تفسير سورة آل عمران الآيات ١٤٩-١٥١ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 3 آل عمران > الآيات ١٤٩-١٥١

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَـٰسِرِينَ ١٤٩ بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّـٰصِرِينَ ١٥٠ سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًۭا ۖ وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٥١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قال بعض المفسرين إن هذه الآيات التفات عن خطاب المنافقين الذين وبخهم في الآيات السابقة أن انهزموا وقالوا ما قالوا، إلى خطاب المؤمنين الصادقين.

وعندي أن الخطاب لمن سمع قول أولئك القائلين من المنافقين: ارجعوا إلى إخوانكم ودينكم.

وهو أخص مما قبله.

قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ معناه إن تطيعوا الذين جحدوا نبوة محمد، ولم يقبلوا دعوته إلى التوحيد والخير كأبي سفيان ومن معه من مشركي مكة الذين دعاكم مرضى القلوب إلى الرجوع إليهم، وتوسيط رئيس المنافقين عبدالله بن أُبي بينكم وبين رئيسهم (أبي سفيان) ليطلب لكم منه الأمان أو الذين كفروا بقلوبهم وآمنوا بأفواههم كعبدالله بن أُبي وأصحابه الذين خذلوكم قبل الشروع في الحرب ثم دعوكم بعدها إلى الرجوع عن دينكم وقالوا لو كان محمد نبيًا لما أصابه ما أصابه ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ  ﴾ إلى ما كنتم عليه من الكفر ابتداء أو استدراجًا.

أي إن طلبتم الأمان منهم وكانت حالكم معهم حال المغلوب مع الغالب يتولوا عليكم، وتكونوا معهم أذلاء مقهورين حتى يردوكم عن دينكم ﴿ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ  ﴾ للدنيا والآخرة، أما الأول فبخضوعكم لسلطانهم، وامتهانكم بينهم، وحرمانكم مما وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات من استخلافهم في الأرض بالسيادة والملك، ومن تمكين دينهم وتبديلهم من بعد خوفهم أمنًا، وأما الآخر فبما يمسكهم في الآخرة من عذاب المرتدين مع الحرمان مما وعد الله المتقين.

﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ  ﴾ لا وجه للاعتراض بأن الكافرين لا خير فيهم، فإن التفضيل إنما هو بالنسبة إلى النصر يعني أن نصر الله لعباده المؤمنين خير من نصر الكافرين لمن ينصرونه من أوليائهم ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا  ﴾ .

وفي الآية وجهان: أحدهما: أن إلقاء الرعب خاص بتلك الواقعة ولو كان عامًا لشمل غزوة حنين ولم يكن الكفار فيها مرعوبين بل كانوا مستميتين، وكذلك نرى أن كثيرًا من الكافرين قد حاربوا ولم يصبهم الرعب وهذا الوجه هو الذي عليه مفسرنا (الجلال) وكثير من المفسرين.

والوجه الثاني: أن الآية بيان لسنة إلهية عامة، وهو الحق، وبيانه يتوقف على فهم المعنى المراد من لفظ المؤمنين ولفظ الكافرين وهو ما كان عليه المؤمنون والكافرون في الوقت الذي نزلت فيه هذه الآيات، فأما أولئك المؤمنون فهم الذين كانوا في مرتبة من اليقين والاذعان، قد صدقها العمل الذي كان منه بذل الأنفس والأموال في سبيل الإيمان، الذين عاتبهم الله ووبخهم على تلك الهفوة التي وقعت من بعضهم بما تقدم وما يأتي في هذا السياق من الآيات، وأما أولئك الكافرون فهم الذين دُعوا إلى الإيمان وأقيم لهم على الدعوة الدليل والبرهان، فجاحدوا وعاندوا وكابروا الحق، وآثروا مقارعة الداعي ومن استجاب له بالسيف، وقعدوا له ولهم كل مرصد، فإذا نظرنا في شرك هؤلاء الكافرين، وفي حالهم مع أولئك المؤمنين، نجد أن شأنهم معهم كشأن من يرى نور الحق مع خصمه فيحمله البغي والعدوان على مجاحدته من غير حجة ولا دليل، يرتاب فيما هو فيه ويتزلزل، فإذا شاهد الذين دعوه ثابتين مطمئنين يعظم ارتيابه ويهاب خصمه حتى يمتلئ قلبه رعبًا منه.

هذا هو شأن الكافرين المعاندين مع المؤمنين الصادقين، كأنه تعالى يقول هذه هي الطبيعة في المشركين إذا قاوموا المؤمنين، فلا تخافوهم ولا تبالوا بقول من يدعوكم إلى موالاتهم والالتجاء إليهم.

وبهذا يندفع قول من يقول: ما بالنا نجد الرعب كثيرًا ما يقع في قلوب المسلمين، ولا يقع في قلوب الكافرين؟

فإن الذين يسمون أنفسهم مسلمين قد يكونون على غير ما كان عليه أولئك الذين خوطبوا بهذا الوعد من قوة اليقين والإذعان والثبات والصبر وبذل النفس والمال في سبيل الله وتمني الموت في الدفاع عن الحق، فمعنى المؤمنين غير متحقق فيهم، وإنما رعب المشركين مرتبط بإيمان المؤمنين وما يكون له من الآثار، فحال المسلمين اليوم لا يقوم حجة على القرآن لأن أكثرهم قد انصرفوا عن الاجتماع على ما جاء به الإسلام من الحق وما كان عليه سلفهم من الإيمان والصفات والأعمال، فالقرآن باق على وعده، ولكن هات لنا المؤمنين الذين ينطبق إيمانهم على آياته ولك من إنجاز وعده في هذه الآية وغيرها ما تشاء.

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ  ﴾ الآية.

وعلى هذا يكون الإشراك سببًا للرعب كسائر الأسباب العادية التي ربط الله بها المسببات كالشرب للري، والأكل للشبع فمن وصل إليه الحق تزلزل الباطل في نفسه لا محالة.

﴿ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ  ﴾ أي هي مكانهم الذي يأوون إليه في الآخرة بعد ما يصيبهم من الخذلان في الدنيا ﴿ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ  ﴾ أي والنار التي يأوون إليها بئس المثوى والمقام لهم؛ بسبب ظلمهم لأنفسهم بالكفر والجحود، ومعاندة الحق، ومقاومة أهله، وظلم الناس بسوء المعاملة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله