تفسير سورة النساء الآيات ٥-٦ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 4 النساء > الآيات ٥-٦

وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰمًۭا وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا ٥ وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًۭا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًۭا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا۟ ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّۭا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًۭا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًۭا ٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 11 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

أمرنا الله تعالى في الآيات السابقة بإيتاء اليتامى أموالهم وبإيتاء النساء صدقاتهن أي مهورهن وأتى في قوله: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا  ﴾ بشرط للإيتاء يعم الأمرين السابقين أي اعطوا كل يتيم ماله اذا بلغ، وكل امرأة صداقها، إلا إذا كان أحدهما سفيهًا لا يحسن التصرف في ماله فحينئذ يمتنع أن تعطوه إياه لئلا يضيعه، ويجب أن تحفظوه له أو يرشد.

وإنما قال: ﴿ أَمْوَالَكُمْ  ﴾ ولم يقل أموالهم مع أن الخطاب للأولياء والمال للسفهاء الذين في ولايتهم للتنبيه على أمور: أحدها: أنه إذا ضاع هذا المال ولم يبق للسفيه من ماله ما ينفق منه عليه وجب على وليه أن ينفق عليه من مال نفسه، فبذلك تكون إضاعة مال السفيه مفضية إلى إضاعة شيء من مال الولي فكأن ماله عين ماله.

ثانيها: أن هؤلاء السفهاء إذا رشدوا وأموالهم محفوظة لهم، وتصرفوا فيها تصرف الراشدين، وأنفقوا منها في الوجوه الشرعية من المصالح العامة والخاصة فإنه يصيب هؤلاء الأولياء حظ منها.

ثالثها: التكافل في الأمة واعتبار مصلحة كل فرد من أفرادها عين مصلحة الآخرين كما قلناه في آيات أخرى، وذهب (الجلال) إلى أنه أضاف الأموال إليهم لأنها في أيديهم، كأنه قال ولا تؤتوا السفاء أموالهم التي في أيديكم وهو غير ظاهر.

وما قال من قال إن السفهاء هنا هم أولاد المخاطبين الصغار إلا لحيرته في هذه الكاف في قوله: ﴿ أَمْوَالَكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَكُمْ  ﴾ وعدم ظهور النكتة له في إيثار ضمير الخطاب على ضمير الغيبة.

في هذه الجملة من الآية تحريض على حفظ المال وتعريف بقيمته فلا يجوز للمسلم أن يبذر أمواله.

وكان السلف من أشد الناس محافظة على ما في أيديهم وأعرف الناس بتحصيل المال من وجوه الحلال، فأين من هذا ما نسمعه من خطباء مساجدنا من تزهيد الناس، وغل أيديهم، وإغرائهم بالكسل والخمول حتي صار المسلم يعدل عن الكسب الشريف إلى الكسب المرذول من الغش والحيلة والخداع، ذلك أن الإنسان ميال بطبعه إلى الراحة فعندما يسمع من الخطباء والعلماء والمعروفين بالصلحاء عبارات التزهيد في الدنيا فإنه يرضي بها ميله إلى الراحة، ثم إنه لا بد له من الكسب فيختار أقله سعيًا وأخفه مؤنة، وهو أخسه وأبعده عن الشرف.

على أن هذا التزهيد في الدنيا من هؤلاء لم يأت بما يساق لأجله من الترغيب في الآخرة والاستعداد لها، بل إن خطباءنا ووعاظنا قد زهدوا الناس في الدنيا وقطعوهم عن الآخرة فخسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، وما ذلك إلا لجهلهم وعدم عملهم بما يعظون به غيرهم، والواجب على المسلم العارف بالإسلام أن يبين للناس الجمع بين الدنيا والآخرة.

﴿ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ  ﴾ وإنما قال: ﴿ فِيهَا  ﴾ ولم يقل: (منها)، لأن المراد -كما قال في الكشاف- اجعلوها مكانًا لرزقهم، بأن تتجروا فيها، وتتربحوا، حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فلا يأكلها الإنفاق.

الرزق يعم وجوه الانفاق كلها كالأكل والمبيت والزواج والكسوة، وإنما قال واكسوهم فخص الكسوة بالذكر لأن الناس يتساهلون فيها أحيانًا، وتخصيص "الجلال" الرزق بالإطعام لا يصح.

﴿ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا  ﴾ المعروف هو ما تعرفه النفوس الكريمة وتألفه ويقابله المنكر وهو ما تنكره وتمجه، فالمعروف هنا يشمل تطييب القلوب بإفهام السفيه أن المال ماله لا فضل لأحد في الإنفاق منه عليه، ليسهل عليه الحجر، ويشمل النصح والإرشاد وتعليم ما ينبغي أن يعلمه السفيه وما يعده للرشد، فان السفه كثيرًا ما يكون عارضًا للشخص لا فطريًا، فإذا عولج بالنصح والتأديب حسنت حاله، فهذا هو القول المعروف الذي أمر الله أولياء السفهاء به زيادة على حفظ أموالهم وتثميرها والانفاق عليهم منها.

﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ  ﴾ إن ما تقدم من الأمر بإيتاء اليتامى أموالهم كان مجملًا، وفي هذه الآية تفصيل لكيفية الإيتاء ووقته وما يعتبر فيه.

وقد اختلف العلماء في ابتلاء اليتيم كيف يكون، فقال بعضمهم: يعطي شيئًا من المال ليتصرف فيه فيري تصرفه كيف يكون فإن أحسن فيه كان راشدًا وإلا كان على سفهه، وقال بعضهم: إن الإعطاء لا يجوز إلا بعد الابتلاء، وإيناس الرشد فمن أعطاه قبل ذلك يكون مخالفًا للأمر ومجازفًا بالمال، والصواب أن يحضره الولي المعاملات المالية، ويطلعه على كيفية التصرف، ويسأله عند كل عمل عن رأيه فيه، فإذا رأى أجوبته سديدة ورأيه صالحًا يعلم أنه قد رشد.

واعْتُرِض هذا أيضًا بأن القول لا يغني عن الفعل شيئًا فإن قليلًا من النباهة يكفي لإحسان الجواب إن قيل له ما تقول في ثمن هذا؟

وما أشبه ذلك، وإننا نرى كثيرًا من الذين نسميهم أذكياء ومتعلمين يتكلم أحدهم في الزراعة عن علم يقول: ينبغي كذا من السماد، وكذا من السقي والعذق، فإذا أُرسل إلى الأرض وكُلِّف العمل ينام معظم النهار ولا يصل شيئًا أو يعمل فيسيء العمل ولا يحسنه، بل ترى من الناس من يتكلم في الأخلاق وكيفية معاملة الناس فيحسن القول كما ينبغي، ولكنه يسيء في المعاملة فيكون عمله مخالفًا لقوله، فقائل هذا القول الثاني قد غفل عن القاعدة التي اتفق عليها العقلاء وهي أن بين العلم والتجربة بونًا شاسعًا، فكم رأينا أناسًا من المحسنين في الكلام، السفهاء في الأعمال الذين إذا سألتهم عن طرق الاقتصاد في المعاملة وتدبير الثروة أجابوك أحسن جواب مبني على قواعد العلم الحديث المبني على التجارب وإمعان النظر، ثم هم يسفهون في عملهم ويبذرون الأموال تبذيرًا يسارعون فيه إلى الفقر.

أعرف من هؤلاء رجلًا ترك له والده ثروة قدرت قيمتها بمليون جنيه فأتلفها بإسرافه وهو الآن يطلب إعانة من الجمعية الخيرية الإسلامية!!

فالرأي الأول أسد وأصوب وما اعترض به عليه يجاب عنه بأن الممنوع قبل العلم بالرشد هو إعطاء اليتيم ماله كله ليستقل بالتصرف فيه، وأما إعطاؤه طائفة منه ليتصرف فيها تحت مراقبة الولي ابتلاء واختبارًا له، فهو غير ممنوع بل هو المأمور به في هذه الآية.

و ﴿ حَتَّى  ﴾ ابتدائية أي ابتلوا اليتامى إلى ابتداء البلوغ، وكونها ابتدائية لا ينافي كونها للغاية التي هي معناها الأصلي الذي لا يفارقها، وإنما فرقوا بين التي تدخل على الجملة الكاملة والتي تدخل على المفرد في الإعراب، فسموا الأولى الابتدائية وهى التي لا تجر المفرد، وسموا الثانية الجارة وهي التي تجر المفرد.

والغاية في الأولى هو مفهوم الجملة التي بعدها أي ابتلوهم إلى ابتداء الحد الذي يبلغون فيه سن النكاح، فإن آنستم منهم بعد البلوغ رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم وإلا فاستمروا على الابتلاء إلى أن تأنسوا منهم الرشد، وجملة فإن آنستم جواب حتى إذا بلغوا.

﴿ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا  ﴾ : إن النهي عن أكل أموال اليتامى إسرافًا وبدارًا هو كالأمر قبله تفصيل للآية الناهية عن أكل أموال اليتامى إلى أموال الأولياء، وقد قيد النهي هنا بالإسراف وهو صرف مال اليتيم في غير محله ولو على اليتيم نفسه وسمي هذا أكلًا لأنه إضاعة، والأكل يطلق على إضاعة الشيء ولكن ضم مال اليتيم إلى مال الولي لا يسمى إسرافًا، وقيده أيضًا بالبدار والمسابقة لكبر اليتيم لأن الولي الضعيف الذمة يستعجل ببعض التصرفات في مال اليتيم التي له منها منفعة لئلا تفوته إذا كبر اليتيم وأخذ ماله.

فهاتان الحالان: الإسراف وبدار، ومسابقة كبر اليتيم ببعض التصرف هما من مواضع الضعف التي تعرض للإنسان، فنبه الله تعالى عليهما ونهى عنهما ليراقب الولي ربه فيهما إذا عرضتا له.

﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ  ﴾ يعني أن الأكل بالمعروف هو القرض والأجرة، ولا يباح أكل شيء منه بلا عوض كسائر أموال الناس، وكذلك الحكم في أموال المجانين والمعاتيه، ولكن ما ذكر في كيفية الأكل لا يظهر في الاستقراض وقد يظهر في الأجرة.

﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ  ﴾ : ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأمر بالإشهاد أمر إرشاد لا أمر وجوب وهم متفقون على أن الأوامر المارة كلها للإيجاب القطعي والنواهي كلها للتحريم، وظاهر السياق أن هذا الأمر مثل ما سبقه، ولعل السبب فيما قاله الفقهاء هو أن الناس تهاونوا بأمر الإشهاد وأهملوه من زمن بعيد فسهل ذلك على الفقهاء التأويل ورأوه أولى من تأثيم الناس وجعل أكثرهم مخالفين لما فرض عليهم، ولا شك عندي أن الإشهاد حتم، وأن تركه يؤدي إلى النزاع والتخاصم والتقاضي كما هو مشاهد، فإذا فرضنا أن الناس كانوا في زمن ما مستمسكين بعروة الدين استمساكًا عامًا، وكان اليتامى يحسنون الظن في الأولياء فلا يتهمونهم، وأن الإشهاد لم يكن متحتمًا عليم لأجل هذا، أفليس هذا الزمن المعلوم مخالفًا لذلك الزمن المجهول مخالفة تقتضي أن يُجعَل الإشهاد ضربة لازب لقطع عرق الخصام ونزوع النفس إلى النزاع والمشاغبة؟

﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا  ﴾ الحسيب هو المراقب المطلع على ما يعمل العامل، وإنما جاء بهذا بعد الأمر بالإشهاد القاطع لعرق النزاع ليدلنا على أن الإشهاد -وإن حصل وكان يسقط الدعوى عند القاضي بالمال- لا يسقط الحق عند الله إذا كان الولي خائنًا، إذ لا يخفى عليه تعالى ما يخفى على الشهود والحكام، وكأن هؤلاء الأوصياء الخبثاء الذين نعرفهم لم يسمعوا قول الله في ذلك قط، فقد كثرت فيهم وفي غيرهم الخيانة وأكل أموال اليتامى والسفهاء والأوقاف بالحيل حتى أنه يمكنني أن أقول: إنه لا يوجد في القطر المصري عشرة أشخاص يصلحون للوصاية على اليتيم أو السفيه والوقف، وقد نص الفقهاء على أن النظر على الوقف كالوصاية على اليتيم.

فانظروا إلى هذه الدقة في الآية الكريمة من الأمر باختبار اليتيم، ودفع ماله إليه عند بلوغه رشده، ومن النهي عن أكل شيء منه بطرف الإسراف ومبادرة كبره، ومن الأمر بالإشهاد عليه عند الدفع، ثم التنبيه إلى مراقبة الله تعالى التي تتناول جميع ذلك.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن بعض النحاة يقولون إن الباء الداخلة على لفظ الجلالة في قوله: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ  ﴾ زائدة، والمعنى كفى الله حسيبًا، وبعضهم يقول إن الفاعل مصدر محذوف والباء حرف جر أصلي متعلق به، وهذا كله من تطبيق القرآن على القواعد التي وضعوها ونحن نقول إن المعنى مع وجود الباء هو غير المعنى مع عدمها، فلها معنى في الكلام كيفما أعربت، وإن "كفى" فعل ليس له فاعل، والجار متعلق به، ومعناه أن الله  هو أشد من يراقب ويحاسب.

وهذه الجملة من فرائد البلاغة المسموعة التي لا تحتذى ولا يؤتي بمثل لها قد جاءت على هذه الكيفية النادرة مثلها في حسنها، فلا يمكن تطبيقها على القواعد الموضوعة للكلام المعروف عند جميع العرب الدائر على ألسنة أهل الفصاحة والفهاهة على السواء.

إن القواعد النحوية ونحوها وضعت بعد وضع اللغة لا قبلها فلا يمكن أن تكون عامة شاملة لكل كلام، ولكن النحاة حاولوا إدخال كل الكلام في قواعدهم، وكان يجب أن يقولوا كما قال بعض أهل اللغة في بعض الكلام النادر الاستعمال إنه ورد هكذا على غير القاعدة التي وضعناها فهو نظام سماعي يحفظ في اللغة ولا يقاس عليه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر