الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 4 النساء > الآيات ١٩-٢١
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةوجه الاتصال ظاهر وهو أن الكلام من أول السورة في النساء والبيوت وإنما جاء ذكر التوبة استطرادًا.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾ كانت العرب تحتقر النساء وتعدهن من قبيل المتاع والعروض، حتى كان الأقربون يرثون زوجة من يموت منهم كما يرثون ماله فحرم الله هذا العمل من أعمال الجاهلية، ولفظ الكره هنا ليس قيدًا وإنما هو بيان للواقع الذي كانوا عليه فإنهم كانوا يرثونهن بغير رضاهن.
﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ ليس معنى العضل هنا ما قاله المفسر (الجلال) من أنه المنع من زواج الغير، بل معناه لا تضاروهن ولا تضيقوا عليهن ليكرهنكم ويضطررن إلى الافتداء منكم، فقد كانوا يتزوجون من يعجبهم حسنها، ويزوجون من لا تعجبهم أو يمسكونها حتى تفتدى بما كانت ورثت من قريب الوارث أو ما كانت أخذت من صداق ونحوه أو المجموع من هذا وذاك، وربما كلفوها الزيادة إن علموا أنها تستطيعها، وذلك هو الفضل المحرم منها.
﴿ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ روي عن بعض مفسري السلف أن الفاحشة هنا هي الزنا، وعن بعضهم أنها النشوز، وعن بعضهم أنها الفحش بالقول.
والصواب عدم تعيينها وتخصيصها بأحد هذه الأمور بل تبقى على إطلاقها فتصدق بالسرقة أيضًا فإنها من الأمور الفاحشة الممقوتة عند الناس، ولكن يعتبر فيها الوصف المنصوص وهو أن تكون مبينة أي ظاهرة فاضحة لصاحبها، وإنما اشترط هذا القيد لئلا يظلم الرجل المرأة بإصابتها الهفوة واللمم، أو بمجرد سوء الظن والتهم، فمن الرجال الغيور السيء الظن يؤاخذ المرأة بالهفوة فيعدها فاحشة.
وقد حرم الله المضارة لأجل أن يأخذ الرجل منها بعض ما كان آتاها من صداق أو غيره فعلم منه أن المضارة لأخذ جميع ذلك أو أكثر منه حرام بالأولى، وإنما أُبيح للرجل أن يضيق على امرأته إذا أتت بالفاحشة المبينة، لأن المرأة قد تكره الرجل وتميل إلى غيره فتؤذيه بفحش من القول أو الفعل ليملها ويسأم معاشرتها فيطلقها فتأخذ ما كان آتاها وتتزوج آخر تتمتع معه بمال الأول، وربما فعلت معه بعد ذلك كما فعلت بالأول.
وإذا علم النساء أن العضل والتضييق بيد الرجال مما أبيح لهم إذا هن أهنهم بارتكاب الفاحشة المبينة فإن ذلك يكفهن عن ارتكابها والاحتيال بها على أرذل الكسب.
﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ المدار في المعروف على ما تعرفه المرأة ولا تستنكره وما يليق به وبها بحسب طبقتهما في الناس.
﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ إن ذكر إرادة الاستبدال مبني على الغالب في مثل هذه الحالة وليس شرطًا لعدم حل أخذ شيء من مال المرأة، فإذا طلقها وهو لا يريد تزوج غيرها وإنما كره عشرتها، أو اختار الوحدة وعدم التقيد بالنساء أو غير ذلك فإنه لا يحل له أخذ شيء من مالها كما يعلم من اشتراط الإتيان بفاحشة مبينة.
﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ ، نكتة التعبير بقوله: ﴿ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ أي مع كون الظاهر أن يقول وقد أفضيتم إليهن أو أفضى أحدكم إلى الآخر، هي الإشارة إلى كون كل واحد من الزوجين بمنزلة جزء الآخر وبعضه المتمم لوجوده، فكأن بعض الحقيقة كان منفصلًا عن بعضها الآخر فوصل إليه بهذا الإفضاء واتحد به.
ثم قال: ﴿ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾ إن هذا الميثاق الذي أخذه النساء من الرجال لابد أن يكون مناسبًا لمعنى الإفضاء في كون كل منهما من شؤون الفطرة السليمة وهو، ما أشارت غليه الآية الكريمة: ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ فهذه آية من آيات الفطرة الإلهية هي أقوى ما تعتمد عليه المرأة في ترك أبويها وإخوتها وسائر أهلها والرضا بالاتصال برجل غريب عنها تساهمه السراء والضراء، فمن آيات الله تعالى في هذا الإنسان أن تقبل المرأة بالانفصال من أهلها ذوي الغيرة عليها لأجل الاتصال بالغريب تكون زوجًا له، ويكون زوجًا لها، تسكن إليه ويسكن إليها، ويكون بينهما من المودة والرحمة أقوى من كل ما يكون بين ذوي القربى، فكأنه يقول إن المرأة لا تقدم على الزوجية وترضى بأن تترك جميع أنصارها وأحبائها لأجل زوجها إلا وهي واثقة بأن تكون صلتها به أقوى من كل صلة، وعيشتها معه أهنأ من كل عيشة، وهذا ميثاق فطري من أغلظ المواثيق وأشدها إحكامًا.
وإنما يفقه هذا المعنى الإنسان الذي يحس إحساس الإنسان، فليتأمل تلك الحالة التي ينشئها الله تعالى بين الرجل وامرأته يجد أن المرأة أضعف من الرجل وأنها تقبل عليه وتسلم نفسها إليه مع علمها بأنه قادر على هضم حقوقها، فعلى أي شيء تعتمد في هذا الإقبال والتسليم؟
وما هو الضمان الذي تأخذه عليه والميثاق الذي تواثقه به؟
ماذا يقع في نفس المرأة إذا قيل لها إنك ستكونين زوجًا لفلان؟
إن أول شيء يخطر في بالها عند سماع مثل هذا القول أو التفكر فيه وإن لم تسأل عنه هو أنها ستكون عنده على حال أفضل من حالها عند أبيها وأمها، وما ذلك إلا لشيء استقر في فطرتها وراء الشهوة، ذلك الشيء هو عقل إلهي وشعور فطري أودع فيها ميلًا إلى صلة مخصوصة لم تعهدها من قبل، وثقة مخصوصة لا تجدها في أحد من الأهل، وحنوًا مخصوصًا لا تجد له موضعًا إلا البعل، فمجموع ذلك هو الميثاق الغليظ الذي أخذته من الرجل بمقتضى نظام الفطرة الذي يوثق به ما لا يوثق بالكلام الموثق بالعهود والإيمان، وبه تعتقد المرأة أنها بالزواج قد أقبلت على سعادة ليس وراءها سعادة في هذه الحياة وإن لم تر من رضيت به زوجًا، ولم تسمع له من قبل كلامًا، فهذا ما علمنا الله تعالى إياه وذكرنا به -وهو مركوز في أعماق نفوسنا- بقوله إن النساء قد أخذن من الرجال بالزواج ميثاقًا غليظًا، فما هي قيمة من لا يفي بهذا الميثاق وما هي مكانته من الإنسانية؟!.
<div class="verse-tafsir"