الآية ٦ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٦ من سورة النساء

وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًۭا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًۭا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا۟ ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّۭا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًۭا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًۭا ٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 280 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( وابتلوا اليتامى ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، والسدي ، ومقاتل بن حيان : أي اختبروهم ( حتى إذا بلغوا النكاح ) قال مجاهد : يعني : الحلم .

قال الجمهور من العلماء : البلوغ في الغلام تارة يكون بالحلم ، وهو أن يرى في منامه ما ينزل به الماء الدافق الذي يكون منه الولد .

وقد روى أبو داود في سننه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل " .

وفي الحديث الآخر عن عائشة وغيرها من الصحابة ، رضي الله عنهم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يحتلم ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن المجنون حتى يفيق " أو يستكمل خمس عشرة سنة ، وأخذوا ذلك من الحديث الثابت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال : عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة ، فلم يجزني ، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني ، فقال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز - لما بلغه هذا الحديث - إن هذا الفرق بين الصغير والكبير .

واختلفوا في إنبات الشعر الخشن حول الفرج ، وهو الشعرة ، هل تدل على بلوغ أم لا ؟

على ثلاثة أقوال ، يفرق في الثالث بين صبيان المسلمين ، فلا يدل على ذلك لاحتمال المعالجة ، وبين صبيان أهل الذمة فيكون بلوغا في حقهم ; لأنه لا يتعجل بها إلا ضرب الجزية عليه ، فلا يعالجها .

والصحيح أنها بلوغ في حق الجميع لأن هذا أمر جبلي يستوي فيه الناس ، واحتمال المعالجة بعيد ، ثم قد دلت السنة على ذلك في الحديث الذي رواه الإمام أحمد ، عن عطية القرظي ، رضي الله عنه قال : عرضنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فكان من أنبت قتل ، ومن لم ينبت خلي سبيله ، فكنت فيمن لم ينبت ، فخلى سبيلي .

وقد أخرجه أهل السنن الأربعة بنحوه وقال الترمذي : حسن صحيح .

وإنما كان كذلك; لأن سعد بن معاذ ، رضي الله عنه ، كان قد حكم فيهم بقتل المقاتلة وسبي الذرية .

وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " الغريب " : حدثنا ابن علية ، عن إسماعيل بن أمية ، عن محمد بن يحيى بن حيان ، عن عمر : أن غلاما ابتهر جارية في شعره ، فقال عمر ، رضي الله عنه : انظروا إليه .

فلم يوجد أنبت ، فدرأ عنه الحد .

قال أبو عبيد : ابتهرها : أي قذفها ، والابتهار أن يقول : فعلت بها وهو كاذب فإن كان صادقا فهو الابتيار ، قال الكميت في شعره .

قبيح بمثلي نعت الفتاة إما ابتهارا وإما ابتيارا وقوله : ( فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ) قال سعيد بن جبير : يعني : صلاحا في دينهم وحفظا لأموالهم .

وكذا روي عن ابن عباس ، والحسن البصري ، وغير واحد من الأئمة .

وهكذا قال الفقهاء متى بلغ الغلام مصلحا لدينه وماله ، انفك الحجر عنه ، فيسلم إليه ماله الذي تحت يد وليه بطريقه .

وقوله : ( ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ) ينهى تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية إسرافا ومبادرة قبل بلوغهم .

ثم قال تعالى : ( ومن كان غنيا فليستعفف ) [ أي ] من كان في غنية عن مال اليتيم فليستعفف عنه ، ولا يأكل منه شيئا .

قال الشعبي : هو عليه كالميتة والدم .

( ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا الأشج ، حدثنا عبد الله بن سليمان ، حدثنا هشام ، عن أبيه ، عن عائشة : ( ومن كان غنيا فليستعفف ) نزلت في مال اليتيم .

وحدثنا الأشج وهارون بن إسحاق قالا حدثنا عبدة بن سليمان ، عن هشام ، عن أبيه ، عن .

.

، قالت : نزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه إذا كان محتاجا أن يأكل منه .

وحدثنا أبي ، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني ، حدثنا علي بن مسهر ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : أنزلت هذه الآية في والي اليتيم ( ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ) بقدر قيامه عليه .

ورواه البخاري عن إسحاق عن عبد الله بن نمير ، عن هشام ، به .

قال الفقهاء : له أن يأكل أقل الأمرين : أجرة مثله أو قدر حاجته .

واختلفوا : هل يرد إذا أيسر ، على قولين : أحدهما : لا; لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيرا .

وهذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعي; لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا حسين ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ليس لي مال ، ولي يتيم ؟

فقال : " كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل مالا ومن غير أن تقي مالك - أو قال : تفدي مالك - بماله " شك حسين .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، حدثنا حسين المكتب ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن عندي يتيما عنده مال - وليس عنده شيء ما - آكل من ماله ؟

قال : " بالمعروف غير مسرف " .

ورواه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه من حديث حسين المعلم به .

وروى أبو حاتم ابن حبان في صحيحه ، وابن مردويه في تفسيره من حديث يعلى بن مهدي ، عن جعفر بن سليمان ، عن أبي عامر الخزاز ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر : أن رجلا قال : يا رسول الله ، فيم أضرب يتيمي ؟

قال : ما كنت ضاربا منه ولدك ، غير واق مالك بماله ، ولا متأثل منه مالا .

وقال ابن جرير : حدثنا الحسن بن يحيى ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا الثوري ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد قال : جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال : إن في حجري أيتاما ، وإن لهم إبلا ولي إبل ، وأنا أمنح في إبلي وأفقر ، فماذا يحل لي من ألبانها ؟

فقال : إن كنت تبغي ضالتها وتهنأ جرباها ، وتلوط حوضها ، وتسقي عليها ، فاشرب غير مضر بنسل ، ولا ناهك في الحلب .

ورواه مالك في موطئه ، عن يحيى بن سعيد به .

وبهذا القول - وهو عدم أداء البدل - يقول عطاء بن أبي رباح ، وعكرمة ، وإبراهيم النخعي ، وعطية العوفي ، والحسن البصري .

والثاني : نعم; لأن مال اليتيم على الحظر ، وإنما أبيح للحاجة ، فيرد بدله كأكل مال الغير للمضطر عند الحاجة .

وقد قال أبو بكر ابن أبي الدنيا : حدثنا ابن خيثمة ، حدثنا وكيع ، عن سفيان وإسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن مضرب قال : قال عمر [ بن الخطاب ] رضي الله عنه : إنى أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة والي اليتيم ، إن استغنيت استعففت ، وإن احتجت استقرضت ، فإذا أيسرت قضيت .

طريق أخرى : قال سعيد بن منصور : حدثنا أبو الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : قال لي عمر ، رضي الله عنه : إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم ، إن احتجت أخذت منه ، فإذا أيسرت رددته ، وإن استغنيت استعففت .

إسناد صحيح وروى البيهقي عن ابن عباس نحو ذلك .

وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ) يعني : القرض .

قال : وروي عن عبيدة ، وأبي العالية ، وأبي وائل ، وسعيد بن جبير - في إحدى الروايات - ومجاهد ، والضحاك ، والسدي نحو ذلك .

وروي من طريق السدي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : ( فليأكل بالمعروف ) قال : يأكل بثلاث أصابع .

ثم قال : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا ابن مهدي ، حدثنا سفيان ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس : ( ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ) قال : يأكل من ماله ، يقوت على يتيمه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم .

قال : وروي عن مجاهد وميمون بن مهران في إحدى الروايات والحكم نحو ذلك .

وقال عامر الشعبي : لا يأكل منه إلا أن يضطر إليه ، كما يضطر إلى [ أكل ] الميتة ، فإن أكل منه قضاه .

رواه ابن أبي حاتم .

وقال ابن وهب : حدثني نافع بن أبي نعيم القارئ قال : سألت يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة عن قول الله : ( فليأكل بالمعروف ) فقالا ذلك في اليتيم ، إن كان فقيرا أنفق عليه بقدر فقره ، ولم يكن للولي منه شيء .

وهذا بعيد من السياق; لأنه قال : ( ومن كان غنيا فليستعفف ) يعني : من الأولياء ( ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ) أي : منهم ( فليأكل بالمعروف ) أي : بالتي هي أحسن ، كما قال في الآية الأخرى : ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ) [ الإسراء : 34 ] أي : لا تقربوه إلا مصلحين له ، وإن احتجتم إليه أكلتم منه بالمعروف .

وقوله : ( فإذا دفعتم إليهم أموالهم ) يعني : بعد بلوغهم الحلم وإيناس الرشد [ منهم ] فحينئذ سلموهم أموالهم ، فإذا دفعتم إليهم أموالهم ( فأشهدوا عليهم ) وهذا أمر الله تعالى للأولياء أن يشهدوا على الأيتام إذا بلغوا الحلم وسلموا إليهم أموالهم; لئلا يقع من بعضهم جحود وإنكار لما قبضه وتسلمه .

ثم قال : ( وكفى بالله حسيبا ) أي : وكفى بالله محاسبا وشهيدا ورقيبا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام ، وحال تسليمهم للأموال : هل هي كاملة موفرة ، أو منقوصة مبخوسة مدخلة مروج حسابها مدلس أمورها ؟

الله عالم بذلك كله .

ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يا أبا ذر ، إني أراك ضعيفا ، وإني أحب لك ما أحب لنفسي ، لا تأمرن على اثنين ، ولا تلين مال يتيم " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وابتلوا اليتامى "، واختبروا عقول يتاماكم في أفهامهم، وصلاحهم في أديانهم، وإصلاحهم أموالهم، كما:- 8571 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن في قوله: " وابتلوا اليتامى "، قالا يقول: اختبروا اليتامى.

8572 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما " ابتلوا اليتامى "، فجرِّبوا عقولهم.

8573 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وابتلوا اليتامى "، قال: عقولهم.

8574 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبدالله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " وابتلوا اليتامى "، قال: اختبروهم.

8575 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح "، قال: اختبروه في رأيه وفي عقله كيف هو.

إذا عُرِف أنه قد أُنِس منه رُشد، دفع ليه ماله.

قال: وذلك بعد الاحتلام.

* * * قال أبو جعفر: وقد دللنا فيما مضى قبل على أن معنى " الابتلاء " الاختبار، بما فيه الكفاية عن إعادته.

(116) * * * وأمّا قوله: " إذا بلغوا النكاح "، فإنه يعني: إذا بلغوا الحلم: كما:- 8576 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن &; 7-575 &; ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " حتى إذا بلغوا النكاح "، حتى إذا احتلموا.

8577 - حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبدالله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " حتى إذا بلغوا النكاح "، قال: عند الحلم.

8578 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " حتى إذا بلغوا النكاح "، قال: الحلم.

* * * القول في تأويل قوله : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا قال أبو جعفر: يعني قوله: " فإن آنستم منهم رُشدًا "، فإن وجدتم منهم وعرفتم، كما:- 8579 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " فإن آنستم منهم رشدًا "، قال: عرفتم منهم.

* * * يقال: "آنست من فلان خيرًا- وبِرًا "= (117) بمد الألف=" إيناسًا "، و " أنست به آنَسُ أُنْسًا "، بقصر ألفها، إذا ألِفه.

* * * وقد ذكر أنها في قراءة عبدالله: ( فإن أحسيتم منهم رشدا )، (118) بمعنى: أحسستم، أي: وجدتم.

* * * واختلف أهل التأويل في معنى: " الرشد " الذي ذكره الله في هذه الآية.

(119) فقال بعضهم: معنى " الرشد " في هذا الموضع، العقل والصلاح في الدين.

* ذكر من قال ذلك: 8580 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فإن آنستم منهم رشدًا "، عقولا وصلاحًا.

8581 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " فإن آنستم منهم رشدًا "، يقول: صلاحًا في عقله ودينه.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: صلاحًا في دينهم، وإصلاحًا لأموالهم.

* ذكر من قال ذلك: 8582 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثني أبي، عن مبارك، عن الحسن قال: رشدًا في الدين، وصلاحًا، وحفظًا للمال.

8583 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " فإن آنستم منهم رشدًا "، في حالهم، والإصلاحَ في أموالهم.

* * * وقال آخرون: بل ذلك العقلُ، خاصة.

* ذكر من قال ذلك: 8584 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد قال: لا ندفع إلى اليتيم ماله وإن أخذ بلحيته، (120) وإن كان شيخًا، حتى يؤنس منه رشده، العقل.

8585 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: "آنستم منهم رشدًا "، قال: العقل.

8586 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو شبرمة، عن الشعبي قال: سمعته يقول: إن الرجل ليأخُذُ بلحيته وما بلغ رُشده.

(121) * * * وقال آخرون: بل هو الصلاح والعلم بما يصلحه.

* ذكر من قال ذلك: 8587 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " فإن آنستم منهم رشدًا "، قال: صلاحًا وعلمًا بما يصلحه.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بمعنى " الرشد " في هذا الموضع، العقل وإصلاح المال (122) = لإجماع الجميع على أنه إذا كان كذلك، لم يكن ممن يستحق الحجرَ عليه في ماله، وحَوْزَ ما في يده عنه، وإن كان فاجرًا في دينه.

وإذْ كان ذلك إجماعًا من الجميع، فكذلك حكمه إذا بلغ وله مال في يَدي وصيِّ أبيه، أو في يد حاكم قد وَلي ماله لطفولته= واجبٌ عليه تسليم ماله إليه، إذا كان عاقلا بالغًا، مصلحًا لماله= غير مفسد، لأن المعنى الذي به يستحق أن يولَّى على ماله الذي هو في يده، هو المعنى الذي به يستحق أن يمنع يده من ماله الذي هو في يد وليّ، (123) فإنه لا فرق بين ذلك.

وفي إجماعهم على أنه غير جائز حيازة ما في يده في حال صحة عقله وإصلاح &; 7-578 &; ما في يده، الدليلُ الواضح على أنه غير جائز منْع يده مما هو له في مثل ذلك الحال، وإن كان قبل ذلك في يد غيره، لا فرْق بينهما.

ومن فرَّق بين ذلك، عُكِس عليه القول في ذلك، وسئل الفرق بينهما من أصل أو نظير، فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله.

فإذ كان ما وصفنا من الجميع إجماعًا، (124) فبيُّنٌ أن " الرشد " الذي به يستحق اليتيم، إذا بلغ فأونس منه، دَفْعَ ماله إليه، ما قلنا من صحة عقله وإصلاح ماله.

* * * القول في تأويل قوله جل ثناؤه : فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره ولاةَ أموال اليتامى.

يقول الله لهم: فإذا بلغ أيتامكم الحلم، فآنستم منهم عقلا وإصلاحًا لأموالهم، فادفعوا إليهم أموالهم، ولا تحبسوها عنهم.

* * * وأما قوله: " فلا تأكلوها إسرافًا "، يعني: بغير ما أباحه الله لك، (125) كما:- 8588 - حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن: " ولا تأكلوها إسرافًا "، يقول: لا تسرف فيها.

8589 - حدثنا محمد بن الحسين قال، (126) حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا &; 7-579 &; أسباط، عن السدي: " ولا تأكلوها إسرافًا "، قال: يسرف في الأكل.

وأصل " الإسراف ": تجاوز الحد المباح إلى ما لم يُبَحْ.

وربما كان ذلك في الإفراط، وربما كان في التقصير.

غير أنه إذا كان في الإفراط، فاللغة المستعملة فيه أن يقال: " أسْرف يُسرف إسرافًا "= وإذا كان كذلك في التقصير، فالكلام منه: " سَرِف يَسْرَفُ سَرَفًا "، يقال: " مررت بكم فسَرَفْتكم "، يراد منه: فسهوت عنكم وأخطأتكم، كما قال الشاعر: (127) أَعْطَــوْا هُنَيْــدَةَ يَحْدُوهَـا ثَمَانِيَـةٌ مَـا فِـي عَطَـائِهِمُ مَـنٌّ وَلا سَـرَفُ (128) يعني بقوله: " ولا سرف "، لا خطأ فيه، يراد به: أنهم يصيبون مواضع العطاء فلا يخطئونها.

* * * القول في تأويل قوله : وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " وبدارًا "، ومبادرة.

وهو مصدر من قول القائل: " بادرت هذا الأمر مبادرة وبِدارًا ".

* * * وإنما يعني بذلك جل ثناؤه ولاةَ أموال اليتامى.

يقول لهم: لا تأكلوا أموالهم إسرافًا -يعني ما أباح الله لكم أكله- ولا مبادرة منكم بلوغَهم وإيناسَ الرشد منهم، حذرًا أن يبلغوا فيلزمكم تسليمه إليهم، كما:- 8590 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " إسرافًا وبدارًا "، يعني: أكل مال اليتيم مبادرًا أن يبلغ، فيحول بينه وبين ماله.

8591 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن: " ولا تأكلوها إسرافًا وبدارًا "، يقول: لا تسرف فيها ولا تبادره.

(129) 8592 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وبدارًا "، تبادرًا أن يكبروا فيأخذوا أموالهم.

8593 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " إسرافًا وبدارًا "، قال: هذه لولي اليتيم يأكله، جعلوا له أن يأكل معه، إذا لم يجد شيئًا يضع يده معه، فيذهب يؤخره، يقول: " لا أدفع إليه ماله "، وجعلتَ تأكله تشتهي أكله، لأنك إذا لم تدفعه إليه لك فيه نصيب، وإذا دفعته إليه فليس لك فيه نصيب.

(130) * * * وموضع " أن " في قوله: " أن يكبروا " نصبٌ بـ" المبادرة "، لأن معنى الكلام: لا تأكلوها مبادرة كِبرهم.

(131) * * * القول في تأويل قوله : وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " ومن كان غنيًّا "، من ولاة أموال اليتامى على أموالهم، فليستعفف بماله عن أكلها -بغير الإسراف والبدار أن يكبروا- بما أباح الله له أكلها به، كما:- 8594 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش =وابن أبي ليلى، عن الحكم= عن مقسم، عن ابن عباس في قوله: " ومن كان غنيًّا فليستعفف "، قال: بغناه من ماله، (132) حتى يستغنى عن مال اليتيم.

8595 - وبه قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في قوله: " ومن كان غنيًّا فليستعفف " بغناه.

8596 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن ليث، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في قوله: " ومن كان غنيًا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، قال: من مال نفسه، ومن كان فقيرًا منهم، إليها محتاجًا، فليأكل بالمعروف.

* * * قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل التأويل في" المعروف " الذي أذن الله جل ثناؤه لولاة أموالهم أكلها به، إذا كانوا أهل فقر وحاجة إليها.

(133) فقال بعضهم: ذلك هو القرضُ يستقرضه من ماله ثم يقضيه.

* ذكر من قال ذلك: 8597 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضَرِّب قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنّي أنـزلت مالَ الله تعالى مني بمنـزلة مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت.

(134) 8598 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية، عن زهير، عن العلاء بن المسيب، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: " ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، قال: وهو القرض.

8599 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت يونس، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، أنه قال في هذه الآية: " ومن كان غنيًا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، قال: الذي ينفق من مال اليتيم، يكون عليه قرضًا.

8600 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين قال، سألت عبيدة عن قوله: " ومن &; 7-583 &; كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، قال: إنما هو قرض، ألا ترى أنه قال: فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ؟

قال: فظننت أنه قالها برأيه.

8601 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا هشام، عن محمد، عن عبيدة في قوله: " ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، وهو عليه قرض.

8602 - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين، عن عبيدة في قوله: " ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، قال: المعروف القرض، ألا ترى إلى قوله: فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ؟

(135) 8603 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة= مثل حديث هشام.

(136) 8604 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، يعني القرض.

8605 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، يقول: إن كان غنيًّا، فلا يحل له من مال اليتيم أن يأكل منه شيئًا، وإن كان فقيرًا فليستقرض منه، فإذا وجد مَيْسرة فليعطه ما استقرض منه، فذلك أكله بالمعروف.

8606 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي يذكر، عن حماد، عن سعيد بن جبير قال: يأكل قرضًا بالمعروف.

(137) 8607 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حجاج، عن سعيد بن جبير قال: هو القرض، ما أصاب منه من شيء قضاه إذا أيسر= يعني قوله: " ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف ".

8608 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي قال، حدثنا حماد قال، سألت سعيد بن جبير عن هذه الآية: " ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، قال: إن أخذ من ماله قدر قوته قرضًا، فإن أيسر بعدُ قضاه، وإن حضره الموت ولم يوسر، تحلَّله من اليتيم.

وإن كان صغيرًا تحلله من وليه.

(138) 8609 - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا شعبة، عن حماد، عن سعيد بن جبير: فليأكل قرضًا.

(139) 8610 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن حماد، عن سعيد بن جبير: " ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، قال: هو القرض.

8611 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو بن أبي قيس، عن عطاء بن السائب، عن الشعبي: " ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، قال: لا يأكله إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة، فإن أكل منه شيئًا قضاه.

8612 - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا شعبة، عن عبدالله بن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " فليأكل بالمعروف "، قال: قرضًا.

8613 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن عبدالله بن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

8614 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فليأكل بالمعروف "، قال: سَلفًا من مال يتيمه.

8615 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد= وعن حماد، عن سعيد بن جبير=" فليأكل بالمعروف "، قالا هو القرض= قال الثوري: وقاله الحكم أيضًا، ألا ترى أنه قال: فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ؟

8616 - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا حجاج، عن مجاهد قال:هو القرض، ما أصاب منه من شيء قضاه إذا أيسر= يعني: " ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف ".

8617 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " فليأكل بالمعروف "، قال: القرض، ألا ترى إلى قوله: فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ؟

8618 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي وائل قال: قرضًا.

8619 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن سعيد بن جبير قال: إذا احتاج الوليُّ أو افتقر فلم يجد شيئًا، أكل من مال &; 7-586 &; اليتيم وكَتَبه، فإن أيسر قضاه، وإن لم يوسر حتى تحضره الوفاة، دعا اليتيمَ فاستحلَّ منه ما أكل.

8620 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، من مال اليتيم، بغير إسراف ولا قضاءَ عليه فيما أكل منه.

* * * واختلف قائلو هذا القول في معنى: " أكل ذلك بالمعروف ".

فقال بعضهم: أن يأكل من طعامه بأطراف الأصابع، ولا يلبس منه.

* ذكر من قال ذلك: 8621 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن السدي قال، أخبرني من سمع ابن عباس يقول: " ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، قال: بأطراف أصابعه.

8622 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبيد الله الأشجعي، عن سفيان، عن السدي، عمن سمع ابن عباس يقول، فذكر مثله.

(140) 8623 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، يقول: " فمن كان غنيًا " مَنْ وَلِيَ مال اليتيم، فليستعفف عن أكله (141) =" ومن كان فقيرًا "، مَنْ وَلِيَ مال اليتيم، فليأكل معه بأصابعه، لا يسرف في الأكل، ولا يلبس.

8624 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا حرمي بن عمارة قال، حدثنا شعبة، عن عمارة، عن عكرمة في مال اليتيم: يدُك مع أيديهم، ولا تتخذ منه قَلَنْسُوة.

8625 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء وعكرمة قالا تضع يدك مع يده.

* * * وقال آخرون: بل " المعروف " في ذلك: أن يأكل ما يسدُّ جوعه، ويلبس ما وارَى العورة.

* ذكر من قال ذلك: 8626 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم قال: إن المعروف ليس بِلبس الكتَّان ولا الحُلَل، ولكن ما سدَّ الجوع ووارى العورة.

8627 - حدثنا بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: كان يقال: ليس المعروف بلبس الكتان والحلل، ولكن المعروفَ ما سد الجوع ووارى العورة.

8628 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن مغيرة، عن إبراهيم نحوه.

8629 - حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا أبو معبد قال: سئل مكحول عن وَالي اليتيم، ما أكله بالمعروف إذا كان فقيرًا؟

قال: يده مع يده.

قيل له: فالكسوة؟

قال: يلبس من ثيابه، فأما أن يتخذ من ماله مالا لنفسه فلا.

8630 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا الأشجعي، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم في قوله: " فليأكل بالمعروف "، قال: ما سد الجوع ووارى &; 7-588 &; العورة.

أما إنه ليس لَبُوس الكتان والحلل.

(142) * * * وقال آخرون: بل ذلك " المعروف "، أكل تمْره، وشرب رِسْل ماشيته، (143) بقيامه على ذلك، فأما الذهب والفضة، فليس له أخذ شيء منهما إلا على وجه القرض.

* ذكر من قال ذلك: 8631 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن القاسم بن محمد قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أموالَ أيتام؟

وهو يستأذنه أن يصيب منها، فقال ابن عباس: ألست تبغي ضالتها؟

(144) قال: بلى!

قال: ألست تهنأ جَرْباها؟

(145) قال: بلى!

قال: ألست تَلُطُّ حياضها؟

(146) قال: بلى!

قال: ألست تَفْرِط عليها يوم وِرْدها؟

(147) قال: بلى!

قال: فأصِبْ من رسلها= يعني: من لبنها.

8632 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد قال: جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتامًا، وإن لهم إبلا ولي إبل، وأنا أمنح في إبلي وأفقر، (148) فماذا يحلّ لي من ألبانها؟

قال: إن كنت تبغي ضالتها، وتهنأ جرباها، وتلوط حوضها، (149) وتسقى عليها، (150) فاشرب غير مُضرّ بنسل، (151) ولا ناهكٍ في الحلب.

(152) 8633 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن أبي العالية في هذه الآية: " ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، قال: من فَضل الرِّسل والتمرة.

(153) 8634 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن أبي العالية في والي مال اليتيم قال: يأكل من رسل الماشية ومن التمرة لقيامه عليه، ولا يأكل من المال.

وقال: ألا ترى أنه قال: فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ؟

8635 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال سمعت داود، عن رُفيع أبي العالية قال: رُخّص لولي اليتيم أن يصيب من الرِّسل ويأكل من التمرة، وأما الذهب والفضة فلا بد أن تردّ.

ثم قرأ: فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ، ألا ترى أنه قال: " لا بد من أن يدفع "؟

(154) 8636 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عوف، عن الحسن أنه قال: إنما كانت أموالهم إذْ ذاك النخل والماشية، (155) فرخّص لهم إذا كان أحدهم محتاجًا أن يصيب من الرِّسْل.

8637 - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الشعبي في قوله: " ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، قال: إذا كان فقيرًا أكل من التمر، (156) وشرب من اللبن، وأصاب من الرسل.

8638 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، ذكر لنا أن عَمَّ ثابت بن رفاعة =وثابت يومئذ يتيمٌ في حجره= من الأنصار، أتى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، إن ابن أخي يتيمٌ في حجري، فما يحلُّ لي من ماله؟

قال: أن تأكل بالمعروف، من غير أن تقي مالك بماله، ولا تتخذ من ماله وَفْرًا.

(157) وكان اليتيم يكون له الحائط من النخل، (158) فيقوم وليه على صلاحه وَسقيه، فيصيب من تمرته، (159) أو تكون له الماشية، فيقوم وليه على صلاحها، أو يلي علاجها ومؤونتها، فيصيب من جُزَازها وَعوارضها ورِسْلها.

(160) فأما رقاب المال وأصول المال، (161) فليس له أن يستهلكه.

(162) 8639 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد ابن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، يعني ركوب الدابة وخدمة الخادم.

فإن أخذ من ماله قرضًا في غنى، فعليه أن يؤديه، وليس له أن يأكل من ماله شيئا.

* * * وقال آخرون منهم: له أن يأكل من جميع المال، إذا كان يلي ذلك، وإن أتى على المال، ولا قضاء عليه.

* ذكر من قال ذلك: 8640 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إسماعيل بن صبيح، عن أبي أوَيس، عن يحيى بن سعيد وربيعة جميعًا، عن القاسم بن محمد قال: سئل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عما يصلُح لوليّ اليتيم قال: إن كان غنيًّا فليستعفف، وإن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف.

(163) 8641 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب كان يقول: يحل لوليِّ الأمر ما يحلّ لولي اليتيم: " من كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف ".

8642 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا الفضل بن عطية، عن عطاء بن أبي رباح في قوله: " ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، قال: إذا احتاج فليأكل بالمعروف، فإن أيسر بعد ذلك فلا قضاء عليه.

8643 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري قالا ذكر الله تبارك وتعالى مال اليتامى فقال: " ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، ومعروفُ ذلك: أن يتقي الله في يتيمه.

8644 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن إبراهيم: أنه كان لا يرى قضاءً على وليّ اليتيم إذا أكل وهو محتاجٌ.

8645 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيم: " فليأكل بالمعروف "، في الوصي، قال: لا قضاء عليه.

8646 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم أنه قال في هذه الآية: " ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، قال: إذا عمل فيه وليُّ اليتيم أكل بالمعروف.

8647 - حدثنا بشر بن محمد قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول: إذا احتاج أكل بالمعروف من المال طُعْمَةً من الله له.

(164) 8648 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الحسن البصري قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن في حجري يتيمًا، أفأضربه؟

قال: فيما كنت ضاربًا منه ولدك؟

قال: أفأصيب من ماله؟

قال: بالمعروف، غير متأثِّل مالا ولا واقٍ مالك بماله.

(165) 8649 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن الزبير بن موسى، عن الحسن البصري، مثله.

(166) 8650 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء أنه قال: يضع يده مع أيديهم فيأكل معهم، كقَدْر خدمته وقَدْرِ عمله.

8651 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: والي اليتيم، إذا كان محتاجًا، يأكل بالمعروف لقيامه بماله.

8652 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، وسألته عن قول الله تبارك وتعالى: " ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، قال: إن استغنى كفَّ، وإن كان فقيرًا أكل بالمعروف.

قال: أكل بيده معهم، لِقيامه على أموالهم، وحفظه إياها، يأكل مما يأكلون منه.

وإن استغنى كفَّ عنه ولم يأكل منه شيئًا.

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: " المعروف " &; 7-594 &; الذي عناه الله تبارك وتعالى في قوله: " ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، أكل مال اليتيم عند الضرورة والحاجة إليه، على وجه الاستقراض منه= فأما على غير ذلك الوجه، فغير جائز له أكله.

(167) وذلك أن الجميع مجمعون على أن والي اليتيم لا يملك من مال يتيمه إلا القيام بمصلحته.

فلما كان إجماعًا منهم أنه غير مالكه، (168) وكان غيرَ جائز لأحد أن يستهلك مال أحد غيره، يتيمًا كان ربُّ المال أو مدركًا رشيدًا= وكان عليه إن تعدَّى فاستهلكه بأكل أو غيره، ضمانه لمن استهلكه عليه، بإجماع من الجميع= وكان والي اليتيم سبيلُه سبيل غيره في أنه لا يملك مال يتيمه = (169) كان كذلك حكمه فيما يلزمه من قضائه إذا أكل منه، سبيلُه سبيلُ غيره، وإن فارقه في أنّ له الاستقراضَ منه عند الحاجة إليه، كما له الاستقراض عليه عند حاجته إلى ما يستقرض عليه، إذا كان قيِّمًا بما فيه مصلحته.

* * * ولا معنى لقول من قال: " إنما عنى بالمعروف في هذا الموضع، أكل والي اليتيم من مال اليتيم، لقيامه عليه على وجه الاعتياض على عَمله وسعيه ".

لأنّ لوالي اليتيم أن يؤاجر نفسه منه للقيام بأموره، إذا كان اليتيم محتاجًا إلى ذلك بأجرة معلومة، كما يستأجر له غيره من الأجَراء، وكما يشتري له مَن يعينه، (170) غنيًّا كان الوالي أو فقيرًا.

وإذ كان ذلك كذلك= وكان الله تعالى ذكره قد دل بقوله: " ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "، على أن أكل مال اليتيم إنما أذن لمن أذن له من وُلاته في حال الفقر والحاجة= وكانت الحالُ التي للولاة &; 7-595 &; أن يُؤجروا أنفسهم من الأيتام مع حاجة الأيتام إلى الأجراء، غير مخصوص بها حال غِنًى ولا حال فقر = (171) كان معلومًا أن المعنى الذي أبيح لهم من أموال أيتامهم في كل أحوالهم، غير المعنى الذي أبيح لهم ذلك فيه في حال دون حال.

ومن أبى ما قلنا، ممن زعم أن لولي اليتيم أكل مال يتيمه عند حاجته إليه على غير وجه القرض، استدلالا بهذه الآية= قيل له: أمجمَعٌ على أن الذي قلت تأويل قوله: " ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف "؟

فإن قال: لا!

قيل له: فما برهانك على أن ذلك تأويله، وقد علمت أنه غيرُ مالك مالَ يتيمه؟

فإن قال: لأن الله أذن له بأكله!

قيل له: أذن له بأكله مطلقًا أم بشرط؟

(172) فإن قال: بشرطٍ، وهو أن يأكله بالمعروف.

قيل له: وما ذلك " المعروف "؟

وقد علمت القائلين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين أن ذلك هو أكله قرضًا وسلَفًا؟

ويقال لهم أيضًا مع ذلك: أرأيت المولَّى عليهم في أموالهم من المجانين والمعاتيه، ألولاة أموالهم أن يأكلوا من أموالهم عند حاجتهم إليه على غير وجه القرض لا الاعتياض من قيامهم بها، كما قلتم ذلك في أموال اليتامى فأبحتموها لهم؟

فإن قالوا: ذلك لهم= خرجوا من قول جميع الحجة.

وإن قالوا: ليس ذلك لهم.

قيل لهم: فما الفرق بين أموالهم وأموال اليتامى، وحكمُ ولاتهم واحدٌ: في أنهم ولاة أموال غيرهم؟

فلن يقولوا في أحدهما شيئًا إلا ألزموا في الآخر مثله.

(173) ويُسألون كذلك عن المحجور عليه: هل لمن يلي ماله أن يأكل ماله عند حاجته إليه؟

نحو سؤالِنَاهُمْ عن أموال المجانين والمعاتيه.

* * * القول في تأويل قوله عز وجل : فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإذا دفعتم، يا معشرَ ولاة أموال اليتامى، إلى اليتامى أموالهم=" فأشهدوا عليهم "، يقول: فأشهدوا على الأيتام باستيفائهم ذلك منكم، ودفعكموه إليهم، كما:- 8653 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم "، يقول: إذا دفع إلى اليتيم ماله، فليدفعه إليه بالشهود، كما أمره الله تعالى.

* * * القول في تأويل قوله : وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وكفى بالله كافيًا من الشهود الذين يشهدهم والي اليتيم على دفعه مال يتيمه إليه، كما:- 8654 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وكفى بالله حسيبًا "، يقول: شهيدًا.

* * * يقال منه: " قد أحسبني الذي عندي"، يراد به: كفاني.

وسمع من العرب: " لأحْسِبَنَّكم من الأسودين "= يعني به: من الماء والتمر (174) =" والمُحْسِب " من الرجال: المرتفع الحسب،" والمُحْسَب "، المكفِيُّ.

(175) * * * --------------- الهوامش : (116) انظر تفسير"الابتلاء" فيما سلف 2: 49 / 3: 7 ، 220 / 5: 339 / 7: 297 ، 325 ، 454.

(117) في المطبوعة: "آنست من فلان خيرًا وقرئ بمد الألف" ، لم يحسن قراءة"وبرًا" في المخطوطة ، فأفسد الكلام إفسادًا.

(118) في معاني القرآن للفراء 1: 257: "فإن أحستم" بسين واحدة ساكنة ، وفي بعض نسخه كما في تفسير الطبري ، أما في المخطوطة فقد كتب في الموضعين: "أحسستم" بسينين ، وهو خطأ ، والصواب ما في المطبوعة ، وما في معاني القرآن للفراء.

(119) انظر تفسير"الرشد" فيما سلف 3: 482 / 5: 416.

(120) قوله: "أخذ بلحيته" يعني: الشيب أخذ بلحيته ، وانظر الأثر التالي: 8586.

(121) الأثر: 8586-"أبو شبرمة" كنية"ابن شبرمة" ، وهو القاضي الفقيه المفتي"عبد الله بن شبرمة بن حسان الضبي".

وكان عفيفًا حازمًا عاقلا فقيها ، يشبه النساك ، ثقة في الحديث ، شاعرًا ، حسن الخلق ، جوادا..

هكذا وصفوه رحمه الله.

(122) انظر التعليق السالف ص: 576 ، تعليق: 1 ، في مراجع تفسير"الرشد".

(123) في المخطوطة والمطبوعة: "في يد ولي" ، والصواب حذف هذه الهاء ، فإنه مفسدة للكلام ولو قرئت: "في يد وليه" لكانت جيدة.

(124) في المطبوعة: "فإن كان ما وصفنا" ، والصواب من المخطوطة.

(125) في المطبوعة: "أباحه الله لكم" بالجمع ، وأثبت ما في المخطوطة.

وانظر تفسير "أكل المال" فيما سلف 3: 548- 551 / 7: 528.

(126) الأثر: 8589-"محمد بن الحسين بن موسى بن أبي حنين الكوفي" ، مضت ترجمته برقم: 7120 ، وكان في المخطوطة والمطبوعة: "محمد بن الحسن" ، وهو خطأ ، فهذا إسناد دائر في التفسير.

(127) هو جرير.

(128) ديوانه: 389 ، وطبقات فحول الشعراء: 359 ، والاشتقاق: 241 ، واللسان (هند) (سرف) ، وغيرها ، وسيأتي في التفسير 8: 46 / 30: 159 (بولاق) ، من قصيدته التي مدح بها يزيد بن عبد الملك ، وهجا آل المهلب ، يقول ليزيد ، قبله: أرْجُــو الفَـوَاضِلَ إِنَّ اللـه فَضَّلَكُـمْ يَـا قَبْـل نَفْسِـكَ لاقَـى نَفْسِيَ التَّلَفُ مَـا مَـنْ جَفَانَـا إذَا حَاجَاتُنَـا نَـزَلَتْ كَـمنْ لَنَـا عِنْـدَه التكْـرِيمُ واللَّطَـفُ كَـمْ قَـد نَـزَلْتُ بِكُـمْ ضَيْفًا، فَتُلْحِفُنِي فَضْـلَ اللِّحَـافِ، وَنِعْمَ الفَضْـلُ يُلْتَحَفُ وقوله: "هنيدة" اسم لكل مئة من الإبل ، لا تصرف ، ولا تدخلها الألف واللام ، ولا تجمع ، ولا واحد لها من جنسها.

و"هند" مثلها في المعنى ، وبه سميت المرأة فيما أرجح ، تساق في مهرها مئة من الإبل ، من كرامتها وعزها ورغبة الأزواج فيها لشرفها.

وقوله: "ثمانية" أي ثمانية من العبيد يقومون بأمرها.

(129) في المطبوعة: "ولا تبادر" بغير هاء في آخره ، وأثبت ما في المخطوطة.

(130) كانت هذه الجملة في المخطوطة هكذا فاسدة الكتابة غير منقوطة: "هذه لولى اليتيم يأكله جعلوا له أن يأكل معه إذا لم يجد سببا يضع معه يده ، فذهب دوحره يقول لا أدفع إليه ماله وجعلت تأكله لسهى أكله ، لأنك لم تدفعه إليه..." ، وهي فاسدة.

أما المطبوعة فقد صححها وكتب: "هذه لولي اليتيم خاصة وجعل له" ، وأساء فيما قرأ وفيما كتب.

ثم كتب"فيذهب بوجهه" مكان"يؤخره" ، وقد أساء.

ثم زاد"إن" في قوله: "لأنك لم تدفعه إليه"فجعلها""لأنك إن لم تدفعه إليه" ، وقد أصاب ، ولكني آثرت"إذا".

(131) انظر معاني القرآن للفراء 1: 257.

(132) في المطبوعة والمخطوطة: "لغناه عن ماله" ، والصواب بالباء.

(133) انظر تفسير"المعروف" فيما سلف ص: 573 تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(134) الأثر: 8597-"حارثة بن مضرب الكوفي" ، روى عن عمر ، وعلي ، وروى عنه أبو إسحاق السبيعي.

مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 1 / 87 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 255.

وكان في المخطوطة والمطبوعة: "حارثة بن مصرف" ، وهو خطأ وتصحيف.

(135) الأثر: 8602-"سلمة بن علقمة التميمي" ، روى عن محمد بن سيرين.

ثقة.

مترجم في التهذيب.

وكان في المخطوطة والمطبوعة: "سلمة عن علقمة" ، وهو خطأ ، وانظر الإسناد السالف رقم: 8600 ، جاء على الصواب.

(136) يعني رقم: 8601.

(137) الأثر: 8606-"ابن إدريس" هو"عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي" شيخ أبي كريب ، مضى مرارًا.

وكان في المطبوعة والمخطوطة"أبو إدريس" ، وهو خطأ.

و"أبوه" هو"إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي" ، روى عن أبيه ، وأبي إسحاق السبيعي ، وسماك بن حرب وغيرهم.

مترجم في التهذيب.

وكان في المخطوطة"سمعت أبي بكر" ، والصواب ما في المطبوعة.

(138) في المخطوطة: "حلله من وليه" ، ولعلها"حلله منه وليه" ، والذي في المطبوعة موافق للسياق.

(139) في المخطوطة: "فلا يأكل قرضًا" ، وهو خطأ ، والصواب ما في المطبوعة.

(140) الأثر: 8622-"عبيد الله الأشجعي" هو"عبيد الله بن عبيد الرحمن الأشجعي".

قال ابن معين: "ما كان بالكوفة أعلم بسيفان الثوري من الأشجعي".

وهو ثقة مأمون.

مترجم في التهذيب.

وكان في المطبوعة: "عبد الله الأشجعي" ، وهو خطأ.

(141) في المطبوعة: "فليستعفف عن ماله" ، وأثبت الصواب من المخطوطة.

(142) الأثر: 8630-"الأشجعي" ، هو"عبيد الله بن عبيد الرحمن الأشجعي" ، مضى قريبًا في التعليق على الأثر رقم: 8622.

(143) "الرسل" (بكسر الراء وسكون السين): اللبن.

(144) "بغى الضالة بغاء وبغية وبغاية" (كلها بضم الباء): نشدها وطلبها.

(145) هنأ البعير الأجرب يهنؤه ، إذا طلاه بالهناء (بكسر الهاء) ، وهو القطران ، يعالج به من الجرب.

(146) "لط الحوض يلطه لطًا": ألصقه بالطين حتى يسد خلله ، قال ابن الأثير: "كذا جاء في الموطأ" انظر الموطأ: 934 ، ويشير به إلى الرواية الأخرى"تلوط" ، كما ستأتي في الأثر التالي.

وكان في المطبوعة هنا"تليط".

، وهي صواب أيضًا ، جاء في رواية حديث أشراط الساعة: "ولتقومن وهو يليط حوضه ، " أي يطينه أيضًا.

ولكنها لم تجيء في المخطوطة ولا في مكان غيره أعرفه.

(147) "فرط يفرط فرطًا": إذ سبق الواردة الإبل إلى الماء ، فهيأ لها الأرسان والدلاء ، وملأ الحياض واستقى لهم.

و"يوم الورد" بكسر الراء ، وهو يومها الذي ترد فيه الماء.

وكان في المطبوعة: "يوم ورودها" ، وهي صحيحة المعنى ، والذي في المخطوطة هو محض الصواب.

(148) "منح الشاة والناقة يمنحها منحًا": أعارها من لا ناقة له ، يأخذ من لبنها ويرعى عليها.

ثم يردها عليه.

و"أفقرت فلانًا بعيرًا" إذا أعرته بعيرًا يركب ظهره في سفره ثم يرده إليك ، وهو من"فقار" الظهر ، أي ما انتضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العجب.

(149) "لاطه الحوض يلوطه لوطًا": طلاه بالطين وملسه.

انظر التعليق السالف ص: 588 ، رقم: 5.

(150) في المخطوطة: "وتسعى عليها" وهو خطأ ، ورواية الموطأ: "وتسقيها يوم وردها".

(151) "نهكت الناقة حلبًا أنهكها" ، إذا بالغت في حلبها ونقصها ، فلم يبق في ضرعها لبن.

و"الحلب" (بفتح الحاء واللام) و"الحلب" (بسكون اللام) و"الحلاب" مصدر"حلب الشاء والإبل والبقر يحلبها": إذا استخرج ما في ضرعها من اللبن.

(152) الأثران: 8631 ، 8632- رواه مالك في الموطأ من طريق"يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد" كرواية الأثر الثاني هنا ، مع اختلاف في بعض اللفظ ، وأبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ: 93 ، ونسبه السيوطي في الدر المنثور 1: 122 ، إلى مالك ، وسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والنحاس في ناسخه.

(153) في المطبوعة: "والثمرة" بالثاء المثلثة ، وأثبت ما في المخطوطة هنا ، وستأتي بالمثلثة في المخطوطة في الآثار التالية ، ولكن صوابها"بالتاء" ، وانظر حجتنا في ذلك في الأثر رقم: 8636.

(154) الأثر -8635-"رفيع بن مهران الرياحي" ، "أبو العالية" مضى برقم: 44 ، 184 ومواضع غيرها ، وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا"رفيع عن أبي العالية" بزيادة"عن" وهو خطأ محض.

(155) في المطبوعة: "أدخال النخل والماشية" ، وفي المخطوطة: "ادحال" ، ولم أجد لشيء من ذلك معنى ، مع تقليبها على أكثر وجوه التصحيف ، ثم هديت إلى أن أرجح أن يكون صوابها ما أثبت ، وكأن الناسخ رأي"ذال": "ذاك" متصلة بألفها فظنها"حاء" ، فكتب"الكاف" المتطرفة "لامًا" والذي أثبته هو حاق السياق إن شاء الله.

(156) في المطبوعة: "من الثمر" بالثاء المثلثة ، وأثبت ما في المخطوطة ، وانظر التعليق السالف ص: 589 ، رقم: 6.

(157) "وفر ماله وفرًا": حاطه حتى يكثر ويصير وافرًا ، يعني: أن يتأثل مالا لنفسه ويجمعه من مال يتيمه.

(158) "الحائط" البستان من النخل ، إذا كان عليه حائط ، وهو الجدار ، فإذا لم يحيط فهو"ضاحية".

(159) في المطبوعة: "ثمرته" ، والصواب من المخطوطة ، وانظر ص589 تعليق: 6 والتعليق السالف: 3.

(160) الجزاز والجزازة (بضم الجيم) والجزز (بفتحتين) والجزة (بكسر الجيم وتشديد الزاي) ، وجمعها جزز (بكسر ففتح): هو ما يجزه من صوف الشاة وغيرها.

ورواية اللسان والفائق للزمخشري"جززها" جمع"جزة"."والعوارض" جمع عارضة ، وهي الشاة أو البعير تصيبه آفة أو كسر أو داء فيذبحونها ، ومن هجائهم: "بنو فلان لا يأكلون إلا العوارض" ، أي: لا ينحرون الإبل إلا من داء يصيبها."والرسل" اللبن.

(161) "رقاب المال" يعني من الأنعام ، و"أصول المال" يعني من النخيل.

(162) الأثر: 8638- ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة ، في ترجمة"ثابت بن رفاعة" ، ولم ينسبه لابن جرير ، ونسبه لابن مندة ، وابن فتحون ، من طريق عبد الوهاب ، عن سعيد ، عن قتادة ، وقال: "هذا مرسل ، رجاله ثقات".

(163) الأثر: 8640-"إسماعيل بن صبيح اليشكري" مضى برقم: 2996.

و"أبو أويس" هو: "عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي" ، ابن عم مالك وصهره على أخته ، قال ابن معين: "صدوق ، وليس بحجة".

وقال أبو حاتم: "يكتب حديثه ، ولا يحتج به ، وليس بالقوي".

مترجم في التهذيب.

وكان في المطبوعة: "عن أبي إدريس" ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة.

(164) "طعمة" (بضم فسكون): رزق ومأكلة ، يقال: "جعل السلطان ناحية كذا طعمة لفلان" أي: مأكلة يأكل منها كما يأكل من كسبه.

(165) "تأثل مالا": اتخذ أصل مال يجمعه ويثبته ويخزنه.

(166) الأثر: 8649-"الزبير بن موسى بن ميناء المكي" ، روى عن جابر ، وسعيد بن جبير ، وعمرو بن دينار ، وعمر بن عبد العزيز ، وغيرهم.

روى عنه ابن جريج ، والثوري ، وابن أبي نجيح.

مترجم في التهذيب.

وأخشى أن يكون: "أخبرنا الثوري وابن أبي نجيح".

(167) في المخطوطة"له أكلها" ، وهو من سهو الناسخ.

(168) في المخطوطة: "إجماعًا منه" ، وهو أيضًا من سهو الناسخ.

(169) السياق: "فلما كان إجماعًا منهم...

كان كذلك حكمه..." وما بينهما عطف وفصل.

(170) في المطبوعة: "وكما يشتري له من نصيبه" ، ولا معنى لذلك ، وهي في المخطوطة غير بينة ، واجتهدت قراءتها كما أثبتها ، أي يشتري له رقيقًا يعينه.

(171) السياق: "وإذ كان ذلك كذلك...

كان معلومًا..." ، وما بينهما عطف وفصل.

(172) في المخطوطة: " أذن له بأكله مطلقًا بشرط بشرط" ، وهو سهو ناسخ ، والصواب ما في المطبوعة.

(173) في المطبوعة والمخطوطة: "فلن يقولوا في أحدهم" ، وهو خطأ ، صوابه ما أثبت.

(174) قيل في شرح هذه الكلمة: "أي: لأوسعن عليكم" ، وهو بمعنى الكفاية.

(175) وانظر تفسير"حسبه" فيما سلف 4: 244 / 7: 405.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبافيه سبع عشرة مسائل :الأولى : قوله تعالى : وابتلوا اليتامى الابتلاء الاختبار ؛ وقد تقدم .

وهذه الآية خطاب للجميع في بيان كيفية دفع أموالهم .

وقيل : إنها نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه .

وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه وهو صغير ، فأتى عم ثابت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله ، ومتى أدفع إليه ماله ؟

فأنزل الله تعالى هذه الآية .الثانية : واختلف العلماء في معنى الاختبار ؛ فقيل : هو أن يتأمل الوصي أخلاق يتيمه ، ويستمع إلى أغراضه ، فيحصل له العلم بنجابته ، والمعرفة بالسعي في مصالحه وضبط ماله ، والإهمال لذلك .

فإذا توسم الخير قال علماؤنا وغيرهم : لا بأس أن يدفع إليه شيئا من ماله يبيح له التصرف فيه ، فإن نماه وحسن النظر فيه فقد وقع الاختبار ، ووجب على الوصي تسليم جميع [ ص: 32 ] ماله إليه .

وإن أساء النظر فيه وجب عليه إمساك ماله عنده .

وليس في العلماء من يقول : إنه إذا اختبر الصبي فوجده رشيدا ترتفع الولاية عنه ، وأنه يجب دفع ماله إليه وإطلاق يده في التصرف ؛ لقوله تعالى : حتى إذا بلغوا النكاح .

وقال جماعة من الفقهاء : الصغير لا يخلو من أحد أمرين ؛ إما أن يكون غلاما أو جارية ؛ فإن كان غلاما رد النظر إليه في نفقة الدار شهرا ، أو أعطاه شيئا نزرا يتصرف فيه ؛ ليعرف كيف تدبيره وتصرفه ، وهو مع ذلك يراعيه لئلا يتلفه ؛ فإن أتلفه فلا ضمان على الوصي .

فإذا رآه متوخيا سلم إليه ماله وأشهد عليه .

وإن كانت جارية رد إليها ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها والنظر فيه ، في الاستغزال والاستقصاء على الغزالات في دفع القطن وأجرته ، واستيفاء الغزل وجودته .

فإن رآها رشيدة سلم أيضا إليها مالها وأشهد عليها .

وإلا بقيا تحت الحجر حتى يؤنس رشدهما .

وقال الحسن ومجاهد وغيرهما : اختبروهم في عقولهم وأديانهم وتنمية أموالهم .الثالثة : قوله تعالى : حتى إذا بلغوا النكاح أي الحلم ؛ لقوله تعالى : وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم أي البلوغ ، وحال النكاح .

والبلوغ يكون بخمسة أشياء : ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء ، واثنان يختصان بالنساء وهما الحيض والحبل .

فأما الحيض والحبل فلم يختلف العلماء في أنه بلوغ ، وأن الفرائض والأحكام تجب بهما .

واختلفوا في الثلاث ؛ فأما الإنبات والسن فقال الأوزاعي والشافعي وابن حنبل : خمس عشرة سنة بلوغ لمن لم يحتلم .

وهو قول ابن وهب وأصبغ وعبد الملك بن الماجشون وعمر بن عبد العزيز وجماعة من أهل المدينة ، واختاره ابن العربي .

وتجب الحدود والفرائض عندهم على من بلغ هذا السن .

قال أصبغ بن الفرج : والذي نقول به أن حد البلوغ الذي تلزم به الفرائض والحدود خمس عشرة سنة ؛ وذلك أحب ما فيه إلي وأحسنه عندي ؛ لأنه الحد الذي يسهم فيه في الجهاد ولمن حضر القتال .

واحتج بحديث ابن عمر إذ عرض يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجيز ، ولم يجز يوم أحد ؛ لأنه كان ابن أربع عشرة سنة .

أخرجه مسلم .

قال أبو عمر بن عبد البر : هذا فيمن عرف مولده ، وأما من جهل مولده وعدة سنه أو جحده فالعمل فيه بما روى نافع ، عن أسلم ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أنه كتب إلى أمراء الأجناد : ( ألا تضربوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسي ) .

وقال عثمان في غلام سرق : انظروا إن كان قد اخضر مئزره فاقطعوه .

وقال عطية القرظي : عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة ؛ فكل من أنبت منهم قتله بحكم سعد بن معاذ ، ومن لم ينبت منهم استحياه ؛ فكنت فيمن لم ينبت فتركني .[ ص: 33 ] وقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما : لا يحكم لمن لم يحتلم حتى يبلغ ما لم يبلغه أحد إلا احتلم ، وذلك سبع عشرة سنة ؛ فيكون عليه حينئذ الحد إذا أتى ما يجب عليه الحد .

وقال مالك مرة : بلوغه أن يغلظ صوته وتنشق أرنبته .

وعن أبي حنيفة رواية أخرى : تسع عشرة سنة ؛ وهي الأشهر .

وقال في الجارية : بلوغها لسبع عشرة سنة وعليها النظر .

وروى اللؤلئي عنه ثمان عشرة سنة .

وقال داود : لا يبلغ بالسن ما لم يحتلم ولو بلغ أربعين سنة .

فأما الإنبات فمنهم من قال : يستدل به على البلوغ ؛ روي عن ابن القاسم وسالم ، وقال مالك مرة ، والشافعي في أحد قوليه ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور .

وقيل : هو بلوغ ؛ إلا أنه يحكم به في الكفار فيقتل من أنبت ويجعل من لم ينبت في الذراري ؛ قاله الشافعي في القول الآخر ؛ لحديث عطية القرظي .

ولا اعتبار بالخضرة والزغب ، وإنما يترتب الحكم على الشعر .

وقال ابن القاسم : سمعت مالكا يقول : العمل عندي على حديث عمر بن الخطاب : لو جرت عليه المواسي لحددته .

قال أصبغ : قال لي ابن القاسم وأحب إلي ألا يقام عليه الحد إلا باجتماع الإنبات والبلوغ .

وقال أبو حنيفة : لا يثبت بالإنبات حكم ، وليس هو ببلوغ ولا دلالة على البلوغ .

وقال الزهري وعطاء : لا حد على من لم يحتلم ؛ وهو قول الشافعي ، ومال إليه مالك مرة ، وقال به بعض أصحابه .

وظاهره عدم اعتبار الإنبات والسن .

قال ابن العربي : " إذا لم يكن حديث ابن عمر دليلا في السن فكل عدد يذكرونه من السنين فإنه دعوى ، والسن التي أجازها رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى من سن لم يعتبرها ، ولا قام في الشرع دليل عليها ، وكذلك اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الإنبات في بني قريظة ؛ فمن عذيري ممن ترك أمرين اعتبرهما النبي صلى الله عليه وسلم فيتأوله ويعتبر ما لم يعتبره النبي صلى الله عليه وسلم لفظا ، ولا جعل الله له في الشريعة نظرا " .قلت : هذا قوله هنا ، وقال في سورة الأنفال عكسه ؛ إذ لم يعرج على حديث ابن عمر هناك ، وتأوله كما تأول علماؤنا ، وأن موجبه الفرق بين من يطيق القتال ويسهم له وهو ابن خمس عشرة سنة ، ومن لا يطيقه فلا يسهم له فيجعل في العيال .

وهو الذي فهمه عمر بن عبد العزيز من الحديث .

والله أعلم .الرابعة : قوله تعالى : فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم أي أبصرتم ورأيتم ؛ ومنه قوله تعالى : آنس من جانب الطور نارا أي أبصر ورأى .

قال الأزهري : تقول العرب اذهب فاستأنس هل ترى أحدا ؛ معناه تبصر .

قال النابغة :كأن رحلي وقد زال النهار بنا يوم الجليل على مستأنس وحد[ ص: 34 ] أراد ثورا وحشيا يتبصر هل يرى قانصا فيحذره .

وقيل : آنست وأحسست ووجدت بمعنى واحد ؛ ومنه قوله تعالى : فإن آنستم منهم رشدا أي علمتم .

والأصل فيه أبصرتم .

وقراءة العامة " رشدا " بضم الراء وسكون الشين .

وقرأ السلمي وعيسى والثقفي وابن مسعود رضي الله عنهم " رشدا " بفتح الراء والشين ، وهما لغتان .

وقيل : رشدا مصدر رشد .

ورشدا مصدر رشد ، وكذلك الرشاد .

والله أعلم .الخامسة : واختلف العلماء في تأويل رشدا فقال الحسن وقتادة وغيرهما : صلاحا في العقل والدين .

وقال ابن عباس والسدي والثوري : ( صلاحا في العقل وحفظ المال ) .

قال سعيد بن جبير والشعبي : إن الرجل ليأخذ بلحيته وما بلغ رشده ؛ فلا يدفع إلى اليتيم ماله وإن كان شيخا حتى يؤنس منه رشده .

وهكذا قال الضحاك : لا يعطى اليتيم وإن بلغ مائة سنة حتى يعلم منه إصلاح ماله .

وقال مجاهد : رشدا يعني في العقل خاصة .

وأكثر العلماء على أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ ، وعلى أنه إن لم يرشد بعد بلوغ الحلم وإن شاخ لا يزول الحجر عنه ؛ وهو مذهب مالك وغيره .

وقال أبو حنيفة : لا يحجر على الحر البالغ إذا بلغ مبلغ الرجال ، ولو كان أفسق الناس وأشدهم تبذيرا إذا كان عاقلا .

وبه قال زفر بن الهذيل ؛ وهو مذهب النخعي .

واحتجوا في ذلك بما رواه قتادة ، عن أنس أن حبان بن منقذ كان يبتاع وفي عقدته ضعف ، فقيل : يا رسول الله احجر عليه ؛ فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف .

فاستدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لا تبع .

فقال : لا أصبر .

فقال له : فإذا بايعت فقل لا خلابة ولك الخيار ثلاثا .

قالوا : فلما سأله القوم الحجر عليه لما كان في تصرفه من الغبن ولم يفعل عليه السلام ، ثبت أن الحجر لا يجوز .

وهذا لا حجة لهم فيه ؛ لأنه مخصوص بذلك على ما بيناه في البقرة ، فغيره بخلافه .

وقال الشافعي : إن كان مفسدا لماله ودينه ، أو كان مفسدا لماله دون دينه حجر عليه ، وإن كان مفسدا لدينه مصلحا لماله فعلى وجهين : أحدهما يحجر عليه ؛ وهو اختيار أبي العباس بن شريح .

والثاني لا حجر عليه ؛ وهو اختيار إسحاق المروزي ، والأظهر من مذهب الشافعي .

قال الثعلبي : وهذا الذي ذكرناه من الحجر على السفيه قول عثمان وعلي والزبير وعائشة وابن عباس وعبد الله بن جعفر رضوان الله عليهم ، ومن التابعين شريح ، وبه قال الفقهاء : مالك وأهل المدينة والأوزاعي وأهل الشام وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو ثور .

قال الثعلبي : وادعى أصحابنا الإجماع في هذه المسألة .[ ص: 35 ] السادسة : إذا ثبت هذا فاعلم أن دفع المال يكون بشرطين : إيناس الرشد والبلوغ ، فإن وجد أحدهما دون الآخر لم يجز تسليم المال ، كذلك نص الآية .

وهو رواية ابن القاسم وأشهب وابن وهب عن مالك في الآية .

وهو قول جماعة الفقهاء إلا أبا حنيفة وزفر والنخعي فإنهم أسقطوا إيناس الرشد ببلوغ خمس وعشرين سنة .

قال أبو حنيفة : لكونه جدا وهذا يدل على ضعف قوله ، وضعف ما احتج به أبو بكر الرازي في أحكام القرآن له من استعمال الآيتين حسب ما تقدم ؛ فإن هذا من باب المطلق والمقيد ، والمطلق يرد إلى المقيد باتفاق أهل الأصول .

وماذا يغني كونه جدا إذا كان غير جد ، أي بخت .

إلا أن علماءنا شرطوا في الجارية دخول الزوج بها مع البلوغ ، وحينئذ يقع الابتلاء في الرشد .

ولم يره أبو حنيفة والشافعي ، ورأوا الاختبار في الذكر والأنثى على ما تقدم .

وفرق علماؤنا بينهما بأن قالوا : الأنثى مخالفة للغلام لكونها محجوبة لا تعاني الأمور ولا تبرز لأجل البكارة فلذلك وقف فيها على وجود النكاح ؛ فبه تفهم المقاصد كلها .

والذكر بخلافها ؛ فإنه بتصرفه وملاقاته للناس من أول نشئه إلى بلوغه يحصل له الاختبار ، ويكمل عقله بالبلوغ ، فيحصل له الغرض .

وما قاله الشافعي أصوب ؛ فإن نفس الوطء بإدخال الحشفة لا يزيدها في رشدها إذا كانت عارفة بجميع أمورها ومقاصدها ، غير مبذرة لمالها .

ثم زاد علماؤنا فقالوا : لا بد بعد دخول زوجها من مضي مدة من الزمان تمارس فيها الأحوال .

قال ابن العربي : وذكر علماؤنا في تحديدها أقوالا عديدة ؛ منها الخمسة الأعوام والستة والسبعة في ذات الأب .

وجعلوا في اليتيمة التي لا أب لها ولا وصي عليها عاما واحدا بعد الدخول ، وجعلوا في المولى عليها مؤبدا حتى يثبت رشدها .

وليس في هذا كله دليل ، وتحديد الأعوام في ذات الأب عسير ؛ وأعسر منه تحديد العام في اليتيمة .

وأما تمادي الحجر في المولى عليها حتى يتبين رشدها فيخرجها الوصي عنه ، أو يخرجها الحكم منه فهو ظاهر القرآن .

والمقصود من هذا كله داخل تحت قوله تعالى : فإن آنستم منهم رشدا فتعين اعتبار الرشد ولكن يختلف إيناسه بحسب اختلاف حال الراشد .

فاعرفه وركب عليه واجتنب التحكم الذي لا دليل عليه .السابعة : واختلفوا فيما فعلته ذات الأب في تلك المدة ؛ فقيل : هو محمول على الرد لبقاء الحجر ، وما عملته بعده فهو محمول على الجواز .

وقال بعضهم : ما عملته في تلك المدة محمول على الرد إلا أن يتبين فيه السداد ، وما عملته بعد ذلك محمول على الإمضاء حتى يتبين فيه السفه .[ ص: 36 ] الثامنة : واختلفوا في دفع المال إلى المحجور عليه هل يحتاج إلى السلطان أم لا ؟

فقالت فرقة : لا بد من رفعه إلى السلطان ، ويثبت عنده رشده ثم يدفع إليه ماله .

وقالت فرقة : ذلك موكول إلى اجتهاد الوصي دون أن يحتاج إلى رفعه إلى السلطان .

قال ابن عطية : والصواب في أوصياء زماننا ألا يستغنى عن رفعه إلى السلطان وثبوت الرشد عنده ، لما حفظ من تواطؤ الأوصياء على أن يرشد الصبي ، ويبرأ المحجور عليه لسفهه وقلة تحصيله في ذلك الوقت .التاسعة : فإذا سلم المال إليه بوجود الرشد ، ثم عاد إلى السفه بظهور تبذير وقلة تدبير عاد إليه الحجر عندنا ، وعند الشافعي في أحد قوليه .

وقال أبو حنيفة : لا يعود ؛ لأنه بالغ عاقل ؛ بدليل جواز إقراره في الحدود والقصاص .

ودليلنا قوله تعالى : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وقال تعالى : فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل ولم يفرق بين أن يكون محجورا سفيها أو يطرأ ذلك عليه بعد الإطلاق .العاشرة : ويجوز للوصي أن يصنع في مال اليتيم ما كان للأب أن يصنع من تجارة وإبضاع وشراء وبيع .

وعليه أن يؤدي الزكاة من سائر أمواله : عين وحرث وماشية وفطرة .

ويؤدي عنه أروش الجنايات وقيم المتلفات ، ونفقة الوالدين وسائر الحقوق اللازمة .

ويجوز أن يزوجه ويؤدي عنه الصداق ، ويشتري له جارية يتسررها ، ويصالح له وعليه على وجه النظر له .

وإذا قضى الوصي بعض الغرماء وبقي من المال بقية تفي ما عليه من الدين كان فعل الوصي جائزا .

فإن تلف باقي المال فلا شيء لباقي الغرماء على الوصي ولا على الذين اقتضوا .

وإن اقتضى الغرماء جميع المال ثم أتى غرماء آخرون فإن كان عالما بالدين الباقي أو كان الميت معروفا بالدين الباقي ضمن الوصي لهؤلاء الغرماء ما كان يصيبهم في المحاصة ، ورجع على الذين اقتضوا دينهم بذلك .

وإن لم يكن عالما بذلك ، ولا كان الميت معروفا بالدين فلا شيء على الوصي .

وإذا دفع الوصي دين الميت بغير إشهاد ضمن .

وأما إن أشهد وطال الزمان حتى مات الشهود فلا شيء عليه .

وقد مضى في البقرة عند قوله تعالى : وإن تخالطوهم فإخوانكم من أحكام الوصي في الإنفاق وغيره ما فيه كفاية ، والحمد لله .الحادية عشرة : قوله تعالى : ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ليس يريد أن [ ص: 37 ] أكل مالهم من غير إسراف جائز ، فيكون له دليل خطاب ، بل المراد ولا تأكلوا أموالهم فإنه إسراف .

فنهى الله سبحانه وتعالى الأوصياء عن أكل أموال اليتامى بغير الواجب المباح لهم ؛ على ما يأتي بيانه .والإسراف في اللغة الإفراط ومجاوزة الحد .

وقد تقدم في آل عمران والسرف الخطأ في الإنفاق .

ومنه قول الشاعر :أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ما في عطائهم من ولا سرفأي ليس يخطئون مواضع العطاء .

وقال آخر :وقال قائلهم والخيل تخبطهم أسرفتم فأجبنا أننا سرفقال النضر بن شميل : السرف التبذير ، والسرف الغفلة .

وسيأتي لمعنى الإسراف زيادة بيان في " الأنعام " إن شاء الله تعالى .

" وبدارا " معناه : ومبادرة كبرهم ، وهو حال البلوغ .والبدار والمبادرة كالقتال والمقاتلة .

وهو معطوف على إسرافا .

و أن يكبروا في موضع نصب ب بدارا ، أي لا تستغنم مال محجورك فتأكله وتقول أبادر كبره لئلا يرشد ويأخذ ماله ؛ عن ابن عباس وغيره .الثانية عشرة : قوله تعالى : ومن كان غنيا فليستعفف الآية .

بين الله تعالى ما يحل لهم من أموالهم ؛ فأمر الغني بالإمساك وأباح للوصي الفقير أن يأكل من مال وليه بالمعروف .

يقال : عف الرجل عن الشيء واستعف إذا أمسك .

والاستعفاف عن الشيء تركه .

ومنه قوله تعالى : وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا .والعفة : الامتناع عما لا يحل ولا يجب فعله .

روى أبو داود من حديث حسين المعلم ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني فقير ليس لي شيء ولي يتيم .

قال : فقال : كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل .الثالثة عشرة : واختلف العلماء من المخاطب والمراد بهذه الآية ؟

ففي صحيح مسلم ، عن عائشة في قوله تعالى : ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف قالت : نزلت في ولي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه إذا كان محتاجا جاز أن يأكل منه .

في رواية : بقدر ماله بالمعروف .[ ص: 38 ] وقال بعضهم : المراد اليتيم إن كان غنيا وسع عليه وأعف عن ماله ، وإن كان فقيرا أنفق عليه بقدره ؛ قال ربيعة ويحيى بن سعيد .

والأول قول الجمهور وهو الصحيح ؛ لأن اليتيم لا يخاطب بالتصرف في ماله لصغره ولسفهه .

والله أعلم .الرابعة عشرة : واختلف الجمهور في الأكل بالمعروف ما هو ؟

فقال قوم : ( هو القرض إذا احتاج ويقضي إذا أيسر ) ؛ قاله عمر بن الخطاب وابن عباس وعبيدة وابن جبير والشعبي ومجاهد وأبو العالية ، وهو قول الأوزاعي .

ولا يستسلف أكثر من حاجته .

قال عمر : ( ألا إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة الولي من مال اليتيم ، إن استغنيت استعففت ، وإن افتقرت أكلت بالمعروف ؛ فإذا أيسرت قضيت ) .

روى عبد الله بن المبارك ، عن عاصم ، عن أبي العالية ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف قال : قرضا - ثم تلا فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم .وقول ثان - روي عن إبراهيم وعطاء والحسن البصري والنخعي وقتادة : لا قضاء على الوصي الفقير فيما يأكل بالمعروف ؛ لأن ذلك حق النظر ، وعليه الفقهاء .

قال الحسن : هو طعمة من الله له ؛ وذلك أنه يأكل ما يسد جوعته ، ويكتسي ما يستر عورته ، ولا يلبس الرفيع من الكتان ولا الحلل .

والدليل على صحة هذا القول إجماع الأمة على أن الإمام الناظر للمسلمين لا يجب عليه غرم ما أكل بالمعروف ؛ لأن الله تعالى قد فرض سهمه في مال الله .

فلا حجة لهم في قول عمر : ( فإذا أيسرت قضيت ) - أن لو صح .

وقد روي عن ابن عباس وأبي العالية والشعبي أن ( الأكل بالمعروف هو كالانتفاع بألبان المواشي ، واستخدام العبيد ، وركوب الدواب إذا لم يضر بأصل المال ؛ كما يهنأ الجرباء ، وينشد الضالة ، ويلوط الحوض ، ويجذ التمر .

فأما أعيان الأموال وأصولها فليس للوصي أخذها ) .

وهذا كله يخرج مع قول الفقهاء : إنه يأخذ بقدر أجر عمله ؛ وقالت به طائفة وأن ذلك هو المعروف ، ولا قضاء عليه ، والزيادة على ذلك محرمة .وفرق الحسن بن صالح بن حي - ويقال ابن حيان - بين وصي الأب والحاكم ؛ فلوصي الأب أن يأكل بالمعروف ، وأما وصي الحاكم فلا سبيل له إلى المال بوجه ؛ وهو القول الثالث .وقول رابع روي عن مجاهد قال : ليس له أن يأخذ قرضا ولا غيره .

وذهب إلى أن الآية منسوخة ، نسخها قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم وهذا ليس بتجارة .

وقال زيد بن أسلم : إن الرخصة في هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية .

وحكى بشر بن [ ص: 39 ] الوليد ، عن ابن يوسف ، قال : لا أدري ، لعل هذه الآية منسوخة بقوله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم .وقول خامس - وهو الفرق بين الحضر والسفر ؛ فيمنع إذا كان مقيما معه في المصر .

فإذا احتاج أن يسافر من أجله فله أن يأخذ ما يحتاج إليه ، ولا يقتني شيئا ؛ قاله أبو حنيفة وصاحباه أبو يوسف ومحمد .وقول سادس - قال أبو قلابة : فليأكل بالمعروف مما يجني من الغلة ؛ فأما المال الناض فليس له أن يأخذ منه شيئا قرضا ولا غيره .وقول سابع - روى عكرمة ، عن ابن عباس ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف قال : ( إذا احتاج واضطر ) .

وقال الشعبي : كذلك إذا كان منه بمنزلة الدم ولحم الخنزير أخذ منه ؛ فإن وجد أوفى .

قال النحاس : وهذا لا معنى له لأنه إذا اضطر هذا الاضطرار كان له أخذ ما يقيمه من مال يتيمه أو غيره من قريب أو بعيد .

وقال ابن عباس أيضا والنخعي : ( المراد أن يأكل الوصي بالمعروف من مال نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم ؛ فيستعفف الغني بغناه ، والفقير يقتر على نفسه حتى لا يحتاج إلى مال يتيمه ) .

قال النحاس : وهذا من أحسن ما روي في تفسير الآية ؛ لأن أموال الناس محظورة لا يطلق شيء منها إلا بحجة قاطعة .قلت : وقد اختار هذا القول الكيا الطبري في أحكام القرآن له ؛ فقال : " توهم متوهمون من السلف بحكم الآية أن للوصي أن يأكل من مال الصبي قدرا لا ينتهي إلى حد السرف ، وذلك خلاف ما أمر الله تعالى به من قوله : - لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا يتحقق ذلك في مال اليتيم .

فقوله : ومن كان غنيا فليستعفف يرجع إلى أكل مال نفسه دون مال اليتيم .

فمعناه ولا تأكلوا أموال اليتيم مع أموالكم ، بل اقتصروا على أكل أموالكم .

وقد دل عليه قوله تعالى : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا وبان بقوله تعالى : ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف الاقتصار على البلغة ، حتى لا يحتاج إلى أكل مال اليتيم ؛ فهذا تمام معنى الآية .

فقد وجدنا آيات محكمات تمنع أكل مال الغير دون رضاه ، سيما في حق اليتيم .

وقد وجدنا هذه الآية محتملة للمعاني ، فحملها على موجب الآيات المحكمات متعين .

فإن قال من ينصر مذهب السلف : إن القضاة يأخذون أرزاقهم لأجل عملهم للمسلمين ، فهلا كان الوصي كذلك إذا عمل لليتيم ، ولم لا يأخذ الأجرة بقدر عمله ؟

قيل له : اعلم أن أحدا من [ ص: 40 ] السلف لم يجوز للوصي أن يأخذ من مال الصبي مع غنى الوصي ، بخلاف القاضي ؛ فذلك فارق بين المسألتين .

وأيضا فالذي يأخذه الفقهاء والقضاة والخلفاء القائمون بأمور الإسلام لا يتعين له مالك .

وقد جعل الله ذلك المال الضائع لأصناف بأوصاف ، والقضاة من جملتهم ، والوصي إنما يأخذ بعمله مال شخص معين من غير رضاه ؛ وعمله مجهول وأجرته مجهولة وذلك بعيد عن الاستحقاق .قلت : وكان شيخنا الإمام أبو العباس يقول : إن كان مال اليتيم كثيرا يحتاج إلى كبير قيام عليه بحيث يشغل الولي عن حاجاته ومهماته فرض له فيه أجر عمله ، وإن كان تافها لا يشغله عن حاجاته فلا يأكل منه شيئا ؛ غير أنه يستحب له شرب قليل اللبن وأكل القليل من الطعام والسمن ، غير مضر به ولا مستكثر له ، بل على ما جرت العادة بالمسامحة فيه .

قال شيخنا : وما ذكرته من الأجرة ، ونيل اليسير من التمر واللبن كل واحد منهما معروف ؛ فصلح حمل الآية على ذلك .

والله أعلم .قلت : والاحتراز عنه أفضل ، إن شاء الله .وأما ما يأخذه قاضي القسمة ويسميه رسما ونهب أتباعه فلا أدري له وجها ولا حلا ، وهم داخلون في عموم قوله تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا .الخامسة عشرة : قوله تعالى : فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم أمر الله تعالى بالإشهاد تنبيها على التحصين وزوالا للتهم .

وهذا الإشهاد مستحب عند طائفة من العلماء ؛ فإن القول قول الوصي ؛ لأنه أمين .

وقالت طائفة : هو فرض ؛ وهو ظاهر الآية ، وليس بأمين فيقبل قوله ، كالوكيل إذا زعم أنه قد رد ما دفع إليه أو المودع ، وإنما هو أمين للأب ، ومتى ائتمنه الأب لا يقبل قوله على غيره .

ألا ترى أن الوكيل لو ادعى أنه قد دفع لزيد ما أمره به بعدالته لم يقبل قوله إلا ببينة ؛ فكذلك الوصي .

ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن جبير أن هذا الإشهاد إنما هو على دفع الوصي في يسره ما استقرضه من مال يتيمه حالة فقره .

قال عبيدة : هذه الآية دليل على وجوب القضاء على من أكل ؛ المعنى : فإذا اقترضتم أو أكلتم فأشهدوا إذا غرمتم .

والصحيح أن اللفظ يعم هذا وسواه .

والظاهر أن المراد إذا أنفقتم شيئا على المولى عليه فأشهدوا ، حتى ولو وقع خلاف أمكن إقامة البينة ؛ فإن كل مال قبض على وجه [ ص: 41 ] الأمانة بإشهاد لا يبرأ منه إلا بالإشهاد على دفعه ، لقوله تعالى : فأشهدوا فإذا دفع لمن دفع إليه بغير إشهاد فلا يحتاج في دفعها لإشهاد إن كان قبضها بغير إشهاد .

والله أعلم .السادسة عشرة : قوله تعالى : كما على الوصي والكفيل حفظ مال يتيمه والتثمير له ، كذلك عليه حفظ الصبي في بدنه .

فالمال يحفظه بضبطه ، والبدن يحفظه بأدبه .

وقد مضى هذا المعنى في " البقرة " .

وروي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن في حجري يتيما أآكل من ماله ؟

قال : نعم غير متأثل مالا ولا واق مالك بماله .

قال : يا رسول الله ، أفأضربه ؟

قال : ما كنت ضاربا منه ولدك .

قال ابن العربي : وإن لم يثبت مسندا فليس يجد أحد عنه ملتحدا .السابعة عشرة : قوله تعالى : وكفى بالله حسيبا أي كفى الله حاسبا لأعمالكم ومجازيا بها .

ففي هذا وعيد لكل جاحد حق .

والباء زائدة ، وهو في موضع رفع .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

الابتلاء: هو الاختبار والامتحان، وذلك بأن يدفع لليتيم المقارب للرشد، الممكن رشده، شيئا من ماله، ويتصرف فيه التصرف اللائق بحاله، فيتبين بذلك رشده من سفهه، فإن استمر غير محسن للتصرف لم يدفع إليه ماله، بل هو باق على سفهه، ولو بلغ عمرا كثيرا.

فإن تبين رشده وصلاحه في ماله وبلغ النكاح { فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } كاملة موفرة.

{ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا } أي: مجاوزة للحد الحلال الذي أباحه الله لكم من أموالكم، إلى الحرام الذي حرمه الله عليكم من أموالهم.

{ وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا } أي: ولا تأكلوها في حال صغرهم التي لا يمكنهم فيها أخذها منكم، ولا منعكم من أكلها، تبادرون بذلك أن يكبروا، فيأخذوها منكم ويمنعوكم منها.

وهذا من الأمور الواقعة من كثير من الأولياء، الذين ليس عندهم خوف من الله، ولا رحمة ومحبة للمولى عليهم، يرون هذه الحال حال فرصة فيغتنمونها ويتعجلون ما حرم الله عليهم، فنهى الله تعالى عن هذه الحالة بخصوصها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وابتلوا اليتامى ) الآية نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه ، وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه ثابتا وهو صغير ، فجاء عمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : إن ابن أخي يتيم في حجري ، فما يحل لي من ماله ومتى أدفع إليه ماله؟

فأنزل الله تعالى هذه الآية ( وابتلوا اليتامى ) اختبروهم في عقولهم وأديانهم وحفظهم أموالهم ، ( حتى إذا بلغوا النكاح ) أي : مبلغ الرجال والنساء ، ( فإن آنستم ) أبصرتم ، ( منهم رشدا ) فقال المفسرون يعني : عقلا وصلاحا في الدين وحفظا للمال وعلما بما يصلحه .

وقال سعيد بن جبير ومجاهد والشعبي : لا يدفع إليه ماله وإن كان شيخا حتى يؤنس منه رشده .

والابتلاء يختلف باختلاف أحوالهم فإن كان ممن يتصرف في السوق فيدفع الولي إليه شيئا يسيرا من المال وينظر في تصرفه وإن كان ممن لا يتصرف في السوق فيتخبره في نفقة داره ، والإنفاق على عبيده وأجرائه ، وتختبر المرأة في أمر بيتها وحفظ متاعها وغزلها واستغزالها ، فإذا رأى حسن تدبيره ، وتصرفه في الأمور مرارا =يغلب على القلب رشده ، دفع المال إليه .

واعلم أن الله تعالى علق زوال الحجر عن الصغير وجواز دفع المال إليه بشيئين : بالبلوغ والرشد ، فالبلوغ يكون بأحد ( أشياء أربعة ) ، اثنان يشترك فيهما الرجال والنساء ، واثنان تختصان بالنساء : فما يشترك فيه الرجال والنساء أحدهما السن ، والثاني الاحتلام ، أما السن فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنة حكم ببلوغه غلاما كان أو جارية ، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة ، فردني ، ثم عرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني ، قال نافع : فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز ، فقال : هذا فرق بين المقاتلة والذرية ، وكتب أن يفرض لابن خمس عشرة سنة في المقاتلة ، ومن لم يبلغها في الذرية .

وهذا قول أكثر أهل العلم .

وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : بلوغ الجارية باستكمال سبع عشرة ، وبلوغ الغلام باستكمال ثماني عشرة سنة .

وأما الاحتلام فنعني به نزول المني سواء كان بالاحتلام أو بالجماع ، أو غيرهما ، فإذا وجدت ذلك بعد استكمال تسع سنين من أيهما كان حكم ببلوغه ، لقوله تعالى : ( وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ في الجزية حين بعثه إلى اليمن : " خذ من كل حالم دينارا " .

وأما الإنبات ، وهو نبات الشعر الخشن حول الفرج : فهو بلوغ في أولاد المشركين ، لما روي عن عطية القرظي قال : كنت من سبي قريظة ، فكانوا ينظرون فمن =أنبت الشعر قتل ، ومن لم ينبت لم يقتل ، فكنت ممن لم ينبت .

وهل يكون ذلك بلوغا في أولاد المسلمين؟

فيه قولان ، أحدهما : يكون بلوغا كما في أولاد الكفار ، والثاني : لا يكون بلوغا لأنه يمكن الوقوف على مواليد المسلمين بالرجوع إلى آبائهم ، وفي الكفار لا يوقف على مواليدهم ، ولا يقبل قول آبائهم فيه لكفرهم ، فجعل الإنبات الذي هو أمارة البلوغ بلوغا في حقهم .

وأما ما يختص بالنساء : فالحيض والحبل ، فإذا حاضت المرأة بعد استكمال تسع سنين يحكم ببلوغها ، وكذلك إذا ولدت يحكم ببلوغها قبل الوضع بستة أشهر لأنها أقل مدة الحمل .

وأما الرشد : فهو أن يكون مصلحا في دينه وماله ، فالصلاح في الدين هو أن يكون مجتنبا عن الفواحش والمعاصي التي تسقط العدالة ، والصلاح في المال هو أن لا يكون مبذرا ، والتبذير : هو أن ينفق ماله فيما لا يكون فيه محمدة دنيوية ولا مثوبة أخروية ، أو لا يحسن التصرف فيها ، فيغبن في البيوع فإذا بلغ الصبي وهو مفسد في دينه وغير مصلح لماله ، دام الحجر عليه ، ولا يدفع إليه ماله ولا ينفذ تصرفه .

وعند أبي حنيفة رضي الله عنه إذا كان مصلحا لماله زال الحجر عنه وإن كان مفسدا في دينه ، وإذا كان مفسدا لماله قال : لا يدفع إليه المال حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة ، غير أن تصرفه يكون نافذا قبله .

والقرآن حجة لمن استدام الحجر عليه ، لأن الله تعالى قال : ( حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ) أمر بدفع المال إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد ، والفاسق لا يكون رشيدا وبعد بلوغه خمسا وعشرين سنة ، وهو مفسد لماله بالاتفاق غير رشيد ، فوجب أن لا يجوز دفع المال إليه كما قبل بلوغ هذا السن .

وإذا بلغ وأونس منه الرشد ، زال الحجر عنه ، ودفع إليه المال رجلا كان أو امرأة تزوج أو لم يتزوج .

وعند مالك رحمه الله تعالى : إن كانت امرأة لا يدفع المال إليها ما لم تتزوج ، فإذا تزوجت دفع إليها ، ولكن لا ينفذ تصرفها إلا بإذن الزوج ، ما لم تكبر وتجرب .

فإذا بلغ الصبي رشيدا وزال الحجر عنه ثم عاد سفيها ، نظر : فإن عاد مبذرا لماله حجر عليه ، وإن عاد مفسدا في دينه فعلى وجهين : أحدهما : يعاد الحجر عليه كما يستدام الحجر عليه إذا بلغ بهذه الصفة ، والثاني : لا يعاد لأن حكم الدوام أقوى من حكم الابتداء .

وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى : لا حجر على الحر العاقل البالغ بحال ، والدليل على إثبات الحجر من اتفاق الصحابة رضي الله عنهم ما روي عن هشام بن عروة عن أبيه أن عبد الله بن جعفر ابتاع أرضا سبخة بستين ألف درهم ، فقال علي : لآتين عثمان فلأحجرن عليك فأتى ابن جعفر الزبير فأعلمه بذلك [ فقال الزبير : أنا شريكك في بيعتك ، فأتى علي عثمان وقال : احجر على هذا ] ، فقال الزبير : أنا شريكه ، فقال عثمان : كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير ، فكان ذلك اتفاقا منهم على جواز الحجر حتى احتال الزبير في دفعه .

قوله تعالى : ( ولا تأكلوها ) يا معشر الأولياء ( إسرافا ) بغير حق ، ( وبدارا ) أي مبادرة ( أن يكبروا ) ( أن ) في محل النصب ، يعني : لا تبادروا كبرهم ورشدهم حذرا من أن يبلغوا فيلزمكم تسليمها إليهم ، ثم بين ما يحل لهم من مالهم فقال : ( ومن كان غنيا فليستعفف ) أي ليمتنع من مال اليتيم فلا يرزأه قليلا ولا كثيرا ، والعفة : الامتناع مما لا يحل ( ومن كان فقيرا ) محتاجا إلى مال اليتيم وهو يحفظه ويتعهده فليأكل بالمعروف .

أخبرنا محمد بن الحسن المروزي ، أخبرنا أبو سهل محمد بن عمر السجزي ، أخبرنا الإمام أبو سليمان الخطابي ، أخبرنا أبو بكر بن داسة التمار ، أخبرنا أبو داؤد السجستاني ، أخبرنا حميد بن مسعدة ، أن خالد بن الحارث حدثهم أخبرنا حسين يعني المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني فقير وليس لي شيء ولي يتيم؟

فقال : " كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل " .

واختلفوا في أنه هل يلزمه القضاء؟

فذهب بعضهم إلى أنه يقضي إذا أيسر ، وهو المراد من قوله ( فليأكل بالمعروف ) فالمعروف القرض ، أي : يستقرض من مال اليتيم إذا احتاج إليه ، فإذا أيسر قضاه ، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير ، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إني أنزلت نفسي من مال الله تعالى بمنزلة مال اليتيم : إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف ، فإذا أيسرت قضيت .

وقال الشعبي : لا يأكله إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة .

وقال قوم : لا قضاء عليه .

ثم اختلفوا في كيفية هذا الأكل بالمعروف ، فقال عطاء وعكرمة : يأكل بأطراف أصابعه ، ولا يسرف ولا يكتسي منه ، ولا يلبس الكتان ولا الحلل ، ولكن ما سد الجوعة ووارى العورة .

وقال الحسن وجماعة : يأكل من ثمر نخيله ولبن مواشيه بالمعروف ولا قضاء عليه ، فأما الذهب والفضة فلا؛ فإن أخذ شيئا منه رده .

وقال الكلبي : المعروف ركوب الدابة وخدمة الخادم ، وليس له أن يأكل من ماله شيئا .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، أنه قال سمعت القاسم بن محمد يقول : جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن لي يتيما وإن له إبلا أفأشرب من لبن إبله؟

فقال : إن كنت تبغي ضالة إبله وتهنأ جرباها وتليط حوضها وتسقيها يوم وردها فاشرب غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب .

وقال بعضهم : والمعروف أن يأخذ من جميع ماله بقدر قيامه وأجرة عمله ، ولا قضاء عليه ، وهو قول عائشة وجماعة من أهل العلم .

قوله تعالى : ( فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ) هذا أمر إرشاد ، ليس بواجب ، أمر الولي بالإشهاد على دفع المال إلى اليتيم بعدما بلغ لتزول عنه التهمة وتنقطع الخصومة ، ( وكفى بالله حسيبا ) محاسبا ومجازيا وشاهدا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وابتلوا» اختبروا «اليتامى» قبل البلوغ في دينهم وتصرفهم في أحوالهم «حتى إذا بلغوا النكاح» أي صاروا أهلا له بالاحتلام أو السن وهو استكمال خمس عشرة سنة عند الشافعي «فإن آنستم» أبصرتم «منهم رشدا» صلاحا في دينهم ومالهم «فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها» أيها الأولياء «إسرافا» بغير حق حال «وبدارا» أي مبادرين إلى إنفاقها مخافة «أن يكبروا» رشداء فيلزمكم تسليمها إليهم «ومن كان» من الأولياء «غنيا فليستعفف» أي يعف عن مال اليتيم ويمتنع من أكله «ومن كان فقيرا فليأكل» منه «بالمعروف» بقدر أجرة عمله «فإذا دفعتم إليهم» أي إلى اليتامى «أموالهم فأشهدوا عليهم» أنهم تسلموها وبرئتم لئلا يقع اختلاف فترجعوا إلى البينة وهذا أمر إرشاد «وكفى بالله» الياء زائدة «حسيبا» حافظا لأعمال خلقه ومحاسبهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واختبروا مَن تحت أيديكم من اليتامى لمعرفة قدرتهم على حسن التصرف في أموالهم، حتى إذا وصلوا إلى سن البلوغ، وعَلمتم منهم صلاحًا في دينهم، وقدرة على حفظ أموالهم، فسلِّموها لهم، ولا تعتدوا عليها بإنفاقها في غير موضعها إسرافًا ومبادرة لأكلها قبل أن يأخذوها منكم.

ومَن كان صاحب مال منكم فليستعفف بغناه، ولا يأخذ من مال اليتيم شيئًا، ومن كان فقيرًا فليأخذ بقدر حاجته عند الضرورة.

فإذا علمتم أنهم قادرون على حفظ أموالهم بعد بلوغهم الحُلُم وسلمتموها إليهم، فأَشْهِدوا عليهم؛ ضمانًا لوصول حقهم كاملا إليهم؛ لئلا ينكروا ذلك.

ويكفيكم أن الله شاهد عليكم، ومحاسب لكم على ما فعلتم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - الوقت الذى يتم فيه تسليم أموال اليتامى إليهم ، وكيف تجب حياطتهم والعناية بهم وبأموالهم فقال - تعالى - : ( وابتلوا اليتامى .

.

.

) .وقوله - تعالى - ( وابتلوا ) من الابتلاء بمعنى الاختبار والامتحان .والخطاب للأولياء والأوصياء وكل من له صلة باليتامى .والمراد ببلوغ النكاح هنا : بلوغ الحكم المذكور في قوله - تعالى - : ( وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم فَلْيَسْتَأْذِنُواْ ) وقوله ( آنَسْتُمْ ) أى تبينتم وشاهدتم وأحسستم .قال القرطبي : ( آنَسْتُمْ ) أى أبصرتم ورأيتم ومنه قوله - تعالى - : ( فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً ) أى أبصر ورأى .

وتقول العرب : اذهب فاستأنس هل ترى أحدا .

معناه : تبصر .

وقيل : آنست وأحسست ووجدت بمعنى واحد .والمعنى : عليكم أيها الأولياء والأوصياء أن تختبروا اليتامى ، وذلك بتتبع أحوالهم في الاهتداء إلى ضبط الأمور ، وحسن التصرف في الأموال وبتمرينهم على ما يليق بأحوالهم حتى لا يجيء وقت بلوغهم إلا وقد صاروا فى قدرتهم أن يصرفوا أموالهم تصريفاً حسناً .

فإن شاهدتم وأحسستم منهم ( رُشْداً ) أى صلاحا في عقولهم ، وحفظا لأموالهم ، فادفعوها إليهم من غير تأخير أو مماطلة .و ( حتى ) هنا لغاية ، وهى داخلة على الجملة ، فهى تبين نهاية الصغر ، والجملة التي دخلت عليها ظرفية فى معنى الشرط .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف نظم الكلام؟

قلت : ما بعد ( حتى ) إلى قوله : ( فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ) جعل غاية للابتلاء ، وهى ( حتى ) التى تقع بعدها الجمل .

والجملة الواقعة بعدها جملة شرطية ، لأن إذا متضمنة معنى الشرط .

وفعل الشرط ( بَلَغُواْ النِّكَاحَ ) وقوله ( فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ) جملة من شرط وجزاء واقعة جواباً للشرط الأول الذى هو إذا بلغوا النكاح .

فكأنه قيل : وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم ، فاستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم .فإن قلت : فما معنى تنكير الرشد؟

قلت : معناه نوعا من الرشد وهو الرشد في التصرف والتجارة .

أو طرفا من الرشد ومخيلة من مخايلة حتى لا ينتظر به تمام الرشد .ثم نهى - سبحانه - والأوصياء وغيرهم من الطمع فى شئ من مال اليتامى فقال - تعالى - :( وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ ) .أى : ادفعوا أيها الأولياء والأوصياء إلى اليتامى أموالهم من غير تأخير عن حد البلوغ ، ولا تأكلوها مسرفين فى الأكل ومبادرين بالأخذ خشية أن يكبروا ، بأن تفرطوا فى إنفاقها وتقولوا : ننفقها كما تريد قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا .والإِسراف فى الأصل - كما يقول الآلوسى - تجاوز الحد المباح إلى ما لم يبح .

وربما كان ذلك في الإفراط وربما كان في التقصير .

غير أنه إذا كان فى الإفراط منه يقال : أسرف يسرف إسرافاً .

وإذا كان في التقصير يقال : سرف يسرف سرفا .وقوله ( وَبِدَاراً ) مفاعلة من البدر وهو العجلة الى الشئ والمسارعة إليه .

وهما - أى قوله ( إِسْرَافاً وَبِدَاراً ) منصوبان على الحال من الفاعل فى قوله ( تَأْكُلُوهَآ ) أى : ولا تأكلوها مسرفين ومبادرين كبرهم .أو منصوبان على أنهما مفعول لأجله ، أى ولا تأكلوها لإِسرافكم ومبادرتكم كبرهم .والمراد من هذه الجملة الكريمة بيان أشنع الأحوال التى تقع من الأوصياء أو الأولياء وهى أن يأكلوا أموال اليتامى بإسراف وتعجل مخافة أن يبلغ الأيتام رشدهم ، فتؤخذ من أولئك الأوصياء تلك الأموال لترد : إلى أصحابها وهم اليتامى بعد أن يبلغوا سن الرشد .ثم بين - سبحانه - ما ينبغى على الوصى إن كان غنيا وما ينبغى له إن كان فقيراً فقال :( وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ) .والاستعفاف عن الشئ تركه .

يقال : عف الرجل عن الشئ واستعف إذا أمسك عنه .

والعفة : الامتناع عما لا يحل .أى : ومن كان من الأولياء أو الأوصياء على أموال اليتامى غنيا فليستعفف أي فليتنزه عن أكل مال اليتيم ، وليقنع بما أعطاه الله من رزق وفير إشفاقا على مال اليتيم .

ومن كان فقيراً من هؤلاء الأوصياء فليأكل بالمعروف .

بأن يأخذ من مال اليتيم على قدر حاجته الضرورية وأجر سعيه وخدمته له .

فقد روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنى فقير ليس لى شئ ولى يتيم .

قال فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل .

أي غير مسرف في الأخذ ، ولا مبادر أى متعجل ، ولا جامع منه ما يتجاوز حاجتك .

"ثم بين - سبحانه - ما ينبغى على الأوصياء عند انتهاء وصايتهم على اليتامى وعند دفع أموالهم إليهم فقال : ( فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وكفى بالله حَسِيباً ) .

أى : فإذا أردتم أيها الأولياء أن تدفعوا إلى التيامى أموالهم التى تحت أيديكم بعد البلوغ والرشد ، فاشهدوا عليهم عند الدفع بأنهم قبضوها وبرئت عنها ذممكم ، لأن هذا الإِشهاد أبعد عن التهمة ، وأنفى للخصومة ، وأدخل في الأمانة وبراءة الساحة .وقوله - تعالى - ( وكفى بالله حَسِيباً ) أى كفى بالله محاسبا لكم على أعمالكم وشاهدا عليكم فى أقوالكم وأفعالكم ، ومجازيا إياكم بما تستحقون من خير أو شر ، لأنه - سبحانه - لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء .

وإنكم إن أفلتم من حساب الناس في الدنيا فلن تفلتوا من حساب الله الذى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، فعليكم أن تتحروا الحلال في كل تصرفاتكم .

ففى هذا التذييل وعيد شديد لكل جاحد لحق غيره ، ولكل معتد على اموال الناس وحقوقهم ، ولا سيما اليتامى الذين فقدوا الناصر والمعين .هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة جملة من الأحكام منها :1- أن على الأوصياء أن يختبروا اليتامى بتتبع أحوالهم فى الاهتداء إلى ضبط الأموال وحسن التصرف فيها ، وأن يمرنوهم على ذلك بحسب ما يليق بأحوالهم .ويرى جمهور العلماء أن هذا الاختبار يكون قبل البلوغ .

ويرى بعضهم أن هذا الاختبار يكون بعد البلوغ .وقد قال القرطبى فى بيان كيفية هذا الاختبار ما ملخصه : لا بأس فى أن يدفع الولى إلى اليتيم شيئا من ماله يبيح له التصرف فيه ، فإن نماه وحسن النظر فيه فقد وقع الاختبار ، ووجب على الوصى تسليم جميع ماله إليه - أى بعد بلوغه - وإن أساء النظر وجب عليه إمساك المال عنه .

.وقال جماعة من الفقهاء : الصغير لا يخلو من أن يكون غلاما او جارية ، فإن كان غلاما رد النظر إليه في نفقة الدار شهرا ، وأعطاه شيئا نزرا ليتصرف فيه؛ ليعرف كيف تدبيره وتصرفه ، وهو مع ذلك يراعيه لئلا يتلفه ، فإذا رآه متوخيا الإصلاح سلم إليه مال عند البلوغ وأشد عليه .وإن كان جارية رد إليها ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها والنظر فيه فإن رآها رشيدة سلم إليها مالها وأشد عليها وإلا بقيا تحت الحجر .وقد بنى الإِمام أو بحنيفة على هذا الاخبار أن تصرفات الصبى العاقل المميز بإذن المولى صحيحة ، لأن ذلك الاختبار إنما يحصل إذا أذن له الولى في البيع والشراء - مثلا - وهذا يقتضى صحة تصرفاته .ويرى الإِمام الشافعى أن الاختبار لا يقتضى الإِذن فى التصرف ولا يتوقف عليه ، بل يكون الاختبار بدون التصرف على حسب ما يليق بحال الصبى فابن التاجر - مثلا - يختبر فى البيع والشراء إلى حيث يتوقف الأمر على العقد وحينئذ يعقد الولى إن أراد .2- كذلك أخذ العلماء من هذه الآية أن الأوصياء لا يدفعون أموال اليتامى إليهم إلا بتحقيق أمرين :أحدهما : بلوغ النكاح .والثانى : إيناس الرشد .والمراد ببلوغ النكاح بلوغ وقته وهو التزوج ، وهو كناية عن الخروج من حالة الصبا للذكر والأنثى ، بأن توجد المظاهر التى تدل على الرجولة في الغلام ، والتى تدل على مبلغ بلوغ النساء فى الفتاة ، وذلك يكون بالاحتلام أو بالحيض بالنسبة للفتاة أو بلوغ سن معينة قدرها بعضهم بخمس عشرة سنة بالنسبة للذكر والأنثى على السواء .وقدرها أبو حنيفة بسبع عشرة سنة بالنسبة للفتاة ، وبثمانى عشرة سنة بالنسبة للفتى .

ومن بلاغة القرآن الكريم أنه عبر عن حالة البلوغ بقوله : ( حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ ) لأن هذا الوقت يختلف باختلاف البلاد في الحرارة والبرودة ، وباختلاف أمزجة أهل البلد الواحد فى القوة والضعف ، والصحة والمرض .والمراد بإيناس الرشد : أن يتبين الأولياء من اليتامى الصلاح في العقل والخلق والتصرف فى الأموال .ويرى جمهور العلماء أن اليتيم لا يدفع إليه ماله مهما بلغت سنة ما لم يؤنس منهم الرشد لأن الله - تعالى - يقول :( وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء أَمْوَالَكُمُ التي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَاماً ) ويقول : ( فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ) ومعنى ذلك أنه إذا لم يؤنس منهم الرشد لا تدفع إليهم أموالهم ، بل يستمرون تحت ولاية الأولياء عليهم لأنهم ما زالوا سفهاء لم يتبين رشدهم .وقد خالف الإِمام أبو حنيفة جمهور الفقهاء فقال .

لا يدفع إلى اليتيم ماله إذا بلغ ولم يؤنس منه الرشد حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة ، فإذا بلغها عاقلا ولو غير رشيد فليس لأحد عليه سبيل ، ويجب أن يدفع الوصى إليه ماله ولو كان فاسقا أو مبذرا .قالوا : وإنما اختبار أبو حنيفة هذه السن لأن مدة بلوغ الذكر عنده ثمانى عشر سنة ، فإذا زيد عليها سبع سنين - وهى مدة معتبرة في تغير أحوال الإِنسان - فعند ذلك يدفع إليه ماله أونس منه الرشد أو لم يؤنس ، لأن اسم الرشد واقع على العقل في الجملة ، والله - تعالى - شرط رشدا منكرا ولم يشترط سائر ضروب الرشد ، فاقتضى ظاهر الآية أنه لما حصل العقل فقد حصل ما هو الشرط المذكور في هذه الآية .3- كذلك أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة الوصى على اليتيم إذا كان غنيا فعليه أن يتحرى العفاف .

وألا يأخذ شيئا من مال اليتيم ، لأن أخذه مع غناه يتنافى مع العفاف الذى يجب أن يتحلى به الأوصياء ، ويعتبر من باب الطمع في مال اليتيم .أما إذا كان الوصى فقيراً فقد أذن الله له أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف أي بالقدر الذى تقتضيه حاجته الضرورية ، ولا يستنكره الشرع ولا العقل .وقد بسط الإِمام الرازى القول فى هذه المسألة فقال ما ملخصه : العلماء فى أن الوصى هل له أن ينتفع بمال اليتيم أولا؟فمنهم من يرى أن للوصى أن يأخذ من مال اليتيم بقدر أجر عمله؛ لأن قوله - تعالى - ( وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً ) مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة .

ولأن قوله - تعالى - ( إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً ) يدل على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم ، ولو لم يكن ذلك لم يكن لقوله ( إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً ) فائدة .

فهذا يدل على أن للوصى المحتاج أن ياكل من ماله بالمعروف .

ولن الوصى لما تكفل بإصلاح مهمات الصبى وجب أن يتمكن من أن يأكل من ماله بقدر عمله قياسا على الساعى فى أخذ الصدقات وجمعها؛ فإن يضرب له فى تلك الصدقات بسهم فكذا ههنا .ومنهم من يرى أن له يأخذ بقدر ما يحتاج إليه من مال اليتيم قرضا ، ثم إذا أيسر قضاه ، وإن مات ولم يقدر على القضاء بأن كان معسرا فلا شئ عليه .ويشهد لهذا الرأى قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : إنى أنزلت نفسى من هذا المال منزلة والى اليتيم .إن استغنيت استعففت .

وإن احتجبت استقرضت .

فإذا ايسرت فضيت .4- كذلك من الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية أن على الأوصياء عندما يدفعون أموال اليتامى إليهم أن يشهدوا على دفعها ، منعا للخصومات والمنازعات ، وإبراء لذمة الأوصياء ولكى يكون اليتامى على بينة من أمرهم .وقد اختلف العلماء في أن الوصى إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع إليه ماله هل يصدق؟

وكذلك إذا قال : أنفقت عليه فى صغره هل يصدق؟أما الشافعية والمالكية والحنابلة فيرون أنه لا يصدق؛ لأن الآية الكريمة تقول : ( فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ ) وقوله ( فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ ) أمر .

وظاهر الأمر أنه للوجوب .

وليس معنى الوجوب هنا أنه يأثم إذا لم يشهد .

بل معناه أن الاشهاد لا بد منه فى براءة ذمته بأن يدفع له ماله أمام رجلين أو رجل وامرأتين حتى إذا دفع المال ولم يشهد ثم طالبه اليتيم فحينئذ يكون القول ما قاله اليتيم بعد أن يقسم على أن الوصى لم يدفع إليه ماله .ويرى الإِمام أبو حنيفة أن الأمر فى قوله - قوله - ( فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ ) للندب .

وأن الوصى إذا ادعى ذلك يصدق ويكتفى فى تصديقه بيمينه؛ لأنه أمين لم تعرف خيانته ، إذ لو عرفت خيانته لعزل .

والأمين يصدق باليمين إذا كان هناك خلاف بينه وبين من ائتمنه .

ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك ( وكفى بالله حَسِيباً ) يؤيد أن البينة ليست لازمة؛ إذ معناه أنه لا شاهد أفضل من الله - تعالى - فيما بينكم وبينهم .ثم شرع - سبحانه - فى بيان أحكام المواريث بعد أن بين الأحكام التى تتعلق بأموال اليتامى فساق - قاعدة عامة لأصل التوريث فى الإسلام هى أن الرجال لا يختصون بالميراث ، بل للنساء معهم حظ مقسوم ، ونصيب مفروض ، سواء أكان الشئ الموروث قليلا أم كثيرا فقال تعالى : ( لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ .

.

.

) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما أمر من قبل بدفع مال اليتيم اليه بقوله: ﴿ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم  ﴾ بين بهذه الآية متى يؤتيهم أموالهم، فذكر هذه الآية وشرط في دفع أموالهم اليهم شرطين: أحدهما: بلوغ النكاح، والثاني: إيناس الرشد، ولا بد من ثبوتهما حتى يجوز دفع مالهم اليهم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: تصرفات الصبي العاقل المميز باذن الولي صحيحة، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: غير صحيحة، احتج أبو حنيفة على قوله بهذه الآية، وذلك لان قوله: ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ ﴾ يقتضي ان هذا الابتلاء انما يحصل قبل البلوغ، والمراد من هذا الابتلاء اختبار حاله في أنه هل له تصرف صالح للبيع والشراء، وهذا الاختبار انما يحصل إذا أذن له في البيع والشراء، وإن لم يكن هذا المعنى نفس الاختبار، فهو داخل في الاختبار بدليل أنه يصح الاستثناء، يقال: وابتلوا اليتامى إلا في البيع والشراء، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فثبت أن قوله: ﴿ فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ أمر للأولياء بأن يأذنوا لهم في البيع والشراء قبل البلوغ، وذلك يقتضي صحة تصرفاتهم.

أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن قال: ليس المراد بقوله: ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ الاذن لهم في التصرف حال الصغر بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ فَإِنْ ﴾ فانما أمر بدفع المال اليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد، وإذا ثبت بموجب هذه الآية أنه لا يجوز دفع المال اليه حال الصغر، وجب أن لا يجوز تصرفه حال الصغر، لأنه لا قائل بالفرق، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على قول الشافعي، وأما الذي احتجوا به، فجوابه: أن المراد من الابتلاء اختبار عقله واستبراء حاله، في أنه هل له فهم وعقل وقدرة في معرفة المصالح والمفاسد، وذلك إذا باع الولي واشترى بحضور الصبي، ثم يستكشف من الصبي أحوال ذلك البيع والشراء وما فيهما من المصالح والمفاسد ولا شك أن بهذا القدر يحصل الاختبار والابتلاء، وأيضا: هب أنا سلمنا أنه يدفع اليه شيئا ليبيع أو يشتري، فلم قلت إن هذا القدر يدل على صحة ذلك البيع والشراء، بل إذا باع واشترى وحصل به اختبار عقله، فالولي بعد ذلك يتمم البيع وذلك الشراء، وهذا محتمل والله أعلم.

المسألة الثانية: المراد من بلوغ النكاح هو الاحتلام المذكور في قوله: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم  ﴾ وهو في قول عامة الفقهاء عبارة عن البلوغ مبلغ الرجال الذي عنده يجري على صاحبه القلم ويلزمه الحدود والأحكام، وإنما سمي الاحتلام بلوغ النكاح لأنه إنزال الماء الدافق الذي يكون في الجماع.

واعلم أن للبلوغ علامات خمسة: منها ثلاثة مشتركة بين الذكور والاناث، وهو الاحتلام والسن المخصوص، ونبات الشعر الخشن على العانة، واثنان منها مختصان بالنساء، وهما: الحيض والحبل.

المسألة الثالثة: أما إيناس الرشد فلابد فيه من تفسير الايناس ومن تفسير الرشد، أما الايناس فقوله: ﴿ ءانَسْتُمْ ﴾ أي عرفتم وقيل: رأيتم، وأصل الايناس في اللغة الابصار، ومنه قوله: ﴿ ءَانَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً  ﴾ وأما الرشد فمعلوم أنه ليس المراد الرشد الذي لا تعلق له بصلاح ماله، بل لابد وأن يكون هذا مراداً، وهو أن يعلم أنه مصلح لما له حتى لا يقع منه إسراف ولا يكون بحيث يقدر الغير على خديعته، ثم اختلفوا في أنه هل يضم إليه الصلاح في الدين؟

فعند الشافعي رضي الله عنه لابد منه، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه هو غير معتبر، والأول أولى، ويدل عليه وجوه: أحدها: أن أهل اللغة قالوا: الرشد هو إصابة الخير، والمفسد في دينه لا يكون مصيباً للخير.

وثانيها: أن الرشد نقيض الغي قال تعالى: ﴿ قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي  ﴾ والغي هو الضلال والفساد وقال تعالى: ﴿ وعصى ءادَمَ رَبَّهُ فغوى  ﴾ فجعل العاصي غويا، وهذا يدل على أن الرشد لا يتحقق إلا مع الصلاح في الدين.

وثالثها: أنه تعالى قال: ﴿ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ  ﴾ نفي الرشد عنه لأنه ما كان يراعي مصالح الدين، والله أعلم.

إذا عرفت هذا فنقول: فائدة هذا الاختلاف أن الشافعي رحمه الله يرى الحجر على الفاسق، وأبو حنيفة رضي الله عنه لا يراه.

المسألة الرابعة: اتفقوا على أنه إذا بلغ غير رشيد فانه لا يدفع اليه ماله، ثم عند أبي حنيفة لا يدفع اليه ماله حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة، فاذا بلغ ذلك دفع اليه ماله على كل حال، وإنما اعتبر هذا السن لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسن ثماني عشرة سنة، فاذا زاد عليه سبع سنين وهي مدة معتبر في تغير أحوال الإنسان لقوله عليه الصلاة والسلام: «مروهم بالصلاة لسبع».

فعند ذلك تمت المدة التي يمكن فيها حصول تغير الأحوال، فعندها يدفع اليه ماله، أونس منه الرشد أو لم يؤنس وقال الشافعي رضي الله عنه: لا يدفع إليه أبدا إلا بايناس الرشد، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.

احتج أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بهذه الآية فقال: لا شك أن اسم الرشد واقع على العقل في الجملة، والله تعالى شرط رشداً منكرا ولم يشترط سائر ضروب الرشد، فاقتضى ظاهر الآية أنه لما حصل العقل فقد حصل ما هو الشرط المذكور في هذه الآية، فيلزم جواز دفع المال اليه ترك العمل به فيما دون خمس وعشرين سنة، فوجب العمل بمقتضى الآية فيما زاد على خمس وعشرين سنة ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى قال: ﴿ فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا ﴾ ولا شك أن المراد ابتلاؤهم فيما يتعلق بمصالح حفظ المال، ثم قال: ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ ﴾ ويجب أن يكون المراد: فان آنستم منهم رشدا في حفظ المال وضبط مصالحه، فانه ان لم يكن المراد ذلك تفكك النظم ولم يبق للبعض تعلق بالبعض، وإذا ثبت هذا علمنا أن الشرط المعتبر في الآية هو حصول الرشد في رعاية مصالح المال، وعند هذا سقط استدلال أبي بكر الرازي، بل تنقلب هذه الآية دليلا عليه لأنه جعل رعاية مصالح المال شرطا في جواز دفع المال اليه، فاذا كان هذا الشرط مفقوداً بعد خمس وعشرين سنة، وجب أن لا يجوز دفع المال اليه، والقياس الجلي أيضا يقوي الاستدلال بهذا النص، لأن الصبي إنما منع منه المال لفقدان العقل الهادي إلى كيفية حفظ المال وكيفية الانتفاع به، فاذا كان هذا المعنى حاصلا في الشباب والشيخ كان في حكم الصبي، فثبت أنه لا وجه لقول من يقول: انه إذا بلغ خمسا وعشرين سنة دفع اليه ماله وان لم يؤنس منه الرشد.

المسألة الخامسة: إذا بلغ رشيدا ثم تغير وصار سفيها حجر عليه عند الشافعي ولا يحجر عليه عند أبي حنيفة وقد مرت هذه المسألة عند قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما  ﴾ والقياس الجلي أيضا يدل عليه، لأن هذه الآية دالة على أنه إذا بلغ غير رشيد لم يدفع اليه ماله، وإنما لم يدفع اليه ماله لئلا يصير المال ضائعا فيكون باقيا مرصداً ليوم حاجته، وهذا المعنى قائم في السفه الطارئ، فوجب اعتباره والله أعلم.

المسألة السادسة: قال صاحب الكشاف: الفائدة في تنكير الرشد التنبيه على ان المعتبر هو الرشد في التصرف والتجارة، أو على أن المعتبر هو حصول طرف من الرشد وظهور أثر من آثاره حتى لا ينتظر به تمام الرشد.

المسألة السابعة: قال صاحب الكشاف: قرأ ابن مسعود فان أحستم، بمعنى أحسستم قال: أحسن به فهن اليه شوس *** وقرئ رشدا بفتحتين ورشداً بضمتين.

ثم قال تعالى: ﴿ فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم ﴾ والمراد أن عند حصول الشرطين أعني البلوغ وإيناس الرشد يجب دفع المال اليهم، وإنما لم يذكر تعالى مع هذين الشرطين كمال العقل، لأن إيناس الرشد لا يحصل إلا مع العقل لأنه أمر زائد على العقل.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ ﴾ أي مسرفين ومبادرين كبرهم أو لاسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها وتقولون: ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينزعوها من أيدينا، ثم قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنيا وبين أن يكون فقيرا فقال: ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ قال الواحدي رحمه الله: استعف عن الشيء وعف اذا امتنع منه وتركه، وقال صاحب الكشاف: استعف أبلغ من عف كأنه طالب زيادة العفة وقال: ﴿ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ واختلف العلماء في أن الوصي هل له أن ينتفع بمال اليتيم؟

وفي هذه المسألة أقوال: أحدهما: أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج اليه من مال اليتيم وبقدر أجر عمله، واحتج القائلون بهذا القول بوجوه: الأول: أن قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً ﴾ مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة.

وثانيها: أنه قال: ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ فقوله: ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ ليس المراد منه نهي الوصي الغني عن الانتفاع بمال نفسه، بل المراد منه نهيه عن الانتفاع بمال اليتيم، وإذا كان كذلك لزم أن يكون قوله: ﴿ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ إذنا للوصي في أن ينتفع بمال اليتيم بمقدار الحاجة.

وثالثها: قوله: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً  ﴾ وهذا دليل على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم، ولو لم يكن ذلك لم يكن لقوله: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً ﴾ فائدة، وهذا يدل على أن للوصي المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف.

ورابعها: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال له: ان تحت حجري يتيما أآكل من ماله؟

قال: بالمعروف غير متأثل مالا ولا واق مالك بماله، قال: أفأضربه؟

قال: مما كنت ضاربا منه ولدك.

وخامسها: ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب الى عمار وابن مسعود وعثمان بن حنيف: سلام عليكم أما بعد: فاني رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار، وربعها لعبدالله ابن مسعود، وربعها لعثمان، ألا وإني قد أنزلت نفسي وإياكم من مال الله بمنزلة ولي مال اليتيم: من كان غنيا فليستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف.

وعن ابن عباس أن ولي يتيم قال له: أفأشرب من لبن إبله؟

قال: إن كنت تبغي ضالتها وتلوط حوضها وتهنأ جرباها وتسقيها يوم وردها، فاشرب غير مضر بنسل، ولا ناهك في الحلب وعنه أيضا: يضرب بيده مع أيديهم فليأكل بالمعروف ولا يلبس عمامة فما فوقها.

وسادسها: أن الوصي لما تكفل باصلاح مهمات الصبي وجب أن يتمكن من أن يأكل من ماله بقدر عمله قياسا على الساعي في أخذ الصدقات وجمعها، فانه يضرب له في تلك الصدقات بسهم، فكذا هاهنا، فهذا تقرير هذا القول.

والقول الثاني: أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج اليه من مال اليتيم قرضا، ثم إذا أيسر قضاه، وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه، وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية، وأكثر الروايات عن ابن عباس.

وبعض أهل العلم خص هذا الاقراض بأصول الأموال من الذهب والفضة وغيرها، فأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب، فمباح له إذا كان غير مضر بالمال، وهذا قول أبي العالية وغيره، واحتجوا بأن الله تعالى قال: ﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم ﴾ فحكم في الأموال بدفعها اليهم.

والقول الثالث: قال أبو بكر الرازي: الذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذ على سبيل القرض ولا على سبيل الابتداء، سواء كان غنيا أو فقيرا.

واحتج عليه بآيات: منها: قوله تعالى: ﴿ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم  ﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً  ﴾ ومنها: قوله: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً  ﴾ ومنها: قوله: ﴿ وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط  ﴾ ومنها: قوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل  ﴾ قال: فهذه الآية محكمة حاصرة لمال اليتيم على وصية في حال الغنى والفقر، وقوله: ﴿ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ متشابه محتمل فوجب رده لكونه متشابها إلى تلك المحكمات، وعندي أن هذه الآيات لا تدل على ما ذهب الرازي اليه.

أما قوله: ﴿ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم ﴾ فهو عام وهذه الآية التي نحن فيها خاصة، والخاص مقدم على العام.

وقوله: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً ﴾ فهو إنما يتناول هذه الواقعة لو ثبت أن أكل الوصي من مال الصبي بالمعروف ظلم، وهل النزاع الا فيه، وهو الجواب بعينه عن قوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل ﴾ أما قوله: ﴿ وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط ﴾ فهو إنما يتناول محل النزاع لو ثبت أن هذا الأكل ليس بقسط، والنزاع ليس إلا فيه، فثبت أن كلامه في هذا الموضع ساقط ركيك، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ .

واعلم أن الأمة مجمعة على أن الوصي إذا دفع المال إلى اليتيم بعد صيرورته بالغا، فان الأولى والأحوط أن يشهد عليه لوجوه: أحدها: أن اليتيم إذا كان عليه بينة بقبض المال كان أبعد من أن يدعي ما ليس له.

وثانيها: أن اليتيم إذا أقدم على الدعوى الكاذبة أقام الوصي الشهادة على أنه دفع ماله اليه.

ثالثها: أن تظهر أمانة الوصي وبراءة ساحته، ونظيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب» فأمره بالاشهاد لتظهر أمانته وتزول التهمة عنه، فثبت بما ذكرنا من الاجماع والمعقول أن الاحوط هو الاشهاد.

واختلفوا في أن الوصي إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم انه قد دفع المال اليه هل هو مصدق؟

وكذلك لو قال: أنفقت عليه في صغره هل هو مصدق؟

قال مالك والشافعي: لا يصدق، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يصدق، واحتج الشافعي بهذه الآية فان قوله: ﴿ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ أمر، وظاهر الأمر الوجوب، وأيضا قال الشافعي: القيم غير مؤتمن من جهة اليتيم، وإنما هو مؤتمن من جهة الشرع، وطعن أبو بكر الرازي في هذا الكلام مع السفاهة الشديدة وقال: لو كان ما ذكره علة لنفي التصديق لوجب أن لا يصدق القاضي إذا قال لليتيم: قد دفعت اليك لأنه لم يأتمنه، وكذلك يلزمه أن يقول في الأب إذا قال بعد بلوغ الصبي: قد دفعت مالك اليك أن لا يصدق لأنه لم يأتمنه، ويلزمه أيضا أن يوجب الضمان عليهم إذا تصادقوا بعد البلوغ انه قد هلك لأنه أمسك ماله من غير ائتمان له عليه، فيقال له: ان قولك هذا لبعيد عن معاني الفقه، أما النقض بالقاضي فبعيد، لأن القاضي حاكم فيجب إزالة التهمة عنه ليصير قضاؤه نافذا، ولولا ذلك لتمكن كل من قضى القاضي عليه بأن ينسبه إلى الكذب والميل والمداهنة، وحينئذ يحتاج القاضي إلى قاض آخر، ويلزم التسلسل، ومعلوم أن هذا المعنى غير موجود في وصي اليتيم، وأما الأب فالفرق ظاهر لوجين: أحدهما: ان شفقته أتم من شفقة الاجنبي، ولا يلزم من قلة التهمة في حق الأب قلتها في حق الأجنبي، وأما إذا تصادقوا بعد البلوغ أنه قد هلك فنقول: ان كان قد اعترف بأنه هلك لسبب تقصيره فهاهنا يلزمه الضمان، أما إذا اعترف بأنه هلك لا بتقصيره، فهاهنا يجب أن يقبل قوله، والا لصار ذلك مانعاً للناس من قبول الوصاية، فيقع الخلل في هذا المهم العظيم، فأما الاشهاد عند الرد اليه بعد البلوغ فانه لا يفضي إلى هذه المفسدة فظهر الفرق، ومما يؤكد هذا الفرق أنه تعالى ذكر قبل هذه الآية ما يدل على أن اليتيم حصل في حقه ما يوجب التهمة، وهو قوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ ﴾ وهذا يدل على جريان العادة بكثرة إقدام الولي على ظلم الايتام والصبيان، وإذن دلت هذه الآية على تأكد موجبات التهمة في حق ولي اليتيم.

ثم قال بعده: ﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ ﴾ أشعر ذلك بأن الغرض منه رعاية جانب الصبي؛ لأنه إذا كان لا يتمكن من ادعاء دفع المال اليه إلا عند حضور الشاهد، صار ذلك مانعاً له من الظلم والبخس والنقصان، وإذا كان الأمر كذلك علمنا أن قوله: ﴿ فَأَشْهِدُواْ ﴾ كما أنه يجب لظاهر الايجاب، فكذلك يجب أن القرائن والمصالح تقتضي الايجاب، ثم قال هذا الرازي، ويدل على أنه مصدق فيه بغير إشهاد، اتفاق الجميع على أنه مأمور بحفظه وإمساكه على وجه الأمانة حتى يوصله إلى اليتيم في وقت استحقاقه، فهو بمنزلة الودائع والمضاربات، فوجب أن يكون مصدقا على الرد كما يصدق على رد الوديعة، فيقال له: أما الفرق بين هذه الصورة وصورة الوديعة فقد ذكره الشافعي رضي الله تعالى عنه، واعتراضك على ذلك الفرق قد سبق إبطاله، وأيضاً فعادتك ترك الالتفات إلى كتاب الله لقياس ركيك تتخيله، ومثل هذا الفقه مسلم لك، ولا يجب المشاركة فيه معك وبالله التوفيق.

ثم قال تعالى: ﴿ وكفى بالله حَسِيباً ﴾ قال ابن الانباري والأزهري: يحتمل أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب، وأن يكون بمعنى الكافي، فمن الأول قولهم للرجل للتهديد: حسبه الله ومعناه يحاسبه الله على ما يفعل من الظلم، ونظير قولنا الحسيب بمعنى المحاسب، قولنا الشريب بمعنى المشارب، ومن الثاني قولهم: حسيبك الله أي كافيك الله.

واعلم أن هذا وعيد لولي اليتيم وإعلام له أنه تعالى يعلم باطنه كما يعلم ظاهره لئلا ينوي أو يعمل في ماله ما لا يحل، ويقوم بالأمانة التامة في ذلك إلى أن يصل اليه ماله، وهذا المقصود حاصل سواء فسرنا الحسيب بالمحاسب أو بالكافي.

واعلم أن الباء في قوله: ﴿ وكفى بالله ﴾ ﴿ وكفى بِرَبّكَ  ﴾ في جميع القرآن زائدة، هكذا نقله الواحدي عن الزجاج و ﴿ حَسِيباً ﴾ نصب على الحال أي كفى الله حال كونه محاسبا، وحال كونه كافيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ واختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف، قبل البلوغ حتى إذا تبينتم منهم رشداً- أي هداية- دفعتم إليهم أموالهم من غير تأخير عن حدّ البلوغ.

وبلوغ النكاح.

أن يحتلم لأنه يصلح للنكاح عنده، ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد والتناسل.

والإيناس: الاستيضاح فاستعير للتبيين.

واختلف في الابتلاء والرشد، فالابتلاء عند أبي حنيفة وأصحابه: أن يدفع إليه ما يتصرف فيه حتى يستبين حاله فيما يجيء منه.

والرشد: التهدي إلى وجوه التصرف.

وعن ابن عباس: الصلاح في العقل والحفظ للمال.

وعند مالك والشافعي: الابتلاء أن يتتبع أحواله وتصرُّفه في الأخذ والإعطاء، ويتبصر مخايله وميله إلى الدِّين.

والرشد: الصلاح في الدين، لأن الفسق مفسدة للمال.

فإن قلت: فإن لم يؤنس منه رشد إلى حدّ البلوغ؟

قلت: عند أبي حنيفة رحمه الله ينتظر إلى خمس وعشرين سنة، لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسنّ ثماني عشرة سنة، فإذا زادت عليها سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير أحوال الإنسان لقوله عليه الصلاة والسلام: «مروهم بالصلاة لسبع» دفع إليه ماله أونس منه الرشد أو لم يؤنس.

وعند أصحابه: لا يدفع إليه أبداً إلا بإيناس الرشد.

فإن قلت: ما معنى تنكير الرشد؟

قلت: معناه نوعاً من الرشد وهو الرشد في التصرف والتجارة، أو طرفاً من الرشد ومخيلة من مخايله حتى لا ينتظر به تمام الرشد.

فإن قلت: كيف نظم هذا الكلام؟

قلت: ما بعد ﴿ حتى ﴾ إلى ﴿ فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم ﴾ جعل غاية للابتلاء، وهي (حتى) التي تقع بعدها الجمل.

كالتي في قوله: فَمَا زَالَتِ الْقَتْلَى تَمُجُّ دِمَاءَهَا ** بِدِجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دِجْلَةَ أَشْكَلُ والجملة الواقعة بعدها جملة شرطية لأن إذا متضمنة معنى الشرط، وفعل الشرط بلغوا النكاح وقوله: ﴿ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَ الهم ﴾ جملة من شرط وجزاء واقعة جواباً للشرط الأول الذي هو إذا بلغوا النكاح، فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم، فاستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم.

وقرأ ابن مسعود: ﴿ فإن أحسيتم ﴾ بمعنى أحسستم قال: أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إِلَيْه شُوسُ وقرئ: ﴿ رشداً ﴾ ، بفتحتين، ﴿ ورشداً ﴾ ، بضمتين ﴿ إِسْرَافاً وَبِدَاراً ﴾ مسرفين ومبادرين كبرهم، أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم، تفرطون في إنفاقها، وتقولون ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا.

ثم قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنياً وبين أن يكون فقيراً، فالغني يستعف من أكلها ولا يطمع، ويقتنع بما رزقه الله من الغنى إشفاقاً على اليتيم، وإبقاء على ماله.

والفقير يأكل قوتاً مقدراً محتاطاً في تقديره على وجه الأجرة، أو استقراضاً على ما في ذلك من الاختلاف ولفظ الأكل بالمعروف والاستعفاف، مما يدل على أن للوصي حقاً لقيامه عليها.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أن رجلاً قال له: إن في حجري يتيماً أفآكل من ماله؟

قال: «بالمعروف غير متأثل مالاً ولا واق مالك بماله فقال: أفأضربه؟

قال: مما كنت ضارباً منه ولدك» ؛ وعن ابن عباس: أنّ وليّ اليتيم قال له: أفأشرب من لبن إبله؟

قال: إن كنت تبغي ضالتها، وتلوط حوضها، وتهنأ جرباها وتسقيها يوم وردها، فاشرب غير مضرّ بنسل، ولا ناهك في الحلب وعنه: يضرب بيده مع أيديهم، فليأكل بالمعروف، ولا يلبس عمامة فما فوقها.

وعن إبراهيم: لا يلبس الكتان والحلل.

ولكن ما سدّ الجوعة ووارى العورة.

وعن محمد بن كعب يتقرّم تقرّم البهيمة وينزل نفسه منزلة الأجير فيما لابد منه.

وعن الشعبي: يأكل من ماله بقدر ما يعين فيه.

وعنه: كالميتة يتناول عند الضرورة ويقضي.

وعن مجاهد: يستسلف، فإذا أيسر أدّى.

وعن سعيد بن جبير: إن شاء شرب فضل اللبن وركب الظهر ولبس ما يستره من الثياب وأخذ القوت ولا يجاوزه فإن أيسر قضاه، وإن أعسر فهو في حلّ.

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، وإذا أيسرت قضيت واستعف أبلغ من عف، كأنه طالب زيادة العفة ﴿ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ بأنهم تسلموها وقبضوها وبرئت عنها ذممكم، وذلك أبعد من التخاصم والتجاحد وأدخل في الأمانة وبراءة الساحة.

ألا ترى أنه إذا لم يشهد فادعى عليه صدق مع اليمين عند أبي حنيفة وأصحابه.

وعند مالك والشافعي لا يصدّق إلا بالبينة، فكان في الإشهاد الاستحراز من توجه الحلف المفضي إلى التهمة أو من وجوب الضمان إذا لم يقم البينة ﴿ وكفى بالله حَسِيباً ﴾ أي كافياً في الشهادة عليكم بالدفع والقبض، أو محاسباً.

فعليكم بالتصادق، وإياكم والتكاذب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

وابْتَلُوا اليَتامى اخْتَبِرُوهم قَبْلَ البُلُوغِ بِتَتَبُّعِ أحْوالِهِمْ في صَلاحِ الدِّينِ، والتَّهَدِّي إلى ضَبْطِ المالِ وحُسْنِ التَّصَرُّفِ، بِأنْ يَكِلَ إلَيْهِ مُقَدِّماتِ العَقْدِ.

وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ ما يَتَصَرَّفُ فِيهِ.

حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ حَتّى إذا بَلَغُوا حَدَّ البُلُوغِ بِأنْ يَحْتَلِمَ، أوْ يَسْتَكْمِلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً عِنْدَنا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إذا اسْتَكْمَلَ الوَلَدُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، كُتِبَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ وأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الحُدُودُ».» وَثَمانِيَ عَشْرَةَ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.

وبُلُوغُ النِّكاحِ كِنايَةٌ عَنِ البُلُوغِ، لِأنَّهُ يَصْلُحُ لِلنِّكاحِ عِنْدَهُ.

فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فَإنْ أبْصَرْتُمْ مِنهم رُشْدًا.

وقُرِئَ أحَسْتُمْ بِمَعْنى أحْسَسْتُمْ.

فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ عَنْ حَدِّ البُلُوغِ، ونَظْمُ الآيَةِ أنَّ إنِ الشَّرْطِيَّةَ جَوابُ إذا المُتَضَمِّنَةِ مَعْنى الشَّرْطِ، والجُمْلَةُ غايَةُ الِابْتِلاءِ فَكَأنَّهُ قِيلَ وابْتُلُوا اليَتامى إلى وقْتِ بُلُوغِهِمْ واسْتِحْقاقِهِمْ دَفْعَ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ بِشَرْطِ إيناسِ الرُّشْدِ مِنهُمْ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يُدْفَعُ إلَيْهِمْ ما لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُمُ الرُّشْدُ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إذا زادَتْ عَلى سِنِّ البُلُوغِ سَبْعَ سِنِينَ وهي مُدَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ في تَغَيُّرِ الأحْوالِ، إذِ الطِّفْلُ يُمَيِّزُ بَعْدَها ويُؤْمَرُ بِالعِبادَةِ، دُفِعَ إلَيْهِ المالُ وإنْ لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ الرُّشْدُ.

ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا مُسْرِفِينَ ومُبادِرِينَ كِبَرَهُمْ، أوْ لِإسْرافِكم ومُبادَرَتِكم كِبَرَهم.

ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ مِن أكْلِها.

ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ بِقَدْرِ حاجَتِهِ وأُجْرَةِ سَعْيِهِ، ولَفْظُ الِاسْتِعْفافِ والأكْلِ بِالمَعْرُوفِ مُشْعِرٌ بِأنَّ الوَلِيَّ لَهُ حَقٌّ في مالِ الصَّبِيِّ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ إنَّ في حِجْرِي يَتِيمًا أفَآكُلُ مِن مالِهِ؟

قالَ: كُلْ بِالمَعْرُوفِ غَيْرَ مُتَأثِّلٍ مالًا ولا واقٍ مالَكَ بِمالِهِ».» وَإيرادُ هَذا التَّقْسِيمِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ولا تَأْكُلُوها يَدُلُّ عَلى أنَّهُ نَهْيٌ لِلْأوْلِياءِ أنْ يَأْخُذُوا ويُنْفِقُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أمْوالَ اليَتامى.

فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم قَبَضُوها فَإنَّهُ أنْفى لِلتُّهْمَةِ وأبْعَدُ مِنَ الخُصُومَةِ، ووُجُوبُ الضَّمانِ وظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَيِّمَ لا يُصَدَّقُ في دَعْواهُ إلّا بِالبَيِّنَةِ وهو المُخْتارُ عِنْدَنا وهو مَذْهَبُ مالِكٍ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ.

وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا مُحاسِبًا فَلا تُخالِفُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ ولا تَتَجاوَزُوا ما حَدَّ لَكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وابتلوا اليتامى} واختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف قبل البلوغ فالابتلاء عندنا أن يدفع إليه ما يتصرف فيه حتى

النساء (٦ _ ٧)

تتبين حاله فيما يجئ منه وفيه دليل على جواز إذن الصبي العاقل في التجارة {حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ} أى الحلم لأنه يصلح للنكاح عند ولطلب ما هو مقصود به وهو التولد {فَإنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ} تبينتم {رَشَدًا} هداية في التصرفات وصلاحاً في المعاملات {فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم} من غير تأخير عن حد البلوغ ونظم هذا الكلام أن ما بعد حتى إلى فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم جعل غاية للابتلاء وهي حتى التي تقع بعدها الجمل كالتي في قوله حتى ماء دجلة أشكل والجملة الواقعة بعدها جملة شرطية لأن إذا متضمنة معنى الشرط وفعل الشرط

بلغوا النكاح وقوله فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم جملة من شرط وجزاء واقعة جواباً للشرط الأول الذي هو إذا بلغوا النكاح فكأنه قيل وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقهم دفع أموالهم اليهم شرط إيناس الرشد منهم وتنكير الرشد يفيد أن المراد رشد مخصوص وهو الرشد في التصرف والتجارة أو يفيد التقليل أي طرفاً من الرشد حتى لا ينتظر به تمام الرشد وهو دليل لأبى حنيفة رحمه الله في دفع المال عند بلوغ خمس وعشرين سنة {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ} ولا تأكلوها مسرفين ومبادرين كبرهم فاسرافا وبدارا مصدران فى موضع الحال وأن يكبروا فى موضع المصدر منصوب الموضع ببدارا ويجوز أن يكونا مفعولاً لهما أي لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها وتقولون ننفق فيما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف} قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنياً وبين أن يكون فقيرا فالغنى يستعفف من أكلها أي يحترز من أكل مال اليتيم واستعف أبلغ من عف كأنه طالب زيادة العفة والفقير يأكل قوتاً مقدراً محتاطاً في أكله عن إبراهيم ما سد الجوعة ووارى العورة {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ} بأنهم تسلموها وقبضوها دفعاً للتجاحد وتفادياً عن توجه اليمين عليكم عند التخاصم والتناكر {وكفى بالله حَسِيباً} محاسباً فعليكم بالتصادق وإياكم والكاذب أو هو راجع إلى قوله فليأكل بالمعروف أي ولا يسرف فإن الله يحاسبه عليه ويجازيه به وفاعل كفى لفظة الله والباء زائدة وكفى يتعدى إلى مفعولين دليله فسيكفيكهم الله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وابْتَلُوا اليَتامى ﴾ شُرُوعٌ في تَعْيِينِ وقْتِ تَسْلِيمِ أمْوالِ اليَتامى إلَيْهِمْ وبَيانِ شَرْطِهِ بَعْدَ الأمْرِ بِإيتائِها عَلى الإطْلاقِ، والنَّهْيِ عَنْهُ عِنْدَ كَوْنِ أصْحابِها سُفَهاءَ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ مِنَ السُّفَهاءِ المُبَذِّرِينَ بِالفِعْلِ مِنَ اليَتامى وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِهِمُ اليَتامى مُطْلَقًا، ووَصْفُهم بِالسَّفَهِ بِاعْتِبارِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما مَرَّ فَفِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذا رُجُوعٌ إلى بَيانِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِأمْوالِ اليَتامى لا شُرُوعٌ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ ما تَقَدَّمَ كانَ مَذْكُورًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ، والِابْتِلاءُ الِاخْتِبارُ أيْ واخْتَبِرُوا مَن عِنْدَكم مِنَ اليَتامى بِتَتَبُّعِ أحْوالِهِمْ في الِاهْتِداءِ إلى ضَبْطِ الأمْوالِ وحُسْنِ التَّصَرُّفِ فِيها وجَرِّبُوهم بِما يَلِيقُ بِحالِهِمْ، والِاقْتِصارُ عَلى هَذا الِاهْتِداءِ رَأْيُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى يَعْتَبِرُ مَعَ هَذا أيْضًا الصَّلاحَ في الدِّينِ، إلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ، ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ.

واتَّفَقَ الإمامانِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى أنَّ هَذا الِاخْتِبارَ قَبْلَ البُلُوغِ وظاهِرُ الكَلامِ يَشْهَدُ لَهُما لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الغايَةُ، وقالَ الإمامُ مالِكٌ: إنَّهُ بَعْدَ البُلُوغِ، وفَرَّعَ الإمامُ الأعْظَمُ عَلى كَوْنِ الِاخْتِبارِ قَبْلُ، أنَّ تَصَرُّفاتِ العاقِلِ المُمَيِّزِ بِإذْنِ الوَلِيِّ صَحِيحَةٌ لِأنَّ ذَلِكَ الِاخْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ إذا أُذِنَ لَهُ في البَيْعِ والشِّراءِ مَثَلًا، وقالَ الشّافِعِيُّ: الِاخْتِبارُ لا يَقْتَضِي الإذْنَ في التَّصَرُّفِ لِأنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلى دَفْعِ المالِ إلى اليَتِيمِ وهو مَوْقُوفٌ عَلى الشَّرْطَيْنِ وهُما إنَّما يَتَحَقَّقانِ بَعْدُ، بَلْ يَكُونُ بِدُونِهِ عَلى حَسَبِ ما يَلِيقُ بِالحالِ، فَوَلَدُ التّاجِرِ مَثَلًا يُخْتَبَرُ في البَيْعِ والشِّراءِ إلى حَيْثُ يَتَوَقَّفُ الأمْرُ عَلى العَقْدِ وحِينَئِذٍ يَعْقِدُ الوَلِيُّ إنْ أرادَ، وعَلى هَذا القِياسُ.

﴿ حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ ﴾ أيْ إذا بَلَغُوا حَدَّ البُلُوغِ وهو إمّا بِالِاحْتِلامِ أوْ بِالسَّنِّ وهو خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً عِنْدَ الشّافِعِيِّ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ وعَلَيْها الفَتْوى عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ لِما أنَّ العادَةَ الفاشِيَةَ أنَّ الغُلامَ والجارِيَةَ يَصْلُحانِ لِلنِّكاحِ وثَمَرَتِهِ في هَذِهِ المُدَّةِ ولا يَتَأخَّرانِ عَنْها، والِاسْتِدْلالُ بِما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في «الخِلافِيّاتِ» مِن حَدِيثِ أنَسٍ إذا اسْتَكْمَلَ المَوْلُودُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً كُتِبَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ وأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الحُدُودُ ضَعِيفٌ لِأنَّ البَيْهَقِيَّ نَفْسَهُ صَرَّحَ بِأنَّ إسْنادَ الحَدِيثِ ضَعِيفٌ، وشاعَ عَنِ الإمامِ الأعْظَمِ أنَّ السِّنَّ لِلْغُلامِ تَمامُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً ولِلْجارِيَةِ تَمامُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ولَهُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ ﴾ وأشُدُّ الصَّبِيِّ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً هَكَذا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وتابَعَهُ القُتَبِيُّ، وهَذا أقَلُّ ما قِيلَ فِيهِ فَيُبْنى الحُكْمُ عَلَيْهِ لِلتَّيَقُّنِ غَيْرَ أنَّ الإناثَ نَشْؤُهُنَّ وإدْراكُهُنَّ أسْرَعُ فَنَقَصْنا في حَقِّهِنَّ سَنَةً لِاشْتِمالِها عَلى الفُصُولِ الأرْبَعَةِ الَّتِي يُوافِقُ واحِدٌ مِنها المِزاجَ لا مَحالَةَ، وعَنْهُ في الغُلامِ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، والمُرادُ أنْ يَطْعَنَ في التّاسِعَةَ عَشْرَةَ ويَتِمَّ لَهُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ، وقِيلَ: فِيهِ اخْتِلافُ الرِّوايَةِ لِذِكْرِ حَتّى يَسْتَكْمِلَ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.

وشاعَ عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ قَدْ جَعَلَ الإنْباتَ دَلِيلًا عَلى البُلُوغِ في المُشْرِكِينَ خاصَّةً، وشَنَّعَ ابْنُ حَزْمٍ الضّالِّ عَلَيْهِ، والَّذِي ذَكَرَهُ الشّافِعِيَّةُ أنَّهُ إذا أُسِرَ مُراهِقٌ ولَمْ يُعْلَمْ أنَّهُ بالِغٌ فَيُفْعَلُ فِيهِ ما يُفْعَلُ بِالبالِغِينَ مِن قَتْلٍ ومِنٍّ وفِداءٍ بِأسْرى مَنًّا أوْ مالٍ واسْتِرْقاقٍ أوْ غَيْرُ بالِغٍ فَيُفْعَلُ فِيهِ ما يُفْعَلُ بِالصِّبْيانِ مِنَ الرِّقِّ يُكْشَفُ عَنْ سَوْأتِهِ فَإنْ أنْبَتَ فَلَهُ حُكْمُ الرِّجالِ وإلّا فَلا وإنَّما يُفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُخْبِرُ المُسْلِمِينَ بِبُلُوغِهِ خَوْفًا مِنَ القَتْلِ بِخِلافِ المُسْلِمِ فَإنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ بُلُوغِهِ بِذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا لا يَصْلُحُ مَحَلًّا لِلتَّشْنِيعِ وغايَةَ ما فِيهِ أنَّهُ جَعَلَ الإنْباتَ سَبَبًا لِإجْراءِ أحْكامِ الرِّجالِ عَلَيْهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ لِعَدَمِ السَّبِيلِ إلى مَعْرِفَةِ البُلُوغِ فِيها، وصَلاحِيَتُهُ لِأنْ يَكُونَ أمارَةً في الجُمْلَةِ لِذَلِكَ ظاهِرَةٌ، وأمّا أنَّ فِيهِ أنَّ الإنْباتَ أحَدُ أدِلَّةِ البُلُوغِ مِثْلَ الِاحْتِلامِ والإحْبالِ والحَيْضِ والحَبَلِ فِي الكُفّارِ دُونَ المُسْلِمِينَ فَلا.

﴿ فَإنْ آنَسْتُمْ ﴾ أيْ أحْسَسْتُمْ قالَهُ مُجاهِدٌ وأصْلُ مَعْنى الِاسْتِئْناسِ كَما قالَ الشِّهابُ النَّظَرُ مِن بَعْدِ مَعَ وضْعِ اليَدِ عَلى العَيْنِ إلى قادِمٍ ونَحْوِهِ مِمّا يُؤْنَسُ بِهِ، ثُمَّ عُمَّ في كَلامِهِمْ قالَ الشّاعِرُ: ” آنَسَتْ“ نَبْأةً وأفْزَعَها القَ نّاصُ عَصْرًا وقَدْ دَنا الإمْساءُ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلتَّبَيُّنِ أيْ عِلْمِ الشَّيْءِ بَيِّنًا، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ أصْلَهُ الإبْصارُ مُطْلَقًا وأنَّهُ أُخِذَ مِن إنْسانِ العَيْنِ وهو حَدَقَتُها الَّتِي يُبْصِرُ بِها، وهو هُنا مُحْتَمَلٌ لِأنْ يُرادَ مِنهُ المَعْنى المَجازِيُّ أوِ المَعْنى الحَقِيقِيُّ، وقَرَأابْنُ مَسْعُودٍ أحَسْتُمْ بِحاءٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ ساكِنَةٍ، وأصْلُهُ أحْسَسْتُمْ بِسِينَيْنِ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الأُولى إلى الحاءِ وحُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ إحْداهُما عَلى غَيْرِ القِياسِ، وقِيلَ: إنَّها لُغَةُ سَلِيمٍ وإنَّها مُطَّرِدَةٌ في عَيْنِ كُلِّ فِعْلٍ مُضاعَفٍ اتَّصَلَ بِها تاءُ الضَّمِيرِ، أوْ نُونُهُ كَما في قَوْلِ أبِي زَيْدٍ الطّائِيِّ: خَلا أنَّ العَتاقَ مِنَ المَطايا ∗∗∗ أحْسِنْ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسٌ ﴿ مِنهم رُشْدًا ﴾ أيِ اهْتِداءًا إلى ضَبْطِ الأمْوالِ وحُسْنِ التَّصَرُّفِ فِيها، وقِيلَ: صَلاحًا في دِينِهِمْ وحِفْظًا لِأمْوالِهِمْ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وقُرِئَ ”رُشْدًا“ بِفَتْحَتَيْنِ، و”رُشْدًا“ بِضَمَّتَيْنِ، وهُما بِمَعْنى رُشْدًا، وقِيلَ: الرُّشْدُ بِالضَّمِّ في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، وبِالفَتْحِ في الأُخْرَوِيَّةِ لا غَيْرَ، والرّاشِدُ والرَّشِيدُ يُقالُ فِيهِما ﴿ فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ ﴾ أيْ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ عَنْ حَدِّ البُلُوغِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الفاءُ، وفي إيثارِ الدَّفْعِ عَلى الإيتاءِ في أوَّلِ الأمْرِ إيذانٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ بِتَفاوُتِهِما بِحَسَبِ المَعْنى، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، ونَظْمُ الآيَةِ أنَّ حَتّى هي الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ كالَّتِي في قَوْلِهِ: سَرَيْتُ بِهِمْ حَتّى تَكِلَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ وحَتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بِأرْسانِ وتُسَمّى ابْتِدائِيَّةً في ذَلِكَ، ولا يَذْهَبُ مِنها مَعْنى الغايَةِ كَما نَصُّوا عَلَيْهِ في عامَّةِ كُتُبِ النَّحْوِ، وذَكَرَهُ الكَثِيرُ مِنَ الأُصُولِيِّينَ خِلافًا لِمَن وهَمَ فِيهِ، وما بَعْدَها جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ جُعِلَتْ غايَةً لِلِابْتِلاءِ، وفِعْلُ الشَّرْطِ بَلَغُوا وجَوابُهُ الشُّرْطِيَّةُ الثّانِيَةُ كَما حَقَّقَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُعْرِبِينَ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّهُ ذُكِرَ في «شَرْحِ التَّسْهِيلِ» لِابْنِ عَقِيلٍ أنَّهُ إذا تَوالى شَرْطانِ فَأكْثَرُ كَقَوْلِكَ: إنْ جِئْتَنِي إنْ وعَدْتُكَ أحْسَنْتُ إلَيْكَ، فَأحْسَنْتُ إلَيْكَ جَوابُ إنْ جِئْتَنِي واسْتَغْنى بِهِ عَنْ جَوابِ إنْ وعَدْتُكَ، وزَعَمَ ابْنُ مالِكٍ أنَّ الشَّرْطَ الثّانِيَ مُقَيِّدٌ لِلْأوَّلِ، بِمَنزِلَةِ الحالِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ جِئْتَنِي في حالِ وعْدِي لَكَ، والصَّحِيحُ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ الجَوابَ لِلْأوَّلِ، وجَوابُ الثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الشَّرْطِ الأوَّلِ وجَوابِهِ عَلَيْهِ فَإذا قُلْتَ: إنْ دَخَلْتَ الدّارَ إنْ كَلَّمْتَ زَيْدًا إنْ جاءَ إلَيْكَ فَأنْتَ حُرٌّ، فَأنْتَ حُرُّ جَوابُ إنْ دَخَلْتَ، وإنْ دَخَلْتَ وجَوابُهُ دَلِيلُ جَوابِ إنْ كَلَّمْتَ، وإنْ كَلَّمْتَ وجَوابُهُ دَلِيلُ جَوابِ إنْ جاءَ، والدَّلِيلُ عَلى الجَوابِ جَوابٌ في المَعْنى، والجَوابُ مُتَأخِّرٌ فالشَّرْطُ الثّالِثُ مُقَدَّمٌ وكَذا الثّانِي فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ جاءَ فَإنْ كَلَّمْتَ فَإنْ دَخَلْتَ فَأنْتَ حُرٌّ فَلا يَعْتِقُ إلّا إذا وقَعَتْ، هَكَذا مَجِيءُ ثُمَّ كَلامٌ ثُمَّ دُخُولٌ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وذَكَرَ الجَصّاصُ أنَّ فِيها خِلافًا بَيْنَ مُحَمَّدٍ وأبِي يُوسُفَ، ولَيْسَ مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ فَقَطْ والسَّماعُ يَشْهَدُ لَهُ قالَ: إنْ تَسْتَغِيثُوا بِنا إنْ تَذْعَرُوا تَجِدُوا ∗∗∗ مِنّا مَعاقِدُ عِزٍّ زانَها كَرَمُ وعَلَيْهِ فُصَحاءُ المُوَلِّدِينَ، وقالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: الجَوابُ لِلْأخِيرِ والشَّرْطُ الأخِيرُ وجَوابُهُ جَوابُ الثّانِي، والشَّرْطُ الثّانِي وجَوابُهُ جَوابُ الأوَّلِ، فَعَلى هَذا لا يَعْتِقُ حَتّى يُوجَدَ هَكَذا دُخُولُ ثُمَّ كَلامٌ ثُمَّ مَجِيءٌ، وقالَ بَعْضُهم: إذا اجْتَمَعَتْ حَصَلَ العِتْقُ مِن غَيْرِ تَرْتِيبٍ، وهَذا إذا كانَ التَّوالِي بِلا عاطِفٍ فَإنْ عاطَفَ بِأوْ فالجَوابُ لِأحَدِهِما دُونَ تَعْيِينٍ نَحْوَ إنْ جِئْتَنِي، أوْ إنْ أكْرَمْتَ زَيْدًا أحْسَنْتُ إلَيْكَ وإنْ كانَ بِالواوِ فالجَوابُ لَهُما.

وإنْ كانَ بِالفاءِ فالجَوابُ لِلثّانِي، وهو وجَوابُهُ جَوابُ الأوَّلِ فَتَخْرُجُ الفاءُ عَنِ العَطْفِ وما نَحْنُ فِيهِ مِنَ المَقْرُونِ بِالفاءِ وهي رابِطَةٌ لِلْجَوابِ كالفاءِ الثّانِيَةِ وما خَرَّجْناهُ عَلَيْهِ هو الَّذِي ارْتَضاهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ومَذْهَبُ الزَّجّاجِ وبَعْضِ النُّحاةِ والمُؤْنَةُ عَلَيْهِ أقَلُّ أنَّ حَتّى الدّاخِلَةَ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ حَرْفُ جَرٍّ، وإذا مُتَمَحِّضَةٌ لِلظَّرْفِيَّةِ ولَيْسَ فِيها مَعْنى الشَّرْطِ، والعامِلُ فِيها عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ ما يَتَلَخَّصُ مِن مَعْنى جَوابِها والمَعْنى وابْتَلُوا اليَتامى إلى وقْتِ بُلُوغِهِمْ فاسْتِحْقاقُهم دَفْعُ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ بِشَرْطِ إيناسِ الرُّشْدِ مِنهم، وعَبَّرَ في البُلُوغِ بِإذا وفي الإيناسِ بِإنْ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُما ظُهُورًا وخَفاءً.

وظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لا يُدْفَعُ إلَيْهِمْ ولَوْ بَلَغُوا ما لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُمُ الرُّشْدُ وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وقَوْلُ الإمامَيْنِ وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لا يُدْفَعُ إلى اليَتِيمِ مالُهُ وإنْ شَمَطَ ما لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ رُشْدٌ، ونُسِبَ إلى الشَّعْبِيِّ، وقالَ الإمامُ الأعْظَمُ: إذا زادَتْ عَلى سِنِّ البُلُوغِ سَبْعَ سِنِينَ وهي مُدَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ في تَغَيُّرِ الأحْوالِ إذِ الطِّفْلُ يُمَيِّزُ بَعْدَها ويُؤْمَرُ بِالعِبادَةِ كَما في الحَدِيثِ يُدْفَعُ إلَيْهِ مالُهُ، وإنْ لَمْ يُؤْنَسِ الرُّشْدُ لِأنَّ المَنعَ كانَ لِرَجاءِ التَّأْدِيبِ فَإذا بَلَغَ ذَلِكَ السِّنَّ ولَمْ يَتَأدَّبِ انْقَطَعَ عَنْهُ الرَّجاءُ غالِبًا فَلا مَعْنى لِلْحَجَرِ بَعْدَهُ وفي «الكافِي» .

ولِلْإمامِ الأعْظَمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ ﴾ ، والمُرادُ بَعْدَ البُلُوغِ فَهو تَنْصِيصٌ عَلى وُجُوبِ دَفْعِ المالِ بَعْدَ البُلُوغِ إلّا أنَّهُ مُنِعَ عَنْهُ مالُهُ قَبْلَ هَذِهِ المُدَّةِ بِالإجْماعِ، ولا إجْماعَ هُنا فَيَجِبُ دَفْعُ المالِ بِالنَّصِّ، والتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ لا يُوجِبُ العَدَمَ عِنْدَ العَدَمِ عِنْدَنا عَلى أنَّ الشَّرْطَ رُشْدٌ نَكِرَةٌ فَإذا صارَ الشَّرْطُ في حُكْمِ الوُجُودِ بِوَجْهٍ وجَبَ جَزاؤُهُ، وأوَّلُ أحْوالِ البُلُوغِ قَدْ يُقارِنُهُ السَّفَهُ بِاعْتِبارِ أثَرِ الصِّبا وبَقاءِ أثَرِهِ كَبَقاءِ عَيْنِهِ، وإذا امْتَدَّ الزَّمانُ وظَهَرَتِ الخِبْرَةُ والتَّجْرِبَةُ لَمْ يَبْقَ أثَرُ الصِّبا وحَدَثَ ضَرْبٌ مِنَ الرُّشْدِ لا مَحالَةَ لِأنَّهُ حالُ كَمالِ لُبِّهِ فَقَدْ ورَدَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: يَنْتَهِي لُبُّ الرَّجُلِ إذا بَلَغَ خَمْسًا وعِشْرِينَ.

وقالَ أهْلُ الطِّباعِ: مَن بَلَغَ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً فَقَدْ بَلَغَ أشُدَّهُ ألا تَرى أنَّهُ قَدْ يَصِيرُ جَدًّا صَحِيحًا في هَذا السَّنِّ لِأنَّ أدْنى مُدَّةِ البُلُوغِ اثْنا عَشَرَ حَوْلًا وأدْنى مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، فَفي هَذِهِ المُدَّةِ يُمْكِنُ أنْ يُولَدَ لَهُ ابْنٌ ثُمَّ ضِعْفَ هَذا المَبْلَغِ يُولَدُ لِابْنِهِ ابْنٌ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِما ذُكِرَ مِنَ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ ظاهِرٌ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالإيتاءِ فِيها الدَّفْعُ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ، واعْتُرِضَ عَلى قَوْلِهِ: عَلى أنَّ الشَّرْطَ إلَخْ بِأنَّهُ إذا كانَ ضَرْبٌ مِنَ الرُّشْدِ كافِيًا كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّنْكِيرُ وكانَ ذَلِكَ حاصِلًا لا مَحالَةَ في ذَلِكَ السَّنِّ كَما هو صَرِيحُ كَلامِهِ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِما اسْتُدِلَّ كانَ الدَّفْعُ حِينَئِذٍ عِنْدَ إيناسِ الرُّشْدِ وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وقَوْلُ الإمامَيْنِ فَلَمْ يَصِحَّ أنْ يُقالَ: إنَّ مَذْهَبَ الإمامِ وُجُوبُ دَفْعِ مالِ اليَتِيمِ إلَيْهِ إنْ أُونِسَ مِنهُ الرُّشْدُ أوْ لَمْ يُؤْنَسْ، غايَةَ ما في البابِ أنَّهُ يَبْقى خِلافٌ بَيْنِ الإمامِ وغَيْرِهِ في أنَّ الرُّشْدَ المُعْتَبَرَ شَرْطًا لِلدَّفْعِ في الآيَةِ ماذا وهو أمْرٌ آخَرُ وراءَ ما شاعَ عَنِ الإمامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ وأيْضًا إنْ أُرِيدَ بِهَذا الضَّرْبِ مِنَ الرُّشْدِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ التَّنْوِينُ هو الرُّشْدُ في مَصْلَحَةِ المالِ فَكَوْنُهُ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ في سِنِّ خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً في حَيِّزِ المَنعِ، وإنْ أُرِيدَ ضَرْبٌ مِنَ الرُّشْدِ كَيْفَما كانَ فَهو عَلى فَرْضِ تَسْلِيمِ حُصُولِهِ إذْ ذاكَ لا يُجْدِي نَفْعًا إذِ الآيَةُ كالصَّرِيحَةِ في اشْتِراطِ الضَّرْبِ الأوَّلِ.

فَقَدْ قالَ الفَخْرُ: «لا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِنِ ابْتِلاءِ اليَتامى المَأْمُورِ بِهِ ابْتِلاؤُهم فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحِ حِفْظِ المالِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ الأمْرِ ﴿ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا ﴾ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فَإنْ آنَسْتُمْ رُشْدًا في ضَبْطِ مَصالِحِهِ فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ ذَلِكَ تَفَكَّكَ النَّظْمُ ولَمْ يَبْقَ لِلْبَعْضِ تَعَلُّقٌ بِالبَعْضِ، وإذا ثَبَتَ هَذا عَلِمْنا أنَّ الشَّرْطَ المُعْتَبَرَ في الآيَةِ هو حُصُولُ الرُّشْدِ في رِعايَةِ مَصالِحِ المالِ ”لا ضَرْبٌ مِنَ الرُّشْدِ كَيْفَ كانَ“، ثُمَّ قالَ: والقِياسُ الجَلِيُّ يُقَوِّي الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ لِأنَّ الصَّبِيَّ إنَّما مُنِعَ مِنهُ المالُ لِفِقْدانِ العَقْلِ الهادِي إلى كَيْفِيَّةِ حِفْظِ المالِ وكَيْفِيَّةِ الِانْتِفاعِ بِهِ؛ فَإذا كانَ هَذا المَعْنى حاصِلًا في الشّابِّ والشَّيْخِ كانا في حُكْمِ الصَّبِيِّ» فَوَجَبَ أنْ يُمْنَعَ دَفْعُ المالِ إلَيْهِما إنْ لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُما الرُّشْدُ ومِنهُ يُعْلَمُ ما في التَّعْلِيلِ السّابِقِ أعْنِي قَوْلَهم لِأنَّ المَنعَ كانَ لِرَجاءِ التَّأْدِيبِ إلَخْ مِنَ النَّظَرِ ولِقُوَّةِ كَلامِ المُخالِفِ في هَذِهِ المَسْألَةِ شَنَّعَ الضّالُّ ابْنُ حَزْمٍ كَعادَتِهِ مَعَ سائِرِ أئِمَّةِ الدِّينِ عَلى الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وتابَعَهُ في ذَلِكَ سُفَهاءُ الشِّيعَةِ كَيُوسُفَ الأوالِيِّ وغَيْرِهِ ولا يَخْفى أنَّ المَسْألَةَ مِنَ الفُرُوعِ، وكَمْ لِابْنِ حَزْمٍ وأتْباعِهِ فِيها مِنَ المُخالَفاتِ لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ ومُتَمَسِّكُهم في ذَلِكَ بِما هو أوْهى وأوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ.

ومَن أمْعَنَ النَّظَرَ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ عَلِمَ أنَّ نَظَرَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في ذَلِكَ دَقِيقٌ لِأنَّ اليَتِيمَ بَعْدَ أنْ بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجالِ واعْتُبِرَ إيمانُهُ وكُفْرُهُ وصارَ مَوْرِدَ الخِطاباتِ الإلَهِيَّةِ والتَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ وسَلَّمَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ نَفْسَهُ يَتَصَرَّفُ بِها حَسَبَ اخْتِيارِهِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ المَدْحُ والذَّمُّ والثَّوابُ والعِقابُ كانَ مَنعُ مالِهِ عَنْهُ وتَصَرُّفُ الغَيْرِ بِهِ أشْبَهَ الأشْياءِ بِالظُّلْمِ، ثُمَّ هَذا وإنِ اقْتَضى دَفْعَ المالِ إلَيْهِ بَعْدَ البُلُوغِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ إلى بُلُوغِهِ سِنَّ خَمْسٍ وعِشْرِينَ فِيمَن بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ إلّا أنا أخَّرْنا الدَّفْعَ إلى هَذِهِ المُدَّةِ لِلتَّأْدِيبِ ورَجاءَ الرُّشْدِ والكَفِّ عَنِ السَّفَهِ وما فِيهِ تَبْذِيرُ المالِ وإفْسادُهُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن وجْهِ أخْذِ أمْوالِ البُغاةِ وحَبْسِها عَنْهم لِيَفِيئُوا، واعْتُبِرَتِ الزِّيادَةُ سَبْعَ سِنِينَ لِأنَّها كَما تَقَدَّمَ مُدَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ في تَغَيُّرِ الأحْوالِ، والعَشْرُ مَثَلًا وإنْ كانَتْ كَذَلِكَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ  : «مُرُوا أوْلادَكم بِالصَّلاةِ وهم أبْناءُ سَبْعِ سِنِينَ واضْرِبُوهم عَلَيْها وهم أبْناءُ عَشْرِ سِنِينَ وفَرِّقُوا بَيْنَهم في المَضاجِعِ» إلّا أنّا اعْتَبَرْنا الأقَلَّ لِأنَّهُ كافٍ في الغَرَضِ غالِبًا، ولا يُرَدُّ أنَّ المَنعَ يَدُورُ مَعَ السَّفَهِ لِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ يَدُورُ مَعَ السَّفَهِ مُطْلَقًا بَلْ مَعَ سَفَهِ الصِّبا ولا نُسَلِّمُ بَقاءَهُ بَعْدَ تِلْكَ المُدَّةِ عَلى أنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ لا يُوجِبُ العَدَمَ عِنْدَ عَدَمِهِ عِنْدَنا فَأصْلُ الدَّوَرانِ حِينَئِذٍ مَمْنُوعٌ، وعَلى هَذا لا مَعْنى لِلتَّشْنِيعِ عَلى الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ.

ويُؤَيِّدُ مَذْهَبَهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا ﴾ فَإنَّهُ مُشِيرٌ إلى أنَّهُ لا يُمْنَعُ مالُ اليَتِيمِ عَنْهُ إذا كَبُرَ، إذِ المَعْنى لا تَأْكُلُوا أمْوالَهم مُسْرِفِينَ ومُبادِرِينَ كِبَرَهم بِأنْ تُفَرِّطُوا في إنْفاقِها وتَقُولُوا نُنْفِقُ كَما نَشْتَهِي قَبْلَ أنْ يَكْبُرَ اليَتامى فَيَنْتَزِعُوها مِن أيْدِينا إلّا أنَّهُ قُدِّرَ الكِبَرُ فِيمَن بَلَغَ سَفِيهًا بِما تَقَدَّمَ لِما تَقَدَّمَ، فافْهَمْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.

والإسْرافُ في الأصْلِ تَجاوُزُ الحَدِّ المُباحِ إلى ما لَمْ يَبُحْ، ورُبَّما كانَ ذَلِكَ في الإفْراطِ، ورُبَّما كانَ في التَّقْصِيرِ غَيْرَ أنَّهُ إذا كانَ في الإفْراطِ مِنهُ يُقالُ: أسْرَفَ يُسْرِفُ إسْرافًا، وإذا كانَ في التَّقْصِيرِ يُقالُ: سَرَفَ يُسْرِفُ سَرَفًا ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى السَّهْوِ والخَطَأِ وهو غَيْرُ مُرادٍ أصْلًا، والمُبادَرَةُ المُسارَعَةُ وهي لِأصْلِ الفِعْلِ هُنا وتَصِحُّ المُفاعَلَةُ فِيهِ بِأنْ يُبادِرَ الوَلِيُّ أخْذَ مالِ اليَتِيمِ واليَتِيمُ يُبادِرُ نَزْعَهُ مِنهُ، وأصْلُها كَما قِيلَ: مِنَ البِدارِ وهو الِامْتِلاءُ ومِنهُ البَدْرُ لِامْتِلائِهِ نُورًا، والبُدْرَةُ لِامْتِلائِها بِالمالِ، والبَيْدَرُ لِامْتِلائِهِ بِالطَّعامِ والِاسْمانِ المُتَعاطِفانِ مَنصُوبانِ عَلى الحالِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّهُما مَفْعُولٌ لَهُما والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ابْتَلُوا لا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ لِفَسادِ المَعْنى لِأنَّ الأوَّلَ بَعْدَ البُلُوغِ وهَذا قَبْلَهُ، و”يَكْبَرُوا“ بِفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ مِن بابِ عَلِمَ يُسْتَعْمَلُ في السِّنِّ، وأمّا بِالضَّمِّ فَهو في القُدْرَةِ والشَّرَفِ، وإذا تَعَدّى الثّانِي بِعَلى كانَ لِلْمَشَقَّةِ نَحْوَ كَبِرَ عَلَيْهِ كَذا وتَخْصِيصُ الأكْلِ الَّذِي هو أساسُ الِانْتِفاعِ وتَكْثُرُ الحاجَةُ إلَيْهِ بِالنَّهْيِ يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ عَنْ غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأُولى، وفي الجُمْلَةِ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالدَّفْعِ وتَقْرِيرٌ لَها وتَمْهِيدٌ لِما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ إلَخْ أيْ ومَن كانَ مِنَ الأوْلِياءِ والأوْصِياءِ ذا مالٍ فَلْيَكُفَّ نَفْسَهُ عَنْ أكْلِ مالِ اليَتِيمِ ولْيَنْتَفِعْ بِما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الغِنى، فالِاسْتِعْفافُ الكَفُّ وهو أبْلَغُ مِنَ العَفِّ، وفي «المُخْتارِ» يُقالُ: «عَفَّ عَنِ الحَرامِ يَعِفُّ بِالكَسْرِ عِفَّةً وعَفًّا وعَفافَةً أيُّ كَفَّ فَهو عَفٌّ وعَفِيفٌ؛ والمَرْأةُ عَفَّةٌ وعَفِيفَةٌ، وأعَفَّهُ اللَّهُ تَعالى واسْتَعَفَّ عَنِ المَسْألَةِ أيْ عَفَّ، وتَعَفَّفَ تَكَلَّفَ العِفَّةَ»، وتَفْسِيرُهُ بِالتَّنَزُّهِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ البَعْضِ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى.

﴿ ومَن كانَ ﴾ مِنَ الأوْلِياءِ والأوْصِياءِ ﴿ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ ﴾ بِقَدْرِ حاجَتِهِ الضَّرُورِيَّةِ مِن سَدِّ الجَوْعَةِ وسَتْرِ العَوْرَةِ قالَهُ عَطاءٌ وقَتادَةُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وُالطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يَأْكُلُ الفَقِيرُ إذا ولِيَ مالَ اليَتِيمِ بِقَدْرِ قِيامِهِ عَلى مالِهِ ومَنفَعَتِهِ لَهُ ما لَمْ يُسْرِفْ أوْ يُبَذِّرْ، وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ «ابْنِ عُمَرَ سَألَ النَّبِيَّ  فَقالَ: لَيْسَ لِي مالٌ وإنِّي ولِيُّ يَتِيمٍ فَقالَ: كُلْ مِن مالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ ولا مُتَأثِّلٍ مالًا ومِن غَيْرِ أنْ تَقِيَ مالَكَ بِمالِهِ»، وهَلْ يُعَدُّ ذَلِكَ أُجْرَةً أمْ لا؟

قَوْلانِ، ومَذْهَبُنا الثّانِي كَما صَرَّحَ بِهِ الجَصّاصُ في «الأحْكامِ»، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وأبِي العالِيَةِ والزُّهْرِيِّ وعَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ والباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وآخَرِينَ أنَّ لِلْوَلِيِّ الفَقِيرِ أنْ يَأْكُلَ مِن مالِ اليَتِيمِ بِقَدْرِ الكِفايَةِ عَلى جِهَةِ القَرْضِ فَإذا وجَدَ مَيْسَرَةً أعْطى ما اسْتَقْرَضَ، وهَذا هو الأكْلُ بِالمَعْرُوفِ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُما مِن طُرُقٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنِّي أنْزَلْتُ نَفْسِي مِن مالِ اللَّهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ مالِ اليَتِيمِ إنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ وإنِ احْتَجْتُ أخَذْتُ مِنهُ بِالمَعْرُوفِ فَإذا أيْسَرْتُ قَضَيْتُ، وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّحّاسُ كِلاهُما في النّاسِخِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ﴿ ومَن كانَ فَقِيرًا ﴾ الآيَةَ نَسَخَتْها ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا ﴾ إلَخْ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى إباحَةِ الأكْلِ دُونَ الكُسْوَةِ، ورَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزَعَمَ آخَرُونَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في حَقِّ اليَتِيمِ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِن مالِهِ بِحَسَبِ حالِهِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ وهو مَرْدُودٌ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ لا يُعْطِي مَعْنى ذَلِكَ، والتَّفْكِيكُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ.

﴿ فَإذا دَفَعْتُمْ ﴾ أيُّها الأوْلِياءُ والأوْصِياءُ ﴿ إلَيْهِمْ ﴾ أيِ اليَتامى بَعْدَ رِعايَةِ ما ذُكِرَ لَكم ﴿ أمْوالَهُمْ ﴾ الَّتِي تَحْتَ أيْدِيكم، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ ﴿ فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ﴾ بِأنْ قَبَضُوها وبَرِئَتْ عَنْها ذِمَمُكم لِما أنَّ ذَلِكَ أبْعَدُ عَنِ التُّهْمَةِ وأنْفى لِلْخُصُومَةِ وأدْخَلُ في الأمانَةِ وهو أمْرٌ نُدِبَ عِنْدَنا، وذَهَبَ الشّافِعِيَّةُ والمالِكِيَّةُ إلى أنَّهُ أمْرُ وُجُوبٍ، واسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى أنَّ القَيِّمَ لا يُصَدَّقُ بِقَوْلِهِ في الدَّفْعِ بِدُونِ بَيِّنَةٍ.

﴿ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ أيْ شَهِيدًا قالَهُ السُّدِّيُّ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ مَعْنًى وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا أنَّهُ لا شاهِدَ أفْضَلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى فِيما بَيْنَكم وبَيْنَهم وهَذا مُوافِقٌ لِمَذْهَبِنا في عَدَمِ لُزُومِ البَيِّنَةِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى وكَفى بِهِ تَعالى مُحاسِبًا لَكم فَلا تُخالِفُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ ولا تُجاوِزُوا ما حُدَّ لَكم، ولا يَخْفى مَوْقِعُ المُحاسِبِ هُنا لِأنَّ الوَصِيَّ يُحاسَبُ عَلى ما في يَدِهِ، وفي فاعِلِ كَفى كَما قالَ أبُو البَقاءِ: وجْهانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ الِاسْمُ الجَلِيلُ، والباءُ زائِدَةٌ دَخَلَتْ لِتَدُلَّ عَلى مَعْنى الأمْرِ، فالتَّقْدِيرُ اكْتَفُوا بِاللَّهِ تَعالى، والثّانِي: أنَّ الفاعِلَ مُضْمَرٌ والتَّقْدِيرً كَفى الِاكْتِفاءَ بِاللَّهِ تَعالى فَبِاللَّهِ عَلى هَذا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وحَسِيبًا حالٌ، وقِيلَ: تَمْيِيزٌ، وكَفى مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ عِنْدَ السَّمِينِ، والتَّقْدِيرُ وكَفاكُمُ اللَّهُ حَسِيبًا، وإلى مَفْعُولَيْنِ عِنْدَ أبِي البَقاءِ، والتَّقْدِيرُ وكَفاكُمُ اللَّهُ شَرَّكم ونَحْوَ ذَلِكَ.

* * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ: ﴿ يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ﴾ أيِ احْذَرُوهُ مِنَ المُخالَفاتِ والنَّظَرِ إلى الأغْيارِ والزَمُوا عَهْدَ الأزَلِ حِينَ أشْهَدَكم عَلى أنْفُسِكم ﴿ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ وهي الحَقِيقَةُ المُحَمَّدِيَّةُ ويُعَبَّرُ عَنْها أيْضًا بِالنَّفْسِ النّاطِقَةِ الكُلِّيَّةِ الَّتِي هي قَلْبُ العالِمِ وبِآدَمَ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو الأبُ لِآدَمَ، وإلى ذَلِكَ أشارَ سُلْطانُ العاشِقِينَ ابْنُ الفارِضِ قُدِّسَ سِرُّهُ بِقَوْلِهِ عَلى لِسانِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ: وإنِّي وإنْ كُنْتُ ابْنَ آدَمَ صُورَةً فَلِي فِيهِ مَعْنًى شاهِدٌ بِأُبُوَّتِي ﴿ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها ﴾ وهي الطَّبِيعَةُ أوِ النَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ النّاشِئَةُ مِنها، وقَدْ خُلِقَتْ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي عالَمَ الكَوْنِ وهو الضِّلْعُ الأيْسَرُ المُشارُ إلَيْهِ في الخَبَرِ، وقَدْ خُصَّتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أضْعَفُ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي الحَقِّ ﴿ وبَثَّ مِنهُما رِجالا كَثِيرًا ﴾ أيْ كامِلِينَ يَمِيلُونَ إلى أبِيهِمْ ﴿ ونِساءً ﴾ ناقِصِينِ يَمِيلُونَ إلى أُمِّهِمْ ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ ﴾ فَلا تُثْبِتُوا لِأنْفُسِكم وُجُودًا مَعَ وُجُودِهِ لِأنَّهُ الَّذِي أظْهَرَ تَعَيُّناتِكم بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا واتَّقُوا الأرْحامَ أيِ اجْتَنِبُوا مُخالَفَةَ أوْلِيائِي وعَدَمَ مَحَبَّتِهِمْ فَإنَّ مَن وصَلَهم وصَلْتُهُ ومَن قَطَعَهم قَطَعْتُهُ فالأرْحامُ الحَقِيقِيَّةُ هي قَرابَةُ المَبادِئِ العالِيَةِ ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا ﴾ ناظِرًا إلى قُلُوبِكم مُطَّلِعًا عَلى ما فِيها فَإذا رَأى فِيها المَيْلَ إلى السَّوِيِّ وسُوءِ الظَّنِّ بِأهْلِ حَضْرَتِهِ ارْتَحَلَتْ مَطايا أنْوارِهِ مِنها فَبَقِيَتْ بَلاقِعَ تَتَجاوَبُ في أرْجائِها البُومُ ﴿ وآتُوا اليَتامى ﴾ وهم يَتامى القُوى الرُّوحانِيَّةِ المُنْقَطِعِينَ عَنْ تَرْبِيَةِ الرُّوحِ القُدْسِيِّ الَّذِي هو أبُوهم ﴿ أمْوالَهُمْ ﴾ وهي حُقُوقُهم مِنَ الكِمالاتِ ﴿ ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ﴾ بِأنْ تُعْطُوا الطَّيِّبَ مِنَ الصِّفاتِ وتُذَيِّلُوهُ وتَأْخُذُوا بَدَلَهُ الخَبِيثَ مِنها وتَتَّصِفُوا بِهِ ﴿ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ ﴾ بِأنْ تَخْلِطُوا الحَقَّ بِالباطِلِ ﴿ إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾ أيْ حِجابًا عَظِيمًا ﴿ وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا ﴾ أيْ تَعْدِلُوا في تَرْبِيَةِ يَتامى القَوِيِّ ﴿ فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ لِتَقِلَّ شَهَواتُكم وتَحْفَظُوا فُرُوجَكم فَتَسْتَعِينُوا بِذَلِكَ عَلى التَّرْبِيَةِ لِما يَحْصُلُ لَكم مِنَ التَّزْكِيَةِ عَنِ الفاحِشَةِ ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا ﴾ بَيْنَ النِّساءِ فَتَقَعُوا في نَحْوِ ما هَرَبْتُمْ مِنهُ ﴿ فَواحِدَةً ﴾ تَكْفِيكم في تَحْصِيلِ غَرَضِكم ﴿ وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ ﴾ مُهُورَهُنَّ ﴿ نِحْلَةً ﴾ عَطِيَّةً مِنَ اللَّهِ وفَضْلًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى التَّخْلِيَةِ عَنِ البُخْلِ والغَدْرِ والتَّحْلِيَةِ بِالوَفاءِ والكَرَمِ، وذَلِكَ مِن جُمْلَةِ ما يُرَبِّي بِهِ القَوِيُّ ﴿ فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ ولا تَأْنَفُوا وتَتَكَبَّرُوا عَنْ ذَلِكَ وهَذا أيْضًا نَوْعٌ مِنَ التَّرْبِيَةِ لِما فِيهِ مِنَ التَّخْلِيَةِ عَنِ الكِبَرِ والأنَفَةِ والتَّحْلِيَةِ بِالتَّواضُعِ والشَّفَقَةِ ﴿ ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ ﴾ أيْ لا تُودِعُوا النّاقِصِينَ عَنْ مَراتِبِ الكَمالِ أسْرارَكم وعُلُومَكم ﴿ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا وارْزُقُوهم فِيها ﴾ أيْ غَذُّوهم بِشَيْءٍ مِنها ﴿ واكْسُوهُمْ ﴾ أيْ حَلُّوهم ﴿ وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ " لِيَنْقادُوا إلَيْكم ويُسَلِّمُوا أنْفُسَهم بِأيْدِيهم ﴿ وابْتَلُوا اليَتامى ﴾ أيِ اخْتَبِرُوهم، ولَعَلَّهُ إشارَةٌ إلى اخْتِبارِ النّاقِصِينَ مِنَ السّائِرِينَ ﴿ حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ ﴾ وصَلَحُوا لِلْإرْشادِ والتَّرْبِيَةِ ﴿ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا ﴾ أيِ اسْتِقامَةً في الطَّرِيقِ وعَدَمَ تَلَوُّنٍ ﴿ فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ ﴾ الَّتِي يَسْتَحِقُّونَها مِنَ الأسْرارِ الَّتِي لا تُودَعُ إلّا عِنْدَ الأحْرارِ.

والمُرادُ إيصاءُ الكُمَّلِ مِنَ الشُّيُوخِ أنْ يُخْلِفُوا ويَأْذَنُوا بِالإرْشادِ مَن يَصْلُحُ لِذَلِكَ مِنَ المُرِيدِينَ السّالِكِينَ عَلى أيْدِيهِمْ ﴿ ولا تَأْكُلُوها ﴾ أيْ تَنْتَفِعُوا بِتِلْكَ الأمْوالِ دُونَهم ﴿ إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا ﴾ بِالتَّصَدِّي لِلْإرْشادِ فَإنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ أدْواءِ النَّفْسِ والسُّمُومِ القاتِلَةِ ﴿ ومَن كانَ ﴾ مِنكم ﴿ غَنِيًّا ﴾ بِاللَّهِ لا يَلْتَفِتُ إلى ضَرُوراتِ الحَياةِ أصْلًا ﴿ فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ عَمّا لِلْمُرِيدِ ﴿ ومَن كانَ فَقِيرًا ﴾ لا يَتَحَمَّلُ الضَّرُورَةَ ﴿ فَلْيَأْكُلْ ﴾ أيْ فَلْيَنْتَفِعْ بِما لِلْمُرِيدِ ﴿ بِالمَعْرُوفِ ﴾ وهو ما كانَ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ ﴿ فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ﴾ اللَّهَ تَعالى وأرْواحَ أهْلِ الحَضْرَةِ وخُذُوا العَهْدَ عَلَيْهِمْ بِرِعايَةِ الحُقُوقِ مَعَ الحَقِّ والخَلْقِ ﴿ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ لِأنَّهُ المَوْجُودُ الحَقِيقِيُّ والمُطَّلِعُ الَّذِي يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ، وهو حَسَبُنا ونَعِمَ الوَكِيلُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً يعني أعطوا النساء مهورهن فريضة.

ويقال: ديانة كما يقال: فلان ينتحل إلى مذهب كذا، أي يدين بكذا.

ويقال نحلة أي صدقة وهبة، لأن المهر نحلة من الله تعالى للنساء حيث لم يوجب عليهن وأوجب لهن.

وقال في رواية الكلبي: إن أهل الجاهلية كان الولي إذا زوجها فإن كانت معهم في العشيرة لم يعطها من مهرها قليلاً ولا كثيراً، وإن كانت غريبة حملوها على بعير إلى زوجها، ولا يعطوها مهرها غير ذلك البعير شيئاً، فنزل قوله تعالى وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً يعني به الأولياء، يعني أعطوهن مهورهن نحلة.

يقول: عطية لهن.

وقال في رواية مقاتل: كان الرجل يتزوج بغير مهر، ويقول: أرثك وترثيني، فنزلت الآية وَآتُوا النِّساءَ يعني الأزواج صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً أي مهور النساء نحلة يعني فريضة فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ يا معشر الأزواج أي أحللن لكم ووهبن لكم، قال في رواية الكلبي: يعني الأولياء إذا وهبت المرأة المهر للولي فذلك قوله فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً أي طيباً لا إثم فيه مَرِيئاً أي لا داء فيه، ويقال: هنيئاً مريئاً يعني حلالاً طيباً.

وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا كان أحدكم مريضاً فليسأل من امرأته درهمين من مهرها، حتى تهب له بطيبة نفسها، فيشتري بذلك عسلاً فيشربه مع ماء المطر، فحينئذٍ قد اجتمع الهنيء والمريء، والشفاء والماء المبارك، يعني أن الله سبحانه تعالى سمى المهر هنيئاً مريئاً إذا وهبت، وسمى العسل شفاء، وسمى ماء المطر مباركاً، فإذا اجتمعت هذه الأشياء يرجى له الشفاء.

ثم قال تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ يعني النساء والأولاد الصغار، يعني لا يجعل الرجل ماله في يدي امرأته وأولاده، ثم يجعل نفسه محتاجاً إليهم فلا يدفع إليه عند حاجته.

ويقال: لا تدفعوا أموالكم مضاربة، ولا إلى وكيل لا يحسن التجارة.

وروي عن عمر  أنه قال: مَنْ لَمْ يتفقه فلا يتجر في سوقنا.

فذلك قوله تعالى وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ يعني الجهال بالأحكام.

ويقال: لا تدفعوا إلى الكفار، ولهذا كره علماؤنا أن يوكل المسلم ذمياً بالبيع والشراء، أو يدفع إليه مضاربة ثم قال تعالى: الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً يعني الأموال التي جعل الله قواماً لمعاشكم.

ثم قال: وَارْزُقُوهُمْ فِيها يعني الأولاد الصغار أطعموهم وَاكْسُوهُمْ من أموالكم، وكونوا أنتم القوام على أموالكم وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً يعني إذا طلبوا منكم النفقة ولم يكن عندكم في ذلك الوقت شيء، فعدوا لهم عدة حسنة، أي سأفعل ذلك.

ثم قال: وَابْتَلُوا الْيَتامى يعني اختبروا اليتامى وجربوا عقولهم، حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ يعني الحلم ويقال: مبلغ الرجال فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً يقول: إذا رأيتم منهم رشداً، وصلاحاً في دينهم، وحفظاً لأموالهم فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ التي معكم وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً في غير حق وَبِداراً يعني مبادرة في أكله أَنْ يَكْبَرُوا يعني مخافة أن يكبروا فيأخذوا أموالهم منكم.

ثم قال: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ أي ليحفظ نفسه عن مال اليتيم وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ وقد اختلف الناس في تأويل هذه الآية، وقالوا فيها ثلاثة أقوال.

قال بعضهم: يجوز للمعسر أن يأكل على قدر قيامه عليه.

وقال بعضهم: لا يجوز أن يأكل إلا على وجه القرض، ويرد عليه إذا كبر.

وقال بعضهم: لا يجوز في الأحوال كلها.

فأما من قال إنه يجوز أكله على قدر قيامه فإنه احتج بما روي عن عمر بن الخطاب  أنه قال: إني أنزلت مال الله مني بمنزلة مال اليتيم- المراد منه بيت المال- فمن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف.

وروي عن ابن عباس  إن رجلاً سأله فقال: يا ابن عباس أتي إليّ بمواشي أيتام فهل عليَّ جناح إن أصبت من رسل مواشيهم؟

قال ابن عباس: إن كنت تبغي ضالتها وتهنأ جرباها وتلوط حياضها ولا تفرط لها يوم وردها، فلا جناح عليك إن أصبت من رسلها.

وقال مجاهد: كان يقول من أدركت من أصحاب رسول الله  إن للوصي أن يأكل بالمعروف مع اليتيم، فإنه يحلب غنمه ويقوم على ماله ويحفظه، وأما من قال إنه يجوز أكله على وجه القرض احتج بما روي عن محمد بن سيرين أنه قال: سألت عبيدة السلماني عن قوله تعالى وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ قال: هو قرض ثم يرد عليه إذا كبر.

فقال: ألا ترى أنه قال في سياق الآية فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ؟

وقال أبو العالية: ما أكل فهو دين عليه.

وقال الشعبي: مثله.

وأما من قال إنه لا يجوز أكله، فلأن الله تعالى قال إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [النساء: 10] وتلك الآية محكمة وهذه من المتشابهة، لأنه يحتمل التأويل أنهم يأكلون على وجه القرض أو على وجه الإباحة، فيرد حكم المتشابه إلى المحكم.

وقد قيل أن هذه الآية منسوخة بتلك الآية.

قال الفقيه رحمه الله: إذا كان الوصي فقيراً، فأكل من مال اليتيم مقدار قيامه عليه، أرجو أن لا بأس به، لأن كثيراً من العلماء أجازوا ذلك والاحتراز عنه أفضل.

قرأ نافع وابن عامر الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً بكسر القاف ونصب الياء بغير ألف، والباقون بالألف ومعناهما قريب.

وقال أهل اللغة: قياماً وقواماً وقيماً بمعنى واحد.

وقوله تعالى فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ يعني إذا أدرك اليتامى ودفعتم إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ على ذلك، وإنما الإشهاد على معنى الاستحباب لنفي التهمة عن نفسه، ولو لم يشهد على ذلك لجاز كقوله تعالى وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ ثم قال: وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً أي شهيداً في أمر الآخرة، وأما في أمر الدنيا ينبغي أن يشهد العدول على ذلك لدفع القال عن نفسه، لأن الله تعالى لا يشهد له في الدنيا.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقيل: في المحجورين من أموالهم، ومَعْرُوفاً: قيل: معناه: ادعوا لهم، وقيل:

معناه: عِدُوهُمْ وَعْداً حَسَناً، أي: إنْ رَشَدتُّمْ، دَفَعْنا لكُمْ أموالكم، ومعنى اللفظة: كُلُّ كلام تعرفه النفُوسُ، وتأنس إليه، ويقتضيه الشّرع.

وقوله: وَابْتَلُوا الْيَتامى ...

الآية: الابتلاء: الاختبار، وبَلَغُوا النِّكاحَ: معناه:

بَلَغُوا مَبْلَغَ الرجَالِ بِحُلُمٍ أوْ حَيْضٍ، / أوْ غَيْرِ ذلك، ومعناه: جَرِّبوا عقولهم، وقرائحهم، وتصرّفهم، وآنَسْتُمْ: معناه: عَلِمْتُمْ، وشَعَرْتُمْ، وخَبَرْتُمْ، ومالكٌ (رحمه اللَّه) يرى الشّرطين البلوغ «١» ...

والرُّشد «١» المختَبَرَ «٢» ، وحينئذٍ يدفع المال.

قال ع»

: والبلوغُ لم تَسُقْهُ الآيةُ سِيَاقَ الشَّرْط، ولكنَّها حالةُ الغالِبِ على بني آدم أنْ تَلْتَئِمَ عقولُهم فيها، فهو الوقْتُ الذي لا يُعْتَبَرُ شَرْط الرُّشْد إلاَّ فيه، فقال: إذا بلغ ذلك الوقْتَ، فلينظُرْ إلى الشرط، وهو الرُّشْد حينئذٍ وفصاحةُ الكلامِ تدُلُّ على ذلك لأنَّ التوقيتَ بالبلوغِ جاء ب «إذَا» ، والمشروطُ جاء ب «إنْ» التي هي قاعدةُ حروفِ الشرطِ، «وإذا» ليستْ بحَرْفِ شرطٍ إلاَّ في ضرورة «٤» الشِّعْر، قال ابنُ عَبَّاس: الرُّشْد في العقلِ

وتدبيرِ المَالِ لا غَيْرُ «١» وهو قولُ ابنِ القَاسِمِ في مَذْهَبنا.

وقال الحَسَنُ، وقَتَادة: الرُّشْد في العَقْلِ والدينِ «٢» وهو روايةٌ أيضًا عن مالك.

وقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا: نهي منه سبحانَه للأوصياء عَنْ أَكْل أموالِ اليتامى بغَيْر الواجبِ المُبَاح لهم، والإسْرَافُ: الإفراط في الفَعْل، والسَّرَف:

الخَطَأُ في مواضع الإنفاق، وبِدَاراً: معناه: مُبَادَرَةً كِبَرِّهم، أيْ أنَّ الوصِيَّ يستغنمُ مالَ مَحْجُورِهِ، وأَنْ يَكْبَرُوا: نَصْبٌ ب «بِدَار» ، ويجوز أنْ يكونَ التقديرُ مخافةَ أنْ يَكْبَرُوا.

وقوله تعالى: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، يقال: عَفَّ الرجُلُ عَنِ الشَّيْء، واستعف، إلا أَمْسَكَ، فَأُمِرَ الغنيُّ بالإمساك عَنْ مالِ اليتيمِ وأبَاحَ اللَّه للوصيِّ الفقيرِ أنْ يأكُلَ مِنْ مالِ يتيمه بالمَعْروف.

واختلف العلماءُ في حَدِّ المعروف، فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: إنما يأكل الوصيُّ بالمعروف إذا شَرِبَ مِنَ اللَّبَنَ، وأَكَلَ مِنَ التَّمْر بما يهنأ الجَرْبَاء، ويلطُّ الحَوْض، ويُجِدُّ التمْر، وما أشبهه «٣» ، قُلْتُ: يقال للقَطِرَانِ: الهَنا في لغة العرب كذا رأيته مَنْصُوصاً عليه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وابْتَلُوا اليَتامى ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ رَجُلًا، يُقالُ لَهُ: رِفاعَةُ، ماتَ وتَرَكَ ولَدًا صَغِيرًا، يُقالُ لَهُ: ثابِتٌ، فَوَلِيَهُ عَمُّهُ، فَجاءَ إلى النَّبِيِّ  ، فَقالَ: إنَّ ابْنَ أخِي يَتِيمٌ في حِجْرِي، فَما يَحِلُّ لِي مِن مالِهِ؟

ومَتى أدْفَعُ إلَيْهِ مالَهُ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، ذَكَرَ نَحْوَهُ مُقاتِلٌ.

والِابْتِلاءُ: الِاخْتِبارُ.

وبِماذا يُخْتَبَرُونَ؟

فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم يُخْتَبَرُونَ في عُقُولِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وسُفْيانُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: يُخْتَبَرُونَ في عُقُولِهِمْ ودِينِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: في عُقُولِهِمْ ودِينِهِمْ، وحِفْظِهِمْ أمْوالَهم، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا الِابْتِلاءُ قَبْلَ البُلُوغِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: بَلَغُوا أنْ يَنْكِحُوا النِّساءَ ﴿ فَإنْ آنَسْتُمْ ﴾ أيْ: عَلِمْتُمْ، وتَبَيَّنْتُمْ.

وأصْلُ: أنَسَتْ: أبْصَرَتْ.

وفي الرُّشْدِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الصَّلاحُ في الدِّينِ، وحِفْظُ المالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

والثّانِي: الصَّلاحُ في العَقْلِ، وحِفْظِ المالِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ العَقْلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والنَّخْعِيُّ.

والرّابِعُ: العَقْلُ، والصَّلاحُ في الدِّينِ، رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ.

* فَصْلٌ واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلَّقَ رَفْعَ الحَجْرِ عَنِ اليَتامى بِأمْرَيْنِ؛ بِالبُلُوغِ والرُّشْدِ، وأمَرَ الأوْلِياءَ بِاخْتِبارِهِمْ، فَإذا اسْتَبانُوا رُشْدَهم، وجَبَ عَلَيْهِمْ تَسْلِيمُ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ.

والبُلُوغُ يَكُونُ بِأحَدِ خَمْسَةِ أشْياءَ، ثَلاثَةٌ يَشْتَرِكُ فِيها الرِّجالُ والنِّساءُ؛ الِاحْتِلامُ، واسْتِكْمالُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، والإنْباتُ، وشَيْئانِ يُخْتَصّانِ بِالنِّساءِ الحَيْضُ والحَمْلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَأْكُلُوها إسْرافًا ﴾ خِطابٌ لِلْأوْلِياءِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تَأْكُلُوها بِغَيْرِ حَقٍّ.

و"بِدارًا": تُبادِرُونَ أكْلَ المالِ قَبْلَ بُلُوغِ الصَّبِيِّ ﴿ وَمَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ بِمالِهِ عَنْ مالِ اليَتِيمِ.

وفي الأكْلِ بِالمَعْرُوفِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الأخْذُ عَلى وجْهِ القَرْضِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي العالِيَةِ، وعُبَيْدَةَ، وأبِي وائِلٍ، ومُجاهِدٍ، ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: الأكْلُ بِمِقْدارِ الحاجَةِ مِن غَيْرِ إسْرافٍ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، والنَّخْعِيِّ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الأخْذُ بِقَدْرِ الأُجْرَةِ إذا عَمِلَ لِلْيَتِيمِ عَمَلًا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعائِشَةَ، وهي رِوايَةُ أبِي طالِبٍ، وابْنِ مَنصُورٍ، عَنْ أحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الأخْذُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَإنَّ أيْسَرَ قَضاهُ، وإنْ لَمْ يُوسِرْ، فَهو في حِلٍّ، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ.

* فَصْلٌ واخْتَلَفَ العُلَماءُ هَلْ هَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدِهِما: مَحْكَمَةٌ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والنَّخْعِيِّ، وقَتادَةَ في آَخَرِينَ.

وحُكْمُها عِنْدَهم أنَّ الغَنِيَّ لَيْسَ لَهُ أنْ يَأْكُلَ مِن مالِ اليَتِيمِ شَيْئًا، فَأمّا الفَقِيرُ الَّذِي لا يَجِدُ ما يَكْفِيهِ، وتَشْغَلُهُ رِعايَةُ مالِ اليَتِيمِ عَنْ تَحْصِيلِ الكِفايَةِ، فَلَهُ أنْ يَأْخُذَ قَدَرَ كِفايَتِهِ بِالمَعْرُوفِ مِن غَيْرِ إسْرافٍ.

وَهَلْ عَلَيْهِ الضَّمانُ إذا أيْسَرَ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

لَهم.

أحَدُهُما: أنَّهُ لا ضَمانَ عَلَيْهِ، بَلْ يَكُونُ كالأُجْرَةِ لَهُ عَلى عَمَلِهِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخْعِيِّ، وقَتادَةَ، وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.

والثّانِي: إذا أيْسَرَ وجَبَ عَلَيْهِ القَضاءُ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وغَيْرِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا كالقَوْلَيْنِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿ لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ  ﴾ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولا يَصِحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ﴾ قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: هَذا عَلى طَرِيقِ الِاحْتِياطِ لِلْيَتِيمِ، والوَلِيِّ، ولَيْسَ بِواجِبٍ، فَأمّا اليَتِيمُ، فَإنَّهُ إذا كانَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، كانَ أبْعَدَ مِن أنْ يَدَّعِيَ عَدَمَ القَبْضِ، وأمّا الوَلِيُّ، فَإنْ تَظْهَرْ أمانَتُهُ، ويَسْقُطْ عَنْهُ اليَمِينُ عِنْدَ إنْكارِ اليَتِيمِ لِلدَّفْعِ، وفي "الحَسِيبِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الشَّهِيدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ الكافِي، مِن قَوْلِكَ: أحْسَبُنِي هَذا الشَّيْءَ [أيْ: كَفانِي، واللَّهُ حَسِيبِي وحَسِيبُكَ، أيْ:َكافِينا، أيْ: يَكُونُ حُكْمًا بَيْنَنا كافِيًا.

قالَ الشّاعِرُ: ونُقَفِّي ولِيدَ الحَيِّ إنْ كانَ جائِعًا ونَحْسَبُهُ إنْ كانَ لَيْسَ بِجائِعِ أيْ: نُعْطِيهِ ما يَكْفِيهِ حَتّى يَقُولَ: حَسْبِي] قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ والخَطّابِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المُحاسِبُ، فَيَكُونُ في مَذْهَبٍ جَلِيسٍ، وأكِيلُ، وشِرِّيبٌ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ والخَطّابِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وكَفى بِاللهِ حَسِيبًا ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِلْجَمِيعِ، والمَعْنى يُخْلِصُ التَلَبُّسَ بِهَذا الأمْرِ لِلْأوصِياءِ، والِابْتِلاءُ: الِاخْتِبارُ، و"بَلَغُوا النِكاحَ" مَعْناهُ: بَلَغُوا مَبْلَغَ الرِجالِ بِحُلْمٍ وحَيْضٍ أو ما يُوازِيهِ، ومَعْناهُ: جَرِّبُوا عُقُولَهم وقَرائِحَهم وتَصَرُّفَهُمْ، و"آنَسْتُمْ"، مَعْناهُ: عَلِمْتُمْ وشَعَرْتُمْ وخَبَرْتُمْ، كَما قالَ الشاعِرُ: آنَسَتْ نَبْأةً وأفْزَعَها القَنّا صُ عَصْرًا وقَدْ دَنا الإمْساءُ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "أحَسْتُمْ" بِالحاءِ وسُكُونِ السِينِ عَلى مِثالِ فَعَلْتُمْ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ وأبُو السَمّالِ وابْنُ مَسْعُودٍ وعِيسى الثَقَفِيُّ: "رَشَدًا" بِفَتْحِ الراءِ والشِينِ، والمَعْنى واحِدٌ.

ومالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ يَرى الشَرْطَيْنِ: البُلُوغَ والرُشْدَ المُخْتَبَرَ، وحِينَئِذٍ يُدْفَعُ المالُ؛ وأبُو حَنِيفَةَ يَرى أنْ يُدْفَعَ المالُ بِالشَرْطِ الواحِدِ ما لَمْ يَحْتَفِظْ لَهُ سُلْفَةً كَما أُبِيحَتِ التَسْرِيَةُ بِالشَرْطِ الواحِدِ، وكِتابُ اللهِ قَدْ قَيَّدَها بِعَدَمِ الطَوْلِ وخَوْفِ العَنَتِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ، كاليَمِينِ والحِنْثِ اللَذَيْنِ بَعْدَهُما تَجِبُ الكَفّارَةُ، ولَكِنَّها تَجُوزُ قَبْلَ الحِنْثِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَمْثِيلُ عِنْدِي في دَفْعِ المالِ بِنَوازِلِ الشَرْطَيْنِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وذَلِكَ أنَّ البُلُوغَ لَمْ تَسُقْهُ الآيَةُ سِياقَ الشَرْطِ، ولَكِنَّهُ حالَةُ الغالِبِ عَلى بَنِي آدَمَ أنْ تَلْتَئِمَ عُقُولُهم فِيها، فَهو الوَقْتُ الَّذِي لا يُعْتَبَرُ شَرْطُ الرُشْدِ إلّا فِيهِ، فَقالَ: إذا بَلَغَ ذَلِكَ الوَقْتَ فَلْيَنْظُرْ إلى الشَرْطِ وهو الرُشْدُ حِينَئِذٍ، وفَصاحَةُ الكَلامِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ التَوْقِيفَ بِالبُلُوغِ جاءَ "بِإذا" والمَشْرُوطُ جاءَ "بِإنْ" الَّتِي هي قاعِدَةُ حُرُوفِ الشَرْطِ، و"إذا" لَيْسَتْ بِحَرْفِ شَرْطٍ لِحُصُولِ ما بَعْدَها، وأجازَ سِيبَوَيْهِ أنْ يُجازى بِها في الشِعْرِ، وقالَ: فَعَلُوا ذَلِكَ مُضْطَرِّينَ، وإنَّما جُوزِيَ بِها لِأنَّها تَحْتاجُ إلى جَوابٍ، ولِأنَّها يَلِيها الفِعْلُ مُظْهَرًا أو مُضْمَرًا.

واحْتَجَّ الخَلِيلُ عَلى مَنعِ شَرْطِيَّتِها بِحُصُولِ ما بَعْدَها، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: أجِيئُكَ إذا احْمَرَّ البُسْرُ، ولا تَقُولُ: إنِ احْمَرَّ البُسْرُ.

وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الرُشْدُ في العَقْلِ والدِينِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلْ في العَقْلِ وتَدْبِيرِ المالِ لا غَيْرَ، وهو قَوْلُ ابْنِ القاسِمِ في مَذْهَبِنا.

والرِوايَةُ الأُخْرى: "أنَّهُ في العَقْلِ والدِينِ" مَرْوِيَّةٌ عن مالِكٍ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: دَفْعُ الوَصِيِّ المالَ إلى المَحْجُورِ يَفْتَقِرُ إلى أنْ يَرْفَعَهُ إلى السُلْطانِ ويَثْبُتَ عِنْدَهُ رُشْدُهُ، أو يَكُونُ مِمَّنْ يَأْمَنُهُ الحاكِمُ في مِثْلِ ذَلِكَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ مَوْكُولٌ إلى اجْتِهادِ الوَصِيِّ دُونَ أنْ يَحْتاجَ إلى رَفْعِهِ إلى السُلْطانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَوابُ في أوصِياءِ زَمَنِنا أنْ لا يُتَسَنّى عن رَفْعِهِ إلى السُلْطانِ وثُبُوتِ الرُشْدِ عِنْدَهُ، لِما حُفِظَ مِن تَواطُؤِ الأوصِياءِ عَلى أنْ يُرْشَدَ الوَصِيُّ ويُبْرَأ المَحْجُورُ لِسَفَهِهِ وقِلَّةِ تَحْصِيلِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَأْكُلُوها ﴾ .....

الآيَةُ، نَهْيٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِلْأوصِياءِ عن أكْلِ أمْوالِ اليَتامى بِغَيْرِ الواجِبِ المُباحِ لَهُمْ؛ والإسْرافُ: الإفْراطُ في الفِعْلِ، والسَرَفُ: الخَطَأُ في مَواضِعِ الإنْفاقِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .................

∗∗∗....

∗∗∗ ما في عَطائِهِمُ مَنٌّ ولا سَرَفُ.

أيْ: لا يُخْطِئُونَ مَواضِعَ العَطاءِ.

"وَبِدارًا": مَعْناهُ: مُبادَرَةَ كِبَرِهِمْ، أيْ: إنَّ الوَصِيَّ يَسْتَغْنِمُ مالَ مَحْجُورِهِ فَيَأْكُلُ ويَقُولُ: أُبادِرُ كِبَرَهُ لِئَلّا يَرْشُدَ ويَأْخُذَ مالَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ.

و"أنْ يَكْبَرُوا" نُصِبَ بِـ "بِدارًا"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: مَخافَةَ أنْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ ...

الآيَةُ، يُقالُ: عَفَّ الرَجُلُ عَنِ الشَيْءِ واسْتَعَفَّ: إذا أمْسَكَ، فَأمَرَ الغَنِيَّ بِالإمْساكِ عن مالِ اليَتِيمِ، وأباحَ اللهُ لِلْوَصِيِّ الفَقِيرِ أنْ يَأْكُلَ مِن مالِ يَتِيمِهِ بِالمَعْرُوفِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حَدِّ المَعْرُوفِ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ وعُبَيْدَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والشَعْبِيُّ ومُجاهِدٌ وأبُو العالِيَةِ: إنَّ ذَلِكَ القَرْضَ، أنْ يَتَسَلَّفَ مِن مالِ يَتِيمِهِ ويَقْضِيَ إذا أيْسَرَ، ولا يَتَسَلَّفُ أكْثَرَ مِن حاجَتِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ وعَطاءٌ: رُوِيَ عن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: "إنِّي نَزَلْتُ مِن مالِ اللهِ مَنزِلَةَ والِي اليَتِيمِ، إنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ، وإنِ احْتَجْتُ أكَلْتُ بِالمَعْرُوفِ، فَإذا أيْسَرْتُ قَضَيْتُ".

ورُوِيَ عن إبْراهِيمَ وعَطاءٍ وغَيْرِهِما أنَّهُ لا قَضاءَ عَلى الوَصِيِّ الفَقِيرِ فِيما أكَلَ بِالمَعْرُوفِ، قالَ الحَسَنُ: هي طُعْمَةٌ مِنَ اللهِ لَهُ، وذَلِكَ أنْ يَأْكُلَ ما يُقِيمُهُ أكْلًا بِأطْرافِ الأصابِعِ، ولا يَكْتَسِي مِنهُ بِوَجْهٍ، وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ ومَكْحُولٌ: "يَأْكُلُ ما يُقِيمُهُ ويَكْتَسِي ما يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، ولا يَلْبَسُ الكِتّانَ والحُلَلَ".

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو العالِيَةِ والحَسَنُ والشَعْبِيُّ: "إنَّما يَأْكُلُ الوَصِيُّ بِالمَعْرُوفِ إذا شَرِبَ مِنَ اللَبَنِ وأكَلَ مِنَ الثَمَرِ، بِما يَهْنَؤُ الجَرْبى ويَلِيطُ الحَوْضَ ويَجُدُّ الثَمَرَ، وما شابَهَهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْرُوفُ أنْ يَكُونَ لَهُ أجْرٌ بِقَدْرِ عَمَلِهِ وخِدْمَتِهِ.

وَقالَ الحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: إنْ كانَ وصِيَّ أبٍ فَلَهُ الأكْلُ بِالمَعْرُوفِ، وإنْ كانَ وصِيَّ حاكِمٍ فَلا سَبِيلَ لَهُ إلى المالِ بِوَجْهٍ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَخْعِيُّ: المُرادُ أنْ يَأْكُلَ الوَصِيُّ بِالمَعْرُوفِ مِن مالِهِ حَتّى لا يَحْتاجَ إلى مالِ اليَتِيمِ.

وقالَ رَبِيعَةُ بْنُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ: المُرادُ اليَتامى في الحالَيْنِ، أيْ: مَن كانَ مِنهم غَنِيًّا فَلْيُعَفَّ بِمالِهِ، ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيُتَقَتَّرْ عَلَيْهِ بِالمَعْرُوفِ والِاقْتِصادِ.

وقَوْلُهُ: "فَإذا دَفَعْتُمْ"....

الآيَةُ.

أمْرٌ مِنَ اللهِ بِالتَحَرُّزِ والحَزْمِ، وهَذا هو الأصْلُ في الإشْهادِ في المَدْفُوعاتِ كُلِّها، إذا كانَ حَبْسُها أوَّلًا مَعْرُوفًا.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشْهادُ هاهُنا فَرْضٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو نَدْبٌ إلى الحَزْمِ، ورَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ جُبَيْرَةٍ أنَّ هَذا هو دَفْعُ ما يَسْتَقْرِضُهُ الوَصِيُّ الفَقِيرُ إذا أيْسَرَ، واللَفْظُ يَعُمُّ هَذا وسِواهُ.

والحَسِيبُ هُنا المُحْسِبُ، أيْ هو كافٍ مِنَ الشُهُودِ، هَكَذا قالَ الطَبَرِيُّ، والأظْهَرُ أنَّ "حَسِيبًا" مَعْناهُ: حاسِبًا أعْمالَكم ومُجازِيًا بِها، فَفي هَذا وعِيدٌ لِكُلِّ جاحِدِ حَقٍّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ ﴾ .

يجوز أن يكون جملة ﴿ وابتلوا ﴾ معطوفة على جملة ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ [النساء: 5] لتنزيلها منها منزلة الغاية للنهي.

فإن كان المراد من السفهاء هنالك خصوص اليتامى فيتّجه أن يقال: لماذا عدل عن الضمير إلى الاسم الظاهر وعن الاسم الظاهر المساوي للأوّل إلى التعبير بآخر أخصّ وهو اليتامى، ويجاب بأنّ العدول عن الإضمار لزيادة الإيضاح والاهتمام بالحكم، وأنّ العدول عن إعادة لفظ السفهاء إيذان بأنّهم في حالة الابتلاء مرجو كمال عقولهم، ومتفاءل بزوال السفاهة عنهم، لئلاّ يلوح شبه تناقض بين وصفهم بالسفه وإيناس الرشد منهم، وإن كان المراد من السفهاء هنالك أعمّ من اليتامى، وهو الأظهر، فيتّجه أن يقال: ما وجه تخصيص حكم الابتلاء والاستيناس باليتامى دون السفهاء؟

ويجاب بأنّ الإخبار لا يكون إلاّ عند الوقت الذي يرجى فيه تغيّر الحال، وهو مراهقة البلوغ، حين يرجى كمال العقل والتنقّل من حال الضعف إلى حال الرشد، أمّا من كان سفهه في حين الكبر فلا يعرف وقت هو مظنّة لانتقال حاله وابتلائه.

ويجوز أن تكون جملة ﴿ وابتلوا ﴾ معطوفة على جملة ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ [النساء: 2] لبيان كيفية الإيتاء ومقدّماته، وعليه فالإظهار في قوله: ﴿ اليتامى ﴾ لبعد ما بين المعاد والضمير، لو عبّر بالضمير.

والابتلاء: الاختبار، وحتّى ابتدائية، وهي مفيدة للغاية، لأنّ إفادتها الغاية بالوضع، وكونَها ابتدائية أو جارّة استعمالاتٌ بحسب مدخولها، كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ حتى إذا فشلتم ﴾ في سورة [آل عمران: 152].

و(إذا) ظرف مضمّن معنى الشرط، وجمهور النحاة على أنّ (حتّى) الداخلة على (إذا) ابتدائية لا جارّة.

والمعنى: ابتلوا اليتامى حتّى وقت إن بلغوا النكاح فادفعوا إليهم أموالهم وما بعد ذلك ينتهي عنده الابتلاء، وحيث علم أنّ الابتلاء لأجل تسليم المال فقد تقرّر أنّ مفهوم الغاية مراد منه لازمه وأثره، وهو تسليم الأموال.

وسيصرّح بذلك في جواب الشرط الثاني.

والابتلاء هنا: هو اختبار تصرّف اليتيم في المال باتّفاق العلماء، قال المالكية: يدفع لليتيم شيء من المال يمكنه التصرّف فيه من غير إجحاف، ويردّ النظر إليه في نفقة الدار شهراً كاملاً، وإن كانت بنتاً يفوّض إليها ما يفوّض لربّة المنزل، وضبط أموره، ومعرفة الجيّد من الرديء، ونحو ذلك، بحسب أحوال الأزمان والبيوت.

وزاد بعض العلماء الاختبار في الدين، قاله الحسن، وقتادة، والشافعي.

وينبغي أن يكون ذلك غير شرط إذ مقصد الشريعة هنا حفظ المال، وليس هذا الحكم من آثار كليّة حفظ الدين.

وبلوغ النكاح على حذف مضاف، أي بلوغ وقت النكاح أي التزوّج، وهو كناية عن الخروج من حالة الصبا للذكر والأنثى، وللبلوغ علامات معروفة، عبّر عنها في الآية ببلوغ النكاح بناء على المتعارف عند العرب من التبكير بتزويج البنت عن البلوغ.

ومن طلب الرجل الزواج عند بلوغه، وبلوغ صلاحية الزواج تختلف باختلاف البلاد في الحرارة والبرودة، وباختلاف أمزجة أهل البلد الواحد في القوّة والضعف، والمزاج الدموي والمزاج الصفراوي، فلذلك أحاله القرآن على بلوغ أمد النكاح، والغالب في بلوغ البنت أنّه أسبق من بلوغ الذكر، فإن تخلّفت عن وقت مظنّتها فقال الجمهور: يستدلّ بالسنّ الذي لا يتخلّف عنه أقصى البلوغ عادة، فقال مالك، في رواية ابن القاسم عنه: هو ثمان عشرة سنة للذكور والإناث، وروي مثله عن أبي حنيفة في الذكور، وقال: في الجاري سَبْع عشرة سنة، وروى غيْر ابن القاسم عن مالك أنّه سبع عشرة سنة.

والمشهور عن أبي حنيفة: أنّه تسع عشرة سنة للذكور وسبع عشرة للبنات، وقال الجمهور: خمس عشرة سنة.

قاله القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بننِ عُمر، وإسحاق، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، وابن الماجشون، وبه قال أصبغ، وابن وهب، من أصحاب مالك، واختاره الأبهري من المالكية، وتمسّكوا بحديث ابن عمر أنّه عرضَه رسولُ الله يوم بدر وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يُجزه، وعرضه يوم أحُد وهو ابن خمس عشرة فأجازه.

ولا حجّة فيه إذ ليس يلزم أن يكون بلوغ عبد الله بن عمر هو معيار بلوغ عموم المسلمين، فصادف أن رآه النبي وعليه ملامح الرجال، فأجازه، وليس ذكر السنّ في كلام ابن عمر إيماء إلى ضبط الإجازة.

وقد غفل عن هذا ابن العربي في أحكام القرآن، فتعجّب من ترك هؤلاء الأيمّة تحديد سنّ البلوغ بخمس عشرة سنة، والعجبُ منه أشدّ من عجبه منهم، فإنّ قضية ابن عمر قضية عَين، وخلاف العلماء في قضايا الأعيان مَعلوم، واستدلّ الشافعية بما روى أنّ النبي قال: إذا استكمل الولد خمس عشرة سنة كتب ما لَه وما عليه، وأقيمت عليه الحدود.

وهو حديث ضعيف لا ينبغي الاستدلال به.

ووقت الابتلاء يكون بعد التمييز لا محالة، وقبل البلوغ: قاله ابن الموّاز عن مالك، ولعلّ وجهه أنّ الابتلاء قبل البلوغ فيه تعريض بالمال للإضاعة لأنّ عقل اليتيم غير كامل، وقال البغداديون من المالكية: الابتلاء قبل البلوغ.

وعبّر عن استكمال قوّة النماء الطبيعي ببلغوا النكاح}، فأسند البلوغ إلى ذواتهم لأنّ ذلك الوقت يدعو الرجل للتزوّج ويدعو أولياء البنت لتزويجها، فهو البلوغ المتعارف الذي لا متأخّر بعده، فلا يشكل بأنّ الناس قد يزوّجون بناتهم قبل سنّ البلوغ، وأبناءهم أيضاً في بعض الأحوال، لأنّ ذلك تعجّل من الأولياء لأغراض عارضة، وليس بلوغاً من الأبناء أو البنات.

وقوله: ﴿ فإن آنستم منهم رشداً ﴾ شرط ثان مقيّد للشرط الأول المستفاد من ﴿ إذا بَلغوا ﴾ .

وهو وجوابه جواب (إذا)، ولذلك قرن بالفاء ليكون نصّاً في الجواب، وتكون (إذا) نصّاً في الشرط، فإنّ جواب (إذا) مستغن عن الربط بالفاء لولا قصد التنصيص على الشرطية.

وجاءت الآية على هذا التركيب لتدلّ على أنّ انتهاء الحجر إلى البلوغ بالأصالة، ولكن بشرط أن يُعرف من المحجور الرشد، وكلّ ذلك قطع لمعاذير الأوصياء من أن يمسكوا أموال محاجيرهم عندهم مدّة لزيادة التمتّع بها.

ويتحصّل من معنى اجتماع الشرطين في الكلام هنا، إذ كان بدون عطف ظاهر أو مقدّر بالقرينة، أنّ مجموعهما سبب لتسليم المال إلى المحجور، فلا يكفي حصول أحدهما ولا نظر إلى الذي يحصل منهما ابتداء، وهي القاعدة العامّة في كلّ جملة شرط بنيت على جملة شرط آخر، فلا دلالة لهما إلاّ على لزوم حصول الأمرين في مشروط واحد، وعلى هذا جرى قول المالكية، وإماممِ الحرمين.

ومن العلماء من زعم أنّ ترتيب الشرطين يفيد كون الثاني منهما في الذكر هو الأوّل في الحصول.

ونسبه الزجّاجي في كتاب «الأذكار» إلى ثعلب، واختاره ابن مالك وقال به من الشافعية: البغوي، والغزالي في الوسيط، ومن العلماء من زعم أنّ ترتيب الشرطين في الحصول يكون على نحو ترتيبهما في اللفظ، ونسبه الشافعية إلى القفّال، والقاضي الحسين، والغزالي في «الوجيز»، والإمام الرازي في «النهاية»، وبنوا على ذلك فروعاً في تعليق الشرط على الشرط في الإيمان، وتعليق الطلاق والعتاق، وقال إمام الحرمين: لا معنى لاعتبار الترتيب، وهو الحقّ، فإنّ المقصود حصولها بقطع النظر عن التقدّم والتأخّر، ولا يظهر أثر للخلاف في الإخبار وإنشاء الأحكام، كما هنا، وإنّما قد يظهر له أثر في إنشاء التعاليق في الأيمان، وأيمان الطلاق والعتاق، وقد علمت أنّ المالكية لا يرون لذلك تأثيراً.

وهو الصواب.

واعلم أنّ هذا إذا قامت القرينة على أنّ المراد جعل الشرطين شرطاً في الجواب، وذلك إذا تجرّد عن العطف بالواو ولو تقديراً، فلذلك يتعيّن جعل جملة الشرط الثاني وجوابه جواباً للشرط الأول، سواء ارتبطت بالفاء كما في هذه الآية أم لم ترتبط، كما في قوله: ﴿ ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ﴾ [هود: 34].

وأمّا إذا كان الشرطان على اعتبار الترتيب فلكلّ منهما جواب مستقلّ نحو قوله تعالى: ﴿ يأيّها النبي إنا أحللنا لك أزواجك إلى قوله: وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيء إن أراد النبي أن يستنكحها ﴾ [الأحزاب: 50].

فقوله: ﴿ إن وهبت ﴾ شرط في إحلال امرأة مؤمنة له، وقوله: ﴿ إنْ أرَادَ النَّبِىُّ ﴾ شرط في انعقاد النكاح، لئلاّ يتوهّم أنّ هبة المرأة نفسها للنبي تعيِّن عليه تزوّجها، فتقدير جوابه: إن أراد فله ذلك، وليسا شرطين للإحلال لظهور أنّ إحلال المرأة لا سبب له في هذه الحالة إلاّ أنّها وهبت نفسها.

وفي كلتا حالتي الشرط الوارد على شرط يجعل جواب أحدهما محذوفاً دلّ عليه المذكور، أو جواب أحدهما جواباً للآخر: على الخلاف بين الجمهور والأخفش، إذ ليس ذلك من تعدّد الشروط وإنَّما يتأتَّى ذلك في نحو قولك: «إن دخلت دار أبي سفيان، وإن دخلت المسجد الحرام، فأنت آمن» وفي نحو قولك: «إن صليت إن صمت أُثْبِت» من كلّ تركيب لا تظهر فيه ملازمة بين الشرطين، حتَّى يصير أحدهما شرطاً في الآخر.

هذا تحقيق هذه المسألة الذي أطال فيه كثير وخصّها تقيّ الدين السبكي برسالة وهي مسألة سأل عنها القاضي ابنُ خلكان الشيخ ابن الحاجب كما أشار إليه في ترجمته من كتاب «الوفيات»، ولم يفصّلها، وفصّلها، الدماميني في «حاشية مغني اللبيب».

وإيناس الرشد هنا علمه، وأصل الإيناس رؤية الإنسي أي الإنسان، ثمّ أطلق على أوّل ما يتبادر من العلم، سواء في المبصرات، نحو: ﴿ آنس من جانب الطُّور ناراً ﴾ [القصص: 29] أم في المسموعات، نحو قول الحارث بن حلزة في بقرة وحشية: ءانَسَتْ نَبْأةً وأفْزَعَهَا القُن *** اصُ عَصْراً وقد دَنا الإمْساء وكأنّ اختيار ﴿ آنستم ﴾ هنا دون علمتم للإشارة إلى أنّه إن حصل أوّل العلم برشدهم يدفع إليهم مالهم دون تراخ ولا مطل.

والرشد بضم الراء وسكون الشين، وتفتح الراء فيفتح الشين، وهما مترادفان وهو انتظام تصرّف العقل، وصدور الأفعال عن ذلك بانتظام، وأريد به هنا حفظ المال وحسن التدبير فيه كما تقدّم في ﴿ ابتلوا اليتامى ﴾ .

والمخاطب في الآية الأوصياء، فيكون مقتضى الآية أنّ الأوصياء هم الذين يتولَّون ذلك، وقد جعله الفقهاء حكماً، فقالوا: يتولّى الوصيّ دفع مال محجوره عندما يأنس منه الرشد، فهو الذي يتولّى ترشيد محجوره بتسليم ماله إليه.

وقال اللخمي: من أقامه الأب والقاضي لا يقبل قوله بترشيد المحجور إلاّ بعد الكشف لفساد الناس اليوم وعدم أمنهم أن يتواطئوا مع المحاجير ليرشِّدوهم فيسمحوا لهم بما قبلَ ذلك.

وقال ابن عطية: والصواب في أوصياء زماننا أن لا يستغنى عن رفعهم إلى السلطان وثبوت الرشد عنده لما عرف من تواطؤ الأوصياء على أن يرشّد الوصيّ محجوره ويبرئ المحجور الوصيّ لسفهه وقلّة تحصيله في ذلك الوقت.

إلاّ أنّ هذا لم يجر عليه عمل، ولكن استحسن الموثّقون الإشهاد بثبوت رشد المحجور الموصى عليه من أبيه للاحتياط، أمّا وصيّ القاضي فاختلفت فيه أقوال الفقهاء، والأصحّ أنّه لا يرشّد محجوره إلاّ بعد ثبوت ذلك لدى القاضي، وبه جرى العمل.

وعندي أنّ الخطاب في مثله لعموم الأمّة، ويتولّى تنفيذه مَن إليه تنفيذ ذلك الباب من الولاة، كشأن خطابات القرآن الواردة لجماعة غير معيّنين، ولا شك أنّ الذي إليه تنفيذ أمور المحاجير والأوصياء هو القاضي، ويحصل المطلوب بلا كلفة.

والآية ظاهرة في تقدّم الابتلاء والاستيناس على البلوغ لمكان (حتّى) المؤذنة بالانتهاء، وهو المعروف من المذهب، وفيه قول أنّه لا يُدفع للمحجور شيء من المال للابتلاء إلا بعد البلوغ.

والآية أيضاً صريحة في أنّه إذا لم يحصل الشرطان معاً: البلوغ والرشد، لا يدفع المال للمحجور.

واتّفق على ذلك عامّة علماء الإسلام، فمن لم يكن رشيداً بعد بلوغه يستمرّ عليه الحجر، ولم يخالف في ذلك إلاّ أبو حنيفة.

قال: ينتظر سبعَ سنين بعد البلوغ فإن لم يؤنس منه الرشد أطلق من الحجر.

وهذا يخالف مقتضى الشرط من قوله تعالى: ﴿ فإن آنستم منهم رشداً ﴾ لأنّ أبا حنيفة لا يعتبر مفهوم الشرط، وهو أيضاً يخالف القياس إذ ليس الحجر إلاّ لأجل السفه وسوء التصرّف فأي أثر للبلوغ لولا أنّه مظنّة الرشد، وإذا لم يحصل مع البلوغ فما أثر سبع السنين في تمام رشده.

ودلّت الآية بحكم القياس على أنّ من طرأَ عليه السفه وهو بالغ أو اختلّ عقله لأجل مرض في فكره، أو لأجل خرف من شدّة الكبر، أنّه يحجّر عليه إذ علّة التحجير ثابتة، وخالف في ذلك أيضاً أبو حنيفة.

وقال: لا حجر على بالغ.

وحكم الآية شامل للذكور والإناث بطريق التغليب: فالأنثى اليتيمة إذا بلغت رشيدة دُفع مالها إليها.

والتنكير في قوله: ﴿ رشداً ﴾ تنكير النوعية، ومعناه إرادة نوع الماهية لأنّ المواهي العقلية متّحدة لا أفراد لها، وإنّما أفرادها اعتبارية باعتبار تعدد المحَال أو تعدّد المتعلّقات، فرشد زيد غير رشد عمرو، والرشد في المال غير الرشد في سياسة الأمّة، وفي الدعوة إلى الحقّ، قال تعالى: ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ [هود: 97]، وقال عن قوم شعيب ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ [هود: 87].

وماهية الرشد هي انتظام الفكر وصدور الأفعال على نحوه بانتظام، وقد علم السامعون أنّ المراد هنا الرشد في التصرّف المالي، فالمراد من النوعية نحو المراد من الجنس، ولذلك ساوى المعرّف بلام الجنس النكرةَ، فمن العجائب توهّم الجصّاص أنّ في تنكير (رشداً) دليلاً لأبي حنيفة في عدم اشتراط حسن التصرّف واكتفائه بالبلوغ، بدعوى أنّ الله شرط رشداً مَّا وهو صادق بالعقل إذ العقل رشد في الجملة، ولم يشترط الرشّد كلّه.

وهذا ضعف في العربية، وكيف يمكن العموم في المواهي العقلية المحضة مع أنّها لا أفراد لها.

وقد أُضيفت الأموال هنا إلى ضمير اليتامى: لأنّها قَوي اختصاصها بهم عندما صاروا رشداء فصار تصرّفهم فيها لا يخاف منه إضاعة ما للقرابة ولعموم الأمّة من الحقّ في الأموال.

وقوله: ﴿ ولا تأكلوها إسرافاً ﴾ عطف على ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ باعتبار ما اتّصل به من الكلام في قوله: ﴿ فإن آنستم منهم رشداً ﴾ إلخ وهو تأكيد للنهي عن أكل أموال اليتامى الذي تقدّم في قوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ [النساء: 2] وتفضيح لحيلة كانوا يحتالونها قبل بلوغ اليتامى أشُدّهم: وهي أن يتعجّل الأولياء استهلاك أموال اليتامى قبل أن يتهّيئوا لمطالبتهم ومحاسبتهم، فيأكلوها بالإسراف في الإنفاق، وذلك أنّ أكثر أموالهم في وقت النزول كانت أعياناً من أنعام وتمر وحبّ وأصواف فلم يكن شأنها ممّا يكتم ويختزن، ولا ممّا يعسر نقل الملك فيه كالعقار، فكان أكلها هو استهلاكها في منافع الأولياء وأهليهم، فإذا وجد الوليّ مال محجوره جَشِع إلى أكله بالتوسّععِ في نفقاته ولباسه ومراكبه وإكرام سمرائه ممّا لم يكن ينفق فيه مال نفسه، وهذا هو المعنى الذي عبّر عنه بالإسراف، فإنّ الإسراف الإفراط في الإنفاق والتوسّع في شؤون اللذات.

وانتصب (إسرافاً) على الحال: أو على النيابة عن المفعول المطلق، وأيّا ما كان، فليس القصد تقييد النهي عن الأكل بذلك، بل المقصود تشويه حالة الأكل.

والبدار مصدر بادره، وهو مفاعلة من البَدْر، وهو العجلة إلى الشيء، بَدَره عجله، وبادره عاجله، والمفاعلة هنا قصد منها تمثيل هيئة الأولياء في إسرافهم في أكل أموال محاجيرهم عند مشارفتهم البلوغ، وتوقّع الأولياء سرعة إبَّانه، بحال من يبدر غيره إلى غاية والآخر يبدر إليها فهما يتبادرانها، كأنّ المحجور يسرع إلى البلوغ ليأخذ ماله، والوصي يسرع إلى أكله لكيلا يجد اليتيم ما يأخذ منه، فيذهب يدّعي عليه، ويقيم البيّنات حتّى يعجز عن إثبات حقوقه، فقوله: ﴿ أن يكبروا ﴾ في موضع المفعول لمصدر المفاعلة.

ويكبر بفتح الموحدة مضارع كبر كعَلِم إذا زاد في السنّ، وأمّا كبُر بضم الموحدة فهو إذا عظم في القدر، ويقال: كبر عليه الأمر بضم الموحدة شَقّ.

عطف على ﴿ ولا تأكلوها إسرافاً ﴾ الخ المقرّر به قوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ [النساء: 2] ليتقرّر النهي عن أكل أموالهم.

وهو تخصيص لعموم النهي عن أكل أموال اليتامى في الآيتين السابقتين للترخيص في ضرب من ضروب الأكل، وهو أن يأكل الوصيّ الفقير من مال محجوره بالمعروف، وهو راجع إلى إنفاق بعض مال اليتيم في مصلحته، لأنّه إذا لم يُعْط وصيّه الفقير بالمعروف ألهاه التدبير لقوته عن تدبير مال محجوره.

وفي لفظ المعروف (حوالة على ما يناسب حال الوصيّ ويتيمه بحسب الأزمان والأماكن وقد أرشد إلى ذلك حديث أبي داوود: أنّ رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني فقير وليس لي شيء» قال: " كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متاثل ".

وفي «صحيح مسلم» عن عائشة: نزلت الآية في ولي اليتيم إذا كان محتاجاً أن يأكل منه بقدر ماله بالمعروف، ولذلك قال المالكية: يأخذ الوصي بقدر أجرة مثله، وقال عمر بن الخطاب، وابن عباس، وأبو عبيدة، وابن جبير، والشعبي، ومجاهد: إنّ الله أذن في القرض لا غير.

قال عمر: «إني نزّلت نفسي من مال الله منزلة الوصيّ من مال اليتيم، إن استغنيت استعففت وإن احتجت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت» وقال عطاء، وإبراهيم: لا قضاء على الوصيّ إن أيسر.

وقال الحسن، والشعبي، وابن عباس، في رواية: إنّ معناه أن يشرب اللبن ويأكل من الثمر ويهنأ الجربي من إبله ويلوط الحوض.

وقيل: إنّما ذلك عند الاضطرار كأكل الميتة والخنزير: روي عن عكرمة، وابن عباس، والشعبي، وهو أضعف الأقوال لأنّ الله ناط الحكم بالفقر لا بالاضطرار، وناطه بمال اليتيم، والاضطرار لا يختصّ بالتسليط على مال اليتيم بل على كلّ مال.

وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يأخذ إلاّ إذا سافر من أجل اليتيم يأخذ قوته في السفر.

واختلف في وصيّ الحاكم هل هو مثل وصيّ الأب.

فقال الجمهور: هما سواء، وهو الحقّ، وليس في الآية تخصيص.

ثم اختلفوا في الوصيّ الغنيّ هل يأخذ أجر مثله على عمله بناء على الخلاف في أنّ الأمر في قوله: ﴿ فليستعفف ﴾ للوجوب أو للندب، فمن قال للوجوب قال: لا يأكل الغني شيئاً، وهذا قول كلّ من منعه الانتفاع بأكثر من السلف والشيء القليل، وهم جمهور تقدّمت أسماءهم.

وقيل: الأمر للندب فإذا أراد أن يأخذ أجر مثله جاز له إذا كان له عمل وخدمة، أمّا إذا كان عمله مجرّد التفقّد لليتيم والإشراف عليه فلا أجر له.

وهذا كله بناء على أنّ الآية محكمة.

ومن العلماء من قال: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ﴾ [النساء: 10] الآية، وقوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ [البقرة: 188] وإليه مال أبو يوسف، وهو قول مجاهد، وزيد بن أسلم.

ومن العلماء من سلك بالآية مسلك التأويل فقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: المراد فمن كان غنياً أي من اليتامى، ومن كان فقيراً كذلك، وهي بيان لكيفية الإنفاق على اليتامى فالغنيّ يعطى كفايته، والفقير يعطى بالمعروف، وهو بعيد، فإنّ فعل (استعفف: يدلّ على الاقتصاد والتعفّف عن المسألة.

وقال النخعي، وروي عن ابن عباس: من كان من الأوصياء غنيّا فليستعفف بماله ولا يتوسّع بمال محجوره ومن كان فقيراً فإنّه يقتّر على نفسه لئلا يمدّ يده إلى مال يتيمه.

واستحسنه النحاس والكِيَا الطبري في أحكام القرآن.

﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وكفى بالله حَسِيباً ﴾ وهو أمر بالإشهاد عند الدفع، ليظهر جليّا ما يسلمه الأوصياء لمحاجيرهم، حتى يمكن الرجوع عليهم يوماً ما بما يطّلع عليه ممّا تخلّف عند الأوصياء، وفيه براءة للأوصياء أيضاً من دعاوي المحاجير من بعدُ.

وحسبك بهذا التشريع قعطا للخصومات.

والأمر هنا يحتمل الوجوب ويحتمل الندب، وبكلّ قالت طائفة من العلماء لم يسمّ أصحابها: فإن لوحظ ما فيه من الاحتياط لحقّ الوصيّ كان الإشهاد مندوباً لأنّه حقّه فله أن لا يفعله، وإن لوحظ ما فيه من تحقيق مقصد الشريعة من رفع التهارج وقع الخصومات، كان الإشهاد واجباً نظير ما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ﴾ [البقرة: 282] وللشريعة اهتمام بتوثيق الحقوق لأنّ ذلك أقوم لنظام المعاملات.

وأياما كان فقد جعل الله الوصيّ غير مصدّق في الدفع إلاّ ببينة عند مالك قال ابن الفرس: لولا أنّه يَضمن إذا أنكره المحجور لم يكن للأمر بالتوثّق فائدة، ونقل الفخر عن الشافعي موافقة قول مالك، إلاّ أنّ الفخر احتجّ بأنّ ظاهر الأمر للوجوب وهو احتجاج واه لأنّه لا أثر لكون الأمر للوجوب أو للندب في ترتّب حكم الضمان، إذ الضمان من آثار خطاب الوضع، وسببه هو انتفاء الإشهاد، وأمّا الوجوب والندب فمن خطاب التكليف وأثرهما العقاب والثواب.

وقال أبو حنيفة: هو مصدّق بيمينه لأنّه عدّه أمينا، وقيل: لأنّه رأى الأمر للندب.

وقد علمت أنّ محمل الأمر بالإشهاد لا يؤثّر في حكم الضمان.

وجاء بقوله: {وكفى بالله حسيباً تذييلا لهذه الأحكام كلها، لأنّها وصيّات وتحريضات فوكل الأمر فيها إلى مراقبة الله تعالى.

والحسيب: المحاسب.

والباء زائدة للتوكيد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ ﴾ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالسُّفَهاءِ في هَذا المَوْضِعِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الصِّبْيانُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والحَسَنِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ النِّساءُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عَنى الأوْلادَ المُسْرِفِينَ أنْ يَقْسِمَ مالَهُ فِيهِمْ فَيَصِيرَ عِيالًا عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ وأبِي مالِكٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ كُلَّ سَفِيهٍ اسْتَحَقَّ في المالِ حَجْرًا، وهو مَعْنى ما رَواهُ الشَّعْبِيِّ عَنْ أبِي بُرْدَةَ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّهُ قالَ: ثَلاثَةٌ يَدْعُونَ فَلا يَسْتَجِيبُ اللَّهُ لَهُمْ: رَجُلٌ كانَتْ لَهُ امْرَأةٌ سَيِّئَةَ الخُلُقِ فَلَمْ يُطَلِّقْها، ورَجُلٌ أعْطى مالًا سَفِيهًا وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ ﴾ ، ورَجُلٌ لَهُ عَلى رَجُلٍ دَيْنٌ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ.

وَأصْلُ السَّفِيهِ خِفَّةُ الحِلْمِ فَلِذَلِكَ وُصِفَ بِهِ النّاقِصٌ العَقْلِ.

وَوُصِفَ بِهِ المُفْسِدُ لِمالِهِ لِنُقْصانِ تَدْبِيرِهِ، ووُصِفَ بِهِ الفاسِقُ لِنُقْصانِهِ عِنْدَ أهْلِ الدِّينِ، والعِلْمِ.

﴿ أمْوالَكُمُ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أمْوالَ الأوْلِياءِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ عَنى بِهِ أمْوالَ السُّفَهاءِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

﴿ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عُمَرَ: ( قِيَمًا ) ومَعْناهُما واحِدٌ، يُرِيدُ أنَّها قِوامُ مَعايِشِكم ومَعايِشِ سُفَهائِكم.

﴿ وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أيْ أنْفِقُوا أيُّها الأوْلِياءُ عَلى السُّفَهاءِ مِن أمْوالِهِمْ.

﴿ وَقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الوَعْدُ بِالجَمِيلِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: الدُّعاءُ لَهُ كَقَوْلِهِ: بارَكَ اللَّهُ فِيكَ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

﴿ وابْتَلُوا اليَتامى ﴾ أيِ اخْتَبِرُوهم في عُقُولِهِمْ وتَمْيِيزِهِمْ وأدْيانِهِمْ.

﴿ حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ ﴾ يَعْنِي الحُلُمَ في قَوْلِ الجَمِيعِ.

﴿ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا ﴾ فِيهِ أرْبَعُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الرُّشْدَ العَقْلُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، والشَّعْبِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ العَقْلُ والصَّلاحُ في الدِّينِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ صَلاحٌ في الدِّينِ وإصْلاحٌ في المالِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، والشّافِعِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الصَّلاحُ والعِلْمُ بِما يُصْلِحُهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

﴿ فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ ﴾ يَعْنِي الَّتِي تَحْتَ أيْدِيكم أيُّها الأوْلِياءُ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَلا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا ﴾ يَعْنِي لا تَأْخُذُوها إسْرافًا عَلى غَيْرِ ما أباحَ اللَّهُ لَكم، وأصْلُ الإسْرافِ تَجاوُزُ الحَدِّ المُباحِ إلى ما لَيْسَ بِمُباحٍ، فَرُبَّما كانَ في الإفْراطِ، ورُبَّما كانَ في التَّقْصِيرِ، غَيْرَ أنَّهُ إذا كانَ في الإفْراطِ فاللُّغَةُ المُسْتَعْمَلَةُ فِيهِ أنْ يُقالَ: أسْرَفَ إسْرافًا، وإذا كانَ في التَّقْصِيرِ قِيلَ: سَرِفَ يَسْرَفُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهو أنْ تَأْكُلَ مالَ اليَتِيمِ تُبادِرُ أنْ يَكْبَرَ، فَيَحُولَ بَيْنَكَ وبَيْنَ مالِهِ.

﴿ وَمَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ يَعْنِي بِمالِهِ عَنْ مالِ اليَتِيمِ.

﴿ وَمَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ القَرْضُ يَسْتَقْرِضُ إذا احْتاجَ ثُمَّ يَرُدُّهُ إذا وجَدَ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وجُمْهُورِ التّابِعِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ يَأْكُلُ ما يَسُدُّ الجَوْعَةَ، ويَلْبَسُ ما يُوارِي العَوْرَةَ، ولا قَضاءَ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وإبْراهِيمَ، ومَكْحُولٍ، وقَتادَةَ.

رَوى شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ «أنَّ عَمَّ ثابِتِ بْنِ رِفاعَةَ وثابِتٌ يَوْمَئِذٍ يَتِيمٌ في حَجْرِهِ، أتى رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ ابْنَ أخِي يَتِيمٌ في حَجْرِي، فَما يَحِلُّ لِي مِن مالِهِ؟

قالَ: (أنْ تَأْكُلَ بِالمَعْرُوفِ مِن غَيْرِ أنْ تَقِيَ مالَكَ بِمالِهِ ولا تَتَّخِذْ مِن مالِهِ وقْرًا)» .

والثّالِثُ: أنْ يَأْكُلَ مِن ثَمَرِهِ، ويَشْرَبَ مِن رِسْلِ ماشِيَتِهِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِما سِوى ذَلِكَ مِن فِضَّةٍ أوْ ذَهَبٍ، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ، والشَّعْبِيِّ.

رَوى القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: جاءَ أعْرابِيٌّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: إنَّ في حَجْرِي أيْتامًا، وإنَّ لَهم إبِلًا، فَماذا يَحِلُّ لِي مِنها؟

فَقالَ: إنْ كُنْتَ تَبْغِي ضالَّتَها، وتَهْنَأُ جَرْباءَها، وتَلُوطُ حَوْضَها، وتُفَرِّطُ عَلَيْها يَوْمَ وِرْدِها، فاشْرَبْ مِن ألْبانِها غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ، ولا بِأهْلٍ في الحَلْبِ.

والرّابِعُ: أنْ يَأْخُذَ إذا كانَ مُحْتاجًا أُجْرَةً مَعْلُومَةً عَلى قَدْرِ خِدْمَتِهِ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ.

وَرَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ  فَقالَ: لَيْسَ لِي مالٌ ولِي يَتِيمٌ، فَقالَ: (كُلْ مِن مالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ ولا واقٍ مالَكَ بِمالِهِ)» .

﴿ فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ﴾ لِيَكُونَ بَيِّنَةً في دَفْعِ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ.

﴿ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي شَهِيدًا.

والثّانِي: كافِيًا مِنَ الشُّهُودِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ يعني اختبروا اليتامى عند الحلم ﴿ فإن آنستم ﴾ عرفتم ﴿ منهم رشداً ﴾ في حالهم والإصلاح في أموالهم ﴿ فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً ﴾ يعني تأكل مال اليتيم مبادرة قبل أن يبلغ فتحول بينه وبين ماله.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ قال: عقولهم ﴿ حتى إذا بلغوا النكاح ﴾ يقول: الحلم ﴿ فإن آنستم ﴾ قال: أحسستم ﴿ منهم رشداً ﴾ قال: العقل.

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ قال: جربوا عقولهم ﴿ فإن آنستم منهم رشداً ﴾ قال: عقولاً وصلاحاً.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن مقاتل ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ يعني الأولياء والأوصياء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن قيس ﴿ حتى إذا بلغوا النكاح ﴾ قال: خمس عشرة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن الحسن ﴿ فإن آنستم منهم رشداً ﴾ قال: صلاحاً في دينه وحفظاً لماله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ فإن آنستم منهم رشداً ﴾ قال: صلاحاً في دينهم وحفظاً لأموالهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إذا أدرك اليتيم بحلم وعقل ووقار دفع إليه ماله.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: لا تدفع إلى اليتيم ماله وإن شمط ما لم يؤنس منه رشد.

وأخرج ابن جرير عن الحسن ﴿ ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً ﴾ ويقول: لا تسرف فيها ولا تبادر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ ولا تأكلوها إسرافاً ﴾ يعني في غير حق ﴿ وبداراً أن يكبروا ﴾ قال: خشية أن يبلغ الحلم فيأخذ ماله.

وأخرج البخاري وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية في ولي اليتيم ﴿ ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ بقدر قيامه عليه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والحاكم وصححه من طريق مقسم عن ابن عباس ﴿ ومن كان غنياً فليستعفف ﴾ قال: بغناه من ماله حتى يستغني عن مال اليتيم لا يصيب منه شيئاً ﴿ ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ قال: يأكل من ماله يقوت على نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم.

وأخرج ابن المنذر من طريق أبي يحيى عن ابن عباس ﴿ ومن كان غنياً فليستعفف ﴾ قال: يستعف بماله حتى لا يفضي إلى مال اليتيم.

وأخرج ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿ ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ قال: هو القرض.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس ﴿ ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ يعني القرض.

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية قال: ولي اليتيم إن كان غنياً فليستعفف وإن كان فقيراً أخذ من فضل اللبن وأخذ بالقوت لا يجاوزه، وما يستر عورته من الثياب، فإن أيسر قضاه، وإن أعسر فهو في حل.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية يقول: إن كان غنياً فلا يحل له أن يأكل من مال اليتيم شيئاً، وإن كان فقيراً فليستقرض منه، فإذا وجد ميسرة فليعطه ما استقرض منه فذلك أكله بالمعروف.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير والنحاس في ناسخه وابن المنذر والبيهقي في سننه من طرق عن عمر بن الخطاب قال: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم، إن استغنيت استعففت وإن احتجت أخذت منه بالمعروف.

فإذا أيسرت قضيت.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ قال: إذا احتاج ولي اليتيم وضع يده فأكل من طعامهم، ولا يلبس منه ثوباً ولا عمامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس ﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ قال: بأطراف أصابعه الثلاث.

وأخرج ابن المنذر والطبراني عن ابن عباس في الآية قال: يأكل الفقير إذا ولي مال اليتيم بقدر قيامه على ماله ومنفعته له، وما لم يسرف أو يبذر.

وأخرج مالك وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه عن القاسم بن محمد قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتاماً، وإن لهم إبلاً فماذا يحل لي من ألبانها؟

فقال: إن كنت تبغي ضالتها، وتهنا جرباها، وتلوط حوضها، وتسعى عليها فاشرب غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب.

وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عمرو أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ليس لي مال ولي يتيم؟

فقال: «كل من مال يتيمك غير مسرف، ولا مبذر، ولا متأثل مالاً، ومن غير أن تقي مالك بماله» .

وأخرج ابن حبان عن جابر «أن رجلاً قال يا رسول الله مم أضرب يتيمي؟

قال: مما كنت ضارباً منه ولدك غير واق مالك بماله، ولا متأثل منه مالاً» .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي شيبة والنحاس في ناسخه عن الحسن العرني «أن رجلاً قال: يا رسول الله مم أضرب يتيمي؟

قال: مما كنت ضارباً منه ولدك قال: فأصيب من ماله؟

قال: بالمعروف غير متأثل مالاً، ولا واق مالك بماله» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: ذكر لنا أن عم ثابت بن وداعة- وثابت يومئذ يتيم في حجره من الأنصار- أتى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن ابن أخي يتيم في حجري فماذا يحل لي من ماله؟

قال: أن تأكل من ماله بالمعروف من غير أن تقي مالك بماله، ولا تأخذ من ماله وفراً.

قال: وكان اليتيم يكون له الحائط من النخل فيقوم وليه على صلاحه وسقيه فيصيب من ثمره، ويكون له الماشية فيقوم وليه على صلاحها ومؤنتها وعلاجها فيصيب من جزازها ورسلها وعوارضها، فأما رقاب المال فليس لهم أن يأكلوا ولا يستهلكوه» .

وأخرج ابن المنذر عن عطاء قال: خمس في كتاب الله رخصة وليست بعزيمة قوله: ﴿ ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل.

وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس ﴿ ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ قال: نسختها ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً..

﴾ [ النساء: 10] الآية.

وأخرج أبو داود في ناسخه عن الضحاك.

مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن أبي الزناد في الآية قال: كان أبو الزناد يقول: إنما كان ذلك في أهل البدو وأشباههم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن نافع بن أبي نعيم القاري قال: سألت يحيى بن سعيد وربيعة عن قوله: ﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ قالا: ذلك في اليتيم، إن كان فقيراً أنفق عليه بقدر فقره ولم يكن للولي منه شيء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ يقول: إذا دفع إلى اليتيم ماله فليدفعه إليه بالشهود كما أمره الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية يقول للأوصياء: إذا دفعتم إلى اليتامى أموالهم إذا بلغوا الحلم فأشهدوا عليهم بالدفع إليهم أموالهم ﴿ وكفى بالله حسيباً ﴾ يعني لا شاهد أفضل من الله فيما بينكم وبينهم.

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ وكفى بالله حسيباً ﴾ شهيداً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى ﴾ الآية.

قال المفسرون: نزلت في ثابت بن رفاعة (١) (٢)  فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟

فأنزل الله- عز وجل-: ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى ﴾ (٣) قال الحسن، وقتادة، ومجاهد، والسدي، وابن زيد: اختبروهم في عقولهم وأديانهم (٤) ومعنى هذا الابتلاء وكيفيته -على ما ذكره الفقهاء-: أن يُردّ إليه الأمر في نفقته عند مراهقة الحلم، ويعطى شيئًا نزرًا يتصرف فيه، ليعرف كيف تدبيره وتصرفه.

وإن كانت جاريةً يرد إليها ما يرد إلى النساء من أمر البيت وتدبير الغزل والقطن (٥) وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ ﴾ .

قال ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد: يريد الحلم (٦) وتقديره: حتى إذا بلغوا حال النكاح من الاحتلام.

وقال آخرون: أي بلغوا مبلغ الرجال والنساء من القدرة على النكاح (٧) (٨) ومعنى النكاح هو إنزال الماء، فإذا أنزل الغلام أو الجارية فقد بلغ، سواءٌ كان عن جماع أو احتلام.

وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾ .

معنى (آنستم) قال ابن عباس: عرفتم (٩) (١٠) وقال الفراء: وجدتم (١١) (١٢) وأصل الإيناس في اللغة: الإبصار (١٣) ﴿ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا  ﴾ ، وقال ابن حلزة (١٤) آنَست نَبأَةً وأفَزَعها القَـ ...

ـنَّاص عَصرًا وقد دَنا الإمساءُ (١٥) أي أحسَّت ووجدت.

وقوله تعالى: ﴿ رُشْدًا ﴾ قال ابن عباس والسدي: هو الصلاح في العقل وحفظ المال (١٦) (١٧) وقال الزجاج.

معنى الرشد: الطريقة المستقيمة التي تثقون (١٨) (١٩) وقال الشافعي -  -: الرشد: من يكون صالحًا في دينه، مصلحًا لماله (٢٠) (٢١) وأبو حنيفة وأصحابه اعتبروا صلاح المال، ولم يعتبروا صلاح الدين (٢٢) وهذا الاختلاف يعود إلى الاختلاف في معنى الرشد، فمن جعل معنى الرشد حفظ المال وإصلاحه يزيل الحجر عن اليتيم بالبلوغ وحفظ المال، دون الصلاح في الدين، ومن جعل معنى الرشد صلاح الدين وحفظ المال اعتبرهما في زوال الحجر عن اليتيم، وهذا هو الأولى (٢٣) (٢٤) ﴿ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ  ﴾ ، والغي: هو الجهالة والبطالة والفساد.

قال طرفة: أرى قبرَ نَحَّامٍ بَخيلٍ بمالِه ...

كقبر غويٍّ في البَطَالة مُفْسدِ (٢٥) فجعل المفسد غويًا (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد لا تبادروا في أموال اليتامى بالسرف قبل أن يبلغ الحلم والرشد (٢٧) وقال المفسرون: يريد (٢٨) (٢٩) و (أن) في محل النصب؛ لأنه مفعول المصدر، على تقدير: مبادرة كبرهم (٣٠) ﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد: من كان غنيًّا من الأوصياء فليستعفف عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئًا (٣١) معنى: ﴿ فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ أي: ليترك ذلك ولا يأكل.

يقال: استعفف عن الشيء وعف إذا امتنع منه وتركه (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ .

اختلفوا في الأكل بالمعروف: ما هو؟

فقال قوم: هو أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه من مال اليتيم قرضًا، ثم إذا أيسر قضاه، فإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه.

وهذا قول سعيد بن جبير (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) والدليل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ  ﴾ ، قالوا: يعني القرض (٣٩)  - أنه قال: (ألا) (٤٠) (٤١) وقال بعضهم: معنى الأكل بالمعروف هو أن يقتصد ولا يسرف، ثم لا قضاء عليه فيما يأكل.

فهذا قول عطاء (٤٢) (٤٣) (٤٤) وقال إبراهيم: هو ما سد الجوعة ووارى العورة (٤٥) وذهبت عائشة وجماعة من العلماء (٤٦) (٤٧)  فقال: يا رسول الله إن في حجري يتيمًا أفاضربه؟

قال: "مما كنت ضاربًا منه ولدك"، قال: يا رسول الله أفآكل من ماله؟

قال: "غير متأثل مالًا، ولا واقٍ مالك بماله" (٤٨) (٤٩) وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ﴾ .

هذا وصية من الله تعالى للأولياء بالإشهاد على دفع المال إذا دفعوه إلى الأيتام، لكن إن وقع اختلاف أمكن للولي أن يقيم البينة على أنه رد المال إليه (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) قوله تعالى: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ قال ابن الأنباري والأزهري: يكون بمعنى محاسبًا، ويكون بمعنى كافيًا (٥٤) فمن الأول قولهم للرجل عند التهدد: حسيبه الله.

ومعناه: محاسبه الله على ما يفعل من الظلم (٥٥) وأنشد ابن الأنباري (٥٦) (٥٧) دعا المحرمون اللهَ يستغفرونه ...

بمكةَ يومًا أن تُمَحَّا ذُنوبُها وناديتُ يا ربّاه أولُ سؤلتي ...

لنفسي لَيلَى ثم أنت حسيبُها (٥٨) قال (٥٩) قالوا: فالحسيب هو المحاسب بمنزلة قول العرب: الشريب.

للمشارب (٦٠) وأنشد (٦١) (٦٢) فلا تُدخِلنَّ الدهر قبرك حَوبَةً ...

يقوُم بها يومًا عليك حسيبُ (٦٣) معناه محاسبك عليه الله تعالى (٦٤) ومن الكفاية قولهم: حسيبك الله.

ومعناه: كافي إياك الله (٦٥) وقد ذكرنا في اللغة في هذا (٦٦) ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ  ﴾ .

وقال ابن عباس في قوله: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ : يريد مجازيًا للحسن والمسيء (٦٧) والباء في قوله: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ ﴾ ، ﴿ وَكَفَى بِرَبِكَ  ﴾ ، [الفرقان:31] في جميع القرآن (٦٨) (٦٩) قال الزجاج: المعنى: كفى الله، كفى ربُك (٧٠) ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا  ﴾ (٧١) وحسيبًا منصوب على وجهين: أحدهما الحال.

المعنى: وكفى بالله في حال الكفاية والحساب، الثاني: يكون منصوبًا على التمييز، على معنى: كفى الله من الكِفاء والمحاسبين (٧٢) (١) هو ثابت بن رفاعة الأنصاري، ترجموه ضمن الصحابة -  م- لهذه القصة.

انظر: "أسد الغابة" 1/ 268، "الإصابة" 1/ 192.

(٢) لم أقف على ترجمته.

(٣) أخرجه ابن جرير بسنده عن قتادة مطولًا، وليس فيه التصريح بأنه سبب نزول الآية.

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 259، وأورده الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 12 أ، والمؤلف في "أسباب النزول" ص 143، والبغوي في "معالم التنزيل" 2/ 165، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 14، وانظر "الدر المنثور" 2/ 214، وعزاه ابن حجر إلى ابن منده وقال: هذا مرسل رجاله ثقات.

"الإصابة" 1/ 192.

(٤) ذكر هذا القول عنهم ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 14، وانظر:== "تفسير الحسن البصري" جمع د.

محمد عبد الرحيم 1/ 259، "الدر المنثور" 2/ 215.

أما السدي وابن زيد فقد اقتصرا على العقول دون الأديان.

كما أخرج ذلك عنهما ابن جرير في "تفسيره" 4/ 251 - 252، وأخرج عن مجاهد كقولهما، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 214.

(٥) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 12ب، "معالم التنزيل" 2/ 165.

(٦) هذه الرواية ثابتة عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة كما في "تفسير ابن عباس" ص 135، "تفسير الطبري" 4/ 252، "الدر المنثور" 2/ 214 - 215، "تحقيق المروي عن ابن عباس" 1/ 154.

أما عن مجاهد ففي "تفسيره" 1/ 145، وأخرجه الطبري عنه 4/ 252، وانظر: "تفسير الهواري" 1/ 349، "الدر المنثور" 4/ 214.

وأما عن السدي فلم أقف عليه.

وأما عن ابن زيد فقد أخرجه ابن جرير 4/ 252.

(٧) هذا قول الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 12 أ، وابن قتيبة كما سيذكر المؤلف.

والظاهر أن القولين متقاربان أو متلازمان في الأعم الأغلب من الناس، فإن من احتلم فقد قدر على النكاح من هذه الناحية، ومن قدر على النكاح فقد احتلم، ويؤيد ذلك ما ذكره المؤلف -رحمه الله- من التقدير للقول الأول، والله أعلم.

(٨) "غريب القرآن" ص 120.

(٩) هذه الرواية ثابتةٌ عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة، كما في "تفسير ابن عباس" ص 135، وأخرج ذلك ابن جرير 4/ 252، وانظر: "تحقيق المروي عن ابن عباس" 1/ 155.

(١٠) لم أقف علي رواية عطاء هذه، وهي بمعنى الأولى الثابتة عن ابن عباس.

(١١) "معاني القرآن" 1/ 257.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 14.

(١٣) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 216 (أنس)، "الكشف والبيان" 4/ 12 أ، "اللسان" 1/ 150 (أنس).

(١٤) هو الحارث بن حلزة بن مكروه اليشكري الوائلي شاعر جاهلي وأحد أصحاب المعلقات السبع وقد ارتجلها ارتجالًا بين يدي ملك الحيرة، توفي سنة 50 قبل الهجرة تقريبًا.

انظر: "الشعر والشعراء" ص 111، "طبقات الشعراء" 1/ 151، "الأعلام" 2/ 154.

(١٥) هذا البيت من معلقة ابن حلزة -وهي المعلقة السابعة- كما في "شرح المعلقات" للزوزني ص 156.

قال الزوزني في شرح البيت: النبأة الصوت الخفي يسمعه الإنسان أو يتخيله، والقناص جمع قانص، وهو الصائد.= يقول: أحست هذه النعامة بصوت الصيادين فأخافها ذلك.

وقد استشهد بالبيت الثعلبي 4/ 12 أ، والألوسي 4/ 205.

(١٦) الأثر عن ابن عباس ثابت من طريق ابن أبي طلحة كما في "تفسير ابن عباس" ص 135، وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" 4/ 252 لكن بلفظ: (رُشدًا) في حالهم والإصلاح في أقوالهم.

وانظر "تفسير ابن كثير" 1/ 492، "تحقيق المروي" عن ابن عباس 1/ 155.

أما عن السدي فأخرجه ابن جرير 4/ 252 أيضًا، لكن بلفظ: عقولًا وصلاحًا.

(١٧) رواية عطاء هذه بمعنى رواية ابن أبي طلحة الثابتة، ولم أقف عليها.

(١٨) في النسختين: يثقون بالتحتية للغيبة، والأولى بالفوقية الخطاب؛ لأن في الآية الخطاب، ولموافقة ذلك ما في معاني الزجاج.

(١٩) "معاني الزجاج" 2/ 14.

(٢٠) من "الكشف والبيان" 4/ 13 ب، وعبارة الشافعي: والرشد -والله أعلم- صلاح في الدين حتى تكون الشهادة جائزة وإصلاح المال.

"الأم" 3/ 215، وانظر "معالم التنزيل" 2/ 165 - 166، "تفسير ابن كثير" 1/ 492.

قال الثعلبي: فالرشد عنده -أي: الشافعي- شيئان: جواز الشهادة واصلاح المال وهذا قول الحسن وربيعة ومالك، "الكشف والبيان" 4/ 13 ب، وانظر "تفسير الحسن البصري" 1/ 259.

(٢١) انظر: "الأم" 3/ 218، "الكشف والبيان" 4/ 12ب، "معالم التنزيل" 2/ 165.

(٢٢) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 13 ب، 14 أ، "معالم التنزيل" 2/ 166، والقرطبي 5/ 37، 38.

(٢٣) انظر: "البغوي" 2/ 167، "القرطبي" 5/ 37، 38.

(٢٤) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1411 (رشد)، "مقاييس اللغة" 2/ 398 (رشد)، "اللسان" 3/ 1649 (رشد).

(٢٥) "ديوانه" ص 26، "شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 62.

والنَحّام: البخيل.

(٢٦) في (د): (غوي).

(٢٧) "تفسير ابن عباس" ص 135، وأخرجه ابن جرير من طريق ابن أبي طلحة أيضًا 4/ 254، لكن بلفظ: يعني أكل مال اليتيم مبادرًا أن يبلغ فيحول بينه وبين ماله.

انظر "تحقيق المروي" عن ابن عباس 1/ 155.

(٢٨) في (أ): (يقول).

(٢٩) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 254، "الكشف والبيان" 4/ 15أ.

(٣٠) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 254، "معاني الزجاج" 2/ 14، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 397، "الكشف والبيان" 4/ 15 أ، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 190.

(٣١) أخرجه ابن جرير بمعناه من أكثر من طريق كما في "تفسيره" 4/ 255، وانظر: "تحقيق المروي" عن ابن عباس 1/ 156 - 157، وقد صحح المحقق إسنادًا من أسانيد ابن جرير وحسن آخر.

(٣٢) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 115، "الصحاح" 4/ 1405 (عف)، "تفسير الثعلبي" 4/ 15 أ، "اللسان" 5/ 3015 (عف).

(٣٣) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 147، والطبري 4/ 256 بأكثر من طريق، وانظر الثعلبي 4/ 15 أ.

(٣٤) هو أبو عمرو عبيدة بن عمرو السلماني المرادي الكوفي، مخضرم، ومن كبار أئمة التابعين فقيه مقرئ فاضل، وحديثه عند الجماعة.

توفي -رحمه الله- قبل السبعين من الهجرة.

انظر: "تاريخ الثقات" 124 - 125، "مشاهير علماء الأمصار" ص 99، "التقريب" ص 379 رقم (4412).

(٣٥) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 147، 148، والطبري 4/ 255، وانظر: الثعلبي 4/ 15 أ.

(٣٦) "تفسيره" 1/ 146، وأخرجه عبد الرزاق 1/ 147، والطبري 4/ 256 - 257 من عدة طرق.

(٣٧) أبو العالية هو رفيع بن مهران الرياحي، تقدمت ترجمته.

(٣٨) ومنها رواية ابن أبي طلحة، انظر: "تفسير ابن عباس" ص 135، والطبري 4/ 255 والثعلبي4/ 15 أ، و"زاد المسير" 2/ 16، و"تفسير ابن كثير" 1/ 493، و"الدر المنثور" 2/ 215 - 216، و"تحقيق المروي" عن ابن عباس 158/ 159.

(٣٩) رُوي عن ابن عباس ومقاتل بن حيان، وقيل إن المعروف في هذه الآية عام يشمل جميع أنواع البر.

وهو أولى.

انظر: "زاد المسير" 2/ 200، "معالم التنزيل" 2/ 286، "الدر المنثور" 2/ 216.

(٤٠) ما بين القوسين غير موجود في (د).

(٤١) أخرجه ابن جرير 4/ 255، والثعلبي 4/ 15 ب.

انظر: "زاد المسير" 2/ 16، "معالم التنزيل" 2/ 168، "تفسير ابن كثير" 1/ 493، "الكافي الشاف" ص 39.

(٤٢) هو ابن أبي رباح أخرج ذلك عنه الطبري 4/ 259.

(٤٣) أخرجه الطبري 4/ 260.

(٤٤) انظر الثعلبي 4/ 15 ب، "زاد المسير" 2/ 16.

(٤٥) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 147، والطبري من طرق 4/ 260 كلاهما بلفظ الجوع بدل الجوعة.

(٤٦) منهم ابن عباس  والإمام أحمد -رحمه الله- كما في "زاد المسير" 2/ 16.

(٤٧) أخرج البخاري عن عائشة  كتاب: التفسير، باب: (من كان غنيًا فليستعفف) رقيم (4575) أنها قالت في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ : أنها نزلت في مال اليتيم إذا كان فقيرًا أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بالمعروف البخاري كتاب التفسير سورة النساء، باب: 2 ﴿ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ 5/ 177.

(٤٨) أخرجه الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 16 أ، ب، وانظر "الكافي الشاف" ص 38.

(٤٩) هذا يدل على أن ما ذهبت إليه عائشة -  ا- ومن وافقها هو المعمول به عند الشافعية.

(٥٠) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 16 ب، "معالم التنزيل" 2/ 169.

(٥١) المعنى يقتضي أنها: (غير) بالغين.

(٥٢) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 44، 45.

(٥٣) "الكشف والبيان" 4/ 16 ب، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 169، "زاد المسير" 2/ 17.

وقصد المؤلف تبعًا للثعلبي بقوله: ليس بفريضة أي: الإشهاد ليس بفريضة.

وقيل بفرضيته.

انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 502، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 44.

(٥٤) هذا نص ما ذكره الأزهري عن أبي إسحاق النحوي في "تهذيب اللغة" 1/ 810 (حسب)، ونحو ما ذكره ابن الأنباري "الزاهر" 1/ 6، وانظر: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 129.

(٥٥) من "الزاهر" 1/ 6 بتصرف.

(٥٦) في "الزاهر" 1/ 6.

(٥٧) هو قيس بن الملوح العامري، شاعر غزل ويعرف بمجنون ليلى بسبب أنه حجب منها مع حبه لها فهام على وجهه ينشد الأشعار، وله ديوان وأخبار.

توفي سنة 65 أو 68 هـ.

انظر: "ديوانه" ص 7 المقدمة، "الأعلام" 5/ 208.

(٥٨) "ديوانه" ص 31، لكن في البيت الأول: شعثًا بدل يومًا، وفي الثاني: يا رحمن بدل يا رباه.

(٥٩) أي ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 6.

(٦٠) "الزاهر" 1/ 6، وانظر: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 129.

(٦١) أي ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 5.

(٦٢) تقدم ترجمته.

(٦٣) البيت في اللسان 2/ 1036 (حوب) لكنه فيه: يدخلن بالتحتية ورفع حوبة.

(٦٤) في "الزاهر" 1/ 5: محاسب عليها عالم بها.

(٦٥) من "الزاهر" 1/ 6.

(٦٦) هكذا في النسختين والعبارة ركيكة، ويحتمل أن الناسخ قدم حرف الجر.

(٦٧) لم أقف عليه لا عند ابن جرير ولا الثعلبي ولا غيرهما، وذكره المؤلف في "الوسيط" بتحقيق بالطيور 2/ 450، وقد ذكر ابن الجوزي أن قول ابن عباس هو أن الحسيب بمعنى الشهيد كما في "زاد المسير" 2/ 17.

(٦٨) انظر: "المعجم المفهرس لألفاظ القرآن" ص 613، 614 (كفى).

(٦٩) وتفيد التوكيد عند بعض العلماء.

انظر "الكتاب" 1/ 41، 92، 2/ 26، "معاني الحروف" للرماني ص 37، "الدر المصون" 3/ 586.

وتعبير المؤلف بقوله: زائدة غير مناسب؛ فإن المحققين من العلماء يتحاشون مثل ذلك.

قال ابن هشام: وينبغي أن يتجنب المعرب أن يقول في حرف في كتاب الله تعالى إنه زائد، لأنه يسبق إلى الأذهان أن الزائد هو الذي لا معنى له، وكلام الله سبحانه منزّه عن ذلك، والزائد عند النحويين معناه الذي لم يؤت به إلا لمجرد التقوية والتوكيد، وكثير من المتقدمين يسمون الزائد صلة وبعضهم يسميه مؤكدا وبعضهم يسميه لغوًا، لكن اجتناب هذه العبارة في التنزيل واجب.

"الإعراب عن قواعد الإعراب" ص 108، 109، وانظر: "البرهان" للزركشي 1/ 305، "تفسير ابن كثير" 1/ 498، "الدر المصون" 5/ 263.

(٧٠) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 57.

(٧١) تفسير هذه الآية من القسم المفقود.

(٧٢) انظر: "البحر المحيط" 3/ 174، "الدر المصون" 3/ 587، ورجح السمين الوجه الثاني.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ أي اختبروا رشدهم ﴿ بَلَغُواْ النِّكَاحَ ﴾ بلغوا مبلغ الرجال ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً ﴾ الرشد: هو المعرفة بمصالحة وتدبير ماله، وإن لم يكن من أهل الدين، واشترط قوم الدين، واعتبر مالك البلوغ والرشد، وحينئذٍ يدفع المال، واعتبر أبو حنيفة البلوغ وحده ما لم يظهر سفه، وقوله مخالف للقرآن ﴿ وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ ﴾ ومعناه: مبادرة لكبرهم أي أن الوصي يستغنم أكل مال اليتيم قبل أن يكبر، وموضع أن يكبروا نصب على المفعولية ببدارا أو على المفعول من أجله تقديره: مخافة أن يكبروا ﴿ فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ أُمر الوصي الغني أن يستعفف عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئاً ﴿ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ﴾ قال عمر بن الخطاب: المعنى أن يستسلف الوصي الفقير من مال اليتيم، فإذا أيسر رده، وقيل: المراد أن يكون له أجرة بقدر عمله وخدمته، ومعنى: بالمعروف من غير إسراف، وقيل: نسختها؛ ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً ﴾ [النساء: 10] ﴿ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ أمر بالتحرز والحرز فهو ندب، وقيل: فرض <div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تساءلون ﴾ خفيفاً بحذف التاء: عاصم وحمزة وعلي وخلف وعباس مخير.

الباقون بالتشديد أي بإدغام تاء التفاعل في السين ﴿ والأرحام ﴾ بالجر حمزة.الباقون بالنصب.

﴿ ما طاب ﴾ بالإمالة: حمزة.

﴿ واحدة ﴾ بالرفع: يزيد: الباقون بالنصب.

﴿ هنيّاً مريّاً ﴾ بالتشديد فيهما: يزيد وحمزة في الوقف على أيهما وقف، وإذا انفرد ﴿ هنيئاً ﴾ / همزها كل القرآن: يزيد.

﴿ قيماً ﴾ ابن عامر ونافع.

الباقون ﴿ قياماً ﴾ ﴿ ضعافاً ﴾ بالإمالة: خلف عن حمزة وابن سعدان والعجلي وخلف لنفسه وقتيبة على أصله.

﴿ وسيصلون ﴾ بضم الياء: ابن عامر وأبو بكر وحماد والمفضل.

الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ ونساء ﴾ ج.

لأن الجملتين وإن اتفقتا إلا أنه اعترضت المعطوفات ﴿ والأرحام ﴾ ط ﴿ رقيباً ﴾ ه ﴿ بالطيب ﴾ ص ﴿ إلى أموالكم ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ ورباع ﴾ ج ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ أن لا تعولوا ﴾ ط لابتداء حكم آخر ﴿ نحلة ﴾ ط لأن المشروط خارج عن أصل الشرط الموجب ﴿ مريئاً ﴾ ه ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ النكاح ﴾ ج بناء على أنه ابتداء شرط بعد بلوغ النكاح، أو مجموع الشرط والجواب جواب "إذا" و"حتى" تكون داخلة على جملة شرطية مقدمها حملية، وثالثها شرطية أخرى.

﴿ أموالهم ﴾ ج ﴿ أن يكبروا ﴾ ط لابتداء جملتين متضادتين ﴿ فليستعفف ﴾ ج ﴿ بالمعروف ﴾ ط للعود إلى أصل الموجب بعد وقوع العارض.

﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ والأقربون ﴾ الأول ص ﴿ أو أكثر ﴾ ط بتقدير جعلناه نصيباً مفروضاً ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ خافوا عليهم ﴾ ص ﴿ سديداً ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه.

التفسير: لما كانت هذه السورة مشتملة على تكاليف كثيرة من التعطيف على الأولاد والنساء والأيتام وإيصال حقوقهم إليهم وحفظ أموالهم عليهم، ومن الأمر بالطهارة والصلاة، والجهاد والدية، ومن تحريم المحارم وتحليل غيرهن إلى غير ذلك من السياسات ومكارم الأخلاق التي يناط بها صلاح المعاش والمعاد، افتتح السورة ببعث المكلفين على التقوى.

ومن غرائب القرآن أن فيه سورتين صدرهما ﴿ يا أيها الناس ﴾ إحداهما في النصف الأول وهي الرابعة من سوره، والأخرى في النصف الثاني وهي أيضاً في الرابعة من سوره.

ثم التي في النصف الأول مصدرة بذكر المبدأ ﴿ اتقوا ربكم الذي خلقكم ﴾ والتي في النصف الثاني مصدرة بذكر المعاد ﴿ اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم  ﴾ ثم إنه  علل الأمر بالتقوى بأنه خلقنا من نفس واحدة.

أما القيد الأوّل وهو أنه خلقنا فلا شك أنه علة لوجوب الانقياد لتكاليفه والخشوع لأوامره ونواهيه، لأن المخلوقية هي العبودية ومن شأن العبد امتثال أمر مولاه في كل ما يأمره وينهاه.

وأيضاً الإيجاد غاية الإحسان فيجب مقابلتها بغاية الإذعان، على أن مقابلة نعمته بالخدمة محال لأن توفيق تلك الخدمة نعمة أخرى منه.

وأما القيد الثاني وهو خصوص أنه خلقنا من نفس واحدة، فإنما يوجب علينا الطاعة لأن خلق أشخاص غير محصورة من إنسان واحد مع تغاير أشكالهم وتباين أمزجتهم واختلاف أخلاقهم دليل ظاهر وبرهان باهر على وجود مدبر مختار وحكيم قدير، ولو كان ذلك بالطبيعة أو لعلة موجبة كان كلهم على حد واحد ونسبة واحدة.

ثم في / هذا القيد فوائد أخر منها: أنه يأمر عقبه بالإحسان إلى اليتامى والنسوان، وكونهم متفرعين من أصل واحد وأرومة واحدة أعون على هذا المعنى ولهذا قال  : " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" ومنها أنهم إذا عرفوا ذلك تركوا المفاخرة وأظهروا التواضع وحسن الخلق.

ومنها أن تصوّر ذلك يذكر أمر المعاد فليس الإعادة بأصعب من الإبداء.

ومنها أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزاً للنبي  لأنه لم يقرأ كتاباً.

وأجمع المفسرون على أن المراد بالنفس الواحدة ههنا هو آدم  ، والتأنيث في الوصف نظراً إلى لفظة النفس.

﴿ وخلق منها زوجها ﴾ حواء من ضلع من أضلاعها.

وقال أبو مسلم: المرادوخلق من جنسها زوجها لقوله ﴿ جعل لكم من أنفسكم أزواجاً  ﴾ ولأنه  قادر على خلق حواء من التراب فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم؟

والجواب أن الأمر لو كان كما ذكره أبو مسلم لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة وهو خلاف النص وخلاف ما روي عن النبي  " "أن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها" احتج جمع من الطبائعيين بالآية على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة، وإن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال.

والجواب أنه لا يلزم من إحداث شيء في صورة واحدة من المادة لحكمة أن يتوقف الإحداث على المادة في جميع الصور.

قال في الكشاف: قوله: ﴿ وخلق منها ﴾ معطوف على محذوف أي أنشأها وخلق منها، أو معطوف على ﴿ خلقكم ﴾ والخطاب للذين بحضرة رسول الله  أي خلقكم من نفس آدم لأنهم من جنس المفرع منه، وخلق منها أمكم حواء ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ﴾ غيركم من الأمم الفائتة للحصر.

أقول: وإنما التزم الإضمار في الأول والتخصيص في الثاني دفعاً للتكرار، ولا تكرار بالحقيقة إذ لا يفهم من خلق بني آدم من نفس خلق زوجها منه ولا خلق الرجال والنساء من الأصلين جميعاً.

نعم لو كان المراد بقوله: ﴿ وخلق منها ﴾ إلى آخره بيان الخلق الأول وتفصيله، لكان الأولى عدم دخول الواو إلا أن المراد وصف ذاته  بالأوصاف الثلاثة جميعاً من غير ترتيب يستفاد من النسق وإلا كان الأنسب أن يقال: "فبث" بالفاء.

فدل العطف بالواو في الجميع على أن المراد هو ما ذكرنا، وأن / التفصيل والترتيب موكول إلى قضية العقل فافهم والله تعالى أعلم.

ومعنى بث فرق ونشر.

وإنما خص وصف الكثرة بالرجال اعتماداً على الفهم، ولأن شهرة الرجال أتم فكانت كثرتهم أظهر.

وفيه تنبيه على أن اللائق بحال الرجال والاشتهار والخروج، واللائق بحال النسوان الاختفاء والخمول.

وإنما يقل الرجال والنساء معرفتين لئلا يلزم كونهما مبثوثين من نفسهما، ثم إن هذا البث معناه محمول على ظاهره عند من يرى أن جميع الأشخاص البشرية كانوا كالذر مجتمعين في صلب آدم، وأما عند من ينكر ذلك فالمراد أنه بث منهما أولادهما، ومن أولادهما جمعاً آخرين وهلم جراً، فأضيف الكل إليهما على سبيل المجاز.

﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ﴾ من قرأ بالنصب فللعطف على اسم الله أي واتقوا حق الأرحام فلا تقطعوها وهو اختيار أكثر الأئمة كمجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد والفراء والزجاج.

وأما للعطف على محل الجار والمجرور كقوله: فلسنا بالجبال ولا الحديدا *** وهو اختيار أبى علي الفارسي وعلي بن عيسى.

وقيل: منصوب الإغراء أي والأرحام فاحفظوها وصلوها.

ومن قرأ بالجر فلأجل العطف على الضمير المجرور في ﴿ به ﴾ وهذا وإن كان مستنكراً عند النحاة بدون إعادة الخافض لأن الضمير المتصل من تتمة ما قبله ولا سيما المجرور فأشبه العطف على بعض الكلمة، إلا أن قراءة حمزة مما ثبت بالتواتر عن رسول الله  فلا يجوز الطعن فيها لقياسات نحوية واهية كبيت العنكبوت.

وقد طعن الزجاج فيها من جهة أخرى وهي أنها تقتضي جواز الحلف بالأرحام وقد قال النبي  : " "لا تحلفوا بآبائكم" والجواب أن المنهي عنه هو الحلف بالآباء وههنا حلف أولاً بالله ثم قرن به الرحم فأين أحدهما من الآخر؟

ولئن سلمنا أن الحلف بالرحم أيضاً منهي عنه لكن لا نسلم أنه منهي عنه مطلقاً، وإنما المنهي عنه ما حلف به على سبيل التعظيم، وأما الحلف بطريق التأكيد فلا بأس بها، ولهذا جاء في الحديث "أفلح وأبيه إن صدق" سلمنا أنها منهي عنها مطلقاً لكن المراد ههنا حكاية ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من قولهم في الاستعطاف والتساؤل وهو سؤال البعض البعض: أسألك بالله وبالرحم، وأنشدك الله والرحم.

وقرىء ﴿ والأرحام ﴾ بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف أي والأرحام كذلك أي أنها مما يتقى ويتساءل به.

فإن قيل: لم قال أولاً ﴿ اتقوا ربكم ﴾ ثم قال بعده ﴿ وااتقوا الله ﴾ ؟

قلنا: أما تكرار الأمر فللتأكيد كقولك للرجل: عجل عجل.

وأما تخصيص الرب بالأول والله بالثاني فلأن الغرض في الأول الترغيب بتذكير النعمة والإحسان والتربية، وفي الثاني الترهيب.

ولفظ الله يدل على كمال القدرة والقهر فكأنه قيل: إنه رباك وأحسن إليك فاتق مخالفته وإلا فإنه شديد العقاب فاتق سخطه.

قال العلماء: في الآية دليل على جواز المسألة بالله.

روى مجاهد عن عمر قال: قال رسول الله  : " "من سألكم بالله فأعطوه" .

وعن البراء بن عازب قال: "أمرنا رسول الله  بسبع..." منها إبرار القسم.

ولا يخفى ما في الآية من تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها حيث قرن الأرحام باسمه، وقال في سورة البقرة: ﴿ لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى  ﴾ وعن عبد الرحمن بن عوف سمعت رسول الله  يقول: قال الله عز وجل: "أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته" وفي الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله  : "الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله" .

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص سمعت رسول الله  يقول: " "ليس الواصل بالمكافىء الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها" عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله  : " الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة " .

فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها، فلهذا بنى أصحاب أبي حنيفة على هذا الأصل مسألتين: إحداهما أن الرجل إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه مثل الأخ والأخت والعم والخال لأنه لو بقي الملك حل الاستخدام بالإجماع، لكن الاستخدام إيحاش وقطيعة رحم.

والثانية أن الهبة لذي الرحم المحرم لا يجوز الرجوع فيها حذراً من / الإيحاش والقطيعة.

ثم إنه ختم الآية بما يتضمن الوعد والوعيد فقال: ﴿ إن الله كان عليكم رقيباً ﴾ مراقباً يحفظ عليكم جميع أعمالكم فيجازيكم بحسبها.

ثم إنه  بعد تقديم موجبات الشفقة على الضعفة ومن له رحم ماسة قال ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ وأصل اليتيم الانفراد ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة.

فاليتامى هم الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم.

فاليتيم لغة يتناول الصغير والكبير إلا أنه في عرف الشرع اختص بالذي لم يبلغ الحلم.

قال  : " لا يتم بعد الحلم" .

والمراد أنه إذا احتلم لا تجري عليه أحكام الصغار لأنه في تحصيل مصالحه يستغني بنفسه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره.

فإن قيل: إذا كان اسم اليتيم في الشرع مختصاً بالصغير فما دام يتيماً لا يجوز دفع أمواله إليه، وإذا صار كبيراً بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيماً فكيف قال: ﴿ وآتوا التيامى أموالكم ﴾ ؟

ففي الجواب طريقان: أحدهما أن المراد باليتامى الكبار البالغون، سماهم بذلك على مقتضى اللغة أو لقرب عهدهم باليتم كقوله: ﴿ فألقى السحرة ساجدين  ﴾ أي الذين كانوا سحرة قبل السجود.

ويؤكد هذا الطريق قوله فيما بعد ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ والإشهاد لا يصح قبل البلوغ بل إنما يصح بعد البلوغ.

وقال  : " تستأمر اليتيمة في نفسها " ولا تستأمر إلا وهي بالغة.

وعلى هذا يكون في الآية إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عند حد البلوغ ولا يمطلوا إن أونس منهم الرشد، وأن لا يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار، ويوافقه ما رواه مقاتل والكلبي أنها نزلت "في رجل من غطفان كان معه مال كثير لأبن أخ يتيم.

فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى رسول الله  فنزلت الآية.

فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع إليه ماله.

فقال النبي  : من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره - يعني جنته -.

فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله فقال النبي  : ثبت الأجر وبقي الوزر.

فقالوا: يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بيقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟

فقال: ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده" .

قيل: لأنه كان مشركاً.

الطريق الثاني أن المراد بهم الصغار أي الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتيم أموالهم، وآتوهم من أموالهم ما يحتاجون إليه لنفقتهم وكسوتهم، والخطاب للأولياء والأوصياء.

﴿ ولا / تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ قال الفراء والزجاج: أي لا تستبدلوا الحرام - وهو مال اليتامى - بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه.

والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز كالتعجل بمعنى الاستعجال والتأخر بمعنى الاستئخار، أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث - وهو اختزال أموال اليتامى والاعتزال عنها حتى تتلف - بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها.

وقال كثير من المفسرين: هذا التبدل هو أن يأخذ الجيد من مال اليتيم ويجعل مكانه الرديء، قال صاحب الكشاف: هذا ليس بتبدل وإنما هو تبديل.

يريد أن الباء في بدل تدخل على المأخوذ، وفي تبدل على المعطى.

ولما كان المأخوذ الطيب كان تبديلاً.

ثم وجهه بأنه لعله يكارم صديقاً له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي فيكون الباء في موضعه.

وقيل: معنى الآية أن يأكل مال اليتيم سلفاً مع التزام بدلة بعد ذلك فيكون متبدلاً الخبيث بالطيب.

﴿ ولا تأكلوا أموالهم ﴾ منضمة ﴿ إلى أموالكم ﴾ وفي الانفاق تسوية بين المالين في الحل ﴿ إنه ﴾ أي الأكل ﴿ كان حوباً كبيراً ﴾ ذنباً عظيماً.

والحاب مثله، والتركيب يدور على الضعف، والمراد بالأكل مطلق التصرف إلا أنه خص بالذكر لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف.

وقيل: "إلى" ههنا بمعنى "مع" والفائدة في زيادة قوله: ﴿ إلى أموالكم ﴾ أكل أموال اليتامى محرم على الإطلاق زيادة التقبيح والتوبيخ لأنهم إذا كانوا مستغنين عنها بما لهم من المال الحلال ومع ذلك طمعوا في مال اليتيم كانوا بالذم أحرى، ولأنهم كانوا يفعلون كذلك فنعى عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم.

﴿ وإن خفتم ألاتقسطوا ﴾ أقسط الرجل عدل وقسط جار.

وقال الزجاج: أصلهما جميعاً من القسط وهو النصيب.

فإذا قالوا قسط فمعناه ظلم صاحبه في قسطه من قولهم: قاسطته فقسطته أي غلبته على قسطه.

وإذا قالوا أقسط بالهمز فمعناه صار ذا قسط مثل أنصف إذا أتى بالنصف فيلزمه العدالة والتسوية.

واعلم أن قوله: ﴿ وإن خفتم ﴾ شرط وقوله: ﴿ فانكحوا ﴾ جواب له.

ولا بد من بيان أن هذا الجزاء كيف يتعلق بهذا الشرط وللمفسرين فيه وجوه: الأول ما روي عن عروة "أنه قال: قلت لعائشة: ما معنى قول الله  : ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ﴾ فقالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب الرجل في مالها وجمالها إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها.

ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة ردية لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها.

فقال  وإن خفتم أن تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا غيرهن ما طاب لكم من العدد.

قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله  بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله  ﴿ يستفتونك في النساء  ﴾ الآية." فقوله فيها: ﴿ وما يتلى عليكم في الكتاب / في يتامى النساء  ﴾ المراد منه هذه الآية وهي قوله: ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا ﴾ .

وعبر في الكشاف عن هذه الرواية بعبارة أخرى وهي: كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال أو يكون وليها فيتزوجها ضناً بها عن غيره، فربما اجتمعت عنده عشر منهن فيخاف لضعفهن وفقد من يغضب لهن أن يظلمهن حقوقهن ويفرط فيما يجب لهن فقيل لهم: إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن ﴿ ما طاب لكم ﴾ .

الثاني وهو قول سعيد بن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي منقولاً عن ابن عباس: لما نزلت الآية المتقدمة وما في أكل أموال اليتامى من الحوب الكبير، خاف الأولياء لحوق الحوب فتحرجوا من ولاية اليتامى.

وكان الرجل منهم ربما كانت تحته العشر من الأزواج وأكثر فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهم فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فكونوا خائفين من ترك العدل بين النساء لأنهن كالتيامى في تعجيز والضعف، فقللوا عدد المنكوحات لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فكأنه غير متحرج.

الثالث: كانوا لا يتحرجون من الزنا ويتحرجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم ذلك فكونوا خائفين من الزنا أيضاً وانكحوا ما حل لكم من النساء.

الرابع روي عن عكرمة كان الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام فإذا أنفق مال نفسه على النسوة أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن.

فقيل: إن خفتم أن تظلموا اليتامى بأكل أموالهم عند كثرة الزوجات فقد حظرت لكم أن تنكحوا أكثر من أربع ليزول هذا الخوف، فإن خفتم في الأربع أيضاً فواحدة، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع والناقص وهو الواحدة، ونبه بذلك على ما بينهما فكأنه قيل: إن خفتم الأربع فثلاثاً وإن خفتم فاثنتين وإن خفتم فواحدة.

قال الظاهريون: النكاح واجب لقوله: ﴿ فانكحوا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب.

وعورض بقوله  : ﴿ ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم  ﴾ ولو سلم فالوجوب بحالة الخوف فلا يلزم منه الوجوب على الإطلاق وأيضاً الآية سيقت لبيان وجوب تقليل الأزواج لا لأصل الوجوب وإنما قال: ﴿ ما طاب ﴾ ولم يقل من طاب لأنه أراد به الجنس.

تقول: ما عندك؟

فيقال: رجل أو امرأة.

تريد ما ذلك الشيء الذي عندك أو ما تلك الحقيقة.

ولأن الإناث من العقلاء تنزل منزلة غير العقلاء ومنه قوله  : ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ ولأن "ما" و"من" يتعاقبان.

قال  ﴿ والسماء وما بناها  ﴾ ﴿ فمنهم من يمشي على بطنه ﴾ {النور:45].

قال المفسرون: معنى ﴿ ما طاب لكم ﴾ أي ما حل لكم من النساء لأن فيهن من يحرم نكاحها كما سيجيء.

واعترض عليه الإمام بأن قوله: ﴿ فانكحوا ﴾ أمر إباحة فيؤول المعنى إلى قوله: أبحت لكم نكاح من هي مباحة لكم وهذا كلام مستدرك سلمناه، لكن الآية تصير مجملة لأن أسباب الحل والإباحة غير مذكورة في هذه الآية.

وإذا حملنا الطيب / عن استطابة النفس وميل القلب كانت الآية عامة دخلها التخصيص وأنه أولى من الإجمال عند التعارض لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجمل لا يكون حجة أصلاً، والجواب عن الأول أن ذكر الشيء ضمناً ثم صريحاً لا يعد تكراراً بدليل قوله: ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ } [البقرة:57] وعن الثاني أن قوله: ﴿ ما طاب لكم ﴾ بمعنى ما حل لكم إذا كان إشارة إلى ما بقي بعد ما أخرجته آية التحريم فلا إجمال.

وأما قوله: ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ ولم يوجد في كلام الفصحاء إلا هذه، وأحاد وموحد وجوّزوا إلى عشار ومعشر قياساً على قول الكميت: ولم يستر يثوك حتى رميت *** فوق الرجال خصالاً عشارا فاتفق النحويون على أن فيها عدلاً محققاً.

وذلك أن فائدتها تقسيم أمر ذي أجزاء على عدد معين، ولفظ المقسوم عليه في غير العدد مكرر على الإطراد في كلام العرب نحو: قرأت الكتاب جزءاً جزءاً، وجاءني القوم رجلاً رجلاً وجماعة جماعة.

وكان القياس في باب العدد أيضاً التكرير عملاً بالاستقراء وإلحاقاً للفرد المتنازع فيه بالأعم الأغلب، فلما وجد ثلاث مثلاً غير مكرر لفظاً حكم بأن أصله لفظ مكرر وليس إلأ ثلاثة ثلاثة.

فعند سيبويه منع صرف مثل هذا للعدل والوصف الأصلي، فإن هذا التركيب لم يستعمل إلا وصفاً بخلاف المعدول عنه.

وقيل: إن فيه عدلاً مكرراً من حيث اللفظ لأن أصله كان ثلاثة ثلاثة مرتين فعدل إلى واحد ثم إلى لفظ ثلاث أو مثلث.

وقيل: إن فيه العدل والتعريف إذ لا يدخله اللام خلافاً لما في الكشاف.

وإذا جرى على النكرة فمحمول على البدل، وضعف بعدم جريانه على المعارف ولوقوعه حالاً.

فمعنى الآية فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثاً وثلاثاً وأربعاً أربعاً، فإن خفتم أن لا تعدلوا بين هذه الأعداد فواحدة.

فمن قرأ بالنصب أراد: فاختاروا أو انكحوا أو الزموا واحدة، ومن قرأ بالرفع أراد: فكفت واحدة أو فحسبكم واحدة وذروا الجمع رأساً فإن الأمر كله يدور مع العدل فأينما وجدتموه فعليكم به.

ثم قال: ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ فسوّى في السهولة بين الحرة الواحدة وبين ما شاء من الإماءة لأنهن أقل تبعة وأخف مؤنة من المهائر لا على المرء أكثر منهن أو أقل، عدل بينهن في القسم أم لم يعدل، عزل عنهن أم لم يعزل، ولما كانت التسوية بينها وبينهن احتج بها الشافعي في بيان أن نوافل العبادات أفضل من النكاح وذلك للإجماع على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري، فوجب أن يكون أفضل من النكاح لأن الزائد على أحد المتساويين يكون زائداً على المساوي الآخر، ولمانع أن يمنع التسوية فإن قول الطبيب مثلاً / للمريض: كل التفاح أو الرمان يحتمل أن يكون للتسوية بينهما وقد يكون للمقاربة أي إن لم تجد التفاح فكل الرمان فإنه قريب منه في دفع الحاجة للضرورة، ومع وجود هذا الاحتمال لا يتم الاستدلال على أن فضل الحرة على الأمة معلوم شرعاً وعقلاً.

وههنا مسألتان: الأولى أكثر الفقهاء على أن نكاح الأربع مشروع للأحرار دون العبيد، لأن هذا الخطاب إنما يتناول إنساناً متى طابت له امرأة قدر على نكاحها والعبد ليس كذلك لأنه لا يمكن من النكاح إلا بإذن مولاه.

وأيضاً إنه قال بعد ذلك ﴿ فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ﴾ وهذا لا يكون إلا للأحرار، فكذا الخطاب الأوّل لأن هذه الخطابات وردت متتالية على نسق واحد فيبعد أن يدخل التقييد في اللاحق دون السابق.

وكذا قوله: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ والعبد لا يأكل فيكون لسيده.

وقال مالك: يحل للعبد أن يتزوج بالأربع تمسكاً بظاهر الآية.

ومن الفقهاء من سلم أن ظاهر الآية يتناول العبيد إلا أنهم خصصوا هذا العموم بالقياس.

قالوا: أجمعنا على أن الرق له تأثير في نقصان حقوق النكاح كالطلاق والعدة، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يحصل للعبد نصف ما للحر.

الثانية ذهب جماعة إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد لأن قوله: ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ إطلاق في جميع الأعداد لصحة استثناء كل عدد منه، وقوله: ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ لا يصلح مخصصاً لذلك العموم لأن تخصيص بعض الأعداد بالذكر لا ينافي ثبوت الحكم في الباقي، بل نقول: ذكرها يدل على نفي الحرج والحجر مطلقاً، فإن من قال لولده افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدرسة وإلى البستان كان تصريحاً في أن زمام الاختيار بيده ولا يكون تخصيصاً.

وايضاً ذكر جميع الأعداد متعذر، فذكر بعضها تنبيه على حصول الإذن في جميعها.

ولئن سلمنا لكن الواو للجمع المطلق فيفيد الإذن في جمع تسعة بل ثمانية عشر لتضعيف كل منها.

وأما السنة فلما ثبت بالتواتر أنه  مات عن تسع وقد أمرنا باتباعه في قوله: ﴿ فاتبعوه  ﴾ وأقل مراتب الأمر الإباحة، وقد قال  " "فمن رغب عن سنتي فليس مني" والمعتمد عند الجمهور في جوابهم أمران: أحدهما الخبر كنحو ما روي أن نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة فقال  : " أمسك أربعاً وفارق واحدة" وزيف بأن القرآن دل على عدم الحصر، ونسخ القرآن بخبر الواحد غير جائز، وبأن الأمر بمفارقة الزائدة قد يكون لمانع النسب أو الرضاع.

وأقول: إن القرآن لم / يدل على عدم الحصر، غايته أنه لم يدل على الحصر فيكون مجملاً.

وبيان المجمل بخبر الواحد جائز, وأيضاً قوله "أمسك أربعاً" على الإطلاق وكذا "فارق واحدة" دليل على أن المانع هو الزيادة على الأربع لا غيرها، وكذا في نظائر هذا الحديث.

وثانيهما إجماع فقهاء الأمصار.

وضعف بأن الإجماع مع وجود المخالف لا ينعقد، وبتقدير التسليم فإن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به.

والجواب أن المخالف إذا كان شاذاً فلا يعبأ به، والقرآن لم يدل على عدم الحصر حتى يلزم نسخ الإجماع إياه ولكن الإجماع دل على وجود مبين في زمان الرسول  .

ولئن سلم أن القرآن دل على عدم الحصر فالإجماع يكشف عن وجود ناسخ في عهده وذلك جائز بالاتفاق.

لا يقال: فعلى تقدير الحصر كان ينبغي أن يقال مثنى أو ثلاث أو رباع بأو الفاصلة، لأنا نقول: يلزم حينئذٍ أن لا يجوز النكاح إلا على أحد هذه الأقسام، فلا يجوز لبعضهم أن يأتي بالتثنية، ولفريق ثان بالتثليث، والآخرين بالتربيع، فيذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو.

﴿ ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾ أي اختيار الواحدة أو التسري أقرب من أن لا تميلوا أو لا تجوروا.

وكلا اللفظين مروي عن عائشة عن النبي  من قولهم: عال الميزان عولاً إذا مال.

وعال الحاكم في حكمه إذا جار.

ومنه عالت الفريضة إذا زادت سهامها.

وفيه الميل عن الاعتدال.

وقيل: معناه أن لا تفتقروا.

ورجل عائل أي فقير وذلك أنه إذا قل عياله قلت نفقاته فلم يفتقر.

ونقل عن الشافعي أنه قال: معناه أن لا تكثروا عيالكم.

وطعن فيه بعض القاصرين بأن هذا في اللغة معنى "تعيلوا" لا معنى "تعولوا" يقال: أعال الرجل إذا كثر عياله.

ومنه قراءة طاوس ﴿ أن لا تعيلوا ﴾ وأيضاً إنه لا يناسب أول الآية ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا ﴾ وأيضاً هب أنه يقل العيال في اختيار الحرة الواحدة، فكيف يقل عند اختيار التسري ولا حصر لهن؟

والجواب عن الأوّل أن الشافعي لم يذهب إلى تفسير اللغة وإنما زعم أنه  أشار إلى الشيء بذكر لازمه أي جعل الميل والجور كناية عن كثرة العيال، لأن كثرة العيال لا تنفك عن الميل والجور.

وقرر الكناية في الكشاف على وجه آخر، وهو أنه جعل قوله  : ﴿ أن لا تعولوا ﴾ من عال الرجل عياله يعولهم كقولك: مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم.

ولا شك أن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما تصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال.

فالحاصل أنه ذكر اللازم وهو الإنفاق وأراد الملزوم وهو كثرة العيال.

والحاصل على ما قلنا أنه ذكر اللازم وهو الميل والجور وأراد الملزوم وهو كثرة العيال.

والجواب عن الثاني أن حمل الكلام على ما لا يلزم منه تكرار أولي وبتقدير التسليم فتفسير الشافعي أيضاً يؤل إلى تفسير الجمهور لكن بطريق الكناية كما قررنا.

وعن الثالث أن / الجواري إذا كثرن فله أن يكلفهن الكسب فينفقن على أنفسهن وعلى مولاهن أيضاً فكأنه لا عيال.

وأيضاً إذا عجز المولى باعهن وتخلّص منهن بخلاف المهائر فإن الخلاص عنهن يفتقر إلى تسليم المهر إليهن.

وقال في الكشاف: العزل عن السراري جائز بغير إذنهن فكن مظان قلة الولد بالإضافة إلى التزوج.

﴿ وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ أي مهورهن.

والخطاب للأزواج وهو قول علقمة وقتادة والنخعي واختيار الزجاج لأن ما قبله خطاب للناكحين.

وقيل: خطاب للأولياء لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي البنات من مهورهن شيئاً، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له ابنة: هينئاً لك النافجة - يعنون أنك تأخذ مهرها إبلاً فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه.

وقال ابن الأعرابي: النافجة ما يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته.

فنهى الله عن ذلك وأمر بدفع الحق إلى أهله، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن قتيبة.

قال القفال: يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء المناولة فيكونوا قد أمروا بدفع المهور التي سموها لهن، ويحتمل أن يراد الالتزام كقوله: ﴿ حتى يعطوا الجزية عن يد  ﴾ أي حتى يضمنوها ويلتزموها.

فيكون المعنى أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلتزم سواء سمي ذلك أو لم يسم إلا ما خص به الرسول  من الموهوبة.

قال: ويجوز أن يراد الوجهان جميعاً.

أما قوله نحلة فقد قال ابن عباس وقتادة ابن جريج وابن زيد: أي شريعة وديانة.

فيكون مفعولاً له، أو حالاً من الصدقات أي ديناً من الله شرعه وفرضه.

وقال الكلبي: أي عطية وهبة فيكون نصباً على المصدر لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء، أو الحال على من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء من غير مطالبة منهن، لأن ما يؤخذ بالمطالبة لا يسمى نحلة، أو من الصدقات أي منحولة معطاة عن طيب نفس، وإنما سميت عطية من الزوج لأن الزوج لا يملك بدله شيئاً، لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح كهو قبله.

وإنما الذي استحقه الزوج هو الاستباحة لا الملك.

والنحلة العطية من غير بدل.

وقال قوم: إن الله  جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركاً بين الزوجين، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر وكان ذلك عطية من الله  ابتداء.

ثم لما أمرهم بإيتاء الصدقات أباح لهم جواز قبول إبرائها وهبتها.

وانتصب ﴿ نفساً ﴾ على التمييز وإنما وحد لأنه لا يلبس أن النفس لهن لأنهن أنفس ولو جمعت لجاز، والضمير في ﴿ منه ﴾ للصداق أو للمذكور في قوله: ﴿ طبن ﴾ وبناء الكلام على الإبهام ثم التمييز دون أن يقول سمحن أو وهبن.

وفي قوله: ﴿ عن شيء منه ﴾ دون أن يقول عنه تنبيه على أن قبول ذلك إنما يحل إذا طابت نفوسهن بالهبة من غير اضطرار وسوء معاشرة من الزوج يحملهن على ذلك وبعث لهن على تقليل الموهوب، / ولهذا ذكر الضمير في ﴿ منه ﴾ لينصرف إلى الصداق الواحد فيكون متناولاً بعضه، ولو أنث لتناول ظاهرة هبة الصداق كله لأن بعض الصدقات واحدة منها أو أكثر.

ومن هذا التقرير يظهر أن "من" في قوله: ﴿ منه ﴾ للتبعيض إخراجاً للكلام مخرج الغالب مع فائدة البحث المذكور لأنه لا يجوز هبة كل الصداق إذا طابت نفسها عن المهر بالكلية، ومن غفل عن هذه الدقيقة زعم أن "من" للتبيين والمعنى عن شيء هو هذا الجنس يعني الصداق.

﴿ فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه.

وقيل: الهنيء ما يستلذه الآكل، والمريء ما تحمد عاقبته.

وقيل: هو ما ينساغ في مجراه ومنه يقال: المريء لمجرى الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة.

وقيل: أصله من الهناء وهو معالجة الجرب بالقطران.

فالهنيء شفاء من الجرب.

وبالجملة فهو عبارة عن التحلل أو المبالغة في إزالة التبعة في الدنيا والآخرة.

وهما صفتان للمصدر أي أكلاً هنياً مريئاً، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء.

وقد يوقف على قوله: ﴿ فكلوه ﴾ ويبتدأ ﴿ هنيئاً مريئاً ﴾ على الدعاء أو على أنهما قاما مقام مصدريهما أي هنأ مرأ.

والمراد بالأكل التصرف الشامل للعين والدين.

قال بعض العلماء: إن وهبت ثم طلبت علم أنها لم تطب عنه نفساً.

وعن عمر أنه كتب إلى قضاته أن النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها.

وعن ابن عباس "أن رسول الله  سئل عن هذه الآية فقال: إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهه لا يقضي به عليكم سلطان ولا يؤاخذكم الله به في الآخرة" .

ثم إنه  لما أمر بإيتاء اليتامى أموالهم ويدفع صدقات النساء إليهن، استثنى منهم خفاف الأحلام وإن بلغوا أوان التكليف فقال: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ أكثر العلماء على أن هذا الخطاب للأولياء.

فورد أن الأنسب أن لو قيل لأموالهم.

وأجيب بأنه إنما حسنت إضافة الأموال إلى المخاطبين إجراء للوحدة النوعية مجرى الوحدة الشخصية كقوله: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم  ﴾ ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه ولكن كان بعضهم يقتل بعضاً فقيل: "أنفسكم" لأن الكل من نوع واحد فكذا هنا المال شيء ينتفع به الإنسان ويحتاج إليه، فلهذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء إلى أوليائهم، ويحتمل أن يضاف المال إليهم لا لأنهم ملكوه بل لأنهم ملكوا التصرف فيه، ويكفي في حسن الإضافة أدنى سبب.

وقيل: خطاب للآباء نهاهم الله تعالى إذا كان أولادهم سفهاء أن يدفعوا أموالهم أو بعضها إليهم.

فعلى هذا تكون إضافة الأموال إليهم حقيقة.

والغرض الحث على حفظ المال وأنه إذا قرب أجله يجب عليه أن يوصي بماله إلى أمين يحفظه على ورثته.

وقد يرجح القول بأن ظاهر النهي للتحريم، وأجمعت الأمة على أنه لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله.

وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السفهاء أموالهم، وأيضاً قوله: ﴿ وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ هذه الأوامر تناسب حال الأولياء لا الآباء.

وأقول: لا يبعد حمل الآية على كلا القولين، لأن الإضافة في أموالكم لا تفيد إلا الاختصاص سواء كان اختصاص الملكية أو اختصاص التصرف.

واختلفوا في السفهاء فعن مجاهد والضحاك أنها النساء أزواجاً كن أو أمهات أو بنات، وهو مذهب ابن عمرو يدل عليه ما روى أبو أمامة عن النبي  : "ألا إنما خلقت النار للسفهاء" يقولها ثلاثاً.

وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيمها.

وقد جمع فعيلة على فعلاء كفقيرة وفقراء.

وقال الزهري وابن زيد: هم الأولاد الخفاف العقول.

وعن ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد بن جبير: إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وأن ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن يسلط واحداً منهما على ماله.

والصحيح أن المراد بالسفهاء كل من ليس له عقل يفي بحفظ المال ولا يد له بإصلاحه وتثميره والتصرف فيه، ويدخل فيه النساء والصبيان والأيتام والفساق وغيرهم مما لا وزن لهم عند أهل الدين والعلم بمصالح الدارين، فيضع المال فيما لا ينبغي ويفسده.

ومعنى ﴿ جعل الله لكم قياماً ﴾ أنه لا يحصل قيامكم وانتعاشكم إلا به.

سماه بالقيام إطلاقاً لاسم المسبب على السبب.

ومن قرأ ﴿ قيماً ﴾ فعلى حذف الألف من ﴿ قياماً ﴾ وهو مصدر قام وأصله قوام قلبت الواو ياء لإعلال فعله.

فإن لم يكن مصدراً لم يعل كقوام لما يقام به.

وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالاً يحاسبني الله عليه خير من أحتاج إلى الناس.

وقال عبد الله بن عباس: الدراهم والدنيانير خواتيم الله في الأرض لا تؤكل ولا تشرب حيث قصدت بها قضيت حاجتك.

وقال قيس بن سعد: اللهم ارزقني حمداً ومجداً فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال.

وقيل لأبي الزناد: لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟

قال: هي وإن أدنتني فقد صانتني عنها.

وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه.

وربما رأوا رجلاً في تشييع جنازة فقالوا له: اذهب إلى مكانك.

وقال بعض الحكماء: من أضاع ماله فقد ضارّ الأكرمين: الدين العرض.

وفي منثور الحكم: من استغنى كرم على أهله.

وفيه: الفقر مخذلة، والغنى مجدلة، والبؤس مرذلة، والسؤال مبذلة.

وكان يقال: الدراهم مراهم لأنها تداوي كل جرح ويطيب بها كل صلح.

وقال أبو العتاهية: أجلك قوم حين صرت إلى الغنى *** وكل غني في العيون جليل إذا مالت الدنيا على المرء رغبت *** إليه ومال الناس حيث تميل وليس الغنى إلا غنى زين الفتى *** عشية يقرى أو غداة ينيل وقد اختلف أقوال الناس في تفضيل الغنى والفقر مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه، وما أبطر من الغنى مذموم.

فذهب قوم إلى تفضيل الغنى على الفقر، لأن الغني مقتدر والفقير عاجز والقدرة أفضل من العجز.

وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة.

وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر على الغنى، لأن الفقير تارك والغنى ملابس، وترك الدنيا أفضل من ملابستها وهذا قول من غلب عليه حب السلامة.

وقال الباقون: خير الأمر أوساطها، والفضل للاعتدال بين الفقر والغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين، ويسلم من مذمة الحالين.

ومن كلفته النفس فوق كفافها *** فما ينقضي حتى الممات عناؤه والحاصل أن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بمصالح الدارين، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال، فبذلك يتمكن من جلب المنافع ودفع المضار ولهذا رغب الله  في حفظه ههنا.

وفي آية المداينة حيث أمر بالكتاب والشهادة والرهان المقبوضة، فمن أراد الدنيا لهذا الغرض فنعمت المعونة هي، ومن أرادها لعينها فيا لها من حسرة وندامة.

ثم إنه  أمر بعد ذلك بثلاثة أشياء وذلك قوله: ﴿ وارزقوهم فيها ﴾ وإنما لم يقل"منها" كيلا يكون أمراً بجعل بعض أموالهم رزقاً لهم فيأكلها الإنفاق، بل أمر بأن يجعلوها مكاناً لرزقهم بأن يتجروا فيها ويربحوها حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من أصول الأموال وصلبها ﴿ واكسوهم ﴾ كل من الرزق والكسوة بحسب المصلحة وكما يليق بحال أمثالهم ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ قال ابن جريج ومجاهد: هو عدة جميلة من البر والصلة.

وقال ابن عباس: هو مثل أن يقول: إذا ربحت في سفري هذا فعلت بك ما أنت أهله، وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظاً.

وقال ابن زيد: إن لم يكن ممن وجبت نفقته عليك فقل: عافانا الله وإياك وبارك الله فيك.

وقال الزجاج: علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم بما يتعلق بالعلم والعمل.

وقال القفال: إن كان صبياً فالوالي يعرّفه أن المال ماله وأنه إذا زال صباه فإن يرّد المال إليه كقوله: ﴿ فأما اليتيم فلا تقهر  ﴾ أي لا تعاشره بالتسلط عليه كما تعاشر العبيد وإن كان سفيهاً، وعظه ونصحه وحثه على الصلاة وعرفه أن عاقبة الإسراف فقر واحتياج.

وبالجملة فكل ما سكنت إليه النفس وأحبته لحسنة عقلاً أو شرعاً من قول أو عمل فهو معروف، وما نفرت من لقبحه فمنكر، ثم بيّن أن السفهاء متى يؤتون أموالهم فشرط في ذلك شرطين: أحدهما بلوغ النكاح والثاني إيناس / الرشد منهم.

فبلوغ النكاح أن يحتمل لأنه يصلح للنكاح عنده، ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد ومناط الاحتلام خروج المني، ويدخل وقت إمكانه باستكمال تسع سنين قمرية أو يبلغ خمس عشرة سنة تامة قمرية عند الشافعي، وثماني عشرة عند أبي حنيفة.

وهذان مشتركان بين الغلام والجارية ولها أمارتان أخريان: الحيض أو الحبل، ولطفل الكفار أمارة زائدة هي إنبات الشعر الخشن على العانة.

وأما الإيناس ففي اللغة الإبصار.

والمراد في الآية التبين والعرفان.

والرشد خلاف الغيّ.

ومعنى قوله: ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ اختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف قبل البلوغ، ومن هنا قال أبو حنيفة: تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة لأن الابتلاء المأمور به قبل بلوغهم إنما يحصل إذا إذن له في البيع والشراء.

وقال الشافعي: الابتلاء قبل البلوغ لا يقتضي الإذن في التصرف لأن الإذن يتوقف على دفع المال إليهم، ولكن لا يصح دفع المال إليهم لأنه موقوف على الشرطين.

بل المراد بالابتلاء اختبار عقله واستبراء حاله حسبما يليق بكل طائفة.

فولد التاجر يختبر في البيع والشراء بحضوره، ثم باستكشاف ذلك البيع والشراء منه وما فيهما من المصالح والمفاسد.

وقد يدفع إليه شيئاً ليبيع أو يشتري فيعرف بذلك مقدار فهمه وعقله، ثم الولي بعد ذلك يتم العقد لو أراد.

وولد الزارع يختبر في أمر المزارعة والإنفاق على القوّام بها، وولد المحترف فيما يتعلق بحرفته، والمرأة في أمر القطن والغزل وحفظ الأقمشة وصون الأطعمة عن الهرة والفأرة وما أشبهها.

ولا يكفي المرة الواحدة في الاختبار بل لا بد من مرتين وأكثر على ما يليق بالحال ويفيد غلبة الظن أنه رشد نوعاً من الرشد يختص بحاله، لا الرشد من جميع الوجوه وعلى أكمل ما يمكن ولهذا ورد منكراً.

وقد ظهر مما ذكرنا أنه لا بد بعد البلوغ من الرشد فيما يتعلق بصلاح ماله بحيث لا يقدر الغير على خديعته.

ثم إن أبا حنيفة قال: إذا بلغ مهتدياً إلى وجوه مصالح الدنيا فهو رشيد يدفع إليه ماله.

وقال الشافعي: لا بد مع ذلك من الاهتداء لمصالح الدين، فإن الفاسق لا يخلو من إتلاف المال في الوجوه الفاسدة المحرمة، وقد نفى الله  الرشد عن فرعون في قوله ﴿ وما أمر فرعون برشيد  ﴾ مع أنه كان يراعي مصالح الدنيا.

ويتفرع على القولين أن الشافعي يرى الحجر على الفاسق وأبا حنيفة لا يراه.

ثم إنه إذا بلغ غير رشيد واستمر على ذلك لم يدفع إليه ماله بالاتفاق إلى خمس وعشرين سنة، وفيما وراء ذلك خلاف.

فعند أصحاب أبي حنيفة وعند الشافعي لا يدفع إليه أبداً إلا بإيناس الرشد كما هو مقتضى الآية.

وعند أبي حنيفة يدفع لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسن ثماني عشرة سنة، فإيذا زادت عليها سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير أحوال الإنسان لقوله  : "مروهم بالصلاة لسبع" دفع إليه ماله، أونس منه رشد أو لم يؤنس.

ثم قال: ﴿ ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ﴾ مصدران في موضع الحال أي مسرفين ومبادرين كبرهم، أو مفعول لهما أي لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم، والإسراف التبذير ضد القصد والإمساك.

والكبر في السن وقد كبر الرجل بالكسر يكبر بالفتح كبراً أي أسن، وكبر بالضم يكبر كبراً وكبارة أي عظم.

نهاهم عن الإفراط في الإنفاق كما يشتهون قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيديهم ﴿ ومن كان غنياً فليستعفف ﴾ فليمتنع منه وليتركه.

وفي السين زيادة مبالغة كأنه طلب مزيد العفة ﴿ ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ وللعلماء خلاف في أن الوصي هل له أن ينتفع بمال اليتيم؟

قال الشافعي: له أن يأخذ قدر ما يحتاج إليه وبقدر أجرة عمله، لأن النهي في الآية عن الإسراف مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة، ولا سيما إذا كان فقيراً، ولما روي عن النبي  "أن رجلاً قال له: إن في حجري يتيماً أفآكل من ماله؟

قال: بالمعروف غير متأثل مالاً ولا واق مالك بماله.

قال: أفأضربه؟

قال: مما كنت ضارباً منه ولدك" وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمار وابن مسعود وعثمان بن حنيف: سلام عليكم.

أما بعد فإني قد رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار، وربعها لعبد الله بن مسعود، وربعها لعثمان ألا وإني قد أنزلت نفسي وإياكم من مال الله منزلة والي مال اليتيم، ﴿ من كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ .

وأيضاً قياساً على الساعي في أخذ الصدقات وجمعها فإنه يضرب له في تلك الصدقات بسهم، فكذا هنا.

وعن سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه قرضاً، ثم إذا أيسر قضاه، وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه.

وأكثر العلماء على أن هذا الافتراض إنما جاء في أصول الأموال من الذهب والفضة وغيرهما.

وأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب فمباح له إذا كان غير مضر بالمال.

وقال أبو بكر الرازي: الذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذه لا على سبيل القرض ولا على سبيل الابتداء، سواء كان غنياً أو فقيراً، واحتج بقوله  ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ وأجيب بأنها عامة.

وقوله: ﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ خاص والخاص مقدم على العام.

قال: ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ﴾ وأجيب بأن محل النزاع هو أن أكل الوصي مال اليتيم ظلم أو لا؟

قال: ﴿ وأن تقوموا لليتامى بالقسط ﴾ وهو أيضاً عين النزاع.

ثم اعلم أن الأئمة اتفقوا على أن الوصي إذا دفع المال إلى اليتيم بعد بلوغه رشيداً فالأولى والأحوط أن يشهد عليه إظهاراً / للأمانة وبراءة من التهمة.

ولكن اختلفوا في أن الوصي إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه فهل هو مصدق؟

فقال أبو حنيفة وأصحابه: يصدق بيمينه كسائر الأمناء.

وقال مالك والشافعي: لا يصدق إلا بالبينة لأنه  نص على الإشهاد فقال: ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ وظاهر الأمر للوجوب، ولأنه أمين من جهة الشرع لا من جهة اليتيم، وليس له نيابة عامة كالقاضي، ولا كمال الشفقة كالأب.

نعم يصدق في قدر النفقة وفي عدم التقتير والإسراف لعسر إقامة البينة على ذلك وتنفيره الناس عن قبول الوصاية ﴿ وكفى بالله حسيباً ﴾ أي كافياً في الشهادة عليكم بالدفع والقبض، أو محاسباً كالشريب بمعنى المشارب، وفيه تهديد للولي ولليتم أن يتصادقوا ولا يتكاذبوا.

والباء في ﴿ بالله ﴾ زائدة نظراً إلى أصل المعنى وهي كفى الله.

و ﴿ حسيباً ﴾ نصب على التمييز، ويحتمل الحال.

ثم من ههنا شرع في بيان المواريث والفرائض.

قال ابن عباس: "إن أوس بن ثابت الانصاري توفي وترك امرأة يقال لها أم كجة وثلاث بنات له منها.

فقام رجلان - هما ابنا عم الميت ووصياه سويد وعرفجة - فأخذا ماله ولم يعيطيا امرأته ولا بناته شيئاً، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكراً، إنما يورثون الرجال الكبار وكانوا يقولون لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة، قال: فجاءت أم كجة إلى رسول الله  فقالت: يا رسول الله، إن أوس بن ثابت مات وترك لي بنات وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالاً حسناً وهو عند سويد وعرفجة ولم يعطياني ولا بناته من المال شيئاً.

فدعاهما رسول الله صلى الله وسلم فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً، ولا يحمل كلاً، ولا ينكي عدوّاً.

فقال رسول الله  : انصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن.

فانصرفوا فأنزل الله ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ الآية.

فبعث إليهما لا تقربا من مال أوس شيئاً فإن الله قد جعل لهن نصيباً، ولم يبين حتى يتبين فنزلت ﴿ يوصيكم الله ﴾ فأعطى أم كجة الثمن، والبنات الثلثين، والباقي ابني العم" .

وسبب الإجمال في الآية ثم التفصيل فيما بعد، هو أن الفطام من المألوف شديد، والتدرج في الأمور دأب الحكيم، وهكذا قد نزل الأحكام والتكاليف شيئاً بعد شيء إلى أن كملت الشريعة الحقة وتم الدين الحنيفي ﴿ مما قل منه أو كثر ﴾ بدل ﴿ مما ترك ﴾ تكرير العامل و ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ نصب على الاختصاص تقديره أعني نصيباً ومقطوعاً مقدراً لا بد لهم أن يحوزوه، أو على المصدر المؤكد كأنه قيل: قسمة مفروضة.

احتج بعض أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام كالعمات والخالات والأخوال وأولاد البنات، لأن الكل من الأقربين.

غاية ما في الباب أن مقدار أنصبائهم غير مذكور ههنا إلا أنا / نثبت بالآية استحقاقهم لأصل النصيب، ونستفيد المقادير من سائر الدلائل.

وأجيب بأنه  قال: ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ وبالإجمال ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر.

وايضاً الواجب عندهم ما علم ثبوته بدليل مظنون، والمفروض ما علم بدليل قاطع، وتوريث ذوي الأرحام ليس من هذا القبيل بالاتفاق، فعرفنا أنه غير مراد من الآية.

وأيضاً ليس المراد بالأقربين من له قرابة ما وإن كانت بعيدة وإلا دخل جميع أولاد آدم فيه.

فالمراد إذن أقرب الناس إلى الوارث، وما ذاك إلا الوالدين والأولاد.

ودخول الوالدين في الأقربين يكون كدخول النوع في الجنس، فلا يلزم تكرار والله  أعلم.

قال المفسرون: أنه  لما ذكر في الآية للنساء أسوة بالرجال في أن لهن حظاً من الميراث، وعلم أن في الأقارب من يرث وفيهم من لا يرث وربما حضروا القسمة فلا يحسن حرمانهم قال: ﴿ وإذا حضر القسمة أولو القربى ﴾ الآية.

ثم منهم من قال بوجوبه ومنهم من قال باستحبابه.

وعلى الوجوب فعن سعيد بن المسيب والضحاك أنها منسوخة بآية المواريث، وعن أبي موسى الأشعري وإبراهيم النخعي والشعبي والزهري ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير أنها محكمة لكنها مما تهاون به الناس، قال الحسن: أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات واليتامى والمساكين من الورق والذهب، فإذا آل الأمر إلى قسمة الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك قالوا لهم قولاً معروفاً.

كانوا يقولون لهم: ارجعوا بورك فيكم.

وعلى الاستحباب وهو مذهب فقهاء الأمصار اليوم قالوا: إن هذا الرضخ يستحب إذا كانت الورثة كباراً، أما إذا كانوا صغاراً فليس إلا القول المعروف كأن يقول الولي: إني لا أملك هذا المال إنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعرفون ما عليهم من الحق، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم.

والضمير في ﴿ منه ﴾ إما أن يعود إلى ما ترك، وإما إلى الميراث بدليل ذكر القسمة.

وقيل: المراد قسمة الوصية.

وإذا حضرها من لا يرث من الأقرباء واليتامة والمساكين، أمر الله الموصي أن يجعل لهم نصيباً من تلك الوصية ويقول لهم مع ذلك قولاً معروفاً.

وقيل: أولو القربى الوارثون واليتامى والمساكين الذين لا يرثون.

وقوله: ﴿ وقولوا لهم ﴾ راجع إلى هؤلاء الذين لا يرثون.

ويحكى هذا القول عن سعيد بن جبير.

﴿ وليخش الذين لو تركوا ﴾ الجملة الشرطية وهي "لو" مع ما في حيزه صلة الذين.

والمعنى ليخشى الذين من صفتهم وحالهم أنهم لو تركوا ذرية ضعافاً خافوا عليهم, وأما المخشى فغير منصوص عليه.

قال بعض المفسرين: هم الأوصياء أمروا بأن يخشوا الله فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافاً، أو أمروا بأن يخشوا على اليتامى من الضياع كما يخشون على أولادهم لو تركوهم، وعلى هذا فيكون القول السديد أي الصواب.

القصد أن لا يؤذوا اليتامى ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالقول الجميل ويدعوهم بيا بني ويا ولدي، وهذا القول أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام.

نبههم الله على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها ليكون ذلك أجدر ما يدعوهم إلى حفظ مال اليتيم كما قال القائل: لقد زاد الحياة إليّ حباً *** بناتي إنهن من الضعاف أحاذر أن يرين البؤس بعدي *** وأن يشربن رنقاً بعد صافي وقيل: هم الذين يجلسون إلى المريض فيقولون: إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئاً.

فقدِّم مالك، ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن يستغرق المال بالوصايا.

فأمروا بأن يخشوا ربهم ويخشوا على أولاد المريض خوفهم على أولاد أنفسهم لو كانوا.

وعلى هذا تكون الآية نهياً للحاضرين عن الترغيب في الوصية.

والقول السديد أن يقولوا للمريض لا تسرف في الوصية فتجحف بأولادك مثل قول رسول الله  لسعد: "الثلث كثير" .

وكان الصحابة  م يستحبون أن لا تبلغ الوصية الثلث وإن الخمس أفضل من الربع والربع من الثلث.

وقيل: يجوز أن تتصل الآية بما قبلها فيكون أمراً للورثة بالشفقة على الذين يحضرون القسمة من الضعفاء، وأن يتصوروا أنهم لو كانوا أولادهم خافوا عليهم الحرمان.

وعن حبيب بن ثابت سألت مقسماً عن الآية.

فقال: هو الرجل الذي يحضره الموت ويريد الوصية للأجانب فيقول له من كان عنده: اتق الله وأمسك على ولدك مالك.

مع أن ذلك الإنسان يحب أن يوصي له.

وعلى هذا يكون نهياً عن الوصية ولا يساعده قوله: ﴿ لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ﴾ ثم أكد الوعيد في باب إهمال مال اليتيم فقال ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ﴾ أي ظالمين أو على وجه الظلم من ولاة السوء وقضاته لا بالمعروف ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ﴾ أي ملء بطونهم ناراً أي ما يجر إلى النار وكأنه نار في الحقيقة.

وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه، فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا.

وعن أبي سعيد الخدري أن النبي  قال: "رأيت ليلة أسري بي قوماً لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من النار يخرج من أسافلهم فقال جبريل: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً" ﴿ وسيصلون ﴾ من قرأ بفتح الياء فهو من صلى فلان النار بالكسر يصلى صلياً احترق.

ومن قرأ بالضم فمعناه الإلقاء في النار لأجل الإحراق من الإصلاء.

وقد يشدد من التصلية والمعنى واحد.

والسعير النار، وسعرت النار والحرب هيجتها وألهبتها فهي سعير أي مسعورة.

والتنكير للتعظيم أي ناراً مبهمة الوصف لا يعلم شدتها إلا خالقها.

قالت المعتزلة: لا يجوز أن يدخل تحت هذا الوعيد آكل اليسير من / ماله، بل لا بد أن يكون مقدار خمسة دراهم لأنه القدر الذي وقع عليه الوعيد في آية الكنز في منع الزكاة ولا بد مع ذلك من عدم التوبة.

فقيل لهم: إنكم خالفتم هذا العموم من وجهين: من جهة شرط عدم التوبة، ومن جهة شرط عدم كونه صغيرة، فلم لا يجوز لنا أن نزيد فيه شرط عدم العفو؟

وههنا نكتة وهي أنه أوعد مانع الزكاة بالكي، وآكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار.

ولا شك أن هذا الوعيد أشد، والسبب فيه أن الفقير غير مالك لجزء من النصاب حتى يملكه المالك، واليتيم مالك لماله فكان منع اليتيم أشنع.

وأيضاً الفقير يقدر على الاكتساب من وجه آخر أو على السؤال، واليتيم عاجز عنهما فكان ضعفه أظهر وهذا من كمال عنايته  بالضعفاء فنرجو أن يرحم ذلنا وضعفنا بعزته وقوته.

التأويل: ذكر الناسين بدء خلقهم بالأشباح والأرواح فخلقوا بالأشباح من آدم، وبالأرواح من روح محمد  .

قال: أول ما خلق الله روحي فهو أبو الأرواح.

وخلق من الروح زوجه وهي النفس، خلقها من أدنى شعاع من أشعة أنوار روح محمد  ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ﴾ أرواحاً كاملين ﴿ ونساء ﴾ أرواحاً ناقصات ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به ﴾ أي اتقوه أن تساءلوا به غيره ﴿ والأرحام ﴾ ولا تقطعوا رحم رحمتي بصلة غيري ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ تزكية عن آفة الحرص والحسد والدناءة والخسة والطمع وتحلية بالقناعة والمروءة وعلو الهمة والعافية ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ تزكية عن آفة الخيانة والخديعة وتحلية بالأمانة وسلامة الصدر ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ تزكية عن الجور وتحلية بالعدل، فإن اجتماع هذه الرذائل كان حوباً كبيراً حجاباً عظيماً ﴿ فانكحوا ما طاب لكم ﴾ تزكية عن الفاحشة وتحلية بالعفة ﴿ ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾ تزكية عن الحدة والغضب، وتحلية بالسكون والحلم ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ تزكية عن البخل والغدر وتحلية بالوفاء والكرم ﴿ فكلوه هنيئاً ﴾ تزكية عن الكبر والأنفة وتحلية بالتواضع والشفقة.

فهذه كلها إشارات إلى تربية يتامى القلوب والنفوس بإيتاء حقوق تزكيتهم عن هذه الأوصاف وتحليتهم بهذه الأخلاق.

ثم نهى عن إيتاء النفوس الأمارة حظوظها فقال: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء ﴾ وإنما قال: ﴿ أموالكم ﴾ لأن الخطاب مع العقلاء والصلحاء وقد خلق الله الدنيا لأجلهم أن الأرض يرثها عبادي الصالحون.

﴿ وارزقوهم فيها ﴾ قدر ما يسد الجوعة ﴿ واكسوهم ﴾ ما يستر العورة وما زاد فإسراف في حق النفس ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ كنحو: أكلت رزق الله فأدّي شكر نعمته بامتثال أوامره نواهيه وإلا أذيبي طعامك بذكر الله كما قال  : " "أذيبوا طعامكم بذكر الله " .

﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ أي قلوب السائرين بأدنى توسع في المعيشة بعد أن كانوا محجورين عن التصرف ﴿ حتى إذا بلغوا ﴾ مبلغ الرجال البالغين ﴿ فإن آنستم منهم / رشداًَ ﴾ بأن استمروا بذلك التوسع على السير وزادوا في اجتهادهم وجدهم كما قال الجنيد: أشبع الزنجي وكدّه ﴿ فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ فالعبد في هذا المقام يكون جائز التصرف في مماليك سيده كالعبد المأذون، ولهذا قال ههنا ﴿ أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً ﴾ أي فإن آنستم يا أولياء الطريقة من المريدين البالغين رشد التصرف في أصحاب الإرادة فادفعوا إليهم عنان التصرف بإجازة الشيخوخية، ولا تجعلوا الشيخوخية مأكلة لكم غيرة وغبطة عليهم أن يكبروا بالشيخوخة.

﴿ ومن كان غنياً ﴾ بالله من قوة الولاية مستظهراً بالعناية ﴿ فليستعفف ﴾ عن الانتفاع بصحبتهم، ﴿ ومن كان فقيراً ﴾ مفتقراً إلى ولاية المريد ﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ فلينتفع بإعانته وليجزله بالشيخوخية مع الإمداد في الظاهر والباطن ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم ﴾ سلمتم إليهم مقام الشيخوخية ﴿ فأشهدوا عليهم ﴾ الله ورسوله وأرواح المشايخ وأوصوهم برعاية حقوقها مع الله والخلق.

ثم أخبر عن نصيب كل نسيب فقال: ﴿ للرجال ﴾ وهم الأقوياء من الطلبة ﴿ وللنساء ﴾ وهم الضعفاء ﴿ نصيب مما ترك الولدان والأقربون ﴾ وهم المشايخ والإخوان في الله وتركتهم بركتهم وأنوارهم ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ على قدر استعدادهم ﴿ وإذا حضر القسمة ﴾ أي في محافل صحبتهم ومجالس ذكرهم ﴿ أولو القربى ﴾ المنتمون إليهم المقتبسون من أنوارهم والمقتفون لآثارهم ﴿ فارزقوهم ﴾ من مواهب بركاتهم ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ في التشويق وإرشاد الطريق وتقرير هوان الدنيا عند الله، وعزة أهل الله في الدارين.

﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعفاً ﴾ من متوسطي المريدين أو المبتدئين ﴿ خافوا عليهم ﴾ آفات المفارقة بسفر أو موت ﴿ فليتقوا الله ﴾ أي يوصونهم بالتقوى وأن يقولوا قولاً سديداً هو لا إله إلاَّ الله.

فإن التقوى ومداومة الذكر خطوتان يوصلان العبد إلى الله ﴿ إن الذين يأكلون ﴾ يضيعون أطفال الطريقة بعدم التربية ورعاية وظائف النصيحة ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ﴾ نار الحسرة والغرامة يوم لا تنفع الندامة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: قوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ﴾ حرف، "حتى" صلة؛ وتأويله: وابتلوا اليتامى إذا بلغوا النكاح؛ وهو قول الشافعي، يجعل الابتلاء بعد البلوغ.

ويحتمل أن يكون المراد بالابتلاء - قبل البلوغ؛ لوجهين: أحدهما: أن يبتلي الأيتام قبل بلوغهم بأنواع العبادات والآداب؛ ليعتادوا بها ويتأدبوا؛ ليعرفوا حقوق الأموال وقدرها، ويحفظوها إذا بلغوا؛ لأنهم إذا ابتلوا بعد البلوغ لم يعرفوا ما عليهم من العبادات والفرائض وقت البلوغ، وكان في ذلك تضييع حقوق الله وفرائضه؛ إذ لا سبيل لهم إلى القيام بها حتى البلوغ، فأمر الأولياء والأوصياء أن يبتلوهم قبل البلوغ، حتى إذا بلغوا، بلغوا عارفين لما عليهم من العبادات والحقوق، حافظين لها؛ ألا ترى إلى ما روي في الخبر أنه أمر الأب أنه يأمر ولده بالصلاة إذا كان ابن سبع، وأمر بالضرب والتأديب إذا كان ابن تسع، وبالتفريق في المضاجع، وهو من حقوق الخلق؟!

فهذا ليعتادوا، ويأخذوا الأدب قبل البلوغ، حتى إذا بلغوا عرفوا ما عليهم، وهان القيام بها، وإذا لم يُعَوَّدُوا قبل ذلك يشتد عليهم القيام بإقامة العبادات وأداء الحقوق؛ فعلى ذلك الأول.

ووجه آخر: أن يبتلي عقولهم بشيء من أموالهم يتجرون بها، ويتقلبون فيها؛ لينظروا: هل يقدرون على حفظ أموالهم عند حدوث الحوادث والنوائب؟

ففيه دليل جواز الإذن في التجارة في حال الصغر؛ لأنه لا يظهر ذلك إلا بالتجارة.

وإن كان المراد بالابتلاء بعد البلوغ والكبر فهو - أيضاً - يحتمل وجهين: يحتمل العلم بها نفسه؛ ويحتمل العمل بها والعلم، ولا يضعوها في غير موضعها.

وقوله: "إن حرف ﴿ حَتَّىٰ ﴾ صلة": إنه لو جاز له أن يجعل هذا صلة، لجاز لغيره أن يجعل الرشد صلة فيه؛ إذ لا فرق بين هذا وبين الأول أن يجعل صلة.

ثم اختلف في قوله: ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾ .

قال بعضهم: هو أن يصير هو من أهل الشهادة؛ فحينئذ يدفع إليه المال؛ فعلى قوله يجيء أن ينتزع الأموال من أيدي الفساق؛ لأنه لا شهادة لهم؛ ومن قوله: إن اليتيم من أهل الكفر لا يدفع إليه المال إلا بعد استئناس الرشد منه، فلو كان شرط الرشد هو شهادة لكان الكافر لا يدفع إليه عنده؛ لما لا يقبل الشهادة ما لزم الكفر على أحد؛ دل أن الرشد ليس ما ذكر، ولكن ما قيل من العقل والحفظ لماله، والإصلاح فيها.

وروي عن ابن عباس -  - في قوله -  -: ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً ﴾ قال: إذا أدرك بحلم وعقل ووقار.

وهو يقول - أيضاً - في قوله -  -: ﴿ مِّنْهُمْ رُشْداً ﴾ : إن الله -  وتعالى - يقول: اختبروا اليتامى من عند الحلم، فإن عرفتم منهم رشداً في حالهم، والإصلاح في أموالهم -: ﴿ فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾ .

وفي حرف ابن مسعود -  -: "فإن أحسستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم".

وفي حرف حفصة: "وابتلوا اليتامى في أموالهم حتى إذا بلغوا النكاح بعد كبرهم".

ثم لا يخلوا منع الأموال منهم من أوجه ثلاثة: إما أن يمنع؛ لفرط البذل والإنفاق، جوداً وسخاوة، وحسن الظن بالله أنه - عز وجل - يرزقهم ويعطيهم خلف نفقتهم، وهذا لا يحتمل؛ لأن هذا من أخلاق الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - وسيرتهم؛ فلا يحتمل النهي عن ذلك.

أو يمنع؛ لغلبة شهوتهم، ولقضاء وطرهم وحاجتهم، ينفقون الأموال؛ ليصلوا إلى ذلك، فإنهم إن مُنِعوا عن أموالهم يتناولوا من أموال غيرهم، ويتعاطوا ما لا يحل ولا يحسن؛ فلا يحتمل أن يمنعوا لذلك.

أو أن يمنع عنهم الأموال؛ لآفة في عقولهم، ونقص في لُبِّهم، فإن كان لهذا ما يمنع أموالهم عنهم؛ فيجب أن يمنع أبداً، لا وقت في ذلك ولا مدة إلا بعد ارتفاع ذلك وزواله عنهم، وهو الوجه، يمنع منه حتى يؤنس منه الرشد.

ثم جعل إدراكه وبلوغه بالاحتلام؛ لأن كل جارحة من جوارح الإنسان يجوز استعمالها إلا الجارحتين منهما؛ فإنه لا يقدر على استعمالهما إلا هو، إحداهما: الذكر، والأخرى: اللسان؛ فإن هاتين الجارحتين لا يمكن استعمالهما إلا صاحبهما؛ فجعل الاحتلام علماً لبلوغه وإدراكه لذلك؛ ولهذا لم يعمل الإكراه عليهما، نحو من أكره [على الزنا]؛ فزنا؛ فإنه عليه الحد؛ لأن الإكراه لا يعمل عليه؛ فإنما كان بفعل منه، إلا الوالي؛ فإنه إذا أكره آخر بالزنا ففعل لم يقم عليه الحد؛ لما جعلنا ذلك كالعلم بالسبب الذي يحل؛ وكذلك لو أكره حتى وطىء امرأة لزمه المهر، ولا يرجع على المكره.

ولو أكره على إتلاف مال من أمواله ففعل لرجع على المكره؛ للمعنى الذي وصفنا؛ ولهذا ما وقع طلاق المكره ونكاحه وعتاقه؛ لأن هذه الأشياء إنما تقع باللسان، واللسان مما لا يعمل عليه الإكراه؛ لذلك جاز، والله أعلم.

وأما البيوع والأشربة والعقود كلها سوى هؤلاء، تكون بالتسليم والقبض دون النطق باللسان والتكلم بها؛، فالإكراه مما يعمل عليها؛ لما أمكن استعمالها غيره؛ لذلك افترقا؛ ولهذا ما قلنا: إن الإيمان يكون بالقلب دون اللسان؛ لأنه إذا أكره حتى يكفر؛ فأجرى كلمة الكفر على لسانه، وكان قلبه مطمئنّاً بالإيمان - لم يكفر، فإذا اطمأن قلبه بالكفر - كَفَرَ؛ لأن الإكراه لا يعمل على القلب، ولا يصير المكره مستعملا له، إنما المستعمل هو؛ لا غير؛ لذلك كان الجواب ما ذكرنا.

ومعنى جعل الاحتلام بلوغا هو إمكان استعمال سائر الجوارح دونه - يعني: الفرج - إلا بعد الكبر، وما كان المعروف من الآباء والأولاد، وما كان مما يجرى الأمر بابتغاء المكتوب من الولد يكون بعد البلوغ، وبعيد ذلك، إلا في الوقت الذي لو ابتغى لوجد ولقدر عليه، وليس ذلك إلا في خروج الماء للشهوة.

ثم يكون في المتعارف الاحتلام عن ذلك؛ فجعل علماً له؛ ولذلك قيل: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ ﴾ ثم فرق في حق الكتاب بين اللسان وغيره؛ من حيث لا يملك أحد قهر لسان آخر حتى ينطق دون صاحبه؛ فبه يظهر سبب جري القلم من الإقرار بالبلوغ، وهذا معنى ما جعل سببه بما لا يعلمه غيره؛ ليكون أول أحوال البلوغ وقوع قوله بحيث البلوغ، مع ما كان النطق فعل من يجري في جنسه الخطاب؛ وكأنه اتصل أمره بالسبب الذي خص به الممتحن من العقل؛ إذ كان العقل قد يعرف بالمحنة والاحتلام لا؛ فأمرنا بالابتلاء من حيث العقول، ولم نؤمر من حيث الاحتلام، بل يقبل قوله في ذلك.

ودل قبول قول من بلغ بالإخبار عن احتلامه، وبه يجري القلم عليه، ويلزم الحقوق - أن يقبله، يجوز في ذلك الوقت - وبخاصة على قول من يرى الابتلاء بعد الإدراك - أنه لو لم يقبل فبم نبتليه؟

ثم إذا جاز قوله لزم كل أمر علق به، وعلى ما ذكرت من أول ما علق به القول في حق البلوغ دليل اتصال حكم القول بالعقل، وتمام العقل بالبلوغ؛ إذ به يجري القلم.

ودل ما ذكرت من امتناع اللسان عن سلطان غير صاحبه عليه - على لزوم كل حق معلق به على الإكراه؛ إذ لا يلزم بغيره، وهو لا يجري عليه، ثم كل أمر يكون لا به يصير اللسان سببا فيه كَالْمُعْلِم عنه، وهو مما يجري عليه القهر، ويعلم به؛ فيبطل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً ﴾ .

الإسراف: هو كل ما نُهي عنه.

وقيل: الإسراف: هو أكلٌ في غير حق؛ وكأن الإسراف هو المجاوزة عن الحد، وهو كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ  ﴾ ، وكان القتر مذموماً، فعلى ذلك الإسراف في النفقة في مال اليتيم.

وقوله -  -: ﴿ إِسْرَافاً وَبِدَاراً ﴾ ، قيل: البدار: هو المبادرة، وكلاهما لغتان، كالجدال والمجادلة، وهو أن يبادر بأكل مال اليتيم؛ خشية أن يكبر؛ فيحول بينه وبين ماله، وهو قول ابن عباس  .

وفي حرف ابن مسعود -  -: "ولا تأكلوها إسرافاً وبدارا خشية أن يكبروا".

وقوله - عز جل -: ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ أطلق الله -  - لولي اليتيم - بظاهر الآية؛ إذا كان فقيرا - أن يأكل بالمعروف من غير إسراف، وذلك هو الوسط منها، وكذلك روي عن النبي  أَنَّ رجُلا سَأَلَهُ، فَقَالَ: لَيْسَ لِي مَالٌ، وَلِي يَتِيمٌ؟

فَقَالَ: "كُلْ مَالَ يَتِميك غَيْر مُسْرِفٍ، وَلا مُتَأَثِّلٍ مَالَكَ بمَالِهِ" وفيه دليل أن الغني لا يجوز له أن يأكل مال اليتيم، وأن الفقير إذا أكل منه: أنفق نفقة لا إسراف فيها.

وعن عمر -  -: قال: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة مال اليتيم: إذا استغنيت استعففت، وإذا احتجت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت.

وروي عن ابن عباس -  - قال: الوصي إذا احتاج وضع يده مع أيديهم، ولا يكتسى عمامة.

وعن عائشة -  ا - قالت: في قوله -  -: ﴿ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ، قالت: يأكل والي اليتيم من مال اليتيم؛ إذا كان يقوم له على ماله، ويصلح إذا كان محتاجاً.

وقيل: يأكل قرضاً ثم يرد عليه إذا أيسر، وهو قول ابن عباس،  ما.

وقيل: ﴿ فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ، أي: من مال نفسه، حتى لا يفضي إلى مال اليتيم.

وقيل: يأكل إذا كان يعمل له، ويقوم عليه.

وقيل: يأكل قرضاً؛ ألا ترى إلى قول الله -  -: ﴿ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ : أمر بالإشهاد عليهم عند الدفع، ولو كان أمانة في يده لم يحتج إلى الإشهاد في الدفع، ولكن يجوز أن يأمر بالإشهاد لا لمكان الوصي نفسه؛ ولكن لما يجوز أن يحدث بينه وبين ورثة الوصي خصومة فَيُشْهِد؛ ليدفع تلك الخصومة عنهم.

وقيل: الأكل بالمعروف هو ما يسد به جوعه، ويواري عورته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً ﴾ .

قيل: شهيدا بما أخذ من ماله وأنفق.

ويحتمل قوله: ﴿ حَسِيباً ﴾ يحاسبه في الآخرة؛ إذا لم يحاسبه اليتيم في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واختبروا - أيها الأولياء - اليتامى إذا وصلوا سن البلوغ، بإعطائهم جزءًا من مالهم يتصرفون فيه، فإن أحسنوا التصرف فيه، وتبين لكم رشدهم؛ فسلموا إليهم أموالهم كاملة غير منقوصة، ولا تأكلوا أموالهم متجاوزين الحد الذي أباحه الله لكم من أموالهم عند الحاجة، ولا تبادروا بأكلها خشية أن يأخذوها إذا بلغوا، ومن كان منكم له مال يُغْنيه فليمتنع عن الأخذ من مال اليتيم، ومن كان منكم فقيرًا لا مال له فليأكل بقدر حاجته، وإذا سلمتم إليهم أموالهم بعد البلوغ وتبين الرشد منهم؛ فاشهدوا على ذلك التسليم حفظًا للحقوق، ومنعًا لأسباب الاختلاف، وكفى الله شاهدا على ذلك، ومحاسبًا للعباد على أعمالهم.

من فوائد الآيات الأصل الذي يرجع إليه البشر واحد، فالواجب عليهم أن يتقوا ربهم الذي خلقهم، وأن يرحم بعضهم بعضًا.

أوصى الله تعالى بالإحسان إلى الضعفة من النساء واليتامى، بأن تكون المعاملة معهم بين العدل والفضل.

جواز تعدد الزوجات إلى أربع نساء، بشرط العدل بينهن، والقدرة على القيام بما يجب لهن.

مشروعية الحَجْر على السفيه الذي لا يحسن التصرف, لمصلحته، وحفظًا للمال الذي تقوم به مصالح الدنيا من الضياع.

<div class="verse-tafsir" id="91.e7z9W"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

أمرنا الله تعالى في الآيات السابقة بإيتاء اليتامى أموالهم وبإيتاء النساء صدقاتهن أي مهورهن وأتى في قوله: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا  ﴾ بشرط للإيتاء يعم الأمرين السابقين أي اعطوا كل يتيم ماله اذا بلغ، وكل امرأة صداقها، إلا إذا كان أحدهما سفيهًا لا يحسن التصرف في ماله فحينئذ يمتنع أن تعطوه إياه لئلا يضيعه، ويجب أن تحفظوه له أو يرشد.

وإنما قال: ﴿ أَمْوَالَكُمْ  ﴾ ولم يقل أموالهم مع أن الخطاب للأولياء والمال للسفهاء الذين في ولايتهم للتنبيه على أمور: أحدها: أنه إذا ضاع هذا المال ولم يبق للسفيه من ماله ما ينفق منه عليه وجب على وليه أن ينفق عليه من مال نفسه، فبذلك تكون إضاعة مال السفيه مفضية إلى إضاعة شيء من مال الولي فكأن ماله عين ماله.

ثانيها: أن هؤلاء السفهاء إذا رشدوا وأموالهم محفوظة لهم، وتصرفوا فيها تصرف الراشدين، وأنفقوا منها في الوجوه الشرعية من المصالح العامة والخاصة فإنه يصيب هؤلاء الأولياء حظ منها.

ثالثها: التكافل في الأمة واعتبار مصلحة كل فرد من أفرادها عين مصلحة الآخرين كما قلناه في آيات أخرى، وذهب (الجلال) إلى أنه أضاف الأموال إليهم لأنها في أيديهم، كأنه قال ولا تؤتوا السفاء أموالهم التي في أيديكم وهو غير ظاهر.

وما قال من قال إن السفهاء هنا هم أولاد المخاطبين الصغار إلا لحيرته في هذه الكاف في قوله: ﴿ أَمْوَالَكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَكُمْ  ﴾ وعدم ظهور النكتة له في إيثار ضمير الخطاب على ضمير الغيبة.

في هذه الجملة من الآية تحريض على حفظ المال وتعريف بقيمته فلا يجوز للمسلم أن يبذر أمواله.

وكان السلف من أشد الناس محافظة على ما في أيديهم وأعرف الناس بتحصيل المال من وجوه الحلال، فأين من هذا ما نسمعه من خطباء مساجدنا من تزهيد الناس، وغل أيديهم، وإغرائهم بالكسل والخمول حتي صار المسلم يعدل عن الكسب الشريف إلى الكسب المرذول من الغش والحيلة والخداع، ذلك أن الإنسان ميال بطبعه إلى الراحة فعندما يسمع من الخطباء والعلماء والمعروفين بالصلحاء عبارات التزهيد في الدنيا فإنه يرضي بها ميله إلى الراحة، ثم إنه لا بد له من الكسب فيختار أقله سعيًا وأخفه مؤنة، وهو أخسه وأبعده عن الشرف.

على أن هذا التزهيد في الدنيا من هؤلاء لم يأت بما يساق لأجله من الترغيب في الآخرة والاستعداد لها، بل إن خطباءنا ووعاظنا قد زهدوا الناس في الدنيا وقطعوهم عن الآخرة فخسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، وما ذلك إلا لجهلهم وعدم عملهم بما يعظون به غيرهم، والواجب على المسلم العارف بالإسلام أن يبين للناس الجمع بين الدنيا والآخرة.

﴿ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ  ﴾ وإنما قال: ﴿ فِيهَا  ﴾ ولم يقل: (منها)، لأن المراد -كما قال في الكشاف- اجعلوها مكانًا لرزقهم، بأن تتجروا فيها، وتتربحوا، حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فلا يأكلها الإنفاق.

الرزق يعم وجوه الانفاق كلها كالأكل والمبيت والزواج والكسوة، وإنما قال واكسوهم فخص الكسوة بالذكر لأن الناس يتساهلون فيها أحيانًا، وتخصيص "الجلال" الرزق بالإطعام لا يصح.

﴿ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا  ﴾ المعروف هو ما تعرفه النفوس الكريمة وتألفه ويقابله المنكر وهو ما تنكره وتمجه، فالمعروف هنا يشمل تطييب القلوب بإفهام السفيه أن المال ماله لا فضل لأحد في الإنفاق منه عليه، ليسهل عليه الحجر، ويشمل النصح والإرشاد وتعليم ما ينبغي أن يعلمه السفيه وما يعده للرشد، فان السفه كثيرًا ما يكون عارضًا للشخص لا فطريًا، فإذا عولج بالنصح والتأديب حسنت حاله، فهذا هو القول المعروف الذي أمر الله أولياء السفهاء به زيادة على حفظ أموالهم وتثميرها والانفاق عليهم منها.

﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ  ﴾ إن ما تقدم من الأمر بإيتاء اليتامى أموالهم كان مجملًا، وفي هذه الآية تفصيل لكيفية الإيتاء ووقته وما يعتبر فيه.

وقد اختلف العلماء في ابتلاء اليتيم كيف يكون، فقال بعضمهم: يعطي شيئًا من المال ليتصرف فيه فيري تصرفه كيف يكون فإن أحسن فيه كان راشدًا وإلا كان على سفهه، وقال بعضهم: إن الإعطاء لا يجوز إلا بعد الابتلاء، وإيناس الرشد فمن أعطاه قبل ذلك يكون مخالفًا للأمر ومجازفًا بالمال، والصواب أن يحضره الولي المعاملات المالية، ويطلعه على كيفية التصرف، ويسأله عند كل عمل عن رأيه فيه، فإذا رأى أجوبته سديدة ورأيه صالحًا يعلم أنه قد رشد.

واعْتُرِض هذا أيضًا بأن القول لا يغني عن الفعل شيئًا فإن قليلًا من النباهة يكفي لإحسان الجواب إن قيل له ما تقول في ثمن هذا؟

وما أشبه ذلك، وإننا نرى كثيرًا من الذين نسميهم أذكياء ومتعلمين يتكلم أحدهم في الزراعة عن علم يقول: ينبغي كذا من السماد، وكذا من السقي والعذق، فإذا أُرسل إلى الأرض وكُلِّف العمل ينام معظم النهار ولا يصل شيئًا أو يعمل فيسيء العمل ولا يحسنه، بل ترى من الناس من يتكلم في الأخلاق وكيفية معاملة الناس فيحسن القول كما ينبغي، ولكنه يسيء في المعاملة فيكون عمله مخالفًا لقوله، فقائل هذا القول الثاني قد غفل عن القاعدة التي اتفق عليها العقلاء وهي أن بين العلم والتجربة بونًا شاسعًا، فكم رأينا أناسًا من المحسنين في الكلام، السفهاء في الأعمال الذين إذا سألتهم عن طرق الاقتصاد في المعاملة وتدبير الثروة أجابوك أحسن جواب مبني على قواعد العلم الحديث المبني على التجارب وإمعان النظر، ثم هم يسفهون في عملهم ويبذرون الأموال تبذيرًا يسارعون فيه إلى الفقر.

أعرف من هؤلاء رجلًا ترك له والده ثروة قدرت قيمتها بمليون جنيه فأتلفها بإسرافه وهو الآن يطلب إعانة من الجمعية الخيرية الإسلامية!!

فالرأي الأول أسد وأصوب وما اعترض به عليه يجاب عنه بأن الممنوع قبل العلم بالرشد هو إعطاء اليتيم ماله كله ليستقل بالتصرف فيه، وأما إعطاؤه طائفة منه ليتصرف فيها تحت مراقبة الولي ابتلاء واختبارًا له، فهو غير ممنوع بل هو المأمور به في هذه الآية.

و ﴿ حَتَّى  ﴾ ابتدائية أي ابتلوا اليتامى إلى ابتداء البلوغ، وكونها ابتدائية لا ينافي كونها للغاية التي هي معناها الأصلي الذي لا يفارقها، وإنما فرقوا بين التي تدخل على الجملة الكاملة والتي تدخل على المفرد في الإعراب، فسموا الأولى الابتدائية وهى التي لا تجر المفرد، وسموا الثانية الجارة وهي التي تجر المفرد.

والغاية في الأولى هو مفهوم الجملة التي بعدها أي ابتلوهم إلى ابتداء الحد الذي يبلغون فيه سن النكاح، فإن آنستم منهم بعد البلوغ رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم وإلا فاستمروا على الابتلاء إلى أن تأنسوا منهم الرشد، وجملة فإن آنستم جواب حتى إذا بلغوا.

﴿ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا  ﴾ : إن النهي عن أكل أموال اليتامى إسرافًا وبدارًا هو كالأمر قبله تفصيل للآية الناهية عن أكل أموال اليتامى إلى أموال الأولياء، وقد قيد النهي هنا بالإسراف وهو صرف مال اليتيم في غير محله ولو على اليتيم نفسه وسمي هذا أكلًا لأنه إضاعة، والأكل يطلق على إضاعة الشيء ولكن ضم مال اليتيم إلى مال الولي لا يسمى إسرافًا، وقيده أيضًا بالبدار والمسابقة لكبر اليتيم لأن الولي الضعيف الذمة يستعجل ببعض التصرفات في مال اليتيم التي له منها منفعة لئلا تفوته إذا كبر اليتيم وأخذ ماله.

فهاتان الحالان: الإسراف وبدار، ومسابقة كبر اليتيم ببعض التصرف هما من مواضع الضعف التي تعرض للإنسان، فنبه الله تعالى عليهما ونهى عنهما ليراقب الولي ربه فيهما إذا عرضتا له.

﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ  ﴾ يعني أن الأكل بالمعروف هو القرض والأجرة، ولا يباح أكل شيء منه بلا عوض كسائر أموال الناس، وكذلك الحكم في أموال المجانين والمعاتيه، ولكن ما ذكر في كيفية الأكل لا يظهر في الاستقراض وقد يظهر في الأجرة.

﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ  ﴾ : ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأمر بالإشهاد أمر إرشاد لا أمر وجوب وهم متفقون على أن الأوامر المارة كلها للإيجاب القطعي والنواهي كلها للتحريم، وظاهر السياق أن هذا الأمر مثل ما سبقه، ولعل السبب فيما قاله الفقهاء هو أن الناس تهاونوا بأمر الإشهاد وأهملوه من زمن بعيد فسهل ذلك على الفقهاء التأويل ورأوه أولى من تأثيم الناس وجعل أكثرهم مخالفين لما فرض عليهم، ولا شك عندي أن الإشهاد حتم، وأن تركه يؤدي إلى النزاع والتخاصم والتقاضي كما هو مشاهد، فإذا فرضنا أن الناس كانوا في زمن ما مستمسكين بعروة الدين استمساكًا عامًا، وكان اليتامى يحسنون الظن في الأولياء فلا يتهمونهم، وأن الإشهاد لم يكن متحتمًا عليم لأجل هذا، أفليس هذا الزمن المعلوم مخالفًا لذلك الزمن المجهول مخالفة تقتضي أن يُجعَل الإشهاد ضربة لازب لقطع عرق الخصام ونزوع النفس إلى النزاع والمشاغبة؟

﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا  ﴾ الحسيب هو المراقب المطلع على ما يعمل العامل، وإنما جاء بهذا بعد الأمر بالإشهاد القاطع لعرق النزاع ليدلنا على أن الإشهاد -وإن حصل وكان يسقط الدعوى عند القاضي بالمال- لا يسقط الحق عند الله إذا كان الولي خائنًا، إذ لا يخفى عليه تعالى ما يخفى على الشهود والحكام، وكأن هؤلاء الأوصياء الخبثاء الذين نعرفهم لم يسمعوا قول الله في ذلك قط، فقد كثرت فيهم وفي غيرهم الخيانة وأكل أموال اليتامى والسفهاء والأوقاف بالحيل حتى أنه يمكنني أن أقول: إنه لا يوجد في القطر المصري عشرة أشخاص يصلحون للوصاية على اليتيم أو السفيه والوقف، وقد نص الفقهاء على أن النظر على الوقف كالوصاية على اليتيم.

فانظروا إلى هذه الدقة في الآية الكريمة من الأمر باختبار اليتيم، ودفع ماله إليه عند بلوغه رشده، ومن النهي عن أكل شيء منه بطرف الإسراف ومبادرة كبره، ومن الأمر بالإشهاد عليه عند الدفع، ثم التنبيه إلى مراقبة الله تعالى التي تتناول جميع ذلك.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن بعض النحاة يقولون إن الباء الداخلة على لفظ الجلالة في قوله: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ  ﴾ زائدة، والمعنى كفى الله حسيبًا، وبعضهم يقول إن الفاعل مصدر محذوف والباء حرف جر أصلي متعلق به، وهذا كله من تطبيق القرآن على القواعد التي وضعوها ونحن نقول إن المعنى مع وجود الباء هو غير المعنى مع عدمها، فلها معنى في الكلام كيفما أعربت، وإن "كفى" فعل ليس له فاعل، والجار متعلق به، ومعناه أن الله  هو أشد من يراقب ويحاسب.

وهذه الجملة من فرائد البلاغة المسموعة التي لا تحتذى ولا يؤتي بمثل لها قد جاءت على هذه الكيفية النادرة مثلها في حسنها، فلا يمكن تطبيقها على القواعد الموضوعة للكلام المعروف عند جميع العرب الدائر على ألسنة أهل الفصاحة والفهاهة على السواء.

إن القواعد النحوية ونحوها وضعت بعد وضع اللغة لا قبلها فلا يمكن أن تكون عامة شاملة لكل كلام، ولكن النحاة حاولوا إدخال كل الكلام في قواعدهم، وكان يجب أن يقولوا كما قال بعض أهل اللغة في بعض الكلام النادر الاستعمال إنه ورد هكذا على غير القاعدة التي وضعناها فهو نظام سماعي يحفظ في اللغة ولا يقاس عليه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله