الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 3 آل عمران > الآيات ٥٢-٥٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةانتقل من البشارة بعيسى إلى ذكر خبره مع قومه، وطوى ما بينهما من خبر ولادته ونشأته وبعثته مؤيدًا بتلك الآيات، وهذا من إيجاز القرآن الذي انفرد به، فقد انطوى تحت قوله: ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمْ الْكُفْرَ ﴾ جميع ما دلت عليه البشارة، وعلم أنه ولد وبعث ودعا وأيد دعوته كما سبقت البشارة فأحس وشعر من قومه وهم بنو إسرائيل الكفر والعناد والمقاومة والقصد بالإيذاء، وفي هذا من العبرة والتسلية للنبي ما فيه، وإن أكبر ما فيه الإعلام بأن الآيات الكونية وإن كثرت وعظمت وليست ملزمة بالإيمان ولا مفضية إليه حتمًا، وإنما يكون الإيمان باستعداد المدعو إليه وحسن بيان الداعي، ولذلك كان من أمر عيسى أنه لما أحس من قومه الكفر ﴿ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ﴾ أي توجه إلى البحث عن أهل الاستعداد الذين ينصرونه في دعوته تاركين لأجلها كل ما يشغل عنها منخلعين عما كانوا فيه متحيزين ومنزوين إلى الله منصرفين إلى تأييد رسوله ونصره على خاذليه والكافرين بما جاء به ﴿ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ﴾ أي أنصار دينه، وهذا القول يفيد الانخلاع والانفصال من التقاليد السابقة والأخذ بالتعليم الجديد وبذل منتهى الاستطاعة في تأييده، فإن نصر الله لا يكون إلا بذلك.
والحواريون أنصار المسيح، والنصر لا يستلزم القتال، فالعمل بالدين والدعوة إليه نصر له، ولا نتكلم في عددهم لأن القرآن لم يعينه.
ومن مباحث اللفظ في الآية أن الجار في "إلى الله" متعلق بلفظ "أنصاري" وإن لم يعرف أن مادة نصر تعدى بإلى، ذلك بأن مجموع الكلام هنا قد أشرب الكلمة معنى اللجأ والانضمام لأن النصر يحصل بذلك.
﴿ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ ﴾ : ذكر الاتباع بعد الإيمان لأن العلم الصحيح يستلزم العمل والعلم الذي لا أثر له في العمل يشبه أن يكون مجملًا وناقصًا لا يقينًا وإيمانًا، وكثيرًا ما يظن الإنسان أنه عالم بشيء حتى إذا حاول العمل به لم يحسنه فتبين له أنه مخطئًا في دعوى العلم.
إن العلم بالشيء يظل مجملًا مبهمًا في النفس حتى يعمل به صاحبه فيكون بالعمل تفصيليًا، فذكر الحواريين الاتباع بعد الإيمان يفيد أن إيمانهم كان في مرتبة اليقين التفصيلي الحاكم على النفس المصرف لها في العمل ﴿ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ للرسول بالتبليغ للدعوة، وعلى قومه بما كان منهم من الكفر والجحود، فحذف معمول الشاهدين ليعم المشهود له والمشهود عليهم، أو يقال: الشاهدين على هذه الحالة أي حالة الرسول مع قومه وهو الذي اختاره.
ومن المعروف في الفقه أن الشاهدين بمنزلة الحاكم، لأن الفصل بين الخصمين يكون بشهادتهما، ولا تصح الشهادة إلا من العارف بالمشهود به معرفة صحيحة، وقد كان الحواريون كذلك كما علم من إقرارهم بالإيمان والاتباع.
﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ﴾ أي ومكر أولئك الذين أحس عيسى منهم الكفر به فحاولوا قتله وأبطل الله مكرهم فلم ينجحوا فيه وعبّر عن ذلك بالمكر على طريق المشاكلة كذا قال الجمهور وهو حق.
﴿ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ ، أي إن كان في الخير مكر فمكره موجه إلى الخير ومكرهم هو الموجه إلى الشر.
﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ : يقول بعض المفسرين: "إني متوفيك" أي منومك، وبعضهم: إني قابضك من الأرض بروحك وجسدك "ورافعك إلي" بيان لهذا التوفي، وبعضهم: إني أنجيك من هؤلاء المعتدين فلا يتمكنون من قتلك وأميتك حتف أنفك ثم أرفعك إلي.
وهذا قول الجمهور وللعلماء ههنا طريقتان: إحداهما: وهي المشهورة، أنه رفع حيًا بجسمه وروحه، وأنه سينزل في آخر الزمان فيحكم بين الناس بشريعتنا ثم يتوفاه الله تعالى، ولهم في حياته الثانية على الأرض كلام طويل معروف، وأجاب هؤلاء عما يرد عليهم من مخالفة القرآن في تقديم الرفع على التوفي بأن الواو لا تفيد ترتيبًا.
والطريقة الثانية أن الآية على ظاهرها وأن التوفي على معناه الظاهر المتبادر وهو الإماتة العادية، وأن الرفع يكون بعده وهو رفع الروح، ولا بدع في إطلاق الخطاب على شخص وإرادة روحه فإن الروح هي حقيقة الإنسان والجسد كالثوب المستعار فإنه يزيد وينقص ويتغير والإنسان إنسان لأن روحه هي هي: ولصاحب هذه الطريقة في حديث الرفع والنزول في آخر الزمان تخريجان أحدهما: أنه حديث آحاد متعلق بأمر اعتقادي لأنه من أمور الغيب، والأمور الاعتقادية لا يؤخذ فيها إلا بالقطعي، لأن المطلوب فيها هو اليقين وليس في الباب حديث متواتر.
وثانيهما: تأويل نزوله وحكمه في الأرض بغلبة روحه وسر رسالته على الناس وهو ما غلب في تعليمه من الأمر بالرحمة والمحبة والسلم والأخذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها والتمسك بقشورها دون لبابها وهو حكمتها وما شرعت لأجله، فالمسيح لم يأت لليهود بشريعة جديدة ولكنه جاءهم بما يزحزحهم عن الجمود على ظواهر ألفاظ شريعة موسى ويوقفهم على فقهها والمراد منها ويأمرهم بمراعاته وبما يجذبهم إلى عالم الأرواح بتحري كمال الآداب.
فإذا سأل سائل عن المسيح الدجال وقتل عيسى له؟
فالجواب أن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها والأخذ بأسرارها وحكمها، وإن القرآن أعظم هاد إلى هذه الحكم والأسرار وسنة الرسول مبينة لذلك فلا حاجة للبشر إلى إصلاح وراء الرجوع إلى ذلك.
<div class="verse-tafsir"