الآية ٥٣ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٥٣ من سورة البقرة

وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ٥٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 87 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٣ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وإذ آتينا موسى الكتاب ) يعني : التوراة ( والفرقان ) وهو ما يفرق بين الحق والباطل ، والهدى والضلال ( لعلكم تهتدون ) وكان ذلك - أيضا - بعد خروجهم من البحر ، كما دل عليه سياق الكلام في سورة الأعراف .

ولقوله تعالى : ( ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون ) [ القصص : 43 ] .

وقيل : الواو زائدة ، والمعنى : ولقد آتينا موسى الكتاب والفرقان وهذا غريب ، وقيل : عطف عليه وإن كان المعنى واحدا ، كما في قول الشاعر : وقدمت الأديم لراقشيه فألفى قولها كذبا ومينا وقال الآخر : ألا حبذا هند وأرض بها هند وهند أتى من دونها النأي والبعد فالكذب هو المين ، والنأي : هو البعد .

وقال عنترة : حييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم فعطف الإقفار على الإقواء وهو هو .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) قال أبو جعفر: يعني بقوله: (وإذ ءاتينا موسى الكتاب): واذكروا أيضا إذ آتينا موسى الكتاب والفرقان.

ويعني ب " الكتاب ": التوراة , وب " الفرقان ": الفصل بين الحق والباطل، كما:- 928 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال حدثنا أبو جعفر , عن الربيع بن أنس , عن أبي العالية , في قوله: (وإذ ءاتينا موسى الكتاب والفرقان)، قال: فرق به بين الحق والباطل .

929 - حدثني محمد بن عمرو الباهلي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله: (وإذ ءاتينا موسى الكتاب والفرقان)، قال: الكتاب: هو الفرقان , فرقان بين الحق والباطل (113) .

930 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد مثله .

931 - وحدثني القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد، قوله: (وإذ ءاتينا موسى الكتاب والفرقان)، قال: الكتاب هو الفرقان , فرق بين الحق والباطل .

932 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج , عن ابن جريج قال، وقال ابن عباس: " الفرقان ": جماع اسم التوراة والإنجيل والزبور والفرقان .

وقال ابن زيد في ذلك بما: - 933 - حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب.

قال: &; 2-71 &; سألته -يعني ابن زيد- عن قول الله عز وجل: (وإذ ءاتينا موسى الكتاب والفرقان) فقال: أما " الفرقان " الذي قال الله جل وعز: يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [الأنفال: 41]، فذلك يوم بدر , يوم فرق الله بين الحق والباطل , والقضاء الذي فرق به بين الحق والباطل .

قال: فكذلك أعطى الله موسى الفرقان , فرق الله بينهم , وسلمه وأنجاه، فرق بينهم بالنصر.

فكما جعل الله ذلك بين محمد صلى الله عليه وسلم والمشركين , فكذلك جعله بين موسى وفرعون (114) .

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذين التأويلين بتأويل الآية، (115) ما روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد: من أن الفرقان الذي ذكر الله أنه آتاه موسى في هذا الموضع، هو الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل , وهو نعت للتوراة وصفة لها .

فيكون تأويل الآية حينئذ: وإذ آتينا موسى التوراة التي كتبناها له في الألواح وفرقنا بها بين الحق والباطل .

فيكون " الكتاب " نعتا للتوراة أقيم مقامها، استغناء به عن ذكر التوراة , ثم عطف عليه ب " الفرقان " , إذ كان من نعتها.

* * * وقد بينا معنى " الكتاب " فيما مضى من كتابنا هذا, وأنه بمعنى المكتوب.

(116) * * * وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالآية، وإن كان محتملا غيره من التأويل، لأن الذي قبله من ذكر " الكتاب " , وأن معنى " الفرقان " الفصل (117) - وقد دللنا على ذلك فيما مضى من كتابنا هذا (118) -, فإلحاقه إذ كان كذلك، بصفة ما وليه أولى من إلحاقه بصفة ما بعد منه.

وأما تأويل قوله: (لعلكم تهتدون)، فنظير تأويل قوله : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ، ومعناه لتهتدوا (119) .

وكأنه قال: واذكروا أيضا إذ آتينا موسى التوراة التي تفرق بين الحق والباطل لتهتدوا بها، وتتبعوا الحق الذي فيها، لأني جعلتها كذلك هدى لمن اهتدى بها واتبع ما فيها .

----------- الهوامش : (113) في المخطوطة : "هو الفرقان بين الحق والباطل" ، والذي في المطبوعة أجود .

(114) في المطبوعة : "بين محمد والمشركين" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(115) في المطبوعة : "فأولى هذين التأويلين .

.

.

" .

(116) انظر ما مضى 1 : 97 - 99 .

(117) في المطبوعة : "لأن الذي قبله ذكر الكتاب" بإسقاط"من" .

(118) انظر ما مضى 1 : 98 - 99 .

(119) انظر ما مضى 2 : 69 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون" إذ " اسم للوقت الماضي و " إذا " اسم للوقت المستقبل وآتينا أعطينا ، وقد تقدم جميع هذا والكتاب التوراة بإجماع من المتأولين واختلف في الفرقان فقال الفراء وقطرب : المعنى آتينا موسى التوراة ومحمدا عليه السلام الفرقان قال النحاس هذا خطأ في الإعراب والمعنى أما الإعراب فإن المعطوف على الشيء مثله وعلى هذا القول يكون المعطوف على الشيء خلافه وأما المعنى فقد قال تعالى ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان قال أبو إسحاق الزجاج يكون الفرقان هو الكتاب ، أعيد ذكره باسمين تأكيدا وحكي عن الفراء ومنه قول الشاعر [ عدي بن يزيد ] :وقدمت الأديم لراهشيه وألفى قولها كذبا ومينا[ ص: 375 ] وقال آخر [ الحطيئة ] :ألا حبذا هند وأرض بها هند وهند أتى من دونها النأي والبعدفنسق البعد على النأي والمين على الكذب لاختلاف اللفظين تأكيدا ، ومنه قول عنترةحييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثمقال النحاس وهذا إنما يجيء في الشعر وأحسن ما قيل في هذا قول مجاهد فرقا بين الحق والباطل أي الذي علمه إياه وقال ابن زيد الفرقان انفراق البحر له حتى صار فرقا فعبروا ، وقيل الفرقان الفرج من الكرب ؛ لأنهم كانوا مستعبدين مع القبط ، ومنه قوله تعالى إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا أي فرجا ومخرجا وقيل : إنه الحجة والبيان قاله ابن بحر وقيل الواو صلة والمعنى آتينا موسى الكتاب الفرقان والواو قد تزاد في النعوت كقولهم فلان حسن وطويل وأنشدإلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحمأراد إلى الملك القرم ابن الهمام ليث الكتيبة ودليل هذا التأويل قوله عز وجل : ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء أي بين الحرام والحلال والكفر والإيمان والوعد والوعيد وغير ذلك ، وقيل الفرقان الفرق بينهم وبين قوم فرعون أنجى هؤلاء وأغرق أولئك ونظيره يوم الفرقان فقيل يعني به يوم بدر نصر الله فيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأهلك أبا جهل وأصحابه .

لعلكم تهتدون لكي تهتدوا من الضلالة وقد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

×

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {وإذ آتينا موسى الكتاب} يعني التوراة.

{والفرقان} قال مجاهد: "هو التوراة أيضاً ذكرها باسمين".

وقال الكسائي: "الفرقان نعت الكتاب والواو زائدة، يعني: الكتاب المفرق بين الحلال والحرام".

وقال يمان بن رباب: "أراد بالفرقان انفراق البحر كما قال: {وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم}".

{لعلكم تهتدون} بالتوراة.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذ آتينا موسى الكتاب» التوراة «والفرقان» عطف تفسير، أي الفارق بين الحق والباطل والحلال والحرام «لعلكم تهتدون» به من الضلال.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكروا نعمتنا عليكم حين أعطينا موسى الكتاب الفارق بين الحق والباطل -وهو التوراة-؛ لكي تهتدوا من الضلالة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكرهم - سبحانه - بتعمة خامسة فيها صلاح أمورهم ، وانتظام شئونهم ألا وهي إعطاء نبيهم موسى - عليه السلام - التوارة ، فقال تعالى :( وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب .

.

.

) .معنى الآية الكريمة : اذكروا بابني إسرائيل نعمة إعطاء نبيكم موسى - عليه السلام - التوراة ، وفيها الشرائع والأحكام ، لكي تهتدوا بها إلى طريق القلاح والرشاد في الدنيا ، وإلى الفوز بالسعادة في الآخرة .فالمراد بالكتاب التوراة التي أوتيها موسى - عليه السلام - فأل للعهد .والفرقان - بضم الفاء - مأخوذ من الفرق وهو الفصل ، استعير لتمييز الحق من الباطل؛ وقد يطلق لفظ الفرقان على الكتاب السماوي المنزل من عند الله كما في قوله تعالى : ( تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ ) كما يطلق على المعجزة كما في قوله تعالى ( وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وَهَارُونَ الفرقان ) أي المعجزات لأن هارون لم يؤت وحياً .والمراد بالفرقان هنا التوراة نفسها ويكون المراد بالعطف التفسير .قال ابن جرير ما ملخصه : ( وأولى الأقوال بتأويل الآية ما روى عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد ، من أن الفرقان الذي ذكر الله تعالى أنه آتاه موسى في هذا الموضع ، هو الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل وهو نعت للتوراة وصفة لها ، فيكون تأويل الآية حينئذ .وإذ آتينا موسى التوراة التي كتبناها له في الألواح ، وفرقنا بها بين الحق والباطل .

فيكون الكتاب نعتاً للتوراة ، أقيم مقامها استغناء به عن ذكر التوراة ثم عطف عليه بالفرقان ، إذ كان من نعتها ) .وقوله تعالى : ( لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) بيان لثمرة المنة والنعمة بإيتاء التوراة؛ لأن إتيان موسى الكتاب والفرقان ، المقصود منه هدايتهم ، وإخراجهم من الظلمات إلى النور .ولكن ماذا كان موقف بني إسرائيل من التوراة التي أنزلها الله لهدايتهم وسعادتهم؟

كان موقفهم منها - كما هي عادتهم - موقف الجاحد لنعم الله فقد امتدت أيديهم الأثيمة إليها فحرفوها كما شاءت لهم أهواؤهم وشهواتهم ولقد وبخهم القرآن الكريم على ذلك ، وشبههم في تركهم العمل بها وعدم انتفاعهم بما فيها ، بالحمار الذي يحمل كتب العلم ولكنه لا يدري ما فيها .فقال تعالى في سورة الجمعة : ( مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ) حملوا التوراة : أي علموها وكلفوا العمل بها ، ثم لم يحملوها : أي : لم يعملوا بها ولم ينتفعوا بما اشتملت عليه .

والأسفار : جمع سفر وهو الكتاب الكبير ، لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ .ومعنى الآية الكريمة : مثل هؤلاء اليهود الذين علموا التوراة وكلفوا العمل بأحكامها ولكنهم لم يعملوا بها ، مثلهم كمثل الحمار يحمل الكتب ولكنه لا يدري ما فيها ، ولا يناله من حملها إلا التعب ، بئس مثلا مثل هؤلاء اليهود الذين كذبوا بآيات الله التي تشهد بصدق النبي صلى الله عليه وسلم ، وتذر صفاته التي لا تنطبق إلا عليه ، وقد جرت سنة الله - تعالى - في خلقه ألا يهدي إلى طريق الحق أمثال هؤلاء القوم الظالمين ، لأنهم استحيوا العمى على الهدى ، وباعوا دينهم بدنياهم .قال صاحب الكشاف : " شبه الله - تعالى - اليهود ي أنهم حملة التوراة وقراؤها ، وحفاظ ما فيها ثم إنهم غير عاملين بها ، ولا منتفعين بآياتها وذلك أن فيها نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم والبشارة به ، ولم يؤمنوا به - شبههم بالحمار يحمل أسفاراً ، أي : كتباً من كتب العلم ، فهو يمشي بها ولا يدري منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب ، وكل من علم ولم يعمل ، فهذا مثله وبئس المثل " .وقال الإِمام ابن القيم : " شبه الله - تعالى - من حمله كتابه ليؤمن به ويتدبره ويعمل به ويدعو إليه ، ثم خالف ذلك ، ولم يحمله إلا على ظهر قلب ، فقراءته بغير تدبر ولا تفهم ولا اتباع له ، ولا تحكيم لنصوصه ، شبهه - بحمار على ظهره زاملة أسفار لا يدري ما فيها ، وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا ، فحظه من كتاب الله كحظ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره ، فهذا المثل ، وإن كان قد ضرب لليهود ، فهو متناول من حيث المعنى ، لمن حمل القرآن فترك العمل به ولم يؤد حقه ، ولم برعه حق رعايته " .ومن هذا نرى أن اليهود قد أنعم الله عليهم بالتوراة ، وجعلها نوراً وهدى لهم ، ولكنهم تركوها ، ولم يعملوا بما فيها ، واستحبوا العمى على الهدى ، ( فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) سادساً : ( نعمة إرشادهم إلى ما به يتخلصون من ذنوبهم ) :

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو الإنعام الرابع والمراد من الفرقان يحتمل أن يكون هو التوراة وأن يكون شيئاً داخلاً في التوراة وأن يكون شيئاً خارجاً عن التوراة فهذه أقسام ثلاثة لا مزيد عليها وتقرير الاحتمال الأول أن التوراة لها صفتان كونها كتاباً منزلاً وكونها فرقاناً تفرق بين الحق والباطل فهو كقولك: رأيت الغيث والليث تريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى وهارون الفرقان وَضِيَاء وَذِكْراً  ﴾ وأما تقرير الاحتمال الثاني فهو أن يكون المراد من الفرقان ما في التوراة من بيان الدين لأنه إذا أبان ظهر الحق متميزاً من الباطل، فالمراد من الفرقان بعض ما في التوراة وهو بيان أصول الدين وفروعه.

وأما تقرير الاحتمال الثالث فمن وجوه، أحدها: أن يكون المراد من الفرقان ما أوتي موسى عليه السلام من اليد والعصا وسائر الآيات وسميت بالفرقان لأنها فرقت بين الحق والباطل.

وثانيها: أن يكون المراد من الفرقان النصر والفرج الذي آتاه الله بني إسرائيل على قوم فرعون، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا يَوْمَ الفرقان يَوْمَ التقى الجمعان  ﴾ والمراد النصر الذي آتاه الله يوم بدر، وذلك لأن قبل ظهور النصر يتوقع كل واحد من الخصمين في أن يكون هو المستولي وصاحبه هو المقهور، فإذا ظهر النصر تميز الراجح من المرجوح وانفرق الطمع الصادق من الطمع الكاذب.

وثالثها: قال قطرب الفرقان هو انفراق البحر لموسى عليه السلام.

فإن قلت: فهذا قد صار مذكوراً في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا فَرَقْنَا بِكُمُ البحر  ﴾ وأيضاً فقوله تعالى بعد ذلك: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ لا يليق إلا بالكتاب لأن ذلك لا يذكر إلا عقيب الهدى.

قلت: الجواب عن الأول أنه تعالى لم يبين في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر ﴾ أن ذلك كان لأجل موسى عليه السلام، وفي هذه الآية بين ذلك التخصيص على سبيل التنصيص، وعن الثاني أن فرق البحر كان من الدلائل فلعل المراد أنا لما آتينا موسى فرقان البحر استدلوا بذلك على وجود الصانع، وصدق موسى عليه السلام وذلك هو الهداية وأيضاً فالهدى قد يراد به الفوز والنجاة كما يراد به الدلالة، فكأنه تعالى بين أنه آتاهم الكتاب نعمة في الدين والفرقان الذي حصل به خلاصهم من الخصم نعمة عاجلة.

واعلم أن من الناس من غلط فظن أن الفرقان هو القرآن، وأنه أنزل على موسى عليه السلام وذلك باطل لأن الفرقان هو الذي يفرق بين الحق والباطل وكل دليل كذلك فلا وجه لتخصيص هذا اللفظ بالقرآن.

وقال آخرون: المعنى: ﴿ وَإِذْ ءاتَيْنَا مُوسَى الكتاب ﴾ يعني التوراة وآتينا محمداً صلى الله عليه وسلم الفرقان لكي تهتدوا به يا أهل الكتاب.

وقد مال إلى هذا القول من علماء النحو الفراء وثعلب وقطرب وهذا تعسف شديد من غير حاجة ألبتة إليه.

وأما قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ فقد تقدم تفسير لعل وتفسير الاهتداء، واستدلت المعتزلة بقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ على أن الله تعالى أراد الاهتداء من الكل وذلك يبطل قول من قال: أراد الكفر من الكافر، وأيضاً فإذا كان عندهم أنه تعالى: يخلق الاهتداء، فيمن يهتدي والضلال فيمن يضل، فما الفائدة في أن ينزل الكتاب والفرقان ويقول: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ ومعلوم أن الاهتداء إذا كان يخلقه، فلا تأثير لإنزال الكتب فيه لو خلق الاهتداء ولا كتاب لحصل الاهتداء، ولو أنزل بدلاً من الكتاب الواحد ألف كتاب ولم يخلق الاهتداء فيهم لما حصل الاهتداء، فكيف يجوز أن يقول أنزلت الكتاب لكي تهتدوا؟

واعلم أن هذا الكلام قد تقدم مراراً لا تحصى مع الجواب والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الكتاب والفرقان ﴾ يعني الجامع بين كونه كتاباً منزلاً، وفرقاناً يفرق بين الحق والباطل: يعني التوراة، كقولك: رأيت الغيث والليث، تريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى وهارون الفرقان وَضِيَاء وَذِكْراً ﴾ [الأنبياء: 48] يعني الكتاب الجامع بين كونه فرقاناً وضياء وذكراً: أو التوراة.

والبرهان: الفارق بين الكفر والإيمان من العصا واليد وغيرهما من الآيات، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام، وقيل الفرقان: انفراق البحر.

وقيل: النصر الذي فرّق بينه وبين عدوّه، كقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ الفرقان ﴾ [الأنفال: 41] يريد به يوم بدر.

حمل قوله: ﴿ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ على الظاهر وهو البخع وقيل: معناه قتل بعضهم بعضاً.

وقيل: أمر من لم يعبد العجل أن يقتلوا العبدة.

وروى أن الرجل كان يبصر ولده، ووالده وجاره وقريبه، فلم يمكنهم المضي لأمر الله، فأرسل اللَّه ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون تحتها، وأمروا أن يحْتبوا بأفنية بيوتهم، ويأخذ الذين لم يعبدوا العجل سيوفهم، وقيل لهم: اصبروا، فلعن الله من مدّ طرفه أو حلّ حبوته أو اتقى بيد أو رجل، فيقولون: آمين فقتلوهم إلى المساء حتى دعا موسى وهارون وقالا: يا رب، هلكت بنو إسرائيل، البقية البقية، فكشفت السحابة ونزلت التوبة.

فسقطت الشفار من أيديهم، وكانت القتلى سبعين ألفاً.

فإن قلت: ما الفرق بين الفاآت؟

قلت: الأولى للتسبيب لا غير، لأن الظلم سبب التوبة.

والثانية للتعقيب لأن المعنى فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم، من قِبَلِ أن الله تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم.

ويجوز أن يكون القتل تمام توبتهم.

فيكون المعنى: فتوبوا، فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم، والثالثة متعلقة بمحذوف، ولا يخلو إما أن ينتظم في قول موسى لهم فتتعلق بشرط محذوف، كأنه قال: فإن فعلتم فقد تاب عليكم.

وإمّا أن يكون خطاباً من الله تعالى لهم على طريقة الالتفات.

فيكون التقدير: ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم بارؤكم.

فإن قلت: من أين اختص هذا الموضع بذكر البارئ؟

قلت: البارئ هو الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت ﴿ مَا ترِى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت ﴾ [الملك: 3] ومتميزاً بعضه من بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة، فكان فيه تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته على الأشكال المختلفة أبرياء من التفاوت والتنافر، إلى عبادة البقرة التي هي مثل في الغباوة والبلادة.

في أمثال العرب: أبلد من ثور حتى عرضوا أنفسهم لسخط الله ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم، وينثر ما نظم من صورهم وأشكالهم، حين لم يشكروا النعمة في ذلك، وغمطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ ﴾ حِينَ تُبْتُمْ، والعَفْوُ مَحْوُ الجَرِيمَةِ، مِن عَفا إذا دَرَسَ.

﴿ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ أيِ الِاتِّخاذِ ﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ أيْ لِكَيْ تَشْكُرُوا عَفْوَهُ.

﴿ وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ الجامِعَ بَيْنَ كَوْنِهِ كِتابًا مُنَزَّلًا وحُجَّةً تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.

وقِيلَ أرادَ بِالفُرْقانِ مُعْجِزاتِهِ الفارِقَةَ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ في الدَّعْوى، أوْ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ.

وقِيلَ الشَّرْعُ الفارِقُ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، أوِ النَّصْرُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ الفُرْقانِ ﴾ يُرِيدُ بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ.

﴿ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ لِكَيْ تَهْتَدُوا بِتَدَبُّرِ الكِتابِ والتَّفَكُّرِ في الآياتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإذ آتينا مُوسَى الكتاب والفرقان} يعني الجامع بين كونه كتاباً منزلاً وفرقاناً يفرق بين الحق والباطل وهو التوراة ونظيره رأيت الغيث والليث تريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة أو التوراة والبرهان الفارق بين الكفر والإيمان من العصا واليد وغيرهما من الآيات أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام وقيل الفرقان انفلاق البحر أو النصر الذي فرق بينه وبين عدوه {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} لكي تهتدوا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ الكِتابُ التَّوْراةُ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ وفِي الفُرْقانِ أقْوالٌ، الأوَّلُ: إنَّهُ هو التَّوْراةُ أيْضًا، والعَطْفُ مِن قَبِيلِ عَطْفِ الصِّفاتِ، لِلْإشارَةِ إلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنها، فَإنَّ التَّوْراةَ لَها صِفَتانِ يُقالانِ بِالتَّشْكِيكِ، كَوْنُها كِتابًا جامِعًا لِما لَمْ يَجْمَعْهُ مُنَزَّلٌ سِوى القُرْآنِ، وكَوْنُها فُرْقانًا، أيْ حُجَّةً تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا ﴾ الثّانِي: أنَّهُ الشَّرْعُ الفارِقُ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، فالعَطْفُ مِثْلُهُ في تَنَزُّلِ المَلائِكَةِ والرُّوحِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ، الثّالِثُ: أنَّهُ المُعْجِزاتُ الفارِقَةُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مِنَ العَصا، واليَدِ، وغَيْرِهِما، قالَهُ مُجاهِدٌ، الرّابِعُ: أنَّهُ النَّصْرُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَ العَدُوِّ، والوَلِيِّ، وكانَ آيَةً لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنهُ قِيلَ لِيَوْمِ بَدْرٍ: يَوْمُ الفُرْقانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: إنَّهُ القُرْآنُ، ومَعْنى إتْيانِهِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نُزُولُ ذِكْرِهِ لَهُ حَتّى آمَنَ بِهِ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وهو بَعِيدٌ وأبْعَدُ مِنهُ ما حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ، وقُطْرُبٍ أنَّهُ القُرْآنُ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مَفْعُولٍ، أيْ ومُحَمَّدًا الفُرْقانَ، وناسَبَ ذِكْرُ الِاهْتِداءِ إثْرَ ذِكْرِ إتْيانِ مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ، لِأنَّهُما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما ذَلِكَ لِمَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، قرأ أبو عمرو «وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى» بغير ألف، وقرأ غيره واعَدْنا بالألف، فمن قرأ بغير ألف فمعناه ظاهر، يعني أن الله تعالى وعد موسى  وَمَنْ قرأ بالألف فالمواعدة تجري بين اثنين، وإنما كان الوعد من الله تعالى وَمَن موسى الوفاء، ومن الله الأمر، ومن موسى الائتمار.

فكأنما جرت المواعدة بين الله تعالى وبين موسى.

وقد يجوز أن تكون المفاعلة من واحد، كما يقال: سافر ونافق.

ويقال: أربعين ليلة كانت ثلاثين ليلة منها من ذي القعدة وعشراً من ذي الحجة.

وقال بعضهم: ثلاثين كانت من ذي الحجة وعشراً من المحرم وكانت مناجاته يوم عاشوراء.

وروى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه قال: لما وعدهم موسى أربعين ليلة، عدَّت بنو إسرائيل عشرين يوماً وعشرين ليلة، وقالوا: قد تمت أربعون ولم يرجع موسى، فقد خالفنا.

وذكر أن السامري قال لهم: إنكم استعرتم من نساء آل فرعون حليهم ولم تردوه عليهم، فلعل الله تعالى لم يرد علينا موسى لهذا المعنى، فهاتوا ما عندكم من الحلي حتى نحرقه، فلعلَّ الله يرد إلينا موسى فجمعوا ذلك الحلي، وكان السامري صائغاً فاتخذ من ذلك عجلاً، وقد كان قبل ذلك رأى جبريل-  - على فرس الحياة، فكلما وضع حافره اخضر ذلك الموضع، فرفع من تحت سنبكه قبضة من التراب، ونفخ ذلك التراب في العجل فصار ذلك عجلا جسدا له خوار.

وروي عن ابن عباس أنه قال: صار عجلاً له لحم ودم وفيه حياة له خوار.

وروي عن عليّ أنه قال: اتخذ عجلاً جسداً مشبكاً، من ذهب له خوار، فدخل الريح في جوفه وخرج من فيه كهيئة الخوار.

فقال للقوم: هذا إلهكم وإله موسى فنسي، يعني أن موسى أخطأ الطريق.

وقال بعضهم: كان موسى وعدهم ثلاثين ليلة، فتمَّ ميقات رَبِّهِ أَرْبَعِينَ ليلة، لأنه قد أفطر من الصِّيام في تلك العشرة، لأنه ظهر لهم الخلاف في تلك العشرة وهذا الطريق أوضح.

قوله تعالى: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ، أي عبدتم العجل من بعد انطلاق موسى إلى الجبل وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ، أي كافرون بعبادتكم العجل.

ويقال: وأنتم ضارون أنفسكم بعبادتكم العجل.

ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، أي تركناكم من بعد عبادتكم العجل، فلم نستأصلكم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، أي لكي تشكروا الله تعالى على العفو والنعمة.

قوله: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ، أي أعطينا موسى التوراة وَالْفُرْقانَ، أي الفارق بين الحلال والحرام.

ويقال: الفرقان هو النصرة بدليل قوله تعالى: يَوْمَ الْفُرْقانِ [الأنفال: 41] أي يوم النصرة.

ويقال: الفرقان هو المخرج من الشبهات.

ويقال: هو انفلاق البحر بدليل قوله: وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ [البقرة: 50] .

وقال الفراء: في الآية مضمر، ومعناه: وآتينا موسى الكتاب يعني التوراة، وأعطينا محمداً الفرقان، فكأنه خاطبهم فقال: قد أعطيناكم علم موسى وعلم محمد  وعلم سائر الأنبياء.

قوله: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، أي لكي تهتدوا من الضلالة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إليه أنِ اضرب بعصاك البَحْرَ، وأوحى اللَّه إلى البحر أن انفرِقْ لموسى إذا ضربك، فبات البَحْرُ تلك الليلة يضطرب، فحينَ أصبَحَ، ضرَبَ موسى البحر، وكناه أبا خالد، فانفلَقَ، وكان ذلك في يوم عاشوراء.

وقوله تعالى: وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ ...

الآية: فَرَقْنا: معناه: جعلْنَاه فِرَقاً، ومعنى بِكُمُ أي: بسببكم، والبحر هو بحر القُلْزُمِ «١» ولم يفرق البحر عَرْضاً من ضفَّة إلى ضفَّة، وإنما فرق من موضع إلى موضع آخر في ضفة واحدة، وكان ذلك الفرق يُقَرِّبُ موضع النجاة، ولا يلحق في البر إلا في أيام كثيرةٍ بسبب جبالٍ وأوغار حائلة، وقيل:

انفرق البحْرُ عَرْضاً على اثني عَشَرَ طَريِقاً طريق لكلِّ سبط، فلما دخلوها، قالَتْ كل طائفة: غَرِقَ أصحابنا، وجَزِعُوا، فقال موسى- عليه السلام-: اللهمَّ، أَعِنِّي على أخلاقهِمُ السَّيئة، فأوْحَى اللَّه إِلَيْه أَنْ أدِرْ عصَاك على البَحْر، فأدارها، فصار في الماء فتوحٌ كالطَّاق «٢» ، يرى بعضهم بعضًا، وجازوا وجبريلُ في ساقتهم على مَاذِيَانةٍ «٣» يحث بني إسرائيل، ويقول لآلِ فرْعَوْنَ: مَهْلاً حتى يلحق آخركم أوَّلَكُم، فلما وصل فرعونُ إلى البحر، أراد الدخول، فنفر فرسُهُ، فتعرَّض له جبريلُ بالرَّمَكَة «٤» ، فأتبعها الفرَسُ، ودخَل آلُ فرعَوْن، وميكائلُ يحثهم، فلما لم يبق إلا ميكائلُ في ساقتهم على الضّفَّة وحده، انطبق البحر عليهم، فغرقوا.

وتَنْظُرُونَ: قيل: معناه بأبصاركم لقُرْبِ بعضهم من بعضٍ، وقيل: ببصائركم للاعتبار لأنهم كانوا في شُغُلٍ.

قال الطبريُّ: وفي أخبار القرآن على لسان النبيّ صلّى الله عليه وسلم بهذه المغيَّبات التي لم تكُنْ من علم العَرَب، ولا وقعتْ إلا في خفيِّ علْمِ بني إسرائيل دليلٌ واضحٌ عند بني إسرائيل، وقائم/ عليهم بنبوءة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم.

٢٠ أوموسى: اسم أَعْجميٌّ، قال ابن إِسحاقَ: هو مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهرَ بْنِ قَاهَثَ بْنِ لاَوى بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الخليل صلّى الله عليه وسلم «١» .

وخص الليالي بالذكْرِ في قوله تعالى: وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً إِذ الليلة أقدم من اليوم، وقبله في الرتبة، ولذلك وقع بها التاريخُ، قال النقَّاش: وفي ذلك إشارة إلى صلة الصوم لأنه لو ذكر الأيام، لأَمْكَن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل، فلما نصَّ على الليالي، اقتضت قوة الكلام أنه عليه السلام واصل أربعين ليلةً بأيامها.

قال ع «٢» : حدثني أبي- رضي الله عنه- قال: سمعتُ الشيخَ الزاهد الإِمام الواعظَ أبا الفضل بْنَ الجوهَرِيِّ- رحمه اللَّه- يعظُ النَّاسَ بهذا المعنى في الخلوة باللَّه سبحانه، والدنوِّ منه في الصلاة، ونحوه، وأنَّ ذلك يشغل عن كل طعامٍ وشرابٍ، ويقول:

أين حال موسى في القرب من اللَّه، ووصالِ ثمانين من الدهْرِ من قوله، حين سار إلى الخَضِرِ لفتاه في بعض يوم: آتِنا غَداءَنا [الكهف: ٦٢] .

ت: وأيضاً في الأثر أنَّ موسى لم يصبه، أو لم يشك ما شكاه من النَّصَب حتى جاوز الموضع الذي وعد فيه لقاء الخَضِرِ عليهما السلام.

قال ع «٣» : وكل المفسِّرين على أن الأربعين كلَّها ميعاد.

وقوله تعالى: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ أي: إلهاً، والضمير في بَعْدِهِ يعود على موسى، وقيل: على انطلاقه للتكليمِ إذ المواعدة تقتضيه، وقصص هذه الآية أن موسى عليه السلام، لما خرج ببني إسرائيل من مصْرَ، قال لهم: إن اللَّه تعالى سينجِّيكم من آل فرعَوْنَ، وينفلكم حُلِيَّهُمْ، ويروى أن استعارتهم للحُلِيِّ كانت بغير إذن موسى- عليه

السلام- وهو الأشبه به، ويؤيِّده ما في سورة طه في قولهم لموسى: وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً [طه: ٨٧] ، فظاهرُهُ أنهم أخبروه بما لم يتقدَّم له به شعورٌ، ثم قال لهم موسى: إنه سينزل اللَّه عليَّ كتابًا فيه التحليلُ والتحريمُ والهدى لكم، فلما جازوا البحر، طلبوا موسى بما قال لهم من أمر الكتاب، فخرج لميعاد ربه وحده، وقد أعلمهم بالأربعين ليلةً، فعدوا عشرين يوماً بعشرين ليلة، وقالوا: هذه أربعون من الدهر، وقد أَخْلَفَنَا المَوْعِدَ، وبدا تعنُّتهم وخلافُهم، وكان السامريُّ رجلاً من بني إسرائيل يسمى موسى بْنَ ظفر، ويقال: إِنه ابْنُ خالِ موسى، وقيل: لم يكن من بني إسرائيل، بل كان غريباً فيهم، والأول أصحُّ، وكان قد عرف جبريلَ عليه السلام وقت عبورهم، قالت طائفة: أنكَرَ هَيْئَتَهُ، فعرف أنه ملَكٌ، وقالت طائفة: كانت أم السامريِّ ولدته عام الذبْحِ، فجعلته في غَارٍ وأطبقت عليه، فكان جبريل عليه السلام يَغْذُوهُ بأصبع نفسه، فيجد في أصبع لَبَناً وفي أصبع عَسَلاً، وفي أصبع سَمْناً، فلما رآه وقت جواز البحْرِ، عرفه، فأخذ من تحت حافرِ فرسه قبضةَ ترابٍ، وألقى في روعِهِ أنه لن يلقيها على شيء، ويقول له: كن كذا إلا كان، فَلَمَّا خرج موسى لميعاده، قال هارون لبنِي إسرائيل: إِن ذلك الحُلِيَّ والمتاعَ الذي استعرتم من القِبْط لا يحلُّ لكم، فَجِيئوا به حتى تأكله النار التي كانت العادةُ أن تنزل على القرابين.

وقيل: بل أوقد لهم ناراً، وأمرهم بطرح جميعِ ذلك فيها، فجعلوا يطرحون.

وقيل: بل أمرهم أن يضعوه في حُفْرة دُون نار حتى يجيء موسى، وروي، وهو الأصحُّ الأكثر أنه ألقى الناسُ الحُلِيَّ في حفرة، أو نحوِها، وجاء السامريُّ، / فطرح القبضة، وقال: كن عجلاً.

وقيل: إن السامريَّ كان في أصله من قوم يعبدون البقر، وكان يعجبه ذلك.

وقيل: بل كانت بنو إسرائيل قد مرَّت مع موسى على قوم يعبدون البَقَرَ.

ت: والذي في القرآن: يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ [الأعراف: ١٣٨] ، قيل:

كانت على صور البقر، قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: ١٣٨] ، فوعاها السامريُّ، وعلم أن من تلك الجهة يفتنون، ففتنت بنو إسرائيل بالعجل، وظلَّت منهم طائفةٌ يعبدونه، فاعتزلهم هارونُ بمن تبعه، فجاء موسى من ميعاده، فغضب حسبما يأتي قصصه في مواضعه، إن شاء اللَّه تعالى، ثم أوحى اللَّه إِليه أنه لن يتوب على بني إِسرائيل حتى يقتلوا أنفسهم، ففعلَتْ بنو إِسرائيل ذلك، فروي أنهم لبسوا السلاح مَنْ عَبَدَ منهم، ومن لم يَعْبُد، وألقى اللَّه عليهم الظلام، فقتل بعضهم بعضاً، يقتل الأب ابنه،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ الكِتابُ: التَّوْراةُ.

وفي الفُرْقانِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ النَّصْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ ما في التَّوْراةِ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَيَكُونُ الفُرْقانُ نَعْتًا لِلتَّوْراةِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الكِتابُ، فَكَرَّرَهُ بِغَيْرِ اللَّفْظِ.

قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: فَألْقى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا وَقالَ عَنْتَرَةُ: أقْوى وأفْقَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، واخْتِيارُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ فَرَقَ البَحْرَ لَهم، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، وابْنُ القاسِمِ.

والخامِسُ: أنَّهُ القُرْآَنُ.

ومَعْنى الكَلامِ: لَقَدْ آَتَيْنا مُوسى الكِتابَ، ومُحَمَّدًا الفُرْقانَ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وهو قَوْلُ قُطْرُبٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ عَفَوْنا عنكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ "فَرَقْنا" مَعْناهُ: جَعَلْناهُ فَرَّقا، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "فَرَّقْنا" بِتَشْدِيدِ الراءِ، ومَعْنى "بِكُمُ" بِسَبَبِكُمْ، وقِيلَ: لَمّا كانُوا بَيْنَ الفَرْقِ وقْتَ جَوازِهِمْ فَكَأنَّهُ بِهِمْ فَرْقٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ لَكُمْ، والباءُ عِوَضُ اللامِ، وهَذا ضَعِيفٌ.

و"البَحْرُ" هو بَحْرُ القُلْزُمِ، ولَمْ يَفْرِقِ البَحْرَ عَرْضا جَزَعًا مِن ضَفَّةٍ إلى ضَفَّةٍ، وإنَّما فَرَقَ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ في ضَفَّةٍ واحِدَةٍ، وكانَ ذَلِكَ الفَرْقُ بِقُرْبِ مَوْضِعِ النَجاةِ، ولا يَلْحَقُ في البِرِّ إلّا في أيّامٍ كَثِيرَةٍ بِسَبَبِ جِبالٍ وأوعارٍ حائِلَةٍ.

وذَكَرَ العامِرِيُّ أنَّ مَوْضِعَ خُرُوجِهِمْ مِنَ البَحْرِ كانَ قَرِيبًا مِن بَرِّيَّةِ فِلَسْطِينَ وهي كانَتْ طَرِيقَهم.

وقِيلَ: انْفَلَقَ البَحْرُ عَرَضًا، وانْفَرَقَ البَحْرُ عَلى اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا، طَرِيقٌ لِكُلِّ سِبْطٍ، فَلَمّا دَخَلُوها قالَتْ كُلُّ طائِفَةٍ: غَرِقَ أصْحابُنا، وجَزِعُوا، فَقالَ مُوسى: اللهُمَّ أعِنِّي عَلى أخْلاقِهِمُ السَيِّئَةِ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنْ أدِرْ عَصاكَ عَلى البَحْرِ، فَأدارَها فَصارَ في الماءِ فُتُوحٌ كالطاقِ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا وجازَوْا، وجِبْرِيلُ  في ساقَتِهِمْ عَلى ماذَيانَةَ يُحِثُّ بَنِي إسْرائِيلَ ويَقُولُ لِآلِ فِرْعَوْنَ: مَهْلًا حَتّى يَلْحَقَ آخِرُكم أوَّلَكُمْ، فَلَمّا وصَلَ فِرْعَوْنُ إلى البَحْرِ أرادَ الدُخُولَ فَنَفَرَ فَرَسُهُ، فَتَعَرَّضَ لَهُ جِبْرِيلُ بِالرَمْكَةِ فاتَّبَعَها الفَرَسُ، ودَخَلَ آلُ فِرْعَوْنَ ومِيكائِيلُ يَحُثُّهُمْ، فَلَمّا لَمْ يَبْقَ إلّا مِيكائِيلُ في ساقَتِهِمْ عَلى الضَفَّةِ وحْدَهُ انْطَبَقَ البَحْرُ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا.

و"تَنْظُرُونَ" قِيلَ: مَعْناهُ بِأبْصارِكم لِقُرْبِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ بِبَصائِرِكم لِلِاعْتِبارِ، لِأنَّهم كانُوا في شُغْلٍ عَنِ الوُقُوفِ، والنَظَرِ بِالأبْصارِ، وقِيلَ: إنَّ آلَ فِرْعَوْنَ طَفَوا عَلى الماءِ فَنَظَرُوا إلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى وأنْتُمْ بِحالِ مَن يَنْظُرُ لَوْ نَظَرَ، كَما تَقُولُ: هَذا الأمْرُ مِنكَ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ، أيْ بِحالٍ تَراهُ وتَسْمَعُهُ إنْ شِئْتَ.

قالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وفي إخْبارِ القُرْآنِ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ  بِهَذِهِ المُغَيَّباتِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مِن عِلْمِ العَرَبِ، ولا وقَعَتْ إلّا في خَفِيِّ عِلْمِ بَنِي إسْرائِيلَ دَلِيلٌ واضِحٌ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ، وقائِمٌ عَلَيْهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "واعَدْنا"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو "وَعَدْنا"، ورَجَّحَهُ أبُو عُبَيْدٍ، وقالَ: إنَّ المُواعَدَةَ لا تَكُونُ إلّا مِنَ البَشَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ هَذا بِصَحِيحٍ لِأنَّ قَبُولَ مُوسى لِوَعْدِ اللهِ والتِزامِهِ وارْتِقابِهِ يُشْبِهُ المُواعَدَةَ.

و"مُوسى" اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا يَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ والتَعْرِيفِ، والقِبْطُ عَلى ما يُرْوى يَقُولُونَ لِلْماءِ: مُو، ولِلشَّجَرِ: سا، فَلَمّا وجَدَ " مُوسى " في التابُوتِ عِنْدَ ماءٍ وشَجَرٍ سُمِّيَ ( مُوسى ).

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنِ يَصْهُرَ بْنِ قاهِتِ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ.

ونُصِبَ "أرْبَعِينَ" عَلى المَفْعُولِ الثانِي، ولا يَجُوزُ نَصْبُها عَلى الظَرْفِ في هَذا المَوْضِعِ، وهي فِيما رُوِيَ ذُو القِعْدَةِ وعَشَرُ ذِي الحِجَّةِ.

وخَصَّ اللَيالِي بِالذِكْرِ دُونَ الأيّامِ، إذِ اللَيْلَةُ أقْدَمُ مِنَ اليَوْمِ، وقَبْلَهُ في الرُتْبَةِ ولِذَلِكَ وقَعَ بِها التارِيخُ.

قالَ النَقّاشُ: وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى صِلَةِ الصَوْمِ، لِأنَّهُ لَوْ ذَكَرَ الأيّامَ لَأمْكَنَ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ كانَ يُفْطِرُ بِاللَيْلِ، فَلَمّا نَصَّ عَلى اللَيالِي اقْتَضَتْ قُوَّةُ الكَلامِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ واصَلَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً بِأيّامِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: حَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ: سَمِعْتُ الشَيْخَ الزاهِدَ الإمامَ الواعِظَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ يَعِظُ الناسَ بِهَذا المَعْنى في الخَلْوَةِ بِاللهِ، والدُنُوِّ مِنهُ في الصَلاةِ ونَحْوِهِ، وأنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُ عن كُلِّ طَعامٍ وشَرابٍ، ويَقُولُ: أيْنَ حالُ مُوسى في القُرْبِ مِنَ اللهِ، ووِصالِ ثَمانِينَ مِنَ الدَهْرِ مِن قَوْلِهِ -حِينَ سارَ إلى الخَضِرِ - لِفَتاهُ في بَعْضِ يَوْمٍ: "آتِنا غَداءَنا"؟

وكُلُّ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الأرْبَعِينَ كُلَّها مِيعادٌ.

وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: وعَدَهُ رَأْسَ الأرْبَعِينَ لَيْلَةً، وهَذا ضَعِيفٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ ﴾ ، قَرَأ أكْثَرُ السَبْعَةِ بِالإدْغامِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ بِإظْهارِ الذالِ.

وثُمَّ لِلْمُهْلَةِ، ولِتَدُلَّ عَلى أنَّ الِاتِّخاذَ بَعْدَ المُواعَدَةِ.

واتَّخَذَ وزْنُهُ افْتَعَلَ مِنَ الأخْذِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو مِن "تَخِذَ" لا مِن "أخَذَ" وأنْشَدَ المُمَزَّقُ: وقَدْ تَخِذْتُ رِجْلِي إلى جَنْبٍ غَرَزَها نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ القَطاةِ المُطْرَقِ ونُصِبَ "العِجْلَ" بـِ "اتَّخَذْتُمُ"، والمَفْعُولُ الثانِي مَحْذُوفٌ: اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ إلَهًا، واتَّخَذَ قَدْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَسُولِ سَبِيلا  ﴾ ، وقَدْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ أحَدُهُما هو الآخَرُ في المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً  ﴾ ، وكَهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، والضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" يَعُودُ عَلى مُوسى، وقِيلَ: عَلى انْطِلاقِهِ لِلتَّكْلِيمِ، إذِ المُواعَدَةُ تَقْتَضِيهِ، وقِيلَ: عَلى الوَعْدِ.

وَقَصَصُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ مُوسى  لَمّا خَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ قالَ لَهُمْ: إنَّ اللهَ تَعالى سَيُنْجِيكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ويُنِيلُكم حُلِيَّهم ومَتاعَهُمُ الَّذِي كانَ أمَرَهم بِاسْتِعارَتِهِ، ورُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَعارُوهُ بِرَأْيِهِمْ، فَنَفَّلَهُمُ اللهُ ذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ، وقالَ لَهم مُوسى عَنِ اللهِ تَعالى: إنَّهُ يُنْزِلُ عَلَيَّ كِتابًا فِيهِ التَحْلِيلُ والتَحْرِيمُ والهُدى لَكُمْ، فَلَمّا جاوَزُوا البَحْرَ طالَبُوا مُوسى بِما قالَ لَهم مِن أمْرِ الكِتابِ، فَخَرَجَ لِمِيعادِ رَبِّهِ وحْدَهُ، وقَدْ أعْلَمَهم بِالأرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَعَدُّوا عِشْرِينَ يَوْمًا بِعِشْرِينَ لَيْلَةٍ، ثُمَّ قالُوا: هَذِهِ أرْبَعُونَ مِنَ الدَهْرِ، وقَدْ أخْلَفْنا المَوْعِدَ، وبَدا تَعَنُّتُهم وخِلافُهُمْ، وكانَ السامِرِيُّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُسَمّى مُوسى بْنُ ظُفَرٍ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، كانَ غَرِيبًا فِيهِمْ، وكانَ قَدْ عَرَفَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ وقْتَ عَبْرِهِمُ البَحْرَ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: أنْكَرَ هَيْئَتَهُ فَعَرَفَ أنَّهُ مَلَكَ.

وقالَ طائِفَةٌ: كانَتْ أُمُّ السامِرِيِّ ولَدَتْهُ عامَ الذَبْحِ فَجَعَلَتْهُ في غارٍ وأطْبَقَتْ عَلَيْهِ، فَكانَ جِبْرِيلُ  يَغْذُوهُ بِأصابِعِ نَفْسِهِ، فَيَجِدُ في إصْبَعٍ لَبَنًا، وفي إصْبَعٍ عَسَلًا، وفي إصْبَعٍ سَمْنًا، فَلَمّا رَآهُ وقْتَ جَوازِ البَحْرِ عَرَفَهُ فَأخَذَ مِن تَحْتِ حافِرِ فَرَسِهِ قَبْضَةَ تُرابٍ وأُلْقِي في رُوعِهِ أنَّهُ لَنْ يُلْقِيَها عَلى شَيْءٍ ويَقُولَ لَهُ: كُنْ إلّا كانَ، فَلَمّا خَرَجَ مُوسى لِمِيعادِهِ، قالَ هارُونُ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الحُلِيَّ والمَتاعَ الَّذِي اسْتَعَرْتُمْ مِنَ القِبْطِ لا يَحِلُّ لَكُمْ، فَجِيئُوا بِهِ حَتّى تَأْكُلَهُ النارُ الَّتِي كانَتِ العادَةُ أنْ تَنْزِلَ عَلى القَرابِينِ.

وقِيلَ: بَلْ أوقَدَ لَهم نارًا، وأمَرَهم بِطَرْحِ جَمِيعِ ذَلِكَ فِيها، فَجُعِلُوا يُطْرَحُونَ، وقِيلَ: بَلْ أمَرَهم أنْ يَضَعُوهُ في حُفْرَةٍ دُونَ نارٍ حَتّى يَجِيءَ مُوسى، وجاءَ السامِرِيُّ فَطَرَحَ القَبْضَةَ وقالَ: كُنْ عِجْلًا.

وقِيلَ: إنَّ السامِرِيَّ كانَ في أصْلِهِ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، وكانَ يُعْجِبُهُ ذَلِكَ، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ قَدْ مَرَّتْ مَعَ مُوسى عَلى قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ فَقالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ، فَوَعاها السامِرِيُّ، وعَلِمَ أنَّ مِن تِلْكَ الجِهَةِ يُفْتَنُونَ، فَفُتِنَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بِالعِجْلِ، وظَلَّتْ مِنهم طائِفَةٌ يَعْبُدُونَهُ، فاعْتَزَلَهم هارُونُ بِمَن تَبِعَهُ، فَجاءَ مُوسى مِن مِيعادِهِ فَغَضِبَ حَسْبَما يَأْتِي قَصَصُهُ في مَواضِعِهِ مِنَ القُرْآنِ إنْ شاءَ اللهُ، ثُمَّ أوحى اللهُ إلَيْهِ أنَّهُ لَنْ يَتُوبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ حَتّى يَقْتُلُوا أنْفُسَهم فَفَعَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ذَلِكَ.

فَرُوِيَ أنَّهم لَبِسُوا السِلاحَ مَن عَبَدَ مِنهم ومَن لَمْ يَعْبُدْ، وألْقى اللهُ عَلَيْهِمُ الظَلّامَ فَقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، يَقْتُلُ الأبُ ابْنَهُ والأخُ أخاهُ، فَلَمّا اسْتَحَرَّ فِيهِمُ القَتْلُ وبَلَغَ سَبْعِينَ ألْفًا عَفا اللهُ عنهُمْ، وجَعَلَ مَن ماتَ مِنهم شَهِيدًا، وتابَ عَلى البَقِيَّةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ عَفَوْنا عنكُمْ ﴾ .

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: وقَفَ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ صَفًّا، ودَخَلَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوهُ عَلَيْهِمْ بِالسِلاحِ فَقَتَلُوهم.

وقالَتْ طائِفَةٌ: جَلَسَ الَّذِينَ عَبَدُوا بِالأفْنِيَةِ، وخَرَجَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ يُنادِي: مَلْعُونٌ مَن حَلَّ حَبْوَتَهُ وجَعَلَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا يَقْتُلُونَهُمْ، ومُوسى في خِلالِ ذَلِكَ يَدْعُو لِقَوْمِهِ، ويَرْغَبُ في العَفْوِ عنهُمْ، وإنَّما عُوقِبَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ عَلى أحَدِ الأقْوالِ، أو بِقَتْلِ قَرابَتِهِمْ عَلى الأقْوالِ الأُخَرِ لِأنَّهم لَمْ يُغَيِّرُوا المُنْكَرَ حِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، وإنَّما اعْتَزَلُوا، وكانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُقاتِلُوا مَن عَبَدَهُ.

﴿ وَأنْتُمْ ظالِمُونَ ﴾ ، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الظُلْمِ.

والعَفْوُ تَغْطِيَةُ الأثَرِ، وإذْهابُ الحالِ الأُولى مِنَ الذَنْبِ أو غَيْرِهِ، ولا يُسْتَعْمَلُ العَفْوُ بِمَعْنى الصَفْحِ إلّا في الذَنْبِ، وعَفا عنهم عَزَّ وجَلَّ، أيْ: عَمَّنْ بَقِيَ مِنهم لَمْ يُقْتَلْ.

و"لَعَلَّكُمْ"، تَرَجٍّ لَهم في حَقِّهِمْ وتَوَقُّعٌ مِنهُمْ، لا في حَقِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ ما يَكُونُ مِنهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ آتَيْنا مُوسى ﴾ الآيَةُ، "إذْ" عَطْفٌ عَلى ما ذَكَرَ مِنَ النِعَمِ، و"الكِتابَ" هو التَوْراةُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، واخْتَلَفَ في "الفُرْقانَ" هُنا فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هو التَوْراةُ كَرَّرَ المَعْنى لِاخْتِلافِ اللَفْظِ، ولِأنَّهُ زادَ مَعْنى التَفْرِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ولَفْظَةُ الكِتابِ لا تُعْطِي ذَلِكَ.

وقالَ آخَرُونَ: الكِتابُ التَوْراةُ، و"الفُرْقانُ" سائِرُ الآياتِ الَّتِي أُوتِيَ مُوسى  ، لِأنَّها فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.

وقالَ آخَرُونَ: "الفُرْقانُ" النَصْرُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ آلِ فِرْعَوْنَ بِالنَجاةِ والغَرَقِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الفُرْقانُ" انْفِراقُ البَحْرِ لَهُ، حَتّى صارَ فَرْقًا، وقالَ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ، ومُحَمَّدًا الفُرْقانَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.

﴿ وَلَعَلَّكم تَهْتَدُونَ  ﴾ تَرَجٍّ وتَوَقُّعٌ مِثْلُ الأوَّلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا تذكير بنعمة نزول الشريعة التي بها صلاح أمورهم وانتظام حياتهم وتأليف جماعتهم مع الإشارة إلى تمام النعمة وهم يعدونها شعار مجدهم وشرفهم لسعة الشريعة المنزلة لهم حتى كانت كتاباً فكانوا به أهل كتاب أي أهل علم تشريع.

والمراد من (الكتاب) التوراة التي أوتيها موسى فالتعريف للعهد، ويعتبر معها ما ألحق بها على نحو ما قدمناه في قوله تعالى: ﴿ ذلك الكتاب ﴾ [البقرة: 2].

والفرقان مصدر بوزن فعلان مشتق من الفرق وهو الفصل استعير لتمييز الحق من الباطل فهو وصف لغوي للتفرقة فقد يطلق على كتاب الشريعة وعلى المعجزة وعلى نصر الحق على الباطل وعلى الحجة القائمة على الحق وعلى ذلك جاءت آيات ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ﴾ [الفرقان: 1] ﴿ ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ﴾ [الأنبياء: 48] فلعله أراد المعجزات لأن هارون لم يؤت وحياً وقال: ﴿ يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ﴾ [الأنفال: 41] يعني يوم النصر يوم بدر وقال: ﴿ وأنزل الفرقان ﴾ [آل عمران: 4] عطفاً على ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق وأنزل التوراة والإنجيل ﴾ [آل عمران: 3] الآية.

والظاهر أن المراد به هنا المعجزة أو الحجة لئلا يلزم عطف الصفة على موصوفها إن أريد بالفرقان الكتاب الفارق بين الحق والباطل والصفة لا يجوز أن تتبع موصوفها بالعطف ومن نظر ذلك بقول الشاعر: إلى الملك القرم وابن الهمام *** وليث الكتيبة في المزدحم فقد سها لأن ذلك من عطف بعض الصفات على بعض لا من عطف الصفة على الموصوف كما نبه عليه أبو حيان.

وقوله: ﴿ لعلكم تهتدون ﴾ هو محل المنة لأن إتيان الشريعة لو لم يكن لاهتدائهم وكان قاصراً على عمل موسى به لم يكن فيه نعمة عليهم.

والقول في ﴿ لعلكم تهتدون ﴾ كالقول في ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ [البقرة: 52] السابق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ : أمّا مُوسى، فاسْمٌ يَجْمَعُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ بِالقِبْطِيَّةِ وهُما: ماءٌ وشَجَرٌ، فَـ(مُو) هو الماءُ، و(سا) هو الشَّجَرُ، وإنَّما سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ الجامِعِ لِهاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ، لِما ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ مِن أنَّ أُمَّهُ لَمّا خافَتْ عَلَيْهِ جَعَلَتْهُ في التّابُوتِ، وألْقَتْهُ في اليَمِّ، كَما أُوحِيَ إلَيْها، فَألْقاهُ بَيْنَ أشْجارٍ عِنْدَ بَيْتِ فِرْعَوْنَ، فَخَرَجَتْ حَوارِيُّ آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَغْتَسِلْنَ، فَوَجَدْنَهُ، فَسُمِّيَ بِاسْمِ المَكانِ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وهو مُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ فاهِتَ بْنِ لاوِيَ بْنِ يَعْقُوبَ (إسْرائِيلَ) بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: لَمّا جاوَزَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ، قالَ لَهُ بَنُو إسْرائِيلَ: ألَيْسَ وعَدْتَنا أنْ تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى؟

فَوَعَدَهُ اللَّهُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، ووَعَدَها بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ أبُو العالِيَةِ: هي ذُو القِعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ، ثُمَّ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ اللَّيالِي دُونَ الأيّامِ، وإنْ كانَتِ الأيّامُ تَبَعًا مَعَها، لِأنَّ أوَّلَ الشُّهُورِ اللَّيالِي، فَصارَتِ الأيّامُ لَها تَبَعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ ﴾ يَعْنِي اتَّخَذْتُمُوهُ إلَهًا مِن بَعْدِ خُرُوجِ مُوسى إلى المِيقاتِ، واسْتِخْلافِهِ هارُونَ عَلَيْهِمْ.

وَسَبَبُ ذَلِكَ فِيما ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ، أنَّ السّامِرِيَّ كانَ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، فَكانَ حُبُّ ذَلِكَ في نَفْسِهِ بَعْدَ إظْهارِهِ الإسْلامَ، وكانَ قَدْ عَرَفَ جِبْرِيلَ لِأنَّ أُمَّهُ حِينَ خافَتْ عَلَيْهِ أنْ يُذْبَحَ خَلَّفَتْهُ في غارٍ، وأطْبَقَتْ عَلَيْهِ، وكانَ جِبْرِيلُ يَأْتِيهِ، فَيَغْذُوهُ بِأصابِعِهِ، فَلَمّا رَآهُ حِينَ عَبَرَ البَحْرَ عَرَفَهُ، فَقَبَضَ قَبْضَةً مِن أثَرِ فَرَسِهِ، وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ: ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ ) ولَمْ تَزَلِ القَبْضَةُ في يَدِهِ، حَتّى فَصَلَ مُوسى إلى رَبِّهِ، وخَلَّفَ هارُونَ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ لَهم هارُونُ: قَدْ تَحَمَّلْتُمْ أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ، يَعْنِي أمْتِعَةً وحُلِيًّا، فَتَطَهَّرُوا مِنها فَإنَّها نَجَسٌ، فَأوْقَدَ لَهم نارًا، وأمَرَهم بِقَذْفِ ما كانَ مَعَهم فَفَعَلُوا، فَأقْبَلَ السّامِرِيُّ إلى النّارِ وقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ أُلْقِي ما في يَدِي؟

قالَ: نَعَمْ، وهو يَظُنُّ أنَّهُ حُلِيٌّ، فَقَذَفَهُ، وقالَ: كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ.

واخْتَلَفُوا: هَلْ صارَ حَيَوانًا لَحْمًا ودَمًا أمْ لا؟

فَقالَ الحَسَنُ: انْقَلَبَ حَيَوانًا لَحْمًا ودَمًا، وقالَ غَيْرُهُ لا يَجُوزُ لِأنَّ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّتِي لا يُظْهِرُها إلّا لِمُعْجِزَةِ نَبِيٍّ، وإنَّما جَعَلَ فِيهِ خُرُوقًا تَدْخُلُها الرِّيحُ، فَيَحْدُثُ فِيهِ صَوْتٌ كالخُوارِ.

وَدافَعَ مَن تابَعَ الحَسَنَ عَلى قَوْلِهِ هَذا، بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قالَ: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى، فَقَدْ أبْطَلَ عَلى نَفْسِهِ أنْ يَدَّعِيَ بِذَلِكَ إعْجازَ الأنْبِياءِ، فَجازَ أنْ يَصِحَّ ذَلِكَ مِنهُ امْتِحانًا.

والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ في غَيْرِ زَمانِ الأنْبِياءِ، ويَجُوزُ في زَمانِ الأنْبِياءِ، لِأنَّهم يُظْهِرُونَ إبْطالَهُ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ في زَمانِ نَبِيَّيْنِ.

واخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِهِ عِجْلًا: فَقالَ أبُو العالِيَةِ: لِأنَّهم عَجِلُوا، فاتَّخَذُوهُ إلَهًا، قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهم مُوسى، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ صارَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ.

ثُمَّ إنَّهم عَكَفُوا عَلى العِجْلِ يَعْبُدُونَهُ، فَقالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ: يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ، وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ، فاتَّبِعُونِي، وأطِيعُوا أمْرِي، قالُوا: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ، حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ  ﴾ : أمّا (إذْ) فاسْمٌ لِلْوَقْتِ الماضِي، و(إذا) اسْمٌ لِلْوَقْتِ المُسْتَقْبَلِ، و(الكِتابُ) هو التَّوْراةُ.

وَفي الفُرْقانِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الفُرْقانَ هو الكِتابُ فَذَكَرَهُ بِاسْمَيْنِ تَأْكِيدًا، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: أنَّ الفُرْقانَ: ما في التَّوْراةِ مِن فَرْقٍ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نَعْتًا لِلتَّوْراةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي العالِيَةِ.

والثّالِثُ: أنَّ الفُرْقانَ النَّصْرُ، الَّذِي فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ، حَتّى أنْجى مُوسى وقَوْمَهُ، وأغْرَقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، وهَذا قَوْلُ أبِي زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّ الفُرْقانَ: انْفِراقُ البَحْرِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، حَتّى عَبَرُوا فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان ﴾ قال: الكتاب هو الفرقان، فرق بين الحق والباطل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: الفرقان جماع اسم التوراة والإِنجيل والزبور والفرقان.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ ﴾ الآية.

الفرقان: مصدر فرَقت بين الشيئين أفرُق فَرْقًا وفُرْقانًا، كالرجحان والنقصان، هذا هو الأصل (١) ﴿ يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ  ﴾ ، لأنه فرق في ذلك اليوم بين الحق والباطل، فكان ذلك اليوم يوم الفرقان (٢) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا  ﴾ ، أي: يفرق بينكم وبين ذنوبكم، أو بينكم وبين ما تخافون (٣) فأما (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) وقال عنترة: أَقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ (٩) وارتضى الزجاج هذا القول، قال (١٠) ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ  ﴾ .

فعلى هذا الفرقان هو الكتاب، والكتاب هو الفرقان، ولكن ذكر بلفظين مختلفين نحو ما ذكرنا.

قال الزجاج: ويجوز أن يريد بالفرقان انفراق البحر (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥)  : فَثَبَّتَ اللهُ مَا آتاكَ (١٦) (١٧) فعلى هذا سمى نصره على فرعون وقومه فرقانًا؛ لأن في ذلك فرقًا بين الحق والباطل.

وقال الكسائي: الفرقان نعت للكتاب، يريد: وإذا آتينا موسى الكتاب الفرقان، أي (١٨) (١٩) إِلَى المَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الهُمَامِ ...

وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ في المُزْدَحَم (٢٠) وقال قطرب: أراد بالفرقان: القرآن، وفي الآية إضمار معناه: وإذ آتينا موسى الكتاب ومحمدا الفرقان، لعلكم تهتدون بهذين الكتابين، فترك أحد الاسمين (٢١) تَرَاهُ كَأَنَّ اللهَ يَجْدَعُ أَنْفَهُ ...

وَعَيْنَيْهِ إِنْ مَوْلاَهُ ثَابَ لَهُ وَفْرُ (٢٢) أراد ويفقأ عينيه، فاكتفى بـ (يجدع) من يفقأ (٢٣) قال ابن الأنباري: هذا البيت لا يشاكل ما احتج به؛ لأن الشاعر اكتفى بفعل من فعل، وعلى ما ذكر في الآية اكتفى من اسم باسم (٢٤) (٢٥)  فحذف اتكالًا على علم المخاطبين (٢٦) (١) انظر: "الصحاح" (فرق) 4/ 1540، "اللسان" (فرق) 6/ 3399.

(٢) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 43، 44، 1/ 285 "معاني القرآن" للزجاج 2/ 461، "تهذيب اللغة" (فرق) 3/ 2779، "الصحاح" (فرق) 4/ 1541، "اللسان" (فرق) 6/ 3399.

(٣) ذكر الطبري في المراد بالفرقان ثلاثة أقوال: مخرجها، أو نجاة، أو فصلا، 13/ 488.

(٤) في (ب): (وأما).

(٥) ذكره الطبري في "تفسيره" عن مجاهد وعن ابن عباس وأبي العالية ورجحه 2/ 70، 71، وكذا "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 350، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 225، "تفسير الثعلبي" 1/ 73 أ، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 216، والبغوي في "تفسيره" 1/ 73، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 81، "تفسير ابن كثير" 1/ 97.

(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 أ، وذكر الفراء في المراد بالفرقان عدة أقوال، والقول المذكور هنا أحد الأقوال.

انظر "معاني القرآن" 1/ 37.

(٧) في (ب): (اختلف).

(٨) سبق البيت وتخريجه، والشاهد هنا قوله: (كذبًا ومينًا) فعطف المين على الكذب، وهو بمعناه.

(٩) البيت من معلقة عنترة المشهورة وصدره: حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ (الطلل): ما شخص من الدار من وتد وغيره، (تقادم): طال عهده بأهله فتغير، (أقوى): خلا من أهله، ورد البيت في "تهذيب اللغة" (شرع) 2/ 1857، "اللسان" (شرع) 4/ 2238، "تفسير الثعلبي" 1/ 73 أ، "تفسير القرطبي" 1/ 341، "الدر المصون" 1/ 358، "فتح القدير" 1/ 135، و"ديوان عنترة" ص 189.

(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 105.

(١١) لم أجد هذا القول في "معاني القرآن" للزجاج، وممن نسبه للزجاج ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 81، وهذا القول ذكره الفراء في "المعاني" 1/ 37، وأبو الليث في "تفسيره" 1/ 354، انظر: "تفسير ابن عطية" ونسبه لابن زيد 1/ 295، "تفسير القرطبي" 1/ 341.

(١٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 أ، والبغوي في "تفسيره" 1/ 73.

(١٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" عن ابن == عباس وابن زيد 1/ 81، وذكر الطبري نحوه عن ابن زيد 1/ 285، وذكره أبو الليث في "تفسيره" ولم يعزه 1/ 354، وكذا ابن عطية في "تفسيره" 1/ 295.

(١٤) (نصر) ساقط من (ب).

(١٥) في (ج): (مخاطب).

(١٦) في (ب): (ما أتاك الله ما أتاك).

(١٧) البيت ليس لحسان وإنما هو لعبد الله بن رواحة كما في ديوانه ص 159، وكذلك ورد في "طبقات ابن سعد" 3/ 528، "سيرة ابن هشام" 3/ 428، "سير أعلام النبلاء" 1/ 234، و"الاستيعاب" 3/ 35، "الدر المصون" 1/ 591، "البحر المحيط" 2/ 311، 227، 6/ 84.

(١٨) في (أ): (أن) وفي (ج): (إذ).

(١٩) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 أ، وانظر "تفسير البغوي" 1/ 73، "الكشاف" 1/ 281، وذكره أبو حيان في البحر، وقال: هو ضعيف 1/ 202، وذكر الفراء نحوه ولم يعزه للكسائي، "معاني القرآن" 1/ 37.

(٢٠) سبق البيت وتخريجه في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .

(٢١) الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 أ، وذكره الزجاج في "المعاني" 1/ 104، 105، وهو قول للفراء كما في المعاني 1/ 37، وانظر: "أمالي المرتضى" 2/ 259، "تفسير ابن عطية" 1/ 296، "زاد المسير" 1/ 81، "البحر المحيط" 1/ 202.

(٢٢) البيت ينسب إلى خالد بن الطيفان، ونسبه بعضهم إلى الزبرقان بن بدر، ورد البيت في "الزاهر" 1/ 119، و"أمالي المرتضى" 2/ 259، 375، "تفسير الثعلبي" 1/ 73 أ، "الخصائص" 2/ 431، "الإنصاف" 1/ 406، "اللسان" (جدع) 1/ 567.

والوفر: المال الكثير الوافر.

(٢٣) في (ج): (فاكتفى يجدع من تفقأ).

(٢٤) في (ب)، (ج): (باسم من اسم).

وقول ابن الأنباري ذكره المرتضى في "أماليه" 2/ 260.

(٢٥) (وهو) ساقط من (ب).

(٢٦) ذكر المرتضى في أماليه نحوه ردا على قول ابن الأنباري السابق.

"أمالي المرتضى" 2/ 260.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا موسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ هي شهر ذي القعدة وعشر ذي الحجة، وإنما خصّ الليالي بالذكر لأنّ العام بها، والأيام تابعة لها، والمراد أربعين ليلة بأيامها ﴿ ثُمَّ اتخذتم العجل ﴾ اتخذتموه إلهاً، فحذف لدلالة المعنى ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ أي بعد غيبته في الطور ﴿ الكتاب ﴾ هنا التوراة ﴿ والفرقان ﴾ أي المفرق بين الحق والباطل، وهو صفة التوراة وآتينا محمداً الفرقان، وهذا بعيد لما فيه من الحذف من غير دليل عليه ﴿ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ أي يقتل بعضكم بعضاً كقوله: ﴿ سَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ ﴾ [النور: 61]، وروي أنّ الظلام ألقي عليهم فقتل بعضهم بعضاً، حتى بلغ القتلى سبعون ألفاً فعفى الله عنهم.

وإنما خص هنا اسم الباري: الخالق ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ قبله محذوف لدلالة الكلام عليه، وهو فحوى الخطاب، أي: ففعلتم ما أمرتم به من القتل فتاب عليكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سوء العذاب ﴾ و ﴿ سوء الحساب ﴾ بغير همز حيث وقعتا مفتوحتين: الأصبهاني عن ورش.

﴿ وعدنا ﴾ حيث كان أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد.

﴿ موسى ﴾ بالإمالة المفرطة كل القرآن: حمزة وعلي وخلف وعن أبي عمرو وجهان: إن جعلته "فعلى" فبالإمالة بين الفتح والكسر، وإن جعلته على "مفعل" فبالفتح لا غير ﴿ ثم اتخذتم ﴾ وبابه بالإظهار: ابن كثير وحفص والمفضل والأعشى والبرجمي.

﴿ والفرقان لعلكم ﴾ مدغماً: عباس، وكذلك يدغم إذا كان قبل النون حرف من حروف المد واللين وهي الواو والمضموم ما قبلها مثل ﴿ وتكون لكما الكبرياء ﴾ والياء المكسور ما قبلها مثل ﴿ ميثاق النبيين لما ﴾ والألف المفتوح ما قبلها مثل ﴿ وما كان لمؤمن ﴾ وما أشبه ذلك.

الوقوف: ﴿ نساءكم ﴾ (ط) ﴿ عظيم ﴾ (ه) ﴿ تنظرون ﴾ (ه) ﴿ ظالمون ﴾ (ه) ﴿ تشكرون ﴾ (ه) ﴿ تهتدون ﴾ (ه) التفسير: إنه  لما قدّم ذكر النعمة على بني إسرائيل إجمالاً أخذ في تفصيلها واحدة فواحدة ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة كأنه قال: اذكروا نعمتي، واذكروا إذ نجيناكم، وإذ فرقنا، وإذ كان كذا وكذا.

"وإذ" في جميع هذه القصص بمعنى مجرد الوقت مفعول به لـ "اذكروا" وأصل الإنجاء والتنجية التخليص، ومنه النجوة للمكان العالي لأن من صار إليه نجا أي تخلص من أن يعلوه سيل، أو لأن الموضع تخلص مما انحط عنه.

وأصل آل أهل بدليل أهيل وأهال في تحقيره وتكسيره على الأعرف، فأبدلت إلى "أءل" على خلاف القياس، ثم إلى "آل" وجوباً فالألف فيه بدل عن همزة بدل عن هاء.

ولا يستعمل الآل إلا فيمن له خطر.

يقال "آل النبي" "وآل الملك" ولا يقال: آل الحائك.

وإنما يقال أهله، وهكذا لا يقال: آل البلد وآل العلم، وإنما يقال أهلهما.

وعند الكسائي، أصله أول بدليل تصغيره على أويل، كأنهم يؤلون إلى أصل قلبت الواو ألفاً على القياس.

و ﴿ فرعون ﴾ علم لمن ملك العمالقة أولاد عمليق ابن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك الفرس، وخاقان للترك، وتبع لليمن.

واختلف في اسمه.

فابن جريج: أن اسمه مصعب بن ريان.

وابن إسحق: أنه الوليد بن مصعب.

ولم يكن من الفراعنة أغلظ وأقسى قلباً منه.

وعن وهب بن منبه: أن أهل الكتابين قالوا: إن اسمه قابوس وكان من القبط.

وقيل: إن فرعون يوسف هو فرعون موسى.

وضعف إذ كان بين دخول يوسف مصر وبين دخول موسى أكثر من أربعمائة سنة.

وقال محمد بن إسحق: هو غير فرعون يوسف وإن اسم فرعون يوسف ا لريان بن الوليد.

والمراد بآل فرعون أتباعه وأعوانه الذين عزموا على إهلاك بني إسرائيل بأمره.

ولعتوّ الفراعنة اشتقوا "تفرعن" فلان إذا عتا وتجبر.

و ﴿ يسومونكم ﴾ من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً.

قال عمرو بن كلثوم: إذا ما الملك سام الناس خســفـاً *** أبينـا أن نقــر الخســـف فينـــا وأصله من سام السلعة إذا طلبها كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب ويريدونكم عليه.

والسوء مصدر السيء يقال: أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء الفجور يراد قبحهما.

ومعنى سوء العذاب والعذاب كله سيئ أشده وأفظعه، كأنه قبحه بالإضافة إلى سائره، أو المراد عذاب من غير استحقاق، لأن العذاب بالاستحقاق حسن واختلف في سوء العذاب فابن إسحق: إنه جعلهم خدماً وخولاً وصنفهم في أعماله، فمن بان وحارث وزارع ومن لم يكن ذا عمل وضع عليه جزية يؤديها.

السدي: كان يجعلهم في الأعمال القذرة ككنس الكنيف ونحوه، ولا ريب أن كون الإنسان تحت تصرف الغير كيف شاء لا سيما إذا استعمله في الأعمال الشاقة القذرة من غير أن يأخذه بهم رأفة وإشفاق، من أشدّ العذاب، حتى إن من هذه حاله ربما يتمنى الموت.

سئل حكيم: أي شيء أصعب من الموت؟

فقال: ما يتمنى فيه الموت.

فبين  عظيم نعمته عليهم بأن نجاهم من ذلك، ثم أتبع نعمة أخرى فقال ﴿ يذبحون أبناءكم ﴾ ومعناه هم يقتلون الذكور من أولادكم دون الإناث.

والذي دعاهم إلى ذلك أمور منها: أن ذبح الأبناء يقتضي إفناء الرجال وانقطاع النسل بالآخرة.

ومنها أن هلاك الرجال يقتضي فساد معيشة النساء حتى يتمنين الموت من النكد والضر.

ومنها أن قتل الولد عقيب الحمل والكد والرجاء القوي في الانتفاع بالمولود من أعظم العذاب.

ومنها أن الأبناء أحب وأرغب من البنات ولهذا قيل: ســـروران مــالهمـــا ثـــالـــث *** حيـــاة البنيــن ومــوت البنـــات لقول النبي  "دفن البنات من المكرمات" ومنها أن بقاء النسوان بدون الذكران يوجب صيرورتهن مستفرشات للأعداء، وذلك نهاية الذل والهوان.

قال بعضهم: المراد بالأبناء الرجال ليطابق النساء، إذ النساء اسم للبالغات وهو جمع المرأة من غير لفظها.

قالوا: وإنما كان يأمر بقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج عليه والتجمع لإفساد أمره.

والأكثرون على أن المراد بالأبناء الأطفال لظاهر اللفظ، ولأنه كان يتعذر قتل جميع الرجال على كثرتهم، ولأنهم كانوا محتاجين إليهم في الأعمال الشاقة، ولأنه لو كان كذلك لم يكن لإلقاء موسى في اليم معنى.

وإنما لم يقل البنات في مقابلة الأبناء لأنهن لما لم يقتلن كن بصدد أن يبلغن، فحسن إطلاق اسم النساء عليهن مثل ﴿ إني أراني أعصر خمراً  ﴾ عن ابن عباس: أنه وقع إلى فرعون وطبقته ما كان الله وعد إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فخافوا ذلك واتفقت كلمتهم على أعداد رجال معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه، فلما رأوا أن كبارهم يموتون، والصغار يذبحون، خافوا فناءهم وأن لا يجدوا من يباشر الأعمال الشاقة، فصاروا يقتلون عاماً دون عام.

وعن السدي: أن فرعون رأى ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى استولت على بيوت مصر وأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، فدعا فرعون الكهنة وسألهم عن ذلك فقالوا: يخرج من بيت المقدس من يكون هلاك القبط على يده.

وقيل: إن المنجمين أخبروا فرعون بذلك وعينوا له السنة، فلهذا كان يقتل أبناءهم من تلك السنة.

قيل: والأقرب هو الأول، لأن المستفاد من علم النجوم والتعبير لا يكون أمراً مفصلاً، وإلا قدح ذلك في كون الإخبار عن الغيب معجزاً، بل يكون أمراً جميلاً، والظاهر من حال العاقل أن لا يقدم على هذا الأمر العظيم بسببه (قلت) كون فرعون عاقلاً ممنوع، فإن من شك في أجلى البديهيات وهو أنه ممكن الوجود، فعدّه من العقلاء لا يكون من العقل.

ثم قال ذلك القائل: لعل فرعون كان عارفاً بالله وبصدق الأنبياء إلا أنه كان كافراً كفر الجحود والعناد، أو يقال إنه كان شاكاً متحيراً في دينه وكان يجوّز صدق إبراهيم  ، وأقدم على ذلك الفعل احتياطاً.

(قلت): إذا أخبر الله  عنه بأنه قال ﴿ أنا ربكم الأعلى  ﴾ و ﴿ ما علمت لكم من إله غيري  ﴾ فلا ضرورة بنا إلى تجويز كونه عارفاً بالله وبصدق الأنبياء وجعل كفره كفر جحود ﴿ ومن أصدق من الله قيلا  ﴾ ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور  ﴾ فإن قلت: لم ذكر ﴿ يذبحون ﴾ ههنا بلا "واو"، وفي سورة إبراهيم بواو؟

فالوجه فيه أنه إذا جعل ﴿ يسومونكم سوء العذاب ﴾ مفسراً بقوله ﴿ يذبحون ﴾ فلا حاجة إلى الواو، وإذا جعل ﴿ يسومونكم ﴾ مفسراً بسائر التكاليف الشاقة سوى الذبح، وجعل الذبح شيئاً آخر احتيج إلى الواو.

وإنما جاء ههنا ﴿ يذبحون ﴾ وفي الأعراف ﴿ يقتلون ﴾ بغير واو لأنهما من كلام الله فلم يرد تعداد المحن عليهم.

والذي في إبراهيم من كلام موسى فعدّ المحن عليهم وكان مأموراً بذلك في قوله ﴿ وذكرهم بأيام الله  ﴾ وقال بعضهم: إن معنى يستحيون يفتشون حياء المرأة أي فرجها، هل بها حمل أم لا؟

وفيه تعسف.

والبلاء المحنة إن أشير بذلك إلى صنيع فرعون، والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء، والحمل على النعمة أولى لأنها هي التي يحسن إضافتها إلى الرب  ، ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله  على أسلافهم حيث عاينوا إهلاك من حاول إهلاكهم وإذلال من بالغ في إذلالهم.

وههنا نكتة، وهي أنهم كانوا في نهاية الذل، وخصمهم في غاية الاستيلاء والغلبة، إلا أنهم كانوا محقين وخصومهم مبطلين، فانقلب المحق غالباً والمبطل مغلوباً، فكأنه قيل: لا تغتروا بفقر محمد  وقلة أنصاره في الحال، فإنه سينقلب العز إلى جانبه  ، والذل إلى جانب أعدائه.

وفيه تنبيه على أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء، فليس للإنسان أن يغتر بعز الدنيا وينسى أمر الآخرة.

قال أهل الإشارة: النفس الأمارة وصفاتها الذميمة وأخلاقها الرديئة تسوم الروح الشريف ذبح أبناء الصفات الروحانية الحميدة واستحياء بعض الصفات القلبية لاستخدامهن في الأعمال القذرة الحيوانية ولا ينجيه من ذلك إلا الله  .

قوله ﴿ وإذ فرقنا ﴾ نعمة أخرى في نعمة أي فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه سالك لكم على عدد الأسباط وكانوا اثني عشر.

ومعنى بكم أنهم كانوا يسلكونه ويتفرق الماء كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما، أو يراد فرقناه بسبب إنجائكم، أو يكون حالاً أي ملتبساً بكم.

روي أنه  لما أراد غرق فرعون والقبط وبلغ بهم الحال في معلوم الله تعالى أنه لا يؤمن أحد منهم، أمر موسى بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط، إما ليخرجوا خلفهم لأجل المال، وإما لتبقى أموالهم في أيديهم.

ثم نزل جبريل وقال: أخرج ليلاً كما قال  ﴿ وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي  ﴾ وكانوا ستمائة ألف، وكل سبط خمسون ألفاً.

فلما خرجوا وبلغ الخبر فرعون قال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك.

قال الراوي: فوالله ما صاح الليلة ديك.

فلما أصبحوا دعا فرعون بشاة فذبحت ثم قال: لا أفرغ من تناول كبد هذه الشاة حتى يجتمع إليّ ستمائة ألف من القبط.

قال قتادة: فاجتمع إليه ألف ألف ومائتا ألف، كل واحدٍ منهم على فرس حصان فتبعوهم نهاراً وهو قوله ﴿ فأَتبعوهم مشرقين  ﴾ أي بعد طلوع الشمس.

فلما سار بهم موسى إلى البحر قال له يوشع: أين أمرك ربك؟

فقال له موسى: إلى أمامك.

وأشار إلى البحر - فأقحم يوشع فرسه في البحر وكان يمشي في الماء حتى بلغ الغمر، فسبح الفرس وهو عليه، ثم رجع وقال له يا موسى: أين أمرك ربك؟

فقال: البحر.

فقال: والله ما كذبت وما كذب.

ففعل ذلك ثلاث مرات فأوحى الله  إليه أن اضرب بعصاك البحر، فانشق البحر اثني عشر طريقاً.

فقال له: ادخل، وكان فيه وحل فهب الصبا نحو البحر حتى صار طريقاً يبساً، فاتخذ كل سبط منهم طريقاً ودخلوا فيه، فقالوا لنبيهم: أين أصحابنا لا نراهم؟

فقال موسى: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم.

قالوا: لا نرضى حتى نراهم.

فقال: اللهم أعني على أخلاقهم السيئة.

فأوحى إليه أن قل بعصاك هكذا، فقال بها على حيطان المياه فصارت فيها كوى فتراءوا وتسامعوا كلامهم.

ثم اتبعهم فرعون فلما بلغ شاطئ البحر رأى إبليس واقفاً فنهاه عن الدخول فهمّ بأن لا يدخل البحر، فجاء جبريل على مهرة فتقدم وهو كان على فحل، فتبعه فرس فرعون ودخل البحر، فصاح ميكائيل بهم ألحقوا آخركم بأوّلكم، فلما دخلوا البحر بالكلية أمر الله  الماء حتى نزل عليهم فذلك قوله  ﴿ وأغرقنا آل فرعون ﴾ قيل: ذلك اليوم كان يوم عاشوراء، فصام موسى  ذلك اليوم شكراً لله تعالى، ومعنى قوله ﴿ وأنتم تنظرون ﴾ أنكم ترون التطام أمواج البحر بفرعون وقومه.

وقيل: إن قوم موسى سألوا أن يريهم الله  حالهم، فسأل موسى ربه فلفظهم البحر ألف ألف ومائة ألف نفس فنظروا إليهم طافين.

وقيل: المراد وأنتم بالقرب منهم.

قال الفراء: وهو مثل قولك "لقد ضربتك وأهلك ينظرون إليك فما أغاثوك" تقول ذلك إذا قرب أهله منه وإن كانوا لا يرونه ومعناه راجع إلى العلم.

قال أهل الإشارة: البحر هو الدنيا، وماؤه شهواتها ولذاتها، وموسى القلب، وقومه صفات القلب، وفرعون النفس الأمارة، وقومه صفات النفس، والعصا عصا الذكر، فينفلق بحر الدنيا بتفليق لا إله إلا الله، وينشبك ماء شهواته يميناً وشمالاً، ويرسل الله  ريح العناية وشمس الهداية على قعر بحر الدنيا فيصير يابساً من ماء الشهوات، فيخوض موسى القلب وصفاته فيعبرونه وتنجيهم عناية الله إلى ساحل ﴿ وأَنَّ إلى ربك المنتهى  ﴾ ويغرق فرعون النفس وقومه والله  أعلم.

ولما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه، وعد الله موسى.

ونسبه: موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم  .

أن ينزل عليه التوراة وضرب له ميقاتاً ذا القعدة وعشر ذي الحجة، وإنما قيل أربعين ليلة لأن الشهور غررها بالليالي.

وقال أهل التحقيق: لأن الليلة وقت العبادة والخلوة فخصت بالذكر لشرفها.

ولعدد الأربعين خاصية لن ينكرها أهل الذوق، ولهذا جاء في الحديث "من أخلص لله أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه" والجنين يتقلب في الأطوار في الأربعينات، قال أبو العالية: وبلغنا أنه لم يحدث حدثاً في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور.

ولا بد من تقدير مضاف أي انقضاء أربعين كقولك "اليوم أربعون يوماً منذ خرج فلان" أي تمام الأربعين.

ومن قرأ ﴿ واعدنا ﴾ من المواعدة فمعناه أن الله  وعده الوحي ووعد هو المجيء للميقات إلى الطور.

وذكر الأربعين ههنا مجمل وتفصيله في الأعراف كقوله: ﴿ ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة  ﴾ فصل أولاً ثم أجمل.

ومعنى "ثم" في قوله ﴿ ثم اتخذتم ﴾ استبعاد مضمون ما بعدها عن مضمون ما قبلها وعدم مناسبته له، لأنه  لما وعد موسى حضور الميقات لإنزال التوراة عليه بحضرة السبعين تنبيهاً للحاضرين وتعريفاً للغائبين وإظهاراً لدرجة موسى وسائر بني إسرائيل، وأتوا عقيب ذلك بأشنع أنواع الجهل والكفر، كان ذلك في محل التبعيد والتعجيب كما تقول: إنني أحسنت إليك وفعلت كذا وكذا ثم إنك تقصدني بالسوء والإيذاء.

والاتخاذ افتعال من الأخذ إلا أنه أدغم بعد تليين الهمزة وإبدال التاء، ثم لما كثر استعماله على لفظ الافتعال توهموا أن التاء أصلية فبنوا منه "فعل" "يفعل" وقالوا: يخذ يتخذ، وقد أجرى اتخذ مجرى الأفعال القلبية في الدخول على المبتدأ والخبر نحو "جعل" و "صير" والتقدير: اتخذتم العجل إلهاً إلا أنه حذف الثاني للعلم به ولذكره في مواضع أخر منها في طه ﴿ فقالوا هذا الهكم وإله موسى  ﴾ وقوله من بعده من بعد مضيه إلى الطور.

قال أهل السير: لما ذهب موسى إلى الطور وكان قد بقي مع بني إسرائيل الثياب والحلي التي استعاروها من القبط، قال لهم هارون: إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم فأحرقوها، فجمعوا ناراً وأحرقوها.

وكان السامري في مسيره مع موسى  في البحر نظر إلى حافر دابة جبريل حين تقدّم في البحر، فقبض قبضة من تراب حافر تلك الدابة.

ثم إن السامري أخذ ما كان معه من الذهب وصوّر منه عجلاً وألقى فيه ذلك التراب فخرج منه صوت كأنه الخوار ﴿ فقالوا هذا الهكم وإله موسى  ﴾ فاتخذه إلهاً لأنفسهم، ولهذا وصفهم الله  بالظلم في قوله ﴿ وأنتم ظالمون ﴾ كما قال ﴿ إن الشرك لظلم عظيم  ﴾ وذلك أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والمشرك وضع أخس الأشياء مكان أشرف الموجودات.

والواو في ﴿ وأنتم ﴾ إما للحال وإما للاعتراض أي وأنتم قوم من عادتكم الظلم، وقال أهل التحقيق: إن لكل قوم عجلاً يعبدونه.

قال  "تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة" وقال "ما عبد إله أبغض إلى الله من الهوى" وفيه تقريع لليهود الذين جادلوا رسول الله  وعادوه كأنه قال: هؤلاء إنما يفتخرون بأسلافهم، ثم إن أسلافهم كانوا في البلادة والجهالة والعناد إلى هذا الحد، فكيف بهؤلاء الأخلاف؟

وتسلية للنبي  مما كان يشاهد من مشركي العرب واليهود والنصارى من الخلاف والمشاقة ﴿ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل  ﴾ وتحذير للعقلاء من الجهل والتقليد إلى هذه الغاية.

ما أفظع شأن الجهلة المقلدة، رضوا بأن يكون العجل إلهاً، وما رضوا بأن يكون البشر نبياً وقد تعجّل بعضهم لتصحيح واقعة عبدة العجل حيث استبعد وقوعها منهم مع أنهم شاهدوا تلك المعجزات الباهرة التي تكاد تكون قريبة من حد الإلجاء في الدلالة على الصانع وصدق النبي  .

إن السامري ألقى إلى القوم أن موسى  إنما قدر على ما أتى به لأنه كان يتخذ طلسمات على قوى فلكية فقال للقوم: أنا أتخذ لكم طلسماً مثل طلسمه، وروّج عليهم ذلك بأن جعله بحيث خرج منه صوت عجيب، وأطمعهم في صيرورتهم مثل موسى في إتيان الخوارق، أو لعل القوم كانوا مجسمة وحلولية فجوزوا حلول الإله في الأجسام فوقعوا في تلك الشبهة الركيكة، وههنا يظهر التفاوت بين أ مة موسى وأمة محمد  فإنهم بعد مشاهدة الآيات العظام القريبة من الأفهام عبدوا الأصنام بل الأنعام، وأمة محمد  مع أن معجزتهم القرآن الذي لا يعرف إعجازه إلا بالنظر الدقيق والبحث العميق لم يخالفوا نبيهم طرفة عين ﴿ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه  ﴾ ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله  ﴾ لا يزيغون عن سواء السبيل ولا يميلون إلى معتقدات أهل الأباطيل ﴿ مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل  ﴾ .

قوله: ﴿ ثم عفونا عنكم ﴾ أي حين تبتم بأن قتلتم أنفسكم ﴿ من بعد ذلك ﴾ الأمر العظيم الذي ارتكبتموه من اتخاذ العجل ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ نعمة العفو.

ومعنى الترجي في كلام الله  قد مر في قوله ﴿ لعلكم تتقون ﴾ الكتاب والفرقان يعني الجامع بين كونه كتاباً منزلاً وفرقاناً يفرق بين الحق والباطل يعني التوراة نحو: رأيت الغيث والليث، يريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة.

أو التوراة والبرهان الفارق بين الكفر والإيمان العصا واليد وغيرهما من الآيات، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام.

وقيل: الفرقان انفراق البحر، ولا يلزم التكرار لأنه لم يبين هناك أن ذلك لأجل موسى وفي هذه الآية بين ذلك التخصيص على سبيل التنصيص.

وقيل: النصر الذي فرق بينه وبين عدوه كقوله  ﴿ يوم الفرقان  ﴾ يعني يوم بدر.

وقيل: آتينا موسى التوراة ومحمداً الفرقان لكي تهتدوا به يا أهل الكتاب وفيه تعسف.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

يحتمل وجوها: يحتمل: ﴿ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ بمحمد  ، وذلك أن الناس كانوا على فترة من الرسل، وانقطاع من الوحي، واختلاف من الأديان والمذاهب؛ فبعث الله -  - محمداً  ؛ ليجمعهم ويدعوهم إلى دين الله، ويؤلف بينهم، ويخرجهم من الحيرة والتيه، وذلك من أعظم نعمة أنعمها عليهم، وبالله التوفيق.

وذلك أيضاً يُحْتمل فيما تقدم من الآيات.

وقوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ...

﴾ الآية [البقرة: 40].

وقوله: ﴿ وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ  ﴾ يعني: محمداً  .

وعهدُه في الأرض رسولُه، كقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي  ﴾ أي: عهدي.

وعلى ذلك قوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ  ﴾ يعني: بمحمد  .

وقوله: ﴿ وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ  ﴾ يعني: محمداً  .

وكذلك قوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ  ﴾ أَمكن تخريج هذه الآيات كلها على محمد  .

ويحتمل أيضا قوله: ﴿ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ الوجوه التي ذكرنا.

أحدها: أن جعل منكم الأنبياء والملوك؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً  ﴾ .

كما قيل: إن كل نبي من لدن يعقوب إلى زمن عيسى  كان من بني إسرائيل.

ويحتمل: ما آتاهم - عز وجل - من أنواع النعم ما لم يؤت أَحداً من العالمين؛ كقوله: ﴿ وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ  ﴾ من المن، والسلوى، وتظليل الغمام، وامتداد اللباس على قدر القامة والطول.

كما قيل: إن ثيابهم كانت تزداد وتمتد عليهم على قدر ما تزداد قامتهم، وكانت لا تُبْلَى عليهم ولا تتوسخ، وذلك مما لم يؤتِ أحداً سواهم.

ويحتمل أيضاً قوله: ﴿ نِعْمَتِيَ ﴾ أي: النجاة من فرعون وآله؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ...

﴾ الآية [البقرة: 49].

وقوله: ﴿ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ .

قيل: فُضِّلوا على جميع من على وجه الأرض؛ على الدوابِّ بالجوهر، وعلى الجن بالرسل، وعلى البشر بالإيمان.

ويَحْتمل تفضيلُهم على العالمين وجوهاً أيضاً: ما ذكرنا من بعث الأَنبياءِ منهم.

والنجاة من أيدي العدو.

وإهلاك العدو وهم يرونه.

وفَرْق البحر بهم، والنجاة منه، وإهلاك العدو فيه.

وذلك من أعظم النعم: أَن ترى عدوَّك في الهلاك وأَنت بمعزل منه آمن.

وقوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ .

يحتمل: فضَّل أَوائلهم.

وفي الآية وجهان على المعتزلة: أَحدهما: قوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ ، وعندهم: أَن جميع ما فعل مما عليه الفعل، ولو فعل غيره لكان يكون به جائزاً، فإذا كان تركه بفعله جائزاً ففعله حق عليه.

ولا أَحد يكون بفعل ما لا يجوز له الترك منعماً على أَحد؛ فثبت أَن كان ثَمَّ منه معنى زائدٌ خصهم به، وأَن ليس التخصيص محاباة كما زعمت المعتزلة، ولا ترك الإنعام بخلٌ كما قالوا.

والثاني: قوله: ﴿ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ ، فلو لم يكن منه إليهم فضل معنى، لم يكن لهم تفضيل على غيرهم؛ فثبت أن كان فيهم ذلك.

ومن قول المعتزلة: أَن ليس لله أَن يخص أَحداً بشيء إلا باستحقاق يفعله، وبذلك هم فَضَّلوا أَنفسهم على العالمين، لا هو، فكيف يَمُنُّ عليهم بذلك؟!

ولا قوة إلا بالله.

مع ما لا يخلو تفضيله إياهم على غيرهم من أَن يكون لهم الفضلُ في الدين أَولاً.

فإن لم يكن فليس ذلك بتفضيل.

وإن كان ثبت أَنْ ليس من الحق عليه التسويةُ بين الجميع في أَسباب الدين.

وقوله عز وجل: ﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ﴾ .

الآيةُ: - والله أعلم - كأَنَّها مؤخَّرة في المعنى وإن كانت في الذكر مقدمة؛ لأَنه قال: ﴿ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ ، ثم ذكر الأَفضال والمنَنَ فقال: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ...

﴾ الآية [البقرة: 49]، وقوله: ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ  ﴾ .

ذكَّرهم - عز وجل - عظيم نِعمه ومنَنِه عليهم؛ ليشكروا له، وليعرفوا أنها مِنَّةٌ، وأَنه فضلٌ مِنْهُ.

ثم حذَّرهم - جل وعز - فقال: ﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ﴾ الآية؛ ليكونوا على حذر؛ لئلا يصيبهم ما أَصاب الأُمم السالفة من الهلاك وأَنواع العذاب بعد الأَمن، والتوسع عليهم، كقوله: ﴿ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا  ﴾ إلى قوله: ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ...

﴾ الآية [الأنعام: 44].

ثم في الآية دليل لقول أبي حنيفة وأصحابه: إن الولد يصير مشتوماً مقذوفاً بشتم والديه؛ لما عيرهم - جل وعز - بصنع آبائهم بقوله: ﴿ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ  ﴾ وهم لم يتخذوا العجل، وإنما اتخذ ذلك آباؤهم.

وكذلك ذكر - عز وجل - صنعه ومننه عليهم، من نحو النجاة من الغرق، وإخراجهم من أَيدي العدو، وفَرْق البحر بهم، وإهلاك العدو.

وإنما كان ذلك لآبائهم دونهم، لكن ذكّرهم - جل وعز - عظيم مننه على آبائهم؛ ليشكروا له على ذلك، وكذلك عَيَّرهم بصنيع آبائهم من اتخاذ العجل، وإظهار الظلم؛ ليكونوا على حذر من ذلك، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: بما كان إنعامى عليهم باتباعهم الرسول موسى -  - وطاعتهم له، فاتَّبِعوا اسم الرسول محمد  وأَطيعوا له، ولا تتركوا اتباعه.

وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ﴾ .

قيل: أي لا تُؤدي نفس عن نفس شيئاً؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ...

﴾ الآيات [عبس: 34-35].

وقوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ ﴾ .

قيل: فيه بوجهين: قيل: لا يكون لهم شفعاء يشفعون؛ كقوله: ﴿ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ  ﴾ وكقوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ  ﴾ .

وقيل: لو كان لهم شفعاء لا تقبل شفاعتهم؛ كقوله: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ  ﴾ أي: لا يؤْذَنُ لهم بالشفاعة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ .

والعدل: هو الفداءُ، إما من المال، وإما من النفس.

وذلك أيضاً يحتمل وجهين: يحتمل: ألا يكون لهم الفداء، على ما ذكرنا في الشفيع.

ويحتمل: أَن لو كان لا يقبل منهم؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ  ﴾ .

ثم الوجوه التي تخلص المرء في الدنيا إذا أَصابته نكبة بثلاث: إما بفداءِ يفدى عنه - مالاً أو نفساً - وإما بشفعاء يشفعون له، وإما بأَنصارٍ ينصرون له؛ فيتخلص من ذلك.

فقطع - عز وجل - عنهم جميع وجوه التخلص في الآخرة.

والآية نزلت - والله أعلم - في اليهود والنصارى، وهم كانوا يؤمنون بالبعث، والجنة، والنار؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ  ﴾ .

ولذلك ذكر اسم الفداءِ والشفيع، وما ذكر، وأَما من لم يؤمن بالآخرة فلا معنى لذكر ذلك.

وقوله: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ .

قيل: آل الرجل: شيعتُه؛ ولذلك قيل: آل رسول الله: قرابتُه.

وقيل: كل مؤمن فهو من آله، وعلى ذلك الأَمر بالصلاة عليه وعلى جميع من آمن به.

وقوله: ﴿ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: يقصدونكم أَشد العذاب.

وذلك يرجع إلى الاستعباد، والاستخدام بأَنفهسم.

وقيل: يسومونكم، يُذيقونكم أَشد العذاب، وذلك يرجع إلى ما يسوءُهم من تذبيح الأَبْنَاء وتقتيلهم، كقوله: ﴿ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ  ﴾ أي: يقتلون أَبناءَكم.

وقوله: ﴿ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ﴾ .

يحتمل أيضاً وجهين: يحتمل: يستحيون من الحياء، أَي: استحيوا قتْل النساء، لما لا يخافهن.

ويحتمل: من الإحياءِ، أي: تركوهن أَحياء فلم يقتلوهن.

وقوله: ﴿ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ .

قيل: البلاء - ممدود - هو النعمة، كأَنه قال: فيما ينجيكم من فرعون وآله نعمة عظيمة.

وقيل: البلا - مقصور - هو الابتلاء والامتحان؛ كأَنه قال: في استعباده إياكم واستخدامه امتحان عظيم.

وقوله: ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ .

قيل: فرقنا، أَي: جعلنا لكم البحر فِرَقاً، أي: طرقاً تمرون فيه.

وقيل: فرقنا، أي: جاوزنا بكم البحر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ .

كان الوعد لهم - والله أعلم - وعدين.

أَحدهما: من الله - عز وجل - يصرف موسى إليهم مع التوراة، كقوله: ﴿ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً  ﴾ أَي: صدقاً.

ووعد آخر، كان من موسى بانصرافه إليهم بالتوراة على رأْس أَربعين ليلة، كقوله: ﴿ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي  ﴾ .

وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ ﴾ .

يحتمل وجهين: ﴿ ٱتَّخَذْتُمُ ﴾ : أي عبدتم؛ فاستوجبوا ذلك التعبير واللائمة بعبادة العجل لا باتخاذه نفسه.

ويحتمل: اتخذتم العجل إلهاً؛ فاستوجبوا ذلك باتخاذهم إلهاً، كقوله: ﴿ وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ  ﴾ .

وهذا كان أقرب.

وقيل: اتخذتم، أي: صنعتم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ ظَٰلِمُونَ ﴾ .

قيل في الظلم بوجوه: قيل: إن كل فعل يستوجب به الفاعل عقوبة فهو ظلم.

وقيل: إن كل عمل لم يؤذن له فهو ظلم.

وهاهنا - حيث فعلوا ما لم يؤذن لهم - نسبهم إلى الظلم؛ لأَنهم ظلموا أَنفسهم.

وقيل: إن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه؛ فسموا بذلك لأَنهم وضعوا الألوهية في غير موضعها، وهذا كأَنه - والله أعلم - أقرب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ...

﴾ الآية.

يَنْقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يزعمون أَن الله إذا علم من أحدٍ أَنَّه يؤمن به في آخر عمره - وإن طال - أَو يكون من نسله من يؤمن إلى آخر الأَبد، لم يكن له أن يُميته، ولا له أَن يقطع نسله.

فإذا كان على الله أَن يبقيهم، ولا يقطع نسلهم، لم يكن للامتنان عليهم، ولا للإفضال وطلب الشكر منهم - معنى؛ إذ فَعَلَ - جل وعز - ما عليه أَن يفعل.

وكل من فعل ما عليه أَن يفعل لم يكن فعلُه فعل امتنان، ولا فعل إِفضال؛ لأَنه - عز وجل - منّ عليهم بالعفو عنهم، حيث لم يستأْصلهم، وتركهم حتى تناسلوا وتوالدوا، ثم وجه الإفضال والامتنان على هؤلاء - وإن كان ذلك العفو لآبائهم؛ لأَنه لو أَهلك آباءَهم وقطع تناسلهم انقرضوا وَتَفَانَوْا، ولم يتوالدوا؛ فالمنَّة عليهم حصلت؛ لذلك طلبهم بالشكر له، والله أعلم.

فإذا كان هذا ما وصفنا دَلَّ أَنْ ليس على الله أن يفعل الأَصلح لهم في الدين، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ .

أَي: لكي تشكروا.

وكذلك قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ أي: لكي يوحدوا.

وذلك يحتمل وجوهاً: يحتمل: أَنْ يَشْهد خَلْقُه كلُّ أَحد على وحدانيته، وكذلك يشكر خَلْقُه كلُّ أَحد له.

ويحتمل: عبادة الأخيار بوحدانيته، والشكر له بما أَنعم وأَفضل عليه، وذلك يرجع إلى من يعبد ويوحد.

ويحتمل: أَنه خلقهم؛ ليأْمرهم بالعبادة، والشكر له، من احتمل منهم الأَمر بذلك.

وقوله: ﴿ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ ﴾ .

يعني: التوراة.

والكتابُ: اسم لكل مكتوب.

وقوله: ﴿ وَٱلْفُرْقَانَ ﴾ .

قيل: سميت فرقاناً؛ لما فرق وبَيَّن فيها الحلال والحرام، وكل كتاب فرق فيه بين الحلال والحرام فهو فرقان.

وقيل: يسمى فرقاناً؛ لما فرق فيه بين الحق والباطل.

وهما واحد.

وقيل: سميت التوراة فرقاناً؛ لما فيها المخرج من الشبهات.

وقيل: الآية على الإضمار؛ كأَنه قال: وإذ آتينا موسى الكتاب - يعني التوراة - ومحمداً الفرقان؛ كقوله: ﴿ تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً  ﴾ .

وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ .

فالكلام فيه كالكلام في قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ وقد ذكرنا فيه ما أَمكن، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكروا من هذه النعم أن آتينا موسى  التوراة فرقانًا بين الحق والباطل وتمييزًا بين الهدى والضلال لعلكم تهتدون بها إلى الحق.

<div class="verse-tafsir" id="91.A34Vd"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

جاء في الآية السابقة ذكر تنجية بني إسرائيل من آل فرعون وهو على كونه تفصيلًا لما قبله من حيث التذكير بالنعم، مجمل من حيث الإنجاء فإنه يشمل النجاة بجميع أنواعها من ذلك العذاب.

وذكر في هذه الآية نعمته في طريق الإنجاء بالتفصيل بعد الإجمال لبيان عناية الله تعالى بهم فيها إذ جعل وسيلته من خوارق العادات وجعل في طريقه هلاك عدوهم.

وقد يقال إن هذه نعمة مستقلة من نعمه تعالى عليهم لا أنها بيان لإجمال في التي قبلها.

لما أرسل الله تعالى موسي  إلى فرعون وملئه يدعوهم إلى توحيد الله وإلى أن يخلى بينه وبين شعب إسرائيل بعد إطلاقهم من ذلك الاستعباد والتعذيب لم يزدهم فرعون إلا تعذيبًا وتعبيدًا.

وفي "سفر الخروج" من تاريخ التوراة أن الله تعالى أنبأ موسي بأنه يقسي قلب فرعون فلا يخفف العذاب عن بني إسرائيل ولا يرسلهم مع موسي حتى يريه آياته.

وأنه بعد الدعوة زاد ظلمًا وعتوًا فأمر الذين كانوا يسخرون بني إسرائيل في الأعمال الشاقة بأن يزيدوا في القسوة عليهم وأن يمنعوهم التبن الذي كانوا يعطونهم إياه لعمل اللَّبِن (الطوب) ويكلفوهم أن يجمعوا التبن ويعملوا كل ما كانوا يعملونه من اللبن، لا يخفف عنهم منه شيء.

فأعطى الله تعالى موسى وأخاه هارون الآيات البينات، فحاول فرعون معارضتها بسحر السحرة، فلما آمن السحرة برب العالمين رب موسى وهارون لعلمهم أن ما جاء به ليس من السحر وإنما هو تأييد من الله تعالى، ورأى ما رأى بعد ذلك من آيات الله لموسى سمح بخروج بني إسرائيل بل طردهم طردًا.

وفي "سفر الخروج" أنهم خرجوا في شهر "أبيب" وكانت إقامتهم في مصر ٤٣٠ سنة.

ثم أتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأنجى الله بني إسرائيل وأغرق فرعون ومن معه، وذلك قوله  : ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ  ﴾ أي واذكروا من نعمنا عليكم إذ فرقنا بكم البحر فجعلنا لكم فيه طريقًا يبسًا سلكتموه في هربكم من فرعون ﴿ فَأَنْجَيْنَاكُمْ  ﴾ بعبوره من جانب إلى آخر ﴿ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ  ﴾ إذ عبروا وراءكم ﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ  ﴾ ذلك بأعينكم، ولولاه لعظم عليكم خبر غرقهم ولم تصدقوه.

فلق البحر كان من معجزات موسى، وقد قلنا في رسالة التوحيد: إن الخوارق الجائزة عقلًا، أي التي ليس فيها اجتماع النقيضين ولا ارتفاعهما، لا مانع من وقوعها بقدرة الله تعالى على يد نبي من الأنبياء، ويجب أن نؤمن بها على ظاهرها ولا يمنعنا هذا الإيمان من الاهتداء بسنن الله تعالى في الخلق واعتقاد أنها لا تتبدل ولا تتحول كما قال الله تعالى في كتابه الذي ختم به الوحي، على لسان نبيه الذي ختم به النبيين، فانتهي بذلك زمن المعجزات، ودخل الإنسان بدين الإسلام في سن الرشد، فلم تعد مدهشات الخوارق هي الجاذبة له إلى الإيمان وتقويم ما يعرض للفطرة من الميل عن الاعتدال في الفكر والأخلاق والأعمال كما كان في سن الطفولية النوعية، بل أرشده تعالى بالوحي الأخير-"القرآن"- إلى استعمال عقله في تحصيل الإيمان بالله وبالوحي ثم جعل له كل إرشادات الوحي مبينة معللة مدللة حتى في مقام الأدب- كما أوضحنا ذلك في رسالة التوحيد- فإيماننا بما أيد الله تعالى به الأنبياء من الآيات لجذب قلوب أقوامهم الذين لم ترتق عقولهم إلى البرهان، لا ينافي كون ديننا هو دين العقل والفطرة وكونه حتم علينا الإيمان بما يشهد له العيان، من أن سننه تعالى في الخلق لا تبديل لها ولا تحويل.

وزعم الذين لا يحبون المعجزات من المتهورين أن عبور بني إسرائيل البحر كان في إبان الجزر فإن في البحر الأحمر زقاقًا إذا كان الجزر الذي عهد هناك شديدًا يتيسر للإنسان أن يعبر ماشيًا، ولما أتبعهم فرعون بجنوده، ورآهم قد عبروا البحر تأثرهم وكان المد تفيض ثوائبه -وهي المياه التي تجئ عقيب الجزر- فلما نجا بنو إسرائيل كان المد قد طغى وعلا حتى أغرق المصريين.

تحقق إنعام الله على بني إسرائيل يتم بهذا التوفيق لهم والخذلان لعدوهم ولا ينافي الامتنان به عليهم كونه ليس آية لموسى  ، فإن نعم الله بغير طريق المعجزات أعم وأكثر- كذا قالوا..

ولكن يدل على كونه آية له وصف كل فرق منه بالطود العظيم.

وإذا تيسر تأويل كل آيات القصة من القرآن فإنه يتعسر تأويل قوله تعالى في سورة الشعراء، ﴿ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ  ﴾ وهو الموافق لما في التوراة.

بعد أن قرر نعمة الإنجاء من استعباد الظالمين، والبعد من فتنة القوم الضالين، ذكر النعمة التي وليتها، وذكرهم بما كان من كفرهم إياها، فقال ﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً  ﴾ وقد كانت هذه المواعدة لإعطائه التوراة.

ولما ذهب لميقات ربه استبطأوه فاتخذوا عجلًا من ذهب فعبدوه، كما هو مفصل في غير هذه السورة.

والمراد هنا التذكير بالنعمة وبيان كفرها ليظهر أن تكذيبهم بمحمد  ومعاندته ليس ببدع من أمرهم، وإنما هو معهود منهم مع رؤية الآيات وبعد إغداق النعم عليهم، ولذلك اكتفى بالإشارة إليه بقوله ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ  ﴾ أي اتخذتموه إلهًا ومعبودًا، وبعد أن ذكرهم بذلك الظلم ذكرهم بتفضله عليهم بالتوبة ثم بالعفو الذي هو جزاء التوبة فقال ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ﴾ هذه النعمة بدوام التوحيد والطاعة.

ثم قفى على هذا بذكر إيتائهم الكتاب وهو المنة الكبرى فقال ﴿ وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  ﴾ قال المفسر (الجلال) - كغيره- إن الفرقان هو التوراة وقال بعض المفسرين إن الفرقان هو ما أوتيه موسى من الآيات والمعجزاتولكن ذكره بعد الكتاب معطوفًا عليه دليل على أن المراد به ما في الكتاب من الشرائع والأحكام المفرقة بين الحق والباطل والحلال والحرام، ومعنى قوله ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ﴾ لعلكم تهتدون، أي ليعدكم بهذا العفو للاستمرار على الشكر ويعدكم بهذه الأحكام والشرائع للاهتداء ويهيئكم للاسترشاد فلا تقعوا في وثنية أخرى.

وإن من كمال الاستعداد للهداية بفهم الكتاب أن يعرفوا أن ما جاء به محمد  هو هدى ونور يرجعهم إلى الأصل الذي تفرقوا عنه واختلفوا فيه، وكذلك اهتدى به منهم المستبصرون، وجاحده الرؤساء المستكبرون والمقلدون الذين لا يعقلون.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل