تفسير سورة آل عمران الآيات ١٨٧-١٨٩ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 3 آل عمران > الآيات ١٨٧-١٨٩

وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ١٨٧ لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوا۟ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا۟ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا۟ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍۢ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١٨٨ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ١٨٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

وجه الاتصال بين هذه الآية - ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ  ﴾ - وما قبلها هو أن ما ذكر في الآية السابقة من البلاء الذي يصاب به المؤمنون إنما يصابون به لأخذهم بالحق ودعوتهم إليه ومحافظتهم في الشدائد عليه، فناسب بعد ذكر ذلك البلاء الذي أخبر الله به المؤمنين ووطن عليه نفوسهم ليثبتوا ويصبروا أن يذكر لهم مثل الذي خلوا من قبلهم إذ أخذ عليهم الميثاق ببيان الحق فكان من أمرهم ما استحقوا به الوعيد المذكور في الآية.

فهو يذكر المؤمنين بذلك كأنه يقول لهم إنكم إذا كتمتم ما أنزل عليكم يكون وعيدكم كوعيدهم.

قال تعالى ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ  ﴾ ولا نقول في التوراة لأن القرآن لم يقل بذلك ولا بعدمه فليس لنا أن نقيد برأينا ما أطلقه ونزيد عليه بغير علم.

﴿ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ  ﴾ وتبيينه هو أن يوضحوا معانيه كما هي ولا يؤولوه ولا يحرفوه عن مواضعه التي وضع لتقريرها ومقاصده التي أنزل لأجلها حتى لا يقع في فهمه لبس ولا اضطراب، وههنا أمران العلم بالكتاب على غير وجهه وهو نتيجة عدم البيان، وعدم العلم به بالمرة وهو نتيجة الكتمان، وقد يقال إن الظاهر المتبادر في الترتيب هو أن ينهي عن الكتمان أولًا ثم يأمر بالبيان لأن البيان إنما يكون مع إظهار الكتاب فلماذا عكس؟

والجواب عن هذا أن القرآن قدم أهم الأمرين لأن المخالفة في الأول وهو الكتمان تقتضى الجهل البسيط وهو الجهل بالدين، وفي الثاني تقتضي الجهل المركب وهو اعتقاد ما ليس بدين دينًا، والجهل البسيط أهون لأن صاحبه يوشك أن يظفر بالكتاب يومًا فيهتدي به ويعرف الدين، وأما الجهل المركب وهو فهمه على غير وجهه فيعسر زواله بالمرة فيكون صاحبه ضالًا مع وجود أعلام الهداية أمامه.

والعبرة في ذلك ظاهرة عندنا وفي أنفسنا فإن كتابنا وهو القرآن العزيز لم يوجد كتاب في الدنيا حفظ كما حفظ، ونقل كما نقل، ونشر كما نشر، فإن الجماهير من المسلمين قد حفظوه عن ظهر قلب من القرن الأول إلى هذا اليوم وهم يتلونه في كل مكان حتى إنك تسمعه في الشوارع والأسواق ومجتمعات الأفراح والأحزان وفي كل حال من الأحوال، ولكنهم تركوا تبيينه للناس فلم يغن عنهم عدم الكتمان شيئًا، فإنهم فقدوا هدايته حتى أنهم يعترفون بأن المسلمين أنفسهم منحرفون عنه وأن القابض على دينه كالقابض على الجمر، ويعترفون بأن الغش قد عم وطم، ويعترفون بارتفاع الأمانة، وشيوع الخيانة إلخ إلخ، وكل هذا من نتائج ترك التبيين.

ولهذه التعمية وهذا الاضطراب في فهم الكتاب أسباب أهمها ما كان من الخلاف بين العلماء من قبل، لا سيما في القرن الثالث، فقد انقسمت الأمة إلى شيع وذهبت في الخلاف مذاهب في الأصول والفروع وصار كل فريق ينصر مذهبه ويحتج له بالكتاب يأخذ ما وافقه منه ويؤول ما خالفه، واتبعهم الناس على ذلك، ورضي كل فريق من المسلمين بكتب طائفة من أولئك المختلفين حتى جاءت أزمنة ترك فيها الجميع التحاكم إلى القرآن وتأييد ما يذهبون إليه به وتأويل ما عداه.

حتى صرنا نتمنى لو دامت تلك الخلافات فإنها أهون من هجر القرآن بتاتًا، فإن الناس قد وقعوا في اضطراب من أمر دينهم حتى صاروا يحسبون ما ليس بدين دينًا، وحتى أن العلماء يرون المنكرات فلا ينكرونها بل كثيرًا ما يقعون فيها أو يتأولون لفاعليها، ولو بينوا للناس كتاب الله لقبلوه.

﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا  ﴾ ، نبذوا الميثاق لم يفوا به إذا تركوا العمل بالكتاب والثمن القليل الذي اشتروه به لم يبينه القرآن لأنه ظاهر في نفسه ومعروف من سيرتهم، وهو عبارة عن التمتع بالشهوات الدنية، واللذائذ الفانية فكان أحدهم يجد في العمل بالكتاب والتزام الشريعة مشقة فيتركه حبًا في الراحة، وإيثارًا للذة، وأما التأويل والتحريف فقد كان لهم فيه أغراض كثيرة (ومنها): الخوف من الحكام والرجاء فيهم، فيحرف رجال الدين النصوص عن مواضعها المقصودة ويصرفونها إلى معان أخرى ليوافقوا ما يريد الحاكم فيأمنوا شره وينالوا بره، (ومنها): إرضاء العامة أو الأغنياء خاصة بموافقة أهوائهم لاستفادة الجاه والمال، (ومنها): -وهو الأصل الأصيل في التحريف- الجدل والمراء بين رجال الدين أنفسهم لا سيما الرؤساء وطلاب الرياسة منهم، فإن الواحد من هؤلاء إذا قال قولًا أو أفتى فأخطاء فأبان خطأه آخر ينبري لتصحيح قوله وتوجيه فتياه وتخطئة خصمه وتأخذه العزة بالإثم فيرى الموت أهون عليه من الاعتراف بخطئه والرجوع إلى قول أخيه في العلم والدين، (ومنها): الجهل، فإن المتصدي للتعليم أو الفتيا قد يجهل مسائل فيتعرض لبيانها وبغير علم، وإذا أبيح لمثل هذا أن يعلم للأسباب التي نعهدها من الرؤوساء الذين يجيزون جهلة الطلاب بالتدريس ويعطونهم الشهادة بالعلم محاباة لهم فإنه يربي تلاميذه أجهل منه فيكونون كلهم محرفين مخرفين ويفسد بهم الدين، (ومنها): انقطاع سلسلة أهل الفهم والتبيين، وخبط الناس بعدهم فيما يؤثر عنهم من بيان تأويل، وحمله على غير المراد منه حتى بعدوا عن الأصل بعدًا شاسعًا.

وانظر في حال المسلمين -الذين اتبعوا سنن من قبلهم- واعتبر بحال أهل الأزهر منهم ترى بعينيك كما رأينا، وتسمع بأذنيك كما سمعنا، وتفهم سر ما قصه الله من أنباء أهل الكتاب علينا.

﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ ، كان الكلام في أهل الكتاب لتحذير المسلمين من مثل فعلهم في سياق الحض على الاستمساك بعروة الحق وحفظه والدعوة إليه إذ أخذ على أولئك الميثاق فقصروا فيه وتركوا العمل بالكتاب وتبيينه للناس واشتروا به ثمنًا قليلًا فاستحقوا العقاب من الله تعالى، بعد هذا بيّن في هذه الآية حالًا آخر من أحوال أولئك الغابرين ليحذر المؤمنين منه لأنهم عرضة له وهو أنهم كانوا يفرحون بما أتوا من التأويل والتحريف للكتاب، ويرون لأنفسهم شرفًا فيه وفضلًا بأنهم أئمة يقتدى بهم وهذا فرح بالباطل وكانوا يحبون أن يحمدوا بأنهم حفاظ الكتاب ومفسروه وعلماؤه ومبينوه والمقيمون له، وهم لم يفعلوا شيئًا من ذلك وإنما فعلوا نقيضه إذ حولوه عن الهداية إلى ما يوافق أهواء الحكام وأهواء سائر الناس يطلبون بذلك حمدهم.

بيّن الله هذه الحال في أسلوب عجيب بين فيه حكمًا آخر وهو أن هؤلاء الفرحين المحبين للمحمدة الباطلة قد اشتبه أمرهم على الناس فهم يحسبون أنهم أولياء الله وأنصار دينه وعلماء كتابه، وأنهم أبعد الناس عن عذابه وأقربهم من رضوانه، فبيّن الله كذب هذا الحسبان ونهى عنه وسجل عليهم العذاب.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن جمهور المفسرين ذهبوا إلى أن قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ  ﴾ تأكيد لقوله: ﴿ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ  ﴾ كما هو معهود في الكلام العربي من إعادة الفعل إذا طال الفصل بينه وبين معموله.

قال الزجاج إن العرب إذا أطالت القصة تعيد حسبت وما أشبهها إعلامًا بأن الذي جرى متصل بالأول فتقول؛ لا تظنن زيدًا إذا جاءك وكلمك بكذا فلا تظنه صادقًا فيفيد، لا تظنن توكيدًا وتوضيحًا -والفاء زائدة كما في قوله: فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي ولقد أورد ذلك صاحب الكشاف، وعندي أنه مردود غير صحيح ولولا "الفاء" لصح ولكن الفاء تمنع منه، ولقد علمت مذهبنا في عدم زيادة حرف ما في القرآن بلا فائدة، ووجه العبارة في رأينا هو أن المفعول الثاني في قوله: ﴿ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ  ﴾ محذوف، حُذِف إيجازًا لتذهب النفس في تقديره كل مذهب، والقرآن ما أنزل لتحديد المسائل والأخبار والقصص تحديدًا في فهمه كل قارئ وإنما الغرض الأهم منه إصلاح النفوس والتأثير الصالح فيها بترغيبها في الحق والخير وتنفيرها من ضدهما.

فإذا قال ههنا لا تحسبن الذين يفرحون بكذا ويحبون كذا تتوجه نفس القارئ أو السامع إلى طلب المفعول الثاني، وتذهب فيه مذاهب شتى كلها من النوع الذي يليق، معبريَن بهذا عن حالهم، كأن تقدر لا تحسبنهم مطيعين لربهم أو عاملين بهدايته، وعندما يرد عليها بعد ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ  ﴾ يتعين عندها بهذا التفريع الذي ذكر فيه المفعول الثاني ما حذف من الأول لا بشخصه وعينه بل بنوعه، لأننا لو قلنا إن ما حذف من الأول هو عين ما أثبت في الثاني لم يكن للتفريع فائدة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ عطف هذه الآية على ما قبلها لاتصالها بالآيات التي قبلها فالواو فيها عاطفة للجملة المستقلة على مثلها كأنه يقول لا تحزنوا أيها المؤمنين ولا تضعفوا واصبروا واتقوا ولا تخورن عزائمكم، بينوا الحق ولا تكتموا منه شيئًا، ولا تشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا، ولا تفرحوا بما عملتم، ولا تحبوا أن تحمدوا بما لم تفعلوا، فإن الله تعالى يكفيكم ما أهمكم، ويغنيكم عن هذه المنكرات التي نهيتم عنها، فإن ملك السموات والأرض كله له يعطي منه ما يشاء وهو على كل شيء قدير، لا يعز عليه نصركم على اللذين يؤذونكم بأيديهم وألسنتهم من أهل الكتاب والمشركين، وإليه ترجع الأمور لأنه هو الذي يدبرها بحكمته وسننه في خلقه.

وفي هذا التذييل حجة على كون الخير في اتباع ما أرشد إليه تعالى، وتسلية للنبي  وللمؤمنين ووعد لهم بالنصر، وفيه تعريض بذم أولئك المخالفين الذين سبق وصفهم في الآيات التي قبل هذه الآية وهو أنهم لا يؤمنون بالله تعالى إيمانًا صحيحًا يظهر أثره في أخلاقهم وأعمالهم وإلا لما تركوا العمل بكتابه وآثروا عليه ما يستفيدونه من حطام الدنيا، فإن هذا لا يكون إلا من عدم الثقة بوعده تعالى والخوف من وعيده واليقين بقدرته وتدبيره.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله