الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٩ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 200 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٩ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى لضرب آخر من المنافقين ، وهم قوم يظهر لهم الحق تارة ، ويشكون تارة أخرى ، فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم ( كصيب ) والصيب : المطر ، قاله ابن مسعود ، وابن عباس ، وناس من الصحابة ، وأبو العالية ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، والحسن البصري ، وقتادة ، وعطية العوفي ، وعطاء الخراساني ، والسدي ، والربيع بن أنس .
وقال الضحاك : هو السحاب .
والأشهر هو المطر نزل من السماء في حال ظلمات ، وهي الشكوك والكفر والنفاق .
( ورعد ) وهو ما يزعج القلوب من الخوف ، فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد والفزع ، كما قال تعالى : ( يحسبون كل صيحة عليهم [ هم العدو ] ) [ المنافقون : 4 ] وقال : ( ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون ) [ التوبة : 56 ، 57 ] .
والبرق : هو ما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان ، من نور الإيمان ؛ ولهذا قال : ( يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين ) أي : ولا يجدي عنهم حذرهم شيئا ؛ لأن الله محيط [ بهم ] بقدرته ، وهم تحت مشيئته وإرادته ، كما قال : ( هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود بل الذين كفروا في تكذيب والله من ورائهم محيط ) [ البروج : 17 - 20 ] .
[ والصواعق : جمع صاعقة ، وهي نار تنزل من السماء وقت الرعد الشديد ، وحكى الخليل بن أحمد عن بعضهم صاعقة ، وحكى بعضهم صاعقة وصعقة وصاقعة ، ونقل عن الحسن البصري أنه : قرأ : " من الصواقع حذر الموت " بتقديم القاف وأنشدوا لأبي النجم : يحكوك بالمثقولة القواطع شفق البرق عن الصواقع قال النحاس : وهي لغة بني تميم وبعض بني ربيعة ، حكى ذلك القرطبي في تفسيره ] .
أو كصيب من السماء القول في تأيل قوله تعالى : { أو كصيب من السماء } قال أبو جعفر : والصيب الفعيل , من قولك : صاب المطر يصوب صوبا : إذا انحدر ونزل , كما قال الشاعر : لست لإنسي ولكن لملأك تنزل من جو السماء يصوب وكما قال علقمة بن عبدة : كأنهم صاب عليهم سحابة صواعقها لطيرهن دبيب فلا تعدلي بيني وبين مغمر سقيت روايا المزن حين تصوب يعني : حين تنحدر .
وهو في الأصل : صيوب , ولكن الواو لما سبقتها ياء ساكنة صيرتا جميعا ياء مشددة , كما قيل : سيد من ساد يسود , وجيد من جاد يجود .
وكذلك تفعل العرب بالواو إذا كانت متحركة وقبلها ياء ساكنة تصيرهما جميعا ياء مشددة .
وبما قلنا من القول في ذلك قال أهل التأويل .
342 - حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي , قال : حدثنا محمد بن عبيد , قال : حدثنا هارون بن عنترة , عن أبيه عن ابن عباس في قوله : { أو كصيب من السماء } قال : القطر .
343 - وحدثني عباس بن محمد , قال : حدثنا حجاج , قال : قال ابن جريج , قال لي عطاء : الصيب : المطر .
344 - وحدثني المثنى , قال : حدثنا أبو صالح , قال : حدثني معاوية بن صالح , عن علي عن ابن عباس , قال : الصيب : المطر .
345 - وحدثني موسى , قال : حدثنا عمرو , قال : حدثنا أسباط , عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس , وعن مرة , عن ابن مسعود , وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : الصيب : المطر .
* وحدثني محمد بن سعد , قال : حدثني أبي سعد , قال : حدثني عمي الحسين , عن أبيه , عن جده , عن ابن عباس مثله .
346 - وحدثنا بشر بن معاذ , قال : حدثنا يزيد , عن سعيد , عن قتادة : { أو كصيب } قال : المطر .
* وحدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أنبأنا معمر , عن قتادة مثله .
347 - وحدثني محمد بن عمرو الباهلي , وعمرو بن علي , قالا : حدثنا أبو عاصم , قال : حدثنا عيسى بن ميمون , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : الصيب : المطر .
* وحدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة , قال : حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : الصيب : المطر .
348 - حدثني المثنى , قال : حدثنا إسحاق عن ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع بن أنس : الصيب : المطر .
* وحدثت عن المنجاب , قال : حدثنا بشر بن عمارة , عن أبي روق , عن الضحاك , عن ابن عباس قال : الصيب : المطر .
349 - وحدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال عبد الرحمن بن زيد : { أو كصيب من السماء } قال : أو كغيث من السماء .
350 - وحدثنا سوار بن عبد الله العنبري , قال : قال سفيان : الصيب : الذي فيه المطر .
* حدثنا عمرو بن علي , قال : حدثنا معاوية , قال : حدثنا ابن جريج , عن عطاء في قوله : { أو كصيب من السماء } قال : المطر .
قال أبو جعفر : وتأويل ذلك : مثل استضاءة المنافقين بضوء إقرارهم بالإسلام مع استسرارهم الكفر , مثل إضاءة موقد النار بضوء ناره على ما وصف جل ثناؤه من صفته , أو كمثل مطر مظلم ودقه تحدر من السماء تحمله مزنة ظلماء في ليلة مظلمة , وذلك هو الظلمات التي أخبر الله جل ثناؤه أنها فيه .
فإن قال لنا قائل : أخبرنا عن هذين المثلين , أهما مثلان للمنافقين أو أحدهما ؟
فإن يكونا مثلين للمنافقين فكيف قيل : { أو كصيب } و " أو " تأتي بمعنى الشك في الكلام , ولم يقل : وكصيب , بالواو التي تلحق المثل الثاني بالمثل الأول ؟
أو يكون مثل القوم أحدهما , فما وجه ذكر الآخر ب " أو " , وقد علمت أن " أو " إذا كانت في الكلام فإنما تدخل فيه على وجه الشك من المخبر فيما أخبر عنه , كقول القائل : لقيني أخوك أو أبوك , وإنما لقيه أحدهما , ولكنه جهل عين الذي لقيه منهما , مع علمه أن أحدهما قد لقيه ; وغير جائز فيه الله جل ثناؤه أن يضاف إليه الشك في شيء أو عزوب علم شيء عنه فيما أخبر أو ترك الخبر عنه .
قيل له : إن الأمر في ذلك بخلاف الذي ذهبت إليه , و " أو " وإن كانت في بعض الكلام تأتي بمعنى الشك , فإنها قد تأتي دالة على مثل ما تدل عليه الواو إما بسابق من الكلام قبلها , وإما بما يأتي بعدها كقول توبة بن الحمير : وقد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها ومعلوم أن ذلك من توبة على غير وجه الشك فيما قال , ولكن لما كانت " أو " في هذا الموضع دالة على مثل الذي كانت تدل عليه الواو لو كانت مكانها , وضعها موضعها .
وكذلك قول جرير : ش جاء الخلافة أو كانت له قدرا /و كما أتى ربه موسى على قدر وكما قال الآخر : فلو كان البكاء يرد شيئا /و بكيت على جبير أو عناق على المرأين إذ مضيا جميعا /و لشأنهما بحزن واشتياق فقد دل بقوله : " على المرأين إذ مضيا جميعا " أن بكاءه الذي أراد أن يبكيه لم يرد أن يقصد به أحدهما دون الآخر , بل أراد أن يبكيهما جميعا .
فكذلك ذلك في قول الله جل ثناؤه : { أو كصيب من السماء } لما كان معلوما أن " أو " دالة في ذلك على مثل الذي كانت تدل عليه الواو , ولو كانت مكانها كان سواء نطق فيه ب " أو " أو بالواو .
وكذلك وجه حذف المثل من قوله : { أو كصيب } لما كان قوله : { كمثل الذي استوقد نارا } دالا على أن معناه : كمثل صيب , حذف المثل واكتفى بدلالة ما مضى من الكلام في قوله : { كمثل الذي استوقد نارا } على أن معناه : أو كمثل صيب , من إعادة ذكر المثل طلب الإيجاز والاختصار .فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت القول في تأويل قوله تعالى : { فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت } قال أبو جعفر : فأما الظلمات فجمع , وأحدها ظلمة ; وأما الرعد فإن أهل العلم أختلفوا فيه ; فقال بعضهم : هو ملك يزجر السحاب .
ذكر من قال ذلك : 351 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : حدثنا محمد بن جعفر , قال : حدثنا شعبة عن الحكم , عن مجاهد , قال : الرعد ملك يزجر السحاب بصوته .
* وحدثنا محمد بن المثنى , قال : حدثنا ابن أبي عدي , عن شعبة عن الحكم عن مجاهد مثله .
* وحدثني يحيى بن طلحة اليربوعي , قال : حدثنا فضيل بن عياض , عن ليث , عن مجاهد مثله .
352 - وحدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : حدثنا هشيم قال : أنبأنا إسماعيل بن سالم عن أبي صالح , قالا : الرعد ملك من الملائكة يسبح .
353 - وحدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي , قال : حدثنا محمد بن يعلى , عن أبي الخطاب البصري , عن شهر بن حوشب قال : الرعد : ملك موكل بالسحاب , يسوقه كما يسوق الحادي الإبل , يسبح كلما خالفت سحابة سحابة صاح بها , فإذا اشتد غضبه طارت النار من فيه فهي الصواعق التي رأيتم .
354 - وحدثت عن المنجاب بن الحارث , قال : حدثنا بشر بن عمارة , عن أبي روق , عن الضحاك , عن ابن عباس , قال : الرعد : ملك من الملائكة اسمه الرعد , وهو الذي تسمعون صوته .
355 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي , قال : حدثنا أبو أحمد , قال : حدثنا عبد الملك بن حسين عن السدي عن أبي مالك , عن ابن عباس , قال : الرعد : ملك يزجر السحاب بالتسبيح والتكبير .
356 - وحدثنا الحسن بن محمد , قال : حدثنا علي بن عاصم , عن ابن جريج , عن مجاهد , عن ابن عباس , قال : الرعد : اسم ملك , وصوته هذا تسبيحه , فإذا اشتد زجره السحاب اضطرب السحاب واحتك فتخرج الصواعق من بينه .
357 - حدثنا الحسن , قال : حدثنا عفان , قال : حدثنا أبو عوانة , عن موسى البزار , عن شهر بن حوشب عن ابن عباس , قال : الرعد : ملك يسوق السحاب بالتسبيح , كما يسوق الحادي الإبل بحدائه .
* حدثنا الحسن بن محمد , قال : حدثنا يحيى بن عباد وشبابة قالا : ثنا شعبة , عن الحكم , عن مجاهد , قال : الرعد : ملك يزجر السحاب .
358 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري , قال : حدثنا عتاب بن زياد , عن عكرمة , قال : الرعد : ملك في السحاب يجمع السحاب كما يجمع الراعي الإبل .
359 - وحدثنا بشر , قال : حدثنا يزيد , قال : حدثنا سعيد , عن قتادة , قال : الرعد : خلق من خلق الله جل وعز سامع مطيع لله جل وعز 360 - حدثنا القاسم بن الحسن , قال : حدثنا الحسين بن داود , قال : حدثني حجاج عن ابن جريج , عن عكرمة , قال : إن الرعد ملك يؤمر بإزجاء السحاب فيؤلف بينه , فذلك الصوت تسبيحه .
361 - وحدثنا القاسم , قال : حدثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن ابن جريح , عن مجاهد , قال : الرعد : ملك .
362 - وحدثني المثنى , قال : حدثنا الحجاج بن المنهال , قال : حدثنا حماد بن سلم ة , عن المغيرة بن سالم , عن أبيه أو غيره , أن علي بن أبي طالب قال : الرعد : ملك .
363 - حدثنا المثنى , قال : حدثنا حجاج , قال : حدثنا حماد , قال : أخبرنا موسى بن سالم أبو جهضم مولى ابن عباس قال : كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن الرعد ؟
فقال : الرعد : ملك .
364 - حدثنا المثنى , قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم , قال : حدثنا عمر بن الوليد السني , عن عكرمة , قال : الرعد : ملك يسوق السحاب كما يسوق الراعي الإبل .
365 - حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : حدثنا حفص بن عمر , قال : حدثنا الحكم بن أبان , عن عكرمة , قال : كان ابن عباس إذا سمع الرعد , قال : سبحان الذي سبحت له , قال : وكان يقول : إن الرعد ملك ينعق بالغيث كما ينعق الراعي بغنمه .
وقال آخرون : إن الرعد : ريح تختنق تحت السحاب , فتصاعد فيكون منه ذلك الصوت .
ذكر من قال ذلك : 366 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري , قال : حدثنا بشر بن إسماعيل , عن أبي كثير , قال : كنت عند أبي الجلد , إذ جاءه رسول ابن عباس بكتاب إليه , فكتب إليه : كتبت تسألني عن الرعد , فالرعد : الريح .
367 - حدثني إبراهيم بن عبد الله قال : حدثنا عمران بن ميسرة , قال : حدثنا ابن إدريس عن الحسن بن الفرات , عن أبيه , قال : كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن الرعد , فقال : الرعد : ريح .
قال أبو جعفر : فإن كان الرعد ما ذكره ابن عباس ومجاهد , فمعنى الآية : أو كصيب من السماء فيه ظلمات وصوت رعد ; لأن الرعد إن كان ملكا يسوق السحاب , فغير كائن في الصيب ; لأن الصيب إنما هو ما تحدر من صوب السحاب ; والرعد : إنما هو في جو السماء يسوق السحاب , على أنه لو كان فيه يمر لم يكن له صوت مسموع , فلم يكن هنالك رعب يرعب به أحد ; لأنه قد قيل : إن مع كل قطرة من قطر المطر ملكا , فلا يعدو الملك الذي اسمه الرعد لو كان مع الصيب إذا لم يكن مسموعا صوته أن يكون كبعض تلك الملائكة التي تنزل مع القطر إلى الأرض في أن لا رعب على أحد بكونه فيه .
فقد علم إذ كان الأمر على ما وصفنا من قولة ابن عباس أن معنى الآية : أو كمثل غيث تحدر من السماء فيه ظلمات وصوت رعد ; إن كان الرعد هو ما قاله ابن عباس , وإنه استغنى بدلالة ذكر الرعد باسمه على المراد في الكلام من ذكر صوته .
وإن كان الرعد ما قاله أبو الجلد فلا شيء في قوله : " فيه ظلمات ورعد " متروك لأن معنى الكلام حينئذ : فيه ظلمات ورعد الذي هو وما وصفنا صفته .
وأما البرق , فإن أهل العلم اختلفوا فيه ; فقال بعضهم بما : 368 - حدثنا مطر بن محمد الضبي , قال : حدثنا أبو عاصم ح وحدثني محمد بن بشار قال : حدثني عبد الرحمن بن مهدي ح وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي , قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري , قالوا جميعا : حدثنا سفيان الثوري , عن سلمة بن كهيل , عن سعيد بن أشوع , عن ربيعة بن الأبيض , عن علي قال : البرق : مخاريق الملائكة .
369 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري قال : حدثنا عبد الملك بن الحسين , عن السدي عن أبي مالك , عن ابن عباس : البرق مخاريق بأيدي الملائكة يزجرون بها السحاب .
* حدثني المثنى , قال : حدثنا الحجاج , قال : حدثنا حماد , عن عميرة بن سالم , عن أبيه أو غيره أن علي بن أبي طالب قال : الرعد : الملك , والبرق : ضربه السحاب بمخراق من حديد .
وقال آخرون : هو سوط من نور يزج به الملك السحاب .
370 - حدثت عن المنجاب بن الحارث , قال : حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق , عن الضحاك , عن ابن عباس بذلك .
وقال آخرون : هو ماء .
ذكر من قال ذلك 371 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي , قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري , قال : حدثنا بشر بن إسماعيل , عن أبي كثير , قال : كنت عند أبي الجلد إذ جاءه رسول ابن عباس بكتاب إليه , فكتب إليه : تسألني عن البرق , فالبرق : الماء .
372 - حدثنا إبراهيم بن عبد الله , قال : حدثنا عمران بن ميسرة , قال : حدثنا ابن إدريس , عن الحسن بن الفرات , عن أبيه , قال : كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن البرق , فقال : البرق ماء .
* حدثنا ابن حميد , قال : حدثنا جرير , عن عطاء , عن رجل من أهل البصرة من قرائهم , قال : كتب ابن عباس إلى أبي الجلد رجل من أهل هجر يسأله عن البرق , فكتب إليه : كتبت إليه تسألني عن البرق : وإنه من الماء .
وقال آخرون : هو مصع ملك 373 - حدثنا محمد بن بشار , قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي , قال : حدثنا سفيان عن عثمان بن الأسود , عن مجاهد , قال : البرق : مصع ملك .
374 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق , قال : حدثنا هشام , عن محمد بن مسلم الطائفي , قال : بلغني أن البرق ملك له أربعة أوجه : وجه إنسان , ووجه ثور , ووجه نسر , ووجه أسد , فإذا مصع بأجنحته فذلك البرق .
375 - حدثنا القاسم , قال : حدثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن وهب بن سليمان , عن شعيب الجبائي , قال : في كتاب الله الملائكة حملة العرش , لكل ملك منهم وجه إنسان , وثور , وأسد , فإذا حركوا أجنحتهم فهو البرق .
وقال أمية بن أبي الصلت : رجل وثور تحت رجل يمينه والنسر للأخرى وليث مرصد 376 - حدثنا الحسين بن محمد , قال : حدثنا علي بن عاصم , عن ابن جريج , عن مجاهد , عن ابن عباس : البرق : ملك .
377 - وقد حدثنا القاسم , قال : حدثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن ابن جريج قال : الصواعق ملك يضرب السحاب بالمخاريق يصيب منه من يشاء .
قال أبو جعفر : وقد يحتمل أن يكون ما قاله علي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد بمعنى واحد ; وذلك أن تكون المخاريق التي ذكر علي رضي الله عنه أنها هي البرق هي السياط التي هي من نور التي يزجي بها الملك السحاب , كما قال ابن عباس .
ويكون إزجاء الملك السحاب : مصعه إياه بها , وذاك أن المصاع عند العرب أصله المجالدة بالسيوف , ثم تستعمله في كل شيء جولد به في حرب وغير حرب , كما قال أعشى بني ثعلبة وهو يصف جواري يلعبن بحليهن ويجالدن به : إذا هن نازلن أقرانهن وكان المصاع بما في الجون يقال منه : ماصعه مصاعا .
وكأن مجاهدا إنما قال : " مصع ملك " , إذ كان السحاب لا يماصع الملك , وإنما الرعد هو المماصع له , فجعله مصدرا من مصعه يمصعه مصعا , وقد ذكرنا ما في معنى الصاعقة ما قال شهر بن حوشب فيما مضى .
وأما تأويل الآية , فإن أهل التأويل مختلفون فيه .
فروي عن ابن عباس في ذلك أقوال ; أحدها ما : 378 - حدثنا به محمد بن حميد , قال : حدثنا سلمة , قال : حدثنا محمد بن إسحاق , عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت , عن عكرمة , أو عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : { أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت } أي هم من ظلمات ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل - على الذي هم عليه من الخلاف , والتخويف منكم - على مثل ما وصف من الذي هو في ظلمة الصيب , فحمل أصابعه في أذنيه من الصواعق حذر الموت { يكاد البرق يخطف أبصارهم } أي لشدة ضوء الحق , { كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا } أي يعرفون الحق ويتكلمون به , فهم من قولهم به على استقامة , فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا متحيرين .
والآخر ما : 379 - حدثني به موسى بن هارون , قال : حدثنا عمرو , قال : حدثنا أسباط , عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك , وعن أبي صالح عن ابن عباس , وعن مرة , عن ابن مسعود , وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : { أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق } إلى : { إن الله على كل شيء قدير } : أما الصيب والمطر كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين , فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله فيه رعد شديد وصواعق وبرق , فجعلا كلما أضاء لهما الصواعق جعلا أصابعهما في آذانهما من الفرق أن تدخل الصواعق في مسامعهما فتقتلهما , وإذ لمع البرق مشيا في ضوئه , وإذا لم يلمع لم يبصرا وقاما مكانهما لا يمشيان , فجعلا يقولان : ليتنا قد أصبحنا فنأتي محمدا فنضع أيدينا في يده !
فأصبحا فأتياه فأسلما ووضعا أيديهما في يده وحسن إسلامهما .
فضرب الله شأن هذين المنافقين الخارجين مثلا للمنافقين الذين بالمدينة .
وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم , جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيهم شيء أو يذكروا بشيء فيقتلوا , كما كان ذانك المنافقان الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما , وإذا أضاء لهم مشوا فيه .
فإذا كثرت أموالهم وولد لهم الغلمان وأصابوا غنيمة أو فتحا مشوا فيه , وقالوا : إن دين محمد صلى الله عليه وسلم دين صدق فاستقاموا عليه , كما كان ذانك المنافقان يمشيان إذا أضاء لهم البرق مشوا فيه , وإذا أظلم عليهم قاموا .
فكانوا إذا هلكت أموالهم , وولد لهم الجواري , وأصابهم البلاء قالوا هذا من أجل دين محمد , فارتدوا كفارا كما قام ذانك المنافقان حين أظلم البرق عليهما والثالث ما : 380 - حدثني به محمد بن سعد ; قال : حدثني أبي , قال : حدثني عمي , عن أبيه , عن جده , عن ابن عباس : { أو كصيب من السماء } كمطر { فيه ظلمات ورعد وبرق } إلى آخر الآية , هو مثل المنافق في ضوء ما تكلم بما معه من كتاب الله وعمل , مراءاة للناس , فإذا خلا وحده عمل بغيره .
فهو في ظلمة ما أقام على ذلك .
وأما الظلمات فالضلالة , وأما البرق فالإيمان , وهم أهل الكتاب .
وإذا أظلم عليهم , فهو رجل يأخذ بطرف الحق لا يستطيع أن يجاوزه .
والرابع ما : 381 - حدثني به المثنى , قال : حدثنا عبد الله بن صالح , قال : حدثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس { أو كصيب من السماء } وهو المطر , ضرب مثله في القرآن يقول : " فيه ظلمات " , يقول ابتلاء .
" ورعد " يقول : فيه تخويف , وبرق { يكاد البرق يخطف أبصارهم } يقول : يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين , { كلما أضاء لهم مشوا فيه } يقول : كلما أصاب المنافقون من الإسلام عزا اطمأنوا , وإن أصابوا الإسلام نكبة , قالوا : ارجعوا إلى الكفر يقول : { وإذا أظلم عليهم قاموا } كقوله : { ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة } 22 11 إلى آخر الآية .
ثم اختلف سائر أهل التأويل بعد ذلك في نظير ما روي عن ابن عباس من الاختلاف .
382 - فحدثني محمد بن عمرو الباهلي , قال : حدثنا أبو عاصم , عن عيسى بن ميمون , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : إضاءة البرق وإظلامه على نحو ذلك المثل .
* وحدثني المثنى , قال : حدثنا أبو حذيفة , قال : حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد مثله .
* حدثنا عمرو بن علي , قال : حدثنا أبو عاصم , قال : حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله .
383 - وحدثنا بشر بن معاذ , قال : حدثنا يزيد بن زريع , عن سعيد , عن قتادة في قول الله : { فيه ظلمات ورعد وبرق } إلى قوله : { وإذا أظلم عليهم قاموا } , فالمنافق إذا رأى في الإسلام رخاء أو طمأنينة أوسلوة من عيش , قال : أنا معكم وأنا منكم ; وإذا أصابته شدة حقحق والله عندها فانقطع به فلم يصبر على بلائها , ولم يحتسب أجرها ولم يرج عاقبتها .
384 - وحدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة : { فيه ظلمات ورعد وبرق } يقول : أخبر عن قوم لا يسمعون شيئا إلا ظنوا أنهم هالكون فيه حذرا من الموت , والله محيط بالكافرين .
ثم ضرب لهم مثلا آخر فقال : { يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه } يقول : هذا المنافق , إذا كثر ماله وكثرت ماشيته وأصابته عافية قال : لم يصبني منذ دخلت في ديني هذا إلا خير , { وإذا أظلم عليهم قاموا } يقول : إذا ذهبت أموالهم وهلكت مواشيهم وأصابهم البلاء قاموا متحيرين .
385 - وحدثني المثنى , قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج , عن عبد الله بن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع بن أنس : { فيه ظلمات ورعد وبرق } قال : مثلهم كمثل قوم ساروا في ليلة مظلمة ولها مطر ورعد وبرق على جادة , فلما أبرقت أبصروا الجادة فمضوا فيها , وإذا ذهب البرق تحيروا .
وكذلك المنافق كلما تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له , فإذا شك تحير ووقع في الظلمة , فكذلك قوله : { كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا } ثم قال : في أسماعهم وأبصارهم التي عاشوا بها في الناس { ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم } قال أبو جعفر : 386 - وحدثنا القاسم , قال : حدثنا الحسين , قال : حدثنا أبو تميلة , عن عبيد بن سليمان الباهلي , عن الضحاك بن مزاحم : { فيه ظلمات } قال : أما الظلمات فالضلالة , والبرق : الإيمان .
387 - وحدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : حدثني عبد الرحمن بن زيد في قوله : { فيه ظلمات ورعد وبرق } فقرأ حتى بلغ : { إن الله على كل شيء قدير } قال : هذا أيضا مثل ضربه الله للمنافقين , كانوا قد استناروا بالإسلام كما استنار هذا بنور هذا البرق .
388 - وحدثنا القاسم , قال : حدثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , قال : قال ابن جريج : ليس شيء في الأرض سمعه المنافق إلا ظن أنه يراد به وأنه الموت كراهية له , والمنافق أكره خلق الله للموت , كما إذا كانوا بالبراز في المطر فروا من الصواعق .
389 - حدثنا عمرو بن علي , قال : حدثنا أبو معاوية , قال : حدثنا ابن جريج , عن عطاء في قوله : { أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق } قال : مثل ضرب للكفار .
وهذه الأقوال التي ذكرنا عمن رويناها عنه , فإنها وإن اختلفت فيها ألفاظ قائليها متقاربات المعاني لأنها جميعا تنبئ عن أن الله ضرب الصيب لظاهر إيمان المنافق مثلا , ومثل ما فيه من ظلمات بضلالته , وما فيه من ضياء برق بنور إيمانه , واتقائه من الصواعق بتصيير أصابعه في أذنيه بضعف جنانه ونخب فؤاده من حلول عقوبة الله بساحته , ومشيه في ضوء البرق باستقامته على نور إيمانه , وقيامه في الظلام بحيرته في ضلالته وارتكاسه في عمهه فتأويل الآية إذا إذا كان الأمر على ما وصفنا : أو مثل ما استضاء به المنافقون من قيلهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بألسنتهم : آمنا بالله وباليوم الآخر وبمحمد وما جاء به , حتى صار لهم بذلك في الدنيا أحكام المؤمنين , وهم مع إظهارهم بألسنتهم ما يظهرون بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم , وما جاء به من عند الله وباليوم الآخر , مكذبون , ولخلاف ما يظهرون بالألسن في قلوبهم معتقدون , على عمى منهم وجهالة بما هم عليه من الضلالة لا يدرون أي الأمرين اللذين قد شرع لهم [ فيه ] الهداية في الكفر الذي كانوا عليه قبل إرسال الله محمدا صلى الله عليه وسلم ما أرسله به إليهم , أم في الذي أتاهم به محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربهم ؟
فهم من وعيد الله إياهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وجلون , وهم مع وجلهم من ذلك في حقيقته شاكون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا .
كمثل غيث سرى ليلا في مزنة ظلماء وليلة مظلمة يحدوها رعد ويستطير في حافاتها برق شديد لمعانه كثير خطرانه , يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار , ويختطفها من شدة ضيائه ونور شعاعه وينهبط منها تارات صواعق تكاد تدع النفوس من شدة أهوالها زواهق .
فالصيب مثل لظاهر ما أظهر المنافقون بألسنتهم من الإقرار والتصديق , والظلمات التي هي فيه لظلمات ما هم مستبطنون من الشك والتكذيب ومرض القلوب .
وأما الرعد والصواعق فلما هم عليه من الوجل من وعيد الله إياهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في آي كتابه , إما في العاجل وإما في الآجل , أي يحل بهم مع شكهم في ذلك : هل هو كائن , أم غير كائن , وهل له حقيقة أم ذلك كذب وباطل ؟
مثل .
فهم من وجلهم أن يكون ذلك حقا يتقونه بالإقرار بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بألسنتهم مخافة على أنفسهم من الهلاك ونزول النقمات وذلك تأويل قوله جل ثناؤه : { يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت } يعني بذلك يتقون وعيد الله الذي أنزله في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بما يبدونه بألسنتهم من ظاهر الإقرار , كما يتقي الخائف أصوات الصواعق بتغطية أذنيه وتصيير أسابعه فيها حذرا على نفسه منها .
وقد ذكرنا الخبر الذي روي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما كانا يقولان : إن المنافقين كانوا إذا حضروا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخلوا أصابعهم في آذانهم فرقا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيهم شيء , أو يذكروا بشيء فيقتلوا .
فإن كان ذلك صريحا , ولست أعلمه صحيحا , إذ كنت بإسناده مرتابا ; فإن القول الذي روي عنهما هو القول وإن يكن غير صحيح , فأولى بتأويل الآية ما قلنا ; لأن الله إنما قص علينا من خبرهم في أول مبتدأ قصصهم أنهم يخادعون الله ورسوله والمؤمنين بقولهم آمنا بالله وباليوم الآخر مع شك قلوبهم ومرض أفئدتهم في حقيقة ما زعموا أنهم به مؤمنون مما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند ربهم , وبذلك وصفهم في جميع آي القرآن التي ذكر فيها صفتهم .
فكذلك ذلك في هذه الآية .
وإنما جعل الله إدخالهم أصابعهم في آذانهم مثلا لاتقائهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بما ذكرنا أنهم يتقونهم به كما يتقي سامع صوت الصاعقة بإدخال أصابعه في أذنيه .
وذلك من المثل نظير تمثيل الله جل ثناؤه ما أنزل فيهم من الوعيد في آي كتابه بأصوات الصواعق , وكذلك قوله : { حذر الموت } جعله جل ثناؤه مثلا لخوفهم وإشفاقهم من حلول عاجل العقاب المهلك الذي توعده بساحتهم , كما يجعل سامع أصوات الصواعق أصابعه في أذنيه حذر العطب والموت على نفسه أتزهق من شدتها .
إنما نصب قوله : { حذر الموت } على نحو ما تنصب به التكرمة في قولك : زرتك تكرمة لك , تريد بذلك : من أجل تكرمتك , وكما قال جل ثناؤه : { ويدعوننا رغبا ورهبا } 21 90 على التفسير للفعل .
وقد روي عن قتادة أنه كان يتأول قوله : { حذر الموت } : حذرا من الموت .
390 - حدثنا بذلك الحسن بن يحيى , قال : حدثنا عبد الرزاق , قال : أنبأنا معمر عنه .
وذلك مذهب من التأويل ضعيف لأن القوم لم يجعلوا أصابعهم في آذانهم حذرا من الموت فيكون معناه ما قال إنه مراد به حذرا من الموت , وإنما جعلوها من حذار الموت في آذانهم .
وكان قتادة وابن جريج يتأولان قوله : { يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت } أن ذلك من الله جل ثناؤه صفة للمنافقين بالهلع , وضعف القلوب , وكراهة الموت , يتأولان في ذلك قوله : { يحسبون كل صيحة عليهم } 63 4 وليس الأمر في ذلك عندي كالذي قالا , وذلك أنه قد كان فيهم من لا تنكر شجاعته ولا تدفع بسالته كقزمان الذي لم يقم مقامه أحد من المؤمنين بأحد أو دونه .
وإنما كانت كراهتهم شهود المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركهم معاونته على أعدائه ; لأنهم لم يكونوا أديانهم مستبصرين ولا برسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقين , فكانوا للحضور معه مشاهده كارهين , إلا بالتخذيل عنه .
ولكن ذلك وصف من الله جل ثنائهم لهم بالإشفاق من حلول عقوبة الله بهم على نفاقهم , إما عاجلا , وإما آجلا .والله محيط بالكافرين ثم أخبر جل ثناؤه أن المنافقين الذين نعتهم النعت الذي ذكر وضرب لهم الأمثال التي وصف وإن اتقوا عقابه وأشفقوا عذابه إشفاق الجاعل في أذنيه أصابعه حذار حلول الوعيد الذي توعدهم به أي كتابه , غير منجيهم ذلك من نزوله بعقوتهم وحلوله بساحتهم , إما عاجلا في الدنيا , وإما آجلا في الآخرة , للذي في قلوبهم من مرضها والشك في اعتقادها , فقال : { والله محيط بالكافرين } بمعنى جامعهم فمحل بهم عقوبته .
وكان مجاهد يتأول ذلك كما : 391 - حدثني محمد بن عمرو الباهلي , قال : حدثنا أبو عاصم عن عيسى بن ميمون , عن عبد الله بن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : { والله محيط بالكافرين } قال : جامعهم في جهنم .
وأما ابن عباس فروي عنه في ذلك ما : 392 - حدثني به ابن حميد , قال : حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة , أو عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : { والله محيط بالكافرين } يقول : الله منزل ذلك بهم من النقمة * حدثنا القاسم , قال : حدثنا الحسين , قال : حدثنا حجاج عن ابن جريج , عن مجاهد في قوله : { والله محيط بالكافرين } قال : جامعهم .
قوله تعالى : أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت[ ص: 208 ] قوله تعالى : أو كصيب من السماء قال الطبري : " أو " بمعنى الواو ، وقاله الفراء .
وأنشد :وقد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورهاوقال آخر :نال الخلافة أو كانت له قدرا كما أتى ربه موسى على قدرأي : وكانت .
وقيل : " أو " للتخيير أي مثلوهم بهذا أو بهذا ، لا على الاقتصار على أحد الأمرين ، والمعنى أو كأصحاب صيب .
والصيب : المطر .
واشتقاقه من صاب يصوب إذا نزل ، قال علقمة :فلا تعدلي بيني وبين مغمر سقتك روايا المزن حيث تصوبوأصله : صيوب ، اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت ، كما فعلوا في ميت وسيد وهين ولين .
وقال بعض الكوفيين : أصله صويب على مثال فعيل .
قال النحاس : " لو كان كما قالوا لما جاز إدغامه ، كما لا يجوز إدغام طويل .
وجمع صيب صيايب .
والتقدير في العربية : مثلهم كمثل الذي استوقد نارا أو كمثل صيب .قوله تعالى : من السماء السماء تذكر وتؤنث ، وتجمع على أسمية وسماوات وسمي ، على فعول ، قال العجاج :تلفه الرياح والسميوالسماء : كل ما علاك فأظلك ، ومنه قيل لسقف البيت : سماء .
والسماء : المطر ، سمي به لنزوله من السماء .
قال حسان بن ثابت :ديار من بني الحسحاس قفر تعفيها الروامس والسماءوقال آخر معاوية بن مالك :إذا سقط السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا[ ص: 209 ] ويسمى الطين والكلأ أيضا سماء ، يقال : ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم .
يريدون الكلأ والطين .
ويقال لظهر الفرس أيضا سماء لعلوه ، قال طفيل الغنوي :وأحمر كالديباج أما سماؤه فريا وأما أرضه فمحولوالسماء : ما علا .
والأرض : ما سفل ، على ما تقدم .قوله تعالى : فيه ظلمات ابتداء وخبر ورعد وبرق معطوف عليه .
وقال : ظلمات ؛ بالجمع إشارة إلى ظلمة الليل وظلمة الدجن ، وهو الغيم ، ومن حيث تتراكب وتتزايد جمعت .
وقد مضى ما فيه من اللغات فلا معنى للإعادة ، وكذا كل ما تقدم إن شاء الله تعالى .
واختلف العلماء في الرعد ، ففي الترمذي عن ابن عباس قال : سألت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو ؟
قال : ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله .
فقالوا : فما هذا الصوت الذي نسمع ؟
قال : زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر الله قالوا : صدقت .
الحديث بطوله .
وعلى هذا التفسير أكثر العلماء .
فالرعد : اسم الصوت المسموع ، وقاله علي رضي الله عنه ، وهو المعلوم في لغة العرب ، وقد قال لبيد في جاهليته :فجعني الرعد والصواعق بال فارس يوم الكريهة النجدوروي عن ابن عباس أنه قال : الرعد ريح تختنق بين السحاب فتصوت ذلك الصوت .
واختلفوا في البرق ، فروي عن علي وابن مسعود وابن عباس رضوان الله عليهم : البرق مخراق حديد بيد الملك يسوق به السحاب .
قلت : وهو الظاهر من حديث الترمذي .
وعن ابن عباس أيضا هو سوط من نور بيد الملك يزجر به السحاب .
وعنه أيضا البرق ملك يتراءى .
وقالت الفلاسفة : الرعد صوت اصطكاك أجرام السحاب .
والبرق ما ينقدح من اصطكاكها .
وهذا مردود لا يصح به نقل ، والله أعلم .
ويقال : أصل الرعد من الحركة ، ومنه الرعديد للجبان .
وارتعد : اضطرب ، ومنه الحديث : ( فجيء بهما ترعد فرائصهما ) [ ص: 210 ] الحديث .
أخرجه أبو داود .
والبرق أصله من البريق والضوء ، ومنه البراق : دابة ركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به وركبها الأنبياء عليهم السلام قبله .
ورعدت السماء من الرعد ، وبرقت من البرق .
ورعدت المرأة وبرقت : تحسنت وتزينت .
ورعد الرجل وبرق : تهدد وأوعد ، قال ابن أحمر :يا جل ما بعدت عليك بلادنا وطلابنا فابرق بأرضك وارعدوأرعد القوم وأبرقوا : أصابهم رعد وبرق .
وحكى أبو عبيدة وأبو عمرو : أرعدت السماء وأبرقت ، وأرعد الرجل وأبرق إذا تهدد وأوعد ، وأنكره الأصمعي .
واحتج عليه بقول الكميت :أبرق وأرعد يا يزي د فما وعيدك لي بضائرفقال : ليس الكميت بحجة .
فائدة : روى ابن عباس قال : كنا مع عمر بن الخطاب في سفرة بين المدينة والشام ومعنا كعب الأحبار ، قال : فأصابتنا ريح وأصابنا رعد ومطر شديد وبرد ، وفرق الناس .
قال فقال لي كعب : إنه من قال حين يسمع الرعد : سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ، عوفي مما يكون في ذلك السحاب والبرد والصواعق .
قال : فقلتها أنا وكعب ، فلما أصبحنا واجتمع الناس قلت لعمر : يا أمير المؤمنين ، كأنا كنا في غير ما كان فيه الناس قال : وما ذاك ؟
قال : فحدثته حديث كعب .
قال : سبحان الله أفلا قلتم لنا فنقول كما قلتم في رواية : فإذا بردة قد أصابت أنف عمر فأثرت به .
وستأتي هذه الرواية في سورة " الرعد " إن شاء الله .
ذكر الروايتين أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب في روايات الصحابة عن التابعين رحمة الله عليهم أجمعين .
وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع الرعد والصواعق قال : اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك .قوله تعالى : يجعلون أصابعهم في آذانهم جعلهم أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن فيؤمنوا به وبمحمد عليه السلام ، وذلك عندهم كفر والكفر موت .
وفي واحد الأصابع خمس لغات : إصبع بكسر الهمزة وفتح الباء ، وأصبع بفتح الهمزة وكسر الباء ، ويقال بفتحهما جميعا ، وضمهما جميعا ، وبكسرهما جميعا ، وهي مؤنثة .
وكذلك الأذن وتخفف وتثقل وتصغر ، فيقال : أذينة .
ولو سميت بها رجلا ثم صغرته قلت : أذين ، فلم تؤنث لزوال التأنيث [ ص: 211 ] عنه بالنقل إلى المذكر فأما قولهم : أذينة في الاسم العلم فإنما سمي به مصغرا ، والجمع آذان .
وتقول : أذنته إذا ضربت أذنه .
ورجل أذن : إذا كان يسمع كلام كل أحد ، يستوي فيه الواحد والجمع .
وأذاني : عظيم الأذنين .
ونعجة أذناء ، وكبش آذن .
وأذنت النعل وغيرها تأذينا : إذا جعلت لها أذنا .
وأذنت الصبي : عركت أذنه .قوله تعالى : من الصواعق أي من أجل الصواعق .
والصواعق جمع صاعقة .
قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما : إذا اشتد غضب الرعد الذي هو الملك طار النار من فيه وهي الصواعق .
وكذا قال الخليل ، قال : هي الواقعة الشديدة من صوت الرعد ، يكون معها أحيانا قطعة نار تحرق ما أتت عليه .
وقال أبو زيد : الصاعقة نار تسقط من السماء في رعد شديد .
وحكى الخليل عن قوم : الساعقة ( بالسين ) .
وقال أبو بكر النقاش : يقال صاعقة وصعقة وصاقعة بمعنى واحد .
وقرأ الحسن : " من الصواقع " ( بتقديم القاف ) ، ومنه قول أبي النجم :يحكون بالمصقولة القواطع تشقق البرق عن الصواقعقال النحاس : وهي لغة تميم وبعض بني ربيعة .
ويقال : صعقتهم السماء إذا ألقت عليهم الصاعقة .
والصاعقة أيضا صيحة العذاب ، قال الله عز وجل : فأخذتهم صاعقة العذاب الهون ويقال : صعق الرجل صعقة وتصعاقا ، أي غشي عليه ، ومنه قوله تعالى : وخر موسى صعقا فأصعقه غيره .
قال ابن مقبل :ترى النعرات الزرق تحت لبانه أحاد ومثنى أصعقتها صواهلهوقوله تعالى : فصعق من في السماوات ومن في الأرض أي مات .
وشبه الله تعالى في هذه الآية أحوال المنافقين بما في الصيب من الظلمات والرعد والبرق والصواعق .
فالظلمات مثل لما يعتقدونه من الكفر ، والرعد والبرق مثل لما يخوفون به .
وقيل : مثل الله تعالى القرآن بالصيب لما فيه من الإشكال عليهم ، والعمى هو الظلمات ، وما فيه من الوعيد والزجر هو الرعد ، وما فيه من النور والحجج الباهرة التي تكاد أحيانا أن تبهرهم هو البرق .
والصواعق مثل لما في القرآن من الدعاء إلى القتال في العاجل والوعيد في الآجل .
وقيل : الصواعق تكاليف الشرع التي يكرهونها من الجهاد والزكاة وغيرهما .قوله : حذر الموت حذر وحذار بمعنى ، وقرئ بهما .
قال سيبويه : هو منصوب ، لأنه موقوع له أي مفعول من أجله ، وحقيقته أنه مصدر ، وأنشد سيبويه لحاتم الطائي :وأغفر عوراء الكريم ادخاره وأعرض عن شتم اللئيم تكرماوقال الفراء : هو منصوب على التمييز ، والموت : ضد الحياة .
وقد مات يموت ، ويمات أيضا ، قال الراجز :بنيتي سيدة البنات عيشي ولا يؤمن أن تماتيفهو ميت وميت ، وقوم موتى وأموات وميتون وميتون .
والموات ( بالضم ) : الموت .
والموات ( بالفتح ) : ما لا روح فيه .
والموات أيضا : الأرض التي لا مالك لها من الآدميين ولا ينتفع بها أحد .
والموتان ( بالتحريك ) : خلاف الحيوان ، يقال : اشتر الموتان ، ولا تشتر الحيوان ، أي اشتر الأرضين والدور ، ولا تشتر الرقيق والدواب .
والموتان ( بالضم ) : موت يقع في الماشية ، يقال : وقع في المال موتان .
وأماته الله وموته ، شدد للمبالغة .
وقال :فعروة مات موتا مستريحا فهأنذا أموت كل يوموأماتت الناقة إذا مات ولدها ، فهي مميت ومميتة .
قال أبو عبيد : وكذلك المرأة ، وجمعها مماويت .
قال ابن السكيت : أمات فلان إذا مات له ابن أو بنون .
والمتماوت من صفة الناسك المرائي وموت مائت ، كقولك : ليل لائل ، يؤخذ من لفظه ما يؤكد به .
والمستميت للأمر : المسترسل له ، قال رؤبة :وزبد البحر له كتيت والليل فوق الماء مستميتالمستميت أيضا : المستقتل الذي لا يبالي في الحرب من الموت ، وفي الحديث : ( أرى القوم مستميتين ) وهم الذين يقاتلون على الموت .
والموتة ( بالضم ) : جنس من الجنون والصرع يعتري الإنسان ، فإذا أفاق عاد إليه كمال عقله كالنائم والسكران .
ومؤتة ( بضم الميم وهمز الواو ) : اسم أرض قتل بها جعفر بن أبي طالب عليه السلام .قوله تعالى : والله محيط بالكافرين ابتداء وخبر ، أي لا يفوتونه .
يقال : أحاط السلطان بفلان إذا أخذه أخذا حاصرا من كل جهة ، قال الشاعر :أحطنا بهم حتى إذا ما تيقنوا بما قد رأوا مالوا جميعا إلى السلم[ ص: 213 ] ومنه قوله تعالى : وأحيط بثمره .
وأصله محيط ، نقلت حركة الياء إلى الحاء فسكنت .
فالله سبحانه محيط بجميع المخلوقات ، أي هي في قبضته وتحت قهره ، كما قال : والأرض جميعا قبضته يوم القيامة .
وقيل : محيط بالكافرين أي عالم بهم .
دليله : وأن الله قد أحاط بكل شيء علما .
وقيل : مهلكهم وجامعهم .
دليله قوله تعالى : إلا أن يحاط بكم أي إلا أن تهلكوا جميعا .
وخص الكافرين بالذكر لتقدم ذكرهم في الآية .
والله أعلم .
ثم قال تعالى: { أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ } يعني: أو مثلهم كصيب، أي: كصاحب صيب من السماء، وهو المطر الذي يصوب, أي: ينزل بكثرة، { فِيهِ ظُلُمَاتٌ } ظلمة الليل, وظلمة السحاب, وظلمات المطر، { وَرَعْدٌ } وهو الصوت الذي يسمع من السحاب، { وَبَرْقٌ } وهو الضوء [اللامع] المشاهد مع السحاب.
{أو كصيب} أي كأصحاب صيب.
وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى للمنافقين بمعنى آخر إن شئت مثلهم بالمستوقد وإن شئت بأهل الصيب، وقيل: "أو" بمعنى الواو؛ يريد وكصيب كقوله تعالى: {أو يزيدون} بمعنى ويزيدون.
والصيب المطر وكل ما نزل من الأعلى إلى الأسفل فهو صيب فعل من صاب يصوب أي نزل.
{من السماء}: أي من السحاب.
قيل: هي السماء بعينها، والسماء كل ما علاك فأظلك، وهي من أسماء الأجناس يكون واحداً وجمعاً.
{فيه}: أي في الصيب، وقيل: في السماء أي من السحاب ولذلك ذكره.
وقيل: السماء يُذَكَّر ويؤنث، قال الله تعالى: {السماء منفطر به} [18-المزمل]، وقال: {إذا السماء انفطرت} [1-الانفطار].
{ظلمات} جمع ظلمة.
{ورعد} هو الصوت الذي يسمع من السحاب.
{وبرق} وهو النار التي تخرج منه.
قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين رضي الله عنهم: "الرعد اسم ملك يسوق السحاب والبرق لمعان سوط من نور يزجر به الملك السحاب".
وقيل: الصوت زجر السحاب.
وقيل: تسبيح الملك.
وقيل: الرعد نطق الملك والبرق ضحكه.
وقال مجاهد: "الرعد اسم الملك" ويقال لصوته أيضاً رعد، والبرق مصع ملك يسوق السحاب.
وقال شهر بن حوشب: "الرعد ملك يزجي السحاب فإذا تبددت ضمها فإذا اشتد غضبه طارت من فيه النار فهي الصواعق"، وقيل: الرعد صوت انحراف الريح بين السحاب والأول أصح.
{يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق} جمع صاعقة وهي الصيحة التي يموت من يسمعها أو يغشى عليه.
ويقال لكل عذاب مهلك صاعقة، وقيل: الصاعقة قطعة عذاب ينزلها الله تعالى على من يشاء.
روي عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال: "اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك".
قوله: {حذر الموت}: أي مخافة الهلاك.
{والله محيط بالكافرين}: أي عالم بهم، وقيل: جامعهم.
وقال مجاهد: "يجمعهم فيعذبهم".
وقيل: مهلكهم، دليله قوله تعالى: {إلا أن يحاط بكم} [66-يوسف] أي تهلكوا جميعاً.
ويميل أبو عمرو و الكسائي الكافرين في محل النصب والخفض ولا يميلان: [أول كافر به] [41-البقرة].
«أو» مثلهم «كصيِّب» أي كأصحاب مطر وأصله صيوب من صاب يصوب أي ينزل «من السماء» السحاب «فيه» أي السحاب «ظلمات» متكاثفة «ورعد» هو الملك الموكَّل به وقيل صوته «وبرق» لمعان صوته الذي يزجره به «يجعلون» أي أصحاب الصيِّب «أصابعهم» أي أناملها «في آذانهم من» أجل «الصواعق» شدة صوت الرعد لئلا يسمعوها «حذر» خوف «الموت» من سماعها.
كذلك هؤلاء: إذا نزل القرآن وفيه ذكر الكفر المشبه بالظلمات والوعيد عليه المشبه بالرعد والحجج البينة المشبهة بالبرق، يسدون آذانهم لئلا يسمعوه فيميلوا إلى الإيمان وترك دينهم وهو عندهم موت «والله محيط بالكافرين» علماً وقدرة فلا يفوتونه.
أو تُشْبه حالُ فريق آخر من المنافقين يظهر لهم الحق تارة، ويشكون فيه تارة أخرى، حالَ جماعة يمشون في العراء، فينصب عليهم مطر شديد، تصاحبه ظلمات بعضها فوق بعض، مع قصف الرعد، ولمعان البرق، والصواعق المحرقة، التي تجعلهم من شدة الهول يضعون أصابعهم في آذانهم؛ خوفًا من الهلاك.
والله تعالى محيط بالكافرين لا يفوتونه ولا يعجزونه.
ثم ساق - سبحانه - المثل الثاني فقال : ( أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ) ." أو " للتسوية بين الشيئين وهي مفيدة أن التمثيل بأيهما أو بمجموعهما يؤدى إلى المقصود ، فهي مانعة خلو مجوزة للجمع بينهما .و ( الصيب ) - كسيد - المطر ، من الصوب وهو النزول .
يقال : صاب صوباً ، إذا نزل أو انحدر ، سمى به المطر لنزوله ، وفي الجملة الكريمة إيجاز بحذف ما دل عليه المقام دلالة واضحة .والتقدير : أو كمثل ذوي صيب .
والمعنى أن قصة هؤلاء المنافقين مشبهة بقصة الذي استوقد ناراً ، أو بقصة ذوي صيب .والسماء : كل ما علاك من سقف ونحوه ، والمراد بها السحاب .والرعد : الصوت الذي يسمع بسبب اصطدام سحابتين محملتين بشحنتين كهربيتين أحداهما موجبة والأخرى سالبة .والبرق : هو الضوء الذي يحدث بسبب الاصطدام ذاته .وإيراد هذه الألفاز بصفة التنكير للتهويل ، ويكون المعنى : أو أن مثل هؤلاء المنافقين كمثل قوم نزل بهم المطر من السماء تصحبه ظلمات كأنها سواد الليل ، ورعد بصم الآذان ، وبرق يخطف الأبصار؛ وصواعق تحرق ما تصيبه .ثم قال - تعالى - : ( يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق حَذَرَ الموت ) .ِالصواعق : جمع صاعقة من الصعق وهو شدة الصوت الذي يصحبه - غالباً - قطعة من نار لا تأتي على شيء إلا أهلكته .( ومن ) في قوله - تعالى - : ( مِّنَ الصواعق ) للعليل .
وإنما كانت الصواعق داعية إلى سدهم آذانهم بأصابعهم ، من جهة أنها قد تفضى بصوتها لهائل إلى الموت ، وجاء هذا مصرحا به في قوله - تعالى - ( حَذَرَ الموت ) يدل على أنهم لم يموتوا من تلك المفزعات وهذه المروعات .
إمدادا في عذابهم .
ومطاولة في نكالهم .وقوله - تعالى - : ( والله مُحِيطٌ بالكافرين ) جملة معترضة في أثناء ضرب المثل بذوي الصيب .وإحاطته - سبحانه - بالكافرين على معنى أنهم لا مهرب لهم منه ، فهو محيط بهم إحاطة تامة وهو قادر على النكال بهم متى شاء وكيف شاء .ولم يقل محيط بهم مع تقدم مرجع الضمير وهو أصحاب الصيب ، إيذاناً بأنهم إنما استحقوا ذلك العذاب بكفرهم .
اعلم أن هذا هو المثل الثاني للمنافقين وكيفية المشابهة من وجوه: أحدها: أنه إذا حصل السحاب الذي فيه الظلمات والرعد والبرق واجتمع مع ظلمة السحاب ظلمة الليل وظلمة المطر عند ورود الصواعق عليهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت وأن البرق يكاد يخطف أبصارهم، فإذا أضاء لهم مشوا فيه، وإذا ذهب بقوا في ظلمة عظيمة فوقفوا متحيرين لأن من أصابه البرق في هذه الظلمات الثلاث ثم ذهب عنه تشتد حيرته.
وتعظم الظلمة في عينه، وتكون له مزية على من لم يزل في الظلمة، فشبه المنافقين في حيرتهم وجهلهم بالدين بهؤلاء الذين وصفهم، إذ كانوا لا يرون طريقاً ولا يهتدون.
وثانيها: أن المطر وإن كان نافعاً إلا أنه لما وجد في هذه الصورة مع هذه الأحوال الضارة صار النفع به زائلاً، فكذا إظهار الإيمان نافع للمنافق لو وافقه الباطن: فإذا فقد منه الإخلاص وحصل معه النفاق صار ضرراً في الدين.
وثالثها: أن من نزل به هذه الأمور مع الصواعق ظن المخلص منها أن يجعل أصابعه في أذنيه وذلك لا ينجيه مما يريده تعالى به من هلاك وموت، فلما تقرر ذلك في العادات شبه تعالى حال المنافقين في ظنهم أن إظهارهم للمؤمنين ما أظهروه ينفعهم، مع أن الأمر في الحقيقة ليس كذلك بما ذكر.
ورابعها: أن عادة المنافقين كانت هي التأخر عن الجهاد فراراً من الموت والقتل، فشبه الله حالهم في ذلك بحال من نزلت هذه الأمور به وأراد دفعها يجعل إصبعيه في أذنيه.
وخامسها: أن هؤلاء الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم وإن تخلصوا عن الموت في تلك الساعة فإن الموت والهلاك من ورائهم لا مخلص لهم منه فكذلك حال المنافقين في أن الذي يخوضون فيه لا يخلصهم من عذاب النار.
وسادسها: أن من هذا حاله فقد بلغ النهاية في الحيرة لاجتماع أنواع الظلمات وحصول أنواع المخافة، وحصل في المنافقين نهاية الحيرة في باب الدين ونهاية الخوف في الدنيا لأن المنافق يتصور في كل وقت أنه لو حصل الوقوف على باطنه لقتل، فلا يكاد الوجل والخوف يزول عن قلبه مع النفاق.
وسابعها: المراد من الصيب هو الإيمان والقرآن، والظلمات والرعد والبرق هو الأشياء الشاقة على المنافقين، وهي التكاليف الشاقة من الصلاة والصوم وترك الرياسات والجهاد مع الآباء والأمهات، وترك الأديان القديمة، والانقياد لمحمد صلى الله عليه وسلم مع شدة استنكافهم عن الانقياد له فكما أن الإنسان يبالغ في الاحتراز عن المطر الصيب الذي هو أشد الأشياء نفعاً بسبب هذه الأمور المقارنة، فكذا المنافقون يحترزون عن الإيمان والقرآن بسبب هذه الأمور المقارنة، والمراد من قوله: ﴿ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ ﴾ أنه متى حصل لهم شيء من المنافع، وهي عصمة أموالهم ودمائهم وحصول الغنائم لهم فإنهم يرغبون في الدين: ﴿ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ ﴾ أي متى لم يجدوا شيئاً من تلك المنافع فحينئذٍ يكرهون الإيمان ولا يرغبون فيه، فهذه الوجوه ظاهرة في التشبيه.
وبقي على الآية أسئلة وأجوبة.
السؤال الأول: أي التمثيلين أبلغ؟
والجواب: التمثيل الثاني، لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأغاليظ؛ ولذلك تراهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ.
السؤال الثاني: لم عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك؟
الجواب من وجوه: أحدها: لأن أو في أصلها تساوي شيئين فصاعداً في الشك، ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوي في غير الشك.
كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين تريد أنهما سيان في استصواب أن تجالس أيهما شئت، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً ﴾ أي أن الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما، فكذا قوله: ﴿ أَوْ كَصَيّبٍ ﴾ معناه أن كيفية المنافقين شبيهة بكيفتي هاتين القصتين، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب، وإن مثلتها بهما جميعاً فكذلك.
وثانيها: إنما ذكر تعالى ذلك لأن المنافقين قسمان بعضهم يشبهون أصحاب النار، وبعضهم يشبهون أصحاب المطر، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى ﴾ وقوله: ﴿ وَكَم مّن قَرْيَةٍ أهلكناها فَجَاءهَا بَأْسُنَا بياتا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴾ .
وثالثها: أو بمعنى بل قال تعالى: ﴿ وأرسلناه إلى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾ .
ورابعها: أو بمعنى الواو كأنه قال وكصيب من السماء نظيره قوله تعالى: ﴿ أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم ﴾ وقال الشاعر: وقد زعمت ليلى بأني فاجر *** لنفسي تقاها أو عليها فجورها وهذه الوجوه مطردة في قوله: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذلك فَهِىَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ السؤال الثالث: المشبه بالصيب والظلمات والرعد والبرق والصواعق ما هو؟
الجواب: لعلماء البيان هاهنا قولان: أحدهما: أن هذا تشبيه مفرق ومعناه أن يكون المثل مركباً من أمور والممثل يكون أيضاً مركباً من أمور ويكون كل واحد من المثل شبيهاً بكل واحد من الممثل، فهاهنا شبه دين الإسلام بالصيب، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يتعلق به من شبهات الكفار بالظلمات، وما فيه من الوعد والوعيد بالبرق والرعد؛ وما يصيب الكفرة من الفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق، والمعنى أو كمثل ذوي صيب، والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة: والقول الثاني: أنه تشبيه مركب، وهو الذي يشبه فيه إحدى الجملتين بالأخرى في أمر من الأمور وإن لم تكن آحاد إحدى الجملتين شبيهة بآحاد الجملة الأخرى وهاهنا المقصود تشبيه حيرة المنافقين في الدنيا والدين بحيرة من انطفت ناره بعد إيقادها، وبحيرة من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق، فإن قيل الذي كنت تقدره في التشبيه المفرق من حذف المضاف وهو قولك: أو كمثل ذوي صيب هل يقدر مثله في المركب، قلنا لولا طلب الراجع في قوله: ﴿ يَجْعَلُونَ أصابعهم فِي ءاذَانِهِم ﴾ ما يرجع إليه لما كان بنا حاجة إلى تقديره: السؤال الرابع: ما الصيب؟
الجواب: أنه المطر الذي يصوب، أي ينزل من صاب يصوب إذا نزل ومنه صوب رأسه إذا خفضه وقيل إنه من صاب يصوب إذا قصد، ولا يقال صيب إلا للمطر الجود.
كان عليه الصلاة والسلام يقول: «اللهم اجعله صيباً هنيئاً» أي مطراً جوداً وأيضاً يقال للسحاب صيب قال الشماخ: وأسحم دان صادق الوعد صيب *** وتنكير صيب لأنه أريد نوع من المطر شديد هائل، كما تنكرت النار في التمثيل الأول، وقرئ أو كصائب وصيب أبلغ: والسماء هذه المظلة.
السؤال الخامس: قوله من السماء.
ما الفائدة فيه والصيب لا يكون إلا من السماء؟
الجواب من وجهين: الأول: لو قال: أو كصيب فيه ظلمات.
احتمل أن يكون ذلك الصيب نازلاً من بعض جوانب السماء دون بعض، أما لما قال من السماء دل على أنه عام مطبق آخذ بآفاق السماء فكما حصل في لفظ الصيب مبالغات من جهة التركيب والتنكير أيد ذلك بأن جعله مطبقاً.
الثاني: من الناس من قال: المطر إنما يحصل من ارتفاع أبخرة رطبة من الأرض إلى الهواء فتنعقد هناك من شدة برد الهواء ثم تنزل مرة أخرى، فذاك هو المطر ثم إن الله سبحانه وتعالى أبطل ذلك المذهب هاهنا بأن بين أن ذلك الصيب نزل من السماء، كذا قوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً ﴾ وقوله: ﴿ وَيُنَزّلُ مِنَ السماء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ ﴾ السؤال السادس: ما الرعد والبرق؟
الجواب: الرعد الصوت الذي يسمع من السحاب كأن أجرام السحاب تضطرب وتنتقض وترتعد إذا أخذتها الريح فصوت عند ذلك من الارتعاد والبرق الذي يلمع من السحاب من برق الشيء بريقاً إذا لمع.
السؤال السابع: الصيب هو المطر والسحاب فأيهما أريد فما ظلماته؟
الجواب: أما ظلمات السحاب فإذا كان أسحم مطبقاً فظلمته سحمته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل، وأما ظلمة المطر فظلمته تكاثفه وانسجامه بتتابع القطر وظلمته إظلال الغمامة مع ظلمة الليل.
السؤال الثامن: كيف يكون المطر مكاناً للرعد والبرق وإنما مكانهما السحاب.
الجواب: لما كان التعليق بين السحاب والمطر شديداً جاز إجراء أحدهما مجرى الآخر في الأحكام.
السؤال التاسع: هلا قيل رعود وبروق كما قيل ظلمات؟
الجواب: الفرق أنه حصلت أنواع مختلفة من الظلمات على الاجتماع فاحتيج إلى صيغة الجمع، أما الرعد فإنه نوع واحد، وكذا البرق ولا يمكن اجتماع أنواع الرعد والبرق في السحاب الواحد فلا جرم لم يذكر فيه لفظ الجمع.
السؤال العاشر: لم جاءت هذه الأشياء منكرات.
الجواب: لأن المراد أنواع منها، كأنه قيل فيه ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف.
السؤال الحادي عشر: إلى ماذا يرجع الضمير في يجعلون.
الجواب: إلى أصحاب الصيب وهو وإن كان محذوفاً في اللفظ لكنه باقٍ في المعنى ولا محل لقوله يجعلون لكونه مستأنفاً لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدة والهول فكأن قائلاً قال فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد فقيل يجعلون أصابعهم في آذانهم ثم قال فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق فقال: ﴿ يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أبصارهم ﴾ السؤال الثاني عشر: رءوس الأصابع هي التي تجعل في الآذان فهلا قيل أناملهم؟
الجواب المذكور وإن كان هو الأصبع لكن المراد بعضه كما في قوله: ﴿ فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ المراد بعضهما.
السؤال الثالث عشر: ما الصاعقة؟
الجواب: إنها قصف رعد ينقض منها شعلة من نار وهي نار لطيفة قوية لا تمر بشيء إلا أتت عليه إلا أنها مع قوتها سريعة الخمود.
السؤال الرابع عشر: ما إحاطة الله بالكافرين.
الجواب: إنه مجاز والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة ثم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه عالم بهم قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَيء عِلْمَا ﴾ .
وثانيها: قدرته مستولية عليهم ﴿ والله مِن وَرَاءهُم مُحِيطٌ ﴾ .
وثالثها: يهلكهم من قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ السؤال الخامس عشر: ما الخطف.
الجواب: أنه الأخذ بسرعة، وقرأ مجاهد يخطِف بكسر الطاء، والفتح أفصح، وعن ابن مسعود يختطف وعن الحسن يَخَطف بفتح الياء والخاء وأصله يختطف، وعنه يخطف بكسرهما على اتباع الياء الخاء، وعن زيد بن علي: يخطف من خطف وعن أبي يتخطف من قوله: ﴿ وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِم ﴾ أما قوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ ﴾ فهو استئناف ثالث كأنه جواب لمن يقول كيف يصنعون في حالتي ظهور البرق وخفائه، والمقصود تمثيل شدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون إذا صادفوا من البرق خفقة مع خوف أن يخطف أبصارهم انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة، فإذا خفي وفتر لمعانه بقوا واقفين متقيدين عن الحركة، ولو شاء الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم، وفي ضوء البرد فأعماهم.
وأضاء إما متعدٍ بمعنى كلما نور لهم مسلكاً أخذوه، فالمفعول محذوف، وإما غير متعدٍ بمعنى كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة كلما ضاء فإن قيل كيف قال مع الإضاءة كلما، ومع الإظلام إذا: قلنا لأنهم حراص على إمكان المشيء، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها وليس كذلك التوقف، والأقرب في أظلم أن يكون غير متعدٍ وهو الظاهر، ومعنى قاموا وقفوا وثبتوا في مكانهم، ومنه قامت السوق، وقام الماء جمد، ومفعول شاء محذوف لأن الجواب يدل عليه والمعنى ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بهما وهاهنا مسألة، وهي أن المشهور أن لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، ومنهم من أنكر ذلك وزعم أنها لا تفيد إلا الربط واحتج عليه بالآية والخبر، أما الآية فقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ﴾ فلو أفادت كلمة لو انتفاء الشيء لا انتفاء غيره للزم التناقض لأن قوله: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لاسْمَعَهُمْ ﴾ يقتضي أنه ما علم فيهم خيراً وما أسمعهم وقوله: ﴿ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ﴾ يفيد أنه تعالى ما أسمعهم وأنهم ما تولوا ولكن عدم التولي خير فلزم أن يكون قد علم فيهم خيراً، وما علم فيهم خيراً وأما الخبر فقوله عليه السلام: «نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» فعلى مقتضى قولهم يلزم أنه خاف الله وعصاه وذلك متناقض، فقد علمنا أن كلمة لو لا تفيد إلا الربط والله أعلم.
وأما قوله: ﴿ إِنَّ الله على كُلِّ شَيء قَدِيرٌ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: منهم من استدل به على أن المعدوم شيء، قال: لأنه تعالى أثبت القدرة على الشيء، والموجود لا قدرة عليه لاستحالة إيجاد الموجود، فالذي عليه القدرة معدوم وهو شيء فالمعدوم شيء.
والجواب: لو صح هذا الكلام لزم أن ما لا يقدر الله عليه لا يكون شيئاً، فالموجود لما لم يقدر الله عليه وجب أن لا يكون شيئاً.
المسألة الثانية: احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء، قال لأنها تدل على أن كل شيء مقدور لله والله تعالى ليس بمقدور له، فوجب أن لا يكون شيئاً، واحتج أيضاً على ذلك بقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء ﴾ قال لو كان هو تعالى شيئاً لكان تعالى مثل نفسه فكان يكذب قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء ﴾ فوجب أن لا يكون شيئاً حتى لا تتناقض هذه الآية، واعلم أن هذا الخلاف في الاسم، لأنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم، واحتج أصحابنا بوجهين: الأول: قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَىُّ شَيء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله ﴾ والثاني: قوله تعالى: ﴿ كُلُّ شَيء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ﴾ والمستثنى داخل في المستثنى منه فيجب أن يكون شيئاً.
المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن مقدور العبد مقدور لله تعالى خلافاً لأبي علي وأبي هاشم، وجه الاستدلال أن مقدور العبد شيء، وكل شيء مقدور لله تعالى بهذه الآية فيلزم أن يكون مقدور العبد مقدوراً لله تعالى.
المسألة الرابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المحدث حال حدوثه مقدور لله خلافاً للمعتزلة، فإنهم يقولون: الاستطاعة قبل الفعل محال، فالشيء إنما يكون مقدوراً قبل حدوثه، وبيان استدلال الأصحاب أن المحدث حال وجوده شيء، وكل شيء مقدور، وهذا الدليل يقتضي كون الباقي مقدوراً ترك العمل به فبقي معمولاً به في محل النزاع، لأنه حال البقاء مقدوره، على معنى أنه تعالى قادر على إعدامه، أما حال الحدوث، فيستحيل أن يقدر الله على إعدامه لاستحالة أن يصير معدوماً في أول زمان وجوده، فلم يبق إلا أن يكون قادراً على إيجاده.
المسألة الخامسة: تخصيص العام جائز في الجملة، وأيضاً تخصيص العام جائز بدليل العقل، لأن قوله: ﴿ والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ يقتضي أن يكون قادراً على نفسه ثم خص بدليل العقل، فإن قيل إذا كان اللفظ موضوعاً للكل ثم تبين أنه غير صادق في الكل كان هذا كذباً، وذلك يوجب الطعن في القرآن، قلنا: لفظ الكل كما أنه يستعمل في المجموع.
فقد يستعمل مجازاً في الأكثر، وإذا كان ذلك مجازاً مشهوراً في اللغة لم يكن استعمال اللفظ فيه كذباً والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ثم ثنى الله سبحانه في شأنهم بتمثيل آخر ليكون كشفاً لحالهم بعد كشف، وإيضاحاً غب إيضاح.
وكما يجب على البليغ في مظانّ الإجمال والإيجاز أن يجمل ويوجز؛ فكذلك الواجب عليه في موارد التفصيل والإشباع أن يفصل ويشبع.
أنشد الجاحظ: يوحُونَ بالخُطَبِ الطِّوَالِ وتَارَةً ** وَحْيَ المُلاَحِظِ خِيفةَ الرُُّقَباء ومما ثنى من التمثيل في التنزيل قوله: ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور، وما يستوي الأحياء ولا الأموات ﴾ [فاطر: 21] وألا ترى إلى ذي الرمّة كيف صنع في قصيدته؟
أَذَاكَ أَمْ نَمَشٌ بالْوَشْيِ أَكْرَعُه أَذَاكَ أَمْ خَاضِبٌ بالسَّيِّ مَرْتَعُهُُ فإن قلت: قد شبه المنافق في التمثيل الأوّل بالمستوقد ناراً، وإظهاره الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار، فما ذا شبه في التمثيل الثاني بالصيب وبالظلمات وبالرعد وبالبرق وبالصواعق؟
قلت: لقائل أن يقول: شبه دين الإسلام بالصيب، لأنّ القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر.
وما يتعلق به من شبه الكفار بالظلمات.
وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق.
وما يصيب الكفرة من الأفزاع والبلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق.
والمعنى: أو كمثل ذوي صيب.
والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة فلقوا منها ما لقوا.
فإن قلت: هذا تشبيه أشياء بأشياء فأين ذكر المشبهات؟
وهلا صرح به كما في قوله: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَلاَ المسيء ﴾ [غافر: 58] ، وفي قول امرئ القيس: كأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً ويابِساً ** لَدَى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البَالِي؟
قلت: كما جاء ذلك صريحاً فقد جاء مطوياً ذكره على سنن الاستعارة، كقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَسْتَوِى البحران هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ ﴾ [فاطر: 12] ، ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون وَرَجُلاً سَلَماً لّرَجُلٍ ﴾ [الزمر: 39] ، والصحيح الذي عليه علماء البيان لا يتخطونه: أنّ التمثيلين جميعاً من جملة التمثيلات المركبة دون المفرّقة، لا يتكلف الواحد واحد شيء يقدر شبهه به، وهو القول الفحل والمذهب الجزل، بيانه: أنّ العرب تأخذ أشياء فرادى، معزولاً بعضها من بعض، لم يأخذ هذا بحجزة ذاك فتشبهها بنظائرها، كما فعل امرؤ القيس وجاء في القرآن، وتشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامّت وتلاصقت حتى عادت شيئاً واحداً، بأخرى مثلها كقوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الذين حُمّلُواْ التوراة ﴾ [الجمعة: 5] الآية.
الغرض تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة وآياتها الباهرة، بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة، وتساوي الحالتين عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأوقار، لا يشعر من ذلك إلا بما يمرّ بدفيه من الكدّ والتعب.
وكقوله: ﴿ واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا كَمَاء أنزلناه مِنَ السماء ﴾ [الكهف: 45] المراد قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة بقاء الخضر.
فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض ومصيرة شيئاً واحداً، فلا.
فكذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة شبهت حيرتهم وشدّة الأمر عليهم بما يكابد من طفئت ناره بعد إيقادها في ظلمة الليل، وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق.
فإن قلت: الذي كنت تقدّره في المفرّق من التشبيه من حذف المضاف وهو قولك: (أو كمثل ذوي صيب) هل تقدّر مثله في المركب منه؟
قلت: لولا طلب الراجع في قوله تعالى: ﴿ يَجْعَلُونَ أصابعهم فِي ءاذَانِهِم ﴾ ما يرجع إليه لكنت مستغنياً عن تقديره؛ لأني أراعي الكيفية المنتزعة من مجموع الكلام فلا عليّ أوَلِيَ حرف التشبيه مفرد يتأتى التشبيه به أم لم يله.
ألا ترى إلى قوله: ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا ﴾ [يس: 24] الآية، كيف ولي الماء الكاف، وليس الغرض تشبيه الدنيا بالماء ولا بمفرد آخر يتمحل لتقديره.
ومما هو بين في هذا قول لبيد: وما النَّاسُ إلاّ كالدِّيَارِ وأَهْلُهَا ** بِهَا يَوْمَ حَلُّوهَا وغَدْواً بَلاَقِعُ لم يشبه الناس بالديار، وإنما شبه وجودهم في الدنيا وسرعة زوالهم وفنائهم، بحلول أهل الديار فيها ووشك نهوضهم عنها، وتركها خلاء خاوية.
فإن قلت: أي التمثيلين أبلغ؟
قلت: الثاني، لأنه أدل على فرط الحيرة وشدّة الأمر وفظاعته، ولذلك أُخر، وهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ.
فإن قلت: لم عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك؟
قلت: أو في أصلها لتساوي شيئين فصاعداً في الشك، ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوي في غير الشك، وذلك قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، تريد أنهما سيان في استصواب أن يجالسا، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً ﴾ [الإنسان: 24] ، أي الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما، فكذلك قوله: ﴿ أَوْ كَصَيّبٍ ﴾ معناه أن كيفية قصة المنافقين مشبهة لكيفيتي هاتين القصتين، وأن القصتين سواء في استقلال كل واحدة منهما بوجه التمثيل، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب، وإن مثلتها بهما جميعاً فكذلك.
والصيب: المطر الذي يصوّب، أي ينزل ويقع.
ويقال للسحاب: صيب أيضاً.
قال الشماخ: وأَسْحَمَ دَانٍ صَادِقِ الرَّعْدِ صَيِّبِ وتنكير صيب لأنه أريد نوع من المطر شديد هائل.
كما نكرت النار في التمثيل الأول.
وقرئ: كصائب، والصيب أبلغ.
والسماء: هذه المظلة.
وعن الحسن: أنها موج مكفوف.
فإن قلت: قوله: ﴿ مّنَ السماء ﴾ ما الفائدة في ذكره؟
والصيب لا يكون إلا من السماء.
قلت: الفائدة فيه أنه جاء بالسماء معرفة فنفى أن يتصوّب من سماء، أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق، لأنّ كل أفق من آفاقها سماء، كما أن كل طبقة من الطباق سماء في قوله: ﴿ وأوحى فِي كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا ﴾ [فصلت: 12] .
الدليل عليه قوله: ومِنْ بُعْدِ أَرْضٍ بَيْنَنا وسَمَاءِ والمعنى أنه غمام مطبق آخذ بآفاق السماء، كما جاء بصيب.
وفيه مبالغات من جهة التركيب والبناء والتنكير.
أمد ذلك بأن جعله مطلقاً.
وفيه أن السحاب من السماء ينحدر ومنها يأخذ ماءه، لا كزعم من يزعم أنه يأخذه من البحر.
ويؤيده قوله تعالى: ﴿ وَيُنَزّلُ مِنَ السماء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ ﴾ [النور: 43] فإن قلت: بم ارتفع ظلمات؟
قلت: بالظرف على الاتفاق لاعتماده على موصوف.
والرعد: الصوت الذي يسمع من السحاب، كأن أجرام السحاب تضطرب وتنتفض إذا حدتها الريح فتصوّت عند ذلك من الارتعاد.
والبرق الذي يلمع من السحاب، من برق الشيء بريقاً إذا لمع.
فإن قلت: قد جعل الصيب مكاناً للظلمات فلا يخلو من أن يراد به السحاب أو المطر، فأيهما أريد فما ظلماته؟
قلت: أما ظلمات السحاب فإذا كان أسحم مطبقاً فظلمتا سجمته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل.
وأما ظلمات المطر فظلمة تكاثفه وانتساجه بتتابع القطر، وظلمة إظلال غمامه مع ظلمة الليل.
فإن قلت: كيف يكون المطر مكاناً للبرق والرعد وإنما مكانهما السحاب؟
قلت إذا كانا في أعلاه ومصبه وملتبسين في الجملة فهما فيه.
ألا تراك تقول: فلان في البلد، وما هو منه إلا في حيز يشغله جرمه.
فإن قلت: هلا جمع الرعد والبرق أخذاً بالأبلغ كقول البحتري: يَا عَارِضاً مُتَلفِّعاً بُبُرودِهِ ** يَخْتَالُ بَيْنَ بُرُوقِهِ ورُعُودِهِ وكما قيل ظلمات؟
قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يراد العينان، ولكنهما لما كانا مصدرين في الأصل يقال: رعدت السماء رعداً وبرقت برقاً، روعى حكم أصلهما بأن ترك جمعهما وإن أريد معنى الجمع.
والثاني: أن يراد الحدثان كأنه قيل: وإرعاد وإبراق.
وإنما جاءت هذه الأشياء منكرات، لأن المراد أنواع منها، كأنه قيل: فيه ظلمات داجية، ورعد قاصف، وبرق خاطب.
وجاز رجوع الضمير في يجعلون إلى أصحاب الصيب مع كونه محذوفاً قائماً مقامه الصيب، كما قال: ﴿ أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴾ [الأعراف: 4] .
لأن المحذوف باق معناه وإن سقط لفظه.
ألا ترى إلى حسان كيف عوّل على بقاء معناه في قوله: يُسْقَوْنَ مِنْ وِرْدِ البريص عليْهِمُ ** بَرَدَى يُصَفِّقُ بالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ حيث ذكر يصفق؛ لأن المعنى؛ ماء بردى، ولا محل لقوله: ﴿ يَجْعَلُونَ ﴾ لكونه مستأنفاً، لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدّة والهول، فكأن قائلاً قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟
فقيل: ﴿ يَجْعَلُونَ أصابعهم فِي ءاذَانِهِم ﴾ ثم قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق؟
فقيل: يكاد البرق يخطف أبصارهم.
فإن قلت: مرأَيس الأصبع هو الذي يجعل في الأذن فهلا قيل أناملهم؟
قلت: هذا من الاتساعات في اللغة التي لا يكاد الحاصر يحصرها، كقوله: ﴿ فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيَّدِيَكُم ﴾ [المائدة: 6] ، ﴿ فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ [المائدة: 6] أراد البعض الذي هو إلى المرفق والذي إلى الرسغ.
وأيضاً ففي ذكر الأصابع من المبالغة ما ليس في ذكر الأنامل.
فإن قلت: فالأصبع التي تسدّ بها الأذن أصبع خاصة، فلم ذكر الاسم العام دون الخاص؟
قلت: لأن السبابة فعالة من السب فكان اجتنابها أولى بآداب القرآن.
ألا ترى أنهم قد استبشعوها فكنوا عنها بالمسبحة والسباحة والمهللة والدّعاءة.
فإن قلت: فهلا ذكر بعض هذه الكنايات؟
قلت: هي ألفاظ مستحدثة لم يتعارفها الناس في ذلك العهد، وإنما أحدثوها بعد.
وقوله: ﴿ مّنَ الصواعق ﴾ متعلق بيجعلون، أي: من أجل الصواعق يجعلون أصابعهم في آذانهم، كقولك: سقاه من العيمة.
والصاعقة: قصفة رعد تنقض معها شقة من نار، قالوا: تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه، وهي نار لطيفة حديدة.
لا تمرّ بشيء إلا أتت عليه، إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود.
يحكى أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو النصف ثم طفئت.
ويقال: صعقته الصاعقة إذا أهلكته، فصعق؛ أي مات إما بشدة الصوت أو بالإحراق.
ومنه قوله تعالى: ﴿ وَخَرَّ موسى صَعِقًا ﴾ [الأعراف: 143] .
وقرأ الحسن: ﴿ من الصواقع ﴾ ؛ وليس بقلب للصواعق، لأنّ كلا البنائين سواء في التصرف، وإذا استويا كان كل واحد بناء على حياله.
ألا تراك تقول: صقعه على رأسه، وصقع الديك، وخطيب مصقع: مجهر بخطبته.
ونظيره (جبذ) في (جذب) ليس بقلبه لاستوائهما في التصرف.
وبناؤها إما أن يكون صفة لقصفة الرعد، أو للرعد، والتاء مبالغة كما في الراوية، أو مصدراً كالكاذبة والعافية.
وقرأ ابن أبي ليلى: حذار الموت، وانتصب على أنه مفعول له كقوله: وأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَرِيمِ ادِّخَارَهُ والموت فساد بنية الحيوان.
وقيل: عرض لا يصح معه إحساس معاقب للحياة.
وإحاطة الله بالكافرين مجاز.
والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة.
وهذه الجملة اعتراض لا محل لها.
والخطف: الأخذ بسرعة.
وقرأ مجاهد ﴿ يخطف ﴾ بكسر الطاء، والفتح أفصح وأعلى، وعن ابن مسعود: يختطف.
وعن الحسن: يخطف، بفتح الياء والخاء، وأصله يختطف.
وعنه: يخطف، بكسرهما على إتباع الياء الخاء.
وعن زيد بن علي: يخطف، من خطف.
وعن أبيّ: ﴿ يتخطف ﴾ ، من قوله: ﴿ وتخطفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾ [العنكبوت: 67] .
﴿ كُلَّمَا أَضآءَ لَهُم ﴾ استئناف ثالث كأنه جواب لمن يقول: كيف يصنعون في تارتي خفوق البرق وخفيته؟
وهذا تمثيل لشدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون، إذا صادفوا من البرق خفقة، مع خوف أن يخطف أبصارهم، انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة، فإذا خفى وفتر لمعانه بقوا واقفين متقيدين عن الحركة، ولو شاء الله لزاد في قصيف الرعد فأصمهم، أو في ضوء البرق فأعماهم.
وأضاء: إما متعد بمعنى: كلما نوّر لهم ممشى ومسلكاً أخذوه والمفعول محذوف.
وإما غير متعد بمعنى: كلما لمع لهم ﴿ مَّشَوْاْ ﴾ في مطرح نوره وملقى ضوئه.
ويعضده قراءة ابن أبي عبلة: كلما ضاء لهم والمشي: جنس الحركة المخصوصة.
فإذا اشتد فهو سعي.
فإذا ازداد فهو عدو.
فإن قلت: كيف قيل مع الإضاءة: كلما، ومع الإظلام: إذا؟
قلت: لأنهم حراص على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي وتأتيه، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها، وليس كذلك التوقف والتحبس.
وأظلم: يحتمل أن يكون غير متعد وهو الظاهر، وأن يكون متعدياً منقولاً من ظلم الليل.
وتشهد له قراءة يزيد بن قطيب: أظلم، على ما لم يسم فاعله.
وجاء في شعر حبيب بن أوس: هُمَا أَظْلَمَا حالَيَّ ثُمَّتَ أَجْلَيَا ** ظَلاَمَيْهُما عنْ وَجْهِ أَمْرَدَ أشْيَبِ وهو وإن كان محدثاً لا يستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه.
ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل عليه بيت الحماسة، فيقتنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه.
ومعنى ﴿ قَامُواْ ﴾ وقفوا وثبتوا في مكانهم.
ومنه: قامت السوق، إذا ركدت وقام الماء: جمد.
ومفعول ﴿ شَآءَ ﴾ محذوف، لأن الجواب يدل عليه، والمعنى: ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها، ولقد تكاثر هذا الحذف في (شاء) و (أراد) لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب كنحو قوله: فَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَبْكِي دَماً لَبَكَيْتُهُ وقوله تعالى: ﴿ لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاتخذناه مِن لَّدُنَّا ﴾ [الأنبياء: 17] ﴿ لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً ﴾ [الزمر: 4] .
وأراد: ولو شاء الله لذهب بسمعهم بقصيف الرعد، وأبصارهم بوميض البرق.
وقرأ ابن أبي عبلة: لأذهب بأسماعهم، بزيادة الباء كقوله: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ ﴾ [البقرة: 195] .
والشيء: ما صح أن يعلم ويخبر عنه.
قال سيبويه في ساقة الباب المترجم بباب مجاري أواخر الكلم من العربية: وإنما يخرج التأنيث من التذكير.
ألا ترى أن الشيء يقع على كل ما أخبر عنه من قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى؟، والشيء: مذكر، وهو أعم العام: كما أن الله أخص الخاص يجري على الجسم والعرض والقديم.
تقول: شيء لا كالأشياء؛ أي معلوم لا كسائر المعلومات، وعلى المعدوم والمحال فإن قلت: كيف قيل: ﴿ على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ وفي الأشياء ما لا تعلق به للقادر كالمستحيل وفعل قادر آخر؟
قلت: مشروط في حد القادر أن لا يكون الفعل مستحيلاً؛ فالمستحيل مستثنى في نفسه عند ذكر القادر على الأشياء كلها، فكأنه قيل: على كل شيء مستقيم قدير.
ونظيره: فلان أمير على الناس أي على من وراءه منهم، ولم يدخل فيهم نفسه وإن كان من جملة الناس.
وأما الفعل بين قادرين فمختلف فيه.
فإن قلت: ممّ اشتقاق القدير؟
قلت: من التقدير، لأنه يوقع فعله على مقدار قوّته واستطاعته وما يتميز به عن العاجز.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ ﴾ عَطْفٌ عَلى الَّذِي اسْتَوْقَدَ أيْ: كَمَثَلِ ذَوِي صَيِّبٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ ﴾ و (أوْ) في الأصْلِ لِلتَّساوِي في الشَّكِّ، ثُمَّ اتَّسَعَ فِيها فَأُطْلِقَتْ لِلتَّساوِي مِن غَيْرِ شَكٍّ مِثْلَ: جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا ﴾ .
فَإنَّها تُفِيدُ التَّساوِيَ في حُسْنِ المُجالَسَةِ ووُجُوبِ العِصْيانِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ أوْ كَصَيِّبٍ ﴾ ومَعْناهُ أنَّ قِصَّةَ المُنافِقِينَ مُشَبَّهَةٌ بِهاتَيْنِ القِصَّتَيْنِ، وأنَّهُما سَواءٌ في صِحَّةِ التَّشْبِيهِ بِهِما، وأنْتِ مُخَيَّرٌ في التَّمْثِيلِ بِهِما أوْ بِأيِّهِما شِئْتَ.
والصَّيِّبُ: فَيْعَلٌ مِنَ الصَّوْبِ، وهو النُّزُولُ، يُقالُ لِلْمَطَرِ ولِلسَّحابِ.
قالَ الشَّمّاخُ: وأسْحَمَ دانٍ صادِقِ الرَّعْدِ صَيَّبِ وَفِي الآيَةِ يَحْتَمِلُهُما، وتَنْكِيرُهُ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ نَوْعٌ مِنَ المَطَرِ شَدِيدٌ.
وتَعْرِيفُ السَّماءِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الغَمامَ مُطْبِقٌ آخِذٌ بِآفاقِ السَّماءِ كُلِّها فَإنَّ كُلَّ أُفُقٍ مِنها يُسَمّى سَماءً كَما أنَّ كُلَّ طَبَقَةٍ مِنها سَماءٌ، وقالَ: ومِن بَعْدِ أرْضٍ بَيْنَنا وسَماءِ أمَدَّ بِهِ ما في الصَّيِّبِ مِنَ المُبالَغَةِ مِن جِهَةِ الأصْلِ والبِناءِ والتَّنْكِيرِ، وقِيلَ المُرادُ بِالسَّماءِ السَّحابُ فاللّامُ لِتَعْرِيفِ الماهِيَّةِ.
﴿ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ ﴾ إنْ أُرِيدَ بِالصَّيِّبِ المَطَرُ، فَظُلُماتُهُ ظُلْمَةُ تَكاثُفِهِ بِتَتابُعِ القَطْرِ، وظُلْمَةُ غَمامِهِ مَعَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وجَعَلَهُ مَكانًا لِلرَّعْدِ والبَرْقِ لِأنَّهُما في أعْلاهُ ومُنْحَدَرِهِ مُلْتَبِسَيْنِ بِهِ.
وإنْ أُرِيدَ بِهِ السَّحابُ، فَظُلُماتُهُ سُحْمَتُهُ وتَطْبِيقُهُ مَعَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ.
وارْتِفاعُها بِالظَّرْفِ وِفاقًا لِأنَّهُ مُعْتَمِدٌ عَلى مَوْصُوفٍ.
والرَّعْدُ: صَوْتٌ يُسْمَعُ مِنَ السَّحابِ.
والمَشْهُورُ أنَّ سَبَبَهُ اضْطِرابُ أجْرامِ السَّحابِ واصْطِكاكُها إذا حَدَتْها الرِّيحُ مِنَ الِارْتِعادِ.
والبَرْقُ ما يَلْمَعُ مِنَ السَّحابِ، مِن بَرَقَ الشَّيْءُ بَرِيقًا، وكِلاهُما مَصْدَرٌ في الأصْلِ ولِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعا.
﴿ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ ﴾ الضَّمِيرُ لِأصْحابِ الصَّيِّبِ وهو وإنْ حُذِفَ لَفْظُهُ وأُقِيمَ الصَّيِّبُ مَقامَهَ لَكِنَّ مَعْناهُ باقٍ، فَيَجُوزُ أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ كَما عَوَّلَ حَسّانُ في قَوْلِهِ: يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمُ...
∗∗∗ بَرَدى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ حَيْثُ ذَكَرَ الضَّمِيرَ لِأنَّ المَعْنى ماءٌ بَرَدى، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ فَكَأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ما يُؤْذِنُ بِالشِّدَّةِ والهَوْلِ قِيلَ: فَكَيْفَ حالُهم مَعَ مِثْلِ ذَلِكَ؟
فَأُجِيبَ بِها، وإنَّما أطْلَقَ الأصابِعَ مَوْضِعَ الأنامِلِ لِلْمُبالَغَةِ.
﴿ مِنَ الصَّواعِقِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَجْعَلُونَ أيْ مِن أجْلِها يَجْعَلُونَ، كَقَوْلِهِمْ سَقاهُ مِنَ الغَيْمَةِ.
والصّاعِقَةُ قَصْفَةُ رَعْدٍ هائِلٍ مَعَها نارٌ لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ إلّا أتَتْ عَلَيْهِ، مِنَ الصَّعْقِ وهو شِدَّةُ الصَّوْتِ، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى كُلِّ هائِلٍ مَسْمُوعٍ أوْ مُشاهَدٍ، يُقالُ صَعَقَتْهُ الصّاعِقَةُ إذا أهْلَكَتْهُ بِالإحْراقِ أوْ شِدَّةِ الصَّوْتِ، وقُرِئَ مِنَ « الصَّواقِعِ» وهو لَيْسَ بِقَلْبِ ﴿ مِنَ الصَّواعِقِ ﴾ لِاسْتِواءِ كِلا البِناءَيْنِ في التَّصَرُّفِ يُقالُ: صَقَعَ الدِّيكُ، وخَطِيبٌ مِصْقَعٌ، وصَقَعَتْهُ الصّاقِعَةُ، وهي في الأصْلِ إمّا صِفَةٌ لِقَصْفَةِ الرَّعْدِ، أوْ لِلرَّعْدِ.
والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَما في الرِّوايَةِ أوْ مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ والكاذِبَةِ.
﴿ حَذَرَ المَوْتِ ﴾ نُصِبَ عَلى العِلَّةِ كَقَوْلِهِ: وأغْفِرُ عَوْراءَ الكَرِيمِ ادِّخارَهُ...
∗∗∗ وأصْفَحُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيمِ تَكَرُّما والمَوْتُ: زَوالُ الحَياةِ، وقِيلَ عَرَضٌ يُضادُّها لِقَوْلِهِ: ﴿ خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ ﴾ ، ورُدَّ بِأنَّ الخَلْقَ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ والإعْدامِ مُقَدَّرَةٌ.
﴿ واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ ﴾ لا يَفُوتُونَهُ كَما لا يَفُوتُ المُحاطُ بِهِ المُحِيطَ، لا يُخَلِّصُهُمُ الخِداعُ والحِيَلُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها.
<div class="verse-tafsir"
{أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ السماء فِيهِ ظلمات وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} ثنى الله سبحانه وتعالى في شأنهم بتمثيل آخر لزيادة الكشف والإضاح شبه المنافق فى التمثيل الأول المستوقد نارا وإظهار الإيمان بالإضاءة وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار وهنا شبه دين الإسلام بالصيب لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر وما يتعلق به من شبه الكفار بالظلمات وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق وما يصيبهم من الأفزاع والبلايا من جهة أهل الإسلام بالصواعق والمعنى أو كمثل ذوي صيب فحذف مثل لدلالة العطف عليه وذوي لدلالة يجعلون عليه والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء بهذه الصفة فلقوا منها ما لقوا فهذا تشبيه أشياء بأسشياء إلا أنه لم يصرح بذكر المشبهات كما صرح في قوله {وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء} وقول امرئ القيس ...
كأن قلوب الطير رطباً ويابسا ...
لدى وكرها العناب والحشف البالي ...
بل جاء به مطوياً ذكره على سنن الاستعارة والصحيح أن التمثيلين من جملة التمثيلات المركبة دون المفرقة لا يتكلف لواحد واحد شيء بقدر شبهه به بيانه أن العرب تأخذ أشياء فرادى معزولاً بعضها من بعض لم يأخذ هذا بحجزة ذاك فتشبهها بنظائرها كما فعل امرئ القيس وتشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامنت وتلاصقت حتى عادت شيئاً واحداً بأخرى مثلها كقوله تعالى {مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة ثُمَّ لم يحملوها} الآية فالمراد تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة وتساوي الحالتين عنده من حمل أسفار الحكمة
وحمل ما سواها من الأوقار لا يشعر من ذلك إلا بما يمر بدفيه من الكد والتعب وكقوله واضرب لَهُم مثل الحياة الدنيا كما ءانزلنا من السماء فالمراد قلة بقاء زهرة الحياة الدنيا كقلة بقاء الخضر فهو تشبيه كيفية بكيفية فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض ومصيرة شيئاً واحداً فلا فكذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة شبهت حيرتهم وشدة الأمر بما يكابد من طفئت ناره بعد أيقادها في ظلمة الليل وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق والتمثيل الثاني أبلغ لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر ولذا أخروهم يتدرجون في مثل هذا من الأهون إلى الأغلظ وعطف احد التمثيلين على الآخر بأولأنها في أصلها لتساوي شيئين فصاعداً في الشك عند البعض ثم استعيرت لمجرد التساوي كقولك جالس الحسن أو ابن سيرين تريد أنهما سيان في استصواب أن يجالسا وقوله تعالى {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} أى الآثم والكفور سيان فى وجوب العصاين فكذا هنا معناه أن كيفية قصة المنافقين مشبهة لكيفيتي هاتين القصتين وأن الكيفيتين سواء في استقلال كل واحدة منهما بوجه التمثيل فبأيتهما مثلتها
البقرة (١٩)
فأنت مصيب وإن مثلها بهما جميعاً فكذلك والصيب المطر الذي يصوب أى ينزل ويقع ويقال للسحاب صيب أيضاً وتنكير صيب لأنه نوع من المطر شديد هائل كما نكرت النار في التمثيل الأول والسماء هذه المظلة وعن الحسن أنها موج مكفوف والفائدة في ذكر السماء والصيب لا يكون إلا من السماء أنه جاء بالسماء معرفة فأفاد أنه غمام أخذ بآفاق السماء ونفى أن يكون من سماء أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق لأن كل أفق من آفاقها سماء ففي التعريف مبالغة كما في تنكير صيب
وتركيبه وبنائه وفيه دليل على أن السحاب من السماء ينحدر منها يأخذ ماءه وقيل إنه يأخذ من البحر ويرتفع ظلمات مرفوع بالجار والمجرور لأنه قد قوى لكونه صفة لصيب بخلاف مالو قلت ابتداء فيه ظلمات ففيه خلاف بين الأخفش وسيبويه والرعد الصوت الذي يسمع من السحاب لاصطكاك أجرامه أو ملك يسوق السحاب والبرق الذي يلمع من السحاب من برق الشئ بريقاً إذا لمع والضمير في فيه يعود إلى الصيب فقد جعل الصيب مكاناً للظلمات فإن أريد به السحاب فظلماته إذا كان أسحم مطبقا سحمته وتطبيقه مضموما إليهما ظلمة الليل وأما ظلمات المطر فظلمة تكاثفه بتتابع القطر وظلمة أظلال غمامه مع ظلمة الليل وجعل الصيب مكاناً للرعد والبرق على إرادة السحاب به ظاهر وكذا إن اريد به المطر لأنهما متلبسان به في الجملة ولم يجمع الرعد والبرق لأنهما مصدران في الأصل يقال رعدت السماء رعداً وبرقت برقاً فروعي حكم الأصل بأن ترك جمعهما ونكرت هذه الأشياء لأن المراد أنواع منها كأنه قيل فيه ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف {يجعلون أصابعهم في آذانهم} الضمير لأصحاب الصيب وإن كان محذوفاً كما فى قوله أو هم قائلون لأن المحذوف باقٍ معناه وإن سقط لفظه ولا محل ليجعلون لكونه مستأنفاً لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدة والهول فكأن قائلاً قال فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد فقيل يجعلون أصابعهم في آذانهم ثم قال فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق فقال يكاد البرق يخطف أبصارهم وإنما ذكر الأصابع ولم يذكر الانامل ورءوس الأصابع هي التي تجعل في الأذان اتساعاً كقوله فاقطعوا ايديهما والمراد إلى الرسغ ولأن في ذكر الأصابع من المبالغة ما ليس في ذكر الأنامل وإنما لم يذكر الأصبع الخاص الذي تسدّ به الأذن لأن السبابة فعالة من السب فكان
اجتنابها أولى بآداب القرآن ولم يذكر المسبحة لأنها مستحدثة غير مشهورة {مّنَ الصواعق} متعلق بيجعلون أي
من أجل الصواعق يجعلون أصابعهم في آذانهم والصاعقة قصفة رعد تنقض معها شقة نار قالوا تنقدح من السحاب إذا اصطكت أحرامه وهى نار لطيفة جديدة لا تمر بشئ إلاَّ أتت عليه إلاَّ أنها مع حدتها سريعة الخمود يحكى أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو نصفها ثم طفئت ويقال صعقته الصاعقة إذا أهلكته فصعق أي مات إما بشدة الصوت أو بالإحراق {حَذَرَ الموت} مفعول له والموت فساد بنية الحيوان أو
البقرة (١٩ _ ٢١)
عرض لا يصح معه إحساس معاقب للحياة {والله مُحِيطٌ بالكافرين} يعني أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط فهو مجاز هذه الجملة اعتراض لا محل لها
﴿ أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ ﴾ شُرُوعٌ في تَمْثِيلٍ لِحالِهِمْ إثْرَ تَمْثِيلٍ وبَيانٍ لِكُلِّ دَقِيقٍ مِنها، وجَلِيلٍ، فَهم أئِمَّةُ الكُفْرِ الَّذِينَ تَفَنَّنُوا فِيهِ، وتَفَيَّؤُوا ظِلالَ الضَّلالِ بَعْدَ أنْ طارُوا إلَيْهِ بِقُدّامَيِ النِّفاقِ وخَوافِيهِ، فَحَقِيقٌ أنْ تُضْرَبَ في بَيْداءِ بَيانِ أحْوالِهِمُ الوَخِيمَةِ خَيْمَةُ الأمْثالِ، وتُمَدُّ أطْنابُ الإطْنابِ في شَرْحِ أفْعالِهِمْ، لِيَكُونَ أفْعى لَهُمْ، ونَكالًا بَعْدَ نَكالٍ، وكُلُّ كَلامِ لَهُ حَظٌّ مِنَ البَلاغَةِ، وقِسْطٌ مِنَ الجَزالَةِ والبَراعَةِ، لا بُدَّ أنْ يُوَفّى فِيهِ حَقُّ كُلٍّ مِن مَقامَيِ الإطْنابِ والإيجازِ، فَماذا عَسى أنْ يُقالَ فِيما بَلَغَ الذُّرْوَةَ العُلْيا مِنَ البَلاغَةِ والبَراعَةِ والإعْجازِ، ولَقَدْ نَعى سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ في هَذا التَّمْثِيلِ تَفاصِيلَ جِناياتِهِمُ العَدِيمَةِ المَثِيلِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا ﴾ ويَكُونُ النَّظْمُ كَمَثَلِ ذَوِي صَيِّبٍ، فَيَظْهَرُ مَرْجِعُ ضَمِيرِ الجَمْعِ فِيما بَعْدُ، وتَحْصُلُ المُلائَمَةُ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والمُشَبَّهِ، و(أوْ) عِنْدَ ذَوِي التَّحْقِيقِ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ، ويَتَوَلَّدُ مِنهُ في الخَبَرِ الشَّكُّ والإبْهامُ، والتَّفْصِيلُ عَلى حَسَبِ اعْتِباراتِ المُتَكَلِّمِ، وفي الإنْشاءِ الإباحَةُ والتَّخْيِيرُ كَذَلِكَ، وحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ الِاشْتِراكُ، ولا الحَقِيقَةُ والمَجازُ، وبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّها بِاعْتِبارِ الأصْلِ مَوْضُوعَةً لِلتَّساوِي في الشَّكِّ، وحُمِلَ عَلى أنَّهُ فَرْدٌ مِن أفْرادِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيها، فَجاءَتْ لِلتَّساوِي مِن غَيْرِ شَكٍّ، كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، عَلى رَأْيٍ، إذِ المَعْنى مَثِّلْ بِأيِّ القِصَّتَيْنِ شِئْتَ فَهُما سَواءٌ في التَّمْثِيلِ، ولا بَأْسَ لَوْ مَثَّلْتَ بِهِما جَمِيعًا، وإنْ كانَ التَّشْبِيهُ الثّانِي أبْلَغَ لِدِلالَتِهِ عَلى فَرْطِ الحَيْرَةِ، وشِدَّةِ الأمْرِ، وفَظاعَتِهِ، ولِذا أُخِّرَ لِيَتَدَرَّجَ مِنَ الأهْوَنِ إلى الأهْوَلِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ (أوْ) هُنا بِمَعْنى الواوِ، وما في الآيَتَيْنِ تَمْثِيلٌ واحِدٌ وقِيلَ: بِمَعْنى بَلْ، وقِيلَ: لِلْإبْهامِ، والكُلُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ، نَعَمِ اخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّها لِلتَّفْصِيلِ، وكَأنَّ مَن نَظَرَ إلى حالِهِمْ مِنهم مَن يُشَبِّهُهُ بِحالِ المُسْتَوْقِدِ، ومِنهم مَن يُشَبِّهُهُ بِحالِ ذَوِي صَيِّبٍ، مُدَّعِيًا أنَّ الإباحَةَ وكَذا التَّخْيِيرُ لا يَكُونانِ إلّا في الأمْرِ، أوْ ما في مَعْناهُ، انْتَهى، ولا يَخْفى عَلى مَن نَظَرَ في مَعْناهُ، وحَقَّقَ ما مَعْناهُ أنَّ ما نَحْنُ فِيهِ داخِلٌ في الشِّقِّ الثّانِي، عَلى أنَّ دَعْوى الِاخْتِصاصِ مِمّا لَمْ يُجْمِعْ عَلَيْهِ الخَواصُّ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ مالِكٍ أنَّ أكْثَرَ وُرُودِ (أوْ) لِلْإباحَةِ في التَّشْبِيهِ نَحْوَ ﴿ فَهِيَ كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً ﴾ والتَّقْدِيرُ نَحْوُ: ﴿ فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى ﴾ والصَّيِّبُ في المَشْهُورِ المَطَرُ، مِن صابَ يَصُوبُ، إذا نَزَلَ وهو المَرْوِيُّ هُنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وعَطاءٍ، وغَيْرِهِمْ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ويُطْلَقُ عَلى السَّحابِ أيْضًا، كَما في قَوْلِهِ: حَتّى عَفاها صَيِّبٌ ودَقَّهُ دانِي النَّواحِي مُسْبِلٌ هاطِلُ ووَزْنُهُ فَيْعِلٌ، بِكَسْرِ العَيْنِ، عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وهو مِنَ الأوْزانِ المُخْتَصَّةِ بِالمُعْتَلِّ العَيْنِ إلّا ما شَذَّ مِن صَيْقِلٍ بِكَسْرِ القافِ عَلَمٌ لِامْرَأةٍ، والبَغْدادِيُّونَ يَفْتَحُونَ العَيْنَ، وهو قَوْلٌ تُسَدُّ الأُذُنُ عَنْهُ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الكُوفِيِّينَ: إنَّ أصْلَهُ فَعِيلٌ كَطَوِيلٍ فَقُلِبَ، وهَلْ هو اسْمُ جِنْسٍ أوْ صِفَةٌ بِمَعْنى نازِلٍ، أوْ مُنَزَّلٍ، قَوْلانِ أشْهَرُهُما الأوَّلُ، وأكْثَرُ نَظائِرِهِ في الوَزْنِ مِنَ الثّانِي، وقُرِئَ (أوْ كَصائِبٍ)، وصَيِّبٌ أبْلَغُ مِنهُ، والتَّنْكِيرُ فِيهِ لِلتَّنْوِيعِ، والتَّعْظِيمِ، والسَّماءُ كُلُّ ما عَلاكَ مِن سَقْفٍ ونَحْوِهِ، والمَعْرُوفَةُ عِنْدَ خَواصِّ أهْلِ الأرْضِ، والمَرْئِيَّةُ عِنْدَ عَوامِّهِمْ، وأصْلُها الواوُ مِنَ السُّمُوِّ، وهي مُؤَنَّثَةٌ، وقَدْ تُذَكَّرُ، كَما في قَوْلِهِ: فَلَوْ رَفَعَ السَّماءُ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالسَّماءِ مَعَ السَّحابِ وتَلْحَقُها هاءُ التَّأْنِيثِ فَتَصِحُّ الواوُ حِينَئِذٍ كَما قالَهُ أبُو حَيّانَ لِأنَّها بُنِيَتْ عَلَيْها الكَلِمَةُ، فَيُقالُ: سَماوَةٌ، وتُجْمَعُ عَلى سَماواتٍ، وأسْمِيَةٍ، وسَمائِيٍّ، والكُلُّ كَما في البَحْرِ شاذٌّ، لِأنَّها اسْمُ جِنْسٍ، وقِياسُهُ أنْ لا يُجْمَعَ، وجَمْعُهُ بِالألِفِ والتّاءِ خالٍ عَنْ شَرْطِ ما يُجْمَعُ بِهِما قِياسًا، وجَمْعُهُ عَلى أفْعِلَةٍ لَيْسَ مِمّا يَنْقاسُ في المُؤَنَّثِ، وعَلى فَعائِلَ لا يَنْقاسُ في فَعالٍ، والمُرادُ بِالسَّماءِ هُنا الأُفُقُ، والتَّعْرِيفُ لِلِاسْتِغْراقِ لا لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، كَما يَنْساقُ لِبَعْضِ الأذْهانِ، فَيُفِيدُ أنَّ الغَمامَ آخِذٌ بِالآفاقِ كُلِّها، فَيُشْعِرُ بِقُوَّةِ المُصِيبَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَمْهِيدِ الظُّلْمَةِ، ولِهَذا القَصْدِ ذَكَرَها، وعِنْدِي أنَّ الذِّكْرَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ أيْضًا لِلتَّهْوِيلِ، والإشارَةِ إلى أنَّ ما يُؤْذِيهِمْ جاءَ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمْ، وذَلِكَ أبْلَغُ في الإيذاءِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ ﴾ وكَثِيرًا ما نَجِدُ أنَّ المَرْءَ يَعْتَنِي بِحِفْظِ رَأْسِهِ أكْثَرَ مِمّا يَعْتَنِي بِحِفْظِ سائِرِ أطْرافِهِ، حَتّى أنَّ المُسْتَطِيعَ مِنَ النّاسِ يَتَّخِذُ طَيْلَسانًا لِذَلِكَ، والعِيانُ والوِجْدانُ أقْوى شاهِدٍ عَلى ما قُلْنا، (ومِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِن أمْطارِ السَّماءِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الآيَةَ تُبْطِلُ ما قِيلَ: إنَّ المَطَرَ مِن أبْخِرَةٍ مُتَصاعِدَةٍ مِنَ السُّفْلِ، وهو مِن أبْخِرَةِ الجَهْلِ، إذْ لَيْسَ في الآيَةِ سِوى أنَّ المَطَرَ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وهو غَيْرُ مُنافٍ لِما ذُكِرَ، كَيْفَ والمُشاهَدَةُ تَقْضِي بِهِ، فَقَدْ حَدَّثَنِي مَن بَلَغَ مَبْلَغَ التَّواتُرِ أنَّهم شاهَدُوا وهم فَوْقَ الجِبالِ الشّامِخَةِ سَحابًا يُمْطِرُ أسْفَلَهُمْ، وشاهَدُوا تاراتِ أبْخِرَةٍ تَتَصاعَدُ مِن نَحْوِ الجِبالِ، فَتَنْعَقِدُ سَحابًا، فَيُمْطِرُ، فَإيّاكَ أنْ تَلْتَفِتَ لِبَرْقِ كَلامٍ خَلِبٍ، ولا تَظُنَّ أنَّ ذَلِكَ عِلْمٌ، فالجَهْلُ مِنهُ أصْوَبُ، ثُمَّ حَمْلُ الصَّيِّبِ هُنا عَلى السَّحابِ، وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا غَيْرَ أنَّهُ بَعِيدٌ بُعْدَ الغَمامِ، وكَذا حَمْلُ السَّماءِ عَلَيْهِ، ﴿ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ ﴾ أيْ مَعَهُ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ادْخُلُوا في أُمَمٍ ﴾ وإذا حَمَلْتَ في عَلى الظَّرْفِيَّةِ كَما هو الشّائِعُ في كَلامِ المُفَسِّرِينَ، احْتِيجَ إلى حَمْلِ المُلابَسَةِ الَّتِي تَقْتَضِيها الظَّرْفِيَّةُ عَلى مُطْلَقِ المُلابَسَةِ الشّامِلَةِ لِلسَّبَبِيَّةِ، والمُجاوَرَةِ، وغَيْرِهِما، فَفِيهِ بِذَلِكَ المَعْنى ظُلُماتٌ ثُلاثٌ ظُلْمَةُ تَكاثُفِهِ بِتَتابُعِهِ، وظُلْمَةُ غَمامِهِ مَعَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ الَّتِي يَسْتَشْعِرُها الذَّوْقُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ ﴾ وكَذا فِيهِ رَعْدٌ وبَرْقٌ لِأنَّهُما في مَنشَئِهِ، ومَحَلٌّ يَنْصَبُّ مِنهُ، وقِيلَ: فِيهِ، وهو كَما قالَ الشِّهابُ: وهْمٌ نَشَأ مِن عَدَمِ التَّدَبُّرِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِالصَّيِّبِ السَّحابَ، فَأمْرُ الظَّرْفِيَّةِ أظْهَرُ، والظُّلُماتُ حِينَئِذٍ ظُلْمَةُ السُّحْمَةِ والتَّطْبِيقِ مَعَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وجَمْعُ الظُّلُماتِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُضِيءٌ، ولَمْ يُجْمَعِ الرَّعْدُ والبَرْقُ، وإنْ كانا قَدْ جُمِعا في لِسانِ العَرَبِ، وبِهِ تَزْدادُ المُبالَغَةُ وتَحْصُلُ المُطابَقَةُ مَعَ الظُّلُماتِ والصَّواعِقِ، لِأنَّهُما مَصْدَرانِ في الأصْلِ، وإنْ أُرِيدَ بِهِما العَيْنانِ هُنا، كَما هو الظّاهِرُ، والأصْلُ في المَصْدَرِ أنْ لا يُجْمِعَ عَلى أنَّهُ لَوْ جُمِعا لَدَلَّ ظاهِرًا عَلى تَعَدُّدِ الأنْواعِ، كَما في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وكُلٌّ مِنَ الرَّعْدِ، والبَرْقِ نَوْعٌ واحِدٌ، وذَكَرَ الشِّهابُ مُدَّعِيًا أنَّهُ مِمّا لَمَعَتْ بِهِ بِوارِقُ الهِدايَةِ في ظُلُماتِ الخَواطِرِ نُكْتَةً سِرِّيَّةً في إفْرادِهِما هُنا، وهي أنَّ الرَّعْدَ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ، وجَرَتْ بِهِ العادَةُ يَسُوقُ السَّحابَ مِن مَكانٍ لِآخَرَ، فَلَوْ تَعَدَّدَ لَمْ يَكُنِ السَّحابُ مُطْبِقًا، فَتَزُولُ شِدَّةُ ظُلْمَتِهِ، وكَذا البَرْقُ لَوْ كَثُرَ لَمَعانُهُ لَمْ تُطْبِقِ الظُّلْمَةُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ ﴾ فَإفْرادُهُما مُتَعَيِّنٌ هُنا، وعِنْدِي وهو مِن أنْوارِ العِنايَةِ المُشْرِقَةِ عَلى آفاقِ الأسْرارِ أنَّ النُّورَ لَمّا لَمْ يُجْمَعْ في آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ لِما تَقَدَّمَ، لَمْ يُجْمَعِ البَرْقُ، إذْ لَيْسَ هو بِالبَعِيدِ عَنْهُ، كَما يُرْشِدُكَ إلَيْهِ ﴿ كُلَّما أضاءَ لَهُمْ ﴾ والرَّعْدُ مُصاحِبٌ لَهُ فانْعَكَسَتْ أشِعَّتُهُ عَلَيْهِ.
أوَما تَرى الجَلْدَ الحَقِيرَ مُقْبِلًا ∗∗∗ بِالثَّغْرِ لَمّا صارَ جارَ المُصْحَفِ وارْتِفاعُ ظُلُماتٍ، إمّا عَلى الفاعِلِيَّةِ لِلظَّرْفِ المُعْتَمِدِ عَلى المَوْصُوفِ، أوْ عَلى الِابْتِدائِيَّةِ، والظَّرْفُ خَبَرُهُ، وجَعْلُ الظَّرْفِ حالًا مِنَ النَّكِرَةِ المُخَصَّصَةِ، وظُلُماتٍ فاعِلَهُ، لا يَخْلُو عَنْ ظُلْمَةِ البُعْدِ كَما لا يَخْفى، ولِلنّاسِ في الرَّعْدِ والبَرْقِ أقْوالٌ: والَّذِي عُوِّلَ عَلَيْهِ أنَّ الأوَّلَ صَوْتُ زَجْرِ المَلَكِ المُوَكَّلِ بِالسَّحابِ، والثّانِيَ لَمَعانُ مَخارِيقِهِ الَّتِي هي مِن نارٍ، والَّذِي اشْتُهِرَ عِنْدَ الحُكَماءِ أنَّ الشَّمْسَ إذا أشْرَقَتْ عَلى الأرْضِ اليابِسَةِ حَلَّلَتْ مِنها أجْزاءً نارِيَّةً يُخالِطُها أجْزاءٌ أرْضِيَّةٌ، فَيُرَكَّبُ مِنهُما دُخانٌ ويَخْتَلِطُ بِالبُخارِ، وهو الحادِثُ بِسَبَبِ الحَرارَةِ السَّماوِيَّةِ، إذا أثَّرَتْ في البَلَّةِ، ويَتَصاعَدانِ مَعًا إلى الطَّبَقَةِ البارِدَةِ، ويَنْعَقِدُ ثَمَّةَ سَحابٌ، ويَحْتَقِنُ الدُّخانُ فِيهِ، ويَطْلُبُ الصُّعُودَ إنْ بَقِيَ عَلى طَبْعِهِ الحارِّ، والنُّزُولَ إنْ ثَقُلَ، وبَرُدَ، وكَيْفَ كانَ يُمَزِّقُ السَّحابَ بِعُنْفِهِ، فَيَحْدُثُ مِنهُ الرَّعْدُ، وقَدْ تَشْتَعِلُ مِنهُ لِشِدَّةِ حَرَكَتِهِ، ومُحاكَّتِهِ نارٌ لامِعَةٌ، وهي البَرْقُ إنْ لَطُفَتْ، والصّاعِقَةُ إنْ غَلُظَتْ، ورُبَّما كانَ البَرْقُ سَبَبًا لِلرَّعْدِ، فَإنَّ الدُّخانَ المُشْتَعِلَ يَنْطَفِئُ في السَّحابِ، فَيُسْمَعُ لِانْطِفائِهِ صَوْتٌ كَما إذا أطْفَأْنا النّارَ بَيْنَ أيْدِينا، والرَّعْدُ والبَرْقُ يَكُونانِ مَعًا، إلّا أنَّ البَرْقَ يُرى في الحالِ، لِأنَّ الإبْصارَ لا يَحْتاجُ إلّا إلى المُحاذاةِ مِن غَيْرِ حِجابٍ، والرَّعْدُ يُسْمَعُ بَعْدُ لِأنَّ السَّماعَ إنَّما يَحْصُلُ بِوُصُولِ تَمَوُّجِ الهَواءِ إلى القُوَّةِ السّامِعَةِ، وذَلِكَ يَسْتَدْعِي زَمانًا، كَذا قالُوهُ، ورُبَّما يَخْتَلِجُ في ذِهْنِكَ قُرْبُ هَذا، ولا تَدْرِي ماذا تَصْنَعُ بِما ورَدَ عَنْ حَضْرَةِ مَن أُسْرِيَ بِهِ لَيْلًا، بِلا رَعْدٍ ولا بَرْقٍ عَلى ظَهْرِ البُراقِ، وعُرِجَ إلى ذِي المَعارِجِ حَيْثُ لا زَمانَ ولا مَكانَ، فَرَجَعَ وهو أعْلَمُ خَلْقِ اللَّهِ عَلى الإطْلاقِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَأنا بِحَوْلِ مَن عَزَّ حَوْلَهُ، وتَوْفِيقِ مَن غَمَرَنِي فَضْلُهُ أُوَفِّقُ لَكَ بِما يُزِيلُ الغَيْنَ عَنِ العَيْنِ ويُظْهِرُ سِرَّ جَوامِعِ الكَلِمِ الَّتِي أُوتِيَها سَيِّدُ الكَوْنَيْنِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأقُولُ: قَدْ صَحَّ عِنْدَ أساطِينِ الحِكْمَةِ والنُّبُوَّةِ مِمّا شاهَدُوهُ في أرْصادِهِمُ الرُّوحانِيَّةِ في خَلَواتِهِمْ، ورِياضاتِهِمْ، وكَذا عِنْدَ سائِرِ المُتَألِّهِينَ الرَّبّانِيِّينَ مِن حُكَماءِ الإسْلامِ والفُرْسِ، وغَيْرِهِمْ أنَّ لِكُلِّ نَوْعٍ جِسْمانِيٍّ مِنَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ والبَسائِطِ العُنْصُرِيَّةِ ومُرَكَّباتِها رَبًّا هو نُورٌ مُجَرَّدٌ عَنِ المادَّةِ، قائِمٌ بِنَفْسِهِ، مُدَبِّرٌ لَهُ، حافِظٌ إيّاهُ، وهو المُنَمِّي، والغاذِي، والمُوَلِّدُ، في النَّباتِ، والحَيَوانِ، والإنْسانِ، لِامْتِناعِ صُدُورِ هَذِهِ الأفْعالِ المُخْتَلِفَةِ في النَّباتِ والحَيَوانِ عَنْ قُوَّةٍ بَسِيطَةٍ لا شُعُورَ لَها، وفِينا عَنْ أنْفُسِنا، وإلّا لَكانَ لَنا شُعُورٌ بِها، فَجَمِيعُ هَذِهِ الأفْعالِ مِنَ الأرْبابِ، وإلى تِلْكَ الأرْبابِ، أشارَ صاحِبُ الرِّسالَةِ العُظْمى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: (وإنَّ «لِكُلِّ شَيْءٍ مَلَكًا)» حَتّى قالَ: «(إنَّ كُلَّ قَطْرَةٍ مِنَ القَطَراتِ يَنْزِلُ مَعَها مَلَكٌ)،» وقالَ: «(أتانِي مَلَكُ الجِبالِ، ومَلَكُ البِحارِ)،» وحَكى أفْلاطُونُ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ خَلَعَ الظُّلُماتِ النَّفْسانِيَّةَ، والتَّعَلُّقاتِ البَدَنِيَّةَ وشاهَدَها، وذَكَرَ مَوْلانا الشَّيْخُ صَدْرُ الدِّينِ القُونَوِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في تَفْسِيرِهِ الفاتِحَةَ أنَّهُ ما ثَمَّ صُورَةٌ إلّا ولَها رُوحٌ، وأطالَ أهْلُ اللَّهِ تَعالى الكَلامَ في ذَلِكَ، فَإذا عَلِمْتَ هَذا فَلا بُعْدَ في أنْ يُقالَ: أرادَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالمَلِكِ المُوَكَّلِ بِالسَّحابِ في بَيانِ الرَّعْدِ هو هَذا الرَّبُّ المُدَبِّرُ الحافِظُ، وبِزَجْرِهِ تَدْبِيرُهُ لَهُ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ، وقابِلِيَّتِهِ، وأرادَ بِصَوْتِ ذَلِكَ الزَّجْرِ ما يَحْدُثُ عِنْدَ الشَّقِّ بِالأبْخِرَةِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ التَّدْبِيرُ، وأرادَ بِالمَخارِيقِ في بَيانِ البَرْقِ، وهي جَمْعُ مِخْراقٍ، وهو في الأصْلِ ثَوْبٌ يُلَفُّ، وتَضْرِبُ بِهِ الصِّبْيانُ بَعْضُهم بَعْضًا الآلَةَ الَّتِي يَحْصُلُ بِواسِطَتِها الشَّقُّ، ولا شَكَّ أنَّها كَما قَرَّرْنا مِن نارٍ أشْعَلَتْها شِدَّةُ الحَرَكَةِ والمُحاكَّةِ، فَظَهَرَتْ كَما تَرى، وحَيْثُ فَتَحْنا لَكَ هَذا البابَ، قَدَرْتَ عَلى تَأْوِيلِ كَثِيرٍ مِمّا ورَدَ مِن هَذا القَبِيلِ، حَتّى قَوْلِهِمْ: إنَّ الرَّعْدَ نُطْقُ المَلِكِ، والبَرْقَ ضَحِكُهُ، وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ مِمّا يُضْحَكُ مِنهُ، ولَمْ أرَ أحَدًا وفَّقَ فَوُفِّقَ، وتَحَقَّقَ فَحَقَّقَ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ، وهو حَسْبِي ونِعْمَ الوَكِيلُ، ﴿ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ ﴾ الضَّمائِرُ عائِدَةٌ عَلى المَحْذُوفِ المَعْلُومِ، فِيما قَبْلُ، وكَثِيرًا ما يَلْتَفِتُ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ ﴾ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ عِنْدَ بَيانِ أحْوالِهِمُ الهائِلَةِ: فَماذا يَصْنَعُونَ في تَضاعِيفِ تِلْكَ الشِّدَّةِ؟
فَقالَ: يَجْعَلُونَ إلَخْ، وجَوَّزُوا وُجُوهًا أُخَرَ كَكَوْنِها في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِلْمُقَدَّرِ، وجُوِّزَ فِيها وفي (يَكادُ) كَوْنُها صِفَةَ صَيِّبٍ بِتَأْوِيلٍ، نَحْوِ: لا يُطِيقُونَهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرٍ فِيهِ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أوِ اللّامُ نائِبَةٌ عَنْهُ، أيْ صَواعِقُهُ، والجَعْلُ في الأصْلِ الوَضْعُ، والأصابِعُ جَمْعُ إصْبَعٍ، وفِيهِ تِسْعُ لُغاتٍ حاصِلَةٍ مِن ضَرْبِ أحْوالِ الهَمْزَةِ الثَّلاثِ في أحْوالِ الباءِ كَذَلِكَ، وحَكَوْا عاشِرَةً، وهي أُصْبُوعٌ بِضَمِّها، مَعَ واوٍ، وهي مُؤَنَّثَةٌ، وكَذا سائِرُ أسْمائِها، إلّا الإبْهامَ، فَبَعْضُ بَنِي أسَدٍ يَذْكُرُها، والتَّأْنِيثُ أجْوَدُ، وفي الآيَةِ مُبالَغَةٌ في فَرْطِ دَهْشَتِهِمْ، وكَمالِ حَيْرَتِهِمْ، كَما في الفَرائِدِ مِن وُجُوهٍ، أحَدُها نِسْبَةُ الجَعْلِ إلى كُلِّ الأصابِعِ، وهو مَنسُوبٌ إلى بَعْضِها، وهو الأنامِلُ، وثانِيها مِن حَيْثُ الإبْهامُ في الأصابِعِ، والمَعْهُودُ إدْخالُ السَّبّابَةِ، فَكَأنَّهم مِن فَرْطِ دَهْشَتِهِمْ يُدْخِلُونَ أيَّ أُصْبُعٍ كانَتْ، ولا يَسْلُكُونَ المَسْلَكَ المَعْهُودَ، وثالِثُها في ذِكْرِ الجَعْلِ مَوْضِعَ الإدْخالِ، فَإنَّ جَعْلَ شَيْءٍ في شَيْءٍ أدَلُّ عَلى إحاطَةِ الثّانِي بِالأوَّلِ، مِن إدْخالِهِ فِيهِ، وهَلْ هَذا مِنَ المَجازِ اللُّغَوِيِّ لِتَسْمِيَةِ الكُلِّ بِاسْمِ جُزْئِهِ، أوْ لِلتَّجَوُّزِ في الجَعْلِ، أوْ هو مِنَ المَجازِ العَقْلِيِّ، بِأنْ يُنْسَبَ الجَعْلُ لِلْأصابِعِ وهو لِلْأنامِلِ؟
فِيهِ خِلافٌ، والمَشْهُورُ هو الأوَّلُ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وابْنُ مالِكٍ، وجَماعَةٌ عَلى الأخِيرِ ظَنًّا مِنهم أنَّ المُبالَغَةَ في الِاحْتِرازِ عَنِ اسْتِماعِ الصّاعِقَةِ، إنَّما يَكُونُ عَلَيْهِ، ولَمْ يَكْتَفُوا فِيها بِتَبادُرِ الذِّهْنِ إلى أنَّ الكُلَّ أُدْخِلَ في الأُذُنِ قَبْلَ النَّظَرِ لِلْقَرِينَةِ، وقِيلَ: لا مَجازَ هُنا أصْلًا، لِأنَّ نِسْبَةَ بَعْضِ الأفْعالِ إلى ذِي أجْزاءٍ تَنْقَسِمُ يَكْفِي فِيهِ تَلَبُّسُهُ بِبَعْضِ أجْزائِهِ، كَما يُقالُ: دَخَلْتُ البَلَدَ، وجِئْتُ لَيْلَةَ الخَمِيسِ ومَسَحْتُ بِالمِندِيلِ، فَإنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ مَعَ أنَّ الدُّخُولَ والمَجِيءَ والمَسْحَ في بَعْضِ البَلَدِ، واللَّيْلَةِ، والمِندِيلِ، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ مِثْلِ ذَلِكَ حَقِيقَةً لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما نَحْنُ فِيهِ ظاهِرٌ، (ومِن) تَعْلِيلِيَّةٌ تُغْنِي غِناءَ اللّامِ في المَفْعُولِ لَهُ، وتَدْخُلُ عَلى الباعِثِ المُتَقَدِّمِ، والغَرَضِ المُتَأخِّرِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(يَجْعَلُونَ)، وتَعَلُّقُها بِالمَوْتِ بَعِيدٌ، أيْ يَجْعَلُونَ مِن أجْلِ الصَّواعِقِ، وهي جَمْعُ صاعِقَةٍ، ولا شُذُوذَ، والظّاهِرُ أنَّها في الأصْلِ صِفَةٌ مِنَ الصَّعْقِ، وهو الصُّراخُ وتاؤُها لِلتَّأْنِيثِ، إنْ قَدَّرْتَ صِفَةً لِمُؤَنَّثٍ، أوْ لِلْمُبالَغَةِ إنْ لَمْ تُقَدِّرْ، كَراوِيَةٍ، أوْ لِلنَّقْلِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ كَحَقِيقَةٍ، وقِيلَ: إنَّها مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ، والعاقِبَةِ، وهي اسْمٌ لِكُلِّ هائِلٍ مَسْمُوعٍ أوْ مُشاهَدٍ، والمَشْهُورُ أنَّها الرَّعْدُ الشَّدِيدُ مَعَهُ قِطْعَةٌ مِن نارٍ، لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ إلّا أتَتْ عَلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ مَعَهُ جِرْمٌ حَجَرِيٌّ أوْ حَدِيدِيٌّ، وسَدُّ الآذانِ، إنَّما يَنْفَعُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ، وقَدْ يُرادُ المَعْنى الثّانِي، ويَكُونُ في الكَلامِ إشارَةٌ إلى مُبالَغَةٍ أُخْرى في فَرْطِ دَهْشَتِهِمْ، حَيْثُ يَظُنُّونَ ما لا يَنْفَعُ نافِعًا، وقَرَأ الحَسَنُ (مِنَ الصَّواقِعِ)، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، كَما في قَوْلِهِ: ألَمْ تَرَ أنَّ المُجْرِمِينَ أصابَهم ∗∗∗ صَواقِعُ لا بَلْ هُنَّ فَوْقَ الصَّواقِعِ ولَيْسَ مِن بابِ القَلْبِ عَلى الأصَحِّ، إذْ عَلامَتُهُ كَوْنُ أحَدِ البِناءَيْنِ فائِقًا لِلْآخَرِ بِبَعْضِ وُجُوهِ التَّصْرِيفِ، والبِناءانِ هُنا مُسْتَوِيانِ في التَّصْرِيفِ، (وحَذَرَ المَوْتِ) نُصِبَ عَلى العِلَّةِ لِـ(يَجْعَلُونَ)، وإنْ كانَ مِنَ الصَّواعِقِ في المَعْنى مَفْعُولًا لَهُ، كانَ هُناكَ نَوْعانِ مَنصُوبٌ ومَجْرُورٌ، ولُزُومُ العَطْفِ في مِثْلِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ خِلافًا لِمَن زَعْمَهُ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ عِلَّةً لَهُ، مَعَ عِلَّتِهِ، كَما أنَّ مِنَ الصَّواعِقِ عِلَّةٌ لَهُ نَفْسِهِ، ووَرَدَ مَجِيءُ المَفْعُولِ لَهُ مَعْرِفَةً، وإنْ كانَ قَلِيلًا كَما في قَوْلِهِ: وأغْفِرُ عَوْراءَ الكَرِيمِ ادِّخارَهُ ∗∗∗ وأعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيمِ تَكَرُّما وجَعْلُهُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِمَحْذُوفٍ، أيْ يَحْذَرُونَ حَذَرَ المَوْتِ بَعِيدٌ، وقَرَأ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: (حِذارَ)، وهو كَـ(حَذَرَ) شِدَّةُ الخَوْفِ، والمَوْتُ في المَشْهُورِ زَوالُ الحَياةِ عَمّا يَتَّصِفُ بِها بِالفِعْلِ، وإطْلاقُهُ عَلى العَدَمِ السّابِقِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ ﴾ مَجازٌ، ولا يَرُدُّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ المَوْتَ ﴾ إذِ الخَلْقُ فِيهِ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، وتَعْيِينِ المِقْدارِ بِوَجْهٍ، وهو مِمّا يُوصَفُ بِهِ المَوْجُودُ والمَعْدُومُ، لِأنَّ العَدَمَ كالوُجُودِ، لَهُ مُدَّةٌ ومِقْدارٌ مُعَيَّنٌ عِنْدَهُ تَعالى، وقِيلَ: المُرادُ بِخَلْقِ المَوْتِ إحْداثُ أسْبابِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ العَدَمُ مُطْلَقًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَخْلُوقًا، إلّا أنَّ إعْدامَ المَلَكاتِ مَخْلُوقَةٌ لِما فِيها مِن شائِبَةِ التَّحَقُّقِ بِمَعْنى أنَّ اسْتِعْدادَ المَوْضُوعِ مُعْتَبَرٌ في مَفْهُومِها، وهو أمْرٌ وُجُودِيٌّ، فَيَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ تَعَلُّقُ الخَلْقِ، والإيجادِ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ، وصَحَّحَ مُحَقِّقُو أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ المَوْتَ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ خُلِقَتْ ضِدًّا لِلْحَياةِ، ولِهَذا يَظْهَرُ كَما في الحَدِيثِ: (يَوْمَ تَتَجَسَّدُ المَعانِي، كَما قالَ أهْلُ اللَّهِ تَعالى، بِصُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ)، ويَصِيرُ عَدَمًا مَحْضًا إذْ يُذْبَحُ بِمُدْيَةِ الحَياةِ الَّتِي لا يَنْتَهِي أمَدُها، ﴿ واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ ﴾ أيْ لا يَفُوتُونَهُ كَما لا يَفُوتُ المُحاطُ المُحِيطَ، فَإحاطَتْهُ تَعالى بِهِمْ مَجازٌ تَشْبِيهًا لِحالِ قُدْرَتِهِ الكامِلَةِ الَّتِي لا يَفُوتُها المَقْدُورُ أصْلًا بِإحاطَةِ المُحِيطِ بِالمُحاطِ، بِحَيْثُ لا يَفُوتُهُ، فَيَكُونُ في الإحاطَةِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وإنْ شَبَّهَ حالَهُ تَعالى ولَهُ المَثَلُ الأعْلى مَعَهُمْ، بِحالِ المُحِيطِ مَعَ المُحاطِ، بِأنْ تُشَبَّهَ هَيْئَةٌ مُنْتَزَعَةٌ مِن عِدَّةِ أُمُورٍ بِمِثْلِها، كانَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لا تَصَرُّفَ في مُفْرَداتِها، إلّا أنَّهُ صَرَّحَ بِالعُمْدَةِ مِنها وقَدَّرَ الباقِيَ فافْهَمْ.
وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ في مُحِيطٍ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُهْلِكٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ أوْ عالِمٌ عِلْمَ مُجازاةٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ ﴾ وكُلُّ هَذا مِنَ الظّاهِرِ، ولِأهْلِ الشُّهُودِ كَلامٌ مِن ورائِهِ مُحِيطٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ لا عاطِفَةٌ، ولا حالِيَّةٌ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَتَيْنِ مِن قِصَّةٍ واحِدَةٍ، وفِيها تَتْمِيمٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ التَّمْثِيلِ بِما تُفِيدُهُ مِنَ المُبالَغَةِ، لِأنَّ الكافِرِينَ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، وعُبِّرَ بِهِ إشْعارًا بِاسْتِحْقاقِ ذَوِي الصَّيِّبِ ذَلِكَ العَذابَ لِكُفْرِهِمْ، فَيَكُونُ الكَلامُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ ﴾ فَإنَّ التَّشْبِيهَ بِحَرْثِ قَوْمٍ كَذَلِكَ لا يَخْفى حُسْنُهُ، لِأنَّ الإهْلاكَ عَنْ سُخْطٍ أشَدُّ وأبْلَغُ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما صَنَعُوهُ مِن سَدِّ الآذانِ بِالأصابِعِ لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، وقَدْ أحاطَ بِهِمُ الهَلاكُ، ولا يَدْفَعُ الحَذَرُ القَدَرَ، وماذا يَصْنَعُ مَعَ القَضاءِ تَدْبِيرُ البَشَرِ، وجُعِلَ الِاعْتِراضُ مِن جُمْلَةِ أحْوالِ المُشَبَّهِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالكافِرِينَ المُنافِقُونَ، ولا مَحِيصَ لَهم عَنْ عَذابِ الدّارَيْنِ، ووَسَّطَ بَيْنَ أحْوالِ المُشَبَّهِ بِهِ، لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ المُشَبَّهِ، والتَّنْبِيهُ عَلى شِدَّةِ الِاتِّصالِ مِمّا يَأْباهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، <div class="verse-tafsir"
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ، يعني كمطر نزل من السماء فضرب لهم الله تعالى مثلاً آخر، لأن العرب كانوا يوضحون الكلام بذكر الأمثال، فالله ضرب لهم الأمثال ليوضح عليهم الحجة، فضرب لهم مثلاً بالمستوقد النار، ثم ضرب لهم مثلا آخر بالمطر.
فإن قيل كلمة أو إنما تستعمل للشك فما معنى أَوْ ها هنا، فقيل له: أو قد تكون للتخيير، فكأنه قال: إن شئتم فاضربوا لهم مثلاً بالمستوقد النار، وإن شئتم فاضربوا لهم المثل بالمطر، فأنتم مصيبون في ضرب المثل في الوجهين جميعاً.
وهذا كما قال في آية أخرى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ [النور: 40] فكذلك هاهنا أو للتخيير لا للشك.
وقد قيل: أو بمعنى الواو يعني، وكصيب من السماء، معناه: مثلهم كرجل في مفازة في ليلة مظلمة فنزل مطر من السماء، وفي المطر ظلمات وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ والمطر: هو القرآن، لأن في المطر حياة الخلق وإصلاح الأرض، وكذلك القرآن حياة القلوب، فيه هدى للناس، وبيان من الضلالة وإصلاح، فلهذا المعنى شبه القرآن بالمطر.
والظلمات: هي الشدائد والمحن التي تصيب المسلمين، والشبهات التي في القرآن، والرعد: هو الوعيد الذي ذكر للمنافقين والكفار في القرآن، والبرق: ما ظهر من علامات نبوة محمد ودلائله.
قوله تعالى: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ، أي يتصاممون عن سماع الحق حَذَرَ الْمَوْتِ أي لحذر الموت، إنما نصب لنزع الخافض، مثل قوله وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ [الأعراف: 155] أي من قومه، فكذلك هاهنا حَذَرَ الْمَوْتِ، أي لحذر الموت ومعناه: مخافة أن ينزل في القرآن شيء يظهر حالهم، كما قال في آية أخرى نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا [التوبة: 127] قال بعضهم: في الآية مضمر، ومعناها يجعلون أصابعهم في آذانهم من الرعد، ويغمضون أعينهم من الصواعق.
وقال أهل اللغة: الصاعقة صوت ينزل من السماء فيه نار، فمن قال بهذا القول لا يحتاج إلى الإضمار في الآية: يجعلون أصابعهم في آذانهم من خوف الصاعقة وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ أي عالم بأعمالهم.
والإحاطة: هي إدراك الشيء بكماله.
<div class="verse-tafsir"
كما يقال: طغى الماء، وطغت النّار ويَعْمَهُونَ: معناه: يتردَّدون حيرةً، والعَمَهُ الحَيْرَةُ من جهة النّظر، والعامة الذي كأنه لا يبصر.
قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً ...
إلى قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ: قال الفَخْر «١» : اعلم أن المقصود من ضرب المِثَالِ أنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفْسِهِ لأن الغرض من المَثَل تشبيه الخَفِيِّ بِالجَلِيِّ، والغائب بالشاهدِ، فيتأكَّد الوقوفُ على ماهيته، ويصير الحس مطابقاً للعقل وذلك هو النهاية في الإِيضاح ألا ترى أنَّ الترغيب والترهيب إِذا وقع مجرَّداً عن ضرب مَثَلٍ، لم يتأكَّد وقوعه في القلب كتأكُّده مع ضرب المثل، ولهذا أكثر اللَّه تعالى في كتابه المبين، وفي سائر كتبه الأمثالَ، قال تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٢١] انتهى.
والمَثَل والمِثْل والمَثِيلُ واحدٌ، معناه: الشبيه، قاله أهل اللغة.
واسْتَوْقَدَ: قيل: معناه أوقد.
واختلف المتأولون في فعل المنافقين الذي يشبه فعل الذي استوقد ناراً فقالت فرقةٌ:
هي فيمن كان آمن، ثم كفر بالنفاقِ، فإِيمانه بمنزلة النار أضاءت، وكفره بعد بمنزلة انطفائها، وذهابِ النور، وقالت فرقةٌ، منهم قتادة: نطقهم ب «لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» والقُرْآنِ كإِضاءة النار، واعتقادهم الكفر بقلوبهم كانطفائها «٢» ، قال جمهورُ النحاة: جواب «لَمَّا» :
«ذَهَبَ» ويعود الضمير من نورهم على «الذي» ، وعلى هذا القولِ يتمُّ تمثيل المنافق بالمستوقِدِ لأنَّ بقاء المستوقِدِ في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق على الخلاف المتقدِّم.
وقال قومٌ «٣» : جوابُ «لَمَّا» مضمرٌ، وهو «طُفِئَتْ» ، فالضمير في «نُورِهِمْ» على هذا
للمنافقين، والإخبار بهذا هو عن حال لهم تكونُ في الآخرة، وهو قوله تعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ ...
الآيةَ [الحديد: ١٣] وهذا القول غير قويٍّ.
والأصم: الذي لا يسمع، والأبكم: الذي لا ينطق، ولا يفهم، فإِذا فهم، فهو الأخرس، وقيل: الأبكم والأخرس واحدٌ، ووصفهم بهذه الصفات إِذْ أعمالهم من الخطإ وعدم الإِجابة كأعمال من هذه صفته.
و «صُمٌّ» : رفع على خبر الابتداء، إما على تقدير تكرير «أُولَئِكَ» ، أو إِضمارهم.
وقوله تعالى: فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ قيل: معناه: لا يؤمنون بوجْهٍ، وهذا إنما يصح أنْ لو كانت الآية في معيَّنينِ، وقيل: معناه: فهم لا يرجعونَ ما داموا على الحال التي وصفهم بها، وهذا هو الصحيحُ.
أَوْ كَصَيِّبٍ: «أَوْ» : للتخيير، معناه مثِّلوهم بهذا أو بهذا، والصَّيِّبُ المطر من:
١١ ب صَابَ يَصُوبُ، إِذا/ انحط من عُلْو إِلى سفل.
وظُلُماتٌ: بالجمع: إِشارة إِلى ظلمة الليل وظلمة الدجن، ومن حيث تتراكب وتتزيد جُمِعَتْ، وكون الدجن مظلماً هول وغم للنفوس بخلاف السحاب والمطر، إذا انجلى دجنه، فإنه سارٌّ جميل.
واختلف العلماء في «الرَّعْدِ» ، فقال ابن عباس ومجاهد وشَهْرُ بن حَوْشَبٍ «١» وغيرهم: هو مَلَكٌ يزجرُ السحابَ بهذا الصوتِ المسموعِ كلَّما خالفتْ سحابةٌ، صاح بها، فإِذا اشتد غضبه، طارت النار من فيه، فهي الصواعقُ، واسم هذا الملك: الرّعد «٢» .
وقيل: الرَّعْدُ مَلَكٌ، وهذا الصوت تسبيحُهُ.
وقيل: الرعد: اسم الصوْتِ المسموعِ قاله عليُّ بن أبي طالب «١» .
وأكثر العلماء على أن الرعد ملكٌ، وذلك صوته يسبِّح ويزجرُ السحابَ.
واختلفوا في البَرْقِ.
فقال علي بن أبي طالب وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «هُوَ مِخْرَاقُ حَدِيدٍ بِيَدِ المَلَكِ يَسُوقُ بِهِ السَّحَابَ» وهذا أصحُّ ما روي فيه «٢» .
وقال ابن عبَّاس: هو سَوط نور بيد المَلَكِ يزجي به السحَابَ «٣» ، وروي عنه: أنَّ البرق ملك يتراءى «٤» .
واختلف المتأوّلون في المقصد بهذا المثل، وكيف تترتب أحوالُ المنافقينَ المُوَازِنَةُ لما في المَثَل من الظلماتِ والرعْدِ والبرقِ والصواعِقِ.
فقال جمهور المفسِّرين: مَثَّلَ اللَّه تعالى القُرْآنَ بالصَّيِّبِ، فما فيه من الإشكال عليهم والعمى هو الظلماتُ، وما فيه من الوعيدِ والزجْرِ هو الرعْدُ، وما فيه من النُّور والحُجَج الباهرة هو البَرْقُ، وتخوُّفهم ورَوْعُهُمْ وحَذَرُهم هو جَعْلُ أصابعهم في آذانهم، وفَضْحُ نفاقهم، واشتهارُ كفرهم، وتكاليفُ الشرع التي يكرهونها من الجهادِ والزكاةِ ونحوه هي الصواعقُ، وهذا كله صحيحٌ بيِّن.
وقال ابنُ مسعود: إِن المنافقين في مجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلم كانُوا يجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن، فضرب اللَّه المثل لهم «٥» ، وهذا وفاقٌ لقول الجمهور.
ومُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ معناه: بعقابهم، يقال: أحاط السلطان بفلانٍ، إِذا أخذه أخذًا حاصرًا من كل جهة، ومنه قوله تعالى: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [الكهف: ٤٢] .
ويَكادُ فعل ينفي المعنى مع إِيجابه، ويوجبه مع النفي «١» ، فهنا لم يخطف البرق الأبصار، والخَطْفُ: الانتزاعُ بسرعة، ومعنى يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ، تكاد حجج القرآن وبراهينه وآياته الساطعة تبهرهم، ومن جعل البَرْقَ في المثل الزجْرَ والوعيدَ، قال:
يكاد ذلك يصيبهم.
و «كُلَّمَا» : ظرفٌ، والعامل فيه «مَشَوْا» ، و «قَامُوا» معناه: ثَبَتُوا، ومعنى الآية فيما روي عن ابن عَبَّاس وغيره: كلَّما سمع المنافقون القرآن، وظهرت لهم الحججُ، أنسوا ومشوا معه، فإذا نَزَلَ من القرآن ما يعمهون فيه، ويضلون به، أو يكلَّفونه، قاموا، أي:
ثَبَتُوا على نفاقهم.
وروي عن ابن مسعودٍ أنَّ معنى الآية: كلَّما صلُحَتْ أحوالهم في زروعهم ومواشِيهِمْ، وتوالَتْ عليهم النّعم، قالوا: دين محمَّد دِينٌ مبارَكٌ، وإِذا نزلت بهم مصيبةٌ أَو أصابتهم شدَّة، سَخِطُوه وثَبَتُوا في نفاقهم «٢» .
ووحَّد السمع لأنه مصدر يقع للواحد والجمع.
١٢ أوقوله سبحانه: عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لفظه العمومُ، ومعناه عند/ المتكلِّمين: فيما يجوز وصفه تعالى بالقدرة عليه، وقديرٌ بمعنى قَادِرٍ، وفيه مبالغةٌ، وخَصَّ هنا سبحانه صفتَهُ الَّتي هي القدرةُ- بالذِّكُر لأنه قد تقدَّم ذكر فعلٍ مضمَّنه الوعيدُ والإِخافةُ، فكان ذكر القدرة مناسباً لذلك.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ ﴾ "أوْ" حَرْفٌ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا ﴾ واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ داخِلٌ هاهُنا لِلتَّخْيِيرِ، تَقُولُ العَرَبُ جالِسِ الفُقَهاءَ أوِ النَّحْوِيِّينَ، ومَعْناهُ: أنْتَ مُخَيَّرٌ في مُجالَسَةِ أيِّ: الفَرِيقَيْنِ شِئْتَ، فَكَأنَّهُ خَيَّرَنا بَيْنَ أنْ نَضْرِبَ لَهُمُ المَثَلَ الأوَّلَ أوِ الثّانِي.
والثّانِي: أنَّهُ داخِلٌ لِلْإبْهامِ فِيما قَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَحْصِيلَهُ، فَأُبْهِمَ عَلَيْهِمْ ما لا يَطْلُبُونَ تَفْصِيلَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: مَثَلُهم كَأحَدِ هَذَيْنِ.
ومَثَلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهِيَ كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً ﴾ والعَرَبُ تُبْهِمُ ما لا فائِدَةَ في تَفْصِيلِهِ.
قالَ لَبِيدُ: تَمَنّى ابْنَتايَ أنْ يَعِيشَ أبُوهُما وهَلْ أنا إلّا مِن رَبِيعَةَ أوْ مُضَرِ أيْ: هَلْ أنا إلّا مِن أحَدِ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ، وقَدْ فَنِيا فَسَبِيلِي أنْ أفْنى كَما فَنِيا.
والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى بَلْ.
وأنْشَدَ الفَرّاءُ بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَقِ الضُّحى ∗∗∗ وصُورَتُها أوْ أنْتَ في العَيْنِ أمْلَحُ والرّابِعُ: أنَّهُ لِلتَّفْصِيلِ، ومَعْناهُ: بَعْضُهم يُشَبَّهُ بِالَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا، وبَعْضُهم بِأصْحابِ الصَّيِّبِ.
ومَثَلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى ﴾ مَعْناهُ: قالَ بَعْضُهم، وهُمُ اليَهُودَ: كُونُوا هُودًا، وقالَ النَّصارى: كُونُوا نَصارى.
وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ ﴾ مَعْناهُ: جاءَ بَعْضُهم بَأْسُنا بَياتًا وجاءَ بَعْضُهم بَأْسُنا وقْتَ القائِلَةِ.
والخامِسُ: أنَّهُ بِمَعْنى الواوِ.
ومَثَلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم أوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ ﴾ قالَ جَرِيرٌ: نالَ الخِلافَةَ أوْ كانَتْ لَهُ قَدَرًا ∗∗∗ كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ السّادِسُ أنَّهُ لِلشَّكِّ في حَقِّ المُخاطَبِينَ، إذِ الشَّكُّ مُرْتَفِعٌ عَنِ الحَقِّ عَزَّ وجَلَّ، ومَثَلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ يُرِيدُ: فالإعادَةُ أهْوَنُ مِنَ الِابْتِداءِ فِيما تَظُنُّونَ.
فَأمّا التَّفْسِيرُ لِمَعْنى الكَلامِ: أوْ كَأصْحابِ صَيِّبٍ، فَأضْمَرَ الأصْحابَ؛ لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ ﴾ دَلِيلًا عَلَيْهِ.
والصَّيِّبُ: المَطَرُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو فَيْعَلٌ مِن صابَ يُصُوبُ: إذا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ نازِلٍ مِن عُلُوٍّ إلى اسْتِفالٍ، فَقَدْ صابَ يَصُوبُ، قالَ الشّاعِرُ: كَأنَّهم صابَتْ عَلَيْهِمْ سَحابَةٌ ∗∗∗ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ وَفِي الرَّعْدِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ صَوْتُ مَلِكٍ يَزْجُرُ السَّحابَ، وقَدْ رُوِيَ هَذا المَعْنى مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
وفي رِوايَةٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ صَوْتُ مَلِكٍ يَسْبَحُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: هو مَلِكٌ يَسُوقُ السَّحابَ كَما يَسُوقُ الحادِيَ الإبِلَ.
والثّانِي: أنَّهُ رِيحٌ تَخْتَنِقُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي الجِلْدِ أنَّهُ قالَ: الرَّعْدِ: الرِّيحُ.
واسْمُ أبِي الجِلْدِ: جِيلانُ بْنُ أبِي فَرْوَةَ البَصَرِيُّ، وقَدْ رَوى عَنْهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اصْطِكاكُ أجْرامِ السَّحابِ، حَكاهُ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ.
وَفِي البَرْقِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ مَخارِيقٌ يَسُوقُ بِها المَلِكُ السَّحابَ، رُوِيَ هَذا المَعْنى مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
وفي رِوايَةٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: هو ضَرْبَةٌ بِمِخْراقٍ مِن حَدِيدٍ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ ضَرْبَةٌ بِسَوْطٍ مِن نُورٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَخارِيقُ: ثِيابٌ تَلُفُّ، ويَضْرِبُ بِها الصِّبْيانُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَشَبَّهَ السَّوْطَ الَّذِي يَضْرِبُ بِهِ السَّحابَ بِذَلِكَ المِخْراقِ.
قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: كَأنَّ سُيُوفَنا فِينا وفِيهِمْ ∗∗∗ مَخارِيقٌ بِأيْدِي لاعِبِينا وَقالَ مُجاهِدٌ: البَرْقُ مَصْعُ مَلَكَ، والمَصْعُ: الضَّرْبُ والتَّحْرِيكُ.
الثّانِي: أنَّ البَرْقَ: الماءُ، قالَهُ أبُو الجِلْدِ، وحَكى ابْنُ فارِسٍ أنَّ البَرْقَ: تَلَأْلُؤُ الماءِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ نارٌ تَتَقَدَّحُ مِنِ اصْطِكاكِ أجْرامِ السَّحابِ لِسَيْرِهِ، وضَرْبِ بَعْضِهِ لِبَعْضٍ، حَكاهُ شَيْخُنا.
والصَّواعِقُ: جُمْعُ صاعِقَةٍ، وهي صَوْتٌ شَدِيدٌ مِن صَوْتِ الرَّعْدِ يَقَعُ مَعَهُ قِطْعَةٌ مِن نارٍ تُحْرِقُ ما تُصِيبُهُ، ورُوِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ: أنَّ المَلِكَ الَّذِي يَسُوقُ السَّحابَ، إذا اشْتَدَّ غَضَبُهُ، طارَ مِن فِيهِ النّارُ، فَهي الصَّواعِقُ.
وقالَ غَيْرُهُ: هي نارٌ تَنْقَدِحُ مِنِ اصْطِكاكِ أجْرامِ السَّحابِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وإنَّما سُمِّيَتْ صاعِقَةً، لِأنَّها إذا أصابَتْ قَتَلَتْ، يُقالُ: صَعَقَتْهم أيْ: قَتَلَتْهم.
*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ ﴾ .
فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ لا يَفُوتُهُ أحَدٌ مِنهم، فَهو جامِعُهم يَوْمَ القِيامَةِ.
ومَثَلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّ الإحاطَةَ: الإهْلاكُ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ .
والثّالِثُ: أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ ما يَفْعَلُونَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أو كَصَيِّبٍ مِنَ السَماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ واللهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ ﴾ ﴿ يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهم كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا ولَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ إنَّ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ "أوَ" لِلتَّخْيِيرِ، مَعْناهُ: مَثَلُوهم بِهَذا، أو بِهَذا، لا عَلى الِاقْتِصارِ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أو كَصَيِّبٍ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ كَمَثَلِ الَّذِي ﴾ وقالَ الطَبَرِيُّ: "أوَ" بِمَعْنى "الواوَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عُجْمَةٌ.
و"الصَيِّبُ" المَطَرُ، مِن صابَ يَصُوبُ إذا انْحَطَّ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: كَأنَّهم صابَتْ عَلَيْهِمْ سَحابَةٌ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ وقَوْلُ الآخَرِ: فَلَسْتَ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلْأكٍ ∗∗∗ تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَماءِ يَصُوبُ وأصْلُ "صَيِّبٍ" صَيُوبٌ، اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ، وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ كَما فَعَلَ في سَيِّدٍ ومَيِّتٍ.
وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: أصْلُ "صَيِّبٍ" صُوَيْبٍ عَلى مِثالِ فَعِيلٍ، وكانَ يَلْزَمُهُ ألّا يُعَلَّ كَما لَمْ يُعَلَّ طَوِيلٌ، فَبِهَذا يَضْعُفُ هَذا القَوْلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ظُلُماتٌ" بِالجَمْعِ إشارَةٌ إلى ظُلْمَةِ اللَيْلِ، وظُلْمَةُ الدَجْنِ، ومِن حَيْثُ تَتَراكَبُ وتَتَزايَدُ جُمِعَتْ، وكَوْنُ الدَجْنِ مُظْلِمًا هَوْلٌ وغَمٌّ لِلنَّفْسِ، بِخِلافِ السَحابِ والمَطَرِ إذا انْجَلى دَجْنُهُ، فَإنَّهُ سارٌّ جَمِيلٌ ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ: فَما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ القَطا ∗∗∗ كَأنَّ المَصابِيحَ حَوْذانُها بِأحْسَنَ مِنها، ولا مُزْنَةَ ∗∗∗ دَلُوحٌ تَكَشَّفَ أدْجانُها واخْتَلَفَ العُلَماءُ في "الرَعْدِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وغَيْرُهُمْ: هو مَلِكٌ يَزْجُرُ السَحابَ بِهَذا الصَوْتِ المَسْمُوعِ، كُلَّما خالَفَتْ سَحابَةٌ صاحَ بِها، فَإذا اشْتَدَّ غَضَبُهُ طارَ النارُ مِن فِيهِ فَهي الصَواعِقُ، واسْمُ هَذا المَلِكِ: الرَعْدُ، وقِيلَ: الرَعْدُ مَلِكٌ وهَذا الصَوْتُ تَسْبِيحُهُ، وقِيلَ: الرَعْدُ اسْمُ الصَوْتِ المَسْمُوعِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهَذا هو المَعْلُومُ في لُغَةِ العَرَبِ، وقَدْ قالَ لَبِيدٌ في جاهِلِيَّتِهِ: فَجَّعَنِي الرَعْدُ والصَواعِقُ بِالفا ∗∗∗ رِسِ يَوْمَ الكَرِيهَةِ النَجْدِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الرَعْدُ رِيحٌ تَخْتَنِقُ بَيْنَ السَحابِ فَتُصَوِّتُ ذَلِكَ الصَوْتَ، وقِيلَ: الرَعْدُ اصْطِكاكُ أجْرامِ السَحابِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ الرَعْدَ مَلَكٌ، وذَلِكَ صَوْتُهُ يُسَبِّحُ ويَزْجُرُ السَحابَ.
واخْتَلَفُوا في "البَرْقِ"، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو مِخْراقٌ حَدِيدٌ بِيَدِ المَلَكِ يَسُوقُ بِهِ السَحابَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو سَوْطُ نُورٍ بِيَدِ المَلَكِ يُزْجِي بِهِ السَحابَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنَّ البَرْقَ مَلَكٌ يَتَراءى.
وقالَ قَوْمٌ: البَرْقُ ماءٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
والصاعِقَةُ: قالَ الخَلِيلُ: هي الواقِعَةُ الشَدِيدَةُ مِن صَوْتِ الرَعْدِ، يَكُونُ مَعَها أحْيانًا قِطْعَةُ نارٍ، يُقالُ: إنَّها مِنَ المِخْراقِ الَّذِي بِيَدِ المَلَكِ، وقِيلَ في قِطْعَةِ النارِ: إنَّها ما يَخْرُجُ مِن فَمِ المَلَكِ عِنْدَ غَضَبِهِ.
وَحَكى الخَلِيلُ عن قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ: الساعِقَةُ بِالسِينِ.
وقالَ النَقّاشُ: يُقالُ: صاعِقَةٌ وصَعْقَةٌ وصاقِعَةٌ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مِنَ الصَواقِعِ" بِتَقْدِيمِ القافِ.
قالَ أبُو عَمْرٍو: وهي لُغَةُ تَمِيمٍ.
وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: "حَذارِ المَوْتَ" بِكَسْرِ الحاءِ وبِألِفٍ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المَقْصِدِ بِهَذا المَثَلِ، وكَيْفَ تَتَرَتَّبُ أحْوالُ المُنافِقِينَ المُوازِنَةُ لِما في المَثَلِ مِنَ الظُلُماتِ، والرَعْدِ، والبَرْقِ، والصَواعِقِ.
فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: مَثَّلَ اللهُ تَعالى القُرْآنَ بِالصَيِّبِ لِما فِيهِ مِنَ الإشْكالِ عَلَيْهِمْ، والعَمى: هو الظُلُماتُ وما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ، والزَجْرُ: هو الرَعْدُ، وما فِيهِ مِنَ النُورِ والحُجَجِ الباهِرَةِ الَّتِي تَكادُ أنْ تُبْهِرَهم هو البَرْقُ، وتُخَوِّفَهم ورَوَّعَهم وحَذَّرَهم هو جَعْلُ أصابِعِهِمْ في آذانِهِمْ، وفَضْحِ نِفاقِهِمْ واشْتِهارِ كُفْرِهِمْ وتَكالِيفِ الشَرْعِ الَّتِي يَكْرَهُونَها مِنَ الجِهادِ والزَكاةِ ونَحْوِهِ هي الصَواعِقُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ صَحِيحٌ بَيِّنٌ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «إنَّ رَجُلَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ هَرَبا مِنَ النَبِيِّ إلى المُشْرِكِينَ فَأصابَهُما هَذا المَطَرُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ، وأيْقَنا بِالهَلْكِ فَقالا: لَيْتَنا أصْبَحْنا فَنَأْتِي مُحَمَّدًا، ونَضَعُ أيْدِينا في يَدِهِ، فَأصْبَحا وأتَياهُ وحَسُنَ إسْلامُهُما، فَضَرَبَ اللهُ ما نَزَلَ بِهِما مَثَلًا لِلْمُنافِقِينَ».
وقالَ أيْضًا ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ المُنافِقِينَ في مَجْلِسِ رَسُولِ اللهِ كانُوا يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ لِئَلّا يَسْمَعُوا القُرْآنَ، فَضَرَبَ اللهُ المَثَلَ لَهُمْ، وهَذا وِفاقٌ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ الَّذِي ذَكَرْناهُ.
وقالَ قَوْمٌ: الرَعْدُ والبَرْقُ هُما بِمَثابَةِ زَجْرِ القُرْآنِ ووَعِيدِهِ.
و ﴿ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ ﴾ مَعْناهُ: بِعِقابِهِ وأخْذِهِ، يُقالُ: أحاطَ السُلْطانُ بِفُلانٍ إذا أخَذَهُ أخْذًا حاصِرًا مِن كُلِّ جِهَةٍ.
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ ، فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ، و"يَكادُ" فِعْلٌ يَنْفِي المَعْنى مَعَ إيجابِهِ، ويُوجِبُهُ مَعَ النَفْيِ، فَهُنا لَمْ يَخْطِفِ البَرْقُ الأبْصارَ، والخَطْفُ الِانْتِزاعُ بِسُرْعَةٍ.
واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في هَذِهِ اللَفْظَةِ، فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَخْطِفُ أبْصارَهُمْ" بِفَتْحِ الياءِ والطاءِ وسُكُونِ الخاءِ عَلى قَوْلِهِمْ في الماضِي خَطِفَ بِكَسْرِ الطاءِ، وهي أفْصَحُ لُغاتِ العَرَبِ، وهي قُرَشِيَّةٌ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "يَخْطِفُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الخاءِ وكَسْرِ الطاءِ عَلى قَوْلِ بَعْضِ العَرَبِ في الماضِي "خَطَفَ" بِفَتْحِ الطاءِ.
ونَسَبَ المَهْدَوِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ إلى الحَسَنِ وأبِي رَجاءٍ، وذَلِكَ وهْمٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ: يَخِطِّفُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الخاءِ والطاءِ وتَشْدِيدِ الطاءِ، وهَذِهِ أصْلُها "يَخْتَطِفُ" أُدْغِمَتِ التاءُ في الطاءِ وكُسِرَتِ الخاءُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ.
وحَكى ابْنُ مُجاهِدٍ قِراءَةً لَمْ يَنْسُبْها إلى أحَدٍ "يَخَطِّفُ" بِفَتْحِ الياءِ والخاءِ وتَشْدِيدِ الطاءِ المَكْسُورَةِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: أصْلُها "يَخْتَطِفُ"، نُقِلَتْ حَرَكَةُ التاءِ إلى الخاءِ، وأُدْغِمَتِ التاءُ في الطاءِ.
وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ: "يَخَطِّفُ" بِفَتْحِ الياءِ والخاءِ والطاءِ وشَدِّها، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ والأعْمَشِ بِكَسْرِ الثَلاثَةِ وشَدِّ الطاءِ مِنها، وهَذِهِ أيْضًا أصْلُها يَخْتَطِفُ.
أدْغَمَ وكُسِرَتِ الخاءُ لِلِالتِقاءِ، وكُسِرَتِ الياءُ إتْباعًا.
وقالَ عَبْدُ الوارِثِ: رَأيْتُها في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "يَتَخَطَّفُ" بِالتاءِ بَيْنَ الياءِ والخاءِ، وقالَ الفَرّاءُ: قَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الخاءِ وشَدِّ الطاءِ مَكْسُورَةً، قالَ أبُو الفَتْحِ: إنَّما هو اخْتِلاسٌ وإخْفاءٌ فَيَلْطُفُ عِنْدَهم فَيَرَوْنَ أنَّهُ إدْغامٌ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ لِأنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ دُونَ عُذْرٍ، وحَكى الفَرّاءُ قِراءَةً عن بَعْضِ الناسِ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ وشَدِّ الطاءِ مَكْسُورَةً كَأنَّهُ تَشْدِيدُ مُبالَغَةٍ لا تَشْدِيدُ تَعْدِيَةٍ.
ومَعْنى: ﴿ يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ ﴾ : تَكادُ حُجَجُ القُرْآنِ وبَراهِينُهُ وآياتُهُ الساطِعَةُ تُبْهِرُهم.
ومَن جَعَلَ البَرْقَ في المَثَلِ الزَجْرَ والوَعِيدَ، قالَ: يَكادُ ذَلِكَ يُصِيبُهُمْ، و"كُلَّما" ظَرْفٌ والعامِلُ فِيهِ "مَشَوْا"، وهو أيْضًا جَوابُ "كُلَّما"، و"أضاءَ" صِلَةُ "ما"، ومَن جَعَلَ "أضاءَ" يَتَعَدّى، قَدَّرَ لَهُ مَفْعُولًا، ومَن جَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ "ضاءَ" اسْتَغْنى عن ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أضا لَهُمْ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، وهي لُغَةٌ.
وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "مَرُّوا فِيهِ"، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مَضَوْا فِيهِ"، وقَرَأ الضَحّاكُ: "وَإذا أظْلَمَ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللامِ.
و"قامُوا" مَعْناهُ: ثَبَتُوا؛ لِأنَّهم كانُوا قِيامًا، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: وقَدْ أقامَ الدَهْرُ صَعْرِي ∗∗∗ بَعْدَ أنْ أقَمْتُ صَعْرَهُ يُرِيدُ أثْبَتَ الدَهْرُ ومَعْنى الآيَةِ فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ: كُلَّما سَمِعَ المُنافِقُونَ القُرْآنَ، وظَهَرَتْ لَهُمُ الحُجَجُ، أنِسُوا ومَشَوْا مَعَهُ، فَإذا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ما يَعْمُونَ فِيهِ ويَضِلُّونَ بِهِ أو يُكَلِّفُونَهُ، قامُوا أيْ ثَبَتُوا عَلى نِفاقِهِمْ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: كُلَّما صَلَحَتْ أحْوالُهم في زُرُوعِهِمْ ومَواشِيهِمْ وتَوالَتْ عَلَيْهِمُ النِعَمُ قالُوا: دِينُ مُحَمَّدٍ دِينٌ مُبارَكٌ، وإذا نَزَلَتْ بِهِمْ مُصِيبَةٌ أو أصابَتْهم شِدَّةٌ سَخِطُوهُ وثَبَتُوا في نِفاقِهِمْ.
وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ: كُلَّما خَفِيَ عَلَيْكم نِفاقُهُمْ، وظَهَرَ لَكم مِنهُمُ الإيمانُ مَشَوْا فِيهِ، فَإذا افْتَضَحُوا عِنْدَكم قامُوا.
ووَحَّدَ السَمْعَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ.
وحَكى النَقّاشُ أنَّ مِنَ العُلَماءِ مَن قَرَأ: "بِأسْماعِهِمْ".
وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأذْهَبَ أسْماعَهم وأبْصارَهُمْ"، وخَصَّ الأسْماعَ والأبْصارَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِها في الآيَةِ، ويُشْبِهُ هَذا المَعْنى في حالِ المُنافِقِينَ أنَّ اللهَ لَوْ شاءَ لَأوقَعَ بِهِمْ ما يَتَخَوَّفُونَهُ مِنَ الزَجْرِ والوَعِيدِ، أو لِفَضْحِهِمْ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ، وسَلَّطَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، وبِكُلِّ مَذْهَبٍ مِن هَذَيْنَ قالَ قَوْمٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ لَفْظُهُ العُمُومُ، ومَعْناهُ عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَجُوزُ وصْفُهُ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ، و"قَدِيرٌ" بِمَعْنى قادِرٌ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ، وخَصَّ هُنا صِفَتَهُ الَّتِي هي القُدْرَةُ بِالذِكْرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ فِعْلٍ مُضَمِّنُهُ الوَعِيدَ والإخافَةَ، فَكانَ ذِكْرُ القُدْرَةِ مُناسِبًا لِذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء فِيهِ ظلمات وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ﴾ .
عطف على التمثيل السابق وهو قوله: ﴿ كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ [البقرة: 17] أعيد تشبيه حالهم بتمثيل آخر وبمراعاة أوصاف أخرى فهو تمثيل لحال المنافقين المختلطة بين جواذب ودوافع حين يجاذب نفوسهم جاذب الخير عند سماع مواعظ القرآن وإرشاده، وجاذب الشر من أعراق النفوس والسخرية بالمسلمين، بحال صيب من السماء اختلطت فيه غيوث وأنوار ومزعجات وأكدار، جاء على طريقة بلغاء العرب في التفنن في التشبيه وهم يتنافسون فيه لا سيما التمثيلي منه وهي طريقة تدل على تمكن الواصف من التوصيف والتوسع فيه.
وقد استقريْتُ من استعمالهم فرأيتهم قد يسلكون طريقة عطف تشبيه على تشبيه كقول امرئ القيس في معلقته: أصاححِ ترى برقاً أُريك وميضَه *** كلمععِ اليدين في حَبِيَ مُكَلَّل يُضيءُ سَناه أو مصابيححِ راهب *** أَمال السليطَ بالذُّبال المُفَتَّل وقوللِ لَبيد في معلقته يصف راحلته: فلها هِبَاب في الزمام كأنها *** صهباءُ خفَّ مع الجَنوب جَهَامها أو مُلْمِعٌ وسَقَتْ لأَحْقَبَ لاَحَه *** طَرْدُ الفُحول وضَرْبُها وكِدَامُها وكثر أن يكون العطف في نحوه بأو دون الواو، وأو موضوعة لأحد الشيئين أو الأشياء فيتولد منها معنى التسوية وربما سلكوا في إعادة التشبيه مسلك الاستفهام بالهمزة أي لتختار التشبيه بهذا أم بذلك وذلك كقول لبيد عقب البيتين السابق ذكرهما: أَفتلك أم وحْشية مسبوعة *** خذلت وهادية الصِّوار قِوامها وقال ذو الرمة في تشبيه سير ناقته الحثيث: وثْبَ المُسَحَّججِ من عَانَاتتِ مَعْقُلَةٍ *** كأنَّه مستبان الشَّكِّ أو جَنِبُ ثم قال: أذاك أم نَمِشٌ بالوشْي أَكْرُعُه *** مسفَّع الخَد غَادٍ نَاشِعٌ شَبَبُ ثم قال: أَذاك أم خاضب بالسَّيِّ مَرْتَعُه *** أبو ثلاثين أَمسى وهو مُنْقلب وربما عطفوا بالواو كما في قوله تعالى: ﴿ ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ﴾ [الزمر: 29] الآية ثم قال: ﴿ وضرب الله مَثَلاً رجلين ﴾ [النحل: 76] الآية.
وقوله: ﴿ ما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور ﴾ [فاطر: 19 21] الآية بل وربما جمعوا بلا عطف كقوله تعالى: ﴿ حتى جعلناهم حصيداً خامدين ﴾ [الأنبياء: 15] وهذه تفننات جميلة في الكلام البليغ فما ظنك بها إذا وقعت في التشبيه التمثيلي فإنه لعزته مفرداً تعز استطاعةُ تكريره.
و (أو) عطفت لفظ (صيب) على ﴿ الذي استوقد ﴾ [البقرة: 17] بتقدير مَثَل بين الكاف وصيب.
وإعادةُ حرف التشبيه مع حرف العطف المغني عن إعادة العامل، وهذا التكرير مستعمل في كلامهم وحسَّنه هنا أن فيه إشارة إلى اختلاف الحالين المشبهين كما سنبينه وهم في الغالب لا يكررونه في العطف.
والتمثيل هنا لحال المنافقين حين حضورهم مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماعهم القرآن وما فيه من آي الوعيد لأمثالهم وآي البشارة، فالغرض من هذا التمثيل تمثيل حالة مغايرة للحالة التي مُثِّلتْ في قوله تعالى: ﴿ مَثَلُهم كمَثَل الذي استوقد ﴾ [البقرة: 17] بنوع إطلاق وتقييد.
فقوله: ﴿ أَو كصيب ﴾ تقديره أو كفريق ذي صيب أي كقوم على نحو ما تقدم في قوله: ﴿ كمثل الذي استوقد ﴾ دل على تقدير قوم قوله: ﴿ يجعلون أصابعهم في آذانهم ﴾ وقولُه: ﴿ يخطف أبصارهم ﴾ [البقرة: 20].
الآية، لأن ذلك لا يصح عوده إلى المنافقين فلا يَجيء فيه ما جازَ في قوله: ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ [البقرة: 17] الخ.
فشبهت حال المنافقين بحال قوم سائرين في ليل بأرض قوم أصابها الغيث وكان أهلها كانِّين في مساكنهم كما عُلم ذلك من قوله: ﴿ كلَّما أضاءَ لهم مشَوْا فيه ﴾ [البقرة: 20] فذلك الغيث نفع أهل الأرض ولم يصبهم مِمَّا اتصل به من الرعد والصواعف ضُر ولم ينفع المارين بها وأضرَّ بهم ما اتصل به من الظلمات والرعد والبرق، فالصيب مستعار للقرآن وهدى الإسلام وتشبيهه بالغَيث وارد.
وفي الحديث الصحيح: " مَثَل ما بَعثني الله به من الهُدى كمثل الغيث أصابَ أرضاً فكان منها نَقِيَّةٌ " الخ.
وفي القرآن: ﴿ كمثل غيث أعجب الكفار نباته ﴾ [الحديد: 20].
ولا تَجد حالة صالحة لتمثيل هيئة اختلاط نفع وضر مثل حالة المطر والسحاب وهو من بديع التمثيل القرآني، ومنه أخذ أبو الطيب قوله: فتى كالسحاب الجَوْن يُرجَى ويُتَّقَى *** يُرَجَّى الحَيَا منه وتُخْشى الصواعق والظلمات مستعار لما يعتري الكافرين من الوحشة عند سماعه كما تعتري السائر في الليل وحشة الغيم لأنه يحجب عنه ضوء النجوم والقمر، والرعد لقوارع القرآن وزواجره، والبَرْق لظهور أنوار هديه من خلال الزواجر فظهر أن هذا المركب التمثيلي صالح لاعتبارات تفريق التشبيه وهو أعلى التمثيل.
والصيب فيعل من صاب يصوب صوباً إذا نزل بشدة، قال المرزوقي إن ياءه للنقل من المصدرية إلى الاسمية فهو وصف للمطر بشدة الظلمة الحاصلة من كثافة السحاب ومن ظلام الليل.
والظاهر أن قوله: ﴿ من السماء ﴾ ليس بقيد للصيب وإنما هو وصف كاشف جيء به لزيادة استحضار صورة الصيب في هذا التمثيل إذ المقام مقام إطناب كقول امرئ القيس: كجلمود صخرٍ حَطَّه السيل من عَللٍ *** إذ قد علم السامع أن السيل لا يحط جلمود صخر إلا من أعلى ولكنه أراد التصوير، وكقوله تعالى: ﴿ ولا طائر يطير بجناحيه ﴾ [الأنعام: 38]، وقوله: ﴿ كالذي استهوته الشياطين في الأرض ﴾ [الأنعام: 71] وقال تعالى: ﴿ فأَمْطِرْ علينا حجارة من السماء ﴾ [الأنفال: 32].
والسماء تطلق على الجو المرتفع فوقنا الذي نخاله قبة زرقاء، وعلى الهواء المرتفع قال تعالى: ﴿ كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ﴾ [إبراهيم: 24] وتطلق على السحاب، وتطلق على المطر نفسه ففي الحديث: " خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إثر سماء " الخ، ولما كان تكوُّن المطر من الطبقة الزمهريرية المرتفعة في الجو جعل ابتداؤه من السماء وتكرر ذلك في القرآن.
ويمكن أن يكون قوله: ﴿ من السماء ﴾ تقييداً للصيب إما بمعنى من جميع أقطار الجو إذا قلنا إن التعريف في السماء للاستغراق كما ذهب إليه في «الكشاف» على بعد فيه إذ لم يعهد دخول لام الاستغراق إلا على اسم كلي ذي أفراد دون اسم كل ذي أجزاء فيحتاج لتنزيل الأجزاء منزلة أفراد الجنس ولا يعرف له نظير في الاستعمال فالذي يظهر لي إن جعلنا قوله: ﴿ من السماء ﴾ قيداً للصيب أن المراد من السماء أعلى الارتفاع والمطر إذا كان من سمت مقابل وكان عالياً كان أدوم بخلاف الذي يكون من جوانب الجو ويكون قريباً من الأرض غير مرتفع.
وضمير (فيه) عائد إلى (صيب) والظرفية مجازية بمعنى معه، والظلمات مضى القول فيه آنفاً.
والمراد بالظلمات ظلام الليل أي كسحاب في لونه ظلمة الليل وسحابة الليل أشد مطراً وبرقاً وتسمى سارية.
والرعد أصوات تنشأ في السحاب.
والبرق لامع ناري مضيء يظهر في السحاب، والرعدُ والبرق ينشآن في السحاب من أثر كهربائي يكون في السحاب فإذا تكاثفت سحابتان في الجو إحداهما كهرباؤُها أقوى من كهرباء الأخرى وتحاكّتا جذبت الأقوى منهما الأضعف فحدث بذلك انشقاق في الهواء بشدة وسرعة فحدث صوت قوي هو المسمى الرعد وهو فرقعة هوائية من فعل الكهرباء، ويحصل عند ذلك التقاء الكهرباءين وذلك يسبب انقداح البرق.
وقد علمت أن الصيب تشبيه للقرآن وأن الظلمات والرعد والبرق تشبيه لنوازع الوعيد بأنها تسر أقواماً وهم المنتفعون بالغيث وتسوء المسافرين غير أهل تلك الدار، فكذلك الآيات تسر المؤمنين إذ يجدون أنفسهم ناجين من أن تحق عليهم وتسوء المنافقين إذ يجدونها منطبقة على أحوالهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ ﴾ في الصَّيِّبِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَطَرُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: أنَّهُ السَّحابُ، قالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ: كَأنَّهُمُ صابَتْ عَلَيْهِمْ سَحابَةٌ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ ∗∗∗ فَلا تَعْدِلِي بَيْنِي وبَيْنَ مُغَمِّرٍ ∗∗∗ سُقِيَتِ غَوادِي المُزْنِ حِينَ تَصُوبُ وَفِي الرَّعْدِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَلَكٌ يَنْعِقُ بِالغَيْثِ، كَما يَنْعِقُ الرّاعِي بِغَنَمِهِ، فَسُمِّيَ الصَّوْتُ رَعْدًا باسْمِ ذَلِكَ المَلَكِ، وبِهِ قالَ الخَلِيلُ.
والثّانِي: أنَّهُ رِيحٌ تَخْتَنِقُ تَحْتَ السَّحابِ فَتُصَوِّبُ ذَلِكَ الصَّوْتَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ صَوْتُ اصْطِكاكِ الأجْرامِ.
وَفِي البَرْقِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ ضَرْبُ المَلَكِ الَّذِي هو الرَّعْدُ لِلسَّحابِ بِمِخْراقٍ مِن حَدِيدٍ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّانِي: أنَّهُ ضَرْبُهُ بِسَوْطٍ مِن نُورٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ما يَنْقَدِحُ مِنِ اصْطِكاكِ الأجْرامِ.
والصَّواعِقُ جَمْعُ صاعِقَةٍ، وهو الشَّدِيدُ مِن صَوْتِ الرَّعْدِ تَقَعُ مَعَهُ قِطْعَةُ نارٍ، تَحْرِقُ ما أتَتْ عَلَيْهِ.
وَفِي تَشْبِيهِ المَثَلِ في هَذِهِ الآيَةِ أقاوِيلُ: أحَدُها: أنَّهُ مَثَلٌ لِلْقُرْآنِ، شَبَّهَ المَطَرَ المُنَزَّلَ مِنَ السَّماءِ بِالقُرْآنِ، وما فِيهِ مِنَ الظُّلُماتِ بِما في القُرْآنِ مِنَ الِابْتِلاءِ، وما فِيهِ مِنَ الرَّعْدِ بِما في القُرْآنِ مِنَ الزَّجْرِ، وما فِيهِ مِنَ البَرْقِ بِما في القُرْآنِ مِنَ البَيانِ، وما فِيهِ مِنَ الصَّواعِقِ بِما في القُرْآنِ مِنَ الوَعِيدِ الآجِلِ، والدُّعاءِ إلى الجِهادِ في العاجِلِ، وهَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ لِما يَخافُونَهُ مِن وعِيدِ الآخِرَةِ لِشَكِّهِمْ في دِينِهِمْ، وما فِيهِ مِنَ البَرْقِ بِما في إظْهارِ الإسْلامِ مِن حَقْنِ دِمائِهِمْ ومَناكِحِهِمْ ومَوارِيثِهِمْ، وما فِيهِ مِنَ الصَّواعِقِ بِما في الإسْلامِ مِنَ الزَّواجِرِ بِالعِقابِ في العاجِلِ والآجِلِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ضَرَبَ الصَّيِّبَ مَثَلًا بِظاهِرِ إيمانِ المُنافِقِ، ومَثَّلَ ما فِيهِ مِنَ الظُّلُماتِ بِصَلابَتِهِ، وما فِيهِ مِنَ البَرْقِ بِنُورِ إيمانِهِ، وما فِيهِ مِنَ الصَّواعِقِ بِهَلاكِ نِفاقِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ ﴾ مَعْناهُ: يَسْتَلِبُها بِسُرْعَةٍ.
﴿ كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا ﴾ وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُنافِقِينَ، وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: كُلَّما أضاءَ لَهُمُ الحَقُّ اتَّبَعُوهُ، وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ بِالهَوى تَرَكُوهُ.
والثّانِي مَعْناهُ: كُلَّما غَنِمُوا وأصابُوا مِنَ الإسْلامِ خَيْرًا، اتَّبَعُوا المُسْلِمِينَ، وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُصِيبُوا خَيْرًا، قَعَدُوا عَنِ الجِهادِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ ﴾ فالمُرادُ الجَمْعُ وإنْ كانَ بِلَفْظِ الواحِدِ.
كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ كُلُوا في نِصْفِ بَطْنِكُمُ تَعِيشُوا ∗∗∗ فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصٌ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والصابوني في المائتين عن ابن عباس قي قوله: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ الآية.
قال: هذا مثل ضربه الله للمنافقين، كانوا يعتزون بالإِسلام، فيناكحهم المسلمون، ويوارثونهم، ويقاسمونهم الفيء.
فلما ماتوا سلبهم الله العز كما سلب صاحب النار ضوءه ﴿ وتركهم في ظلمات ﴾ يقول في عذاب ﴿ صم بكم عمي ﴾ لايسمعون الهدى، ولا يبصرونه، ولا يعقلونه ﴿ أو كصيب ﴾ هو المطر.
ضرب مثله في القرآن ﴿ فيه ظلمات ﴾ يقول: ابتلاء ﴿ ورعد وبرق ﴾ تخويف ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم ﴾ يقول: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين ﴿ كلما أضاء لهم مشوا فيه ﴾ يقول: كلما أصاب المنافقون من الإِسلام عزاً اطمأنوا، فإن أصاب الإِسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر كقوله: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف..
﴾ [ الحج: 11] الآية.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناسٍ من الصحابة في قوله: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً...
﴾ الآية.
قال: إن ناساً دخلوا في الإِسلام مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ثم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة، فأوقد ناراً ف ﴿ أضاءت ما حوله ﴾ من قذى أو أذى، فأبصره حتى عرف ما يتقي.
فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فكذلك المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلال من الحرام، والخير من الشر، بينا هو كذلك إد كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر، فهم ﴿ صم بكم ﴾ فهم الخرس ﴿ فهم لا يرجعون ﴾ إلى الإِسلام.
وفي قوله: ﴿ أو كصيب...
﴾ الآية.
قال: كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله.
فيه رعد شديد، وصواعق، وبرق، فجعلا كلما أصابتهما الصواعق يجعلان أصابعهما في آذانهما من الفرق، أن تدخل الصواعق في مسامعهما فتقتلهما، وإذا لمع البرق مشيا في ضوئه، وإذا لم يلمع لم يبصرا.
قاما مكانهما لا يمشيان، فجعلا يقولان.
ليتنا قد أصبحنا، فنأتي محمداً فنضع أيدينا في يده، فأصبحا فأتياه فأسلما، ووضعا أيديهما في يده وحسن إسلامهما.
فضرب الله شأن هذين المنافقين الخارجين، مثلاً للمنافقين الذين بالمدينة، وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقاً من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيهم شيء، أو يذكروا بشيء، فيقتلوا كما كان ذانك المنافقان الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما ﴿ كلما أضاء لهم مشوا فيه ﴾ فإذا كثرت أموالهم وولدهم، وأصابوا غنيمة وفتحاً ﴿ مشوا فيه ﴾ وقالوا: إن دين محمد حينئذ صدق، واستقاموا عليه كما كان ذانك المنافقان يمشيان إذا أضاء بهما البرق ﴿ وإذا أظلم عليهم قاموا ﴾ فكانوا إذا هلكت أموالهم وولدهم، وأصابهم البلاء، قالوا هذا من أجل دين محمد، وارتدوا كفاراً، كما كان ذانك المنافقان حين أظلم البرق عليهما.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي.
مثله.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ قال: ضربه الله مثلاً للمنافق.
وقوله: ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ أما (النور) فهو إيمانهم الذي يتكلمون به، وأما (الظلمة) فهي ضلالهم وكفرهم.
وفي قوله: ﴿ أو كصيب ﴾ الآية.
قال (الصيب) المطر.
وهو مثل المنافق في ضوء ما تكلم بما معه من كتاب الله، وعمل مراءاة للناس، فإذا خلا وحده عمل بغيره، فهو في ظلمة ما أقام على ذلك، وأما (الظلمات) فالضلالة، وأما (البرق) فالإِيمان.
وهم أهل الكتاب ﴿ وإذا أظلم عليهم ﴾ فهو رجل يأخذ بطرف الحق لا يستطيع أن يجاوزه.
وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ مثلهم...
﴾ الآية.
قال: ضرب الله مثلاً للمنافقين يبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفأوه بكفرهم ونفاقهم، فتركهم في ظلمات الكفر لا يبصرون، هدى ولا يستقيمون على حق ﴿ صم بكم عمي ﴾ عن الخير ﴿ فهم لا يرجعون ﴾ إلى هدى، ولا إلى خير.
وفي قوله: ﴿ أو كصيب..
﴾ الآية.
يقول: هم من ظلمات ما هم فيه من الكفر، والحذر من القتل، على الذي هم عليه من الخلاف والتخويف منكم، على مثل ما وصف من الذي هو في ظلمة الصيب، فجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق ﴿ حذر الموت والله محيط بالكافرين ﴾ منزل ذلك بهم من النقمة ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم ﴾ أي لشدة ضوء الحق ﴿ كلما أضاء لهم مشوا فيه ﴾ أي يعرفون الحق ويتكلمون به فهم من قولهم به استقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر ﴿ قاموا ﴾ أي متحيرين ﴿ ولو شاء الله لذهب بسمعهم ﴾ أي لما سمعوا، تركوا من الحق بعد معرفته.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ قال: أما إضاءة النار فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى، وذهاب نورهم إقبالهم إلى الكافرين والضلالة، وإضاءة البرق وإظلامه على نحو ذلك المثل ﴿ والله محيط بالكافرين ﴾ قال: جامعهم في جهنم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للمنافق.
إن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فناكح بها المسلمين، ووارث بها المسلمين، وغازى بها المسلمين، وحقن بها دمه وماله.
فلما كان عند الموت لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في عمله، فسلبها المنافق عند الموت، فترك في ظلمات وعمى يتسكع فيها.
كما كان أعمى في الدنيا عن حق الله وطاعته صم عن الحق فلا يبصرونه ﴿ فهم لا يرجعون ﴾ عن ضلالتهم، ولا يتوبون ولا يتذكرون ﴿ أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للمنافق لجبنه، لا يسمع صوتاً إلا ظن أنه قد أتي، ولا يسمع صياحاً إلا ظن أنه قد أتي، ولا يسمع صياحاً إلا ظن أنه ميت.
أجبن قوم، وأخذله للحق.
وقال الله في آية أخرى ﴿ يحسبون كل صيحة عليهم ﴾ [ المنافقون: 4] ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم ﴾ الآية.
قال: ﴿ البرق ﴾ هو الإِسلام و(الظلمة) هو البلاء والفتنة.
فإذا رأى المنافق من الإِسلام طمأنينة، وعافية، ورخاء، وسلوة من عيش ﴿ قالوا: إنا معكم ﴾ ومنكم، وإذا رأى من الإِسلام شدة، وبلاء، فقحقح عند الشدة فلا يصبر لبلائها، ولم يحتسب أجرها، ولم يرج عاقبتها.
إنما هو صاحب دنيا لها يغضب، ولها يرضى، وهو كما هو نعته الله.
واخرج ابن وكيع وعبد بن حميد وأبو يعلى في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو كصيب من السماء ﴾ قال: المطر.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد والربيع وعطاء.
مثله.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الصيب من ههنا.
وأشار بيده إلى السماء» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يكاد البرق ﴾ قال: يلتمع ﴿ يخطف أبصارهم ﴾ ولما يخطف.
وكل شيء في القرآن (كاد، وأكاد، وكادوا) فإنه لا يكون أبداً.
وأخرج وكيع عن المبارك بن فضالة قال: سمعت الحسين يقرأها ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ ﴾ .
﴿ أَوْ ﴾ دخلت هاهنا للإباحة (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) ومثله قوله: ﴿ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ ، هذا قول جميع أصحاب المعاني (٧) وقال ابن الأنباري: ﴿ أو ﴾ دخلت للتمييز والتفصيل (٨) ﴿ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾ [معناه: قال بعضهم: كونوا هودا، وهم اليهود، وقال بعضهم: كونوا نصارى] (٩) ﴿ فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴾ معناه (١٠) (١١) (١٢) وقيل: إن (أو) هاهنا بمعنى الواو (١٣) (١٤) وقال توبة (١٥) وقَد زَعَمَتْ سَلْمَى بِأَنِّي فَاجِرٌ ...
لِنَفْسِي تُقَاهَا أوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا (١٦) قال النحويون: المعنى أو كأصحاب صيب (١٧) (١٨) ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ ﴾ .
و (الصيب) من المطر: الشديد، من قولهم: صاب يصوب، إذا نزل من علو إلى أسفل (١٩) قال: تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاء يَصُوبُ (٢٠) وأصله (صَيْوِب) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ مِنَ السَّمَاءِ ﴾ .
قال [الزجاج] (٣٠) (٣١) الأزهري: و (السماء) عند العرب مؤنثة، لأنها جمع (سماءة) (٣٢) (٣٣) وأما (الرعد)، فقال ابن عباس: الرعد ملك يسوق السحاب، كما يسوق الحادي الإبل بحدائه (٣٤) وكذلك قال مجاهد وطاووس (٣٥) (٣٦) وكتب ابن عباس إلى أبي (٣٧) (٣٨) وسئل علي - - عن الرعد، فقال: ملك، وعن البرق، فقال: مخاريق بأيدى الملائكة من حديد (٣٩) وسئل وهب بن منبه (٤٠) (٤١) ويقال: برقت السماء ورعدت، ومنه يقال: برق الرجل ورعد، إذا تهدد وأوعد (٤٢) وكلهم يقول: أبرقنا وأرعدنا بمكان كذا، أي رأينا البرق والرعد (٤٣) (٤٤) وأما (الصواعق)، فهي جمع صاعقة، والصاعقة والصعقة: الصيحة يغشى منها على من يسمعها أو يموت (٤٥) ﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ ﴾ يعني أصوات الرعد، ويقال لها: الصواقع (٤٦) كَأنَّمَا كانُوا غُرَاباً وَاقِعا ...
فَطارَ لمَّا أبْصَرَ الصَّوَاقِعا (٤٧) ويقال: أصعقته الصيحة، أي: قتلته.
وأنشد الفراء: أُحادَ وَمثنى أصْعَقَتْهَا صَوَاهِلُه (٤٨) ويقال للرعد والبرق إذا [قتلا] (٤٩) (٥٠) فَجَّعَنِي الرَّعْدُ والصَوَاعِقُ بالْـ ...
ـفَارِس يَوْمَ الكَرِيَهةِ النَّجُدِ (٥١) أراد بالصواعق صوت الرعد، يدل على هذا قوله (٥٢) ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ ﴾ ولا يسدّون الآذان إلا من شدة صوت الرعد (٥٣) وقال آخرون: الصاعقة: كل عذاب مهلك (٥٤) وقيل: الصاعقة: الصوت الشديد من الرعد، يسقط معها قطعة نار (٥٥) فأما معنى الآية، فقال المفسرون: إن الله تعالى ضرب للمنافقين مثلًا آخر، وشبههم بأصحاب مطر.
وأراد بالمطر: القرآن (٥٦) (٥٧) (٥٨) وذلك عندهم كفر، والكفر موت (٥٩) (٦٠) (٦١) وأمال الكسائي: ﴿ فِي آذَانِهِمْ ﴾ (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) (٦٦) ﴿ حَذَرَ الْمَوْتِ ﴾ لأنه مفعول له (٦٧) قال الزجاج: وليس نصبه لسقوط اللام، وإنما نصبه أنه في تأويل المصدر، كأنه (٦٨) (٦٩) وَأَغْفِر عَوْرَاءَ الكَرِيِم ادِّخَارَهُ (٧٠) (٧١) وقال الفراء: نصبه على التفسير كقوله: ﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ﴾ وكقوله: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ .
يقال: أُحِيط بفلان، إذا دنا هلاكه، وهو (٧٢) ﴿ وَأُحِيطَ بثَمَرِهِ ﴾ ، أي: أصابه ما أهلكه وأفسده (٧٣) والإحاطة تستعمل بمعنى العلم (٧٤) ﴿ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ أي: لم يشذ عن علمه شيء.
ويستعمل بمعنى القدرة، كأن قدرته أحاطت بهم (٧٥) (٧٦) وجاء في التفسير أن معناه: والله مهلكهم وجامعهم في النار (٧٧) ﴿ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ أي تهلكوا (٧٨) وأمال أبو عمرو والكسائي (الكافرين) (٧٩) (٨٠) ﴿ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ وذلك لأن كسرة الراء غير لازمة (٨١) (٨٢) (١) وقيل: للتخيير، انظر "تفسير أبي الليث" 1/ 99، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 189، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 186، "الدر المصون" 1/ 167، "الكشاف" 1/ 213.
(٢) ذكر السمين الحلبي أحد الأقوال فيها: أنها للشك.
"الدر المصون" 1/ 167.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٤) في (ج) (مثالهم).
(٥) في (ب) (إذا).
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٧) بل قول بعضهم، وما ذكره الواحدي هو كلام الزجاج.
انظر "معاني القران" 1/ 62، 129، وانظر "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 60، ونسب الثعلبي لأهل (المعاني) أنها بمعنى (الواو) 1/ 54 أ.
(٨) في (ب) (فالتفضيل).
(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(١٠) قوله: ( ﴿ أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴾ : معناه ...) ساقط من (ب).
(١١) في (ب): (وجاء).
(١٢) ذكره المرتضى في "أماليه" 2/ 54، 55، ولم ينسب لأبن الأنباري، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 42، وذكره السمين الحلبي، وقال: وهو الأظهر، "الدر المصون" 1/ 167.
(١٣) في (ب) (بمعنى الواحد).
وهو قول "الطبري" في "تفسيره" 1/ 149، وذكره أبو الليث في "تفسيره" 1/ 99، والفراء في "تفسيره" 1/ 17، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 54 أ، == "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 186، والسمين في "الدر المصون" 1/ 167.
وقد رد ابن عطية على "الطبري" قوله (إنها بمعنى: الواو) وقال: (وهذِه عجمة).
انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 189.
قلت: كيف تكون عجمة وقد قال به جمهور من المفسرين، وهو أحد (المعاني) التي تأتي (أو) عليها.
انظر "تأويل مشكل القرآن" ص 543، "الأضداد" لابن الأنباري ص 279، "زاد المسير" 1/ 42، "مغنى اللبيب" 1/ 61.
والقول إن (أو) تأتي بمعنى (الواو) هو مذهب الكوفيين، أما البصريون فيمنعون ذلك.
انظر "الإنصاف" ص 383.
وخلاصة الأقوال في (أو) في الآية هي: 1 - أنها للشك بمعنى أن الناظر يشك في تشبيههم.
2 - أو للتخيير.
3 - أنها للتفصيل.
4 - بمعنى الواو.
5 - بمعنى بل.
(١٤) البيت لجرير من قصيدة يمدح بها عمر بن عبد العزيز، انظر (الديوان) ص 211، وفيه: (إذا كانت له قدرا) فلا شاهد فيه هنا، وورد البيت في "الطبري" في "تفسيره" 1/ 149، (الأضداد) لابن الأنباري ص 279، "أمالي المرتضى" 2/ 57، "تفسير السجاوندي" 1/ 32 (مخطوط)، "همع الهوامع" 1/ 167، "مغني اللبيب" 1/ 62، "الدر المصون" 1/ 167.
(١٥) هو توبة بن الحُمَيِّر من بني عقيل بن كعب، وكان شاعرا لصا، أحد العشاق، صاحب ليلى.
انظر: "الشعر والشعراء" ص 289.
(١٦) رواية البيت المشهورة (وقد زعمت ليلى ...) فهو يذكر محبوبته ليلى الأخيلية.
انظر "أمالي المرتضى" 2/ 57، و"الطبري" في "تفسيره" 1/ 149، "الأضداد" لابن الأنباري ص 279، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 54 أ، "أمالي القالي" 1/ 88، 131، "همع الهوامع" 5/ 248، "مغني اللبيب" 1/ 61.
(١٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 60، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 60، == وقال الفراء: (أو كمثل صيب) "معاني القرآن" 1/ 17، ونحوه ذكر "الطبري" في "تفسيره" 1/ 149.
(١٨) لأن الواو في (يجعلون) تدل على المضاف المقدر وهو (أصحاب) فهو وإن حذف فمعناه باق فيجوز أن يعود عليه الضمير.
(١٩) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 60، و"الطبري" في "تفسيره" 1/ 148، (غريب القرآن) لابن قتيبة 1/ 25، "غريب القرآن" لليزيدي ص 65.
(٢٠) عجز بيت وشطره الأول: فَلَسْتَ لإنْسِيٍّ ولكِنْ لمَلأكٍ نسبه بعضهم لعلقمة بن الفحل، يمدح الحارث بن جبلة، وقيل: لرجل من عبد القيس جاهلي، يمدح بعض الملوك، قاله أبو عبيدة، وقيل: لأبي وجزة السعدي يمدح عبد الله بن الزبير.
ورد البيت في "الكتاب" 4/ 380، و"الطبري" في "تفسيره" 1/ 148، "المفضليات" ص 394، "مجاز القرآن" ص 33، "المنصف" 2/ 102، "الجمل" للزجاجي ص 47، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 28، "تفسير ابن عطية" 1/ 189، "الاشتقاق" لابن دريد ص 26، "اللسان" (صوب) 1/ 2519، و (ألك) 1/ 111، "الدر المصون" 1/ 168.
(٢١) في (ب): (صيبوب).
(٢٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٢٣) في (ب): (وإذا).
(٢٤) في (ب): (وأحديهما).
(٢٥) هكذا في جميع النسخ ولعل الصواب (أو تأخرت) والله أعلم.
(٢٦) في (أ)، (ب): (مده ليا).
أصل (ليّا) (لويا) فقلبت الواو ياء وإدغمت في الياء، انظر "سر صناعة الإعراب" 2/ 585.
(٢٧) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 54 ب، و"الطبري" في "تفسيره" 1/ 148، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 143 - 144، "الإملاء" 1/ 22، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 189، "الإنصاف" ص 639.
(٢٨) في (أ)، (ب): (صيب) وما في (ج) موافق لما عند الثعلبي، وهو ما أثبته.
وقيل: أصله عندهم (صوِيب) وردَّ بأنه لو كان كذلك لصحت (الواو) كما تصح في (طويل).
انظر "إعراب القرآن" للنحاس1/ 143 - 144، "الإملاء" 1/ 22، "الإنصاف" ص 639، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 189، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 186.
(٢٩) في (ب): (فاستقلت).
(٣٠) في جميع النسخ (الرجال) والصحيح (الزجاج) كما في "تهذيب اللغة" (سما) 2/ 1747.
(٣١) انظر كلام الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 75، "التهذيب" (سما) 2/ 1748، والنص من "التهذيب".
(٣٢) في "التهذيب" (وسبق الجمع الوحدان فيها) 2/ 1747.
(٣٣) "تهذيب اللغة" (سما) 2/ 1748.
(٣٤) في (ج): (بحاديه).
ذكره "الطبري" بسنده عن الضحاك، وعن السدي عن أبي مالك، وعن مجاهد، وعن شهر بن حوشب، وكلهم عن ابن عباس.
انظر "الطبري" في "تفسيره" 1/ 150 - 151، وقد أخرج أبن أبي حاتم عن ابن عباس مرفوعا في سؤال اليهود للرسول وفيه: (ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب) قال المحقق.
إسناده حسن.
انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 221 (رسالة دكتوراه)، وأخرجه أحمد في "مسنده"، قال أحمد شاكر: (إسناده صحيح).
انظر: "مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر" 4/ 161 ح (3483)، وذكر الحديث الشوكاني في "فتح القدير" وقال: في إسناده مقال.
"فتح القدير" 1/ 77.
(٣٥) هو أبو عبد الرحمن طاووس بن كيسان الخولاني الهمداني اليماني، من أبناء الفرس، أحد أعلام التابعين، ومن كبار أصحاب ابن عباس، توفي سنة خمس ومائة، وقيل: ست.
انظر ترجمته في: (وفيات الأعيان) 2/ 509، "سير أعلام النبلاء" 5/ 38، "تهذيب التهذيب" 2/ 235، "غاية النهاية" 1/ 341.
(٣٦) انظر الروايات عنهم في "الطبري" في "تفسيره" 1/ 150 - 151، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 55 أ، "زاد المسير" 1/ 43، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 189، والبغوي في "تفسيره" 1/ 69، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 217، (فتح القدير) 1/ 77.
(٣٧) في (ب): (أبي الخلد) هو أبو الجَلْد بفتح الجيم وسكون اللام، جيلان بن أبي فروة الأسدي البصري، وجِيلان بكسر الجيم، وثقه أحمد.
انظر "الجرح والتعديل" 2/ 547، "طبقات ابن سعد" 7/ 222.
(٣٨) أخرجه "الطبري" من طرق في "تفسيره" 1/ 152، وأبن أبي حاتم، وقال المحقق إسناده حسن "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 222.
(٣٩) أخرجه "الطبري" بروايتين، إحداهما عن الرعد، والأخرى عن البرق، "الطبري" 1/ 151 - 152، وأخرج ابن أبي حاتم عنه في (البرق) في "تفسيره" 1/ 55، ونحوه في الثعلبي في "تفسيره" 1/ 55 أ، وانظر "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 187 - 188.
(٤٠) أبو عبد الله، وهب بن منبه اليماني، صاحب القصص والأخبار، كانت له معرفة بأخبار الأوائل والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه وثقه أكثرهم، وضعفه عمرو بن علي الفلاس.
توفي سنة عشر ومائة.
وقيل: ست عشرة، وبينهما أقوال.
انظر "طبقات ابن سعد" 5/ 543، "حلية الأولياء" 4/ 23، "وفيات الأعيان" 6/ 35، "تهذيب التهذيب" 4/ 332.
(٤١) مما أحسن هذا الجواب!، والله لم يكلف الأمة بعلمه، لاسيما أن مثل هذا لا يثبت إلا بنص صحيح صريح، أو بدلالة حسية جازمة، والعلم به لا يتعلق به حكم من الأحكام، والله أخبر أن الرعد يسبح بحمده، وهو دلالة على عظمة الخالق سبحانه.
(٤٢) ذكره الأزهري عن الأصمعي.
"التهذيب" (برق) 1/ 315، وانظر "مقاييس اللغة" (برق) 1/ 223.
(٤٣) "التهذيب" (برق) 1/ 315، "معجم مقاييس اللغة" 1/ 223.
(٤٤) "تهذيب اللغة" (برق) 9/ 132، "معجم مقاييس اللغة" 1/ 222.
(٤٥) وقيل: الصاعقة قطعة من نار تسقط بأثر الرعد، لا تأتي على شيء إلا أحرقته.
انظر "اللسان" (صعق) 4/ 2450.
(٤٦) بتقديم القاف على العين.
(٤٧) أنشده الأزهري في "تهذيب اللغة" (صعق) 2/ 1018، وورد في "اللسان" (صقع) 4/ 2471، وفي شعر الأخطل ورد شطره الأول ص 310.
نقله من "تهذيب اللغة" (صعق) 2/ 1018.
(٤٨) البيت لابن مقبل، يصف فرساً بشدة الصهيل، وأن صهيله يقتل الذباب، وهي النعرات: ذباب يسقط على الدواب، واللبان: الصدر.
وشطر البيت الأول: تَرى النُّعَرَاتِ الزُّرْقَ تَحْتَ لَبَانِه انظر: "أمالي المرتضى" 2/ 191، "المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح" 2/ 778، "تهذيب اللغة" (صعق) 2/ 2018، "الصحاح" (صعق) 4/ 1507، "اللسان" (صعق) 4/ 2450، "همع الهوامع" 1/ 83، "القرطبي" 1/ 190، "ديوان ابن مقبل" ص 252.
(٤٩) في جميع النسخ (قتل) وأثبت ما في "تهذيب اللغة" 2/ 2018.
(٥٠) (أرْبَد) أخوه لأمه، وهو ابن عمه، وكانت قد أصابته صاعقة، لما دعا عليه الرسول صلى الله عيه وسلم انظر "الشعر والشعراء" ص 169، "سيرة ابن هشام" 2/ 236، "الخزانة" 2/ 250، 3/ 81.
(٥١) البيت للبيد يرثي أخاه وقد أصابته صاعقة، انظر "التهذيب" (صعق) 2/ 2018، "اللسان" (صعق) 4/ 2450، "شرح ديوان لبيد" ص 158.
(٥٢) في (ب): (قول الله).
(٥٣) "تهذيب اللغة" (صعق) 2/ 2018.
(٥٤) "اللسان" (صعق) 4/ 2450.
(٥٥) "الصحاح" (صعق) 4/ 1506، "اللسان" 4/ 2450، "تفسير ابن عطية" 1/ 191 - 192.
(٥٦) انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 100، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 192، وبعضهم قال: الإسلام، انظر "الكشاف" 1/ 209، وأما ابن جرير فقال: (فالصيب مثل لظاهر ما أظهر المنافقون بألسنتهم من الإقرار والتصديق، والظلمات التي هي فيه == لظلمات ما هم مستبطنون من الشك والتكذيب ومرض القلب.
وأما الرعد والصواعق، فلما هم عليه من الوجل من وعيد الله إياهم على لسان رسوله في آي كتابه ...) "الطبري" في "تفسيره" 1/ 156.
(٥٧) في (ب): (وشبه).
(٥٨) في (أ)، (ج): (يسمعون).
(٥٩) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 56 أ.
(٦٠) قوله: (بجعل الذي في هذا المطر ...
إلخ) متعلق بقوله: (وشبه جعل المنافقين ...
إلخ) وقد ضعف هذا المعنى ابن جرير ورجح أن المراد بجعل أصابعهم في آذانهم مثلا لاتقائهم رسول الله والمؤمنين، بالإقرار بما جاء به محمد مخافة على أنفسهم من الهلاك ونزول النقمات فيتقون بما يبدون بألسنتهم من ظاهر الإقرار، كما يتقي الخائف أصوات الرعد بتصيير أصابعه في أذنيه.
"الطبري" 1/ 157.
(٦١) في (ب): (استدعاهم).
(٦٢) رواية أبي عمر الدوري ونصير بن يوسف النحوي عن الكسائي، وقال أبو الحارث الليث بن خالد وغيره: كان الكسائي لا يميل هذا وأشباهه، وبقية (السبعة) على الفتح.
انظر "السبعة" لابن مجاهد ص 144، "الحجة" 1/ 365، "الكشف" 1/ 171.
(٦٣) في (الحجة) (كثرة) ولعله خطأ مطبعي.
(٦٤) في (ب): (الأعراف).
(٦٥) فهو يميل الألف نحو الياء لمكان الكسرة بعدها التي على النون.
انظر "الكشف" 1/ 171.
(٦٦) في (ب): (سانه)، "الحجة" 1/ 368.
(٦٧) (له) ساقطة من (ج).
انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 63، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 144، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 61.
(٦٨) في (أ)، (ج) (لأنه) وما في (ب) أصح في السياق، وموافق لما في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 63.
(٦٩) الزجاج يرى أنه منصوب على أنه مفعول لأجله، حيث قال: (وإنما نصبت (حذر الموت) لأنه مفعول له، والمعنى يفعلون ذلك لحذر الموت ...)، ثم قال: (...
كأنه قال يحذرون حذرا ...).
وهذا التقدير لا يتناسب مع الكلام الأول، لأنه في الأخير مفعول مطلق.
انظر "معاني القرآن" 1/ 63.
(٧٠) صدر بيت لحاتم الطائي وعجزه: == وأُعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيم تَكَرُّمَا ومعنى قوله عوراء: الكلمة القبيحة أو الفعلة، ادخاره: إبقاء عليه.
ورد البيت في "نوادر أبي زيد" ص 355، وسيبويه 1/ 368، "المقتضب" 2/ 347 "الكامل" 1/ 291، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 63، "الجمل" للزجاجي ص 319، "شرح المفصل" 2/ 54، "الخزانة" 3/ 122، "ديوانه" ص 81، وفيه (اصطناعه) بدل (ادخاره) وهي رواية عند أبي زيد، "الكشاف" 1/ 218.
(٧١) انتهى من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 63.
(٧٢) في "التهذيب" (فهو محاط به).
(٧٣) "تهذيب اللغة" (حاط) 1/ 707.
(٧٤) انظر "الصحاح" (حوط) 3/ 1121، والبغوي في "تفسيره" 1/ 70.
(٧٥) انظر "تفسير الثعلبي" 1/ 55 أ، و"الطبري" في تفسيره 1/ 158.
(٧٦) في (ب) (له).
(٧٧) ذكره "الطبري" عن مجاهد انظر "الطبري" في "تفسيره" 1/ 158، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 55 أ، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 193، في تفسيره والبغوي 1/ 70، (أضواء البيان) 1/ 114.
(٧٨) في (أ)، (ج) (يهلكوا)، وفي (ب) (تهلكوا) وكذا في الثعلبي في "تفسيره" 1/ 55 أ.
(٧٩) وذلك إذا كان جمعا في موضع نصب أو خفض، أما إذا كان مفردا أو جمعا في موضع رفع لم يمل، وبهذا قرأ أبو عمرو، والكسائي في رواية أبي عمر الدوري ونصير بن يوسف.
انظر "السبعة" ص147، "الحجة" 1/ 379، "الكشف" 1/ 173.
وبهذا قرأ قتيبة ورويس، وورش بين بين، والبقية على الفتح للكاف.
انظر "الغاية" ص 91، "وتحبير التيسير" للجزري ص 70، 71.
(٨٠) وهو المفرد المجرور.
انظر "الحجة" 1/ 389، "الكشف" 1/ 197.
(٨١) لأنها كسرة إعراب فتتغير.
(٨٢) "الحجة" لأبي علي 1/ 389، وانظر "الحجة" لابن خالويه ص 73، "الكشف" 1/ 197.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ ﴾ عطف على الذي استوقد، والتقدير: أو كصاحب صيب، أو للتنويع؛ لأن هذا مثل آخر ضربه الله للمنافقين، والصيب: المطر، وأصله صيوب، ووزنه فعيل، وهو مشتق من قولك صاب يصوب، وفي قوله: ﴿ مِّنَ السمآء ﴾ إشارة إلى قوته وشدّة انصبابه، قال ابن مسعود: إنّ رجلين من المنافقين هربا إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر وأيقنا بالهلاك، فعزما على الإيمان، ورجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحسن إسلامهما، فضرب الله ما أنزل فيهما مثلاً للمنافقين، وقيل: المعنى تشبيه المنافقين في حيرتهم في الدين وفي خوفهم على أنفسهم بمن أصابه مطر فيه ظلمات ورعد وبرق، فضلّ عن الطريق وخاف الهلاك على نفسه، وهذا التشبيه على الجملة، وقيل: إن التشبيه على التفصيل، فالمطر مثل للقرآن أو الإسلام، والظلمات مثل لما فيه من الإشكال على المنافقين، والرعد مثل لما فيه من الوعيد والزجر لهم، والبرق مثل لما فيه من البراهين الواضحة، فإن قيل: لم قال رعد وبرق بالإفراد، ولم يجمعه كما جمع ظلمات؟
فالجواب: أن الرعد والبرق مصدران، والمصدر لا يجمع، ويحتمل أن يكونا اسمين وجمعهما لأنهما في الأصل مصدران ﴿ يَجْعَلُونَ أصابعهم في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق ﴾ أي من أجل الصواعق، قال ابن مسعود: كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم، لئلا يمسعوا القرآن في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم.
فهو على هذا حقيقة في المنافقين، والصواعق على هذا ما يكرهون من القرآن والموت هو ما يتخوفونه فهما مجازان، وقيل إنه راجع للمنافقين على وجه التشبيه لهم في خوفهم بمن جعل أصابعهم في آذانه؛ من شدة الخوف من المطر والرعد، فإن قيل: لم قال أصابعهم ولم يقل أناملهم والأنامل هي التي تجعل في الآذان؟
فالجواب: أن ذكر الأصابع أبلغ لأنها أعظم من الأنامل، ولذلك جمعها مع أن الذييجعل في الآذان السبابة خاصة ﴿ والله مُحِيطٌ بالكافرين ﴾ أي لا يفوتونه؛ بل هم تحت قهره، وهو قادر على عقابهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: "آذانهم" وبابه بالإمالة: نصير وأبو عمر.
"بالكافرين" وما أشبهها مما كان في محل الخفض بالإمالة: أبو عمر وقتيبة ونصير وأبو عمرو ويعقوب غير روح.
"شاء الله" حيث كان بالإمالة: حمزة وعلي وخلف وابن ذكوان.
الوقوف: "ناراً" (لا) لأن جواب "لما" منتظر لما فيها من معنى الشرط مع دخول فاء التعقيب فيها.
"لا يبصرون" (ه) "لا يرجعون" (ه) للعطف بأو وهو للتخيير، ومعنى التخيير لا يبقى مع الفصل.
ومن جعل "أو" بمعنى الواو جاز وقفه لعطفه الجملتين مع أنها رأس آية.
وقد اعترضت بينهما آية على تقدير ومثلهم كصيب.
"وبرق" (ج) لأن قوله "يجعلون" يحتمل أن يكون خبر المحذوف، أي هم يجعلون، أو حالاً عامله معنى التشبيه في الكاف، وذو الحال محذوف أي كأصحاب صيب.
"الموت" (ط) "بالكافرين" (ه) "أبصارهم" (ط) لأن كلما استئناف.
"فيه" (لا) لأن تمام المقصود بيان الحال المضاد للحال الأول "قاموا" (ط) و "أبصارهم" (ط) "قدير" (ه).
التفسير: لما جاء بحقيقة صفة المنافقين عقبها بضرب المثل تتميماً للبيان.
ولضرب الأمثال شأن ليس بالخفي في رفع الأستار عن الحقائق حتى يبرز المتخيل في معرض اليقين، والغائب كأنه شاهد، وفيه تبكيت للخصم الألد.
ولأمر ما أكثر الله في كتبه أمثاله ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس ﴾ وفشت في كلام رسول الله "مثل الدنيا مثل ظلك إن طلبته تباعد وإن تركته تتابع" "مثل الجليس الصالح كمثل الداري" وأمثال العرب أكثر من أن تحصى، حتى صنف فيها ككتب مشهورة.
والمثل في أصل كلامهم بمعنى المثيل وهو النظير، ثم قيل للقول السائر المشبه مضربه بمورده مثل.
ولا يخلو من غرابة، ومن ثم حوفظ عليه من التغيير.
وأما ههنا فاستعير المثل للحال أو الصفة أو القصة التي فيها غرابة ولها شأن، شبهت حالهم العجيبة الشأن من حيث إنهم أوتوا ضرباً من الهدى بحسب الفطرة، ولما نطقت به ألسنتهم من كلمة الإسلام فحقنوا دماءهم وأموالهم عاجلاً، ثم لم يتوصلوا بذلك إلى نعيم الأبد باستبطانهم الكفر فيؤول حالهم إلى أنواع الحسرات وأصناف العقوبات بحال الذي استوقد ناراً في توجه الطمع إلى تسني المطلوب بسبب مباشرة أسبابه القريبة مع تعقب الحرمان والخيبة لانقلاب الأسباب.
والمراد بالذي استوقد إما جمع كقوله ﴿ وخضتم كالذي خاضوا ﴾ وحذف النون لاستطالته بصلته، أو قصد جنس المستوقدين، أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد ناراً، ولولا عود الضمير إلى الذي مجموعاً في قوله "بنورهم وتركهم" لم يحتج إلى التكلفات المذكورة، على أنه يمكن أن يشبه قصة جماعة بقصة شخص واحد نحو، ﴿ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار ﴾ ووقود النار سطوعها وارتفاع لهبها، وأوقدتها أنا واستوقدتها أيضاً.
والنار جوهر لطيف مضيء حارّ محرق، والنور ضوءها وضوء كل نير واشتقاقها من نار ينور إذا نفر، لأن فيها حركة واضطراباً والإضاءة فرط الإنارة ﴿ جعل الشمس ضياء والقمر نوراً ﴾ وهي في الآية متعدية، ويحتمل أن تكون غير متعدية، مسندة إلى ما حوله، والتأنيث للحمل على المعنى، لأن ما حول المستوقد أماكن وأشياء، أو يستتر في الفعل اللازم ضمير النار ويجعل إشراق ضوء النار حوله بمنزلة إشراق النار نفسها على أن "ما" مزيدة أو موصولة في معنى الأمكنة، و "حوله" نصب على الظرف، وتأليفه للدوران والإطافة، والعام حول لأنه يدور.
وجواب "لما ذهب الله بنورهم" فالضمير يعود إلى الذي استوقد نظراً إلى المعنى، كما أن الضمير في "حوله" راجع إليه من حيث اللفظ.
وقيل: الأولى أن يقال: جوابه محذوف مثل ﴿ فلما ذهبوا به ﴾ لما فيه من الوجازة مع الإعراب عن الصفة التي حصل عليها المستوقد بما هو أبلغ من الذكر في أداء المعنى، كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله كان ما كان من حصولهم خابطين في ظلام متحيرين خائبين فيها بعد الكدح في إحياء النار.
ثم إن سائلاً كأنه يسأل: ما بالهم قد أشبهت حالهم حال هذا المستوقد؟
فقيل له: ذهب الله بنورهم أي بنور المنافقين، وعلى هذا يحتمل أن يكون الذي مفرداً، ويمكن أن يكون بدلاً من جملة التمثيل على سبيل البيان أي مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً، وكمثل الذي ذهب الله بنورهم.
ومعنى إسناد الفعل إلى الله أنه إذا أطفئت النار بسبب سماوي كريح أو مطر فقد أطفأها الله وذهب بنور المستوقد، أو يكون المستوقد مستوقد نار لا يرضاها الله.
ثم إما أن تكون ناراً مجازية كنار الفتنة والعداوة للإسلام، وتلك النار، متقاصرة مدة اشتعالها وإضاءتها، فمنافعها الدنيوية قليلة البقاء، وللباطل صولة، ثم تضمحل، ولريح الضلالة عصفة ثم تخفت.
ونار العرفج مثل لثروة كل طماح ﴿ كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ﴾ وإما ناراً حقيقية أوقدها الغواة ليتوصلوا بالاستضاءة بها إلى بعض المعاصي ويهتدوا بها في طرق العيش فأطفأها الله وخيب أمانيهم.
وإنما لم يقل ذهب الله بضوئهم على سياق "فلما أضاءت" لأن ذكر النور أبلغ في الغرض وهو إزالة النور عنهم رأساً وطمسه أصلاً، فإن الضوء شدة النور وزيادته، وذهاب الأصل يوجب زوال الزيادة عليه دون العكس.
والفرق بين "أذهبه" و "ذهب به" أن معنى "أذهبه" أزاله وجعله ذاهباً، ويقال: ذهب به إذا استصحبه ومضى به معه.
وذهب السلطان بماله أخذه وأمسكه.
وما يمسك الله فلا مرسل له، فهو أبلغ من الإذهاب، وترك بمعنى طرح وخلى إذا علق بواحد، وإذا علق بشيئين كان مضمناً معنى صير فيجري مجرى أفعال القلوب كقول عنترة: "فتركته جزر السباع ينشنه" *** ومنه قوله ﴿ وتركهم في ظلمات ﴾ والظلمة عدم النور عما من شأنه أن يستنير، وقيل: عرض ينافي النور واشتقاقها من قولهم "ما ظلمك أن تفعل كذا" أي ما منعك وشغلك لأنها تسد البصر وتمنع الرؤية.
وفي جمع الظلمة وتنكيرها وإتباعها ما يدل على أنها ظلمة لا يتراءى فيها شبحان، وفي قوله "لا يبصرون" دلالة على أن الظلمة بلغت مبلغاً يبهت معها الواصفون.
وكذا في إسقاط مفعول "لا يبصرون" وجعله من قبيل المتروك المطرح الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال، لا من قبيل المقدر المنوي كأن الفعل غير متعدٍ أصلاً.
ومحل "لا يبصرون" إما جر صفة لظلمات أي لا يبصرون فيها شيئاً، وإما نصب مفعولاً ثانياً، أو حالاً من هم مثل ﴿ ويذرهم في طغيانهم يعمهون ﴾ أي حال كونهم ليسوا من أهل الأبصار.
عن سعيد بن جبير: نزلت في اليهود وانتظارهم لخروج النبي واستفتاحهم به على مشركي العرب، فلما خرج كفروا به.
وكان انتظارهم له كإيقاد النار، وكفرهم به بعد ظهوره كزوال ذلك النور ثم إنه كان من المعلوم من حالهم أنهم يسمعون وينطقون ويبصرون، لكنهم شبهوا بمن إيفت مشاعرهم فقيل لهم: صم بكم عمي، حيث سدوا عن الإصاغة إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن تنطق به ألسنتهم، وأن ينظروا ويستبصروا بعيونهم.
وإنما قلنا: إن ما في الآية تشبيه لا استعارة مع أن المشبه مطوي ذكره كما هو حق الاستعارة، لأن ذلك في حكم المنطوق به وإلا بقي الخبر بلا مبتدأ.
ومعنى "لا يرجعون" لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها تسجيلاً عليهم بالطبع، أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين لا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون وإلى حيث ابتدؤا منه كيف يرجعون.
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي *** متأخر عنه ولا متقدم ومثله حال مريد طريقة الذي له بداية ولازم خلوته وصحبته حتى شرقت له من صفات القلب شوارق الشوق، وبرقت له من أنوار الروح بوارق الذوق، فطرقته الهواجس وأزعجته الوساوس فيرجع القهقري إلى ما كان من حضيض عالم الطبيعة، فغابت شمسه وأظلمت نفسه وفضل عن يومه أمسه.
ثم إن الله ضرب للمنافقين مثلاً آخر ليكون كشفاً لحالهم بعد كشف، وإيضاحاً غب إيضاح، لأن المقام مقام تفصيل وإشباع.
فيكون تقدير الكلام "مثل المنافقين كمثل المستوقدين أو كمثل ذوي صيب" على معنى أن قصة المنافقين مشبهة بهاتين القصتين فإنهما سواء في صحة التشبيه بهما، فأنت مخير في التشبيه بأيتهما شئت أو بهما جميعاً نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين.
والتمثيلان جميعاً من جملة التمثيلات المركبة دون المفردة، لا يتكلف لواحد واحد شيء يقدر شبهه به، بل تراعى الكيفية المنتزعة من مجموع الكلام وهي أنهم في مقام الطمع في حصول المطالب.
ونجح المآرب لا يحظون إلا بضد المطموع فيه من مجرد مقاساة الأهوال وشدائد الأحوال، ولا يخفى أن التمثيل الثاني أبلغ لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته، ولذلك أخرج تدرجاً من الأهون إلى الأغلظ، وإنما قدرنا المضاف المحذوف حيث قلنا: أو كمثل ذوي صيب مع أنه لا يلزم في التشبيه المركب أن يلي حرف التشبيه مفرد يتأتى التشبيه به.
ألا ترى إلى قوله ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا كماء ﴾ كيف ولي الماء الكاف إذ التشبيه مركب، لأن الضمير في "يجعلون" لا بد له من راجع هذا هو التحقيق.
وقد يقال: شبه دين الإسلام بالصيب، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يحوم حوله من شبه الكفار بالظلمات وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق، وما يصيب الكفرة من الإفزاع والبلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق.
وعلى هذا يكون تقدير المضاف ضرورياً ليصبح تشبيه المنافقين بهم، ويكون المعنى "مثلهم كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة، فلقوا منها ما لقوا" ويكون ذكر المشبهات مطوياً على سنن الاستعارة.
والصيب المطر الذي يصوب أي ينزل ويقع.
ويقال للسحاب: صيب أيضاً.
وتنكير صيب للدلالة على أنه نوع من المطر شديد هائل كما نكرت النار في التمثيل الأول.
والسماء هذه المظلة، والفائدة في ذكره، والصيب لا يكون إلا من السماء، أنه جاء بالسماء معرفة فنفى أن يتصوب من سماء أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق، ولكنه غمام مطبق آخذ بآفاق السماء.
وكما جاء بصيب وفيه مبالغات من جهة التركيب من ص وب والبناء على "فيعل" والتنكير أمد ذلك بأن جعله مطبقاً، واعلم أنه إذا وقعت القوى الفلكية على العناصر بإذن الله فحركتها وخالطتها، حصل من اختلاطها موجودات شتى.
فإذا هيج الفلك بإسخانه الحرارة بخر من الأجسام المائية، أو دخن من الأجسام الأرضية وأثار شيئاً بين البخار والدخان من الأجسام المائية والأرضية.
أما الدخان فإنه قد يتعدى صعوده حيز الهواء إلى أن يوافي تخوم النار فيشتعل، وربما سرى فيه الاشتعال فتراءى كأن كوكباً يقذف به، وربما لم يشتعل بل احترق وثبت فيه الاحتراق فرأيت العلامات الهائلة الحمرة والسواد.
وأما البخار الصاعد فمنه ما يلطف ويرتفع جداً فيتراكم وتكثر مدته في أقصى الهواء عند منقطع الشعاع، فيبرد فيكثف فيقطر فيكون المتكاثف منه سحاباً والقاطر مطراً.
ومنه ما يقصر لثقله عن الارتفاع بل يبرد سريعاً، فينزل كما يوافيه برد الليل قبل أن يتراكم سحاباً وهذا هو الطل، وربما جمد البخار المتراكم في الأعالي أعني السحاب، فنزل وكان ثلجاً، وربما جمد البخار الغير المتراكم في الأعالي أعني مادة الطل، فنزل وكان صقيعاً وهو ما يسقط بالليل من السماء شبيهاً بالثلج، وربما جمد البخار بعدما استحال قطرات ماء فكان برداً.
وإنما يكون جموده في الشتاء وقد فارق السحاب، وفي الربيع وهو داخل السحاب، وذلك إذا سخن خارجه فبطنت البرودة إلى داخله فتكاثف داخله واستحال ماء وأجمده شدة البرودة، وربما تكاثف الهواء نفسه لشدة البرد فاستحال سحاباً فاستحال مطراً.
وأما الجواهر البخارية والدخانية المركبة من مادتي الرطوبة واليبوسة، فمنها ما يتخلص من الأرض فتكون منها الرياح وإذا تصعدت فتميز البخار من الدخان انعقد البخار سحاباً فبرد فتغلغل فيه الدخان طلباً للنفوذ إلى العلو فحصل من تغلغله فيه ضرب من الرعد وهو صوت ريح عاصفة في سحاب كثيف، وربما امتد ذلك التغلغل لكثرة وصول المواد، ويكون أعالي السحاب أكثف لأن البرد هناك أشد، أو يكون هناك ريح مقاومة تعوقها عن النفوذ فيندفع إلى أسفل وقد أشعلته المحاكة والحركة ناراً تبرق فتشق السحاب شعلة كجمر يطفأ فيسمع من ذلك ضرب من الرعد.
وإن كان قوياً شديداً غليظ المادة كان صاعقة، وربما وجد مندفعاً فيه سهل الانشقاق فخرج بلا رعد واشتعال.
فهذا القدر من الحقائق في هذا المقام لا ضير في معرفتها بعد أن يعتقد انتهاء أسبابها إلى مدبر الكل وتعالى .
ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: ارتفع "ظلمات" بالظرف على الاتفاق من سيبويه والأخفش لاعتماده على موصوف.
والصيب إن كان سحاباً فظلماته سمجته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل، وإن كان مطراً فظلماته تكاثفه وانتساجه بتتابع القطر وظلمة إظلال الغمام مع ظلمة الليل.
ثم إن كان الصيب سحاباً فكونه مكاناً للرعد والبرق ظاهر، وإن كان مطراً فكونهما متلبسين به في الجملة سوغ ذلك، وإنما لم يجمع الرعد والبرق كما قال البحتري: يا عارضاً متلفعاً ببروده *** يختال بين بروقه ورعوده وكما قيل ظلمات لأنهما في الأصل مصدران فروعي حكم الأصل، ويمكن أن يراد بهما الحدث كأنه قيل: وإرعاد وإبراق.
ونكرت هذه الأشياء لأن المراد أنواع منها كأنه قيل في ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف.
وجاز رجوع الضمير في "يجعلون" إلى أصحاب الصيب لأنه في حكم المذكور.
قال حسان: يسقون من ورد البريص عليهم *** بردى يصفق بالرحيق السلسل ذكر يصفق لأن المعنى ماء بردى وهي واد بدمشق.
والبريص نهر من أنهارها.
ويصفق أي يمزج والرحيق الخمر.
ولا محل لقوله "يجعلون" لكونه مستأنفاً كأنه قيل: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟
فقيل: يجعلون أصابعهم.
ثم سئل: فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق؟
فاجيب "يكاد البرق يخطف أبصارهم" وإنما لم يقل أناملهم مع أنها هي التي تجعل في الآذان لأن في ذكر الأصابع من المبالغة ما ليس في ذكر الأنامل، ولأن اسم الكل قد يطلق على البعض نحو ﴿ فاقطعوا أيديهما ﴾ والمراد إلى الرسغ.
وليس بعض الأصابع - كالمسبحة مثلاً بجعلها في الأذن - أولى من بعض حتى يقال لم ذكر العام والمراد الخاص؟
وقوله "من الصواعق" أي من أجل الصواعق نحو: سقاه من الغيمة.
وقد تحصل مما ذكرنا أن الصاعقة قصفة رعد تنقض معها شقة من نار تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه، وهي نار لطيفة حديدة لا تمر بشيء إلا أتت عليه، إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود.
يحكى أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو النصف، ثم طفئت.
ويقال: صعقته الصاعقة إذا أهلكته.
فصعق أي مات إما بشدة الصوت أو بالإحراق، وبناؤها إما أن يكون صفة لقصفة الرعد، أو للرعد والتاء للمبالغة كما في الرواية، أو مصدراً كالعافية والكاذبة.
"وحذر الموت" مفعول له كقوله: وأغفر عوراء الكريم ادخاره *** وأعرض عن شتم اللئيم تكرماً والموت فساد بنية الحيوان.
وقيل: عرض معاقب للحياة لا يصح معه إحساس.
وإحاطة الله بالكافرين مجاز أي لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة، والجملة معترضة لا محل لها.
"يكاد" من أفعال المقاربة.
كاد يفعل كذا يكاد كوداً ومكاداً ومكادة وضعت لمقاربة الشيء، فعل أو لم يفعل.
فمجرده ينبئ عن نفي الفعل، ومقرونه بالجحد ينبئ عن وقوع الفعل.
وخبر كاد فعل مضارع بغير "أن" وهو ههنا "يخطف" والبرق اسمه والخطف الأخذ بسرعة، "كلما أضاء لهم" استئناف ثالث كأنه قيل: كيف يصنعون في حالتي خفوق البرق وفتوره؟
وأضاء إما متعد بمعنى كلما نور لهم ممشى ومسلكاً أخذوه والمفعول محذوف، وإما غير متعد بمعنى كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره.
والمشي جنس الحركة المخصوصة وفوقها السعي وفوقه العدو.
"وأظلم" إما لازم وهو الظاهر، وإما متعد منقول من ظلم الليل أي أظلم البرق الطريق عليهم بأن فتر عن لمعانه، ومعنى "قاموا" وقفوا وثبتوا في مكانهم من قام الماء جمد.
وإنما قيل مع الإضاءة "كلما" ومع الإظلام "إذا" لأنهم حراص على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي وتأتيه، وكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها فخطوا خطوات يسيرة، وليس كذلك التوقف والتحبس، ولو شاء الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم، وفي الضوء البرق فأعماهم.
ومفعول "شاء" محذوف، لأن الجواب يدل عليه.
والمعنى ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها، وهذا الحذف في "شاء" و "أراد" كثير لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب كقوله: فلو شئت أن أبكي دماً لبكيته *** عليه ولكن ساحة الصبر أوسع وقال عز من قائل ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه ﴾ وكلمة "لو" تفيدانتفاء الثاني لانتفاء الأول.
وقد تجيء للمبالغة كقوله "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" والمراد أن عدم العصيان ثابت على كل حال لأنه على تقدير عدم الخوف ثابت، فعلى تقدير الخوف أولى.
والشيء أعم العام كما أن الله أخص الخاص، يجري على الجوهر والعرض والقديم والحادث بل على المعدوم والمحال.
وهذا العام مخصوص بدليل العقل، فمن الأشياء ما لا تعلق به للقادر كالمستحيل والواجب وجوده لذاته، وأما الممكن فإبقاؤه على العدم وكذا إيجاده وإبقاؤه على وجوده، لأن جميع ذلك بقدرة القادر فلا يستغنى آناً من الآنات ولحظة من اللحظات عن تأثير القادر فيه.
وقدرة كل قادر على مقدار قوته واستطاعته، ونقضيها العجز.
فلا قادر بالحق إلا هو وتعالى .
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ ﴾ .
اختلف فيه: قيل: إنها نزلت في المنافقين؛ لأَنها على أَثر ذكر المنافقين، وهو قوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...
﴾ .
وقيل: إنها نزلت في اليهود؛ لأنه سبق ذكر اليهود، وهو قوله: ﴿ ...ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ...
﴾ .
ويحتمل: نزولها في الفريقين جميعاً.
ورُوي عن ابن عباس - ما - أنه قال: "إن هذا من المكتوم" فلا يحتمل ما قال؛ لأَنه مَثَلٌ ضربه الله، والأَمثال إنما تضرب لتُفْهم وتقرِّب إلى الفهم ما بعُد منه؛ فلو حمل على ما قال لم يفهم مراده وما قرَّب إلى الفهم شيئاً، إلا أن يريد من المكتوم: أنه لم يعلم فيمن نزل، فهو محتمل، والله أعلم.
وقوله عز وجل: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً...
﴾ الآية.
يحتمل: أن يكون الإضافة إلى من ذكر من المنافقين بقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ...
﴾ الآية [البقرة: 8]، وقوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا...
﴾ الآية [البقرة: 14، 76].
وذلك يخرج على وجوه: أَحدها: أَنهم قصدوا قصد المخادعة بأَولياءِ الله والاستهزاءِ بهم؛ ففضحهم الله بذلك في الدنيا والآخرة.
فأَما في الدنيا فبما هتك سترهم، وأطْلَعَ على ذلك أَولياءَه؛ فعادت إليهم المخادعة، وعوقبوا بما أطلع على ضميرهم، وبما أَرادوا ذلك الأَمن، فأَعقبهم الله خوفاً دائماً كما وصفهم الله ﴿ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ...
﴾ الآية [النساء: 77].
وقال: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ .
وقال: ﴿ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ﴾ ، وقال: ﴿ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ...
﴾ الآية [الأحزاب: 19]، وقال: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ...
﴾ الآية [التوبة: 64].
أو أَن يكونوا طلبوا - بإظهار الموافقة في الدين - الشرف فيهم والعز، وكذلك عند الكفرة مما أظهروا أَنهم يخادعون بذلك المؤمنين، ويستهزئون بهم؛ فعلموا أَنهم كذلك يظهرون للمؤمنين حالهم معهم، فَطُرِدوا من بينهم فقال الله: ﴿ مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ ﴾ ، وقال: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ...
﴾ الآية [النساء: 143]، فزال عنهم ما التمسوا من الشرف والعز، وأَبدل لهم به الهوان والذل.
فمثلهم في ذلك مثلُ مستوقِد نارٍ ليستضيء بضوئها، وينتفع بِحرِّها، فأَذهب الله ضوءه حتى ذهب ما كان يأْمل من الاستنارة بها والانتفاع، وأعقبه الله خوف الاحتراق لو دنا منها، وذهب عنه ما طلب بذلكَ - من شرف الوقود في الأَيام الشاتية، أو ما يصلح بها - من الأَغذية بذهاب البصر.
فيكون ذلك معنى قوله: ﴿ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ ، و ﴿ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ إذ عوقبوا بالخوف بما قصدوا به الأمنَ، والذلِّ بما طلبوا به العزَّ، وكذلك مستوقد النار الذاهب نوره، والله أعلم.
وعلى ذلك قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ...
﴾ أي: اختاروا الضلالة لما رجعوا إلى شياطينهم بالهدى الذي قد أَظهروه عند المؤمنين.
فيكون تحقيق استهزاءِ الله بهم، ومخادعته إياهم فعل أَوليائه بهم بما أخبروا من سرائِرهم، وبما حطوا أَقدارهم، وذلوا في أَعينهم، فأُضيف ذلك إلى الله؛ إذ به فعلوا، كما أُضيفت مخادعتُهم المؤمنين إليه؛ إذ عن دينه خادعوهم.
والله أعلم.
وعلى هذا التأْويل أَمكن أَن يخرج قول من زعم: أَن الآية نزلت في الكافرين، أَنهم كانوا يعرفون رسول الله لما وجدوا نعته في التوراة والإنجيل، أنه ﴿ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ...
﴾ الآية [الأعراف: 157]، وقوله: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ ﴾ إلى آخر السورة، وقال عز وجل: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ ﴾ .
كانوا كمستوقد النار، أي: طالب الوقود ليستضيء به، فلما ظفر به أَذهب الله نوره بعد معرفتهم بمنفعة نور النار، فلم ينتفع به.
فكذلك لما كفروا عند بعث النبي حسداً من أَنفسهم وبغياً؛ إذ كان من غيرهم؛ أو خشية منهم على ملكهم ومأْكلتهم بعد العلم منهم بعظم المنفعة فيه، ولا قوة إلا بالله.
وأما في الآخرة أنهم قصدوا مخادعة المؤمنين، وموالاتهم في الظاهر، ومشاركتهم إياهم في المنافع نحو المغانم والتوارث والتناكح، وخالفوهم في الباطن.
فكذلك الله أَشركهم في المنافع الظاهرة الحاضرة في الدنيا، وخالفهم بمنافع دينه في الباطن الغائب وهي الآخرة؛ أراهم المشاركة مع المؤمنين في الدنيا، وصرفها عنهم في الآخرة.
فكما أرَوْهم الموافقةَ في الظاهر مع المخالفة في الباطن، فكذلك مستوقد النار أظهر من نفسه الرغبة في ضوئها بالإيقاد، وقد أَذهب الله ضوء بصره؛ فذهب عنه مَنفعته عند ظنه أَنه يصل إليها، كالمنافقين في الآخرة، إذ ظنوا في الدنيا أنهم شركاؤهم في الآخرة لو كانت؛ ولذلك قالوا: ﴿ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ...
﴾ الآية [النساء: 141، الحديد: 14] فذلك وجه الاستهزاءِ بهم، والمخادعة أَنه أَشركهم في أَحكام الدنيا وخالفهم في أَحكام الآخرة.
وعلى ذلك اشتراء الضلالة بالهدى، على معنى اختيارهم ما فيه الهلاك على ما فيه نجاتهم.
وعلى ذلك يخرج تأْويل من صرف إلى أَهل الكتاب؛ لأَنهم آمنوا بمحمد ؛ إذ آمنوا بكتبهم وقد كان فيها نعته الشريف، فلما وصلوا إلى منافع الإيمان بالبعث إليهم، وشاهدوا كفروا به؛ فعوقبوا بحرمان منافع كتبهم، وإيمانهم عند معاينة الجزاء كما ردّوا إيمانهم به عند المشاهدة، والله أعلم.
وروى عن ابن عباس - ما - أنه ضم تأْويل هذه الآية والتي تتلوها من قوله: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ وذلك - والله أعلم - أنهم قوم لا يعرفون الله حق المعرفة؛ فيعبدونه بحق الربوبية له قبلهم، ولا يؤمنون بالآخرة؛ فيكون عملهم للعواقب، ولا يعرفون غير الدنيا ومنافعها، فجعلوا دينهم وعبادتهم ثمناً لها.
فإذا رأوا في دين الإسلام الغنائم والسلوة، رأَوا تجارتهم مربحة فطمأَنوا بها، واجتهدوا بالسعي فيها.
وإذا أَصابتهم الشدة والبلايا رأَوا تجارتهم مخسرة فصرفوا إلى غير ذلك الدين؛ فمثلهم مثل المستوقد ناراً؛ إنه يجتهد في الإيقاد ما دام يطمع في نور النار، ومنافع حرها لمصالح الأَطعمة، فإذا ذهب نور بصره أبغض النار بما يخشى من الاحتراق بالدنو منها، وبما يذهب من منافع خفية إن لم يكن كاستوقد، كالمنافق فيما استقبله المكروه في الإسلام تمنى أن لم يكن أَسلم قط.
وذلك قوله: ﴿ وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ ﴾ .
وقوله: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا ﴾ .
وقوله: ﴿ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً ﴾ .
وكذلك البرق الذي يضيء يمشي المرء في ضوئه، وكذلك المنافق، إذا رأَى خيراً فى الإسلام مشى إليه، وإذا أظلم عليه قام متحيراً حزيناً؛ أَلا يكون اختار السلوك، والله الموفق.
وقال أَبو بكر الأصمُّ: مَثَلُ من يظهر الإيمان فيما يتزين بنوره في الناس، مثل مستوقد النار فيما يستضيء حول النار بنورها، ثم يذهب الله نوره في الآخرة كما أَذهب هو في السر، وكذلك أَذهب الله نور المستوقد؛ فيذهب به التزين بالنور حول النار.
قال: وقيل: ذا لعنٌ.
كما يقال: أَذهب الله نوره، أي: الذي كان يظهره؛ فيبقى المنافق في ظلمات الآخرة، والمستوقد في ظلمات العمى والليل.
ثم قال: جعل الدعاء إلى الإسلام كالصيّب، وما فيه من الجهاد كظلمة الليل، وما فيه من الغنيمة كالبرق، وجعل أَصابعهم في الآذان من سماع ما في الإسلام من الشدائد نحو جعل ذلك من الصواعق ﴿ يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ ﴾ .
أي: ما في الإسلام من الغنيمة يدعوهم إليه.
وإذا أَظلم عليهم بالشدائد قاموا وصدوا عن رسول الله ، ولو شاءَ الله لذهب بما ذكر، أَي: أَصمهم وأَعماهم.
وروى عن الضحاك عن ابن عباس - ما -: "أَن ضوء البرق والنار ليسا بدائمين"؛ فشبه به إيمان المنافق أَنه عن سريع يزول.
وقال القتبي: كان المنافق في ظلمة الكفر فاهتدى بما أعطى من النور، كمستوقد النار بنوره في ظلمة الليل.
وكذلك السالك في ظلمة الليل، فلما ذهب نوره - أَو سكن لمعان البرق - رجع إلى ما فيه من الظلمة.
والأَصل في هذا الباب: أَن الله خلق هذه الدار لمحنة أَهلها، وجعل لهم داراً يجزيهم فيها، مما لولا هي لكان يكون خلق هذه الدار بما فيها عبثاً؛ إذ يكون خلق الخلق للفناءِ بلا عواقب لهم، وذلك عبث في العقول؛ لأن كل شارع - فيما لا عاقبة له - عابث، وفيما لا يُريد معنى يكون في العقل هازلٌ؛ ولذلك قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\].
فإذا كان كذلك صارت هذه الدار دليل الأخرى؛ فعلى ذلك ضرب للأخرى مثلاً بالمعروف من هذه؛ إذ بهذه عرفت تلك؛ ولهذا خلق الله الممتَحنين بحيث يألمون ويتلذذون؛ ليعرفوا قدر الآلام التي بها أوعدوا، واللذات التي فيها رغبوا.
فعلى ذلك ضرب الله مثل من عمى عن الآخرة، وصم عن سماع ما يرغب فيها، أو عمى عن أَمر الله ونَهْيه، أو أُلحق بالأَعمى، والأَصم، والميت ونحو ذلك؛ لذهاب منافع البصر والسمع والحياة؛ إذ هي مخلوقة ليعرف بها ما غاب عنها بالتأَمل والتدبر.
فإذا غفل عن ذلك سمى بالذي ذكرنا.
وبينا أَنه لولا الآخرة ودار الجزاءِ، لم يكن لخلق شيء من ذلك حكمة نعقلها نحن.
فعلى ذلك ضرب المثل لذهاب نور القلب - الذي به يبصر العواقب وينتفع بها - بذهاب نور البصر، في زوال منافع الدنيا مما يتصل بنوره، وكذلك أَمر السمع وغيره.
فكان على ذلك أَمكن إخراج المثلين جميعاً على الكفرة والمنافقين.
أَما المنافق فإذا ذهب نور حقيقته عنه - وهو نور البصر - لم ينتفع بنور النار على قيام النار بنورها لكل ذي بصر، وكذلك سائر منافع النار؛ فمثله إذا ذهب عنه نور بصر القلب وحياته لم ينتفع بنور الآخرة وجزائِها.
وكذلك الذي ذهب عنه ضوء البرق يبقى متحيراً؛ إذ به يبصر الطريق كمن يذهب عنه بصر القلب؛ إذ به يبصر عواقب الأَشياءِ.
بل الذي قصد السلوك بالبروق، والاستضاءَة بنور النار، إذا ذهب كان أَعظمَ حسرة وأَشد خوفاً من النارِ، وشدةِ المطرِ، وخبثِ الطريق من الذي لم يعرف - في الابتداءِ - نفع النار أَو البرق، ويكره المطر على شدة رغبته فيه، والنار بما ذهب منه.
وكذلك المنافق في الآخرة إن لم يكن منه ما أظهر إذ به يُرد إلى درك الأَسفل، ولا قوة إلا بالله.
وكذلك الكافر لم يبصر - بما أَعطاه من البصر - عوقب البصر الظاهر، ولا يسمع - بما أَنعم عليه من السمع - عواقب السمع؛ إذ حق ذلك أن يؤدي ذلك ما أَدركه إلى العقل ليعتبر به أَنه لم يخلق شيء من ذلك بالاستحقاق، ولا يحتمل عقله الإحاطة بكنه ما فيه من الحكمة، فيعلم عظم نعمة الله وخروج مثله عن العبث، فيقوم بأداءِ شكره؛ وبذلك يصير به إلى الجزاءِ في العواقب، ولا قوة إلا بالله.
وقوله عز وجل: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ .
يحتمل وجهين: أَحدهما: صم؛ لأَنه ختم على آذانهم، وعلى سمعهم، وعلى قلوبهم؛ فلا يسمعون، ولا يبصرون، ولا يعقلون.
ويحتمل: أَنهم صم بكم عمي؛ لما لم ينتفعوا بأسماعهم، وأَبصارهم، وقلوبهم.
ثم اختلف في جواز إضافة لفظ "الاستهزاءِ" إلى الله : فأجازه قوم، وإن كان ذلك قبيحاً من الخلق؛ لما قبح منهم بما لا أحد يستهزئ بأَحدٍ - إما لجهله، أَو لقبح في الخلقة، أَو لزيادة في الخلق - إلا المستهزئ نحو هذه قد يحتمل ذلك لولا إنعام الله عليه الذي قد أغفل عنه، أَو لدناءة في الخلق باشتغاله بما ذكر، مع ما لعل الإغفال من هذ أَوحش، وأَقبح من حال المستهزأ به.
ولذلك قال عز وجل: ﴿ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ...
﴾ الآية [الحجرات: 11].
وذلك نحو التكبر: أنه قبيح من الخلق، بما لهم أَشكال في الحدث، وآثار الصنعة، واحتمال كل منهم بما احتمل غيره.
وجائِز إضافته إلى الله ، لتعاليه عن الأَشباه والأَشكال، وإحالة احتمال ما احتمل غيره، وبه يقول حسين النجار.
وأبى قوم ذلك إلا على أَثر أَحوال تصرف فهم السامع إلى معنى الاستهزاءِ، نحو أن يذكر على أثر فعل له جزاء؛ فيفهم منه جزاءُ الاستهزاءِ كذكر السيئة في الجزاء، والمكر ونحو ذلك.
ثم يخرج ما نحن فيه على أوجه: أَحدها: ما بينا.
والثاني: ما ينسب إليه فعل المأْمور، نحو قول المؤمنين للمنافقين في الآخرة: ﴿ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ ﴾ وقول أَهل الجنة، ودعائهم أهل النار بالخروج، لو ثبت ما ذكره الكلبي، وقول الملائِكة: ﴿ فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ﴾ وغير ذلك.
وقوله: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَٰفِرِينَ يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .
ثم ما ذكر من "الظلمات" يخرج على وجوه ثلاثة: أَحدها: ظلمات كفرهم بقلوبهم؛ إذ أظهروا الإيمان أَولاً.
والثاني: المتشابه في القرآن، وهو الذي تعلق به كثير من المشركين حتى نزول قوله: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ...
﴾ .
والثالث: ما في الإسلام من الشدائد، والإفزاع من الجهاد، والحدود وغير ذلك.
وأَمكن صرف الأَول، والآخر إلى الفريقين: الكافر، والمنافق، وصرف تأْويل المتشابه إلى الكافر.
على أنا بيَّنا أَن لكلٍّ من ذلك حَظًّا، ويدل آخر الآية - وهو قوله: ﴿ وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ - على أن المثل لهم، إلا أن المنافق شريكهم في الكفر، والله الموفق.
وجائِز أن يكون المثل المضروب بالآية إنما هو للقوم الذين شهدوا رسول الله ؛ لأنهم كانوا قبل بعثه صنفين: صنفٌ ينتحل الكتاب الذي هو عندهم مما جاءَ به الرسل، [لكن أَئمتهم] قد غيروا ما في كتبهم من دين الله وأَحكامه حتى عطلوا ذلك، وأَبدعوا غير الذي جاءَت به الرسل من الدين والأَحكام.
بَيَّن ذلك قولُه: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ...
﴾ الآية [آل عمران: 105].
وقوله: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ...
﴾ .
ومنهم من أبدع الكتاب ونسب إليهم؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ...
﴾ الآية [آل عمران: 78].
تبين ما ظهر من التفرق فيهم، ومن القول في أنبيائهم، وفي الله ، ومعلوم أن دين الرسل واحد غير مختلف، وبما كان من الفترة اندرست الكتب، وذهبت الرسوم؛ فصاروا في ظلمة الضلالة، وحيرة الزيغ، وتاهوا في سبيل الشيطان، وانقطع من بين أظهرهم الأَئمة الذين يوثق بهم في الدين، بما ليس لأَحد برهان يشهد له بالتمسك بسبيل الأنبياءِ، والاعتصام بكتبهم؛ إِذ كلهم يدعي ذلك - وقد ظهر فيهم القول المختلف والمتناقض الذي لا تحتمله الحكمة، وَلا يصبر عليه العقل.
وصنف: لا ينتحل الكتاب، ولا يؤمن بنبي من الأَنبياءِ، بل يعبدون الأَوثان والنيران والأحجار، وما يهوون مما لا يملك الضرر ولا النفع، ليس لهم شرع، بل هم حيارى، لا يعرفون معبوداً، ولا يبصرون طريقاً، وليس فيهم مَنْ إذا فزعوا إليه دلهم على المحجة، وأطلعهم على الحق، بل هم في الضلال تائهون، وفي الظلمات متحيرون.
فأَحوج الفريقين جميعاً ما حل بهم من الحيرة والتِّيه، إلى من يشفيهم من داءِ الضلالة بنور الهدى، ومن ظلمة الاختلاف بضياءِ الائتِلاف، ويخرجهم من سبيل الشيطان إلى سبيل الله، ويَدُلُّهم على معرفة المعبود الحق لئلا يتخذوا من دونه أَرباباً.
فبعث إليهم - عند شدة حاجتهم - رسولاً، وأكرمهم بما أَراهم من الآيات التي يعلمهم بها أَنه أنعم بها عليهم؛ ليستنقذهم من الضلالة إن هم أَطاعوه، وشكروا نعمة الله.
فكانوا كقوم بُلُوا بظلماتِ الليل والسحاب، فتحيروا فيها بما حالت الظلمة بينهم وبين حاجاتهم، وتعذر عليهم الوجه فى وضع أَقدامهم، فتاهوا فدفعهم التِّيهُ إلى استيقاد النار؛ ليبلغوا حوائجهم، ويأْمنوا العَطَبَ في وضع الأَقدام.
وكقوم بُلُوا في شدة الجوع والعطش لضيق الزمان وجَدْبِهِ، فاستغاثوا بمن يملك كشف ذلك عنهم فأَغاثهم بالمطر.
ثم منهم من عرف نعمة من أَنعم عليهم بالوقود وأَغاثهم بالمطر، فتلقوا نعمته بالشكر فنجوا بذلك فما خشوا من الهلاك، ووصلوا إلى حوائِجهم بالنار والمطر.
وذلك مثل من اتبع محمداً وعرف نعم الله فشكره.
ومنهم من تلقى نور النار بالكفران والجهل بالمنعم به عليه، ونسي ما كان عليه، وهو قوله: ﴿ فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ ﴾ آيات فيها ذكر ما بَينت، وقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ...
﴾ الآية [الإسراء: 67]، فأَذهب الله نورَهُ فلا ينتفع بنور النار، ولا وَصل إلى حاجته التي بها يقضى.
وذلك مثل الذين كفروا بمحمد : أنهم لم ينتفعوا به، ولا قضوا حاجاتهم، بل زادهم ذلك ظلمةً وحيرة، كمستوقد النار إذا ذهب بصرهُ.
وكذلك قوم بُلوا بالسلوك في الطريق عند شدة الظلمة، ولم يتلقوا النعمة بالشكر من الوجه الذي جُعل لهم لوضع أَقدامهم بنور البرق فأَذهب الله نوره، وسَكَنَ لمعانُ البرق؛ فعاد الغياث له هلاكاً، والمطر - الذي وجهه - عليه بلاء.
فمثله من كابر رسول الله ، واعترض على الاستماع إليه، ولا قوة إلا بالله.
<div class="verse-tafsir"
وأما مثلهم المائي: فهم كمثل مطر كثير، من سحاب فيه ظلمات متراكمة ورعد وبرق، نزل على قوم فأصابهم ذعر شديد، فجعلوا يسدُّون آذانهم بأطراف أصابعهم، من شدة صوت الصواعق خوفًا من الموت، والله محيط بالكافرين لا يعجزونه.
<div class="verse-tafsir" id="91.kwpav"
هذا هو مثل الفريق الثاني من هذا الصنف من الناس، الذي كان أفراده ولا يزالون فتنة للبشر، ومرضًا في الأمم، وحجة على الدين، لأنهم بغرورهم بتقاليدهم التي اكتفوا بها من دينهم الموروث، يعبثون بعقولهم، ويلهون بخيالاتهم، ويجنون على مشاعرهم ومداركهم فيضعفونها، ويصارعون الفطرة الإلهية فيصرعونها، حتى يكون بعضهم كالجمادات ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ كما تقدم في المثل الأول، ويألف البعض الآخر الظلمة بطول التقليد، ويكون أفراده في نور البرهان كالخفافيش في نور الشمس، ولكنهم أمثل من الفريق الذي ضرب له المثل الأول، لأن فيهم بقية من الرجاء ورمقًا من الحياة، يوجههم إلى الاقتباس من نور الهداية كلما أضاءت لهم بروقها، والمشي في الجادة كلما استبانوا طريقها، ولكن تحول دون ذلك ظلمات التقاليد العارضة، وتقف في سبيل عقبات البدع المعارضة، وقد يعدهم لاستماع قوارع الآيات التي تنذرهم بما حرفوا، وصوادع الحجج التي تبين لهم كيف انحرفوا، ولا يصدهم عنها إلا أنها تزعجهم إلى ترك ما صَنَّفو وأَلَّفوا، وهجر ما أحبوا وأَلِفوا، وعدم المبالات بسنة الآباء، وقلة الاحتفال بعظمة الرؤساء، فهم يتراوحون بين الخوف والرجاء، مذبذبين بين أهل الجحود وأهل اليقين ﴿ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ ﴾ ، ولا ينقطع منهم الأمل، حتى ينقطع بهم الأجل.
ألا تراهم عندما يقرع أسماعهم من كتاب ربهم ما يبين فساد سيرتهم، والتواء طريقتهم، كقوله تعالى في النعي على أمثالهم، وحكاية ما لم يرضه من أقوالهم: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ إلخ: وقوله في بيان ندمهم على التقليد، عندما يحل بهم الوعيد، ﴿ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴾ يأخذهم الزلزال، ويتولاهم الاضطراب والقلق، وتنشق لهم الظلمة عن فلق، ويلمع في نفوسهم نور الهداية الفطرية فيمشون فيه خطوات، ثم تحيط بهم الظلمات، وينقطع بهم الطريق كما ألمحنا آنفًا.
وأسباب غلبة الظلمات على النور، هي موافقة ما عليه الجمهور، والإخلاد إلى الهوى، وتفضيل عرض هذا الأدنى، وانتظار المغفرة ولو بما تأولوه في معنى الشفاعة، وتمنى الربح من غير بضاعة ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ﴾ ؟
بلى هو عندهم مدروس بجدليات النحو والكلام، ولكنه دارس الصُّوَىوالأعلام، المنصوبة لهداية القلوب والأحلام، ومقروء بالتجويد والأنغام، ولكنه متروك الحكم والأحكام، يقرأونه لكسب الحطام، ولمعرفة الحلال والحرام، ولا يتلونه لإصلاح القلب واللسان، بتزكية النفس وتغذية الإيمان، ويكتبونه لشفاء الأبدان من الأسقام، لا لشفاء ما في الصدور من الأوهام والآثام، ولو كان له أنصار يدعون إليه، وهداة يعتصمون به ويعولون عليه، لتبددت الظلمات أما الأنوار، ومحت آيةَ الليل آيةُ النهار.
تلك الإرشادات الإلهية بمنزلة المطر الذي ينزل من السماء، والزلزال والاضطراب الذي أشرنا إليه بمنزلة الرعد، واستبانة الصراط المستقيم الذي يلمع في أنفسهم من ذلك كالبرق، والعادات والشهوات والخوف من ذم الجماهير عند العمل بما يخالفهم كالظلمات التي تصد عن سلوك الطريق بل تعميه على طالبه وتحجبه عنه، ولذلك قال الله تعالى في تمثيل حال هذا الفريق ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاءِ ﴾ أي قوم نزل بهم صيب، ووصفه بأنه من السماء مع العلم بأن الصيب لا يكون إلا من السماء للإشعار بأنه أمر لا يملكون دفعه وليس ملاكه في أيديهم، ومن المعهود عند بلغاء العرب التعبير عما يلم بالناس مما لا دافع له بأنه نزل من السماء، ولا جرم أن تلك السوانح التي تسنح في الأفكار، والإلهامات الإلهية، لأصحاب الفطرة الزكية، التي يكون من أثرها ما أشار المثل إليه، وتقدم التنبيه عليه، هي أمر وهبي واقع، ما له من دافع.
قال تعالى في وصف الصيب ﴿ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ﴾ الظلمات هي ظلمة الليل وظلمة الصيب نفسه، والرعد هو الصوت المعروف الذي يسمع في الحساب عند اجتماعه أحيانًا، والبرق هو الضوء الذي يلمع في السحاب في الغالب، وقد يلمع من الأفق حيث لا سحاب، وقال مفسرنا الجلال السيوطي: إن الرعد ملك أو صوته، والبرق سوطه يسوق به السحاب، وكأن الملك جسم مادي لأن الصوت المسموع بالآذان من خصائص الأجسام، وكأن السحاب حمار بليد لا يسير إلا إذا زجر بالصراخ الشديد والضرب المتتابع؟!.
وما ذكرناه هو الذي كان يفهمه العرب من اللفظين، وهو الذي يفهمه الناس اليوم.
ولا يجوز صرف الألفاظ عن معانيها الحقيقية إلا بدليل صحيح، ولا سيما إذا صرفت عن معاني من عالم الشهادة، الذي يعرفه الواضعون والمتكلمون، إلى معاني من عالم الغيب لا يعلمها إلا الله تعالى ومن أعلمهم الله تعالى إياها بالوحي، ولكن أكثر المفسرين ولعوا بحشو تفاسيرهم بالموضوعات التي نص المحدثون على كذبها، كما ولعوا بحشوها بالقصص والإسرائيليات التي تلقفوها من أفواه اليهود وألصقوها بالقرآن لتكون بيانًا له وتفسيرًا، وجعلوا ذلك ملحقًا بالوحي، والحق الذي لا مرية فيه أنه لا يجوز إلحاق شيء بالوحي غير ما تدل عليه ألفاظه وأساليبه، وإلا ما ثبت بالوحي عن المعصوم الذي جاء به ثبوتًا لا يخالطه الريب.
وقال تعالى في أصحاب الصيب ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنْ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ﴾ الصاعقة هي ما كان يعرفه العرب ويعرفه كل واحد وهو ما ينزل في أثناء المطر والبرق والرعد فيصعق ما ينزل به بأن يهلك أو يلحقه ضرر، وما تفسيرنا للبرق والرعد والصاعقة مع كونها معروفة لكل الناس إلا لأن المفسرين صرفوا أفهامهم عن المعروف إلى غيره، كما حكي عن (أرسطو) حكيم قدماء اليونان أن تلاميذه سألوه عن تعريف الحركة فقام ومشى، وما أنطقهم بالسؤال عنها على بداهتها إلا أنهم اعتادوا أن يسمعوا من الفلاسفة أقوالًا في الأمور الجلية، تجعلها غامضة خفية.
وأما حقيقة البرق والرعد والصاعقة وأسباب حدوثها فليس من مباحث القرآن، لأنه من علم الطبيعة (أي الخليفة) وحوادث الجو التي في استطاعة الناس معرفتها باجتهادهم ولا تتوقف على الوحي، وإنما تذكر الظواهر الطبيعية في القرآن لأجل الاعتبار والاستدلال، وصرف العقل إلى البحث الذي يقوى به الفهم والدين، والعلم بالكون ينمو ويضعف في الناس ويختلف باختلاف الزمان، فقد كان الناس يعتقدون في بعض الأزمنة أن الصواعق تحدث من أجسام مادية لما كانوا يشمونه في محل نزولها من رائحة الكبريت وغيره، ورجعوا عن هذا الاعتقاد في زمن آخر ملاحظين أن تلك الرائحة لا تكون دائمًا في محل الصاعقة.
وقد ظهر في هذا الزمان أن في الكون سيالًا يسمونه الكهرباء من آثاره ما ترون من"التلغراف"و"التليفون والترامواي"، وهذه الأضواء الساطعة في البيوت والأسواق، من غير شموع ولا زيت ولا ذبال، وإنما تكون باتصال سلكين دقيقين كالخيوط التي يخاط بها الثياب، أحدهما يحمل أو يوصل السيال الكهربائي الذي يسمونه الموجب، والآخر يوصل السيال المسمى بالسالب، وباتصال السلكين، يتولد النور من تلاقي السيالين، وبانقطاعهما أو الفصل بينهما ينفصل السيالان فينقطع الضوء من المصابيح والحركة من الآلات، والكهربائية موجودة في كل شيء، والبرق في السحاب يتولد من اتصال نوعيها الموجب والسالب بقدرة الله تعالى، كما يتولد في الأرض بعمل الإنسان.
وقد استنزل بعض علماء الكهربائية قبس الصاعقة من السحاب إلى الأرض، والصاعقة من أثر الكهربائية، وهي تفريغ السحاب طائفة منها في مكان لجاذب في الأرض يجذبه، وكثيرًا ما حصل الصعق لعمال التلغراف، لما بين السحاب والأسلاك من الجاذبية.
ومعرفة الناس بالسبب الحقيقي للصواعق هداهم إلى حفظ الأبنية الشاهقة منها باتخاذ القضيب المعروف الذي يسمى قضيب الصاعقة، فلا تنزل الصواعق على بناء رفع فوقه هذا القضيب، ولا مجال في تفسير القرآن للتطويل في أمثال هذه المسائل الطبيعية لأنها تطلب من فنونها الخاصة بها، فلنعد إلى بيان المثل.
استحضر حال قوم مشاة في فلاة من الأرض نزل عليهم بعدما أقبل ظلام الليل صيب من السماء قصفت رعوده، ولمعت بروقه، وتصور كيف يهوون بأصابعهم إلى آذانهم كلما حدث قاصف من الرعد ليدفعوا شدة وقعه بسد منافذ السمع برؤوس الأنامل، وعبر عن الأنامل بالأصابع هذا التعبير المجازي اللطيف للإشعار بشدة عنايتهم بسد آذانهم، ومبالغتهم في إدخال أناملهم في صماليخها، كأن كل واحد منهم يحاول بما دهمه من الخوف أن يغرس أصبعه كلها في أذنه، حتى لا يكون للصوت منفذ إلى سمعه، لما يحذره على نفسه من الموت الزؤام، ومعالجة الحِمام، وهذا هو الجبن الخالع، ومنتهى حدود الحماقة، لأن سد الآذان ليس من أسباب الوقاية من أخذ الصاعقة ونزول الموت، والموت فقد الحياة بمفارقة الروح للبدن، وخلق الله عبارة عن تقديره أو عن قبضه للروح وتوفيه للنفس.
وقوله تعالى ﴿ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ يرشدنا في أثناء شرح المثل وتقريره إلى حال من ضرب فيهم المثل يذهلنا ما نتصوره من حال المشبه به عن حال المشبه المقصود بالذات، وهو أن التصام والهروب من سماع آيات الحق والحذر من صواعق براهينه الساطعة أن تذهب بتقاليدهم التي يرون حياتهم الملية مرتبطة بها لا يفيدهم شيئًا، لأن الله تعالى محيط بهم، مطلع على سرائرهم، وعلم بما في ضمائرهم، وقادر على أخذهم أينما كانوا، وفي أي طريق سلكوا، فلا يهربون من برهان إلا ويفاجئهم برهان آخر، كالغريق يدفعه موج ويتلقاه موج حتى يقذف به إلى ساحل النجاة، أو يدفعه إلى هاوية العدم، ولهذا قال ﴿ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ ولم يقل محيط بهم، والمراد بالإحاطة هنا إحاطة القدرة، فمن لم يمته بأخذ الصاعقة أماته بغيرها (تنوعت الأسباب والموت واحد) والمحيط بالشيء لا يمكن أن يفوته وينفلت من قبضته.
ثم بعد التنبيه والاستلفات عاد إلى إتمام المثل وتفصيله، فقال عز شأنه: ﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ﴾ إذا لمع البرق بشدة مفاجئًا من هو في ظلمة فإنه يؤثر في بصره تأثيرًا يكاد يخطفه، والخطف هو الأخذ بسرعة، ولكنه يتبين به جزءًا من الطريق فيمشي فيه خطوات ثم يعتكر عليه الظلام، وتستحوذ عليه المخاوف والأوهام، فيقف في مكانه، أو يعود البرق إلى لمعانه، ويحاكي هذا من حال الممثل بهم أنه عندما يدعوهم الداعي إلى أصل الدين، ويوضح لهم سبب ما هو فيه من البلاء المبين، ويتلو عليهم الآيات البينة، ويقيم لهم الحجج القيمة، على أنهم تنكبوا الصراط السوي وأصيبوا بالداء الدوي، يظهر لهم الحق فيعزمون على اتباعه، وتسير أفكارهم في نوره بعض خطوات، ولكن لا يعتمون أن تعود إليهم عتمة التقليد وظلمة الشهوات، وغُبْسَة الأهواء والشبهات، فتقيد الفكر وإن لم تقف سيره وإنما تعود به إلى الحيرة -كما تقدم في أول الكلام- ثم يتكرر النظر في تضاعيفها بطريق الالتفات والإلمام.
وفيه أنهم على سوء الحال وخطر المآل، لم تنقطع منهم الآمال، كما انقطعت من أصحاب المثل الأول الذين وصفوا بالصم البكم العمي، ولذلك قال فيهم ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ﴾ حتى ينجع فيهم وعظ واعظ ولا تفيدهم هداية هاد، ولم يقل إنه ذهب بنور أولئك وسلبهم كل أنواع الهدى والرشاد، فوقع اليأس من رجوعهم إلى الحق.
وقوله تعالى ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ ﴾ الخ رجع إلي بيان حال من ضرب فيهم المثل، لا من تتمة المثل، وقد كنى عنهم بالضمير هنا لأن المثل قد تم، بعدما ذكرهم في قوله ﴿ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ بالوصف الذي اقتضى التمثيل.
<div class="verse-tafsir"