تفسير سورة آل عمران الآيات ١٦١-١٦٤ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 3 آل عمران > الآيات ١٦١-١٦٤

وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ١٦١ أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ١٦٢ هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ١٦٣ لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ ١٦٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

نزلت هذه الآية في شأن النبي  من سياق الحكم والأحكام المتعلقة بغزوة أُحد، ولكن أخرج أبو داود والترمذي وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ  ﴾ قد نزل في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض الناس لعل رسول الله  أخذها، وقد ضعف هذه الرواية بعض المفسرين وإن حسنها الترمذي لأن السياق كله في واقعة أُحد ورجحوا عليها ما روي عن الكلبي ومقاتل من أن الرماة قالوا حين تركوا المركز الذي وضعهم النبي  فيه: نخشى أن يقول النبي  : "من أخذ شيئًا فهو له"، وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر، فقال النبي  : "أظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم" ولهذا نزلت الآية.

وروى ابن أبي شيبة في (المصنف) وابن جرير مرسلًا عن الضحاك قال بعث رسول الله  طلائع فغنم  غنيمة فقسم بين الناس ولم يقسم للطلائع فلما قدمت الطلائع قالوا قسم النبي  ولم يقسم لنا، فأنزل الله تعالى الآية.

والصواب أن هذه الآية من متعلقات هذه الواقعة كالآيات التي قبلها وكثير مما يأتي بعدها.

وأصل الغل الأخذ بخفية كالسرقة، وغلب في السرقة من الغنيمة قبل القسمة وتسمى غلولاً.

قال الرماني وغيره: أصل الغلول من الغلل وهو دخول الماء في خلل الشجر، وسميت الخيانة غلولًا لأنها تجري في الملك على خفاء من غير الوجه الذي يحل.

ومن ذلك الغل للحقد والغليل لحرارة العطش والغلالة للشعار، والمعنى ما كان من شأن نبي من الأنبياء ولا من سيرته أن يغل؛ لأن الله قد عصم أنبياءه من الغل والغلول فهو لا يقنع منهم، وهذا التعبير أحسن من قولهم: ما صح ولا استقام لنبي أن يغل أي يخون في المغنم.

وقد تقدم بيان ما يفيده هذا التعبير من نفي الشأن الذي هو أبلغ من نفي الفعل لأنه عبارة عن دعوى بدليل كأنه يقول هنا إن النبي لا يمكن أن يقع منه ذلك لأنه ليس من شأن الأنبياء ولا مما يقع منهم أو يجوز عليهم.

وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب "أن يغل" بالبناء للمفعول وهو من أغللته بمعنى وجدته غالًا أي ما كان من شأن النبي أن يوجد غالًا، أو بمعنى نسبته إلى الغلول أي ما كان لنبي أن يكون متهمًا بالغلول، أو من غل أي ما كان لنبي أن يكون بحيث يسرق من غنيمته السارقون ويخونه العاملون وهذا أضعف مما قبله.

وذهب بعض المفسرين إلى أن الغل أو الغلول المنفي هنا هو إخفاء شيء من الوحي وكتمانه عن الناس لا الخيانة في المغنم، وإن كان ما بعده عامًا في كل غلول أو خاصًا بالغنيمة فإنه جيء به للمناسبة كما عهد في مناسبات القرآن وانتقاله من حكم إلى حكم أو خبر له حكمه.

وذكروا أنه نزل ردًا على من رغب إلى النبي  أن يترك النهي على المشركين.

ومن مناسبة كون الغل بمعنى الكتمان وإخفاء بعض التنزيل ما تقدم من أمر الله تعالى نبيه  في الآيات السابقة بمعاتبة من كان معه في أُحد وتوبيخهم على ما قصروا، وذلك مما يصعب تبليغه عادة لأنه يشق على المبلِّغ والمبلَّغ، ومن أمره  بالعفو عنهم والاستغفار لهم ومشاورتهم في الأمر على ما كان منهم، وفي هذا إعلاء لشأنهم ومعاملة لهم بالمساواة في مثل هذه الشؤون، وذلك مما عهد في طباع البشر أن يشق على الرئيس منهم إبلاغه للمرؤوسين.

ثم قال: ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  ﴾ فسروا الإتيان بما غل به الغال بأنه يحمله وكأنهم جعلوا الباء للمصاحبة، وليس بمتعين، وقد عدل عنه بعض المفسرين كأبي مسلم الأصفهاني وقال إنه على حد قوله تعالى حكاية عن لقمان ﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ  ﴾ فليس معنى ﴿ يَأْتِ بِهَا اللَّه  ﴾ أنه يحملها، ولكن معناه أنه يعلم بها أتم العلم لا تخفى عليه مهما كانت مستترة، لأن من يأتي بالشيء لا بد أن يكون عالمًا به، والمعنى أن الإتيان بالشيء الذي يغله الغال هو كناية عن انكشافه وظهوره، أي أن كل غلول وخيانة خفية يعلمه الله تعالى مهما خفي ويظهره يوم القيامة للغال حتى يعرفه كمعرفة من أتى بالشيء لذلك الشيء على حد قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ  ﴾ .

﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ  ﴾ : من عليهم غمرهم بالمنة وأثقلهم بالنعمة.

انتقل من نفي الغلول عن النبي عليه  ومن وصفه قبل ذلك بالرحمة واللين، وأمره بالمشاورة إلى التفرقة بين أصحابه الذين عاملهم هذه المعاملة الذين اتبعوا رضوان الله، وبين من باء بسخط من الله وتفاوت درجاتهم في ذلك وقالوا ما قالوا مما دل على جهلهم وكفرهم بحرمانهم من هدايته، ثم عاد إلى ذكر منته تعالى على المؤمنين ببعثه النبي  فيهم.

وقد كان ما تقدم من وصفه  بالرحمة واللين وأمره بتلك المعاملة الحسنى وتنزيهه عن الغلول تمهيدًا لهذه المنة.

ثم وصفه بأوصاف أخرى أكد بها المنة أولها: أنه من أنفسهم أي من جنسهم أي العرب.

ووجه هذه المنة الخاصة، التي لا تنافي كونه  رحمة عامة، هو أن كونه منهم يزيد في شرفهم ويجعلهم أول المهتدين به، لأنهم أسرع الناس فهمًا لدعوته، والنعمة العامة قد ذكرت في آيات أخرى كقوله تعالى ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ  ﴾ ويمكن أن يستدل على هذا التخصيص بالعرب دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام التي تقدمت في سورة البقرة ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ  ﴾ إلخ، الأوصاف المذكورة هنا، وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بأنفسهم ههنا البشر لا العرب.

الوصف الثاني: قوله: ﴿ يَتلوا عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ  ﴾ والآيات هي الآيات الكونية الدالة على قدرته وحكمته ووحدانيته وتلاوتها عبارة عن تلاوة ما فيه بيانها، وتوجيه النفوس إلى الاستفادة منها والاعتبار بها، وهو القرآن كقوله  في أواخر هذه السورة ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ  ﴾ ، وقوله في سورة البقرة ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ  ﴾ ، ومنها ما لم يذكر فيه كلمة "الآيات" كقوله تعالى ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا  وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا  ﴾ إلخ.

الوصف الثالث والرابع: قوله تعالى: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ  ﴾ تزكيته إياهم هي تطهيرهم من العقائد الزائفة ووساوس الوثنية وأدرانها، والعقائد هي أساس الملكات، ولذلك نقول: إن العرب وغيرهم كانوا قبل بعثة محمد  ملوثين في عقولهم ونفوسهم.

أما تعليمهم الكتاب فمعناه أن هذا الدين الذي جاء به قد اضطرهم إلى تعلم الكتابة بالقلم وأخرجهم من الأمية لأنه دين حث على المدنية وسياسة الأمم.

وأما الحكمة فهي أسرار القلوب وفقه الأحكام وبيان المصلحة فيها، والطريق إلى العمل بها ذلك الفقه الذي يبعث على العمل، أو هي العمل الذي يوصل إلى هذا الفقه في الأحكام، أو طرق الاستدلال ومعرفة الحقائق ببراهينها، لأن هذه الطريقة هي طريقة القرآن وسنته في العقائد وكذا في الآداب والعبادات، وقد مرت الشواهد الكثيرة على ذلك وسيأتي ما هو أكثر وأغزر إن شاء الله تعالى.

﴿ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ  ﴾ أي وإنهم كانوا قبل بعثة النبي  في ضلال بيّن واضح، وأي ضلال أبين من ضلال قوم مشركين يعبدون الأصنام ويتبعون الأوهام أميين لا يقرأون ولا يكتبون فيعرفوا كنه ضلالتهم، وحقيقة جهالتهم، فضلالهم أبين من ضلال أهل الكتاب، كما هو ظاهر لأولي الألباب.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله