تفسير سورة البقرة الآيات ١٩-٢٠ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ١٩-٢٠

أَوْ كَصَيِّبٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَـٰتٌۭ وَرَعْدٌۭ وَبَرْقٌۭ يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ۚ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ ١٩ يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ ۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٢٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 11 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

هذا هو مثل الفريق الثاني من هذا الصنف من الناس، الذي كان أفراده ولا يزالون فتنة للبشر، ومرضًا في الأمم، وحجة على الدين، لأنهم بغرورهم بتقاليدهم التي اكتفوا بها من دينهم الموروث، يعبثون بعقولهم، ويلهون بخيالاتهم، ويجنون على مشاعرهم ومداركهم فيضعفونها، ويصارعون الفطرة الإلهية فيصرعونها، حتى يكون بعضهم كالجمادات ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ كما تقدم في المثل الأول، ويألف البعض الآخر الظلمة بطول التقليد، ويكون أفراده في نور البرهان كالخفافيش في نور الشمس، ولكنهم أمثل من الفريق الذي ضرب له المثل الأول، لأن فيهم بقية من الرجاء ورمقًا من الحياة، يوجههم إلى الاقتباس من نور الهداية كلما أضاءت لهم بروقها، والمشي في الجادة كلما استبانوا طريقها، ولكن تحول دون ذلك ظلمات التقاليد العارضة، وتقف في سبيل عقبات البدع المعارضة، وقد يعدهم لاستماع قوارع الآيات التي تنذرهم بما حرفوا، وصوادع الحجج التي تبين لهم كيف انحرفوا، ولا يصدهم عنها إلا أنها تزعجهم إلى ترك ما صَنَّفو وأَلَّفوا، وهجر ما أحبوا وأَلِفوا، وعدم المبالات بسنة الآباء، وقلة الاحتفال بعظمة الرؤساء، فهم يتراوحون بين الخوف والرجاء، مذبذبين بين أهل الجحود وأهل اليقين ﴿ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ  ﴾ ، ولا ينقطع منهم الأمل، حتى ينقطع بهم الأجل.

ألا تراهم عندما يقرع أسماعهم من كتاب ربهم ما يبين فساد سيرتهم، والتواء طريقتهم، كقوله تعالى في النعي على أمثالهم، وحكاية ما لم يرضه من أقوالهم: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ  ﴾ إلخ: وقوله في بيان ندمهم على التقليد، عندما يحل بهم الوعيد، ﴿ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا  ﴾ يأخذهم الزلزال، ويتولاهم الاضطراب والقلق، وتنشق لهم الظلمة عن فلق، ويلمع في نفوسهم نور الهداية الفطرية فيمشون فيه خطوات، ثم تحيط بهم الظلمات، وينقطع بهم الطريق كما ألمحنا آنفًا.

وأسباب غلبة الظلمات على النور، هي موافقة ما عليه الجمهور، والإخلاد إلى الهوى، وتفضيل عرض هذا الأدنى، وانتظار المغفرة ولو بما تأولوه في معنى الشفاعة، وتمنى الربح من غير بضاعة ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ  ﴾ ؟

بلى هو عندهم مدروس بجدليات النحو والكلام، ولكنه دارس الصُّوَىوالأعلام، المنصوبة لهداية القلوب والأحلام، ومقروء بالتجويد والأنغام، ولكنه متروك الحكم والأحكام، يقرأونه لكسب الحطام، ولمعرفة الحلال والحرام، ولا يتلونه لإصلاح القلب واللسان، بتزكية النفس وتغذية الإيمان، ويكتبونه لشفاء الأبدان من الأسقام، لا لشفاء ما في الصدور من الأوهام والآثام، ولو كان له أنصار يدعون إليه، وهداة يعتصمون به ويعولون عليه، لتبددت الظلمات أما الأنوار، ومحت آيةَ الليل آيةُ النهار.

تلك الإرشادات الإلهية بمنزلة المطر الذي ينزل من السماء، والزلزال والاضطراب الذي أشرنا إليه بمنزلة الرعد، واستبانة الصراط المستقيم الذي يلمع في أنفسهم من ذلك كالبرق، والعادات والشهوات والخوف من ذم الجماهير عند العمل بما يخالفهم كالظلمات التي تصد عن سلوك الطريق بل تعميه على طالبه وتحجبه عنه، ولذلك قال الله تعالى في تمثيل حال هذا الفريق ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاءِ  ﴾ أي قوم نزل بهم صيب، ووصفه بأنه من السماء مع العلم بأن الصيب لا يكون إلا من السماء للإشعار بأنه أمر لا يملكون دفعه وليس ملاكه في أيديهم، ومن المعهود عند بلغاء العرب التعبير عما يلم بالناس مما لا دافع له بأنه نزل من السماء، ولا جرم أن تلك السوانح التي تسنح في الأفكار، والإلهامات الإلهية، لأصحاب الفطرة الزكية، التي يكون من أثرها ما أشار المثل إليه، وتقدم التنبيه عليه، هي أمر وهبي واقع، ما له من دافع.

قال تعالى في وصف الصيب ﴿ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ  ﴾ الظلمات هي ظلمة الليل وظلمة الصيب نفسه، والرعد هو الصوت المعروف الذي يسمع في الحساب عند اجتماعه أحيانًا، والبرق هو الضوء الذي يلمع في السحاب في الغالب، وقد يلمع من الأفق حيث لا سحاب، وقال مفسرنا الجلال السيوطي: إن الرعد ملك أو صوته، والبرق سوطه يسوق به السحاب، وكأن الملك جسم مادي لأن الصوت المسموع بالآذان من خصائص الأجسام، وكأن السحاب حمار بليد لا يسير إلا إذا زجر بالصراخ الشديد والضرب المتتابع؟!.

وما ذكرناه هو الذي كان يفهمه العرب من اللفظين، وهو الذي يفهمه الناس اليوم.

ولا يجوز صرف الألفاظ عن معانيها الحقيقية إلا بدليل صحيح، ولا سيما إذا صرفت عن معاني من عالم الشهادة، الذي يعرفه الواضعون والمتكلمون، إلى معاني من عالم الغيب لا يعلمها إلا الله تعالى ومن أعلمهم الله تعالى إياها بالوحي، ولكن أكثر المفسرين ولعوا بحشو تفاسيرهم بالموضوعات التي نص المحدثون على كذبها، كما ولعوا بحشوها بالقصص والإسرائيليات التي تلقفوها من أفواه اليهود وألصقوها بالقرآن لتكون بيانًا له وتفسيرًا، وجعلوا ذلك ملحقًا بالوحي، والحق الذي لا مرية فيه أنه لا يجوز إلحاق شيء بالوحي غير ما تدل عليه ألفاظه وأساليبه، وإلا ما ثبت بالوحي عن المعصوم الذي جاء به ثبوتًا لا يخالطه الريب.

وقال تعالى في أصحاب الصيب ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنْ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ  ﴾ الصاعقة هي ما كان يعرفه العرب ويعرفه كل واحد وهو ما ينزل في أثناء المطر والبرق والرعد فيصعق ما ينزل به بأن يهلك أو يلحقه ضرر، وما تفسيرنا للبرق والرعد والصاعقة مع كونها معروفة لكل الناس إلا لأن المفسرين صرفوا أفهامهم عن المعروف إلى غيره، كما حكي عن (أرسطو) حكيم قدماء اليونان أن تلاميذه سألوه عن تعريف الحركة فقام ومشى، وما أنطقهم بالسؤال عنها على بداهتها إلا أنهم اعتادوا أن يسمعوا من الفلاسفة أقوالًا في الأمور الجلية، تجعلها غامضة خفية.

وأما حقيقة البرق والرعد والصاعقة وأسباب حدوثها فليس من مباحث القرآن، لأنه من علم الطبيعة (أي الخليفة) وحوادث الجو التي في استطاعة الناس معرفتها باجتهادهم ولا تتوقف على الوحي، وإنما تذكر الظواهر الطبيعية في القرآن لأجل الاعتبار والاستدلال، وصرف العقل إلى البحث الذي يقوى به الفهم والدين، والعلم بالكون ينمو ويضعف في الناس ويختلف باختلاف الزمان، فقد كان الناس يعتقدون في بعض الأزمنة أن الصواعق تحدث من أجسام مادية لما كانوا يشمونه في محل نزولها من رائحة الكبريت وغيره، ورجعوا عن هذا الاعتقاد في زمن آخر ملاحظين أن تلك الرائحة لا تكون دائمًا في محل الصاعقة.

وقد ظهر في هذا الزمان أن في الكون سيالًا يسمونه الكهرباء من آثاره ما ترون من"التلغراف"و"التليفون والترامواي"، وهذه الأضواء الساطعة في البيوت والأسواق، من غير شموع ولا زيت ولا ذبال، وإنما تكون باتصال سلكين دقيقين كالخيوط التي يخاط بها الثياب، أحدهما يحمل أو يوصل السيال الكهربائي الذي يسمونه الموجب، والآخر يوصل السيال المسمى بالسالب، وباتصال السلكين، يتولد النور من تلاقي السيالين، وبانقطاعهما أو الفصل بينهما ينفصل السيالان فينقطع الضوء من المصابيح والحركة من الآلات، والكهربائية موجودة في كل شيء، والبرق في السحاب يتولد من اتصال نوعيها الموجب والسالب بقدرة الله تعالى، كما يتولد في الأرض بعمل الإنسان.

وقد استنزل بعض علماء الكهربائية قبس الصاعقة من السحاب إلى الأرض، والصاعقة من أثر الكهربائية، وهي تفريغ السحاب طائفة منها في مكان لجاذب في الأرض يجذبه، وكثيرًا ما حصل الصعق لعمال التلغراف، لما بين السحاب والأسلاك من الجاذبية.

ومعرفة الناس بالسبب الحقيقي للصواعق هداهم إلى حفظ الأبنية الشاهقة منها باتخاذ القضيب المعروف الذي يسمى قضيب الصاعقة، فلا تنزل الصواعق على بناء رفع فوقه هذا القضيب، ولا مجال في تفسير القرآن للتطويل في أمثال هذه المسائل الطبيعية لأنها تطلب من فنونها الخاصة بها، فلنعد إلى بيان المثل.

استحضر حال قوم مشاة في فلاة من الأرض نزل عليهم بعدما أقبل ظلام الليل صيب من السماء قصفت رعوده، ولمعت بروقه، وتصور كيف يهوون بأصابعهم إلى آذانهم كلما حدث قاصف من الرعد ليدفعوا شدة وقعه بسد منافذ السمع برؤوس الأنامل، وعبر عن الأنامل بالأصابع هذا التعبير المجازي اللطيف للإشعار بشدة عنايتهم بسد آذانهم، ومبالغتهم في إدخال أناملهم في صماليخها، كأن كل واحد منهم يحاول بما دهمه من الخوف أن يغرس أصبعه كلها في أذنه، حتى لا يكون للصوت منفذ إلى سمعه، لما يحذره على نفسه من الموت الزؤام، ومعالجة الحِمام، وهذا هو الجبن الخالع، ومنتهى حدود الحماقة، لأن سد الآذان ليس من أسباب الوقاية من أخذ الصاعقة ونزول الموت، والموت فقد الحياة بمفارقة الروح للبدن، وخلق الله عبارة عن تقديره أو عن قبضه للروح وتوفيه للنفس.

وقوله تعالى ﴿ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ  ﴾ يرشدنا في أثناء شرح المثل وتقريره إلى حال من ضرب فيهم المثل يذهلنا ما نتصوره من حال المشبه به عن حال المشبه المقصود بالذات، وهو أن التصام والهروب من سماع آيات الحق والحذر من صواعق براهينه الساطعة أن تذهب بتقاليدهم التي يرون حياتهم الملية مرتبطة بها لا يفيدهم شيئًا، لأن الله تعالى محيط بهم، مطلع على سرائرهم، وعلم بما في ضمائرهم، وقادر على أخذهم أينما كانوا، وفي أي طريق سلكوا، فلا يهربون من برهان إلا ويفاجئهم برهان آخر، كالغريق يدفعه موج ويتلقاه موج حتى يقذف به إلى ساحل النجاة، أو يدفعه إلى هاوية العدم، ولهذا قال ﴿ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ  ﴾ ولم يقل محيط بهم، والمراد بالإحاطة هنا إحاطة القدرة، فمن لم يمته بأخذ الصاعقة أماته بغيرها (تنوعت الأسباب والموت واحد) والمحيط بالشيء لا يمكن أن يفوته وينفلت من قبضته.

ثم بعد التنبيه والاستلفات عاد إلى إتمام المثل وتفصيله، فقال عز شأنه: ﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا  ﴾ إذا لمع البرق بشدة مفاجئًا من هو في ظلمة فإنه يؤثر في بصره تأثيرًا يكاد يخطفه، والخطف هو الأخذ بسرعة، ولكنه يتبين به جزءًا من الطريق فيمشي فيه خطوات ثم يعتكر عليه الظلام، وتستحوذ عليه المخاوف والأوهام، فيقف في مكانه، أو يعود البرق إلى لمعانه، ويحاكي هذا من حال الممثل بهم أنه عندما يدعوهم الداعي إلى أصل الدين، ويوضح لهم سبب ما هو فيه من البلاء المبين، ويتلو عليهم الآيات البينة، ويقيم لهم الحجج القيمة، على أنهم تنكبوا الصراط السوي وأصيبوا بالداء الدوي، يظهر لهم الحق فيعزمون على اتباعه، وتسير أفكارهم في نوره بعض خطوات، ولكن لا يعتمون أن تعود إليهم عتمة التقليد وظلمة الشهوات، وغُبْسَة الأهواء والشبهات، فتقيد الفكر وإن لم تقف سيره وإنما تعود به إلى الحيرة -كما تقدم في أول الكلام- ثم يتكرر النظر في تضاعيفها بطريق الالتفات والإلمام.

وفيه أنهم على سوء الحال وخطر المآل، لم تنقطع منهم الآمال، كما انقطعت من أصحاب المثل الأول الذين وصفوا بالصم البكم العمي، ولذلك قال فيهم ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ  ﴾ حتى ينجع فيهم وعظ واعظ ولا تفيدهم هداية هاد، ولم يقل إنه ذهب بنور أولئك وسلبهم كل أنواع الهدى والرشاد، فوقع اليأس من رجوعهم إلى الحق.

وقوله تعالى ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ  ﴾ الخ رجع إلي بيان حال من ضرب فيهم المثل، لا من تتمة المثل، وقد كنى عنهم بالضمير هنا لأن المثل قد تم، بعدما ذكرهم في قوله ﴿ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ  ﴾ بالوصف الذي اقتضى التمثيل.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده