴾ أي لشدد الأمر عليكم فألزمكم تمييز طعامكم من طعامهم فلحقكم بذلك ضرر شديد وقال: ﴿ وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم  ﴾ ، أي أحبوا أن تقعوا في الضرر الشديد.

وللمفسرين فيه قولان: أحدهما: أن الشبق الشديد والغلمة العظيمة ربما تحمل على الزنا فيقع في الحد في الدنيا وفي العذاب العظيم في الآخرة، فهذا هو العنت.

والثاني: أن الشبق الشديد والغلمة العظيمة قد تؤدي بالانسان إلى الأمراض الشديدة، أما في حق النساء فقد تؤدي إلى اختناق الرحم، وأما في حق الرجال فقد تؤدي إلى أوجاع الوركين والظهر.

وأكثر العلماء على الوجه الأول لأنه هو اللائق ببيان القرآن.

ثم قال تعالى: ﴿ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد أن نكاح الاماء بعد رعاية شرائطه الثلاثة أعني عدم القدرة على التزوج بالحرة، ووجود العنت، وكون الأمة مؤمنة: الأولى تركه لما بينا من المفاسد الحاصلة في هذا النكاح.

المسألة الثانية: مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أن الاشتغال بالنكاح أفضل من الاشتغال بالنوافل، فإن كان مذهبهم أن الاشتغال بالنكاح مطلقاً أفضل من الاشتغال بالنوافل، سواء كان النكاح نكاح الحرة أو نكاح الأمة، فهذه الآية نص صريح في بطلان قولهم، وإن قالوا: إنا لا نرجح نكاح الأمة على النافلة، فحينئذ يسقط هذا الاستدلال، إلا أن هذا التفصيل ما رأيته في شيء من كتبهم والله أعلم.

ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: ﴿ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وهذا كالمؤكد لما ذكره من أن الأولى ترك هذا النكاح، يعني أنه وإن حصل ما يقتضي المنع من هذا الكلام إلا أنه تعالى أباحه لكم لاحتياجكم إليه، فكان ذلك من باب المغفرة والرحمة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ٢٦

فيه مسائل: المسألة الأولى: اللام في قوله: ﴿ لِيُبَيّنَ لَكُمْ ﴾ فيه وجهان: الأول: قالوا: إنه قد تُقام اللامُ مقام أن في أردت وأمرت، فيقال: أردت أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك أن تقوم، وأمرتك لتقوم، قال تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله  ﴾ يعني يريدون أن يطفؤا، وقال: ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين  ﴾ .

والوجه الثاني: أن نقول؛ إن في الآية إضمارا، والتقدير: يريد الله إنزال هذه الآيات ليبين لكم دينكم وشرعكم، وكذا القول في سائر الآيات التي ذكروها، فقوله: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله ﴾ يعني يريدون كيدهم وعنادهم ليطفؤا، وأمرنا بما أمرنا لنسلم.

المسألة الثانية: قال بعض المفسرين: قوله: ﴿ يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ ﴾ معناهما شي واحد، والتكرير لأجل التأكيد، وهذا ضعيف، والحق أن المراد من قوله: ﴿ لِيُبَيّنَ لَكُمْ ﴾ هو أنه تعالى بين لنا هذه التكاليف، وميز فيها الحلال من الحرام والحَسَن من القبيح.

ثم قال: ﴿ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ ﴾ وفيه قولان: أحدهما: أن هذا دليل على أن كل ما بين تحريمه لنا وتحليله لنا من النساء في الآيات المتقدمة، فقد كان الحكم أيضا كذلك في جميع الشرائع والمِلَل، والثاني: أنه ليس المراد ذلك، بل المراد أنه تعالى يهديكم سُنَنَ الذين من قبلكم في بيان مالكم فيه من المصلحة كما بينه لهم، فان الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في نفسها، إلا أنها متفقة في باب المصالح، وفيه قول ثالث: وهو أن المعنى: أنه يهديكم سنن الذين من قبلكم من أهل الحق لتجتنبوا الباطل وتتبعوا الحق.

ثم قال تعالى: ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ قال القاضي: معناه أنه تعالى كما أراد منا نفس الطاعة، فلا جرم بينها وأزال الشبهة عنها، كذلك وقع التقصير والتفريط منا، فيريد أن يتوب علينا، لأن المكلف قد يطيع فيستحق الثواب، وقد يعصي فيحتاج إلى التلافي بالتوبة.

واعلم أن في الآية إشكالا: وهو أن الحق إما أن يكون ما يقول أهل السنة من أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، وإما أن يكون الحق ما تقوله المعتزلة من أن فعل العبد ليس مخلوقا لله تعالى، والآية مشكلة على كلا القولين.

أما على القول الأول: فلأن على هذا القول كل ما يريده الله تعالى فانه يحصل، فاذا أراد أن يتوب علينا وجب أن يحصل التوبة لكلنا، ومعلوم أنه ليس كذلك، وأما على القول الثاني: فهو تعالى يريد منا أن نتوب باختيارنا وفعلنا، وقوله: ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ ظاهره مشعر بأنه تعالى هو الذي يخلق التوبة فينا ويحصل لنا هذه التوبة، فهذه الآية مشكلة على كلا القولين.

والجواب أن نقول: إن قوله: ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ صريح في أنه تعالى هو الذي يفعل التوبة فينا.

والعقل أيضا مؤكد له، لأن التوبة عبارة عن الندم في الماضي، والعزم على عدم العَوْد في المستقبل، والندم والعزم من باب الإرادات، والإرادة لا يمكن إرادتها، وإلا لزم التسلسل، فاذن الارادة يمتنع أن تكون فعل الانسان، فعلمنا أن هذا الندم وهذا العزم لا يحصلان إلا بتخليق الله تعالى، فصار هذا البرهان العقلي دالا على صحة ما أشعر به ظاهر القرآن، وهو أنه تعالى هو الذي يتوب علينا، فأما قوله: لو تاب علينا لحصلت هذه التوبة، فنقول: قوله: ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ خطاب مع الأمة، وقد تاب عليهم في نكاح الأمهات والبنات وسائر المنهيات المذكورة في هذه الآيات، وحصلت هذه التوبة لهم، فزال الإشكالُ، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ أي عليم بأحوالكم، حكيم في كل ما يفعله بكم ويحكم عليكم.

<div class="verse-tafsir"

وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًۭا ٢٧

فيه مسألتان: المسألة الأولى: قيل: المجوس كانوا يحلون الأخوات وبنات الاخوة والأخوات، فلما حرمهن الله تعالى قالوا: إنكم تحلون بنت الخالةِ والعمةِ، والخالةُ والعمةُ عليكم حرامٌ، فانكحوا أيضا بنات الأخ والأخت، فنزلت هذه الآية.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة: قوله: ﴿ والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ يدل على أنه تعالى يريد التوبة من الكل، والطاعة من الكل.

قال أصحابنا: هذا محالٌ لأنه تعالى علم من الفاسق أنه لا يتوب وعلمه بأنه لا يتوب مع توبته ضدان، وذلك العلم ممتنع الزوال، ومع وجوب أحد الضدين كانت إرادة الضد الآخر إرادة لما علم كونه محالا، وذلك محال، وأيضاً إذا كان هو تعالى يريد التوبة من الكل ويريد الشيطان أن تميلوا ميلا عظيما، ثم يحصل مراد الشيطان لا مراد الرحمن، فحينئذ نفاذ الشيطان في ملك الرحمن أتم من نفاذ الرحمن في ملك نفسه، وذلك محال، فثبت أن قوله: ﴿ والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ خطاب مع قوم معينين حصلت هذه التوبة لهم.

<div class="verse-tafsir"

يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًۭا ٢٨

وفيه مسائل: المسألة الأولى: في التخفيف قولان: الأول: المراد منه إباحة نكاح الأمة عند الضرورة وهو قول مجاهد ومقاتل، والباقون قالوا: هذا عام في كل أحكام الشرع، وفي جميع ما يسره لنا وسهله علينا، إحسانا منه الينا، ولم يثقل التكليف علينا كما ثقل على بني إسرائيل، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والاغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ  ﴾ وقوله: ﴿ يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر  ﴾ وقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ  ﴾ وقوله عليه الصلاة والسلام: «جئتكم بالحنيفية السهلة السمحة».

المسألة الثانية: قال القاضي: هذا يدل على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى، إذ لو كان كذلك فالكافر يخلق فيه الكفر، ثم يقول له: لا تكفر، فهذا أعظم وجوه التثقيل، ولا يخلق فيه الايمان، ولا قدرة للعبد على خلق الايمان.

ثم يقول له: آمن، وهذا أعظم وجوه التثقيل.

قال: ويدل أيضا على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع، لأنه أعظم وجوه التثقيل.

والجواب: أنه معارض بالعلم والداعي، وأكثر ما ذكرناه.

ثم قال: ﴿ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً ﴾ والمعنى أنه تعالى لضعف الإنسان خفف تكليفه ولم يثقل والأقرب أنه يحمل الضعف في هذا الموضع لا على ضعف الخلقة، بل يحمل على كثرة الدواعي إلى اتباع الشهوة واللذة، فيصير ذلك كالوجه في أن يضعف عن احتمال خلافه.

وإنما قلنا: ان هذا الوجه أولى، لأن الضعف في الخلقة والقوة لو قوى الله داعيته إلى الطاعة كان في حكم القوي والقوي في الخلقة والآلة إذا كان ضعيف الدواعي إلى الطاعة صار في حكم الضعيف، فالتأثير في هذا الباب لضعف الداعية وقوتها، لا لضعف البدن وقوته، هذا كله كلام القاضي، وهو كلام حسن، ولكنه يهدم أصله، وذلك لما سلم أن المؤثر في وجود الفعل وعدمه، قوة الداعية وضعفها فلو تأمل لعلم أن قوة الداعية وضعفها لابد له من سبب، فان كان ذلك لداعية أخرى من العبد لزم التسلسل، وإن كان الكل من الله، فذاك هو الحق الذي لا محيد عنه، وبطل القول بالاعتزال بالكلية والله أعلم.

المسألة الثالثة: روي عن ابن عباس أنه قال: ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت: ﴿ يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ  ﴾ ﴿ والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُم  ﴾ ﴿ يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ ﴾ ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ  ﴾ ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ  ﴾ ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ  ﴾ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ  ﴾ ﴿ مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ  ﴾ .

ويقول محمد الرازي مصنف هذا الكتاب ختم الله له بالحسنى: اللهم اجعلنا بفضلك ورحمتك أهلا لها يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.

النوع الثامن: من التكاليف المذكورة في هذه السورة.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا ٢٩ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًۭا وَظُلْمًۭا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ٣٠

اعلم أن في كيفية النظم وجيهن: الأول: أنه تعالى لما شرح كيفية التصرف في النفوس بسبب النكاح ذكر بعده كيفية التصرف في الأموال.

والثاني: قال القاضي: لما ذكر ابتغاء النكاح بالأموال وأمر بإيفاء المهور والنفقات، بين من بعد كيف التصرف في الأموال فقال: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى خص الأكل هاهنا بالذكر وإن كانت سائر التصرفات الواقعة على الوجه الباطل محرمة، لما أن المقصود الأعظم من الأموال: الأكل، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً  ﴾ .

المسألة الثانية: ذكروا في تفسير الباطل وجهين: الأول: أنه اسم لكل ما لا يحل في الشرع، كالربا والغصب والسرقة والخيانة وشهادة الزور وأخذ المال باليمين الكاذبة وجحد الحق.

وعندي أن حمل الآية على هذا الوجه يقتضي كونها مجملة، لأنه يصير تقدير الآية: لا تأكلوا أموالكم التي جعلتموها بينكم بطريق غير مشروع، فان الطرق المشروعة لما لم تكن مذكورة هاهنا على التفصيل صارت الآية مجملة لا محالة.

والثاني: ما روي عن ابن عباس والحسن رضي الله عنهم: أن الباطل هو كل ما يؤخذ من الإنسان بغير عوض، وبهذا التقدير لا تكون الآية مجملة، لكن قال بعضهم: إنها منسوخة، قالوا: لما نزلت هذه الآية تحرج الناس من أن يأكلوا عند أحد شيئا، وشق ذلك على الخلق، فنسخه الله تعالى بقوله في سورة النور: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الاعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الاعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ  ﴾ الآية.

وأيضا: ظاهر الآية إذا فسرنا الباطل بما ذكرناه، تحرم الصدقات والهبات، ويمكن أن يقال: هذا ليس بنسخ وإنما هو تخصيص، ولهذا روى الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود أنه قال: هذه الآية محكمة ما نسخت، ولا تنسخ إلى يوم القيامة.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل ﴾ يدخل تحته أكل مال الغير بالباطل، وأكل مال نفسه بالباطل؛ لأن قوله: ﴿ أموالكم ﴾ يدخل فيه القسمان معا، كقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ يدل على النهي عن قتل غيره وعن قتل نفسه بالباطل.

أما أكل مال نفسه بالباطل.

فهو إنفاقه في معاصي الله، وأما أكل مال غيره بالباطل فقد عددناه.

ثم قال: ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿ تجارة ﴾ بالنصب، والباقون بالرفع.

أما من نصب فعلى كان الناقصة، والتقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة، وأما من رفع فعلى كان التامة، والتقدير: إلا أن توجد وتحصل تجارة.

وقال الواحدي: والاختيار الرفع، لأن من نصب أضمر التجارة فقال: تقديره إلا أن تكون التجارة تجارة، والاضمار قبل الذكر ليس بقوى وإن كان جائزا.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِلا ﴾ فيه وجهان: الأول: أنه استثناء منقطع، لأن التجارة عن تراض ليس من جنس أكل المال بالباطل، فكان إلا هاهنا بمعنى بل والمعنى: لكن يحل أكله بالتجارة عن تراض.

الثاني: ان من الناس من قال: الاستثناء متصل وأضمر شيئاً، فقال التقدير: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وإن تراضيتم كالربا وغيره، إلا أن تكون تجارة عن تراض.

واعلم أنه كما يحل المستفاد من التجارة، فقد يحل أيضاً المال المستفاد من الهبة والوصية والارث وأخذ الصدقات والمهر وأروش الجنايات، فان أسباب الملك كثيرة سوى التجارة.

فان قلنا: إن الاستثناء منقطع فلا إشكال، فانه تعالى ذكر هاهنا سبباً واحد، من أسباب الملك ولم يذكر سائرها، لا بالنفي ولا باثبات.

وإن قلنا: الاستثناء متصل كان ذلك حكما بأن غير التجارة لا يفيد الحل، وعند هذا لابد إما من النسخ أو التخصيص.

المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمة الله عليه: النهي في المعاملات يدل على البطلان، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يدل عليه، واحتج الشافعي على صحة قوله بوجوه: الأول: أن جميع الأموال مملوكة لله تعالى، فاذا أذن لبعض عبيده في بعض التصرفات كان ذلك جاريا مجرى ما إذا وكل الإنسان وكيلا في بعض التصرفات، ثم إن الوكيل إذا تصرف على خلاف قول الموكل فذاك غير منعقد بالاجماع، فاذا كان التصرف الواقع على خلاف قول المالك المجازي لا ينعقد فبأن يكون التصرف الواقع على خلاف قول المالك الحقيقي غير منعقد كان أولى.

وثانيها: أن هذه التصرفات الفاسدة إما أن تكون مستلزمة لدخول المحرم المنهي عنه في الوجود، وإما أن لا تكون فان كان الأول وجب القول ببطلانها قياسا على التصرفات الفاسدة.

والجامع السعي في أن لا يدخل منشأ النهي في الوجود، وإن كان الثاني وجب القول بصحتها، قياسا على التصرفات الصحيحة، والجامع كونها تصرفات خالية عن المفسد، فثبت أنه لابد من وقوع التصرف على هذين الوجهين.

فأما القول بتصرف لا يكون صحيحا ولا باطلا فهو محال.

وثالثها: أن قوله: لا تبيعوا الدرهم بدرهمين، كقوله: لا تبيعوا الحر بالعبد، فكما أن هذا النهي باللفظ لكنه نسخ للشريعة فكذا الأول، وإذا كان ذلك نسخا للشريعة بطل كونه مفيداً للحكم، والله أعلم.

المسألة الرابعة: قال أبو حنيفة رحمة الله عليه، خيار المجلس غير ثابت في عقود المعاوضات المحضة، وقال الشافعي رحمة الله عليه: ثابت، احتج أبو حنيفة بالنصوص: أولها: هذه الآية، فان قوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ ﴾ ظاهره يقتضي الحل عند حصول التراضي، سواء حصل التفرق أو لم يحصل.

وثانيها: قوله: ﴿ أَوْفُواْ بالعقود ﴾ فألزم كل عاقد الوفاء بما عقد عن نفسه.

وثالثها: قوله عليه الصلاة والسلام: لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه وقد حصلت الطيبة هاهنا بعقد البيع، فوجب أن يحصل الحل.

ورابعها: قوله عليه الصلاة والسلام: «من ابتاع طعاما لا يبعه حتى يقبضه» جوز بيعه بعد القبض.

وخامسها: ما روي أنه عليه السلام نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصيعان، وأباح بيعه إذا جرى فيه الصيعان، ولم يشترط فيه الافتراق.

وسادسها: قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه».

واتفقوا على أنه كما اشترى حصل العتق، وذلك يدل على أنه يحصل الملك بمجرد العقد.

واعلم أن الشافعي يسلم عموم هذه النصوص، لكنه يقول: أنتم أثبتم خيار الرؤية في شراء ما لم يره المشتري بحديث اتفق المحدثون على ضعفه، فنحن أيضاً نثبت خيار المجلس بحديث اتفق علماء الحديث على قبوله، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا» وتأويلات أصحاب أبي حنيفة لهذا الخبر وأجوبتها مذكورة في الخلافيات، والله أعلم.

قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾ اتفقوا على أن هذا نهي عن أن يقتل بعضهم بعضا وإنما قال: ﴿ أَنفُسَكُمْ ﴾ لقوله عليه السلام: «المؤمنون كنفس واحدة» ولأن العرب يقولون: قتلنا ورب الكعبة إذا قتل بعضهم لأن قتل بعضهم يجري مجرى قتلهم.

واختلفوا في أن هذا الخطاب هل هو نهي لهم عن قتلهم أنفسهم؟

فانكره بعضهم وقال: إن المؤمن مع إيمانه لا يجوز أن ينهى عن قتل نفسه، لأنه ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه، وذلك لأن الصارف عنه في الدنيا قائم، وهو الألم الشديد والذم العظيم، والصارف عنه أيضا في الآخرة قائم، وهو استحقاق العذاب العظيم، وإذا كان الصارف خالصا امتنع منه أن يفعل ذلك وإذا كان كذلك لم يكن للنهي عنه فائدة، وإنما يمكن أن يذكر هذا النهي فيمن يعتقد في قتل نفسه ما يعتقده أهل الهند، وذلك لا يتأتى من المؤمن، ويمكن أن يجاب عنه بأن المؤمن مع كونه مؤمناً بالله واليوم الآخر، قد يلحقه من الغم والأذية ما يكون القتل عليه أسهل من ذلك، ولذلك نرى كثيرا من المسلمين قد يقتلون أنفسهم بمثل السبب الذي ذكرناه، وإذا كان كذلك كان في النهي عنه فائدة، وأيضا ففيه احتمال آخر، كأنه قيل: لا تفعلوا ما تستحقون به القتل: من القتل والردة والزنا بعد الاحصان، ثم بين تعالى أنه رحيم بعباده ولأجل رحمته نهاهم عن كل ما يستوجبون به مشقة أو محنة، وقيل: إنه تعالى أمر بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم ليكون توبة لهم وتمحيصا لخطاياهم وكان بكم يا أمة محمد رحيما، حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة.

ثم قال: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك عدوانا وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً ﴾ .

واعلم أن فيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن قوله: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك ﴾ إلى ماذا يعود؟

على وجوه: الأول: قال عطاء: إنه خاص في قتل النفس المحرمة، لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات.

الثاني: قال الزجاج: إنه عائد إلى قتل النفس وأكل المال بالباطل لأنهما مذكوران في آية واحدة.

والثالث: قال ابن عباس: إنه عائد إلى كل ما نهى الله عنه من أول السورة إلى هذا الموضع.

المسألة الثانية: إنما قال: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك عدوانا ﴾ لأن في جملة ما تقدم قتل البعض للبعض، وقد يكون ذلك حقا كالقود، وفي جملة ما تقدم أخذ المال، وقد يكون ذلك حقا كما في الدية وغيرها، فلهذا السبب شرطه تعالى في ذلك الوعيد.

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على القطع بوعيد أهل الصلاة.

قالوا: وقوله: ﴿ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً ﴾ وان كان لا يدل على التخليد إلا أن كل من قطع بوعيد الفساق قال: بتخليدهم، فيلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الآخر، لأنه لا قائل بالفرق.

والجواب عنه بالاستقصاء قد تقدم في مواضع، إلا أن الذي نقوله هاهنا: ان هذا مختص بالكفار، لأنه قال: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك عدوانا وَظُلْماً ﴾ ولا بد من الفرق بين العدوان وبين الظلم دفعا للتكرير، فيحمل الظلم على ما اذا كان قصده التعدي على تكاليف الله، ولا شك أن من كان كذلك كان كافراً لا يقال: أليس أنه وصفهم بالايمان فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فكيف يمكن أن يقال: المراد بهم الكفار؟

لأنا نقول: مذهبكم أن من دخل تحت هذا الوعيد لا يكون مؤمنا ألبتة، فلابد على هذا المذهب أن تقولوا: أنهم كانوا مؤمنين، ثم لما أتوا بهذه الأفعال ما بقوا على وصف الايمان، فاذا كان لابد لكم من القول بهذا الكلام.

فلم لا يصح هذا الكلام منا أيضا في تقرير ما قلناه؟

والله أعلم.

ثم أنه تعالى ختم الآية فقال: ﴿ وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً ﴾ .

واعلم أن جميع الممكنات بالنسبة إلى قدرة الله على السوية، وحينئذ يمتنع أن يقال: ان بعض الأفعال أيسر عليه من بعض، بل هذا الخطاب نزل على القول المتعارف فيما بيننا كقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ  ﴾ أو يكون معناه المبالغة في التهديد، وهو أن أحداً لا يقدر على الهرب منه ولا على الامتناع عليه.

<div class="verse-tafsir"

إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا ٣١

اعلم أنه تعالى لما قدم ذكر الوعيد أتبعه بتفصيل ما يتعلق به فذكر هذه الآية، وفيه مسائل: المسألة الأولى: من الناس من قال: جميع الذنوب والمعاصي كبائر.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: كل شيء عصى الله فيه فهو كبيرة، فمن عمل شيئا منها فليستغفر الله، فان الله تعالى لا يخلد في النار من هذه الأمة إلا راجعا عن الاسلام، أو جاحدا فريضة، أو مكذبا بقدر.

واعلم أن هذا القول ضعيف لوجوه: الحجة الأولى: هذه الآية، فان الذنوب لو كانت بأسرها كبائر لم يصح الفصل بين ما يكفر باجتناب الكبائر وبين الكبائر.

الحجة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ  ﴾ وقوله: ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا  ﴾ .

الحجة الثالثة: ان الرسول عليه الصلاة والسلام نص على ذنوب بأعيانها أنها كبائر، كقوله: الكبائر: الإشراك بالله واليمين الغموس وعقوق الوالدين وقتل النفس وذلك يدل على أن منها ما ليس من الكبائر.

الحجة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان  ﴾ وهذا صريح في أن المنهيات أقسام ثلاثة: أولها: الكفر.

وثانيها: الفسوق.

وثالثها: العصيان، فلابد من فرق بين الفسوق وبين العصيان ليصح العطف، وما ذاك إلا لما ذكرنا من الفرق بين الصغائر وبين الكبائر، فالكبائر هي الفسوق، والصغائر هي العصيان.

واحتج ابن عباس بوجهين: أحدهما: كثرة نعم من عصى.

والثاني: إجلال من عصى، فان اعتبرنا الأول فنعم الله غير متناهية، كما قال: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا  ﴾ وان اعتبرنا الثاني فهو أجل الموجودات وأعظمها، وعلى التقديرين وجب أن يكون عصيانه في غاية الكبر، فثبت أن كل ذنب فهو كبيرة.

والجواب من وجهين: الأول: كما أنه تعالى أجل الموجودات وأشرفها، فكذلك هو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وأغنى الأغنياء عن طاعات المطيعين وعن ذنوب المذنبين، وكل ذلك يوجب خفة الذنب.

الثاني: هب أن الذنوب كلها كبيرة من حيث أنها ذنوب، ولكن بعضها أكبر من بعض، وذلك يوجب التفاوت.

إذا ثبت أن الذنوب على قسمين بعضها صغائر وبعضها كبائر، فالقائلون بذلك فريقان: منهم من قال: الكبيرة تتميز عن الصغيرة في نفسها وذاتها، ومنهم من قال: هذا الامتياز إنما يحصل لا في ذواتها، بل بحسب حال فاعليها، ونحن نشرح كل واحد من هذين القولين.

أما القول الأول: فالذاهبون اليه والقائلون به اختلفوا اختلافا شديداً، ونحن نشير إلى بعضها، فالأول: قال ابن عباس: كل ما جاء في القرآن مقرونا بذكر الوعيد فهو كبيرة، نحو قتل النفس المحرمة وقذف المحصنة والزنا والربا وأكل مال اليتيم والفرار من الزحف.

الثاني: قال ابن مسعود: افتتحوا سورة النساء، فكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثين آية فهو كبيرة، ثم قال: مصداق ذلك: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾ الثالث: قال قوم: كل عمد فهو كبيرة.

واعلم أن هذه الأقوال ضعيفة.

أما الأول: فلأن كل ذنب لابد وأن يكون متعلق الذم في العاجل والعقاب في الآجل، فالقول بأن كل ما جاء في القرآن مقرونا بالوعيد فهو كبيرة يقتضي أن يكون كل ذنب كبيرة وقد أبطلناه.

وأما الثاني: فهو أيضا ضعيف، لأن الله تعالى ذكر كثيراً من الكبائر في سائر السور، ولا معنى لتخصيصها بهذه السورة.

وأما الثالث: فضعيف أيضا، لأنه ان أراد بالعمد أنه ليس بساه عن فعله، فما هذا حاله هو الذي نهى الله عنه، فيجب على هذا أن يكون كل ذنب كبيرة وقد أبطلناه، وان أراد بالعمد أن يفعل المعصية مع العلم بأنها معصية، فمعلوم أن اليهود والنصارى يكفرون بمحمد صلى الله عليه وسلم وهم لا يعلمون أنه معصية، وهو مع ذلك كفر كبير، فبطلت هذه الوجوه الثلاثة.

وذكر الشيخ الغزالي رحمه الله في منتخبات كتاب إحياء علوم الدين فصلا طويلا في الفرق بين الكبائر والصغائر فقال: فهذا كله قول من قال: الكبائر تمتاز عن الصغائر بحسب ذواتها وأنفسها.

وأما القول الثاني: وهو قول من يقول: الكبائر تمتاز عن الصغائر بحسب اعتبار أحوال فاعليها، فهؤلاء الذين يقولون: إن لكل طاعة قدرا من الثواب، ولكل معصية قدرا من العقاب، فاذا أتى الإنسان بطاعة واستحق بها ثوابا، ثم أتى بمعصية واستحق بها عقابا، فهاهنا الحال بين ثواب الطاعة وعقاب المعصية بحسب القسمة العقلية يقع على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتعادلا ويتساويا، وهذا وإن كان محتملا بحسب التقسيم العقلي إلا أنه دل الدليل السمعي على أنه لا يوجد، لأنه تعالى قال: ﴿ فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير  ﴾ ولو وجد مثل هذا المكلف وجب أن لا يكون في الجنة ولا في السعير.

والقسم الثاني: أن يكون ثواب طاعته أزيد من عقاب معصيته، وحينئذ ينحبط ذلك العقاب بما يساويه من الثواب، ويفضل من الثواب شيء، ومثل هذه المعصية هي الصغيرة، وهذا الانحباط هو المسمى بالتكفير.

والقسم الثالث: أن يكون عقاب معصيته أزيد من ثواب طاعته، وحينئذ ينحبط ذلك الثواب بما يساويه من العقاب، ويفضل من العقاب شيء، ومثل هذه المعصية هي الكبيرة، وهذا الانحباط هو المسمى بالاحباط، وبهذا الكلام ظهر الفرق بين الكبيرة وبين الصغيرة.

وهذا قول جمهور المعتزلة.

واعلم أن هذا الكلام مبني علىأصول كلها باطلة عندنا.

أولها: أن هذا مبني على أن الطاعة توجب ثوابا والمعصية توجب عقابا، وذلك باطل لأنا بينا في كثير من مواضع هذا الكتاب أن صدور الفعل عن العبد لا يمكن إلا اذا خلق الله فيه داعية توجب ذلك الفعل، ومتى كان كذلك امتنع كون الطاعة موجبة للثواب، وكون المعصية موجبة للعقاب.

وثانيها: أن بتقدير أن يكون الأمر كذلك، إلا أنا نعلم ببديهة العقل أن من اشتغل بتوحيد الله وتقديسه وخدمته وطاعته سبعين سنة، فان ثواب مجموع هذه الطاعات الكثيرة في هذه المدة الطويلة أكثر بكثير من عقاب شرب قطرة واحدة من الخمر، مع أن الأمة مجمعة على أن شرب هذه القطرة من الكبائر، فان أصروا وقالوا: بل عقاب شرب هذه القطرة أزيد من ثواب التوحيد وجميع الطاعات سبعين سنة فقد أبطلوا على أنفسهم أصلهم، فانهم يبنون هذه المسائل على قاعدة الحسن والقبح العقليين، ومن الأمور المتقررة في العقول أن من جعل عقاب هذا القدر من الجناية أزيد من ثواب تلك الطاعات العظيمة فهو ظالم، فان دفعوا حكم العقل في هذا الموضع فقد أبطلوا على أنفسهم القول بتحسين العقل وتقبيحه، وحينئذ يبطل عليهم كل هذه القواعد.

وثالثها: أن نعم الله تعالى كثيرة وسابقة على طاعات العبيد، وتلك النعم السابقة موجبة لهذه الطاعات، فكان أداء الطاعات أداء لما وجب بسبب النعم السابقة، ومثل هذا لا يوجب في المستقبل شيئاً آخر، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون شيء من الطاعات موجبا للثواب أصلا، وإذا كان كذلك فكل معصية يؤتى بها فان عقابها يكون أزيد من ثواب فاعلها، فوجب أن يكون جميع المعاصي كبائر، وذلك أيضاً باطل.

ورابعها: أن هذا الكلام مبني على القول بالاحباط، وقد ذكرنا الوجوه الكثيرة في إبطال القول بالاحباط في سورة البقرة، فثبت أن هذا الذي ذهبت المعتزلة اليه في الفرق بين الصغيرة والكبيرة قول باطل وبالله التوفيق.

المسألة الثانية: اختلف الناس في أن الله تعالى هل ميز جملة الكبائر عن جملة الصغائر أم لا؟

فالأكثرون قالوا: إنه تعالى لم يميز جملة الكبائر عن جملة الصغائر، لأنه تعالى لما بين في هذه الآية أن الاجتناب عن الكبائر يوجب تكفير الصغائر، فاذا عرف العبد أن الكبائر ليست إلا هذه الأصناف المخصوصة، عرف أنه متى احترز عنها صارت صغائره مكفرة فكان ذلك إغراء له بالاقدام على تلك الصغائر، والاغراء بالقبيح لا يليق بالجملة، أما إذا لم يميز الله تعالى كل الكبائر عن كل الصغائر، ولم يعرف في شيء من الذنوب أنه صغيرة، ولا ذنب يقدم عليه إلا ويجوز كونه كبيرة فيكون ذلك زاجراً له عن الاقدام عليه.

قالوا: ونظير هذا في الشريعة إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات وليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الاجابة في ساعات الجمعة، ووقت الموت في جميع الأوقات.

والحاصل أن هذه القاعدة تقتضي أن لا يبين الله تعالى في شيء من الذنوب أنه صغيرة، وأن لا يبين أن الكبائر ليست إلا كذا وكذا، فانه لو بين ذلك لكان ما عداها صغيرة، فحينئذ تصير الصغيرة معلومة، ولكن يجوز أن يبين في بعض الذنوب أنه كبيرة.

روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما تعدون الكبائر» فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: «الاشراك بالله وقتل النفس المحرمة وعقوق الوالدين والفرار من الزحف والسحر وأكل مال اليتيم وقول الزور وأكل الربا وقذف المحصنات الغافلات» وعن عبدالله بن عمر أنه ذكرها وزاد فيها: استحلال آمين البيت الحرام، وشرب الخمر، وعن ابن مسعود أنه زاد فيها: القنوط من رحمة الله واليأس من رحمة الله، والأمن من مكر الله.

وذكر عن ابن عباس أنها سبعة، ثم قال: هي إلى السبعين أقرب.

وفي رواية أخرى إلى السبعمائة أقرب، والله أعلم.

المسألة الثالثة: احتج أبو القاسم الكعبي بهذه الآية على القطع بوعيد أصحاب الكبائر فقال: قد كشف الله بهذه الآية الشبهة في الوعيد، لأنه تعالى بعد أن قدم ذكر الكبائر، بين أن من اجتنبها يكفر عن سيآته، وهذا يدل على أنهم إذا لم يجتنبوها فلا تكفر، ولو جاز أن يغفر تعالى لهم الكبائر والصغائر من غير توبة لم يصح هذا الكلام.

وأجاب أصحابنا عنه من وجوه: الأول: أنكم إما أن تستدلوا بهذه الآية من حيث أنه تعالى لما ذكر أن عند اجتناب الكبائر يكفر السيآت، وجب أن عند عدم اجتناب الكبائر لا يكفرها، لأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه وهذا باطل.

لأن عند المعتزلة هذا الأصل باطل، وعندنا انه دلالة ظنية ضعيفة، وإما أن تستدلوا به من حيث أن المعلق بكلمة إن على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء، وهذا أيضا ضعيف، ويدل عليه آيات: إحداها: قوله: ﴿ واشكروا الله إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ  ﴾ فالشكر واجب سواء عبد الله أو لم يعبد.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدّ الذي اؤتمن أمانته  ﴾ وأداء الأمانة واجب سواء ائتمنه أو لم يفعل ذلك.

وثالثها: ﴿ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان  ﴾ والاستشهاد بالرجل والمرأتين جائز سواء حصل الرجلان أو لم يحصلا.

ورابعها: ﴿ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فرهان مَّقْبُوضَةٌ  ﴾ والرهن مشروع سواء وجد الكاتب أو لم يجده.

وخامسها: ﴿ وَلاَ تُكْرِهُواْ فتياتكم عَلَى البغاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً  ﴾ والاكراه على البغاء محرم، سواء أردن التحصن أو لم يردن.

وسادسها: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء  ﴾ والنكاح جائز سواء حصل ذلك الخوف أو لم يحصل.

وسابعها: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ  ﴾ والقصر جائز، سواء حصل الخوف أو لم يحصل.

وثامنها: ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ  ﴾ والثلثان كما أنه حق الثلاثة فهو أيضاً حق الثنتين.

وتاسعها: قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فابعثوا حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ  ﴾ وذلك جائز سواء حصل الخوف أو لم يحصل.

وعاشرها: قوله: ﴿ إِن يُرِيدَا إصلاحا يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا  ﴾ وقد يحصل التوفيق بدون إرادتيهما، والحادي عشر: قوله: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مّن سَعَتِهِ  ﴾ وقد يحصل الغنى بدون ذلك التفرق، وهذا الجنس من الآيات فيه كثرة، فثبت أن المعلق بكلمة إن على الشيء لا يلزم أن يكون عدما عند عدم ذلك الشيء، والعجب أن مذهب القاضي عبد الجبار في أصول الفقه هو أن المعلق بكملة إن على الشيء لا يكون عدما عند عدم ذلك الشيء، ثم إنه في التفسير استحسن استدلال الكعبي بهذه الآية، وذلك يدل على أن حب الإنسان لمذهبه قد يلقيه فيما لا ينبغي.

الوجه الثاني من الجواب: قال أبو مسلم الاصفهاني: إن هذه الآية إنما جاءت عقيب الآية التي نهى الله فيها عن نكاح المحرمات، وعن عضل النساء وأخذ أموال اليتامى وغير ذلك، فقال تعالى: إن تجتنبوا هذه الكبائر التي نهيناكم عنها كفرنا عنكم ما كان منكم في ارتكابها سالفا.

وإذا كان هذا الوجه محتملا، لم يتعين حمله على ما ذكره المعتزلة.

وطعن القاضي في هذا الوجه من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾ عام، فقصره على المذكور المتقدم لا يجوز.

الثاني: أن قوله: إن باجتنابهم في المستقبل هذه المحرمات يكفر الله ما حصل منها في الماضي كلام بعيد؛ لأنه لا يخلو حالهم من أمرين اثنين: إما أن يكونوا قد تابوا من كل ما تقدم، فالتوبة قد أزالت عقاب ذلك لاجتناب هذه الكبائر، أو لا يكونوا قد تابوا من كل ما تقدم، فمن أين أن اجتناب هذه الكبائر يوجب تكفير تلك السيآت؟

هذا لفظ القاضي في تفسيره.

والجواب عن الأول: أنا لا ندعي القطع بأن قوله: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾ محمول على ما تقدم ذكره، لكنا نقول: إنه محتمل، ومع هذا الاحتمال لا يتعين حمل الآية على ما ذكروه.

وعن الثاني: أن قولك: من أين أن اجتناب هذا الكبائر يوجب تكفير تلك السيئات؟

سؤال لا استدلال على فساد هذا القسم، وبهذا القدر لا يبطل هذا الاحتمال، وإذا حضر هذا الاحتمال بطل ما ذكرتم من الاستدلال والله أعلم.

الوجه الثالث: من الجواب عن هذا الاستدلال: هو أنا إذا أعطيناهم جميع مراداتهم لم يكن في الآية زيادة على أن نقول: إن من لم يجتنب الكبائر لم تكفر سيآته، وحينئذ تصير هذه الآية عامة في الوعيد، وعمومات الوعيد ليست قليلة، فما ذكرناه جوابا عن سائر العمومات كان جوابا عن تمسكهم بهذه الآية، فلا أعرف لهذه الآية مزيد خاصية في هذا الباب، وإذا كان كذلك لم يبق لقول الكعبي: إن الله قد كشف الشبهة بهذه الآية عن هذه المسألة وجه.

الوجه الرابع: أن هذه الكبائر قد يكون فيها ما يكون كبيرا، بالنسبة إلى شيء، ويكون صغيراً بالنسبة إلى شيء آخر، وكذا القول في الصغائر، إلا أن الذي يحكم بكونه كبيرا على الاطلاق هو الكفر، وإذا ثبت هذا فلم لا يجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾ الكفر؟

وذلك لأن الكفر أنواع كثيرة: منها الكفر بالله وبأنبيائه وباليوم الآخر وشرائعه، فكان المراد أن من اجتنب عن الكفر كان ما وراءه مغفورا، وهذا الاحتمال منطبق موافق لصريح قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  ﴾ وإذا كان هذا محتملا، بل ظاهراً سقط استدلالهم بالكلية وبالله التوفيق.

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: إن عند اجتناب الكبائر يجب غفران الصغائر، وعندنا أنه لا يجب عليه شيء، بل كل ما يفعله فهو فضل وإحسان، وقد تقدم ذكر دلائل هذه المسألة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ المفضل عن عاصم ﴿ يَكْفُرْ وَيُدْخِلْكُمْ ﴾ بالياء في الحرفين على ضمير الغائب، والباقون بالنون على استئناف الوعد، وقرأ نافع ﴿ مُّدْخَلاً ﴾ بفتح الميم وفي الحج مثله، والباقون بالضم، ولم يختلفوا في ﴿ مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ بالضم، فبالفتح المراد موضع الدخول، وبالضم المراد المصدر وهو الادخال، أي: ويدخلكم إدخالا كريما، وصف الادخال بالكرم بمعنى أن ذلك الادخال يكون مقرونا بالكرم على خلاف من قال الله فيهم: ﴿ الذين يُحْشَرُونَ على وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ  ﴾ المسألة الثانية: أن مجرد الاجتناب عن الكبائر لا يوجب دخول الجنة، بل لابد معه من الطاعات، فالتقدير: ان أتيتم بجميع الواجبات، واجتنبتم عن جميع الكبائر كفرنا عنكم بقية السيئات وأدخلناكم الجنة، فهذا أحد ما يوجب الدخول في الجنة.

ومن المعلوم أن عدم السبب الواحد لا يوجب عدم المسبب، بل هاهنا سبب آخر هو السبب الأصلي القوي، وهو فضل الله وكرمه ورحمته، كما قال: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ  ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا۟ ۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ۚ وَسْـَٔلُوا۟ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًۭا ٣٢

اعلم أن في النظم وجهين: الأول: قال القفال رحمه الله: إنه تعالى لما نهاهم في الآية المتقدمة عن أكل الأموال بالباطل، وعن قتل النفس، أمرهم في هذه الآية بما سهل عليهم ترك هذه المنهيات، وهو أن يرضى كل أحد بما قسم الله له، فانه إذا لم يرض بذلك وقع في الحسد، وإذا وقع في الحسد وقع لا محالة في أخذ الأموال بالباطل وفي قتل النفوس، فإما إذا رضي بما قدر الله أمكنه الاحتراز عن الظلم في النفوس وفي الأموال.

الوجه الثاني: في كيفية النظم: هو أن أخذ المال بالباطل وقتل النفس، من أعمال الجوارح فأمر أولا بتركهما ليصير الظاهر طاهراً عن الأفعال القبيحة، وهو الشريعة.

ثم أمر بعده بترك التعرض لنفوس الناس وأموالهم بالقلب على سبيل الحسد، ليصير الباطن طاهرا عن الاخلاق الذميمة، وذلك هو الطريقة.

ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: التمني عندنا عبارة عن إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون، ولهذا قلنا: إنه تعالى لو أراد من الكافر أن يؤمن مع علمه بأنه لا يؤمن لكان متمنيا.

وقالت المعتزلة: النهي عن قول القائل: ليته وجد كذا، أو ليته لم يوجد كذا، وهذا بعيد لأن مجرد اللفظ إذا لم يكن له معنى لا يكون تمنيا، بل لابد وأن يبحث عن معنى هذا اللفظ، ولا معنى له إلا ما ذكرناه من إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون.

المسألة الثانية: اعلم أن مراتب السعادات إما نفسانية، أو بدنية، أو خارجية.

أما السعادات النفسانية فنوعان: أحدهما: ما يتعلق بالقوة النظرية، وهو: الذكاء التام والحدس الكامل، والمعارف الزائدة على معارف الغير بالكمية والكيفية.

وثانيهما: ما يتعلق بالقوة العملية، وهي: العفة التي هي وسط بين الخمود والفجور، والشجاعة التي هي وسط بين التهور والجبن، واستعمال الحكمة العملية الذي هو توسط بين البله والجربزة، ومجموع هذه الأحوال هو العدالة.

وأما السعادات البدنية: فالصحة والجمال، والعمر الطويل في ذلك مع اللذة والبهجة.

وأما السعادات الخارجية: فهي كثرة الأولاد الصلحاء، وكثرة العشائر، وكثرة الأصدقاء والأعوان، والرياسة التامة، ونفاذ القول، وكونه محبوبا للخلق حسن الذكر فيهم، مطاع الأمر فيهم، فهذا هو الاشارة الى مجامع السعادات، وبعضها فطرية لا سبيل للكسب فيه، وبعضها كسبية، وهذا الذي يكون كسبيا متى تأمل العاقل فيه يجده أيضا محض عطاء الله، فانه لا ترجيح للدواعي وإزالة العوائق وتحصيل الموجبات، وإلا فيكون سبب السعي والجد مشتركا فيه، ويكون الفوز بالسعادة والوصول إلى المطلوب غير مشترك فيه، فهذا هو أقسام السعادات التي يفضل الله بعضهم على بعض فيها.

المسألة الثانية: أن الإنسان إذا شاهد أنواع الفضائل حاصلة لإنسان، ووجد نفسه خاليا عن جملتها أو عن أكثرها، فحينئذ يتألم قلبه ويتشوش خاطره، ثم يعرض هاهنا حالتان: إحداهما: أن يتمنى زوال تلك السعادات عن ذلك الإنسان، والأخرى: أن لا يتمنى ذلك، بل يتمنى حصول مثلها له.

أما الأول فهو الحسد المذموم، لأن المقصود الأول لمدبر العالم وخالقه: الإحسان إلى عبيده والجود اليهم وإفاضة أنواع الكرم عليهم، فمن تمنى زوال ذلك فكأنه اعترض على الله تعالى فيما هو المقصود بالقصد الأول من خلق العالم وإيجاد المكلفين، وأيضا ربما اعتقد في نفسه أنه أحق بتلك النعم من ذلك الإنسان فيكون هذا اعتراضا على الله وقدحا في حكمته، وكل ذلك مما يلقيه في الكفر وظلمات البدعة، ويزيل عن قلبه نور الإيمان، وكما أن الحسد سبب للفساد في الدين، فكذلك هو السبب للفساد في الدنيا، فإنه يقطع المودة والمحبة والموالاة، ويقلب كل ذلك إلى أضدادها، فلهذا السبب نهى الله عباده عنه فقال: ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ ﴾ .

واعلم أن سبب المنع من هذا الحسد يختلف باختلاف أصول الأديان، أما على مذهب أهل السنة والجماعة، فهو أنه تعالى فعال لما يريد: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ  ﴾ فلا اعتراض عليه في فعله.

ولا مجال لأحد في منازعته، وكل شيء صنعه ولا علة لصنعه، وإذا كان كذلك فقد صارت أبواب القيل والقال مسدودة، وطرق الاعتراضات مردودة.

وأما على مذهب المعتزلة فهذا الطريق أيضا مسدود، لأنه سبحانه علام الغيوب فهو أعرف من خلقه بوجوه المصالح ودقائق الحكم، ولهذا المعنى قال: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض  ﴾ وعلى التقديرين فلابد لكل عاقل من الرضا بقضاء الله سبحانه، ولهذا المعنى حكى الرسول صلى الله عليه وسلم عن رب العزة أنه قال: من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر لنعمائي كتبته صديقا وبعثته يوم القيامة مع الصديقين ومن لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر لنعمائي فليطلب ربا سواي فهذا هو الكلام فيما إذا تمنى زوال تلك النعمة عن ذلك الإنسان، ومما يؤكد ذلك ما روى ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ولا يسوم على سوم أخيه ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتقوم مقامها فان الله هو رازقها».

والمقصود من كل ذلك المبالغة في المنع من الحسد.

أما إذا لم يتمن ذلك بل تمنى حصول مثلها له فمن الناس من جوز ذلك إلا أن المحققين قالوا: هذا أيضا لا يجوز، لأن تلك النعمة ربما كانت مفسدة في حقه في الدين ومضرة عليه في الدنيا، فلهذا السبب قال المحققون: إنه لا يجوز للانسان أن يقول: اللهم أعطني دارا مثل دار فلان، وزوجة مثل زوجة فلان، بل ينبغي أن يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحا في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي.

وإذا تأمل الإنسان كثيرا لم يجد دعاء أحسن مما ذكر الله في القرآن تعليما لعباده وهو قوله: ﴿ آتنا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الأخرة حَسَنَةً  ﴾ وروى قتادة عن الحسن أنه قال: لا يتمن أحد المال فلعل هلاكه في ذلك المال، كما في حق ثعلبة وهذا هو المراد بقوله في هذه الآية: ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ .

المسألة الرابعة: ذكروا في سبب النزول وجوها: الأول: قال مجاهد قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، ولهم من الميراث ضعف ما لنا، فليتنا كنا رجالا فنزلت الآية.

الثاني: قال السدي: لما نزلت آية المواريث قال الرجال: نرجو أن نفضل على النساء في الآخرة كما فضلنا في الميراث وقال النساء: نرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال كما في الميراث فنزلت الآية: الثالث: لما جعل الله الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين قالت النساء: نحن أحوج لأنّا ضعفاء، وهم أقدر على طلب المعاش فنزلت الآية.

الرابع: أتت واحدة من النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: رب الرجال والنساء واحد، وأنت الرسول إلينا وإليهم، وأبونا آدم وأمنا حواء.

فما السبب في أن الله يذكر الرجال ولا يذكرنا، فنزلت الآية.

فقالت: وقد سبقنا الرجال بالجهاد فما لنا؟

فقال صلى الله عليه وسلم: «إن للحامل منكن أجر الصائم القائم فإذا ضربها الطلق لم يدر أحد ما لها من الأجر، فإذا أرضعت كان لها بكل مصة أجر إحياء نفس».

ثم قال تعالى: ﴿ لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبوا وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبن ﴾ .

واعلم أنه يمكن أن يكون المراد من هذه الآية ما يتعلق بأحوال الدنيا، وأن يكون ما يتعلق بأحوال الآخرة، وأن يكون ما يتعلق بهما.

أما الاحتمال الأول: ففيه وجوه: الأول: أن يكون المراد لكل فريق نصيب مما اكتسب من نعيم الدنيا، فينبغي أن يرضى بما قسم الله له.

الثاني: كل نصيب مقدر من الميراث على ما حكم الله به فوجب أن يرضى به، وأن يترك الاعتراض، والاكتساب على هذا القول بمعنى الاصابة والاحراز.

الثالث: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان، فأبطل الله ذلك بهذه الآية، وبين أن لكل واحد منهم نصيبا، ذكرا كان أو أنثى، صغيرا كان أو كبيرا.

وأما الاحتمال الثاني: وهو أن يكون المراد بهذه الآية: ما يتعلق بأحوال الآخرة ففيه وجوه: الأول: المراد لكل أحد قدر من الثواب يستحقه بكرم الله ولطفه، فلا تتمنوا خلاف ذلك.

الثاني: لكل أحد جزاء مما اكتسب من الطاعات، فلا ينبغي أن يضيعه بسبب الحسد المذموم وتقديره: لا تضيع مالك وتتمن ما لغيرك.

الثالث: للرجال نصيب مما اكتسبوا سبب قيامهم بالنفقة على النساء، وللنساء نصيب مما اكتسبن، يريد حفظ فروجهن وطاعة أزواجهن، وقيامها بمصالح البيت من الطبخ والخبز وحفظ الثياب ومصالح المعاش، فالنصيب على هذا التقدير هو الثواب.

وأما الاحتمال الثالث: فهو أن يكون المراد من الآية: كل هذه الوجوه: لأن هذا اللفظ محتمل، ولا منافاة.

ثم قال تعالى: ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير والكسائي: ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ بغير همز، بشرط أن يكون أمراً من السؤال، وبشرط أن يكون قبله واو أو فاء، والباقون بالهمز في كل القرآن.

أما الأول: فنقل حركة الهمزة الى السين، واستغنى عن ألف الوصل فحذفها.

وأما الثاني: فعلى الأصل.

واتفقوا في قوله: ﴿ وَلْيَسْئَلُواْ ﴾ أنه بالهمزة، لأنه أمر لغائب.

المسألة الثانية: قال أبو علي الفارسي: قوله: ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ في موضع المفعول الثاني في قول أبي الحسن ويكون المفعول الثاني محذوفا في قياس قول سيبويه، والصفة قائمة مقامه، كأنه قيل: واسألوا الله نعمته من فضله.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ تنبيه على أن الإنسان لا يجوز له أن يعين شيئاً في الطلب والدعاء، ولكن يطلب من فضل الله ما يكون سبباً لصلاحه في دينه ودنياه على سبيل الاطلاق.

ثم قال: ﴿ إِنَّ الله كَانَ بِكُلّ شَيء عَلِيماً ﴾ والمعنى أنه تعالى هو العالم بما يكون صالحا للسائلين، فليقتصر السائل على المجمل، وليحترز في دعائه عن التعيين، فربما كان ذلك محض المفسدة والضرر، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَلِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ ۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدًا ٣٣

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه يمكن تفسير الآية بحيث يكون الوالدان والأقربون وراثاً، ويمكن أيضا بحيث يكونان موروثا عنهما.

أما الأول: فهو أن قوله: ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ ﴾ أي: ولكل واحد جعلنا ورثة في تركته، ثم كأنه قيل: ومن هؤلاء الورثة؟

فقيل: هم الوالدان والأقربون، وعلى هذا الوجه لابد من الوقف عند قوله: ﴿ مّمَّا تَرَكَ ﴾ .

وأما الثاني: ففيه وجهان: الأول: أن يكون الكلام على التقديم والتأخير، والتقدير: ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي، أي: ورثة و ﴿ جَعَلْنَا ﴾ في هذين الوجهين لا يتعدى إلى مفعولين، لأن معنى ﴿ جَعَلْنَا ﴾ خلقنا.

الثاني: أن يكون التقدير: ولكل قوم جعلناهم موالى نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، فقوله: ﴿ مَوَالِىَ ﴾ على هذا القول يكون صفة، والموصوف يكون محذوفا، والراجع إلى قوله: ﴿ وَلِكُلّ ﴾ محذوفا، والخبر وهو قوله: ﴿ نَّصِيبٍ ﴾ محذوف أيضا، وعلى هذا التقدير يكون ﴿ جَعَلْنَا ﴾ معتديا إلى مفعولين، والوجهان الأولان أولى، لكثرة الاضمار في هذا الوجه.

المسألة الثانية: لفظ مشترك بين معان: أحدها: المعتق، لأنه ولى نعمته في عتقه، ولذلك يسمى مولى النعمة.

وثانيها: العبد المعتق، لاتصال ولاية مولاه في إنعامه عليه، وهذا كما يسمى الطالب غريما، لأن له اللزوم والمطالبة بحقه، ويسمى المطلوب غريما لكون الدين لازما له.

وثالثها: الحليف لأن المحالف يلي أمره بعقد اليمين.

ورابعها: ابن العم، لأنه يليه بالنصرة للقرابة التي بينهما.

وخامسها: المولى الولي لأنه يليه بالنصرة قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ الله مَوْلَى الذين ءامَنُواْ وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ  ﴾ .

وسادسها: العصبة، وهو المراد به في هذه الآية لأنه لا يليق بهذه الآية إلا هذا المعنى، ويؤكده ما روى أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى بالمؤمنين من مات وترك مالا فماله للموالي العصبة ومن ترك كلا فأنا وليه».

وقال عليه الصلاة والسلام: «اقسموا هذا المال فما أبقت السهام فلأولي عصبة ذكر».

ثم قال تعالى: ﴿ والذين عَقَدَتْ أيمانكم فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي: عقدت بغير ألف وبالتخفيف، والباقون بالألف والتخفيف، وعقدت: أضافت العقد إلى واحد، والاختيار: عاقدت، لدلالة المفاعلة على عقد الحلف من الفريقين.

المسألة الثانية: الأيمان.

جمع يمين، واليمين يحتمل أن يكون معناه اليد، وأن يكون معناه القسم، فإن كان المراد اليد ففيه مجاز من ثلاثة أوجه: أحدها: أن المعاقدة مسندة في ظاهر اللفظ إلى الأيدي، وهي في الحقيقة مسندة إلى الحالفين، والسبب في هذا المجاز أنهم كانوا يضربون صفقة البيع بأيمانهم، ويأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد.

والوجه الثاني: في المجاز: وهو أن التقدير: والذين عاقدت بحلفهم أيمانكم، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وحسن هذا الحذف لدلالة الكلام عليه.

الثالث: أن التقدير: والذين عاقدتهم، إلا أنه حذف الذكر العائد من الصلة إلى الموصول، هذا كله إذا فسرنا اليمين باليد.

أما إذا فسرناها بالقسم والحلف كانت المعاقدة في ظاهر اللفظ مضافة إلى القسم، وإنما حسن ذلك لأن سبب المعاقدة لما كان هو اليمين حسنت هذه الإضافة، والقول في بقية المجازات كما تقدم.

المسألة الثالثة: من الناس من قال: هذه الآية منسوخة، ومنهم من قال: إنها غير منسوخة أما القائلون بالنسخ فهم الذين فسروا الآية بأحد هذه الوجوه التي نذكرها: فالأول: هو أن المراد بالذين عاقدت أيمانكم: الحلفاء في الجاهلية، وذلك أن الرجل كان يعاقد غيره ويقول: دمي دمك وسلمي سلمك، وحربي حربك، وترثني وأرثك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون لهذا الحليف السدس من الميراث، فنسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿ وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله  ﴾ وبقوله: ﴿ يُوصِيكُمُ الله ﴾ الثاني: أن الواحد منهم كان يتخذ إنسانا أجنبيا ابنا له، وهم المسمون بالأدعياء، وكانوا يتوارثون بذلك السبب ثم نسخ.

الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يثبت المؤاخاة بين كل رجلين من أصحابه، وكانت تلك المؤاخاة سببا للتوارث.

واعلم أن على كل هذه الوجوه الثلاثة كانت المعاقدة سببا للتوارث بقوله: ﴿ فآتوهم نصيبهم ﴾ ثم أن الله تعالى نسخ ذلك بالآيات التي تلوناها.

القول الثاني: قول من قال: الآية غير منسوخة، والقائلون بذلك ذكروا في تأويل الآية وجوها: الأول: تقدير الآية: ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم موالي ورثة فآتوهم نصيبهم، أي فآتوا الموالي والورثة نصيبهم، فقوله: ﴿ والذين عَقَدَتْ أيمانكم ﴾ معطوف على قوله: ﴿ الوالدان والأقربون ﴾ والمعنى: ان ما ترك الذين عاقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به، وسمى الله تعالى الوارث مولى.

والمعنى لا تدفعوا المال إلى الحليف، بل إلى المولى والوارث، وعلى هذا التقدير فلا نسخ في الآية، وهذا تأويل أبي علي الجبائي.

الثاني: المراد بالذين عاقدت أيمانكم: الزوج والزوجة، والنكاح يسمى عقدا قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح  ﴾ فذكر تعالى الوالدين والأقربين، وذكر معهم الزوج والزوجة، ونظيره آية المواريث في أنه لما بين ميراث الولد والوالدين ذكر معهم ميراث الزوج والزوجة، وعلى هذا فلا نسخ في الآية أيضا، وهو قول أبي مسلم الاصفهاني.

الثالث: أن يكون المراد بقوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ الميراث الحاصل بسبب الولاء، وعلى هذا التقدير فلا نسخ أيضا.

الرابع: أن يكون المراد من ﴿ الذين عَقَدَتْ أيمانكم ﴾ الحلفاء، والمراد بقوله: ﴿ فآتوهم نصيبهم ﴾ النصرة والنصيحة والمصافاة في العشرة، والمخالصة في المخالطة، فلا يكون المراد التوارث، وعلى هذا التقدير فلا نسخ أيضا.

الخامس: نقل أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وفي ابنه عبد الرحمن، وذلك أنه رضي الله عنه حلف أن لا ينفق عليه ولا يورثه شيئا من ماله، فلما أسلم عبد الرحمن أمره الله أن يؤتيه نصيبه، وعلى هذا التقدير فلا نسخ أيضا.

السادس: قال الاصم: إنه نصيب على سبيل التحفة والهدية بالشيء القليل، كما أمر تعالى لمن حضر القسمة أن يجعل له نصيب على ما تقدم ذكره، وكل هذه الوجوه حسنة محتملة والله أعلم بمراده.

المسألة الرابعة: القائلون بأن قوله: ﴿ والذين عَقَدَتْ أيمانكم ﴾ مبتدأ، وخبره قوله: ﴿ فآتوهم نصيبهم ﴾ قالوا: إنما جاء خبره مع الفاء لتضمن الذي معنى الشرط فلا جرم وقع خبره مع الفاء وهو قوله: ﴿ فآتوهم نصيبهم ﴾ ويجوز أن يكون منصوبا على قولك: زيدا فاضربه.

المسألة الخامسة: قال جمهور الفقهاء: لا يرث المولى الأسفل من الأعلى.

وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أنه قال: يرث، لما روى ابن عباس أن رجلا أعتق عبدا له، فمات المعتق ولم يترك إلا المعتق، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه للغلام المعتق، ولأنه داخل في قوله تعالى: ﴿ والذين عَقَدَتْ أيمانكم فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ .

والجواب عن التمسك بالحديث: أنه لعل ذلك المال لما صار لبيت المال دفعه النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذلك الغلام لحاجته وفقره، لأنه كان مالا لا وارث له، فسبيله أن يصرف إلى الفقراء.

المسألة السادسة: قال الشافعي ومالك رضي الله عنهما: من أسلم على يد رجل ووالاه وعاقده ثم مات ولا وارث له غيره، انه لا يرثه بل ميراثه للمسلمين.

وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يرثه حجة الشافعي: أنا بينا أن معنى هذه الآية ولكل شيء مما تركه الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم، فقد جعلنا له موالي وهم العصبة، ثم هؤلاء العصبة إما الخاصة وهم الورثة، وإما العامة وهم جماعة المسلمين، فوجب صرف هذا المال إلى العصبة العامة ما لم توجد العصبة الخاصة، واحتج أبو بكر الرازي لقوله بأن الآية توجب الميراث للذي والاه وعاقده، ثم إنه تعالى نسخه بقوله: ﴿ وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله  ﴾ فهذا النسخ إنما يحصل إذا وجد أولو الأرحام فإذا لم يوجدوا لزم بقاء الحكم كما كان.

والجواب: أنا بينا أنه لا دلالة في الآية على أن الحليف يرث، بل بينا أن الآية دالة على أنه لا يرث، وبينا أن القول بهذا النسخ باطل.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَيء شَهِيداً ﴾ وهو كلمة وعد للمطيعين، وكلمة وعيد للعصاة والشهيد الشاهد والمشاهد، والمراد منه إما علمه تعالى بجميع الجزئيات والكليات، وإما شهادته على الخلق يوم القيامة بكل ما عملوه.

وعلى التقدير الأول: الشهيد هو العالم، وعلى التقدير الثاني: هو المخبر.

<div class="verse-tafsir"

ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ۚ فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ حَـٰفِظَـٰتٌۭ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ۚ وَٱلَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّۭا كَبِيرًۭا ٣٤

اعلم أنه تعالى قال: ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ  ﴾ وقد ذكرنا أن سبب نزول هذه الآية أن النساء تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهن في الميراث، فذكر تعالى في هذه الآية أنه إنما فضل الرجال على النساء في الميراث، لأن الرجال قوامون على النساء، فإنهما وإن اشتركا في استمتاع كل واحد منهما بالآخر، أمر الله الرجال أن يدفعوا إليهن المهر، ويدروا عليهن النفقة فصارت الزيادة من أحد الجانبين مقابلة بالزيادة من الجانب الآخر، فكأنه لا فضل ألبتة، فهذا هو بيان كيفية النظم.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: القوام؛ اسم لمن يكون مبالغا في القيام بالأمر، يقال: هذا قيم المرأة وقوامها للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها.

قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في بنت محمد بن سلمة وزوجها سعد بن الربيع أحد نقباء الأنصار، فإنه لطمها لطمة فنشزت عن فراشه وذهبت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وذكرت هذه الشكاية، وأنه لطمها وأن أثر اللطمة باق في وجهها، فقال عليه الصلاة والسلام: «اقتصي منه» ثم قال لها: «اصبري حتى أنظر» فنزلت هذه الآية: ﴿ الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء ﴾ أي مسلطون على أدبهن والأخذ فوق أيديهن، فكأنه تعالى جعله أميرا عليها ونافذ الحكم في حقها، فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أردنا أمراً وأراد الله أمرا والذي أراد الله خير» ورفع القصاص، ثم انه تعالى لما أثبت للرجال سلطنة على النساء ونفاذ أمر عليهن بين أن ذلك معلل بأمرين، أحدهما: قوله تعالى: ﴿ بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ﴾ .

واعلم أن فضل الرجل على النساء حاصل من وجوه كثيرة، بعضها صفات حقيقية، وبعضها أحكام شرعية، أما الصفات الحقيقية فاعلم أن الفضائل الحقيقية يرجع حاصلها الى أمرين: إلى العلم، وإلى القدرة، ولا شك أن عقول الرجال وعلومهم أكثر، ولا شك أن قدرتهم على الأعمال الشاقة أكمل، فلهذين السببين حصلت الفضيلة للرجال على النساء في العقل والحزم والقوة، والكتابة في الغالب والفروسية والرمي، وأن منهم الأنبياء والعلماء، وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى والجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف والشهادة في الحدود والقصاص بالاتفاق، وفي الأنكحة عند الشافعي رضي الله عنه، وزيادة النصيب في الميراث والتعصيب في الميراث، وفي تحمل الدية في القتل والخطأ، وفي القسامة والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج، وإليهم الانتساب، فكل ذلك يدل على فضل الرجال على النساء.

والسبب الثاني: لحصول هذه الفضيلة: قوله تعالى: ﴿ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أموالهم ﴾ يعني الرجل أفضل من المرأة لأنه يعطيها المهر وينفق عليها، ثم إنه تعالى قسم النساء قسمين، فوصف الصالحات منهن بأنهن قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: قرأ ابن مسعود (فالصالحات قوانت حوافظ للغيب).

المسألة الثانية: قوله: ﴿ قانتات حفظات لّلْغَيْبِ ﴾ فيه وجهان: الأول: قانتات، أي مطيعات لله، ﴿ حفظات لّلْغَيْبِ ﴾ أي قائمات بحقوق الزوج، وقدم قضاء حق الله ثم أتبع ذلك بقضاء حق الزوج.

الثاني: أن حال المرأة إما أن يعتبر عند حضور الزوج أو عند غيبته، أما حالها عند حضور الزوج فقد وصفها الله بأنها قانتة، وأصل القنوت دوام الطاعة، فالمعنى أنهن قيمات بحقوق أزواجهن، وظاهر هذا إخبار، إلا أن المراد منه الأمر بالطاعة.

واعلم أن المرأة لا تكون صالحة إلا إذا كانت مطيعة لزوجها، لأن الله تعالى قال: ﴿ فالصالحات قانتات ﴾ والألف واللام في الجمع يفيد الاستغراق، فهذا يقتضي أن كل امرأة تكون صالحة، فهي لابد وأن تكون قانتة مطيعة.

قال الواحدي رحمه الله: لفظ القنوت يفيد الطاعة، وهو عام في طاعة الله وطاعة الأزواج، وأما حال المرأة عند غيبة الزوج فقد وصفها الله تعالى بقوله: ﴿ حفظات لّلْغَيْبِ ﴾ واعلم أن الغيب خلاف الشهادة، والمعنى كونهن حافظات بمواجب الغيب، وذلك من وجوه: أحدها: أنها تحفظ نفسها عن الزنا لئلا يلحق الزوج العار بسبب زناها، ولئلا يلتحق به الولد المتكون من نطفة غيره.

وثانيها: حفظ ماله عن الضياع.

وثالثها: حفظ منزله عما لا ينبغي، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «خير النساء إن نظرت اليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها» وتلا هذه الآية.

المسألة الثالثة: ما في قوله: ﴿ بِمَا حَفِظَ الله ﴾ فيه وجهان: الأول: بمعنى الذي، والعائد اليه محذوف، والتقدير: بما حفظه الله لهن، والمعنى أن عليهن ان يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن، حيث أمرهم بالعدل عليهن وإمساكهن بالمعروف وإعطائهن أجورهن، فقوله: ﴿ بِمَا حَفِظَ الله ﴾ يجري مجرى ما يقال: هذا بذاك، أي هذا في مقابلة ذاك.

والوجه الثاني: أن تكون ما مصدرية، والتقدير: بحفظ الله، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان: الأول: أنهن حافظات للغيب بما حفظ الله إياهن، أي لا يتيسر لهن حفظ إلا بتوفيق الله، فيكون هذا من باب إضافة المصدر إلى الفاعل.

والثاني: أن المعنى: هو أن المرأة إنما تكون حافظة للغيب بسبب حفظهن الله أي بسبب حفظهن حدود الله وأوامره، فإن المرأة لولا أنها تحاول رعاية تكاليف الله وتجتهد في حفظ أوامره لما أطاعت زوجها، وهذا الوجه يكون من باب إضافة المصدر إلى المفعول.

واعلم أنه تعالى لما ذكر الصالحات ذكر بعده غير الصالحات، فقال: ﴿ واللاتى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ .

واعلم أن الخوف عبارة عن حال يحصل في القلب عند ظن حدوث أمر مكروه في المستقبل.

قال الشافعي رضي الله عنه: ﴿ واللاتى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ النشوز قد يكون قولا، وقد يكون فعلا، فالقول مثل أن كانت تلبيه إذا دعاها، وتخضع له بالقول إذا خاطبها ثم تغيرت، والفعل مثل أن كانت تقوم اليه إذا دخل عليها، أو كانت تسارع إلى أمره وتبادر إلى فراشه باستبشار إذا التمسها، ثم إنها تغيرت عن كل ذلك، فهذه أمارات دالة على نشوزها وعصيانها، فحينئذ ظن نشوزها ومقدمات هذه الأحوال توجب خوف النشوز.

وأما النشوز فهو معصية الزوج والترفع عليه بالخلاف، وأصله من قولهم نشز الشيء إذا ارتفع، ومنه يقال للأرض المرتفعة: ونشز ونشر.

ثم قال تعالى: ﴿ فَعِظُوهُنَّ واهجروهن فِي المضاجع واضربوهن ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الشافعي رضي الله عنه: أما الوعظ فإنه يقول لها: اتقي الله فإن لي عليك حقا وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي فرض عليك ونحو هذا، ولا يضربها في هذه الحالة لجواز أن يكون لها في ذلك كفاية، فإن أصرت على ذلك النشوز فعند ذلك يهجرها في المضجع وفي ضمنه امتناعه من كلامها، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: ولا يزيد في هجره الكلام ثلاثا، وأيضا فإذا هجرها في المضجع فإن كانت تحب الزوج شق ذلك عليها فتترك النشوز، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران، فكان ذلك دليلا على كمال نشوزها، وفيهم من حمل ذلك على الهجران في المباشرة، لأن إضافة ذلك إلى المضاجع يفيد ذلك، ثم عند هذه الهجرة إن بقيت على النشوز ضربها.

قال الشافعي رضي الله عنه: والضرب مباح وتركه أفضل.

روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: كنا معاشر قريش تملك رجالنا نساءهم، فقدمنا المدينة فوجدنا نساءهم تملك رجالهم، فاختلطت نساؤنا بنسائهم فذئرن على أزواجهن، فأذن في ضربهن فطاف بحجر نساء النبي صلى الله عليه وسلم جمع من النسوان كلهن يشكون أزواجهن، فقال صلى الله عليه وسلم: «لقد أطاف الليلة بآل محمد سبعون امرأة كلهن يشكون أزواجهن ولا تجدون أولئك خياركم».

ومعناه أن الذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيرا ممن لم يضربوا.

قال الشافعي رضي الله عنه: فدل هذا الحديث على أن الأولى ترك الضرب، فأما إذا ضربها وجب في ذلك الضرب أن يكون بحيث لا يكون مفضيا إلى الهلاك ألبتة، بأن يكون مفرقا على بدنها، ولا يوالي بها في موضع واحد ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن، وأن يكون دون الأربعين.

ومن أصحابنا من قال: لا يبلغ به عشرين لأنه حد كامل في حق العبد، ومنهم من قال: ينبغي أن يكون الضرب بمنديل ملفوف أو بيده، ولا يضربها بالسياط ولا بالعصا، وبالجملة فالتخفيف مراعى في هذا الباب على أبلغ الوجوه.

وأقول: الذي يدل عليه أنه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع، ثم ترقى منه إلى الضرب، وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الاخف وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق والله أعلم.

المسألة الثانية: اختلف أصحابنا قال بعضهم: حكم هذه الآية مشروع على الترتيب، فان ظاهر اللفظ وإن دل على الجمع إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: يعظها بلسانه، فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فان لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين.

وقال بعض أصحابنا: تحرير المذهب أن له عند خوف النشوز أن يعظها، وهل له أن يهجرها؟

فيه احتمال، وله عند إبداء النشوز أن يعظها أو يهجرها، أو يضربها.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ ﴾ أي إذا رجعن عن النشوز إلى الطاعة عند هذا التأديب ﴿ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ﴾ أي لا تطلبوا عليهن الضرب والهجران طريقاً على سبيل التعنت والايذاء ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ﴾ وعلوه لا بعلو الجهة، وكبره لا بكبر الجثة، بل هو علي كبير لكمال قدرته ونفاذ مشيئته في كل الممكنات.

وذكر هاتين الصفتين في هذا الموضع في غاية الحسن، وبيانه من وجوه: الأول: أن المقصود منه تهديد الأزواج على ظلم النسوان، والمعنى أنهن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم، فالله سبحانه علي قاهر كبير قادر ينتصف لهن منكم ويستوفي حقهن منكم، فلا ينبغي أن تغتروا بكونكم أعلى يداً منهن، وأكبر درجة منهن.

الثاني: لا تبغوا عليهن إذا أطعنكم لعلو أيديكم.

فإن الله أعلى منكم وأكبر من كل شيء، وهو متعال عن أن يكلف إلا بالحق.

الثالث: أنه تعالى مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون، فكذلك لا تكلفوهن محبتكم، فإنهن لا يقدرن على ذلك.

الرابع: أنه مع علوه وكبرئايه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب، بل يغفر له، فإذا تابت المرأة عن نشوزها فأنتم أولى بأن تقبلوا توبتها وتتركوا معاقبتها.

الخامس: أنه تعالى مع علوه وكبرئايه اكتفى من العبد بالظواهر، ولم يهتك السرائر، فأنتم أولى أن تكتفوا بظاهر حال المرأة، وأن لا تقعوا في التفتيش عما في قلبها وضميرها من الحب والبغض.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَـٰحًۭا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًۭا ٣٥

اعلم أنه تعالى لما ذكر عند نشوز المرأة أن الزوج يعظها، ثم يهجرها، ثم يضربها، بين أنه لم يبق بعد الضرب إلا المحاكمة إلى من ينصف المظلوم من الظالم فقال: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ إلى آخر الآية وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: ﴿ خِفْتُمْ ﴾ أي علمتم.

قال: وهذا بخلاف قوله: ﴿ واللاتى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ فإن ذلك محمول على الظن، والفرق بين الموضعين أن في الابتداء يظهر له أمارات النشوز فعند ذلك يحصل الخوف وأما بعد الوعظ والهجر والضرب لما أصرت على النشوز، فقد حصل العلم بكونها ناشزة: فوجب حمل الخوف هاهنا على العلم.

طعن الزجاج فيه فقال: ﴿ خِفْتُمْ ﴾ هاهنا بمعنى أيقنتم خطأ، فإنا لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم نحتج إلى الحكمين.

وأجاب سائر المفسرين بأن وجود الشقاق وإن كان معلوما، الا أنا لا نعلم أن ذلك الشقاق صدر عن هذا أو عن ذاك، فالحاجة إلى الحكمين لمعرفة هذا المعنى.

ويمكن أن يقال: وجود الشقاق في الحال معلوم، ومثل هذا لا يحصل منه خوف، إنما الخوف في أنه هل يبقى ذلك الشقاق أم لا؟

فالفائدة في بعث الحكمين ليست إزالة الشقاق الثابت في الحال فإن ذلك محال، بل الفائدة إزالة ذلك الشقاق في المستقبل.

المسألة الثانية: للشقاق تأويلان: أحدهما: أن كل واحد منهما يفعل ما يشق على صاحبه.

الثاني: أن كل واحد منهما صار في شق بالعداوة والمباينة.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ معناه: شقاقا بينهما، إلا أنه أضيف المصدر إلى الظرف وإضافة المصادر إلى الظروف جائزة لحصولها فيها، يقال: يعجبني صوم يوم عرفة، وقال تعالى: ﴿ بَلْ مَكْرُ اليل والنهار  ﴾ .

المسألة الرابعة: المخاطب بقوله: ﴿ فابعثوا حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ ﴾ من هو؟

فيه خلاف: قال بعضهم إنه هو الامام أو من يلي من قبله، وذلك لأن تنفيذ الأحكام الشرعية اليه، وقال آخرون: المراد كل واحد من صالحي الأمة وذلك لأن قوله: ﴿ خِفْتُمْ ﴾ خطاب للجميع وليس حمله على البعض أولى من حمله على البقية، فوجب حمله على الكل، فعلى هذا يجب أن يكون قوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ خطابا لجميع المؤمنين.

ثم قال: ﴿ فابعثوا ﴾ فوجب أن يكون هذا أمراً لآحاد الأمة بهذا المعنى، فثبت أنه سواء وجد الامام أو لم يوجد، فللصالحين أن يبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها للاصلاح.

وأيضا فهذا يجري مجرى دفع الضرر، ولكل أحد أن يقوم به.

المسألة الخامسة: إذا وقع الشقاق بينهما، فذاك الشقاق إما أن يكون منهما أو منه أو منها، أو يشكل، فان كان منها فهو النشوز وقد ذكرنا حكمه، وان كان منه، فإن كان قد فعل فعلا حلالا مثل التزوج بامرأة أخرى، أو تسرى بجارية، عرفت المرأة أن ذلك مباح ونهيت عن الشقاق، فان قبلت وإلا كان نشوزا، وإن كان بظلم من جهته أمره الحاكم بالواجب، وإن كان منهما أو كان الأمر متشابها، فالقول أيضاً ما قلناه.

المسألة السادسة: قال الشافعي رضي الله عنه: المستحب أن يبعث الحاكم عدلين ويجعلهما حكمين، والأولى أن يكون واحد من أهله وواحد من أهلها، لأن أقاربهما أعرف بحالهما من الأجانب، وأشد طلباً للصلاح، فان كانا أجنبيين جاز.

وفائدة الحكمين أن يخلو كل واحد منهما بصاحبه ويستكشف حقيقة الحال، ليعرف أن رغبته في الإقامة على النكاح، أو في المفارقة، ثم يجتمع الحكمان فيفعلان ما هو الصواب من إيقاع طلاق أو خلع.

المسألة السابعة: هل يجوز للحكمين تنفيذ أمر يلزم الزوجين بدون إذنهما، مثل أن يطلق حكم الرجل، أو يفتدى حكم المرأة بشيء من مالها؟

للشافعي فيه قولان: أحدهما: يجوز، وبه قال مالك واسحق.

والثاني: لا يجوز، وهو قول أبي حنيفة.

وعلى هذا هو وكالة كسائر الوكالات وذكر الشافعي رضي الله عنه حديث علي رضي الله عنه، وهو ما روى ابن سيرين عن عبيدة أنه قال جاء رجل وامرأة إلى علي رضي الله عنه، ومع كل واحد منهما جمع من الناس، فأمرهم علي بأن يبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، ثم قال للحكمين: تعرفان ما عليكما؟

عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله تعالى فيما علي ولي فيه.

فقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به.

قال الشافعي رضي الله عنه: وفي هذا الحديث لكل واحد من القولين دليل.

أما دليل القول الأول فهو أنه بعث من غير رضا الزوجين وقال: عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا، وأقل ما في قوله: عليكما، أن يجوز لهما ذلك.

وأما دليل القول الثاني: أن الزوج لما لم يرض توقف على، ومعنى قوله: كذبت، أي لست بمنصف في دعواك حيث لم تفعل ما فعلت هي.

ومن الناس من احتج للقول الأول بأنه تعالى سماهما حكمين.

والحكم هو الحاكم وإذا جعله حاكما فقد مكنه من الحكم، ومنهم من احتج للقول الثاني بأنه تعالى لما ذكر الحكمين، لم يضف إليهما إلا الإصلاح، وهذا يقتضي أن يكون ما وراء الاصلاح غير مفوض اليهما.

المسألة الثامنة: قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ أي شقاقا بين الزوجين، ثم إنه وإن لم يجر ذكرهما إلا أنه جرى ذكر ما يدل عليهما، وهو الرجال والنساء.

ثم قال تعالى: ﴿ إِن يُرِيدَا إصلاحا يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ إِن يُرِيدَا ﴾ وجوه: الأول: إن يرد الحكمان خيرا وإصلاحا يوفق الله بين الحكمين حتى يتفقا على ما هو خير.

الثاني: إن يرد الحكمان إصلاحا يوفق الله بين الزوجين.

الثالث: إن يرد الزوجان إصلاحا يوفق الله بين الزوجين.

الرابع: إن يرد الزوجان إصلاحا يوفق الله بين الحكمين حتى يعملا بالصلاح، ولا شك أن اللفظ محتمل لكل هذه الوجوه.

المسألة الثانية: أصل التوفيق الموافقة، وهي المساواة في أمر من الأمور، فالتوفيق اللطف الذي يتفق عنده فعل الطاعة، والآية دالة على أنه لا يتم شيء من الأغراض والمقاصد إلا بتوفيق الله تعالى، والمعنى أنه إن كانت نية الحكمين إصلاح ذات البين يوفق الله بين الزوجين.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ﴾ والمراد منه الوعيد للزوجين وللحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق.

النوع التاسع: من التكاليف المذكورة في هذه السورة قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

۞ وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًۭا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًۭا فَخُورًا ٣٦

واعلم أنه تعالى لما أرشد كل واحد من الزوجين إلى المعاملة الحسنة مع الآخر وإلى إزالة الخصومة والخشونة، أرشد في هذه الآية إلى سائر الأخلاق الحسنة وذكر منها عشرة أنواع.

النوع الأول: قوله: ﴿ واعبدوا الله ﴾ قال ابن عباس: المعنى وحدوه، واعلم أن العبادة عبارة عن كل فعل وترك يؤتى به لمجرد أمر الله تعالى بذلك، وهذا يدخل فيه جميع أعمال القلوب وجميع أعمال الجوارح، فلا معنى لتخصيص ذلك بالتوحيد، وتحقيق الكلام في العبادة قد تقدم في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ  ﴾ .

النوع الثاني: قوله: ﴿ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ وذلك لأنه تعالى لما أمر بالعبادة بقوله: ﴿ واعبدوا الله ﴾ أمر بالاخلاص في العبادة بقوله: ﴿ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ لأن من عبد مع الله غيره كان مشركاً ولا يكون مخلصاً، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين  ﴾ .

النوع الثالث: قوله: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ واتفقوا على أن هاهنا محذوفا، والتقدير: وأحسنوا بالوالدين إحسانا كقوله: ﴿ فَضَرْبَ الرقاب  ﴾ أي فاضربوها، ويقال: أحسنت بفلان، وإلى فلان.

قال كثير: أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومة *** لدنيا ولا مقلية إن تقلت واعلم أنه تعالى قرن إلزام بر الوالدين بعبادته وتوحيده في مواضع: أحدها: في هذه الآية.

وثانيها: قوله: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إلاّ إياه وبالوالدين إحسانا  ﴾ .

وثالثها: قوله: ﴿ أَنِ اشكر لِى ولوالديك إِلَىَّ المصير  ﴾ وكفى بهذا دلالة على تعظيم حقهما ووجوب برهما والاحسان اليهما.

ومما يدل على وجوب البر اليهما قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا  ﴾ وقال: ﴿ وَوَصَّيْنَا الإنسان بوالديه حسنًا  ﴾ وقال في الوالدين الكافرين: ﴿ وَإِن جاهداك على أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وصاحبهما فِي الدنيا مَعْرُوفاً  ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن استأذنه في الجهاد، فقال عليه السلام: «هل لك أحد باليمن؟» فقال: أبواي فقال: «أبواك أذنا لك؟» فقال: لا فقال: «فارجع واستاذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما».

واعلم أن الاحسان إلى الوالدين هو أن يقوم بخدمتهما، وألا يرفع صوته عليهما، ولا يخشن في الكلام معهما، ويسعى في تحصيل مطالبهما والانفاق عليهما بقدر القدرة من البر، وأن لا يشهر عليهما سلاحا، ولا يقتلهما، قال أبو بكر الرازي: إلا أن يضطر إلى ذلك بأن يخاف أن يقتله أن ترك قتله، فحينئذ يجوز له قتله؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك كان قد قتل نفسه بتمكين غيره منه، وذلك منهي عنه، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركا.

النوع الرابع: قوله تعالى: ﴿ وَبِذِى القربى ﴾ وهو أمر بصلة الرحم كما ذكر في أول السورة بقوله: ﴿ والأرحام  ﴾ .

واعلم أن الوالدين من الأقارب أيضا، إلا أن قرابة الولاد لما كانت مخصوصة بكونها أقرب القرابات وكانت مخصوصة بخواص لا تحصل في غيرها، لا جرم ميزها الله تعالى في الذكر عن سائر الأنواع، فذكر في هذه الآية قرابة الولاد، ثم أتبعها بقرابة الرحم.

النوع الخامس: قوله: ﴿ واليتامى ﴾ واعلم أن اليتيم مخصوص بنوعين من العجز: أحدهما: الصغر، والثاني: عدم المنفق، ولا شك أن من هذا حاله كان في غاية العجز واستحقاق الرحمة.

قال ابن عباس: يرفق بهم ويربيهم ويمسح رأسهم، وإن كان وصيا لهم فليبالغ في حفظ أموالهم.

النوع السادس: قوله: ﴿ والمساكين ﴾ واعلم أنه وان كان عديم المال إلا أنه لكبره يمكنه أن يعرض حال نفسه على الغير، فيجلب به نفعا أو يدفع به ضررا، وأما اليتيم فلا قدرة له عليه، فلهذا المعنى قدم الله اليتيم في الذكر على المسكين، والاحسان إلى المسكين اما بالاجمال اليه، أو بالرد الجميل.

كما قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا السائل فَلاَ تَنْهَرْ  ﴾ .

النوع السابع: قوله: ﴿ والجار ذِى القربى ﴾ قيل: هو الذي قرب جواره، والجار الجنب هو الذي بعد جواره.

قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ألا وإن الجوار أربعون داراً».

وكان الزهري يقول: أربعون يمنة، وأربعون يسرة، وأربعون أماما وأربعون خلفا.

وعن أبي هريرة قيل: يا رسول الله ان فلانة تصوم النهار وتصلي الليل وفي لسانها شيء يؤذي جيرانها، أي هي سليطة، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا خير فيها هي في النار».

وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفس محمد بيده لا يؤدي حق الجار إلا من رحم الله وقليل ما هم أتدرون ما حق الجار ان افتقر أغنيته وان استقرض أقرضته وان أصابه خير هنأته وان أصابه شر عزيته وان مرض عدته وان مات شيعت جنازته».

وقال آخرون: عني بالجار ذي القربى: القريب النسيب، وبالجار الجنب: الجار الأجنبي، وقرئ (والجار ذا القربى) نصبا على الاختصاص، كما قرئ ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى  ﴾ تنبيها على عظم حقه، لأنه اجتمع فيه موجبان.

الجوار والقرابة.

النوع الثامن: قوله: ﴿ والجار الجنب ﴾ وقد ذكرنا تفسيره.

قال الواحدي: الجنب نعت على وزن فعل، وأصله من الجنابة ضد القرابة وهو البعيد.

يقال: رجل جنب إذا كان غريبا متباعداً عن أهله، ورجل أجنبي وهو البعيد منك في القرابة.

وقال تعالى: ﴿ واجنبنى وَبَنِىَّ  ﴾ أي بعدني، والجانبان الناحيتان لبعد كل واحد منهما عن الآخر، ومنه الجنابة من الجماع لتباعده عن الطهارة وعن حضور المساجد للصلاة ما لم يغتسل، ومنه أيضا الجنبان لبعد كل واحد منهما عن الآخر.

وروى المفضل عن عاصم: ﴿ والجار الجنب ﴾ بفتح الجيم وسكون النون وهو يحتمل معنيين: أحدهما: أنه يريد بالجنب الناحية، ويكون التقدير: والجار ذي الجنب فحذف المضاف، لأن المعنى مفهوم والآخر: أن يكون وصفا على سبيل المبالغة، كما يقال: فلان كرم وجود.

النوع التاسع: قوله: ﴿ والصاحب بالجنب ﴾ وهو الذي صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقا في سفر، وإما جارا ملاصقا، وإما شريكا في تعلم أو حرفة، وإما قاعدا إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك، من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه، فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الاحسان.

قيل: الصاحب الجنب: المرأة فانها تكون معك وتضجع إلى جنبك.

النوع العاشر: قوله: ﴿ وابن السبيل ﴾ وهو المسافر الذي انقطع عن بلده، وقيل: الضيف.

النوع الحادي عشر: قوله: ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ .

واعلم أن الاحسان إلى المماليك طاعة عظيمة، روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ابتاع شيئا من الخدم فلم توافق شيمته شيمته فليبع وليشتر حتى توافق شيمته شيمته فان للناس شيما ولا تعذبوا عباد الله».

وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان آخر كلامه: «الصلاة وما ملكت أيمانكم».

وروي أنه كان رجل بالمدينة يضرب عبده، فيقول العبد أعوذ بالله ويستمعه الرسول عليه السلام، والسيد كان يزيده ضربا، فطلع الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: أعوذ برسول الله فتركه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله كان أحق أن يجار عائذه» قال يا رسول الله فانه حر لوجه الله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «والذي نفس محمد بيده لو لم تقلها لدافع وجهك سفع النار».

واعلم أن الاحسان اليهم من وجوه: أحدها: أن لا يكلفهم ما لا طاقة لهم به.

وثانيها: أن لا يؤذيهم بالكلام الخشن بل يعاشرهم معاشرة حسنة.

وثالثها: أن يعطيهم من الطعام والكسوة ما يحتاجون اليه.

وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الاماء البغاء، وهو الكسب بفروجهن وبضوعهن.

وقال بعضهم: كل حيوان فهو مملوك، والاحسان إلى الكل بما يليق به طاعة عظيمة.

واعلم أن ذكر اليمين تأكيد وهو كما يقال: مشت رجلك، وأخذت يدك، قال عليه الصلاة والسلام: «على اليد ما أخذت».

وقال تعالى: ﴿ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أنعاما  ﴾ ولما ذكر تعالى هذه الأصناف قال: ﴿ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ﴾ والمختال ذو الخيلاء والكبر.

قال ابن عباس: يريد بالمختال العظيم في نفسه الذي لا يقوم بحقوق أحد.

قال الزجاج: وإنما ذكر الاختيال هاهنا، وذكرنا اشتقاق هذه اللفظة عند قوله: ﴿ والخيل المسومة  ﴾ ومعنى الفخر التطاول، والفخور الذي يعدد مناقبه كبرا وتطاولا.

قال ابن عباس: هو الذي يفخر على عباد الله بما أعطاه الله من أنواع نعمه، وإنما خص الله تعالى هذين الوصفين بالذم في هذا الموضع، لأن المختال هو المتكبر، وكل من كان متكبرا فانه قلما يقوم برعاية الحقوق، ثم أضاف اليه ذم الفخور لئلا يقدم على رعاية هذه الحقوق لأجل الرياء والسمعة، بل لمحض أمر الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا ٣٧

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي: ﴿ بالبخل ﴾ بفتح الباء والخاء، وفي الحديد مثله، وهي لغة الانصار، والباقون ﴿ بالبخل ﴾ بضم الباء والخاء وهي اللغة العالية.

المسألة الثانية: الذين يبخلون: بدل من قوله: ﴿ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ﴾ والمعنى: ان الله لا يحب من كان مختالا فخورا ولا يحب الذين يبخلون، أو نصب على الذم.

ويجوز أن يكون رفعا على الذم، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف كأنه قيل: الذين يبخلون ويفعلون ويصنعون: أحقاء بكل ملامة.

المسألة الثالثة: قال الواحدي: البخل فيه أربع اللغات: البخل.

مثل القفل، والبخل مثل الكرم، والبخل مثل الفقر، والبخل بضمتين.

ذكره المبرد، وهو في كلام العرب عبارة عن منع الاحسان، وفي الشريعة منع الواجب.

المسألة الرابعة: قال ابن عباس: انهم اليهود، بخلوا أن يعترفوا بما عرفوا من نعت محمد عليه الصلاة والسلام وصفته في التوراة، وأمروا قومهم أيضا بالكتمان ﴿ وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ ﴾ يعني من العلم بما في كتابهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَأَعْتَدْنَا ﴾ في الآخرة لليهود ﴿ عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ واحتج من نصر هذا القول: بأن ذكر الكافر في آخر الآية يدل على أن المراد بأولها الكافر.

وقال آخرون: المراد منه البخل بالمال، لأنه تعالى ذكره عقيب الآية التي أوجب فيها رعاية حقوق الناس بالمال، فانه قال: ﴿ وبالوالدين إحسانا وَبِذِى القربى واليتامى والمساكين والجار ذِى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل  ﴾ ومعلوم أن الاحسان إلى هؤلاء إنما يكون بالمال، ثم ذم المعرضين عن هذا الاحسان فقال: ﴿ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً  ﴾ ثم عطف عليه ﴿ الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل ﴾ فوجب أن يكون هذا البخل بخلا متعلقا بما قبله، وما ذاك إلا البخل بالمال.

والقول الثالث: أنه عام في البخل بالعلم والدين، وفي البخل بالمال، لأن اللفظ عام، والكل مذموم، فوجب كون اللفظ متناولا للكل.

المسألة الخامسة: أنه تعالى ذكر في هذه الآية من الأحوال المذمومة ثلاثا: أولها: كون الإنسان بخيلا وهو المراد بقوله: ﴿ الذين يَبْخَلُونَ ﴾ .

وثانيها: كونهم آمرين لغيرهم بالبخل، وهذا هو النهاية في حب البخل، وهو المراد بقوله: ﴿ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل ﴾ .

وثالثها: قوله: ﴿ وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ ﴾ فيوهمون الفقر مع الغنى، والاعسار مع اليسار، والعجز مع الامكان، ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر، مثل أن يظهر الشكاية عن الله تعالى، ولا يرضى بالقضاء والقدر، وهذا ينتهي إلى حد الكفر، فلذلك قال: ﴿ وَأَعْتَدْنَا للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ ومن قال: الآية مخصوصة باليهود، فكلامه في هذا الموضع ظاهر، لأن من كتم الدين والنبوة فهو كافر، ويمكن أيضاً أن يكون المراد من هذا الكافر، من يكون كافرا بالنعمة، لا من يكون كافرا بالدين والشرع.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۗ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَهُۥ قَرِينًۭا فَسَآءَ قَرِينًۭا ٣٨

وفيه مسائل: المسألة الأولى: إن شئت عطفت ﴿ الذين ﴾ في هذه الآية على ﴿ الذين ﴾ في الآية التي قبلها، وإن شئت جعلته في موضع خفض عطفا على قوله: ﴿ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً  ﴾ .

المسألة الثانية: قال الواحدي: نزلت في المنافقين، وهو الوجه لذكر الرئاء، وهو ضرب من النفاق.

وقيل: نزلت في مشركي مكة المنفقين على عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم، والأولى أن يقال: إنه تعالى لما أمر بالاحسان إلى أرباب الحاجات، بين أن من لا يفعل ذلك قسمان: فالأول: هو البخيل الذي لا يقدم على إنفاق المال ألبتة، وهم المذمومون في قوله: ﴿ الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل  ﴾ والثاني: الذين ينفقون أموالهم، لكن لا لغرض الطاعة، بل لغرض الرياء والسمعة، فهذه الفرقة أيضا مذمومة، ومتى بطل القول بهذين القسمين لم يبق إلا القسم الأول.

وهو إنفاق الأموال لغرض الاحسان.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يَكُنِ الشيطان لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً ﴾ .

والمعنى: أن الشيطان قرين لأصحاب هذه الأفعال كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ  ﴾ وبين تعالى أنه بئس القرين، إذ كان يضله عن دار النعيم ويورده نار السعير وهو كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَٰنٍ مَّرِيدٍ  كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ  ﴾ .

ثم أنه تعالى عيرهم وبين سوء اختيارهم في ترك الايمان.

<div class="verse-tafsir"

وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ٣٩

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ ﴾ استفهام بمعنى الانكار، ويجوز أن يكون ماذا اسما واحدا، فيكون المعنى: وأي الشيء عليهم، ويجوز أن يكون ذا في معنى الذي، ويكون ما وحدها اسما، ويكون المعنى: وما الذي عليهم لو آمنوا.

المسألة الثانية: احتج القائلون بأن الايمان يصح على سبيل التقليد بهذه الآية فقالوا: إن قوله تعالى: ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءامَنُواْ ﴾ مشعر بأن الاتيان بالايمان في غاية السهولة، ولو كان الاستدلال معتبرا لكان في غاية الصعوبة، فانا نرى المستدلين تفرغ أعمارهم ولا يتم استدلالهم، فدل هذا على أن التقليد كاف.

أجاب المتكلمون بأن الصعوبة في التفاصيل، فأما الدلائل على سبيل الجملة فهي سهلة، واعلم أن في هذا البحث غورا.

المسألة الثالثة: احتج جمهور المعتزلة بهذه الآية وضربوا له أمثلة، قال الجبائي: ولو كانوا غير قادرين لم يجز أن يقول الله ذلك، كما لا يقال لمن هو في النار معذب: ماذا عليهم لو خرجوا منها وصاروا إلى الجنة، وكما لا يقال للجائع الذي لا يقدر على الطعام: ماذا عليه لو أكل.

وقال الكعبي: لا يجوز أن يحدث فيه الكفر ثم يقول: ماذا عليه لو آمن.

كما لا يقال لمن أمرضه: ماذا عليه لو كان صحيحا، ولا يقال للمرأة: ماذا عليها لو كانت رجلا، وللقبيح: ماذا عليه لو كان جميلا، وكما لا يحسن هذا القول من العاقل كذا لا يحسن من الله تعالى، فبطل بهذا ما يقال: إنه وإن قبح من غيره، لكنه يحسن منه لأن الملك ملكه.

وقال القاضي عبد الجبار: إنه لا يجوز أن يأمر العاقل وكيله بالتصرف في الضيعة ويحبسه من حيث لا يتمكن من مفارقة الحبس، ثم يقول له: ماذا عليك لو تصرفت في الضيعة، وإذا كان من يذكر مثل هذا الكلام سفيها دل على أن ذلك غير جائز على الله تعالى، فهذا جملة ما ذكروه من الأمثلة.

واعلم أن التمسك بطريقة المدح والذم والثواب والعقاب قد كثر للمعتزلة، ومعارضتهم بمسألتي العلم والداعي قد كثرت، فلا حاجة إلى الاعادة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكَانَ الله بهم عَلِيماً ﴾ والمعنى أن القصد إلى الرئاء إنما يكون باطنا غير ظاهر، فبين تعالى أنه عليم ببواطن الأمور كما هو عليم بظواهرها، فان الإنسان متى اعتقد ذلك صار ذلك كالرادع له عن القبائح من أفعال القلوب: مثل داعية النفاق والرياء والسمعة.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةًۭ يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًۭا ٤٠

اعلم أن تعلق هذه الآية هو بقوله تعالى: ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءامَنُواْ بالله واليوم الأخر وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ الله  ﴾ فكأنه قال: فان الله لا يظلم من هذه حاله مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها، فرغب بذلك في الايمان والطاعة.

واعلم أن هذه الآية مشتملة على الوعد بأمور ثلاثة: الأول: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الذرة النملة الحمراء الصغيرة في قول أهل اللغة.

وروي عن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها، ثم قال: كل واحد من هذه الأشياء ذرة و ﴿ مِثْقَالَ ﴾ مفعال من الثقل يقال: هذا على مثقال هذا، أي وزن هذا، ومعنى ﴿ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ أي ما يكون وزنه وزن الذرة.

واعلم أن المراد من الآية أنه تعالى لا يظلم قليلا ولا كثيراً، ولكن الكلام خرج على أصغر ما يتعارفه الناس يدل عليه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئًا  ﴾ .

المسألة الثانية: قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على أنه تعالى ليس خالقا لأعمال العباد، لأن من جملة تلك الأعمال ظلم بعضهم بعضا، فلو كان موجد ذلك الظلم هو الله تعالى لكان الظالم هو الله، وأيضاً لو خلق الظلم في الظالم، ولا قدرة لذلك الظالم على تحصيل ذلك الظلم عند عدمه، ولا على دفعه بعد وجوده، ثم إنه تعالى يقول لمن هذا شأنه وصفته: لم ظلمت ثم يعاقبه عليه، كان هذا محض الظلم، والآية دالة على كونه تعالى منزها عن الظلم.

والجواب: المعارضة بالعلم والداعي على ما سبق مراراً لا حد لها، وقد ذكرنا أن استدلالات هؤلاء المعتزلة وإن كثرت وعظمت، إلا أنها ترجع إلى حرف واحد، وهو التمسك بالمدح والذم والثواب والعقاب، والسؤال على هذا الحرف معين، وهو المعارضة بالعلم والداعي، فكلما أعادوا ذلك الاستدلال أعدنا عليهم هذا السؤال.

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: الآية تدل على أنه قادر على الظلم لأنه تمدح بتركه، ومن تمدح بترك فعل قبيح لم يصح منه ذلك التمدح، إلا إذا كان هو قادرا عليه، ألا ترى أن الزمن لا يصح منه أن يتمدح بأنه لا يذهب في الليالي إلى السرقة.

والجواب أنه تعالى تمدح بأنه لا تأخذه سنة ولا نوم، ولم يلزم أن يصح ذلك عليه، وتمدح بأنه لا تدركه الأبصار، ولم يدل ذلك عند المعتزلة على أنه يصح أن تدركه الأبصار.

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: الآية دالة على أن العبد يستحق الثواب على طاعته وأنه تعالى لو لم يثبه لكان ظالما، لأنه تعالى بين في هذه الآية أنه لو لم يثبهم على أعمالهم لكان قد ظلمهم، وهذا لا يصح إلا إذا كانوا مستحقين للثواب على أعمالهم.

والجواب: أنه تعالى وعدهم بالثواب على تلك الأفعال، فلو لم يثبهم عليها لكان ذلك في صورة ظلم، فلهذا أطلق عليه اسم الظلم، والذي يدل على أن الظلم محال من الله، أن الظلم مستلزم للجهل والحاجة عندكم، وهما محالان على الله، ومستلزم المحال محال، والمحال غير مقدور.

وأيضاً الظلم عبارة عن التصرف في ملك الغير، والحق سبحانه لا يتصرف إلا في ملك نفسه، فيمتنع كونه ظالما.

وأيضاً: الظالم لا يكون إلها والشيء لا يصح إلا إذا كانت لوازمه صحيحة، فلو صح منه الظلم لكان زوال إلهيته صحيحاً، ولو كان كذلك لكانت إلهيته جائزة الزوال، وحينئذ يحتاج في حصول صفة الالهية له إلى مخصص وفاعل، وذلك على الله محال.

المسألة الخامسة: قالت المعتزلة: إن عقاب قطرة من الخمر يزيل ثواب الايمان والطاعة مدة مائة سنة.

وقال أصحابنا: هذا باطل؛ لأنا نعلم بالضرورة أن ثواب كل تلك الطاعات العظيمة تلك السنن المتطاولة، أزيد من عقاب شرب هذه القطرة، فاسقاط ذلك الثواب العظيم بعقاب هذا القدر من المعصية ظلم، وإنه منفي بهذه الآية.

المسألة السادسة: قال الجبائي: إن عقاب الكبيرة يحبط ثواب جملة الطاعات، ولا ينحبط من ذلك العقاب شيء.

وقال ابنه أبو هاشم: بل ينحبط.

واعلم أن هذا المشروع صار حجة قوية لأصحابنا في بطلان القول بالاحباط فانا نقول: لو انحبط ذلك الثواب لكان إما أن يحبط مثله من العقاب أولا يحبط، والقسمان باطلان.

فالقول بالاحباط باطل.

إنما قلنا إنه لا يجوز انحباط كل واحد منهما بالآخر، لأنه إذا كان سبب عدم كل واحد منهما وجود الآخر، فلو حصل العدمان معا لحصل الوجدان معا، ضرورة أن العلة لابد وأن تكون حاصلة مع المعلول، وذلك محال.

وإنما قلنا: إنه لا يجوز انحباط الطاعة بالمعصية مع أن المعصية لا تنحبط بالطاعة، لأن تلك الطاعات لم ينتفع العبد بها ألبتة، لا في جلب ثواب، ولا في دفع عقاب وذلك ظلم، وهو ينافي قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ ولما بطل القسمان ثبت القول بفساد الاحباط على ما تقوله المعتزلة.

المسألة السابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المؤمنين يخرجون من النار إلى الجنة، فقالوا: لا شك أن ثواب الايمان، والمداومة على التوحيد، والاقرار بأنه هو الموصول بصفات الجلال والاكرام، والمواظبة على وضع الجبين على تراب العبودية مائة سنة: أعظم ثوابا من عقاب شرب الجرعة من الخمر، فاذا حضر هذا الشارب يوم القيامة وأسقط عنه قدر عقاب هذا المعصية من ذلك الثواب العظيم فضل له من الثواب قدر عظيم، فاذا أدخل النار بسبب ذلك القدر من العقاب، فلو بقي هناك لكان ذلك ظلما وهو باطل، فوجب القطع بأنه يخرج إلى الجنة.

النوع الثاني: من الأمور التي اشتملت عليها هذه الآية: قوله تعالى: ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ بالرفع على تقديره كان التامة، والمعنى: وإن حدثت حسنة، أو وقعت حسنة، والباقون بالنصب على تقدير كان الناقصة والتقدير: وإن تك زنة الذرة حسنة.

وقرأ ابن كثير وابن عامر ﴿ يضاعفها ﴾ بالتشديد من غير ألف من التضعيف، والباقون ﴿ يضاعفها ﴾ بالألف والتخفيف من المضاعفة.

المسألة الثانية: تك: أصله من كان يكون وأصله تكون سقطت الضمة للجزم، وسقطت الواو لسكونها وسكون النون فصار تكن ثم حذفوا النون أيضا لأنها ساكنة.

وهي تشبه حروف اللين، وحروف اللين إذا وقعت طرفا سقطت للجزم، كقولك: لم أدر، أي لا أدري وجاء القرآن بالحذف والاثبات، أما الحذف فههنا، وأما الاثبات، فكقوله: ﴿ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً  ﴾ .

المسألة الثالثة: ان الله تعالى بين بقوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ أنه لا يبخسهم حقهم أصلا، وبين بهذه الآية أن الله تعالى يزيدهم على استحقاقهم.

واعلم أن المراد من هذه المضاعفة ليس هو المضاعفة في المدة، لأن مدة الثواب غير متناهية، وتضعيف غير المتناهي محال، بل المراد أنه تعالى يضعفه بحسب المقدار: مثلا يستحق على طاعته عشرة أجزاء من الثواب، فيجعله عشرين جزءاً، أو ثلاثين جزءاً، أو أزيد.

روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان ابن فلان، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه، ثم يقال له: أعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا؟

فيقول الله لملائكته: انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها فان بقي مثقال ذرة من حسنة ضعفها الله تعالى لعبده وأدخله الجنة بفضله ورحمته.

مصداق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها ﴾ وقال الحسن: قوله: ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها ﴾ هذا أحب إلى العلماء مما لو قال: في الحسنة الواحدة مائة ألف حسنة، لأن ذلك الكلام يكون مقداره معلوماً أما هذه العبارة فلا يعلم كمية ذلك التضعيف إلاّ الله تعالى، وهو كقوله في ليلة القدر إنها خير من ألف شهر.

وقال أبو عثمان النهدي: بلغني عن أبي هريرة أنه قال: إن الله ليعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة، فقدر الله أن ذهبت إلى مكة حاجاً أو معتمرا فألفيته فقلت: بلغني عنك أنك تقول: إن الله يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة قال أبو هريرة: لم أقل ذلك، ولكن قلت: إن الحسنة تضاعف بألفي ألف ضعف، ثم تلا هذه الآية وقال: إذا قال الله: ﴿ أَجْراً عَظِيماً ﴾ فمن يقدر قدره.

النوع الثالث: من الأمور التي اشتملت هذه الآية عليها قوله تعالى: ﴿ وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: لدن: بمعنى عند إلا أن لدن أكثر تمكينا، يقول الرجل: عندي مال إذا كان ماله ببلد آخر، ولا يقال: لدي مال ولا لدني، إلا ما كان حاضرا.

المسألة الثانية: اعلم أنه لابد من الفرق بين هذا وبين قوله: ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها ﴾ والذي يحظر ببالي والعلم عند الله، أن ذلك التضعيف يكون من جنس ذلك الثواب، وأما هذا الأجر العظيم فلا يكون من جنس ذلك الثواب، والظاهر أن ذلك التضعيف يكون من جنس اللذات الموعد بها في الجنة، وأما هذا الأجر العظيم الذي يؤتيه من لدنه، فهو اللذة الحاصلة عند الرؤية، وعند الاستغراق في المحبة والمعرفة، وإنما خص هذا النوع بقوله: ﴿ مِن لَّدُنْهُ ﴾ لأن هذا النوع من الغبطة والسعادة والبهجة والكمال، لا ينال بالأعمال الجسدانية، بل إنما ينال بما يودع الله في جوهر النفس القدسية من الاشراق والصفاء والنور، وبالجملة فذلك التضعيف إشارة إلى السعادة الجسمانية، وهذا الأجر العظيم إشارة إلى السعادة الروحانية.

<div class="verse-tafsir"

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍۢ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًۭا ٤١ يَوْمَئِذٍۢ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَعَصَوُا۟ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًۭا ٤٢

وجه النظم هو أنه تعالى بين أن في الآخرة لا يجري على أحد ظلم، وأنه تعالى يجازي المحسن على إحسانه ويزيده على قدر حقه، فبين تعالى في هذه الآية أن ذلك يجري بشهادة الرسل الذين جعلهم الله الحجة على الخلق، لتكون الحجة على المسئ أبلغ، والتبكيت له أعظم وحسرته أشد، ويكون سرور من قبل ذلك من الرسول وأظهر الطاعة أعظم، ويكون هذا وعيداً للكفار الذين قال الله فيهم: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ ووعداً للمطيعين الذين قال الله فيهم: ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها  ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود: إقرأ القرآن علي قال: فقلت يا رسول الله أنت الذي علمتنيه فقال: أحب أن أسمعه من غيري قال ابن مسعود: فافتتحت سورة النساء، فلما انتهيت إلى هذه الآية بكى الرسول صلى الله عليه وسلم، قال ابن مسعود فأمسكت عن القراءة.

وذكر السدي أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم يشهدون للرسل بالبلاغ، والرسول صلى الله عليه وسلم يشهد لأمته بالتصديق، فلهذا قال: ﴿ جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  ﴾ وحكي عن عيسى عليه السلام أنه قال: ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ  ﴾ .

المسألة الثانية: من عادة العرب أنهم يقولون في الشيء الذي يتوقعونه: كيف بك إذا كان كذا وكذا، وإذا فعل فلان كذا، وإذا جاء وقت كذا، فمعنى هذا الكلام: كيف ترون يوم القيامة إذا استشهد الله على كل امة برسولها، واستشهدك على هؤلاء، يعني قومه المخاطبين بالقرآن الذين شاهدهم وعرف أحوالهم.

ثم إن أهل كل عصر يشهدون على غيرهم ممن شاهدوا أحوالهم، وعلى هذا الوجه قال عيسى عليه السلام: ﴿ وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم ﴾ .

ثم انه تعالى وصف ذلك اليوم فقال: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول ﴾ يقتضي كون عصيان الرسول مغايرا للكفر.

لأن عطف الشيء على نفسه غير جائز، فوجب حمل عصيان الرسول على المعاصي المغايرة للكفر، إذا ثبت هذا فنقول: الآية دالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الاسلام، وأنهم كما يعاقبون يوم القيامة على الكفر فيعاقبون أيضا على تلك المعاصي.

لأنه لو لم يكن لتلك المعصية أثر في هذا المعنى لما كان في ذكر معصيتهم في هذا الموضع أثر.

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو ﴿ تسوى ﴾ مضمومة التاء خفيفة السين على ما لم يسم فاعله، وقرأ نافع وابن عامر ﴿ تسوى ﴾ مفتوحة التاء مشددة السين بمعنى: تتسوى، فأدغم التاء في السين لقربها منها، ولا يكره اجتماع التشديدين في هذه القراءة لأن لها نظائر في التنزيل كقوله: ﴿ اطيرنا بِكَ  ﴾ ﴿ وازينت  ﴾ ﴿ ويذكرون  ﴾ وفي هذه القراءة اتساع، وهو إسناد الفعل إلى الأرض وقرأ حمزة والكسائي ﴿ تسوى ﴾ مفتوحة التاء والسين خفيفة، حذفا التاء التى أدغمها نافع، لأنها كما اعتلت بالادغام اعتلت بالحذف.

المسألة الثالثة: ذكروا في تفسير قوله: ﴿ لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض ﴾ وجوها: الأول: لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى.

والثاني: يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء.

الثالث: تصير البهائم ترابا فيودون حالها كقوله: ﴿ ياليتنى كُنتُ ترابا  ﴾ .

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾ فيه لأهل التأويل طريقان: الأول: أن هذا متصل بما قبله.

والثاني: أنه كلام مبتدأ، فاذا جعلناه متصلا احتمل وجهين: أحدهما: ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما: يودون لو تنطبق عليهم الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا كفروا به ولا نافقوا، وعلى هذا القول: الكتمان عائد إلى ما كتموا من أمر محمد صلى الله عليه وسلم.

الثاني: أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله تعالى يغفر لأهل الاسلام ولا يغفر شركا، قالوا: تعالوا فلنجحد فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، رجاء أن يغفر الله لهم، فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يعملون، فهنالك يودون أنهم كانوا ترابا ولم يكتموا الله حديثا.

الطريق الثاني في التأويل: أن هذا الكلام مستأنف، فان ما عملوه ظاهر عند الله، فكيف يقدرون على كتمانه؟

المسألة الخامسة: فان قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله: ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ .

والجواب من وجوه: الأول: أن مواطن القيامة كثيرة، فموطن لا يتكلمون فيه وهو قوله: ﴿ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً  ﴾ وموطن يتكلمون فيه كقوله: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء  ﴾ وقولهم: ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ فيكذبون في مواطن، وفي مواطن يعترفون على أنفسهم بالكفر ويسألون الرجعة وهو قولهم: ﴿ ياليتنا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذّبَ بئايات رَبّنَا  ﴾ وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم وجلودهم، فنعوذ بالله من خزي ذلك اليوم.

الثاني: أن هذا الكتمان غير واقع، بل هو داخل في التمني على ما بينا.

الثالث: أنهم لم يقصدوا الكتمان، وإنما أخبروا على حسب ما توهموا، وتقديره: والله ما كنا مشركين عند أنفسنا، بل مصيبين في ظنوننا حتى تحققنا الآن.

وسيجيء الكلام في هذه المسألة في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى.

النوع العاشر: من التكاليف المذكورة في هذه السورة.

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ٤٣

في الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب النزول وجهين: الأول: أن جماعة من أفاضل الصحابة صنع لهم عبد الرحمن بن عوف طعاما وشرابا حين كانت الخمر مباحة فأكلوا وشربوا، فلما ثملوا جاء وقت صلاة المغرب فقدموا أحدهم ليصلي بهم.

فقرأ: أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد، فنزلت هذه الآية، فكانوا لا يشربون في أوقات الصلوات، فإذا صلوا العشاء شربوها، فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون، ثم نزل تحريمها على الإطلاق في سورة المائدة.

وعن عمر رضي الله عنه أنه لما بلغه ذلك قال: اللهم إن الخمر تضر بالعقول والأموال، فأنزل فيها أمرك فصبحهم الوحي بآية المائدة.

الثاني: قال ابن عباس: نزلت في جماعة من أكابر الصحابة قبل تحريم الخمر كانوا يشربونها ثم يأتون المسجد للصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فنهاهم الله عنه.

المسألة الثانية: في لفظ الصلاة قولان: أحدهما: المراد منه المسجد، وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن، وإليه ذهب الشافعي.

واعلم أن إطلاق لفظ الصلاة على المسجد محتمل، ويدل عليه وجهان: الأول: أنه يكون من باب حذف المضاف، أي لا تقربوا موضع الصلاة، وحذف المضاف مجاز شائع، والثاني: قوله: ﴿ لَّهُدّمَتْ صوامع وَبِيَعٌ وصلوات  ﴾ والمراد بالصلوات مواضع الصلوات، فثبت أن إطلاق لفظ الصلاة والمراد به المسجد جائز.

والقول الثاني: وعليه الأكثرون: أن المراد بالصلاة في هذه الآية نفس الصلاة، أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى.

واعلم أن فائدة الخلاف تظهر في حكم شرعي، وهو أن على التقدير الأول يكون المعنى: لا تقربوا المسجد وأنتم سكارى ولا جنبا إلا عابري سبيل، وعلى هذا الوجه يكون الاستثناء دالا على أنه يجوز للجنب العبور في المسجد، وهو قول الشافعي.

وأما على القول الثاني فيكون المعنى: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، ولا تقربوها حال كونكم جنباً إلا عابري سبيل، والمراد بعابر السبيل المسافر، فيكون هذا الاستثناء دليلا على أنه يجوز للجنب الإقدام على الصلاة عند العجز عن الماء.

قال أصحاب الشافعي: هذا القول الأول أرجح، ويدل عليه وجوه: الأول: أنه قال: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة ﴾ والقرب والبعد لا يصحان على نفس الصلاة على سبيل الحقيقة، إنما يصحان على المسجد.

الثاني: أنا لو حملناه على ما قلنا لكان الاستثناء صحيحا، أما لو حملناه على ما قلتم لم يكن صحيحا، لأن من لم يكن عابر سبيل وقد عجز عن استعمال الماء بسبب المرض الشديد، فإنه يجوز له الصلاة بالتيمم، وإذا كان كذلك كان حمل الآية على ذلك أولى.

الثالث: أنا إذا حملنا عابر السبيل على الجنب المسافر، فهذا إن كان واجدا للماء لم يجز له القرب من الصلاة ألبتة، فحينئذ يحتاج إلى إضمار هذا الاستثناء في الآية، وإن لم يكن واجدا للماء لم يجز له الصلاة إلا مع التيمم، فيفتقر إلى إضمار هذا الشرط في الآية، وأما على ما قلناه فانا لا نفتقر إلى إضمار شيء في الآية فكان قولنا أولى.

الرابع: أن الله تعالى ذكر حكم السفر وعدم الماء، وجواز التييم بعد هذا، فلا يجوز حمل هذا على حكم مذكور في آية بعد هذه الآية، والذي يؤكده أن القراء كلهم استحبوا الوقف عند قوله: ﴿ حتى تَغْتَسِلُواْ ﴾ ثم يستأنف قوله: ﴿ وَإِنْ كُنتُم مرضى ﴾ لأنه حكم آخر.

وأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا لم نحتج فيه إلى هذه الالحاقات فكان ما قلناه أولى.

ولمن نصر القول الثاني أن يقول: إن قوله تعالى: ﴿ حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ﴾ يدل على أن المراد من قوله: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة ﴾ نفس الصلاة لأن المسجد ليس فيه قول مشروع يمنع السكر منه، أما الصلاة ففيها أقوال مخصوصة يمنع السكر منها، فكان حمل الآية على هذا أولى، وللقائل الأول أن يجيب بأن الظاهر أن الإنسان إنما يذهب إلى المسجد لأجل الصلاة، فما يخل بالصلاة كان كالمانع من الذهاب إلى المسجد فلهذا ذكر هذا المعنى.

المسألة الثالثة: قال الواحدي رحمه الله: السكارى جمع سكران، وكل نعت على فعلان فإنه يجمع على: فعالى وفعالى، مثل كسالى وكسالى، وأصل السكر في اللغة سد الطريق، ومن ذلك سكر البثق وهو سده، وسكرت عينه سكرا إذا تحيرت، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا سُكّرَتْ أبصارنا  ﴾ أي غشيت فليس ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقيقتها، ومن ذلك سكر الماء وهو رده على سننه في الجري.

والسكر من الشراب وهو أن ينقطع عما عليه من النفاذ حال الصحو، فلا ينفذ رأيه على حد نفاذه في حال صحوه.

إذا عرفت هذا فنقول: في لفظ السكارى في هذه الآية قولان: الأول: المراد منه السكر من الخمر وهو نقيض الصحو، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين.

والقول الثاني: وهو قول الضحاك: وهو أنه ليس المراد منه سكر الخمر، إنما المراد منه سكر النوم، قال: ولفظ السكر يستعمل في النوم فكان هذا اللفظ محتملا له، والدليل دل عليه فوجب المصير إليه، أما بيان أن اللفظ محتمل له فمن وجهين: الأول: ما ذكرنا: أن لفظ السكر في أصل اللغة عبارة عن سد الطريق، ولا شك أن عند النوم تمتلئ مجاري الروح من الأبخرة الغليظة فتنسد تلك المجاري بها، ولا ينفذ الروح الباصر والسامع إلى ظاهر البدن.

الثاني: قول الفرزدق: من السير والادلاج يحسب انما *** سقاه الكرى في كل منزلة خمرا وإذا ثبت أن اللفظ محتمل له فنقول: الدليل دل عليه، وبيانه من وجوه: الأول: أن قوله تعالى: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ﴾ ظاهره أنه تعالى نهاهم عن القرب من الصلاة حال صيرورتهم بحيث لا يعلمون ما يقولون، وتوجيه التكليف على مثل هذا الإنسان ممتنع بالعقل والنقل، أما العقل فلأن تكليف مثل هذا الإنسان يقتضي تكليف ما لا يطاق، وأما النقل فهو قوله عليه الصلاة والسلام: رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ ولا شك أن هذا السكران يكون مثل المجنون، فوجب ارتفاع التكليف عنه.

والحجة الثانية: قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا نعس أحدكم وهو في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإنه إذا صلى وهو ينعس لعله يذهب ليستغفر فيسب نفسه» هذا تقرير قول الضحاك.

واعلم أن الصحيح هو القول الأول، ويدل عليه وجهان: الأول: أن لفظ السكر حقيقة في السكر من شرب الخمر، والأصل في الكلام الحقيقة، فأما حمله على السكر من العشق، أو من الغضب أو من الخوف، أو من النوم، فكل ذلك مجاز، وإنما يستعمل مقيدا.

قال تعالى: ﴿ وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ  ﴾ وقال: ﴿ وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى  ﴾ الثاني: أن جميع المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية إنما نزلت في شرب الخمر وقد ثبت في أصول الفقه أن الآية إذا نزلت في واقعة معينة ولأجل سبب معين، امتنع أن لا يكون ذلك السبب مراداً بتلك الآية، فأما قول الضحاك كيف يتناوله النهي حال كونه سكران؟

فنقول: وهذا أيضا لازم عليكم، لأنه يقال: كيف يتناوله النهي وهو نائم لا يفهم شيئا؟

ثم الجواب عنه: إن المراد من الآية النهي عن الشرب المؤدي إلى السكر المخل بالفهم حال وجوب الصلاة عليهم، فخرج اللفظ عن النهي عن الصلاة في حال السكر مع أن المراد منه النهي عن الشرب الموجب للسكر في وقت الصلاة.

وأما الحديث الذي تمسك به فذاك لا يدل على أن السكر المذكور في الآية هو النوم.

المسألة الرابعة: قال بعضهم: هذه الآية منسوخة بآية المائدة، وأقول: الذي يمكن ادعاء النسخ فيه أنه يقال: نهى عن قربان الصلاة حال السكر ممدودا إلى غاية أن يصير بحيث يعلم ما يقول والحكم الممدود إلى غاية يقتضي انتهاء ذلك الحكم عند تلك الغاية، فهذا يقتضي جواز قربان الصلاة مع السكر إذا صار بحيث يعلم ما يقول، ومعلوم أن الله تعالى لما حرم الخمر بآية المائدة فقد رفع هذا الجواز، فثبت أن آية المائدة ناسخة لبعض مدلالوت هذه الآية.

هذا ما خطر ببالي في تقرير هذا النسخ.

والجواب عنه: أنا بينا أن حاصل هذا النهي راجع إلى النهي عن الشرب الموجب للسكر عند القرب من الصلاة، وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه الا على سبيل الظن الضعيف، ومثل هذا لا يكون نسخا.

المسألة الخامسة: قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ سكارى ﴾ بفتح السين و(سكرى) على أن يكون جمعا نحو: هلكى، وجوعى.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ ﴾ قوله: ﴿ وَلاَ جُنُباً ﴾ عطف على قوله: ﴿ وَأَنتُمْ سكارى ﴾ والواو هاهنا للحال، والتقدير: لا تقربوا الصلاة حال ما تكونون سكارى، وحال ما تكونون جنبا، والجنب يستوي فيه الواحد والجمع، المذكر والمؤنث، لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الأجناب.

وقد ذكرنا أن أصل الجنابة البعد، وقيل للذي يجب عليه الغسل: جنب، لأنه يجتنب الصلاة والمسجد وقراءة القرآن حتى يتطهر.

ثم قال: ﴿ إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ ﴾ وقد ذكرنا أن فيه قولين: أحدهما: أن هذا العبور المراد منه العبور في المسجد.

الثاني: أن المراد بقوله: ﴿ إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ ﴾ المسافرون، وبينا كيفية ترجيح أحدهما على الآخر.

قوله تعالى: ﴿ وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفواً غفوراً ﴾ .

اعلم أنه تعالى ذكر هاهنا أصنافاً أربعة: المرضى، والمسافرين، والذين جاؤا من الغائط، والذين لامسوا النساء.

فالقسمان الأولان: يلجئان إلى التيمم، وهما المرض والسفر.

والقسمان الأخيران: يوجبان التطهر بالماء عند وجود الماء، وبالتيمم عند عدم الماء، ونحن نذكر حكم كل واحد من هذه الأقسام: أما السبب الأول: هو المرض، فاعلم أنه على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون بحيث لو استعمل الماء لمات، كما في الجدري الشديد والقروح العظيمة.

وثانيها، أن لا يموت باستعمال الماء ولكنه يجد الآلام العظيمة.

وثالثها: أن لا يخاف الموت والآلام الشديدة.

لكنه يخاف بقاء شين أو عيب على البدن، فالفقهاء جوزوا التيمم في القسمين الأولين، وما جوزوه في القسم الثالث وزعم الحسن البصري أنه لا يجوز التيمم في الكل إلا عند عدم الماء، بدليل أنه شرط جواز التيمم للمريض بعدم وجدان الماء، بدليل أنه قال في آخر الآية: ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وإذا كان هذا الشرط معتبراً في جواز التيمم، فعند فقدان هذا الشرط وجب أن لا يجوز التيمم، وهو إيضاً قول ابن عباس.

وكان يقول: لو شاء الله لابتلاه بأشد من ذلك.

ودليل الفقهاء أنه تعالى جوز التيمم للمريض إذا لم يجد الماء، وليس فيه دلالة على منعه من التيمم عند وجوده، ثم قد دلت السنة على جوازه، ويؤيده ما روي عن بعض الصحابة أنه أصابته جنابة وكان به جراحة عظيمة، فسأل بعضهم فأمره بالاغتسال، فلما اغتسل مات، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قتلوه قتلهم الله، فدل ذلك على جواز ما ذكرناه.

السبب الثاني: السفر، والآية تدل على أن المسافر إذا لم يجد الماء، تيمم، طال سفره أو قصر لهذه الآية.

السبب الثالث: قوله: ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ والغائط المكان المطمئن من الأرض وجمعه الغيطان.

وكان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة طلب غائطاً من الأرض يحجبه عن أعين الناس، ثم سمي الحدث بهذا الاسم تسمية للشيء باسم مكانه.

السبب الرابع: قوله: ﴿ أو لامستم النساء ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي: (لمستم) بغير ألف من اللمس، والباقون ﴿ لامستم ﴾ بالألف من الملامسة.

المسألة الثانية: اختلف المفسرون في اللمس المذكور هاهنا على قولين: أحدهما: أن المراد به الجماع، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة، وقول أبي حنيفة رضي الله عنه، لأن اللمس باليد لا ينقض الطهارة.

والثاني: أن المراد باللمس هاهنا التقاء البشرتين، سواء كان بجماع أو غيره وهو قول ابن مسعود وابن عمرو الشعبي والنخعي وقول الشافعي رضي الله عنه.

واعلم أن هذا القول أرجح من الأول، وذلك لأن إحدى القراءتين هي قوله تعالى: ﴿ أو لمستم النساء ﴾ واللمس حقيقته المس باليد، فأما تخصيصه بالجماع فذاك مجاز، والأصل حمل الكلام على حقيقته.

وأما القراءة الثانية وهي قوله: ﴿ أو لامستم ﴾ فهو مفاعلة من اللمس، وذلك ليس حقيقة في الجماع أيضاً، بل يجب حمله على حقيقته أيضاً، لئلا يقع التناقض بين المفهوم من القراءتين المتواترتين واحتج من قال: المراد باللمس الجماع، بأن لفظ اللمس والمس ورداً في القرآن بعنى الجماع، قال تعالى: ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن  ﴾ وقال في آية الظهار: ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا  ﴾ وعن ابن عباس أنه قال: إن الله حيي كريم يعف ويكني، فعبر عن المباشرة بالملامسة.

وأيضاً الحدث نوعان: الأصغر، وهو المراد بقوله: ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ فلو حملنا قوله: ﴿ أو لامستم النساء ﴾ على الحدث الأصغر لما بقي للحدث الأكبر ذكر في الآية، فوجب حمله على الحدث الأكبر.

واعلم أن كل ما ذكروه عدول عن ظاهر اللفظ بغير دليل، فوجب أن لا يجوز.

وأيضاً فحكم الجنابة تقدم في قوله: ﴿ ولا جنباً ﴾ فلو حملنا هذه الآية على الجنابة لزم التكرار.

المسألة الثالثة: قال أهل الظاهر: إنما ينتقض وضوء اللامس لظاهر قوله: ﴿ أو لامستم النساء ﴾ أما الملموس فلا.

وقال الشافعي رضي الله عنه: بل ينتقض وضوءهما معاً.

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأسباب الأربعة قال: ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الشافعي رضي الله عنه: إذا دخل وقت الصلاة فطلب الماء ولم يجده وتيمم وصلى، ثم دخل وقت الصلاة الثانية وجب عليه الطلب مرة أخرى.

وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجب.

حجة الشافي قوله: ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وعدم الوجدان مشعر بسبق الطلب، فلابد في كل مرة من سبق الطلب.

فإن قيل: قولنا: وجد، لا يشعر بسبق الطلب، بدليل قوله تعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَىٰ  وَوَجَدَكَ عَآئِلًا فَأَغْنَىٰ  ﴾ وقوله: ﴿ وما وجدنا لأكثرهم من عهد  ﴾ وقوله: ﴿ ولم نجد له عزما ﴾ فإن الطلب على الله محال.

قلنا: الطلب وإن كان في حقه تعالى محالا، إلا أنه لما أخرج محمداً صلى الله عليه وسلم من بين قومه بما لم يكن لائقاً لقومه صار ذلك كأنه طلبه، ولما أمر الملكفين بالطاعات ثم إنهم قصروا فيها صار كأنه طلب شيئاً ثم لم يجده، فخرجت هذه اللفظة في هذه الآيات على سبيل التأويل من الوجه الذي ذكرناه.

المسألة الثانية: أجمعوا على أنه لو وجد الماء لكنه يحتاج إليه لعطشه أو عطش حيوان محترم جاز له التيمم، أما إذا وجد من الماء مالا يكفيه للوضوء، فهل يجب عليه أن يجمع بين استعمال ذلك القدر من الماء وبين التيمم؟

قد أوجبه الشافي رضي الله عنه، متمسكاً بظاهر لفظ الآية.

ثم قال تعالى: ﴿ فيتمموا صعيداً طيباً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: التيمم في اللغة عبارة عن القصد، يقال: أممته وتيممته وتأممته، أي قصدته وأما الصعيد فهو فعيل بمعنى الصاعد، قال الزجاج: الصعيد وجه الأرض، تراباً كان أو غيره.

المسألة الثانية: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: لو فرضنا صخراً لا تراب عليه فضرب المتيمم يده عليه ومسح كان ذلك كافياً.

قال الشافعي رضي الله عنه: بل لابد من تراب يلتصق بيده.

احتج أبو حنيفة بظاهر هذه الآية فقال: التيمم هو القصد، والصعيد هو ما تصاعد من الأرض، فقوله: ﴿ فتيمموا صعيداً طيبا ﴾ أي اقصدوا أرضاً، فوجب أن يكون هذا القدر كافياً.

وأما الشافعي فإنه احتج بوجهين: الأول: أن هذه الآية هاهنا مطلقة، ولكنها في سورة المائدة مقيدة، وهي قوله سبحانه: ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه  ﴾ وكلمة من للتبعيض، وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه.

فإن قيل: إن كلمة من لابتداء الغاية، قال صاحب الكشاف: لا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب: إلا معنى التبعيض، ثم قال: والاذعان للحق أحق من المراء.

الثاني: ما ذكره الواحدي رحمه الله، وهو أنه تعالى أوجب في هذه الآية كون الصعيد طيباً، والأرض الطيبة هي التي تنبت بدليل قوله: ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه  ﴾ فوجب في التي لا تنبت أن لا تكون طيبة، فكان قوله: ﴿ فتيمموا صعيداً طيباً ﴾ أمرا بالتيمم بالتراب فقط، وظاهر الأمر للوجوب.

أن قوله: ﴿ صعيداً طيباً ﴾ أمر بإيقاع التيمم بالصعيد الطيب، والصعيد الطيب هو الأرض التي لا سبخة فيها، ولا شك أن التيمم بهذا التراب جائز بالاجماع، فوجب حمل الصعيد الطيب عليه رعاية لقاعدة الاحتياط، لا سيما وقد خصص النبي عليه الصلاة والسلام التراب بهذه الصفة، فقال: «جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا».

وقال: «التراب طهور المسلم إذا لم يجد الماء».

المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ﴾ محمول عند كثير من المفسرين على الوجه واليدين إلى الكوعين، وعند أكثر الفقهاء يجب مسح اليدين إلى المرفقين، وحجتهم أن اسم اليد يتناول جملة هذا العضو إلى الإبطين، إلا أنا أخرجنا المرفقين منه بدلالة الاجماع، فبقي اللفظ متناولاً للباقي.

ثم ختم تعالى الآية بقوله: ﴿ إن الله كان عفوا غفورا ﴾ وهو كناية عن الترخيص، والتيسير، لأن من كان من عادته أن يعفو عن المذنبين، فبأن يرخص للعاجزين كان أولى.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَـٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ ٤٤ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًۭا ٤٥

اعلم أنه تعالى لما ذكر من أول هذه السورة إلى هذا الموضع أنواعا كثيرة من التكاليف والأحكام الشرعية، قطع هاهنا ببيان الأحكام الشرعية، وذكر أحوال أعداء الدين وأقاصيص المتقدمين، لأن البقاء في النوع الواحد من العلم مما يكل الطبع ويكدر الخاطر، فأما الانتقال من نوع من العلوم إلى نوع آخر، فإنه ينشط الخاطر ويقوي القريحة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ معناه: ألم ينته علمك إلى هؤلاء، وقد ذكرنا ما فيه عند قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَاجَّ إبراهيم  ﴾ وحاصل الكلام أن العلم اليقيني يشبه الرؤية، فيجوز جعل الرؤية استعارة عن مثل هذا العلم.

المسألة الثانية: الذين أوتوا نصيبا من الكتاب: هم اليهود، ويدل عليه وجوه: الأول: أن قوله بعد هذه الآية: ﴿ مّنَ الذين هَادُواْ  ﴾ متعلق بهذه الآية.

الثاني: روى ابن عباس أن هذه الآية نزلت في حبرين من أحبار اليهود، كانا يأتيان رأس المنافقان عبدالله بن أبي ورهطه فيثبطونهم عن الإسلام.

الثالث: أن عداوة اليهود كانت أكثر من عداوة النصارى بنص القرآن، فكانت إحالة هذا المعنى على اليهود أولى.

المسألة الثالثة: لم يقل تعالى: انهم أوتوا علم الكتاب، بل قال: ﴿ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ الكتاب ﴾ لأنهم عرفوا من التوراة نبوة موسى عليه السلام، ولم يعرفوا منها نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فأما الذين أسلموا كعبدالله بن سلام وعرفوا الأمرين، فوصفهم الله بأن معهم علم الكتاب، فقال: ﴿ قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب  ﴾ والله أعلم.

المسألة الرابعة: اعلم أنه تعالى وصفهم بأمرين: الضلال والإضلال، أما الضلال فهو قوله: ﴿ يَشْتَرُونَ الضلالة ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال الزجاج: يؤثرون تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام ليأخذوا الرشا على ذلك ويحصل لهم الرياسة، وإنما ذكر ذلك بلفظ الاشتراء لأن من اشترى شيئا آثره.

الثاني: أن في الآية إضمارا، وتأويله: يشترون الضلالة بالهدى كقوله: ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى  ﴾ أي يستبدلون الضلالة بالهدى، ولا إضمار على قول الزجاج.

الثالث: المراد بهذه الآية عوام اليهود، فانهم كانوا يعطون أحبارهم بعض أموالهم ويطلبون منهم أن ينصروا اليهودية ويتعصبوا لها، فكانوا جارين مجرى من يشتري بماله الشبهة والضلالة، ولا إضمار على هذا التأويل أيضا، ولكن الأولى أن تكون الآية نازلة في علمائهم، ثم لما وصفهم تعالى بالضلال وصفهم بعد ذلك بالإضلال فقال: ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السبيل ﴾ يعني أنهم يتوصلون إلى إضلال المؤمنين والتلبيس عليهم؛ لكي يخرجوا عن الإسلام.

واعلم أنك لا ترى حالة أسوأ ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين أعني الضلال والإضلال.

ثم قال تعالى: ﴿ والله أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ﴾ أي هو سبحانه أعلم بكنه ما في قلوبهم وصدورهم من العداوة والبغضاء.

ثم قال تعالى: ﴿ وكفى بالله وَلِيّاً وكفى بالله نَصِيراً ﴾ والمعنى أنه تعالى لما بين شدة عداوتهم للمسلمين، بين أن الله تعالى ولي المسلمين وناصرهم، ومن كان الله وليا له وناصرا له لم تضره عداوة الخلق، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: ولاية الله لعبده عبارة عن نصرته له، فذكر النصير بعد ذكر الولي تكرارا.

والجواب: أن الولي المتصرف في الشيء، والمتصرف في الشيء لا يجب أن يكون ناصرا له فزال التكرار.

السؤال الثاني: لم لم يقل: وكفى بالله وليا ونصيرا؟

وما الفائدة في تكرير قوله: ﴿ وكفى بالله ﴾ .

والجواب: أن التكرار في مثل هذا المقام يكون أشد تأثيرا في القلب وأكثر مبالغة.

السؤال الثالث: ما فائدة الباء في قوله: ﴿ وكفى بالله وَلِيّاً ﴾ .

والجواب: ذكروا وجوها، الأول: لو قيل: كفى الله، كان يتصل الفعل بالفاعل.

ثم هاهنا زيدت الباء إيذانا أن الكفاية من الله ليست كالكفاية من غيره في الرتبة وعظم المنزلة.

الثاني: قال ابن السراج: تقدير الكلام: كفى اكتفاؤك بالله وليا، ولما ذكرت كفى دل على الاكتفاء، لأنه من لفظه، كما تقول: من كذب كان شرا له، أي كان الكذب شراً له، فأضمرته لدلالة الفعل عليه.

الثالث: يخطر ببالي أن الباء في الأصل للإلصاق، وذلك إنما يحسن في المؤثر الذي لا واسطة بينه وبين التأثير، ولو قيل: كفى الله، دل ذلك على كونه تعالى فاعلا لهذه الكفاية، ولكن لا يدل ذلك على أنه تعالى يفعل بواسطة أو بغير واسطة، فإذا ذكرت حرف الباء دل على أنه يفعل بغير واسطة، بل هو تعالى يتكفل بتحصيل هذا المطلوب ابتداء من غير واسطة أحد، كما قال: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍۢ وَرَٰعِنَا لَيًّۢا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًۭا فِى ٱلدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَـٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا ٤٦

اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم يشترون الضلالة شرح كيفية تلك الضلالة وهي أمور: أحدها: أنهم كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في متعلق قوله: ﴿ مِنَ الذين ﴾ وجوه: الأول: أن يكون بيانا للذين أوتوا نصيبا من الكتاب، والتقدير: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من الذين هادوا، والثاني: أن يتعلق بقوله: ﴿ نَصِيراً ﴾ والتقدير: وكفى بالله نصيرا من الذين هادوا، وهو كقوله: ﴿ ونصرناه مِنَ القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا  ﴾ الثالث: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، و ﴿ يُحَرّفُونَ ﴾ صفته.

تقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم، فحذف الموصوف وأقيم الوصف مكانه.

الرابع: أنه تعالى لما قال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ الكتاب يَشْتَرُونَ الضلالة  ﴾ بقي ذلك مجملا من وجهين، فكأنه قيل: ومن ذلك الذين أوتوا نصيبا من الكتاب؟

فأجيب وقيل: من الذين هادوا، ثم قيل: وكيف يشترون الضلالة؟

فأجيب وقيل: يحرفون الكلم.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: الجمع مؤنث، فكان ينبغي أن يقال: يحرفون الكلم عن مواضعها.

والجواب: قال الواحدي: هذا جمع حروفه أقل من حروف واحده، وكل جمع يكون كذلك فإنه يجوز تذكيره، ويمكن أن يقال: كون الجمع مؤنثا ليس أمراً حقيقياً، بل هو أمر لفظي، فكان التذكير والتأنيث فيه جائزا وقرئ، يحرفون الكلم.

المسألة الثالثة: في كيفية التحريف وجوه: أحدها: أنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر مثل تحريفهم اسم ربعة عن موضعه في التوراة بوضعهم آدم طويل مكانه، ونحو تحريفهم الرجم بوضعهم الحد بدله ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِندِ الله  ﴾ .

فإن قيل: كيف يمكن هذا في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التواتر المشهور في الشرق والغرب؟

قلنا لعله يقال: القوم كانوا قليلين، والعلماء بالكتاب كانوا في غاية القلة فقدروا على هذا التحريف، والثاني: أن المراد بالتحريف: إلقاء الشبه الباطلة، والتأويلات الفاسدة، وصرف اللفظ عن معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحيل اللفظية، كما يفعله أهل البدعة في زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم، وهذا هو الأصح.

الثالث: أنهم كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به، فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه.

المسألة الرابعة: ذكر الله تعالى هاهنا: ﴿ عَن مواضعه ﴾ وفي المائدة ﴿ مِن بَعْدِ مواضعه  ﴾ والفرق أنا إذا فسرنا التحريف بالتأويلات الباطلة، فهاهنا قوله: ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه ﴾ معناه: أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص، فهاهنا قوله: ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه ﴾ معناه: أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص، وليس فيه بيان أنهم يخرجون تلك اللفظة من الكتاب.

وأما الآية المذكورة في سورة المائدة، فهي دالة على أنهم جمعوا بين الأمرين، فكانوا يذكرون التأويلات الفاسدة، وكانوا يخرجون اللفظ أيضا من الكتاب، فقوله: ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم ﴾ إشارة إلى التأويل الباطل وقوله: ﴿ مِن بَعْدِ مواضعه ﴾ إشارة إلى إخراجه عن الكتاب.

النوع الثاني: من ضلالاتهم: ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ وفيه وجهان: الأول: أن النبي عليه السلام كان إذا أمرهم بشيء قالوا في الظاهر: سمعنا، وقالوا في أنفسهم: وعصينا والثاني: أنهم كانوا يظهرون قولهم: سمعنا وعصينا، إظهاراً للمخالفة، واستحقاراً للأمر.

النوع الثالث: من ضلالتهم قوله: ﴿ واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ .

واعلم أن هذه الكلمة ذو وجهين يحتمل المدح والتعظيم، ويحتمل الاهانة والشتم.

أما أنه يحتمل المدح فهو أن يكون المراد اسمع غير مسمع مكروها، وأما أنه محتمل للشتم والذم فذاك من وجوه: الأول: أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: اسمع، ويقولون في أنفسهم: لا سمعت، فقوله: ﴿ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ معناه: غير سامع، فإن السامع مسمع، والمسمع سامع.

الثاني: غير مسمع، أي غير مقبول منك، ولا تجاب إلى ما تدعو اليه، ومعناه غير مسمع جوابا يوافقك، فكأنك ما أسمعت شيئا.

الثالث: اسمع غير مسمع كلاما ترضاه، ومتى كان كذلك فإن الإنسان لا يسمعه لنبو سمعه عنه، فثبت بما ذكرنا أن هذه الكلمة محتملة للذم والمدح، فكانوا يذكرونها لغرض الشتم.

النوع الرابع: من ضلالاتهم قولهم: ﴿ وراعنا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدين ﴾ أما تفسير ﴿ راعنا ﴾ فقد ذكرناه في سورة البقرة وفيه وجوه: الأول: أن هذه كلمة كانت تجري بينهم على جهة الهزء والسخرية، فلذلك نهى المسلمون أن يتلفظوا بها في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم.

الثاني: قوله: ﴿ راعنا ﴾ معناه ارعنا سمعك، أي اصرف سمعك إلى كلامنا وأنصت لحديثنا وتفهم، وهذا مما لا يخاطب به الأنبياء عليهم السلام، بل إنما يخاطبون بالإجلال والتعظيم.

الثالث: كانوا يقولون راعنا ويوهمونه في ظاهر الأمر أنهم يريدون أرعنا سمعك، وكانوا يريدون سبه بالرعونة في لغتهم.

الرابع: أنهم كانوا يلوون ألسنتهم حتى يصير قولهم: ﴿ راعنا ﴾ راعينا، وكانوا يريدون أنك كنت ترعى أغناما لنا، وقوله: ﴿ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ قال الواحدي: أصل (لياً) لويا، لأنه من لويت، ولكن الواو أدغمت في الياء لسبقها بالسكون، ومثله الطي وفي تفسيره وجوه: الأول: قال الفراء كانوا يقولون: راعنا ويريدون به الشتم، فذاك هو اللي، وكذلك قولهم: ﴿ غير مسمع ﴾ وأرادوا به لا سمعت، فهذا هو اللي.

الثاني: انهم كانوا يصلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير على سبيل النفاق.

الثالث: لعلهم كانوا يفتلون أشداقهم وألسنتهم عند ذكر هذا الكلام على سبيل السخرية، كما جرت عادة من يهزأ بإنسان بمثل هذا الأفعال، ثم بين تعالى أنهم إنما يقدمون على هذه الأشياء لطعنهم في الدين، لأنهم كانوا يقولون لأصحابهم: إنما نشتمه ولا يعرف، ولو كان نبيا لعرف ذلك، فأظهر الله تعالى ذلك فعرفه خبث ضمائرهم، فانقلب ما فعلوه طعنا في نبوته دلالة قاطعة على نبوته، لأن الإخبار عن الغيب معجز.

فان قيل: كيف جاؤا بالقول المحتمل للوجهين بعدما حرفوا، وقالوا سمعنا وعصينا؟

والجواب من وجهين: الأول: أنا حكينا عن بعض المفسرين أنه قال: إنهم ما كانوا يظهرون قولهم: ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ بل كانوا يقولونه فى أنفسهم.

والثاني: هب أنهم أظهروا ذلك إلا أن جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان، ولا يواجهونه بالسب والشتم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا واسمع وانظرنا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ ﴾ والمعنى أنهم لو قالوا بدل قولهم: سمعنا وعصينا، سمعنا وأطعنا لعلمهم بصدقك ولإظهارك الدلائل والبينات مرات بعد مرات، وبدل قولهم: ﴿ واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ قولهم واسمع، وبدل قولهم: ﴿ راعنا ﴾ قولهم: ﴿ انظرنا ﴾ أي اسمع منا ما نقول، وانظرنا حتى نتفهم عنك لكان خيرا لهم عند الله وأقوم، أي أعدل وأصوب، ومنه يقال: رمح قويم أي مستقيم؛ وقومت الشيء من عوج فتقوم.

ثم قال: ﴿ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ ﴾ والمراد أنه تعالى إنما لعنهم بسبب كفرهم.

ثم قال: ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ وفيه قولان: أحدهما: أن القليل صفة للقوم، والمعنى فلا يؤمن منهم إلا أقوام قليلون.

ثم منهم من قال: كان ذلك القليل عبدالله بن سلام وأصحابه، وقيل: هم الذين علم الله منهم أنهم يؤمنون بعد ذلك.

والقول الثاني: أن القليل صفة للإيمان، والتقدير فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا، فإنهم كانوا يؤمنون بالله والتوراة وموسى ولكنهم كانوا يكفرون بسائر الأنبياء، ورجح أبو علي الفارسي هذا القول على الأول، قال: لأن قليلا لفظ مفرد، ولو أريد به ناس لجمع نحو قوله: ﴿ إِنَّ هؤلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ  ﴾ ويمكن أن يجاب عنه بأنه قد جاء فعيل مفردا، والمراد به الجمع قال تعالى: ﴿ وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً  ﴾ وقال: ﴿ وَلَا يَسْـَٔلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا  يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍۭ بِبَنِيهِ  ﴾ فدل عود الذكر مجموعا إلى القبيلين على أنه أريد بهما الكثرة.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ ءَامِنُوا۟ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًۭا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا ٤٧

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى بعد أن حكى عن اليهود أنواع مكرهم وإيذائهم أمرهم بالايمان وقرن بهذا الأمر الوعيد الشديد على الترك، ولقائل أن يقول: كان يجب أن يأمرهم بالنظر والتفكر في الدلائل الدالة على صحة نبوته، حتى يكون إيمانهم استدلاليا، فلما أمرهم بذلك الايمان ابتداء فكأنه تعالى أمرهم بالايمان على سبيل التقليد.

والجواب عنه: أن هذا الخطاب مختص بالذين أوتوا الكتاب، وهذا صفة من كان عالما بجميع التوراة.

ألا ترى أنه قال في الآية الأولى: ﴿ ألم ترإِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب  ﴾ ولم يقل: ألم تر إلى الذين أوتوا الكتاب، لأنهم ما كانوا عالمين بكل ما في التوراة،، فلما قال في هذه الآية: ﴿ يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ علمنا أن هذا التكليف مختص بمن كان عالما بكل التوراة، ومن كان كذلك فانه يكون عالما بالدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن التوراة كانت مشتملة على تلك الدلائل، ولهذا قال تعالى: ﴿ مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ ﴾ أي مصدقا للآيات الموجودة في التوراة الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، واذا كان العلم حاصلا كان ذلك الكفر محض العناد، فلا جرم حسن منه تعالى أن يأمرهم بالايمان بمحمد عليه الصلاة والسلام جزماً، وأن يقرن الوعيد الشديد بذلك.

المسألة الثانية: الطمس: المحو، تقول العرب في وصف المفازة، إنها طامسة الأعلام وطمس الطريق وطمس إذا درس، وقد طمس الله على بصره إذا أزاله وأبطله، وطمست الريح الأثر إذا محته، وطمست الكتاب محوته، وذكروا في الطمس المذكور في هذه الآية قولين: أحدهما: حمل اللفظ على حقيقته وهو طمس الوجوه: والثاني: حمل اللفظ على مجازه.

أما القول الأول: فهو أن المراد من طمس الوجوه محو تخطيط صورها، فان الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه من الحواس، فاذا أزيلت ومحيت كان ذلك طمسا، ومعنى قوله: ﴿ فَنَرُدَّهَا على أدبارها ﴾ رد الوجوه إلى ناحية القفا، وهذا المعنى إنما جعله الله عقوبة لما فيه من التشويه في الخلقة والمثلة والفضيحة، لأن عند ذلك يعظم الغم والحسرة، فان هذا الوعيد مختص بيوم القيامة على ما سنقيم الدلالة عليه، ومما يقرره قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه وَرَاء ظَهْرِهِ  ﴾ فانه إذا ردت الوجوه إلى القفا أوتوا الكتاب من وراء ظهورهم، لأن في تلك الجهة العيون والأفواه التي بها يدرك الكتاب ويقرأ باللسان.

فاما القول الثاني: فهو أن المراد من طمس الوجوه مجازه، ثم ذكروا فيه وجوها: الأول: قال الحسن: المراد نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها، أي على ضلالتها، والمقصود بيان إلقائها في أنواع الخذلان وظلمات الضلالات، ونظيره قوله تعالى: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ استجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ واعلموا أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ  ﴾ تحقيق القول فيه أن الإنسان في مبدأ خلقته ألف هذا العالم المحسوس، ثم عند الفكر والعبودية كأنه يسافر من عالم المحسوسات إلى عالم المعقولات، فقدامه عالم المعقولات، ووراءه عالم المحسوسات فالمخذول هو الذي يرد من قدامه إلى خلفه كما قال تعالى في صفتهم: ﴿ ناكسو رؤسهم  ﴾ .

الثاني: يحتمل أن يكون المراد بالطمس القلب والتغيير، وبالوجوه: رؤساؤهم ووجهاؤهم، والمعنى من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلب منهم الاقبال والوجاهة ونكسوهم الصغار والادبار والمذلة.

الثالث: قال عبد الرحمن بن زيد: هذا الوعيد قد لحق اليهود ومضى، وتأول ذلك في إجلاء قريظة والنضير إلى الشام، فرد الله وجوههم على أدبارهم حين عادوا إلى أذرعات وإريحاء من أرض الشام، كما جاؤا منها بدءاً، وطمس الوجوه على هذا التأويل يحتمل معنيين: أحدهما: تقبيح صورتهم يقال: طمس الله صورته كقوله: قبح الله وجهه، والثاني: إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو أحوالهم عنها.

فان قيل: إنه تعالى هددهم بطمس الوجوه على القول الثاني فلا إشكال ألبتة، وان فسرناه على القول الأول وهو حمله على ظاهره فالجواب عنه من وجوه: الأول: أنه تعالى ما جعل الوعيد هو الطمس بعينه، بل جعل الوعيد إما الطمس أو اللعن فانه قال: ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت ﴾ وقد فعل أحدهما وهو اللعن وهو قوله: ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ ﴾ وظاهره ليس هو المسخ.

الثاني: قوله تعالى: ﴿ ءامَنُواْ ﴾ تكليف متوجه عليهم في جميع مدة حياتهم، فلزم أن يكون قوله: ﴿ مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ واقعا في الآخرة، فصار التقدير: آمنوا من قبل أن يجئ وقت نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت.

الثالث: أنا قد بينا أن قوله: ﴿ يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ خطاب مع جميع علمائهم، فكان التهديد بهذا الطمس مشروطا بأن لا يأتي أحد منهم بالايمان، وهذا الشرط لم يوجد لأنه آمن عبدالله بن سلام وجمع كثير من أصحابه، ففات المشروط بفوات الشرط، ويقال: لما نزلت هذه الآية أتى عبدالله بن سلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله فأسلم، وقال: يا رسول الله كنت أرى أن لا أصل اليك حتى يتحول وجهي في قفاي.

الرابع: أنه تعالى لم يقل: من قبل أن نطمس وجوهكم، بل قال: ﴿ مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ وعندنا أنه لابد من طمس في اليهود أو مسخ قبل قيام الساعة، ومما يدل على أن المراد ليس طمس وجوههم بأعيابهم، بل طمس وجوه غيرهم من أبناء جنسهم قوله: ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ ﴾ فذكرهم على سبيل المغايبة، ولو كان المراد أولئك المخاطبين لذكرهم على سبيل الخطاب، وحمل الآية على طريقة الالتفات وإن كان جائزا إلا أن الأظهر ما ذكرناه.

ثم قال تعالى: ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت ﴾ قال مقاتل وغيره: نمسخهم قردة كما فعلنا ذلك بأوائلهم.

وقال أكثر المحققين: الأظهر حمل الآية على اللعن المتعارف، ألا ترى الى قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير  ﴾ ففصل تعالى هاهنا بين اللعن وبين مسخهم قردة وخنازير، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: الى من يرجع الضمير في قوله: ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ ﴾ .

الجواب: الى الوجوه إن أريد الوجهاء أو لأصحاب الوجوه، لأن المعنى من قبل أن نطمس وجوه قوم، أو يرجع الى الذين أوتوا على طريقة الالتفات.

السؤال الثاني: قد كان اللعن والطمس حاصلين قبل الوعيد على الفعل فلابد وأن يتحدا.

والجواب: أن لعنه تعالى لهم من بعد هذا الوعيد يكون أزيد تأثيرا في الخزي فيصح ذلك فيه.

السؤال الثالث: قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ خطاب مشافهة، وقوله: ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ ﴾ خطاب مغايبة، فكيف يليق أحدهما بالآخر؟

الجواب: منهم من حمل ذلك على طريقة الالتفات كما في قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم  ﴾ ومنهم من قال: هذا تنبيه على أن التهديد حاصل في غيرهم ممن يكذبون من أبناء جنسهم.

وعندي فيه احتمال آخر: وهو أن اللعن هو الطرد والابعاد، وذكر البعيد لا يكون إلا بالمغايبة، فلما لعنهم ذكرهم بعبارة الغيبة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال ابن عباس: يريد لا راد لحكمه ولا ناقض لأمره، على معنى أنه لا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله، كما تقول في الشيء الذي لا شك في حصوله: هذا الأمر مفعول وإن لم يفعل بعد.

وإنما قال: ﴿ وَكَانَ ﴾ إخباراً عن جريان عادة الله في الأنبياء المتقدمين أنه مهما أخبرهم بانزال العذاب عليهم فعل ذلك لا محالة، فكأنه قيل لهم: أنتم تعلمون أنه كان تهديد الله في الأمم السالفة واقعا لا محالة، فاحترزوا الآن وكونوا على حذر من هذا الوعيد، والله أعلم.

المسألة الثانية: احتج الجبائي بهذه الآية على أن كلام الله محدث فقال: قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً ﴾ يقتضي أن أمره مفعول، والمخلوق والمصنوع والمفعول واحد، فدل هذا على أن أمر الله مخلوق مصنوع، وهذا في غاية السقوط لأن الأمر في اللغة جاء بمعنى الشأن والطريقة والفعل قال تعالى: ﴿ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ  ﴾ والمراد هاهنا ذاك.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا ٤٨

اعلم أن الله تعالى لما هدد اليهود على الكفر، وبين أن ذلك التهديد لابد من وقوعه لا محالة بين أن مثل هذا التهديد من خواص الكفر، فأما سائر الذنوب التي هي مغايرة للكفر فليست حالها كذلك، بل هو سبحانه قد يعفو عنها، فلا جرم قال: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية دالة على أن اليهودي يسمى مشركا في عرف الشرع، ويدل عليه وجهان: الأول: أن الآية دالة على أن ما سوى الشرك مغفور، فلو كانت اليهودية مغايرة للشرك لوجب أن تكون مغفورة بحكم هذه الآية، وبالاجماع هي غير مغفورة، فدل على أنها داخلة تحت اسم الشرك.

الثاني: أن اتصال هذه الآية بما قبلها إنما كان لأنها تتضمن تهديد اليهود، فلولا أن اليهودية داخلة تحت اسم الشرك، وإلا لم يكن الأمر كذلك.

فان قيل: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ  ﴾ إلى قوله: ﴿ والذين أَشْرَكُواْ  ﴾ عطف المشرك على اليهودي، وذلك يقتضي المغايرة.

قلنا: المغايرة حاصلة بسبب المفهوم اللغوي، والاتحاد حاصل بسبب المفهوم الشرعي، ولا بد من المصير إلى ما ذكرناه دفعا للتناقض.

إذا ثبتت هذه المقدمة فنقول: قال الشافعي رضي الله عنه: المسلم لا يقتل بالذمي، وقال أبو حنيفة: يقتل.

حجة الشافعي أن الذمي مشرك لما ذكرناه، والمشرك مباح الدم لقوله تعالى: اقتلوا المشركين.

فكان الذمي مباح الدم على الوجه الذي ذكرناه ومباح الدم هو الذي لا يجب القصاص على قاتله، ولا يتوجه النهي عن قتله ترك العمل بهذا الدليل في حق النهي، فوجب أن يبقى معمولا به في سقوط القصاص عن قاتله.

المسألة الثانية: هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على العفو عن أصحاب الكبائر.

واعلم أن الاستدلال بها من وجوه: الوجه الأول: أن قوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ معناه لا يغفر الشرك على سبيل التفضل لأنه بالاجماع لا يغفر على سبيل الوجوب، وذلك عندما يتوب المشرك عن شركه، فاذا كان قوله: إن الله لا يغفر الشرك هو أنه لا يغفره على سبيل التفضل، وجب أن يكون قوله: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ﴾ هو أن يغفره على سبيل التفضل؛ حتى يكون النفي والاثبات متواردين على معنى واحد.

ألا ترى أنه لو قال: فلان لا يعطي أحدا تفضلا، ويعطي زائدا فانه يفهم منه أنه يعطيه تفضلا، حتى لو صرح وقال: لا يعطي أحدا شيئاً على سبيل التفضل ويعطي أزيد على سبيل الوجوب، فكل عاقل يحكم بركاكة هذا الكلام، فثبت أن قوله: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ على سبيل التفضل.

إذا ثبت هذا فنقول: وجب أن يكون المراد منه أصحاب الكبائر قبل التوبة، لأن عند المعتزلة غفران الصغيرة وغفران الكبيرة بعد التوبة واجب عقلا، فلا يمكن حمل الآية عليه، فاذا تقرر ذلك لم يبق إلا حمل الآية على غفران الكبيرة قبل التوبة وهو المطلوب.

الثاني: أنه تعالى قسم المنهيات على قسمين: الشرك وما سوى الشرك، ثم إن ما سوى الشرك يدخل فيه الكبيرة قبل التوبة، والكبيرة بعد التوبة والصغيرة، ثم حكم على الشرك بأنه غير مغفور قطعا، وعلى ما سواه بأنه مغفور قطعا، لكن في حق من يشاء، فصار تقدير الآية أنه تعالى يغفر كل ما سوى الشرك، لكن في حق من شاء.

ولما دلت الآية على أن كل ما سوى الشرك مغفور، وجب أن تكون الكبيرة قبل التوبة أيضاً مغفورة.

الثالث: أنه تعالى قال: ﴿ لِمَن يَشَاء ﴾ فعلق هذا الغفران بالمشيئة، وغفران الكبيرة بعد التوبة وغفران الصغيرة مقطوع به، وغير معلق على المشيئة، فوجب أن يكون الغفران المذكور في هذه الآية هو غفران الكبيرة قبل التوبة وهو المطلوب، واعترضوا على هذا الوجه الأخير بأن تعليق الأمر بالمشيئة لا ينافي وجوبه، ألا ترى أنه تعالى قال بعد هذه الآية: ﴿ بَلِ الله يُزَكّى مَن يَشَاء  ﴾ ثم إنا نعلم أنه تعالى لا يزكي إلا من كان أهلا للتزكية، وإلا كان كذباً، والكذب على الله محال، فكذا هاهنا.

واعلم أنه ليس للمعتزلة على هذه الوجوه كلام يلتفت إليه إلا المعارضة بعمومات الوعيد، ونحن نعارضها بعمومات الوعد، والكلام فيه على الاستقصاء مذكور في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون  ﴾ فلا فائدة في الاعادة.

وروى الواحدي في البسيط باسناده عن ابن عمر قال: كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار، حتى نزلت هذه الآية فأمسكنا عن الشهادات.

وقال ابن عباس: إني لأرجو كما لا ينفع مع الشرك عمل، كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب.

ذكر ذلك عند عمر بن الخطاب فسكت عمر.

وروي مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتسموا بالايمان وأقربوا به فكما لا يخرج إحسان المشرك المشرك من إشراكه كذلك لا تخرج ذنوب المؤمن المؤمن من إيمانه».

المسألة الثانية: روي عن ابن عباس انه قال: لما قتل وحشي حمزة يوم أحد، وكانوا قد وعدوه بالاعتاق ان هو فعل ذلك، ثم أنهم ما وفوا له بذلك، فعند ذلك ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذنبهم، وانه لا يمنعهم عن الدخول في الاسلام إلا قوله تعالى: ﴿ والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها ءاخَرَ  ﴾ فقالوا: قد ارتكبنا كل ما في الآية، فنزل قوله: ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالحا  ﴾ فقالوا: هذا شرط شديد نخاف أن لا نقوم به، فنزل قوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ فقالوا: نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته، فنزل ﴿ قُلْ ياعِبَادِى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ  ﴾ فدخلوا عند ذلك في الاسلام.

وطعن القاضي في هذه الرواية وقال: ان من يريد الايمان لا يجوز منه المراجعة على هذا الحد؛ ولأن قوله: ﴿ إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً  ﴾ لو كان على اطلاقه لكان ذلك اغراء لهم بالثبات على ما هم عليه.

والجواب عنه: لا يبعد أن يقال: انهم استعظموا قتل حمزة وايذاء الرسول إلى ذلك الحد، فوقعت الشبهة في قلوبهم أن ذلك هل يغفر لهم أم لا، فلهذا المعنى حصلت المراجعة.

وقوله: هذا إغراء بالقبيح، فهو انه إنما يتم على مذهبه، أما على قولنا: انه تعالى فعال لما يريد، فالسؤال ساقط، والله أعلم.

ثم قال: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً ﴾ أي اختلق ذنبا غير مغفور، يقال: افترى فلان الكذب إذا اعتمله واختلقه، وأصله من الفرى بمعنى القطع.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ٤٩ ٱنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثْمًۭا مُّبِينًا ٥٠

اعمل أنه تعالى لما هدد اليهود بقوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ فعند هذا قالوا: لسنا من المشركين، بل نحن خواص الله تعالى كما حكى تعالى عنهم انهم قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ وحكى عنهم أنهم قالوا: ﴿ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً  ﴾ وحكى أيضا أنهم قالوا: ﴿ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى  ﴾ وبعضهم كانوا يقولون: أن آباءنا كانوا أنبياء فيشفعون لنا.

وعن ابن عباس رضي الله عنه ان قوما من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد هل على هؤلاء ذنب؟

فقال لا، فقالوا: والله ما نحن إلا كهؤلاء: ما عملناه بالليل كفر عنا بالنهار، وما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل.

وبالجملة فالقوم كانوا قد بالغوا في تزكية أنفسهم فذكر تعالى في هذه الآية أنه لا عبرة بتزكية الإنسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: التزكية في هذا الموضع عبارة عن مدح الإنسان نفسه، ومنه تزكية المعدل للشاهد، قال تعالى: ﴿ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى  ﴾ وذلك لأن التزكية متعلقة بالتقوى، والتقوى صفة في الباطن، ولا يعلم حقيقتها إلا الله، فلا جرم لا تصلح التزكية إلا من الله، فلهذا قال تعالى: ﴿ بَلِ الله يُزَكّى مَن يَشَاء ﴾ .

فان قيل: أليس أنه صلى الله عليه وسلم قال: «والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض».

قلنا: إنما قال ذلك حين قال المنافقون له: اعدل في القسمة، ولأن الله تعالى لما زكّاه أولا بدلالة المعجزة جاز له ذلك بخلاف غيره.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ بَلِ الله يُزَكّى مَن يَشَاء ﴾ يدل على أن الايمان يحصل بخلق الله تعالى لأن أجل أنواع الزكاة والطهارة وأشرفها هو الايمان، فلما ذكر تعالى انه هو الذي يزكي من يشاء دل على أن ايمان المؤمنين لم يحصل إلا بخلق الله تعالى.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ هو كقوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ  ﴾ والمعنى ان الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تلك التزكية حق جزائهم من غير ظلم، أو يكون المعنى: أن الذين زكاهم الله فانه يثيبهم على طاعاتهم ولا ينقص من ثوابهم شيئا، والفتيل ما فتلت بين أصبعيك من الوسخ، فعيل بمعنى مفعول، وعن ابن السكيت: الفتيل ما كان في شق النواة، والنقير النقطة التي في ظهر النواة، والقطمير القشرة الرقيقة على النواة، وهذه الأشياء كلها تضرب أمثالا للشيء التافه الحقير، أي لا يظلمون لا قليلا ولا كثيرا.

ثم قال تعالى: ﴿ انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا تعجيب للنبي صلى الله عليه وسلم من فريتهم على الله، وهي تزكيتهم أنفسهم وافتراؤهم على الله، وهو قولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ وقولهم: ﴿ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى ﴾ وقولهم: ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل.

المسألة الثانية: مذهبنا أن الخبر عن الشيء اذا كان على خلاف المخبر عنه كان كذبا، سواء علم قائله كونه كذلك أو لم يعلم، وقال الجاحظ: شرط كونه كذبا أن يعلم كونه بخلاف ذلك، وهذه الآية دليل لنا لأنهم كانوا يعتقدون في أنفسهم الزكاء والطهارة، ثم لما أخبروا بالزكاة والطهارة كذبهم الله فيه، وهذا يدل على ما قلناه.

ثم قال تعالى: ﴿ وكفى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً ﴾ وإنما يقال: كفى به في التعظيم على جهة المدح أو على جهة الذم، أما في المدح فكقوله: ﴿ وكفى بالله وَلِيّاً وكفى بالله نَصِيراً  ﴾ وأما في الذم فكما في هذا الموضع.

وقوله: ﴿ إِثْماً مُّبِيناً ﴾ منصوب على التمييز.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَـٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا ٥١ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا ٥٢

اعلم أنه تعالى حكى عن اليهود نوعا آخر من المكر، وهو أنهم كانوا يفضلون عبدة الأصنام على المؤمنين، ولا شك أنهم كانوا عالمين بأن ذلك باطل، فكان إقدامهم على هذا القول لمحض العناد والتعصب، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: روي أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا الى مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشا على محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أنتم أهل كتاب، وأنتم أقرب الى محمد منكم الينا فلا نأمن مكركم، فاسجدوا لآلهتنا حتى تطمئن قلوبنا، ففعلوا ذلك.

فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت، لأنهم سجدوا للأصنام، فقال أبو سفيان: أنحن أهدى سبيلا أم محمد؟

فقال كعب: ماذا يقول محمد؟

يأمر بعبادة الله وحده وينهي عن عبادة الأصنام وترك دين آبائه، وأوقع الفرقة.

قال: وما دينكم؟

قالوا: نحن ولاة البيت نسقي الحاج ونقري الضيف ونفك العاني وذكروا أفعالهم، فقال: أنتم أهدى سبيلا.

فهذا هو المراد من قولهم: ﴿ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أهدى مِنَ الذين ءامَنُواْ سَبِيلاً ﴾ .

المسألة الثانية: اختلف الناس في الجبت والطاغوت، وذكروا فيه وجوه: الأول: قال أهل اللغة: كل معبود دون الله فهو جبت وطاغوت، ثم زعم الأكثرون أن الجبت ليس له تصرف في اللغة.

وحكى القفال عن بعضهم أن الجبت أصله جبس، فأبدلت السين تاء، والجبس هو الخبيث الردئ، وأما الطاغوت فهو مأخوذ من الطغيان، وهو الاسراف في المعصية، فكل من دعا إلى المعاصي الكبار لزمه هذا الاسم، ثم توسعوا في هذا الاسم حتى أوقعوه على الجماد، كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ  رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  ﴾ فأضاف الاضلال إلى الأصنام مع أنها جمادات.

الثاني: قال صاحب الكشاف: الجبت الأصنام وكل ما عبد من دون الله، والطاغوت الشيطان.

الثالث: الجبت الأصنام، والطاغوت تراجمة الأصنام يترجمون للناس عنها الأكاذيب فيضلونهم بها، وهو منقول عن ابن عباس.

الرابع: روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الجبت الكاهن، والطاغوت الساحر.

الخامس: قال الكلبي: الجبت في هذه الآية حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف، وكانت اليهود يرجعون اليهما، فسميا بهذين الاسمين لسعيهما في إغواء الناس وإضلالهم.

السادس: الجبت والطاغوت صنمان لقريش، وهما الصنمان اللذان سجد اليهود لهما طلبا لمرضاة قريش، وبالجملة فالأقاويل كثيرة، وهما كلمتان وضعتا علمين على من كان غاية في الشر والفساد.

ثم قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين لَعَنَهُمُ الله وَمَن يَلْعَنِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ﴾ فبين أن عليهم اللعن من الله وهو الخذلان والابعاد، وهو ضد ما للمؤمنين من القربة والزلفى؛ وأخبر بعده بأن من يلعنه الله فلا ناصر له، كما قال: ﴿ مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً  ﴾ فهذا اللعن حاضر، وما في الآخرة أعظم، وهو يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله، وفيه وعد للرسول صلى الله عليه وسلم بالنصرة وللمؤمنين بالتقوية، بالضد على الضد، كما قال في الآيات المتقدمة: ﴿ وكفى بالله وَلِيّاً وكفى بالله نَصِيراً  ﴾ .

واعلم أن القوم إنما استحقوا هذا اللعن الشديد لأن الذي ذكروه من تفضيل عبدة الأوثان على الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم يجري مجرى المكابرة، فمن يعبد غير الله كيف يكون أفضل حالا ممن لا يرضى بمعبود غير الله!

ومن كان دينه الاقبال بالكلية على خدمة الخالق والاعراض عن الدنيا والاقبال على الآخرة، كيف يكون أقل حالا ممن كان بالضد في كل هذه الأحوال، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًۭا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا ٥٣

اعلم أنه تعالى وصف اليهود في الآية المتقدمة بالجهل الشديد، وهو اعتقادهم أن عبادة الأوثان أفضل من عبادة الله تعالى، ووصفهم في هذه الآية بالبخل والحسد، فالبخل هو أن لا يدفع لأحد شيئاً مما آتاه الله من النعمة، والحسد هو أن يتمنى أن لا يعطي الله غيره شيئاً من النعم، فالبخل والحسد يشتركان في أن صاحبه يريد منع النعمة من الغير، فأما البخيل فيمنع نعمة نفسه عن الغير، وأما الحاسد فيريد أن يمنع نعمة الله من عبادة، وإنما قدم تلك الآية على هذه الآية لأن النفس الانسانية لها قوتان: القوة العالمة والقوة العاملة، فكمال القوة العالمة العلم، ونقصانها الجهل، وكمال القوة العاملة: الأخلاق الحميدة، ونقصانها الأخلاق الذميمة، وأشد الأخلاق الذميمة نقصانا البخل والحسد، لأنهما منشآن لعود المضار إلى عباد الله.

إذا عرفت هذا فنقول: إنما قدم وصفهم بالجهل على وصفهم بالبخل والحسد لوجهين: الأول: أن القوة النظرية مقدمة على القوة العملية في الشرف والرتبة وأصل لها، فكان شرح حالها يجب أن يكون مقدما على شرح حال القوة العملية.

الثاني: أن السبب لحصول البخل والحسد هو الجهل، والسبب مقدم على المسبب، لا جرم قدم تعالى ذكر الجهل على ذكر البخل والحسد.

وإنما قلنا: إن الجهل سبب البخل والحسد: أما البخل فلأن بذل المال سبب لطهارة النفس ولحصول السعادة في الآخرة، وحبس المال سبب لحصول مال الدنيا في يده، فالبخل يدعوك إلى الدنيا ويمنعك عن الآخرة، والجود يدعوك إلى الآخرة ويمنعك عن الدنيا، ولا شك أن ترجيح الدنيا على الآخرة لا يكون إلا من محض الجهل.

وأما الحسد فلأن الإلهية عبارة عن إيصال النعم والاحسان إلى العبيد، فمن كره ذلك فكأنه أراد عزل الإله عن الإلهية، وذلك محض الجهل.

فثبت أن السبب الأصلي للبخل والحسد هو الجهل، فلما ذكر تعالى الجهل أردفه بذكر البخل والحسد ليكون المسبب مذكورا عقيب السبب، فهذا هو الاشارة إلى نظم هذه الآية، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: أم هاهنا فيه وجوه: الأول: قال بعضهم: الميم صلة، وتقديره: ألهم لأن حرف أم إذا لم يسبقه استفهام كان الميم فيه صلة.

الثاني: أن أم هاهنا متصلة، وقد سبق هاهنا استفهام على سبيل المعنى، وذلك لأنه تعالى لما حكى عن هؤلاء الملعونين قولهم للمشركين: انهم أهدى سبيلا من المؤمنين، عطف عليه بقوله: ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ ﴾ فكأنه تعالى قال: أمن ذلك يتعجب، أم من قولهم: لهم نصيب من الملك، مع أنه لو كان لهم ملك لبخلوا بأقل القليل.

الثالث: أن أم هاهنا منقطعة وغير متصلة بما قبلها ألبتة، كأنه لما تم الكلام الأول قال: بل لهم نصيب من الملك، وهذا الاستفهام استفهام بمعنى الانكار، يعني ليس لهم شيء من الملك ألبتة، وهذا الوجه أصح الوجوه.

المسألة الثانية: ذكروا في هذا الملك وجوها: الأول اليهود كانوا يقولون نحن أولى بالملك والنبوة فكيف نتبع العرب؟

فأبطل الله عليهم قولهم في هذه الآية.

الثاني: أن اليهود كانوا يزعمون أن الملك يعود اليهم في آخر الزمان، وذلك أنه يخرج من اليهود من يجدد ملكهم ودولتهم ويدعو إلى دينهم، فكذبهم الله في هذه الآية.

الثالث: المراد بالملك هاهنا التمليك، يعني أنهم إنما يقدرون على دفع نبوتك لو كان التمليك اليهم، ولو كان التمليك اليهم لبخلوا بالنقير والقطمير، فكيف يقدرون على النفي والاثبات.

قال أبو بكر الأصم: كانوا أصحاب بساتين وأموال، وكانوا في عزة ومنعة ثم كانوا يبخلون على الفقراء بأقل القليل، فنزلت هذه الآية.

المسألة الثالثة: أنه تعالى جعل بخلهم كالمانع من حصول الملك لهم، وهذا يدل على أن الملك والبخل لا يجتمعان، وتحقيق الكلام فيه من حيث العقل أن الانقياد للغير أمر مكروه لذاته، والانسان لا يتحمل المكروه إلا إذا وجد في مقابلته أمراً مطلوبا مرغوبا فيه، وجهات الحاجات محيطة بالناس، فاذا صدر من إنسان احسان إلى غيره صارت رغبة المحسن اليه في ذلك المال سببا لصيرورته منقادا مطيعا له، فلهذا قيل: بالبر يستعبد الحر، فاذا لم يوجد هذا بقيت النفرة الطبيعية عن الانقياد للغير خالصا عن المعارض، فلا يحصل الانقياد ألبتة، فثبت أن الملك والبخل لا يجتمعان ثم ان الملك على ثلاثة أقسام: ملك على الظواهر فقط، وهذا هو ملك الملوك، وملك على البواطن فقط، وهذا هو ملك العلماء، وملك على الظواهر والبواطن معاً، وهذا هو ملك الأنبياء صلوات الله عليهم.

فاذا كان الجود من لوازم الملك وجب في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يكونوا في غاية الجود والكرم والرحمة والشفقة، ليصير كل واحد من هذه الاخلاق سببا لانقياد الخلق لهم، وامتثالهم لأوامرهم.

وكمال هذه الصفات حاصل لمحمد عليه الصلاة والسلام.

المسألة الرابعة: قال سيبويه: إذن في عوامل الأفعال بمنزلة أظن في عوامل الأسماء، وتقريره أن الظن إذا وقع في أول الكلام نصب لا غير، كقولك أظن زيدا قائما، وإن وقع في الوسط جاز إلغاؤه وإعماله، كقوله: زيد أظن قائم، وإن شئت قلت زيداً أظن قائماً، وإن تأخر فالأحسن إلغاؤه، تقول زيد منطلق ظننت، والسبب فيما ذكرناه أن ظن وما أشبهه من الأفعال نحو علم وحسب ضعيفة في العمل، لأنها لا تؤثر في معمولاتها، فاذا تقدم دل التقديم في الذكر على شدة العناية فقوي على التأثير، وإذا تأخر دل على عدم العناية فلغا، وإن توسط فحينئذ لا يكون في محل العناية من كل الوجوه، ولا في محل الاهمال من كل الوجوه، بل كانت كالمتوسطة في هاتين الحالتين فلا جرم كان الاعمال والالغاء جائزا.

واعلم أن الاعمال في حال التوسط أحسن، والالغاء حال التأخر أحسن.

إذا عرفت هذا فنقول: كلمة إذن على هذا الترتيب أيضاً، فان تقدمت نصبت الفعل، تقول إذن أكرمك، وإن توسطت أو تأخرت جاز الالغاء، تقول أنا إذن أكرمك، وأنا أكرمك إذن فتلغيه في هاتين الحالتين.

إذا عرفت هذه المقدمة فقوله تعالى: ﴿ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ الناس نَقِيراً ﴾ كلمة إذن فيها متقدمة وما عملت، فذكروا في العذر وجوها: الأول: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، والتقدير: لا يؤتون الناس نقيرا إذن.

الثاني: أنها لما وقعت بين الفاء والفعل جاز أن تقدر متوسطة فتلغى كما تلغى إذا توسطت أو تأخرت، وهكذا سبيلها مع الواو كقوله تعالى: ﴿ وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خلافك  ﴾ والثالث: قرأ ابن مسعود (فَإِذا لاَّ يُؤْتُواْ) على إعمال إذن عملها الذي هو النصب.

المسألة الخامسة: قال أهل اللغة: النقير نقرة في ظهر النواة ومنها تنبت النخلة، وأصله أنه فعيل من النقر، ويقال للخشب الذي ينقر فيه نقير لأنه ينقر، والنقر ضرب الحجر وغيره بالمنقار والمنقار حديدة كالفأس تقطع بها الحجارة، والغرض انهم يبخلون بأقل القليل.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَـٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًۭا ٥٤ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ٥٥

فيه مسائل: المسألة الأولى: أم: منقطعة، والتقدير بل يحسدون الناس.

المسألة الثانية: في المراد بلفظ الناس قولان: الأول: وهو قول ابن عباس والأكثرين انه محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع وهو واحد لأنه اجتمع عنده من خصال الخير ما لا يحصل إلا متفرقا في الجمع العظيم، ومن هذا يقال: فلان أمة وحده، أي يقوم مقام أمة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قانتا  ﴾ .

والقول الثاني: المراد هاهنا هو الرسول ومن معه من المؤمنين، وقال من ذهب إلى هذا القول: ان لفظ الناس جمع، فحمله على الجمع أولى من حمله على المفرد.

واعلم أنه إنما حسن ذكر الناس لارادة طائفة معينة من الناس، لأن المقصود من الخلق إنما هو القيام بالعبودية، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ فلما كان القائمون بهذا المقصود ليس إلا محمدا صلى الله عليه وسلم ومن كان على دينه كان وهو وأصحابه كأنهم كل الناس، فلهذا حسن إطلاق لفظ الناس وإرادتهم على التعيين: المسألة الثالثة: اختلفوا في تفسير الفضل الذي لأجله صاروا محسودين على قولين: فالقول الأول: انه هو النبوة والكرامة الحاصلة بسببها في الدين والدنيا.

والقول الثاني: انهم حسدوه على انه كان له من الزوجات تسع.

واعلم أن الحسد لا يحصل إلا عند الفضيلة، فكلما كانت فضيلة الإنسان أتم وأكمل كان حسد الحاسدين عليه أعظم، ومعلوم أن النبوة أعظم المناصب في الدين، ثم انه تعالى أعطاها لمحمد صلى الله عليه وسلم، وضم اليها انه جعله كل يوم أقوى دولة وأعظم شوكة وأكثر أنصاراً وأعواناً وكل ذلك مما يوجب الحسد العظيم.

فاما كثرة النساء فهو كالأمر الحقير بالنسبة إلى ما ذكرناه، فلا يمكن تفسير هذا الفضل به، بل ان جعل الفضل اسما لجميع ما أنعم الله تعالى به عليه دخل هذا أيضا تحته، فأما على سبيل القصر عليه فبعيد.

واعلم أنه تعالى لما بين أن كثرة نعم الله عليه صارت سببا لحسد هؤلاء اليهود بين ما يدفع ذلك فقال: ﴿ فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم مُّلْكاً عَظِيماً ﴾ والمعنى أنه حصل في أولاد ابراهيم جماعة كثيرون جمعوا بين النبوة والملك، وأنتم لا تتعجبون من ذلك ولا تحسدونه، فلم تتعجبون من حال محمد ولم تحسدونه؟

واعلم أن ﴿ الكتاب ﴾ إشارة إلى ظواهر الشريعة ﴿ والحكمة ﴾ إشارة إلى أسرار الحقيقة، وذلك هو كمال العلم، وأما الملك العظيم فهو كمال القدرة.

وقد ثبت أن الكمالات الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة، فهذا الكلام تنبيه على أنه سبحانه آتاهم أقصى ما يليق بالانسان من الكمالات، ولما لم يكن ذلك مستبعدا فيهم لا يكون مستبعدا في حق محمد صلى الله عليه وسلم.

وقيل: إنهم لما استكثروا نساءه قيل لهم: كيف استكثرتهم له التسع، وقد كان لداود مائة ولسليمان ثلثمائة بالمهر وسبعمائة سرية؟

ثم قال تعالى: ﴿ مِنْهُمْ مّنْ آمن بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ ﴾ واختلفوا في معنى به فقال بعضهم: بمحمد عليه الصلاة والسلام، والمراد أن هؤلاء القوم الذين أوتوا نصيبا من الكتاب آمن بعضهم وبقي بعضهم على الكفر والانكار.

وقال آخرون: المراد من تقدم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

والمعنى أن أولئك الأنبياء مع ما خصصتهم به من النبوة والملك جرت عادة أممهم فيهم أن بعضهم آمن به وبعضهم بقوا على الكفر، فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء القوم، فان أحوال جميع الأمم مع جميع الأنبياء هكذا كانت، وذلك تسلية من الله ليكون أشد صبرا على ما ينال من قبلهم.

ثم قال: ﴿ وكفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ﴾ أي كفى بجهنم في عذاب هؤلاء الكفار المتقدمين والمتأخرين.

سعيرا، والسعير الوقود، يقال أوقدت النار وأسعرتها بمعنى واحد.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًۭا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًۭا ٥٦

اعلم أنه تعالى بعدما ذكر الوعيد بالطائفة الخاصة من أهل الكتاب بين ما يعم الكافرين من الوعيد فقال: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بئاياتنا ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: يدخل في الآيات كل ما يدل على ذات الله وأفعاله وصفاته وأسمائه والملائكة والكتب والرسل، وكفرهم بالآيات ليس يكون بالجحد، لكن بوجوه، منها أن ينكروا كونها آيات، ومنها أن يغفلوا عنها فلا ينظروا فيها.

ومنها أن يلقوا الشكوك والشبهات فيها.

ومنها: أن ينكروها مع العلم بها على سبيل العناد والحسد، وأما حد الكفر وحقيقته فقد ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ  ﴾ .

المسألة الثانية: قال سيبويه: سوف كلمة تذكر للتهديد والوعيد، يقال: سوف أفعل، وينوب عنها حرف السين كقوله: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ  ﴾ وقد ترد كلمة سوف في الوعد أيضا قال تعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى  ﴾ وقال: ﴿ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى  ﴾ قيل أخره إلى وقت السحر تحقيقا للدعاء، وبالجملة فكلمة السين وسوف مخصوصتان بالاستقبال.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ نُصْلِيهِمْ ﴾ أي ندخلهم النار، لكن قوله: ﴿ نُصْلِيهِمْ ﴾ فيه زيادة على ذلك فانه بمنزلة شويته بالنار، يقال شاة مصلية أي مشوية.

ثم قال تعالى: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب ﴾ وفيه سؤالان: السؤال الأول: لما كان تعالى قادرا على ابقائهم أحياء في النار أبد الآباد فلم لم يبق أبدانهم في النار مصونة عن النضج والاحتراق مع أنه يوصل اليها الآلام الشديدة، حتى لا يحتاج إلى تبديل جلودهم بجلود أخرى؟

والجواب: أنه تعالى لا يسأل عما يفعل، بل نقول: انه تعالى قادر على أن يوصل إلى أبدانهم آلاما عظيمة من غير إدخال النار مع انه تعالى أدخلهم النار.

السؤال الثاني: الجلود العاصية إذا احترقت فلو خلق الله مكانها جلوداً أخرى وعذبها كان هذا تعذيبا لمن لم يعص وهو غير جائز.

والجواب عنه من وجوه: الأول: أن يجعل النضج غير النضيج، فالذات واحدة والمتبدل هو الصفة، فاذا كانت الذات واحدة كان العذاب لم يصل إلا إلى العاصي، وعلى هذا التقدير المراد بالغيرية التغاير في الصفة.

الثاني: المعذب هو الانسان، وذلك الجلد ما كان جزأ من ماهية الانسان، بل كان كالشيء الملتصق به الزائد على ذاته، فاذا جدد الله الجلد وصار ذلك الجلد الجديد سببا لوصول العذاب اليه لم يكن ذلك تعذيبا الا للعاصي.

الثالث: أن المراد بالجلود السرابيل، قال تعالى: ﴿ سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ  ﴾ فتجديد الجلود إنما هو تجديد السرابيلات.

طعن القاضي فيه، فقال: انه ترك للظاهر، وأيضا السرابيل من القطران لا توصف بالنضج، وإنما توصف بالاحتراق.

الرابع: يمكن أن يقال: هذا استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع، كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام: كلما انتهى فقد ابتدأ، وكلما وصل الى آخره فقد ابتدأ من أوله، فكذا قوله: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ يعني كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوة جديدة من الحياة بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا، فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم انقطاعه.

الخامس: قال السدي: إنه تعالى يبدل الجلود من لحم الكافر فيخرج من لحمه جلدا آخر وهذا بعيد، لأن لحمه متناه، فلابد وأن ينفد، وعند نفاد لحمه لابد من طريق آخر في تبديل الجلد، ولم يكن ذلك الطريق مذكورا أولا والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ لِيَذُوقُواْ العذاب ﴾ وفيه سؤالان: السؤال الأول: قوله: ﴿ لِيَذُوقُواْ العذاب ﴾ أي ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع، كقولك للمعزوز: أعزك الله، أي أدامك على العز وزادك فيه.

وأيضا المراد ليذوقوا بهذه الحالة الجديدة العذاب، وإلا فهم ذائقون مستمرون عليه.

السؤال الثاني: أنه إنما يقال: فلان ذاق العذاب إذا أدرك شيئا قليلا منه، والله تعالى قد وصف أنهم كانوا في أشد العذاب، فكيف يحسن أن يذكر بعد ذلك أنهم ذاقوا العذاب؟

والجواب: المقصود من ذكر الذوق الاخبار بأن إحساسهم بذلك العذاب في كل حال يكون كاحساس الذائق المذوق، من حيث أنه لا يدخل فيه نقصان ولا زوال بسبب ذلك الاحتراق.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ والمراد من العزيز: القادر الغالب، ومن الحكيم: الذي لا يفعل إلا الصواب، وذكرهما في هذا الموضع في غاية الحسن، لأنه يقع في القلب تعجب من أنه كيف يمكن بقاء الإنسان في النار الشديدة أبد الآباد!

فقيل: هذا ليس بعجيب من الله، لأنه القادر الغالب على جميع الممكنات، يقدر على إزالة طبيعة النار، ويقع في القلب أنه كريم رحيم، فكيف يليق برحمته تعذيب هذا الشخص الضعيف إلى هذا الحد العظيم؟

فقيل: كما أنه رحيم فهو أيضا حكيم، والحكمة تقتضي ذلك.

فان نظام العالم لا يبقى إلا بتهديد العصاة، والتهديد الصادر منه لابد وأن يكون مقرونا بالتحقيق صونا لكلامه عن الكذب، فثبت أن ذكر هاتين الكلمتين هاهنا في غاية الحسن.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّۭا ظَلِيلًا ٥٧

اعلم أنه قد جرت عادة الله تعالى في هذا الكتاب الكريم بأن الوعد والوعيد يتلازمان في الذكر على سبيل الأغلب، وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: هذه الآية دالة على أن الإيمان غير العمل، لأنه تعالى عطف العمل على الايمان، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه.

قال القاضي: متى ذكر لفظ الإيمان وحده دخل فيه العمل، ومتى ذكر معه العمل كان الإيمان هو التصديق، وهذا بعيد لأن الأصل عدم الاشتراك وعدم التغير، ولولا أن الأمر كذلك لخرج القرآن عن كونه مفيدا.

فلعل هذه الألفاظ التي نسمعها في القرآن يكون لكل واحد منها معنى سوى ما نعلمه، ويكون مراد الله تعالى منه ذلك المعنى لا هذا الذي تبادرت أفهامنا اليه.

هذا على القول بأن احتمال الاشتراك والافراد على السوية، وأما على القول بأن احتمال البقاء على الأصل واحتمال التغيير متساويان فلا، لأن على هذا التقدير يحتمل أن يقال: هذه الألفاظ كانت في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم موضوعة لمعنى آخر غير ما نفهمه الآن، ثم تغيرت إلى هذا الذي نفهمه الآن.

فثبت أن على هذين التقديرين يخرج القرآن عن كونه حجة، وإذا ثبت أن الاشتراك والتغيير خلاف الأصل اندفع كلام القاضي.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى ذكر في شرح ثواب المطيعين أمورا: أحدها: أنه تعالى يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وقال الزجاج: المراد تجري من تحتها مياه الأنهار، واعلم أنه إن جعل النهر اسما لمكان الماء كان الأمر مثل ما قاله الزجاج، أما إن جعلناه في المتعارف اسما لذلك الماء فلا حاجة إلى هذا الاضمار.

وثانيها: أنه تعالى وصفها بالخلود والتأبيد، وفيه رد على جهم بن صفوان حيث يقول: إن نعيم الجنة وعذاب النار ينقطعان، وأيضا أنه تعالى ذكر مع الخلود التأبيد، ولو كان الخلود عبارة عن التأبيد لزم التكرار وهو غير جائز، فدل هذا أن الخلود ليس عبارة عن التأبيد، بل هو عبارة عن طول المكث من غير بيان أنه منقطع أو غير منقطع، وإذا ثبت هذا الأصل فعند هذا يبطل استدلال المعتزلة بقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا  ﴾ على أن صاحب الكبيرة يبقى في النار على سبيل التأبيد، لأنا بينا بدلالة هذه الآية أن الخلود لطول المكث لا للتأبيد.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ ﴾ والمراد طهارتهن من الحيض والنفاس وجميع أقذار الدنيا، ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خالدون  ﴾ واللطائف اللائقة بهذا الموضع قد ذكرناها في تلك الآية.

ورابعها: قوله: ﴿ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً ﴾ قال الواحدي: الظليل ليس ينبئ عن الفعل حتى يقال: إنه بمعنى فاعل أو مفعول، بل هو مبالغة في نعت الظل، مثل قولهم: ليل أليل.

واعلم أن بلاد العرب كانت في غاية الحرارة، فكان الظل عندهم أعظم أسباب الراحة، ولهذا المعنى جعلوه كناية عن الراحة.

قال عليه الصلاة السلام: السلطان ظل الله في الأرض فإذا كان الظل عبارة عن الراحة كان الظليل كناية عن المبالغة العظيمة في الراحة، هذا ما يميل اليه خاطري، وبهذا الطريق يندفع سؤال من يقول: إذا لم يكن في الجنة شمس تؤذي بحرها فما فائدة وصفها بالظل الظليل.

وأيضاً نرى في الدنيا أن المواضع التي يدوم الظل فيها ولا يصل نور الشمس اليها يكون هواؤها عفنا فاسدا مؤذيا فما معنى وصف هواء الجنة بذلك لأن على هذا الوجه الذي لخصناه تندفع هذه الشبهات.

<div class="verse-tafsir"

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا ٥٨

اعلم انه سبحانه لما شرح بعض أحوال الكفار وشرح وعيده عاد إلى ذكر التكاليف مرة أخرى، وأيضا لما حكى عن أهل الكتاب أنهم كتموا الحق حيث قالوا للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا، أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور، سواء كانت تلك الأمور من باب المذاهب والديانات، أو من باب الدنيا والمعاملات، وأيضا لما ذكر في الآية السابقة الثواب العظيم للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكان من أجل الأعمال الصالحة الأمانة لا جرم أمر بها في هذه الآية.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان بن طلحة بن عبد الدار- وكان سادن الكعبة-باب الكعبة، وصعد السطح وأبى أن يدفع المفتاح اليه، وقال لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه، فلوى علي بين أبي طالب رضي الله عنه يده وأخذه منه وفتح، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة فنزلت هذه الآية، فأمر علياً أن يرده إلى عثمان ويعتذر اليه، فقال عثمان لعلي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهبط جبريل عليه السلام وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن السدانة في أولاد عثمان أبدا.

فهذا قول سعيد بن المسيب ومحمد بن اسحق.

وقال أبو روق: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان: أعطني المفتاح فقال: هاك بأمانة الله، فلما أراد أن يتناوله ضم يده، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك مرة ثانية: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فأعطني المفتاح، فقال: هاك بأمانة الله، فلما أراد أن يتناوله ضم يده، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك مرة ثالثة، فقال عثمان في الثالثة: هاك بامانة الله ودفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يطوف ومعه المفتاح وأراد أن يدفعه إلى العباس، ثم قال: يا عثمان خذ المفتاح على أن للعباس نصيبا معك، فأنزل الله هذه الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان: هاك خالدة تالدة لا ينزعها منك إلا ظالم ثم إن عثمان هاجر ودفع المفتاح إلى أخيه شيبة فهو في ولده اليوم.

المسألة الثانية: اعلم أن نزول هذه الآية عند هذه القصة لا يوجب كونها مخصوصة بهذه القضية، بل يدخل فيه جميع أنواع الأمانات، واعلم أن معاملة الإنسان إما أن تكون مع ربه أو مع سائر العباد، أو مع نفسه، ولا بد من رعاية الأمانة في جميع هذه الأقسام الثلاثة.

أما رعاية الأمانة مع الرب: فهي في فعل المأمورات وترك المنهيات، وهذا بحر لا ساحل له قال ابن مسعود: الأمانة في كل شيء لازمة، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم.

وقال ابن عمر رضي الله عنهما: إنه تعالى خلق فرج الإنسان وقال هذا أمانة خبأتها عندك فاحفظها إلا بحقها، واعلم أن هذا باب واسع، فأمانة اللسان أن لا يستعمله في الكذب والغيبة والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها، وأمانة العين أن لا يستعملها في النظر إلى الحرام، وأمانة السمع أن لا يستعمله في سماع الملاهي والمناهي، وسماع الفحش والأكاذيب وغيرها، وكذا القول في جميع الأعضاء.

وأما القسم الثاني: وهو رعاية الأمانة مع سائر الخلق فيدخل فيها رد الودائع، ويدخل فيه ترك التطفيف في الكيل والوزن، ويدخل فيه أن لا يفشي على الناس عيوبهم، ويدخل فيه عدل الأمراء مع رعيتهم وعدل العلماء مع العوام بأن لا يحملوهم على التعصبات الباطلة، بل يرشدونهم إلى اعتقادات وأعمال تنفعهم في دنياهم وأخراهم، ويدخل فيه نهي اليهود عن كتمان أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ونهيهم عن قولهم للكفار: إن ما أنتم عليه أفضل من دين محمد صلى الله عليه وسلم، ويدخل فيه أمر الرسول عليه الصلاة والسلام برد المفتاح إلى عثمان بن طلحة، ويدخل فيه أمانة الزوجة للزوج في حفظ فرجها، وفي أن لا تلحق بالزوج ولدا يولد من غيره.

وفي إخبارها عن انقضاء عدتها.

وأما القسم الثالث: وهو أمانة الإنسان مع نفسه فهو أن لا يختار لنفسه إلا ما هو الأنفع والاصلح له في الدين والدنيا، وأن لا يقدم بسبب الشهوة والغضب على ما يضره في الآخرة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» فقوله: ﴿ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أهلها ﴾ يدخل فيه الكل، وقد عظم الله أمر الامانة في مواضع كثيرة من كتابه فقال: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السموات والأرضوالجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان  ﴾ وقال: ﴿ والذين هُمْ لأماناتهم وَعَهْدِهِمْ راعون  ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ تَخُونُواْ أماناتكم  ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: «لا أيمان لمن لا أمانة له» وقال ميمون بن مهران: ثلاثة يؤدين إلى البر والفاجر: الامانة والعهد وصلة الرحم.

وقال القاضي: لفظ الامانة وان كان متناولا للكل إلا أنه تعالى قال في هذه الآية: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا ﴾ فوجب أن يكون المراد بهذه الامانة ما يجري مجرى المال؛ لأنها هي التي يمكن أداؤها إلى الغير.

المسألة الثالثة: الامانة مصدر سمي به المفعول، ولذلك جمع فانه جعل اسما خالصا.

قال صاحب الكشاف: قرئ (الأَمانة) على التوحيد.

المسألة الرابعة: قال أبو بكر الرازي: من الامانات الودائع، ويجب ردها عند الطلب والأكثرون على أنها غير مضمونة.

وعن بعض السلف أنها مضمونة، روى الشعبي عن أنس قال: استحملني رجل بضاعة فضاعت من بين ثيابي، فضمنني عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وعن أنس قال: كان لانسان عندي وديعة ستة آلاف درهم فذهبت، فقال عمر: ذهب لك معها شيء؟

قلت لا، فألزمني الضمان، وحجة القول المشهور ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ضمان على راع ولا على مؤتمن وأما فعل عمر فهو محمول على أن المودع اعترف بفعل يوجب الضمان.

المسألة الخامسة: قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: العارية مضمونة بعد الهلاك، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: غير مضمونة.

حجة الشافعي قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب، وبعد هلاكها تعذر ردها بصورتها، ورد ضمانها ردها بمعناها، فكانت الآية دالة على وجوب التضمين.

ونظير هذه الآية قوله عليه الصلاة والسلام: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» أقصى ما في الباب أن الآية مخصوصة في الوديعة، لكن العام بعد التخصيص حجة، وأيضاً فلأنا أجمعنا على أن المستام مضمون، وأن المودع غير مضمون، والعارية وقعت في البين، فنقول: المشابهة بين العارية وبين المستام أكثر، لأن كل واحد منهما أخذه الأجنبي لغرض نفسه، بخلاف المودع، فانه أخذ الوديعة لغرض المالك، فكانت المشابهة بين المستعار وبين المستام أتم، فظهر الفرق بين المستعار وبين المودع.

حجة أبي حنيفة قوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضمان على مؤتمن».

قلنا: إنه مخصوص في المستام، فكذا في العارية، ولأن دليلنا ظاهر القرآن وهو أقوى.

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُواْ بالعدل إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ .

وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الامانة عبارة عما إذا وجب لغيرك عليك حق فأديت ذلك الحق اليه فهذا هو الأمانة، والحكم بالحق عبارة عما إذا وجب لانسان على غيره حق فأمرت من وجب عليه ذلك الحق بأن يدفعه إلى من له ذلك الحق، ولما كان الترتيب الصحيح أن يبدأ الإنسان بنفسه في جلب المنافع ودفع المضار ثم يشتغل بغيره، لا جرم أنه تعالى ذكر الأمر بالامانة أولا، ثم بعده ذكر الأمر بالحكم بالحق، فما أحسن هذا الترتيب، لأن أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط.

المسألة الثانية: أجمعوا على أن من كان حاكما وجب عليه أن يحكم بالعدل قال تعالى: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُواْ بالعدل ﴾ والتقدير: إن الله يأمركم إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل.

وقال: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان  ﴾ وقال: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا وَلَوْ كَانَ ذَا قربى  ﴾ وقال: ﴿ ياداوود إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً فِي الأرض فاحكم بَيْنَ الناس بالحق  ﴾ وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت».

وعن الحسن قال: ان الله أخذ على الحكام ثلاثا: أن لا يتبعوا الهوى، وأن يخشوه ولا يخشوا الناس، ولا يشتروا بآياته ثمنا قليلا.

ثم قرأ ﴿ ياداوود إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً فِي الأرض ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى  ﴾ وقرأ إِنَّا أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النبيون إلى قوله: ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَنًا قَلِيلاً  ﴾ ومما يدل على وجوب العدل الآيات الواردة في مذمة الظلم قال تعالى: ﴿ احشروا الذين ظَلَمُواْ وأزواجهم  ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: «ينادي منادي يوم القيامة أين الظلمة وأين أعوان الظلمة، فيجمعون كلهم حتى من برى لهم قلما أو لاق لهم دواة فيجمعون ويلقون في النار».

وقال أيضا: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غافلا عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون  ﴾ وقال: ﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُواْ  ﴾ .

فإن قيل: الغرض من الظلم منفعة الدنيا.

فأجاب الله عن السؤال بقوله: ﴿ لَمْ تُسْكَن مّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين  ﴾ .

المسألة الثالثة: قال الشافعي رضي الله عنه: ينبغي للقاضي أن يسوي بين الخصمين في خمسة أشياء: في الدخول عليه، والجلوس بين يديه، والاقبال عليهما، والاستماع منهما، والحكم عليهما قال: والمأخوذ عليه التسوية بينهما في الأفعال دون القلب، فان كان يميل قلبه إلى أحدهما ويحب أن يغلب بحجته على الآخر فلا شيء عليه لأنه لا يمكنه التحرز عنه.

قال: ولا ينبغي أن يلقن واحدا منهما حجته، ولا شاهدا شهادته لأن ذلك يضر بأحد الخصمين، ولا يلقن المدعي الدعوى والاستحلاف، ولا يلقن المدعي عليه الانكار والاقرار، ولا يلقن الشهود أن يشهدوا أو لا يشهدوا، ولا ينبغي أن يضيف أحد الخصمين دون الآخر لأن ذلك يكسر قلب الآخر، ولا يجيب هو إلى ضيافة أحدهما، ولا إلى ضيافتهما ما داما متخاصمين.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يضيف الخصم الا وخصمه معه.

وتمام الكلام فيه مذكور في كتب الفقه، وحاصل الأمر فيه أن يكون مقصود الحاكم بحكمه إيصال الحق إلى مستحقه، وأن لا يمتزج ذلك بغرض آخر، وذلك هو المراد بقوله: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُواْ بالعدل ﴾ .

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُواْ بالعدل ﴾ كالتصريح بأنه ليس لجميع الناس أن يشرعوا في الحكم، بل ذلك لبعضهم، ثم بقيت الآية مجملة في أنه بأي طريق يصير حاكما ولما دلت سائر الدلائل على أنه لابد للأمة من الإمام الأعظم، وأنه هو الذي ينصب القضاة والولاة في البلاد، صارت تلك الدلائل كالبيان لما في هذه الآية من الاجمال.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ أي نعم شيء يعظكم به، أو نعم الذي يعظكم به، والمخصوص بالمدح محذوف، أي نعم شيء يعظكم به ذاك، وهو المأمور به من أداء الأمانات والحكم بالعدل.

ثم قال: ﴿ إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ أي اعملوا بأمر الله ووعظه فانه أعلم بالمسموعات والمبصرات يجازيكم على ما يصدر منكم، وفيه دقيقة أخرى، وهي أنه تعالى لما أمر في هذه الآيات بالحكم على سبيل العدل وبأداء الأمانة قال: ﴿ إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ أي إذا حكمت بالعدل فهو سميع لكل المسموعات يسمع ذلك الحكم، وإن أديت الأمانة فهو بصير لكل المبصرات يبصر ذلك، ولا شك أن هذا أعظم أسباب الوعد للمطيع، وأعظم أسباب الوعيد للعاصي، وإليه الاشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: «اعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك».

وفيه دقيقة أخرى، وهي أن كلما كان احتياج العبد أشد كانت عناية الله أكمل، والقضاة والولاة قد فوض الله إلى أحكامهم مصالح العباد، فكان الاهتمام بحكمهم وقضائهم أشد، فهو سبحانه منزه عن الغفلة والسهو والتفاوت في ابصار المبصرات وسماع المسموعات، ولكن لو فرضنا أن هذا التفاوت كان ممكنا لكان أولى المواضع بالاحتراز عن الغفلة والنسيان هو وقت حكم الولاة والقضاة، فلما كان هذا الموضع مخصوصا بمزيد العناية لا جرم قال في خاتمة هذه الآية: ﴿ إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ فما أحسن هذه المقاطع الموافقة لهذه المطالع.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَـٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ٥٩

اعلم أنه تعالى لما أمر الرعاة والولاة بالعدل في الرعية أمر الرعية بطاعة الولاة فقال: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ أَطِيعُواْ الله ﴾ ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: حق على الامام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فاذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة: الطاعة موافقة الارادة، وقال أصحابنا: الطاعة موافقة الأمر لا موافقة الارادة.

لنا أنه لا نزاع في أن موافقة الأمر طاعة، إنما النزاع أن المأمور به هل يجب أن يكون مراداً أم لا؟

فاذا دللنا على أن المأمور به قد لا يكون مراداً ثبت حيئنذ أن الطاعة ليست عبارة عن موافقة الارادة، وإنما قلنا إن الله قد يأمر بما لا يريد لأن علم الله وخبره قد تعلقا بأن الايمان لا يوجد من أبي لهب ألبتة، وهذا العلم وهذا الخبر يمتنع زوالهما وانقلابهما جهلا، ووجود الايمان مضاد ومناف لهذا العلم ولهذا الخبر، والجمع بين الضدين محال، فكان صدور الايمان من أبي لهب محالا.

والله تعالى عالم بكل هذه الأحوال فيكون عالما بكونه محالا، والعالم بكون الشيء محالا لا يكون مريداً له، فثبت أنه تعالى غير مريد للايمان من أبي لهب وقد أمره بالايمان فثبت أن الأمر قد يوجد بدون الارادة، وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن طاعة الله عبارة عن موافقة أمره لا عن موافقة إرادته، وأما المعتزلة فقد احتجوا على أن الطاعة اسم لموافقة الارادة بقول الشاعر: رب من أنضجت غيظا صدره *** قد تمنى لي موتاً لم يطع رتب الطاعة على التمني وهو من جنس الارادة.

والجواب: أن العاقل عالم بأن الدليل القاطع الذي ذكرناه لا يليق معارضته بمثل هذه الحجة الركيكة.

المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية آية شريفة مشتملة على أكثر علم أصول الفقه، وذلك لأن الفقهاء زعموا أن أصول الشريعة أربع: الكتاب والسنة والاجماع والقياس، وهذه الآية مشتملة على تقرير هذه الأصول الأربعة بهذا الترتيب.

أما الكتاب والسنة فقد وقعت الاشارة إليهما بقوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ .

فان قيل: أليس أن طاعة الرسول هي طاعة الله، فما معنى هذا العطف؟

قلنا: قال القاضي: الفائدة في ذلك بيان الدلالتين، فالكتاب يدل على أمر الله، ثم نعلم منه أمر الرسول لا محالة، والسنة تدل على أمر الرسول، ثم نعلم منه أمر الله لا محالة، فثبت بما ذكرنا أن قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ يدل على وجوب متابعة الكتاب والسنة.

المسألة الثالثة: اعلم أن قوله: ﴿ وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ يدل عندنا على أن إجماع الأمة حجة، والدليل على ذلك أن الله تعالى أمر بطاعة أولى الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابد وأن يكون معصوما عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمرا بفعل ذلك الخطأ والخطأ لكونه خطأ منهي عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وانه محال، فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أن كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوما عن الخطأ، فثبت قطعاً أن أولي الأمر المذكور في هذه الآية لابد وأن يكون معصوما، ثم نقول: ذلك المعصوم إما مجموع الأمة أو بعض الأمة، لا جائز أن يكون بعض الأمة؛ لأنا بينا أن الله تعالى أوجب طاعة أولي الأمر في هذه الآية قطعاً، وإيجاب طاعتهم قطعاً مشروط بكوننا عارفين بهم قادرين على الوصول اليهم والاستفادة منهم، ونحن نعلم بالضرورة أنا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة الامام المعصوم، عاجزون عن الوصول اليهم، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منهم، واذا كان الأمر كذلك علمنا أن المعصوم الذي أمر الله المؤمنين بطاعته ليس بعضا من أبعاض الأمة، ولا طائفة من طوائفهم.

ولما بطل هذا وجب أن يكون ذلك المعصوم الذي هو المراد بقوله: ﴿ وَأُوْلِى الأمر ﴾ أهل الحل والعقد من الأمة، وذلك يوجب القطع بأن إجماع الأمة حجة.

فإن قيل: المفسرون ذكروا في ﴿ أُوْلِى الأمر ﴾ وجوها أخرى سوى ما ذكرتم: أحدها: أن المراد من أولي الأمر الخلفاء الراشدون، والثاني: المراد أمراء السرايا، قال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في عبدالله بن حذافة السهمي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم أميراً على سرية.

وعن ابن عباس أنها نزلت في خالد بن الوليد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم أميرا على سرية وفيها عمار بن ياسر، فجرى بينهما اختلاف في شيء، فنزلت هذه الآية وأمر بطاعة أولي الأمر.

وثالثها: المراد العلماء الذين يفتون في الأحكام الشرعية ويعلمون الناس دينهم، وهذا رواية الثعلبي عن ابن عباس وقول الحسن ومجاهد والضحاك.

ورابعها: نقل عن الروافض أن المراد به الأئمة المعصومون، ولما كانت أقوال الأمة في تفسير هذه الآية محصورة في هذه الوجوه، وكان القول الذي نصرتموه خارجا عنها كان ذلك باجماع الأمة باطلا.

السؤال الثاني: أن نقول: حمل أولي الأمر على الأمراء والسلاطين أولى مما ذكرتم.

ويدل عليه وجوه: الأول: أن الامراء والسلاطين أوامرهم نافذة على الخلق، فهم في الحقيقة أولو الأمر أما أهل الاجماع فليس لهم أمر نافذ على الخلق، فكان حمل اللفظ على الأمراء والسلاطين أولى.

والثاني: أن أول الآية وآخرها يناسب ما ذكرناه، أما أول الآية فهو أنه تعالى أمر الحكام بأداء الأمانات وبرعاية العدل، وأما آخر الآية فهو أنه تعالى أمر بالرد إلى الكتاب والسنة فيما أشكل، وهذا إنما يليق بالأمراء لا بأهل الاجماع.

الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم بالغ في الترغيب في طاعة الأمراء، فقال: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني» فهذا ما يمكن ذكره من السؤال على الاستدلال الذي ذكرناه.

والجواب: أنه لا نزاع أن جماعة من الصحابة والتابعين حملوا قوله: ﴿ وَأُوْلِى الامر مِنْكُمْ ﴾ على العلماء، فاذا قلنا: المراد منه جميع العلماء من أهل العقد والحل لم يكن هذا قولا خارجا عن أقوال الأمة، بل كان هذا اختياراً لأحد أقوالهم وتصحيحا له بالحجة القاطعة، فاندفع السؤال الأول: وأما سؤالهم الثاني فهو مدفوع، لأن الوجوه التي ذكروها وجوه ضعيفة، والذي ذكرناه برهان قاطع، فكان قولنا أولى، على أنا نعارض تلك الوجوه بوجوه أخرى أقوى منها: فأحدها: أن الأمة مجمعة على أن الأمراء والسلاطين إنما يجب طاعتهم فيما علم بالدليل أنه حق وصواب، وذلك الدليل ليس إلا الكتاب والسنة، فحينئذ لا يكون هذا قسما منفصلا عن طاعة الكتاب والسنة، وعن طاعة الله وطاعة رسوله، بل يكون داخلا فيه، كما أن وجوب طاعة الزوجة للزوج والولد للوالدين، والتلميذ للأستاذ داخل في طاعة الله وطاعة الرسول، أما إذا حملناه على الاجماع لم يكن هذا القسم داخلا تحتها، لأنه ربما دل الاجماع على حكم بحيث لا يكون في الكتاب والسنة دلالة عليه، فحينئذ أمكن جعل هذا القسم منفصلا عن القسمين الأولين، فهذا أولى.

وثانيها: أن حمل الآية على طاعة الأمراء يقتضي إدخال الشرط في الآية، لأن طاعة الأمراء إنما تجب إذا كانوا مع الحق، فاذا حملناه على الاجماع لا يدخل الشرط في الآية، فكان هذا أولى.

وثالثها: أن قوله من بعد: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى الله ﴾ مشعر باجماع مقدم يخالف حكمه حكم هذا التنازع.

ورابعها: أن طاعة الله وطاعة رسوله واجبة قطعا، وعندنا أن طاعة أهل الاجماع واجبة قطعا، وأما طاعة الأمراء والسلاطين فغير واجبة قطعا، بل الأكثر أنها تكون محرمة لأنهم لا يأمرون إلا بالظلم، وفي الأقل تكون واجبة بحسب الظن الضعيف، فكان حمل الآية على الاجماع أولى، لأنه أدخل الرسول وأولي الأمر في لفظ واحد وهو قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر ﴾ فكان حمل أولي الأمر الذي هو مقرون بالرسول على المعصوم أولى من حمله على الفاجر الفاسق.

وخامسها: أن أعمال الأمراء والسلاطين موقوفة على فتاوى العلماء، والعلماء في الحقيقة أمراء الأمراء، فكان حمل لفظ أولي الأمر عليهم أولى، وأما حمل الآية على الأئمة المعصومين على ما تقوله الروافض ففي غاية البعد لوجوه: أحدها: ما ذكرناه أن طاعتهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول اليهم، فلو أوجب علينا طاعتهم قبل معرفتهم كان هذا تكليف ما لا يطاق، ولو أوجب علينا طاعتهم إذا صرنا عارفين بهم وبمذاهبهم صار هذا الايجاب مشروطا، وظاهر قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ يقتضي الاطلاق، وأيضا ففي الآية ما يدفع هذا الاحتمال، وذلك لأنه تعالى أمر بطاعة الرسول وطاعة أولي الأمر في لفظة واحدة، وهو قوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ واللفظة الواحدة لا يجوز أن تكون مطلقة ومشروطة معا، فلما كانت هذه اللفظة مطلقة في حق الرسول وجب أن تكون مطلقة في حق أولي الأمر.

الثاني: أنه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر، وأولو الأمر جمع، وعندهم لا يكون في الزمان إلا إمام واحد، وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر.

وثالثها: أنه قال: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ ولو كان المراد بأولي الأمر الامام المعصوم لوجب أن يقال: فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الإمام، فثبت أن الحق تفسير الآية بما ذكرناه.

المسألة الرابعة: اعلم أن قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ يدل عندنا على أن القياس حجة، والذي يدل على ذلك أن قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء ﴾ إما أن يكون المراد فان اختلفتم في شيء حكمه منصوص عليه في الكتاب أو السنة أو الاجماع، أو المراد فان اختلفتم في شيء حكمه غير منصوص عليه في شيء من هذه الثلاثة، والأول باطل لأن على ذلك التقدير وجب عليه طاعته فكان ذلك داخلا تحت قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ وحينئذ يصير قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ إعادة لعين ما مضى، وإنه غير جائز.

وإذا بطل هذا القسم تعين الثاني وهو أن المراد: فان تنازعتم في شيء حكمه غير مذكور في الكتاب والسنة والاجماع، واذا كان كذلك لم يكن المراد من قوله: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ طلب حكمه من نصوص الكتاب والسنة.

فوجب أن يكون المراد رد حكمه إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة له، وذلك هو القياس، فثبت أن الآية دالة على الأمر بالقياس.

فان قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ أي فوضوا علمه إلى الله واسكتوا عنه ولا تتعرضوا له؟

وأيضاً فلم لا يجوز ان يكون المراد فردوا غير المنصوص إلى المنصوص في أنه لا يحكم فيه إلا بالنص؟

وأيضا لم يجوزلا أن يكون المراد فردوا هذه الأحكام إلى البراءة الأصلية؟

قلنا: أما الأول فمدفوع، وذلك لأن هذه الآية دلت على أنه تعالى جعل الوقائع قسمين، منها ما يكون حكمها منصوصا عليه، ومنها ما لا يكون كذلك، ثم أمر في القسم الأول بالطاعة والانقياد، وأمر في القسم الثاني بالرد إلى الله وإلى الرسول، ولا يجوز أن يكون المراد بهذا الرد السكوت، لأن الواقعة ربما كانت لا تحتمل ذلك، بل لابد من قطع الشغب والخصومة فيها بنفي أو إثبات، واذا كان كذلك امتنع حمل الرد إلى الله على السكوت عن تلك الواقعة، وبهذا الجواب يظهر فساد السؤال الثالث.

وأما السؤال الثاني: فجوابه أن البراءة الأصلية معلومة بحكم العقل، فلا يكون رد الواقعة اليها ردا إلى الله بوجه من الوجوه، أما إذا رددنا حكم الواقعة إلى الأحكام المنصوص عليها كان هذا ردا للواقعة على أحكام الله تعالى، فكان حمل اللفظ على هذا الوجه أولى.

المسألة الخامسة: هذه الآية دالة على أن الكتاب والسنة مقدمان على القياس مطلقا، فلا يجوز ترك العمل بهما بسبب القياس، ولا يجوز تخصيصهما بسبب القياس ألبتة، سواء كان القياس جليا أو خفيا، سواء كان ذلك النص مخصوصا قبل ذلك أم لا، ويدل عليه أنا بينا أن قوله تعالى: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ أمر بطاعة الكتاب والسنة، وهذا الأمر مطلق، فثبت أن متابعة الكتاب والسنة سواء حصل قياس يعارضهما أو يخصصهما أو لم يوجد واجبة، ومما يؤكد ذلك وجوه أخرى: أحدها: أن كلمة ان على قول كثير من الناس للاشتراط، وعلى هذا المذهب كان قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ صريح في أنه لا يجوز العدول إلى القياس إلا عند فقدان الأصول.

الثاني: أنه تعالى أخر ذكر القياس عن ذكر الأصول الثلاثة، وهذا مشعر بأن العمل به مؤخر عن الأصول الثلاثة.

الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم اعتبر هذا الترتيب في قصة معاذ حيث أخر الاجتهاد عن الكتاب، وعلق جوازه على عدم وجدان الكتاب والسنة بقوله: فإن لم تجد الرابع: أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم حيث قال: ﴿ وَإِذ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآِدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ  ﴾ ثم إن إبليس لم يدفع هذا النص بالكلية، بل خصص نفسه عن ذلك العموم بقياس هو قوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ ثم أجمع العقلاء على أنه جعل القياس مقدما على النص وصار بذلك السبب ملعونا، وهذا يدل على أن تخصيص النص بالقياس تقديم للقياس على النص وانه غير جائز.

الخامس: أن القرآن مقطوع في متنه لأنه ثبت بالتواتر، والقياس ليس كذلك، بل هو مظنون من جميع الجهات، والمقطوع راجح على المظنون.

السادس: قوله تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ الله فأولئك هُمُ الظالمون  ﴾ وإذا وجدنا عموم الكتاب حاصلا في الواقعة ثم انا لا نحكم به بل حكمنا بالقياس لزم الدخول تحت هذا العموم.

السابع: قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ  ﴾ فاذا كان عموم القرآن حاضر، ثم قدمنا القياس المخصص لزم التقديم بين يدي الله ورسوله.

الثامن: قوله تعالى: ﴿ سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء الله  ﴾ إلى قوله: ﴿ إِن تَتَّبِعُونَ إلى الظن  ﴾ جعل اتباع الظن من صفات الكفار، ومن الموجبات القوية في مذمتهم، فهذا يقتضي أن لا يجوز العمل بالقياس ألبتة ترك هذا النص لما بينا أنه يدل على جواز العمل بالقياس، لكنه إنما دل على ذلك عند فقدان النصوص، فوجب عند وجدانها أن يبقى على الأصل.

التاسع: أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فلإن وافقه فاقبلوه وإلا ذروه».

ولا شك أن الحديث أقوى من القياس، فاذا كان الحديث الذي لا يوافقه الكتاب مردوداً فالقياس أولى به.

العاشر: أن القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، والقياس يفرق عقل الإنسان الضعيف، وكل من له عقل سليم عُلِمَ أن الأول أقوى بالمتابعة وأحرى.

المسألة السادسة: هذه الآية دالة على أن ما سوى هذه الأصول الأربعة: أعني الكتاب والسنة والاجماع والقياس مردود باطل، وذلك لأنه تعالى جعل الوقائع قسمين: أحدهما: ما تكون أحكامها منصوصة عليها وأمر فيها بالطاعة وهو قوله: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ والثاني: ما لا تكون أحكامها منصوصة عليها وأمر فيها بالاجتهاد وهو قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ فاذا كان لا مزيد على هذين القسمين وقد أمر الله تعالى في كل واحد منهما بتكليف خاص معين دل ذلك على أنه ليس للمكلف أن يتمسك بشيء سوى هذه الأصول الأربعة، وإذا ثبت هذا فنقول: القول بالاستحسان الذي يقول به أبو حنيفة رضي الله عنه، والقول بالاستصلاح الذي يقول به مالك رحمه الله إن كان المراد به أحد هذه الأمور الأربعة فهو تغيير عبارة ولا فائدة فيه، وإن كان مغايراً لهذه الأربعة كان القول به باطلا قطعاً لدلالة هذه الآية على بطلانه كما ذكرنا.

المسألة السابعة: زعم كثير من الفقهاء أن قوله تعالى: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ يدل على أن ظاهر الأمر للوجوب، واعترض المتكلمون عليه فقالوا: قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله ﴾ فهذا لا يدل على الايجاب إلا إذا ثبت أن الأمر للوجوب.

وهذا يقتضي افتقار الدليل إلى المدلول وهو باطل، وللفقهاء أن يجيبوا عنه من وجهين: الأول: أن الأوامر الواردة في الوقائع المخصوصة دالة على الندبية فقوله: ﴿ أَطِيعُواْ ﴾ لو كان معناه أن الاتيان بالمأمورات مندوب فحينئذ لا يبقى لهذه الآية فائدة.

لأن مجرد الندبية كان معلوما من تلك الأوامر، فوجب حملها على إفادة الوجوب حتى يقال: ان الأوامر دلت على أن فعل تلك المأمورات أولى من تركها، وهذه الآية دلت على المنع من تركها فحينئذ يبقى لهذه الآية فائدة.

والثاني: أنه تعالى ختم الآية بقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر ﴾ وهو وعيد، فكما أن احتمال اختصاصه بقوله: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله ﴾ قائم، فكذلك احتمال عوده إلى الجملتين أعني قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله ﴾ وقوله: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله ﴾ قائم، ولا شك أن الاحتياط فيه، وإذا حكمنا بعود ذلك الوعيد إلى الكل صار قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله ﴾ موجبا للوجوب، فثبت أن هذه الآية دالة على أن ظاهر الامر للوجوب، ولا شك أنه أصل معتبر في الشرع.

المسألة الثامنة: اعلم أن المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم إما القول وإما الفعل، أما القول فيجب إطاعته لقوله تعالى: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ وأما الفعل فيجب على الأمة الاقتداء به إلا ما خصه الدليل.

وذلك لأنا بينا ان قوله: ﴿ أَطِيعُواْ ﴾ يدل على أن أوامر الله للوجوب ثم انه تعالى قال في آية أخرى في صفة محمد عليه الصلاة والسلام: ﴿ فاتبعوه ﴾ وهذا أمر، فوجب أن يكون للوجوب، فثبت أن متابعته واجبة، والمتابعة عبارة عن الاتيان بمثل فعل الغير لأجل أن ذلك الغير فعله، فثبت ان قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله ﴾ يوجب الاقتداء بالرسول في كل أفعاله، وقوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ يوجب الاقتداء به في جميع أقواله، ولا شك أنهما أصلان معتبران في الشريعة.

المسألة التاسعة: اعلم أن ظاهر الأمر وإن كان في أصل الوضع لا يفيد التكرار ولا الفور إلا أنه في عرف الشرع يدل عليه، ويدل عليه وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله ﴾ يصح منه استثناء أي وقت كان، وحكم الاستثناء اخراج ما لولاه لدخل، فوجب أن يكون قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله ﴾ متناولا لكل الأوقات، وذلك يقتضي التكرار، والتكرار يقتضي الفور.

الثاني: أنه لو لم يفد ذلك لصارت الآية مجملة، لأن الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة غير مذكورة، أما لو حملناه على العموم كانت الآية مبينة، وحمل كلام الله على الوجه الذي يكون مبينا أولى من حمله على الوجه الذي به يصير مجملا مجهولا، أقصى ما في الباب أنه يدخله التخصيص، والتخصيص خير من الاجمال.

الثالث: أن قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله ﴾ أضاف لفظ الطاعة إلى لفظ الله، فهذا يقتضي أن وجوب الطاعة علينا له إنما كان لكوننا عبيدا له ولكونه إلها، فثبت من هذا الوجه أن المنشأ لوجوب الطاعة هو العبودية والربوبية، وذلك يقتضي دوام وجوب الطاعة على جميع المكلفين إلى قيام القيامة وهذا أصل معتبر في الشرع.

المسألة العاشرة: أنه قال: ﴿ أَطِيعُواْ الله ﴾ فأفرده في الذكر، ثم قال: ﴿ وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ وهذا تعليم من الله سبحانه لهذا الأدب، وهو أن لا يجمعوا في الذكر بين اسمه سبحانه وبين اسم غيره، وأما إذا آل الأمر إلى المخلوقين فيجوز ذلك، بدليل انه قال: ﴿ وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ وهذا تعليم لهذا الأدب، ولذلك روي أن واحدا ذكر عند الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: من أطاع الله والرسول فقد رشد، ومن عصاهما فقد غوى، فقال عليه الصلاة والسلام: «بئس الخطيب أنت هلا قلت من عصى الله وعصى رسوله» أو لفظ هذا معناه، وتحقيق القول فيه أن الجمع بين الذكرين في اللفظ يوهم نوع مناسبة ومجانسة، وهو سبحانه متعال عن ذلك.

المسألة الحادية عشرة: قد دللنا على أن قوله: ﴿ وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ يدل على أن الاجماع حجة فنقول: كما أنه دل على هذا الأصل فكذلك دل على مسائل كثيرة من فروع القول بالاجماع، ونحن نذكر بعضها: الفرع الأول: مذهبنا أن الاجماع لا ينعقد إلا بقول العلماء الذين يمكنهم استنباط أحكام الله من نصوص الكتاب والسنة، وهؤلاء هم المسمون بأهل الحل والعقد في كتب أصول الفقه نقول: الآية دالة عليه لأنه تعالى أوجب طاعة أولي الأمر، والذين لهم الأمر والنهي في الشرع ليس إلا هذا الصنف من العلماء، لأن المتكلم الذي لا معرفة له بكيفية استنباط الأحكام من النصوص لا اعتبار بأمره ونهيه، وكذلك المفسر والمحدث الذي لا قدرة له على استنباط الأحكام من القرآن والحديث، فدل على ما ذكرناه، فلما دلت الآية على أن اجماع أولي الأمر حجة علمنا دلالة الآية على أن ينعقد الاجماع بمجرد قول هذه الطائفة من العلماء.

وأما دلالة الآية على أن العامي غير داخل فيه فظاهر؛ لأنه من الظاهر أنهم ليسوا من أولي الأمر.

الفرع الثاني: اختلفوا في أن الاجماع الحاصل عقيب الخلاف هل هو حجة؟

والأصح أنه حجة، والدليل عليه هذه الآية، وذلك لأنا بينا أن قوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ يقتضي وجوب طاعة جملة أهل الحل والعقد من الأمة، وهذا يدخل فيه ما حصل بعد الخلاف وما لم يكن كذلك، فوجب أن يكون الكل حجة.

الفرع الثالث: اختلفوا في أن انقراض أهل العصر هل هو شرط؟

والأصح أنه ليس بشرط، والدليل عليه هذه الآية، وذلك لأنها تدل على وجوب طاعة المجمعين، وذلك يدخل فيه ما إذا انقرض العصر وما إذا لم ينقرض.

الفرع الرابع: دلت الآية على أن العبرة باجماع المؤمنين لأنه تعالى قال في أول الآية: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ ثم قال: ﴿ وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ فدل هذا على أن العبرة باجماع المؤمنين، فأما سائر الفرق الذين يشك في إيمانهم فلا عبرة بهم.

المسألة الثانية عشرة: ذكرنا أن قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ يدل على صحة العمل بالقياس، فنقول: كما أن هذه الآية دلت على هذا الأصل، فكذلك دلت على مسائل كثيرة من فروع القول بالقياس، ونحن نذكر بعضها: الفرع الأول: قد ذكرنا أن قوله: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله ﴾ معناه فردوه إلى واقعة بين الله حكمها، ولا بد وأن يكون المراد فردوها إلى واقعة تشبهها، إذ لو كان المراد بردها ردها إلى واقعة تخالفها في الصورة والصفة، فحينئذ لم يكن ردها إلى بعض الصور أولى من ردها إلى الباقي، وحينئذ يتعذر الرد، فعلمنا أنه لابد وأن يكون المراد: فردوها إلى واقعة تشبهها في الصورة والصفة.

ثم إن هذا المعنى الذي قلناه يؤكد بالخبر والأثر، أما الخبر فانهم لما سألوه صلى الله عليه وسلم عن قبلة الصائم فقال عليه الصلاة والسلام: «أرأيت لو تمضمضت» يعني المضمضة مقدمة الأكل، كما أن القبلة مقدمة الجماع، فكما أن تلك المضمضة لم تنقض الصوم، فكذا القبلة.

ولما سألته الخثعمية عن الحج فقال عليه الصلاة والسلام: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته هل يجزى؟» فقالت نعم: قال عليه الصلاة والسلام: «فدين الله أحق بالقضاء».

وأما الأثر فما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: اعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك، فدل مجموع ما ذكرناه من دلالة هذه الآية ودلالة الخبر ودلالة الأثر على أن قوله: ﴿ فَرُدُّوهُ ﴾ أمر برد الشيء إلى شبيهه، واذا ثبت هذا فقد جعل الله المشابهة في الصورة والصفة دليلا على أن الحكم في غير محل النص مشابه للحكم في محل النص، وهذا هو الذي يسميه الشافعي رحمه الله قياس الأشباه، ويسميه أكثر الفقهاء قياس الطرد، ودلت هذه الآية على صحته لأنه لما ثبت بالدليل أن المراد من قوله: ﴿ فَرُدُّوهُ ﴾ هو أنه ردوه إلى شبيهه علمنا أن الأصل المعول عليه في باب القياس محض المشابهة، وهذا بحث فيه طول، ومرادنا بيان كيفية استنباط المسائل من الآيات، فأما الاستقصاء فيها فمذكور في سائر الكتب.

الفرع الثاني: دلت الآية على أن شرط الاستدلال بالقياس في المسألة أن لا يكون فيها نص من الكتاب والسنة لأن قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ ﴾ مشعر بهذا الاشتراط.

الفرع الثالث: دلت الآية على أنه اذا لم يوجد في الواقعة نص من الكتاب والسنة والاجماع جاز استعمال القياس فيه كيف كان، وبطل به قول من قال: لا يجوز استعمال القياس في الكفارات والحدود وغيرهما؛ لأن قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء ﴾ عام في كل واقعة لا نص فيها.

الفرع الرابع: دلت الآية على أن من أثبت الحكم في صورة بالقياس فلابد وأن يقيسه على صورة ثبت الحكم فيها بالنص، ولا يجوز أن يقيسه على صورة ثبت الحكم فيها بالقياس لأن قوله: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ ظاهره مشعر بأنه يجب رده إلى الحكم الذي ثبت بنص الله ونص رسوله.

الفرع الخامس: دلت الآية على أن القياس على الأصل الذي ثبت حكمه بالقرآن، والقياس على الأصل الذي ثبت حكمه بالسنة إذا تعارضا كان القياس على القرآن مقدما على القياس على الخبر لأنه تعالى قدم الكتاب على السنة في قوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ وفي قوله: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ وكذلك في خبر معاذ.

الفرع السادس: دلت الآية على أنه إذا تعارض قياسان أحدهما تأيد بايماء في كتاب الله والآخر تأيد بايماء خبر من أخبار رسول الله، فإن الأول مقدم على الثاني، يعني كما ذكرناه في الفرع الخامس، فهذه المسائل الأصولية استنبطناها من هذه الآية في أقل من ساعتين، ولعل الإنسان إذا استعمل الفكر على الاستقصاء أمكنه استنباط أكثر مسائل أصول الفقه من هذه الآية.

المسألة الثالثة عشرة: قوله: ﴿ وَأُوْلِى الأمر ﴾ معناه ذوو الأمر وأولو جمع، وواحده ذو على غير القياس، كالنساء والابل والخيل، كلها أسماء للجمع ولا واحد له في اللفظ.

المسألة الرابعة عشرة: قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ ﴾ قال الزجاج: اختلفتم وقال كل فريق: القول قولي واشتقاق المنازعة من النزع الذي هو الجذب، والمنازعة عبارة عن مجاذبة كل واحد من الخصمين لحجة مصححة لقوله، أو محاولة جذب قوله ونزعه إياه عما يفسده.

ثم قال تعالى: ﴿ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا الوعيد يحتمل أن يكون عائدا إلى قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ وإلى قوله: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ ، والله أعلم.

المسألة الثانية: ظاهر قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر ﴾ يقتضي أن من لم يطع الله والرسول لا يكون مؤمنا، وهذا يقتضي أن يخرج المذنب عن الايمان لكنه محمول على التهديد.

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ أي ذلك الذي أمرتكم به في هذه الآية خير لكم وأحسن عاقبة لكم لأن التأويل عبارة عما اليه مآل الشيء ومرجعه وعاقبته.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًۭا ٦٠ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًۭا ٦١

اعلم أنه تعالى لما أوجب في الآية الاولى على جميع المكلفين أن يطيعوا الله ويطيعوا الرسول ذكر في هذه الآية أن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون الرسول ولا يرضون بحكمه، وانما يريدون حكم غيره، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الزعم والزعم لغتان، ولا يستعملان في الاكثر الا في القول الذي لا يتحقق.

قال الليث: أهل العربية يقولون زعم فلان اذا شكوا فيه فلم يعرفوا أكذب أو صدق، فكذلك تفسير قوله: ﴿ هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ ﴾ أي بقولهم الكذب.

قال الاصمعي: الزعوم من الغنم التي لا يعرفون أبها شحم أم لا، وقال ابن الاعربي: الزعم يستعمل في الحق، وأنشد لأمية بن الصلت: وأنّي أدين لكم أنه *** سينجزكم ربكم ما زعم اذا عرفت هذا فنقول: الذي في هذه الآية المراد به الكذب، لأن الآية نزلت في المنافقين.

المسألة الثانية: ذكروا في أسباب النزول وجوها: الأول: قال كثير من المفسرين: نازع رجل من المنافقين رجلا من اليهود فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم، وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الاشرف، والسبب في ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقضي بالحق ولا يلتفت الى الرشوة، وكعب بن الاشرف كان شديد الرغبة في الرشوة، واليهودي كان محقا، والمنافق كان مبطلا، فلهذا المعنى كان اليهودي يريد التحاكم الى الرسول، والمنافق كان يريد كعب بن الاشرف، ثم أصر اليهودي على قوله، فذهبا اليه صلى الله عليه وسلم، فحكم الرسول عليه الصلاة والسلام لليهودي على المنافق، فقال المنافق لا أرضى انطلق بنا الى أبي بكر، فحكم أبو بكر رضي الله عنه لليهودي فلم يرض المنافق، وقال المنافق: بيني وبينك عمر، فصارا الى عمر فأخبره اليهودي أن الرسول عليه الصلاة والسلام وأبا بكر حكما على المنافق فلم يرض بحكمهما، فقال للمنافق: أهكذا فقال نعم، قال: اصبرا إن لي حاجة أدخل فأقضيها وأخرج اليكما.

فدخل فأخذ سيفه ثم خرج اليهما فضرب به المنافق حتى برد وهرب اليهودي، فجاء أهل المنافق فشكوا عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عمر عن قصته، فقال عمر: إنه رد حكمك يا رسول الله، فجاء جبريل عليه السلام في الحال وقال: انه الفاروق فرق بين الحق والباطل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: أنت الفاروق وعلى هذا القول الطاغوت هو كعب بن الأشرف.

الرواية الثانية: في سبب نزول هذه الآية أنه أسلم ناس من اليهود ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضريا قتل به وأخذ منه دية مائة وسق من تمر، وإذا قتل نضري قرظيا لم يقتل به، لكن أعطي ديته ستين وسقا من التمر، وكان بنو النضير أشرف وهم حلفاء الأوس، وقريظة حلفاء الخزرج، فلما هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة قتل نضري قرظيا فاختصما فيه، فقالت بنو النضير: لا قصاص علينا، إنما علينا ستون وسقا من تمر على ما اصطلحنا عليه من قبل، وقالت الخزرج: هذا حكم الجاهلية، ونحن وأنتم اليوم إخوة، وديننا واحد ولا فضل بيننا، فأبي بنو النضير ذلك، فقال المنافقون: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي، وقال المسلمون: بل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى المنافقون وانطلقوا إلى الكاهن ليحكم بينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ودعا الرسول عليه الصلاة والسلام الكاهن إلى الاسلام فأسلم، هذا قول السدي، وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن.

الرواية الثالثة: قال الحسن: ان رجلا من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق، فدعاه المنافق إلى وثن كان أهل الجاهلية يتحاكمون اليه، ورجل قائم يترجم الأباطيل عن الوثن، فالمراد بالطاغوت هو ذلك الرجل.

الرواية الرابعة: كانوا يتحاكمون إلى الأوثان، وكان طريقهم أنهم يضربون القداح بحضرة الوثن، فما خرج على القداح عملوا به، وعلى هذا القول فالطاغوت هو الوثن.

واعلم أن المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية نزلت في بعض المنافقين، ثم قال أبو مسلم: ظاهر الآية يدل على أنه كان منافقا من أهل الكتاب، مثل أنه كان يهوديا فأظهر الاسلام على سبيل النفاق لأن قوله تعالى: ﴿ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ إنما يليق بمثل هذا المنافق.

المسألة الثالثة: مقصود الكلام ان بعض الناس أراد أن يتحاكم إلى بعض أهل الطغيان ولم يرد التحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

قال القاضي: ويجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر، وعدم الرضا بحكم محمد عليه الصلاة والسلام كفر، ويدل عليه وجوه: الأول: انه تعالى قال: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطاغوت وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ﴾ فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون ايمانا به، ولا شك أن الايمان بالطاغوت كفر بالله، كما أن الكفر بالطغوت إيمان بالله.

الثاني: قوله تعالى: ﴿ فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً  ﴾ وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام.

الثالث: قوله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة، وفي هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر الرسول عليه الصلاة والسلام فهو خارج عن الاسلام، سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد، وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة اليه من الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم.

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: ان قوله تعالى: ﴿ وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ ضلالا بَعِيداً ﴾ يدل على أن كفر الكافر ليس بخلق الله ولا بارادته، وبيانه من وجوه: الأول: أنه لو خلق الله الكفر في الكافر وأراده منه فأي تأثير للشيطان فيه، وإذا لم يكن له فيه تأثير فلم ذمه عليه؟

الثاني: انه تعالى ذم الشيطان بسبب انه يريد هذه الضلالة؟

فلو كان تعالى مريداً لها لكان هو بالذم أولى من حيث ان كل من عاب شيئا ثم فعله كان بالذم أولى قال تعالى: ﴿ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ  ﴾ الثالث: ان قوله تعالى في أول الآية صريح في إظهار التعجب من أنهم كيف تحاكموا إلى الطاغوت مع أنهم قد أمروا أن يكفروا به، ولو كان ذلك التحاكم بخلق الله لما بقي التعجب، فانه يقال: إنما فعلوا لاجل أنك خلقت ذلك الفعل فيهم وأردته منهم، بل التعجب من هذا التعجب أولى، فان من فعل ذلك فيهم ثم أخذ يتعجب منهم انهم كيف فعلوا ذلك كان التعجب من هذا التعجب أولى.

واعلم أن حاصل هذا الاستدلال يرجع إلى التمسك بطريقة المدح أو الذم، وقد عرفت منا انا لا نقدح في هذه الطريقة إلا بالمعارضة بالعلم والداعي والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول رَأَيْتَ المنافقين يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: بين في الآية الأولى رغبة المنافقين في التحاكم إلى الطاغوت، وبين بهذه الآية نفرتهم عن التحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

قال المفسرون: إنما صد المنافقون عن حكم الرسول عليه الصلاة والسلام لأنهم كانوا ظالمين؛ وعلموا أنه لا يأخذ الرشا وانه لا يحكم إلا بمر الحكم، وقيل: كان ذلك الصد لعداوتهم في الدين.

المسألة الثانية: يصدون عنك صدودا، أي يعرضون عنك، وذكر المصدر للتأكيد والمبالغة كأنه قيل: صدودا أي صدود.

<div class="verse-tafsir"

فَكَيْفَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَـٰنًۭا وَتَوْفِيقًا ٦٢ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًۢا بَلِيغًۭا ٦٣

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ كلام وقع في البين، وما قبل هذه الآية متصل بما بعدها هكذا: واذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا، يعني أنهم في أول الأمر يصدون عنك أشد الصدود، ثم بعد ذلك يجيئونك ويحلفون بالله كذبا على أنهم ما أرادوا بذلك الصد إلا الاحسان والتوفيق، وعلى هذا التقدير يكون النظم متصلا، وتلك الآية وقعت في البين كالكلام الأجنبي، وهذا يسمى اعتراضا، وهو كقول الشاعر: إن الثمانين وبلغتها *** قد أحوجت سمعي إلى ترجمان فقوله: وبلغتها، كلام أجنبي وقع في البين، إلا أن هذا الكلام الأجنبي شرطه أن يكون له من بعض الوجوه تعلق بذلك المقصود كما في هذا البيت، فان قوله: بلغتها دعاء للمخاطب وتلطف في القول معه، والآية أيضا كذلك، لأن أول الآية وآخرها في شرح قبائح المنافقين وفضائحهم وأنواع كيدهم ومكرهم، فان الآية أخبرت بأنه تعالى حكى عنهم في أول الآية أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت مع أنهم أمروا بالكفر به، ويصدون عن الرسول مع أنهم أمروا بطاعته، فذكر بعد هذا ما يدل على شدة الأحوال عليهم بسبب هذه الأعمال السيئة في الدنيا والآخرة فقال: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي فكيف حال تلك الشدة وحال تلك المصيبة، فهذا تقرير هذا القول، وهو قول الحسن البصري، واختيار الواحدي من المتأخرين.

الوجه الثاني: أنه كلام متصل بما قبله، وتقريره انه تعالى لما حكى عنهم في الآية المتقدمة أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويفرون من الرسول عليه الصلاة والسلام أشد الفرار دل ذلك على شدة نفرتهم من الحضور عند الرسول والقرب منه، فلما ذكر ذلك قال: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ يعني إذا كانت نفرتهم من الحضور عند الرسول في أوقات السلامة هكذا، فكيف يكون حالهم في شدة الغم والحسرة إذا أتوا بجناية خافوا بسببها منك، ثم جاؤك شاؤا أم أبوا ويحلفون بالله على سبيل الكذب: انا ما أردنا بتلك الجناية إلا الخير والمصلحة، والغرض من هذا الكلام بيان ان ما في قلبهم من النفرة عن الرسول لا غاية له، سواء غابوا أم حضروا، وسواء بعدوا أم قربوا، ثم انه تعالى أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ أُولَئِكَ الذين يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ والمعنى أن من أراد المبالغة في شيء قال: هذا شيء لا يعلمه إلا الله، يعني انه لكثرته وقوته لا يقدر أحد على معرفته إلا الله تعالى، ثم لما عرف الرسول عليه الصلاة والسلام شدة بغضهم ونهاية عداوتهم ونفرتهم أعلمه انه كيف يعاملهم فقال: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾ وهذا الكلام على ما قررناه منتظم حسن الاتساق لا حاجة فيه إلى شيء من الحذف والإضمار، ومن طالع كتب التفسير علم ان المتقدمين والمتأخرين كيف اضطربوا فيه والله أعلم.

المسألة الثانية: ذكروا في تفسير قوله: ﴿ أصابتهم مُّصِيبَةٌ ﴾ وجوها: الأول: أن المراد منه قتل عمر صاحبهم الذي أقر أنه لا يرضى بحكم الرسول عليه السلام، فهم جاؤا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فطالبوا عمر بدمه وحلفوا انهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا المصلحة، وهذا اختيار الزجاج.

الثاني: قال أبو علي الجبائي: المراد من هذه المصيبة ما أمر الله تعالى الرسول عليه الصلاة والسلام من أنه لا يستصحبهم في الغزوات، وانه يخصهم بمزيد الاذلال والطرد عن حضرته وهو قوله تعالى: ﴿ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِى ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلًا  مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوٓا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا  ﴾ وقوله: ﴿ قُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا  ﴾ وبالجملة فأمثال هذه الآيات توجب لهم الذل العظيم، فكانت معدودة في مصائبهم، وانما يصيبهم ذلك لأجل نفاقهم، وعني بقوله: ﴿ ثُمَّ جاؤك ﴾ أي وقت المصيبة يحلفون ويعتذرون أنا ما أردنا بما كان منا من مداراة الكفار الا الصلاح، وكانوا في ذلك كاذبين لانهم أضمروا خلاف ما أظهروه، ولم يريدوا بذلك الاحسان الذي هو الصلاح.

الثالث: قال أبو مسلم الاصفهاني: انه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم رغبوا في حكم الطاغوت وكرهوا حكم الرسول، بشر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ستصيبهم مصائب تلجئهم إليه، والى أن يظهروا له الايمان به والى أن يحلفوا بأن مرادهم الاحسان والتوفيق.

قال: ومن عادة العرب عند التبشير والانذار أن يقولوا: كيف أنت اذا كان كذا وكذا، ومثاله قوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ  ﴾ وقوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جمعناهم لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ  ﴾ ثم أمره تعالى اذا كان منهم ذلك أن يعرض عنهم ويعظهم.

المسألة الثالثة: في تفسير الاحسان والتوفيق وجوه: الأول: معناه ما أردنا بالتحاكم إلى غير الرسول صلى الله عليه وسلم الا الاحسان الى خصومنا واستدامة الاتفاق والائتلاف فيما بيننا، وانما كان التحاكم إلى غير الرسول إحسانا إلى الخصوم لأنهم لو كانوا عند الرسول لما قدروا على رفع صوت عند تقرير كلامهم، ولما قدروا على التمرد من حكمه، فاذن كان التحاكم إلى غير الرسول إحسانا الى الخصوم.

الثاني: أن يكون المعنى ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أنه يحسن الى صاحبنا بالحكم العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم بما حكم به الرسول.

الثالث: أن يكون المعنى ما أردنا بالتحاكم الى غيرك يا رسول الله الا أنك لا تحكم الا بالحق المر، وغيرك يدور على التوسط ويأمر كل واحد من الخصمين بالاحسان الى الآخر، وتقريب مراده من مراد صاحبه حتى يحصل بينهما الموافقة.

ثم قال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الذين يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ والمعنى أنه لا يعلم ما في قلوبهم من النفاق والغيظ والعداوة الا الله.

ثم قال تعالى: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾ واعلم أنه تعالى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم بثلاثة أشياء: الأول: قوله: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ وهذا يفيد أمرين أحدهما: أن لا يقبل منهم ذلك العذر ولا يغتر به، فان من لا يقبل عذر غيره ويستمر على سخطه قد يوصف بأنه معرض عنه غير ملتفت إليه.

والثاني: أن هذا يجري مجرى أن يقول له: اكتف بالاعراض عنهم ولا تهتك سترهم، ولا تظهر لهم أنك عالم بكنه ما في بواطنهم، فان من هتك ستر عدوه وأظهر له كونه عالما بما في قلبه فربما يجرئه ذلك على أن لا يبالي باظهار العداوة فيزداد الشر، ولكن إذا تركه على حاله بقي في خوف ووجل فيقل الشر.

النوع الثاني: قوله تعالى: ﴿ وَعِظْهُمْ ﴾ والمراد أنه يزجرهم عن النفاق والمكر والكيد والحسد والكذب ويخوفهم بعقاب الآخرة، كما قال تعالى: ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة  ﴾ .

النوع الثالث: قوله تعالى: ﴿ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ فِى أَنفُسِهِمْ ﴾ وجوه: الأول: أن في الآية تقديما وتأخيرا، والتقدير: وقل لهم قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما ويستشعرون منه الخوف استشعاراً.

الثاني: أن يكون التقدير: وقل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا، وإن الله يعلم ما في قلوبكم فلا يغني عنكم إخفاؤه، فطهروا قلوبكم من النفاق وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك أو شراً من ذلك وأغلظ.

الثالث: قل لهم في أنفسهم خاليا بهم ليس معهم غيرهم على سبيل السر، لأن النصحية على الملأ تقريع وفي السر محض المنفعة.

المسألة الثانية: في الآية قولان: أحدهما: أن المراد بالوعظ التخويف بعقاب الآخرة، والمراد بالقول البليغ التخويف بعقاب الدنيا، وهو أن يقول لهم: إن ما في قلوبكم من النفاق والكيد معلوم عند الله، ولا فرق بينكم وبين سائر الكفار، وإنما رفع الله السيف عنكم لأنكم أظهرتم الايمان، فان واظبتم على هذه الأفعال القبيحة ظهر للكل بقاؤكم على الكفر، وحينئذ يلزمكم السيف.

الثاني: أن القول البليغ صفة للوعظ، فأمر تعالى بالوعظ، ثم أمر أن يكون ذلك الوعظ بالقول البليغ، وهو أن يكون كلاما بليغا طويلا حسن الألفاظ حسن المعاني مشتملا على الترغيب والترهيب والاحذار والانذار والثواب والعقاب، فان الكلام إذا كان هكذا عظم وقعه في القلب، وإذا كان مختصرا ركيك اللفظ قليل المعنى لم يؤثر ألبتة في القلب.

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًۭا ٦٤

قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله ﴾ واعلم أنه تعالى لما أمر بطاعة الرسول في قوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الامر مِنْكُمْ ﴾ ثم حكى ان بعضهم تحاكم الى الطاغوت ولم يتحاكم الى الرسول، وبين قبح طريقه وفساد منهجه، رغب في هذه الآية مرة أخرى في طاعة الرسول فقال: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج كلمة من هاهنا صلة زائدة، والتقدير: وما أرسلنا رسولا، ويمكن أن يكون التقدير: وما أرسلنا من هذا الجنس أحدا الا كذا وكذا، وعلى هذا التقدير تكون المبالغة أتم.

المسألة الثانية: قال أبو علي الجبائي: معنى الآية: وما أرسلت من رسول إلا وأنا مريد أن يطاع ويصدق ولم أرسله ليعصى.

قال: وهذا يدل على بطلان مذهب المجبرة لانهم يقولون: انه تعالى أرسل رسلا لتعصى، والعاصي من المعلوم أنه يبقى على الكفر، وقد نص الله على كذبهم في هذه الآية، فلو لم يكن في القرآن ما يدل على بطلان قولهم إلا هذه الآية لكفى، وكان يجب على قولهم أن يكون قد أرسل الرسل ليطاعوا وليعصوا جميعا، فدل ذلك على أن معصيتهم للرسل غير مرادة لله، وأنه تعالى ما أراد ألا أن يطاع.

واعلم أن هذا الاستدلال في غاية الضعف وبيانه من وجوه: الأول: ان قوله: ﴿ إلاَّ لِيُطَاعَ ﴾ يكفي في تحقيق مفهومه أن يطيعه مطيع واحد في وقت واحد، وليس من شرط تحقق مفهومه أن يطيعه جميع الناس في جميع الاوقات، وعلى هذا التقدير فنحن نقول بموجبه: وهو أن كل من أرسله الله تعالى فقد أطاعه بعض الناس في بعض الاوقات، اللهم الا أن يقال: تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه، الا أن الجبائي لا يقول بذلك، فسقط هذا الاشكال على جميع التقديرات.

الثاني: لم لا يجوز أن يكون المراد به ان كل كافر فانه لابد وأن يقربه عند موته، كما قال تعالى: ﴿ وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ  ﴾ أو يحمل ذلك على ايمان الكل به يوم القيامة، ومن المعلوم أن العلم بعدم الطاعة مع وجود الطاعة متضادان، والضدان لا يجتمعان، وذلك العلم ممتنع العدم، فكانت الطاعة ممتنعة الوجود، والله عالم بجميع المعلومات، فكان عالما بكون الطاعة ممتنعة الوجود، والعالم بكون الشيء ممتنع الوجود لا يكون مريداً له، فثبت بهذا البرهان القاطع أن يستحيل أن يريد الله من الكافر كونه مطيعاً، فوجب تأويل هذه اللفظة وهو أن يكون المراد من الكلام ليس الارادة بل الأمر، والتقدير: وما أرسلنا من رسول إلا ليؤمر الناس بطاعته، وعلى هذا التقدير سقط الاشكال.

المسألة الثالثة: قال أصحابنا: الآية دالة على أنه لا يوجد شيء من الخير والشر والكفر والايمان والطاعة والعصيان إلا بارادة الله تعالى، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله ﴾ ولا يمكن أن يكون المراد من هذا الاذن الأمر والتكليف، لأنه لا معنى لكونه رسولا الا أن الله أمر بطاعته، فلو كان المراد من الاذن هو هذا لصار تقدير الآية: وما أذنا في طاعة من أرسلناه الا باذننا وهو تكرار قبيح، فوجب حمل الاذن على التوفيق والاعانة.

وعلى هذا الوجه فيصير تقدير الآية: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بتوفيقنا وإعانتنا، وهذا تصريح بأنه سبحانه ما أراد من الكل طاعة الرسول، بل لا يريد ذلك الا من الذي وفقه الله لذلك وأعانه عليه وهم المؤمنون.

وأما المحرومون من التوفيق والاعانة فالله تعالى ما أراد ذلك منهم، فثبت أن هذه الآية من أقوى الدلائل على مذهبنا.

المسألة الرابعة: الآية دالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة ليكون مطاعا في تلك الشريعة ومتبوعا فيها، اذ لو كان لا يدعو إلا إلى شرع من كان قبله لم يكن هو في الحقيقة مطاعا، بل كان المطاع هو الرسول المتقدم الذي هو الواضع لتلك الشريعة، والله تعالى حكم على كل رسول بأنه مطاع.

المسألة الخامسة: الآية دالة على أن الأنبياء عليهم السلام معصومون عن المعاصي والذنوب لأنها دلت على وجوب طاعتهم مطلقا، فلو أتوا بمعصية لوجب علينا الاقتداء بهم في تلك المعصية فتصير تلك المعصية واجبة علينا، وكونها معصية يوجب كونها محرمة علينا، فيلزم توارد الايجاب والتحريم على الشيء الواحد وإنه محال.

فان قيل: ألستم في الاعتراض على كلام الجبائي ذكرتم أن قوله: ﴿ إلاَّ لِيُطَاعَ ﴾ لا يفيد العموم، فكيف تمسكتم به في هذه المسألة مع أن هذا الاستدلال لا يتم إلا مع القول بأنها تفيد العموم.

قلنا: ظاهر اللفظ يوهم العموم، وإنما تركنا العموم في تلك المسألة للدليل العقلي القاطع الذي ذكرناه على أنه يستحيل منه تعالى أن يريد الايمان من الكافر، فلأجل ذلك المعارض القاطع صرفنا الظاهر عن العموم، وليس في هذه المسألة برهان قاطع عقلي يوجب القدح في عصمة الأنبياء فظهر الفرق.

قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءوكَ فاستغفروا الله واستغفر لَهُمُ الرسول لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾ .

وفيه مسائل: المسألة الأولى: في سبب النزول وجهان: الأول: المراد به من تقدم ذكره من المنافقين، يعني لو أنهم عندما ظلموا أنفسهم بالتحاكم إلى الطاغوت والفرار من التحاكم إلى الرسول جاؤا الرسول وأظهروا الندم على ما فعلوه وتابوا عنه واستغفروا منه واستغفر لهم الرسول بأن يسأل الله أن يغفرها لهم عند توبتهم لوجدوا الله توابا رحيما.

الثاني: قال أبو بكر الأصم: إن قوما من المنافقين اصطلحوا على كيد في حق الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم دخلوا عليه لأجل ذلك الغرض فأتاه جبريل عليه السلام فأخبره به، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن قوما دخلوا يريدون أمراً لا ينالونه، فليقوموا وليستغفروا الله حتى أستغفر لهم» فلم يقوموا، فقال: «ألا تقومون»، فلم يفعلوا فقال صلى الله عليه وسلم: «قم يا فلان قم يا فلان» حتى عد اثني عشر رجلا منهم، فقاموا وقالوا: كنا عزمنا على ما قلت، ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا أنفسنا فاستغفر لنا، فقال: «الآن اخرجوا أنا كنت في بدء الأمر أقرب إلى الاستغفار: وكان الله أقرب الى الاجابة اخرجوا عني».

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح لكانت توبتهم مقبولة، فما الفائدة في ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم؟

قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله، وكان أيضاً إساءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وإدخالا للغم في قلبه، ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره، فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم.

الثاني: أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول ظهر منهم ذلك التمرد، فاذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد، وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه الاستغفار.

الثالث: لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فاذا انضم اليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول والله أعلم.

المسألة الثالثة: إنما قال: ﴿ واستغفر لَهُمُ الرسول ﴾ ولم يقل واستغفرت لهم إجلالا للرسول عليه الصلاة والسلام، وأنهم إذا جاؤه فقد جاؤا من خصه الله برسالته وأكرمه بوحيه وجعله سفيرا بينه وبين خلقه، ومن كان كذلك فان الله لا يرد شفاعته، فكانت الفائدة في العدول عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة ما ذكرناه.

المسألة الرابعة: الآية دالة على الجزم بأن الله تعالى يقبل توبة التائب، لأنه تعالى لما ذكر عنهم الاستغفار قال بعده: ﴿ لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾ وهذا الجواب إنما ينطلق على ذلك الكلام إذا كان المراد من قوله: ﴿ تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾ هو أن يقبل توبتهم ويرحم تضرعهم ولا يريد استغفارهم.

<div class="verse-tafsir"

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًۭا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًۭا ٦٥

فيه مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما: وهو قول عطاء ومجاهد والشعبي: ان هذه الآية نازلة في قصة اليهودي والمنافق، فهذه الآية متصلة بما قبلها، وهذا القول هو المختار عندي.

والثاني: انها مستأنفة نازلة في قصة أخرى، وهو ما روي عن عروة بن الزبير أن رجلا من الانصار خاصم الزبير في ماء يسقى به النخل، فقال صلى الله عليه وسلم للزبير: «اسق أرضك ثم أرسل الماء إلى أرض جارك» فقال الانصاري: لأجل أنه ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال للزبير: «اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر».

واعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الماء وحقه تمام السقي، فالرسول صلى الله عليه وسلم أذن للزبير في السقي على وجه المسامحة، فلما أساء خصمه الأدب ولم يعرف حق ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم من المسامحة لاجله أمره النبي عليه الصلاة والسلام باستيفاء حقه على سبيل التمام، وحمل خصمه على مر الحق.

المسألة الثانية: لا في قوله: فلا وربك فيه قولان: الأول: معناه فوربك، كقوله: ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  ﴾ ولا مزيدة لتأكيد معنى القسم، كما زيدت في ﴿ لّئَلاَّ يَعْلَمَ ﴾ لتأكيد وجوب العلم و ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ جواب القسم.

والثاني: انها مفيدة، وعلى هذا التقدير ذكر الواحدي فيه وجهين: الأول: انه يفيد نفي أمر سبق، والتقدير: ليس الأمر كما يزعمون انهم آمنوا وهم يخالفون حكمك، ثم استأنف القسم بقوله: ﴿ فَوَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ ﴾ والثاني: أنها لتوكيد النفي الذي جاء فيما بعد، لأنه إذا ذكر في أول الكلام وفي آخره كان أوكد وأحسن.

المسألة الثالثة: يقال شجر يشجر شجورا وشجرا إذا اختلف واختلط، وشاجره إذا نازعه وذلك لتداخل كلام بعضهم في بعض عند المنازعة، ومنه يقال لخشبات الهودج شجار، لتداخل بعضها في بعض.

قال أبو مسلم الأصفهاني: وهو مأخوذ عندي من التفاف الشجر، فان الشجر يتداخل بعض أغصانه في بعض، وأما الحرج فهو الضيق.

قال الواحدي: يقال للشجر الملتف الذي لا يكاد يوصل اليه: حرج، وجمعه حراج، وأما التسليم فهو تفعيل يقال: سلم فلان أي عوفي ولم ينشب به نائبة، وسلم هذا الشيء لفلان، أي خلص له من غير منازع، فاذا ثقلته بالتشديد فقلت: سلم له فمعناه أنه سلمه له وخلصه له، هذا هو الأصل في اللغة، وجميع استعمالات التسليم راجع إلى الأصل فقولهم: سلم عليه، أي دعا له بأن يسلم، وسلم اليه الوديعة، أي دفعها اليه بلا منازعة، وسلم اليه أي رضي بحكمه، وسلم إلى فلان في كذا، أي ترك منازعته فيه، وسلم إلى الله أمره أي فوض اليه حكم نفسه، على معنى أنه لم ير لنفسه في أمره أثرا ولا شركة، وعلم أن المؤثر الصانع هو الله تعالى وحده لا شريك له.

المسألة الرابعة: اعلم أن قوله تعالى: ﴿ فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ قسم من الله تعالى على أنهم لا يصيرون موصوفين بصفة الايمان إلا عند حصول شرائط: أولها: قوله تعالى: ﴿ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول لا يكون مؤمنا.

واعلم أن من يتمسك بهذه الآية في بيان أنه لا سبيل الى معرفة الله تعالى إلا بارشاد النبي المعصوم قال: لأن قوله: ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ تصريح بأنه لا يحصل لهم الايمان إلا بأن يستعينوا بحكم النبي عليه الصلاة والسلام في كل ما اختلفوا فيه، ونرى أهل العلم مختلفين في صفات الله سبحانه وتعالى، فمن معطل ومن مشبه، ومن قدري ومن جبري، فلزم بحكم هذه الآية أنه لا يحصل الايمان إلا بحكمه وارشاده وهدايته، وحققوا ذلك بأن عقول أكثر الخلق ناقصة وغير وافية بادراك هذه الحقائق؟

وعقل النبي المعصوم كامل مشرق، فاذا اتصل اشراق نوره بعقول الأمة قويت عقولهم وانقلبت من النقص إلى الكمال، ومن الضعف إلى القوة، فقدروا عند ذلك على معرفة هذه الأسرار الالهية.

والذي يؤكذ ذلك أن الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا جازمين متيقنين كاملي الايمان والمعرفة، والذين بعدوا عنه اضطربوا او اختلفوا، وهذه المذاهب ما تولدت إلا بعد زمان الصحابة والتابعين، فثبت ان الأمر كما ذكرنا، والتمسك بهذه الآية رأيته في كتب محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، فيقال له: فهذا الاستقلال الذي ذكرته إنما استخرجته من عقلك، فاذا كان عقول الأكثرين ناقصة فلعلك ذكرت هذه الاستدلال لنقصان عقلك، وإذا كان هذا الاحتمال قائما وجب أن يشك في صحة مذهبك وصحة هذا الدليل الذي تمسكت به، ولأن معرفة النبوة موقوفة على معرفة الاله، فلو توقفت معرفة الاله على معرفة النبوة لزم الدور، وهو محال.

الشرط الثاني: قوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ ﴾ قال الزجاج: لا تضيق صدورهم من أقضيتك.

واعلم أن الراضي بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام قد يكون راضيا به في الظاهر دون القلب فبين في هذه الآية انه لابد من حصول الرضا به في القلب، واعلم أن ميل القلب ونفرته شيء خارج عن وسع البشر، فليس المراد من الآية ذلك، بل المراد منه أن يحصل الجزم واليقين في القلب بأن الذي يحكم به الرسول هو الحق والصدق.

الشرط الثالث: قوله تعالى: ﴿ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ واعلم أن من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقا وصدقا قد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول، فبين تعالى أنه كما لابد في الايمان من حصول ذلك اليقين في القلب.

فلابد أيضا من التسليم معه في الظاهر، فقوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ ﴾ المراد به الانقياد في الباطن، وقوله: ﴿ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ المراد منه الانقياد في الظاهر والله أعلم.

المسألة الخامسة: دلت الآية على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن الخطأ في الفتوى وفي الأحكام، لأنه تعالى أوجب الانقياد لحكمهم وبالغ في ذلك الايجاب وبين انه لابد من حصول ذلك الانقياد في الظاهر وفي القلب، وذلك ينفي صدور الخطأ عنهم، فهذا يدل على أن قوله: ﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُم  ﴾ وأن فتواه في أسارى بدر، وأن قوله: ﴿ لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ  ﴾ وأن قوله: ﴿ عَبَسَ وتولى  ﴾ كل ذلك محمول على الوجوه التي لخصناها في هذا الكتاب.

المسألة السادسة: من الفقهاء من تمسك بقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ ﴾ على أن ظاهر الأمر للوجوب، وهو ضعيف لأن القضاء هو الالزام، ولا نزاع في أنه للوجوب.

المسألة السابعة: ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس، لأنه يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه على الاطلاق، وانه لا يجوز العدول عنه إلى غيره، ومثل هذه المبالغة المذكورة في هذه الآية قلما يوجد في شيء من التكاليف، وذلك يوجب تقديم عموم القرآن والخبر على حكم القياس، وقوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ ﴾ مشعر بذلك لأنه متى خطر بباله قياس يفضي الى نقيض مدلول النص فهناك يحصل الحرج في النفس، فبين تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد أن لا يلتفت الى ذلك الحرج، ويسلم النص تسليما كليا، وهذا الكلام قوي حسن لمن أنصف.

المسألة الثامنة: قالت المعتزلة: لو كانت الطاعات والمعاصي بقضاء الله تعالى لزم التناقض، وذلك لأن الرسول اذا قضى على إنسان بأنه ليس له أن يفعل الفعل الفلاني وجب على جميع المكلفين الرضا بذلك لأنه قضاء الرسول.

والرضا بقضاء الرسول واجب لدلالة هذه الآية، ثم لو أن ذلك الرجل فعل ذلك الفعل على خلاف فتوى الرسول، فلو كانت المعاصي بقضاء الله لكان ذلك الفعل بقضاء الله، والرضا بقضاء الله واجب، فيلزم أن يجب على المكلفين الرضا بذلك الفعل.

لأنه قضاء الله، فوجب أن يلزمهم الرضا بالفعل والترك معا، وذلك محال.

والجواب: أن المراد من قضاء الرسول الفتوى المشروعة، والمراد من قضاء الله التكوين والايجاد، وهما مفهومان متغايران، فالجمع بينهما لا يفضي إلى التناقض.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُوا۟ مِن دِيَـٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌۭ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًۭا ٦٦ وَإِذًۭا لَّـَٔاتَيْنَـٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًۭا ٦٧ وَلَهَدَيْنَـٰهُمْ صِرَٰطًۭا مُّسْتَقِيمًۭا ٦٨

اعلم أن هذه الآية متصلة بما تقدم من أمر المنافقين وترغيبهم في الاخلاص وترك النفاق، والمعنى أنا لو شددنا التكليف على الناس، نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان لصعب ذلك عليهم ولما فعله إلا الأقلون، وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم، فلما لم نفعل ذلك رحمة منا على عبادنا بل اكتفينا بتكليفهم في الأمور السهلة، فليقبلوها بالاخلاص وليتركوا التمرد والعناد حتى ينالوا خير الدارين، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي: ﴿ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دياركم ﴾ بضم النون في أن وضم واو أو والسبب فيه نقل ضمة ﴿ اقتلوا ﴾ وضمة ﴿ أَخْرِجُواْ ﴾ اليهما، وقرأ عاصم وحمزة بالكسر فيهما لالتقاء الساكنين، وقرأ أبو عمرو بكسر النون وضم الواو، وقال الزجاج: ولست أعرف لفصل أبي عمرو بين هذين الحرفين خاصية إلا أن يكون رواية.

وقال غيره: أما كسر النون فلأن الكسر هو الأصل لالتقاء الساكنين، وأما ضم الواو فلأن الضمة في الواو أحسن لأنها تشبه واو الضمير.

واتفق الجمهور على الضم في واو الضمير نحو ﴿ اشتروا الضلالة  ﴾ ﴿ وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل  ﴾ .

المسألة الثانية: الكناية في قوله: ﴿ مَّا فَعَلُوهُ ﴾ عائدة إلى القتل والخروج معا، وذلك لأن الفعل جنس واحد وان اختلفت ضروبه، واختلف القراء في قوله: ﴿ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ فقرأ ابن عامر ﴿ قَلِيلاً ﴾ بالنصب، وكذا هو في مصاحف أهل الشام ومصحف أنس بن مالك، والباقون بالرفع، أما من نصب فقاس النفي على الاثبات، فإن قولك: ما جاءني أحد كلام تام، كما أن قولك: جاءني القوم كلام تام فلما كان المستثنى منصوباً في الإثبات فكذا مع النفي، والجامع كون المستثنى فضلة جاءت بعد تمام الكلام، وأما من رفع فالسبب أنه جعله بدلا من الواو في ﴿ فَعَلُوهُ ﴾ وكذلك كل مستثنى من منفي، كقولك: ما أتاني أحد إلا زيد، برفع زيد على البدل من أحد، فيحمل إعراب ما بعد إلا على ما قبلها.

وكذلك في النصب والجر، كقولك: ما رأيت أحداً الا زيداً، وما مررت بأحد إلا زيد.

قال أبو علي الفارسي: الرفع أقيس، فإن معنى ما أتى أحد إلا زيد، وما أتاني الا زيد واحد، فكما اتفقوا في قولهم ما أتاني الا زيد على الرفع وجب أن يكون قولهم: ما أتاني أحد الا زيد بمنزلته.

المسألة الثالثة: الضمير في قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ فيه قولان: الأول: وهو قول ابن عباس ومجاهد أنه عائد إلى المنافقين، وذلك لأنه تعالى كتب على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم، فقال تعالى: ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله الا قليل رياء وسمعة، وحينئذ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم، فاذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليقبلوا الايمان على سبيل الاخلاص، وهذا القول اختيار أبي بكر الأصم وأبي بكر القفال.

الثاني: أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم، وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق، وأما الضمير في قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾ فهو مختص بالمنافقين، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا، وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين، روي أن ثابت بن قيس بن شماس ناظر يهوديا، فقال اليهودي: إن موسى أمرنا بقتل أنفسنا فقبلنا ذلك، وإن محمدا يأمركم بالقتال فتكرهونه، فقال: يا أنت لو أن محمدا أمرني بقتل نفسي لفعلت ذلك، فنزلت هذه الآية.

وروي أن ابن مسعود قال مثل ذلك، فنزلت هذه الآية.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالا الايمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي» وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: والله لو أمرنا ربنا بقتل أنفسنا لفعلنا والحمد لله الذي لم يأمرنا بذلك.

المسألة الرابعة: قال أبو علي الجبائي: لما دلت هذه الآية على أنه تعالى لم يكلفهم ما يغلظ ويثقل عليهم، فبأن لا يكلفهم ما لا يطيقون كان أولى، فيقال له: هذا لازم عليك لأن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما لم يكلفهم بهذه الأشياء الشاقة، لأنه لو كلفهم بها لما فعلوها، ولو لم يفعلوها لوقعوا في العذاب، ثم أنه تعالى علم من أبي جهل وأبي لهب أنهم لا يؤمنون، وأنهم لا يستفيدون من التكليف إلا العقاب الدائم، ومع ذلك فانه تعالى كلفهم، فكل ما تجعله جوابا عن هذا فهو جوابنا عما ذكرت.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لأتيناهم مّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ولهديناهم صراطا مُّسْتَقِيماً ﴾ .

اعلم أن المراد من قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾ أنهم لو فعلوا ما كلفوا به وأمروا به، وإنما سمي هذا التكليف والأمر وعظا لأن تكاليف الله تعالى مقرونة بالوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، والثواب والعقاب، وما كان كذلك فانه يسمى وعظا، ثم إنه تعالى بين أنهم لو التزموا هذه التكاليف لحصلت لهم أنواع من المنافع.

فالنوع الأول: قوله: ﴿ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ فيحتمل أن يكون المعنى أنه يحصل لهم خير الدنيا والآخرة، ويحتمل أن يكون المعنى المبالغة والترجيح، وهو أن ذلك أنفع لهم وأفضل من غيره، لأن قولنا: خير يستعمل على الوجهين جميعا.

النوع الثاني: قوله: ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ وفيه وجوه: الأول: أن المراد أن هذا أقرب الى ثباتهم عليه واستمرارهم، لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها، والواقع منها في وقت يدعو إلى المواظبة عليه.

الثاني: أن يكون أثبت وأبقى لأنه حق والحق ثابت باق، والباطل زائل.

الثالث: أن الإنسان يطلب أولا تحصيل الخير، فاذا حصله فانه يطلب أن يصير ذلك الحاصل باقيا ثابتا، فقوله: ﴿ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ إشارة إلى الحالة الأولى، وقوله: ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ إشارة إلى الحالة الثانية.

النوع الثالث: قوله تعالى: ﴿ وَإِذاً لاتيناهم مّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما بين أن هذا الاخلاص في الايمان خير مما يريدونه من النفاق وأكثر ثباتا وبقاء، بين أنه كما أنه في نفسه خير فهو أيضا مستعقب الخيرات العظيمة وهو الأجر العظيم والثواب العظيم.

قال صاحب الكشاف: وإذاً جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: ماذا يكون من هذا الخير والتثبيت.

فقيل: هو أن نؤتيهم من لدنا أجراً عظيما، كقوله: ﴿ وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً  ﴾ .

وأقول: إنه تعالى جمع في هذه الآية قرائن كثيرة، كل واحدة منها تدل على عظم هذا الأجر.

أحدها: أنه ذكر نفسه بصيغة العظمة وهي قوله: ﴿ ءاتيناه ﴾ وقوله: ﴿ مّن لَّدُنَّا ﴾ والمعطي الحكيم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على عظمة عند الوعد بالعطية دل ذلك على عظمة تلك العطية.

وثانيها: قوله: ﴿ مّن لَّدُنَّا ﴾ وهذا التخصيص يدل على المبالغة، كما في قوله: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا  ﴾ .

وثالثها: أن الله تعالى وصف هذا الأجر بالعظيم، والشيء الذي وصفه أعظم العظماء بالعظمة لابد وأن يكون في نهاية الجلالة، وكيف لا يكون عظيما، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر».

النوع الرابع: قوله: ﴿ ولهديناهم صراطا مُّسْتَقِيماً ﴾ وفيه قولان: أحدهما: أن الصراط المستقيم هو الدين الحق، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلْنَٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ  صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ  ﴾ والثاني: أنه الصراط الذي هو الطريق من عرصة القيامة، وذلك لأنه تعالى ذكره بعد ذكر الثواب والأجر، والدين الحق مقدم على الثواب والأجر، والصراط الذي هو الطريق من عرصة القيامة إلى الجنة إنما يحتاج اليه بعد استحقاق الأجر، فكان حمل لفظ الصراط في هذا الموضع على هذا المعنى أولى.

<div class="verse-tafsir"

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رَفِيقًۭا ٦٩ ذَٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمًۭا ٧٠

اعلم أنه تعالى لما أمر بطاعة الله وطاعة الرسول بقوله: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول  ﴾ ثم زيف طريقة الذين تحاكموا إلى الطاغوت وصدوا عن الرسول، ثم أعاد الأمر بطاعة الرسول مرة أخرى فقال: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله  ﴾ ثم رغب في تلك الطاعة بقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوٓا أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُوا مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا  وَإِذًا لَّءَاتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًا  وَلَهَدَيْنَٰهُمْ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا  ﴾ أكد الأمر بطاعة الله وطاعة الرسول في هذه الآية مرة أخرى فقال: ﴿ وَمَن يُطِعِ الله والرسول فَأُوْلَئِكَ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين ﴾ إلى آخر الآية وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب النزول وجوها: الأول: روى جمع من المفسرين أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه، فأتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل جسمه وعرف الحزن في وجهه، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حاله، فقال يا رسول الله ما بي وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت اليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، فذكرت الآخرة فخفت أن لا أراك هناك، لأني إن أدخلت الجنة فأنت تكون في درجات النبيين وأنا في درجة العبيد فلا أراك، وإن أنا لم أدخل الجنة فحينئذ لا أراك أبدا، فنزلت هذه الآية.

الثاني: قال السدي: إن ناسا من الانصار قالوا: يا رسول الله إنك تسكن الجنة في أعلاها، ونحن نشتاق اليك، فكيف نصنع؟

فنزلت الآية.

الثالث: قال مقاتل: نزلت في رجل من الانصار قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا اليك، فما ينفعنا شيء حتى نرجع اليك، ثم ذكرت درجتك في الجنة، فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة؟

فأنزل الله هذه الآية، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم أتى الانصار ولده وهو في حديقة له فأخبره بموت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده إلى أن ألقاه، فعمى مكانه، فكان يحب النبي حبا شديدا فجعله الله معه في الجنة.

الرابع: قال الحسن: إن المؤمنين قالوا للنبي عليه السلام: ما لنا منك إلا الدنيا، فاذا كانت الآخرة رفعت فى الأولى فحزن النبي صلى الله عليه وسلم وحزنوا، فنزلت هذه الآية.

قال المحققون: لا ننكر صحة هذه الروايات إلا أن سبب نزول الآية يجب أن يكون شيئا أعظم من ذلك، وهو البعث على الطاعة والترغيب فيها، فانك تعلم أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ، فهذه الآية عامة في حق جميع المكلفين، وهو أن كل من أطاع الله وأطاع الرسول فقد فاز بالدرجات العالية والمراتب الشريفة عند الله تعالى.

المسألة الثانية: ظاهر قوله: ﴿ وَمَن يُطِعِ الله والرسول ﴾ يوجب الاكتفاء بالطاعة الواحدة.

لأن اللفظ الدال على الصفة يكفي في العمل به في جانب الثبوت حصول ذلك المسمى مرة واحدة.

قال القاضي: لابد من حمل هذا على غير ظاهره، وأن تحمل الطاعة على فعل المأمورات وترك جميع المنهيات، إذ لو حملناه على الطاعة الواحدة لدخل فيه الفساق والكفار، لأنهم قد يأتون بالطاعة الواحدة.

وعندي فيه وجه آخر، وهو أنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب الصفة مشعر بكون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف، إذا ثبت هذا فنقول: قوله: ﴿ وَمَن يُطِعِ الله ﴾ أي ومن يطع الله في كونه إلها، وطاعة الله في كونه إلها هو معرفته والاقرار بجلاله وعزته وكبريائه وصمديته، فصارت هذه الآية تنبيها على أمرين عظيمين من أحوال المعاد، فالأول: هو أن منشأ جميع السعادات يوم القيامة إشراق الروح بأنوار معرفة الله، وكل من كانت هذه الأنوار في قلبه أكثر، وصفاؤها أقوى، وبعدها عن التكدر بمحبة عالم الاجسام أتم كان إلى السعادة أقرب وإلى الفوز بالنجاة أوصل.

والثاني: انه تعالى ذكر في الآية المتقدمة وعد أهل الطاعة بالأجر العظيم والثواب الجزيل والهداية إلى الصراط المستقيم، ثم ذكر في هذه الآية وعدهم بكونهم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهذا الذي وقع به في الختم لابد أن يكون أشرف وأعلى مما قبله، ومعلوم أنه ليس المراد من كون هؤلاء معهم هو أنهم يكونون في عين تلك الدرجات، لأن هذا ممتنع، فلابد وأن يكون معناه أن الأرواح الناقصة إذا استكملت علائقها مع الأرواح الكاملة في الدنيا لسبب الحب الشديد، فاذا فارقت هذا العالم ووصلت إلى عالم الآخرة بقيت تلك العلائق الروحانية هناك، ثم تصير تلك الأرواح الصافية كالمرايا المجلوة المتقابلة، فكأن هذه المرايا ينعكس الشعاع من بعضها على بعض، وبسبب هذه الانعكاسات تصير أنوارها في غاية القوة، فكذا القول في تلك الأرواح فإنها لما كانت مجلوة بصقالة المجاهدة عن غبار حب ما سوى الله، وذلك هو المراد من طاعة الله وطاعة الرسول، ثم ارتفعت الحجب الجسدانية أشرقت عليها أنوار جلال الله، ثم انعكست تلك الأنوار من بعضها إلى بعض وصارت الأرواح الناقصة كاملة بسبب تلك العلائق الروحانية، فهذا الاحتمال خطر بالبال والله أعلم بأسرار كلامه.

المسألة الثالثة: ليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين، كون الكل في درجة واحدة، لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول، وإنه لا يجوز.

بل المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، وإن بعد المكان، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا، وإذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا عليه، فهذا هو المراد من هذه المعية.

المسألة الرابعة: اعلم أنه تعالى ذكر النبيين، ثم ذكر أوصافا ثلاثة: الصديقين والشهداء والصالحين، واتفقوا على أن النبيين مغايرون للصديقين والشهداء والصالحين، فأما هذه الصفات الثلاثة فقد اختلفوا فيها، قال بعضهم: هذه الصفات كلها لموصوف واحد، وهي صفات متداخلة فإنه لا يمتنع في الشخص الواحد أن يكون صديقاً وشهيداً وصالحا.

وقال الآخرون: بل المراد بكل وصف صنف من الناس، وهذا الوجه أقرب لأن المعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه، وكما أن النبيين غير من ذكر بعدهم، فكذلك الصديقون يجب أن يكونوا غير من ذكر بعدهم وكذا القول في سائر الصفات، ولنبحث عن هذه الصفات الثلاث: الصفة الأولى: الصديق: وهو اسم لمن عادته الصدق، ومن غلب على عادته فعل إذا وصف بذلك الفعل قيل فيه فعيل، كما يقال: سكير وشريب وخمير، والصدق صفة كريمة فاضلة من صفات المؤمنين، وكفى الصدق فضيلة أن الايمان ليس إلا التصديق، وكفى الكذب مذمة أن الكفر ليس إلا التكذيب.

إذا عرفت هذا فنقول: للمفسرين في الصديق وجوه: الأول: أن كل من صدق بكل الدين لا يتخالجه فيه شك فهو صديق، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ أولئك هُمُ الصديقون  ﴾ .

الثاني: قال قوم: الصديقون أفاضل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام.

الثالث: أن الصديق اسم لمن سبق إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام فصار في ذلك قدوة لسائر الناس، وإذا كان الأمر كذلك كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أولى الخلق بهذا الوصف أما بيان أنه سبق إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام فلأنه قد اشتهرت الرواية عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال: ما عرضت الاسلام على أحد إلا وله كبوة غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم دل هذا الحديث على أنه صلى الله عليه وسلم لما عرض الاسلام على أبي بكر قبله أبو بكر ولم يتوقف، فلو قدرنا أن اسلامه تأخر عن إسلام غيره لزم أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قصر حيث أخر عرض الاسلام عليه، وهذا لا يكون قدحا في أبي بكر، بل يكون قدحا في الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك كفر، ولما بطل نسبة هذا التقصير إلى الرسول علمنا أنه صلى الله عليه وسلم ما قصر في عرض الاسلام عليه، ولما بطل نسبة هذا التقصير إلى الرسول علمنا أنه صلى الله عليه وسلم ما قصر في عرض الاسلام عليه، والحديث دل على أن أبا بكر لم يتوقف ألبتة، فحصل من مجموع الأمرين أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه أسبق الناس إسلاما، أما بيان أنه كان قدوة لسائر الناس في ذلك فلأن بتقدير أن يقال: إن إسلام علي كان سابقا على إسلام أبي بكر، إلا أنه لا يشك عاقل أن عليا ما صار قدوة في ذلك الوقت، لأن عليا كان في ذلك الوقت صبياً صغيراً، وكان أيضا في تربية الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان شديد القرب منه بالقرابة، وأبو بكر ما كان شديد القرب منه بالقرابة وإيمان من هذا شأنه يكون سببا لرغبة سائر الناس في الاسلام.

وذلك لأنهم اتفقوا على أنه رضي الله تعالى عنه لما آمن جاء بعد ذلك بمدة قليلة بعثمان بن عفان رضي الله عنه، وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنهم أجمعين حتى أسلموا، فكان إسلامه سببا لاقتداء هؤلاء الأكابر به، فثبت بمجموع ما ذكرنا أنه رضوان الله عليه كان أسبق الناس إسلاما، وثبت أن إسلامه صار سببا لاقتداء أفاضل الصحابة في ذلك الاسلام، فثبت أن أحق الامة بهذه الصفة أبو بكر رضي الله عنه.

إذا عرفت هذا فنقول: هذا الذي ذكرناه يقتضي انه كان أفضل الخلق بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيانه من وجهين: الأول: أن إسلامه لما كان أسبق من غيره وجب أن يكون ثوابه أكثر؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة».

الثاني: أنه بعد أن أسلم جاهد في الله وصار جهاده مفضيا إلى حصول الاسلام لأكابر الصحابة مثل عثمان وطلحة والزبير وسعد ابن أبي وقاص وعثمان بن مظعون وعلي رضي الله تعالى عنهم، وجاهد علي يوم أحد ويوم الأحزاب في قتل الكفار، ولكن جهاد أبي بكر رضي الله عنه أفضى إلى حصول الإسلام لمثل الذين هم أعيان الصحابة، وجهاد علي أفضى إلى قتل الكفار، ولا شك أن الأول أفضل، وأيضاً فأبو بكر جاهد في أول الإسلام حين كان النبي صلى الله عليه وسلم في غاية الضعف، وعلي إنما جاهد يوم أحد ويوم الأحزاب، وكان الاسلام قويا في هذه الأيام، ومعلوم أن الجهاد وقت الضعف أفضل من الجهاد وقت القوة، ولهذا المعنى قال تعالى: ﴿ لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وقاتل أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً مّنَ الذين أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وقاتلوا  ﴾ فبين أن نصرة الاسلام وقت ما كان ضعيفا أعظم ثواباً من نصرته وقت ما كان قويا، فثبت من مجموع ما ذكرنا أن أولى الناس بهذا الوصف هو الصديق، فلهذا أجمع المسلمون على تسليم هذا اللقب له إلا من لا يلتفت إليه فإنه ينكره، ودل تفسير الصديق بما ذكرناه على أنه لا مرتبة بعد النبوة في الفضل والعلم إلا هذا الوصف وهو كون الإنسان صديقا، وكما دل الدليل عليه فقد دل لفظ القرآن عليه، فإنه أينما ذكر الصديق والنبي لم يجعل بينهما واسطة، فقال في وصف إسماعيل: ﴿ إِنَّهُ كَانَ صادق الوعد  ﴾ وفي صفة إدريس ﴿ إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً نَّبِيّاً  ﴾ وقال في هذه الآية: ﴿ مّنَ النبيين والصديقين ﴾ يعني انك إن ترقيت من الصديقية وصلت إلى النبوة، وإن نزلت من النبوة وصلت إلى الصديقية، ولا متوسط بينهما، وقال في آية أخرى: ﴿ والذى جَاء بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ  ﴾ فلم يجعل بينهما واسطة، وكما دلت هذه الدلائل على نفي الواسطة فقد وفق الله هذه الأمة الموصوفة بأنها خير أمة حتى جعلوا الامام بعد الرسول عليه الصلاة والسلام أبا بكر على سبيل الاجماع، ولما توفي رضوان الله عليه دفنوه إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ذاك إلا أن الله تعالى رفع الواسطة بين النبيين والصديقين في هذه الآية، فلا جرم ارتفعت الواسطة بينهما في الوجوه التي عددناها.

الصفة الثانية: الشهادة: والكلام في الشهداء قد مر في مواضع من هذا الكتاب، ولا بأس بأن نعيد البعض فنقول: لا يجوز أن تكون الشهادة مفسرة بكون الإنسان مقتول الكافر، والذي يدل عليه وجوه: الأول: أن هذه الآية دالة على أن مرتبة الشهادة مرتبة عظيمة في الدين، وكون الإنسان مقتول الكافر ليس فيه زيادة شرف، لأن هذا القتل قد يحصل في الفساق ومن لا منزلة له عند الله.

الثاني: أن المؤمنين قد يقولون: اللهم ارزقنا الشهادة، فلو كانت الشهادة عبارة عن قتل الكافر إياه لكانوا قد طلبوا من الله ذلك القتل وأنه غير جائز، لأن طلب صدور ذلك القتل من الكافر كفر، فكيف يجوز أن يطلب من الله ما هو كفر.

الثالث: روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «المبطون شهيد والغريق شهيد»، فعلمنا أن الشهادة ليست عبارة عن القتل، بل نقول: الشهيد فعيل بمعنى الفاعل، وهو الذي يشهد بصحة دين الله تعالى تارة بالحجة والبيان، وأخرى بالسيف والسنان، فالشهداء هم القائمون بالقسط، وهم الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿ شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَائِمَاً بالقسط  ﴾ ويقال للمقتول في سبيل الله شهيد من حيث أنه بذل نفسه في نصرة دين الله، وشهادته له بأنه هو الحق وما سواه هو الباطل، واذا كان من شهداء الله بهذا المعنى كان من شهداء الله في الآخرة، كما قال: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس  ﴾ .

الصفة الثالثة: الصالحون: والصالح هو الذي يكون صالحا في اعتقاده وفي عمله، فإن الجهل فساد في الاعتقاد، والمعصية فساد في العمل، واذا عرفت تفسير الصديق والشهيد والصالح ظهر لك ما بين هذه الصفات من التفاوت، وذلك لأن كل من كان اعتقاده صوابا وكان عمله طاعة وغير معصية فهو صالح، ثم أن الصالح قد يكون بحيث يشهد لدين الله بأنه هو الحق وأن ما سواه هو الباطل، وهذه الشهادة تارة تكون بالحجة والدليل وأخرى بالسيف، وقد لا يكون الصالح موصوفا بكونه قائما بهذه الشهادة، فثبت أن كل من كان شهيدا كان صالحا، وليس كل من كان صالحا شهيدا، فالشهيد أشرف أنواع الصالح، ثم أن الشهيد قد يكون صديقا وقد لا يكون: ومعنى الصديق الذي كان أسبق إيمانا من غيره، وكان إيمانه قدوة لغيره، فثبت أن كل من كان صديقا كان شهيدا، وليس كل من كان شهيدا كان صديقا، فثبت أن أفضل الخلق هم الأنبياء عليهم السلام، وبعدهم الصديقون، وبعدهم من ليس له درجة إلا محض درجة الشهادة، وبعدهم من ليس له إلا محض درجة الصلاح.

فالحاصل أن أكابر الملائكة يأخذون الدين الحق عن الله، والأنبياء يأخذون عن الملائكة، كما قال: ﴿ يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ  ﴾ والصديقون يأخذونه عن الأنبياء.

والشهداء يأخذونه عن الصديقين، لأنا بينا أن الصديق هو الذي يأخذ في المرة الأولى عن الأنبياء وصار قدوة لمن بعده، والصالحون يأخذونه عن الشهداء، فهذا هو تقرير هذه المراتب وإذا عرفت هذا ظهر لك أنه لا أحد يدخل الجنة إلا وهو داخل في بعض هذه النعوت والصفات.

ثم قال تعالى: ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رفيقاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: فيه معنى التعجيب.

كأنه قيل: ما أحسن أولئك رفيقاً.

المسألة الثانية: الرفق في اللغة لين الجانب ولطافة الفعل، وصاحبه رفيق.

هذا معناه في اللغة ثم الصاحب يسمّى رفيقا لارتفاق بعضهم ببعض.

المسألة الثالثة: قال الواحدي: إنما وحد الرفيق وهو صفة لجمع، لأن الرفيق والرسول والبريد تذهب به العرب إلى الواحد والى الجمع قال تعالى: ﴿ إِنَّا رَسُولُ رَبّ العالمين  ﴾ ولا يجوز أن يقال: حسن أولئك رجلا، وبالجملة فهذا إنما يجوز في الاسم الذي يكون صفة، أما إذا كان اسما مصرحا مثل رجل وامرأة لم يجز، وجوز الزجاج ذلك في الاسم أيضا وزعم أنه مذهب سيبويه، وقيل: معنى قوله: ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رفيقاً ﴾ أي حسن كل واحد منهم رفيقا، كما قال: ﴿ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً  ﴾ .

المسألة الرابعة: ﴿ رَفِيقاً ﴾ نصب على التمييز، وقيل على الحال: أي حسن واحد منهم رفيقا.

المسألة الخامسة: اعلم أنه تعالى بين فيمن أطاع الله ورسوله أنه يكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ثم لم يكترث بذلك، بل ذكر أنه يكون رفيقا له، وقد ذكرنا أن الرفيق هو الذي يرتفق به في الحضر والسفر، فبين أن هؤلاء المطيعين يرتفقون بهم، وإنما يرتفقون بهم إذا نالوا منهم رفقا وخيرا، ولقد ذكرنا مراراً كيفية هذا الارتفاق، وأما على حسب الظاهر فلأن الإنسان قد يكون مع غيره ولا يكون رفيقاً له، فأما إذا كان عظيم الشفقة عظيم الاعتناء بشأنه كان رفيقا له، فبين تعالى أن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين يكونون له كالرفقاء من شدة محبتهم له وسرورهم برؤيته.

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك الفضل مِنَ الله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: لا شك أن قوله تعالى: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى كل ما تقدم ذكره من وصف الثواب، فلما حكم على كل ذلك بأنه فضل من الله دل هذا على أن الثواب غير واجب على الله، ومما يدل عليه من جهة المعقول وجوه: الأول: القدرة على الطاعة إن كانت لا تصلح إلا للطاعة، فخالق تلك القدرة هو الذي أعطى الطاعة، فلا يكون فعله موجبا عليه شيئا، وإن كانت صالحة للمعصية أيضا لم يترجح جانب الطاعة على جانب المعصية إلا بخلق الداعي إلى الداعي، ويصير مجموع القدرة والداعي موجبا للفعل، فخالق هذا المجموع هو الذي أعطى الطاعة، فلا يكون فعله موجبا عليه شيئا.

الثاني: نعم الله على العبد لا تحصى وهي موجبة للطاعة والشكر، واذا كانت الطاعات تقع في مقابلة النعم السالفة امتنع كونها موجبة للثواب في المستقبل.

الثالث: أن الوجوب يستلزم استحقاق الذنب عند الترك، وهذا الاستحقاق ينافي الالهية، فيمتنع حصوله في حق الاله تعالى، فثبت أن ظاهر الآية كما دل على أن الثواب كله فضل من الله تعالى، فالبراهين العقلية القاطعة دالة على ذلك أيضا، وقالت المعتزلة: الثواب وإن كان واجبا لكن لا يمتنع إطلاق اسم الفضل عليه، وذلك أن العبد إنما استحق ذلك الثواب لأن الله تعالى كلفه والتكليف تفضل، ولأنه تعالى هو الذي أعطى العقل والقدرة وأزاح الأعذار والموانع حتى تمكن المكلف من فعل الطاعة، فصار ذلك بمنزلة من وهب لغيره ثوبا كي ينتفع به، فاذا باعه وانتفع بثمنه جاز أن يوصف ذلك الثمن بأنه فضل من الواهب فكذا ههنا: المسألة الثانية: قوله: ﴿ ذلك الفضل مِنَ الله ﴾ فيه احتمالان: أحدهما: أن يكون التقدير: ذلك هو الفضل من الله، ويكون المعنى أن ذلك الثواب لكمال درجته كأنه هو الفضل من الله وأن ما سواه فليس بشيء، والثاني: أن يكون التقدير: ذلك الفضل هو من الله، أي ذلك الفضل المذكور، والثواب المذكور هو من الله لا من غيره، ولا شك أن الاحتمال الأول أبلغ.

ثم قال تعالى: ﴿ وكفى بالله عَلِيماً ﴾ وله موقع عظيم في توكيد ما تقدم من الترغيب في طاعة الله لأنه تعالى نبه بذلك على أنه يعلم كيفية الطاعة وكيفة الجزاء والتفضل، وذلك مما يرغب المكلف في كمال الطاعة والاحتراز عن التقصير فيه.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ خُذُوا۟ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُوا۟ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُوا۟ جَمِيعًۭا ٧١

واعلم أنه تعالى عاد بعد الترغيب في طاعة الله وطاعة رسوله إلى ذكر الجهاد الذي تقدم، لأنه أشق الطاعات، ولأنه أعظم الأمور التي بها يحصل تقوية الدين فقال: ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الحذر والحذر بمعنى واحد، كالاثر والاثر، والمثل والمثل، يقال: أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من المخوف، كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه، والمعنى احذروا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم، هذا ما ذكره صاحب الكشاف.

وقال الواحدي رحمه الله فيه قولان: أحدهما: المراد بالحذر هاهنا السلاح، والمعنى خذوا سلاحكم، والسلاح يسمى حذرا، أي خذوا سلاحكم وتحذروا، والثاني: أن يكون ﴿ خُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ بمعنى احذروا عدوكم لأن هذا الأمر بالحذر يتضمن الامر بأخذ السلاح، لأن أخذ السلاح هو الحذر من العدو، فالتأويل أيضا يعود إلى الأول، فعلى القول الاول الأمر مصرح بأخذ السلاح، وعلى القول الثاني أخذ السلاح مدلول عليه بفحوى الكلام.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: ذلك الذي أمر الله تعالى بالحذر عنه إن كان مقتضى الوجود لم ينفع الحذر، وإن كان مقتضى العدم لا حاجة إلى الحذر، فعلى التقديرين الامر بالحذر عبث وعنه عليه الصلاة والسلام قال: «المقدور كائن والهم فضل» وقيل أيضا: الحذر لا يغني من القدر فنقول: ان صح هذا الكلام بطل القول بالشرائع، فإنه يقال: إن كان الإنسان من أهل السعادة في قضاء الله وقدره فلا حاجة إلى الايمان، وإن كان من أهل الشقاوة لم ينفعه الايمان والطاعة، فهذا يفضي إلى سقوط التكليف بالكلية، والتحقيق في الجواب أنه لما كان الكل بقدر كان الامر بالحذر أيضا داخلا في القدر، فكان قول القائل: أي فائدة في الحذر كلاما متناقضا، لأنه لما كان هذا الحذر مقدرا فأي فائدة في هذا السؤال الطاعن في الحذر.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ فانفروا ﴾ يقال: نفر القوم ينفرون نفرا ونفيرا إذا نهضوا لقتال عدو وخرجوا للحرب، واستنفر الامام الناس لجهاد العدو فنفروا ينفرون إذا حثهم على النفير ودعاهم اليه، ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وإذا استنفرتم فانفروا» والنفير اسم للقوم الذين ينفرون، ومنه يقال: فلان لا في العير ولا في النفير، وقال أصحاب العربية: أصل هذا الحرف من النفور والنفار وهو الفزع، يقال نفر اليه إذا فزع اليه، ونفر منه إذا فزع منه وكرهه، ومعنى الآية فانفروا إلى قتال عدوكم.

المسألة الرابعة: قال جميع أهل اللغة: الثبات جماعات متفرقة واحدها ثبة، وأصلها من: ثبيت الشيء، أي جمعته، ويقال أيضاً: ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه، وتأويله جمع محاسنه، فقوله: ﴿ فانفروا ثُبَاتٍ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ معناه: انفروا إلى العدو إما ثبات، أي جماعات متفرقة، سرية بعد سرية، وإما جميعا، أي مجتمعين كوكبة واحدة، وهذا المعنى أراد الشاعر في قوله: طاروا اليه زرافات ووحدانا *** ومثله قوله تعالى: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا  ﴾ أي على أي الحالتين كنتم فصلوا.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌۭ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًۭا ٧٢ وَلَئِنْ أَصَـٰبَكُمْ فَضْلٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنۢ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُۥ مَوَدَّةٌۭ يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًۭا ٧٣

وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن قوله: ﴿ وَإِن مّنكُمْ ﴾ يجب أن يكون راجعا إلى المؤمنين الذين ذكرهم الله بقوله: ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ واختلفوا على قولين: الأول: المراد منه المنافقون كانوا يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فان قيل: قوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ ﴾ تقديره: يا أيها الذين آمنوا إن منكم لمن ليبطئن، فاذا كان هذا المبطئ منافقا فكيف جعل المنافق قسما من المؤمن في قوله: ﴿ وَإِن مّنكُمْ ﴾ .

والجواب من وجوه: الأول: أنه تعالى جعل المنافق من المؤمنين من حيث الجنس والنسب والاختلاط.

الثاني: أنه تعالى جعلهم من المؤمنين بحسب الظاهر لأنهم كانوا في الظاهر متشبهين بأهل الايمان.

الثالث: كأنه قيل: يا أيها الذين آمنوا في زعمكم ودعواكم كقوله: ﴿ وَقَالُواْ ياأيها الذي نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر  ﴾ .

القول الثاني: أن هؤلاء المبطئين كانوا ضعفة المؤمنين وهو اختيار جماعة من المفسرين قالوا: والتبطئة بمعنى الابطاء أيضاً، وفائدة هذا التشديد تكرر الفعل منه.

وحكى أهل اللغة أن العرب تقول: ما أبطأ بك يا فلان عنا، وإدخالهم الباء يدل على أنه في نفسه غير متعد، فعلى هذا معنى الآية أن فيهم من يبطئ عن هذا الغرض ويتثاقل عن هذا الجهاد، فاذا ظفر المسلمون تمنوا أن يكونوا معهم ليأخذوا الغنيمة، وإن أصابتهم مصيبة سرهم أن كانوا متخلفين.

قال: وهؤلاء هم الذين أرادهم الله بقوله: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا فِي سَبِيلِ الله اثاقلتم إِلَى الأرض  ﴾ قال: والذي يدل على أن المراد بقوله: ﴿ لَّيُبَطّئَنَّ ﴾ الابطاء منهم لا تثبيط غيرهم، ما حكاه تعالى من قولهم: ﴿ ياليتنى كُنتُ مَعَهُمْ ﴾ عند الغنيمة، ولو كان المراد منه تثبيط الغير لم يكن لهذا الكلام معنى.

وطعن القاضي في هذا القول وقال: إنه تعالى حكى عن هؤلاء المبطئين أنهم يقولون عند مصيبة المؤمنين: ﴿ قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً ﴾ فيعد قعوده عن القتال نعمة من الله تعالى، ومثل هذا الكلام انما يليق بالمنافقين لا بالمؤمنين، وأيضا لا يليق بالمؤمنين أن يقال لهم: ﴿ كَأَن لَّمْ تَكُنِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ ﴾ يعني الرسول: ﴿ مَّوَدَّةَ ﴾ فثبت أنه لا يمكن حمله على المؤمنين، وإنما يمكن حمله على المنافقين، ثم قال: فإن حمل على أنه من الابطاء والتثاقل صح في المنافقين، لأنهم كانوا يتأخرون عن الجهاد ويتثاقلون ولا يسرعون إليه، وإن حمل على تثبيط الغير صح أيضا فيهم، فقد كان يثبطون كثيراً من المؤمنين بما يوردون عليهم من أنواع التلبيس، فكلا الوصفين موجود في المنافقين، وأكثر المفسرين حمله على تثبيط الغير، فكأنهم فصلوا بين أبطأ وبطأ، فجعلوا الأول لازما، والثاني متعدياً، كما يقال في أحب وحب، فان الأول لازم والثاني متعد.

المسألة الثانية: قال الزجاج: من في قوله: ﴿ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ ﴾ موصولة بالحال للقسم كأن هذا لو كان كلاما لك لقلت إن منكم لمن حلف بالله ليبطئن.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِنْ أصابتكم مُّصِيبَةٌ ﴾ يعني من القتل والانهزام وجهد من العيش.

يعني لم أكن معهم شهيداً حاضراً حتى يصيبني ما أصابهم من البلاء والشدة ﴿ وَلَئِنْ أصابكم فَضْلٌ مِنَ الله ﴾ من ظفر وغنيمة ليقولن: ﴿ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ياليتنى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ﴿ كَأَن لَّمْ تَكُنْ ﴾ بالتاء المنقطة من فوق يعني المودة، والباقون بالياء لتقدم الفعل.

قال الواحدي: وكلا القراءتين قد جاء به التنزيل.

قال: ﴿ قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبّكُمْ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ  ﴾ فالتأنيث هو الأصل والتذكير يحسن إذا كان التأنيث غير حقيقي، سيما إذا وقع فاصل بين الفعل والفاعل.

المسألة الثانية: قرأ الحسن ﴿ لَّيَقُولَنَّ ﴾ بضم اللام أعاد الضمير إلى معنى من لأن قوله: ﴿ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ ﴾ في معنى الجماعة، إلا أن هذه القراءة ضعيفة لأن من وإن كان جماعة في المعنى لكنه مفرد في اللفظ، وجانب الافراد قد ترجح في قوله: ﴿ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَىَّ ﴾ وفي قوله: ﴿ ياليتنى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ .

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: لو كان التنزيل هكذا: ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما كان النظم مستقيما حسنا، فكيف وقع قوله: ﴿ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ في البين؟

وجوابه: أنه اعتراض وقع في البين وهو في غاية الحسن، بيانه أنه تعالى حكى عن هذا المنافق أنه إذا وقعت للمسلمين نكبة أظهر السرور الشديد بسبب أنه كان متخلفا عنهم، ولو فازوا بغنيمة ودولة أظهر الغم الشديد بسبب فوات تلك الغنيمة، ومثل هذه المعاملة لا يقدم عليها الإنسان إلا في حق الأجنبي العدو، لأن من أحب إنسانا فرح عند فرحه وحزن عند حزنه، فأما إذا قلبت هذه القضية فذاك إظهار للعداوة.

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه تعالى حكى عن هذا المنافق سروره وقت نكبة المسلمين، ثم أراد أن يحكي حزنه عند دولة المسلمين بسبب أنه فاته الغنيمة، فقبل أن يذكر هذا الكلام بتمامه ألقى في البين قوله: ﴿ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ والمراد التعجب كأنه تعالى يقول: انظروا إلى ما يقول هذا المنافق كأنه ليس بينكم أيها المؤمنون وبينه مودة ولا مخالطة أصلا، فهذا هو المراد من الكلام، وهو وإن كان كلاما واقعا في البين على سبيل الاعتراض إلا أنه في غاية الحسن.

<div class="verse-tafsir"

۞ فَلْيُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًۭا ٧٤

اعلم أنه تعالى لما ذم المبطئين في الجهاد عاد إلى الترغيب فيه فقال: ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ وللمفسرين في قوله: ﴿ يَشْرُونَ الحياة الدنيا ﴾ وجهان: الأول: أن ﴿ يَشْرُونَ ﴾ معناه يبيعون قال ابن مفرغ: وشريت بردا ليتني *** من بعد برد كنت هامه قال: وبرد هو غلامه، وشريته بمعنى بعته، وتمنى الموت بعد بيعه، فكان معنى الآية: فليقاتل في سبيل الله الذين يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، وهو كقوله: ﴿ إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم ﴾ إلى قوله: ﴿ فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ  ﴾ .

والقول الثاني: معنى قوله: ﴿ يَشْرُونَ ﴾ أي يشرتون قالوا: والمخاطبون بهذا الخطاب هم المنافقون الذين تخلفوا عن أحد، وتقرير الكلام: فليقاتل الذين يختارون الحياة الدنيا على الآخرة، وعلى هذا التقدير فلابد من حذف تقديره: آمنوا ثم قاتلوا لاستحالة حصول الأمر بشرائع الاسلام قبل حصول الاسلام.

وعندي في الآية احتمالات أخرى: أحدها: أن الإنسان لما أراد أن يبذل هذه الحياة الدنيا في سبيل الله بخلت نفسه بها، فاشتراها من نفسه بسعادة الآخرة ليقدر على بذلها في سبيل الله بطيبة النفس.

وثانيها: أنه تعالى أمر بالقتال مقرونا ببيان فساد ما لأجله يترك الإنسان القتال، فإن من ترك القتال فإنما يتركه رغبة في الحياة الدنيا، وذلك يوجب فوات سعادة الآخرة، فكأنه قيل له: اشتغل بالقتال واترك ترجيح الفاني على الباقي.

وثالثها: كأنه قيل: الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة إنما رجحوا الحياة الدنيا على الآخرة إذا كانت مقرونة بالسعادة والغبطة والكرامة وإذا كان كذلك فليقاتلوا، فإنهم بالمقاتلة يفوزون بالغبطة والكرامة في الدنيا، لأنهم بالمقاتلة يستولون على الأعداء ويفوزون بالأموال، فهذه وجوه خطرت بالبال والله أعلم بمراده.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يقاتل فِي سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ والمعنى من يقاتل في سبيل الله فسواء صار مقتولا للكفار أو صار غالبا للكفار فسوف نؤتيه أجرا عظيما، وهو المنفعة الخالصة الدائمة المقرونة بالتعظيم، ومعلوم أنه لا واسطة بين هاتين الحالتين، فاذا كان الأجر حاصلا على كلا التقديرين لم يكن عمل أشرف من الجهاد.

وهذا يدل على أن المجاهد لابد وأن يوطن نفسه على أنه لابد من أحد أمرين، إما أن يقتله العدو، وإما أن يغلب العدو ويقهره، فإنه إذا عزم على ذلك لم يفر عن الخصم ولم يحجم عن المحاربة، فأما إذا دخل لا على هذا العزم فما أسرع ما يقع في الفرار، فهذا معنى ما ذكره الله تعالى من التقسيم في قوله: ﴿ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ٧٥

اعمل أن المراد منه إنكاره تعالى لتركهم القتال، فصار ذلك توكيدا لما تقدم من الأمر بالجهاد وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وما لَكُمْ لاَ تقاتلون ﴾ يدل على أن الجهاد واجب، ومعناه أنه لا عذر لكم في ترك المقاتلة وقد بلغ حال المستضعفين من الرجال والنساء والولدان من المسلمين إلى ما بلغ في الضعف، فهذا حث شديد على القتال، وبيان العلة التي لها صار القتال واجبا، وهو ما في القتال من تخليص هؤلاء المؤمنين من أيدي الكفرة، لأن هذا الجمع إلى الجهاد يجري مجرى فكاك الأسير.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة قوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تقاتلون فِي سَبِيلِ الله ﴾ انكار عليهم في ترك القتال وبيان أنه لا عذر لهم ألبتة في تركه، ولو كان فعل العبد بخلق الله لبطل هذا الكلام لأن من أعظم العذر أن الله ما خلقه وما أراده وما قضى به، وجوابه مذكور.

المسألة الثالثة: اتفقوا على أن قوله: ﴿ والمستضعفين مِنَ الرجال والنساء والولدان ﴾ متصل بما قبله، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون عطفا على السبيل، والمعنى: مالكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي المستضعفين.

والثاني: أن يكون معطوفا على اسم الله عز وجل، أي في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين.

المسألة الرابعة: المراد بالمستضعفين من الرجال والنساء والولدان قوم من المسلمين بقوا بمكة وعجزوا عن الهجرة إلى المدينة، وكانوا يلقون من كفار مكة أذى شديدا.

قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان.

المسألة الخامسة: الولدان: جمع الولد، ونظيره مما جاء على فعل وفعلان، نحو حزب وحزبان، وورك ووركان، كذلك ولد وولدان.

قال صاحب الكشاف: ويجوز أن يراد بالرجال والنساء الاحرار والحرائر، وبالولدان العبيد والإماء، لأن العبد والأمة يقال لهما الوليد والوليدة، وجمعهما الولدان والولائد، إلا أنه جعل هاهنا الولدان جمعا للذكور والاناث تغليبا للذكور على الاناث، كما يقال آباء وإخوة والله أعلم.

المسألة السادسة: إنما ذكر الله الولدان مبالغة في شرح ظلمهم حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين إرغاما لآبائهم وأمهاتهم، ومبغضة لهم بمكانهم، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالا لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا، كما وردت السنة باخراجهم في الاستسقاء، ثم حكى تعالى عن هؤلاء المستضعفين أنهم كانوا يقولون: ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هذه القرية الظالم أَهْلُهَا واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أجمعوا على أن المراد امن هذه القرية الظالم أهلها مكة، وكون أهلها موصوفين بالظلم يحتمل أن يكون لأنهم كانوا مشركين قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ وأن يكون لأجل أنهم كانوا يؤذون المسلمين ويوصلون إليهم أنواع المكاره.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: القرية مؤنثة، وقوله: ﴿ الظالم أَهْلُهَا ﴾ صفة للقرية ولذلك خفض، فكان ينبغي أن يقال: الظالمة أهلها، وجوابه أن النحويين يسمون مثل هذه الصفة الصفة المشبهة باسم الفاعل، والأصل في هذا الباب: أنك اذا أدخلت الألف واللام في الأخير أجريته على الأول في تذكيره وتأنيثه، نحو قولك: مررت بامرأة حسنة الزوج كريمة الأب، ومررت برجل جميل الجارية، واذا لم تدخل الألف واللام في الأخير حملته على الثاني في تذكيره وتأنيثه كقولك: مررت بامرأة كريم أبوها، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ أَخْرِجْنَا مِنْ هذه القرية الظالم أَهْلُهَا ﴾ ولو أدخلت الألف واللام على الأهل لقلت من هذه القرية الظالمة الأهل، وإنما جاز أن يكون الظالم نعتا للقرية لأنه صفة للأهل، والأهل منتسبون إلى القرية، وهذا القدر كاف في صحة الوصف كقولك مررت برجل قائم أبوه، فالقيام للأب وقد جعلته وصفا للرجل، وإنما كان هذا القدر كافيا في صحة الوصف لأن المقصود من الوصف التخصيص والتمييز، وهذا المقصود حاصل من مثل هذا الوصف، والله أعلم.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً ﴾ قولان: فالأول: قال ابن عباس: يريدون اجعل علينا رجلا من المؤمنين يوالينا ويقوم بمصالحنا ويحفظ علينا ديننا وشرعنا، فأجاب الله تعالى دعاءهم لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما فتح مكة جعل عتاب بن أسيد أميراً لهم، فكان الولي هو الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان النصير عتاب بن أسيد، وكان عتاب ينصف الضعيف من القوي والذليل من العزيز.

الثاني: المراد: واجعل لنا من لدنك ولاية ونصرة، والحاصل كن أنت لنا وليا وناصرا.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّـٰغُوتِ فَقَـٰتِلُوٓا۟ أَوْلِيَآءَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۖ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفًا ٧٦

واعلم أنه تعالى لما بين وجوب الجهاد بين أنه لا عبرة بصورة الجهاد.

بل العبرة بالقصد والداعي، فالمؤمنون يقاتلون لغرض نصرة دين الله وإعلاء كلمته، والكافرون يقاتلون في سبيل الطاغوت، وهذه الآية كالدلالة على أن كل من كان غرضه في فعله رضا غير الله فهو في سبيل الطاغوت، لأنه تعالى لما ذكر هذه القسمة وهي أن القتال إما أن يكون في سبيل الله: أو في سبيل الطاغوت وجب أن يكون ما سوى الله طاغوتا، ثم إنه تعالى أمر المقاتلين في سبيل الله بأن يقاتلوا أولياء الشيطان، وبين أن كيد الشيطان كان ضعيفا، لأن الله ينصر أولياءه، والشيطان ينصر أولياءه ولا شك أن نصرة الشيطان لأوليائه أضعف من نصرة الله لأوليائه، ألا ترى أن أهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر وان كانوا حال حياتهم في غاية الفقر والذلة، وأما الملوك والجبابرة فاذا ماتوا انقرض أثرهم ولا يبقى في الدنيا رسمهم ولا ظلمهم، والكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال عليه يقال: كاده يكيده إذا سعى في إيقاع الضرر على جهة الحيلة عليه وفائدة إدخال ﴿ كان ﴾ في قوله: ﴿ كَانَ ضَعِيفاً ﴾ للتأكيد لضعف كيده، يعني أنه منذ كان كان موصوفا بالضعف والذلة.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا۟ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةًۭ ۚ وَقَالُوا۟ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ ۗ قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌۭ وَٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ٧٧

وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية صفة للمؤمنين أو المنافقين؟

فيه قولان: الأول: أن الآية نزلت في المؤمنين، قال الكلبي: نزلت في عبد الرحمن بن عوف والمقداد وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص، كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجروا إلى المدينة، ويلقون من المشركين أذى شديدا فيشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون: ائذن لنا في قتالهم ويقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفوا أيديكم فاني لم أومر بقتالهم، واشتغلوا باقامة دينكم من الصلاة والزكاة»، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأمروا بقتالهم في وقعة بدر كرهه بعضهم، فأنزل الله هذه الآية.

واحتج الذاهبون إلى هذا القول بان الذين يحتاج الرسول أن يقول لهم: كفوا عن القتال هم الراغبون في القتال، والراغبون في القتال هم المؤمنون، فدل هذا على أن الآية نازلة في حق المؤمنين.

ويمكن الجواب عنه بأن المنافقين كانوا يظهرون من أنفسهم انا مؤمنون وانا نريد قتال الكفار ومحاربتهم، فلما أمر الله بقتالهم الكفار أحجم المنافقون عنه وظهر منهم خلاف ما كانوا يقولونه.

القول الثاني: أن الآية نازلة في حق المنافقين، واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الآية مشتملة على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين.

فالأول: أنه تعالى قال في وصفهم: ﴿ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق إلا بالمنافق، لأن المؤمن لا يجوز أن يكون خوفه من الناس أزيد من خوفه من الله تعالى.

والثاني: أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال، والاعتراض على الله ليس إلا من صفة الكفار والمنافقين.

الثالث: أنه تعالى قال للرسول: ﴿ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ والأخرة خَيْرٌ لّمَنِ اتقى ﴾ وهذا الكلام يذكر مع من كانت رغبته في الدنيا أكثر من رغبته في الآخرة، وذلك من صفات المنافقين.

وأجاب القائلون بالقول الأول عن هذه الوجوه بحرف واحد، وهو أن حب الحياة والنفرة عن القتل من لوازم الطباع، فالخشية المذكورة في هذه الآية محمولة على هذا المعنى، وقولهم: ﴿ لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال ﴾ محمول على التمني لتخفيف التكليف لا على وجه الانكار لايجاب الله تعالى، وقوله تعالى: ﴿ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ ﴾ مذكور لا لأن القوم كانوا منكرين لذلك، بل لأجل إسماع الله لهم هذا الكلام مما يهون على القلب أمر هذه الحياة، فحينئذ يزول من قلبهم نفرة القتال وحب الحياة ويقدمون على الجهاد بقلب قوي، فهذا ما في تقرير هذين القوين والله أعلم، والأولى حمل الآية على المنافقين لأنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِك  ﴾ ولا شك أن من هذا كلام المنافقين، فاذا كانت هذه الآية معطوفة على الآية التي نحن في تفسيرها ثم المعطوف في المنافقين وجب أن يكون المعطوف عليهم فيهم أيضا.

المسألة الثانية: دلت الآية على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدما على إيجاب الجهاد، وهذا هو الترتيب المطابق لما في العقول، لأن الصلاة عبارة عن التعظيم لأمر الله، والزكاة عبارة عن الشفقة على خلق الله، ولا شك أنهما مقدمان على الجهاد.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ كَخَشْيَةِ الله ﴾ مصدر مضاف إلى المفعول.

المسألة الرابعة: ظاهر قوله: ﴿ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ يوهم الشك، وذلك على علام الغيوب محال.

وفيه وجوه من التأويل: الأول: المراد منه الابهام على المخاطب، بمعنى أنهم على إحدى الصفتين من المساواة والشدة، وذلك لأن كل خوفين فأحدهما بالنسبة إلى الآخر إما أن يكون أنقص أو مساويا أو أزيد فبين تعالى بهذه الآية أن خوفهم من الناس ليس أنقص من خوفهم من الله، بل بقي إما أن يكون مساويا أو أزيد، فهذا لا يوجب كونه تعالى شاكا فيه، بل يوجب إبقاء الابهام في هذين القسمين على المخاطب.

الثاني: أن يكون أو بمعنى الواو، والتقدير: يخشونهم كخشية الله وأشد خشية، وليس بين هذين القسمين منافاة، لأن من هو أشد خشية فمعه من الخشية مثل خشيته من الله وزيادة.

الثالث: أن هذا نظير قوله: ﴿ وأرسلناه إلى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ  ﴾ يعني أن من يبصرهم يقول هذا الكلام، فكذا هاهنا والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال ﴾ .

واعلم أن هؤلاء القائلين إن كانوا مؤمنين فهم إنما قالوا ذلك لا اعتراضا على الله، لكن جزعا من الموت وحبا للحياة، وإن كانوا منافقين فمعلوم أنهم كانوا منكرين لكون الرب تعالى كاتبا للقتال عليهم، فقالوا ذلك على معنى أنه تعالى كتب القتال عليهم في زعم الرسول عليه الصلاة والسلام وفي دعواه، ثم قالوا: ﴿ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ وهذا كالعلة لكراهتهم لايجاب القتال عليهم، أي هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا، ثم إنه تعالى أجاب عن شبهتهم فقال: ﴿ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ والاخرة خَيْرٌ لّمَنِ اتقى ﴾ وإنما قلنا: إن الآخرة خير لوجوه: الأول: ان نعم الدنيا قليلة، ونعم الآخرة كثيرة.

والثاني: ان نعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبدة.

والثالث: أن نعم الدنيا مشوبة بالهموم والغموم والمكاره، ونعم الآخرة صافية عن الكدرات.

والرابع: أن نعم الدنيا مشكوكة فان أعظم الناس تنعما لا يعرف أنه كيف يكون عاقبته في اليوم الثاني، ونعم الآخرة يقينية، وكل هذه الوجوه تجب رجحان الآخرة على الدنيا، إلا أن هذه الخيرية إنما تحصل للمؤمنين المتقين، فلهذا المعنى ذكر تعالى هذا الشرط وهو قوله: ﴿ لِمَنِ اتقى ﴾ وهذا هو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: (يَظْلِمُونَ) بالياء على أنه راجع إلى المذكورين في قوله: ﴿ الم تَرَى إِلَى الذين قِيلَ ﴾ والباقون بالتاء على سبيل الخطاب، ويؤيد التاء قوله: ﴿ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ ﴾ فان قوله: ﴿ قُلْ ﴾ يفيد الخطاب.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة: الآية تدل على أنهم يستحقون على طاعتهم الثواب، وإلا لما تحقق نفي الظلم، وتدل على أنه تعالى يصح منه الظلم وإن كنا نقطع بأنه لا يفعل، وإلا لما صح التمدح به.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم مثل فتيل النواة وهو ما تفتله بيدك ثم تلقيه احتقاراً.

وقد مضى الكلام فيه.

<div class="verse-tafsir"

أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍۢ مُّشَيَّدَةٍۢ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًۭا ٧٨

والمقصود من هذا الكلام تبكيت من حكى عنهم أنهم عند فرض القتال يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال، فقال تعالى: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت ﴾ فبين تعالى أنه لا خلاص لهم من الموت، والجهاد موت مستعقب لسعادة الآخرة، فاذا كان لابد من الموت، فبأن يقع على وجه يكون مستعقباً للسعادة الأبدية كان أولى من أن لا يكون كذلك، ونظير هذه الآية قوله: ﴿ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ والبروج في كلام العرب هي القصور والحصون، وأصلها في اللغة من الظهور، يقال: تبرجت المرأة، إذا أظهرت محاسنها، والمشيدة المرتفعة، وقرئ ﴿ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ قال صاحب الكشاف: من شاد إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجص، وقرأ نعيم بن ميسرة بكسر الياء وصفاً لها بفعل فاعلها مجازا، كما قالوا: قصيدة شاعرة، وإنما الشاعر قائلها.

قوله تعالى: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله فَمَالِ هَؤُلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ .

اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافقين كونهم متثاقلين عن الجهاد خائقين من الموت غير راغبين في سعادة الآخرة حكى عنهم في هذه الآية خصلة أخرى قبيحة أقبح من الأولى، وفي النظم وجه آخر، وهو أن هؤلاء الخائفين من الموت المتثاقلين في الجهاد من عادتهم أنهم إذا جاهدوا وقاتلوا فان أصابوا راحة وغنيمة قالوا: هذه من عند الله، وإن أصابهم مكروه قالوا: هذا من شؤم مصاحبة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على غاية حمقهم وجهلهم وشدة عنادهم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في الحسنة والسيئة وجوها؛ الأول: قال المفسرون: كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك الله عنهم بعض الامساك كما جرت عادته في جميع الأمم، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأساء والضراء ﴾ فعند هذا قال اليهود والمنافقون: ما رأينا أعظم شؤما من هذا الرجل، نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم، فقوله تعالى: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ يعني الخصب ورخص السعر وتتابع الأمطار قالوا: هذا من عند الله ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ ﴾ جدب وغلاء سعر قالوا هذا من شؤم محمد، وهذا كقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا جَاءتْهُمُ الحسنة قَالُواْ لَنَا هذه وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ  ﴾ وعن قوم صالح: ﴿ قَالُواْ اطيرنا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ  ﴾ .

القول الثاني: المراد من الحسنة النصر على الاعداء والغنيمة، ومن السيئة القتل والهزيمة قال القاضي: والقول الأول هو المعتبر لأن اضافة الخصب والغلاء إلى الله وكثرة النعم وقلتها إلى الله جائزة، أما إضافة النصر والهزيمة إلى الله فغير جائزة، لأن السيئة إذا كانت بمعنى الهزيمة والقتل لم يجز إضافتها إلى الله، وأقول: القول كما قال على مذهبه، أما على مذهبنا فالكل داخل في قضاء الله وقدره.

المسألة الثانية: اعلم أن السيئة تقع على البلية والمعصية، والحسنة على النعمة والطاعة قال تعالى: ﴿ وبلوناهم بالحسنات والسيئات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات  ﴾ .

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ يفيد العموم في كل الحسنات، وكذلك قوله: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ ﴾ يفيد العموم في كل السيئات، ثم قال بعد ذلك: ﴿ قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله ﴾ فهذا تصريح بأن جميع الحسنات والسيئات من الله، ولما ثبت بما ذكرنا أن الطاعات والمعاصي داخلتان تحت اسم الحسنة والسيئة كانت الآية دالة على أن جميع الطاعات والمعاصي من الله، وهو المطلوب.

فان قيل: المراد هاهنا بالحسنة والسيئة ليس هو الطاعة والمعصية، ويدل عليه وجوه: الأول: اتفاق الكل على أن هذه الآية نازلة في معنى الخصب والجدب فكانت مختصة بهما.

الثاني: أن الحسنة التي يراد بها الخير والطاعة لا يقال فيها أصابتني، إنما يقال أصبتها، وليس في كلام العرب أصابت فلانا حسنة بمعنى عمل خيرا، أو أصابته سيئة بمعنى عمل معصية، فعلى هذا لو كان المراد ما ذكرتم لقال ان أصبتم حسنة.

الثالث: لفظ الحسنة واقع بالاشتراك على الطاعة وعلى المنفعة، وهاهنا أجمع المفسرون على أن المنفعة مرادة، فيمتنع كون الطاعة مرادة، ضرورة أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا.

فالجواب عن الأول: أنكم تسلمون أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ.

والجواب عن الثاني: أنه يصح أن يقال: أصابني توفيق من الله وعون من الله، وأصابه خذلان من الله، ويكون مراده من ذلك التوفيق والعون تلك الطاعة، ومن الخذلان تلك المعصية.

والجواب عن الثالث: أن كل ما كان منتفعا به فهو حسنة، فان كان منتفعا به في الآخرة فهو الطاعة، وإن كان منتفعا به في الدنيا فهو السعادة الحاضرة، فاسم الحسنة بالنسبة إلى هذين القسمين متواطئ الاشتراك، فزال السؤال.

فثبت أن ظاهر الآية يدل على ما ذكرناه، ومما يدل على أن المراد ليس إلا ذاك ما ثبت في بدائه العقول أن كل موجود فهو إما واجب لذاته، وإما ممكن لذاته، والواجب لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى، والممكن لذاته كل ما سواه، فالممكن لذاته إن استغنى عن المؤثر فسد الاستدلال بجواز العالم وحدوثه على وجود الصانع، وحينئذ يلزم نفي الصانع، وإن كان الممكن لذاته محتاجا إلى المؤثر، فاذا كان كل ما سوى الله ممكنا كان كل ما سوى الله مستنداً إلى الله، وهذا الحكم لا يختلف بأن يكون ذلك الممكن ملكا أو جمادا أو فعلا للحيوان أو صفة للنبات، فان الحكم لاستناد الممكن لذاته إلى الواجب لذاته لما بينا من كونه ممكنا كان الكل فيه على السوية، وهذا برهان أوضح وأبين من قرص الشمس على أن الحق ما ذكره تعالى، وهو قوله: ﴿ قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ فَمَالِ هَؤُلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: انه لما كان البرهان الدال على أن كل ما سوى الله مستنداً إلى الله على الوجه الذي لخصناه في غاية الظهور والجلاء، قال تعالى: ﴿ فَمَالِ هَؤُلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ وهذا يجري مجرى التعجب من عدم وقوفهم على صحة هذا الكلام مع ظهوره.

قالت المعتزلة: بل هذه الآية دالة على صحة قولنا، لأنه لو كان حصول الفهم والمعرفة بتخليق الله تعالى لم يبق هذا التعجب معنى ألبتة، لأن السبب في عدم حصول هذه المعرفة هو أنه تعالى ما خلقها وما أوجدها، وذلك يبطل هذا التعجب، فحصول هذا التعجب يدل على أنه إنما تحصل بايجاد العبد لا بايجاد الله تعالى.

واعلم أن هذا الكلام ليس إلا التمسك بطريقة المدح والذم، وقد ذكرنا أنها معارضة بالعلم.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة: أجمع المفسرون على أن المراد من قوله: ﴿ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ أنهم لا يفقهون هذه الآية المذكورة في هذا الموضع، وهذا يقتضي وصف القرآن بأنه حديث، والحديث فعيل بمعنى مفعول، فيلزم منه أن يكون القرآن محدثا.

والجواب: مرادكم بالقرآن ليس إلا هذه العبارات، ونحن لا ننازع في كونها محدثة.

المسألة الثالثة: الفقه: الفهم، يقال أوتى فلانا فقها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس: فقهه في التأويل أي فهمه.

<div class="verse-tafsir"

مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍۢ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًۭا ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۭا ٧٩

قال أبو علي الجبائي: قد ثبت أن لفظ السيئة تارة يقع على البلية والمحنة، وتارة يقع على الذنب والمعصية، ثم إنه تعالى أضاف السيئة إلى نفسه في الآية الأولى بقوله: ﴿ قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله  ﴾ وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله: ﴿ وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ فلابد من التوفيق بين هاتين الآيتين وإزالة التناقض عنهما، ولما كانت السيئة بمعنى البلاء والشدة مضافة إلى الله وجب أن تكون السيئة بمعنى المعصية مضافة إلى العبد حتى يزول التناقض بين هاتين الآيتين المتجاورتين، قال: وقد حمل المخالفون أنفسهم على تغيير الآية وقرؤا: ﴿ فَمَنْ نَفْسك ﴾ فغيروا القرآن وسلكوا مثل طريقة الرافضة من ادعاء التغيير في القرآن.

فان قيل: فلماذا فصل تعالى بين الحسنة والسيئة في هذه الآية فأضاف الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة وكلاهما فعل العبد عندكم؟

قلنا: لأن الحسنة وإن كانت من فعل العبد فانما وصل اليها بتسهيله تعالى وألطافه فصحت الاضافة إليه، وأما السيئة التي هي من فعل العبد فهي غير مضافة إلى الله تعالى لا بأنه تعالى فعلها ولا بأنه أرادها، ولا بأنه أمر بها، ولا بأنه رغب فيها، فلا جرم انقطعت إضافة هذه السيئة من جميع الوجوه إلى الله تعالى.

هذا منتهى كلام الرجل في هذا الموضع.

ونحن نقول: هذه الآية دالة على أن الايمان حصل بتخليق الله تعالى، والقوم لا يقولون به فصاروا محجوجين بالآية.

إنما قلنا: إن الآية دالة على ذلك لأن الايمان حسنة، وكل حسنة فمن الله.

إنما قلنا: إن الايمان حسنة، لأن الحسنة هي الغبطة الخالية عن جميع جهات القبح، ولا شك أن الايمان كذلك، فوجب أن يكون حسنة لأنهم اتفقوا على أن قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى الله  ﴾ المراد به كلمة الشهادة، وقيل في قوله: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان  ﴾ قيل: هو لا إله إلا الله، فثبت أن الايمان حسنة، وإنما قلنا إن كل حسنة من الله لقوله تعالى: ﴿ مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله ﴾ وقوله: ﴿ مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ ﴾ يفيد العموم في جميع الحسنات، ثم حكم على كلها بأنها من الله، فيلزم من هاتين المقدمتين، أعني أن الايمان حسنة، وكل حسنة من الله، القطع بأن الايمان من الله.

فان قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من كون الايمان من الله هو أن الله أقدره عليه وهداه إلى معرفة حسنة، وإلى معرفة قبح ضده الذي هو الكفر؟

قلنا: جميع الشرائع مشتركة بالنسبة إلى الايمان والكفر عندكم، ثم إن العبد باختيار نفسه أوجد الايمان، ولا مدخل لقدرة الله وإعانته في نفس الايمان، فكان الايمان منقطعا عن الله في كل الوجوه، فكان هذا مناقضا لقوله: ﴿ مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله ﴾ فثبت بدلالة هذه الآية أن الايمان من الله، والخصوم لا يقولون به، فصاروا محجوجين في هذه المسألة، ثم اذا أردنا أن نبين أن الكفر أيضا من الله.

قلنا فيه وجوه: الأول: أن كل من قال: الايمان من الله قال: الكفر من الله، فالقول بأن أحدهما من الله دون الآخر مخالف لاجماع الأمة.

الثاني: أن العبد لو قدر على تحصيل الكفر فالقدرة الصالحة لايجاد الكفر إما أن تكون صالحة لايجاد الايمان أو لا تكون، فان كانت صالحة لايجاد الايمان فحينئذ يعود القول في أن إيمان العبد منه، وإن لم تكن صالحة لايجاد الايمان فحينئذ يكون القادر على الشيء غير قادر على ضده، وذلك عندهم محال، ولأن على هذا التقدير تكون القدرة موجبة للمقدور، وذلك يمنع من كونه قادرا عليه، فثبت أنه لما لم يكن الايمان منه وجب أن لا يكون الكفر منه.

الثالث: أنه لما لم يكن العبد موجدا للايمان فبأن لا يكون موجدا للكفر أولى، وذلك لأن المستقل بايجاد الشيء هو الذي يمكنه تحصيل مراده، ولا نرى في الدنيا عاقلا إلا ويريد أن يكون الحاصل في قلبه هو الايمان والمعرفة والحق، وإن أحدا من العقلاء لا يريد أن يكون الحاصل في قلبه هو الجهل والضلال والاعتقاد الخطأ، فاذا كان العبد موجداً لأفعال نفسه وهو لا يقصد إلا تحصيل العلم الحق المطابق، وجب أن لا يحصل في قلبه إلا الحق، فاذا كان الايمان الذي هو مقصوده ومطلوبه ومراده لم يقطع بايجاده، فبأن يكون الجهل الذي ما أراده وما قصد تحصيله وكان في غاية النفرة عنه والفرار منه غير واقع بايجاده وتكوينه كان ذلك أولى.

والحاصل أن الشبهة في أن الايمان واقع بقدرة العبد أشد من الشبهة في وقوع الكفر بقدرته، فلما بين تعالى في الايمان أنه من الله ترك ذكر الكفر للوجه الذي ذكرناه، فهذا جملة الكلام في بيان دلالة هذه الآية على مذهب إمامنا.

أما ما احتج الجبائي به على مذهبه من قوله: ﴿ وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ .

فالجواب عنه من وجهين: الأول: أنه تعالى قال حكاية عن ابراهيم عليه السلام: ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ  ﴾ أضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله، فلم يقدح ذلك في كونه تعالى خالقا للمرض والشفاء، بل إنما فصل بينهما رعاية الأدب، فكذا هاهنا، فانه يقال: يا مدبر السموات والأرض، ولا يقال يا مدبر القمل والصبيان والخنافس، فكذا هاهنا.

الثاني: أكثر المفسرين قالوا في تفسير قول ابراهيم: ﴿ هذا رَبّى ﴾ أنه ذكر هذا استفهاما على سبيل الانكار، كأنه قال: أهذا ربي، فكذا هاهنا، كأنه قيل: الايمان الذي وقع على وفق قصده قد بينا أنه ليس واقعا منه، بل من الله، فهذا الكفر ما قصده وما أراده وما رضي به ألبتة، أفيدخل في العقل أن يقال: إنه وقع به؟

فانا بينا أن الحسنة في هذه الآية يدخل فيها الايمان، والسيئة يدخل فيها الكفر، أما قراءة من قرأ ﴿ فَمَنْ نَفْسِك ﴾ فنقول: إن صح أنه قرأ بهذه الآية واحد من الصحابة والتابعين فلا طعن فيه، وإن لم يصح ذلك فالمراد أن من حمل الآية على أنها وردت على سبيل الاستفهام على وجه الانكار ذكر في تفسير الاستفهام على سبيل الانكار هذا الكلام، لأنه لما أضاف السيئة اليهم في معرض الاستفهام على سبيل الانكار كان المراد أنها غير مضافة اليهم، فذكر هذا القائل قوله: ﴿ فَمَنْ نَفْسِك ﴾ لا على اعتقاد أنه من القرآن، بل لأجل أنه يجري مجرى التفسير لقولنا: إنه استفهام على سبيل الانكار، ومما يدل دلالة ظاهرة على أن المراد من هذه الآيات إسناد جميع الأمور إلى الله تعالى، قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿ وأرسلناك لِلنَّاسِ رَسُولاً ﴾ يعني ليس لك إلا الرسالة والتبليغ، وقد فعلت ذلك وما قصرت.

﴿ وكفى بالله شَهِيداً  ﴾ على جدك وعدم تقصيرك في أداء الرسالة وتبليغ الوحي، فأما حصول الهداية فليس إليك بل إلى الله، ونظيره قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيء  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء  ﴾ فهذا جملة ما خطر بالبال في هذه الآية، والله أعلم بأسرار كلامه.

ثم إنه تعالى أكد هذا الذي قلناه.

<div class="verse-tafsir"

مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًۭا ٨٠

والمعنى أن من أطاع الرسول لكونه رسولا مبلغا إلى الخلق أحكام الله فهو في الحقيقة ما أطاع إلا الله، وذلك في الحقيقة لا يكون إلا بتوفيق الله، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا، فان من أعماه الله عن الرشد وأضله عن الطريق، فان أحداً من الخلق لا يقدر على إرشاده.

واعلم أن من أنار الله قلبه بنور الهداية قطع بأن الأمر كما ذكرنا، فانك ترى الدليل الواحد تعرضه على شخصين في مجلس واحد، ثم إن أحدهما يزداد إيماناً على إيمان عند سماعه، والآخر يزداد كفراً على كفر عند سماعه، ولو أن المحب لذلك الكلام أراد أن يخرج عن قلبه حب ذلك الكلام واعتقاد صحته لم يقدر عليه، ولو أن المبغض له أراد أن يخرج عن قلبه بغض ذلك الكلام واعتقاد فساده لم يقدر، ثم بعد أيام ربما انقلب المحب مبغضا والمبغض محباً، فمن تأمل للبرهان القاطع الذي ذكرناه في أنه لابد من إسناد جميع الممكنات إلى واجب الوجود، ثم اعتبر من نفسه الاستقراء الذي ذكرناه، ثم لم يقطع بأن الكل بقضاء الله وقدره، فليجعل واقعته من أدل الدلائل على أنه لا تحصل الهداية إلا بخلق الله من جهة أن مع العلم بمثل هذا الدليل، ومع العلم بمثل هذا الاستقراء لما لم يحصل في قلبه هذا الاعتقاد، عرف أنه ليس ذلك إلا بأن الله صده عنه ومنعه منه.

بقي في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ من أقوى الدلائل على أنه معصوم في جميع الأوامر والنواهي وفي كل ما يبلغه عن الله، لأنه لو أخطأ في شيء منها لم تكن طاعته طاعة الله وأيضا وجب أن يكون معصوما في جميع أفعاله، لأنه تعالى أمر بمتابعته في قوله: ﴿ واتبعوه  ﴾ والمتابعة عبارة عن الاتيان بمثل فعل الغير لأجل أنه فعل ذلك الغير، فكان الآتي بمثل ذلك الفعل مطيعاً لله في قوله: ﴿ واتبعوه ﴾ فثبت أن الانقياد له في جميع أقواله وفي جميع أفعاله، إلا ما خصه الدليل، طاعة لله وانقياد لحكم الله.

المسألة الثانية: قال الشافعي رضي الله عنه في كتاب الرسالة في باب فرض الطاعة للرسول: ان قوله تعالى: ﴿ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ يدل على أن كل تكليف كلف الله به عباده في باب الوضوء والصلاة والزكاة والصوم والحج وسائر الأبواب في القرآن، ولم يكن ذلك التكليف مبينا في القرآن، فحينئذ لا سبيل لنا إلى القيام بتلك التكاليف إلا ببيان الرسول، وإذا كان الأمر كذلك لزم القول بأن طاعة الرسول عين طاعة الله، هذا معنى كلام الشافعي.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ يدل على أنه لا طاعة إلا لله ألبتة، وذلك لأن طاعة الرسول لكونه رسولا فيما هو فيه رسول لا تكون إلا طاعة لله، فكانت الآية دالة على أنه لا طاعة لأحد إلا لله.

قال مقاتل في هذه الآية: ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله فقال المنافقون: لقد قارب هذا الرجل الشرك وهو أن ينهي أن نعبد غير الله، ويريد أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى، فأنزل الله هذه الآية.

واعلم أنا بينا كيفية دلالة الآية على أنه لا طاعة ألبتة للرسول، وإنما الطاعة لله.

أما قوله: ﴿ وَمَن تولى فَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ ففيه قولان: أحدهما: أن المراد من التولي هو التولي بالقلب، يعني يا محمد حكمك على الظواهر، أما البواطن فلا تتعرض لها.

والثاني: أن المراد به التولي بالظاهر، ثم هاهنا ففي قوله: ﴿ فَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ قولان: الأول: معناه فلا ينبغي أن تغتم بسبب ذلك التولي وأن تحزن، فما أرسلناك لتحفظ الناس عن المعاصي، والسبب في ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان يشتد حزنه بسبب كفرهم وإعراضهم، فالله تعالى ذكر هذا الكلام تسلية له عليه الصلاة والسلام عن ذلك الحزن.

الثاني: أن المعنى فما أرسلناك لتشتغل بزجرهم عن ذلك التولي وهو كقوله: ﴿ لا إِكْرَاهَ فِي الدين  ﴾ ثم نسخ هذا بعده بآية الجهاد.

<div class="verse-tafsir"

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌۭ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ ۖ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ٨١

أي ويقولون إذا أمرتهم بشيء ﴿ طَاعَةٌ ﴾ بالرفع، أي أمرنا وشأننا طاعة، ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة، وهذا كما إذا قال الرجل المطيع المنقاد: سمعا وطاعة، وسمع وطاعة.

قال سيبويه: سمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال لهم كيف أصبحت؟

فيقول: حمداً لله وثناءً عليه، كأنه قال: أمرى وشأني حمدا لله.

واعلم أن النصب يدل على مجرد الفعل.

وأما الرفع فانه يدل على ثبات الطاعة واستقرارها ﴿ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ ﴾ أي خرجوا من عندك ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ غَيْرَ الذي تَقُولُ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج: كل أمر تفكروا فيه كثيراً وتأملوا في مصالحه ومفاسده كثيراً قيل هذا أمر مبيت، قال تعالى: ﴿ إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لاَ يرضى مِنَ القول  ﴾ وفي اشتقاقه وجهان: الأول: اشتقاقه من البيتوتة، لأن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس الإنسان في بيته بالليل، فهناك تكون الخواطر أخلى والشواغل أقل، فلما كان الغالب أن الإنسان وقت الليل يكون في البيت، والغالب له أنه إنما يستقصي في الأفكار في الليل، لا جرم سمي الفكر المستقصى مبيتا.

الثاني: اشتقاقه من بيت الشعر.

قال الأخفش: العرب إذا أرادوا قرض الشعر بالغوا في التفكر فيه فسموا المتفكر فيه المستقصى مبيتا، تشبيها له ببيت الشعر من حيث أنه يسوى ويدبر.

المسألة الثانية: أنه تعالى خص طائفة من جملة المنافقين بالتبييت، وفي هذا التخصيص وجهان: أحدهما: أنه تعالى ذكر من علم أنه يبقى على كفره ونفاقه، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فانه لم يذكرهم.

والثاني: أن هذه الطائفة كانوا قد أسهروا ليلهم في التبييت، وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبيتوا، فلا جرم لم يذكروا.

المسألة الثالثة: قرأ أبو عمرو وحمزة ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ ﴾ بادغام التاء في الطاء، والباقون بالاظهار أما من أدغم فله فيه وجهان: الأول: قال الفراء: جزموا لكثرة الحركات، فلما سكنت التاء أدغمت في الطاء، والثاني: أن الطاء والدال والتاء من حيز واحد، فالتقارب الذي بينها يجريها مجرى الأمثال في الادغام، ومما يحسن هذا الادغام أن الطاء تزيد على التاء بالاطباق، فحسن إدغام الأنقص صوتاً في الأزيد صوتاً.

أما من لم يدغم فعلته أنهما حرفان من مخرجين في كلمتين متفاصلتين، فوجب إبقاء كل واحد منهما بحاله.

المسألة الرابعة: قال: ﴿ بَيَّتَ ﴾ بالتذكير ولم يقل: بيتت بالتأنيث، لأن تأنيث الطائفة غير حقيقي، ولأنها في معنى الفريق والفوج.

قال صاحب الكشاف: ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ ﴾ أي زورت وزينت خلاف ما قلت وما أمرت به، أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة، لأنهم أبطنوا الرد لا القبول والعصيان لا الطاعة.

ثم قال تعالى: ﴿ والله يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُونَ ﴾ ذكر الزجاج فيه وجهين: أحدهما: أن معناه ينزل اليك في كتابه.

والثاني: يكتب ذلك في صحائف أعمالهم ليجازوا به.

ثم قال تعالى: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ والمعنى لا تهتك سترهم ولا تفضحهم ولا تذكرهم بأسمائهم، وإنما أمر الله بستر أمر المنافقين إلى أن يستقيم أمر الاسلام.

ثم قال: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله ﴾ في شأنهم، فان الله يكفيك شرهم وينتقم منهم ﴿ وكفى بالله وَكِيلاً ﴾ لمن توكل عليه.

قال المفسرون: كان الأمر بالإعراض عن المنافقين في ابتداء الاسلام، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿ جاهد الكفار والمنافقين  ﴾ وهذا الكلام فيه نظر، لأن الأمر بالصفح مطلق فلا يفيد إلا المرة الواحدة، فورود الأمر بعد ذلك بالجهاد لا يكون ناسخا له.

<div class="verse-tafsir"

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًۭا كَثِيرًۭا ٨٢

اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافقين أنواع مكرهم وكيدهم، وكان كل ذلك لأجل أنهم ما كانوا يعتقدون كونه محقا في ادعاء الرسالة صادقا فيه، بل كانوا يعتقدون أنه مفتر متخرص، فلا جرم أمرهم الله تعالى بأن ينظروا ويتفكروا في الدلائل الدالة على صحة نبوته.

فقال: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ﴾ فاحتج تعالى بالقرآن على صحة نبوته وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: التدبير والتدبر عبارة عن النظر في عواقب الأمور وأدبارها، ومنه قوله: إلام تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها، ويقال في فصيح الكلام: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، أي لو عرفت في صدر أمري ما عرفت من عاقبته.

المسألة الثانية: اعلم أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى احتج بالقرآن على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ لو تحمل الآية على ذلك لم يبق لها تعلق بما قبلها ألبتة، والعلماء قالوا: دلالة القرآن على صدق محمد صلى الله عليه وسلم من ثلاثة أوجه: أولها: فصاحته.

وثانيها: اشتماله على الاخبار عن الغيوب.

والثالث: سلامته عن الاختلاف، وهذا هو المذكور في هذه الآية، ثم القائلون بهذا القول ذكروا في تفسير سلامته عن الاختلاف ثلاثة أوجه: الأول: قال أبو بكر الأصم: معناه أن هؤلاء المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكر والكيد، والله تعالى كان يطلع الرسول عليه الصلاة والسلام على تلك الأحوال حالا فحالا، ويخبره عنها على سبيل التفصيل، وما كانوا يجدون في كل ذلك إلا الصدق، فقيل لهم: إن ذلك لو لم يحصل باخبار الله تعالى وإلا لما اطرد الصدق فيه، ولظهر في قول محمد أنواع الاختلاف والتفاوت، فلما لم يظهر ذلك علمنا أن ذلك ليس إلا بإعلام الله تعالى، والثاني: وهو الذي ذهب اليه أكثر المتكلمين أن المراد منه أن القرآن كتاب كبير، وهو مشتمل على أنواع كثيرة من العلوم، فلو كان ذلك من عند غير الله لوقع فيه أنواع من الكلمات المتناقضة، لأن الكتاب الكبير الطويل لا ينفك عن ذلك، ولما لم يوجد فيه ذلك علمنا أنه ليس من عند غير الله.

فإن قيل: أليس أن قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبّهَا نَاظِرَةٌ  ﴾ كالمناقض لقوله تعالى: ﴿ لاَ تُدْرِكُهُ الأبصار  ﴾ وآيات الجبر كالمناقضة لآيات القدر، وقوله: ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  ﴾ كالمناقض لقوله: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ  ﴾ .

قلنا: قد شرحنا في هذا التفسير أنه لا منافاة ولا مناقضة بين شيء منها ألبتة.

الوجه الثالث: في تفسير قولنا: القرآن سليم عن الاختلاف ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني، وهو أن المراد منه الاختلاف في رتبة الفصاحة، حتى لا يكون في جملته ما يعد في الكلام الركيك، بل بقيت الفصاحة فيه من أوله إلى آخره على نهج واحد، ومن المعلوم أن الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة، فاذا كتب كتابا طويلا مشتملا على المعاني الكبيرة، فلابد وأن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قويا متينا وبعضه سخيفا نازلا، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه لمعجز من عند الله تعالى، وضرب القاضي لهذا مثلا فقال: إن الواحد منا لا يمكنه أن يكتب الطوامير الطويلة بحيث لا يقع في شيء من تلك الحروف خلل ونقصان، حتى لو رأينا الطوامير الطويلة مصونة عن مثل هذا الخلل والنقصان لكان ذلك معدودا في الإعجاز فكذا هاهنا.

المسألة الثالثة: دلت الآية على أن القرآن معلوم المعنى خلاف ما يقوله من يذهب إلى أنه لا يعلم معناه إلا النبي والامام المعصوم، لأنه لو كان كذلك لما تهيأ للمنافقين معرفة ذلك بالتدبر، ولما جاز أن يأمرهم الله تعالى به وأن يجعل القرآن حجة في صحة نبوته، ولا أن يجعل عجزهم عن مثله حجة عليهم، كما لا يجوز أن يحتج على كفار الزنج بمثل ذلك.

المسألة الرابعة: دلت الآية على وجوب النظر والاستدلال، وعلى القول بفساد التقليد، لأنه تعالى أمر المنافقين بالاستدلال بهذا الدليل على صحة نبوته، وإذا كان لابد في صحة نبوته من الاستدلال، فبأن يحتاج في معرفة ذات الله وصفاته إلى الاستدلال كان أولى.

المسألة الخامسة: قال أبو علي الجبائي: دلت الآية على أن أفعال العباد غير مخلوقة لله تعالى لأن قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ﴾ يقتضي أن فعل العبد لا ينفك عن الاختلاف، والاختلاف والتفاوت شيء واحد، فاذا كان فعل العبد لا ينفك عن الاختلاف والتفاوت، وفعل الله لا يوجد فيه التفاوت لقوله تعالى: ﴿ مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت  ﴾ فهذا يقتضي أن فعل العبد لا يكون فعلا لله.

والجواب أن قوله: ﴿ مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت ﴾ معناه نفي التفاوت في أنه يقع على وفق مشيئته بخلاف غيره، فإن فعل غيره لا يقع على وفق مشيئته على الإطلاق.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌۭ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلَّا قَلِيلًۭا ٨٣

اعلم أنه تعالى حكى عن المنافقين في هذه الآية نوعا آخر من الأعمال الفاسدة، وهو أنه إذا جاءهم الخبر بأمر من الأمور سواء كان ذلك الأمر من باب الأمن أو من باب الخوف أذاعوه وأفشوه، وكان ذلك سبب الضرر من وجوه: الأول: أن مثل هذه الارجافات لا تنفك عن الكذب الكثير.

والثاني: أنه إن كان ذلك الخبر في جانب الأمن زادوا فيه زيادات كثيرة، فاذا لم توجد تلك الزيادات أورث ذلك شبهة للضعفاء في صدق الرسول عليه السلام، لأن المنافقين كانوا يروون تلك الارجافات عن الرسول، وإن كان ذلك في جانب الخوف تشوش الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين، ووقعوا عنده في الحيرة والاضطراب، فكانت تلك الارجافات سببا للفتنة من هذا الوجه.

الوجه الثالث: وهو أن الارجاف سبب لتوفير الدواعي على البحث الشديد والاستقصاء التام، وذلك سبب لظهور الأسرار، وذلك مما لا يوافق مصلحة المدينة.

الرابع: أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين وبين الكفار، وكان كل واحد من الفريقين في إعداد آلات الحرب وفي انتهاز الفرصة فيه، فكل ما كان آمناً لأحد الفريقين كان خوفا للفريق الثاني، فإن وقع خبر الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم أرجف المنافقون بذلك فوصل الخبر في أسرع مدة إلى الكفار، فأخذوا في التحصن من المسلمين، وفي الاحتراز عن استيلائهم عليهم، وإن وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا في ذلك، وزادوا فيه وألقوا الرعب في قلوب الضعفة والمساكين، فظهر من هذا أن ذلك الارجاف كان منشأ للفتن والآفات من كل الوجوه، ولما كان الأمر كذلك ذم الله تلك الاذاعة وذلك التشهير، ومنعهم منه.

واعلم أن قوله: أذاع به لغتان.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِى الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ .

وفيه مسائل: المسألة الأولى: في ﴿ أُوْلِى الأمر ﴾ قولان: أحدهما: إلى ذوي العلم والرأي منهم.

والثاني: إلى أمراء السرايا، وهؤلاء رجحوا هذا القول على الأول، قالوا لأن أولي الأمر الذين لهم أمر على الناس، وأهل العلم ليسوا كذلك، إنما الأمراء هم الموصوفون بأن لهم أمراً على الناس.

وأجيب عنه: بأن العلماء إذا كانوا عالمين بأوامر الله ونواهيه، وكان يجب على غيرهم قبول قولهم لم يبعد أن يسموا أولي الأمر من هذا الوجه، والذي يدل عليه قوله تعالى: ﴿ لّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ  ﴾ فأوجب الحذر بانذراهم وألزم المنذرين قبول قولهم، فجاز لهذا المعنى إطلاق اسم أولي الأمر عليهم.

المسألة الثانية: الاستنباط في اللغة الاستخراج؛ يقال: استنبط الفقيه اذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمه، وأصله من النبط وهو الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفر، والنبط إنما سموا نبطا لاستنباطهم الماء من الأرض.

المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ قولان: الأول: أنهم هم أولئك المنافقون المذيعون، والتقدير: ولو أن هؤلاء المنافقين المذيعين ردوا أمر الأمن والخوف إلى الرسول وإلى أولي الأمر، وطلبوا معرفة الحال فيه من جهتهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، وهم هؤلاء المنافقون المذيعون منهم، أي من جانب الرسول ومن جانب أولي الأمر.

القول الثاني: أنهم طائفة من أولي الأمر، والتقدير: ولو أن المنافقين ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لكان علمه حاصلا عند من يستنبط هذه الوقائع من أولي الأمر، وذلك لأن أولي الأمر فريقان، بعضهم من يكون مستنبطا، وبعضهم من لا يكون كذلك، فقوله: ﴿ مِنْهُمْ ﴾ يعني لعلمه الذين يستنبطون المخفيات من طوائف أولي الأمر.

فان قيل: إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الأخبار إلى الرسول وإلى أولي الأمر هم المنافقون، فكيف جعل أولي الأمر منهم في قوله: ﴿ وإلى أُوْلِى الأمر مِنْهُمْ ﴾ .

قلنا: إنما جعل أولي الأمر منهم على حسب الظاهر، لأن المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ  ﴾ وقوله: ﴿ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ  ﴾ والله أعلم.

المسألة الرابعة: دلت هذه الآية على أن القياس حجة في الشرع، وذلك لأن قوله: ﴿ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ صفة لأولي الأمر، وقد أوجب الله تعالى على الذين يجيئهم أمر من الأمن أو الخوف أن يرجعوا في معرفته إليهم، ولا يخلو إما أن يرجعوا اليهم في معرفة هذه الوقائع مع حصول النص فيها، أولا مع حصول النص فيها، والأول باطل، لأن على هذا التقدير لا يبقى الاستنباط لأن من روى النص في واقعة لا يقال: إنه استنبط الحكم، فثبت أن الله أمر المكلف برد الواقعة إلى من يستنبط الحكم فيها، ولولا أن الاستنباط حجة لما أمر المكلف بذلك، فثبت أن الاستنباط حجة، والقياس إما استنباط أو داخل فيه، فوجب أن يكون حجة.

إذا ثبت هذا فنقول: الآية دالة على أمور: أحدها: أن في أحكام الحوادث ما لا يعرف بالنص بل بالاستنباط.

وثانيها: أن الاستنباط حجة:.

وثالثها: أن العامي يجب عليه تقليد العلماء في أحكام الحوادث.

ورابعها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مكلفا باستنباط الأحكام لأنه تعالى أمر بالرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر.

ثم قال تعالى: ﴿ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ ولم يخصص أولي الأمر بذلك دون الرسول وذلك يوجب أن الرسول وأولي الأمر كلهم مكلفون بالاستنباط.

فان قيل: لا نسلم أن المراد بقوله: ﴿ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ هم أولوا الأمر، بل المراد منهم المنافقون المذيعون على ما رويتم هذا القول في تفسير الآية، سلمنا أن المراد بالذين يستنبطونه منهم أولو الأمر لكن هذه الآية إنما نزلت في شأن الوقائع المتعلقة بالحروب والجهاد، فهب أن الرجوع إلى الاستنباط جائز فيها، فلم قلتم إنه يلزم جوازه في الوقائع الشرعية؟

فإن قيس أحد البابين على الآخر كان ذلك إثباتا للقياس الشرعي بالقياس الشرعي وإنه لا يجوز، سلمنا أن الاستنباط في الأحكام الشرعية داخل تحت الآية.

فلم قلتم: إنه يلزم أن يكون القياس حجة؟

بيانه أنه يمكن أن يكون المراد من الاستنباط استخراج الأحكام من النصوص الخفية أو من تركيبات النصوص، أو المراد من استخراج الأحكام من البراءة الاصلية، أو مما ثبت بحكم العقل كما يقول الاكثرون: إن الاصل في المنافع الاباحة، وفي المضار الحرمة، سلمنا أن القياس من الشرعي داخل في الآية، لكن بشرط أن يكون ذلك القياس مفيداً للعلم بدليل قوله تعالى: ﴿ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ فاخبر تعالى في هذه الآية أنه يحصل العلم من هذا الاستنباط، ولا نزاع في مثل هذا القياس، انما النزاع في أن القياس الذي يفيد الظن هل هو حجة في الشرع أم لا؟

والجواب: أما في السؤال الأول: فمدفوع لأنه لو كان المراد بالذين يستنبطونه المنافقين لكان الأولى أن يقال: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلموه، لأن عطف المظهر على المضمر، وهو قوله: ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ ﴾ قبيح مستكره.

وأما السؤال الثاني: فمدفوع لوجهين: الأول: أن قوله: ﴿ وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ الأمن أَوِ الخوف ﴾ عام في كل ما يتعلق بالحروب وفيما يتعلق بسائر الوقائع الشرعية، لأن الامن والخوف حاصل في كل ما يتعلق بباب التكليف، فثبت أنه ليس في الآية ما يوجب تخصيصها بأمر الحروب.

الثاني: هب أن الامر كما ذكرتم لكن تعرف أحكام الحروب بالقياس الشرعي، ولما ثبت جوازه وجب أن يجوز التمسك بالقياس الشرعي في سائر الوقائع لأنه لا قائل بالفرق، ألا ترى أن من قال: القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم يلتفت اليه، فكذا هاهنا.

وأما السؤال الثالث: وهو حمل الاستنباط على النصوص الخفية أو على تركيبات النصوص فجوابه: أن كل ذلك لا يخرج عن كونه منصوصا، والتمسك بالنص لا يسمى استنباطا.

قوله: لم لا يجوز حمله على التمسك بالبراءة الاصلية؟

قلنا ليس هذا استنباطا بل هو إبقاء لما كان على ما كان، ومثل هذا لا يسمى استنباطا ألبتة.

وأما السؤال الرابع: وهو قوله إن هذا الاستنباط إنما يجوز عند حصول العلم، والقياس الشرعي لا يفيد العلم.

قلنا: الجواب عنه من وجهين: الأول: أن القياس الشرعي عندنا يفيد العلم، وذلك لأن بعد ثبوت أن القياس حجة نقطع بأنه مهما غلب على الظن أن حكم الله في الاصل معلل بكذا، ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في الفرع، فهاهنا يحصل ظن أن حكم الله في الفرع مساو لحكمه في الاصل، وعند هذا الظن نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن، فالحاصل أن الظن واقع في طريق الحكم، وأما الحكم فمقطوع به، وهو يجري مجرى ما إذا قال الله: مهما غلب على ظنك كذا فاعلم ان في الواقعة الفلانية حكمي كذا فإذا حصل الظن قطعنا بثبوت ذلك الحكم.

والثاني: وهوأن العلم قد يطلق ويراد به الظن، قال عليه الصلاة والسلام: إذا علمت مثل الشمس فاشهد شرط العلم في جواز الشهادة، وأجمعنا على أن عند الظن تجوز الشهادة، فثبت أن الظن قد يسمى بالعلم والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن ظاهر هذا الاستنثاء يوهم أن ذلك القليل وقع لا بفضل الله ولا برحمته ومعلوم أن ذلك محال.

فعند هذا اختلف المفسرون وذكروا وجوها، قال بعضهم: هذا الاستثناء راجع إلى قوله: ﴿ أَذَاعُواْ ﴾ وقال قوم: راجع إلى قوله: ﴿ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ وقال آخرون: إنه راجع إلى قوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ .

واعلم أن الوجوه لا يمكن أن تزيد على هذه الثلاثة لأن الآية متضمنة للاخبار عن هذه الأحكام الثلاثة، ويصح صرف الاستثناء إلى كل واحد منها، فثبت أن كل واحد من هذه الأقوال محتمل.

أما القول الأول: فالتقدير: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلا، فأخرج تعالى بعض المنافقين عن هذه الاذاعة كما أخرجهم في قوله: ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ غَيْرَ الذي تَقُولُ  ﴾ والقول الثاني: الاستنثاء عائد إلى قوله: ﴿ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا القليل: قال الفراء والمبرد: القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه، والأكثر يجهله، وصرف الاستثناء إلى ما ذكره يقتضي ضد ذلك.

قال الزجاج: هذا غلط لأنه ليس المراد من هذا الاستثناء شيئا يستخرجه بنظر دقيق وفكر غامض، إنما هو استنباط خبر، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه، إنما البالغ في البلادة والجهالة هو الذي لا يعرفه ويمكن أن يقال: كلام الزجاج إنما يصح لو حملنا الاستنباط على مجرد تعرف الاخبار والاراجيف، أما إذا حملناه على الاستنباط في جميع الأحكام كما صححنا ذلك بالدليل كان الحق كما ذكره الفراء والمبرد.

القول الثالث: أنه متعلق بقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ ومعلوم أن صرف الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به أولى من صرفه إلى الشيء البعيد عنه.

واعلم أن هذا القول لا يتمشى الا إذا فسرنا الفضل والرحمة بشيء خاص، وفيه وجهان: الأول: وهو قول جماعة من المفسرين، أن المراد بفضل الله وبرحمته في هذه الآية إنزال القرآن وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم، والتقدير: ولولا بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان وكفرتم بالله الا قليلا منكم، فإن ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وعدم إنزال القرآن ما كان يتبع الشيطان، وما كان يكفر بالله، وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل، وهم الذين كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم.

الوجه الثاني: ما ذكره أبو مسلم، وهو أن المراد بفضل الله وبرحمته في هذه الآية هو نصرته تعالى ومعونته اللذان عناهما المنافقون بقولهم: ﴿ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً  ﴾ فبين تعالى أنه لولا حصول النصر والظفر على سبيل التتابع لاتبعتم الشيطان وتركتم الدين الا القليل منكم، وهم أهل البصائر الناقدة والنيات القوية والعزائم المتمكنة من أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كونه حقا حصول الدولة في الدنيا، فلأجل تواتر الفتح والظفر يدل على كونه حقا، ولأجل تواتر الانهزام والانكسار يدل على كونه باطلا، بل الامر في كونه حقا وباطلا على الدليل، وهذا أصح الوجوه وأقربها إلى التحقيق.

المسألة الثانية: دلت الآية على أن الذين اتبعوا الشيطان فقد منعهم الله فضله ورحمته، والا ما كان يتبع، وهذا يدل على فساد قول المعتزلة في أنه يجب على الله رعاية الاصلح في الدين.

أجاب الكعبي عنه بأن فضل الله ورحمته عامان في حق الكل، لكن المؤمنين انتفعوا به، والكافرين لم ينتفعوا به، فصح على سبيل المجاز أنه لم يحصل للكافر من الله فضل ورحمة في الدين.

والجواب: أن حمل اللفظ على المجاز خلاف الاصل.

<div class="verse-tafsir"

فَقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًۭا وَأَشَدُّ تَنكِيلًۭا ٨٤

اعلم انه تعالى لما أمر بالجهاد ورغب فيه أشد الترغيب في الآيات المتقدمة، وذكر في المنافقين قلة رغبتهم في الجهاد، بل ذكر عنهم شدة سعيهم في تثبيط المسلمين عن الجهاد، عاد في هذه الآية إلى الامر بالجهاد فقال: ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الفاء في قوله: ﴿ فَقَاتِلْ ﴾ بماذا تتعلق؟

فيه وجوه: الأول: أنها جواب لقوله: ﴿ وَمَن يقاتل فِي سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ  ﴾ من طريق المعنى لأنه يدل على معنى إن أردت الفوز فقاتل الثاني: أن يكون متصلا بقوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تقاتلون فِي سَبِيلِ الله  ﴾ ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ والثالث: أن يكون متصلا بمعنى ما ذكر من قصص المنافقين، والمعنى أن من أخلاق هؤلاء المنافقين كذا وكذا، فلا تعتد بهم ولا تلتفت إلى أفعالهم، بل قاتل.

المسألة الثانية: دلت الآية على أن الله تعالى أمره بالجهاد ولو وحده قبل دعاء الناس في بدر الصغرى إلى الخروج، وكان أبو سفيان واعد الرسول صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها، فكره بعض الناس أن يخرجوا، فنزلت هذه الآية، فخرج وما معه الا سبعون رجلا ولم يلتفت إلى أحد، ولو لم يتبعوه لخرج وحده.

المسألة الثالثة: دلت الآية على أنه صلى الله عليه وسلم كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية القتال لأنه تعالى ما كان يأمره بذلك إلا وهو صلى الله عليه وسلم موصوف بهذه الصفات، ولقد اقتدى به أبو بكر رضي الله عنه حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة، ومن علم أن الأمر كله بيد الله وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلا بقضاء الله سهل ذلك عليه.

ثم قال تعالى: ﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ لاَ تُكَلَّفُ ﴾ بالجزم على النهي.

و ﴿ لاَ نُكَلّفُ ﴾ بالنون وكسر اللام، أي لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها.

المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه الله.

انتصاب قوله: ﴿ نَّفْسَكَ ﴾ على مفعول ما لم يسم فاعله.

المسألة الثالثة: دلت الآية على أنه لو لم يساعده على القتال غيره لم يجز له التخلف عن الجهاد البتة، والمعنى لا تؤاخذ إلا بفعلك دون فعل غيرك، فاذا أديت فعلك لا تكلف بفرض غيرك.

واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول عليه السلام من فروض الكفايات، فما لم يغلب على الظن أنه يفيد لم يجب، بخلاف الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه على ثقة من النصر والظفر بدليل قوله تعالى: ﴿ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس  ﴾ وبدليل قوله هاهنا: ﴿ عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ ﴾ وعسى من الله جزم، فلزمه الجهاد وإن كان وحده.

ثم قال تعالى: ﴿ وَحَرّضِ المؤمنين ﴾ والمعنى ان الواجب على الرسول عليه الصلاة والسلام إنما هو الجهاد وتحريض الناس في الجهاد، فإن أتى بهذين الأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركا للجهاد شيء.

ثم قال: ﴿ عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: عسى: حرف من حروف المقاربة وفيه ترج وطمع، وذلك على الله تعالى محال.

والجواب عنه أن عسى معناها الاطماع، وليس في الاطماع أنه شك أو يقين، وقال بعضهم: إطماع الكريم إيجاب.

المسألة الثانية: الكف المنع، والبأس أصله المكروه، يقال ما عليك من هذا الأمر بأس أي مكروه، ويقال بئس الشيء هذا إذا وصف بالرداءة، وقوله: ﴿ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ  ﴾ أي مكروه، والعذاب قد يسمى بأسا لكونه مكروها، قال تعالى: ﴿ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله  ﴾ ﴿ فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا  ﴾ قال المفسرون: عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا، وقد كف بأسهم، فقد بدا لأبي سفيان وقال هذا عام مجدب وما كان معهم زاد إلا السويق، فترك الذهاب إلى محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم قال تعالى: ﴿ والله أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾ يقال: نكلت فلانا إذا عاقبته عقوبة تنكل غيره عن ارتكاب مثله، من قولهم: نكل الرجل عن الشيء إذا جبن عنه وامتنع منه، قال تعالى: ﴿ فجعلناها نكالا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا  ﴾ وقال في السرقة: ﴿ بِمَا كَسَبَا نكالا مّنَ الله  ﴾ ويقال: نكل فلان عن اليمين إذا خافه ولم يقدم عليه.

إذا عرفت هذا فنقول: الآية دالة على أن عذاب الله وتنكيله أشد من عذاب غيره ومن تنكيله، وأقبل الوجوه في بيان هذا التفاوت أن عذاب غير الله لا يكون دائما، وعذاب الله دائم في الآخرة، وعذاب غير الله قد يخلص الله منه، وعذاب الله لا يقدر أحد على التخلص منه، وأيضاً عذاب غير الله لا يكون إلا من وجه واحد، وعذاب الله قد يصل إلى جميع الأجزاء والابعاض والروح والبدن.

<div class="verse-tafsir"

مَّن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةًۭ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌۭ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةًۭ سَيِّئَةًۭ يَكُن لَّهُۥ كِفْلٌۭ مِّنْهَا ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ مُّقِيتًۭا ٨٥

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوها: الأول: أن الله تعالى أمر الرسول عليه السلام بأن يحرض الأمة على الجهاد، والجهاد من الأعمال الحسنة والطاعات الشريفة، فكان تحريض النبي عليه الصلاة والسلام للأمة على الجهاد تحريضا منه لهم على الفعل الحسن والطاعة الحسنة، فبين تعالى في هذه الآية أن من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، والغرض منه بيان أنه عليه الصلاة والسلام لما حرضهم على الجهاد فقد استحق بذلك التحريض أجرا عظيما.

الثاني: أنه تعالى لما أمره بتحريضهم على الجهاد ذكر أنهم لو لم يقبلوا أمره لم يرجع إليه من عصيانهم وتمردهم عيب، ثم بين في هذه الآية أنهم لما أطاعوا وقبلوا التكليف رجع إليهم من طاعتهم خير كثير، فكأنه تعالى قال للرسول عليه الصلاة والسلام: حرضهم على الجهاد، فإن لم يقبلوا قولك لم يكن من عصيانهم عتاب لك، وإن أطاعوك حصل لك من طاعتهم أعظم الثواب، فكان هذا ترغيبا من الله لرسوله في أن يجتهد في تحريض الأمة على الجهاد، والسبب في أنه عليه الصلاة والسلام كان يرجع اليه عند طاعتهم أجر عظيم، وما كان يرجع اليه من معصيتهم شيء من الوزر، هو أنه عليه السلام بذل الجهد في ترغيبهم في الطاعة وما رغبهم ألبتة في المعصية، فلا جرم يرجع اليه من طاعتهم أجر ولا يرجع اليه من معصيتهم وزر.

الثالث: يجوز أن يقال: إنه عليه الصلاة والسلام لما كان يرغبهم في القتال ويبالغ في تحريضهم عليه، فكان بعض المنافقين يشفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أن يأذن لبعضهم في التخلف عن الغزو، فنهى الله عن مثل هذه الشفاعة وبين أن الشفاعة إنما تحسن اذا كانت وسيلة إلى إقامة طاعة الله، فأما اذا كانت وسيلة الى معصيته كانت محرمة منكرة.

الرابع: يجوز أن يكون بعض المؤمنين راغبا في الجهاد، إلا أنه لم يجد أهبة الجهاد، فصار غيره من المؤمنين شفيعا له إلى مؤمن آخر ليعينه على الجهاد، فكانت هذه الشفاعة سعيا في إقامة الطاعة، فرغب الله تعالى في مثل هذه الشفاعة، وعلى جميع الوجوه فالآية حسنة الاتصال بما قبلها.

المسألة الثانية: الشفاعة مأخوذة من الشفع، وهو أن يصير الإنسان نفسه شفعا لصاحب الحاجة حتى يجتمع معه على المسألة فيها.

إذا عرفت هذا فنقول: في الشفاعة المذكورة في الآية وجوه: الأول: أن المراد منها تحريض النبي صلى الله عليه وسلم إياهم على الجهاد، وذلك لأنه اذا كان عليه الصلاة والسلام يأمرهم بالغزو فقد جعل نفسه شفعا لهم في تحصيل الأغراض المتعلقة بالجهاد، وأيضا فالتحريض على الشيء عبارة عن الأمر به لا على سبيل التهديد، بل على سبيل الرفق والتلطف، وذلك يجري مجرى الشفاعة.

الثاني: أن المراد منه ما ذكرنا من أن بعض المنافقين كان يشفع لمنافق آخر في أن يأذن له الرسول عليه الصلاة والسلام في التخلف عن الجهاد، أو المراد به أن بعض المؤمنين كان يشفع لمؤمن آخر عند مؤمن ثالث في أن يحصل له ما يحتاج إليه من آلات الجهاد.

الثالث: نقل الواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما ما معناه أن الشفاعة الحسنة هاهنا هي أن يشفع إيمانه بالله بقتال الكفار، والشفاعة السيئة أن يشفع كفره بالمحبة للكفار وترك إيذائهم: الرابع: قال مقاتل: الشفاعة إلى الله إنما تكون بالدعاء، واحتج بما روى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال الملك له ولك مثل ذلك» فهذا هو النصيب، وأما الشفاعة السيئة فهي ما روي أن اليهود كانوا إذا دخلوا على الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا: السام عليكم، والسام هو الموت، فسمعت عائشة رضي الله عنها فقالت عليكم السام واللعنة، أتقولون هذا للرسولا فقال صلى الله عليه وسلم: «قد علمت ما قالوا فقلت وعليكم»، فنزلت هذه الآية.

الخامس: قال الحسن ومجاهدي والكلبي وابن زيد: المراد هو الشفاعة التي بين الناس بعضهم لبعض، فما يجوز في الدين أن يشفع فيه فهو شفاعة حسنة، وما لا يجوز أن يشفع فيه فهو شفاعة سيئة، ثم قال الحسن: من يشفع شفاعة حسنة كان له فيها أجر، وإن لم يشفع، لأن الله تعالى يقول: ﴿ مَّن يَشْفَعْ ﴾ ولم يقل: ومن يشفع، ويتأيد هذا بقوله عليه الصلاة والسلام: «اشفعوا تؤجروا».

وأقول: هذه الشفاعة لابد وأن يكون لها تعلق بالجهاد وإلا صارت الآية منقطعة عما قبلها، وذلك التعلق حاصل بالوجهين الأولين، فأما الوجوه الثلاثة الأخيرة فإن كان المراد قصر الآية عليها فذلك باطل، وإلا صارت هذه الآية أجنبية عما قبلها، وإن كان المراد دخول هذه الثلاثة مع الوجهين الأولين في اللفظ فهذا جائز؛ لأن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ.

المسألة الثالثة: قال أهل اللغة: الكفل: هو الحظ ومنه قوله تعالى: ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ  ﴾ أي حظين وهو مأخوذ من قولهم: كفلت البعير واكتفلته إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه.

وإنما قيل: كفلت البعير واكتفلته لأنه لم يستعمل كل الظهر، وإنما استعمل نصيبا من الظهر.

قال ابن المظفر: لا يقال: هذا كفل فلان حتى تكون قد هيأت لغيره مثله، وكذا القول في النصيب، فإن أفردت فلا تقل له كفل ولا نصيب.

فان قيل: لم قال في الشفاعة الحسنة: ﴿ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا ﴾ وقال في الشفاعة السيئة: ﴿ يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا ﴾ وهل لاختلاف هذين اللفظين فائدة؟

قلنا: الكفل اسم للنصيب الذي عليه يكون اعتماد الناس، وإنما يقال كفل البعير لأنك حميت ظهر البعير بذلك الكساء عن الآفة، وحمي الراكب بدنه بذلك الكساء عن ارتماس ظهر البعير فيتأذى به، ويقال للضامن: كفيل.

وقال عليه الصلاة والسلام: «أنا وكافل اليتيم كهاتين».

فثبت أن الكفل هو النصيب الذي عليه يعتمد الإنسان في تحصيل المصالح لنفسه ودفع المفاسد عن نفسه، إذا ثبت هذا فنقول: ﴿ وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا ﴾ أي يحصل له منها نصيب يكون ذلك النصيب ذخيرة له في معاشه ومعاده، والمقصود حصول ضد ذلك ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ والغرض منه التنبيه على أن الشفاعة المؤدية إلى سقوط الحق وقوة الباطل تكون عظيمة العقاب عند الله تعالى.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَيء مُّقِيتاً ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في المقيت قولان: الأول: المقيت القادر على الشيء، وأنشدوا للزبير بن عبد المطلب.

وذي ضغن كففت النفس عنه *** وكنت على إساءته مقيتا وقال آخر: ليت شعري وأشعرن إذا ما *** قربوها منشورة ودعيت إلي الفضل أم علي إذا حو *** سبت أني على الحساب مقيت وأنشد النضر بن شميل: تجلد ولا تجزع وكن ذا حفيظة *** فاني على ما ساءهم لمقيت الثاني: المقيت مشتق من القوت، يقال: قت الرجل إذا حفظت عليه نفسه بما يقوته، واسم ذلك الشيء هو القوت، وهو الذي لا فضل له على قدر الحفظ، فالمقيت هو الحفيظ الذي يعطي الشيء على قدر الحاجة، ثم قال القفال رحمه الله: وأي المعنيين كان فالتأويل صحيح، وهو أنه تعالى قادر على إيصال النصيب والكفل من الجزاء إلى الشافع مثل ما يوصله إلى المشفوع فيه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ولا ينتقص بسبب ما يصل إلى الشافع شيء من جزاء المشفوع، وعلى الوجه الثاني أنه تعالى حافظ الأشياء شاهد عليها لا يخفى عليه شيء من أحوالنا، فهو عالم بأن الشافع يشفع في حق أو في باطل حفيظ عليه فيجازى كلا بما علم منه.

المسألة الثانية: إنما قال: ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَيء مُّقِيتاً ﴾ تنبيها على أن كونه تعالى قادرا على المقدورات صفة كانت ثابتة له من الازل، وليست صفة محدثة، فقوله: ﴿ كَانَ ﴾ مطلقا من غير أن قيد ذلك بأنه كان من وقت كذا أو حال كذا، يدل على أنه كان حاصلا من الازل إلى الأبد.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍۢ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا ٨٦

في النظم وجهان: الأول: أنه لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم ايضا بأن الاعداء لو رضوا بالمسألة فكونوا أنتم أيضا راضين بها، فقوله: ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ كقوله تعالى: ﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا  ﴾ .

الثاني: ان الرجل في الجهاد كان يلقاه الرجل في دار الحرب أو ما يقاربها فيسلم عليه، فقد لا يلتفت الى سلامه عليه ويقتله، وربما ظهر أنه كان مسلما، فمنع الله المؤمنين عنه وأمرهم ان كل من يسلم عليهم ويكرمهم بنوع من الاكرام يقابلونه بمثل ذلك الاكرام أو أزيد، فانه ان كان كافرا لا يضر المسلم ان قابل إكرام ذلك الكافر بنوع من الاكرام، أما ان كان مسلما وقتله ففيه أعظم المضار والمفاسد، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: التحية تفعلة من حييت، وكان في الاصل تحيية، مثل التوصية والتسمية، والعرب تؤثر التفعلة على التفعيل في ذوات الاربعة، نحو قوله: ﴿ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ  ﴾ فثبت أن التحية أصلها التحيية ثم أدغموا الياء في الياء.

المسألة الثانية: اعلم أن عادة العرب قبل الاسلام أنه إذا لقي بعضهم بعضا قالوا: حياك الله واشتقاقه من الحياة كأنه يدعو له بالحياة، فكانت التحية عندهم عبارة عن قول بعضهم لبعض حياك الله، فلما جاء الاسلام أبدل ذلك بالسلام، فجعلوا التحية اسما للسلام.

قال تعالى: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام  ﴾ ومنه قول المصلى: التحيات لله، أي السلام من الآفات لله، والأشعار ناطقة بذلك.

قال عنترة: حييت من طلل تقادم عهده *** وقال آخر: إنا محيوك يا سلمى فحيينا *** واعلم أن قول القائل لغيره: السلام عليك أتم وأكمل من قوله: حياك الله، وبيانه من وجوه: الأول: أن الحي إذا كان سليما كان حيا لا محالة، وليس إذا كان حياً كان سليما، فقد تكون حياته مقرونة بالآفات والبليات، فثبت أن قوله: السلام عليك أتم وأكمل من قوله: حياك الله.

الثاني: أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فالابتداء بذكر الله أو بصفة من صفاته الدالة على أنه يريد ابقاء السلامة على عباده أكمل من قوله: حياك الله.

الثالث: أن قول الإنسان لغيره: السلام عليك فيه بشارة بالسلامة، وقوله: حياك الله لا يفيد ذلك، فكان هذا أكمل.

ومما يدل على فضيلة السلام القرآن والأحاديث والمعقول، أما القرآن فمن وجوه: الأول: اعلم أن الله تعالى سلم على المؤمن في اثني عشر موضعا: أولها: أنه تعالى كأنه سلم عليك في الأزل، ألا ترى أنه قال في وصف ذاته: ﴿ الملك القدوس السلام  ﴾ .

وثانيها: أنه سلم على نوح وجعل لك من ذلك السلام نصيبا، فقال: ﴿ قِيلَ يا نوح اهبط بسلام مّنَّا وبركات عَلَيْكَ وعلى أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ  ﴾ والمراد منه أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وثالثها: سلم عليك على لسان جبريل، فقال: ﴿ تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم مّن كُلّ أَمْرٍ سلام هِىَ حتى مَطْلَعِ الفجر  ﴾ قال المفسرون: إنه عليه الصلاة والسلام خاف على أمته أن يصيروا مثل أمة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، فقال الله: لا تهتم لذلك فاني وإن أخرجتك من الدنيا، إلا أني جعلت جبريل خليفة لك، ينزل إلى أمتك كل ليلة قدر ويبلغهم السلام مني.

ورابعها: سلم عليك على لسان موسى عليه السلام حيث قال: ﴿ والسلام على مَنِ اتبع الهدى  ﴾ فاذا كنت متبع الهدى وصل سلام موسى إليك.

وخامسها: سلم عليك على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿ الحمد لِلَّهِ وسلام على عِبَادِهِ الذين اصطفى  ﴾ وكل من هدى الله إلى الايمان فقد اصطفاه، كما قال: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا  ﴾ .

وسادسها: أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بالسلام على سبيل المشافهة، فقال: ﴿ وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بئاياتنا فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ  ﴾ .

وسابعها: أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالتسليم عليك قال: ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ .

وثامنها: سلم عليك على لسان ملك الموت فقال: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طَيّبِينَ يَقُولُونَ سلام عَلَيْكُمُ  ﴾ قيل: إن ملك الموت يقول في أذن المسلم: السلام يقرئك السلام، ويقول: أجبني فاني مشتاق إليك، واشتاقت الجنات والحور العين إليك، فاذا سمع المؤمن البشارة، يقول لملك الموت: للبشير مني هدية، ولا هدية أعز من روحي، فاقبض روحي هدية لك.

وتاسعها: السلام من الأرواح الطاهرة المطهرة، قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أصحاب اليمين فسلام لَّكَ مِنْ أصحاب اليمين  ﴾ .

وعاشرها: سلم الله عليك على لسان رضوان خازن الجنة فقال تعالى: ﴿ وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً ﴾ إلى قوله: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سلام عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ  ﴾ والحادي عشر: اذا دخلوا الجنة فالملائكة يزورونهم ويسلمون عليهم.

قال تعالى: ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ  سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ  ﴾ والثاني عشر: السلام من الله من غير واسطة وهو قوله: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام  ﴾ وقوله: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ  ﴾ وعند ذلك يتلاشى سلام الكل لأن المخلوق لا يبقى على تجلي نور الخالق.

الوجه الثاني: من الدلائل القرآنية الدالة على فضيلة السلام أن أشد الأوقات حاجة إلى السلامة والكرامة ثلاثة أوقات: وقت الابتداء، ووقت الموت، ووقت البعث، والله تعالى لما أكرم يحيى عليه السلام فانما أكرمه بأن وعده السلام في هذه الأوقات الثلاثة فقال: ﴿ وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا  ﴾ وعيسى عليه السلام ذكر أيضا ذلك فقال: ﴿ والسلام عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً  ﴾ .

الوجه الثالث: أنه تعالى لما ذكر تعظيم محمد عليه الصلاة والسلام قال: ﴿ إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبى ياأيها الذين ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً  ﴾ يروى في التفسير أن اليهود كانوا إذا دخلوا قالوا: السام عليك، فحزن الرسول عليه الصلاة والسلام لهذا المعنى، فبعث الله جبريل عليه السلام وقال: إن كان اليهود يقولون السام عليك، فأنا أقول من سرادقات الجلال: السلام عليك، وأنزل قوله: ﴿ إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبى ﴾ إلى قوله: ﴿ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ .

وأما ما يدل من الأخبار على فضيلة السلام فما روي أن عبدالله بن سلام قال: لما سمعت بقدوم الرسول عليه الصلاة والسلام دخلت في غمار الناس، فأول ما سمعت منه: يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام.

وأما ما يدل على فضل السلام من جهة المعقول فوجوه: الأول: قالوا: تحية النصارى وضع اليد على الفم، وتحية اليهود بعضهم لبعض الاشارة بالأصابع، وتحية المجوس الانحناء، وتحية العرب بعضهم لبعض أن يقولوا: حياك الله، وللملوك أن يقولوا: أنعم صباحا، وتحية المسلمين بعضهم لبعض أن يقولوا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، ولا شك أن هذه التحية أشرف التحيات وأكرمها.

الثاني: أن السلام مشعر بالسلامة من الآفات والبليات.

ولا شك أن السعي في تحصيل الصون عن الضرر أولى من السعي في تحصيل النفع.

الثالث: أن الوعد بالنفع يقدر الإنسان على الوفاء به وقد لا يقدر، أما الوعد بترك الضرر فانه يكون قادرا عليه لا محالة، والسلام يدل عليه.

فثبت أن السلام أفضل أنواع التحية.

المسألة الثالثة: من الناس من قال: من دخل داراً وجب عليه أن يسلم على الحاضرين، واحتج عليه بوجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا  ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: «أفشوا السلام».

والأمر للوجوب.

الثاني: أن من دخل على إنسان كان كالطالب له، ثم المدخول عليه لا يعلم أنه يطلبه لخير أو لشر، فاذا قال: السلام عليك فقد بشره بالسلامة وآمنه من الخوف، وإزالة الضرر عن المسلم واجبة قال عليه الصلاة والسلام: «المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه» فوجب أن يكون السلام واجبا.

الثالث: أن السلام من شعائر أهل الاسلام، وإظهار شعائر الاسلام واجب، وأما المشهور فهو أن السلام سنة، وهو قول ابن عباس والنخعي.

وأما الجواب على السلام فقد أجمعوا على وجوبه، ويدل عليه وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ الثاني: أن ترك الجواب إهانة، والاهانة ضرر والضرر حرام.

المسألة الرابعة: منتهى الأمر في السلام أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بدليل أن هذا القدر هو الوارد في التشهد.

واعلم أنه تعالى قال: ﴿ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ فقال العلماء: الأحسن هو أن المسلم إذا قال السلام عليك زيد في جوابه الرحمة، وإن ذكر السلام والرحمة في الابتداء زيد في جوابه البركة، وإن ذكر الثلاثة في الابتداء أعادها في الجواب.

روي أن رجلا قال للرسول صلى الله عليه وسلم: السلام عليك يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: «وعليك السلام ورحمة الله وبركاته».

وآخر قال: السلام عليك ورحمة الله، فقال: «وعليك السلام ورحمة الله وبركاته»، وجاء ثالث فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال عليه الصلاة والسلام: «وعليك السلام ورحمة الله وبركاته»، فقال الرجل: نقصتني، فأين قول الله: ﴿ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا ﴾ فقال صلى الله عليه وسلم: «إنك ما تركت لي فضلا فرددت عليك ما ذكرت».

المسألة الخامسة: المبتدئ يقول: السلام عليك والمجيب، يقول: وعليكم السلام، هذا هو الترتيب الحسن، والذي خطر ببالي فيه أنه إذا قال: السلام عليكم كان الابتداء واقعا بذكر الله، فاذا قال المجيب: وعليكم السلام كان الاختتام واقعا بذكر الله، وهذا يطابق قوله: ﴿ هُوَ الأول والأخر  ﴾ وأيضا لما وقع الابتداء والاختتام بذكر الله فانه يرجى أن يكون ما وقع بينهما يصير مقبولا ببركته كما في قوله: ﴿ أَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ اليل إِنَّ الحسنات يذهبن السيئات  ﴾ فلو خالف المبتدئ فقال: وعليكم السلام فقد خالف السنة، فالأولى للمجيب أن يقول: وعليكم السلام، لأن الأول لما ترك الافتتاح بذكر الله، فهذا لا ينبغي أن يترك الاختتام بذكر الله.

المسألة السادسة: ان شاء قال: سلام عليكم، وان شاء قال: السلام عليكم قال تعالى في حق نوح: ﴿ قِيلَ يانوح اهبط بسلام مّنَّا  ﴾ وقال عن الخليل: ﴿ قَالَ سلام عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي  ﴾ وقال في قصة لوط: ﴿ قَالُواْ سلاما قَالَ سلام  ﴾ وقال عن يحيى: ﴿ وسلام عَلَيْهِ ﴾ وقال عن محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلِ الحمد لِلَّهِ وسلام على عِبَادِهِ  ﴾ وقال عن الملائكة: ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ  سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ  ﴾ وقال عن رب العزة: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ  ﴾ وقال: ﴿ فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ ﴾ وأما بالألف واللام فقوله عن موسى عليه السلام: ﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إسراءيل وَلاَ تُعَذّبْهُمْ قَدْ جئناك بِئَايَةٍ مّن رَّبّكَ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ وقال عن عيسى عليه السلام: ﴿ والسلام عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ  ﴾ فثبت أن الكل جائز، وأما في التحليل من الصلاة فلابد من الألف واللام بالاتفاق، واختلفوا في سائر المواضع أن التنكير أفضل أم التعريف؟

فقيل التنكير أفضل، ويدل عليه وجوه: الأول: أن لفظ السلام على سبيل التنكير كثير في القرآن فكان أفضل.

الثاني: ان كل ما ورد من الله والملائكة والمؤمنين فقد ورد بلفظ التنكير على ما عددناه في الآيات، وأما بالألف واللام فانما ورد في تسليم الإنسان على نفسه قال موسى صلى الله عليه وسلم: ﴿ والسلام على مَنِ اتبع الهدى  ﴾ وقال عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿ والسلام عَلَىَّ  ﴾ والثالث: وهو المعنى المعقول ان لفظ السلام بالألف واللام يدل على أصل الماهية، والتنكير يدل على أصل الماهية مع وصف الكمال، فكان هذا أولى.

المسألة السابعة: قال صلى الله عليه وسلم: «السنة أن يسلم الراكب على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر، والقائم على القاعد».

وأقول: أما الأول فلوجهين: أحدهما: ان الراكب أكثر هيبة فسلامه يفيد زوال الخوف والثاني: أن التكبر به أليق، فأمر بالابتداء بالتسليم كسرا لذلك التكبر، وأما أن القائم يسلم على القاعد فلأنه هو الذي وصل اليه، فلابد وأن يفتتح هذا الواصل الموصول بالخير.

المسألة الثامنة: السنة في السلام الجهر لأنه أقوى في إدخال السرور في القلب.

المسألة التاسعة: السنة في السلام الافشاء والتعميم لأن في التخصيص ايحاشا.

المسألة العاشرة: المصافحة عند السلام عادة الرسول صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا تصافح المسلمان تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر».

المسألة الحادية عشرة: قال أبو يوسف: من قال لآخر: اقرئ فلانا عني السلام وجب عليه أن يفعل.

المسألة الثانية عشرة: إذا استقبلك رجل واحد فقل سلام عليكم، واقصد الرجل والملكين فانك إذا سلمت عليهما ردا السلام عليك، ومن سلم الملك عليه فقد سلم من عذاب الله.

المسألة الثالثة عشرة: إذا دخلت بيتا خاليا فسلم، وفيه وجوه: الأول: انك تسلم من الله على نفسك.

والثاني: انك تسلم على من فيه من مؤمني الجن.

والثالث: أنك تطلب السلامة ببركة السلام ممن في البيت من الشياطين والمؤذيات.

المسألة الرابعة عشرة: السنة أن يكون المبتدئ بالسلام على الطهارة، وكذا المجيب.

روي أن واحداً سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو كان في قضاء الحاجة، فقام وتيمم ثم رد السلام.

المسألة الخامسة عشرة: السنة إذا التقى إنسانان أن يبتدرا بالسلام إظهاراً للتواضع.

المسألة السادسة عشرة: لنذكر المواضع التي لا يسلم فيها، وهي ثمانية: الأول: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبدأ اليهودي بالسلام»، وعن أبي حنيفة أنه قال: لا يبدأ بالسلام في كتاب ولا في غيره، وعن أبي يوسف: لا تسلم عليهم ولا تصافحهم، وإذا دخلت فقل: السلام على من اتبع الهدى.

ورخص بعض العلماء في ابتداء السلام عليهم إذا دعت إلى ذلك حاجة، وأما إذا سلموا علينا فقال أكثر العلماء: ينبغي أن يقال وعليك، والأصل فيه أنهم كانوا يقولون عند الدخول على الرسول: السام عليك، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول وعليكم، فجرت السنة بذلك، ثم هاهنا تفريع وهو أنا إذا قلنا لهم: وعليكم السلام، فهل يجوز ذكر الرحمة فيه؟

قال الحسن يجوز أن يقال للكافر: وعليكم السلام، لكن لا يقال ورحمة الله لأنها استغفار.

وعن الشعبي انه قال لنصراني: وعليكم السلام ورحمة الله فقيل له فيه، فقال: أليس في رحمة الله يعيش.

الثاني: إذا دخل يوم الجمعة والامام يخطب، فلا ينبغي أن يسلم لاشتغال الناس بالاجتماع، فان سلم فرد بعضهم فلا بأس، ولو اقتصروا على الاشارة كان أحسن.

الثالث: إذا دخل الحمام فرأى الناس متزرين يسلم عليهم، وإن لم يكونوا متزرين لم يسلم عليهم.

الرابع: الأولى ترك السلام على القارئ، لأنه إذا اشتغل بالجواب يقطع عليه التلاوة وكذلك القول فيمن كان مشتغلا برواية الحديث ومذاكرة العلم.

الخامس: لا يسلم على المشتغل بالأذان والاقامة للعلة التي ذكرناها.

السادس: قال أبو يوسف.

لا يسلم على لاعب النرد، ولا على المغني، ومطير الحمام، وفي معناه كل من كان مشتغلا بنوع معصية.

السابع: لا يسلم على من كان مشتغلا بقضاء الحاجة، مر على الرسول عليه الصلاة والسلام رجل وهو يقضي حاجته، فسلم عليه، فقام الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الجدار فتيمم ثم رد الجواب، وقال: «لولا أني خشيت أن تقول سلمت عليه فلم يرد الجواب لما أجبتك إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي فإنك إن سلمت علي لم أرد عليك».

الثامن: إذا دخل الرجل بيته سلم على امرأته، فان حضرت أجنبية هناك لم يسلم عليهما.

المسألة السابعة عشرة: في أحكام الجواب وهي ثمانية: الأول: رد الجواب واجب لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ ولأن ترك الجواب إهانة وضرر وحرام، وعن عباس: ما من رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلا نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة.

الثاني: رد الجواب فرض على الكفاية اذا قام به البعض سقط عن الباقين، والأولى للكل أن يذكروا الجواب إظهارا للاكرام ومبالغة فيه.

الثالث: أنه واجب على الفور، فان أخر حتى انقضى الوقت فان أجاب بعد فوت الوقت كان ذلك ابتداء سلام ولا يكون جوابا.

الرابع: اذا ورد عليه سلام في كتاب فجوابه بالكتبة أيضا واجب، لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ الخامس: اذا قال السلام عليكم، فالواجب أن يقول: وعليكم السلام إلاّ أن السنة أن يزيد فيه الرحمة والبركة ليدخل تحت قوله: ﴿ فحيوا بأحسن منها ﴾ أما إذا قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فظاهر الآية يقتضي أنه لايجوز الإقتصار على قوله وعليكم السلام.

السادس: روي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه قال: لا يجهر بالرد يعني الجهر الكثير.

السابع: إن سلمت المرأة الأجنبية عليه وكان يخاف في رد الجواب عليها تهمة أو فتنة لم يجب الرد، بل الأولى أن لا يفعل.

الثامن: حيث قلنا انه لا يسلم، فلو سلم لم يجب عليها الرد، لأنه أتى بفعل منهى عنه فكان وجوده كعدمه.

المسألة الثامنة عشرة: اعلم أن لفظ التحية على ما بيناه صار كناية عن الاكرام، فجميع أنواع الاكرام يدخل تحت لفظ التحية.

إذا عرفت هذا فنقول: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: من وهب لغير ذي رحم محرم فله الرجوع فيها ما لم يثب منها، فاذا أثيب منها فلا رجوع فيها.

وقال الشافعي رضي الله عنه: له الرجوع في حق الولد، وليس له الرجوع في حق الأجنبي، احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على صحة قول أبي حنيفة فان قوله: ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ يدخل فيه التسليم، ويدخل فيه الهبة، ومقتضاه وجوب الرد اذا لم يصر مقابلا بالأحسن، فاذا لم يثبت الوجوب فلا أقل من الجواز، وقال الشافعي: هذا الأمر محمول على الندب، بدليل أنه لو أثيب بما هو أقل منه سقطت مكنة الرد بالاجماع، مع أن ظاهر الآية يقتضي أن يأتي بالأحسن، ثم احتج الشافعي على قوله بما روى ابن عباس وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده» وهذا نص في أن هبة الأجنبي يحرم الرجوع فيها، وهبة الولد يجوز الرجوع فيها.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَيء حَسِيباً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الحسيب قولان: الأول: أنه بمعنى المحاسب على العمل، كالأكيل والشريب والجليس بمعنى المؤاكل والمشارب والمجالس.

الثاني: أنه بمعنى الكافي في قولهم: حسبي كذا؛ أي كافي، ومنه قوله تعالى: ﴿ حَسْبِىَ الله  ﴾ .

المسألة الثانية: المقصود منه الوعيد، فانا بينا أن الواحد منهم قد كان يسلم على الرجل المسلم، ثم إن ذلك المسلم ما كان يتفحص عن حاله، بل ربما قتله طمعا في سلبه، فالله تعالى زجر عن ذلك فقال: ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ وإياكم أن تتعرضوا له بالقتل.

ثم قال: ﴿ إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَيء حَسِيباً ﴾ أي هو محاسبكم على أعمالكم وكافي في إيصال جزاء أعمالكم اليكم فكونوا على حذر من مخالفة هذا التكليف، وهذا يدل على شدة العناية بحفظ الدماء والمنع من إهدارها.

<div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًۭا ٨٧

في الآية مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم وجهان: الأول: أنا بينا أن المقصود من قوله: ﴿ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ أن لا يصير الرجل المسلم مقتولا، ثم إنه تعالى أكد ذلك بالوعيد في قوله: ﴿ إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَيء حَسِيباً ﴾ ثم بالغ في تأكيد ذلك الوعيد بهذه الآية، فبين في هذه الآية أن التوحيد والعدل متلازمان، فقوله: ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ إشارة إلى التوحيد، وقوله: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة ﴾ إشارة إلى العدل، وهو كقوله: ﴿ شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَائِمَاً بالقسط  ﴾ وكقوله في طه: ﴿ إِنَّنِى أَنَا الله لا إله إِلا أَنَاْ فاعبدنى وَأَقِمِ الصلاة لِذِكْرِى  ﴾ وهو إشارة إلى التوحيد ثم قال: ﴿ إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى  ﴾ وهو إشارة إلى العدل، فكذا في هذه الآية بين أنه يجب في حكمه وحكمته أن يجمع الأولين والآخرين في عرصة القيامة فينتصف للمظلومين من الظالمين، ولا شك أنه تهديد شديد.

الثاني: كأنه تعالى يقول: من سلم عليكم وحياكم فاقبلوا سلامه وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر، فان البواطن إنما يعرفها الله الذي لا إله إلا هو، إنما تنكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ إما خبر للمبتدا، وإما اعتراض والخبر ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴾ واللام لام القسم، والتقدير: والله ليجمعنكم.

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: لم لم يقل: ليجمعنكم في يوم القيامة؟

والجواب من وجهين: الأول: المراد ليجمعنكم في الموت أو القبور إلى يوم القيامة.

الثاني: التقدير: ليضمنكم إلى ذلك اليوم ويجمع بينكم وبينه بأن يجمعكم فيه.

المسألة الرابعة: قال الزجاج: يجوز أن يقال سميت القيامة قيامة لأن الناس يقومون من قبورهم، ويجوز أيضاً أن يقال: سميت بهذا الاسم لأن الناس يقومون للحساب قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين  ﴾ قال صاحب الكشاف: القيام القيامة، كالطلاب والطلابة.

المسألة الخامسة: اعلم أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أثبت أن القيامة ستوجد لا محالة، وجعل الدليل على ذلك مجرد إخبار الله تعالى عنه، وهذا حق، وذلك لأن المسائل الأصولية على قسمين منها ما العلم بصحة النبوة يكون محتاجا إلى العلم بصحته، ومنها ما لا يكون كذلك.

والأول مثل علمنا بافتقار العالم إلى صانع عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات، فانا ما لم نعلم ذلك لا يمكننا العلم بصدق الأنبياء، فكل مسألة هذا شأنها فانه يمتنع اثباتها بالقرآن واخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والا وقع الدور.

وأما القسم الثاني: وهو جملة المسائل التي لا يتوقف العلم بصحة النبوة على العلم بصحتها فكل ذلك مما يمكن اثباته بكلام الله واخباره ومعلوم أن قيام القيامة كذلك، فلا جرم أمكن إثباته بالقرآن وبكلام الله، فثبت أن الاستدلال على قيام القيامة باخبار الله عنه استدلال صحيح.

المسألة السادسة: قوله: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً ﴾ استفهام على سبيل الانكار، والمقصود منه بيان أنه يجب كونه تعالى صادقا وأن الكذب والخلف في قوله محال.

وأما المعتزلة فقد بنوا ذلك على أصلهم، وهو أنه تعالى عالم بكون الكذب قبيحاً، وعالم بكونه غنياً عنه، وكل من كان كذلك استحال أن يكذب.

إنما قلنا: انه عالم بقبح الكذب، وعالم بكونه غنياً عنه لأن الكذب قبيح لكونه كذبا، والله تعالى غير محتاج إلى شيء أصلا، وثبت أنه عالم بجميع المعلومات فوجب القطع بكونه عالما بهذين الأمرين، وأما أن كل من كان كذلك استحال أن يكذب فهو ظاهر لأن الكذب جهة صرف لا جهة دعاء، فاذا خلا عن معارض الحاجة بقي ضارا محضا فيمتنع صدور الكذب عنه، وأما أصحابنا فدليلهم أنه لو كان كاذبا لكان كذبه قديما، ولو كان كذبه قديما لامتنع زوال كذبه لامتناع العدم على القديم، ولو امتنع زوال كذبه قديما لامتنع كونه صادقا، لأن وجود أحد الضدين يمنع وجود الضد الآخر، فلو كان كاذبا لامتنع أن يصدق لكنه غير ممتنع، لانا نعلم بالضرورة أن كل من علم شيئا فانه لا يمتنع عليه أن يحكم عليه بحكم مطابق للمحكوم عليه، والعلم بهذه الصحة ضروري، فاذا كان إمكان الصدق قائما كان امتناع الكذب حاصلا لا محالة، فثبت أنه لابد من القطع بكونه تعالى صادقا.

المسألة السابعة: استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن كلام الله تعالى محدث، قالوا لأنه تعالى وصفه بكونه حديثا في هذه الآية وفي قوله تعالى: ﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث  ﴾ والحديث هو الحادث أو المحدث، وجوابنا عنه: انكما إنما تحكمون بحدوث الكلام الذي هو الحرف والصوت ونحن لا ننازع في حدوثه، إنما الذي ندعي قدمه شيء آخر غير هذه الحروف والأصوات، والآية لا تدل على حدوث ذلك الشيء ألبتة بالاتفاق منا ومنكم، فأما منا فظاهر، وأما منكم فانكم تنكرون وجود كلام سوى هذه الحروف والأصوات، فكيف يمكنكم أن تقولوا بدلالة هذه الآية على حدوثه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

۞ فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓا۟ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا۟ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًۭا ٨٨

اعلم أن هذا نوع آخر من أحوال المنافقين ذكره الله تعالى، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها: الأول: أنها نزلت في قوم قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وآله مسلمين فأقاموا بالمدينة ما شاء الله، ثم قالوا يا رسول الله: نريد أن نخرج إلى الصحراء فائذن لنا فيه، فأذن لهم، فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين فتكلم المؤمنون فيهم، فقال بعضهم: لو كانوا مسلمين مثلنا لبقوا معنا وصبروا كما صبرنا وقال قوم: هم مسلمون، وليس لنا أن ننسبهم إلى الكفر إلى أن يظهر أمرهم، فبين الله تعالى نفاقهم في هذه الآية.

الثاني: نزلت الآية في قوم أظهروا الاسلام بمكة، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين.

فاختلف المسلمون فيهم وتشاجروا، فنزلت الآية.

وهو قول ابن عباس وقتادة.

الثالث: نزلت الآية في الذين تخلفوا يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، فاختلف أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم، فمنهم فرقة يقولون كفروا، وآخرون قالوا: لم يكفروا، فنزلت هذه الآية.

وهو قول زيد بن ثابت، ومنهم من طعن في هذا الوجه وقال: في نسق الآية ما يقدح فيه، وإنهم من أهل مكة، وهو قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حتى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ الله  ﴾ الرابع: نزلت الآية في قوم ضلوا وأخذوا أموال المسلمين وانطلقوا بها إلى اليمامة فاختلف المسلمون فيهم، فنزلت الآية: وهو قول عكرمة.

الخامس: هم العرنيون الذين أغاروا وقتلوا يسارا مولى الرسول صلى الله عليه وسلم.

السادس: قال ابن زيد: نزلت في أهل الافك.

المسألة الثانية: في معنى الآية وجهان: الأول: أن فئتين نصب على الحال: كقولك: مالك قائما، أي مالك في حال القيام، وهذا قول سيبويه.

الثاني: أنه نصب على خبر كان، والتقدير: مالكم صرتم في المنافقين فئتين، وهو استفهام على سبيل الانكار، اي لم تختلفون في كفرهم مع أن دلائل كفرهم ونفاقهم ظاهرة جلية، فليس لكم أن تختلفوا فيه بل يجب أن تقطعوا بكفرهم.

المسألة الثالثة: قال الحسن: إنما سماهم منافقين وان أظهروا الكفر لأنهم وصفوا بالصفة التي كانوا عليها من قبل، والمراد بقوله: ﴿ فِئَتَيْنِ ﴾ ما بينا ان فرقة منهم كانت تميل اليهم وتذب عنهم وتواليهم، وفرقة منهم تباينهم وتعاديهم، فنهوا عن ذلك وأمروا بأن يكونوا على نهج واحد في التباين والتبري والتكفير، والله أعلم.

ثم قال تعالى مخبرا عن كفرهم: ﴿ والله أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الركس: رد الشيء من آخره إلى أوله، فالركس والنكس والمركوس والمنكوس واحد، ومنه يقال للروث الركس لأنه رد إلى حالة خسيسة، وهي حالة النجاسة، ويسمى رجيعا لهذا المعنى أيضا، وفيه لغتان: ركسهم وأركسهم فارتكسوا، أي ارتدوا.

وقال أمية.

فأركسوا في حميم النار إنهم *** كانوا عصاة وقالوا الافك والزورا المسألة الثانية: معنى الآية أنه ردهم إلى أحكام الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل بما كسبوا، أي بما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق، وذلك أن المنافق ما دام يكون متمسكا في الظاهر بالشهادتين لم يكن لنا سبيل إلى قتله، فاذا أظهر الكفر فحينئذ يجري الله تعالى عليه أحكام الكفار.

المسألة الثالثة: قرأ ابي كعب وعبدالله بن مسعود ﴿ والله أَرْكَسَهُمْ ﴾ وقد ذكرنا أن أركس وركس لغتان.

ثم قال تعالى: ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ قالت المعتزلة المراد من قوله: ﴿ أَضَلَّ الله ﴾ ليس أنه هو خلق الضلال فيه للوجوه المشهورة، ولأنه تعالى قال قبل هذه الآية: ﴿ والله أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ ﴾ فبين تعالى انه إنما ردهم وطردهم بسبب كسبهم وفعلهم، وذلك ينفي القول بان إضلالهم حصل بخلق الله وعند هذا حملوا قوله: ﴿ مَنْ أَضَلَّ الله ﴾ على وجوه: الأول: المراد منه ان الله تعالى حكم بضلالهم وكفرهم كما يقال فلان يكفر فلانا ويضله: بمعنى أنه حكم به وأخبر عنه: الثاني: أن المعنى أتريدون أن تهدوا إلى الجنة من أضله الله عن طريق الجنة، وذلك لأنه تعالى يضل الكفار يوم القيامة عن الاهتداء إلى طريق الجنة.

الثالث: أن يكون هذا الاضلال مفسرا بمنع الالطاف.

واعلم أنا قد ذكرنا في مواضع كثيرة من هذا الكتاب ضعف هذه الوجوه، ثم نقول: هب أنها صحيحة، ولكنه تعالى لما أخبر عن كفرهم وضلالهم، وانهم لا يدخلون الجنة فقد توجه الاشكال لأن انقلاب علم الله تعالى جهلا محال، والمفضي الى المحال محال، ومما يدل على أن المراد من الآية أن الله تعالى أضلهم عن الدين قوله: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ فالمؤمنون في الدنيا انما كانوا يريدون من المنافقين الايمان ويحتالون في إدخالهم فيه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ فوجب أن يكون معناه أنه تعالى لما أضلهم عن الايمان امتنع أن يجد المخلوق سبيلا الى ادخاله في الايمان، وهذا ظاهر.

<div class="verse-tafsir"

وَدُّوا۟ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا۟ فَتَكُونُونَ سَوَآءًۭ ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًا ٨٩

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: انه تعالى لما قال قبل هذه الآية: ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله  ﴾ وكان ذلك استفهاما على سبيل الانكار قرر ذلك الاستبعاد بأن قال: انهم بلغوا في الكفر الى أنهم يتمنون أن تصيروا أيها المسلمون كفارا، فلما بلغوا في تعصبهم في الكفر الى هذا الحد فكيف تطمعون في ايمانهم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ فَتَكُونُونَ سَوَاء ﴾ رفع بالنسق على ﴿ تَكْفُرُونِ ﴾ والمعنى: ودّوا لو تكونون، والفاء عاطفة ولا يجوز أن يجعل ذلك جواب التمني، ولو أراد ذلك على تأويل إذا كفروا استووا لكان نصبا، ومثله قوله: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ  ﴾ ولو قيل: ﴿ فيدهنوا ﴾ على الجواب لكان ذلك جائزا في الاعراب، ومثله: ﴿ وَدَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ  ﴾ ومعنى قوله: ﴿ فَتَكُونُونَ سَوَاء ﴾ أي في الكفر، والمراد فتكونون أنتم وهم سواء الا أنه اكتفى بذكر المخاطبين عن ذكر غيرهم لوضوح المعنى بسبب تقدم ذكرهم، واعلم أنه تعالى لما شرح للمؤمنين كفرهم وشدة غلوهم في ذلك الكفر، فبعد ذلك شرح للمؤمنين كيفية المخالطة معهم فقال: ﴿ فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حتى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقة والالحاد، وهذا متأكد بعموم قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء ﴾ والسبب فيه أن أعز الاشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين، لأن ذلك هو الامر الذي به يتقرب الى الله تعالى، ويتوسل به الى طلب السعادة في الآخرة، وإذا كان كذلك كانت العداوة الحاصلة بسببه أعظم أنواع العداوة، وإذا كان كذلك امتنع طلب المحبة والولاية في الموضع الذي يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه والله أعلم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حتى يُهَاجِرُواْ ﴾ قال أبو بكر الرازي: التقدير حتى يسلموا ويهاجروا، لأن الهجرة في سبيل الله لا تكون إلا بعد الاسلام، فقد دلت الآية على إيجاب الهجرة بعد الاسلام، وانهم وإن أسلموا لم يكن بيننا وبينهم موالاة إلا بعد الهجرة، ونظيره قوله: ﴿ مَالَكُمْ مّن ولايتهم مّن شَيء حتى يُهَاجِرُواْ  ﴾ .

واعلم أن هذا التكليف إنما كان لازما حال ما كانت الهجرة مفروضة قال صلى الله عليه وسلم: «أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين وأنا بريء من كل مسلم مع مشرك» فكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة، ثم نسخ فرض الهجرة.

عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية».

وروي عن الحسن أن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الاسلام قائما.

المسألة الثالثة: اعلم أن الهجرة تارة تحصل بالانتقال من دار الكفر إلى دار الايمان، وأخرى تحصل بالانتقال عن أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» وقال المحققون: الهجرة في سبيل الله عبارة عن الهجرة عن ترك مأموراته وفعل منهياته، ولما كان كل هذه الأمور معتبرا لا جرم ذكر الله تعالى لفظا عاما يتناول الكل فقال: ﴿ حتى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ فانه تعالى لم يقل: حتى يهاجروا عن الكفر، بل قال: ﴿ حتى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ وذلك يدخل فيه مهاجرة دار الكفر ومهاجرة شعار الكفر، ثم لم يقتصر تعالى على ذكر الهجرة، بل قيده بكونه في سبيل الله، فانه ربما كانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الاسلام، ومن شعار الكفر إلى شعار الاسلام لغرض من أغراض الدنيا، إنما المعتبر وقوع تلك الهجرة لأجل أمر الله تعالى.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ .

والمعنى فان أعرضوا عن الهجرة ولزموا مواضعهم خارجا عن المدينة فخذوهم اذا قدرتم عليهم، واقتلوهم أينما وجدتموهم في الحل والحرم، ولا تتخذوا منهم في هذه الحالة ولياً يتولى شيئا من مهماتكم ولا نصيرا ينصركم على أعدائكم.

واعلم أنه تعالى لما أمر بقتل هؤلاء الكفار استثنى منه موضعين الأول في قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَـٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَـٰتِلُوا۟ قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَـٰتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًۭا ٩٠

وفيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ يَصِلُونَ ﴾ قولان: الأول: ينتهون اليهم ويتصلون بهم، والمعنى أن كل من دخل في عهد من كان داخلا في عهدكم فهم أيضا داخلون في عهدكم.

قال القفال رحمه الله: وقد يدخل في الآية أن يقصد قوم حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم فيتعذر عليهم ذلك المطلوب فيلجأوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد إلى أن يجدوا السبيل اليه.

القول الثاني: أن قوله: ﴿ يَصِلُونَ ﴾ معناه ينتسبون، وهذا ضعيف لأن أهل مكة أكثرهم كانوا متصلين بالرسول من جهة النسب مع أنه صلى الله عليه وسلم كان قد أباح دم الكفار منهم.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن القوم الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد من هم؟

قال بعضهم هم الأسلميون فإنه كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فإنه عليه الصلاة والسلام وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعصيه ولا يعين عليه، وعلى أن كل من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل ما لهلال.

وقال ابن عباس: هم بنو بكر ابن زيد مناة، وقال مقاتل: هم خزاعة وخزيمة بن عبد مناة.

واعلم أن ذلك يتضمن بشارة عظيمة لأهل الايمان، لأنه تعالى لما رفع السيف عمن التجأ إلى من التجأ إلى المسلمين، فبأن يرفع العذاب في الآخرة عمن التجأ إلى محبة الله ومحبة رسوله كان أولى والله أعلم.

الموضع الثاني في الاستثناء: قوله تعالى: ﴿ أَوْ جآؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يقاتلونكم أَوْ يقاتلوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فلقاتلوكم فَإِنِ اعتزلوكم فَلَمْ يقاتلوكم وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبيلا ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿ أَوْ ﴾ يحتمل أن يكون عطفا على صلة ﴿ الذين ﴾ والتقدير: إلا الذين يصلون بالمعاهدين أو الذين حصرت صدورهم فلا يقاتلونكم، ويحتمل أن يكون عطفا على صفة قوم والتقدير: إلا الذين يصلون الى قوم بينكم وبينهم عهد، أو يصلون إلى قوم حصرت صدورهم فلا يقاتلونكم، والاول أولى لوجهين: أحدهما: قوله تعالى: ﴿ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ  ﴾ وهذا يدل على أن السبب الموجب لترك التعرض لهم هو تركهم للقتال، وهذا إنما يتمشى على الاحتمال الاول، وأما على الاحتمال الثاني فالسبب الموجب لترك التعرض لهم هو الاتصال بمن ترك القتال.

الثاني: أن جعل ترك القتال موجبا لترك التعرض أولى من جعل الاتصال بمن ترك القتال سببا قريبا لترك التعرض، لأن على التقدير الأول يكون ترك القتال سببا قريبا لترك التعرض، وعلى السبب الثاني يصير سببا بعيدا.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ معناه ضاقت صدورهم عن المقاتلة فلا يريدون قتالكم لأنكم مسلمون، ولا يريدون قتالهم لأنهم أقاربهم.

واختلفوا في موضع قوله: ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ وذكروا وجوها: الأول: أنه في موضع الحال باضمار قد وذلك لأن قد تقرب الماضي من الحال، ألا تراهم يقولون: قد قامت الصلاة، ويقال أتاني فلان ذهب عقله، أي أتاني فلان قد ذهب عقله: وتقدير الآية، أو جاؤكم حال ما قد حصرت صدورهم.

الثاني: أنه خبر بعد خبر، كأنه قال: أو جاؤكم ثم أخبر بعده فقال: ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ وعلى هذا التقدير يكون قوله: ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ بدلا من ﴿ جاؤكم ﴾ الثالث: أن يكون التقدير: جاؤكم قوما حصرت صدورهم أو جاؤكم رجالا حصرت صدورهم، فعلى هذا التقدير قوله: ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ نصب لأنه صفة لموصوف منصوب على الحال، إلا أنه حذف الموصوف المنتصب على الحال.

وأقيمت صفته مقامه، وقوله: ﴿ أن يقاتلوكم أَوْ يقاتلوا قَوْمَهُمْ ﴾ معناه ضاقت قلوبهم عن قتالكم وعن قتال قومهم فهم لا عليكم ولا لكم.

المسألة الثالثة: اختلفوا في أن الذين استثناهم الله تعالى أهم من الكفار أو من المؤمنين؟

فقال الجمهور: هم من الكفار، والمعنى أنه تعالى أوجب قتل الكافر الا إذا كان معاهدا أو تاركا للقتال فإنه لا يجوز قتلهم، وعلى هذا التقدير فالقول بالنسخ لازم لأن الكافر وإن ترك القتال فإنه يجوز قتله، وقال أبو مسلم الاصفهاني: إنه تعالى لما أوجب الهجرة على كل من أسلم استثنى من له عذر فقال: ﴿ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ ﴾ وهم قوم من المؤمنين قصدوا الرسول للهجرة والنصرة، الا أنهم كان في طريقهم من الكفار ما لم يجدوا طريقا اليه خوفا من أولئك الكفار، فصاروا الى قوم بين المسلمين وبينهم عهد وأقاموا عندهم الى أن يمكنهم الخلاص، واستثنى بعد ذلك من صار إلى الرسول ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه، لأنه يخاف الله تعالى فيه، ولا يقاتل الكفار أيضا لأنهم أقاربه، أو لأنه أبقى أولاده وأزواجه بينهم، فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه، فهذان الفريقان من المسلمين لا يحل قتالهم وإن كان لم يوجد منهم الهجرة ولا مقاتلة الكفار.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاء الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ التسليط في اللغة مأخوذ من السلاطة وهي الحدة، والمقصود منه أن الله تعالى من على المسلمين بكف بأس المعاهدين، والمعنى: أن ضيق صدورهم عن قتالكم إنما هو لأن الله قذف الرعب في قلوبهم، ولو أنه تعالى قوى قلوبهم على قتال المسلمين لتسلطوا عليهم.

قال أصحابنا: وهذا يدل على أنه لا يقبح من الله تعالى تسليط الكافر على المؤمن وتقويته عليه، وأما المعتزلة فقد أجابوا عنه من وجهين: الأول: قال الجبائي قد بينا أن القوم الذين استثناهم الله تعالى قوم مؤمنون لا كافرون، وعلى هذا فمعنى الآية: ولو شاء الله لسلطهم عليكم بتقوية قلوبهم ليدفعوا عن أنفسهم أن أقدمتم على مقاتلتهم على سبيل الظلم.

والثاني: قال الكلبي: إنه تعالى أخبر أنه لو شاء لفعل، وهذا لا يفيد إلا أنه تعالى قادر على الظلم، وهذا مذهبنا إلا أنا نقول: إنه تعالى لا يفعل الظلم، وليس في الآية دلالة على أنه شاء ذلك وأراده.

المسألة الخامسة: اللام في قوله: ﴿ فلقاتلوكم ﴾ جواب للو على التكرير أو البدل، على تأويل ولو شاء الله لسلطهم عليكم ولو شاء الله لقاتلوكم.

قال صاحب الكشاف: وقرئ ﴿ فلقاتلوكم ﴾ بالتخفيف والتشديد.

ثم قال: ﴿ فَإِنِ اعتزلوكم ﴾ أي فإن لم يتعرضوا لكم وألقوا اليكم السلم، أي الانقياد والاستسلام، وقرئ بسكون اللام مع فتح السين ﴿ فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم.

واختلف المفسرون فقال بعضهم: الآية منسوخة بآية السيف، وهي قوله: ﴿ اقتلوا المشركين  ﴾ وقال قوم: إنها غير منسوخة، أما الذين حملوا الاستثناء على المسلمين فذلك ظاهر على قولهم، وأما الذين حملوا الاستثناء على الكافرين فقال الأصم: إذا حملنا الآية على المعاهد فكيف يمكن أن يقال إنها منسوخة.

<div class="verse-tafsir"

سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا۟ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا۟ فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوٓا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنًۭا مُّبِينًۭا ٩١

قال المفسرون: هم قوم من أسد وغطفان، كانوا اذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا، وغرضهم أن يأمنوا المسلمين، فاذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ﴿ كُلَّمَا رُدُّواْ إِلَى الفتنة ﴾ كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين ﴿ أُرْكِسُواْ فِيِهَا ﴾ أي ردوا مغلوبين منكوسين فيها، وهذا استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين لأن من وقع في شيء منكوسا يتعذر خروجه منه.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السلم وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ .

والمعنى: فإن لم يعتزلوا قتالكم ولم يطلبوا الصلح منكم ولم يكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم.

قال الأكثرون: وهذا يدل على أنهم اذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم فِي الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دياركم أَن تَبَرُّوهُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله الذين يقاتلونكم  ﴾ فخص الأمر بالقتال لمن يقاتلنا دون من لم يقاتلنا.

واعلم أن هذا الكلام مبني على أن المعلق بكلمة إن على الشرط عدم عند عدم الشرط، وقد شرحنا الحال فيه في قوله تعالى: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ  ﴾ .

ثم قال: ﴿ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سلطانا ﴾ .

وفي السلطان المبين وجهان: الأول: أنه ظهر على جواز قتل هؤلاء حجة واضحة ظاهرة، وهي ظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الاسلام.

الثاني: أن السلطان المبين هو إذن الله تعالى للمسلمين في قتل هؤلاء الكفار.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًۭٔا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًۭٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ وَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟ ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّۢ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌۭ فَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا ٩٢

اعلم أنه تعالى لما رغب في مقاتلة الكفار، وحرض عليها ذكر بعد ذلك بعض ما يتعلق بهذه المحاربة، فمنها أنه تعالى لما أذن في قتل الكفار فلا شك أنه قد يتفق أن يرى الرجل رجلا يظنه كافرا حربيا فيقتله، ثم يتبين أنه كان مسلما، فذكر الله تعالى حكم هذه الواقعة في هذه الآية وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب النزول وجوها: الأول: روى عروة بن الزبير أن حذيفة بن اليمان كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد فأخطأ المسلمون وظنوا أن أباه اليمان واحد من الكفار، فأخذوه وضربوه بأسيافهم وحذيفة يقول: إنه أبي فلم يفهموا قوله إلا بعد أن قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فلما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك ازداد وقع حذيفة عنده، فنزلت هذه الآية: الرواية الثانية: أن الآية نزلت في أبي الدرداء، وذلك لأنه كان في سرية فعدل إلى شعب لحاجة له فوجد رجلا في غنم له فحمل عليه بالسيف، فقال الرجل: لا إله إلا الله، فقتله وساق غنمه ثم وجد في نفسه شيئا، فذكر الواقعة للرسول صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام: «هلا شققت عن قلبه» وندم أبو الدرداء فنزلت الآية.

الرواية الثالثة: روي أن عياش بن أبي ربيعة، وكان أخا لأبي جهل من أمه، أسلم وهاجر خوفا من قومه إلى المدينة، وذلك قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا تجلس تحت سقف حتى يرجع، فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة فأتياه وطولا في الأحاديث، فقال أبو جهل: أليس أن محمداً يأمرك ببر الأم فانصرف وأحسن إلى أمك وأنت على دينك فرجع، فلما دنوا من مكة قيدوا يديه ورجليه، وجلده أبو جهل مائة جلدة، وجلده الحرث مائة أخرى، فقال للحرث: هذا أخي فمن أنت يا حرث، لله علي إن وجدتك خالي أن أقتلك.

وروي أن الحرث قال لعياش حين رجع: إن كان دينك الأول هدى فقد تركته وإن كان ضلالا فقد دخلت الآن فيه، فشق ذلك على عياش وحلف أن يقتله، فلما دخل على أمه حلفت أمه لا يزول عنه القيد حتى يرجع إلى دينه الأول ففعل، ثم هاجر بعد ذلك وأسلم الحرث أيضا وهاجر، فلقيه عياش خالياً ولم يشعر باسلامه فقتله، فلما أخبر بأنه كان مسلما ندم على فعله وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قتلته ولم أشعر باسلامه، فنزلت هذه الآية.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ ﴾ فيه وجهان: الأول: أي وما كان فيما أتاه من ربه وعهد إليه.

الثاني: ما كان له في شيء من الأزمنة ذلك، والغرض منه بيان أن حرمة القتل كانت ثابتة من أول زمان التكليف.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ إِلا خطأ ﴾ فيه قولان: الأول: أنه استثناء متصل، والذاهبون إلى هذا القول ذكروا وجوها: الأول: أن هذا الاستثناء ورد على طريق المعنى، لأن قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خطأ ﴾ معناه أنه يؤاخذ الإنسان على القتل إلا اذا كان القتل قتل خطأ فإنه لا يؤاخذ به.

الثاني: أن الاستثناء صحيح أيضا على ظاهر اللفظ، والمعنى أنه ليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا ألبتة إلا عند الخطأ.

وهو ما إذا رأى عليه شعار الكفار، أو وجده في عسكرهم فظنه مشركا، فهاهنا يجوز قتله، ولا شك أن هذا خطأ، فانه ظن أنه كافر مع أنه ما كان كافرا.

الثالث: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، والتقدير: وما كان مؤمن ليقتل مؤمناً إلا خطأ، ومثله قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ  ﴾ تأويله: ما كان الله ليتخذ من ولد، لأنه تعالى لا يحرم عليه شيء، إنما ينفي عنه ما لا يليق به، وأيضا قال تعالى: ﴿ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا  ﴾ معناه ما كنتم لتنبتوا، لأنه تعالى لم يحرم عليهم أن ينبتوا الشجر، إنما نفى عنهم أن يمكنهم إنباتها، فانه تعالى هو القادر على إنبات الشجر.

الرابع: أن وجه الاشكال في حمل هذا الاستثناء على الاستثناء المتصل، وهو أن يقال: الاستثناء من النفي إثبات، وهذا يقتضي الاطلاق في قتل المؤمن في بعض الأحوال، وذلك محال، إلا أن هذا الاشكال إنما يلزم اذا سلمنا أن الاستثناء من النفي إثبات، وذلك مختلف فيه بين الأصوليين، والصحيح أنه لا يقتضيه لأن الاستثناء يقتضي صرف الحكم عن المستثنى لا صرف المحكوم به عنه، واذا كان تأثير الاستثناء في صرف الحكم فقط بقي المستثنى غير محكوم عليه لا بالنفي ولا بالاثبات، وحينئذ يندفع الاشكال.

ومما يدل على أن الاستثناء من النفي ليس باثبات قوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة الا بطهور ولا نكاح الا بولي» ويقال: لا ملك الا بالرجال ولا رجال الا بالمال، والاستثناء في جملة هذه الصور لا يفيد أن يكون الحكم المستثنى من النفي إثباتا والله أعلم.

الخامس: قال أبو هاشم وهو أحد رؤساء المعتزلة: تقدير الآية: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا فيبقى مؤمنا، الا أن يقتله خطأ فيبقى حينئذ مؤمنا، قال: والمراد أن قتل المؤمن للمؤمن يخرجه عن كونه مؤمنا، الا أن يكون خطأ فإنه لا يخرجه عن كونه مؤمنا.

واعلم أن هذا الكلام بناء على أن الفاسق ليس بمؤمن، وهو أصل باطل، والله أعلم.

القول الثاني: أن هذا الاستثناء منقطع بمعنى لكن، ونظيره في القرآن كثير.

قال تعالى: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة  ﴾ وقال: ﴿ الذين يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم والفواحش إِلاَّ اللمم  ﴾ وقال: ﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا  إِلَّا قِيلًا سَلَٰمًا سَلَٰمًا  ﴾ والله أعلم.

المسألة الرابعة: في انتصاب قوله: ﴿ خطأ ﴾ وجوه: الأول: أنه مفعوله له، والتقدير ما ينبغي أن يقتله لعلة من العلل، إلا لكونه خطأ.

الثاني: أنه حال، والتقدير: لا يقتله ألبتة إلا حال كونه خطأ.

الثالث: أنه صفة للمصدر.

والتقدير: إلا قتلا خطأ.

قوله تعالى: ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ﴾ .

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الشافعي رحمه الله: القتل على ثلاثة أقسام: عمد، وخطأ، وشبه عمد.

أما العمد: فهو أن يقصد قتله بالسبب الذي يعلم إفضاءه إلى الموت سواء كان ذلك جارحا أو لم يكن، وهذا قول الشافعي.

وأما الخطأ فضربان: أحدهما: أن يقصد رمي المشرك أو الطائر فأصاب مسلما.

والثاني: أن يظنه مشركا بأن كان عليه شعار الكفار، والأول خطأ في الفعل، والثاني خطأ في القصد.

أما شبه العمد: فهو أن يضربه بعصا خفيفة لا تقتل غالبا فيموت منه.

قال الشافعي رحمه الله: هذا خطأ في القتل وإن كان عمدا في الضرب.

المسألة الثانية: قال أبو حنيفة: القتل بالمثقل ليس بعمد محض، بل هو خطأ وشبه عمد، فيكون داخلا تحت هذه الآية فتجب فيه الدية والكفارة، ولا يجب فيه القصاص.

وقال الشافعي رحمه الله: إنه عمد محض يجب فيه القصاص.

أما بيان أنه قتل فيدل عليه القرآن والخبر، أما القرآن فهو أنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه وكز القبطي فقضى عليه، ثم إن ذلك الوكز يسمى بالقتل، بدليل أنه حكى أن القبطي قال في اليوم الثاني: ﴿ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالأمس  ﴾ وكان الصادر عن موسى عليه السلام بالأمس ليس إلا الوكز، فثبت أن القبطي سماه قتلا، وأيضاً إن موسى صلوات الله عليه سماه قتلا حيث قال: ﴿ رَبّى إِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ  ﴾ وأجمع المفسرون على أن المراد منه قتل ذلك القبطي بذلك الوكز، وأيضا إن الله تعالى سماه قتلا حيث قال: ﴿ وَقَتَلْتَ نَفْساً فنجيناك مِنَ الغم وفتناك فُتُوناً  ﴾ فثبت أن الوكز قتل بقول القبطي وبقول موسى وبقول الله تعالى، وأما الخبر فقوله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن قتيل الخطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الابل» فسماه قتلا، فثبت بهذين الدليلين أنه حصل القتل، وأما أنه عمد فالشاك فيه داخل في السفسطة فإن من ضرب رأس إنسان بحجر الرحا، أو صلبه أو غرقه، أو خنقه ثم قال: ما قصدت به قتله كان ذلك إما كاذبا أو مجنونا، وأما أنه عدوان فلا ينازع فيه مسلم، فثبت أنه قتل عمد عدوان، فوجب أن يجب القصاص بالنص والمعقول.

أما النص: فهو جميع الآيات الدالة على وجوب القصاص، كقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى  ﴾ ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النفس بالنفس  ﴾ ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سلطانا  ﴾ ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا  ﴾ ﴿ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ  ﴾ .

وأما المعقول: فهو أن المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس والأرواح عن الاهدار.

قال تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي القصاص حياة  ﴾ وإذا كان المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس والأرواح عن الاهدار، والاهدار من المثقل كهو في المحدد كانت الحاجة إلى شرع الزاجر في إحدى الصورتين كالحاجة إليه في الصورة الأخرى، ولا تفاوت بين الصورتين في نفس الاهدار، إنما التفاوت حاصل في آلة الاهدار، والعلم الضروري حاصل بأن ذلك غير معتبر، والكلام في الفقهيات إذا وصل إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى في التحقيق لمن ترك التقليد، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن قتيل الخطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الابل» وهو عام سواء كان السوط والعصا صغيرا أو كبيرا.

والجواب: أن قوله: قتيل الخطأ يدل على أنه لابد وأن يكون معنى الخطأ حاصلا فيه، وقد بينا أن من خنق إنساناً أو ضرب رأسه بحجر الرحا، ثم قال: ما كنت أقصد قتله، فإن كل عاقل ببديهة عقله يعلم أنه كاذب في هذا المقال، فوجب حمل هذا الضرب على الضرب بالعصا الصغيرة حتى يبقى معنى الخطأ فيه.

والله أعلم.

المسألة الثالثة: قال أبو حنيفة: القتل العمد لا يوجب الكفارة، وقال الشافعي: يوجب.

احتج أبو حنيفة بهذه الآية، فقال قوله: ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خطأ ﴾ شرط لوجوب الكفارة وعند انتفاء الشرط لا يحصل المشروط، فيقال له: إنه تعالى قال: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم  ﴾ فقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ ﴾ ما كان شرطا لجواز نكاح الأمة على قولكم، فكذلك هاهنا.

ثم نقول: الذي يدل على وجوب الكفارة في القتل العمد الخبر والقياس.

أما الخبر فهو ما روى واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا أوجب النار بالقتل، فقال: اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار.

وأما القياس: فهو أن الغرض من إعتاق العبد هو أن يعتقه الله من النار، والحاجة الى هذا المعنى في القتل العمد أتم، فكانت الحاجة فيه الى ايجاب الكفارة أتم والله أعلم.

وذكر الشافعي رضي الله عنه حجة أخرى من قياس الشبه فقال: لما وجبت الكفارة في قتل الصيد في الاحرام سوينا بين العامد وبين الخاطئ إلا في الاثم، فكذا في قتل المؤمن، ولهذا الكلام تأكيد آخر وهو أن يقال: نص الله تعالى هناك في العامد، وأوجبنا على الخاطئ.

فهاهنا نص على الخاطئ، فبأن نوجبه على العامد مع أن احتياج العامد الى الاعتاق المخلص له عن النار أشد كان ذلك أولى.

المسألة الرابعة: قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي: لا تجزى الرقبة إلا إذا صام وصلى، وقال الشافعي ومالك والأوزاعي وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنهم: يجزى الصبي إذا كان أحد أبويه مسلما.

حجة ابن عباس هذه الآية، فإنه تعالى أوجب تحرير الرقبة المؤمنة، والمؤمن من يكون موصوفا بالايمان، والايمان إما التصديق وإما العمل وإما المجموع، وعلى التقديرات فالكل فائت عن الصبي فلم يكن مؤمنا، فوجب أن لا يجزى.

حجة الفقهاء أن قوله: ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خطأ ﴾ يدخل فيه الصغير، فكذا قوله: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ فوجب أن يدخل فيه الصغير.

المسألة الخامسة: قال الشافعي رحمه الله: الدية في العمد المحض وفي شبه العمد مغلظة مثلثة ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها.

وأما في الخطأ المحض فمخففة: عشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون بنو لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة.

وأما أبو حنيفة فهو أيضاً هكذا يقول في الكل إلا في شيء واحد فإنه أوجب بني مخاض بدلا عن بنات لبون.

حجة الشافعي رحمه الله أنه تعالى أوجب الدية في القرآن ولم يبين كيفية الدية فرجعنا في معرفة الكيفية إلى السنة والقياس، فلم نجد في السنة ما يدل عليه.

وأما القياس فإنه لا مجال للمناسبات والتعليلات المعقولة في تعيين الأسباب وتعيين الأعداد، فلم يبق هاهنا مطمع إلا في قياس الشبه، ونرى أن الدية وجبت بسبب أقوى من السبب الموجب للزكاة، ثم إنا رأينا أن الشرع لم يجعل لبني مخاض دخلا في باب الزكاة، فوجب أن لا يكون لها دخل في باب الدية أيضاً.

وحجة أبي حنيفة أن البراءة كانت ثابتة، والأصل في الثابت البقاء، فكانت البراءة الأصلية باقية، ولا يعدل عن هذا الدليل إلا لدليل أقوى منه فنقول: الأول هو المتفق عليه فاعترفنا بوجوبه: وأما الزائد عليه فوجب أن يبقى على النفي الأصلي.

والجواب: أن الذمة مشغولة بوجوب الدية، والأصل في الثابت البقاء، وقد رأينا حصول الاتفاق على السقوط بأداء أكثر ما قيل فيه، فوجب أن لا يحصل ذلك السقوط عند أداء أقل ما فيه، والله أعلم.

المسألة السادسة: قال الشافعي رحمه الله: إذا لم توجد الابل، فالواجب إما ألف دينار، أو اثنا عشر ألف درهم.

وقال أبو حنيفة: بل الواجب عشرة آلاف درهم.

حجة الشافعي: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.

قال: كانت قيمة الدية في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار.

وثمانية آلاف درهم، فلما استخلف عمر رضي الله عنه قام خطيبا.

وقال: إن الابل قد غلت أثمانها، ثم إن عمر فرضها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق أثنى عشر ألفا، وجه الاستدلال أن عمر ذكر ذلك في مجمع الصحابة وما أنكر عليه أحد فكان إجماعا.

حجة أبي حنيفة: أن الأخذ بالأقل أولى، وقد سبق جوابه.

المسألة السابعة: قال أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج: الدية واجبة على القاتل، قالوا: ويدل عليه وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ خطأ ﴾ لا شك أنه إيجاب لهذا التحرير، والايجاب لابد فيه من شخص يجب عليه ذلك الفعل، والمذكور قبل هذه الآية هو القاتل، وهو قوله: ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً ﴾ فهذا الترتيب يوجب القطع بأن هذا التحرير إنما أوجبه الله تعالى عليه لا على غيره، والثاني: أن هذه الجناية صدرت منه، والمعقول هو أن الضمان لا يجب إلا على المتلف، أقصى ما في الباب أن هذا الفعل صدر عنه على سبيل الخطأ.

ولكن الفعل الخطأ قائم في قيم المتلفات وأروش الجنايات، مع أن تلك الضمانات لا تجب إلا على المتلف، فكذا هاهنا.

الثالث: أنه تعالى أوجب في هذه الآية شيئين: تحرير الرقبة المؤمنة، وتسليم الدية الكاملة، ثم انعقد الاجماع على أن التحرير واجب على الجاني، فكذا الدية يجب أن تكون واجبة على القاتل، ضرورة أن اللفظ واحد في الموضعين.

الرابع: أن العاقلة لم يصدر عنهم جناية ولا ما يشبه الجناية، فوجب أن لا يلزمهم شيء للقرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ لا تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا  ﴾ وقال: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت  ﴾ وأما الخبر فما روي أن أبا رمثة دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابنه فقال عليه الصلاة والسلام: «من هذا؟» فقال ابني، قال: «إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه»، ومعلوم أنه ليس المقصود منه الاخبار عن نفس الجناية إنما المقصود بيان أن أثر جنايتك لا يتعدى إلى ولدك وبالعكس، وكل ذلك يدل على أن إيجاب الدية على الجاني أولى من إيجابها عل الغير.

الخامس: أن النصوص تدل على أن مال الإنسان معصوم وأنه لا سبيل لأحد أن يأخذه منه.

قال تعالى: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة  ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: «كل امرئ أحق بكسبه» وقال: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» وقال: «لا يحل مال المسلم إلا بطيبة من نفسه» تركنا العمل بهذه العمومات في الأشياء التي عرفنا بنص القرآن كونها موجبة لجواز الأخذ كما قلنا في الزكوات، وكما قلنا في أخذ الضمانات.

وأما في إيجاب الدية على العاقلة فالمعتمد فيه على خبر الواحد، وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز، لأن القرآن معلوم، وخبر الواحد مظنون، وتقديم المظنون على المعلوم غير جائز، ولأن هذا خبر واحد ورد فيما تعم به البلوى فيرد، ولأنه خبر واحد ورد على مخالفة جميع أصول الشرائع، فوجب رده، وأما الفقهاء فقد تمسكوا فيه بالخبر والأثر والآية: أما الخبر: فما روى المغيرة أن امرأة ضربت بطن امرأة أخرى فألقت جنينا ميتا، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاقلة الضاربة بالغرة، فقام حمل بن مالك فقال: كيف ندى من لا شرب ولا أكل، ولا صاح ولا استهل، ومثل ذلك بطل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا من سجع الجاهلية»، وأما الأثر: فهو أن عمر رضي الله عنه قضى على علي بأن يعقل عن مولى صفية بنت عبد المطلب حين جنى مولاها، وعلي كان ابن أخي صفية، وقضى للزبير بميراثها، فهذا يدل على أن الدية إنما تجب على العاقلة، والله أعلم.

المسألة الثامنة: مذهب أكثر الفقهاء أن دية المرأة نصف دية الرجل.

وقال الأصم وابن عطية: ديتها مثل دية الرجل.

حجة الفقهاء أن عليا وعمر وابن مسعود قضوا بذلك، ولأن المرأة في الميراث والشهادة على النصف من الرجل، فكذلك في الدية.

وحجة الأصم قوله تعالى: ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾ وأجمعوا على أن هذه الآية دخل فيها حكم الرجل والمرأة، فوجب أن يكون الحكم فيها ثابتا بالسوية، والله أعلم.

المسألة التاسعة: انفقوا على أن دية الخطأ مخففة في ثلاث سنين: الثلث في السنة، والثلثان في السنتين، والكل في ثلاث سنين.

استفاض ذلك عن عمر ولم يخالفه فيه أحد من السلف فكان إجماعا.

المسألة العاشرة: لا فرق في هذه الدية بين أين يقضي منها الدين وتنفذ منها الوصية، ويقسم الباقي بين الورثة على فرائض الله تعالى.

روي أن امرأة جاءت تطلب نصيبها من دية الزوج فقال عمر: لا أعلم لك شيئا، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه، فشهد بعض من الصحابة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره أن يورث الزوجة من دية زوجها، فقضى عمر بذلك، وإذ قد ذكرنا هذه المسائل فلنرجع إلى تفسير الآية فنقول: قوله: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ معناه فعليه تحرير رقبة، والتحرير عبارة عن جعله حرا، والحر هو الخالص، ولما كان الإنسان في أصل الخلقة خلق ليكون مالكا للأشياء كما قال تعالى: ﴿ خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرض جَمِيعاً  ﴾ فكونه مملوكا يكون صفة تكدر مقتضى الانسانية وتشوشها، فلا جرم سميت إزالة الملك تحريراً، أي تخليصا لذلك الإنسان عما يكدر إنسانيته، والرقبة عبارة عن النسمة كما قد يجعل الرأس أيضا عبارة عن نسمة في قولهم: فلان يملك كذا رأسا من الرقيق، والمراد برقبة مؤمنة كل رقبة كانت على حكم الاسلام عند الفقهاء، وعند ابن عباس لا تجزي إلا رقبة قد صلت وصامت، وقد ذكرنا هذه المسألة.

وقوله: ﴿ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾ قال الواحدي: الدية من الودي كالشية من الوشي، والأصل ودية فحذفت الواو يقال: ودى فلانا فلانا، أي أدى ديته إلى وليه، ثم إن الشرع خصص هذا اللفظ بما يؤدى في بدل النفس دون ما يؤدى في بدل المتلفات، ودون ما يؤدى في بدل الاطراف والاعضاء.

ثم قال تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ﴾ أصله يتصدقوا فأدغمت التاء في الصاد، ومعنى التصدق الاعطاء قال الله تعالى: ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ الله يَجْزِى المتصدقين  ﴾ والمعنى: إلا أن يتصدقوا بالدية فيعفوا ويتركوا الدية.

قال صاحب الكشاف: وتقدير الآية، ويجب عليه الدية وتسليمها إلى حين يتصدقون عليه، وعلى هذا فقوله: ﴿ أَن يَصَّدَّقُواْ ﴾ في محل النصب على الظرف، ويجوز أن يكون حالا من أهله بمعنى إلا متصدقين.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ .

فاعلم أنه تعالى ذكر في الآية الأولى: أن من قتل على سبيل الخطأ مؤمنا فعليه تحرير الرقبة وتسليم الدية، وذكر في هذه الآية أن من قتل على سبيل الخطأ مؤمنا من قوم عدو لنا فعليه تحرير الرقبة وسكت عن ذكر الدية، ثم ذكر بعد أن المقتول إن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق وجبت الدية، والسكوت عن إيجاب الدية في هذه الآية مع ذكرها فيما قبل هذه الآية، وفيما بعدها يدل على أن الدية غير واجبة في هذه الصورة.

إذا ثبت هذا فنقول: كلمة من في قوله: ﴿ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ ﴾ إما أن يكون المراد منها كون هذا المقتول من سكان دار الحرب، أو المراد كونه ذا نسب منهم، والثاني باطل لانعقاد الاجماع على أن المسلم الساكن في دار الاسلام، وجميع أقاربه يكونون كفارا، فاذا قتل على سبيل الخطأ وجبت الدية في قتله، ولما بطل هذا القسم تعين الأول فيكون المراد: وإن كان المقتول خطأ من سكان دار الحرب وهو مؤمن، فالواجب بسبب قتله الواقع على سبيل الخطأ هو تحرير الرقبة، فأما وجوب الدية فلا.

قال الشافعي رحمه الله: وكما دلت هذه الآية على هذا المعنى فالقياس يقويه، أما أنه لا تجب الدية فلأنا لو أوجبنا الدية في قتل المسلم الساكن في دار الحرب لاحتاج من يريد غزو دار الحرب إلى أن يبحث عن كل أحد أنه هل هو من المسلمين أم لا، وذلك مما يصعب ويشف فيفضي ذلك إلى احتراز الناس عن الغزو، فالأولى سقوط الدية عن قاتله لأنه هو الذي أهدر دم نفسه بسبب اختياره السكنى في دار الحرب، وأما الكفارة فإنها حق الله تعالى، لأنه لما صار ذلك الإنسان مقتولا فقد هلك إنسان كان مواظبا على عبادة الله تعالى، والرقيق لا يمكنه المواظبة على عبادة الله، فاذا أعتقه فقد أقامه مقام ذلك المقتول في المواظبة على العبادات، فظهر أن القياس يقتضي سقوط الدية، ويقتضي بقاء الكفارة، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق، فيه قولان: الأول: أن المراد منه المسلم، وذلك لأنه تعالى ذكر أولا حال المسلم القاتل خطأ ثم ذكر حال المسلم المقتول خطأ إذا كان فيما بين أهل الحرب، ثم ذكر حال المسلم المقتول خطأ إذا كان فيما بين أهل العهد وأهل الذمة ولا شك أن هذا ترتيب حسن فكان حمل اللفظ عليه جائزا، والذي يؤكد صحة هذا القول أن قوله: ﴿ وَإِن كَانَ ﴾ لابد من إسناده إلى شيء جرى ذكره فيما تقدم، والذي جرى ذكره فيما تقدم هو المؤمن المقتول خطأ.

فوجب حمل اللفظ عليه.

القول الثاني: أن المراد منه الذمي، والتقدير: وإن كان المقتول من قوم بينكم وبينهم ميثاق ومعنى كون المقتول منهم أنه على دينهم ومذهبهم، والقائلون بهذا القول طعنوا في القول الأول من وجوه: الأول: أن المسلم المقتول خطأ سواء كان من أهل الحرب أو كان من أهل الذمة فهو داخل تحت قوله: ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾ فلو كان المراد من هذه الآية هو المؤمن لكان هذا عطفا للشيء على نفسه وانه لا يجوز، بخلاف ما إذا كان المؤمن المقتول خطأ من سكان دار الحرب، فانه تعالى إنما أعاده لبيان أنه لا تجب الدية في قتله، وأما في هذه الآية فقد أوجب الدية والكفارة، فلو كان المراد منه هو المؤمن لكان هذا إعادة وتكرارا من غير فائدة وإنه لا يجوز.

الثاني: أنه لو كان المراد منه ما ذكرتم لما كانت الدية مسلمة إلى أهله لأن أهله كفار لا يرثونه.

الثالث: أن قوله: ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ ﴾ يقتضي أن يكونوا من ذلك القوم في الوصف الذي وقع التنصيص عليه وهو حصول الميثاق بينهما، فإن كونه منهم مجمل لا يدرى أنه منهم في أي الأمور، وإذا حملناه على كونه منهم في ذلك الوصف زال الاجمال فكان ذلك أولى، وإذا دلت الآية على أنه منهم في كونه معاهدا وجب أن يكون ذميا أو معاهدا مثلهم ويمكن أن يجاب عن هذه الوجوه: أما الأول: فجوابه أنه تعالى ذكر حكم المؤمن المقتول على سبيل الخطأ، ثم ذكر أحد قسميه وهو المؤمن المقتول خطأ الذي يكون من سكان دار الحرب، فبين أن الدية لا تجب في قتله، وذكر القسم الثاني وهو المؤمن المقتول خطأ الذي يكون من سكان مواضع أهل الذمة، وبين وجوب الدية والكفارة في قتله، والغرض منه إظهار الفرق بين هذا القسم وبين ما قبله.

وأما الثاني: فجوابه أن أهله هم المسلمون الذين تصرف ديته إليهم.

وأما الثالث: فجوابه أن كلمة من صارت مفسرة في الآية السابقة بكلمة في يعني في قوم عدو لكم، فكذا هاهنا يجب أن يكون المعنى ذلك لا غير.

واعلم أن فائدة هذا البحث تظهر في مسألة شرعية، وهي أن مذهب أبي حنيفة أن دية الذمي مثل دية المسلم، وقال الشافعي رحمه الله تعالى: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المجوسي، ودية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم.

واحتج أبو حنيفة على قوله بهذه الآية: ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ ﴾ المراد به الذمي، ثم قال: ﴿ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ﴾ فأوجب تعالى فيهم تمام الدية، ونحن نقول: إنا بينا أن الآية نازلة في حق المؤمنين لا في حق أهل الذمة فسقط الاستدلال، وأيضا بتقدير أن يثبت لهم أنها نازلة في أهل الذمة لم تدل على مقصودهم، لأنه تعالى أوجب في هذه الآية دية مسلمة، فهذا يقتضي إيجاب شيء من الأشياء التي تسمى دية، فلم قلتم إن الدية التي أوجبها في حق الذمي هي الدية التي أوجبها في حق المسلم؟

ولم لا يجوز أن تكون دية المسلم مقداراً معينا.

ودية الذمي مقداراً آخر، فإن الدية لا معنى لها إلا المال الذي يؤدى في مقابلة النفس، فإن ادعيتم أن مقدار الدية في حق المسلم وفي حق الذمي واحد فهو ممنوع، والنزاع ما وقع إلا فيه، فسقط هذا الاحتجاج، والله أعلم.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: لم قدم تحرير الرقبة على الدية في الآية الأولى وهاهنا عكس هذا الترتيب، إذ لو أفاده لتوجه الطعن في إحدى الآيتين فصار هذا كقوله: ﴿ ادخلوا الباب سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ  ﴾ وفي آية أخرى ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وادخلوا الباب  ﴾ والله أعلم.

المسألة الثالثة: في هؤلاء الذين بيننا وبينهم ميثاق قولان: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم أهل الذمة من أهل الكتاب.

الثاني: قال الحسن: هم المعاهدون من الكفار.

ثم قال تعالى: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ الله ﴾ أي فعليه ذلك بدلا عن الرقبة إذا كان فقيرا، وقال مسروق إنه بدل عن مجموع الكفارة والدية، والتتابع واجب حتى لو أفطر يوما وجب الاستئناف إلا أن يكون الفطر بحيض أو نفاس، وقوله: ﴿ تَوْبَةً مّنَ الله ﴾ انتصب بمعنى صيام ما تقدم، كأنه قيل: اعملوا بما أوجب الله عليكم لأجل التوبة من الله، أي ليقبل الله توبتكم، وهو كما يقال: فعلت كذا حذر الشر.

فإن قيل: قتل الخطأ لا يكون معصية، فما معنى قوله: ﴿ تَوْبَةً مّنَ الله ﴾ .

قلنا فيه وجوه: الأول: أن فيه نوعين من التقصير، فإن الظاهر أنه لو بالغ في الاحتياط لم يصدر عنه ذلك الفعل، ألا ترى أن من قتل مسلما على ظن أنه كافر حربي، فلو أنه بالغ في الاحتياط والاستكشاف فالظاهر أنه لا يقع فيه، ومن رمى إلى صيد فأخطأ وأصاب إنسانا فلو احتاط فلا يرمي إلا في موضع يقطع بأنه ليس هناك إنسان فانه لا يقع في تلك الواقعة، فقوله: ﴿ تَوْبَةً مّنَ الله ﴾ تنبيه على أنه كان مقصرا في ترك الاحتياط.

الوجه الثاني في الجواب: أن قوله: ﴿ تَوْبَةً مّنَ الله ﴾ راجع إلى أنه تعالى أذن له في إقامة الصوم مقام الاعتاق عند العجز عنه، وذلك لأن الله تعالى اذا تاب على المذنب فقد خفف عنه، فلما كان التخفيف من لوازم التوبة أطلق لفظ التوبة لارادة التخفيف إطلاقا لاسم الملزوم على اللازم.

الوجه الثالث في الجواب: أن المؤمن إذا اتفق له مثل هذا الخطأ فإنه يندم ويتمنى أن لا يكون ذلك مما وقع فسمى الله تعالى ذلك الندم وذلك التمني توبة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ﴾ والمعنى أنه تعالى عليم بأنه لم يقصد ولم يتعمد حكيم في أنه ما يؤاخذه بذلك الفعل الخطأ، فإن الحكمة تقتضي أن لا يؤاخذ الإنسان إلا بما يختار ويتعمد.

واعلم أن أهل السنة لما اعتقدوا أن أفعال الله تعالى غير معللة برعاية المصالح قالوا: معنى كونه تعالى حكيما كونه عالما بعواقب الأمور.

وقالت المعتزلة: هذه الآية تبطل هذا القول لأنه تعالى عطف الحكيم على العليم، فلو كان الحكيم هو العليم لكان هذا عطفا للشيء على نفسه وهو محال.

والجواب: أن في كل موضع من القرآن ورد فيه لفظ الحكيم معطوفا على العليم كان المراد من الحكيم كونه محكما في أفعاله، فالأحكام والاعلام عائدان إلى كيفية الفعل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًۭا مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَـٰلِدًۭا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًۭا ٩٣

اعلم أنه تعالى لما ذكر حكم القتل الخطأ ذكر بعده بيان حكم القتل العمد، وله أحكام مثل وجوب القصاص والدية، وقد ذكر تعالى ذلك في سورة البقرة وهو قوله: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى  ﴾ فلا جرم هاهنا اقتصر على بيان ما فيه من الاثم والوعيد، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: استدلت الوعيدية بهذه الآية على أمرين: أحدهما: على القطع بوعيد الفساق.

والثاني: على خلودهم في النار، ووجه الاستدلال أن كلمة من في معرض الشرط تفيد الاستغراق، وقد استقصينا في تقرير كلامهم في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون  ﴾ وبالغنا في الجواب عنها، وزعم الواحدي أن الأصحاب سلكوا في الجواب عن هذه الآية طرقا كثيرة.

قال: وأنا لا أرتضي شيئا منها لأن التي ذكروها إما تخصيص، وإما معارضة، وإما إضمار، واللفظ لا يدل على شيء من ذلك.

قال: والذي أعتمده وجهان: الأول: إجماع المفسرين على أن الآية نزلت في كافر قتل مؤمنا ثم ذكر تلك القصة.

والثاني: أن قوله: ﴿ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾ معناه الاستقبال أي أنه سيجزى بجهنم، وهذا وعيد قال: وخلف الوعيد كرم، وعندنا أنه يجوز أن يخلف الله وعيد المؤمنين، فهذا حاصل كلامه الذي زعم أنه خير مما قاله غيره.

وأقول: أما الوجه الأول فضعيف، وذلك لأنه ثبت في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فاذا ثبت أن اللفظ الدال على الاستغراق حاصل، فنزوله في حق الكفار لا يقدح في ذلك العموم، فيسقط هذا الكلام بالكلية، ثم نقول: كما أن عموم اللفظ يقتضي كونه عاما في كل قاتل موصوف بالصفة المذكورة، فكذا هاهنا وجه آخر يمنع من تخصيص هذه الآية بالكافر، وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى أمر المؤمنين بالمجاهدة مع الكفار ثم علمهم ما يحتاجون اليه عند اشتغالهم بالجهاد، فابتدأ بقوله: ﴿ ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ  ﴾ فذكر في هذه الآية ثلاث كفارات: كفارة قتل المسلم في دار الاسلام، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الحرب، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الذمة وأهل العهد، ثم ذكر عقيبه حكم قتل العمد مقرونا بالوعيد، فلما كان بيان حكم قتل الخطأ بيانا لحكم اختص بالمسلمين كان بيان حكم القتل العمد الذي هو كالضد لقتل الخطأ، وجب أن يكون أيضا مختصا بالمؤمنين، فإن لم يختص بهم فلا أقل من دخولهم فيه.

الثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام لَسْتَ مُؤْمِناً  ﴾ وأجمع المفسرون على أن هذه الآيات إنما نزلت في حق جماعة من المسلمين لقوا قوما فأسلموا فقتلوهم وزعموا أنهم إنما أسلموا من الخوف، وعلى هذا التقدير: فهذه الآية وردت في نهي المؤمنين عن قتل الذين يظهرون الايمان؛ وهذا أيضا يقتضي أن يكون قوله: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً ﴾ نازلا في نهي المؤمنين عن قتل المؤمنين حتى يحصل التناسب، فثبت بما ذكرنا أن ما قبل هذه الآية وما بعدها يمنع من كونها مخصوصة بالكفار.

الثالث: أنه ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب له يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وبهذا الطريق عرفنا أن قوله: ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا  ﴾ وقوله: ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا  ﴾ الموجب للقطع هو السرقة، والموجب للجلد هو الزنا، فكذا هاهنا وجب أن يكون الموجب لهذا الوعيد هو هذا القتل العمد، لأن هذا الوصف مناسب لذلك الحكم، فلزم كون ذلك الحكم معللا به، وإذا كان الأمر كذلك لزم أن يقال: أينما ثبت هذا المعنى فإنه يحصل هذا الحكم، وبهذا الوجه لا يبقى لقوله: الآية مخصوصة بالكافر وجه.

الوجه الرابع: أن المنشأ لاستحقاق هذا الوعيد إما أن يكون هو الكفر أو هذا القتل المخصوص، فإن كان منشأ هذا الوعيد هو الكفر كان الكفر حاصلا قبل هذا القتل، فحينئذ لا يكون لهذا القتل أثر ألبتة في هذا الوعيد، وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية جارية مجرى ما يقال: إن من يتعمد قتل نفس فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه، لأن القتل العمد لما لم يكن له تأثير في هذا الوعيد جرى مجرى النفس ومجرى سائر الأمور التي لا أثر لها في هذا الوعيد، ومعلوم أن ذلك باطل، وإن كان منشأ هذا الوعيد هو كونه قتلا عمدا فحينئذ يلزم أن يقال: أينما حصل القتل يحصل هذا الوعيد، وحينئذ يسقط هذا السؤال، فثبت بما ذكرنا أن هذا الوجه الذي ارتضاه الواحدي ليس بشيء.

وأما الوجه الثاني: من الوجهين اللذين اختارهما فهو في غاية الفساد لأن الوعيد قسم من أقسام الخبر، فاذا جوز على الله الخلف فيه فقد جوز الكذب على الله، وهذا خطأ عظيم، بل يقرب من أن يكون كفراً، فإن العقلاء أجمعوا على أنه تعالى منزه عن الكذب، ولأنه إذا جوز الكذب على الله في الوعيد لأجل ما قال: إن الخلف في الوعيد كرم، فلم لا يجوز الخلف في القصص والأخبار لغرض المصلحة، ومعلوم أن فتح هذا الباب يفضي إلى الطعن في القرآن وكل الشريعة فثبت أن كل واحد من هذين الوجهين ليس بشيء.

وحكى القفال في تفسيره وجها آخر، هو الجواب وقال: الآية تدل على أن جزاء القتل العمد هو ما ذكر، لكن ليس فيها أنه تعالى يوصل هذا الجزاء إليه أم لا، وقد يقول الرجل لعبده: جزاؤك أن أفعل بك كذا وكذا، إلا أني لا أفعله، وهذا الجواب أيضاً ضعيف لأنه ثبت بهذه الآية أن جزاء القتل العمد هو ما ذكر، وثبت بسائر الآيات أنه تعالى يوصل الجزاء الى المستحقين.

قال تعالى: ﴿ مَن يَعْمَلُ سُوءا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وقال: ﴿ اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ  ﴾ وقال: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ  وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ  ﴾ بل إنه تعالى ذكر في هذه الآية ما يدل على أنه يوصل اليهم هذا الجزاء وهو قوله: ﴿ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ﴾ فإن بيان أن هذا جزاؤه حصل بقوله: ﴿ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا ﴾ فلو كان قوله: ﴿ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ﴾ إخبارا عن الاستحقاق كان تكرارا، فلو حملناه على الاخبار عن أنه تعالى سيفعل لم يلزم التكرار، فكان ذلك أولى.

واعلم أنا نقول: هذه الآية مخصوصة في موضعين: أحدهما: أن يكون القتل العمد غير عدوان كما في القصاص فإنه لا يحصل فيه هذا الوعيد ألبتة.

والثاني: القتل العمد العدوان إذا تاب عنه فانه لا يحصل فيه الوعيد، وإذا ثبت دخول التخصيص فيه في هاتين الصورتين فنحن نخصص هذا العموم فيما إذا حصل العفو بدليل قوله تعالى: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  ﴾ وأيضاً فهذه الآية إحدى عمومات الوعيد، وعمومات الوعد أكثر من عمومات الوعيد، وما ذكره في ترجيح عمومات الوعيد قد أجبنا عنه وبينا أن عمومات الوعد راجحة، وكل ذلك قد ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون  ﴾ المسألة الثانية: نقل عن ابن عباس أنه قال: توبة من أقدم على القتل العمد العدوان غير مقبولة، وقال جمهور العلماء: إنها مقبولة، ويدل عليه وجوه: الحجة الأولى: أن الكفر أعظم من هذا القتل فاذا قبلت التوبة عن الكفر فالتوبة من هذا القتل أولى بالقبول.

الحجة الثانية: قوله تعالى في آخر الفرقان: ﴿ وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا  يُضَٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِۦ مُهَانًا  إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَٰلِحًا فَأُو۟لَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَٰتٍ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا  ﴾ وإذا كانت توبة الآتي بالقتل العمد مع سائر الكبائر المذكورة في هذه الآية مقبولة: فبأن تكون توبة الآتي بالقتل العمد وحده مقبولة كان أولى.

الحجة الثالثة: قوله: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ وعد بالعفو عن كل ما سوى الكفر، فبأن يعفو عنه بعد التوبة أولى، والله أعلم.

تم الجزء العاشر، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الحادي عشر، وأوله قول تعالى: ﴿ عَظِيماً يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ من سورة النساء.

أعان الله على إكماله.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًۭا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌۭ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا ٩٤

قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ ﴾ .

أعلم أن المقصود من هذه الآية المبالغة في تحريم قتل المؤمنين، وأمر المجاهدين بالتثبيت فيه لئلا يسفكوا دماً حراماً بتأويل ضعيف، وهذه المبالغة تدل على أن الآية المتقدمة خطاب مع المؤمنين وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي هنا وكذلك في الحجرات ﴿ فتثبتوا ﴾ من ثبت ثباتاً، والباقون بالنون من البيان، والمعنيان متقاربان، فمن رجح التثبيت قال: إنه خلاف الإقدام، والمراد في الآية التأني وترك العجلة، ومن رجح التبيين قال المقصود من التثبيت التبيين، فكان التبيين أبلغ وأكمل.

المسألة الثانية: الضرب معناه السير فيها بالسفر للتجارة أو الجهاد، وأصله من الضرب باليد، وهو كناية عن الإسراع في السير فإن من ضرب إنساناً كانت حركة يده عند ذلك الضرب سريعة، فجعل الضرب كناية عن الإسراع في السير.

قال الزجاج: ومعنى ﴿ ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ أي غزوتم وسرتم إلى الجهاد.

ثم قال تعالى: ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى السلام لست مؤمناً ﴾ .

أراد الانقياد والاستسلام إلى المسلمين، ومنه قوله: ﴿ وَأَلْقَوْاْ إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم  ﴾ أي استسلموا للأمر، ومن قرأ ﴿ السلام ﴾ بالألف فله معنيان: أحدها: أن يكون المراد السلام الذي يكون هو تحية المسلمين، أي لا تقولوا لمن حياتكم بهذه التحية إنه إنما قالها تعوذاً فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا ماله ولكن كفوا واقبلوا منه ما أظهره.

والثاني: أن يكون المعنى: لا تقولوا لمن اعتزلكم ولم يقتلكم لست مؤمناً، وأصل هذا من السلامة لأن المعتزل طالب للسلامة.

قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ مُؤْمِناً ﴾ بفتح الميم من آمنه أي لا نؤمنك.

المسألة الثالثة: في سبب نزول هذه الآية روايات: الرواية الأولى: أن مرداس بن نهيك رجل من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره، فذهبت سرية الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قومه وأميرهم غالب بن فضالة، فهرب القوم وبقي مرداس لثقته بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل، فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد وساق غنمه، فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد وجداً شديداً وقال: قتلتموه إرادة ما معه، ثم قرأ الآية على أسامة، فقال أسامة يا رسول الله استغفر لي، فقال: فكيف وقد تلا لا إله إلا الله!

قال أسامة فما زال يعيدها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم استغفر لي وقال: أعتق رقبة.

الرواية الثانية: أن القاتل ملحم بن جثامة لقيه عامر بن الأضبط فحياه بتحية الإسلام، وكانت بين ملحم وبينه إحنة في الجاهلية فرماه بسهم فقتله، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «لا غفر الله لك» فما مضت به سبعة أيام حتى مات فدفنوه فلفظته الأرض ثلاث مرات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراد أن يريكم عظم الذنب عنده» ثم أمر أن تلقى عليه الحجارة.

الرواية الثالثة: أن المقداد بن الأسود قد وقعت له مثل واقعة أسامة قال: فقلت يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف ثم لاذ بشجرة، فقال أسلمت لله تعالى أفأقتله يا رسول الله بعد ذلك؟

فقال رسول الله لا تقتله، فقلت يا رسول الله إنه قطع يدي، فقال عليه الصلاة والسلام لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك بعد ما تقتله وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال وعن أبي عبيدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أشرع أحدكم الرمح إلى الرجل فإن كان سنانه عند نقرة نحره فقال لا إله إلا الله فليرفع عنه الرمح».

قال القفال رحمه الله: ولا منافاة بين هذه الروايات فلعلها نزلت عند وقوعها بأسرها، فكان كل فريق يظن أنها نزلت في واقعته، والله أعلم.

المسألة الرابعة: اختلفوا في أن توبة الزنديق هل تقبل أم لا؟

فالفقهاء قبلوها واحتجوا عليه بوجوه: الأول: هذه الآية فإنه تعالى لم يفرق في هذه الآية بين الزنديق وبين غيره بل أوجب ذلك في الكل.

الحجة الثانية: قوله تعالى: ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ وهو عام في جميع أصناف الكفرة.

الحجة الثالثة: أن الزنديق لا شك أنه مأمور بالتوبة، والتوبة مقبولة على الإطلاق لقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ  ﴾ وهذا عام في جميع الذنوب وفي جميع أصناف الخلق.

المسألة الخامسة: إسلام الصبي صحيح عند أبي حنيفة، وقال الشافعي لا يصح.

قال أبو حنيفة دلّت هذه الآية على صحة إسلام الصبي لأن قوله: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام لَسْتَ مُؤْمِناً ﴾ عام في حق الصبي، وفي حق البالغ.

قال الشافعي: لو صح الإسلام منه لوجب، لأنه لو لم يجب لكان ذلك إذناً في الكفر، وهو غير جائز، لكنه غير واجب عليه لقوله عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ» الحديث، والله أعلم.

المسألة السادسة: قال أكثر الفقهاء: لو قال اليهودي أو النصراني: أنا مؤمن أو قال أنا مسلم لا يحكم بهذا القدر بإسلامه، لأن مذهبه أن الذي هو عليه هو الإسلام وهو الإيمان، ولو قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعند قوم لا يحكم بإسلامه، لأنه فيهم من يقول: إنه رسول الله إلى العرب لا إلى الكل، ومنهم من يقول: إن محمداً الذي هو الرسول الحق بعد ما جاء، وسيجيء بعد ذلك، بل لابد وأن يعترف بأن الدين الذي كان عليه باطل وأن الدين الموجود فيما بين المسلمين هو الحق والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ قال أبو عبيدة: جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء، يقال: إن الدنيا عرض حاضر يأخذ منها البر والفاجر، والعرض بسكون الراء ما سوى الدراهم والدنانير، وإنما سمي متاع الدنيا عرضاً لأنه عارض زائل غير باق ومنه يسمي المتكلمون ما خالف الجوهر من الحوادث عرضاً لقلة لبثه، فقوله: ﴿ فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ يعني ثواباً كثيراً، فنبّه تعالى بتسميته عرضاً على كونه سريع الفناء قريب الانقضاء، وبقوله: ﴿ فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ على أن ثواب الله موصوف بالدوام والبقاء كما قال: ﴿ والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وكذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ ﴾ وهذا يقتضي تشبيه هؤلاء المخاطبين بأولئك الذين ألقوا السلم، وليس فيه بيان أن هذا التشبيه فيم وقع، فلهذا ذكر المفسرون فيه وجوهاً: الأول: أن المراد أنكم أول ما دخلتم في الإسلام كما سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة حقنت دماءكم وأموالكم من غير توقيف ذلك على حصول العلم بأن قلبكم موافق لما في لسانكم، فعليكم بأن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر القول، وأن لا تقولوا إن إقدامهم على التكلم بهذه الكلمة لأجل الخوف من السيف، هذا هو الذي اختاره أكثر المفسرين، وفي إشكال لأن لهم أن يقولوا: ما كان إيماننا مثل إيمان هؤلاء، لأنا آمنا عن الطواعية والاختيار، وهؤلاء أظهروا الإيمان تحت ظلال السيوف، فكيف يمكن تشبيه أحدهما بالآخر.

الوجه الثاني: قال سعيد بن جبير: المراد أنكم كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم كما أخفى هذا الداعي إيمانه عن قومه، ثم منَّ الله عليكم بإعزازكم حتى أظهرتم دينكم، فأنتم عاملوهم بمثل هذه المعاملة، وهذا أيضاً فيه إشكال لأن إخفاء الإيمان ما كان عاماً فيهم.

الثالث: قال مقاتل: المراد كذلك كنتم من قبل الهجرة حين كنتم فيما بين الكفار تأمنون من أصحاب رسول الله بكلمة لا إله إلا الله فاقبلوا منهم مثل ذلك، وهذا يتوجه عليه الإشكال الأول، والأقرب عندي أن يقال: إن من ينتقل من دين إلى دين ففي أول الأمر يحدث ميل قليل بسبب ضعيف، ثم لا يزال ذلك الميل يتأكد ويتقوى إلى أن يكمل ويستحكم ويحصل الانتقال، فكأنه قيل لهم: كنتم في أول الأمر إنما حدث فيكم ميل ضعيف بأسباب ضعيفة إلى الإسلام، ثم من الله عليكم بالإسلام بتقوية ذلك الميل وتأكيد النفرة عن الكفر، فكذلك هؤلاء كما حدث فيهم ميل ضعيف إلى الإسلام بسبب هذا الخوف فاقبلوا منهم هذا الإيمان، فإن الله تعالى يؤكد حلاوة الإيمان في قلوبهم يقوي تلك الرغبة في صدورهم، فهذا ما عندي فيه.

ثم قال تعالى: ﴿ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ ﴾ وفيه احتمالان: الأول: أن يكون هذا متعلقاً بقوله: ﴿ كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ ﴾ يعني إيمانكم كان مثل إيمانهم في أنه إنما عرف منه مجرد القول اللساني دون ما في القلب، أو في أنه كان في ابتداء الأمر حاصلاً بسبب ضعيف، ثم منَّ الله عليكم حيث قوي نور الإيمان في قلوبكم وأعانكم على العمل به والمحبة له.

والثاني: أن يكون هذا منقطعاً عن هذا الموضع، ويكون متعلقاً بما قبله، وذلك لأن القوم لما قتلوا من تكلم بلا إله إلا الله، ثم أنه تعالى نهاهم عن هذا الفعل وبين لهم أنه من العظائم قال بعد ذلك ﴿ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ ﴾ أي من عليكم بأن قبل توبتكم عن ذلك الفعل المنكر.

ثم أعاد الأمر بالتبيّين فقال: ﴿ فَتَبَيَّنُواْ ﴾ وإعادة الأمر بالتبيين تدل على المبالغة في التحذير عن ذلك الفعل.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ والمراد منه الوعيد والزجر عن الإظهار بخلاف الإضمار.

<div class="verse-tafsir"

لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةًۭ ۚ وَكُلًّۭا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا ٩٥ دَرَجَـٰتٍۢ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةًۭ وَرَحْمَةًۭ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًا ٩٦

اعلم أن في كيفية النظم وجوهاً: الأول: ما ذكرناه أنه تعالى لما رغب في الجهاد أتبع ذلك بيان أحكام الجهاد.

فالنوع الأول من أحكام الجهاد: تحذير المسلمين عن قتل المسلمين، وبيان الحال في قتلهم على سبيل الخطأ كيف، وعلى سبيل العمد كيف، وعلى سبيل تأويل الخطأ كيف، فلما ذكر ذلك الحكم أتبعه بحكم آخر وهو بيان فضل المجاهد على غيره وهو هذه الآية.

الوجه الثاني: لما عاتبهم الله تعالى على ما صدر منهم من قتل من تكلم بكلمة الشهادة، فلعله يقع في قلبهم أن الأولى الاحتراز عن الجهاد لئلا يقع بسببه في مثل هذا المحذور، فلا جرم ذكر الله تعالى في عقيبه هذه الآية وبيّن فيها فضل المجاهد على غيره إزالة لهذه الشبهة.

الوجه الثالث: أنه تعالى لما عاتبهم على ما صدر منهم من قتل تكلم بالشهادة ذكر عقيبه فضيلة الجهاد، كأنه قيل: من أتى بالجهاد فقد فاز بهذه الدرجة العظيمة عند الله تعالى، فليحترز صاحبها من تلك الهفوة لئلا يخل منصبه العظيم في الدين بسبب هذه الهفوة، والله أعلم وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرئ ﴿ غَيْرُ أُوْلِى الضرر ﴾ بالحركات الثلاث في ﴿ غَيْرِ ﴾ فالرفع صفة لقوله: ﴿ القاعدون ﴾ والمعنى لا يستوي القاعدون المغايرون لأولي الضرر والمجاهدون، ونظيره قوله: ﴿ أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِى الإربة  ﴾ وذكرنا جواز أن يكون ﴿ غَيْرِ ﴾ صفة المعرفة في قوله: ﴿ غَيْرِ المغضوب  ﴾ قال الزجاج: ويجو أن يكون ﴿ غَيْرِ ﴾ رفعاً على جهة الاستثناء، والمعنى لا يستوي القاعدون والمجهدون إلا أولي الضرر فإنهم يساوون المجاهدين، أي الذين أقعدهم عن الجهاد الضرر، والكلام في رفع المستثنى بعد النفي قد تقدم في قوله: ﴿ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ  ﴾ وأما القراءة بالنصب ففيها وجهان.

الأول: أن يكون استثناء القاعدين، والمعنى لا يستوي القاعدون إلا أولي الضرر، وهو اختيار الأخفش.

الثاني: أن يكون نصباً على الحال، والمعنى لا يستوي القاعدون في حال صحتهم، والمجاهدون، كما تقول: جاءني زيد غير مريض، أي جاءني زيد صحيحاً، وهذا قول الزجاج والفرّاء وكقوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلّى الصيد  ﴾ وأما القراءة بالجر فعلى تقدير أن يجعل ﴿ غَيْرِ ﴾ صفة للمؤمنين، فهذا بيان الوجوه في هذه القراءات.

ثم هاهنا بحث آخر: وهو أن الأخفش قال: القراءة بالنصب على سبيل الاستثناء أولى لأن المقصود منه استثناء قوم لم يقدروا على الخروج.

روي في التفسير أنه لما ذكر الله تعالى فضيلة المجاهدين على القاعدين جاء قوم من أولي الضرر فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: حالتنا كما ترى، ونحن نشتهي الجهاد، فهل لنا من طريق؟

فنزل ﴿ غَيْرُ أُوْلِى الضرر ﴾ فاستثناهم الله تعالى من جملة القاعدين.

وقال آخرون: القراءة بالرفع أولى لأن الأصل في كلمة ﴿ غَيْرِ ﴾ أن تكون صفة، ثم أنها وإن كانت صفة فالمقصود والمطلوب من الإستثناء حاصل منها، لأنها في كلتا الحالتين أخرجت أولي الضرر من تلك المفضولية، وإذا كان هذا المقصود حاصلاً على كلا التقديرين وكان الأصل في كلمة ﴿ غَيْرِ ﴾ أن تكون صفة كانت القراءة بالرفع أولى.

المسألة الثانية: الضرر النقصان سواء كان بالعمى أو العرج أو المرض، أو كان بسبب عدم الأهبة.

المسألة الثالثة: حاصل الآية: لا يستوي القاعدون المؤمنون الأصحاء والمجاهدون في سبيل الله، واختلفوا في أن قوله: ﴿ غَيْرُ أُوْلِى الضرر ﴾ هل يدل على أن المؤمنين القاعدين الأضراء يساوون المجاهدين أم لا؟

قال بعضهم: أنه لا يدل لأنا إن حملنا لفظ ﴿ غَيْرِ ﴾ على الصفة وقلنا التخصيص بالصفة لا يدل على نفي الحكم عما عداه لم يلزم ذلك، وإن حملناه على الاستثناء وقلنا الاستثناء من النفي ليس بإثبات لم يلزم أيضاً ذلك، أما إذا حملناه على الاستثناء وقلنا الاستثناء من النفي إثبات لزم القول بالمساواة.

وأعلم أن هذه المساواة في حق الاضراء عند من يقول بها مشروطة بشرط آخر ذكره الله تعالى في سورة التوبة وهو قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى ﴾ إلى قوله: ﴿ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ .

وأعلم أن القول بهذه المساواة غير مستبعد، ويدل عليه النقل والعقل، أما النقل فقوله عليه الصلاة والسلام عند انصرافه من بعض غزواته لقد خلفتم بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم أولئك أقوام حبسهم العذر وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا مرض العبد قال الله عز وجلّ اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ».

وذكر بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَٰهُ أَسْفَلَ سَٰفِلِينَ  إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ  ﴾ أن من صار هرما كتب الله تعالى له أجر ما كان يعمله قبل هرمه غير منقوص من ذلك شيئاً.

وذكروا في تفسير قوله عليه الصلاة والسلام نية المؤمن خير من عمله أن ما ينويه المؤمن من دوامه على الإيمان والأعمال الصالحة لو بقي أبداً خير له من عمله الذي أدركه في مدة حياته، وأما المعقول فهو أن المقصود من جميع الطاعات والعبادات استنارة القلب بنور معرفة الله تعالى، فإن حصل الاستواء فيه للمجاهد والقاعد فقد حصل الاستواء في الثواب، وإن كان القاعد أكثر حظاً من هذا الاستغراق كان هو أكثر ثواباً.

المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: إنه تعالى قال: ﴿ إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم  ﴾ فقدم ذكر النفس على المال، وفي الآية التي نحن فيها وهي قوله: ﴿ المجاهدين بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ ﴾ قدم ذكر المال على النفس، فما السبب فيه؟

وجوابه: أن النفس أشرف من المال، فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيهاً على أن الرغبة فيها أشد، والبائع أخر ذكرها تنبيهاً على أن المضايقة فيها أشد، فلا يرضى ببذلها إلا في آخر المراتب.

وأعلم أنه تعالى لما بيّن أن المجاهدين والقاعدين لا يستويان ثم أن عدم الاستواء يحتمل الزيادة ويحتمل النقصان، لا جرم كشف تعالى عنه فقال: ﴿ فَضَّلَ الله المجاهدين بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً ﴾ وفي انتصاب قوله: ﴿ دَرَجَةً ﴾ وجوه: الأول: أنه يحذف الجار، والتقدير بدرجة فلما حذف الجار وصل الفعل فعمل الثاني: قوله: ﴿ دَرَجَةً ﴾ أي فضيلة، والتقدير: وفضل الله المجاهدين فضيلة كما يقال زيد أكرم عمراً إكراماً والفائدة في التنكير والتفخيم.

الثالث: قوله: ﴿ دَرَجَةً ﴾ نصب على التمييز.

ثم قال: ﴿ وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى ﴾ أي وكلا من القاعدين والمجاهدين فقد وعده الله الحسنى وقال الفقهاء: وفيه دليل على أن فرض الجهاد على الكفاية، وليس على كل واحد بعينه لأنه تعالى وعد القاعدين الحسنى كما وعد المجاهدين، ولو كان الجهاد واجباً على التعيين لما كان القاعد أهلاً لوعد الله تعالى إياه الحسنى.

ثم قال تعالى: ﴿ وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْراً عَظِيماً درجات مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في انتصاب قوله: ﴿ أَجْراً ﴾ وجهان: الأول: انتصب بقوله: ﴿ وَفَضَّلَ ﴾ لأنه في معنى قولهم: آجرهم أجراً، ثم قوله: ﴿ درجات مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ﴾ بدل من قوله: ﴿ أَجْراً ﴾ .

الثاني: انتصب على التمييز و ﴿ درجات ﴾ عطف بيان ﴿ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ﴾ معطوفان على ﴿ درجات ﴾ .

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: إنه تعالى ذكر أولاً ﴿ دَرَجَةً ﴾ ، وهاهنا ﴿ درجات ﴾ ، وجوابه من وجوه: الأول: المراد بالدرجة ليس هو الدرجة الواحدة بالعدد، بل بالجنس، والواحد بالجنس يدخل تحته الكثير بالنوع، وذلك هو الأجر العظيم، والدرجات الرفيعة في الجنة المغفرة والرحمة.

الثاني: أن المجاهد أفضل من القاعد الذي يكون من الأضراء بدرجة، ومن القاعد الذي يكون من الأصحاء بدرجات، وهذا الجواب إنما يتمشى إذا قلنا بأن قوله: ﴿ غَيْرُ أُوْلِى الضرر ﴾ لا يوجب حصول المساواة بين المجاهدين وبين القاعدين الأضراء.

الثالث: فضل الله المجاهدين في الدنيا بدرجة واحدة وهي الغنيمة، وفي الآخرة بدرجات كثيرة في الجنة بالفضل والرحمة والمغفرة.

الرابع: قال في أول الآية ﴿ وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْراً عَظِيماً ﴾ ولا يمكن أن يكون المراد من هذا المجاهد هو المجاهد بالمال والنفس فقط، وإلا حصل التكرار، فوجب أن يكون المراد منه من كان مجاهداً على الإطلاق في كل الأمور، أعني في عمل الظاهر، وهو الجهاد بالنفس والمال والقلب وهو أشرف أنواع المجاهدة، كما قال عليه السلام: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وحاصل هذا الجهاد صرف القلب من الالتفات إلى غير الله إلى الاستغراق في طاعة الله، ولما كان هذا المقام أعلى مما قبله لا جرم جعل فضيلة الأول درجة، وفضيلة هذا الثاني درجات.

المسألة الثالثة: قالت الشيعة: دلّت هذه الآية على أن علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل من أبي بكر، وذلك لأن عليا كان أكثر جهاداً، فالقدر الذي فيه حصل التفاوت كان أبو بكر من القاعدين فيه، وعلي من القائمين، وإذا كان كذلك وجب أن يكون عليّ أفضل منه لقوله تعالى: ﴿ وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْراً عَظِيماً ﴾ فيقال لهم: إن مباشرة علي عليه السلام لقتل الكفار كانت أكثر من مباشرة الرسول لذلك، فليزمكم بحكم هذه الآية أن يكون عليّ أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يقوله عاقل، فإن قلتم إن مجاهدة الرسول مع الكفار كانت أعظم من مجاهدة علي معهم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجاهد الكفار بتقرير الدلائل والبينات وإزالة الشبهات والضلالات، وهذا الجهاد أكمل من ذلك الجهاد، فنقول: فاقبلوا منا مثله في حق أبي بكر، وذلك أن أبا بكر رضي الله عنه لما أسلم في أول الأمر سعى في إسلام سائر الناس حتى أسلم على يده عثمان بن عفان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون، وكان يبالغ في ترغيب الناس في الإيمان وفي الذب عن محمد صلى الله عليه وسلم بنفسه وبماله، وعلي في ذلك الوقت كان صبياً ما كان أحد يسلم بقوله، وما كان قادراً على الذب عن محمد عليه الصلاة والسلام، فكان جهاد أبي بكر أفضل من جهاد علي فإنما ظهر في المدينة في الغزوات، وكان الإسلام في ذلك الوقت قوياً.

والثاني: أن جهاد أبي بكر كان بالدعوة إلى الدين، وأكثر أفاضل العشرة إنما أسلموا على يده، وهذا النوع من الجهاد هو حرفة النبي عليه الصلاة والسلام وأما جهاد علي فإنما كان بالقتل، ولا شك أن الأول أفضل.

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: دلّت الآية على أن نعيم الجنة لا ينال إلا بالعمل لأن التفاوت في العمل لما أوجب التفاوت في الثواب والفضيلة دل ذلك على أن علة الثواب هو العمل، وأيضاً لو لم يكن العمل موجباً للثواب لكان الثواب هبة لا أجراً، لكنه تعالى سماه أجراً، فبطل القول بذلك، فيقال لهم: لم لا يجوز أن يقال: العمل علة الثواب لكن لا لذاته، بل بجعل الشارع ذلك العمل موجباً له.

المسألة الخامسة: قالت الشافعية: دلت الآية على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح، لأنا بينا أن الجهاد فرض على الكفاية بدليل قوله: ﴿ وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى ﴾ ولو كان الجهاد من فروض الأعيان لما كان القاعد عن الجهاد موعوداً من عند الله بالحسنى.

إذا ثبت هذا فنقول: إذا قامت طائفة بالجهاد سقط الفرض عن الباقين، فلو أقدموا عليه كان ذلك من النوافل لا محالة، ثم إن قوله: ﴿ وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْراً عَظِيماً ﴾ يتناول جميع المجاهدين سواء كان جهاده واجباً أو مندوباً، والمشتغل بالنكاح قاعد عن الجهاد، فثبت أن الاشتغال بالجهاد المندوب أفضل من الاشتغال بالنكاح، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓا۟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةًۭ فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا ۚ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ٩٧ إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةًۭ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًۭا ٩٨ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًۭا ٩٩

اعلم أنه تعالى لما ذكر ثواب من أقدم على الجهاد أتبعه بعقاب من قعد عنه ورضي بالسكون في دار الكفر، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الفرّاء: إن شئت جعلت ﴿ توفاهم ﴾ ماضياً ولم تضم تاء مع التاء، مثل قوله: ﴿ إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا  ﴾ وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية إخباراً عن حال أقوام معينين انقرضوا ومضوا، وإن شئت جعلته مستقبلاً، والتقدير: إن الذين تتوفاهم الملائكة، وعلى هذا التقدير تكون الآية عامة في حق كل من كان بهذه الصفة.

المسألة الثانية: في هذا التوفي قولان: الأول: وهو قول الجمهور معناه تقبض أرواحهم عند الموت.

فإن قيل: فعلى هذا القول كيف الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿ الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا  ﴾ ﴿ الذى خَلَقَ الموت والحياة  ﴾ ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ  ﴾ وبين قوله: ﴿ قُلْ يتوفاكم مَّلَكُ الموت الذي وُكّلَ بِكُمْ  ﴾ .

قلنا: خالق الموت هو الله تعالى، والرئيس المفوض إليه هذا العمل هو ملك الموت وسائر الملائكة أعوانه.

القول الثاني: ﴿ توفاهم الملائكة ﴾ يعني يحشرونهم إلى النار، وهو قول الحسن.

المسألة الثالثة: في خبر (إن) وجوه: الأول: أنه هو قوله: قالوا لهم فيم كنتم، فحذف لهم لدلالة الكلام عليه.

الثاني: أن الخبر هو قوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ فيكون (قالوا لهم) في موضع ﴿ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ ﴾ ، لأنه نكرة.

الثالث: أن الخبر محذوف وهو هلكوا، ثم فسّر الهلاك بقوله: ﴿ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ أما قوله تعالى: ﴿ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: ﴿ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ ﴾ في محل النصب على الحال، والمعنى تتوفاهم الملائكة في حال ظلمهم أنفسهم، وهو وإن أضيف إلى المعرفة إلا أنه نكرة في الحقيقة، لأن المعنى على الانفصال، كأنه قيل ظالمين أنفسهم، إلا أنهم حذفوا النون طلباً للخفة، واسم الفاعل سواء أُريد به الحال أو الاستقبال فقد يكون مفصولاً في المعنى وإن كان موصولاً في اللفظ، وهو كقوله تعالى: ﴿ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا  ﴾ ﴿ هَدْياً بالغ الكعبة  ﴾ ﴿ ثَانِىَ عِطْفِهِ  ﴾ فالإضافة في هذه المواضع كلها لفظية لا معنوية.

المسألة الثانية: الظلم قد يراد به الكفر قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ وقد يراد به المعصية ﴿ فَمِنْهُمْ ظالم لّنَفْسِهِ  ﴾ وفي المراد بالظلم في هذه قولان: الأول: أن المراد الذين أسلموا في دار الكفر وبقوا هناك، ولم يهاجروا إلى دار الإسلام.

الثاني: أنها نزلت في قوم من المنافقين كانوا يظهرون الإيمان للمؤمنين خوفاً، فإذا رجعوا إلى قومهم أظهروا لهم الكفر ولم يهاجروا إلى المدينة، فبيّن الله تعالى بهذه الآية أنهم ظالمون لأنفسهم بنفاقهم وكفرهم وتركهم الهجرة.

وأما قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: فيم كنتم من أمر دينكم.

وثانيها: فيم كنتم في حرب محمد أو في حرب أعدائه.

وثالثها: لم تركتم الجهاد ولم رضيتم بالسكون في ديار الكفار؟

ثم قال تعالى: ﴿ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض ﴾ جواباً عن قولهم: ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ وكان حق الجواب أن يقولوا: كنا في كذا، أو لم نكن في شيء.

وجوابه: أن معنى ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا، فقالوا: كنا مستضعفين اعتذاراً عما وبخوا به، واعتلالاً بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة، ثم إن الملائكة لم يقبلوا منهم هذا العذر بل ردوه عليهم فقالوا: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا ﴾ أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم، فبقيتم بين الكفار لا للعجز عن مفارقتهم، بل مع القدرة على هذه المفارقة، فلا جرم ذكر الله تعالى وعيدهم فقال: ﴿ فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً ﴾ .

ثم استثنى تعالى فقال: ﴿ إِلاَّ المستضعفين مِنَ الرجال والنساء والولدان لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ﴾ ونظيره قول الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني *** ويجوز أن يكون ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ في موضع الحال، والمعنى لا يقدرون على حيلة ولا نفقة، أو كان بهم مرض، أو كانوا تحت قهر قاهر يمنعهم من تلك المهاجرة.

ثم قال: ﴿ وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ﴾ أي لا يعرفون الطريق ولا يجدون من يدلهم على الطريق.

روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بهذه الآية إلى مسلمي مكة فقال جندب بن ضمرة لبنيه: احملوني فإني لسيت من المستضعفين، ولا أني لا أهتدي الطريق، والله لا أبيت الليلة بمكة، فحملوه على سرير متوجهاً إلى المدينة، وكان شيخاً كبيراً، فمات في الطريق.

فإن قيل: كيف أدخل الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد، فإن الاستثناء إنما يحسن لو كانوا مستحقين للوعيد على بعض الوجوه؟

قلنا: سقوط الوعيد إذا كان بسبب العحز، والعجز تارة يحصل بسبب عدم الأهبة وتارة بسبب الصبا، فلا جرم حسن هذا إذا أُريد بالولدان الأطفال، ولا يجوز أن يراد المراهقون منهم الذين كملت عقولهم لتوجه التكليف عليهم فيما بينهم وبين الله تعالى، وإن أُريد العبيد والإماء البالغون فلا سؤال.

ثم قال تعالى: ﴿ فَأُوْلَئِكَ عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ وفيه سؤال، وهو أن القوم لما كانوا عاجزين عن الهجرة، والعاجز عن الشيء غير مكلف به، وإذا لم يكن مكلفاً به لم يكن عليه في تركه عقوبة، فلم قال: ﴿ عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ والعفو لا يتصور إلا مع الذنب، وأيضاً ﴿ عَسَى ﴾ كلمة الإطماع، وهذا يقتضي عدم القطع بحصول العفو في حقهم.

والجواب عن الأول: أن المستضعف قد يكون قادراً على ذلك الشيء مع ضرب من المشقة وتمييز الضعف الذي يحصل عنده الرخصة عن الحد الذي لا يحصل عنده الرخصة شاق ومشتبه، فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز عن المهاجرة ولا يكون كذلك، ولا سيما في الهجرة عن الوطن فإنها شاقة على النفس، وبسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزاً مع أنه لا يكون كذلك، ولا سيما في الهجرة عن الوطن فإنها شاقة على النفس، وبسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزاً مع أنه لا يكون كذلك، فلهذا المعنى كانت الحاجة إلى العفو شديدة في هذا المقام.

وأما السؤال الثاني: وهو قوله: ما الفائدة في ذكر لفظة ﴿ عسى ﴾ ههنا؟

فنقول: الفائدة فيها الدلالة على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه، حتى أن المضطر البين الاضطرار من حقه أن يقول: عسى الله أن يعفو عني، فكيف الحال في غيره.

هذاهو الذي ذكره صاحب الكشاف في الجواب عن هذا السؤال، إلا أن الأولى أن يكون الجواب ما قدمناه، وهو أن الإنسان لشدة نفرته عن مفارقة الوطن ربما ظن نفسه عاجزاً عنها مع أنه لا يكون كذلك في الحقيقة، فلهذا المعنى ذكر العفو بكلمة ﴿ عَسَى ﴾ لا بالكلمة الدالة على القطع.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكَانَ الله عَفُوّاً غَفُوراً ﴾ ذكر الزجاج في ﴿ كَانَ ﴾ ثلاثة أوجه: الأول: كان قبل أن خلق الخلق موصوفاً بهذه الصفة.

الثاني: أنه قال: ﴿ كَانَ ﴾ مع أن جميع العباد بهذه الصفة والمقصود بيان أن هذه عادة الله تعالى أجراها في حق خلقه.

الثالث: لو قال: إنه تعالى عفو غفور كان هذا إخباراً عن كونه كذلك فقط، ولما قال إنه كان كذلك كان هذا إخباراً وقع مخبره على وفقه فكان ذلك أدل على كونه صدقاً وحقاً ومبرأ عن الخلف والكذب.

واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يعفو عن الذنب قبل التوبة فإنه لو لم يحصل هاهنا شيء من الذنب لامتنع حصول العفو والمغفرة فيه، فلما أخبر بالعفو والمغفرة دلّ على حصول الذنب، ثم إنه تعالى وعد بالعفو مطلقاً غير مقيد بحال التوبة فيدل على ما ذكرناه.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًۭا كَثِيرًۭا وَسَعَةًۭ ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ١٠٠

واعلم أن ذلك المانع أمران: الأول: أن يكون له في وطنه نوع راحة ورفاهية، فيقول لو فارقت الوطن وقعت في الشدة والمشقة وضيق العيش، فأجاب الله عنه بقوله: ﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأرض مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ﴾ يقال: راغمت الرجل إذا فعلت ما يكرهه ذلك الرجل، واشتقاقه من الرغام وهو التراب، فإنهم يقولون: رغم أنفه، يريدون به أنه وصل إليه شيء يكرهه، وذلك لأن الأنف عضو في غاية العزة والتراب في غاية الذلة، فجعلوا قولهم: رغم أنفه كناية عن الذل.

إذا عرفت هذا فنقول: المشهور أن هذه المراغمة إنما حصلت بسبب أنهم فارقوا وخرجوا عن ديارهم.

وعندي فيه وجه آخر، وهو أن يكون المعنى: ومن يهاجر في سبيل الله إلى بلد آخر يجد في أرض ذلك البلد من الخير والنعمة ما يكون سبباً لرغم أنف أعدائه الذين كانوا معه في بلدته الأصلية وذلك لأن من فارق وذهب إلى بلدة أجنبية فإذا استقام أمره في تلك البلدة الأجنبية، ووصل ذلك الخبر إلى أهل بلدته خجلوا من سوء معاملتهم معه، ورغمت أنوفهم بسبب ذلك، وحمل اللفظ على هذا أقرب من حمله على ما قالوه، والله أعلم.

والحاصل كأنه قيل: يا أيها الإنسان إنك كنت إنما تكره الهجرة عن وطنك خوفاً من أن تقع في المشقة والمحنة في السفر، فلا تخف فإن الله تعالى يعطيك من النعم الجليلة والمراتب العظيمة في مهاجرتك ما يصير سبباً لرغم أنوف أعدائك، ويكون سبباً لسعة عيشك، وإنما قدم في الآية ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش لأن ابتهاج الإنسان الذي يهاجر عن أهله وبلده بسبب شدة ظلمهم عليه بدولته من حيث إنها تصير سبباً لرغم أنوف الأعداء، أشد من ابتهاجه بتلك الدولة من حيث إنها صارت سبباً لسعة العيش عليه.

وأما المانع الثاني من الإقدام على المهاجرة فهو أن الإنسان يقول: إن خرجت عن بلدي في طلب هذا الغرض، فربما وصلت إليه وربما لم أصل إليه، فالأولى أن لا أضيع الرفاهية الحاضرة بسبب طلب شيء ربما أصل إليه، وربما لا أصل إليه، فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله ﴾ والمعنى ظاهر، وفي الآية مسائل.

المسألة الأولى: قال بعضهم: المراد من قصد طاعة الله ثم عجز عن إتمامها، كتب الله له ثواب تمام تلك الطاعة: كالمريض يعجز عما كان يفعله في حال صحته من الطاعة، فيكتب له ثواب ذلك العمل هكذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: ثبت له أجر قصده وأجر القدر الذي أتى به من ذلك العمل، وأما أجر تمام العمل فذلك محال، واعلم أن القول الأول أولى لأنه تعالى إنما ذكر هذه الآية هاهنا في معرض الترغيب في الجهاد، وهو أن من خرج إلى السفر لأجل الرغبة في الهجرة، فقد وجد ثواب الهجرة، ومعلوم أن الترغيب إنما يحصل بهذا المعنى، فأما القول بأن معنى الآية هو أن يصل إليه ثواب ذلك القدر من العمل، فلا يصلح مرغباً، لأنه قد عرف أن كل من أتى بعمل فإنه يجد الثواب المرتب على ذلك القدر من العمل، ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: وإنما لكل امرئ ما نوى وأيضاً ما روي في قصة جندب بن ضمرة، أنه لما قرب موته أخذ يصفق بيمينه على شماله، ويقول: اللّهم هذه لك، وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك عليه رسولك، ثم مات فبلغ خبره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لو توفي بالمدينة لكان خيراً له، فنزلت هذه الآية.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أن العمل يوجب الثواب على الله، لأنه تعالى قال: ﴿ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله ﴾ وذلك يدل على قولنا من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ذكر لفظ الوقوع، وحقيقة الوجوب هي الوقوع والسقوط، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا  ﴾ أي وقعت وسقطت.

وثانيها: أنه ذكر بلفظ الأجر، والأجر عبارة عن المنفعة المستحقة، فأما الذي لا يكون مستحقاً فذاك لا يسمى أجراً بل هبة.

وثالثها: قوله: ﴿ عَلَى الله ﴾ وكلمة ﴿ على ﴾ للوجوب، قال تعالى: ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت  ﴾ والجواب: أننا لا ننازع في الوجوب، لكن بحكم الوعد والعلم والتفضل والكرم، لا بحكم الاستحقاق الذي لو لم يفعل لخرج عن الإلهية، وقد ذكرنا دلائله فيما تقدم.

المسألة الثالثة: استدل قوم بهذه الآية على أن الغازي إذا مات في الطريق وجب سهمه من الغنيمة، كما وجب أجره.

وهذا ضعيف، لأن لفظ الآية مخصوص بالأجر، وأيضاً فاستحقاق السهم من الغنيمة متعلق بحيازتها، إذ لا تكون غنيمة إلا بعد حيازتها، قال تعالى: ﴿ واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَيء  ﴾ والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ أي يغفر ما كان منه من القعود إلى أن يخرج، ويرحمه بإكمال أجر المجاهدة.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ كَانُوا۟ لَكُمْ عَدُوًّۭا مُّبِينًۭا ١٠١

اعلم أن أحد الأمور التي يحتاج المجاهد إليها معرفة كيفية أداء الصلاة في زمان الخوف، والاشتغال بمحاربة العدو؛ فلهذا المعنى ذكره الله تعالى في هذه الآية، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قال يالواحدي: يقال قصر فلان صلاته وأقصرها وقصرها، كل ذلك جائز وقرأ ابن عباس: تقصروا من أقصر، وقرأ الزهري: من قصر، وهذا دليل على اللغات الثلاث.

المسألة الثانية: اعلم أن لفظ القصر مشعر بالتخفيف، لأنه ليس صريحاً في أن المراد هو القصر في كمية الركعات وعددها أو في كيفية أدائها، فلا جرم حصل في الآية قولان: الأول: أن المراد منه صلاة المسافر، وهو أن كل صلاة تكون في الحضر أربع ركعات، فإنها تصير في السفر ركعتين، فعلى هذا القصر إنما يدخل في صلاة الظهر والعصر والعشاء، أما المغرب والصبح، فلا يدخل فيهما القصر.

الثاني: أنه ليس المراد بهذه الآية صلاة السفر، بل صلاة الخوف، وهو قول ابن عباس وجابر بن عبدالله وجماعة، قال ابن عباس: فرض الله صلاة الحضر أربعاً، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة على لسان نبيّكم محمد صلى الله عليه وسلم، فهذان القولان متفرعان على ما إذا قلنا: المراد من القصر تقليل الركعات.

القول الثاني: أن المراد من القصر إدخال التخفيف في كيفية أداء الركعات، وهو أن يكتفي في الصلاة بالإيماء والإشارة بدل الركوع والسجود، وأن يجوز المشي في الصلاة، وأن تجوز الصلاة عند تلطخ الثوب بالدم، وذلك هو الصلاة التي يؤتى بها حال شدة التحام القتال، وهذا القول يروى عن ابن عباس وطاوس.

واحتج هؤلاء على صحة هذا القول بأن خوف الفتنة من العدو لا يزول فيما يؤتى بركعتين على إتمام أوصافهما، وإنما ذلك فيما يشتد فيه الخوف في حال التحام القتال، وهذا ضعيف، لأنه يمكن أن يقال: إن صلاة المسافر إذا كانت قليلة الركعات، فيمكنه أن يأتي بها على وجه لا يعلم خصمه بكونه مصلياً، أما إذا كثرت الركعات طالت المدة ولا يمكنه أن يأتي بها على حين غفلة من العدو.

واعلم أن وجه الاحتمال ما ذكرنا، وهو أن القصر مشعر بالتخفيف، والتخفيف كما يحصل بحذف بعض الركعات فكذلك يحصل بأن يجعل الإيماء والإشارة قائماً مقام الركوع والسجود.

واعلم أن حمل لفظ القصر على إسقاط بعض الركعات أولى، ويدل عليه وجوه: الأول: ما روي عن يعلى بن أمية أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، كيف نقصر وقد أمنا، وقد قال الله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ ﴾ فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» وهذا يدل على القصر المذكور في الآية هو القصر في عدد الركعات، وأن ذلك كان مفهوماً عندهم من معنى الآية.

الثاني: أن القصر عبارة عن أن يؤتي ببعض الشيء، ويقتصر عليه، فأما أن يؤتى بشيء آخر، فذلك لا يسمى قصراً، ولا اقتصاراً، ومعلوم أن إقامة الإيماء مقام الركوع والسجود، وتجويز المشي في الصلاة وتجويز الصلاة مع الثوب الملطخ بالدم، ليس شيء من ذلك قصراً، بل كلها إثبات لأحكام جديدة وإقامة لشيء مقام شيء آخر، فكان تفسير القصر بما ذكرنا أولى.

الثالث: أن ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ مِنَ الصلاة ﴾ للتبعيض، وذلك يوجب جواز الاقتصار على بعض الصلاة، فثبت بهذه الوجوه أن تفسير القصر بإسقاط بعض الركعات أولى من تفسيره بما ذكروه من الإيماء والإشارة.

الرابع: أن لفظ القصر كان مخصوصاً في عرفهم بنقص عدد الركعات، ولهذا المعنى لما صلّى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين، قال ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت؟

الخامس: أن القصر بمعنى تغير الصلاة مذكور في الآية التي بعد هذه الآية، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية بيان القصر بمعنى الركعات، لئلا يلزم التكرار، والله أعلم.

المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه الله: القصر رخصة، فإن شاء المكلف أتم، وإن شاء اكتفى على القصر، وقال أبو حنيفة: القصر واجب، فإن صلّى المسافر أربعاً ولم يقعد في الثنتين فسدت صلاته، وإن قعد بينهما مقدار التشهد تمت صلاته، واحتج الشافعي رحمه الله على قوله بوجوه: الأول: أن ظاهر قوله تعالى: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة ﴾ مشعر بعدم الوجوب، فإنه لا يقال ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ﴾ في أداء الصلاة الواجبة، بل هذا اللفظ إنما يذكر في رفع التكليف بذلك الشيء، فأما إيجابه على التعيين فهذا اللفظ غير مستعمل فيه، أما أبو بكر الرازي فأجاب عنه بأن المراد من القصر في هذه الآية لا تقليل الركعات، بل تخفيف الأعمال.

وأعلم أنا بيّنا بالدليل أنه لا يجوز حمل الآية على ما ذكره، فسقط هذا العذر.

وذكر صاحب الكشاف وجهاً آخر فيه، فقال: إنهم لما ألفوا الاتمام، فربما كان يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر، فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر، فيقال له: هذا الاحتمال إنما يخطر ببالهم إذا قال الشارع لهم: رخصت لكم في هذا القصر، أما إذا قال: أوجبت عليكم هذا القصر، وحرمت عليكم الاتمام، وجلعته مفسداً لصلاتكم، فهذا الاحتمال مما لا يخطر ببال عاقل أصلاً، فلا يكون هذا الكلام لائقاً به.

الحجة الثانية: ما روي أن عائشة رضي الله عنها قالت: اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فلما قدمت مكة قلت يا رسول الله: بأبي أنت وأمي، قصرت وأتممت وصمت وأفطرت، فقال: أحسنت يا عائشة وما عاب علي، وكان عثمان يتم ويقصر، وما ظهر إنكار من الصحابة عليه.

الحجة الثالثة: أن جميع رخص السفر شرعت على سبيل التجويز، لا على سبيل التعيين جزماً فكذا هاهنا، واحتجوا بالأحاديث منها ما روى عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال فيه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته فظاهر الأمر للوجوب، وعن أبي عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسافراً صلّى ركعتين.

والجواب: أن هذه الأحاديث تدل على كون القصر مشروعاً جائزاً، إلا أن الكلام في أنه هل يجوز غيره؟

ولما دل لفظ القرآن على جواز غيره كان القول به أولى، والله أعلم.

المسألة الرابعة: قال بعضهم: صلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر، ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر.

وأعلم أن لفظ الآية يبطل هذا، وذلك لأنا بينا أن المراد من القصر المذكور في الآية تخفيف الركعات، ولو كان الأمر ما ذكروه لما كان هذا قصراً في صلاة السفر، بل كان ذلك زيادة في صلاة الحضر، والله أعلم.

المسألة الخامسة: زعم داود وأهل الظاهر أن قليل السفر وكثيره سواء في جواز الرخصة وزعم جمهور الفقهاء أن السفر ما لم يقدر بمقدار مخصوص لم يحصل فيه الرخصة.

احتج أهل الظاهر بالآية فقالوا: إن قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة ﴾ جملة مركبة من شرط، وجزاء الشرط هو الضرب في الأرض، والجزاء هو جواز القصر، وإذا حصل الشرط وجب أن يترتب عليه الجزاء سواء كان الشرط الذي هو السفر طويلاً أو قصيراً، أقصى ما في الباب أن يقال: فهذا يقتضي حصول الرخصة عند انتقال الإنسان من محلة إلى محلة، ومن دار إلى دار، إلا أنّا نقول: الجواب عنه من وجهين: الأول: أن الانتقال من محلة إلى محلة إن لم يسم بأنه ضرب في الأرض، فقد زال الاشكال، وإن سمي بذلك فنقول: أجمع المسلمون على أنه غير معتبر، فهذا تخصيص تطرق إلى هذا النص بدلالة الإجماع، والعام بعد التخصيص حجة، فوجب أن يبقى النص معتبراً في السفر، سواء كان قليلاً أو كثيراً.

والثاني: أن قوله: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرض ﴾ يدل على أنه تعالى جعل الضرب في الأرض شرطاً لحصول هذه الرخصة، فلو كان الضرب في الأرض اسماً لمطلق الانتقال لكان ذلك حاصلاً دائماً، لأن الإنسان لا ينفك طول عمره من الانتقال من الدار إلى المسجد، ومن المسجد إلى السوق، وإذا كان حاصلاً دائماً امتنع جعله شرطاً لثبوت هذا الحكم، فلما جعل الله الضرب في الأرض شرطاً لثبوت هذا الحكم علمنا أنه مغاير لمطلق الانتقال وذلك هو الذي يسمى سفراً ومعلوم أن اسم السفر واقع على القريب وعلى البعيد، فعلمنا دلالة الآية على حصول الرخصة في مطلق السفر، أما الفقهاء فقالوا: أجمع السلف على أن أقل السفر مقدر، قالوا: والذي يدل عليه أنه حصل في المسألة روايات: فالرواية الأولي: ما روي عن عمر أنه قال: يقصر في يوم تام، وبه قال الزهري والأوزاعي.

الثانية: قال ابن عباس: إذا زاد على يوم وليلة قصر.

والثالثة: قال أنس بن مالك: المعتبر خمس فراسخ.

الرابعة: قال الحسن: مسيرة ليلتين.

الخامسة: قال الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير: من الكوفة إلى المداين، وهي مسيرة ثلاثة أيام، وهو قول أبي حنيفة.

وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه إذا سافر إلى موضع يكون مسيرة يومين وأكثر اليوم الثالث جاز القصر، وهكذا رواه ابن سماعة عن أبي يوسف ومحمد.

السادسة: قال مالك والشافعي: أربعة برد كل بريد أربعة فراسخ، كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قدر أميال البادية كل ميل إثنا عشر ألف قدم، وهي أربعة آلاف خطوة، فإن كل ثلاثة أقدام خطوة قال الفقهاء: فاختلاف الناس في هذه الأقوال يدل على انعقاد الإجماع على أن الحكم غير مربوط بمطلق السفر، قال أهل الظاهر: اضطراب الفقهاء في هذه الأقاويل، يدل على أنهم لم يجدوا في المسألة دليلاً قوياً في تقدير المدة، إذ لو حصل في المسألة دليل ظاهر الدلالة لما حصل هذا الاضطراب، وأما سكوت سائر الصحابة عن حكم هذه المسألة فلعله إنما كان لأنهم اعتقدوا أن هذه الآية دالة على ارتباط الحكم بمطلق السفر، فكان هذا الحكم ثابتاً في مطلق السفر بحكم هذه الآية، وإذا كان الحكم مذكوراً في نص القرآن لم يكن بهم حاجة إلى الاجتهاد والاستنباط، فلهذا سكتوا عن هذه المسألة.

وأعلم أن أصحاب أبي حنيفة عولوا في تقدير المدة بثلاثة أيام على قوله عليه الصلاة والسلام يمسح المسافر ثلاثة أيام، وهذا يقتضي أنه إذا لم يحصل المسح ثلاثة أيام أن لا يكون مسافراً، وإذا لم يكن مسافراً لم يحصل الرخص المشروعة في السفر، وأما أصحاب الشافعي رضي الله عنه فإنهم عولوا على ما روى مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد، من مكة إلى عسفان»، قال أهل الظاهر: الكلام عليه من وجوه: الأول: أنه بناء على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وهو عندنا غير جائز لوجهين: الأول: إن القرآن وخبر الواحد مشتركان في دلالة لفظ كل واحد منهما على الحكم، والقرآن مقطوع المتن، والخبر مظنون المتن، فكان القرآن أقوى دلالة من الخبر، فترجيح الضعيف على القوي لا يجوز.

والثاني: أنه روي في الخبر أنه عليه الصلاة والسلام قال: إذا روي حديث عني فاعرضوه على كتاب الله تعالى فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردوه دلّ هذا الخبر على أن كل خبر ورد على مخالفة كتاب الله تعالى فهو مردود، فهذا الخبر لما ورد على مخالفة عموم الكتاب وجب أن يكون مردوداً.

الوجه الثاني: في دفع هذه الأخبار، وهو أنها أخبار آحاد وردت في واقعة تعم الحاجة إلى معرفة حكمها فوجب كونها مردودة، إنما قلنا: إن الحاجة إليها عامة لأن أكثر الصحابة كانوا في أكثر الأوقات في السفر وفي الغزو، فلما كانت رخص السفر مخصوصة بسفر مقدر، كانت الحاجة إلى مقدار السفر المفيد للرخص حاجة عامة في حق المكلفين، ولو كان الأمر كذلك لعرفوها ولنقلوها نقلاً متواتراً، لا سيما وهو على خلاف ظاهر القرآن، فلما لم يكن الأمر كذلك علمنا أن هذه أخبار ضعيفة مردودة، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يجوز ترك ظاهر القرآن بسببها.

الثالث: أن دلائل الشافعية ودلائل الحنفية صارت متقابلة متدافعة، وإذا تعارضت تساقطت، فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن، هذا تمام الكلام في هذا الموضع.

والذي عندي في هذا الباب أن يقال: إن كلمة (إذا) وكلمة (إن) لا يفيدان إلا كون الشرط مستعقباً لذلك الجزاء في جميع الأوقات فهذا غير لازم، بدليل أنه إذا قال لامرأته: إن دخلت الدار، أو إذا دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت مرة وقع الطلاق، وإذا دخلت الدار ثانياً لا يقع وهذا يدل على أن كلمة (إذا) وكلمة (إن) لا يفيدان العموم البتة، وإذا ثبت هذا سقط استدلال أهل الظاهر بالآية، فإن الآية لا تفيد إلا أن الضرب في الأرض يستعقب مرة واحدة هذه الرخص وعندنا الأمر كذلك فيما إذا كان السفر طويلاً، فأما السفر القصير فإنما يدخل تحت الآية لو قلنا أن كلمة (إذا) للعموم، ولما ثبت أنه ليس الأمر كذلك فقط سقط هذا الاستدلال، وإذا ثبت هذا ظهر أن الدلائل التي تمسك بها المجتهدون بمقدار معين ليست واقعة على خلاف ظاهر القرآن فكانت مقبولة صحيحة، والله أعلم.

المسألة السادسة: زعم داود وأهل الظاهر أن جواز القصر مخصوص بحال الخوف.

واحتجوا بأنه تعالى أثبت هذا الحكم مشروطاً بالخوف، وهو قوله: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ ﴾ والمشروط بالشيء عدم عند عدم ذلك الشرط، فوجب أن لا يحصل جواز القصر عند الأمن.

قالوا: ولا يجوز رفع هذا الشرط بخبر من أخبار الآحاد، لأنه يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه لا يجوز، ولقد صعب هذا الكلام على قوله ذكروا فيه وجوهاً متكلفة في الآية ليتخلصوا عن هذا الكلام.

وعندي أنه ليس في هذا غموض، وذلك لأنا بينا في تفسير قوله تعالى: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ  ﴾ أن كلمة (إن) وكلمة (إذا) يفيدان أن عند حصول الشرط يحصل المشروط، ولا يفيدان أن عند عدم الشرط يلزم عدم المشروط، واستدللنا على صحة هذا الكلام بآيات كثيرة، وإذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿ إِنْ خِفْتُمْ ﴾ يقتضي أن عند حصول الخوف تحصل الرخصة، ويقتضي أن عند عدم الخوف لا تحصل الرخصة، وإذا كان كذلك كانت الآية ساكتة عن حال الأمن بالنفي وبالإثبات، وإثبات الرخصة حال الأمن بخبر الواحد يكون إثباتاً لحكم سكت عنه القرآن بخبر الواحد، وذلك غير ممتنع، إنما الممتنع إثبات الحكم بخبر الواحد على خلاف ما دلّ عليه القرآن، ونحن لا نقول به.

فإن قيل: فعلى هذا لما كان هذا الحكم ثابتاً حال الأمن وحال الخوف، فما الفائدة في تقييده بحال الخوف؟

قلنا: إن الآية نزلت في غالب أسفار النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثرها لم يخل عن خوف العدو، فذكر الله هذا الشرط من حيث أنه هو الأغلب في الوقوع، ومن الناس من أجاب عنه بأن القصر المذكور في الآية المراد منه الاكتفاء بالإيماء والإشارة بدلاً عن الركوع والسجود، وذلك هو الصلاة حال شدة الخوف، ولا شك أن هذه الصلاة مخصوصة بحال الخوف، فإن وقت الأمن لا يجوز الإتيان بهذه الصلاة، ولا تكون محرمة ولا صحيحة، والله أعلم.

ثم يقال لأهل الظاهر: إن ظاهر هذه الآية يقتضي أن لا يجوز القصر إلا عند حصول الخوف الحاصل من فتنة الكفار، وأما لو حصل الخوف بسبب آخر وجب أن لا يجوز القصر، فإن التزموا ذلك سلموا من الطعن، إلا أنه بعيد، وإن لم يلتزموه توجه النقص عليهم، لأنه تعالى قال: ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ ﴾ وذلك يقتضي أن الشرط هو هذا الخوف المخصوص، ولهم أن يقولوا: إما أن يقال: حصل إجماع الصحابة والأمة على أن مطلق الخوف كاف، أو لم يحصل الإجماع، فإن حصل الإجماع فنقول: خالفنا ظاهر القرآن بدلالة الإجماع، وهو دليل قاطع فلم تجز مخالفته بدليل ظني، وإن لم يحصل الإجماع فقد زال السؤال، لأنا نلتزم أنه لا يجوز القصر إلا مع هذا الخوف المخصوص، والله أعلم.

أما قوله: ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ ﴾ ففي تفسير هذه الفتنة قولان: الأول: خفتم أن يفتنوكم عن إتمام الركوع والسجود في جميعها.

الثاني: إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا بعداوتهم، والحاصل أن كل محنة وبلية وشدة فهي فتنة.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الكافرين كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً ﴾ والمعنى أن العداوة الحاصلة بينكم وبين الكافرين قديمة، والآن قد أظهرتم خلافهم في الدين وازدادت عداوتهم، وبسبب شدة العداوة أقدموا على محاربتكم وقصد إتلافكم إن قدروا، فإن طالت صلاتكم فربما وجدوا الفرصة في قتلكم، فعلى هذا رخصت لكم في قصر الصلاة، وإنما قال: ﴿ عَدُوّا ﴾ ولم يقل أعداء، لأن العدو يستوي فيه الواحد والجمع، قال تعالى: ﴿ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى إِلاَّ رَبَّ العالمين  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌۭ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوٓا۟ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا۟ فَلْيَكُونُوا۟ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا۟ فَلْيُصَلُّوا۟ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا۟ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةًۭ وَٰحِدَةًۭ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًۭى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓا۟ أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا۟ حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا ١٠٢ فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ قِيَـٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ۚ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰبًۭا مَّوْقُوتًۭا ١٠٣

أعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية المتقدمة حال قصر الصلاة بحسب الكمية في العدد، بيّن في هذه الآية حالها في الكيفية، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو يوسف والحسن بن زياد: صلاة الخوف كانت خاصة للرسول صلى الله عليه وسلم ولا تجوز لغيره، وقال المزني: كانت ثابتة ثم نسخت.

واحتج أبو يوسف على قوله بوجهين: الأول: أن قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة ﴾ ظاهره يقتضي أن إقامة هذه الصلاة مشروطة بكون النبي صلى الله عليه وسلم فيهم، لأن كلمة إذا تفيد الاشتراط الثاني: أن تغيير هيئة الصلاة أمر على خلاف الدليل، إلا أنا جوزنا ذلك في حق الرسول صلى الله عليه وسلم لتحصل للناس فضيلة الصلاة خلفه، وأما في حق غير الرسول عليه الصلاة والسلام فهذا المعنى غير حاصل، لأن فضيلة الصلاة خلف الثاني كهي خلف الأول، فلا يحتاج هناك إلى تغيير هيئة الصلاة، وأما سائر الفقهاء فقالوا: لما ثبت هذا الحكم في حق النبي صلى الله عليه وسلم بحكم هذه الآية وجب أن يثبت في حق غيره لقوله تعالى: ﴿ واتبعوه  ﴾ ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ  ﴾ لم يوجب كون الرسول صلى الله عليه وسلم مخصوصاً به دون غيره من الأمة بعده، وأما التمسك بإدراك فضيلة الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم فليس يجوز أن يكون علة لإباحة تغيير الصلاة، لأنه لا يجوز أن يكون طلب الفضيلة يوجب ترك الفرض، فاندفع هذا الكلام، والله أعلم.

المسألة الثانية: شرح صلاة الخوف هو أن الإمام يجعل القوم طائفتين ويصلي بهم ركعة واحدة، ثم إذا فرغوا من الركعة فكيف يصنعون؟

فيه أقوال: الأول: أن تلك الطائفة يسلمون من الركعة الواحدة ويذهبون إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى ويصلي بهم الإمام ركعة أخرى ويسلم، وهذا مذهب من يرى أن صلاة الخوف للإمام ركعتان، وللقوم ركعة، وهذا مروي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد.

الثاني: أن الإمام يصلي بتلك الطائفة ركعتين ويسلم، ثم تذهب تلك الطائفة إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي الإمام بهم مرة أخرى ركعتين، وهذا قول الحسن البصري.

الثالث: أن يصلي الإمام مع الطائفة الأولى ركعة تامة، ثم يبقى الإمام قائماً في الركعة الثانية إلى أن تصلي هذه الطائفة ركعة أخرى، ويتشهدون ويسلمون ويذهبون إلى وجه العدو، ثم تأتي الطائفة الثانية ويصلون مع الإمام قائماً في الركعة الثانية ركعة، ثم يجلس الإمام في التشهد إلى أن تصلي الطائفة الثانية الركعة الثانية، ثم يسلم الإمام بهم، وهذا قول سهل بن أبي حثمة ومذهب الشافعي.

الرابع: أن الطائفة الأولى يصلي الإمام بهم ركعة ويعودون إلى وجه العدو، وتأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم بقية الصلاة وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تعود الطائفة الأولى فيقضون بقية صلاتهم بقراءة وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تعود الطائفة الثانية فيقضون بقية صلاتهم بقراءة، والفرق أن الطائفة الأولى أدركت أول الصلاة، وهم في حكم من خلف الإمام، وأما الثانية فلم تدرك أول الصلاة، والمسبوق فيما يقضي كالمنفرد في صلاته، وهذا قول عبد الله بن مسعود، ومذهب أبي حنيفة.

وأعلم أنه وردت الروايات المختلفة بهذه الصلاة، فلعله صلى الله عليه وسلم صلى بهم هذه الصلاة في أوقات مختلفة بحسب المصلحة، وإنما وقع الاختلاف بين الفقهاء في أن الأفضل والأشد موافقة لظاهر الآية أي هذه الأقسام، أما الواحدي رحمه الله فقال: الآية مخالفة للروايات التي أخذ بها أبو حنيفة، وبين ذلك من وجهين: الأول: أنه تعالى قال: ﴿ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ ﴾ وهذا يدل على أن الطائفة الأولى قد صلّت عند إتيان الثانية، وعند أبي حنيفة ليس الأمر كذلك، لأن الطائفة الثانية عنده تأتي والأولى بعد في الصلاة وما فرغوا منها.

الثاني: أن قوله: ﴿ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ ﴾ ظاهره يدل على أن جميع صلاة الطائفة الثانية مع الإمام لأن مطلق قولك: صليت مع الإمام يدل على أنك أدركت جميع الصلاة معه، وعلى قول أبي حنيفة ليس الأمر كذلك، وأما أصحاب أبي حنيفة فقالوا: الآية مطابقة لقولنا، لأنه تعالى قال: ﴿ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ ﴾ وهذا يدل عى أن الطائفة الأولى لم يفرغوا من الصلاة، ولكنهم يصلون ركعة ثم يكونون من وراء الطائفة الثانية للحراسة، وأجاب الواحدي عنه فقال: هذا إنما يلزم إذا جعلنا السجود والكون من ورائكم لطائفة واحدة، وليس الأمر كذلك، بل هو لطائفتين السجود للأولى، والكون من ورائكم الذي بمعنى الحراسة للطائفة الثانية والله أعلم.

ولنرجع إلى تفسير الآية فنقول: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ ﴾ أي وإذا كنت أيها النبي مع المؤمنين في غزواتهم وخوفهم ﴿ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة فَلْتَقُمْ طائفة منهم معك ﴾ والمعنى فاجعلهم طائفتين، فلتقم منهم طائفة معك فصل بهم وليأخذوا أسلحتهم، والضمير إما للمصلين وإما لغيرهم، فإن كان للمصلين فقالوا: يأخذون من السلاح ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر، وذلك لأن ذلك أقرب إلى الاحتياط وأمنع للعدو من الإقدام عليهم، وإن كان لغير المصلين فلا كلام فيه.

ويحتمل أن يكون ذلك أمراً للفريقين بحمل السلاح لأن ذلك أقرب إلى الاحتياط.

ثم قال: ﴿ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ ﴾ يعني غير المصلين ﴿ مِن وَرَائِكُمْ ﴾ يحرسونكم، وقد ذكرنا أن أداء الركعة الأولى مع الإمام في صلاة الخوف كهو في صلاة الأمن، إنما التفاوت يقع في أداء الركعة الثانية فيه، وقد ذكرنا مذاهب الناس فيها.

ثم قال: ﴿ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ ﴾ وقد بينا أن هذه الآية دالة على صحة قول الشافعي.

ثم قال: ﴿ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾ والمعنى أنه تعالى جعل الحذر وهو التحذر والتيقظ آلة يستعملها الغازي، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ وجعلا مأخوذين.

قال الواحدي رحمه الله: وفيه رخصة للخائف في الصلاة بأن يجعل بعض فكره في غير الصلاة.

فإن قيل: لم ذكر في الآية الأولى ﴿ أَسْلِحَتَهُمْ ﴾ فقط، وذكر في هذه الآية حذرهم وأسلحتهم.

قلنا: لأن في أول الصلاة قلما يتنبه العدو لكون المسلمين في الصلاة، بل يظنون كونهم قائمين لأجل المحاربة أما في الركعة الثانية فقد ظهر للكفار كونهم في الصلاة، فهاهنا ينتهزون الفرصة في الهجوم عليهم، فلا جرم خص الله تعالى هذا الموضع بزيادة تحذير فقال: ﴿ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَدَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتَهُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً واحدة ﴾ أي بالقتال.

عن ابي عباس وجابر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى بأصحابه الظهر، ورأى المشركون ذلك، فقالوا بعد ذلك: بئسما صنعنا حيث لم نقدم عليهم، وعزموا على ذلك عند الصلاة الأخرى، فأطلع الله نبيّه صلى الله عليه وسلم على أسرارهم بهذه الآية.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ ﴾ والمعنى أنه إن تعذر حمل السلاح إما لأنه يصيبه بلل المطر فيسود وتفسد حدته، أو لأن من الأسلحة ما يكون مبطناً فيثقل على لابسه إذا ابتل بالماء، أو لأجل أن الرجل كان مريضاً فيشق عليه حمل السلاح، فهاهنا له أن يضع حمل السلاح.

ثم قال: ﴿ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ والمعنى أنه لما رخص لهم في وضع السلاح حال المطر وحال المرض أمرهم مرة أخرى بالتيقظ والتحفظ والمبالغة في الحذر، لئلا يجترئ العدو عليهم احتيالاً في الميل عليهم واستغناماً منهم لوضع المسلمين أسلحتهم، وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن قوله في أول الآية ﴿ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ ﴾ أمر، وظاهر الأمر للوجوب، فيقتضي أن يكون أخذ السلاح واجباً ثم تأكد هذا بدليل آخر، وهو أنه قال: ﴿ ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم ﴾ فخص رفع الجناح في وضع السلاح بهاتين الحالتين، وذلك يوجب أن فيما وراء هاتين الحالتين يكون الإثم والجناح حاصلاً بسبب وضع السلاح.

ومنهم من قال: إنه سنة مؤكدة، والأصح ما بيناه ثم الشرط أن لا يحمل سلاحاً نجساً إن أمكنه، ولا يحمل الرمح إلا في طرف الصف، وبالجملة بحيث لا يتأذى به أحد.

المسألة الثانية: قال أبو على الجرجاني (صاحب النظم): قوله تعالى: ﴿ وخذوا حذركم ﴾ يدل على أنه كان يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي بصلاة الخوف على جهة يكون بها حاذراً غير غافل عن كيد العدو.

والذي نزل به القرآن في هذا الموضع هو وجه الحذر، لأن العدو يومئذ بذات الرقاع كان مستقبل القبلة، فالمسلمون كانوا مستدبرين القبلة، ومتى استقبلوا القبلة صاروا مستدبرين لعدوهم، فلا جرم أمروا بأن يصيروا طائفتين: طائفة في وجه العدو، وطائفة مع النبي عليه الصلاة والسلام مستقبل القبلة، وأما حين كان النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان وببطن نخل فإنه لم يفرق أصحابه طائفتين، وذلك لأن العدو كان مستدبر القبلة، والمسلمون كانوا مستقبلين لها، فكانوا يرون العدو حال كونهم في الصلاة فلم يحتاجوا إلى الاحتراس إلا عند السجود، فلا جرم لما سجد الصف الأول بقي الصف الثاني يحرسونهم، فلما فرغوا من السجود وقاموا تأخروا وتقدم الصف الثاني وسجدوا وكان الصف الأول حال قيامهم يحرسون الصف الثاني، فثبت بما ذكرنا أن قوله تعالى: ﴿ خُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ يدل على جواز هذه الوجوه؛ والذي يدل على أن المراد من هذه الآية ما ذكرناه أنا لو لم نحملها على هذا الوجه لصار تكراراً محضاً من غير فائدة، ولوقع فعل الرسول بعسفان وببطن نخل على خلاف نص القرآن وإنه غير جائز، والله أعلم.

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: إن الله تعالى أمر بالحذر، وذلك يدل على كون العبد قادراً على الفعل وعلى الترك وعلى جميع وجوه الحذر، وذلك يدل على أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله تعالى، وجوابه ما تقدم من المعارضة بالعلم والداعي، والله أعلم.

المسألة الرابعة: دلت الآية على وجوب الحذر عن العدو، فيدل على وجوب الحذر عن جميع المضار المظنونة، وبهذا الطريق كان الإقدام على العلاج بالدواء والعلاج باليد والاحتراز عن الوباء وعن الجلوس تحت الجدار المائل واجباً والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ وفيه سؤال، أنه كيف طابق الأمر بالحذر قوله: ﴿ إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ وجوابه: أنه تعالى لما أمر بالحذر عن العدو أوهم ذلك قوة العدو وشدتهم، فأزال الله تعالى هذا الوهم بأن أخبر أنه يهينهم ويخذلهم ولا ينصرهم البتة حتى يقوي قلوب المسلمين ويعلموا أن الأمر بالحذر ليس لما لهم من القوة والهيبة، وإنما هو لأجل أن يحصل الخوف في قلب المؤمنين، فحينئذ يكونون متضرعين إلى الله تعالى في أن يمدهم بالنصر والتوفيق، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة فاذكروا الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِكُمْ ﴾ وفيه قولان: الأول: فإذا قضيتم صلاة الخوف فواظبوا على ذكر الله في جميع الأحوال، فإن ما أنتم عليه من الخوف والحذر مع العدو جدير بالمواظبة على ذكر الله والتضرع إليه.

الثاني: أن المراد بالذكر الصلاة، يعني صلوا قياماً حال اشتغالكم بالمسابقة والمقارعة، وقعوداً حال اشتغالكم بالرمي، وعلى جنوبكم حال ما تكثر الجراحات فيكم فتسقطون على الأرض، فإذا اطمأننتم حين تضع الحرب أوزارها فأقيموا الصلاة، فاقضوا ما صليتم في حال المسابقة.

هذا ظاهر على مذهب الشافعي في إيجاب الصلاة على المحارب في حال المسابقة إذا حضر وقتها، وإذا اطمأنوا فعليهم القضاء إلا أن على هذا القول إشكالاً، وهو أن يصير تقدير الآية: فإذا قضيتم الصلاة فصلوا، وذلك بعيد لأن حمل لفظ الذكر على الصلاة مجاز فلا يصار إليه إلا لضرورة.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِذَا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ﴾ واعلم أن هذه الآية مسبوقة بحكمين: أولهما: بيان القصر وهو صلاة السفر، والثاني: صلاة الخوف، ثم إن قوله: ﴿ فَإِذَا اطمأننتم ﴾ يحتمل نقيض الأمرين، فيحتمل أن يكون المراد من الاطمئنان أن لا يبقى الإنسان مسافراً بل يصير مقيماً، وعلى هذا التقدير يكون المراد: فإذا صرتم مقيمين فأقيموا الصلاة تامة من غير قصر ألبتة، ويحتمل أن يكون المراد من الاطمئنان أن لا يبقى الإنسان مضطرب القلب، بل يصير ساكن القلب ساكن النفس بسبب أنه زال الخوف، وعلى هذا التقدير يكون المراد: فإذا زال الخوف عنكم فأقيموا الصلاة على الحالة التي كنتم تعرفونها، ولا تغيروا شيئاً من أحوالها وهيآتها، ثم لما بالغ الله سبحانه وتعالى في شرح أقسام الصلاة فذكر صلاة السفر، ثم ذكر بعد ذلك صلاة الخوف ختم هذه الآية بقوله: ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ﴾ أي فرضاً موقتاً، والمراد بالكتاب هاهنا المكتوب كأنه قيل: مكتوبة موقوتة، ثم حذف الهاء من الموقوت كما جعل المصدر موضع المفعول والمصدر مذكر، ومعنى الموقوت أنها كتبت عليهم في أوقات موقتة، يقال: وقته ووقته مخففاً، وقريء ﴿ وَإِذَا الرسل وقتت  ﴾ بالتخفيف.

واعلم أنه تعالى بيّن في هذه الآية أن وجوب الصلاة مقدّر بأوقات مخصوصة، إلا أنه تعالى أجمل ذكر الأوقات هاهنا وبينها في سائر الآيات، وهي خمسة: أحدها: قوله تعالى: ﴿ حافظوا عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى  ﴾ فقوله: ﴿ الصلوات ﴾ يدل على وجوب صلوات ثلاثة، وقوله: ﴿ والصلاة الوسطى ﴾ يمنع أن يكون أحد تلك الثلاثة وإلا لزم التكرار، فلابد وأن تكون زائدة على الثلاثة ولا يجوز أن يكون الواجب أربعة، وإلا لم يحصل فيها وسطى، فلابد من جعلها خمسة لتحصل الوسطى، وكما دلت هذه الآية على وجوب خمس صلوات دلت على عدم وجوب الوتر، وإلا لصارت الصلوات الواجبة ستة، فحينئذ لا تحصل الوسطى فهذه الآية دلّت على أن الواجب خمس صلوات إلا أنها غير دالة على بيان أوقاتها.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس إلى غَسَقِ اليل وَقُرْءانَ الفجر  ﴾ فالواجب من الدلوك إلى الغسق هو الظهر والعصر، والواجب من الغسق إلى الفجر هو المغرب والعشاء والواجب في الفجر هو صلاة الصبح، وهذه الآية توهم أن للظهر والعصر وقتاً واحداً وللمغرب والعشاء وقتاً واحداً.

وثالثها: قوله سبحانه: ﴿ فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ  ﴾ والمراد منه الصلاتان الواقعتان في طرفي النهار وهما المغرب والصبح، ثم قال: ﴿ وَلَهُ الحمد فِي السموات والأرض وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ  ﴾ فقوله: ﴿ وَعَشِيّاً ﴾ المراد منه الصلاة الواقعة في محض الليل وهي صلاة العشاء، وقوله: ﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ المراد الصلاة الواقعة في محض النهار، وهي صلاة الظهر كما قدم في قوله: ﴿ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ  ﴾ صلاة الليل على صلاة النهار في الذكر، فكذلك قدم في قوله: ﴿ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ صلاة الليل على صلاة النهار في الذكر، فصارت الصلوات الأربعة مذكورة في هذه الآية، وأما صلاة العصر فقد أفردها الله تعالى بالذكر في قوله: ﴿ والعصر ﴾ تشريفاً لها بالإفراد بالذكر.

ورابعها: قوله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ اليل  ﴾ فقوله: ﴿ طَرَفَىِ النهار ﴾ يفيد وجوب صلاة الصبح ووجوب صلاة العصر لأنهما كالواقعتين على الطرفين، وإن كانت صلاة الصبح واقعة قبل حدوث الطرف الأول وصلاة العصر واقعة قبل حدوث الطرف الثاني.

وقوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ اليل ﴾ يفيد وجوب المغرب والعشاء، وكان بعضهم يستدل بهذه الآية على وجوب الوتر قال: لأن الزلف جمع، وأقله ثلاثة، فلابد وأن يجب ثلاث صلوات في الليل عملاً بقوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ اليل ﴾ .

وخامسها: قوله تعالى: ﴿ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ ءانَاء اليل فَسَبّحْ ﴾ فقوله: ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا  ﴾ إشارة إلى الصبح والعصر، وهو كقوله: ﴿ وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ اليل  ﴾ وقوله: ﴿ وَمِنْ ءانَاء اليل ﴾ إشارة إلى المغرب والعشاء، وهو كقوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ اليل ﴾ وكما احتجوا بقوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ اليل ﴾ فكذلك احتجوا عليه بقوله: ﴿ وَمِنْ ءانَاء اليل ﴾ لأن قوله آناء الليل جمع وأقله ثلاثة، فهذا مجموع الآيات الدالة على الأوقات الخمسة للصلوات الخمس.

واعلم أن تقدير الصلوات بهذه الأوقات الخمسة في نهاية الحسن والجمال نظراً إلى المعقول، وبيانه أن لكل شيء من أحوال هذا العالم مراتب خمسة: أولها: مرتبة الحدوث والدخول في الوجود، وهو كما يولد الإنسان ويبقى في النشو والنماء إلى مدة معلومة، وهذه المدة تسمى سن النشو والنماء.

والمرتبة الثانية: مدة الوقوف، وهو أن يبقى ذلك الشيء على صفة كماله من غير زيادة ولا نقصان وهذه المدة تسمى سن الشباب.

والمرتبة الثالثة: مدة الكهولة، وهو أن يظهر في الإنسان نقصانات ظاهرة جلية إلى أن يموت ويهلك، وتسمى هذه المدة سن الشيخوخة.

المرتبة الخامسة: أن تبقى آثاره بعد موته مدة، ثم بالآخرة تنمحي تلك الآثار وتبطل وتزول، ولا يبقى منه في الدنيا خبر ولا أثر، فهذه المراتب الخمسة حاصلة لجميع حوادث هذا العالم سواء كان إنساناً أو غيره من الحيوانات أو النباتات، والشمس حصل لها بحسب طلوعها وغروبها هذه الأحوال الخمس، وذلك لأنها حين تطلع من مشرقها يشبه حالها حال المولود عندما يولد، ثم لا يزال يزداد ارتفاعها ويقوى نورها ويشتد حرها إلى أن تبلغ إلى وسط السماء، فتقف هناك ساعة ثم تنحدر ويظهر فيها نقاصانات خفية إلى وقت العصر، ثم من وقت العصر يظهر فيها نقصانات ظاهرة فيضعف ضوؤها ويضعف حرها، ويزداد انحطاطها وقوتها إلى الغروب، ثم إذا غربت يبقى بعض آثارها في أفق المغرب وهو الشفق، ثم تنمحي تلك الآثار وتصير الشمس كأنها ما كانت موجودة في العالم، فلما حصلت هذه الأحوال الخمسة لها وهي أمور عجيبة لا يقدر عليها إلا الله تعالى لا جرم أوجب الله تعالى عند كل واحد من هذه الأحوال الخمسة لها صلاة، فأوجب عند قرب الشمس من الطلوع صلاة الفجر شكراً للنعمة العظيمة الحاصلة بسبب زوال تلك الظلمة وحصول النور، وبسبب زوال النوم الذي هو كالموت وحصول اليقظة التي هي كالحياة، ولما وصلت الشمس إلى غاية الارتفاع ثم ظهر فيها أثر الانحطاط أوجب صلاة الظهر تعظيماً للخالق القادر على قلب أحوال الأجرام العلوية والسفلية من الضد إلى الضد، فجعل الشمس بعد غاية ارتفاعها واستعلائها منحطة عن ذلك العلو وآخذة في سن الكهولة، وهو النقصان الخفي، ثم لما انقضت مدة الكهولة ودخلت في أول زمان الشيخوخة أوجب تعالى صلاة العصر.

ونعم ما قال الشافعي رحمه الله: أن أول العصر هو أن يصير ظل كل شيء مثليه، وذلك لأن من هذا الوقت تظهر النقصانات الظاهرة، ألا ترى أن من أول وقت الظهر إلى وقت العصر على قول الشافعي رحمه الله ما ازداد الظل إلا مثل الشيء، ثم إن في زمان الطيف يصير ظله مثليه، وذلك يدل على أن من الوقت الذي يصير ظل الشيء مثلاً له تأخذ الشمس في النقصانات الظاهرة، ثم إذا غربت الشمس أشبهت هذه الحالة ما إذا مات الإنسان، فلا جرم أوجب الله تعالى عند هذه الحالة صلاة المغرب، ثم لما غرب الشفق فكأنه انمحت آثار الشمس ولم يبق منها في الدنيا خبر ولا أثر، فلا جرم أوجب الله تعالى صلاة العشاء، فثبت أن إيجاب الصلوات الخمس في هذه الأوقات الخمسة مطابق للقوانين العقلية والأصول الحكمية، والله أعلم بأسرار أفعاله.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَهِنُوا۟ فِى ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا۟ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ١٠٤

اعلم أنه تعالى لما ذكر بعض الأحكام التي يحتاج المجاهد إلى معرفتها عاد مرة أخرى إلى الحث على الجهاد فقال: ﴿ وَلاَ تَهِنُواْ ﴾ أي ولا تضعفوا ولا تتوانوا ﴿ فِى ابتغاء القوم ﴾ أي في طلب الكفار بالقتال، ثم أورد الحجة عليهم في ذلك فقال: ﴿ إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ﴾ والمعنى أن حصول الألم قدر مشترك بينكم وبينهم، فلما لم يصر خوف الألم مانعاً لهم عن قتالكم فكيف صار مانعاً لكم عن قتالهم، ثم زاد في تقرير الحجة وبين أن المؤمنين أولى بالمصابرة على القتال من المشركين، لأن المؤمنين مقرون بالثواب والعقاب والحشر والنشر، والمشركين لا يقرون بذلك، فإذا كانوا مع إنكارهم الحشر والنشر يجدون في القتال فأنتم أيها المؤمنون المقرون بأن لكم في هذا الجهاد ثواباً عظيماً وعليكم في تركه عقاباً عظيماً، أولى بأن تكونوا مجدين في هذا الجهاد، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ ﴾ ويحتمل أيضاً أن يكون المراد من هذا الرجاء ما وعدهم الله تعالى في قوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ  ﴾ [الفتح: 28] [الصف: 9] وفي قوله: ﴿ يا أيها النبى حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين  ﴾ وفيه وجه ثالث، وهو أنكم تعبدون الإله العالم القادر السميع البصير فيصح منكم أن ترجوا ثوابه، وأما المشركون فإنهم يعبدون الأصنام وهي جمادات، فلا يصح منهم أن يرجوا من تلك الأصنام ثواباً أو يخافوا منها عقاباً.

وقرأ الأعرج ﴿ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ ﴾ بفتح الهمزة بمعنى: ولا تهنوا لأن تكونوا تألمون، وقوله: ﴿ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ ﴾ تعليل.

ثم قال: ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ﴾ أي لا يكلفكم شيئاً ولا يأمركم ولا ينهاكم إلا بما هو عالم بأنه سبب لصلاحكم في دينكم ودنياكم.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًۭا ١٠٥ وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ١٠٦

في كيفية النظم وجوه: الأول: أنه تعالى لما شرح أحوال المنافقين على سبيل الاستقصاء ثم اتصل بذلك أمر المحاربة، واتصل بذكر المحاربة ما يتعلق بها من الأحكام الشرعية، مثل قتل المسلم خطأ على ظن أنه كافر، ومثل بيان صلاة السفر وصلاة الخوف، رجع الكلام بعد ذلك إلى أحوال المنافقين، وذكر أنهم كانوا يحاولون أن يحملوا الرسول عليه الصلاة والسلام على أن يحكم بالباطل ويذر الحكم الحق، فأطلع الله رسوله عليه وأمره بأن لا يلتفت إليهم ولا يقبل قولهم في هذا الباب.

والوجه الثاني في بيان النظم: أنه تعالى لما بيّن الأحكام الكثيرة في هذه السورة بيّن أن كل ما عرف بإنزال الله تعالى وأنه ليس للرسول أن يحيد عن شيء منها طلباً لرضا قومه.

الوجه الثالث: أنه تعالى لما أمر بالمجاهدة مع الكفار بيّن أن الأمر وإن كان كذلك لكنه لا تجوز الخيانة معهم ولا إلحاق ما لم يفعلوا بهم، وأن كفر الكافر لا يبيح المسامحة بالنظر له، بل الواجب في الدين أن يحكم له وعليه بما أنزل على رسوله، وأن لا يلحق الكافر حيف لأجل أن يرضى المنافق بذلك، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اتفق المفسرون على أن أكثر هذه الآيات نزلت في طعمة بن أبيرق، ثم في كيفية الواقعة روايات: أحدها: أن طعمة سرق درعاً فلما طلبت الدرع منه رمى واحداً من اليهود بتلك السرقة، ولما اشتدت الخصومة بين قومه وبين قوم اليهودي جاء قومه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه أن يعينهم على هذا المقصود وأن يلحق هذه الخيانة باليهودي، فهم الرسول عليه الصلاة والسلام بذلك فنزلت الآية.

وثانيها: أن واحداً وضع عنده درعاً على سبيل الوديعة ولم يكن هناك شاهد، فلما طلبها منه جحدها.

وثالثها: أن المودع لما طلب الوديعة زعم أن اليهودي سرق الدرع واعلم أن العلماء قالوا هذا يدل على أن طعمة وقومه كانوا منافقين، وإلا لما طلبوا من الرسول نصرة الباطل وإلحاق السرقة باليهودي على سبيل التخرص والبهتان، ومما يؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيء  ﴾ ثم روي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد وثقب حائطاً هناك لأجل السرقة فسقط الحائط عليه ومات.

المسألة الثانية: قال أبو علي الفارسي: قوله: ﴿ أَرَاكَ الله ﴾ إما أن يكون منقولاً بالهمزة من رأيت التي يراد بها رؤية البصر، أو من رأيت التي تتعدى إلى المفعولين، أو من رأيت التي يراد بها الاعتقاد، والأول باطل لأن الحكم في الحادثة لا يرى بالبصر، والثاني أيضاً باطل لأنه يلزم أن يتعدى إلى ثلاثة لا إلى المفعولين بسبب التعدية، ومعلوم أن هذا اللفظ لم يتعد إلا إلى مفعولين أحدهما: الكاف التي هي للخطاب، والآخر المفعول المقدر، وتقديره: بما أراكه الله، ولما بطل القسمان بقي الثالث، وهو أن يكون المراد منه رأيت بمعنى الاعتقاد.

المسألة الثالثة: اعلم أنه ثبت بما قدمنا أن قوله: ﴿ بِمَا أَرَاكَ الله ﴾ معناه بما أعلمك الله، وسمي ذلك العلم بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جارياً مجرى الرؤية في القوة والظهور، وكان عمر يقول: لا يقولن أحد قضيت بما أراني الله تعالى، فإن الله تعالى لم يجعل ذلك إلا لنبيّه، وأما الواحد منا فرأيه يكون ظناً ولا يكون علماً.

إذا عرفت هذا فنقول: قال المحققون: هذه الآية تدل على أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يحكم إلا بالوحي والنص.

وإذا عرفت هذا فنقول: تفرع عليه مسألتان: إحداهما: أنه لما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يحكم إلا بالنص، فوجب أن يكون حال الأمة كذلك لقوله تعالى: ﴿ واتبعوه  ﴾ وإذا كان كذلك وجب أن يكون العمل بالقياس حراماً.

والجواب عنه أنه لما قامت الدلالة على أن القياس حجة كان العمل بالقياس عملاً بالنص في الحقيقة، فإنه يصير التقدير كأنه تعالى قال: مهما غلب على ظنك أن حكم الصورة المسكوت عنها مثل حكم الصورة المنصوص عليها بسبب أمر جامع بين الصورتين فاعلم أن تكليفي في حقك أن تعمل بموجب ذلك الظن، وإذا كان الأمر كذلك كان العمل بهذا القياس عملاً بعين النص.

أما قوله: ﴿ ولا تكن للخائنين خصيماً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: معنى الآية: ولا تكن لأجل الخائنين مخاصماً لمن كان بريئاً عن الذنب، يعني لا تخاصم اليهود لأجل المنافقين.

المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه الله: خصمك الذي يخاصمك، وجمعه الخصماء، وأصله من الخصم وهو ناحية الشيء وطرفه، والخصم طرف الزاوية وطرف الأشفار، وقيل للخصمين خصمان لأن كل واحد منهما في ناحية من الحجة والدعوى، وخصوم السحابة جوانبها.

المسألة الثالثة: قال الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام: دلّت هذه الآية على صدور الذنب من الرسول عليه السلاة والسلام، فإنه لولا أن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يخاصم لأجل الخائن ويذب عنه وإلا لما ورد النهي عنه.

والجواب: أن النهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي فاعلاً للمنهى عنه، بل ثبت في الرواية أن قوم طعمة لما التمسوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يذب عن طعمة وأن يلحق السرقة باليهودي توقف وانتظر الوحي فنزلت هذه الآية، وكان الغرض من هذا النهي تنبيه النبي عليه الصلاة والسلام على أن طعمة كذاب، وأن اليهودي بريء عن ذلك الجرم.

فإن قيل: الدليل على أن ذلك الجرم قد وقع من النبي عليه الصلاة والسلام قوله بعد هذه الآية ﴿ واستغفر الله إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ فلما أمره الله بالاستغفار دلّ على سبق الذنب.

والجواب من وجوه: الأول: لعله مال طبعه إلى نصرة طعمة بسبب أنه كان في الظاهر من المسلمين فأمر بالاستغفار لهذا القدر، وحسنات الأبرار سيئات المقربين.

والثاني: لعلّ القوم لما شهدوا على سرقة اليهودي وعلى براءة طعمة من تلك السرقة ولم يظهر للرسول عليه الصلاة والسلام ما يوجب القدح في شهادتهم هم بأن يقضي بالسرقة على اليهودي، ثم لما أطلعه الله تعالى على كذب أولئك الشهود عرف أن ذلك القضاء لو وقع لكان خطأ، فكان استغفاره بسبب أنه هم بذلك الحكم الذي لو وقع لكان خطأ في نفسه وإن كان معذوراً عند الله فيه.

الثالث: قوله: ﴿ واستغفر الله ﴾ يحتمل أن يكون المراد: واستغفر الله لأولئك الذين يذبون عن طعمة ويريدون أن يظهروا براءته عن السرقة ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

وَلَا تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًۭا ١٠٧

والمراد بالذين يختانون أنفسهم طعمة ومن عاونه من قومه ممن علم كونه سارقاً، والاختيان كالخيانة يقال: خانه واختانه، وذكرنا ذلك عند قوله تعالى: ﴿ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ  ﴾ وإنما قال تعالى لطعمة ولمن ذب عنهم: إنهم يختانون أنفسهم لأن من أقدم على المعصية قفد حرم نفسه الثواب وأوصلها إلى العقاب، فكان ذلك منه خيانة مع نفسه، ولهذا المعنى يقال لمن ظلم غيره: إنه ظلم نفسه.

وأعلم أن في الآية تهديداً شديداً، وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما مال طبعه قليلاً إلى جانب طعمة، وكان في علم الله أن طعمة كان فاسقاً، فالله تعلى عاتب رسوله على ذلك القدر من إعانة المذنب، فكيف حال من يعلم من الظالم كونه ظالماً ثم يعينه على ذلك الظلم، بل يحمله عليه ويرغبه فيه أشد الترغيب.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ﴾ قال المفسرون: إن طعمة خان في الدرع، وأثم في نسبة اليهودي إلى تلك السرقة فلا جرم قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أثيماً ﴾ .

فإن قيل: لم قال: ﴿ خَوَّاناً أثيماً ﴾ مع أن الصادر عنه خيانة واحدة وإثم واحد.

قلنا: علم الله تعالى أنه كان في طبع ذلك الرجل الخيانة الكثيرة والإثم الكثير، فذكر اللفظ الدال على المبالغة بسبب ما كان في طبعه من الميل إلى ذلك، ويدل عليه ما رويناه أنه بعد هذه الواقعة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائط إنسان لأجل السرقة فسقط الحائط عليه ومات، ومن كان خاتمته كذلك لم يشك في خيانته، وأيضاً طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدفع السرقة عنه ويلحقها باليهودي، وهذا يبطل رسالة الرسول، ومن حاول إبطال رسالة الرسول وأراد إظهار كذبه فقد كفر، فلهذا المعنى وصفه الله بالمبالغة في الخيانة والإثم.

وقيل: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات.

عن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمة تبكي وتقول هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه، فقال كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول الأمر، وأعلم أنه تعالى لما خص هذا الوعيد بمن كان عظيم الخيانة والإثم دل ذلك على أن من كان قليل الخيانة والإثم فهو خارج عنه ثم قال تعالى:

يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ١٠٨

الاستخفاء في اللغة معناه الاستتار، يقال استخفيت من فلان، أي تواريت منه واستترت.

قال تعالى: ﴿ وَمَنْ هُوَ مُستَخِف بِالليلِ  ﴾ أي مستتر، فقوله: ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناس ﴾ أي يستترون من الناس ولا يستترون من الله.

قال ابن عباس: يستحيون من الناس ولا يستحيون من الله.

قال الواحدي: هذا معنى وليس بتفسير، وذلك لأن الاستحياء من الناس يوجب الاستتار من الناس والاستخفاء منهم، فأما أن يقال: الاستحياء هو نفس الاستخفاء فليس الأمر كذلك، وقوله: ﴿ وَهُوَ مَعَهُمْ ﴾ يريد بالعلم والقدرة والرؤية، وكفى هذا زاجراً للإنسان عن المعاصي، وقوله: ﴿ إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لاَ يرضى مِنَ القول ﴾ أي يضمرون ويقدرون في أذهانهم وذكرنا معنى التبييت في قوله: ﴿ بيت طائفة منهم  ﴾ والذي لا يرضاه الله من القول هو أن طعمة قال: أرمي اليهودي بأنه هو الذي سرق الدرع وأحلف أني لم أسرقها، فيقبل الرسول يميني لأني على دينه ولا يقبل يمين اليهودي.

فإن قيل: كيف سمي التبييت قولاً وهو معنى في النفس؟

قلنا: مذهبنا أن الكلام الحقيقي هو المعنى القائم بالنفس، وعلى هذا المذهب فلا إشكال، ومن أنكر كلام النفس فله أن يجيب بأن طعمة وأصحابه لعلّهم اجتمعوا في الليل ورتبوا كيفية الحيلة والمكر، فسمى الله تعالى كلامهم ذلك بالقول المبيت الذي لا يرضاه، فأما قوله: ﴿ وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ﴾ فالمراد الوعيد من حيث إنهم وإن كانوا يخفون كيفية المكر والخداع عن الناس إلا أنها كانت ظاهرة في علم الله، لأنه تعالى محيط بجميع المعلومات لا يخفى عليه سبحانه منها شيء ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

هَـٰٓأَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ جَـٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَـٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًۭا ١٠٩

ثم قال تعالى: ﴿ هَأَنْتُمْ هَؤُلاء جادلتم عَنْهُمْ فِي الحياة الدنيا فَمَن يجادل الله عَنْهُمْ يَوْمَ القيامة ﴾ ﴿ ها ﴾ للتنبيه في ﴿ ها أنتم ﴾ و ﴿ هَؤُلاء ﴾ وهما مبتدأ وخبر ﴿ جادلتم ﴾ جملة مبينة لوقوع ﴿ أُوْلاء ﴾ خبراً، كما تقول لبعض الأسخياء: أنت حاتم تجود بما لك وتؤثر على نفسك، ويجوز أن يكون ﴿ أولاء ﴾ اسماً موصولاً بمعنى الذي و ﴿ جادلتم ﴾ صلة، وأما الجدال فهو في اللغة عبارة عن شدة المخاصمة، وجدل الحبل شدة فتلة، ورجل مجدول كأنه فتل، والأجدل الصقر لأنه من أشد الطيور قوة.

هذا قول الزجاج.

وقال غيره: سميت المخاصمة جدالاً لأن كل واحد من الخصمين يريد ميل صاحبه عما هو عليه وصرفه عن رأيه.

إذا عرفت هذا فنقول: هذا خطاب مع قوم من المؤمنين كانوا يذبون عن طعمة وعن قومه بسبب أنهم كانوا في الظاهر من المسلمين، والمعنى: هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا، فمن الذين يخاصمون عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه.

وقرأ عبد الله بن مسعود: ها أنتم هؤلاء جادلتم عنه، يعني عن طعمة، وقوله: ﴿ فَمَن يجادل الله عَنْهُمْ ﴾ استفهام بمعنى التوبيخ والتقريع.

ثم قال تعالى: ﴿ أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ﴾ فقوله: ﴿ أَمْ مَّن يَكُونُ ﴾ عطف على الاستفهام السابق، والوكيل هو الذي وكل إليه الأمر في الحفظ والحماية، والمعنى: من الذي يكون محافظاً ومحامياً لهم من عذاب الله؟

وأعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد في هذا الباب أتبعه بالدعوة إلى التوبة، وذكر فيه ثلاثة أنواع من الترغيب فالأول: <div class="verse-tafsir"

وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ١١٠

والمراد بالسوء القبيح الذي يسوء به غيره كما فعل طعمة من سرقة الدرع ومن رمي اليهودي بالسرقة والمراد بظلم النفس ما يختص به الإنسان كالحلف الكاذب، وإنما خص ما يتعدى إلى الغير باسم السوء لأن ذلك يكون في الأكثر إيصالاً للضرر إلى الغير، والضرر سوء حاضر، فأما الذنب الذي يخص الإنسان فذلك في الأكثر لا يكون ضرراً حاضراً لأن الإنسان لا يوصل الضرر إلى نفسه.

وأعلم أن هذه الآية دالة على حكمين: الأول: أن التوبة مقبولة عن جميع الذنوب سواء كانت كفراً أو قتلاً، عمداً أو غصباً للأموال لأن قوله: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ﴾ عم الكل الثاني: أن ظاهر الآية يقتضي أن مجرد الاستغفار كاف، وقال بعضهم: أنه مقيد بالتوبة لأنه لا ينفع الاستغفار مع الإصرار، وقوله: ﴿ يَجِدِ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ معناه غفوراً رحيماً له، وحذف هذا القيد لدلالة الكلام عليه، فإنه لا معنى للترغيب في الاستغفار إلا إذا كان المراد ذلك.

والنوع الثاني: من الكلمات المرغبة في التوبة قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًۭا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا ١١١

والكسب عبارة عما يفيد جر منفعة أو دفع مضرة، ولذلك لم يجز وصف الباري تعالى بذلك والمقصود منه ترغيب العاصي في الاستغفار كأنه تعالى يقول: الذنب الذي أتيت به ما عادت مضرته إلي فإنني منزّه عن النفع والضرر، ولا تيأس من قبول التوبة والاستغفار ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً ﴾ بما في قلبه عند إقدامه على التوبة ﴿ حَكِيماً ﴾ تقتضي حكمته ورحمته أن يتجاوز عن التائب.

النوع الثالث: قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

وَمَن يَكْسِبْ خَطِيٓـَٔةً أَوْ إِثْمًۭا ثُمَّ يَرْمِ بِهِۦ بَرِيٓـًۭٔا فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا ١١٢

وذكروا في الخطيئة والإثم وجوهاً: الأول: أن الخطيئة هي الصغيرة، والإثم هو الكبيرة.

وثانيها: الخطيئة هي الذنب القاصر على فاعلها، والإثم هو الذنب المتعدي إلى الغير كالظلم والقتل.

وثالثها: الخطيئة ما لا ينبغي فعله سواء كان بالعمد أو بالخطأ، والإثم ما يحصل بسبب العمد، والدليل عليه ما قبل هذه الآية وهو قوله: ﴿ وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ  ﴾ فبيّن أن الإثم ما يكون سبباً لاستحقاق العقوبة.

وأما قوله: ﴿ ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً ﴾ فالضمير في ﴿ بِهِ ﴾ إلى ماذا يعود؟

فيه وجوه: الأول: ثم يرم بأحد هذين المذكورين.

الثاني: أن يكون عائداً إلى الإثم وحده لأنه هو الأقرب كما عاد إلى التجارة في قوله: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا ﴾ الثالث: أن يكون عائداً إلى الكسب، والتقدير: يرم بكسبه بريئاً، فدل يكسب على الكسب.

الرابع: أن يكون الضمير راجعاً إلى معنى الخطيئة فكأنه قال: ومن يكسب ذنباً ثم يرم به بريئاً.

وأما قوله: ﴿ فَقَدِ احتمل بهتانا ﴾ فالبهتان أن ترمي أخاك بأمر منكر وهو برئ منه.

وأعلم أن صاحب البهتان مذموم في الدنيا أشد الذم، ومعاقب في الآخرة أشد العقاب، فقوله: ﴿ فَقَدِ احتمل بهتانا ﴾ إشارة إلى ما يلحقه من الذم العظيم في الدنيا، وقوله: ﴿ وَإِثْماً مُّبِيناً ﴾ إشارة إلى ما يلحقه من العقاب العظيم في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍۢ ۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًۭا ١١٣

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ ﴾ والمعنى ولولا أن الله خصك بالفضل وهو النبوّة، وبالرحمة وهي العصمة لهمت طائفة منهم أن يضلوك، وذلك لأن قوم طعمة كانوا قد عرفوا أنه سارق، ثم سألوا النبي عليه السلام أن يدفع ويجادل عنه ويبرئه عن السرقة، وينسب تلك السرقة إلى اليهودي، ومعنى يضلوك أي يلقوك في الحكم الباطل الخطأ.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ ﴾ بسبب تعاونهم على الإثم والعدوان وشهادتهم بالزور والبهتان، فهم لما أقدموا على هذه الأعمال فهم الذين يعملون عمل الضالين.

﴿ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيء ﴾ فيه وجهان: الأول: قال القفال رحمه الله: وما يضرونك في المستقبل، فوعده الله تعالى في هذه الآية بادامة العصمة له مما يريدون من إيقاعه في الباطل.

الثاني: أن المعنى أنهم وإن سعوا في إلقائك في الباطل فأنت ما وقعت في الباطل، لأنك بنيت الأمر على ظاهر الحال، وأنت ما أمرت إلا ببناء الأحكام على الظواهر.

ثم قال تعالى: ﴿ وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الكتاب والحكمة ﴾ وأعلم أنّا إن فسرنا قوله: ﴿ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيء ﴾ بأن المراد أنه تعالى وعده بالعصمة في المستقبل كان قوله: ﴿ وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الكتاب والحكمة ﴾ مؤكداً لذلك الوعد، يعني لما أنزل عليك الكتاب والحكمة وأمرك بتبليغ الشريعة إلى الخلق فكيف يليق بحكمته أن لا يعصمك عن الوقوع في الشبهات والضلالات، وإن فسرنا تلك الآية بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان معذوراً في بناء الحكم على الظاهر كان المعنى: وأنزل عليك الكتاب والحكمة وأوجب فيها بناء أحكام الشرع على الظاهر فكيف يضرك بناء الأمر على الظاهر.

ثم قال تعالى: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾ قال القفال رحمه الله: هذه الآية تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المراد ما يتعلق بالدين، كما قال: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب وَلاَ الإيمان  ﴾ وعلى هذا الوجه تقدير الآية: أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وأطلعك على أسرارهما وأوقفك على حقائقهما مع أنك ما كنت قبل ذلك عالماً بشيء منهما، فكذلك يفعل بك في مستأنف أيامك لا يقدر أحد من المنافقين على إضلالك وإزلالك.

الوجه الثاني: أن يكون المراد: وعلمك ما لم تكن تعلم من أخبار الأولين، فكذلك يعلمك من حيل المنافقين ووجوه كيدهم ما تقدر به على الاحتراز عن وجوه كيدهم ومكرهم، ثم قال: ﴿ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾ وهذا من أعظم الدلائل على أن العلم أشرف الفضائل والمناقب وذلك لأن الله تعالى ما أعطى الخلق من العلم إلا القليل، كما قال: ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ ونصيب الشخص الواحد من علوم جميع الخلق يكون قليلاً، ثم أنه سمى ذلك القليل عظيماً حيث قال: ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ وسمى جميع الدنيا قليلاً حيث قال: ﴿ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ  ﴾ وذلك يدل على غاية شرف العلم.

<div class="verse-tafsir"

۞ لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍۢ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـٰحٍۭ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًۭا ١١٤

وأعلم أن هذه إشارة إلى ما كانوا يتناجون فيه حين يبيتون ما لا يرضي من القول وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: النجوى في اللغة سر بين إثنين، يقال ناجيت الرجل مناجاة ونجاء، ويقال: نجوت الرجل أنجو نجوى بمعنى ناجيته، والنجوى قد تكون مصدراً بمنزلة المناجاة، قال تعالى: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نجوى ثلاثة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ  ﴾ وقد تكون بمعنى القوم الذين يتناجون، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ هُمْ نجوى  ﴾ .

المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ﴾ ذكر النحويون في محل ﴿ مِنْ ﴾ وجوهاً، وتلك الوجود مبنية على معنى النجوى في هذه الآية، فإن جعلنا معنى النجوى هاهنا السر فيجوز أن يكون في موضع النصب؛ لأنه استثناء الشيء عن خلاف جنسه فيكون نصباً كقوله: ﴿ إِلاَّ أَذًى  ﴾ ويجوز أن يكون رفعاً في لغة من يرفع المستثنى من غير الجنس كقوله: إلا اليعافير وإلا العيس *** وأبو عبيدة جعل هذا من باب حذف المضاف فقال: التقدير إلا في نجوى من أمر بصدقة ثم حذف المضاف، وعلى هذا التقدي يكون ﴿ مِنْ ﴾ في محل النجوى لأنه أقيم مقامه، ويجوز فيه وجهان: إحدهما: الخفض بدل من نجواهم، كما تقول: ما مررت بأحد إلا زيد.

والثاني: النصب على الاستثناء فكما تقول ما جاءني أحد إلا زيداً، وهذا استثناء الجنس من الجنس، وأما ان جعلنا النجوى اسماً للقوم المتناجين كان منصوباً على الاستثناء لأنه استثناء الجنس من الجنس، ويجوز أن يكون ﴿ مِنْ ﴾ في محل الخفض من وجهين: أحدهما: أن تجلعه تبعاً لكثير، على معنى: لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة، كقولك: لا خير في القوم إلا نفر منهم.

والثاني: أن تجعله تبعاً للنجوى، كما تقول: لا خير في جماعة من القوم إلا زيد، إن شئت أتبعت زيداً الجماعة، وإن شئت أتبعته القوم، والله أعلم.

المسألة الثالثة: هذه الآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق مع بعض إلا أنها في المعنى عامة، والمراد: لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير، ثم إنه تعالى ذكر من أعمال الخير ثلاثة أنواع: الأمر بالصدقة، والأمر بالمعروف، والاصلاح بين الناس، وإنما ذكر الله هذه الأقسام الثلاثة، وذلك لأن عمل الخير إما أن يكون بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة، أما إيصال الخير فاما أن يكون من الخيرات الجسمانية وهو إعطاء المال، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ﴾ وإما أن يكون من الخيرات الروحانية، وهو عبارة عن تكميل القوة النظرية بالعلوم، أو تكميل القوة العملية بالأفعال الحسنة، ومجموعها عبارة عن الأمر بالمعروف، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ أَوْ مَعْرُوفٍ ﴾ وأما إزالة الضرر فإليها الإشارة بقوله: ﴿ أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس ﴾ فثبت أن مجامع الخيرات مذكورة في هذه الآية، ومما يدل على صحة ما ذكرنا قوله عليه الصلاة والسلام: كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر الله وقيل لسفيان الثوري: ما أشد هذا الحديث!

فقال سفيان: ألم تسمع الله يقول: ﴿ لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ ﴾ فهو هذا بعينه، أما سمعت الله يقول: ﴿ وَٱلْعَصْرِ  إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَفِى خُسْرٍ  ﴾ فهو هذا بعينه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك ابتغاء مَرْضَاتَ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ والمعنى أن هذه الأقسام الثلاثة من الطاعات وإن كانت في غاية الشرف والجلالة إلا أن الإنسان إنما ينتفع بها إذا أتى بها لوجه الله ولطلب مرضاته، فأما إذا أتى بها للرياء والسمعة انقلبت القضية فصارت من أعظم المفاسد، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلوب من الأعمال الظاهرة رعاية أحوال القلب في إخلاص النيّة، وتصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض سوى طلب رضوان الله تعالى ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين  ﴾ وقوله: ﴿ وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى  ﴾ وقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات».

وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: لم انتصب ﴿ ابتغاء مرضات الله ﴾ ؟

والجواب: لأنه مفعول له، والمعنى لأنه لابتغاء مرضاة الله.

السؤال الثاني: كيف قال: ﴿ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ ﴾ ثم قال: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك ﴾ .

والجواب: أنه ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله لأن الأمر بالخير لما دخل في زمرة الخيرين فبأن يدخل فاعل الخير فيهم كان ذلك أولى، ويجوز أن يراد: ومن يأمر بذلك، فعبر عن الأمر بالفعل لأن الأمر أيضاً فعل من الأفعال.

<div class="verse-tafsir"

وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِۦ جَهَنَّمَ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ١١٥

أعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها هو ما روي أن طعمة بن أبيرق لما رأى أن الله تعالى هتك ستره وبرأ اليهودي عن تهمة السرقة ارتد وذهب إلى مكة ونقب جدار إنسان لأجل السرقة فتهدم الجدار عليه ومات فنزلت هذه الآية.

أما الشقاق والمشاققة فقد ذكرنا في سورة البقرة أنه عبارة عن كون كل واحد منهما في شق آخر من الأمر، أو عن كون كل واحد منهما فاعلاً فعلاً يقتضي لحوق مشقة بصاحبه، وقوله: ﴿ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى ﴾ أي من بعد ما ظهر له بالدليل صحة دين الإسلام.

قال الزجاج: لأن طعمة هذا كان قد تبين له بما أوحى الله تعالى من أمره وأظهر من سرقته ما دلّه ذلك على صحة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، فعادى الرسول وأظهر الشقاق وارتد عن دين الإسلام، فكان ذلك إظهار الشقاق بعد ما تبين له الهدى، قوله: ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين ﴾ يعني غير دين الموحدين، وذلك لأن طعمة ترك دين الإسلام واتبع دين عبادة الأوثان.

ثم قال: ﴿ نُوَلّهِ مَا تولى ﴾ أي نتركه وما اختار لنفسه، ونكله إلى ما توكل عليه.

قال بعضهم: هذا منسوخ بآية السيف لا سيما في حق المرتد.

ثم قال: ﴿ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ﴾ يعني نلزمه جنهم، وأصله الصلاء وهو لزوم النار وقت الاستدفاء ﴿ وَسَاءتْ مَصِيراً ﴾ انتصب ﴿ مَصِيراً ﴾ على التمييز كقولك: فلان طاب نفساً، وتصبب عرقاً، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: روي أن الشافعي رضي الله عنه سئل عن آية في كتاب الله تعالى تدل على أن الإجماع حجة، فقرأ القرآن ثلثمائة مرة حتى وجد هذه الآية، وتقرير الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام، فوجب أن يكون اتباع سبيل المؤمنين واجباً، بيان المقدمة الأولى أنه تعالى الحق الوعيد بمن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين، ومشاقة الرسول وحدها موجبة لهذا الوعيد، فلو لم يكن اتباع غير سبيل المؤمنين موجباً له لكان ذلك ضماً لما لا أثر له في الوعيد إلى ما هو مستقل باقتضاء ذلك الوعيد وإنه غير جائز، فثبت أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام، وإذا ثبت هذا لزم أن يكون اتباع سبيلهم واجباً، وذلك لأن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين، فإذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين حراماً لزم أن يكون عدم اتباع سبيل المؤمنين حراماً، وإذا كان عدم اتباعهم حراماً كان اتباعهم واجباً، لأنه لا خروج عن طرفي النقيض.

فإن قيل: لا نسلم أن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين، فإنه لا يمتنع أن لا يتبع لا سبيل المؤمنين ولا غير سبيل المؤمنين.

وأجيب عن هذا السؤال بأن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل ما فعل الغير، فإذا كان من شأن غير المؤمنين أن لا يتبعوا سبيل المؤمنين فكل من لم يتبع سبيل المؤمنين فقد أتى بمثل فعل غير المؤمنين فوجب كونه متبعاً لهم، ولقائل أن يقول: الاتباع ليس عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير وإلا لزم أن يقال: الأنبياء والملائكة متبعون لآحاد الخلق من حيث أنهم يوحدون الله كما أن كل واحد من آحاد الأمة يوحد الله، ومعلوم أن ذلك لا يقال، بل الاتباع عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل أنه فعل ذلك الغير، وإذا كان كذلك فمن ترك متابعة سبيل المؤمنين، فهذا سؤال قوي على هذا الدليل، وفيه أبحاث أُخر دقيقة ذكرناها في كتاب المحصول في علم الأصول والله أعلم.

المسألة الثانية: دلّت هذه الآية على وجوب عصمة محمد صلى الله عليه وسلم عن جميع الذنوب، والدليل عليه أنه لو صدر عنه ذنب لجاز منعه، وكل من منع غيره عن فعل يفعله كان مشاققاً له، لأن كل واحد منهما يكون في شق غير الشق الذي يكون الآخر فيه، فثبت أنه لو صدر الذنب عن الرسول لوجبت مشاقته، لكن مشاقته محرمة بهذه الآية فوجب أن لا يصدر الذنب عنه.

المسألة الثالثة: دلّت هذه الآية على أنه يجب الاقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام في أفعاله إذ لو كان فعل الأمة غير فعل الرسول لزم كون كل واحد منهما في شق آخر من العمل فتحصل المشاقة، لكن المشاقة محرمة، فيلزم وجوب الاقتداء في أفعاله.

المسألة الرابعة: قال بعض المتقدمين: كل مجتهد مصيب في الأصول لا بمعنى أن اعتقاد كل واحد منهم مطابق للمعتقد، بل بمعنى سقوط الإثم عن المخطئ، واحتجوا على قولهم بهذه الآية قالوا: لأنه تعالى شرط حصول الوعيد بتبين الهدى، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط، وهذا يقتضي أنه إذا لم يحصل تبين الهدى أن لا يكون الوعيد حاصلاً.

وجوابه: أنه تمسك بالمفهوم، وهو دلالة ظنية عند من يقول به، والدليل الدال على أن وعيد الكفار قطعي أنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ  ﴾ والقاطع لا يعارضه المظنون.

المسألة الخامسة: الآية دالة على أنه لا يمكن تصحيح الدين إلا بالدليل والنظر والاستدلال، وذلك لأنه تعالى شرط حصول الوعيد بتبين الهدى، ولو لم يكن تبين الهدى معتبراً في صحة الدين وإلا لم يكن لهذا الشرط معنى.

المسألة السادسة: الآية دالة على أن الهدى اسم للدليل لا للعلم، إذ لو كان الهدى اسماً للعلم لكان تبين الهدى إضافة الشيء إلى نفسه وأنه فاسد.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًا ١١٦ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَـٰثًۭا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَـٰنًۭا مَّرِيدًۭا ١١٧ لَّعَنَهُ ٱللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا ١١٨ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَـٰمِ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَـٰنَ وَلِيًّۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًۭا مُّبِينًۭا ١١٩ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا ١٢٠ أُو۟لَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًۭا ١٢١ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّۭا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًۭا ١٢٢

اعلم أن هذه الآية مكررة في هذه السورة، وفي تكرارها فائدتان: الأولى: أن عمومات الوعيد وعمومات الوعد متعارضة في القرآن، وأنه تعلى ما أعاد آية من آيات الوعيد بلفظ واحد مرتين، وقد أعاد ههذه الآية دالة على العفو والمغفرة بلفظ واحد في سورة واحدة، وقد اتفقوا على أنه لا فائدة في التكرير إلا التأكيد، فهذا يدل على أنه تعالى خص جانب الوعد والرحمة بمزيد التأكيد، وذلك يقتضي ترجيح الوعد على الوعيد.

والفائدة الثانية: أن الآيات المتقدمة إنما نزلت في سارق الدرع، وقوله: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرسول  ﴾ إلى آخر الآيات إنما نزلت في ارتداده، فهذه الآية إنما يحسن اتصالها بما قبلها لو كان المراد أن ذلك السارق لو لم يرتد لم يصر محروماً عن رحمتي، ولكنه لما ارتد وأشرك بالله صار محروماً قطع عن رحمة الله، ثم إنه أكد ذلك بأن شرح أن أمر الشرك عظيم عند الله فقال: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بَعِيداً ﴾ يعني ومن لم يشرك بالله لم يكن ضلاله بعيداً، فلا جرم لا يصير محروماً عن رحمتي، وهذه المناسبات دالة قطعاً على دلالة هذه الآية على أن ما سوى الشرك مغفور قطعاً سواء حصلت التوبة أو لم تحصل، ثم إنه تعالى بيّن كون الشرك ضلالاً بعيداً فقال: ﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إناثا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شيطانا مَّرِيداً لَّعَنَهُ الله ﴾ ﴿ إن ﴾ هاهنا معناه النفي ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ  ﴾ و ﴿ يَدْعُونَ ﴾ بمعنى يعبدون لأن من عبد شيئاً فإنه يدعوه عند احتياجه إليه، وقوله: ﴿ إِلاَّ إناثا ﴾ فيه أقوال: الأول: أن المراد هو الأوثان وكانوا يسمونها باسم الإناث كقولهم: الّلات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، واللات تأنيث الله، والعزى تأنيث العزيز.

قال الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان، ويدل على صحة هذا التأويل قراءة عائشة رضي الله عنها: إلا أوثاناً، وقراءة ابن عباس: إلا أثنا، جمع وثن مثل أسد وأسد، ثم أبدلت من الواو المضمومة همزة نحو قوله: ﴿ وَإِذَا الرسل أُقّتَتْ  ﴾ قال الزجاج: وجائز أن يكون أثن أصلها أثن، فأتبعت الضمة الضمة.

القول الثاني: قوله: ﴿ إِلاَّ إناثا ﴾ أي إلا أمواتاً، وفي تسمية الأموت إناثاً وجهان: الأول: أن الأخبار عن الموات يكون على صيغة الأخبار عن الأنثى، تقول: هذه الأحجار تعجبني: كما تقول: هذه المرأة تعجبني.

الثاني: أن الأنثى أخس من الذكر، والميت أخس من الحي، فلهذه المناسبة أطلقوا اسم الأنثى على الجمادات الموات.

القول الثالث: أن بعضهم كان يعبد الملائكة، وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله قال تعالى: ﴿ إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة تَسْمِيَةَ الانثى  ﴾ والمقصود من الآية هل إنسان أجهل ممن أشرك خالق السماوات والأرض وما بينهما جماداً يسميه بالأنثى.

ثم قال: ﴿ وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شيطانا مَّرِيداً ﴾ قال المفسرون: كان في كل واحد من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم، وقال الزجاج: المراد بالشيطان هاهنا إبليس بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ ولا شك أن قائل هذا القول هو إبليس، ولا يبعد أن الذي تراءى للسدنة هو إبليس، وأما المريد فهو المبالغ في العصيان الكامل في البعد من الطاعة ويقال له: مارد ومريد، قال الزجاج: يقال: حائط ممرد أي مملس، ويقال شجرة مرداء إذا تناثر ورقها، والذي لم تنبت له لحية يقال له أمرد لكون موضع اللحية أملس، فمن كان شديد البعد عن الطاعة يقال له مريد ومارد لأنه مملس عن طاعة الله لم يلتصق به من هذه الطاعة شيء.

ثم قال تعالى؛ ﴿ لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ وفيه مسألتان.

المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ ﴾ صفتان بمعنى شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة الله وهذا القول الشنيع.

واعلم أن الشيطان هاهنا قد ادعى أشياء: أولها: قوله: ﴿ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ الفرض في اللغة القطع، والفرضة الثلمة التي تكون في طرف النهر، والفرض الحز الذي في الوتر، والفرض في القوس الحز الذي يشد فيه الوتر، والفريضة ما فرض الله على عباده وجعله حتماً عليهم قطعاً لعذرهم، وكذا قوله: ﴿ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً  ﴾ أي جعلتم لهن قطعة من المال.

إذا عرفت هذا فنقول: معنى الآية أن الشيطان لعنه الله قال عند ذلك: لأتخذن من عبادك حظاً مقدراً معيناً، وهم الذين يتبعون خطواته ويقبلون وساوسه، وفي التفسير عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من كل ألف واحد لله وسائره للناس ولإبليس».

فإن قيل: النقل والعقل يدلان على أن حزب الشيطان أكثر عدداً من حزب الله.

أما النقل: فقوله تعالى في صفة البشر ﴿ فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين  ﴾ وقال حاكياً عن الشيطان ﴿ لاحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً  ﴾ .

وحكي عنه أيضاً أنه قال: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ  ﴾ ولا شك أن المخلصين قليلون.

وأما العقل: فهو أن الفساق والكفار أكثر عدداً من المؤمنين المخلصين، ولا شك أن الفساق والكفار كلهم حزب إبليس.

إذا ثبت هذا فنقول: لم قال: ﴿ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً ﴾ مع أن لفظ النصيب لا يتناول القسم الأكثر، وإنما يتناول الأقل؟

والجواب: أن هذا التفاوت إنما يحصل في نوع الشر، أما إذا ضممت زمرة الملائكة مع غاية كثرتهم إلى المؤمنين كانت الغلبة للمؤمنين المخلصين، وأيضاً فالمؤمنون وإن كانوا قليلين في العدد إلا أن منصبهم عظيم عند الله، والكفار والفساق وإن كانوا كثيرين في العدد فهم كالعدم، فلهذا السبب وقع اسم النصيب على قوم إبليس.

وثانيها: ﴿ ولأَضِلَّنَّهُمْ ﴾ يعني عن الحق، قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على أصلين عظيمين من أصولنا.

فالأصل الأول: المضل هو الشيطان، وليس المضل هو الله تعالى قالوا: وإنما قلنا: أن الآية تدل على أن المضل هو الشيطان لأن الشيطان ادعى ذلك والله تعالى ما كذبه فيه، ونظيره قوله: ﴿ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ وقوله: ﴿ لاحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً ﴾ وقوله: ﴿ لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم  ﴾ وأيضاً أنه تعالى ذكر وصفه بكونه مضلاً للناس في معرض الذم له، وذلك يمنع من كون الإله موصوفاً بذلك.

والأصل الثاني: وهو أن أهل السنة يقولون: الاضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال وقلنا: ليس الإضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال بدليل أن إبليس وصف نفسه بأنه مضل مع أنه بالإجماع لا يقدر على خلق الضلال.

والجواب: أن هذاكلام إبليس فلا يكون حجة، وأيضاً أن كلام إبليس في هذه المسألة مضطرب جداً، فتارة يميل إلى القدر المحض، وهو قوله: ﴿ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ وأخرى إلى الجبر المحض وهو قوله: ﴿ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى  ﴾ وتارة يظهر التردد فيه حيث قال: ﴿ رَبَّنَا هَؤُلاء الذين أَغْوَيْنَا أغويناهم كَمَا غَوَيْنَا  ﴾ يعني أن قول هؤلاء الكفار: نحن أغوينا فمن الذي أغوانا عن الدين؟

ولا بدّ من انتهاء الكل بالآخرة إلى الله.

وثالثها: قوله: ﴿ وَلأَمَنّيَنَّهُمْ ﴾ واعلم أنه لما ادعى أنه يضل الخلق قال: ﴿ وَلأمَنّيَنَّهُمْ ﴾ وهذا يشعر بأنه لا حيلة له في الاضلال أقوى من إلقاء الأماني في قلوب الخلق، وطلب الأماني يورث شيئين: الحرص والأمل، والحرص والأمل يستلزمان أكثر الأخلاق الذميمة، وهما كالأمرين اللازمين لجوهر الإنسان قال صلى الله عليه وسلم: «يهرم ابن آدم ويشب معه اثنان الحرص والأمل».

والحرص يستلزم ركوب أهوال الدنيا وأهوال الدين فإنه إذا اشتد حرصه على الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية الله وإيذاء الخلق، وإذا طال أمله نسي الآخرة وصار غريقاً في الدنيا فلا يكاد يقدم على التوبة، ولا يكاد يؤثر فيه الوعظ فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة.

ورابعها: قوله: ﴿ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ الانعام ﴾ البتك القطع، وسيف باتك أي قاطع، والتبتيك التقطيع.

قال الواحدي رحمه الله: التبتيك هاهنا هو قطع آذان البحيرة بإجماع المفسرين، وذلك أنهم كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها.

وقال آخرون: المراد أنهم يقطعون آذان الأنهام نسكاً في عبادة الأوثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر وفسق.

خامسها: قوله: ﴿ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله ﴾ وللمفسرين هاهنا: قولان: الأول: أن المراد من تغيير خلق الله تغيير دين الله، وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والحسن والضحاك ومجاهد والسدي والنخعي وقتادة، وفي تقرير هذا القول وجهان: الأول: أن الله تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم وآمنوا به، فمن كفر فقد غير فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه.

والوجه الثاني: في تقرير هذا القول: أن المراد من تغيير دين الله هو تبديل الحلال حراماً أو الحرام.

القول الثاني: حمل هذا التغيير على تغيير أحوال كلها تتعلق بالظاهر، وذكروا فيه وجوهاً الأول: قال الحسن: المراد ما روى عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الواصلات والواشمات».

قال وذلك لأن المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا.

الثاني: روي عن أنس وشهر بن حوشب وعكرمة وأبي صالح أن معنى تغيير خلق الله هاهنا هو الاخصاء وقطع الآذان وفقء العيون، ولهذا كان أنس يكره إخصاء الغنم، وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفاً عوروا عين فحلها.

الثالث: قال ابن زيد هو التخنث، وأقول: يجب إدخال السحاقات في هذه الآية على هذا القول، لأن التخنث عبارة عن ذكر يشبه الأنثى، والسحق عبارة عن أنثى تشبه الذكر الرابع: حكى الزجاج عن بعضهم أن الله تعالى خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب والوصائل، وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرة للناس ينتفعون بها فعبدها المشركون، فغيروا خلق الله، هذا جملة كلام المفسرين في هذا الباب ويخطر ببالي هاهنا وجه آخر في تخريج الآية على سبيل المعنى، وذلك لأن دخول الضرر والمرض في الشيء يكون على ثلاثة أوجه: التشوش، والنقصان، والبطلان.

فادعى الشيطان لعنه الله إلقاء أكثر الخلق في مرض الدين، وضرر الدين هو قوله: ﴿ وَلأمَنّيَنَّهُمْ ﴾ وذلك لأن صاحب الأماني يشغل عقله وفكره في استخراج المعاني الدقيقة والحيل والوسائل اللطيفة في تحصيل المطالب الشهوانية والغضبية، فهذا مرض روحاني من جنس التشوش، وأما النقصان فالإشارة إليه بقوله: ﴿ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ الانعام ﴾ وذلك لأن بتك الآذان نوع نقصان، وهذا لأن الإنسان إذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف الحزم في طلب الآخرة، وأما البطلان فالإشارة إليه بقوله: ﴿ وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله ﴾ وذلك لأن التغيير يوجب بطلان الصفة الحاصلة في المدة الأولى، ومن المعلوم أن من بقي مواظباً على طلب اللذات العاجلة معرضاً عن السعادات الروحانية فلا يزال يزيد في قلبه الرغبة في الدنيا والنفرة عن الآخرة، ولا تزال تتزايد هذه الأحوال إلى أن يتغير القلب بالكلية فلا يخطر بباله ذكر الآخرة ألبتة، ولا يزول عن خاطره حب الدنيا البتة، فتكون حركته وسكونه وقوله وفعله لأجل الدنيا، وذلك يوجب تغيير الخلقة لأن الأرواح البشرية إنما دخلت في هذا العالم الجسماني على سبيل السفر، وهي متوجهة إلى عالم القيامة، فإذا نسيت معادها وألفت هذه المحسوسات التي لابد من انقضائها وفنائها كان هذا بالحقيقة تغييراً للخلقة، وهو كما قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كالذين نَسُواْ الله فأنساهم أَنفُسَهُمْ  ﴾ وقال: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فِي الصدور  ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما حكى عن الشيطان دعاويه في الاغواء والضلال حذر الناس عن متابعته فقال: ﴿ وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مّن دُونِ الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً ﴾ واعلم أن أحداً لا يختار أن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله، ولكن المعنى أنه إذا فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به صار كأنه اتخذ الشيطان ولياً لنفسه وترك ولاية الله تعالى، وإنما قال: ﴿ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً ﴾ لأن طاعة الله تفيد المنافع العظيمة الدائمة الخالصة عن شوائب الضرر، وطاعة الشيطان تفيد المنافع الثلاثة المنقطعة المشوبة بالغموم والأحزان والآلام الغالبة، والجمع بينهما محال عقلاً، فمن رغب في ولايته فقد فاته أشرف المطالب وأجلها بسبب أخس المطالب وأدونها، ولا شك أن هذا هو الخسار المطلق.

ثم قال تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً ﴾ واعلم أنا بينا في الآية المتقدمة أن عمدة أمر الشيطان إنما هو بإلقاء الأماني في القلب، وأما تبتيك الآذان وتغيير الخلقة فذاك من نتائج إلقاء الأماني في القلب ومن آثاره، فلا جرم نبّه الله تعالى على ما هو العمدة في دفع تلك الأماني وهو أن تلك الأماني لا تفيد إلا الغرور، والغرور هو أن يظن الأنسان بالشيء أنه نافع ولذيذ، ثم يتبين اشتماله على أعظم الآلام والمضار، وجميع أحوال الدنيا كذلك، والعاقل يجب عليه أن لا يلتفت إلى شيء منها، ومثال هذا أن الشيطان يلقي في قلب الإنسان أنه سيطول عمره وينال من الدنيا أمله ومقصوده، ويستولي على أعدائه، ويقع في قلبه أن الدنيا دول فربما تيسرت له كما تيسرت لغيره، إلا أن كل ذلك غرور فإنه ربما لم يطل عمره، وإن طال فربما لم يجد مطلوبه، وإن طال عمره ووجد مطلوبه على أحسن الوجوه فإنه لابد وأن يكون عند الموت في أعظم أنواع الغم والحسرة فإن المطلوب كلما كان ألذ وأشهى وكان الألف معه أدوم وأبقى كانت مفارقته أشد إيلاماً وأعظم تأثيراً في حصول الغم والحسرة، فظهر أن هذه الآية منبهة على ما هو العمدة والقاعدة في هذا الباب.

وفي الآية وجه آخر: وهو أن الشيطان يعدهم بأنه لا قيامة ولا جزاء فاجتهدوا في استيفاء اللذات الدنيوية.

ثم قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ واعلم أنا ذكرنا أن الغرور عبارة عن الحالة التي تحصل للإنسان عند وجدان ما يستحسن ظاهره إلا أنه يعظم تأذيه عند انكشاف الحال فيه، والاستغراق في طيبات الدنيا والانهماك في معاصي الله سبحانه وإن كان في الحال لذيذاً إلا أن عاقبته عذاب جهنم وسخط الله والبعد عن رحمته، فكان هذا المعنى مما يقوي ما تقدم ذكره من أنه ليس إلا الغرور.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً ﴾ المحيص المعدل والمفر.

قال الواحدي رحمه الله: هذه الآية تحتمل وجهين: أحدهما: أنه لابد لهم من ورودها.

الثاني: التخليد الذي هو نصيب الكفار، وهذا غير بعيد لأن الضمير في قوله: ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ ﴾ عائد إلى الذين تقدم ذكرهم، وهم الذين قال الشيطان: لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً.

والأظهر أن الذي يكون نصيباً للشيطان هم الكفار.

ولما ذكر الله الوعيد أردفه بالوعد فقال: ﴿ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً وَعْدَ الله حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قيلا ﴾ .

وأعلم أنه تعالى في أكثر آيات الوعد ذكر ﴿ خالدين فِيهَا أَبَداً ﴾ ولو كان الخلود يفيد التأبيد والدوام للزم التكرار وهو خلاف الأصل، فعلمنا أن الخلود عبارة عن طول المكث لا عن الدوام، وأما في آيات الوعيد فإنه يذكر الخلود ولم يذكر التأبيد إلا في حق الكفار، وذلك يدل على أن عقاب الفساق منقطع.

ثم قال: ﴿ وَعْدَ الله حَقّا ﴾ قال صاحب الكشاف: هما مصدران: الأول: مؤكد لنفسه، كأنه قال: وعد وعداً وحقاً مصدر مؤكد لغيره، أي حق ذلك حقاً.

ثم قال: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً ﴾ وهو توكيد ثالث بليغ.

وفائدة هذه التوكيدات معارضة ما ذكره الشيطان لأتباعه من المواعيد الكاذبة والأماني الباطلة، والتنبيه على أن وعد الله أولى بالقبول وأحق بالتصديق من قول الشيطان الذي ليس أحد أكذب منه، وقرأ حمزة والكسائي ﴿ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً ﴾ باشمام الصاد الزاي، وكذلك كل صاد ساكنة بعدها دال في القرآن نحو ﴿ قَصْدُ السبيل  ﴾ ﴿ فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ  ﴾ والقيل: مصدر قال قولاً وقيلاً، وقال ابن السكيت: القيل والقال اسمان لا مصدران ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوٓءًۭا يُجْزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدْ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًۭا ١٢٣

قوله تعالى: ﴿ لَّيْسَ بأمانيكم وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ الكتاب ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الأمنية أفعولة من المنية، وتمام الكلام في هذا اللفظ مذكور في قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فِي أُمنيتهِ  ﴾ .

المسألة الثانية: ﴿ لَّيْسَ ﴾ فعل، فلابد من اسم يكون هو مسنداً إليه، وفيه وجوه: الأول: ليس الثواب الذي تقدم ذكره والوعد به في قوله: ﴿ سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى  ﴾ الآية، بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، أي ليس يستحق بالأماني إنما يستحق بالإيمان والعمل الصالح.

الثاني: ليس وضع الدين على أمانيكم.

الثالث: ليس الثواب والعقاب بأمانيكم، والوجه الأول أولى لأن إسناد ﴿ لَّيْسَ ﴾ إلى ما هو مذكور فيما قبل أولى من إسناده إلى ما هو غير مذكور.

المسألة الثالثة: الخطاب في قوله: ﴿ لَّيْسَ بأمانيكم ﴾ خطاب مع من؟

فيه قولان: الأول: أنه خطاب مع عبدة الأوثان، وأمانيهم أن لا يكون هناك حشر ولا نشر ولا ثواب ولا عقاب، وإن اعترفوا به لكنهم يصفون أصنامهم بأنها شفعاؤهم عند الله، وأما أماني أهل الكتاب فهو قولهم: ﴿ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى  ﴾ وقولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ فلا يعذبنا، وقولهم: ﴿ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً  ﴾ .

القول الثاني: أنه خطاب مع المسلمين، وأمانيهم أن يغفر لهم وإن ارتكبوا الكبائر، وليس الأمر كذلك، فإنه تعالى يخص بالعفو والرحمة من يشاء كما قال: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  ﴾ وروي أنه تفاخر المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نبيّنا قبل نبيّكم وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نبيّنا خاتم النبيّين، وكتابنا ناسخ الكتب، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

ثم قال تعالى: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على أنه تعالى لا يعفو عن شيء من السيئات، وليس لقائل أن يقول: هذا يشكل بالصغائر فإنها مغفورة قالوا: الجواب عنه من وجهين: الأول: أن العام بعد التخصيص حجة، والثاني: أن صاحب الصغيرة قد انحبط من ثواب طاعته بمقدار عقاب تلك المعصية، فهاهنا قد وصل جزاء تلك المعصية إليه.

أجاب أصحابنا عنه بأن الكلام على عموماته قد تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿ بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَته فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون  ﴾ والذي نزيده في هذه الآية وجوه: الأول: لم لا يجوز أن يكون المراد من هذا الجزاء ما يصل إلى الإنسان في الدنيا من الغموم والهموم والأحزان والآلام والأسقام، والذي يدل على صحة ما ذكرنا القرآن والخبر، أما القرآن فهو قوله تعالى: ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا  ﴾ سمي ذلك القطع بالجزاء وأما الخبر فما روي أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: كيف الصلاح بعد هذه الآية؟

فقال غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض، أليس يصيبك الأذى فهو ما تجزون.

وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قرأ هذه الآية فقال: أنجزى بكل ما نعمل لقد هلكنا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم كلامه فقال: «يجزى المؤمن في الدنيا بمصيبته في جسده وما يؤذيه» وعن أبي هريرة رضي الله عنه: لما نزلت هذه الآية بكينا وحزنا وقلنا: يا رسول الله ما أبقت هذه الآية لنا شيئاً، فقال عليه الصلاة والسلام: «أبشروا فإنه لا يصيب أحد منكم مصيبة في الدنيا إلا جعلها الله له كفارة حتى الشوكة التي تقع في قدمه».

الوجه الثاني في الجواب: هب أن ذلك الجزاء إنما يصل إليهم يوم القيامة لكن لم لا يجوز أن يحصل الجزاء بنقص ثواب إيمانه وسائر طاعاته، ويدل عليه القرآن والخبر والمعقول.

أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات  ﴾ .

وأما الخبر: فما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية شقت على المؤمنين مشقة شديدة، وقالوا يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءاً فكيف الجزاء، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنه تعالى وعد على الطاعة عشر حسنات وعلى المعصية الواحدة عقوبة واحدة فمن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقيت له تسع حسنات فويلٌ لمن غلبت آحاده أعشاره».

وأما المعقول: فهو أن ثواب الإيمان وجميع الطاعات أعظم لا محالة من عقاب الكبيرة الواحدة والعدل يقتضي أن يحط من الأكثر مثل الأقل، فيبقى حينئذٍ من الأكثر شيء زائد فيدخل الجنة بسبب تلك الزيادة.

الوجه الثالث في الجواب: أن هذه الآية إنما نزلت في الكفار، والذي يدل على ما ذكرناه أنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات مِن ذَكَرٍ أَوْ اثنى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة  ﴾ فالمؤمن الذي أطاع الله سبعين سنة ثم شرب قطرة من الخمر فهو مؤمن قد عمل الصالحات، فوجب القطع بأنه يدخل الجنة بحكم هذه الآية، وقولهم: خرج عن كونه مؤمناً فهو باطل للدلائل الدالة على أن صاحب الكبيرة مؤمن، مثل قوله: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا ﴾ إلى قوله: ﴿ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى  ﴾ سمي الباغي حال كونه باغياً مؤمناً، وقال: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى  ﴾ سمي صاحب القتل العمد العدوان مؤمناً، وقال: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى الله  ﴾ سماه مؤمناً حال ما أمره بالتوبة، فثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن، وإذا كان مؤمناً كان قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات ﴾ حجة في أن المؤمن الذي يكون صاحب الكبيرة من أهل الجنة، فوجب أن يكون قوله: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ ﴾ مخصوصاً بأهل الكفر.

الوجه الرابع في الجواب: هب أن النص يعم المؤمن والكافر، ولكن قوله: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  ﴾ أخص منه والخاص مقدم على العام، ولأن إلحاق التأويل بعمومات الوعيد أولى من إلحاقه بعمومات الوعد لأن الوفاء بالوعد كرم، وإهمال الوعيد وحمله على التأويل بالتعريض جود وإحسان.

المسألة الثانية: دلّت الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لأن قوله: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءا ﴾ يتناول جميع المحرمات، فدخل فيه ما صدر عن الكفار مما هو محرم في دين الإسلام ثم قوله: ﴿ يُجْزَ بِهِ ﴾ يدل على وصول جزاء كل ذلك إليهم.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون ذلك الجزاء عبارة عما يصل إليهم من الهموم والغموم في الدنيا.

قلنا: إنه لابد وأن يصل جزاء أعمالهم الحسنة إليهم في الدنيا إذ لا سبيل إلى إيصال ذلك الجزاء إليهم في الآخرة، وإذا كان كذلك فهذا يقتضي أن يكون تنعمهم في الدنيا أكثر ولذاتهم هاهنا أكمل، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر».

وإذا كان كذلك امتنع أن يقال: إن جزاء أفعالهم المحظورة تصل إليهم في الدنيا، فوجب القول بوصول ذلك الجزاء إليهم في الآخرة.

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: دلت الآية على أن العبد فاعل، ودلت أيضاً على أنه بعمل السوء يستحق الجزاء، وإذا دلت الآية على مجموع هذين الأمرين فقد دلت على أن الله غير خالق لأفعال العباد، وذلك من وجهين: أحدهما: أنه لما كان عملاً للعبد امتنع كونه عملاً لله تعالى لاستحالة حصول مقدور واحد بقادرين، والثاني: أنه لو حصل بخلق الله تعالى لما استحق العبد عليه جزاء ألبتة وذلك باطل، لأن الآية دالة على أن العبد يستحق الجزاء على عمله، وأعلم أن الكلام على هذا النوع من الاستدلال مكرر في هذا الكتاب.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ .

قالت المعتزلة: دلت الآية على نفي الشفاعة، والجواب من وجهين: الأول: أنا قلنا أنَّ هذه الآية في حق الكفار.

والثاني: أن شفاعة الأنبياء والملائكة في حق العصاة إنما تكون بإذن الله تعالى، وإذا كان كذلك فلا ولي لأحد ولا نصير لأحد إلا الله سبحانه وتعالى ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًۭا ١٢٤

قال مسروق: لما نزل قوله: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ  ﴾ قال أهل الكتاب للمسلمين: نحن وأنتم سواء، فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم ﴿ يَدْخُلُونَ الجنة ﴾ بضم الياء وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله، وكذلك في سورة مريم وفي حم المؤمن، والباقون بفتح الياء وضم الخاء في هذه السورة جميعاً على أن الدخول مضاف إليهم، وكلاهما حسن، والأول أحسن لأنه أفخم، ويدل على مثيب أدخلهم الجنة ويوافق ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ ﴾ وأما القراءة الثانية فهي مطابقة لقوله تعالى: ﴿ ادخلوا الجنة أَنتُمْ وأزواجكم  ﴾ ولقوله: ﴿ ادخلوها بِسَلامٍ  ﴾ [ق: 34]، والله أعلم.

المسألة الثانية: قالوا: الفرق بين ﴿ مِنْ ﴾ الأولى والثانية أن الأولى للتبعيض، والمراد من يعمل بعض الصالحات لأن أحداً لا يقدر على أن يعمل جميع الصالحات، بل المراد أنه إذا عمل بعضها حال كونه مؤمناً استحق الثواب.

وأعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن صاحب الكبيرة لا يبقى مخلداً في النار، بل ينقل إلى الجنة، وذلك لأنا بينا أن صاحب الكبيرة مؤمن، وإذا ثبت هذا فنقول: إن صاحب الكبيرة إذا كان قد صلّى وصام وحج وزكى وجب بحكم هذه الآية أن يدخل الجنة، ولزم بحكم الآيات الدالة على وعيد الفساق أن يدخل النار، فأما أن يدخل الجنة ثم ينقل إلى النار فذلك باطل بالإجماع، أو يدخل النار ثم ينقل إلى الجنة فذلك هو الحق الذي لا محيد عنه، والله أعلم.

المسألة الثالثة: النقير: نقرة في ظهر النواة منها تنبت النخلة، والمعنى أنهم لا ينقصون قدر منبت النواة.

فإن قيل: كيف خص الله الصالحين بأنهم لا يظلمون مع أن غيرهم كذلك كما قال: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ  ﴾ وقال: ﴿ وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين  ﴾ .

والجواب من وجهين: الأول: أن يكون الراجع في قوله: ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ ﴾ عائداً إلى عمال السوء وعمال الصالحات جميعاً، والثاني: أن كل ما لا ينقص عن الثواب كان بأن لا يزيد في العقاب أولى هذا هو الحكم فيما بين الخلق، فذكر الله تعالى هذا الحكم على وفق تعارف الخلق.

<div class="verse-tafsir"

وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًۭا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌۭ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًۭا ١٢٥ وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍۢ مُّحِيطًۭا ١٢٦

أعلم أنه تعالى لما شرط حصول النجاة والفوز بالجنة بكون الإنسان مؤمناً شرح الإيمان وبين فضله من وجهين: أحدهما: أنه الدين المشتمل على إظهار كمال العبودية والخضوع والانقياد لله تعالى، والثاني: وهو أنه الدين الذي كان عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وكل واحد من هذين الوجهين سبب مستقل بالترغيب في دين الإسلام.

أما الوجه الأول: فأعلم أن دين الإسلام مبين على أمرين: الاعتقاد والعمل: أما الاعتقاد فإليه الإشارة بقوله: ﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ ﴾ وذلك لأن الإسلام هو الانقياد والخضوع.

والوجه أحسن أعضاء الإنسان، فالإنسان إذا عرف بقلبه ربه وأقر بربوبيته وبعبودية نفسه فقد أسلم وجهه لله، وأما العمل فإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ ويدخل فيه فعل الحسنات وترك السيئات، فتأمل في هذه اللفظة المختصرة واحتوائها على جميع المقاصد والأغراض، وأيضاً فقوله: ﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ يفيد الحصر، معناه أنه أسلم نفسه لله وما أسلم لغير الله وهذا تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلا عند تفويض جميع الأمور إلى الخالق وأظهار التبري من الحول والقوة، وأيضاً ففيه تنبيه على فساد طريقة من استعان بغير الله، فإن المشركين كانوا يستعينون بالأصنام ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، والدهرية والطبيعيون يستعينون بالأفلاك والكواكب والطبائع وغيرها، واليهود كانوا يقولون في دفع عقاب الآخرة عنهم: أنهم من أولاد الأنبياء، والنصارى كانوا يقولون: ثالث ثلاثة، فجميع الفرق قد استعانوا بغير الله.

وأما المعتزلة فهم في الحقيقة ما أسلمت وجوههم لله لأنهم يرون الطاعة الموجبة لثوابهم من أنفسهم، وأما أهل السنة الذين فوضوا التدبير والتكوين والإبداع والخلق إلى الحق سبحانه وتعالى، واعتقدوا أنه لا موجد ولا مؤثر إلا لله فهم الذين أسلموا وجوههم لله وعولوا بالكلية على فضل الله، وانقطع نظرهم عن كل شيء ما سوى الله.

وأما الوجه الثاني في بيان فضيلة الإسلام: وهو أن محمداً عليه الصلاة والسلام إنما دعا الخلق إلى دين إبراهيم عليه السلام، فلقد اشتهر عند كل الخلق أن إبراهيم عليه السلام ما كان يدعو إلا إلى الله تعالى كما قال: ﴿ إِنَّنِى بَرِئ مّمَّا تُشْرِكُونَ  ﴾ وما كان يدعو إلى عبادة فلك ولا طاعة كوكب ولا سجدة صنم ولا استعانة بطبيعة، بل كان دينه الدعوة إلى الله والإعراض عن كل ما سوى الله ودعوة محمد عليه الصلاة والسلام قد كان قريباً من شرع إبراهيم عليه السلام في الختان وفي الأعمال المتعلقة بالكعبة: مثل الصلاة إليها والطواف بها والسعي والرمي والوقوف والحلق والكلمات العشر المذكورة في قوله: ﴿ وَإِذَا ابتلى إبراهيم رَبُّهُ  ﴾ ولما ثبت أن شرع محمد عليه الصلاة والسلام كان قريباً من شرع إبراهيم ثم إن شرع إبراهيم مقبول عند الكل، وذلك لأن العرب لا يفتخرون بشيء كافتخارهم بالانتساب إلى إبراهيم، وأما اليهود والنصارى فلا شك في كونهم مفتخرين به، وإذا ثبت هذا لزم أن يكون شرع محمد مقبولاً عند الكل.

وأما قوله: ﴿ حَنِيفاً ﴾ ففيه بحثان: الأول: يجوز أن يكون حالاً للمتبوع، وأن يكون حالاً للتابع، كما إذا قلت: رأيت راكباً، فإنه يجوز أن يكون الراكب حالاً للمرئي والرائي.

البحث الثاني: الحنيف المائل، ومعناه أنه مائل عن الأديان كلها، لأن ما سواه باطل، والحق أنه مائل عن كل ظاهر وباطن، وتحقيق الكلام فيه أن الباطل وإن كان بعيداً من الباطل الذي يضاده فقد يكون قريباً من الباطل الذي يجانسه، وأما الحق فإنه واحد فيكون مائلاً عن كل ما عداه كالمركز الذي يكون في غاية البعد عن جميع أجزاء الدائرة.

فإن قيل: ظاهر هذه الآية يقتضي أن شرع محمد عليه الصلاة والسلام نفس شرع إبراهيم، وعلى هذا التقدير لم يكن محمد عليه الصلاة والسلام صاحب شريعة مستقلة، وأنتم لا تقولون بذلك.

قلنا: يجوز أن تكون ملة إبراهيم داخلة في ملة محمد عليه الصلاة والسلام مع اشتمال هذه الملة على زوائد حسنة وفوائد جليلة.

ثم قال تعالى: ﴿ واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها، وفيه وجهان: الأول: أن إبراهيم عليه السلام لما بلغ في علو الدرجة في الدين أن اتخذه الله خليلاً كان جديراً بأن يتبع خلقه وطريقته.

والثاني: أنه لما ذكر ملة إبراهيم ووصفه بكونه حنيفاً ثم قال عقيبه ﴿ واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً ﴾ أشعر هذا بأنه سبحانه إنما اتخذه خليلاً لأنه كان عالماً بذلك الشرع آتياً بتلك التكاليف، ومما يؤكد هذا قوله: ﴿ وَإِذَا ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا  ﴾ وهذا يدل على أنه سبحانه إنما جعله إماماً للخلق لأنه أتم تلك الكلمات.

وإذ ثبت هذا فنقول: لما دلت الآية على أن إبراهيم عليه السلام إنما كان بهذا المنصب العالي وهو كونه خليلاً لله تعالى بسبب أنه كان عاملاً بتلك الشريعة كان هذا تنبيهاً على أن من عمل بهذا الشرع لابد وأن يفوز بأعظم المناصب في الدين، وذلك يفيد الترغيب العظيم في هذا الدين.

فإن قيل: ما موقع قوله: ﴿ واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً ﴾ قلنا: هذه الجملة اعتراضية لا محل لها من الاعراب، ونظيره ما جاء في الشعر من قوله: والحوادث جمة *** والجملة الاعتراضية من شأنها تأكيد ذلك الكلام، والأمر هاهنا كذلك على ما بيناه.

المسألة الثانية: ذكروا في اشتقاق الخليل وجوهاً: الأول: أن خليل الإنسان هو الذي يدخل في خلال أموره وأسراره، والذي دخل حبه في خلال أجزاء قلبه، ولا شك أن ذلك هو الغاية في المحبة.

قيل: لما أطلع الله إبراهيم عليه السلام على الملكوت الأعلى والأسفل ودعا القوم مرة بعد أخرى إلى توحيد الله، ومنعهم عن عبادة النجم والقمر والشمس، ومنعهم عن عبادة الأوثان ثم سلم نفسه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان جعله الله إماماً للخلق ورسولاً إليهم، وبشره بأن الملك والنبوة في ذريته، فلهذه الاختصاصات سماه خليلاً، لأن محبة الله لعبده عبارة عن إرادته لإيصال الخيرات والمنافع إليه.

الوجه الثاني في اشتقاق اسم الخليل: أنه الذي يوافقك في خلالك.

أقول: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تخلقوا بأخلاق الله» فيشبه أن إبراهيم عليه السلام لما بلغ في هذا الباب مبلغاً لم يبلغه أحد ممن تقدم لا جرم خصه الله بهذا التشريف.

الوجه الثالث: قال صاحب الكشاف: إن الخليل هو الذي يسايرك في طريقك، من الخل وهو الطريق في الرمل، وهذا الوجه قريب من الوجه الثاني، أو يحمل ذلك على شدة طاعته لله وعدم تمرده في ظاهره وباطنه عن حكم الله، كما أخبر الله عنه بقوله: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين  ﴾ .

الوجه الرابع: الخليل هو الذي يسد خللك كما تسد خلله، وهذا القول ضعيف لأن إبراهيم عليه السلام لما كان خليلاً مع الله امتنع أن يقال: إنه يسد الخلل، ومن هاهنا علمنا أنه لا يمكن تفسير الخليل بذلك، أما المفسرون فقد ذكروا في سبب نزول هذا اللقب وجوها: الأول: أنه لما صار الرمل الذي أتى به غلمانه دقيقاً قالت امرأته: هذا من عند خليلك المصري، فقال إبراهيم: بل هو من خليلي الله، والثاني: قال شهر بن حوشب: هبط ملك في صورة رجل وذكر اسم الله بصوت رخيم شجي فقال إبراهيم عليه السلام: اذكره مرة أخرى، فقال لا أذكره مجاناً، فقال لك مالي كله، فذكره الملك بصوت أشجى من الأول، فقال: اذكره مرة ثالثة ولك أولادي، فقال الملك: أبشر فإني ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك، وإنما كان المقصود امتحانك، فلما بذل المال والأولاد على سماع ذكر الله لا جرم اتخذه الله خليلاً.

الثالث: روى طاوس عن ابن عباس أن جبريل والملائكة لما دخلوا على إبراهيم في صورة غلمان حسان الوجوه وظن الخليل أنهم أضيافه وذبح لهم عجلاً سميناً وقربه إليهم وقال كلوا على شرط أن تسموا الله في أوله وتحمدوه في آخره، فقال جبريل أنت خليل الله، فنزل هذا الوصف.

وأقول: فيه عندي وجه آخر، وهو أن جوهر الروح إذا كان مضيئاً مشرقاً علوياً قليل التعلق باللذات الجسمانية والأحوال الجسدانية، ثم انضاف إلى مثل هذا الجوهر المقدس الشريف أعمال تزيده صقالة عن الكدورات الجسمانية وأفكار تزيده استنارة بالمعارف القدسية والجلايا الإلهية، صار مثل هذا الإنسان متوغلاً في عالم القدس والطهارة متبرئاً عن علائق الجسم والحس، ثم لا يزال هذا الإنسان يتزايد في هذه الأحوال الشريفة إلى أن يصير بحيث لا يرى إلاّ الله، ولا يسمع إلاّ الله، ولا يتحرك إلاّ بالله، ولا يسكن إلاّ بالله، ولا يمشي إلا بالله، فكان نور جلال الله قد سرى في جميع قواه الجسمانية وتخلل فيها وغاص في جواهرها، وتوغل في ماهياتها، فمثل هذا الإنسان هو الموصوف حقاً بأنه خليل لما أنه تخللت محبة الله في جميع قواه، وإليه الإشارة بقول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: اللّهم اجعل في قلبي نوراً وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً وفي عصبي نوراً.

المسألة الثالثة: قال بعض النصارى: لما جاز إطلاق اسم الخليل على إنسان معين على سبيل الاعزاز والتشريف، فلم لا يجوز إطلاق اسم الابن في حق عيسى عليه السلام على سبيل الاعزاز والتشريف.

وجوابه: أن الفرق أن كونه خليلاً عبارة عن المحبة المفرطة، وذلك لا يقتضي الجنسية، أما الابن فإنه مشعر بالجنسية، وجلّ الإله عن مجانسة الممكنات ومشابهة المحدثات.

ثم قال تعالى: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَكَانَ الله بِكُلّ شَيء مُّحِيطاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها، وفيه وجوه: الأول: أن يكون المعنى أنه لم يتخذ الله إبراهيم خليلاً لاحتياجه إليه في أمر من الأمور كما تكون خلة الآدميين، وكيف يعقل ذلك وله ملك السموات والأرض، وما كان كذلك، فكيف يعقل أن يكون محتاجاً إلى البشر الضعيف، وإنما اتخذه خليلاً بمحض الفضل والإحسان والكرم، ولأنه لما كان مخلصاً في العبودية لا جرم خصه الله بهذا التشريف، والحاصل أن كونه خليلاً يوهم الجنسية فهو سبحانه أزال وهم المجانسة والمشاكلة بهذا الكلام.

والثاني: أنه تعالى ذكر من أول السورة إلى هذا الموضع أنواعاً كثيرة من الأمر والنهي والوعد والوعيد، فبيّن هاهنا أنه إله المحدثات وموجد الكائنات والممكنات، ومن كان كذلك كان ملكاً مطاعاً فوجب على كل عاقل أن يخضع لتكاليفه وأن ينقاد لأمره ونهيه.

الثالث: أنه تعالى لما ذكر الوعد والوعيد ولا يمكن الوفاء بهما إلاّ عند حصول أمرين: أحدهما: القدرة التامة المتعلقة بجميع الكائنات والممكنات.

والثاني: العلم التام المتعلق بجميع الجزئيات والكليات حتى لا يشتبه عليه المطيع والعاصي والمحسن والمسيء، فدل على كمال قدرته بقوله: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ وعلى كمال علمه بقوله: ﴿ وَكَانَ الله بِكُلّ شَيء مُّحِيطاً ﴾ الرابع: أنه سبحانه لما وصف إبراهيم بأنه خليله بين أنه مع هذه الخلة عبد له، وذلك لأنه له ما في السموات وما في الأرض، ويجري هذا مجرى قوله: ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي السموات والأرض إِلاَّ آتِى الرحمن عَبْداً  ﴾ ومجرى قوله: ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الملائكة المقربون  ﴾ يعني أن الملائكة مع كمالهم في صفة القدرة والقوة في صفة العلم والحكمة لما لم يستنكفوا عن عبودية الله فكيف يمكن أن يستنكف المسيح مع ضعف بشريته عن عبودية اللها كذا هاهنا، يعني إذا كان كل من في السموات والأرض ملكه في تسخيره ونفاذ إلهيته فكيف يعقل أن يقال: إن اتخاذ الله إبراهيم عليه السلام خليلاً يخرجه عن عبودية الله، وهذه الوجوه كلها حسنة متناسبة.

المسألة الثانية: إنما قال: ﴿ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ ولم يقل (من) لأنه ذهب مذهب الجنس، والذي يعقل إذا ذكر وأريد به الجنيس ذكر بما.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وَكَانَ الله بِكُلّ شَيء محيطاً ﴾ فيه وجهان: أحدهما: المراد منه الإحاطة في العلم.

والثاني: المراد منه الإحاطة بالقدرة، كما في قوله لعالى ﴿ وأخرى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا  ﴾ قال القائلون بهذا القول: وليس لقائل أن يقول لما دل قوله: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ على كمال القدرة، فلو حملنا قوله: ﴿ وَكَانَ الله بِكُلّ شَيء مُّحِيطاً ﴾ على كمال القدرة لزم التكرار، وذلك لأنا نقول: إن قوله: ﴿ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ لا يفيد ظاهره إلاّ كونه تعالى قادراً مالكاً لكل ما في السموات وما في الأرض، ولا يفيد كونه قادراً على ما يكون خارجاً عنهما ومغايراً لهما، فلما قال: ﴿ وَكَانَ الله بِكُلّ شَيء مُّحِيطاً ﴾ دل على كونه قادراً على ما لا نهاية له من المقدورات خارجاً عن هذه السموات والأرض، على أن سلسلة القضاء والقدر في جميع الكائنات والممكنات إنما تنقطع بإيجاده وتكوينه وإبداعه، فهذا تقرير هذا القول، إلاّ أن القول الأول أحسن لما بينا أن الإلهية والوفاء بالوعد إنما يحصل ويكمل بمجموع القدرة والعلم، فلابد من ذكرهما معاً، وإنما قدم ذكر القدرة على ذكر العلم لما ثبت في علم الأصول أن العلم بالله هو العلم بكونه قادراً، ثم بعد العلم بكونه قادراً يعلم كونه عالماً لما أن الفعل بحدوثه يدل على القدرة، وبما فيه من الأحكام والإتقان يدل على العلم، ولا شك أن الأول مقدم على الثاني.

<div class="verse-tafsir"

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ ۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّـٰتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُوا۟ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمًۭا ١٢٧

اعلم أن عادة الله في ترتيب هذا الكتاب الكريم وقع على أحسن الوجوه وهو أنه يذكر شيئاً من الأحكام ثم يذكر عقيبه آيات كثيرة في الوعد والترغيب والترهيب ويخلط بها آيات دالة على كبرياء الله وجلال قدرته وعظمة إلهيته.

ثم يعود مرة أخرى إلى بيان الأحكام، وهذا أحسن أنواع الترتيب وأقربها إلى التأثير في القلوب، لأن التكليف بالأعمال الشاقة لا يقع في موقع القبول إلاّ إذا كان مقروناً بالوعد والوعيد، والوعد والوعيد لا يؤثر في القلب إلاّ عند القطع بغاية كمال من صدر عنه الوعد والوعيد، فظهر أن هذا الترتيب أحسن الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الدين الحق.

إذا عرفت هذا فنقول: إنه سبحانه ذكر في أول هذه السورة أنواعاً كثيرة من الشرائع والتكاليف، ثم أتبعها بشرح أحوال الكافرين والمنافقين واستقصى في ذلك، ثم ختم تلك الآيات الدالة على عظمة جلال الله وكمال كبريائه، ثم عاد بعد ذلك إلى بيان الأحكام فقال: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النساء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: الاستفتاء طلب الفتوى يقال: استفتيت الرجل في المسألة فأفتاني إفتاء وفتياً وفتوى، وهما إسمان موضوعان موضع الافتاء، ويقال: أفتيت فلاناً في رؤيا رآها إذا عبرها قال تعالى: ﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرات سِمَانٍ  ﴾ ومعنى الافتاء إظهار المشكل، وأصله من الفتى وهو الشاب الذي قوي وكمل، فالمعنى كأنه يقوى ببيانه ما أشكل ويصير قوياً فتياً.

المسألة الثانية: ذكروا في سبب نزول هذه الآية قولين: الأول: أن العرب كانت لا تورث النساء والصبيان شيئاً من الميراث كما ذكرنا في أول هذه السورة، فهذه الآية نزلت في توريثهم.

والثاني: أن الآية نزلت في توفية الصداق لهن، وكان اليتيمة تكون عند الرجل فإذا كانت جميلة ولها مال تزوج بها وأكل مالها، وإذا كانت دميمة منعها من الأزواج حتى تموت فيرثها، فأنزل الله هذه الآية.

المسألة الثالثة: اعلم أن الاستفتاء لا يقع عن ذوات النساء وإنما يقع عن حالة من أحوالهن وصفة من صفاتهن، وتلك الحالة غير مذكورة في الآية فكانت مجملة غير دالة على الأمر الذي وقع عنه الاستفتاء.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ ﴾ ففيه أقوال: الأول: أنه رفع بالابتداء والتقدير: قل الله يفتيكم في النساء، والمتلو في الكتاب يفتيكم فيهن أيضاً، وذلك المتلو في الكتاب هو قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى  ﴾ .

وحاصل الكلام أنهم كانوا قد سألوا عن أحوال كثيرة من أحوال النساء، فما كان منها غير مبين الحكم ذكر أن الله يفتيهم فيها، وما كان منها مبين الحكم في الآيات المتقدمة ذكر أن تلك الآيات المتلوة تفتيهم فيها.

وجعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب، ألا ترى أنه يقال في المجاز المشهور: إن كتاب الله بيّن لنا هذا الحكم، وكما جاز هذا جاز أيضاً أن يقال: إن كتاب الله أفتى بكذا.

القول الثاني: أن قوله: ﴿ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ ﴾ مبتدأ و ﴿ فِى الكتاب ﴾ خبره، وهي جملة معترضة، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ، والغرض منه تعظيم حال هذه الآية التي تتلى عليهم وأن العدل والإنصاف في حقوق اليتامى من عظائم الأمور عند الله تعالى التي يجب مراعاتها والمحافظة عليها، والمخل بها ظالم متهاون بما عظمه الله.

ونظيره في تعظيم القرآن قوله: ﴿ وَإِنَّهُ فِي أُمّ الكتاب لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ  ﴾ .

القول الثالث: أنه مجرور على القسم، كأنه قيل: قل الله يفتيكم فيهن، وأقسم بما يتلى عليكم في الكتاب، والقسم أيضاً بمعنى التعظيم.

والقول الرابع: أنه عطف على المجرور في قوله: ﴿ فِيهِنَّ ﴾ والمعنى: قل الله يفتيكم فيهن وفيما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء، قال الزجاج: وهذا الوجه بعيد جداً نظراً إلى اللفظ والمعنى، أما اللفظ فلأنه يقتضي عطف المظهر على المضمر، وذلك غير جائز كما شرحناه في قوله: ﴿ تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام  ﴾ وأما المعنى فلأن هذا القول يقتضي أنه تعالى في تلك المسائل أفتى ويفتي أيضاً فيما يتلى من الكتاب، ومعلوم أنه ليس المراد ذلك، وإنما المراد أنه تعالى يفتي فيما سألوا من المسائل: بقي هاهنا سؤالان: السؤال الأول: بم تعلق قوله: ﴿ فِى يتامى النساء ﴾ .

قلنا: هو في الوجه الأول صلة ﴿ يتلى ﴾ أي يتلى عليكم في معناهن، وأما في سائر الوجوه فبدل من ﴿ فِيهِنَّ ﴾ .

السؤال الثاني: الإضافة في ﴿ يتامى النساء ﴾ ما هي؟

الجواب: قال الكوفيون: معناه في النساء اليتامى، فأضيفت الصفة إلى الاسم، كما تقول: يوم الجمعة، وحق اليقين.

وقال البصريون: إضافة الصفة إلى الاسم غير جائز فلا يقال مررت بطالعة الشمس، وذلك لأن الصفة والموصوف شيء واحد، وإضافة الشيء إلى نفسه محال.

وهذا التعليل ضعيف لأن الموصوف قد يبقى بدون الوصف، وذلك يدل على أن الموصوف غير الصفة، ثم أن البصريين فرعوا على هذا القول وقالوا: النساء في الآية غير اليتامى، والمراد بالنساء أمهات اليتامى أضيفت إليهن أولادهن اليتامى، ويدل عليه أن الآية نزلت في قصة أم كحة، وكانت لها يتامى.

ثم قال: ﴿ اللاتى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ ﴾ قال ابن عباس: يريد ما فرض لهن من الميراث، وهذا على قول من يقول: نزلت الآية في ميراث اليتامى والصغار، وعلى قول الباقين المراد بقوله: ﴿ مَا كُتِبَ لَهُنَّ ﴾ الصداق.

ثم قال تعالى: ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ قال أبو عبيدة: هذا يحتمل الرغبة والنفرة، فإن حملته على الرغبة كان المعنى: وترغبون في أن تنكحوهن، وإن حملته على النفرة كان المعنى: وترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن.

واحتج أصحاب أبي حنيفة رحمه الله بهذه الآية على أنه يجوز لغير الأب والجد تزويج الصغيرة، ولا حجة لهم فيها لاحتمال أن يكون المراد: وترغبون أن تنكحوهن إذا بلغن، والدليل على صحة قولنا: أن قدامة بن مظعون زوج بنت أخيه عثمان بن مظعون من عبد الله بن عمر، فخطبها المغيرة بن شعبة ورغب أمها في المال، فجاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قدامة: أنا عمها ووصي أبيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها صغيرة وإنها لا تزوج إلاّ بإذنها»، وفرق بينها وبين ابن عمر، ولأنه ليس في الآية أكثر من ذكر رغبة الأولياء في نكاح اليتيمة، وذلك لا يدل على الجواز.

ثم قال تعالى: ﴿ والمستضعفين مِنَ الولدان ﴾ وهو مجرور معطوف على يتامى النساء كانوا في الجاهلية لا يورثون الأطفال ولا النساء، وإنما يورثون الرجال الذين بلغوا إلى القيام بالأمور العظيمة دون الأطفال والنساء.

ثم قال تعالى: ﴿ وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط ﴾ وهو مجرور معطوف على المستضعفين، وتقدير الآية: وما يتلى عليكم في الكتاب يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله كَانَ بِهِ عَلِيماً ﴾ يجازيكم عليه ولا يضيع عند الله منه شيء.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنۢ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًۭا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًۭا ۚ وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌۭ ۗ وَأُحْضِرَتِ ٱلْأَنفُسُ ٱلشُّحَّ ۚ وَإِن تُحْسِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا ١٢٨

اعلم أن هذا من جملة ما أخبر الله تعالى أنه يفتيهم به في النساء مما لم يتقدم ذكره في هذه السورة وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال بعضهم: هذه الآية شبيهة بقوله: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ  ﴾ وقوله: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا  ﴾ وهاهنا ارتفع ﴿ امرأة ﴾ بفعل يفسره ﴿ خافت ﴾ وكذا القول في جميع الآيات التي تلوناها والله أعلم.

المسألة الثانية: قال بعضهم: خافت أي علمت، وقال آخرون: ظنت، وكل ذلك ترك للظاهر من غير حاجة، بل المراد نفس الخوف إلاّ أن الخوف لا يحصل إلاّ عند ظهور الأمارات الدالة على وقوع الخوف، وتلك الأمارات هاهنا أن يقول الرجل لامرأته: إنك دميمة أو شيخة وإني أريد أن أتزوج شابة جميلة، والبعل هو الزوج، والأصل في البعل هو السيد، ثم سمي الزوج به لكونه كالسيد للزوجة؛ ويجمع البعل على بعولة، وقد سبق هذا في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ  ﴾ والنشوز يكون من الزوجين وهو كراهة كل واحد منهما صاحبه، واشتقاقه من النشز وهو ما ارتفع من الأرض، ونشوز الرجل في حق المرأة أن يعرض عنها ويعبس وجهه في وجهها ويترك مجامعتها ويسيء عشرتها.

المسألة الثالثة: ذكر المفسرون في سبب نزول الآية وجوهاً: الأول: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الآية نزلت في ابن أبي السائب كانت له زوجة وله منها أولاد وكانت شيخة فهم بطلاقها، فقالت لا تطلقني ودعني أشتغل بمصالح أولادي وأقسم في كل شهر ليالي قليلة، فقال الزوج: إن كان الأمر كذلك فهو أصلح لي.

والثاني: أنها نزلت في قصة سودة بنت زمعة أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يطلقها، فالتمست أن يمسكها ويجعل نوبتها لعائشة، فأجاز النبي عليه الصلاة والسلام ذلك ولم يطلقها.

والثالث: روي عن عائشة أنها قالت: نزلت في المرأة تكون عند الرجل ويريد الرجل أن يستبدل بها غيرها، فتقول: أمسكني وتزوج بغيري، وأنت في حل من النفقة والقسم.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً ﴾ المراد بالنشوز إظهار الخشونة في القول أو الفعل أو فيهما، والمراد من الإعراض السكوت عن الخير والشر والمداعاة والإيذاء، وذلك لأن هذا الإعراض يدل دلالة قوية على النفرة والكراهة.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿ يُصْلِحَا ﴾ بضم الياء وكسر اللام وحذف الألف من الإصلاح، والباقون ﴿ يصالحا ﴾ بفتح الياء والصاد، والألف بين الصاد واللام وتشديد الصاد من التصالح، ويصالحا في الأصل هو يتصالحا، فسكنت التاء وأدغمت في الصاد.

ونظيره قوله: ﴿ اداركوا فِيهَا  ﴾ أصله تداركوا سكنت التاء وأبدلت بالدال لقرب المخرج وأدغمت في الدال، ثم اجتلبت الهمزة للابتداء بها فصار اداركوا.

إذا عرفت هذا فنقول: من قرأ ﴿ يُصْلِحَا ﴾ فوجهه أن الاصلاح عند التنازع والتشاجر مستعمل قال تعالى: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ  ﴾ وقال: ﴿ أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس  ﴾ ومن قرأ ﴿ يصالحا ﴾ وهو الاختيار عند الأكثرين قال: أن يصالحا معناه يتوافقا، وهو أليق بهذا الموضع وفي حرف عبد الله: فلا جناح عليهما أن صالحا، وانتصب صلحاً في هذه القراءة على المصدر وكان الأصل أن يقال: تصالحا، ولكنه ورد كما في قوله: ﴿ والله أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض نَبَاتاً  ﴾ وقوله: ﴿ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً  ﴾ وقول الشاعر: وبعد عطائك المائة الرتاعا *** المسألة الثانية: الصلح إنما يحصل في شيء يكون حقاً له، وحق المرأة على الزوج إما المهر أو النفقة أو القسم، فهذه الثلاثة هي التي تقدر المرأة على طلبها من الزوج شاء أم أبى، أما الوطء فليس كذلك، لأن الزوج لا يجبر على الوطء.

إذا عرفت هذا فنقول: هذا الصلح عبارة عما إذا بذلت المرأة كل الصداق أو بعضه للزوج أو أسقطت عنه مؤنة النفقة، أو أسقطت عنه القسم، وكان غرضها من ذلك أن لا يطلقها زوجها، فإذا وقعت المصالحة على ذلك كان جائزاً.

ثم قال تعالى: ﴿ والصلح خَيْرٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الصلح مفرد دخل فيه حرف التعريف، والمفرد الذي دخل فيه حرف التعريف هل يفيد العموم أم لا؟

والذي نصرناه في أصول الفقه أنه لا يفيده، وذكرنا الدلائل الكثيرة فيه.

وأما إذا قلنا: إنه يفيد العموم فهاهنا بحث، وهو أنه إذا حصل هناك معهود سابق فحمله على العموم أولى أم على المعهود السابق؟

الأصح أن حمله على المعهود السابق أولى، وذلك لأنا إنما حملناه على الاستغراق ضرورة أنا لو لم نقل ذلك لصار مجملاً ويخرج عن الإفادة، فإذا حصل هناك معهود سابق اندفع هذا المحذور فوجب حمله عليه.

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: من الناس من حمل قوله: ﴿ والصلح خَيْرٌ ﴾ على الاستغراق، ومنهم من حمله على المعهود السابق، يعني الصلح بين الزوجين خير من الفرقة، والأولون تمسكوا به في مسألة أن الصلح على الإنكار جائز كما هو قول أبي حنيفة، وأما نحن فقد بينا أن حمل هذا اللفظ على المعهود السابق أولى، فاندفع استدلالهم والله أعلم.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: هذه الجملة اعتراض، وكذلك قوله: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح ﴾ إلاّ أنه اعتراض مؤكد للمطلوب فحصل المقصود.

المسألة الثالثة: أنه تعالى ذكر أولاً قوله: ﴿ فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا ﴾ فقوله: ﴿ لاَّ جُنَاحَ ﴾ يوهم أنه رخصة، والغاية فيه ارتفاع الإثم، فبيّن تعالى أن هذا الصلح كما أنه لا جناح فيه ولا إثم فكذلك فيه خير عظيم ومنفعة كثيرة، فإنهما إذا تصالحا على شيء فذاك خير من أن يتفرقا أو يقيما على النشوز والإعراض، أما قوله تعالى: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح ﴾ .

فأعلم أن الشح هو البخل، والمراد أن الشح جعل كالأمر المجاور للنفوس اللازم لها، يعني أن النفوس مطبوعة على الشح، ثم يحتمل أن يكون المراد منه أن المرأة تشح ببذل نصيبها وحقها، ويحتمل أن يكون المراد أن الزوج يشح بأن يقضي عمره معها مع دمامة وجهها وكبر سنها وعدم حصول اللذة بمجانستها.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ وفيه وجوه: الأول: أنه خطاب مع الأزواج، يعني إن تحسنوا بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وتيقنتم النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة فإن الله كان بما تعملون من الإحسان والتقوى خبيراً، وهو يثيبكم عليه.

الثاني: أنه خطاب للزوج والمرأة، يعني وأن يحسن كل واحد منكما إلى صاحبه ويحترز عن الظلم.

الثالث: أنه خطاب لغيرهما، يعني أن تحسنوا في المصالحة بينهما وتتقوا الميل إلى واحد منهما.

وحكى صاحب الكشاف: أن عمران بن حطان الخارجي كان من أدم بني آدم، وامرأته من أجملهم، فنظرت إليه يوماً ثم قالت: الحمد لله، فقال مالك؟

فقالت حمدت الله على أني وإياك من أهل الجنة لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد الله بالجنة عباده الشاكرين والصابرين.

<div class="verse-tafsir"

وَلَن تَسْتَطِيعُوٓا۟ أَن تَعْدِلُوا۟ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا۟ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ١٢٩

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النساء وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ وفيه قولان: الأول: لن تقدروا على التسوية بينهن في ميل الطباع، وإذا لم تقدروا عليه لم تكونوا مكلفين به.

قالت المعتزلة: فهذا يدل على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع ولا جائز الوقوع، وقد ذكرنا أن الاشكال لازم عليهم في العلم وفي الدواعي.

الثاني: لا تستطيعون التسوية بينهن في الأقوال والأفعال لأن التفاوت في الحب يوجب التفاوت في نتائج الحب، لأن الفعل بدون الداعي ومع قيام الصارف محال.

ثم قال: ﴿ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الميل ﴾ والمعنى أنكم لستم منهيين عن حصول التفاوت في الميل القلبي لأن ذلك خارج عن وسعكم، ولكنكم منهيون عن إظهار ذلك التفاوت في القول والفعل.

روى الشافعي رحمة الله عليه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقسم ويقول: هذا قسمي فيما أملك وأنت أعلم بما لا أملك.

ثم قال تعالى: ﴿ فَتَذَرُوهَا كالمعلقة ﴾ يعين تبقى لا أيما ولا ذات بعل، كما أن الشيء المعلق لا يكون على الأرض ولا على السماء، وفي قراءة أبي: فتذروها كالمسجونة، وفي الحديث من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث إلى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال فقالت عائشة: إلى كل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمر بمثل هذا؟

فقالوا: لا، بعث إلى القرشيات بمثل هذا، وإلى غيرهن بغيره، فقالت للرسول ارفع رأسك وقل لعمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا قي القسمة بماله ونفسه، فرجع الرسول فأخبره فأتم لهن جميعاً.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن تُصْلِحُواْ ﴾ بالعدل في القسم ﴿ وَتَتَّقُواْ ﴾ الجور ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ ما حصل في القلب من الميل إلى بعضهن دون البعض.

وقيل: المعنى: وإن تصلحوا ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة، وتتقوا في المستقبل عن مثله غفر الله لكم ذلك، وهذا الوجه أولى لأن التفاوت في الميل القلبي لما كان خارجاً عن الوسع لم يكن فيه حاجة إلى المغفرة.

<div class="verse-tafsir"

وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّۭا مِّن سَعَتِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمًۭا ١٣٠

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مّن سَعَتِهِ ﴾ .

وأعلم أنه تعالى ذكر جواز الصلح إن أرادا ذلك، فإن رغبا في المفارقة فالله سبحانه بيّن جوازه بهذه الآية أيضاً، ووعد لهما أن يغني كل واحد منهما عن صاحبه بعد الطلاق، أو يكون المعنى أنه يغني كل واحد منهما بزوج خير من زوجه الأول، ويعيش أهنأ من عيشه الأول.

ثم قال: ﴿ وَكَانَ الله واسعا حَكِيماً ﴾ والمعنى أنه تعالى لما وعد كل واحد منهما بأنه يغنيه من سعته وصف نفسه بكونه واسعاً، وإنما جاز وصف الله تعالى بذلك لأنه تعالى واسع الرزق، واسع الفضل، واسع الرحمة، واسع القدرة، واسع العلم، فلو ذكر تعالى أنه واسع في كذا لاختص ذلك بذلك المذكور، ولكنه لما ذكر الواسع وما أضافه إلى شيء معين دلّ على أنه واسع في جميع الكمالات، وتحقيقه في العقل أن الموجود إما واجب لذاته، وإما ممكن لذاته، والواجب لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى، وما سواه ممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الله الواجب لذاته، وإذا كان كذلك كان كل ما سواه من الموجودات فإنما يوجد بإيجاده وتكوينه، فلزم من هذا كونه واسع العلم والقدرة والحكمة، والرحمة، والفضل والجود، والكرم.

وقوله: ﴿ حَكِيماً ﴾ قال ابن عباس: يريد فيما حكم ووعظ وقال الكلبي: يريد فيما حكم على الزوج من إمساكها بمعروف أو تسريح بإحسان.

<div class="verse-tafsir"

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًۭا ١٣١ وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ١٣٢ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـَٔاخَرِينَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًۭا ١٣٣ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا ١٣٤

وفي تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان: الأول: أنه تعالى لما ذكر أنه يغني كلاً من سعته، وأنه واسع أشار إلى ما هو كالتفسير لكونه واسعاً فقال: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ يعني من كان كذلك فإنه لابد وأن يكون واسع القدرة والعلم والجود والفضل والرحمة.

الثاني: أنه تعالى لما أمر بالعدل والإحسان إلى اليتامى والمساكين بيّن أنه ما أمر بهذه الأشياء لاحتياجه إلى أعمال العباد، لأن مالك السماوات والأرض كيف يعقل أن يكون محتاجاً إلى عمل الإنسان مع ما هو عليه من الضعف والقصور، بل إنما أمر بها رعاية لما هو الأحسن لهم في دنياهم وأخراهم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وإياكم أَنِ اتقوا الله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: المراد بالآية أن الأمر بتقوى الله شريعة عامة لجميع الأمم لم يلحقها نسخ ولا تبديل، بل هو وصية الله في الأولين والآخرين.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ فيه وجهان: الأول: أنه متعلق بوصينا، يعني ولقد وصينا من قبلكم الذين أوتوا الكتاب.

والثاني: أنه متعلق بأوتوا، يعني الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وصيناهم بذلك.

وقوله: ﴿ وإياكم ﴾ بالعطف على ﴿ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ والكتاب اسم للجنس يتناول الكتب السماوية، والمراد اليهود والنصارى.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ أَنِ اتقوا الله ﴾ كقولك: أمرتك الخير، قال الكسائي: يقال أوصيتك أن أفعل كذا وأن تفعل كذا، ويقال: ألم آمرك أن ائت زيداً، وأن تأتي زيداً، قال تعالى: ﴿ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ  ﴾ وقال: ﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبّ هَذِهِ البلدة  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَكَانَ الله غَنِيّاً حَمِيداً ﴾ قوله: ﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ ﴾ عطف على قوله: ﴿ اتقوا الله ﴾ والمعنى: أمرناهم وأمرناكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض.

وفيه وجهان: الأول: أنه تعالى خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها، فحق كل عاقل أن يكون منقاداً لأوامره ونواهيه يرجو ثوابه ويخاف عقابه، والثاني: أنكم إن تكفروا فإن لله ما في سمواته وما في أرضه من أصناف المخلوقات من يعبده ويتقيه، وكان مع ذلك غنياً عن خلقهم وعن عبادتهم، ومستحقاً لأن يحمد لكثرة نعمه، وإن لم يحمده أحد منهم فهو في ذاته محمود سواء حمدوه أو لم يحمدوه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وكفى بالله وَكِيلاً ﴾ فإن قيل: ما الفائدة في تكرير قوله: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ قلنا: إنه تعالى ذكر هذه الكلمات في هذه الآية ثلاث مرات لتقرير ثلاثة أمور: فأولها: أنه تعالى قال: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مّن سَعَتِهِ  ﴾ والمراد منه كونه تعالى جواداً متفضلاً، فذكر عقيبه قوله: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ والغرض تقرير كونه واسع الجود والكرم.

وثانيها: قال: ﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ والمراد منه أنه تعالى منزّه عن طاعات المطيعين وعن ذنوب المذنبين، فلا يزداد جلاله بالطاعات، ولا ينقص بالمعاصي والسيئات، فذكر عقيبه قوله: ﴿ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ والغرض منه تقرير كونه غنياً لذاته عن الكل.

وثالثها: قال: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وكفى بالله وَكِيلاً إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ الله على ذلك قَدِيراً ﴾ والمراد منه أنه تعالى قادر على الإفناء والإيجاد، فإن عصيتموه فهو قادر على إعدامكم وإفنائكم بالكلية، وعلى أن يوجد قوماً آخرين يشتغلون بعبوديته وتعظيمه، فالغرض هاهنا تقدير كونه سبحانه وتعالى قادراً على جميع المقدورات، وإذا كان الدليل الواحد دليلاً على مدلولات كثيرة فإنه يحسن ذكر ذلك الدليل ليستدل به على أحد تلك المدلولات، ثم يذكره مرة أخرى ليستدل به على الثاني، ثم يذكره ثالثاً ليستدل به على المدلول الثالث، وهذه الإعادة أحسن وأولى من الاكتفاء بذكر الدليل مرة واحدة، لأن عند إعادة ذكر الدليل يخطر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول، فكان العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجلى، فظهر أن هذا التكرير في غاية الحسن والكمال.

وأيضاً فإذا أعدته ثلاث مرات وفرعت عليه في كل مرة إثبات صفة أخرى من صفات جلال الله تنبه الذهن حينئذٍ لكون تخليق السموات والأرض دالاً على أسرار شريفة ومطالب جليلة، فعند ذلك يجتهد الإنسان في التفكر فيها والاستدلال بأحوالها وصفاتها على صفات الخالق سبحانه وتعالى، ولما كان الغرض الكلي من هذا الكتاب الكريم صرف العقول والأفهام عن الاشتغال بغير الله إلى الاستغراق في معرفة الله، وكان هذا التكرير مما يفيد حصول هذا المطلوب ويؤكده، لا جرم كان في غاية الحسن والكمال.

وقوله: ﴿ وَكَانَ الله على ذلك قَدِيراً ﴾ معناه أنه تعالى لم يزل ولا يزال موصوفاً بالقدرة على جميع المقدورات، فإن قدرته على الأشياء لو كانت حادثة لافتقر حدوث تلك القدرة إلى قدرة أخرى ولزم التسلسل.

ثم قال تعالى: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة ﴾ والمعنى أن هؤلاء الذين يريدون بجهادهم الغنيمة فقط مخطئون، وذلك لأن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، فلم اكتفى بطلب ثواب الدنيا مع أنه كان كالعدم بالنسبة إلى ثواب الآخرة، ولو كان عاقلاً لطلب ثواب الآخرة حتى يحصل له ذلك ويحصل له ثواب الدنيا على سبيل التبع.

فإن قيل كيف دخل الفاء في جوب الشرط وعنده تعالى ثواب الدنيا والآخرة سواء حصلت هذه الإرادة أو لم تحصل؟

قلنا: تقرير الكلام: فعند الله ثواب الدينا والآخرة له إن أراده الله تعالى، وعلى هذا التقدير يتعلق الجزاء بالشرط.

ثم قال: ﴿ وَكَانَ الله سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ يعني يسمع كلامهم أنهم لا يطلبون من الجهاد سوى الغنيمة ويرى أنهم لا يسعون في الجهاد ولا يجتهدون فيه إلا عند توقع الفوز بالغنيمة، وهذا كالزجر منه تعالى لهم عن هذه الأعمال.

<div class="verse-tafsir"

۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًۭا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا۟ ۚ وَإِن تَلْوُۥٓا۟ أَوْ تُعْرِضُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا ١٣٥

في الآية مسائل: المسألة الأولى: في اتصال الآية بما قبلها وجوه: الأول: أنه لما تقدم ذكر النساء والنشوز والمصالحة بينهن وبين الأزواج عقبه بالأمر بالقيام بأداء حقوق الله تعالى وبالشهادة لإحياء حقوق الله، وبالجملة فكأنه قيل: إن اشتغلت بتحصيل مشتهياتك كنت لنفسك لا لله، وءن اشتغلت بتحصيل مأمورات الله كنت صلى الله عليه وسلم لا لنفسك، ولا شك أن هذا المقام أعلى وأشرف، فكانت هذه الآية تأكيداً لما تقدم من التكاليف.

الثاني: أن الله تعالى لما منع الناس عن أن يقصروا عن طلب ثواب الدنيا وأمرهم بأن يكونوا طالبين لثواب الآخرة ذكر عقيبه هذه الآية، وبين أن كمال سعادة الإنسان في أن يكون قوله لله وفعله لله وحركته لله وسكونه لله حتى يصير من الذين يكونون في آخر مراتب الإنسانية وأول مراتب الملائكة، فأما إذا عكس هذه القضية كان مثل البهيمة التي منتهى أمرها وجدان علف، أو السبع الذي غاية أمره إيذاء حيوان.

الثالث: أنه تقدم في هذه السورة أمر الناس بالقسط كما قال: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى  ﴾ وأمرهم بالإشهاد عن دفع أموال اليتامى إليهم، وأمرهم بعد ذلك ببذل النفس والمال في سبيل الله، وأجرى في هذه السورة قصة طعمة بن أبيرق واجتماع قومه على الذب عنه بالكذب والشهادة على اليهودي بالباطل.

ثم إنه تعالى أمر في هذه الآيات بالمصالحة مع الزوجة، ومعلوم أن ذلك أمر من الله لعباده بأن يكونوا قائمين بالقسط، شاهدين لله على كل أحد، بل وعلى أنفسهم، فكانت هذه الآية كالمؤكد لكل ما جرى ذكره في هذه السورة من أنواع التكاليف.

المسألة الثانية: القوام مبالغة من قائم، والقسط العدل، فهذا أمر منه تعالى لجميع المكلفين بأن يكونوا مبالغين في اختيار العدل والاحتراز عن الجور والميل، وقوله: ﴿ شُهَدَاء للَّهِ ﴾ أي تقيمون شهاداتكم لوجه الله كما أمرتم بإقامتها، ولو كانت الشهادة على أنفسكم أو آبائكم أو أقاربكم، وشهادة الإنسان على نفسه لها تفسيران: الأول: أن يقرعلى نفسه لأن الإقرار كالشهادة في كونه موجباً إلزام الحق، والثاني: أن يكون المراد وإن كانت الشهادة وبالاً على أنفسكم وأقاربكم، وذلك أن يشهد على من يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره.

المسألة الثالثة: في نصب ﴿ شُهَدَاء ﴾ ثلاثة أوجه: الأول: على الحال من ﴿ قَوَّامِينَ ﴾ .

والثاني: أنه خبر على أن ﴿ كُونُواْ ﴾ لها خبران، والثالث: أن تكون صفة لقوامين.

المسألة الرابعة: إنما قدم الأمر بالقيام بالقسط على الأمر بالشهادة لوجوه: الأول: أن أكثر الناس عادتهم أنهم يأمرون غيرهم بالمعروف، فإذا آل الأمر إلى أنفسهم تركوه حتى أن أقبح القبيح إذا صدر عنهم كان في محل المسامحة وأحسن الحسن، وإذا صدر عن غيرهم كان في محل المنازعة فالله سبحانه نبّه في هذه الآية على سوء هذه الطريقة، وذلك أنه تعالى أمرهم بالقيام بالقسط أولاً، ثم أمرهم بالشهادة على الغير ثانياً، تنبيهاً على أن الطريقة الحسنة أن تكون مضايقة الإنسان مع نفسه فوق مضايقته مع الغير.

الثاني: أن القيام بالقسط عبارة عن دفع ضرر العقاب عن الغير، وهو الذي عليه الحق، ودفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير.

الثالث: أن القيام بالقسط فعل، والشهادة قول، والفعل أقوى من القول.

فإن قيل: إنه تعالى قال: ﴿ شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَائِمَاً بالقسط  ﴾ فقدم الشهادة على القيام بالقسط، وهاهنا قدم القيام بالقسط، فما الفرق؟

قلنا: شهادة الله تعالى عبارة عن كونه تعالى خالقاً للمخلوقات، وقيامه بالقسط عبارة عن رعاية القوامين بالعدل في تلك المخلوقات، فيلزم هناك أن تكون الشهادة مقدمة على القيام بالقسط، أما في حق العباد فالقيام بالقسط عبارة عن كونه مراعياً للعدل ومبايناً للجور، ومعلوم أنه ما لم يكن الإنسان كذلك لم تكن شهادته على الغير مقبولة، فثبت أن الواجب في قوله: ﴿ شَهِدَ الله ﴾ أن تكون تلك الشهادة مقدمة على القيام بالقسط والواجب هاهنا أن تكون الشهادة متأخرة عن القيام بالقسط، ومن تأمل علم أن هذه الأسرار مما لا يمكن الوصول إليها إلا بالتأييد، الإلهي والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا ﴾ أي إن يكن المشهود عليه غنياً أو فقيراً فلا تكتموا الشهادة إما لطلب رضا الغنى أو الترحم على الفقير، فالله أولى بأمورهما ومصالحهما، وكان من حق الكلام أن يقال: فالله أولى به، لأن قوله: ﴿ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً ﴾ في معنى أن يكن أحد هذين إلا أنه بنى الضمير على الرجوع إلى المعنى دون اللفظ، أي الله أولى بالفقير والغني، وفي قراءة أُبي فالله أولى بهم، وهو راجع إلى قوله: ﴿ أَوِ الوالدين والأقربين ﴾ وقرأ عبد الله: إن يكن غني أو فقير، على (كان) التامة.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهوى أَن تَعْدِلُواْ ﴾ والمعنى اتركوا متابعة الهوى حتى تصيروا موصوفين بصفة العدل، وتحقيق الكلام أن العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى، ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر، فتقدير الآية: فلا تتبعوا الهوى لأجل أن تعدلوا يعني اتركوا متابعة الهوى لأجل أن تعدلوا.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ وفي الآية قراءتان قرأ الجمهور ﴿ وَإِن تَلْوُواْ ﴾ بواوين، وقرأ ابن عامر وحمزة ﴿ تلوا ﴾ وأما قراءة تلووا ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون بمعنى الدفع والاعراض من قولهم: لواه حقه إذا مطله ودفعه.

الثاني: أن يكون بمعنى التحريف والتبديل من قولهم: لوى الشيء إذا فتله، ومنه يقال: التوى هذا الأمر إذا تعقد وتعسر تشبيهاً بالشيء المنفتل، وأما ﴿ تلوا ﴾ ففيه وجهان: الأول: أن ولاية الشيء إقبال عليه واشتغال به، والمعنى أن تقبلوا عليه فتتموه أو تعرضوا عنه فإن الله كان بما تعلمون خبيراً فيجازى المسحن المقبل بإحسانه والمسيء المعرض بإساءته، والحاصل: إن تلووا عن إقامتها أو تعرضوا عن إقامتها، والثاني: قال الفرّاء والزجاج: يجوز أن يقال: ﴿ تلوا ﴾ أصله تلووا ثم قلبت الواو همزة، ثم حذفت الهمزة وألقيت حركتها على الساكن الذي قبلها فصار ﴿ تَلْوُواْ ﴾ وهذا أضعف الوجهين، وأما قوله: ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْلَمُونَ خَبِيراً ﴾ فهو تهديد ووعيد للمذنبين ووعد بالإحسان للمطيعين.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًا ١٣٦

وفي مسائل: المسألة الأولى: في اتصال هذه الآية بما قبلها وجهان: الأول: أنها متصلة بقوله: ﴿ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط ﴾ وذلك لأن الإنسان لا يكون قائماً بالقسط إلا إذا كان راسخ القدم في الإيمان بالأشياء المذكورة في هذه الآية، وثانيهما: أنه تعالى لما بيّن الأحكام الكثيرة في هذه السورة ذكر عقيبها آية الأمر بالإيمان.

المسألة الثانية: أعلم أن ظاهر قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ءامِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ﴾ مشعر بأنه أمر بتحصيل الحاصل، ولا شك أنه محال، فلهذا السبب ذكر المفسرون في وجوهاً وهي منحصرة في قولين: الأول: أن المراد بقوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ المسلمون، ثم في تفسير الآية تفريعاً على هذا القول وجوه: الأول: أن المراد منه يا أيها الذين آمنوا آمنوا دوموا على الإيمان واثبتوا عليه، وحاصله يرجع إلى هذا المعنى: يا أيها الذين آمنوا في الماضي والحاضر آمنوا في المستقبل، ونظيره قوله: ﴿ فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلا الله  ﴾ مع أنه كان عالماً بذلك.

وثانيها: يا أيها الذين آمنوا على سبيل التقليد آمنوا على سبيل الاستدلال.

وثالثها: يا أيها الذين آمنوا بحسب الاستدلالات الجميلة آمنوا بحسب الدلائل التفصيلية.

ورابعها: يا أيها الذين آمنوا بالدلائل التفصيلية بالله وملائكته وكتبه ورسله آمنوا بأن كنه عظمة الله لا تنتهي إليه عقولكم، وكذلك أحوال الملائكة وأسرار الكتب وصفات الرسل لا تنتهي إليها على سبيل التفصيل عقولنا.

وخامسها: روي أن جماعة من أحبار اليهود جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما بما سواه من الكتب والرسل، فقال صلى الله عليه وسلم: «بل آمنوا بالله وبرسله وبمحمد وبكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله»، فقالوا: لا نفعل، فنزلت هذه الآية فكلهم آمنوا.

القول الثاني: أن المخاطبين بقوله: ﴿ ءامَنُواْ ﴾ ليس هم المسلمون، وفي تفسير الآية تفريعاً على هذا القول وجوه: الأول: أن الخطاب مع اليهود والنصارى، والتقدير: يا أيها الذين آمنوا بموسى والتوراة وعيسى والإنجيل آمنوا بمحمد والقرآن.

وثانيها: أن الخطاب مع المنافقين، والتقدير: يا أيها الذين آمنوا باللسان آمنوا بالقلب، ويتأكد هذا بقوله تعالى: ﴿ مِنَ الذين قَالُواْ ءامَنَّا بأفواههم وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ  ﴾ .

وثالثها: أنه خطاب مع الذين آمنوا وجه النهار وكفروا آخره، والتقدير: يا أيها الذين آمنوا وجه النهار آمنوا أيضاً آخره.

ورابعها: أنه خطاب للمشركين تقديره: يا أيها الذين آمنوا بالّلات والعزى آمنوا بالله، وأكثر العلماء رجّحوا القول الأول لأن لفظ المؤمن لا يتناول عند الإطلاق إلا المسلمين.

المسألة الثالثة: قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ﴿ والكتاب الذي نَزَّلَ على رَسُولِهِ والكتاب الذي أَنَزلَ ﴾ على ما لم يسم فاعله، والباقون (نزل وأنزل) بالفتح، فمن ضم فحجته قوله تعالى: ﴿ لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ والذين ءاتيناهم الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مّن رَّبّكَ  ﴾ ومن فتح فحجته قوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر ﴾ وقوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا الذكر ﴾ وقال بعض العلماء: كلاهما حسن إلا أن الضم أفخم كما في قوله: ﴿ وَقِيلَ ياأرض ابلعى مَاءكِ  ﴾ .

المسألة الرابعة: اعلم أنه أمر في هذه الآية بالإيمان بأربعة أشياء: أولها: بالله.

وثانيها: برسوله.

وثالثها: بالكتاب الذي نزل على رسوله.

ورابعها: بالكتاب الذي أنزل من قبل، وذكر في الكفر أموراً خمسة: فأولها: الكفر بالله.

وثانيها: الكفر بملائكته.

وثالثها: الكفر بكتبه.

ورابعها: الكفر برسله.

وخامسها: الكفر باليوم الآخر.

ثم قال تعالى: ﴿ فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بَعِيداً ﴾ وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: لم قدم في مراتب الإيمان ذكر الرسول على ذكر الكتاب، وفي مراتب الكفر قَلَبَ القضية؟

الجواب: لأن في مرتبة النزول من معرفة الخالق إلى الخلق كان الكتاب مقدماً على الرسول وفي مرتبة العروج من الخلق إلى الخالق يكون الرسول مقدماً على الكتاب.

السؤال الثاني: لم ذكر في مراتب الإيمان أموراً ثلاثة: الإيمان بالله وبالرسول وبالكتب، وذكر في مراتب الكفر أموراً خمسة: الكفر بالله وبالملائكة وبالكتب وبالرسل وباليوم الآخر.

والجواب: أن الإيمان بالله وبالرسل وبالكتب متى حصل فقد حصل الإيمان بالملائكة واليوم الآخر لا محالة، إذ ربما ادعى الإنسان أنه يؤمن بالله وبالرسل وبالكتب، ثم إنه ينكر الملائكة وينكر اليوم الآخر، ويزعم أنه يجعل الآيات الواردة في الملائكة وفي اليوم الآخر محمولة على التأويل، فلما كان هذا الاحتمال قائماً لا جرم نص أن منكر الملائكة ومنكر القيامة كافر بالله.

السؤال الثالث: كيف قيل لأهل الكتب ﴿ والكتاب الذي أَنَزلَ مِن قَبْلُ ﴾ مع أنهم ما كانوا كافرين بالتوراة والإنجيل بل مؤمنين بهما؟

والجواب عنه من وجهين: الأول: أنهم كانوا مؤمنين بهما فقط وما كانوا مؤمنين بكل ما أنزل من الكتب، فأمروا أن يؤمنوا بكل الكتب المنزلة.

الثاني: أن إيمانهم ببعض الكتب دون البعض لا يصح لأن طريق الإيمان هو المعجزة، فإذا كانت المعجزة حاصلة في الكل كان ترك الإيمان بالبعض طعناً في المعجزة، وإذا حصل الطعن في المعجزة امتنع التصديق بشيء منها، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا  أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا  ﴾ .

السؤال الرابع: لم قال: ﴿ نَزَّلَ على رَسُولِهِ وَأَنزَلَ مِنَ قَبْلُ ﴾ .

والجواب: قال صاحب الكشاف: لأن القرآن نزل مفرقاً منجماً في عشرين سنة بخلاف الكتب قبله.

وأقول: الكلام في هذا سبق في تفسير قوله تعالى: ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ  مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ  ﴾ .

السؤال الخامس: قوله: ﴿ والكتاب الذي أَنَزلَ مِن قَبْلُ ﴾ لفظ مفرد، وأي الكتب هو المراد منه؟

الجواب: أنه اسم جنس فيصلح للعموم.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًۭا لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًۢا ١٣٧ بَشِّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ١٣٨

فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما أمر بالإيمان ورغب فيه بين فساد طريقة من يكفر بعد الإيمان فذكر هذه الآية.

واعلم أن فيها أقوالاً كثيرة: الأول: أن المراد منه الذين يتكرر منهم الكفر بعد الإيمان مرات وكرات، فإن ذلك يدل على أنه لا وقع للإيمان في قلوبهم، إذ لو كان للإيمان وقع ورتبة في قلوبهم لما تركوه بأدنى سبب، ومن لا يكون للإيمان في قلبه وقع فالظاهر أنه لا يؤمن بالله إيماناً صحيحاً معتبراً فهذا هو المراد بقوله: ﴿ لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ وليس المراد أنه لو أتى بالإيمان الصحيح لم يكن معتبراً، بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب على الوجه الذي ذكرناه، وكذلك نرى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع فإنه لا يكاد يرجى منه الثبات، والغالب أنه يموت على الفسق، فكذا هاهنا.

الثاني: قال بعضهم: اليهود آمنوا بالتوراة وبموسى، ثم كفروا بعزير، ثم آمنوا بداود، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفراً عند مقدم محمد عليه الصلاة والسلام.

الثالث: قال آخرون: المراد المنافقون، فالإيمان الأول إظهارهم الإسلام، وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم، والإيمان الثاني هو أنهم كلما لقوا جمعاً من المسلمين قالوا إنا مؤمنون والكفر الثاني هو أنهم إذا دخلوا على شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون، وازديادهم في الكفر هو جدهم واجتهادهم في استخراج أنواع المكر والكيد في حق المسلمين، وإظهار الإيمان قد يسمى إيماناً قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ  ﴾ قال القفال رحمة الله عليه: وليس المراد بيان هذا العدد، بل المراد ترددهم كما قال: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك لاَ إلى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء  ﴾ قال والذي يدل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية ﴿ بَشّرِ المنافقين بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ .

الرابع: قال قوم: المراد طائفة من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المسلمين فكانوا يظهرون الإيمان تارة، والكفر أخرى على ما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿ ءامِنُواْ بالذي أُنزِلَ عَلَى الذين ءامَنُواْ وَجْهَ النهار واكفروا آخره لعلّهم يرجعون  ﴾ وقوله: ﴿ ثُمَّ ازدادوا كُفْراً ﴾ معناه أنهم بلغوا في ذلك إلى حد الاستهزاء والسخرية بالإسلام.

المسألة الثانية: دلّت الآية على أنه قد يحصل الكفر بعد الإيمان وهذا يبطل مذهب القائلين بالموافاة، وهي أن شرط صحة الإسلام أن يموت على الإسلام وهم يجيبون عن ذلك بأنا نحمل الإيمان على إظهار الإيمان.

المسألة الثالثة: دلت الآية على أن الكفر يقبل الزيادة والنقصان، فوجب أن يكون الإيمان أيضاً كذلك لأنهما ضدان متنافيان، فإذا قبل أحدهما التفاوت فكذلك الآخر، وذكروا في تفسير هذه الزيادة وجوهاً: الأول: أنهم ماتوا على كفرهم.

الثاني: أنهم ازدادوا كفراً بسبب ذنوب أصابوها حال كفرهم، وعلى هذا التقدير لما كانت إصابة الذنوب وقت الكفر زيادة في الكفر فكذلك إصابة الطاعات وقت الإيمان يجب أن تكون زيادة في الإيمان.

الثالث: أن الزيادة في الكفر إنما حصلت بقولهم: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مستهزؤن  ﴾ وذلك يدل على الاستهزاء بالدين أعظم درجات الكفر وأقوى مراتبه.

ثم قال تعالى: ﴿ لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ وفيه سؤالان: الأول: أن الحكم المذكور في هذه الآية إما أن يكون مشروطاً بما قبل التوبة أو بما بعدها، والأول باطل لأن الكفر قبل التوبة غير مذكور على الإطلاق، وحينئذ تضيع هذه الشرائط المذكورة في هذه الآية.

والثاني: أيضاً باطل لأن الكفر بعد التوبة مغفور، ولو كان ذلك بعد ألف مرة، فعلى كلا التقديرين فالسؤال لازم.

والجواب عنه من وجوه: الأول: أنا لا نحمل قوله: ﴿ إِنَّ الذين ﴾ على الاستغراق، بل نحمله على المعهود السابق، والمراد به أقوام معينون علم الله تعالى منهم أنهم يموتون على الكفر ولا يتوبون عنه قط فقوله: ﴿ لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ إخبار عن موتهم على الكفر، وعلى هذا التقدير زال السؤال.

الثاني: أن الكلام خرج على الغالب المعتاد، وهو أن كل من كان كثير الانتقال من الإسلام إلى الكفر لم يكن للإسلام في قلبه وقع ولا عظم، والظاهر من حال مثل هذا الإنسان أنه يموت على الكفر على ما قررناه.

الثالث: أن الحكم المذكور في الآية مشروط بعدم التوبة عن الكفر، وقول السائل: إن على هذا التقدير تضيع الصفات المذكورة.

قلنا: إن إفرادهم بالذكر يدل على كفرهم أفحش وخيانتهم أعظم وعقوبتهم في القيامة أقوى فجرى هذا مجرى قوله: ﴿ وَإِذ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ  ﴾ خصهما بالذكر لأجل التشريف، وكذلك قوله: ﴿ وَمَلَئِكَتُهُ...

وَجِبْرِيلَ وميكال  ﴾ .

السؤال الثاني: في قوله: ﴿ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ اللام للتأكيد فقوله: ﴿ لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ يفيد نفي التأكيد، وهذا غير لائق بهذا الموضع إنما اللائق به تأكيد النفي، فما الوجه فيه؟

والجواب: أن نفي التأكيد إذا ذكر على سبيل التهكم كان المراد منه المبالغة في تأكيد النفي.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ﴾ قال أصحابنا: هذا يدل على أنه سبحانه وتعالى لم يهد الكافر إلى الإيمان خلافاً للمعتزلة، وهم أجابوا عنه بأنه محمول على المنع من زيادة اللطف، أو على أنه تعالى لا يهديه في الآخرة إلى الجنة.

ثم قال تعالى: ﴿ بَشّرِ المنافقين بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ .

واعلم أن من حمل الآية المتقدمة على المنافقين قال إنه تعالى بيّن أنه لا يغفر لهم كفرهم ولا يهديهم إلى الجنة، ثم قال: وكما لا يوصلهم إلى دار الثواب فإنه مع ذلك يوصلهم إلى أعظم أنواع العقاب، وهو المراد من قوله: ﴿ بَشّرِ المنافقين بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ وقوله: ﴿ بُشّرَ ﴾ تهكم بهم، والعرب تقول: تحيتك الضرب، وعتابك السيف.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًۭا ١٣٩

﴿ الذين ﴾ : نصب على الذم، بمعنى أريد الذين، أو رفع بمعنى هم الذين، واتفق المفسرون على أن المراد بالذين يتخذون: المنافقون، وبالكافرين اليهود، وكان المنافقون يوالونهم ويقول بعضهم لبعض: إن أمر محمد لا يتم، فيقول اليهود بأن العزة والمنعة لهم.

ثم قال تعالى: ﴿ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة ﴾ قال الواحدي: أصل العزة في اللغة الشدة، ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز، ويقال: قد استعز المرض على المريض إذا اشتد مرضه وكاد أن يهلك، وعز الهم اشتد، ومنه عز على أن يكون كذا بمعنى اشتد، وعز الشيء إذا قل حتى لا يكاد يوجد لأنه اشتد مطلبه، واعتز فلان بفلان إذا اشتد ظهره به، وشاة عزوز التي يشتد حلبها ويصعب والعزة القوة منقولة من الشدة لتقارب معنييهما.

والعزيز القوي المنيع بخلاف الذليل.

إذا عرفت هذا فنقول: إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة بسبب اتصالهم باليهود، ثم إنه تعالى أبطل عليهم هذا الرأي بقوله: ﴿ فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً ﴾ .

فإن قيل: هذا كالمناقض لقوله: ﴿ وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

قلنا: القدرة الكاملة لله، وكل من سواه فباقداره صار قادراً، وبإعزازه صار عزيزاً، فالعزة الحاصلة للرسول عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لم تحصل إلا من الله تعالى، فكان الأمر عند التحقيق أن العزة جميعاً لله.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا۟ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ ۚ إِنَّكُمْ إِذًۭا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا ١٤٠

قال المفسرون: إن المشركين كانوا في مجالسهم يخوضون في ذكر القرآن ويستهزئون به، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِي ءاياتنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ  ﴾ وهذه الآية نزلت بمكة، ثم إن أحبار اليهود بالمدينة كانوا يفعلون مثل فعل المشركين، والقاعدون معهم والموافقون لهم على ذلك الكلام هم المنافقون، فقال تعالى مخاطباً للمنافقين إنه ﴿ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكتاب أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايات الله يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا ﴾ والمعنى إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، ولكن أوقع فعل السماع على الآيات والمراد به سماع الاستهزاء.

قال الكسائي: وهو كما يقال: سمعت عبدالله يلام.

وعندي فيه وجه آخر وهو أن يكون المعنى: إذا سمعتم آيات الله حال ما يكفر بها ويستهزأ بها، وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى ما قال الكسائي، فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غير الكفر والاستهزاء.

ثم قال: ﴿ إِنَّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ ﴾ .

والمعنى: أيها المنافقون أنتم مثل أولئك الأحبار في الكفر.

قال أهل العلم: هذا يدل على أن من رضي بالكفر فهو كافر، ومن رضي بمنكر يراه وخالط أهله وإن لم يباشر كان في الإثم بمنزلة المباشر بدليل أنه تعالى ذكر لفظ المثل هاهنا، هذا إذا كان الجالس راضياً بذلك الجلوس، فأما إذا كان ساخطاً لقولهم وإنما جلس على سبيل التقية والخوف فالأمر ليس كذلك، ولهذه الدقيقة قلنا بأن المنافقين الذين كانوا يجالسون اليهود، وكانوا يطعنون في القرآن والرسول كانوا كافرين مثل أولئك اليهود، والمسلمون الذين كانوا بالمدينة كانوا بمكة يجالسون الكفار الذين كانوا يطعنون في القرآن فإنهم كانوا باقين على الإيمان، والفرق أن المنافقين كانوا يجالسون اليهود مع الاختيار، والمسلمين كانوا يجالسون الكفار عند الضرورة.

ثم إنه تعالى حقق كون المنافقين مثل الكافرين في الكفر فقال: ﴿ إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ﴾ .

يريد كما أنهم اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله في الدنيا فكذلك يجتمعون في عذاب جهنم يوم القيامة، وأراد جامع بالتنوين لأنه بعد ما جمعهم ولكن حذف التنوين استخفافاً من اللفظ وهو مراد في الحقيقة.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌۭ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ١٤١

اعلم أن قوله: ﴿ الذين يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾ إما بدل من الذين يتخذون، وإما صفة للمنافقين، وإما نصب على الذم، وقوله: ﴿ يَتَرَبَّصُونَ ﴾ أي ينتظرون ما يحدث من خير أو شر، فإن كان لكم فتح أي ظهور على اليهود قالوا للمؤمنين ألم نكن معكم، أي فأعطونا قسماً من الغنيمة، وإن كان للكافرين يعني اليهود نصيب، أي ظفر على المسلمين قالوا ألم نستحوذ عليكم، يقال: استحوذ على فلان، أي غلب عليه وفي تفسير هذه الآية وجهان: الأول: أن يكون بمعنى ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم ثم لم نفعل شيئاً من ذلك ونمنعكم من المسلمين بأن ثبطناهم عنكم وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبهم وتوانينا في مظاهرتهم عليكم فهاتوا لنا نصيباً مما أصبتم.

الثاني: أن يكون المعنى أن أولئك الكفار واليهود كانوا قد هموا بالدخول في الإسلام، ثم إن المنافقين حذروهم عن ذلك وبالغوا في تنفيرهم عنه وأطعموهم أنه سيضعف أمر محمد وسيقوى أمركم، فإذا اتفقت لهم صولة على المسلمين قال المنافقون: ألسنا غلبنانكم على رأيكم في الدخول في الإسلام ومنعناكم منه وقلنا لكم بأنه سيضعف أمره ويقوى أمركم، فلما شاهدتم صدق قولنا فادفعوا إلينا نصيباً مما وجدتم.

والحاصل أن المنافقين يمنون على الكافرين بأنا نحن الذين أرشدناكم إلى هذه المصالح، فادفعوا إلينا نصيباً مما وجدتم.

فإن قيل: لم سمي ظفر المسلمين فتحاً وظفر الكفار نصيباً؟

قلنا: تعظيماً لشأن المؤمنين واحتقاراً لحظ الكافرين، لأن ظفر المؤمنين أمر عظيم تفتح له أبواب السماء حتى تنزل الملائكة بالفتح على أولياء الله، وأما ظفر الكافرين فما هو إلا حظ دنيء ينقضي ولا يبقى منه إلا الذم في الدنيا والعقوبة في العاقبة.

ثم قال تعالى: ﴿ فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة ﴾ أي بين المؤمنين والمنافقين: والمعنى أنه تعالى ما وضع السيف في الدنيا عن المنافقين، بل آخر عقابهم إلى يوم القيامة.

ثم قال: ﴿ وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً ﴾ وفيه قولان: الأول: وهو قول علي عليه السلام وابن عباس رضي الله عنهما: أن المراد به في القيامة بدليل أنه عطف على قوله: ﴿ فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة ﴾ الثاني: أن المراد به في الدنيا ولكنه مخصوص بالحجة، والمعنى أن حجة المسلمين غالبة على حجة الكل، وليس لأحد أن يغلبهم بالحجة والدليل الثالث: هو أنه عام في الكل إلا ما خصه الدليل، وللشافعي رحمه الله مسائل: منها أن الكافر إذا استولى على مال المسلم وأحرزه بدار الحرب لم يملكه بدلالة هذه الآية، ومنها أن الكافر ليس له أن يشتري عبداً مسلماً بدلالة هذه الآية، ومنها أن المسلم لا يقتل بالذمي بدلالة هذه الآية.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًۭا ١٤٢

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ المنافقين يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ قد مرّ تفسير الخداع في سورة البقرة في قوله: ﴿ يخادعون الله والذين ءامَنُوا  ﴾ قال الزجاج في تفسير هذه الآية ﴿ يخادعون الله ﴾ أي يخادعون رسول الله، أي يظهرون له الإيمان ويبطنون الكفر كما قال: ﴿ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله  ﴾ وقوله: ﴿ وَهُوَ خادعهم ﴾ أي مجازيهم بالعقاب على خداعهم.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنه تعالى خادعهم في الآخرة، وذلك أنه تعالى يعطيهم نوراً كما يعطي المؤمنين فإذا وصلوا إلى الصراط انطفأ نورهم وبقوا في الظلمة، ودليله قوله تعالى: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات لاَّ يُبْصِرُونَ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ﴾ يعني وإذا قاموا إلى الصلاة مع المسلمين قاموا كسالى، أي متثاقلين متباطئين وهو معنى الكسل في اللغة، وسبب ذلك الكسل أنهم يستثقلونها في الحال ولا يرجون بها ثواباً ولا من تركها عقاباً، فكان الداعي للترك قوياً من هذه الوجوه، والداعي إلى الفعل ليس إلا خوف الناس، والداعي إلى الفعل متى كان كذلك وقع الفعل على وجه الكسل والفتور.

قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ كسالى ﴾ بضم الكاف وفتحها جمع كسلان كسكارى في سكران.

ثم قال تعالى: ﴿ يُرَاءونَ الناس وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ والمعنى أنهم لا يقومون إلى الصلاة إلا لأجل الرياء والسمعة، لا لأجل الدين.

فإن قيل: ما معنى المرآاة وهي مفاعلة من الرؤية.

قلنا: إن المرائي يريهم عمله وهم يرونه استحسان ذلك العمل، وفي قوله: ﴿ وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ وجوه: الأول: أن المراد بذكر الله الصلاة، والمعنى أنهم لا يصلون إلا قليلاً، لأنه متى لم يكن معهم أحد من الأجانب لم يصلوا، وإذا كانوا مع الناس فعند دخول وقت الصلاة يتكلفون حتى يصيروا غائبين عن أعين الناس.

الثاني: أن المراد بذكر الله أنهم كانوا في صلاتهم لا يذكرون الله إلا قليلاً، وهو الذي يظهر مثل التكبيرات، فأما الذي يخفى مثل القراءة والتسبيحات فهم لا يذكرونها.

الثالث: المراد أنهم لا يذكرون الله في جميع الأوقات سواء كان ذلك الوقت وقت الصلاة أو لم يكن وقت الصلاة إلا قليلاً نادراً.

قال صاحب الكشاف: وهكذا نرى كثيراً من المتظاهرين بالإسلام، ولو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أيامه وأوقاته لا يفتر عنه.

الرابع: قال قتادة إنما قيل: إلا قليلاً، لأن الله تعالى لم يقبله، وما رده الله تعالى فكثيره قليل، وما قبله الله فقليله كثير ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًۭا ١٤٣

وفيه مسائل: المسألة الأولى: مذبذبين.

إما حال من قوله: ﴿ يراؤن ﴾ أو من قوله: ﴿ لاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ ويحتمل أن يكون منصوباً على الذم.

المسألة الثانية: مذبذبين: أي متحيرين، وحقيقة المذبدب الذي يذب عن كلا الجانبين، أي يرد ويدفع فلا يقر في جانب واحد، إلا أن الذبذبة فيها تكرير وليس في الذب، فكان المعنى كلما مال إلى جانب ذب عنه.

وأعلم أن السبب في ذلك أن الفعل يتوقف على الداعي، فإن كان الداعي إلى الفعل هو الأغراض المتعلقة بأحوال هذا العالم كثر التذبذب والاضطراب، لأن منافع هذا العالم وأسبابه متغيرة سريعة التبدل، وإذا كان الفعل تبعاً للداعي، والداعي تبعاً للمقصود ثم إن المقصود سريع التبدل والتغير لزم وقوع التغير في الميل والرغبة، وربما تعارضت الدواعي والصوارف فيبقى الإنسان في الحيرة والتردد.

أما من كان مطلوبه في فعله إنشاء الخيرات الباقية، واكتساب السعادات الروحانية، وعلم أن تلك المطالب أمور باقية بريئة عن التغير والتبدل لا جرم كان هذا الإنسان ثابتاً راسخاً فلهذا المعنى وصف الله تعالى أهل الإيمان بالثبات فقال: ﴿ يُثَبّتُ الله الذين ءامَنُواْ  ﴾ وقال: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب  ﴾ وقال: ﴿ يأَيَّتُهَا النفس المطمئنة  ﴾ .

المسألة الثالثة: قرأ ابن عباس ﴿ مُّذَبْذَبِينَ ﴾ بكسر الذال الثانية، والمعنى يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم، بمعنى يتذبذبون كما جاء صلصل وتصلصل بمعنى، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: متذبذبين، وعن أبي جعفر: مدبدبين بالدال المهملة، وكأن المعنى أنهم تارة يكونون في دبة وتارة في أخرى، فلا يبقون على دبة واحدة والدبة الطريقة وهي التي تدب فيها الدواب.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ بَيْنَ ذلك ﴾ أي بين الكفر والإيمان، أو بين الكافرين والمؤمنين، وكلمة ﴿ ذلك ﴾ يشار به إلى الجماعة، وقد تقدم تقريره في تفسير قوله: ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك  ﴾ وذكر الكافرين والمؤمنين قد جرى في هذه القصة عند قوله: ﴿ الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين  ﴾ وإذا جرى ذكر الفريقين فقد جرى ذكر الكفر والإيمان قال قتادة: معنى الآية ليسوا مؤمنين مخلصين ولا مشركين مصرحين بالشرك.

المسألة الخامسة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الحيرة في الدين إنما تحصل بإيجاد الله تعالى وقالوا: إن قوله: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ ﴾ يقتضي فاعلاً قد ذبذبهم وصيرهم متحيرين مترددين، وذلك ليس باختيار العبد، فإن الإنسان إذا وقع في قلبه الدواعي المتعارضة الموجبة للتردد والحيرة، فلو أراد أن يدفع ذلك التردد عن نفسه لم يقدر عليه أصلاً، ومن رجع إلى نفسه وتأمل في أحواله علم أن الأمر كما ذكرنا، وإذا كانت تلك الذبذبة لابد لها من فاعل، وثبت أن فاعلها ليس هو العبد ثبت أن فاعلها هو الله تعالى، فثبت أن الكل من الله تعالى.

فإن قيل: قوله تعالى: ﴿ لاَ إلى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء ﴾ يقتضي ذمهم على ترك طريقة المؤمنين وطريقة الكافرين، وذلك يقتضي أنه تعالى ما ذمهم على طريقة الكفار وإنه غير جائز.

قلنا: إن طريقة الكفار وإن كانت خبيثة إلا أن طريقة النفاق أخبث منها، ولذلك فإنه تعالى ذم الكفار في أول سورة البقرة في آيتين، وذم المنافقين في بضع عشرة آية، وما ذاك إلا أن طريقة النفاق أخبث من طريقة الكفار، فهو تعالى إنما ذمهم لا لأنهم تركوا الكفر، بل لأنهم عدلوا عنه إلى ما هو أخبث منه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ واحتج أصحابنا بهذه الآية على قولهم من وجهين: الأول: أن ذكر هذا الكلام عقيب قوله: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ ﴾ يدل على أن تلك الذبذبة من الله تعالى، وإلا لم يتصل هذا الكلام بما قبله.

والثاني: أنه تصريح بأن الله تعالى أضله عن الدين.

قالت المعتزلة: معنى هذا الإضلال سلب الألطاف، أو هو عبارة عن حكم الله عليه بالضلال، أو هو عبارة عن أن الله تعالى يضله يوم القيامة عن طريق الجنة، وهذه الوجوه قد تكلمنا عليها مراراً.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰنًۭا مُّبِينًا ١٤٤

قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين ﴾ .

أعلم أنه تعالى لما ذم المنافقين بأنهم مرة إلى الكفرة ومرة إلى المسلمين من غير أن يستقروا مع أحد الفريقين نهى المسلمين في هذه الآية أن يفعلوا مثل فعلهم فقال: ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين ﴾ والسبب فيه أن الأنصار بالمدينة كان لهم في بني قريظة رضاع وحلف ومودة، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من نتولى؟

فقال: «المهاجرين».

فنزلت هذه الآية.

والوجه الثاني: ما قاله القفال رحمه الله: وهو أن هذا نهي للمؤمنين عن موالاة المنافقين يقول: قد بينت لكم أخلاق المنافقين ومذاهبهم فلا تتخذوا منهم أولياء.

ثم قال تعالى: ﴿ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً ﴾ فإن حملنا الآية الأولى على أنه تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار كان معنى الآية أتريدون أن تجعلوا لله سلطاناً مبيناً على كونكم منافقين، والمراد أتريدن أن تجعلوا لأهل دين الله وهم الرسول وأمته، وإن حملنا الآية الأولى على المنافقين كان المعنى: أتريدون أن تجعلوا لله عليكم في عقابكم حجة بسبب موالاتكم للمنافقين ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ١٤٥

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الليث: الدرك أقصى قعر الشيء كالبحر ونحوه، فعلى هذا المراد بالدرك الأسفل أقصى قعر جهنم، وأصل هذا من الإدراك بمعنى اللحوق، ومنه إدراك الطعام وإدراك الغلام، فالدرك ما يلحق به من الطبقة، وظاهره أن جهنم طبقات، والظاهر أن أشدها أسفلها.

قال الضحاك: الدرج إذا كان بعضها فوق بعض، والدرك إذا كان بعضها أسفل من بعض.

المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ فِى الدرك ﴾ بسكون الراء والباقون بفتحها، قال الزجاج: هما لغتان مثل الشمع والشمع، إلا أن الاختيار فتح الراء لأنه أكثر استعمالاً قال أبو حاتم: جمع الدرك أدراك كقولهم: جمل وأجمل، وفرس وأفرس، وجمع الدرك أدرك مثل فلس وأفلس وكلب وأكلب.

المسألة الثالاثة: قال ابن الأنباري: إنه تعالى قال في صفة المنافقين إنهم في الدرك الأسفل، وقال في آل فرعون ﴿ ادخلوا آل فرعون أشد العذاب  ﴾ فأيهما أشد عذاباً، المنافقون أم آل فرعون؟

وأجاب بأنه يحتمل أن أشد العذاب إنما يكون في الدرك الأسفل، وقد اجتمع فيه الفريقان.

المسألة الرابعة: لما كان المنافق أشد عذاباً من الكافر لأنه مثله في الكفر، وضم إليه نوع آخر من الكفر، وهو الاستهزاء بالإسلام وبأهله، وبسبب أنهم لما كانوا يظهرون الإسلام يمكنهم الاطلاع على أسرار المسلمين ثم يخبرون الكفار بذلك فكانت تتضاعف المحنة من هؤلاء المنافقين، فلهذه الأسباب جعل الله عذابهم أزيد من عذاب الكفار.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ﴾ وهذا تهديد لهم.

واحتج أصحابنا بهذا على إثبات الشفاعة في حق الفساق من أهل الصلاة، قالوا: إنه تعالى خصّ المنافقين بهذا التهديد، ولو كان ذلك حاصلاً في حق غير المنافقين لم يكن ذلك زجراً عن النفاق من حيث أنه نفاق، وليس هذا استدلالاً بدليل الخطاب، بل وجه الاستدلال فيه أنه تعالى ذكره في معرض الزجر عن النفاق، فلو حصل ذلك مع عدمه لم يبق زجراً عنه من حيث إنه نفاق ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُوا۟ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا ١٤٦

وأعلم أن هذه الآية فيها تغليظات عظيمة على المنافقين، وذلك لأنه تعالى شرط في إزالة العقاب عنهم أموراً أربعة: أولها: التوبة.

وثانيها: إصلاح العمل، فالتوبة عن القبيح، وإصلاح العمل عبارة عن الإقدام على الحسن.

وثالثها: الاعتصام بالله، وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله تعالى لا طلب مصلحة الوقت، لأنه لو كان مطلوبه جلب المنافع ودفع المضار لتغير عن التوبة وإصلاح العمل سريعاً، أما إذا كان مطلوبه مرضاة الله تعالى وسعادة الآخرة والاعتصام بدين الله بقي على هذه الطريقة ولم يتغير عنها.

ورابعها: الإخلاص، والسبب فيه أنه تعالى أمرهم أولاً: بترك القبيح، وثانياً: بفعل الحسن، وثالثاً: أن يكون غرضهم في ذلك الترك والفعل طلب مرضاة الله تعالى، ورابعاً: أن يكون ذلك الغرض وهو طلب مرضاة الله تعالى خالصاً وأن لا يمتزج به غرض آخر، فإذا حصلت هذه الشرائط الأربعة فعند ذلك قال: ﴿ فَأُوْلَئِكَ مَعَ المؤمنين ﴾ ولم يقل فأولئك مؤمنون، ثم أوقع أجر المؤمنين في التشريف لإنضمام المنافقين إليهم، فقال: ﴿ وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين أَجْراً عَظِيماً ﴾ وهذه القرائن دالة على أن حال المنافق شديد عند الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًۭا ١٤٧

فيه مسائل: المسألة الأولى: أيعذبكم لأجل التشفي، أم لطلب النفع، أم لدفع الضرر، كل ذلك محال في حقه لأنه تعالى غني لذاته عن الحاجات، منزّه عن جلب المنافع ودفع المضار، وإنما المقصود منه حمل المكلفين على فعل الحسن والاحتراز عن القبيح، فإذا أتيتم بالحسن وتركتم القبيح فكيف يليق بكرمه أن يعذبكم.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على قولنا، وذلك لأنها دالة على أنه سبحانه ما خلق خلقاً لأجل التعذيب والعقاب، فإن قوله: ﴿ مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ ﴾ صريح في أنه لم يخلق أحداً لغرض التعذيب، وأيضاً الآية تدل على أن فاعل الشكر والإيمان هو العبد وليس ذلك فعلاً لله تعالى، وإلا لصار التقدير: ما يفعل الله بعذابكم إذا خلق الشكر والإيمان فيكم ومعلوم أن هذا غير منتظم، وقد سبق الجواب عن هذه الكلمات.

المسألة الثالثة: قال أصحابنا: دلت هذه الآية على أنه لا يعذب صاحب الكبيرة لأنا نفرض الكلام فيمن شكر وآمن ثم أقدم على الشرب أو الزنا، فهذا وجب أن لا يعاقب بدليل قوله تعالى: ﴿ مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ ﴾ فإن قالوا لا نسلم أن صاحب الكبيرة مؤمن، قلنا: ذكرنا الوجوه الكثيرة في هذا الكتاب على أنه مؤمن.

المسألة الرابعة: في تقدم الشكر على الإيمان وجهان: الأول: أنه على التقديم والتأخير، أي إن آمنتم وشكرتم، لأن الإيمان مقدم على سائر الطاعات.

الثاني: إذا قلنا: الواو لا توجب الترتيب فالسؤال زائل.

الثالث: أن الإنسان إذا نظر في نفسه رأى النعمة العظيمة حاصلة في تخليقها وترتيبها فيشكر شكراً مجملاً، ثم إذا تمم النظر في معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكراً مفصلاً، فكان ذلك الشكر المجمل مقدماً على الإيمان، فلهذا قدمه عليه في الذكر.

ثم قال: ﴿ وَكَانَ الله شاكرا عَلِيماً ﴾ لأنه تعالى لما أمرهم بالشكر سمى جزاء الشكر شكراً على سبيل الاستعارة، فالمراد من الشاكر في حقه تعالى كونه مثيباً على الشكر، والمراد من كونه عليماً أنه عالم بجميع الجزئيات، فلا يقع الغلط له ألبتة، فلا جرم يوصل الثواب إلى الشاكر والعقاب إلى المعرض.

<div class="verse-tafsir"

۞ لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ١٤٨

في الآية مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم وجهان: الأول: أنه تعالى لما هتك ستر المنافقين وفضحهم وكان هتك الستر غير لائق بالرحيم الكريم ذكر تعالى ما يجري مجرى العذر في ذلك فقال: ﴿ لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول إِلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ يعني أنه تعالى لا يحب إظهار الفضائح والقبائح إلا في حق من عظم ضرره وكثر مكره وكيده، فعند ذلك يجوز إظهار فضائحه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «اذكروا الفاسق بما فيه كي تحذره الناس».

وهؤلاء المنافقون قد كان كثر مكرهم وكيدهم وظلمهم في حق المسلمين وعظم ضررهم، فلهذا المعنى ذكر الله فضائحهم وكشف أسرارهم.

الثاني: أنه تعالى ذكر في هذه الآية المتقدمة أن هؤلاء المنافقين إذا تابوا أخلصوا صاروا من المؤمنين، فيحتمل أنه كان يتوب بعضهم ويخلص في توبته ثم لا يسلم بعد ذلك من التعيير والذم من بعض المسلمين بسبب ما صدر عنه في الماضي من النفاق، فبين تعالى في هذه الآية أنه تعالى لا يحب هذه الطريقة، ولا يرضى بالجهر بالسوء من القول إلا من ظلم نفسه وأقام على نفاقه فإنه لا يكره ذلك.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه تعالى لا يريد من عباده فعل القبائح ولا يخلقها، وذلك لأن محبة الله تعالى عبارة عن إرادته، فلما قال: ﴿ لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول ﴾ علمنا أنه لا يريد ذلك، وأيضاً لو كان خالقاً لأفعال العباد لكان مريداً لها، ولو كان مريداً لها لكان قد أحب إيجاد الجهر بالسوء من القول، وإنه خلاف الآية.

والجواب: المحبة عندنا عبارة عن إعطاء الثواب على الفعل، وعلى هذا الوجه يصح أن يقال: إنه تعالى أراده ولكنه ما أحبه والله أعلم.

المسألة الثالثة: قال أهل العلم: إنه تعالى لا يحب الجهر بالسوء من القول ولا غير الجهر أيضاً، ولكنه تعالى إنما ذكر هذا الوصف لأن كيفيته الواقعة أوجبت ذلك كقوله: ﴿ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ  ﴾ والتبين واجب في الطعن والإقامة، فكذا هاهنا.

المسألة الرابعة: في قوله: ﴿ إَلاَّ مَن ظَلَمَ ﴾ قولان، وذلك لأنه إما أن يكون استثناءً منقطعاً أو متصلاً.

القول الأول: أنه استثناء متصل، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان: الأول: قال أبو عبيدة هذا من باب حذف المضاف على تقدير: إلا جهر من ظلم.

ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

الثاني: قال الزجاج: المصدر هاهنا أقيم مقام الفاعل، والتقدير: لا يحب الله المجاهر بالسوء إلا من ظلم.

القول الثاني: إن هذا الاستثناء منقطع، والمعنى لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، لكن المظلوم له أن يجهر بظلامته.

المسألة الخامسة: المظلوم ماذا يفعل؟

فيه وجوه: الأول: قال قتادة وابن عباس: لا يحب الله رفع الصوت بما يسوء غيره إلا المظلوم فإن له أن يرفع صوته بالدعاء على من ظلمه.

الثاني: قال مجاهد: إلا أن يخبر بظلم ظالمه له.

الثالث: لا يجوز إظهار الأحوال المستورة المكتومة، لأن ذلك يصير سبباً لوقوع الناس في الغيبة ووقوع ذلك الإنسان في الريبة، لكن من ظلم فيجوز إظهار ظلمه بأن يذكر أنه سرق أو غصب، وهذا قول الأصم.

الرابع: قال الحسن: إلا أن ينتصر من ظالمه.

قيل نزلت الآية في أبي بكر رضي الله عنه، فإن رجلاً شتمه فسكت مراراً، ثم رد عليه فقام النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: شتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه قمت، قال: إن ملكاً كان يجيب عنك، فلما رددت عليه ذهب ذلك الملك وجاء الشيطان، فلم أجلس عند مجيء الشيطان، فنزلت هذه الآية.

المسألة السادسة: قرأ جماعة من الكبار: الضحاك وزيد بن أسلم وسعيد بن جبير ﴿ إَلاَّ مَن ظَلَمَ ﴾ بفتح الظاء، وفيه وجهان: الأول: أن قوله: ﴿ لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول ﴾ كلام تام، وقوله: ﴿ إَلاَّ مَن ظَلَمَ ﴾ كلام منقطع عما قبله، والتقدير: لكن من ظلم فدعوه وخلوه، وقال الفرّاء والزجاج: يعني لكن من ظلم نفسه فإنه يجهر بالسوء من القول ظلماً واعتداء.

الثاني: أن يكون الاستثناء متصلاً والتقدير ﴿ إَلاَّ مَن ظَلَمَ ﴾ فإنه يجوز الجهر بالسوء من القول معه.

ثم قال: ﴿ وَكَانَ الله سَمِيعاً عَلِيماً ﴾ وهو تحذير من التعدي في الجهر المأذون فيه، ويعني فليتق الله ولا يقل إلا الحق ولا يقذف مستوراً بسوء فإنه يصير عاصياً لله بذلك، وهو تعالى سميع لما يقوله عليم بما يضمره.

<div class="verse-tafsir"

إِن تُبْدُوا۟ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا۟ عَن سُوٓءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّۭا قَدِيرًا ١٤٩

اعلم أن معاقد الخيرات على كثرتها محصورة في أمرين: صدق مع الحق، وخلق مع الخلق، والذي يتعلق بالخلق محصور في قسمين إيصال نفع إليهم ودفع ضرر عنهم، فدخل في هاتين الكلمتين جميع أنواع الخير وأعمال البر.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً ﴾ وفيه وجوه: الأول: أنه تعالى يعفو عن الجانبين مع قدرته على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا بسنة الله تعالى وهو قول الحسن.

الثاني: أن الله كان عفواً لمن عفا، قديراً على إيصال الثواب إليه.

الثالث: قال الكلبي: إن الله تعالى أقدر على عفو ذنوبك منك على عفو صاحبك.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍۢ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍۢ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا۟ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ حَقًّۭا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا ١٥١

اعلم أنه تعالى لما تكلم على طريقة المنافقين عاد يتكلم على مذاهب اليهود والنصارى ومناقضاتهم وذكر في آخر هذه السورة من هذا الجنس أنواعاً: النوع الأول: من أباطيلهم: إيمانهم ببعض الأنبياء دون البعض.

فقال: ﴿ إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ ﴾ فإن اليهود آمنوا بموسى والتوراة وكفروا بعيسى والإنجيل، والنصارى آمنوا بعيسى والإنجيل وكفروا بمحمد والقرآن ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ ﴾ أي يريدون أن يفرقوا بين الإيمان بالله ورسله ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً ﴾ أي بين الإيمان بالكل وبين الكفر بالكل سبيلاً أي واسطة، وهي الإيمان بالبعض دون البعض.

ثم قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون حَقّاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في خبر ﴿ إن ﴾ قولان: أحدهما: أنه محذوف، كأنه قيل جمعوا المخازي.

والثاني: هو قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون ﴾ والأول أحسن لوجهين: أحدهما: أنه أبلغ لأنه إذا حذف الجواب ذهب الوهم كل مذهب من العيب، وإذا ذكر بقي مقتصراً على المذكور، والثاني: أنه رأس الآية، والأحسن أن لا يكون الخبر منفصلاً عن المبتدأ.

المسألة الثانية: أنهم إنما كانوا كافرين حقاً لوجهين: الأول: أن الدليل الذي يدل على نبوّة البعض ليس إلاّ المعجز، وإذا كان دليلاً على النبوّة لزم القطع بأنه حيث حصل حصلت النبوّة فإن جوزنا في بعض المواضع حصول المعجز بدون الصدق تعذر الاستدلال به على الصدق، وحينئذ يلزم الكفر بجميع الأنبياء فثبت أن من لم يقبل نبوّة أحد منهم لزمه الكفر بجميعهم.

فإن قيل: هب أنه يلزمهم الكفر بكل الأنبياء، ولكن ليس إذا توجه بعض الالزامات على الإنسان لزم أن يكون ذلك الإنسان قائلاً به، فإلزام الكفر غير، والتزام الكفر غير، والقوم لما لم يلتزموا ذلك فيكف يقضى عليهم بالكفر.

قلنا: الإلزام إذا كان خفياً بحيث يحتاج فيه إلى فكر وتأمل كان الأمر فيه كما ذكرتم، أما إذا كان جلياً واضحاً لم يبقَ بين الالزام والالتزام فرق، والثاني: وهو أن قبول بعض الأنبياء إن كان لأجل الانقياد لطاعة الله تعالى وحكمه وجب قبول الكل، وإن كان لطلب الرياسة كان ذلك في الحقيقة كفراً بكل الأنبياء.

المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ حَقّاً ﴾ وجهان: الأول: أنه انتصب على مثل قولك: زيد أخوك حقاً، والتقدير أخبرتك بهذا المعنى إخباراً حقاً، والثاني: أن يكون التقدير: أولئك هم الكافرون كفراً حقاً.

طعن الواحدي فيه وقال: الكفر لا يكون حقاً بوجه من الوجوه.

والجواب أن المراد بهذا الحق الكامل، المعنى أولئك هم الكافرون كفراً كاملاً ثابتاً حقاً يقيناً.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمْ يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ أُو۟لَـٰٓئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ١٥٢

واعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد أردفه بالوعد فقال: ﴿ والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: إنما قال: ﴿ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ ﴾ مع أن التفريق يقتضي شيئين فصاعداً إلاّ أن أحداً لفظ يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ويدل عليه وجهان: الأول: صحة الاستثناء.

والثاني: قوله تعالى: ﴿ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النساء  ﴾ .

إذا عرفت هذا فتقدير الآية: ولم يفرقوا بين اثنين منهم أو بين جماعة.

المسألة الثانية: تمسك أصحابنا بهذه الآية في إثبات العفو وعدم الاحباط فقالوا: إنه تعالى وعد من آمن بالله ورسله بأن يؤتيهم أجورهم، والمفهوم منه يؤتيهم أجورهم على ذلك الإيمان، وإلاّ لم تصلح هذه الآية لأن تكون ترغيباً في الإيمان، وذلك يوجب القطع بعدم الإحباط والقطع بالعفو وبالإخراج من النار بعد الإدخال فيها.

المسألة الثالثة: قرأ عاصم في رواية حفص ﴿ يُؤْتِيهِمْ ﴾ بالياء والضمير راجع إلى اسم الله، والباقون بالنون، وذلك أولى لوجهين: أحدهما: أنه أفخم.

والثاني: أنه مشاكل لقوله: ﴿ وَأَعْتَدْنَا  ﴾ .

المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴾ معناه أن إيتاءها كائن لا محالة وإن تأخر فالغرض به توكيد الوعد وتحقيقه لا كونه متأخراً.

ثم قال: ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ والمراد أنه وعدهم بالثواب ثم أخبرهم بعد ذلك بأنه يتجاوز عن سيئاتهم ويعفو عنها ويغفرها.

<div class="verse-tafsir"

يَسْـَٔلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـٰبًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا۟ مُوسَىٰٓ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓا۟ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةًۭ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَءَاتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَـٰنًۭا مُّبِينًۭا ١٥٣ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَـٰقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًۭا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا۟ فِى ٱلسَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَـٰقًا غَلِيظًۭا ١٥٤

اعلم أن هذا هو النوع الثاني من جهالات اليهود، فإنهم قالوا: إن كنت رسولاً من عند الله فائتنا بكتاب من السماء جملة كما جاء موسى بالألواح.

وقيل: طلبوا أن ينزل عليهم كتاباً من السماء إلى فلان وكتاباً إلى فلان بأنك رسول الله وقيل: كتاباً نعاينه حين ينزل، وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت لأن معجزات الرسول كانت قد تقدمت، وحصلت فكان طلب الزيادة من باب التعنت.

ثم قال تعالى: ﴿ فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك ﴾ وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى عليه السلام وهم النقباء السبعون لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ومشاكلين لهم في التعنت.

واعلم أن المقصود من الآية بيان ما جبلوا عليه من التعنت، كأنه قيل: إن موسى لما نزل عليه كتاب من السماء لم يكتفوا بذلك القدر، بل طلبوا منه الرؤية على سبيل المعاينة، وهذا يدل على أن طلب هؤلاء لنزول الكتاب عليهم من السماء ليس لأجل الاسترشاد بل لمحض العناد.

ثم قال تعالى: ﴿ فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك فَقَالُواْ أَرِنَا الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة بِظُلْمِهِمْ ﴾ وهذه القصة قد فسرناها في سورة البقرة، واستدلال المعتزلة بهذه الآية على نفي الرؤية قد أجبنا عنه هناك.

ثم قال تعالى: ﴿ ثُمَّ اتخذوا العجل مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات ﴾ والمعنى بيان كمال جهالاتهم وإصرارهم على كفرهم فإنهم ما اكتفوا بعد نزول التوراة عليهم بطلب الرؤية جهرة، بل ضموا إليه عبادة العجل وذلك يدل على غاية بعدهم عن طلب الحق والدين، والمراد بالبينات من قوله: ﴿ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات ﴾ أمور: أحدها: أنه تعالى جعل ما أراهم من الصاعقة بينات، فإن الصاعقة وإن كانت شيئاً واحداً إلاّ أنها كانت دالة على قدرة الله تعالى وعلى علمه وعلى قدمه، وعلى كونه مخالفاً للأجسام والأعراض وعلى صدق موسى عليه السلام في دعوى النبوّة.

وثانيها: أن المراد بالبينات إنزال الصاعقة وإحياؤهم بعد ما أماتهم.

وثالثها: أنهم إنما عبدوا العجل من بعد أن شاهدوا معجزات موسى عليه السلام التي كان يظهرها في زمان فرعون، وهي العصا واليد البيضاء وفلق البحر وغيرها من المعجزات القاهرة، والمقصود من ذلك الكلام أن هؤلاء يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فاعلم يا محمد أنهم لا يطلبونه منك إلاّ عناداً ولجاجاً، فإن موسى قد أنزل الله عليه هذا الكتاب وأنزل عليه سائر المعجزات القاهرة، ثم أنهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد وأقبلوا على عبادة العجل، وكل ذلك يدل على أنهم مجبولون على اللجاج والعناد والبعد عن طريق الحق.

ثم قال: ﴿ فَعَفَوْنَا عَن ذلك ﴾ يعني لم نستأصل عبدة العجل ﴿ وآتينا موسى سلطاناً مبيناً ﴾ يعني أن قوم موسى وإن كانوا قد بالغوا في إظهار اللجاج والعناد معه لكنا نصرناه وقويناه فعظم أمره وضعف خصمه، وفيه بشارة للرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل التنبيه، والرمز بأن هؤلاء الكفار وإن كانوا يعاندونه فإنه بالآخرة يستولي عليهم ويقهرهم، ثم حكى تعالى عنهم سائر جهالاتهم وإصرارهم على أباطيلهم: فأحدها: أنه تعالى رفع فوقهم الطور بميثاقهم، وفيه وجوه: الأول: أنهم أعطوا الميثاق على أن لا يرجعوا عن الدين.

ثم رجعوا عنه وهموا بالرجوع، فرفع الله فوقهم الطور حتى يخافوا فلا ينقضوا الميثاق.

الثاني: أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة فرفع الله الجبل فوقهم حتى قبلوا، وصار المعنى: ورفعنا فوقهم الطور لأجل أن يعطوا الميثاق بقبول الدين.

الثالث: أنهم أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عن الدين فالله يعذبهم بأي نوع من أنواع العذاب أراد، فلما هموا بترك الدين أظل الله الطور عليهم وهو المراد من قوله: ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور بميثاقهم ﴾ .

وثانيها: قوله: ﴿ وَقُلْنَا لَهُمُ ادخلوا الباب سُجَّداً ﴾ ومضى بيانه في سورة البقرة.

وثالثها: قوله: ﴿ وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السبت وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ لاَ تَعْدُواْ فِي السبت ﴾ ، فيه وجهان: الأول: لا تعدوا باقتناص السمك فيه قال الواحدي: يقال عدا عليه أشد العداء والعدو والعدوان، أي ظلمه وجاوز الحد، ومنه قوله: ﴿ فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً  ﴾ الثاني: لا تعدوا في السبت من العدو بمعنى الحضر، والمراد النهي عن العمل والكسب يوم السبت، كأنه قال لهم: اسكنوا عن العمل في هذا اليوم واقعدوا في منازلكم فأنا الرزاق.

المسألة الثانية: قرأ نافع ﴿ لاَ تَعْدُواْ ﴾ ساكنة العين مشددة الدال، وأراد: لا تعتدوا، وحجته قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنكُمْ فِي السبت  ﴾ فجاء في هذه القصة بعينها افتعلوا، ثم أدغم التاء في الدال لتقاربهما ولأن الدال تزيد على التاء في الجهر، وكثير من النحويين ينكرون الجمع بين الساكنين إذا كان الثاني منهما مدغماً ولم يكن الأول حرف لين نحو دابة وشابة، وقيل لهم، ويقولون: إن المد يصير عوضاً عن الحركة، وروى ورش عن نافع ﴿ لاَ تَعْدُواْ ﴾ بفتح العين وتشديد الدال، وذلك لأنه لما أدغم التاء في الدال نقل حركتها إلى العين، والباقون ﴿ تَعْدُواْ ﴾ بضم الدال وسكون العين حقيقة.

المسألة الثالثة: قال القفال: الميثاق الغليظ هو العهد المؤكد غاية التوكيد، وذلك بين فيما يدعونه من التوراة.

<div class="verse-tafsir"

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ ۚ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا ١٥٥

وفيه مسائل: المسألة الأولى: في متعلق الباء في قوله: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ﴾ قولان الأول: أنه محذوف تقديره فيما نقضهم ميثاقهم وكذا، لعنادهم وسخطنا عليهم، والحذف أفخم لأن عند الحذف يذهب الوهم كل مذهب، ودليل المحذوف أن هذه الأشياء المذكورة من صفات الذم فيدل على اللعن.

الثاني: أن متعلق الباء هو قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ  ﴾ وهذا قول الزجاج ورغم أن قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ ﴾ بدل من قوله: ﴿ فِمَا نَقْضِهِم ﴾ .

واعلم أن القول الأول أولى، ويدل عليه وجهان: أحدهما: أن من قوله: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم ﴾ إلى قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ ﴾ الآيتين بعيد جداً، فجعل أحدهما بدلاً عن الآخر بعيد.

الثاني: أن تلك الجنايات المذكورة عظيمة جداً لأن كفرهم بالله وقتلهم الأنبياء وإنكارهم للتكليف بقولهم: قلوبنا غلف أعظم الذنوب، وذكر الذنوب العظيمة إنما يليق أن يفرع عليه العقوبة العظيمة، وتحريم بعض المأكولات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقه بتلك الجنايات العظيمة.

المسألة الثانية: اتفقوا على أن (ما) في قوله: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم ﴾ صلة زائدة، والتقدير: فبنقضهم ميثاقهم، وقد استقصينا هذه المسألة في تفسير قوله: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ  ﴾ .

المسألة الثالثة: أنه تعالى أدخل حرف الباء على أمور: أولها: نقض الميثاق.

وثانيها: كفرهم بآيات الله، والمراد منه كفرهم بالمعجزات، وقد بينا فيما تقدم أن من أنكر معجزة رسول واحد فقد أنكر جميع معجزات الرسل، فلهذا السبب حكم الله عليهم بالكفر بآيات الله.

وثالثها: قتلهم الأنبياء بغير حق، وذكرنا تفسيره في سورة البقرة.

ورابعها: قولهم: ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ وذكر القفال فيه وجهين: أحدهما: أن غلفا جمع غلاف والأصل غلف بتحريك اللام فخفف بالتسكين، كما قيل كتب ورسل بتسكين التاء والسين، والمعنى على هذا أنهم قالوا قلوبنا غلف، أي أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما عندنا، فكذبوا الأنبياء بهذا القول.

والثاني: أن غلفا جمع أغلف وهو المتغطى بالغلاف أي بالغطاء، والمعنى على هذا أنهم قالوا قلوبنا في أغطية فهي لا تفقه ما تقولون، نظيره ما حكى الله في قوله: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ .

فإن حملنا الآية المتقدمة على التأويل الأول كان المراد من هذه الآية أنه تعالى كذبهم في ادعائهم أن قلوبهم أوعية للعلم وبيّن أنه تعالى طبع عليها وختم عليها فلا يصل أثر الدعوة والبيان إليها، وهذا يليق بمذهبنا، وإن حملنا الآية المتقدمة على التأويل الثاني كان المراد من هذه الآية أنه تعالى كذبهم في ادعائهم أن قلوبهم في الأكنة والأغطية، وهذا يليق بمذهب المعتزلة، إلاّ أن الوجه الأول أولى، وهو المطابق لقوله: ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ .

ثم قال: ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ أي لا يؤمنون إلاّ بموسى والتوراة، وهذا إخبار منهم على حسب دعواهم وزعمهم، وإلاّ فقد بيّنا أن من يكفر برسول واحد وبمعجزة واحدة فإنه لا يمكنه الإيمان بأحد من الرسل ألبتة.

<div class="verse-tafsir"

وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَـٰنًا عَظِيمًۭا ١٥٦

وخامسها: قوله: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيماً ﴾ .

اعلم أنهم لما نسبوا مريم إلى الزنا لإنكارهم قدرة الله تعالى على خلق الولد من دون الأب ومنكر قدرة الله على ذلك كافر لأنه يلزمه أن يقول: كل ولد ولد فهو مسبوق بوالد لا إلى أول، وذلك يوجب القول بقدم العالم والدهر، والقدح في وجود الصانع المختار، فالقوم لا شك أنهم أولاً: أنكروا قدرة الله تعالى على خلق الولد من دون الأب، وثانياً: نسبوا مريم إلى الزنا، فالمراد بقوله: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ ﴾ هو إنكارهم قدرة الله تعالى، وبقوله: ﴿ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيماً ﴾ نسبتهم إياها إلى الزنا، ولما حصل التغير لا جرم حسن العطف، وإنما صار هذا الطعن بهتاناً عظيماً لأنه ظهر عند ولادة عيسى عليه السلام من الكرامات والمعجزات ما دلّ على براءتها من كل عيب، نحو قوله: ﴿ وَهُزّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة تساقط عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً  ﴾ ونحو كلام عيسى عليه السلام حال كونه طفلاً منفصلاً عن أمه، فإن كل ذلك دلائل قاطعة على براءة مريم عليها السلام من كل ريبة، فلا جرم وصف الله تعالى طعن اليهود فيها بأنه بهتان عظيم، وكذلك وصف طعن المنافقين في عائشة بأنه بهتان عظيم حيث قال: ﴿ سبحانك هذا بهتان عَظِيمٌ  ﴾ وذلك يدل على أن الروافض الذين يطعنون في عائشة بمنزلة اليهود الذين يطعنون في مريم عليها السلام.

<div class="verse-tafsir"

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا ١٥٧ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًۭا ١٥٨

وسادسها: قوله تعالى: ﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله ﴾ .

وهذا يدل على كفر عظيم منهم لأنهم قالوا فعلنا ذلك، وهذا يدل على أنهم كانوا راغبين في قتله مجتهدين في ذلك، فلا شك أن هذا القدر كفر عظيم.

فإن قيل: اليهود كانوا كافرين بعيسى أعداء له عامدين لقتله يسمونه الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة، فكيف قالوا: إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله؟

والجواب عنه من وجهين: الأول: أنهم قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ  ﴾ وكقول كفار قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَقَالُواْ ياأيها الذي نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ  ﴾ ، والثاني: أنه يجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعاً لعيسى عليه السلام عما كانوا يذكرونه به.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبّهَ لَهُمْ ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما حكى عن اليهود أنهم زعموا أنهم قتلوا عيسى عليه السلام فالله تعالى كذبهم في هذه الدعوى وقال: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبّهَ لَهُمْ ﴾ وفي الآية سؤالان: السؤال الأول: قوله: ﴿ شُبّهَ ﴾ مسند إلى ماذا؟

إن جعلته مسنداً إلى المسيح فهو مشبّه به وليس بمشبه، وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر.

والجواب من وجهين: الأول: أنه مسند إلى الجار والمجرور، وهو كقولك: خيل إليه كأنه قيل: ولكن وقع لهم الشبه.

الثاني: أن يسند إلى ضمير المقتول لأن قوله: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ ﴾ يدل على أنه وقع القتل على غيره فصار ذلك الغير مذكوراً بهذا الطريق، فحسن إسناد ﴿ شُبّهَ ﴾ إليه.

السؤال الثاني: أنه إن جاز أن يقال: أن الله تعالى يلقي شبه إنسان على إنسان آخر فهذا يفتح باب السفسطة، فإنا إذا رأينا زيداً فلعله ليس بزيد، ولكنه ألقى شبه زيد عليه، وعند ذلك لا يبقى النكاح والطلاق والملك، وثوقاً به، وأيضاً يفضي إلى القدح في التواتر لأن خبر التواتر إنما يفيد العلم بشرط انتهائه في الآخرة إلى المحسوس، فإذا جوزنا حصول مثل هذه الشبهة في المحسوسات توجه الطعن في التواتر، وذلك يوجب القدح في جميع الشرائع، وليس لمجيب أن يجيب عنه بأن ذلك مختص بزمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأنا نقول: لو صح ما ذكرتم فذاك إنما يعرف بالدليل والبرهان، فمن لم يعلم ذلك الدليل وذلك البرهان وجب أن لا يقطع بشيء من المحسوسات ووجب أن لا يعتمد على شيء من الأخبار المتواترة، وأيضاً ففي زماننا إن انسدت المعجزات فطريق الكرامات مفتوح، وحينئذ يعود الاحتمال المذكور في جميع الأزمنة: وبالجملة ففتح هذا الباب يوجب الطعن في التواتر، والطعن فيه يوجب الطعن في نبوّة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهذا فرع يوجب الطعن في الأصول فكان مردوداً.

والجواب: اختلفت مذاهب العلماء في هذا الموضع وذكروا وجوهاً: الأول: قال كثير من المتكلمين: إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله تعالى إلى السماء فخاف رؤساء اليهود من وقوع الفتنة من عوامهم، فأخذوا إنساناً وقتلوه وصلبوه ولبسوا على الناس أنه المسيح، والناس ما كانوا يعرفون المسيح إلاّ بالاسم لأنه كان قليل المخالطة للناس، وبهذا الطريق زال السؤال.

لا يقال: إن النصارى ينقلون عن أسلافهم أنهم شاهدوه مقتولاً، لأنا نقول: إن تواتر النصارى ينتهي إلى أقوام قليلين لا يبعد اتفاقهم على الكذب.

والطريق الثاني: أنه تعالى ألقى شبهه على إنسان آخر ثم فيه وجوه: الأول: أن اليهود لما علموا أنه حاضر في البيت الفلاني مع أصحابه أمر يهوذا رأس اليهود رجلاً من أصحابه يقال له طيطايوس أن يدخل على عيسى عليه السلام ويخرجه ليقتله، فلما دخل عليه أخرج الله عيسى عليه السلام من سقف البيت وألقى على ذلك الرجل شبه عيسى فظنوه هو فصلبوه وقتلوه.

الثاني: وكلوا بعيسى رجلاً يحرسه وصعد عيسى عليه السلام في الجبل ورفع إلى السماء، وألقى الله شبهه على ذلك الرقيب فقتلوه وهو يقول لست بعيسى.

الثالث: أن اليهود لما هموا بأخذه وكان مع عيسى عشرة من أصحابه فقال لهم: من يشتري الجنة بأن يلقى عليه شبهي؟

فقال واحد منهم أنا، فألقى الله شبه عيسى عليه فأخرج وقتل، ورفع الله عيسى عليه السلام.

الرابع: كان رجل يدعي أنه من أصحاب عيسى عليه السلام، وكان منافقاً فذهب إلى اليهود ودلهم عليه، فلما دخل مع اليهود لأخذه ألقى الله تعالى شبهه عليه فقتل وصلب.

وهذه الوجوه متعارضة متدافعة، والله أعلم بحقائق الأمور.

ثم قال تعالى: ﴿ وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ﴾ وفيه مسألتان: المسأله الأولى: اعلم أن في قوله: ﴿ وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ ﴾ قولين: الأول: أنهم هم النصارى وذلك لأنهم بأسرهم متفقون على أن اليهود قتلوه، إلا أن كبار فرق النصارى ثلاثة: النسطورية، والملكانية، واليعقوبية.

أما النسطورية فقد زعموا أن المسيح صلب من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته، وأكثر الحكماء يرون ما يقرب من هذا القول، قالوا: لأنه ثبت أن الإنسان ليس عبارة عن هذا الهيكل بل هو إما جسم شريف منساب في هذا البدن، وإما جوهر روحاني مجرد في ذاته وهو مدبر في هذا البدن، فالقتل إنما ورد على هذا الهيكل، وأما النفس التي هي في الحقيقة عيسى عليه السلام فالقتل ما ورد عليه، لا يقال: فكل إنسان كذلك فما الوجه لهذا التخصيص؟

لأنا نقول: إن نفسه كانت قدسية علوية سماوية شديدة الاشراق بالأنوار الإلهية عظيمة القرب من أرواح الملائكة، والنفس متى كانت كذلك لم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن، ثم إنها بعد الانفصال عن ظلمة البدن تتخلص إلى فسحة السموات وأنوار عالم الجلال فيعظم بهجتها وسعادتها هناك، ومعلوم أن هذه الأحوال غير حاصلة لكل الناس بل هي غير حاصلة من مبدأ خلقة آدم عليه السلام إلى قيام القيامة إلا لأشخاص قليلين، فهذا هو الفائدة في تخصيص عيسى عليه السلام بهذه الحالة.

وأما الملكانية فقالوا: القتل والصلب وصلا إلى الاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة.

وقالت اليعقوبية: القتل واللصلب وقعا بالمسيح الذي هو جوهر متولد من جوهرين، فهذا هو شرح مذاهب النصارى في هذا الباب، وهو المراد من قوله: ﴿ وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ لَفِى شَكّ مّنْهُ ﴾ .

القول الثاني: أن المراد بالذين اختلفوا هم اليهود، وفيه وجهان: الأول: أنهم لما قتلوا الشخص المشبه به كان الشبه قد ألقى على وجهه ولم يلق عليه شبه جسد عيسى عليه السلام، فلما قتلوه ونظروا إلى بدنه قالوا: الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره.

الثاني: قال السدي: إن اليهود حبسوا عيسى مع عشرة من الحواريين في بيت، فدخل عليه رجل من اليهود ليخرجه ويقتله، فألقى الله شبه عيسى عليه ورفع إلى السماء، فأخذوا ذلك الرجل وقتلوه على أنه عيسى عليه السلام، ثم قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟

فذلك اختلافهم فيه.

المسألة الثانية: احتج نفاة القياس بهذه الآية وقالوا: العمل بالقياس اتباع للظن، واتباع الظن مذموم في كتاب الله بدليل أنه إنما ذكره في معرض الذم، ألا ترى أنه تعالى وصف اليهود والنصارى هاهنا في معرض الذم بهذا فقال: ﴿ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن ﴾ وقال في سورة الأنعام في مذمة الكفار ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ هُمْ لا يَخْرُصُونَ  ﴾ وقال في آية أخرى ﴿ وَإِنَّ الظن لاَ يُغْنِى مِنَ الحق شَيْئاً  ﴾ وكل ذلك يدل على أن اتباع الظن مذموم.

والجواب: لا نسلم أن العمل بالقياس اتباع الظن، فإن الدليل القاطع لما دل على العمل بالقياس كان الحكم المستفاد من القياس معلوماً لا مظنوناً، وهذا الكلام له غور وفيه بحث.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ ﴾ .

واعلم أن هذا اللفظ يحتمل وجهين: أحدهما: يقين عدم القتل، والآخر يقين عدم الفعل، فعلى التقدير الأول يكون المعنى: أنه تعالى أخبر أنهم شاكون في أنه هل قتلوه أم لا، ثم أخبر محمداً بأن اليقين حاصل بأنهم ما قتلوه، وعلى التقدير الثاني يكون المعنى أنهم شاكون في أنه هل قتلوه أم لا، ثم أخبر محمداً بأن اليقين حاصل بأنهم ما قتلوه، وعلى التقدير الثاني يكون المعنى أنهم شاكون في أنه هل قتلوه؟

ثم أكد ذلك بأنهم قتلوا ذلك الشخص الذي قتلوه لا على يقين أنه عيسى عليه السلام، بل حين ما قتلوه كانوا شاكين في أنه هل هو عيسى أم لا، والاحتمال الأول أولى لأنه تعالى قال بعده ﴿ بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ ﴾ وهذا الكلام إنما يصح إذا تقدم القطع واليقين بعدم القتل.

أما قوله: ﴿ بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو والكسائي ﴿ بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ ﴾ بإدغام اللام في الراء والباقون بترك الإدغام، حجتهما قرب مخرج اللام من الراء والراء أقوى من اللام بحصول التكرير فيها، ولهذا لم يجز إدغام الراء في اللام لأن الأنقص يدغم في الأفضل، وحجة الباقين أن الراء واللام حرفان من كلمتين فالأولى ترك الإدغام.

المسألة الثانية: المشبهة احتجوا بقوله تعالى: ﴿ بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ ﴾ في إثبات الجهة.

والجواب: المراد الرفع إلى موضع لا يجرى فيه حكم غير الله تعالى كقوله: ﴿ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الامور  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا إِلَى الله وَرَسُولِهِ  ﴾ وكانت الهجرة في ذلك الوقت إلى المدينة، وقال إبراهيم ﴿ إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّى  ﴾ .

المسألة الثالثة: رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ثابت بهذه الآية، ونظير هذه الآية قوله في آل عمران ﴿ إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ  ﴾ واعلم أنه تعالى لما ذكر عقيب ما شرح أنه وصل إلى عيسى أنواع كثيرة من البلاء والمحنة أنه رفعه إليه دل ذلك على أن رفعه إليه أعظم في باب الثواب من الجنة ومن كل ما فيها من اللذات الجسمانية، وهذه الآية تفتح عليك باب معرفة السعادات الروحانية.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ .

والمراد من العزة كمال القدرة، ومن الحكمة كمال العلم، فنبّه بهذا على أن رفع عيسى من الدنيا إلى السموات وإن كان كالمتعذر على البشر لكنه لا تعذر فيه بالنسبة إلى قدرتي وإلى حكمتي، وهو نظير قوله تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً  ﴾ فإن الإسراء وإن كان متعذراً بالنسبة إلى قدرة محمد إلا أنه سهل بالنسبة إلى قدرة الحق سبحانه ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ قَبْلَ مَوْتِهِۦ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا ١٥٩

واعلم أنه تعالى لما ذكر فضائح اليهود وقبائح أفعالهم وشرح أنهم قصدوا قتل عيسى عليه السلام وبيّن أنه ما حصل لهم ذلك المقصود، وأنه حصل لعيسى أعظم المناصب وأجل المراتب بيّن تعالى أن هؤلاء اليهود الذين كانوا مبالغين في عداواته لا يخرج أحد منهم من الدنيا إلا بعد أن يؤمن به فقال: ﴿ وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ .

واعلم أن كلمة ﴿ إن ﴾ بمعنى (ما) النافية كقوله: ﴿ وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا  ﴾ فصار التقدير: وما أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به.

ثم إنا نرى أكثر اليهود يموتون ولا يؤمنون بعيسى عليه السلام.

والجواب من وجهين: الأول: ما روي عن شهر بن حوشب قال: قال الحجاج إني ما قرأتها إلا وفي نفسي منها شيء، يعني هذه الآية فإني أضرب عنق اليهودي ولا أسمع منه ذلك.

فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبره، وقالوا يا عدو الله أتاك عيسى نبيّاً فكذبت به، فيقول آمنت أنه عبدالله، وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه هو الله وابن الله، فيقول: آمنت أنه عبدالله فأهل الكتاب يؤمنون به، ولكن حيث لا ينفعهم ذلك الإيمان، فاستوى الحجاج جالساً وقال: عمن نقلت هذا؟

فقلت: حدّثني به محمد بن علي بن الحنفية فأخذ ينكت في الأرض بقضيب ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية.

وعن ابن عباس أنه فسّره كذلك فقال له عكرمة: فإن خر من سقف بيت أو احترق أو أكله سبع قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به، ويدل عليه قراءة أُبي ﴿ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ بضم النون على معنى وإن منهم أحد إلا سيؤمنون به قبل موتهم لأن أحداً يصلح للجمع، قال صاحب الكشاف: والفائدة في أخبار الله تعالى بإيمانهم بعيسى قبل موتهم أنهم متى علموا أنه لابد من الإيمان به لا محالة فلأن يؤمنوا به حال ما ينفعهم ذلك الإيمان أولى من أن يؤمنوا به حال ما لا ينفعهم ذلك الإيمان.

والوجه الثاني: في الجواب عن أصل السؤال: أن قوله: ﴿ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ أي قبل موت عيسى، والمراد أن أهل الكتاب الذين يكونون موجودين في زمان نزوله لابد وأن يؤمنوا به: قال بعض المتكلمين: إنه لا يمنع نزوله من السماء إلى الدنيا إلا أنه إنما ينزل عند ارتفاع التكاليف أو بحيث لا يعرف، إذ لو نزل مع بقاء التكاليف على وجه يعرف أنه عيسى عليه السلام لكان إما أن يكون نبياً ولا نبي بعد محمد عليه الصلاة والسلام، أو غير نبي وذلك غير جائز على الأنبياء، وهذا الاشكال عندي ضعيف لأن انتهاء الأنبياء إلى مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فعند مبعثه انتهت تلك المدة، فلا يبعد أن يصير بعد نزوله تبعاً لمحمد عليه الصلاة والسلام.

ثم قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ القيامة يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ﴾ قيل: يشهد على اليهود أنهم كذبوه وطعنوا فيه، وعلى النصارى أنهم أشركوا به، وكذلك كل نبي شاهد على أمته ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

فَبِظُلْمٍۢ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًۭا ١٦٠ وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَقَدْ نُهُوا۟ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا ١٦١

واعلم أنه تعالى لما شرح فضائح أعمال اليهود وقبائح الكافرين وأفعالهم ذكر عقيبه تشديده تعالى عليهم في الدنيا وفي الآخرة، أما تشديده عليهم في الدنيا فهو أنه تعالى حرّم عليهم طيبات كانت محللة لهم قبل ذلك، كما قال تعالى في موضع آخر ﴿ وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون  ﴾ ثم إنه تعالى بيّن ما هو كالعلة الموجبة لهذه التشديدات.

واعلم أن أنواع الذنوب محصورة في نوعين: الظلم للخلق، والإعراض عن الدين الحق، أما ظلم الخلق فإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ الله ﴾ ثم إنهم مع ذلك في غاية الحرص في طلب المال، فتارة يحصلونه بالربا مع أنهم نهوا عنه، وتارة بطريق الرشوة وهو المراد بقوله: ﴿ وَأَكْلِهِمْ أموال الناس بالباطل ﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿ سماعون للكَذِبَ أكالون لِلسُّحْتِ  ﴾ فهذه الأربعة هي الذنوب الموجبة للتشديد عليهم في الدنيا وفي الآخرة، أما التشديد في الدنيا فهو الذي تقدم ذكره من تحريم الطيبات عليهم، وأما التشديد في الآخرة فهو المراد من قوله: ﴿ وَأَعْتَدْنَا للكافرين مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما وصف طريقة الكفار والجهال من اليهود وصف طريقة المؤمنين منهم.

<div class="verse-tafsir"

لَّـٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ۚ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ أُو۟لَـٰٓئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ١٦٢

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المراد من ذلك عبدالله بن سلام وأصحابه الراسخون في العلم الثابتون فيه، وهم في الحقيقة المستدلون بأن المقلد يكون بحيث إذا شكك يشك، وأما المستدل فإنه لا يتشكك ألبتة، فالراسخون هم المستدلون والمؤمنون، يعني المؤمنين منهم أو المؤمنين من المهاجرين والأنصار وارتفع الراسخون على الابتداء و ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ خبره، وأما قوله: ﴿ والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكواة ﴾ ففيه أقوال: الأول: روي عن عثمان وعائشة أنهما قالا: إن في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها.

واعلم أن هذا بعيد لأن هذا المصحف منقول بالنقل المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه.

الثاني: وهو قول البصريين: أنه نصب على المدح لبيان فضل الصلاة، قالوا إذا قلت: مررت بزيد الكريم فلك أن تجر الكريم لكونه صفة لزيد، ولك أن تنصبه على تقدير أعني، وإن شئت رفعت على تقدير هو الكريم، وعلى هذا يقال: جاءني قومك المطعمين في المحل والمغيثون في الشدائد، والتقدير جاءني قومك أعني المطعمين في المحل وهم المغيثون في الشدائد فكذا هاهنا تقدير الآية: أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة، طعن الكسائي في هذا القول وقال: النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام، وهاهنا لم يتم الكلام، لأن قوله: ﴿ لكن الراسخون فِي العلم ﴾ منتظر للخبر، والخبر هو قوله: ﴿ أولئك سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ﴾ .

والجواب: لا نسلم أن الكلام لا يتم إلا عند قوله: ﴿ أولئك ﴾ لأنا بينا أن الخبر هو قوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ وأيضاً لم لا يجوز الاعتراض بالمدح بين الاسم والخبر؛ وما الدليل على امتناعه؟

فهذا القول هو المعتمد في هذه الآية.

والقول الثالث: وهو اختيار الكسائي، وهو أن المقيمين خفض بالعطف على (ما) في قوله: ﴿ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ والمعنى: والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالمقيمين الصلاة، ثم عطف على قوله: ﴿ والمؤمنون ﴾ قوله: ﴿ والمؤتون الزكواة ﴾ والمراد بالمقيمين الصلاة الأنبياء، وذلك لأنه لم يخل شرع أحد منهم من الصلاة.

قال تعالى في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعد أن ذكر أعداداً منهم ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فعل الخيرات وإقام الصلاة  ﴾ وقيل: المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة الذين وصفهم الله بأنهم الصافون وهم المسبحون وأنهم يسبِّحون الليل والنهار لا يفترون، فقوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ يعني يؤمنون بالكتب، وقوله: ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ يعني يؤمنون بالرسل.

الرابع: جاء في مصحف عبدالله بن مسعود ﴿ والمقيمون الصلاة ﴾ بالواو، وهي قراءة مالك بن دينار والجحدري وعيسى الثقفي.

المسألة الثانية: اعلم أن العلماء على ثلاثة أقسام: الأول: العلماء بأحكام الله تعالى فقط.

والثاني: العلماء بذات الله وصفات الله فقط.

والثالث: العلماء بأحكام الله وبذات الله، أما الفريق الأول فهم العالمون بأحكام الله وتكاليفه وشرائعه، وأما الثاني: فهم العالمون بذات الله وبصفاته الواجبة والجائزة والممتنعة، وأما الثالث: فهم الموصوفون بالعاملين وهم أكابر العلماء، وإلى هذه الأقسام الثلاثة أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: جالس العلماء وخالط الحكماء ورافق الكبراء.

وإذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى وصفهم بكونهم راسخين في العلم، ثم شرح ذلك فبيّن أولاً: كونهم عالمين بأحكام الله تعالى وعاملين بتلك الأحكام، فأما علمهم بأحكام الله فهو المراد من قوله: ﴿ والمؤمنون يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ وأما عملهم بتلك الأحكام فهو المراد بقوله: ﴿ والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكواة ﴾ وخصهما بالذكر لكونهما أشرف الطاعات لأن الصلاة أشرف الطاعات البدينة، والزكاة أشرف الطاعات المالية، ولما شرح كونهم عالمين بأحكام الله وعاملين بها شرح بعد ذلك كونهم عالمين بالله، وأشرف المعارف العلم بالمبدأ والمعاد، فالعلم بالمبدأ هو المراد بقوله: ﴿ والمؤمنون بالله ﴾ والعلم بالمعاد هو المراد من قوله: ﴿ واليوم الآخر ﴾ ولما شرح هذه الأقسام ظهر كون هؤلاء المذكورين عالمين بأحكام الله تعالى وعاملين بها وظهر كونهم عالمين بالله وبأحوال المعاد، وإذا حصلت هذه العلوم والمعارف ظهر كونهم راسخين في العلم لأن الإنسان لا يمكنه أن يتجاوز هذا المقام في الكمال وعلو الدرجة، ثم أخبر عنهم بقوله: ﴿ أولئك سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

۞ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍۢ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعْدِهِۦ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَـٰرُونَ وَسُلَيْمَـٰنَ ۚ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًۭا ١٦٣ وَرُسُلًۭا قَدْ قَصَصْنَـٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًۭا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًۭا ١٦٤ رُّسُلًۭا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًۭا ١٦٥

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكى أن اليهود سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، وذكر تعالى بعده أنهم لا يطلبون ذلك لأجل الاسترشاد ولكن لأجل العناد واللجاج، وحكى أنواعاً كثيرة من فضائحهم وقبائحهم، وامتد الكلام إلى هذا المقام، شرع الآن في الجواب عن تلك الشبهة فقال: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ ﴾ والمعنى: أنا توافقنا على نبوّة نوح وإبراهيم وإسماعيل وجميع المذكورين في هذه الآية، وعلى أن الله تعالى أوحى إليهم، ولا طريق إلى العلم بكونهم أنبياء الله ورسله إلا ظهور المعجزات عليهم ولكل واحد منهم نوع آخر من المعجزات على التعيين، وما أنزل الله على كل واحد من أنواع المعجزات عليهم، علمنا أن هذه الشبهة زائلة، وأن إصرار اليهود على طلب هذه المعجزة باطل، وتحقيق القول فيه أن إثبات المدلول يتوقف على ثبوت الدليل، ثم إذا حصل الدليل وتم فالمطالبة بدليل آخر تكون طلباً للزيادة وإظهاراً للتعنت واللجاج، والله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فلا اعتراض عليه لأحد بأنه لم أعطى هذا الرسول هذه المعجزة وذلك الرسول الآخر معجزاً آخر، وهذا الجواب المذكور هاهنا هو الجواب المذكور في قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا  ﴾ إلى قوله: ﴿ قُلْ سبحان رَبّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً  ﴾ يعني أنك إنما ادعيت الرسالة، والرسول لابد له من معجزة تدلّ على صدقه، وذلك قد حصل، وأما أن تأتي بكل ما يطلب منك فذاك ليس من شرط الرسالة، فهذا جواب معتمد عن الشبهة التي أوردها اليهود، وهو المقصود الأصلي من هذه الآية.

المسألة الثانية: قال الزجاج: الإيحاء الإعلام على سبيل الخفاء، قال تعالى: ﴿ فأوحى إِلَيْهِمْ أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً  ﴾ أي أشار إليهم، وقال: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين أَنْ ءامِنُواْ بِى  ﴾ وقال: ﴿ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل  ﴾ ﴿ وَأَوْحَيْنَا إلى أُمّ موسى  ﴾ والمراد بالوحي في هذه الآيات الثلاثة الإلهام.

المسألة الثالثة: قالوا إنما بدأ تعالى بذكر نوح لأنه أول نبي شرع الله تعالى على لسانه الأحكام والحلال والحرام، ثم قال تعالى: ﴿ والنبيين مِن بَعْدِهِ ﴾ ثم خصّ بعض النبيّين بالذكر لكونهم أفضل من غيرهم كقوله: ﴿ وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال  ﴾ .

واعلم أن الأنبياء المذكورين في هذه الآية سوى موسى عليه السلام إثنا عشر ولم يذكر موسى معهم، وذلك لأن اليهود قالوا: إن كنت يا محمد نبياً فأتنا بكتاب من السماء دفعة واحدة كما أتى موسى عليه السلام بالتوراة دفعة واحدة، فالله تعالى أجاب عن هذه الشبهة بأن هؤلاء الأنبياء الأثنى عشر كلهم كانوا أنبياءً ورسلاً مع أن واحداً منهم ما أتى بكتاب مثل التوراة دفعة واحدة، ثم ختم ذكر الأنبياء بقوله: ﴿ وَءاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً ﴾ يعني أنكم اعترفتم بأن الزبور من عند الله، ثم إنه ما نزل على داود دفعة واحدة في ألواح مثل ما نزلت التوراة دفعة واحدة على موسى عليه السلام في الألواح، فدل هذا على أن نزول الكتاب لا على الوجه الذي نزلت التوراة لا يقدح في كون الكتاب من عند الله، وهذا إلزام حسن قوي.

المسألة الرابعة: قال أهل اللغة: الزبور الكتاب، وكل كتاب زبور، وهو فعول بمعنى مفعول، كالرسول والركوب والحلوب، وأصله من زبرت بمعنى كتبت، وقد ذكرنا ما فيه عند قوله: ﴿ جَاءوا بالبينات والزبر  ﴾ .

المسألة الخامسة: قرأ حمزة ﴿ زَبُوراً ﴾ بضم الزاي في كل القرآن، والباقون بفتحها، حجة حمزة أن الزبور مصدر في الأصل، ثم استعمل في المفعول كقولهم: ضرب الأمير، ونسج فلان فصار اسماً ثم جمع على زبر كشهود وشهد، والمصدر إذا أقيم مقام المفعول فإنه يجوز جمعه كما يجمع الكتاب على كتب، فعلى هذا، الزبور الكتاب، والزبر بضم الزاي الكتب، أما قراءة الباقين فهي أولى لأنها أشهر، والقراءة بها أكثر.

ثم قال تعالى: ﴿ وَرُسُلاً قَدْ قصصناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ﴾ .

وأعلم أنه انتصب قوله: ﴿ رُسُلاً ﴾ بمضمر يفسره قوله: ﴿ قَدْ قصصناهم عَلَيْكَ ﴾ والمعنى أنه تعالى إنما ذكر أحوال بعض الأنبياء في القرآن، والأكثرون غير مذكورين على سبيل التفصيل.

ثم قال: ﴿ وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً ﴾ والمراد أنه بعث كل هؤلاء الأنبياء والرسل وخص موسى عليه السلام بالتكلم معه، ولم يلزم من تخصيص موسى عليه السلام بهذا التشريف الطعن في نبوّة سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكذلك لم يلزم من تخصيص موسى بإنزال التوراة عليه دفعة واحدة طعن فيمن أنزل الله عليه الكتاب لا على هذا الوجه، وعن إبراهيم ويحيى بن وثاب أنهما قرأ ﴿ وَكَلَّمَ الله ﴾ بالنصب، وقال بعضهم: وكلم الله معناه وجرح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن وهذا تفسير باطل.

ثم قال تعالى: ﴿ رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في انتصاب قوله: ﴿ رُسُلاً ﴾ وجوه: الأول: قال صاحب الكشاف: الأوجه أن ينتصب على المدح.

والثاني: أنه انتصب على البدل من قوله: ﴿ وَرُسُلاً ﴾ الثالث: أن يكون التقدير: أوحينا إليهم رسلاً فيكون منصوباً على الحال والله أعلم.

المسألة الثانية: اعلم أن هذا الكلام أيضاً جواب عن شبهة اليهود، وتقريره أن المقصود من بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يبشروا الخلق على اشتغالهم بعبودية الله، وأن ينذروهم على الإعراض عن العبودية، فهذا هو المقصود الأصلي من البعثة، فإذا حصل هذا المقصود فقد كمل الغرض وتمّ المطلوب، وهذا المقصود الأصلي حاصل بإنزال الكتاب المشتمل على بيان هذا المطلوب، ومن المعلوم أنه لا يختلف حال هذا المطلوب بأن يكون ذلك الكتاب مكتوباً في الألواح أو لم يكن، وبأن يكون نازلاً دفعة واحدة أو منجماً مفرقاً، بل لو قيل: إن إنزال الكتاب منجماً مفرقاً أقرب إلى المصلحة لكان أولى لأن الكتاب إذا نزل دفعة واحدة كثرت التكاليف وتوجهت بأسرها على المكلفين فيثقل عليهم قبولها، ولهذا السبب أصر قوم موسى عليه السلام على التمرد ولم يقبلوا تلك التكاليف، أما إذا نزل الكتاب منجماً مفرقاً لم يكن كذلك، بل ينزل التكاليف شيئاً فشيئاً وجزءاً فجزءاً، فحينئذٍ يحصل الانقياد والطاعة من القوم وحاصل هذا الجواب أن المقصود من بعثة الرسل وإنزال الكتب هو الإعذار والإنذار، وهذا المقصود حاصل سواء إنزل الكتاب دفعة واحدة أو لم يكن كذلك، فكان اقتراح اليهود في أنزال الكتاب دفعة واحدة اقتراحاً فاسداً.

وهذا أيضاً جواب عن تلك الشبهة في غاية الحسن، ثم ختم الآية بقوله: ﴿ وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ يعني هذا الذي يطلبونه من الرسول أمر هين في القدرة، ولكنكم طلبتموه على سبيل اللجاج وهو تعالى عزيز، وعزته تقتضي أن لا يجاب المتعنت إلى مطلوبه فكذلك حكمته تقتضي هذا الامتناع لعلمه تعالى بأنه لو فعل ذلك لبقوا مصرين على لجاجهم، وذلك لأنه تعالى أعطى موسى عليه السلام هذا التشريف ومع ذلك فقومه بقوا معه على المكابرة والإصرار واللجاج، والله أعلم.

المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن وجوب معرفة الله تعالى لا يثبت إلا بالسمع قالوا لأن قوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل ﴾ يدل على أن قبل البعثة يكون للناس حجة في ترك الطاعات والعبادات، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً  ﴾ وقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءاياتك مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى  ﴾ .

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على أن العبد قد يحتج على الرب، وأن الذي يقوله أهل السنة من أنه تعالى لا اعتراض عليه في شيء، وأن له أن يفعل ما يشاء كما يشاء ليس بشيء قالوا: لأن قوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل ﴾ يقتضي أن لهم على الله حجة قبل الرسل، وذلك يبطل قول أهل السنة.

والجواب: المراد لئلا يكون للناس على الله حجة أي ما يشبه الحجة فيما بينكم.

قالت المعتزلة: وتدل هذه الآية أيضاً على أن تكليف ما لا يطاق غير جائز لأن عدم إرسال الرسل إذا كان يصلح عذراً فبأن يكون عدم المكنة والقدرة صالحاً لأن يكون عذراً كان أولى، وجوابه المعارضة بالعلم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلْمِهِۦ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ١٦٦

وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: أعلم أن قوله: ﴿ لَكِنِ ﴾ لا يبتدأ به لأنه استدراك على ما سبق، وفي ذلك المستدرك قولان: الأول: أن هذه الآيات بأسرها جواب عن قوله: ﴿ يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كتابا مّنَ السماء  ﴾ وهذا الكلام يتضمن أن هذا القرآن ليس كتاباً نازلاً عليهم من السماء فكأنه قيل: إنهم وإن شهدوا بأن القرآن لم ينزل عليه من السماء لكن الله يشهد بأنه نازل عليه من السماء.

الثاني: أنه تعالى لما قال: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ  ﴾ قال القوم: نحن لا نشهد لك بذلك، فنزل ﴿ لكن الله يَشْهَدُ ﴾ .

المسألة الثانية: شهادة الله إنما عرفت بسبب أنه أنزل عليه هذا القرآن البالغ في الفصاحة في اللفظ والشرف في المعنى إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضته، فكان ذلك معجزاً وإظهار المعجزة شهادة بكون المدعي صادقاً، ولما كانت شهادته إنما عرفت بواسطة إنزال القرآن لا جرم قال: ﴿ لكن الله يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ﴾ أي يشهد لك بالنبوّة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله إليك.

ثم قال تعالى: ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أنه تعالى لما قال: ﴿ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ﴾ بين صفة ذلك الإنزال وهو أنه تعالى أنزله بعلم تام وحكمة بالغة، فصار قوله: ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ جارياً مجرى قول القائل: كتبت بالقلم وقطعت بالسكين، والمراد من قوله: ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ وصف القرآن بغاية الحسن ونهاية الكمال، وهذا مثل ما يقال في الرجل المشهور بكمال الفشل والعلم إذا صنف كتاباً واستقصى في تحريره: إنه إنما صنف هذا بكمال علمه وفضله، يعني أنه اتخذ جملة علومه آلة ووسيلة إلى تصنيف هذا الكتاب فيدل ذلك على وصف ذلك التصنيف بغاية الجودة ونهاية الحسن، فكذا هاهنا والله أعلم.

المسألة الثانية: قال أصحابنا: دلت الآية على أن لله تعالى علماً، وذلك لأنها تدل على إثبات علم الله تعالى، ولو كان علمه نفس ذاته لزم إضافة الشيء إلى نفسه وهو محال.

ثم قال: ﴿ والملائكة يَشْهَدُونَ ﴾ وإنما تعرف شهادة الملائكة له بذلك لأن ظهور المعجز على يده يدل على أنه تعالى شهد له بالنبوة، وإذا شهد الله له بذلك فقد شهدت الملائكة لا محالة بذلك لما ثبت في القرآن أنهم لا يسبقونه بالقول، والمقصود كأنه قيل: يا محمد إن كذبك هؤلاء اليهود فلا تبال بهم فإن الله تعالى وهو إله العالمين يصدقك في ذلك، وملائكة السموات السبع يصدقونك في ذلك، ومن صدقه ربّ العالمين وملائكة العرش والكرسي والسموات السبع أجمعون لم يلتفت إلى تكذيب أخس الناس، وهم هؤلاء اليهود.

ثم قال تعالى: ﴿ وكفى بالله شَهِيداً ﴾ والمعنى وكفى الله شهيداً، وقد سبق الكلام في مثل هذا.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّوا۟ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًا ١٦٧ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَظَلَمُوا۟ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا ١٦٨ إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًۭا ١٦٩

أعلم أن هذا من صفات اليهود الذين تقدم ذكرهم، والمراد أنهم كفروا بمحمد وبالقرآن وصدوا غيرهم عن سبيل الله، وذلك بإلقاء الشبهات في قلوبهم نحو قولهم: لو كان رسولاً لأتى بكتابه دفعة واحدة من السماء كما نزلت التوراة على موسى، وقولهم: إن الله تعالى ذكر في التوراة أن شريعة موسى لا تبدل ولا تنسخ إلى يوم القيامة، وقولهم: إن الأنبياء لا يكونون إلا من ولد هارون وداود، وقوله: ﴿ قَدْ ضَلُّواْ ضلالا بَعِيداً ﴾ وذلك لأن أشد الناس ضلالاً من كان ضالاً ويعتقد في نفسه أنه محق، ثم إنه يتوسل بذلك الضلال إلى اكتساب المال والجاه، ثم إنه يبذل كنه جهده في إلقاء غيره في مثل ذلك الضلال، فهذا الإنسان لا شك أنه قد بلغ في الضلال إلى أقصى الغايات وأعظم النهايات، فلهذا قال تعالى في حقهم ﴿ قَدْ ضَلُّواْ ضلالا بَعِيداً ﴾ ولما وصف تعالى كيفية ضلالهم ذكر بعده وعيدهم فقال: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ ﴾ محمداً بكتمان ذكر بعثته وظلموا عوامهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم ﴿ لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ .

واعلم أنا إن حملنا قوله: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ على المعهود السابق لم يحتج إلى إضمار شرط في هذا الوعيد، لأنا نحمل الوعيد في الآية على أقوام علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر، وإن حملناه على الاستغراق أضمرنا فيه شرط عدم التوبة، ثم قال: ﴿ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ خالدين فِيهَا أَبَداً ﴾ والمعنى أنه تعالى لا يهديهم يوم القيامة إلى الجنة بل يهديهم إلى طريق جهنم ﴿ وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً ﴾ انتصب خالدين على الحال، والعامل فيه معنى لا ليهديهم لأنه بمنزلة نعاقبهم خالدين، وانتصب ﴿ أَبَدًا ﴾ على الظرف، وكان ذلك على الله يسيراً، والمعنى لا يتعذر عليه شيء فكان إيصال الألم إليهم شيئاً بعد شيء إلى غير النهاية يسيراً عليه وإن كان متعذراً على غيره.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَـَٔامِنُوا۟ خَيْرًۭا لَّكُمْ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا ١٧٠

اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهة اليهود على الوجوه الكثيرة وبيّن فساد طريقتهم ذكر خطاباً عاماً يعمهم ويعم غيرهم في الدعوة إلى دين محمد عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿ يأَيُّهَا الناس قَدْ جَاءكُمُ الرسول بالحق مِن رَّبّكُمْ ﴾ وهذا الحق فيه وجهان: الأول: أنه جاء بالقرآن، والقرآن معجز فيلزم أنه جاء بالحق من ربه.

والثاني: أنه جاء بالدعوة إلى عبادة الله والإعراض عن غيره، والعقل يدل على أن هذا هو الحق، فيلزم أنه جاء بالحق من ربه.

ثم قال تعالى: ﴿ فآمنوا خيراً لكم ﴾ يعين فآمنوا يكن ذلك الإيمان خيراً لكم مما أنتم فيه، أي أحمد عاقبة من الكفر، وإن تكفروا فإن الله غني عن إيمانكم لأنه مالك السموات والأرض وخالقهما، ومن كان كذلك لم يكن محتاجاً إلى شيء، ويحتمل أن يكون المراد: فإن لله ما في السموات والأرض، ومن كان كذلك كان قادراً على إنزال العذاب الشديد عليكم لو كفرتم، ويحتمل أن يكون المراد: أنكم إن كفرتم فله ملك السموات والأرض وله عبيد يعبدونه وينقادون لأمره وحكمه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ﴾ أي عليماً لا يخفى عليه من أعمال عباده المؤمنين والكافرين شيء، و ﴿ حَكِيماً ﴾ لا يضيع عمل عامل منهم ولا يسوي بين المؤمن والكافر والمسيء والمحسن، وهو كقوله: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِي الأرض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌۭ مِّنْهُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۖ وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَـٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًۭا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ سُبْحَـٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۘ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًۭا ١٧١ لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًۭا لِّلَّهِ وَلَا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًۭا ١٧٢ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُوا۟ وَٱسْتَكْبَرُوا۟ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًۭا ١٧٣

واعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات اليهود تكلم بعد ذلك مع النصارى في هذه الآية، والتقدير يا أهل الكتاب من النصارىلا تغلوا في دينكم أي لا تفرطوا في تعظيم المسيح، وذلك لأنه تعالى حكى عن اليهود أنهم يبالغون في الطعن في المسيح، وهؤلاء النصارى يبالغون في تعظيمه وكلا طرفي قصدهم ذميم، فلهذا قال للنصارى ﴿ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق ﴾ يعني لا تصفوا الله بالحلول والاتحاد في بدن الإنسان أو روحه، ونزهوه عن هذه الأحوال.

ولما منعهم عن طريق الغول أرشدهم إلى طريق الحق، وهو أن المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وعبده وأما قوله: ﴿ وَكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مّنْهُ ﴾ .

فاعلم أنا فسرنا (الكلمة) في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ اسمه المسيح  ﴾ والمعنى أنه وجد بكلمة الله وأمره من غير واسطة ولا نطفة كما قال: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  ﴾ أما قوله: ﴿ وَرُوحٌ مّنْهُ ﴾ ففيه وجوه: الأول: أنه جرت عادة الناس أنهم إذا وصفوا شيئاً بغاية الطهارة والنظافة قالوا: إنه روح، فلما كان عيسى لم يتكون من نطفة الأب وإنما تكون من نفخة جبريل عليه السلام لا جرم وصف بأنه روح، والمراد من قوله: ﴿ مِنْه ﴾ التشريف والتفضيل كما يقال: هذه نعمة من الله، والمراد كون تلك النعمة كاملة شريفة.

الثاني: أنه كان سبباً لحياة الخلق في أديانهم، ومن كان كذلك وصف بأنه روح.

قال تعالى في صفة القرآن ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا  ﴾ الثالث: روح منه أي رحمة منه، قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ  ﴾ أي برحمة منه، وقال عليه الصلاة والسلام: «إنما أنا رحمة مهداة» فلما كان عيسى رحمة من الله على الخلق من حيث أنه كان يرشدهم إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم لا جرم سمي روحاً منه.

الرابع: أن الروح هو النفخ في كلام العرب، فإن الروح والريح متقاربان، فالروح عبارة عن نفخة جبريل وقوله: ﴿ مِنْهُ ﴾ يعني أن ذلك النفخ من جبريل كان بأمر الله وإذنه فهو منه، وهذا كقوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا  ﴾ الخامس: قوله: ﴿ رُوحُ ﴾ أدخل التنكير في لفظ ﴿ رُوحُ ﴾ وذلك يفيد التعظيم، فكان المعنى: وروح من الأرواح الشريفة القدسية العالية، وقوله: ﴿ مِنْهُ ﴾ إضافة لذلك الروح إلى نفسه لأجل التشريف والتعظيم.

ثم قال تعالى: ﴿ فآمنوا بالله ورسله ﴾ أي أن عيسى من رسل الله فآمنوا به كإيمانكم بسائر الرسل ولا تجعلوه إلهاً.

ثم قال: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة انتهوا خَيْراً لَّكُمْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المعنى: ولا تقولوا إن الله سبحانه واحد بالجوهر ثلاثة بالأقانيم.

وأعلم أن مذهب النصارى مجهول جداً، والذي يتحصل منه أنهم أثبتوا ذاتاً موصوفة بصفات ثلاثة، إلا أنهم وإن سموها صفات فهي في الحقيقة ذوات، بدليل أنهم يجوزون عليها الحلول في عيسى وفي مريم بأنفسها، وإلا لما جوزوا عليها أن تحل في الغير وأن تفارق ذلك الغير مرة أخرى، فهم وإن كانوا يسمونها بالصفات إلا أنهم في الحقيقة يثبتون ذوات متعددة قائمة بأنفسها، وذلك محض الكفر، فلهذا المعنى قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة انتهوا ﴾ فأما إن حملنا الثلاثة على أنهم يثبتون صفات ثلاثة، فهذا لا يمكن إنكاره، وكيف لا نقول ذلك وإنا نقول: هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام العالم الحي القادر المريد، ونفهم من كل واحد من هذه الألفاظ غير ما نفهمه من اللفظ الآخر، ولا معنى لتعدد الصفات إلا ذلك، فلو كان القول بتعدد الصفات كفراً لزم رد جميع القرآن ولزم رد العقل من حيث إنا نعلم بالضرورة أن المفهوم من كونه تعالى عالماً غير المفهوم من كونه تعالى قادراً أو حياً.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ ثلاثة ﴾ خبر مبتدأ محذوف، ثم اختلفوا في تعيين ذلك المبتدأ على وجوه: الأول: ما ذكرناه، أي ولا تقولوا الأقانيم ثلاثة.

الثاني: قال الزجاج: ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة، وذلك لأن القرآن يدل على أن النصارى يقولون: إن لله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله  ﴾ الثالث: قال الفراء ولا تقولوا هم ثلاثة كقوله: ﴿ سَيَقُولُونَ ثلاثة  ﴾ وذلك لأن ذكر عيسى ومريم مع الله تعالى بهذه العبرة يوهم كونهما إلهين، وبالجملة فلا نرى مذهباً في الدنيا أشد ركاكة وبعداً عن العقل من مذهب النصارى.

ثم قال تعالى: ﴿ انتهوا خَيْراً لَّكُمْ ﴾ وقد ذكرنا وجه انتصابه عند قوله: ﴿ فآمنوا خيراً لكم ﴾ .

ثم أكد التوحيد بقوله: ﴿ إِنَّمَا الله إله واحد ﴾ ثم نزّه نفسه عن الولد بقوله: ﴿ سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ ودلائل تنزيه الله عن الولد قد ذكرناها في سورة آل عمران وفي سورة مريم على الاستقصاء.

وقرأ الحسن: إن يكون، بكسر الهمزة من ﴿ إن ﴾ ورفع النون من يكون، أي سبحانه ما يكون له ولد، وعلى هذا التقدير فالكلام جملتان.

ثم قال تعالى: ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ .

واعلم أنه سبحانه في كل موضع نزّه نفسه عن الولد ذكر كونه ملكاً ومالكاً لما في السموات وما في الأرض فقال في مريم ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي السموات والأرض إِلاَّ آتِى الرحمن عَبْداً  ﴾ والمعنى: من كان مالكاً لكل السموات والأرض ولكل ما فيها كان مالكاً لما هو أعظم منهما فبأن يكون مالكاً لهما أولى، وإذا كانا مملوكين له فكيف يعقل مع هذا توهم كونهما له ولداً وزوجة.

ثم قال: ﴿ وكفى بالله وَكِيلاً ﴾ والمعنى أن الله سبحانه كاف في تدبير المخلوقات وفي حفظ المحدثات فلا حاجة معه إلى القول بإثبات إله آخر، وهو إشارة إلى ما يذكره المتكلمون من أنه سبحانه لما كان عالماً بجميع المعلومات قادراً على كل المقدورات كان كافياً في الإلهية، ولو فرضنا إلهاً آخر معه لكان معطلاً لا فائدة فيه، وذلك نقص، والناقص لا يكون إلهاً.

ثم قال تعالى: ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الملئكة المقربون ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج: لن يستنكف أي لن يأنف، وأصله في اللغة من نكفت الدمع إذا نحيته بأصبعك عن خدك، فتأويل ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ ﴾ أي لن يتنغص ولم يمنع، وقال الأزهري: سمعت المنذري يقول: سمعت أبا العباس وقد سئل عن الاستنكاف فقال: هو من النكف، يقال ما عليه في هذا الأمر من نكف ولا كف، والنكف أن يقال له سوء، واستنكف إذا دفع ذلك السوء عنه.

المسألة الثانية: روي أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تعيب صاحبنا قال: «ومن صاحبكم؟» قالوا: عيسى، قال: «وأي شيء قلت؟» قالوا: تقول إنه عبد الله ورسوله، قال: «إنه ليس بعار أن يكون عبد الله»، فنزلت هذه الآية، وأنا أقول: إنه تعالى لما أقام الحجة القاطعة على أن عيسى عبد الله، ولا يجوز أن يكون ابناً له أشار بعده إلى حكاية شبهتهم وأجاب عنها، وذلك لأن الشبهة التي عليها يعولون في إثبات أنه ابن الله هو أنه كان يخبر عن المغيبات وكان يأتي بخوارق العادات من الإحياء والإبراء، فكأنه تعالى قال: ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح ﴾ بسبب هذا القدر من العلم والقدرة عن عبادة الله تعالى فإن الملائكة المقربين أعلى حالاً منه في العلم بالمغيبات لأنهم مطلعون على اللوح المحفوظ، وأعلى حالاً منه في القدرة لأن ثمانية منهم حملوا العرش على عظمته، ثم إن الملائكة مع كمال حالهم في العلوم والقدرة لا يستنكفوا عن عبودية الله، فكيف يستنكف المسيح عن عبوديته بسبب هذا القدر القليل الذي كان معه من العلم والقدرة، وإذا حملنا الآية على ما ذكرناه صارت هذه الآيات متناسبة متتابعة ومناظرة شريفة كاملة، فكان حمل الآية على هذا الوجه أولى.

المسألة الثالثة: استدل المعتزلة بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر.

وقد ذكرنا استدلالهم بها في تفسير قوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآِدَمَ  ﴾ وأجبنا عن هذا الاستدلال بوجوه كثيرة، والذي نقول هاهنا: إنا نسلم أن اطلاع الملائكة على المغيبات أكثر من اطلاع البشر عليها ونسلم أن قدرة الملائكة على التصرف في هذا العالم أشد من قدرة البشر، كيف ويقال: إن جبريل قلع مدائن قوم لوط بريشة واحدة من جناحه إنما النزاع في أن ثواب طاعات الملائكة أكثر أم ثواب طاعات البشر، وهذه الآية لا تدل على ذلك ألبتة، وذلك لأن النصارى إنما أثبتوا إلهية عيسى بسبب أنه أخبر عن الغيوب وأتى بخوارق العادات.

فإيراد الملائكة لأجل إبطال هذه الشبهة إنما يستقيم إذا كانت الملائكة أقوى حالاً في هذا العلم، وفي هذه القدرة من البشر، ونحن نقول بموجبه.

فأما أن يقال: المراد من الآية تفضيل الملائكة على المسيح في كثرة الثواب على الطاعات فذلك مما لا يناسب هذا الموضع ولا يليق به، فظهر أن هذا الاستدلال إنما قوي في الأوهام لأن الناس ما لخصوا محل النزاع والله أعلم.

المسألة الرابعة: في الآية سؤال، وهو أن الملائكة معطوفون على المسيح فيصير التقدير: ولا الملائكة المقربون في أن يكونوا عبيداً لله وذلك غير جائز.

والجواب فيه وجهان: أحدهما: أن يكون المراد ولا كل واحد من المقربين.

الثاني: أن يكون المراد ولا الملائكة المقربون أن يكونوا عبيداً فحذف ذلك لدلالة قوله: ﴿ عَبْداً للَّهِ ﴾ عليه على طريق الإيجاز.

المسألة الخامسة: قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه (عبيد الله) على التصغير.

المسألة السادسة: قوله: ﴿ وَلاَ الملئكة المقربون ﴾ يدل على أن طبقات الملائكة مختلفة في الدرجة والفضيلة فالأكابر منهم مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وحملة العرش، وقد شرحنا طبقاتهم في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً ﴾ والمعنى أن من استنكف عن عبادة الله واستكبر عنها فإن الله يحشرهم إليه أي يجمعهم إليه يوم القيامة حيث لا يملكون لأنفسهم شيئاً.

واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه يحشر هؤلاء المستنكفين المستكبرين لم يذكر ما يفعل بهم بل ذكر أولاً ثواب المؤمنين المطيعين.

فقال: ﴿ فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مّن فَضْلِهِ ﴾ ثم ذكر آخراً عقاب المستنكفين المستكبرين.

فقال: ﴿ وَأَمَّا الذين استنكفوا واستكبروا فَيُعَذّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ والمعنى ظاهر لا إشكال فيه، وإنما قدم ثواب المؤمنين على عقاب المستنكفين لأنهم إذا رأوا أولاً ثواب المطيعين ثم شاهدوا بعده عقاب أنفسهم كان ذلك أعظم في الحسرة.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَـٰنٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًۭا مُّبِينًۭا ١٧٤ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِهِۦ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍۢ مِّنْهُ وَفَضْلٍۢ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَٰطًۭا مُّسْتَقِيمًۭا ١٧٥

واعلم أنه تعالى: لما أورد الحجة على جميع الفرق من المنافقين والكفار واليهود والنصارى وأجاب عن جميع شبهاتهم عمم الخطاب.

ودعا جميع الناس إلى الاعتراف برسالة محمد عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿ يَأَيُّهَا الناس قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ والبرهان هو محمد عليه الصلاة والسلام، وإنما سماه برهاناً لأن حرفته إقامة البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل، والنور المبين هو القرآن، وسماه نوراً لأنه سبب لوقوع نور الإيمان في القلب، ولما قرر على كل العالمين كون محمد رسولاً وكون القرآن كتاباً حقاً أمرهم بعد ذلك أن يتمسكوا بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ووعدهم عليه بالثواب فقال: ﴿ فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ بالله واعتصموا بِهِ ﴾ والمراد آمنوا بالله في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه واعتصموا به أي بالله في أن يثبتهم على الإيمان ويصونهم عن نزع الشيطان ويدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً، فوعد بأمور ثلاثة: الرحمة والفضل والهداية.

قال ابن عباس: الرحمة الجنة، والفضل ما يتفضل به عليهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ﴿ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صراطا مُّسْتَقِيماً ﴾ يريد ديناً مستقيماً.

وأقول: الرحمة والفضل محمولان على ما في الجنة من المنفعة والتعظيم، وأما الهداية فالمراد منها السعادات الحاصلة بتجلي أنوار عالم القدس والكبرياء في الأرواح البشرية وهذا هو السعادة الروحانية، وأخر ذكرها عن القسمين الأولين تنبيهاً على أن البهجة الروحانية أشرف من اللذات الجسمانية.

<div class="verse-tafsir"

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌۭ وَلَهُۥٓ أُخْتٌۭ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةًۭ رِّجَالًۭا وَنِسَآءًۭ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ ١٧٦

اعلم أنه تعالى تكلم في أول السورة في أحكام الأموال وختم آخرها بذلك ليكون الآخر مشاكلاً للأول، ووسط السورة مشتمل على المناظرة مع الفرق المخالفين للدين.

قال أهل العلم: إن الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أول هذه السورة، والأخرى في الصيف وهي هذه الآية، ولهذا تسمى هذه الآية آية الصيف وقد ذكرنا أن الكلالة اسم يقع على الوارث وعلى الموروث، فإن وقع على الوارث فهو من سوى الوالد والولد، وإن وقع على الموروث فهو الذي مات ولا يرثه أحد الوالدين ولا أحد من الأولاد، ثم قال: ﴿ إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ﴾ ارتفع امرؤ بمضمر يفسره الظاهر، ومحل ﴿ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ الرفع على الصفة، أي إن هلك امرؤ غير ذي ولد.

واعلم أن ظاهر هذه الآية فيه تقييدات ثلاث: الأول: أن ظاهر الآية يقتضي أن الأخت تأخذ النصف عند عدم الولد، فأما عند وجود الولد فإنها لا تأخذ النصف، وليس الأمر كذلك، بل شرط كون الأخت تأخذ النصف أن لا يكون للميت ولد ابن، فإن كان له بنت فإن الأخت تأخذ النصف.

الثاني: أن ظاهر الآية يقتضي أنه إذا لم يكن للميت ولد فإن الأخت تأخذ النصف وليس كذلك، بل الشرط أن لا يكون للميت ولد ولا والد، وذلك أن الأخت لا ترث مع الوالد بالإجماع.

الثالث: أن قوله: ﴿ وَلَهُ أُخْتٌ ﴾ المراد منه الأخت من الأب والأم، أو من الأب، لأن الأخت من الأم والأخ من الأم قد بيّن الله حكمه في أول السورة بالإجماع.

ثم قال تعالى: ﴿ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ ﴾ يعني أن الأخ يستغرق ميراث الأخت إذا لم يكن للأخت ولد، إلاّ أن هذا الأخ من الأب والأم أو من الأب، أما الأخ من الأم فإنه لا يستغرق الميراث.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن كَانَتَا اثنتين فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأنثيين ﴾ وهذه الآية دالة على أن الأخت المذكورة ليست هي الأخت من الأم فقط، وروي أن الصديق رضي الله عنه قال في خطبته: ألا أن الآية التي أنزلها الله في سورة النساء في الفرائض، فأولها: في الولد والوالد.

وثانيها: في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الأخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام.

ثم قال تعالى: ﴿ يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال البصريون: المضاف هاهنا محذوف وتقديره: يبين الله لكم كراهة أن تضلوا، إلاّ أنه حذف المضاف كقوله: ﴿ واسئل القرية  ﴾ الثاني: قال الكوفيون: حرف النفي محذوف، والتقدير: يبين الله لكم لئلا تضلوا، ونظيره قوله: ﴿ إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والأرض أَن تَزُولاَ  ﴾ أي لئلا تزولا.

الثالث: قال الجرجاني صاحب النظم: يبين الله لكم الضلالة لتعلموا أنها ضلالة فتجنبوها.

ثم قال تعالى: ﴿ والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ ﴾ فيكون بيانه حقاً وتعريفه صدقاً.

واعلم أن في هذه الصورة لطيفة عجيبة، وهي أن أولها مشتمل على بيان كمال قدرة الله تعالى فإنه قال: ﴿ يَأَيُّهَا الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة  ﴾ وهذا دال على سعة القدرة، وآخرها مشتمل على بيان كمال العلم وهو قوله: ﴿ والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ ﴾ وهذان الوصفان هما اللذان بهما تثبت الربوبية والإلهية والجلالة والعزة، وبهما يجب على العبد أن يكون مطيعاً للأوامر والنواهي منقاداً لكل التكاليف.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله