تفسير سورة البقرة الآيات ٥٠-٥٣ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ٥٠-٥٣

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَـٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ٥٠ وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ ٥١ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٥٢ وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ٥٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

جاء في الآية السابقة ذكر تنجية بني إسرائيل من آل فرعون وهو على كونه تفصيلًا لما قبله من حيث التذكير بالنعم، مجمل من حيث الإنجاء فإنه يشمل النجاة بجميع أنواعها من ذلك العذاب.

وذكر في هذه الآية نعمته في طريق الإنجاء بالتفصيل بعد الإجمال لبيان عناية الله تعالى بهم فيها إذ جعل وسيلته من خوارق العادات وجعل في طريقه هلاك عدوهم.

وقد يقال إن هذه نعمة مستقلة من نعمه تعالى عليهم لا أنها بيان لإجمال في التي قبلها.

لما أرسل الله تعالى موسي  إلى فرعون وملئه يدعوهم إلى توحيد الله وإلى أن يخلى بينه وبين شعب إسرائيل بعد إطلاقهم من ذلك الاستعباد والتعذيب لم يزدهم فرعون إلا تعذيبًا وتعبيدًا.

وفي "سفر الخروج" من تاريخ التوراة أن الله تعالى أنبأ موسي بأنه يقسي قلب فرعون فلا يخفف العذاب عن بني إسرائيل ولا يرسلهم مع موسي حتى يريه آياته.

وأنه بعد الدعوة زاد ظلمًا وعتوًا فأمر الذين كانوا يسخرون بني إسرائيل في الأعمال الشاقة بأن يزيدوا في القسوة عليهم وأن يمنعوهم التبن الذي كانوا يعطونهم إياه لعمل اللَّبِن (الطوب) ويكلفوهم أن يجمعوا التبن ويعملوا كل ما كانوا يعملونه من اللبن، لا يخفف عنهم منه شيء.

فأعطى الله تعالى موسى وأخاه هارون الآيات البينات، فحاول فرعون معارضتها بسحر السحرة، فلما آمن السحرة برب العالمين رب موسى وهارون لعلمهم أن ما جاء به ليس من السحر وإنما هو تأييد من الله تعالى، ورأى ما رأى بعد ذلك من آيات الله لموسى سمح بخروج بني إسرائيل بل طردهم طردًا.

وفي "سفر الخروج" أنهم خرجوا في شهر "أبيب" وكانت إقامتهم في مصر ٤٣٠ سنة.

ثم أتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأنجى الله بني إسرائيل وأغرق فرعون ومن معه، وذلك قوله  : ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ  ﴾ أي واذكروا من نعمنا عليكم إذ فرقنا بكم البحر فجعلنا لكم فيه طريقًا يبسًا سلكتموه في هربكم من فرعون ﴿ فَأَنْجَيْنَاكُمْ  ﴾ بعبوره من جانب إلى آخر ﴿ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ  ﴾ إذ عبروا وراءكم ﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ  ﴾ ذلك بأعينكم، ولولاه لعظم عليكم خبر غرقهم ولم تصدقوه.

فلق البحر كان من معجزات موسى، وقد قلنا في رسالة التوحيد: إن الخوارق الجائزة عقلًا، أي التي ليس فيها اجتماع النقيضين ولا ارتفاعهما، لا مانع من وقوعها بقدرة الله تعالى على يد نبي من الأنبياء، ويجب أن نؤمن بها على ظاهرها ولا يمنعنا هذا الإيمان من الاهتداء بسنن الله تعالى في الخلق واعتقاد أنها لا تتبدل ولا تتحول كما قال الله تعالى في كتابه الذي ختم به الوحي، على لسان نبيه الذي ختم به النبيين، فانتهي بذلك زمن المعجزات، ودخل الإنسان بدين الإسلام في سن الرشد، فلم تعد مدهشات الخوارق هي الجاذبة له إلى الإيمان وتقويم ما يعرض للفطرة من الميل عن الاعتدال في الفكر والأخلاق والأعمال كما كان في سن الطفولية النوعية، بل أرشده تعالى بالوحي الأخير-"القرآن"- إلى استعمال عقله في تحصيل الإيمان بالله وبالوحي ثم جعل له كل إرشادات الوحي مبينة معللة مدللة حتى في مقام الأدب- كما أوضحنا ذلك في رسالة التوحيد- فإيماننا بما أيد الله تعالى به الأنبياء من الآيات لجذب قلوب أقوامهم الذين لم ترتق عقولهم إلى البرهان، لا ينافي كون ديننا هو دين العقل والفطرة وكونه حتم علينا الإيمان بما يشهد له العيان، من أن سننه تعالى في الخلق لا تبديل لها ولا تحويل.

وزعم الذين لا يحبون المعجزات من المتهورين أن عبور بني إسرائيل البحر كان في إبان الجزر فإن في البحر الأحمر زقاقًا إذا كان الجزر الذي عهد هناك شديدًا يتيسر للإنسان أن يعبر ماشيًا، ولما أتبعهم فرعون بجنوده، ورآهم قد عبروا البحر تأثرهم وكان المد تفيض ثوائبه -وهي المياه التي تجئ عقيب الجزر- فلما نجا بنو إسرائيل كان المد قد طغى وعلا حتى أغرق المصريين.

تحقق إنعام الله على بني إسرائيل يتم بهذا التوفيق لهم والخذلان لعدوهم ولا ينافي الامتنان به عليهم كونه ليس آية لموسى  ، فإن نعم الله بغير طريق المعجزات أعم وأكثر- كذا قالوا..

ولكن يدل على كونه آية له وصف كل فرق منه بالطود العظيم.

وإذا تيسر تأويل كل آيات القصة من القرآن فإنه يتعسر تأويل قوله تعالى في سورة الشعراء، ﴿ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ  ﴾ وهو الموافق لما في التوراة.

بعد أن قرر نعمة الإنجاء من استعباد الظالمين، والبعد من فتنة القوم الضالين، ذكر النعمة التي وليتها، وذكرهم بما كان من كفرهم إياها، فقال ﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً  ﴾ وقد كانت هذه المواعدة لإعطائه التوراة.

ولما ذهب لميقات ربه استبطأوه فاتخذوا عجلًا من ذهب فعبدوه، كما هو مفصل في غير هذه السورة.

والمراد هنا التذكير بالنعمة وبيان كفرها ليظهر أن تكذيبهم بمحمد  ومعاندته ليس ببدع من أمرهم، وإنما هو معهود منهم مع رؤية الآيات وبعد إغداق النعم عليهم، ولذلك اكتفى بالإشارة إليه بقوله ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ  ﴾ أي اتخذتموه إلهًا ومعبودًا، وبعد أن ذكرهم بذلك الظلم ذكرهم بتفضله عليهم بالتوبة ثم بالعفو الذي هو جزاء التوبة فقال ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ﴾ هذه النعمة بدوام التوحيد والطاعة.

ثم قفى على هذا بذكر إيتائهم الكتاب وهو المنة الكبرى فقال ﴿ وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  ﴾ قال المفسر (الجلال) - كغيره- إن الفرقان هو التوراة وقال بعض المفسرين إن الفرقان هو ما أوتيه موسى من الآيات والمعجزاتولكن ذكره بعد الكتاب معطوفًا عليه دليل على أن المراد به ما في الكتاب من الشرائع والأحكام المفرقة بين الحق والباطل والحلال والحرام، ومعنى قوله ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ﴾ لعلكم تهتدون، أي ليعدكم بهذا العفو للاستمرار على الشكر ويعدكم بهذه الأحكام والشرائع للاهتداء ويهيئكم للاسترشاد فلا تقعوا في وثنية أخرى.

وإن من كمال الاستعداد للهداية بفهم الكتاب أن يعرفوا أن ما جاء به محمد  هو هدى ونور يرجعهم إلى الأصل الذي تفرقوا عنه واختلفوا فيه، وكذلك اهتدى به منهم المستبصرون، وجاحده الرؤساء المستكبرون والمقلدون الذين لا يعقلون.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله