الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 4 النساء > الآيات ٤٤-٤٦
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةالكلام انتقال من الأحكام وما عليها من الوعد والوعيد إلى بيان حال بعض الأمم من حيث أخذهم بأحكام دينهم وعدمه، ليذكر الذين خوطبوا بالأحكام المتقدمة بأن الله تعالى مهيمن عليهم كما هيمن على من قبلهم فإذا هم قصروا يأخذهم بالعقاب الذي رتبه على ترك أحكام دينه في الدنيا والآخرة.
والمنتظر من المؤمنين بعد ذكر الأحكام الماضية وما قرنت به من الوعد والوعيد أن يأخذوا بها على الوجه الموصل إلى إصلاح الأنفس وهو أثرها المراد منها وذلك بأن يؤخذ بها في صورتها ومعناها لا في صورتها فقط، ولكن جرت سنة الله في الأمم أن يكتفي بعض الناس من الدين ببعض الظواهر والرسوم الدينية كما جرى عليه بعض اليهود في القرابين وأحكام الطهارة الظاهرة وهذا لا يكفي في اتباع الدين والقيام به على الوجه المصلح للنفوس كما أراد الله من التشريع، فأراد الله تعالى بعد بيان بعض الأحكام التي لها رسوم ظاهرة كالغسل والتيمم أن يذكر المسلمين بحال بعض الأمم التي هذا شأنها، وكون هذا لم يغن عنها من الله شيئًا، ولم ينالوا به مرضاته، ولم يكونوا به أهلًا لكرامته ووعده فقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ﴾ قال أوتوا نصيبًا من الكتاب لأنهم لم يأخذوا الكتاب كله بل تركوا كثيرًا من أحكامه لم يعملوا بها، وزادوا عليها، والزيادة فيه كالنقص منه، فالتوراة تنهاهم عن الكذب وإيذاء الناس وأكل الربا مثلًا، وكانوا يفعلون ذلك، وزاد لهم علماؤهم ورؤساؤهم كثيرًا من الأحكام والرسوم والتقاليد الدينية، فهم يتمسكون بها وليست من التوراة ولا مما يعرفونه عن موسى ، وهم يدعون اتباعه في الدين، فالأمر المحقق الذي لا شك فيه هو أنهم يعملون ببعض أحكام التوراة وقد أهملوا سائرها.
ففي مقام الاحتجاج بالعمل بالدين وعدمه يذكر الواقع وهو أنهم لم يؤتوا الكتاب كله إذ لم يعملوا به كله وإنما عملوا ببعضه، وفي مقام الاحتجاج عليهم بالإيمان بالنبي والقرآن يناديهم ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آَمِنُوا ﴾ إلخ، كما ترى في الآية التالية لهذه الآية ومثلها كثير.
﴿ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ : التحريف يطلق على معنيين: أحدهما: تأويل القول بحمله على غير معناه الذي وضع له وهو المتبادر لأنه هو الذي حملهم على مجاحدة النبي وإنكار نبوته وهم يعلمون، إذ أولوا ولا يزالون يؤولون البشارات به إلى اليوم كما يؤولون ما ورد في المسيح ويحملونه على شخص آخر لا يزالون ينتظرونه ثانيهما: أخذ كلمة أو طائفة من الكلم من موضع من الكتاب ووضعها في موضع آخر وقد حصل مثل هذا التشويش في كتب اليهود، خلطوا فيما يؤثر عن موسى ما كتب بعده بزمن طويل، وكذلك وقع في كلام غيره من الأنبياء، وقد اعترف بهذا بعض المتأخرين من أهل الكتاب، وإنما كان هذا منهم بقصد الإصلاح.
وهذا النوع من التحريف لا يضر المسلمين ولم يكن هو الحامل على إنكار ما جاء به النبي .
﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا ﴾ يحتمل أن يكون المعنى واسمع شيئًا لا يستحق أن يسمع، وأما "راعنا" فقد روي أن اليهود كانوا يتسابون بكلمة "راعينا" العبرانية أو السريانية فسمعوا بعض المؤمنين يقولون للنبي راعنا، من المراعاة أو بمعنى ارعنا سمعك، فافترضوها وصاروا يلوون ألسنتهم بالكلمة ويصرفونها إلى المعنى الآخر ﴿ لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ﴾ فيجعلونها في الظاهر راعنا وبليِّ اللسان وإمالته "راعينا" ينوون بذلك الشتم والسخرية، أو جعله راعيًا من رعاء الشاء أو من الرعن والرعونة.
وأنا لا أرتضي ما رووه وما قالوه في كون هذه الكلمة سبًا بالعبرانية وأختار عليه في تعليل النهي عنها أنها لما كانت من المراعاة وهي تقتضي المشاركة نهوا عنها تأديبًا لهم إذ لا يليق أن يقولوا للنبي "راعنا نرعك" كما هو معنى المشاركة، كما نهوا أن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض.
وهناك وجه آخر يقال في اللغة: راعى الحمار الحمر، إذ رعى معها، فكان اليهود يحرّفون الكلمة إلى هذا المعنى وإن كان فيها سب لأنفسهم على حد "اقتلوني ومالكًا"، ومن تحريف اللسان وليه في خطابهم للنبي قولهم في التحية "السام عليكم" يوهمون بفتل اللسان وجمجمته أنهم يقولون السلام عليكم، وقد ثبت هذا في الصحيح وأنه كان بعد العلم بذلك يجيبهم بقوله "وعليكم" أي كل أحد يموت.
<div class="verse-tafsir"