تفسير سورة النساء الآيات ٦٤-٦٥ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 4 النساء > الآيات ٦٤-٦٥

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًۭا ٦٤ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًۭا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًۭا ٦٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 4 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

بعد ما بين تعالى ما ينبغي للرسول مع أولئك المنافقين قال: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ فهذا كالدليل على استحقاق أولئك المنافقين للمقت لأنهم لم يرضوا بحكم الرسول  .

يقول إننا أرسلنا هذا الرسول على حكمتنا وسنتنا في الرسل قبله، وإننا لا نرسلهم إلا ليطاعوا بإذن الله تعالى، فمن صدر عنهم وخرج عن طاعتهم أو رغبة عن حكمهم كان خارجًا هم حكمنا وسنتنا فيهم مرتكبًا أكبر الآثام في ذلك.

وقوله: ﴿ بِإذْنِ اللَّهِ  ﴾ للاحتراس، لأن الطاعة في الحقيقة لله تعالى، فهذا القيد من قيود القرآن المحكمة الذاهبة بظنون من يظنون أن الرسول يطاع لذاته بلا شرط ولا قيد، فهو  يقول: إن الطاعة الذاتية ليست إلا لله تعالى رب الناس وخالقهم، وقد أمر أن تطاع رسله فطاعتهم واجبة بإذنه وإيجابه.

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا  ﴾ .

إنه تعالى سمى ترك طاعة الرسول ظلمًا للأنفس أي إفسادًا لمصلحتها لأن الرسول هاد إلى مصالح الناس في دنياهم وآخرتهم، وهذا الظلم يشمل الاعتداء والبغي والتحاكم إلى الطاغوت وغير ذلك.

والاستغفار هو الإقبال على الله وعزم التائب على اجتناب الذنب وعدم العودة إليه مع الصدق والإخلاص لله في ذلك.

وأما الاستغفار باللسان عقب الذنب من دون هذا التوجه القلبي فليس استغفارًا حقيقيًا.

إنكم تعلمون أن مشاركة الناس بعضهم لبعض في الدعاء مسنونة، وأن من سننه تعالى أن يتقبل من الجماعة بأسرع مما يتقبل من الواحد، فدعاء الجماعة أرجى للإجابة وإن كان كل داع موعودًا بالاستجابة.

وحقية الدعاء إظهار العبودية والخضوع له تعالى، والإجابة التي وعد بها هي الإثابة وحسن الجزاء، فمتى أخلص الداعي أجاب الله دعاءه سواء كان بإعطائه ما طلب أو بغير ذلك من الأجر والثواب، وإنما كانت المشاركة في الدعاء أرجى للقبول لأن الداعين الكثيرين لشخص يؤدون هذه العبادة بسببه أي أن ذنبه يكون هو السبب في شعورهم وإحساسهم كلهم بالحاجة إلى الله تعالى والخضوع له والاتحاد المرضي عنده فكأن حاجته حاجتهم كلهم، فإذا كان الرسول  هو الداعي والمستغفر لأولئك التائبين من ظلمهم لأنفسهم مع استغفارهم هم فذلك من اشتراك قلبه الشريف مع قلوبهم بالحاجة إلى تطهير الله لهم من دنس الذنب، وطلب النجاة من عقوبته وناهيك بقرب الرسول  من ربه والرجاء في استجابة دعائه.

وأما اشتراط استغفار الرسول إلى استغفارهم فمعناه أن توبتهم لا تتحقق إلا إذا رضي عن توبتهم رضاء كاملًا بحيث يشعر قلبه الرحيم بالمؤمنين بحاجتهم إلى المغفرة لصحة توبتهم وإخلاصهم، فذنبهم ذلك لا يغفر إلا بضم استغفار  إلى استغفارهم وليس كل ذنب كذلك، بل يكتفي في سائر الذنوب بتوبة العبد المذنب حيث كان والإخلاص لله تعالى.

﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا  ﴾ تقريع على ما سبقه وهو نفي وإبطال لظن الظانين أنهم بمجرد محافظتهم على أحكام الدين الظاهرة يكونون صحيحي الإيمان، مستحقين للنجاة من عذاب الآخرة وللفوز بثوابها، لا وربك لا يكونون مؤمنين حتى يكونوا موقنين في قلوبهم مذعنين في بواطنهم، ولا يكونون كذلك حتى يحكموك فيما شجر واختلط بينهم من الحقوق، ثم بعد أن تحكم بينهم لا يجدوا في أنفسهم الضيق الذي يحصل للمحكوم عليه إذا لم يكن خاضعًا للحكم من قلبه، فإن الحرج إنما يلازم قلب من لم يخضع، ذلك بأن المؤمن لا ينازع أحدًا في شيء إلا بما عنده من شبهة الحق فإذا كان كل من الخصمين يرضى بالحق متى عرفه وزالت الشبهة عنه كما هو شأن المؤمن فحكم الرسول يرضيهما ظاهرًا وباطنًا لأنه أعدل من يحكم بالحق.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد