تفسير سورة النساء الآيات ٧-١٠ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 4 النساء > الآيات ٧-١٠

لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا ٧ وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُو۟لُوا۟ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا ٨ وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا۟ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةًۭ ضِعَـٰفًا خَافُوا۟ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًا ٩ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًۭا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًۭا ١٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

جمهور المفسرين على أن هذا الكلام جديد وهو انصراف عن الموضوع قبله ولكن قوله تعالى بعد ثلاث آيات: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا  ﴾ إلخ، يدل على أن الكلام في شأن اليتامى لا يزال متصلًا، فإنه بعد أن بَيَّن التفصيل في حرمة أكل أموال اليتامى، وأمر بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا، ذكر أن المال الموروث الذي يحفظه الأولياء لليتامى يشترك فيه الرجال والنساء خلافًا لما كان في الجاهلية من عدم توريث النساء، فهذا تفصيل آخر في المال نفسه بعد ذلك التفصيل في الإعطاء ووقته وشرطه.

ومال اليتامى إنما يكون في الأغلب من الوالدين والأقربين، فمعنى الآية إذا كان لليتامى مال مما تركه لهم الوالدون والأقربون فهم فيه على الفريضة لا فرق في شركة النساء والرجال فيه بين القليل والكثير، ولهذا كرر ﴿ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ  ﴾ وعنى بقوله: ﴿ نَصِيبًا مَفْرُوضًا  ﴾ أنه حق معين مقطوع به لا محاباة فيه وليس لأحد أن ينقصهم منه شيئًا.

﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا  ﴾ الخطاب في قوله: ﴿ فَارْزُقُوهُمْ  ﴾ لأرباب المال الذين يقسم عليهم، وإذا كانت القسمة بين اليتامى الذين رشدوا كان للولي أن يعظهم ويرشدهم إلى ما ينبغي في هذه الحال وليس له أن يعطي شيئًا من غير ماله إلا بإذن أرباب المال، والأدب الذي يرشد إليه الكتاب في هذا المقام هو اعتبار أن هذا المال رزق ساقه الله إلى الوارثين عفوًا بغير كسب منهم ولا سعي، فلا ينبغي أن يبخلوا به على المحتاجين من ذوي القربى واليتامى والمساكين من أمتهم، ويتركوهم يذهبون منكسري القلب مضطربي النفس، ومنهم من يكون الحرمان مدعاة حسده للوارث.

وأما قول المعروف فهو ما تطيب به نفوس هؤلاء المحتاجين عندما يأخذون ما يفاض عليهم حتى لا يثقل على عزيز النفس منهم ما يأخذه، ويرضى الطامع في أكثر مما أعطى بما أعطى فإن من الفقراء من يظهر استقلال ما ناله، واستكثار ما نال سواه فينبغي أن يلاطف مثل هذا ولا يغلظ له في القول.

والحكمة في الأمر بقول المعروف أن من عادة الناس أن يتضايقوا ويتبرموا من حضور ذوي القربى مجلسهم في هذه الحالة، ومن كان كارهًا لشيء تظهر كراهته له في فلتات لسانه، فعلمنا الله تعالى هذا الأدب في الحديث لنهذب به هذه السجية التي تعد من ضعف الإنسان المشار إليه في مثل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا  ﴾ الآيات.

ذهب بعض المفسرين إلى أن الأمر بقوله: ﴿ فَارْزُقُوهُمْ  ﴾ للندب، وقالوا إنه لو كان واجبًا لحدد وقدر كما حددت المواريث، وليس هذا بدليل فقد يجب العطاء ويوكل الأمر في المقدار إلى المعطي.

وقال سعيد بن جبير إنه للوجوب، وهجره الناس كما هجروا العمل بآية الاستئذان عند دخول البيوت، وهذا هو القول المختار، والقول بأنه ندب أو منسوخ من تفسير القرآن بالرأي، وهو أن يختار الإنسان لنفسه رأيًا ومذهبًا ويحاول جر القرآن إليه وتحويله إلى موافقته بإخراج الألفاظ عن ظواهر معانيها المتبادرة منها، وإن من رحمة الله تعالى بنا أن فوض أمر مقدار ما نعطيه إلينا وجعله مما يتفاضل فيه الأسخياء.

﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا  ﴾ ، في الآية وجهان: أحدهما: أن المطالبين بالقول السديد في هذه الآية هم المطالبون بالقول المعروف في الآية التي قبلها، فتكون هذه الآية معللة للأمر بالقول المعروف في تلك متصلة بها مباشرة، ذلك أنه يجوز أن ينهي بعض حاضري القسمة عن رزق اليتامى والمساكين الذين يحضرونها.

وهذا يكثر في الناس لا سيما إذا كان الورثة من الأغنياء الوجهاء، فإن الناس يتحببون إليهم بما يوهم الغيرة على أموالهم.

فالله تعالى يذكر هؤلاء الذين يحولون دون عمل البر بأن يخافوا الله أن يتركوا بعد موتهم ورثة ضعفاء يحتاجون ما يحتاجه حاضر والقسمة وطالبو البر من اليتامى والمساكين فيعاملوا بالحرمان والقسوة، فهو يرشدهم إلى معاملة هؤلاء الضعفاء بمثل ما يحبون أن تعامل به ذريتهم إذا تركوهم ضعافًا.

والوجه الثاني: أن الخطاب للأوصياء والأولياء الذين يقومون على اليتامى، فهو بعد الوصية بحفظ أموالهم وحسن تربيتهم بابتلائهم واختبارهم بالعمل ليعرف رشدهم، أمرهم بإحسان القول لهم أيضًا، فإن اليتيم يجرحه أقل قول يهين لا سيما ذكر أبيه وأمه بسوء.

وقد جرت العادة بتساهل الناس في مثل هذه الأقوال وإن كانوا عدولًا حافظين للأموال محسنين في المعاملة، فقلما يوجد يتيم في بيت إلا ويمتهن ويقهر بالسوء من القول، وذكر والديه بما يشينهما ولذلك ورد التأكيد بالوصية باليتامى في الكتاب والسنة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله