الآية ٢٠ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٠ من سورة البقرة

يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ ۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 197 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( يكاد البرق يخطف أبصارهم ) أي : لشدته وقوته في نفسه ، وضعف بصائرهم ، وعدم ثباتها للإيمان .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( يكاد البرق يخطف أبصارهم ) يقول : يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين .

وقال ابن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( يكاد البرق يخطف أبصارهم ) أي لشدة ضوء الحق ، ( كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ) أي كلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه ، وتارة تعرض لهم الشكوك أظلمت قلوبهم فوقفوا حائرين .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( كلما أضاء لهم مشوا فيه ) يقول : كلما أصاب المنافقين من عز الإسلام اطمأنوا إليه ، وإن أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر ، كقوله : ( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به [ وإن أصابته فتنة ] ) الآية [ الحج : 11 ] .

وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ) أي : يعرفون الحق ويتكلمون به ، فهم من قولهم به على استقامة ، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر ( قاموا ) أي : متحيرين .

وهكذا قال أبو العالية ، والحسن البصري ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، والسدي بسنده ، عن الصحابة وهو أصح وأظهر .

والله أعلم .

وهكذا يكونون يوم القيامة عندما يعطى الناس النور بحسب إيمانهم ، فمنهم من يعطى من النور ما يضيء له مسيرة فراسخ ، وأكثر من ذلك وأقل من ذلك ، ومنهم من يطفأ نوره تارة ويضيء له أخرى ، فيمشي على الصراط تارة ويقف أخرى .

ومنهم من يطفأ نوره بالكلية وهم الخلص من المنافقين ، الذين قال تعالى فيهم : ( يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا ) [ الحديد : 13 ] وقال في حق المؤمنين : ( يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات ) الآية [ الحديد : 12 ] ، وقال تعالى : ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير ) [ التحريم : 8 ] .

ذكر الحديث الوارد في ذلك : قال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة في قوله تعالى : ( يوم ترى المؤمنين والمؤمنات ) الآية [ الحديد : 12 ] ، ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن ، أو بين صنعاء ودون ذلك ، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه .

رواه ابن جرير .

ورواه ابن أبي حاتم من حديث عمران بن داور القطان ، عن قتادة ، بنحوه .

وهذا كما قال المنهال بن عمرو ، عن قيس بن السكن ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : يؤتون نورهم على قدر أعمالهم ، فمنهم من يرى نوره كالنخلة ، ومنهم من يرى نوره كالرجل القائم ، وأدناهم نورا على إبهامه يطفأ مرة ويقد مرة .

وهكذا رواه ابن جرير ، عن ابن مثنى ، عن ابن إدريس ، عن أبيه ، عن المنهال .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا ابن إدريس ، سمعت أبي يذكر عن المنهال بن عمرو ، عن قيس بن السكن ، عن عبد الله بن مسعود : ( نورهم يسعى بين أيديهم ) [ التحريم : 8 ] قال : على قدر أعمالهم يمرون على الصراط ، منهم من نوره مثل الجبل ، ومنهم من نوره مثل النخلة ، وأدناهم نورا من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ أخرى .

وقال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ، حدثنا أبو يحيى الحماني ، حدثنا عتبة بن اليقظان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : ليس أحد من أهل التوحيد إلا يعطى نورا يوم القيامة ، فأما المنافق فيطفأ نوره ، فالمؤمن مشفق مما يرى من إطفاء نور المنافقين ، فهم يقولون : ربنا أتمم لنا نورنا .

وقال الضحاك بن مزاحم : يعطى كل من كان يظهر الإيمان في الدنيا يوم القيامة نورا ؛ فإذا انتهى إلى الصراط طفئ نور المنافقين ، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا ، فقالوا : ربنا أتمم لنا نورنا .

فإذا تقرر هذا صار الناس أقساما : مؤمنون خلص ، وهم الموصوفون بالآيات الأربع في أول البقرة ، وكفار خلص ، وهم الموصوفون بالآيتين بعدها ، ومنافقون ، وهم قسمان : خلص ، وهم المضروب لهم المثل الناري ، ومنافقون يترددون ، تارة يظهر لهم لمع من الإيمان وتارة يخبو وهم أصحاب المثل المائي ، وهم أخف حالا من الذين قبلهم .

وهذا المقام يشبه من بعض الوجوه ما ذكر في سورة النور ، من ضرب مثل المؤمن وما جعل الله في قلبه من الهدى والنور ، بالمصباح في الزجاجة التي كأنها كوكب دري ، وهي قلب المؤمن المفطور على الإيمان واستمداده من الشريعة الخالصة الصافية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط ، كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله .

ثم ضرب مثل العباد من الكفار ، الذين يعتقدون أنهم على شيء ، وليسوا على شيء ، وهم أصحاب الجهل المركب ، في قوله : ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ) الآية [ النور : 39 ] .

ثم ضرب مثل الكفار الجهال الجهل البسيط ، وهم الذين قال [ الله ] فيهم : ( أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) [ النور : 40 ] فقسم الكفار هاهنا إلى قسمين : داعية ومقلد ، كما ذكرهما في أول سورة الحج : ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد ) [ الحج : 3 ] وقال بعده : ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ) [ الحج : 8 ] وقد قسم الله المؤمنين في أول الواقعة وآخرها وفي سورة الإنسان ، إلى قسمين : سابقون وهم المقربون ، وأصحاب يمين وهم الأبرار .

فتلخص من مجموع هذه الآيات الكريمات : أن المؤمنين صنفان : مقربون وأبرار ، وأن الكافرين صنفان : دعاة ومقلدون ، وأن المنافقين - أيضا - صنفان : منافق خالص ، ومنافق فيه شعبة من نفاق ، كما جاء في الصحيحين ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا ، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : من إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان .

استدلوا به على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان ، وشعبة من نفاق .

إما عملي لهذا الحديث ، أو اعتقادي ، كما دلت عليه الآية ، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض العلماء ، كما تقدم ، وكما سيأتي ، إن شاء الله .

قال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر ، حدثنا أبو معاوية يعني شيبان ، عن ليث ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : القلوب أربعة : قلب أجرد ، فيه مثل السراج يزهر ، وقلب أغلف مربوط على غلافه ، وقلب منكوس ، وقلب مصفح ، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن ، سراجه فيه نوره ، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر ، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الخالص ، عرف ثم أنكر ، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق ، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة ، يمدها الماء الطيب ، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم ، فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه .

وهذا إسناد جيد حسن .

وقوله : ( ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير ) قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : ( ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ) قال : لما تركوا من الحق بعد معرفته .

( إن الله على كل شيء قدير ) قال ابن عباس أي : إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة ، أو عفو قدير .

وقال ابن جرير : إنما وصف الله تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع ؛ لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه بهم محيط ، و [ أنه ] على إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير ، ومعنى ( قدير ) قادر ، كما أن معنى ( عليم ) عالم .

[ وذهب ابن جرير الطبري ومن تبعه من كثير من المفسرين أن هذين المثلين مضروبان لصنف واحد من المنافقين وتكون " أو " في قوله تعالى : ( أو كصيب من السماء ) بمعنى الواو ، كقوله تعالى : ( ولا تطع منهم آثما أو كفورا ) [ الإنسان : 24 ] ، أو تكون للتخيير ، أي : اضرب لهم مثلا بهذا وإن شئت بهذا ، قاله القرطبي .

أو للتساوي مثل : جالس الحسن أو ابن سيرين ، على ما وجهه الزمخشري : أن كلا منهما مساو للآخر في إباحة الجلوس إليه ، ويكون معناه على قوله : سواء ضربت لهم مثلا بهذا أو بهذا فهو مطابق لحالهم .

قلت : وهذا يكون باعتبار جنس المنافقين ، فإنهم أصناف ولهم أحوال وصفات كما ذكرها الله تعالى في سورة " براءة " - ومنهم ، ومنهم ، ومنهم - يذكر أحوالهم وصفاتهم وما يعتمدونه من الأفعال والأقوال ، فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقة لأحوالهم وصفاتهم ، والله أعلم ، كما ضرب المثلين في سورة النور لصنفي الكفار : الدعاة والمقلدين في قوله تعالى : ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة ) إلى أن قال : ( أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج ) الآية [ النور : 39 ، 40 ] ، فالأول للدعاة الذين هم في جهل مركب ، والثاني لذوي الجهل البسيط من الأتباع المقلدين ، والله أعلم بالصواب ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

ثم عاد جل ذكره إلى نعت إقرار المنافقين بألسنتهم, والخبر عنه وعنهم وعن نفاقهم, وإتمام المثل الذي ابتدأ ضربَه لهم ولشكّهم ومَرَض قلوبهم, فقال: " يكاد البرق "، يعني بالبرق، الإقرارَ الذي أظهروه بألسنتهم بالله وبرسوله وما جاء به من عند ربهم.

فجعل البرقَ له مثلا على ما قدَّمنا صفته.

" يَخطفُ أبصَارهم "، يعني: يذهب بها ويستلبُها ويلتمعها من شدة ضيائه ونُور شُعاعه .

469- كما حُدِّثت عن المنجاب بن الحارث, قال: حدثنا بشر بن عُمارة, عن أبي رَوْق، عن الضحاك, عن ابن عباس, في قوله: " يكاد البرقُ يخطف أبصارهم "، قال: يلتمعُ أبصارَهم ولمّا يفعل (97) .

قال أبو جعفر: والخطف السلب, ومنه الخبر الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الخطْفة، يعني بها النُّهبة (98) .

ومنه قيل للخُطاف الذي يُخرج به الدلو من البئر خُطَّاف، لاختطافه واستلابه ما عَلق به، ومنه قول نابغة بني ذُبيان: خَطَـاطِيفُ حُجْـنٌ فِـي حِبَـالٍ متينةٍ تَمُــدُّ بهــا أَيــدٍ إِلَيْـكَ نَـوَازِعُ (99) فجعل ضَوءَ البرق وشدة شُعاع نُوره، كضوء إقرارهم بألسنتهم بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله واليوم الآخر وشُعاعِ نوره, مثلا.

ثم قال تعالى ذكره: " كلما أضاء لهم "، يعني أن البرق كلما أضاء لهم, وجعل البرق لإيمانهم مَثلا.

وإنما أراد بذلك: أنهم كلما أضاء لهم الإيمان، وإضاءتُه لهم: أن يروْا فيه ما يُعجبهم في عاجل دنياهم، من النُّصرة على الأعداء, وإصابةِ الغنائم في المغازي, وكثرة الفتوح, ومنافعها, والثراء في الأموال, والسلامةِ في الأبدان والأهل والأولاد - فذلك إضاءتُه لهم، لأنهم إنما يُظهرون بألسنتهم ما يُظهرونه من الإقرار، ابتغاءَ ذلك, ومدافعةً عن أنفسهم وأموالهم وأهليهم وذَراريهم, وهم كما وصفهم الله جلّ ثناؤه بقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ [سورة الحج: 11].

ويعني بقوله " مشوا فيه "، مشوا في ضوء البرق.

وإنما ذلك مَثلٌ لإقرارهم على ما وصفنا.

فمعناه: كلما رأوا في الإيمان ما يُعجبهم في عاجل دنياهم على ما وصفنا، ثبتوا عليه وأقاموا فيه, كما يمشي السائر في ظُلمة الليل وظُلمة الصَّيِّب الذي وصفه جل ثناؤه, إذا برقت فيها بارقةٌ أبصرَ طريقه فيها.

" وإذا أظلم "، يعني: ذهب ضوءُ البرق عنهم.

ويعني بقوله " عليهم "، على السائرين في الصيِّب الذي وَصف جل ذكره.

وذلك للمنافقين مثَل.

ومعنى إظلام ذلك: أنّ المنافقين كلما لم يَرَوْا في الإسلام ما يعجبهم في دنياهم - عند ابتلاء الله مؤمني عباده بالضرَّاء، وتمحيصه إياهم بالشدائد والبلاء، من إخفاقهم في مَغزاهم، وإنالة عدوّهم منهم (100) ، أو إدبارٍ من &; 1-359 &; دنياهم عنهم - أقاموا على نفاقهم (101) ، وَثبتوا على ضلالتهم، كما قام السائر في الصيِّب الذي وصف جل ذكره (102) إذا أظلم وَخفتَ ضوء البرق, فحارَ في طريقه، فلم يعرف مَنهجه.

* * * القول في تأويل قوله : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ &; 1-360 &; لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ قال أبو جعفر: وإنما خَص جل ذكره السمعَ والأبصارَ - بأنه لو شاء أذهبَها من المنافقين دون سائر أعضاء أجسامهم (103) - للذي جرَى من ذكرها في الآيتين, أعني قوله: يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ ، وقوله: يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ، فجرى ذكرها في الآيتين على وجه المثل.

ثم عَقَّب جل ثناؤه ذكر ذلك، بأنه لو شاء أذْهبه من المنافقين عقوبةً لهم على نفاقهم وكفرهم, وعيدًا من الله لهم, كما توعَّدهم في الآية التي قبلها بقوله: وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ، واصفًا بذلك جل ذكره نفسَه، أنه المقتدر عليهم وعلى جمعهم, لإحلال سَخَطه بهم, وإنـزال نِقْمته عليهم, ومُحذِّرَهم بذلك سَطوته, ومخوِّفَهم به عقوبته, ليتقوا بأسَه, ويُسارعوا إليه بالتوبة.

470- كما حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة , أو عن سعيد بن حبير, عن ابن عباس: " ولو شاء الله لذَهب بسمعهم وأبصارهم "، لِمَا تركوا من الحق بعد معرفته (104) .

471- وحدثني المثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس, قال: ثم قال -يعني قال الله- في أسماعهم، يعني أسماعَ المنافقين، وأبصارِهم التي عاشوا بها في الناس: " ولو شاءَ الله لذَهب بسمعهم وأبصارهم " (105) .

قال أبو جعفر: وإنما معنى قوله: " لذهب بسمعهم وأبصارهم "، لأذهب سَمعَهم وأبصارَهم.

ولكن العرب إذا أدخلوا الباء في مثل ذلك قالوا: ذهبتُ ببصره, وإذا حذفوا الباء قالوا: أذهبتُ بصره.

كما قال جل ثناؤه: آتِنَا غَدَاءَنَا [سورة الكهف: 62]، ولو أدخلت الباء في الغداء لقيل: ائتنا بغدَائنا (106) .

قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: " لذهب بسمعهم " فوحَّد, وقال: " وأبصارهم " فجمع؟

وقد علمتَ أن الخبر في السمع خبرٌ عن سَمْع جماعة (107) ، كما الخبر عن الأبصار خبرٌ عن أبصار جماعة؟

(108) قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك, فقال بعض نحويي الكوفة: وحَّد السمعَ لأنه عَنَى به المصدرَ وقصَد به الخَرْق, وجمع الأبصار لأنه عَنَى به الأعينَ.

وكان بعض نحويي البصرة يزعم: أنّ السمع وإن كان في لفظ واحد، فإنه بمعنى جماعة (109) .

ويحتج في ذلك بقول الله: لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ [سورة إبراهيم: 43]، يريد: لا ترتد إليهم أطرافهم, وبقوله: وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [سورة القمر: 45]، &; 1-361 &; يراد به أدْبارُهم.

وإنما جاز ذلك عندي، لأن في الكلام ما يَدُلّ على أنه مُرادٌ به الجمع, فكان في دلالته على المراد منه, وأداء معنى الواحد من السمع عن معنى جماعة، مُغنيًا عن جِمَاعه (110) .

ولو فعل بالبصر نظيرَ الذي فعل بالسمع, أو فعل بالسمع نظير الذي فعل بالأبصار -من الجمع والتوحيد- كان فصيحًا صحيحًا، لما ذكرنا من العلة، كما قال الشاعر: كُلُــوا فِي بَعْـضِ بَطْنِكُـمُ تَعِفُّـوا فَإِنَّ زَمَــانَنَا زَمَـــنٌ خَــمِيصُ (111) فوحّد البطن, والمرادُ منه البطون، لما وصفنا من العلة.

* * * القول في تأويل قوله جل ثناؤه: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) قال أبو جعفر: وإنما وَصف الله نفسه جلّ ذكره بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع, لأنه حذَّر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم مُحيطٌ، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قَديرٌ.

ثم قال: فاتقوني أيُّها المنافقون، واحذرُوا خِداعي وخداعَ رسولي وأهلِ الإيمان بي، لا أحِلَّ بكم نقمتي، فإني على ذلك وعلى غيره من الأشياء قدير.

ومعنى " قدير " قادر, كما معنى " عليم " عالم, على ما وصفتُ فيما &; 1-362 &; تَقدم من نظائره، من زيادة معنى فعيل على فاعل في المدح والذم (112) .

------------------------- الهوامش : (97) الخبر 469- لم أجده .

والتمع البصر أو غيره : اختلسه واختطفه وذهب به .

ومنه الحديث : "إذا كان أحدكم في الصلاة ، فلا يرفع بصره إلى السماء يلتمع بصره" ، أي يختلس .

(98) الذي ذكره ابن الأثير في النهاية أن الخطفة : ما اختطف الذئب من أعضاء الشاة وهي حية ، لأن كل ما أبين من حي فهو ميت ، وذلك أن النهي عن الخطفة كان لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، رأى الناس يجبون أسنمة الإبل وأليات الغنم ويأكلونها .

قال : والخطفة المرة الواحدة من الخطف ، فسمى بها العضو المختطف ، وأما النهبة والنهبى ، فاسم لما ينهب ، وجاء بيانها في حديث سنن أبي داود 3 : 88"فأصاب الناس غنيمة فانتهبوها ، فقام عبد الرحمن بن سمرة خطيبًا ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النهبى" .

وفي الباب نفسه من سنن أبي داود عن رجل من الأنصار قال : "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فأصاب الناس حاجة شديدة وجهد ، وأصابوا غنما فانتهبوها ، فإن قدورنا لتغلى إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي على قوسه ، فأكفأ قدورنا بقوسه ، ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم قال : إن النهبة ليست بأحل من الميتة" .

(99) ديوانه : 41 ، وقبله البيت المشهور : فَــإِنَّكَ كَـالليلِ الَّـذِي هُـوَ مُـدْرِكِي وَإِنْ خِـلْتُ أَنَّ الْمُنْتَـأَى عَنْـكَ وَاسِـعُ خطاطيف : جمع خطاف .

وحجن : جمع أحجن ، وهو المعوج الذي في رأسه عقافة .

وقال"تمد بها" ولم يقل : تمدها ، لأنه لم يرد مد الحبال ذوات الخطاطيف ، وإنما أراد اليد التي تمتد بها وفيها الخطاطيف ، لأن اليد هي الذي تتبع الشيء حيث ذهب (انظر ما سيأتي من إدخال الباء على مثل هذا الفعل ص 360 س : 6 - 9) وقوله"إليك" متعلق بقوله"نوازع" .

ونوازع جمع نازع ونازعة ، من قولهم نزع الدلو من البئر ينزعها : جذبها وأخرجها .

أي أن هذه الأيدي تجذب ما تشاء إليك ، وترده عليك .

والبيت متصل بالذي قبله ، وبيان لقوله"فإنك كالليل الذي هو مدركى" ، أراد تهويل الليل وما يرى فيه ، تتبعه حيث ذهب خطاطيف حجن لا مهرب له منها .

(100) في المطبوعة"وإنالة عدوهم" ، وهو خطأ .

والإدالة : الغلبة ، وهي من الدولة في الحرب ، وهو أن يهزم الجيش مرة ، ويهزمه الجيش الآخر تارة أخرى .

يقال : اللهم أدلنا من عدونا!

أي اللهم اجعل لنا الدولة عليه وانصرنا .

(101) في المطبوعة : "قاموا على نفاقهم" .

وهذه أجود .

(102) في المطبوعة والمخطوطة : "كما قام السائرون في الصيب" ، وهو خطأ ، صوابه من مخطوطة أخرى .

(103) في المخطوطة : "دون سائر أجسامهم" .

(104) الخبر 470- من تمام الخبر الذي ساقه في الدر المنثور 1 : 32 - 33 ، وقد مضى صدره آنفًا : 451 ، 467 .

(105) الأثر 471- هو من الأثر السالف رقم : 460 .

(106) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 19 .

وانظر ما مضى ص 357 تعليق : 3 (107) في المخطوطة : "أن الخبر بالسمع" ، وهذه أجود ، وأجودهن"الخبر عن السمع" كما سيأتي في الذي يلي .

(108) في المطبوعة : "كما الخبر في الأبصار" ، والذي في المخطوطة أجود .

(109) في المخطوطة : "لمعنى جماعة" ، وهي صواب جيد .

(110) في المطبوعة : "فكان فيه دلالة على المراد منه ، وأدى معنى الواحد من السمع عن معنى جماعة ، مغنيًا عن جماعة" ، وهو كلام لا معنى له .

وفي المخطوطة : " .

.

على المراد منه واوا معنى الواحد .

.

" ، وقد صححت قراءتها كما ترى .

وقوله" مغنيًا عن جماعه" أي عن جمعه ، والطبري يكثر استعمال"جماع" مكان جمع ، كما مضى وكما سيأتي .

(111) البيت من أبيات سيبويه التي لا يعلم قائلها ، سيبويه 1 : 108 ، والخزانة 3 : 379 - 381 ، وانظر أمالي ابن الشجري 1 : 311 ، 2 : 35 ، 38 ، 343 ، وروايته : "في نصف بطنكم" .

وفي المخطوطة : "تعيشوا" ، مكان"تعفوا" ، وهي رواية ذكرها صاحب الخزانة .

وروايتهم جميعًا "فإن زمانكم .

.

" .

(112) انظر تفسير قوله تعالى : "الرحيم" ، فيما مضى : ص 126 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قديرقوله تعالى : يكاد البرق يخطف أبصارهم يكاد معناه يقارب ، يقال : كاد يفعل كذا إذا قارب ولم يفعل .

ويجوز في غير القرآن : يكاد أن يفعل ، كما قال رؤبة :قد كاد من طول البلى أن يمصحامشتق من المصح وهو الدرس .

والأجود أن تكون بغير " أن " ; لأنها لمقاربة الحال ، و " أن " تصرف الكلام إلى الاستقبال ، وهذا متناف ، قال الله عز وجل : يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار .

ومن كلام العرب : كاد النعام يطير ، وكاد العروس يكون أميرا ، لقربهما من تلك الحال .

وكاد فعل متصرف على فعل يفعل .

وقد جاء خبره بالاسم وهو قليل ، قال تأبط شرا :فأبت إلى فهم وما كدت آئبا وكم مثلها فارقتها وهي تصفرويجري مجرى كاد كرب وجعل وقارب وطفق ، في كون خبرها بغير " أن " ، قال الله عز وجل : وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة لأنها كلها بمعنى الحال والمقاربة ، والحال لا يكون معها " أن " ، فاعلم .قوله تعالى : يخطف أبصارهم الخطف : الأخذ بسرعة ، ومنه سمي الطير خطافا لسرعته .

فمن جعل القرآن مثلا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب [ ص: 214 ] أبصارهم .

ومن جعله مثلا للبيان الذي في القرآن فالمعنى أنهم جاءهم من البيان ما بهرهم .

ويخطف ويخطف لغتان قرئ بهما .

وقد خطفه ( بالكسر ) يخطفه خطفا ، وهي اللغة الجيدة ، واللغة الأخرى حكاها الأخفش : خطف يخطف .الجوهري : وهي قليلة رديئة لا تكاد تعرف .

وقد قرأ بها يونس في قوله تعالى يكاد البرق يخطف أبصارهم وقال النحاس : في يخطف سبعة أوجه ، القراءة الفصيحة : يخطف .

وقرأ علي بن الحسين ويحيى بن وثاب : يخطف بكسر الطاء ، قال سعيد الأخفش : هي لغة .

وقرأ الحسن وقتادة وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي بفتح الياء وكسر الخاء والطاء .

وروي عن الحسن أيضا أنه قرأ بفتح الخاء .

قال الفراء : وقرأ بعض أهل المدينة بإسكان الخاء وتشديد الطاء .

قال الكسائي والأخفش والفراء : يجوز " يخطف " بكسر الياء والخاء والطاء .

فهذه ستة أوجه موافقة للخط .

والسابعة حكاها عبد الوارث قال : رأيت في مصحف أبي بن كعب " يتخطف " ، وزعم سيبويه والكسائي أن من قرأ " يخطف " بكسر الخاء والطاء فالأصل عنده يختطف ، ثم أدغم التاء في الطاء فالتقى ساكنان فكسرت الخاء لالتقاء الساكنين .

قال سيبويه : ومن فتح الخاء ألقى حركة التاء عليها .

وقال الكسائي : ومن كسر الياء فلأن الألف في اختطف مكسورة .

فأما ما حكاه الفراء عن أهل المدينة من إسكان الخاء والإدغام فلا يعرف ولا يجوز ، لأنه جمع بين ساكنين .

قال النحاس وغيره .

قلت : وروي عن الحسن أيضا وأبي رجاء " يخطف " .

قال ابن مجاهد : وأظنه غلطا ، واستدل على ذلك بأن " خطف الخطفة " لم يقرأه أحد بالفتح .

" أبصارهم " جمع بصر ، وهي حاسة الرؤية .

والمعنى : تكاد حجج القرآن وبراهينه الساطعة تبهرهم .

ومن جعل البرق مثلا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم .قوله تعالى : كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا كلما منصوب لأنه ظرف .

وإذا كان كلما بمعنى " إذا " فهي موصولة والعامل فيه مشوا وهو جوابه ، ولا يعمل فيه أضاء ; لأنه في صلة ما .

والمفعول في قول المبرد محذوف ، التقدير عنده : كلما أضاء لهم البرق الطريق .

وقيل : يجوز أن يكون فعل وأفعل بمعنى ، كسكت وأسكت ، فيكون أضاء وضاء سواء فلا يحتاج إلى تقدير حذف مفعول .

قال الفراء : يقال ضاء وأضاء ، وقد تقدم .

والمعنى أنهم كلما سمعوا القرآن وظهرت لهم الحجج أنسوا ومشوا معه ، فإذا نزل من القرآن ما يعمون فيه [ ص: 215 ] ويضلون به أو يكلفونه قاموا أي ثبتوا على نفاقهم ، عن ابن عباس .

وقيل : المعنى كلما صلحت أحوالهم في زروعهم ومواشيهم وتوالت النعم قالوا : دين محمد دين مبارك ، وإذا نزلت بهم مصيبة وأصابتهم شدة سخطوا وثبتوا في نفاقهم ، عن ابن مسعود وقتادة .

قال النحاس : وهذا قول حسن ، ويدل على صحته : ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه وقال علماء الصوفية : هذا مثل ضربه الله تعالى لمن لم تصح له أحوال الإرادة بدءا ، فارتقى من تلك الأحوال بالدعاوي إلى أحوال الأكابر ، كأن تضيء عليه أحوال الإرادة لو صححها بملازمة آدابها ، فلما مزجها بالدعاوي أذهب الله عنه تلك الأنوار وبقي في ظلمات دعاويه لا يبصر طريق الخروج منها .

وروي عن ابن عباس أن المراد اليهود ، لما نصر النبي صلى الله عليه وسلم ببدر طمعوا وقالوا : هذا والله النبي الذي بشرنا به موسى لا ترد له راية ، فلما نكب بأحد ارتدوا وشكوا ، وهذا ضعيف .

والآية في المنافقين ، وهذا أصح عن ابن عباس ، والمعنى يتناول الجميع .قوله تعالى : ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم لو حرف تمن وفيه معنى الجزاء ، وجوابه اللام .

والمعنى : ولو شاء الله لأطلع المؤمنين عليهم فذهب منهم عز الإسلام بالاستيلاء عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم .

وخص السمع والبصر لتقدم ذكرهما في الآية أولا ، أو لأنهما أشرف ما في الإنسان .

وقرئ " بأسماعهم " على الجمع ، وقد تقدم الكلام في هذا .قوله تعالى : إن الله على كل شيء قدير عموم ، ومعناه عند المتكلمين فيما يجوز وصفه تعالى بالقدرة عليه .

وأجمعت الأمة على تسمية الله تعالى بالقدير ، فهو سبحانه قدير قادر مقتدر .

والقدير أبلغ في الوصف من القادر ، قاله الزجاجي .

وقال الهروي : والقدير والقادر بمعنى واحد ، يقال : قدرت على الشيء أقدر قدرا وقدرا ومقدرة ومقدورة وقدرانا ، أي قدرة .

والاقتدار على الشيء : القدرة عليه .

فالله جل وعز قادر مقتدر قدير على كل ممكن يقبل الوجود والعدم .

فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الله تعالى قادر ، له قدرة بها فعل ويفعل ما يشاء على وفق علمه واختياره .

ويجب عليه أيضا أن يعلم أن للعبد قدرة يكتسب بها ما أقدره الله تعالى عليه على مجرى العادة ، وأنه غير مستبد بقدرته .

وإنما خص هنا تعالى صفته التي هي القدرة بالذكر دون غيرها ; لأنه تقدم ذكر فعل مضمنه الوعيد والإخافة ، فكان ذكر القدرة مناسبا لذلك .

والله أعلم .[ ص: 216 ] فهذه عشرون آية على عدد الكوفيين ، أربع آيات في وصف المؤمنين ، ثم تليها آيتان في ذكر الكافرين ، وبقيتها في المنافقين .

وقد تقدمت الرواية فيها عن ابن جريج ، وقاله مجاهد أيضا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ } البرق في تلك الظلمات { مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا } أي: وقفوا.

فهكذا حال المنافقين, إذا سمعوا القرآن وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده, جعلوا أصابعهم في آذانهم, وأعرضوا عن أمره ونهيه ووعده ووعيده, فيروعهم وعيده وتزعجهم وعوده، فهم يعرضون عنها غاية ما يمكنهم, ويكرهونها كراهة صاحب الصيب الذي يسمع الرعد, ويجعل أصابعه في أذنيه خشية الموت, فهذا تمكن له السلامة.

وأما المنافقون فأنى لهم السلامة, وهو تعالى محيط بهم, قدرة وعلما فلا يفوتونه ولا يعجزونه, بل يحفظ عليهم أعمالهم, ويجازيهم عليها أتم الجزاء.

ولما كانوا مبتلين بالصمم, والبكم, والعمى المعنوي, ومسدودة عليهم طرق الإيمان، قال تعالى: { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ } أي: الحسية, ففيه تحذير لهم وتخويف بالعقوبة الدنيوية, ليحذروا, فيرتدعوا عن بعض شرهم ونفاقهم، { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فلا يعجزه شيء، ومن قدرته أنه إذا شاء شيئا فعله من غير ممانع ولا معارض.

وفي هذه الآية وما أشبهها, رد على القدرية القائلين بأن أفعالهم غير داخلة في قدرة الله تعالى, لأن أفعالهم من جملة الأشياء الداخلة في قوله: { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{يكاد البرق} أي يقرب، يقال: كاد يفعل إذا قرب ولم يفعل.

{يخطف أبصارهم} يختلسها، والخطف استلاب بسرعة.

{يكاد البرق يخطف أبصارهم} أي القرآن يبهر قلوبهم.

وقيل: هذا مثل ضربه الله للإسلام فالمطر الإسلام والظلمات ما فيه من البلاء والمحن، والرعد: ما فيه من الوعيد والمخاوف في الآخرة، والبرق: ما فيه من الوعد والوعيد.

يكاد البرق يعنى دلائل الإسلام تزعجهم إلى النظر لولا ما سبق لهم من الشقاوة.

{كلما} "كل" حرف جملة ضم إلى "ما" الجزاء فصار أداة للتكرار ومعناهما متى ما.

{أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا} أي وقفوا متحيرين، فالله تعالى شبههم في كفرهم ونفاقهم بقوم كانوا في مفازة في ليلة مظلمة أصابهم مطر فيه ظلمات من صفتها أن الساري (لا يمكنه) المشي فيها، ورعد من صفته أن يضم السامعون أصابعهم إلى آذانهم من هوله، وبرق من صفته أن يقرب من أن يخطف أبصارهم ويعميها من شدة توقده، فهذا مثل ضربه الله للقرآن وصنيع الكافرين والمنافقين معه، فالمطر القرآن لأنه حياة الجنان كما أن المطر حياة الأبدان، والظلمات ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك، والرعد ما خوفوا به من الوعيد، وذكر النار والبرق ما فيه من الهدى والبيان والوعد وذكر الجنة.

والكافرون يسدون آذانهم عند قراءة القرآن مخافة ميل القلب إليه لأن الإيمان عندهم كفر والكفر موت.

{كلما أضاء لهم مشوا فيه} يعني أن المنافقين إذا أظهروا كلمة الإيمان آمنوا فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة.

وقيل: معناه كلما نالواغنيمة وراحة في الإسلام ثبتوا وقالوا إنا معكم.

{وإذا أظلم عليهم قاموا} يعني رأوا شدة وبلاء تأخروا، وقاموا: أي وقفوا كما قال تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف} [1-الحج].

{ولو شاء الله لذهب بسمعهم} أي بأسماعهم.

{وأبصارهم} الظاهرة كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة.

وقيل: لذهب بما استفادوا من العز والأمان الذي لهم بمنزلة السمع والبصر.

{إن الله على كل شيء قدير} قادر.

قرأ عامر وحمزة "شاء" و"جاء" حيث كان بالإمالة.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يكاد» يقرب «البرق يخطف أبصارهم» بأخذها بسرعة «كلما أضاء لهم مشوا فيه» أي في ضوئه «وإذا أظلم عليهم قاموا» وقفوا، تمثيل لإزعاج ما في القرآن من الحجج قلوبهم وتصديقهم لما سمعوا فيه مما يحبون ووقوفهم عما يكرهون.

«ولو شاء الله لذهب بسمعهم» بمعنى أسماعهم «وأبصارهم» الظاهرة كما ذهب بالباطنة «إن الله على كل شيء» شاءه «قدير» ومنه إذهاب ما ذكر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يقارب البرق -من شدة لمعانه- أن يسلب أبصارهم، ومع ذلك فكلَّما أضاء لهم مشَوْا في ضوئه، وإذا ذهب أظلم الطريق عليهم فيقفون في أماكنهم.

ولولا إمهال الله لهم لسلب سمعهم وأبصارهم، وهو قادر على ذلك في كل وقتٍ، إنه على كل شيء قدير.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم قال - تعالى - : ( يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ) .يكاد من الأفعال التي تدخل على اسم يسند إليه فعل بعده نحو ( البرق يَخْطَفُ ) .

فتدل على أن المسند إليه وهو البرق قد قارب أن يقع منه الفعل وهو خطف الأبصار .والخطف : الأخذ بسرعة .

والأبصار : جمع بصر ، وهو قوة مودعة في العين يدرك بها الألوان والأشكال .والمعنى : أن البرق لشدة لمعانه يقرب من أن يخطف أبصارها ، وهو تصوير بليغ الشدة ذلك البرق ، وترك بيان شدة الرعد اكتفاء بما ذكره في جانب البرق ، ولم يذكر توقيهم للأعين بوضع شيء عليها اكتفاء بما ذكره في توقي الآذان أو لأنهم شغلوا بالآذان عن الأعين .وقوله - تعالى - : ( كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ ) وصف رائع لما يصنعه أهل الصيب في حالتي ظهور البرق واختفائه .وكل ظرف ، وما مصدرية ولا تصالها بكل أفادت الشرط والعامل فيها هو جوابها وهو ( مَّشَوْاْ ) و ( أَضَآءَ ) و ( أَظْلَمَ ) من الإِظلام وهو اختفاء النور .

( قَامُواْ ) أي وقفوا وثبتوا في مكانهم .

من قام الماء إذا جمد .

ويقال : قامت الدابة إذا وقفت .والمعنى : أنهم إذا صادفوا من البرق وميضاً انتهزوا ذلك الوميض فرصة ، فخطوا خطوات يسيرة ، وإذا خفى لمعانه وقفوا في مكانهم ، فالجملة الكريمة تدل على فرط حرصهم على النجاة من شدة ما هم فيه من أهوال .ثم قال - تعالى - : ( وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ) .لو : أداة شرط ، وشاء بمعنى أراد .

أي : لو أراد الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لزاد في قصف الرعد فأصمهم ، وفي ضوء البرق فاعماهم .

أو يقال : إن قصف الرعد ولمعان البرق المذكورين في المثل سببان كافيان لأن يذهبا بسمع ذوي الصيب وأبصارهم لو شاء الله ذلك .فيكون قوله تعالى ( وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ ) ، إشعاراً بأن تأثير الأسباب في مسبباتها إنما هو بإرادته - تعالى - .وخص السمع والبصر بالذهاب مع أنها من جملة مشاعرهم ، لأهميتها .

ولأنها هي التي سبق ذكرها ، أو من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى ، لأنه إذا كان قادراً على إذهاب ما حافظوا عليه ، كان قادراً على غيره من باب أولى .ثم ختم الآية بقوله - تعالى - ( إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .الشيء في أصل اللغة كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه ، ويحمل في هذه الآية على الممكن خاصة موجوداً كأن أو معدوماً ، لأن القدرة إنما تتعلق بالممكنات دون الواجب والمستحيل .والقدير : الفعال لما يريد ، يقال : قدره على الشيء أقدره قدرة وقدراً .وهذه الجملة الكريمة بمنزلة الاستدلال على ما تضمنته الجملة السابقة من أن الله تعالى قادر على أن يذهب بأسماع أصحاب الصيب وأبصارهم متى شاء .وتطبيق هذا المثل على المنافقين يقال فيه : إن أصحاب الصيب لضعفهم وخورهم لا يطيقون سماع الرعد الهاثل ، ولا يستطيعون فتح أعينهم في البرق اللامع ، فيجعلون أصابعهم في آذانهم فزعاً من قصف الرعد ، وخوفاً من صواعق تجلجل فوق رءوسهم فتدعهم حصيداً خامدين ، وكذلك حال هؤلاء المنافقين فإنهم لضعف بصائرهم ، وانطماس عقولهم ، تشتد عليهم زواجر القرآن ووعيده وتهديده وأوامره ونواهيه ، فتشمئز قلوبهم ويصرفون عنه أسماعهم خشية أن تتلى عليهم آيات تقع على أسماعهم وقع الصواعق المهلكة .قال ابن كثير : " وذهب ابن جرير ومن تبعه من المفسرين إلى أن هذين المثلين مضروبان لصنف واحد من المنافقين ، وتكون " أو " في قوله تعالى ( أَوْ كَصَيِّبٍ ) بمعنى الواو ، كقوله تعالى ( وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ) أو تكون للتخيير ، أي ، اضرب لهم مثلا بهذا وإن شئت بهذا ، أو للتساوى مثل : جالس الحسن أو ابن سيرين .

قلت : وهذا يكون باعتبار أجناس المنافقين ، فإنهم أصناف ولهم أحوال وصفات كما ذكرها الله تعالى في سورة براءة بقوله : ( وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لِّي ) ( وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ الله ) ( وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات ) الخ .

فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقة لأحوالهم وصفاتهم ."هذا ، ويرى فضيلة المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز .

أن المثلين لطائفتي الكافرين والمنافقين ، فالمثل الأول وهو قوله تعالى ( مثلهم كمثل الذين استوقد ناراً ) ينطبق تمام الانطباق على الأوصاف التي ذكرها الله للكافرين وأن الذي ينطبق على صفات المنافقين إنما هو المثل الثاني وحده وهو قوله تعالى ( أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ .

.

.

) فقد ضرب الله لكلتا الطائفتين مثلا يناسبها .قال فضيلته : فضرب مثلا للمصرّين المختوم على قلوبهم بقوم كانوا يسيرون في ظلام الليل فيهم رجل استوقد لهم ناراً يهتدون بضوئها ، فلما أضاءت ما حوله لم يفتح بعض القوم أعينهم لهذا الضوء الباهر ، بل لأمر ما سلبوا نور أبصارهم ، وتعطلت سائر حواسهم عند هذه المفاجأة ، فذلك مثل النور الذي طلع به محمد صلى الله عليه وسلم في تلك الأمة على فترة من الرسل ، فتفتحت له البصائر المستنيرة هنا وهناك ، لكنه لم يوافق أهواء المستكبرين الذين ألفوا العيش في ظلام الجاهلية ، فلم يرفعوا له رأسا بل نكسوا على رؤسهم ، ولم يفتحو له عيناً بل خروا عليه صما وعمياناً .وضرب مثلا للمترددين المخادعين بقوم جامتهم السماء بغيث منهمر في ليلة ذات رعد وبرق ، فأما الغيث فلم يلقوا له بالا ولم ينالوا منه نيلا ، فلا شربوا منه قطرة ، ولا استنبتوا به ثمرة .

.

وأما تلك التقلبات الجوية من الظلمات والرعد والبرق فكانت هي مثار اهتمامهم ، ومناط تفكيرهم ، ولذلك جعلوا يترصدونها ، ويدبرون أمورهم على وفقها ، لابسين لكل حال لبوسهها : سيراً تارة ، ووقوفاً تارة ، واختفاء تارة أخرى .فكانوا إذا رأوا عرضاً قريباً وسفراً قاصداً وبرقت لهم ( بروق ) الأمل في الغنيمة ساروا مع المؤمنين جنباً إلى جنب ، وإذا دارت رحا الحرب وانقضت صواعقها منذرة بالموت والهزيمة أخذوا حذرهم وفروا من وجه العدو قائلين " إن بيوتنا عورة " حتى إذا كانت الثالثة فلم يلمحوا من الآمال بارقة ولم يتوقعوا من الآلام صاعقة ، بل اشتبهت عليهم الأمور فهناك يقفون متربصين لا يتقدمون ولا يتأخرون ، ولكن يلزمون شقة الحياد ريثما تنقشع سحابة الشك ( فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ الله قالوا أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قالوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ المؤمنين فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة وَلَن يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى المؤمنين ) ذلك دأب المنافقين في كل أمرهم ، إن توقعوا ربحاً عاجلاً التمسوه في أي صف وجدوه ، وإن توقعوا أذى كذلك تنكروا للفئة التي ينالهم في سبيلها شيء مكروه؛ وإذا أظلم عليهم الأمر قاموا بعيداً لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؛ أما الذي يؤمن بالله واليوم الآخر فإن له قبله واحدة يولى وجهه شطرها ، هي قبلة الحق لا يخشى فيها لومة لائم :وليس يبالي حين يقتل مسلما ...

على أي جنب كان في الله مصرعههذا هو رأي فضيلة الدكتور دراز ، وهو رأي مستساغ يتمشى مع روح الآيات وأهداف السورة ، وأياما كان فالمثلان يصوران أحوال المبطلين بصورة حسية واضحة تتجلى فيها بلاغة القرآن الكريم في إبراز المعاني المعقولة في صورة محسة واضحة من شأنها أن تهدي الناس إلى طريق الحق والرشاد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو المثل الثاني للمنافقين وكيفية المشابهة من وجوه: أحدها: أنه إذا حصل السحاب الذي فيه الظلمات والرعد والبرق واجتمع مع ظلمة السحاب ظلمة الليل وظلمة المطر عند ورود الصواعق عليهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت وأن البرق يكاد يخطف أبصارهم، فإذا أضاء لهم مشوا فيه، وإذا ذهب بقوا في ظلمة عظيمة فوقفوا متحيرين لأن من أصابه البرق في هذه الظلمات الثلاث ثم ذهب عنه تشتد حيرته.

وتعظم الظلمة في عينه، وتكون له مزية على من لم يزل في الظلمة، فشبه المنافقين في حيرتهم وجهلهم بالدين بهؤلاء الذين وصفهم، إذ كانوا لا يرون طريقاً ولا يهتدون.

وثانيها: أن المطر وإن كان نافعاً إلا أنه لما وجد في هذه الصورة مع هذه الأحوال الضارة صار النفع به زائلاً، فكذا إظهار الإيمان نافع للمنافق لو وافقه الباطن: فإذا فقد منه الإخلاص وحصل معه النفاق صار ضرراً في الدين.

وثالثها: أن من نزل به هذه الأمور مع الصواعق ظن المخلص منها أن يجعل أصابعه في أذنيه وذلك لا ينجيه مما يريده تعالى به من هلاك وموت، فلما تقرر ذلك في العادات شبه تعالى حال المنافقين في ظنهم أن إظهارهم للمؤمنين ما أظهروه ينفعهم، مع أن الأمر في الحقيقة ليس كذلك بما ذكر.

ورابعها: أن عادة المنافقين كانت هي التأخر عن الجهاد فراراً من الموت والقتل، فشبه الله حالهم في ذلك بحال من نزلت هذه الأمور به وأراد دفعها يجعل إصبعيه في أذنيه.

وخامسها: أن هؤلاء الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم وإن تخلصوا عن الموت في تلك الساعة فإن الموت والهلاك من ورائهم لا مخلص لهم منه فكذلك حال المنافقين في أن الذي يخوضون فيه لا يخلصهم من عذاب النار.

وسادسها: أن من هذا حاله فقد بلغ النهاية في الحيرة لاجتماع أنواع الظلمات وحصول أنواع المخافة، وحصل في المنافقين نهاية الحيرة في باب الدين ونهاية الخوف في الدنيا لأن المنافق يتصور في كل وقت أنه لو حصل الوقوف على باطنه لقتل، فلا يكاد الوجل والخوف يزول عن قلبه مع النفاق.

وسابعها: المراد من الصيب هو الإيمان والقرآن، والظلمات والرعد والبرق هو الأشياء الشاقة على المنافقين، وهي التكاليف الشاقة من الصلاة والصوم وترك الرياسات والجهاد مع الآباء والأمهات، وترك الأديان القديمة، والانقياد لمحمد صلى الله عليه وسلم مع شدة استنكافهم عن الانقياد له فكما أن الإنسان يبالغ في الاحتراز عن المطر الصيب الذي هو أشد الأشياء نفعاً بسبب هذه الأمور المقارنة، فكذا المنافقون يحترزون عن الإيمان والقرآن بسبب هذه الأمور المقارنة، والمراد من قوله: ﴿ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ ﴾ أنه متى حصل لهم شيء من المنافع، وهي عصمة أموالهم ودمائهم وحصول الغنائم لهم فإنهم يرغبون في الدين: ﴿ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ ﴾ أي متى لم يجدوا شيئاً من تلك المنافع فحينئذٍ يكرهون الإيمان ولا يرغبون فيه، فهذه الوجوه ظاهرة في التشبيه.

وبقي على الآية أسئلة وأجوبة.

السؤال الأول: أي التمثيلين أبلغ؟

والجواب: التمثيل الثاني، لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأغاليظ؛ ولذلك تراهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ.

السؤال الثاني: لم عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك؟

الجواب من وجوه: أحدها: لأن أو في أصلها تساوي شيئين فصاعداً في الشك، ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوي في غير الشك.

كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين تريد أنهما سيان في استصواب أن تجالس أيهما شئت، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً  ﴾ أي أن الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما، فكذا قوله: ﴿ أَوْ كَصَيّبٍ ﴾ معناه أن كيفية المنافقين شبيهة بكيفتي هاتين القصتين، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب، وإن مثلتها بهما جميعاً فكذلك.

وثانيها: إنما ذكر تعالى ذلك لأن المنافقين قسمان بعضهم يشبهون أصحاب النار، وبعضهم يشبهون أصحاب المطر، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى  ﴾ وقوله: ﴿ وَكَم مّن قَرْيَةٍ أهلكناها فَجَاءهَا بَأْسُنَا بياتا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ  ﴾ .

وثالثها: أو بمعنى بل قال تعالى: ﴿ وأرسلناه إلى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ  ﴾ .

ورابعها: أو بمعنى الواو كأنه قال وكصيب من السماء نظيره قوله تعالى: ﴿ أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم  ﴾ وقال الشاعر: وقد زعمت ليلى بأني فاجر *** لنفسي تقاها أو عليها فجورها وهذه الوجوه مطردة في قوله: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذلك فَهِىَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً  ﴾ السؤال الثالث: المشبه بالصيب والظلمات والرعد والبرق والصواعق ما هو؟

الجواب: لعلماء البيان هاهنا قولان: أحدهما: أن هذا تشبيه مفرق ومعناه أن يكون المثل مركباً من أمور والممثل يكون أيضاً مركباً من أمور ويكون كل واحد من المثل شبيهاً بكل واحد من الممثل، فهاهنا شبه دين الإسلام بالصيب، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يتعلق به من شبهات الكفار بالظلمات، وما فيه من الوعد والوعيد بالبرق والرعد؛ وما يصيب الكفرة من الفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق، والمعنى أو كمثل ذوي صيب، والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة: والقول الثاني: أنه تشبيه مركب، وهو الذي يشبه فيه إحدى الجملتين بالأخرى في أمر من الأمور وإن لم تكن آحاد إحدى الجملتين شبيهة بآحاد الجملة الأخرى وهاهنا المقصود تشبيه حيرة المنافقين في الدنيا والدين بحيرة من انطفت ناره بعد إيقادها، وبحيرة من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق، فإن قيل الذي كنت تقدره في التشبيه المفرق من حذف المضاف وهو قولك: أو كمثل ذوي صيب هل يقدر مثله في المركب، قلنا لولا طلب الراجع في قوله: ﴿ يَجْعَلُونَ أصابعهم فِي ءاذَانِهِم ﴾ ما يرجع إليه لما كان بنا حاجة إلى تقديره: السؤال الرابع: ما الصيب؟

الجواب: أنه المطر الذي يصوب، أي ينزل من صاب يصوب إذا نزل ومنه صوب رأسه إذا خفضه وقيل إنه من صاب يصوب إذا قصد، ولا يقال صيب إلا للمطر الجود.

كان عليه الصلاة والسلام يقول: «اللهم اجعله صيباً هنيئاً» أي مطراً جوداً وأيضاً يقال للسحاب صيب قال الشماخ: وأسحم دان صادق الوعد صيب *** وتنكير صيب لأنه أريد نوع من المطر شديد هائل، كما تنكرت النار في التمثيل الأول، وقرئ أو كصائب وصيب أبلغ: والسماء هذه المظلة.

السؤال الخامس: قوله من السماء.

ما الفائدة فيه والصيب لا يكون إلا من السماء؟

الجواب من وجهين: الأول: لو قال: أو كصيب فيه ظلمات.

احتمل أن يكون ذلك الصيب نازلاً من بعض جوانب السماء دون بعض، أما لما قال من السماء دل على أنه عام مطبق آخذ بآفاق السماء فكما حصل في لفظ الصيب مبالغات من جهة التركيب والتنكير أيد ذلك بأن جعله مطبقاً.

الثاني: من الناس من قال: المطر إنما يحصل من ارتفاع أبخرة رطبة من الأرض إلى الهواء فتنعقد هناك من شدة برد الهواء ثم تنزل مرة أخرى، فذاك هو المطر ثم إن الله سبحانه وتعالى أبطل ذلك المذهب هاهنا بأن بين أن ذلك الصيب نزل من السماء، كذا قوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً  ﴾ وقوله: ﴿ وَيُنَزّلُ مِنَ السماء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ  ﴾ السؤال السادس: ما الرعد والبرق؟

الجواب: الرعد الصوت الذي يسمع من السحاب كأن أجرام السحاب تضطرب وتنتقض وترتعد إذا أخذتها الريح فصوت عند ذلك من الارتعاد والبرق الذي يلمع من السحاب من برق الشيء بريقاً إذا لمع.

السؤال السابع: الصيب هو المطر والسحاب فأيهما أريد فما ظلماته؟

الجواب: أما ظلمات السحاب فإذا كان أسحم مطبقاً فظلمته سحمته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل، وأما ظلمة المطر فظلمته تكاثفه وانسجامه بتتابع القطر وظلمته إظلال الغمامة مع ظلمة الليل.

السؤال الثامن: كيف يكون المطر مكاناً للرعد والبرق وإنما مكانهما السحاب.

الجواب: لما كان التعليق بين السحاب والمطر شديداً جاز إجراء أحدهما مجرى الآخر في الأحكام.

السؤال التاسع: هلا قيل رعود وبروق كما قيل ظلمات؟

الجواب: الفرق أنه حصلت أنواع مختلفة من الظلمات على الاجتماع فاحتيج إلى صيغة الجمع، أما الرعد فإنه نوع واحد، وكذا البرق ولا يمكن اجتماع أنواع الرعد والبرق في السحاب الواحد فلا جرم لم يذكر فيه لفظ الجمع.

السؤال العاشر: لم جاءت هذه الأشياء منكرات.

الجواب: لأن المراد أنواع منها، كأنه قيل فيه ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف.

السؤال الحادي عشر: إلى ماذا يرجع الضمير في يجعلون.

الجواب: إلى أصحاب الصيب وهو وإن كان محذوفاً في اللفظ لكنه باقٍ في المعنى ولا محل لقوله يجعلون لكونه مستأنفاً لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدة والهول فكأن قائلاً قال فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد فقيل يجعلون أصابعهم في آذانهم ثم قال فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق فقال: ﴿ يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أبصارهم ﴾ السؤال الثاني عشر: رءوس الأصابع هي التي تجعل في الآذان فهلا قيل أناملهم؟

الجواب المذكور وإن كان هو الأصبع لكن المراد بعضه كما في قوله: ﴿ فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا  ﴾ المراد بعضهما.

السؤال الثالث عشر: ما الصاعقة؟

الجواب: إنها قصف رعد ينقض منها شعلة من نار وهي نار لطيفة قوية لا تمر بشيء إلا أتت عليه إلا أنها مع قوتها سريعة الخمود.

السؤال الرابع عشر: ما إحاطة الله بالكافرين.

الجواب: إنه مجاز والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة ثم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه عالم بهم قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَيء عِلْمَا  ﴾ .

وثانيها: قدرته مستولية عليهم ﴿ والله مِن وَرَاءهُم مُحِيطٌ  ﴾ .

وثالثها: يهلكهم من قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ  ﴾ السؤال الخامس عشر: ما الخطف.

الجواب: أنه الأخذ بسرعة، وقرأ مجاهد يخطِف بكسر الطاء، والفتح أفصح، وعن ابن مسعود يختطف وعن الحسن يَخَطف بفتح الياء والخاء وأصله يختطف، وعنه يخطف بكسرهما على اتباع الياء الخاء، وعن زيد بن علي: يخطف من خطف وعن أبي يتخطف من قوله: ﴿ وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِم  ﴾ أما قوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ ﴾ فهو استئناف ثالث كأنه جواب لمن يقول كيف يصنعون في حالتي ظهور البرق وخفائه، والمقصود تمثيل شدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون إذا صادفوا من البرق خفقة مع خوف أن يخطف أبصارهم انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة، فإذا خفي وفتر لمعانه بقوا واقفين متقيدين عن الحركة، ولو شاء الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم، وفي ضوء البرد فأعماهم.

وأضاء إما متعدٍ بمعنى كلما نور لهم مسلكاً أخذوه، فالمفعول محذوف، وإما غير متعدٍ بمعنى كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة كلما ضاء فإن قيل كيف قال مع الإضاءة كلما، ومع الإظلام إذا: قلنا لأنهم حراص على إمكان المشيء، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها وليس كذلك التوقف، والأقرب في أظلم أن يكون غير متعدٍ وهو الظاهر، ومعنى قاموا وقفوا وثبتوا في مكانهم، ومنه قامت السوق، وقام الماء جمد، ومفعول شاء محذوف لأن الجواب يدل عليه والمعنى ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بهما وهاهنا مسألة، وهي أن المشهور أن لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، ومنهم من أنكر ذلك وزعم أنها لا تفيد إلا الربط واحتج عليه بالآية والخبر، أما الآية فقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ  ﴾ فلو أفادت كلمة لو انتفاء الشيء لا انتفاء غيره للزم التناقض لأن قوله: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لاسْمَعَهُمْ ﴾ يقتضي أنه ما علم فيهم خيراً وما أسمعهم وقوله: ﴿ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ﴾ يفيد أنه تعالى ما أسمعهم وأنهم ما تولوا ولكن عدم التولي خير فلزم أن يكون قد علم فيهم خيراً، وما علم فيهم خيراً وأما الخبر فقوله عليه السلام: «نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» فعلى مقتضى قولهم يلزم أنه خاف الله وعصاه وذلك متناقض، فقد علمنا أن كلمة لو لا تفيد إلا الربط والله أعلم.

وأما قوله: ﴿ إِنَّ الله على كُلِّ شَيء قَدِيرٌ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: منهم من استدل به على أن المعدوم شيء، قال: لأنه تعالى أثبت القدرة على الشيء، والموجود لا قدرة عليه لاستحالة إيجاد الموجود، فالذي عليه القدرة معدوم وهو شيء فالمعدوم شيء.

والجواب: لو صح هذا الكلام لزم أن ما لا يقدر الله عليه لا يكون شيئاً، فالموجود لما لم يقدر الله عليه وجب أن لا يكون شيئاً.

المسألة الثانية: احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء، قال لأنها تدل على أن كل شيء مقدور لله والله تعالى ليس بمقدور له، فوجب أن لا يكون شيئاً، واحتج أيضاً على ذلك بقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء  ﴾ قال لو كان هو تعالى شيئاً لكان تعالى مثل نفسه فكان يكذب قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء ﴾ فوجب أن لا يكون شيئاً حتى لا تتناقض هذه الآية، واعلم أن هذا الخلاف في الاسم، لأنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم، واحتج أصحابنا بوجهين: الأول: قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَىُّ شَيء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله  ﴾ والثاني: قوله تعالى: ﴿ كُلُّ شَيء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ  ﴾ والمستثنى داخل في المستثنى منه فيجب أن يكون شيئاً.

المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن مقدور العبد مقدور لله تعالى خلافاً لأبي علي وأبي هاشم، وجه الاستدلال أن مقدور العبد شيء، وكل شيء مقدور لله تعالى بهذه الآية فيلزم أن يكون مقدور العبد مقدوراً لله تعالى.

المسألة الرابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المحدث حال حدوثه مقدور لله خلافاً للمعتزلة، فإنهم يقولون: الاستطاعة قبل الفعل محال، فالشيء إنما يكون مقدوراً قبل حدوثه، وبيان استدلال الأصحاب أن المحدث حال وجوده شيء، وكل شيء مقدور، وهذا الدليل يقتضي كون الباقي مقدوراً ترك العمل به فبقي معمولاً به في محل النزاع، لأنه حال البقاء مقدوره، على معنى أنه تعالى قادر على إعدامه، أما حال الحدوث، فيستحيل أن يقدر الله على إعدامه لاستحالة أن يصير معدوماً في أول زمان وجوده، فلم يبق إلا أن يكون قادراً على إيجاده.

المسألة الخامسة: تخصيص العام جائز في الجملة، وأيضاً تخصيص العام جائز بدليل العقل، لأن قوله: ﴿ والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ  ﴾ يقتضي أن يكون قادراً على نفسه ثم خص بدليل العقل، فإن قيل إذا كان اللفظ موضوعاً للكل ثم تبين أنه غير صادق في الكل كان هذا كذباً، وذلك يوجب الطعن في القرآن، قلنا: لفظ الكل كما أنه يستعمل في المجموع.

فقد يستعمل مجازاً في الأكثر، وإذا كان ذلك مجازاً مشهوراً في اللغة لم يكن استعمال اللفظ فيه كذباً والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ثم ثنى الله سبحانه في شأنهم بتمثيل آخر ليكون كشفاً لحالهم بعد كشف، وإيضاحاً غب إيضاح.

وكما يجب على البليغ في مظانّ الإجمال والإيجاز أن يجمل ويوجز؛ فكذلك الواجب عليه في موارد التفصيل والإشباع أن يفصل ويشبع.

أنشد الجاحظ: يوحُونَ بالخُطَبِ الطِّوَالِ وتَارَةً ** وَحْيَ المُلاَحِظِ خِيفةَ الرُُّقَباء ومما ثنى من التمثيل في التنزيل قوله: ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور، وما يستوي الأحياء ولا الأموات ﴾ [فاطر: 21] وألا ترى إلى ذي الرمّة كيف صنع في قصيدته؟

أَذَاكَ أَمْ نَمَشٌ بالْوَشْيِ أَكْرَعُه أَذَاكَ أَمْ خَاضِبٌ بالسَّيِّ مَرْتَعُهُُ فإن قلت: قد شبه المنافق في التمثيل الأوّل بالمستوقد ناراً، وإظهاره الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار، فما ذا شبه في التمثيل الثاني بالصيب وبالظلمات وبالرعد وبالبرق وبالصواعق؟

قلت: لقائل أن يقول: شبه دين الإسلام بالصيب، لأنّ القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر.

وما يتعلق به من شبه الكفار بالظلمات.

وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق.

وما يصيب الكفرة من الأفزاع والبلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق.

والمعنى: أو كمثل ذوي صيب.

والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة فلقوا منها ما لقوا.

فإن قلت: هذا تشبيه أشياء بأشياء فأين ذكر المشبهات؟

وهلا صرح به كما في قوله: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَلاَ المسيء ﴾ [غافر: 58] ، وفي قول امرئ القيس: كأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً ويابِساً ** لَدَى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البَالِي؟

قلت: كما جاء ذلك صريحاً فقد جاء مطوياً ذكره على سنن الاستعارة، كقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَسْتَوِى البحران هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ ﴾ [فاطر: 12] ، ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون وَرَجُلاً سَلَماً لّرَجُلٍ ﴾ [الزمر: 39] ، والصحيح الذي عليه علماء البيان لا يتخطونه: أنّ التمثيلين جميعاً من جملة التمثيلات المركبة دون المفرّقة، لا يتكلف الواحد واحد شيء يقدر شبهه به، وهو القول الفحل والمذهب الجزل، بيانه: أنّ العرب تأخذ أشياء فرادى، معزولاً بعضها من بعض، لم يأخذ هذا بحجزة ذاك فتشبهها بنظائرها، كما فعل امرؤ القيس وجاء في القرآن، وتشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامّت وتلاصقت حتى عادت شيئاً واحداً، بأخرى مثلها كقوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الذين حُمّلُواْ التوراة ﴾ [الجمعة: 5] الآية.

الغرض تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة وآياتها الباهرة، بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة، وتساوي الحالتين عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأوقار، لا يشعر من ذلك إلا بما يمرّ بدفيه من الكدّ والتعب.

وكقوله: ﴿ واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا كَمَاء أنزلناه مِنَ السماء ﴾ [الكهف: 45] المراد قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة بقاء الخضر.

فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض ومصيرة شيئاً واحداً، فلا.

فكذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة شبهت حيرتهم وشدّة الأمر عليهم بما يكابد من طفئت ناره بعد إيقادها في ظلمة الليل، وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق.

فإن قلت: الذي كنت تقدّره في المفرّق من التشبيه من حذف المضاف وهو قولك: (أو كمثل ذوي صيب) هل تقدّر مثله في المركب منه؟

قلت: لولا طلب الراجع في قوله تعالى: ﴿ يَجْعَلُونَ أصابعهم فِي ءاذَانِهِم ﴾ ما يرجع إليه لكنت مستغنياً عن تقديره؛ لأني أراعي الكيفية المنتزعة من مجموع الكلام فلا عليّ أوَلِيَ حرف التشبيه مفرد يتأتى التشبيه به أم لم يله.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا ﴾ [يس: 24] الآية، كيف ولي الماء الكاف، وليس الغرض تشبيه الدنيا بالماء ولا بمفرد آخر يتمحل لتقديره.

ومما هو بين في هذا قول لبيد: وما النَّاسُ إلاّ كالدِّيَارِ وأَهْلُهَا ** بِهَا يَوْمَ حَلُّوهَا وغَدْواً بَلاَقِعُ لم يشبه الناس بالديار، وإنما شبه وجودهم في الدنيا وسرعة زوالهم وفنائهم، بحلول أهل الديار فيها ووشك نهوضهم عنها، وتركها خلاء خاوية.

فإن قلت: أي التمثيلين أبلغ؟

قلت: الثاني، لأنه أدل على فرط الحيرة وشدّة الأمر وفظاعته، ولذلك أُخر، وهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ.

فإن قلت: لم عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك؟

قلت: أو في أصلها لتساوي شيئين فصاعداً في الشك، ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوي في غير الشك، وذلك قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، تريد أنهما سيان في استصواب أن يجالسا، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً ﴾ [الإنسان: 24] ، أي الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما، فكذلك قوله: ﴿ أَوْ كَصَيّبٍ ﴾ معناه أن كيفية قصة المنافقين مشبهة لكيفيتي هاتين القصتين، وأن القصتين سواء في استقلال كل واحدة منهما بوجه التمثيل، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب، وإن مثلتها بهما جميعاً فكذلك.

والصيب: المطر الذي يصوّب، أي ينزل ويقع.

ويقال للسحاب: صيب أيضاً.

قال الشماخ: وأَسْحَمَ دَانٍ صَادِقِ الرَّعْدِ صَيِّبِ وتنكير صيب لأنه أريد نوع من المطر شديد هائل.

كما نكرت النار في التمثيل الأول.

وقرئ: كصائب، والصيب أبلغ.

والسماء: هذه المظلة.

وعن الحسن: أنها موج مكفوف.

فإن قلت: قوله: ﴿ مّنَ السماء ﴾ ما الفائدة في ذكره؟

والصيب لا يكون إلا من السماء.

قلت: الفائدة فيه أنه جاء بالسماء معرفة فنفى أن يتصوّب من سماء، أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق، لأنّ كل أفق من آفاقها سماء، كما أن كل طبقة من الطباق سماء في قوله: ﴿ وأوحى فِي كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا ﴾ [فصلت: 12] .

الدليل عليه قوله: ومِنْ بُعْدِ أَرْضٍ بَيْنَنا وسَمَاءِ والمعنى أنه غمام مطبق آخذ بآفاق السماء، كما جاء بصيب.

وفيه مبالغات من جهة التركيب والبناء والتنكير.

أمد ذلك بأن جعله مطلقاً.

وفيه أن السحاب من السماء ينحدر ومنها يأخذ ماءه، لا كزعم من يزعم أنه يأخذه من البحر.

ويؤيده قوله تعالى: ﴿ وَيُنَزّلُ مِنَ السماء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ ﴾ [النور: 43] فإن قلت: بم ارتفع ظلمات؟

قلت: بالظرف على الاتفاق لاعتماده على موصوف.

والرعد: الصوت الذي يسمع من السحاب، كأن أجرام السحاب تضطرب وتنتفض إذا حدتها الريح فتصوّت عند ذلك من الارتعاد.

والبرق الذي يلمع من السحاب، من برق الشيء بريقاً إذا لمع.

فإن قلت: قد جعل الصيب مكاناً للظلمات فلا يخلو من أن يراد به السحاب أو المطر، فأيهما أريد فما ظلماته؟

قلت: أما ظلمات السحاب فإذا كان أسحم مطبقاً فظلمتا سجمته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل.

وأما ظلمات المطر فظلمة تكاثفه وانتساجه بتتابع القطر، وظلمة إظلال غمامه مع ظلمة الليل.

فإن قلت: كيف يكون المطر مكاناً للبرق والرعد وإنما مكانهما السحاب؟

قلت إذا كانا في أعلاه ومصبه وملتبسين في الجملة فهما فيه.

ألا تراك تقول: فلان في البلد، وما هو منه إلا في حيز يشغله جرمه.

فإن قلت: هلا جمع الرعد والبرق أخذاً بالأبلغ كقول البحتري: يَا عَارِضاً مُتَلفِّعاً بُبُرودِهِ ** يَخْتَالُ بَيْنَ بُرُوقِهِ ورُعُودِهِ وكما قيل ظلمات؟

قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يراد العينان، ولكنهما لما كانا مصدرين في الأصل يقال: رعدت السماء رعداً وبرقت برقاً، روعى حكم أصلهما بأن ترك جمعهما وإن أريد معنى الجمع.

والثاني: أن يراد الحدثان كأنه قيل: وإرعاد وإبراق.

وإنما جاءت هذه الأشياء منكرات، لأن المراد أنواع منها، كأنه قيل: فيه ظلمات داجية، ورعد قاصف، وبرق خاطب.

وجاز رجوع الضمير في يجعلون إلى أصحاب الصيب مع كونه محذوفاً قائماً مقامه الصيب، كما قال: ﴿ أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴾ [الأعراف: 4] .

لأن المحذوف باق معناه وإن سقط لفظه.

ألا ترى إلى حسان كيف عوّل على بقاء معناه في قوله: يُسْقَوْنَ مِنْ وِرْدِ البريص عليْهِمُ ** بَرَدَى يُصَفِّقُ بالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ حيث ذكر يصفق؛ لأن المعنى؛ ماء بردى، ولا محل لقوله: ﴿ يَجْعَلُونَ ﴾ لكونه مستأنفاً، لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدّة والهول، فكأن قائلاً قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟

فقيل: ﴿ يَجْعَلُونَ أصابعهم فِي ءاذَانِهِم ﴾ ثم قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق؟

فقيل: يكاد البرق يخطف أبصارهم.

فإن قلت: مرأَيس الأصبع هو الذي يجعل في الأذن فهلا قيل أناملهم؟

قلت: هذا من الاتساعات في اللغة التي لا يكاد الحاصر يحصرها، كقوله: ﴿ فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيَّدِيَكُم ﴾ [المائدة: 6] ، ﴿ فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ [المائدة: 6] أراد البعض الذي هو إلى المرفق والذي إلى الرسغ.

وأيضاً ففي ذكر الأصابع من المبالغة ما ليس في ذكر الأنامل.

فإن قلت: فالأصبع التي تسدّ بها الأذن أصبع خاصة، فلم ذكر الاسم العام دون الخاص؟

قلت: لأن السبابة فعالة من السب فكان اجتنابها أولى بآداب القرآن.

ألا ترى أنهم قد استبشعوها فكنوا عنها بالمسبحة والسباحة والمهللة والدّعاءة.

فإن قلت: فهلا ذكر بعض هذه الكنايات؟

قلت: هي ألفاظ مستحدثة لم يتعارفها الناس في ذلك العهد، وإنما أحدثوها بعد.

وقوله: ﴿ مّنَ الصواعق ﴾ متعلق بيجعلون، أي: من أجل الصواعق يجعلون أصابعهم في آذانهم، كقولك: سقاه من العيمة.

والصاعقة: قصفة رعد تنقض معها شقة من نار، قالوا: تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه، وهي نار لطيفة حديدة.

لا تمرّ بشيء إلا أتت عليه، إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود.

يحكى أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو النصف ثم طفئت.

ويقال: صعقته الصاعقة إذا أهلكته، فصعق؛ أي مات إما بشدة الصوت أو بالإحراق.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَخَرَّ موسى صَعِقًا ﴾ [الأعراف: 143] .

وقرأ الحسن: ﴿ من الصواقع ﴾ ؛ وليس بقلب للصواعق، لأنّ كلا البنائين سواء في التصرف، وإذا استويا كان كل واحد بناء على حياله.

ألا تراك تقول: صقعه على رأسه، وصقع الديك، وخطيب مصقع: مجهر بخطبته.

ونظيره (جبذ) في (جذب) ليس بقلبه لاستوائهما في التصرف.

وبناؤها إما أن يكون صفة لقصفة الرعد، أو للرعد، والتاء مبالغة كما في الراوية، أو مصدراً كالكاذبة والعافية.

وقرأ ابن أبي ليلى: حذار الموت، وانتصب على أنه مفعول له كقوله: وأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَرِيمِ ادِّخَارَهُ والموت فساد بنية الحيوان.

وقيل: عرض لا يصح معه إحساس معاقب للحياة.

وإحاطة الله بالكافرين مجاز.

والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة.

وهذه الجملة اعتراض لا محل لها.

والخطف: الأخذ بسرعة.

وقرأ مجاهد ﴿ يخطف ﴾ بكسر الطاء، والفتح أفصح وأعلى، وعن ابن مسعود: يختطف.

وعن الحسن: يخطف، بفتح الياء والخاء، وأصله يختطف.

وعنه: يخطف، بكسرهما على إتباع الياء الخاء.

وعن زيد بن علي: يخطف، من خطف.

وعن أبيّ: ﴿ يتخطف ﴾ ، من قوله: ﴿ وتخطفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾ [العنكبوت: 67] .

﴿ كُلَّمَا أَضآءَ لَهُم ﴾ استئناف ثالث كأنه جواب لمن يقول: كيف يصنعون في تارتي خفوق البرق وخفيته؟

وهذا تمثيل لشدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون، إذا صادفوا من البرق خفقة، مع خوف أن يخطف أبصارهم، انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة، فإذا خفى وفتر لمعانه بقوا واقفين متقيدين عن الحركة، ولو شاء الله لزاد في قصيف الرعد فأصمهم، أو في ضوء البرق فأعماهم.

وأضاء: إما متعد بمعنى: كلما نوّر لهم ممشى ومسلكاً أخذوه والمفعول محذوف.

وإما غير متعد بمعنى: كلما لمع لهم ﴿ مَّشَوْاْ ﴾ في مطرح نوره وملقى ضوئه.

ويعضده قراءة ابن أبي عبلة: كلما ضاء لهم والمشي: جنس الحركة المخصوصة.

فإذا اشتد فهو سعي.

فإذا ازداد فهو عدو.

فإن قلت: كيف قيل مع الإضاءة: كلما، ومع الإظلام: إذا؟

قلت: لأنهم حراص على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي وتأتيه، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها، وليس كذلك التوقف والتحبس.

وأظلم: يحتمل أن يكون غير متعد وهو الظاهر، وأن يكون متعدياً منقولاً من ظلم الليل.

وتشهد له قراءة يزيد بن قطيب: أظلم، على ما لم يسم فاعله.

وجاء في شعر حبيب بن أوس: هُمَا أَظْلَمَا حالَيَّ ثُمَّتَ أَجْلَيَا ** ظَلاَمَيْهُما عنْ وَجْهِ أَمْرَدَ أشْيَبِ وهو وإن كان محدثاً لا يستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه.

ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل عليه بيت الحماسة، فيقتنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه.

ومعنى ﴿ قَامُواْ ﴾ وقفوا وثبتوا في مكانهم.

ومنه: قامت السوق، إذا ركدت وقام الماء: جمد.

ومفعول ﴿ شَآءَ ﴾ محذوف، لأن الجواب يدل عليه، والمعنى: ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها، ولقد تكاثر هذا الحذف في (شاء) و (أراد) لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب كنحو قوله: فَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَبْكِي دَماً لَبَكَيْتُهُ وقوله تعالى: ﴿ لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاتخذناه مِن لَّدُنَّا ﴾ [الأنبياء: 17] ﴿ لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً ﴾ [الزمر: 4] .

وأراد: ولو شاء الله لذهب بسمعهم بقصيف الرعد، وأبصارهم بوميض البرق.

وقرأ ابن أبي عبلة: لأذهب بأسماعهم، بزيادة الباء كقوله: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ ﴾ [البقرة: 195] .

والشيء: ما صح أن يعلم ويخبر عنه.

قال سيبويه في ساقة الباب المترجم بباب مجاري أواخر الكلم من العربية: وإنما يخرج التأنيث من التذكير.

ألا ترى أن الشيء يقع على كل ما أخبر عنه من قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى؟، والشيء: مذكر، وهو أعم العام: كما أن الله أخص الخاص يجري على الجسم والعرض والقديم.

تقول: شيء لا كالأشياء؛ أي معلوم لا كسائر المعلومات، وعلى المعدوم والمحال فإن قلت: كيف قيل: ﴿ على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ وفي الأشياء ما لا تعلق به للقادر كالمستحيل وفعل قادر آخر؟

قلت: مشروط في حد القادر أن لا يكون الفعل مستحيلاً؛ فالمستحيل مستثنى في نفسه عند ذكر القادر على الأشياء كلها، فكأنه قيل: على كل شيء مستقيم قدير.

ونظيره: فلان أمير على الناس أي على من وراءه منهم، ولم يدخل فيهم نفسه وإن كان من جملة الناس.

وأما الفعل بين قادرين فمختلف فيه.

فإن قلت: ممّ اشتقاق القدير؟

قلت: من التقدير، لأنه يوقع فعله على مقدار قوّته واستطاعته وما يتميز به عن العاجز.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ ثانٍ كَأنَّهُ جَوابٌ لِمَن يَقُولُ: ما حالُهم مَعَ تِلْكَ الصَّواعِقِ؟

وكادَ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ، وُضِعَتْ لِمُقارَبَةِ الخَبَرِ مِنَ الوُجُودِ لِعُرُوضِ سَبَبِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ، إمّا لِفَقْدِ شَرْطٍ، أوْ لِوُجُودِ مانِعٍ وعَسى مَوْضُوعَةٌ لِرَجائِهِ، فَهي خَبَرٌ مَحْضٌ ولِذَلِكَ جاءَتْ مُتَصَرِّفَةً بِخِلافِ عَسى، وخَبَرُها مَشْرُوطٌ فِيهِ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُضارِعًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ المَقْصُودُ بِالقُرْبِ مِن غَيْرِ أنْ، لِتَوْكِيدِ القُرْبِ بِالدَّلالَةِ عَلى الحالِ، وقَدْ تَدْخُلُ عَلَيْهِ حَمْلًا لَها عَلى عَسى، كَما تُحْمَلُ عَلَيْها بِالحَذْفِ مِن خَبَرِها لِمُشارَكَتِهِما في أصْلِ مَعْنى المُقارَبَةِ.

والخَطْفُ الأخْذُ بِسُرْعَةٍ وقُرِئَ (يَخْطِفُ) بِكَسْرِ الطّاءِ ويَخْطَفُ عَلى أنَّهُ يَخْتَطِفُ، فَنُقِلَتْ فَتْحَةُ التّاءِ إلى الخاءِ ثُمَّ أُدْغِمَتْ في الطّاءِ، ويَخْطِفُ بِكَسْرِ الخاءِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ واتِّباعِ الياءِ لَها، ويَخْطِفُ ويَتَخَطَّفُ.

﴿ كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا ﴾ اسْتِئْنافٌ ثالِثٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَفْعَلُونَ في تارَتَيْ خُفُوقِ البَرْقِ، وخِفْيَتِهِ؟

فَأُجِيبَ بِذَلِكَ.

وأضاءَ إمّا مُتَعَدٍّ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ بِمَعْنى كُلَّما نَوَّرَ لَهم مَمْشى أخَذُوهُ، أوْ لازِمٌ بِمَعْنًى، كُلَّما لَمَعَ لَهم مَشَوْا في مَطْرَحِ نُورِهِ، وكَذَلِكَ أظْلَمَ فَإنَّهُ جاءَ مُتَعَدِّيًا مَنقُولًا مِن ظُلْمِ اللَّيْلِ، ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَةُ أظْلَمَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَوْلُ أبِي تَمامٍ: هُما أظْلَما حالَيَّ ثَمَّةَ أجْلَيا...

ظَلامَيْهِما عَنْ وجْهِ أمْرَدَ أشْيَبِ فَإنَّهُ وإنْ كانَ مِنَ المُحْدَثِينَ لَكِنَّهُ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَجْعَلَ ما يَقُولُهُ بِمَنزِلَةِ ما يَرْوِيهِ.

وإنَّما قالَ مَعَ الإضاءَةِ (كُلَّما) ومَعَ الإظْلامِ (إذا) لِأنَّهم حُرّاصٌ عَلى المَشْيِ، فَكُلَّما صادَفُوا مِنهُ فُرْصَةً انْتَهَزُوها ولا كَذَلِكَ التَّوَقُّفُ.

ومَعْنى ﴿ قامُوا ﴾ وقَفُوا، ومِنهُ قامَتِ السُّوقُ إذا رَكَدَتْ، وقامَ الماءُ إذا جَمُدَ.

﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ ﴾ أيْ ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَذْهَبَ بِسَمْعِهِمْ بِقَصِيفِ الرَّعْدِ وأبْصارِهِمْ بِوَمِيضِ البَرْقِ لَذَهَبَ بِهِما، فَحُذِفَ المَفْعُولُ لِدَلالَةِ الجَوابِ عَلَيْهِ، ولَقَدْ تَكاثَرَ حَذْفُهُ في شاءَ وأرادَ حَتّى لا يَكادَ يَذَّكَّرُ إلّا في الشَّيْءِ المُسْتَغْرَبِ كَقَوْلِهِ: فَلَوْ شِئْتُ أنْ أبْكِيَ دَمًا لَبَكَيْتُهُ ﴿ وَلَوْ ﴾ مِن حُرُوفِ الشَّرْطِ، وظاهِرُها الدَّلالَةُ عَلى انْتِفاءِ الأوَّلِ لِانْتِفاءِ الثّانِي، ضَرُورَةُ انْتِفاءِ المَلْزُومِ عِنْدَ انْتِفاءِ لازِمِهِ، وقُرِئَ: لَأذْهَبَ بِأسْماعِهِمْ، بِزِيادَةِ الباءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ ﴾ .

وَفائِدَةُ هَذِهِ الشُّرْطِيَّةِ إبْداءُ المانِعِ لِذَهابِ سَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ مَعَ قِيامِ ما يَقْتَضِيهِ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ تَأْثِيرَ الأسْبابِ في مُسَبِّباتِها مَشْرُوطٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ وجُودَها مُرْتَبِطٌ بِأسْبابِها واقِعٌ بِقُدْرَتِهِ وقَوْلِهِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ كالتَّصْرِيحِ بِهِ والتَّقْرِيرِ لَهُ.

والشَّيْءُ يَخْتَصُّ بِالمَوْجُودِ، لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرَ شاءَ أُطْلِقَ بِمَعْنى شاءَ تارَةً، وحِينَئِذٍ يَتَناوَلُ البارِئَ تَعالى كَما قالَ: ﴿ قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ ﴾ وبِمَعْنى مُشِيءٍ أُخْرى، أيْ مُشِيءٌ وُجُودَهُ وما شاءَ اللَّهُ وُجُودَهُ فَهو مَوْجُودٌ في الجُمْلَةِ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

﴿ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ فَهُما عَلى عُمُومِهِما بِلا مَثْنَوِيَّةٍ.

والمُعْتَزِلَةُ لَمّا قالُوا الشَّيْءَ ما يَصِحُّ أنْ يُوجَدَ وهو يَعُمُّ الواجِبَ والمُمْكِنَ، أوْ ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ ويُخْبَرَ عَنْهُ فَيَعُمُّ المُمْتَنِعَ أيْضًا، لَزِمَهُمُ التَّخْصِيصُ بِالمُمْكِنِ في المَوْضِعَيْنِ بِدَلِيلِ العَقْلِ.

والقُدْرَةُ: هو التَّمَكُّنُ مِن إيجادِ الشَّيْءِ.

وقِيلَ صِفَةٌ تَقْتَضِي التَّمَكُّنَ، وقِيلَ قُدْرَةُ الإنْسانِ، هَيْئَةٌ بِها يُتَمَكَّنُ مِنَ الفِعْلِ، وقُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى: عِبارَةٌ عَنْ نَفْيِ العَجْزِ عَنْهُ، والقادِرُ هو الَّذِي إنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَفْعَلْ، والقَدِيرُ الفَعّالُ لِما يَشاءُ عَلى ما يَشاءُ ولِذَلِكَ قَلَّما يُوصَفُ بِهِ غَيْرُ البارِي تَعالى، واشْتِقاقُ القُدْرَةِ مِنَ القَدَرِ لِأنَّ القادِرَ يُوقِعُ الفِعْلَ عَلى مِقْدارِ قُوَّتِهِ، أوْ عَلى مِقْدارِ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الحادِثَ حالَ حُدُوثِهِ والمُمْكِنَ حالَ بَقائِهِ مَقْدُورانِ وأنَّ مَقْدُورَ العَبْدِ مَقْدُورٌ لِلَّهِ تَعالى، لِأنَّهُ شَيْءٌ وكُلُّ شَيْءٍ مَقْدُورٌ لِلَّهِ تَعالى.

والظّاهِرُ أنَّ التَّمْثِيلَيْنِ مِن جُمْلَةِ التَّمْثِيلاتِ المُؤَلَّفَةِ، وهو أنْ يُشَبِّهَ كَيْفِيَّةً مُنْتَزَعَةً مِن مَجْمُوعٍ تَضامَّتْ أجْزاؤُهُ وتَلاصَقَتْ حَتّى صارَتْ شَيْئًا واحِدًا بِأُخْرى مِثْلِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها ﴾ الآيَةَ، فَإنَّهُ تَشْبِيهُ حالِ اليَهُودِ في جَهْلِهِمْ بِما مَعَهم مِنَ التَّوْراةِ، بِحالِ الحِمارِ في جَهْلِهِ بِما يَحْمِلُ مِن أسْفارِ الحِكْمَةِ.

والغَرَضُ مِنهُما تَمْثِيلُ حالِ المُنافِقِينَ مِنَ الحَيْرَةِ والشِّدَّةِ، بِما يُكابِدُ مَنِ انْطَفَأتْ نارُهُ بَعْدَ إيقادِها في ظُلْمَةٍ، أوْ بِحالِ مَن أخَذَتْهُ السَّماءُ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ مَعَ رَعْدٍ قاصِفٍ وبَرْقٍ خاطِفٍ وخَوْفٍ مِنَ الصَّواعِقِ.

ويُمْكِنُ جَعْلُهُما مِن قَبِيلِ التَّمْثِيلِ المُفْرَدِ، وهو أنْ تَأْخُذَ أشْياءَ فُرادى فَتُشَبِّهَها بِأمْثالِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ ﴿ وَلا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ ﴾ ﴿ وَلا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ ﴾ وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا...

∗∗∗ لَدى وكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البالِي بِأنْ يُشَبِّهَ في الأوَّلِ: ذَواتَ المُنافِقِينَ بِالمُسْتَوْقِدِينَ، وإظْهارَهُمُ الإيمانَ بِاسْتِيقادِ النّارِ وما انْتَفَعُوا بِهِ مِن حَقْنِ الدِّماءِ وسَلامَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِإضاءَةِ النّارِ ما حَوْلَ المُسْتَوْقِدِينَ، وزَوالَ ذَلِكَ عَنْهم عَلى القُرْبِ بِإهْلاكِهِمْ وبِإفْشاءِ حالِهِمْ وإبْقائِهِمْ في الخَسارِ الدّائِمِ والعَذابِ السَّرْمَدِ بِإطْفاءِ نارِهِمْ والذَّهابِ بِنُورِهِمْ.

وَفِي الثّانِي: أنْفُسَهم بِأصْحابِ الصَّيِّبِ وإيمانَهُمُ المَخالِطَ بِالكُفْرِ والخِداعِ بِصَيِّبٍ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ، مِن حَيْثُ إنَّهُ وإنْ كانَ نافِعًا في نَفْسِهِ لَكِنَّهُ لَمّا وُجِدَ في هَذِهِ الصُّورَةِ عادَ نَفْعُهُ ضَرًّا ونِفاقُهم حَذَرًا عَنْ نِكاياتِ المُؤْمِنِينَ، وما يَطْرُقُونَ بِهِ مَن سِواهم مِنَ الكَفَرَةِ بِجَعْلِ الأصابِعِ في الآذانِ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ، مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَرُدُّ مِن قَدَرِ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا، ولا يَخْلُصُ مِمّا يُرِيدُ بِهِمْ مِنَ المَضارِّ وتَحَيُّرِهم لِشِدَّةِ الأمْرِ وجَهْلِهِمْ بِما يَأْتُونَ، ويُذْرُونَ بِأنَّهم كُلَّما صادَفُوا مِنَ البَرْقِ خَفْقَةً انْتَهَزُوها فُرْصَةً مَعَ خَوْفِ أنْ تَخْطِفَ أبْصارَهم فَخَطَوْا خُطًى يَسِيرَةً، ثُمَّ إذا خَفِيَ وفَتَرَ لَمَعانُهُ بَقُوا مُتَقَيِّدِينَ لا حَراكَ بِهِمْ.

وقِيلَ: شَبَّهَ الإيمانَ والقُرْآنَ وسائِرَ ما أُوتِيَ الإنْسانُ مِنَ المَعارِفِ الَّتِي هي سَبَبُ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ بِالصَّيِّبِ الَّذِي بِهِ حَياةُ الأرْضِ.

وما ارْتُكِبَتْ بِها مِنَ الشُّبَهِ المُبْطِلَةِ، واعْتَرَضَتْ دُونَها مِنَ الِاعْتِراضاتِ المُشَكِّكَةِ بِالظُّلُماتِ.

وشَبَّهَ ما فِيها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ بِالرَّعْدِ، وما فِيها مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ بِالبَرْقِ، وتَصامَّهم عَمّا يَسْمَعُونَ مِنَ الوَعِيدِ بِحالِ مَن يَهُولُهُ الرَّعْدُ فَيَخافُ صَواعِقَهُ فَيَسُدُّ أُذُنَيْهِ عَنْها مَعَ أنَّهُ لا خَلاصَ لَهم مِنها وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ ﴾ .

واهْتِزازَهم لِما يَلْمَعُ لَهم مِن رُشْدٍ يُدْرِكُونَهُ، أوْ رِفْدٍ تَطْمَحُ إلَيْهِ أبْصارُهم بِمَشْيِهِمْ في مَطْرَحِ ضَوْءِ البَرْقِ كُلَّما أضاءَ لَهُمْ، وتَحَيُّرَهم وتَوَقُّفَهم في الأمْرِ حِينَ تَعْرِضُ لَهم شُبْهَةٌ، أوْ تُعِنُّ لَهم مُصِيبَةٌ بِتَوَقُّفِهِمْ إذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ.

وَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ لَهُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ لِيَتَوَسَّلُوا بِها إلى الهُدى والفَلاحِ، ثُمَّ إنَّهم صَرَفُوها إلى الحُظُوظِ العاجِلَةِ، وسَدُّوها عَنِ الفَوائِدِ الآجِلَةِ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم بِالحالَةِ الَّتِي يَجْعَلُونَها لِأنْفُسِهِمْ، فَإنَّهُ عَلى ما يَشاءُ قَدِيرٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أبصارهم} الخطف الأخذ بسرعة وكاد يستعمل لتقريب الفعل جداً وموضع يخطف نصب لأنه خبر كاد {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم} كل ظرف وما نكرة موصوفة معناها الوقت والعائد محذوف أي كل وقت أضاء لهم فيه والعامل فيه جوابها وهو {مَّشَوْاْ فِيهِ} أي في ضوئه وهو استئناف ثالث كأنه جواب لمن يقول كيف يصنعون في تارتي خفوق البرق وخفيته وهذا تمثيل لشدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وماا هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون إذا صادفوا من البرق خفقة مع خوف أن يخطف أبصارهم انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة فإذا خفى وفتر لمعانه بقوا واقفين وأضاء متعد أى كلما نور لهم ممشى ومسلكاً أخذوه والمفعول محذوف أو غير متعدٍ أي كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره والمشي جنس الحركة المخصوصة فإذا اشتد فهو سعي فإذا ازداد فهو عدوٌ {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ} أظلم غير متعدٍ وذكر مع أضاء كلما ومع أظلم إذا لأنهم حراص على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها ولا كذلك التوقف {قَامُواْ} وقفوا وثبتوا

في مكانهم ومنه قام الماء إذا جمد {وَلَوْ شَاءَ الله لَذَهَبَ بسمعهم} يقصف الرعد {وأبصارهم} بوميض البرق ومفعول شاء محذوف لدلالة الجواب عليه أي ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بهما ولقد تكاثر هذا الحذف في شاء وأراد لا يكادون يبرزون المفعول إلا فى الشئ المستغرب كنحو قوله ...

فلو شئت أن أبكي دماً لبكيته ...

عليه ولكن ساحة الصبر أوسع ...

وقوله تعالى لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً وَلَوْ أَرَاد الله أن يتخذْ وَلَدًا {إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي إن الله قادر على كل شيء

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ حالُهم مَعَ ذَلِكَ البَرْقِ؟

فَقالَ: يَكادُ إلَخْ، وفي البَحْرِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ جَرٍّ لِذَوِي المَحْذُوفَةِ فِيما تَقَدَّمَ، (ويَكادُ) مُضارِعُ (كادَ) مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ، وتَدُلُّ عَلى قُرْبِ وُقُوعِ الخَبَرِ، وأنَّهُ لَمْ يَقَعْ، والأوَّلُ لِوُجُودِ أسْبابِهِ، والثّانِي لِمانِعٍ، أوْ فَقْدِ شَرْطٍ عَلى ما تَقْضِي العادَةُ بِهِ، والمَشْهُورُ أنَّها إنْ نُفِيَتْ أُثْبِتَتْ، وإنْ أُثْبِتَتْ نَفَتْ وألْغَزُوا بِذَلِكَ، ولَمْ يَرْتَضِ هَذا أبُو حَيّانَ، وصَحَّحَ أنَّها كَسائِرِ الأفْعالِ في أنَّ نَفْيَها نَفْيٌ وإثْباتَها إثْباتٌ، واللّامُ في البَرْقِ لِلْعَهْدِ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ، نَكِرَةٌ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى البَرْقِ الَّذِي مَعَ الصَّواعِقِ، أيْ بَرْقُها وهو كَما تَرى، وإسْنادُ الخَطْفِ وهو في الأصْلِ الأخْذُ بِسُرْعَةٍ أوِ الِاسْتِلابُ إلَيْهِ، مِن بابِ إسْنادِ الإحْراقِ إلى النّارِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُهُ قَرِيبًا، والشّائِعُ في خَبَرِ كادَ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُضارِعًا، غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِأنِ المَصْدَرِيَّةِ الِاسْتِقْبالِيَّةِ، أمّا المُضارِعُ فَلِدِلالَتِهِ عَلى الحالِ المُناسِبِ لِلْقُرْبِ، حَتّى كَأنَّهُ لِشِدَّةِ قُرْبِهِ وقَعَ، وأمّا أنَّهُ غَيْرُ مُقْتَرِنٍ بِأنْ فَلِمُنافاتِها لِما قَصَدُوا، ونَحْوُ: وأُبْتُ إلى فَهْمٍ، وما كِدْتُ آيِبًا، وكادَ الفَقْرُ أنْ يَكُونَ كُفْرًا، وقَدْ كادَ مِن طُولِ البِلى أنْ يُمَحِّصا، قَلِيلٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ (يَخْطِفُ) بِكَسْرِ الطّاءِ، والفَتْحُ أفْصَحُ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (يَخْتَطِفُ)، وعَنِ الحَسَنِ (يَخَطِّفُ) بِفَتْحِ الياءِ والخاءِ، وأصْلُهُ يَخْتَطِفُ فَأدْغَمَ التّاءَ في الطّاءِ، وعَنْ عاصِمٍ وقَتادَةَ والحَسَنِ أيْضًا (يَخِطِّفُ) بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ المُشَدَّدَةِ، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا، والأعْمَشِ (يِخِطِّفُ) بِكَسْرِ الثَّلاثَةِ، والتَّشْدِيدِ، وعَنْ زَيْدٍ (يُخَطِّفُ) بِضَمِّ الياءِ، وفَتْحِ الخاءِ، وكَسْرِ الطّاءِ المُشَدَّدَةِ، وهو تَكْثِيرُ مُبالَغَةٍ لا تَعْدِيَةٍ، وكَسْرُ الطّاءِ في الماضِي لُغَةُ قُرَيْشٍ، وهي اللُّغَةُ الجَيِّدَةُ.

﴿ كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا ﴾ اسْتِئْنافٌ ثالِثٌ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: إنَّهم مُبْتَلَوْنَ بِاسْتِمْرارِ تَجَدُّدِ خَطْفِ الأبْصارِ فُهِمَ مِنهُ أنَّهم مَشْغُولُونَ بِفِعْلِ ما يَحْتاجُ إلى الإبْصارِ ساعَةً فَساعَةً، وإلّا لَغَطَّوْها كَما سَدُّوا الآذانَ، فَسُئِلَ وقِيلَ: ما يَفْعَلُونَ في حالَتَيْ ومِيضِ البَرْقِ وعَدَمِهِ؟

فَأُجِيبَ: بِأنَّهم حُرّاصٌ عَلى المَشْيِ كُلَّما أضاءَ لَهُمُ اغْتَنَمُوهُ، ومَشَوْا، وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ تَوَقَّفُوا مُتَرَصِّدِينَ، وكُلَّما في هَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها مَنصُوبَةٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وناصِبُها (ما) هو جَوابٌ مَعْنًى، و(ما) حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ أوِ اسْمٌ نَكِرَةٌ بِمَعْنى وقْتٍ، فالجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَةٌ أوْ صِفَةٌ، وجُعِلَتْ شَرْطًا لِما فِيها مِن مَعْناهُ، وهي لِتَقْدِيرِ ما بَعْدَها بِنَكِرَةٍ تُفِيدُ عُمُومًا بَدَلِيًّا، ولِهَذا أفادَتْ كُلَّما التَّكْرارَ، كَما صَرَّحَ بِهِ الأُصُولِيُّونَ، وذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ النُّحاةِ، واللُّغَوِيِّينَ، واسْتِفادَةُ التَّكْرارِ مِن (إذا) وغَيْرِها مِن أدَواتِ الشَّرْطِ مِنَ القَرائِنِ الخارِجِيَّةِ عَلى الصَّحِيحِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: إذا وجَدْتُ أُوارَ الحُبِّ مِن كَبِدِي أقْبَلْتُ نَحْوَ سِقاءِ القَوْمِ أبْتَرِدُ وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ التَّكْرارَ الَّذِي ذَكَرَهُ الأُصُولِيُّونَ وغَيْرُهم في كُلَّما إنَّما جاءَ مِن عُمُومِ كُلٍّ، لا مِن وضْعِها، وهو مُخالِفٌ لِلْمَنقُولِ، والمَعْقُولِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَتْ هُنا في لازِمِ مَعْناها كِنايَةً أوْ مَجازًا، وهو الحِرْصُ والمَحَبَّةُ لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ ولِذا قالَ مَعَ الإضاءَةِ كُلَّما، ومَعَ الإظْلامِ إذا، وقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ التَّكْرارَ مَتى فُهِمَ مِن كُلَّما هُنا لَزِمَ مِنهُ التَّكْرارُ في إذا، إذِ الأمْرُ دائِرٌ بَيْنَ إضاءَةِ البَرْقِ والإظْلامِ، ومَتّى وُجِدَ ذا فُقِدَ ذا، فَلَزِمَ مِن تَكْرارِ وُجُودِ ذا تَكْرارُ عَدَمِ ذا غَفْلَةً عَمّا أرادُوهُ مِن هَذا المَعْنى الكِنائِيِّ والمَجازِيِّ، وأضاءَ إمّا مُتَعَدٍّ كَما في قَوْلِهِ: أعِدْ نَظَرًا يا عَبْدَ قَيْسٍ لَعَلَّما ∗∗∗ أضاءَتْ لَكَ النّارُ الحِمارَ المُقَيَّدا والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ كُلَّما أضاءَ لَهم مَمْشًى مَشَوْا فِيهِ، وسَلَكُوهُ، وإمّا لازِمٌ، ويُقَدَّرُ حِينَئِذٍ مُضافانِ أيْ كُلَّما لَمَعَ لَهم مَشَوْا في مَطْرَحِ ضَوْئِهِ، ولا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ، إذْ لَيْسَ المَشْيُ في البَرْقِ، بَلْ في مَحَلِّهِ ومَوْضِعِ إشْراقِ ضَوْئِهِ، وكَوْنُ (فِي) لِلتَّعْلِيلِ، والمَعْنى مَشَوْا لِأجْلِ الإضاءَةِ فِيهِ، يَتَوَقَّفُ فِيهِ مَن لَهُ ذَوْقٌ في العَرَبِيَّةِ، ويُؤَيِّدُ اللُّزُومَ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ (ضاءَ) ثُلاثِيًّا، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ بَدَلَ ﴿ مَشَوْا فِيهِ ﴾ مَضَوْا فِيهِ، ولِلْإشارَةِ إلى ضَعْفِ قُواهم لِمَزِيدِ خَوْفِهِمْ ودَهْشَتِهِمْ، لَمْ يَأْتِ سُبْحانَهُ بِما يَدُلُّ عَلى السُّرْعَةِ، ولَمّا حَذَفَ مَفْعُولَ أضاءَ، وكانَتِ النَّكِرَةُ أصْلًا أشارَ إلى أنَّهم لِفَرْطِ الحَيْرَةِ كانُوا يَخْبِطُونَ خَبْطَ عَشْواءَ، ويَمْشُونَ كُلَّ مَمْشًى، ومَعْنى ﴿ أظْلَمَ عَلَيْهِمْ ﴾ اخْتَفى عَنْهُمْ، والمَشْهُورُ اسْتِعْمالُ أظْلَمَ لازِمًا، وذَكَرَ الأزْهَرِيُّ وناهِيكَ بِهِ في التَّهْذِيبِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن أوْصافِ الظُّلْمِ يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، وعَلى احْتِمالِ التَّعَدِّي هُنا، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ قُطَيْبٍ والضَّحّاكِ (أُظْلِمَ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ مَعَ اتِّفاقِ النُّحاةِ عَلى أنَّ المُطَّرِدَ بِناءُ المَجْهُولِ مِنَ المُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ، يَكُونُ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا، أيْ إذا أظْلَمَ البَرْقُ بِسَبَبِ خَفائِهِ مُعايَنَةَ الطَّرِيقِ قامُوا، أيْ وقَفُوا عَنِ المَشْيِ، ويُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ الكَسادِ، ومِنهُ قامَتِ السُّوقُ، وفي ضِدِّهِ يُقالُ: مَشَتِ الحالُ، ﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى مَجْمُوعِ الجُمَلِ الِاسْتِئْنافِيَّةِ، ولَمْ يَجْعَلُوها مَعْطُوفَةً عَلى الأقْرَبِ، ومِن تَتِمَّتِهِ لِخُرُوجِها عَنِ التَّمْثِيلِ، وعَدَمِ صَلاحِيَّتِها لِلْجَوابِ، وعَطْفُ ما لَيْسَ بِجَوابٍ عَلى الجَوابِ لَيْسَ بِصَوابٍ، وجَوَّزَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إذْ لا بَأْسَ بِأنْ يُزادَ في الجَوابِ ما يُناسِبُهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَخْلٌ فِيهِ، بَلْ قَدْ يُسْتَحْسَنُ ذَلِكَ، إذا اقْتَضاهُ المَقامُ كَما في ﴿ وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ﴾ الآيَةَ، وكَوْنُها اعْتِراضِيَّةً أوْ حالِيَّةً مِن ضَمِيرِ قامُوا، بِتَقْدِيرِ المُبْتَدَإ، أوْ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الأُولى مَعَ تَخَلُّلِ الفَواصِلِ اللَّفْظِيَّةِ والمُقَدَّرَةِ فُضُولٌ عِنْدَ ذَوِي الفَضْلِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ أتى بِها لِتَوْبِيخِ المُنافِقِينَ حَيْثُ لَمْ يَنْتَهُوا، لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إيجادِ قَصِيفِ الرَّعْدِ ووَمِيضِهِ، وإعْدامِهِما قادِرٌ عَلى إذْهابِ سَمْعِهِمْ، وأبْصارِهِمْ، أفَلا يَرْجِعُونَ عَنْ ضَلالِهِمْ مَحَلٌّ لِلتَّوْبِيخِ، إذْ لا يَصِحُّ عَطْفُ المُمَثَّلِ بِهِ، ومَفْعُولُ شاءَ هُنا مَحْذُوفٌ وكَثِيرًا ما يُحْذَفُ مَفْعُولُها إذا وقَعَتْ في حَيِّزِ الشَّرْطِ، ولَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرَبًا، والمَعْنى ولَوْ أرادَ اللَّهُ إذْهابَ سَمْعِهِمْ بِقَصِيفِ الرَّعْدِ وأبْصارَهم بِوَمِيضِ البَرْقِ لَذَهَبَ، ولِتَقَدُّمِ ما يَدُلُّ عَلى التَّقْيِيدِ مِن (يَجْعَلُونَ) (ويَكادُ) قَوِيَ دِلالَةُ السِّياقِ عَلَيْهِ، وأخْرَجَهُ مِنَ الغَرابَةِ، ولَكَ أنْ لا تُقَيِّدَ ذَلِكَ المَفْعُولَ، وتُقَيِّدَ الجَوابَ كَما صَنَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ لا تُقَيِّدَ أصْلًا، ويَكُونُ المَعْنى لَوْ أرادَ اللَّهُ إذْهابَ هاتِيكَ القُوى أذْهَبَها مِن غَيْرِ سَبَبٍ، فَلا يُغْنِيهِمْ ما صَنَعُوهُ، والمَشِيئَةُ عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ كالإرادَةِ سَواءٌ، وقِيلَ: أصْلُ المَشِيئَةِ إيجادُ الشَّيْءِ، وإصابَتُهُ وإنِ اسْتُعْمِلَ عُرْفًا في مَوْضِعِ الإرادَةِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (لَأذْهَبَ اللَّهُ بِأسْماعِهِمْ)، وهي مَحْمُولَةٌ عَلى زِيادَةِ الباءِ لِتَأْكِيدِ التَّعْدِيَةِ أوْ عَلى أنَّ أذْهَبَ لازِمٌ بِمَعْنى ذَهَبَ، كَما قِيلَ بِنَحْوِهِ في ﴿ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ﴾ ﴿ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ ﴾ إذِ الجَمْعُ بَيْنَ أداتِي تَعْدِيَةٍ لا يَجُوزُ، وبَعْضُهم يُقَدِّرُ لَهُ مَفْعُولًا أيْ لَأذْهَبَهُمْ، فَيُهَوِّنُ الأمْرَ، وكَلِمَةُ (لَوْ) لِتَعْلِيقِ حُصُولِ أمْرٍ ماضٍ هو الجَزاءُ، بِحُصُولِ أمْرٍ مَفْرُوضٍ، هو الشَّرْطُ لِما بَيْنَهُما مِنَ الدَّوَرانِ حَقِيقَةً، أوِ ادِّعاءً، ومِن قَضِيَّةٍ مَفْرُوضَةٍ الشَّرْطُ دِلالَتُها عَلى انْتِفائِهِ قَطْعًا، والمُنازِعُ فِيهِ مُكابِرٌ، وأمّا دِلالَتُها عَلى انْتِفاءِ الجَزاءِ فَقَدْ قِيلَ وقِيلَ، والحَقُّ أنَّهُ إنْ كانَ ما بَيْنَهُما مِنَ الدَّوَرانِ قَدْ بُنِيَ الحُكْمُ عَلى اعْتِبارِهِ، فَهي دالَّةٌ عَلَيْهِ بِواسِطَةِ مَدْلُولِها ضَرُورَةَ اسْتِلْزامِ انْتِفاءِ العِلَّةِ لِانْتِفاءِ المَعْلُولِ، أمّا في الدَّوَرانِ الكُلِّيِّ كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ ولَوْ شاءَ لَهَداكُمْ ﴾ وقَوْلِكَ: لَوْ جِئْتَنِي لَأكْرَمْتُكَ، فَظاهِرٌ، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يُساقُ الكَلامُ لِتَعْلِيلِ انْتِفاءِ الجَزاءِ بِانْتِفاءِ الشَّرْطِ كَما في المِثالَيْنِ، وهو الِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ في لَوْ، ولِذا قِيلَ: إنَّها لِامْتِناعِ الثّانِي لِامْتِناعِ الأوَّلِ، وقَدْ يُساقُ لِلِاسْتِدْلالِ بِانْتِفاءِ الثّانِي لِكَوْنِهِ ظاهِرًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلى انْتِفاءِ الأوَّلِ لِكَوْنِهِ بِعَكْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا ﴾ و ﴿ لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ واللُّزُومُ في الأوَّلِ حَقِيقِيٌّ، وفي الثّانِي ادِّعائِيٌّ، وكَذا انْتِفاءُ المَلْزُومَيْنِ، ولَيْسَ هَذا بِطَرِيقِ السَّبَبِيَّةِ الخارِجِيَّةِ، بَلْ بِطَرِيقِ الدِّلالَةِ العَقْلِيَّةِ الرّاجِعَةِ إلى سَبَبِيَّةِ العِلْمِ بِانْتِفاءِ الثّانِي لِلْعِلْمِ بِانْتِفاءِ الأوَّلِ، ومَن لَمْ يَتَنَبَّهْ زَعَمَ أنَّهُ لِانْتِفاءِ الأوَّلِ لِانْتِفاءِ الثّانِي، وأمّا في مادَّةِ الدَّوَرانِ الجُزْئِيِّ كَما في قَوْلِكَ: لَوْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ لَوُجِدَ الضَّوْءُ، فَلِأنَّ الجَزاءَ المَنُوطَ بِالشَّرْطِ لَيْسَ وُجُودٌ أيْ ضَوْءٌ بَلْ وُجُودُ الضَّوْءِ الخاصِّ النّاشِئِ مِنَ الطُّلُوعِ، ولا رَيْبَ في انْتِفائِهِ بِانْتِفائِهِ، هَذا إذا بُنِيَ الحُكْمُ عَلى اعْتِبارِ الدَّوَرانِ، وإنْ بُنِيَ عَلى عَدَمِهِ، فَإمّا أنْ يُعْتَبَرَ تَحَقُّقُ مَدارٍ آخَرَ لَهُ، أوْ لا، فَإنِ اعْتُبِرَ فالدِّلالَةُ تابِعَةٌ لِحالِ ذَلِكَ المَدارِ، فَإنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِانْتِفاءِ الأوَّلِ مُنافاةٌ تَعَيَّنَ الدِّلالَةُ، كَما إذا قُلْتَ: لَوْ لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ لَوُجِدَ الضَّوْءُ، فَإنَّ وُجُودَ الضَّوْءِ مُعَلَّقٌ في الحَقِيقَةِ بِسَبَبٍ آخَرَ هو المَدارُ، ووُضِعَ عَدَمُ الطُّلُوعِ مَوْضِعَهُ لِكَوْنِهِ كاشِفًا عَنْهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ لَوُجِدَ الضَّوْءُ بِالقَمَرِ مَثَلًا.

ولا رَيْبَ في أنَّ هَذا الجَزاءَ مُنْتَفٍ عِنْدَ انْتِفاءِ الشَّرْطِ لِاسْتِحالَةِ الضَّوْءِ القَمَرِيِّ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما مُنافاةً تَعَيَّنَ عَدَمُ الدِّلالَةِ، كَحَدِيثِ: «(لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي في حِجْرِي ما حَلَّتْ لِي إنَّها لابْنَةُ أخِي مِنَ الرَّضاعَةِ)،» فَإنَّ المَدارَ المُعْتَبَرَ في ضِمْنِ الشَّرْطِ أعْنِي كَوْنَها ابْنَةَ الأخِ غَيْرُ مُنافٍ لِانْتِفائِهِ الَّذِي هو كَوْنُها رَبِيبَتَهُ، بَلْ مُجامِعٌ لَهُ، ومِن ضَرُورَتِهِ مُجامَعَةُ أثَرَيْهِما، أعْنِي الحُرْمَةَ النّاشِئَةَ مِن هَذا وهَذا، وإنْ لَمْ يُعْتَبَرْ تَحَقُّقُ مَدارٍ آخَرَ بَلْ بُنِيَ الحُكْمُ عَلى اعْتِبارِ عَدَمِهِ فَلا دِلالَةَ لَها عَلى ذَلِكَ أصْلًا، ومَساقُ الكَلامِ حِينَئِذٍ لِبَيانِ ثُبُوتِ الجَزاءِ عَلى كُلِّ حالٍ بِتَعْلِيقِهِ بِما يُنافِيهِ لِيُعْلَمَ ثُبُوتُهُ عِنْدَ وُقُوعِ ما لا يُنافِيهِ بِالأوْلى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لأمْسَكْتُمْ ﴾ فَإنَّ الجَزاءَ قَدْ نِيطَ بِما يُنافِيهِ إيذانًا بِأنَّهُ في نَفْسِهِ بِحَيْثُ يَجِبُ ثُبُوتُهُ مَعَ فَرْضِ انْتِفاءِ سَبَبِهِ، أوْ تَحَقُّقِ سَبَبِ انْتِفائِهِ، فَكَيْفَ إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ لَوِ الوَصْلِيَّةِ، «(ونِعَمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ)،» إنْ حُمِلَ عَلى تَعْلِيقِ عَدَمِ العِصْيانِ في ضِمْنِ عَدَمِ الخَوْفِ بِمَدارٍ آخَرَ كالحَياءِ مِمّا يُجامِعُ الخَوْفَ كانَ مِن قَبِيلِ حَدِيثِ الرَّبِيبَةِ، وإنْ حُمِلَ عَلى بَيانِ اسْتِحالَةِ عِصْيانِهِ مُبالَغَةً كانَ مِن هَذا القَبِيلِ، والآيَةُ الكَرِيمَةُ وارِدَةٌ عَلى الِاسْتِعْمالِ الشّائِعِ مُفِيدَةٌ لِفَظاعَةِ حالِهِمْ وهَوْلِ ما دَهَمَهُمْ، وأنَّهُ قَدْ بَلَغَ الأمْرُ إلى حَيْثُ لَوْ تَعَلَّقَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى بِإزالَةِ قُواهم لَزالَتْ لِتَحَقُّقِ ما يَقْتَضِيهِ اقْتِضاءً تامًّا، وقِيلَ: كَلِمَةُ لَوْ فِيها، لِرَبْطِ جَزائِها بِشَرْطِها مُجَرَّدَةً عَنِ الدِّلالَةِ عَلى انْتِفاءِ أحَدِهِما لِانْتِفاءِ الآخَرِ بِمَنزِلَةِ أنْ، ذَكَرَ جَمِيعَ ذَلِكَ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ، وأظُنُّهُ قَدْ أصابَ الغَرَضَ، إلّا أنَّ كَلامَ مَوْلانا السّالِيكُوتِيِّ يُشْعِرُ بِاخْتِيارِ أنَّ (لَوْ) مَوْضُوعَةٌ لِمُجَرَّدِ تَعْلِيقِ حُصُولِ أمْرٍ في الماضِي بِحُصُولِ أمْرٍ آخَرَ فِيهِ مِن غَيْرِ دِلالَةٍ عَلى انْتِفاءِ الأوَّلِ، أوِ الثّانِي، أوْ عَلى اسْتِمْرارِ الجَزاءِ بَلْ جَمِيعُ هَذِهِ الأُمُورِ خارِجَةٌ عَنْ مَفْهُومِها، مُسْتَفادَةٌ بِمَعُونَةِ القَرائِنِ كَيْلا يَلْزَمَ القَوْلُ بِالِاشْتِراكِ أوِ الحَقِيقَةِ والمَجازِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وبِهِ قالَ بَعْضُهُمْ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الحاجِبِ مِن أنَّها لِلدِّلالَةِ عَلى انْتِفاءِ الأوَّلِ لِانْتِفاءِ الثّانِي مِن لَوازِمِ هَذا المَفْهُومِ، وكَوْنُهُ لازِمًا لا يَسْتَلْزِمُ الإرادَةَ في جَمِيعِ المَوارِدِ، فَإنَّ الدِّلالَةَ غَيْرُ الإرادَةِ، وذَكَرَ أنَّ ما قالُوهُ مِن أنَّها لِتَعْلِيقِ حُصُولِ أمْرٍ في الماضِي بِحُصُولِ أمْرٍ آخَرَ فَرْضًا مَعَ القَطْعِ بِانْتِفائِهِ، فَيَلْزَمُ لِأجَلِ انْتِفائِهِ انْتِفاءُ ما عُلِّقَ بِهِ، فَيُفِيدُ أنَّ انْتَفاءَ الثّانِي في الخارِجِ، إنَّما هو بِسَبَبِ انْتِفاءِ الأوَّلِ فِيهِ، مَعَ تَوَقُّفِهِ عَلى كَوْنِ انْتِفاءِ الأوَّلِ مَأْخُوذًا في مَدْخُولِها، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّهُ يَسْتَلْزِمُ خِلافَ الأصْلِ يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ المُسْتَفادَ مِنَ التَّعْلِيقِ عَلى أمْرٍ مَفْرُوضِ الحُصُولِ إبْداءُ المانِعِ مِن حُصُولِ المُعَلِّقِ في الماضِي، وأنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ العَدَمِ الأصْلِيِّ إلى حَدِّ الوُجُودِ، وبَقِيَ عَلى حالِهِ لِارْتِباطِ وُجُودِهِ بِأمْرٍ مَعْدُومٍ، وأمّا أنَّ انْتِفاءَهُ سَبَبٌ لِانْتِفائِهِ في الخارِجِ فَكَلّا، كَيْفَ والشَّرْطُ النَّحْوِيُّ قَدْ يَكُونُ مُسَبَّبًا مُضافًا لِلْجَزاءِ، نَعَمْ أنَّ هَذا مُقْتَضى الشَّرْطِ الِاصْطِلاحِيِّ، وما اسْتَدَلَّ بِهِ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ عَلى إفادَتِها السَّبَبِيَّةَ الخارِجِيَّةَ مِن قَوْلِ الحَماسِيِّ: ولَوْ طارَ ذُو حافِرٍ قَبْلَها ∗∗∗ لَطارَتْ ولَكِنَّهُ لَمْ يَطِرْ لِأنَّ اسْتِثْناءَ المُقَدَّمِ لا يَنْتُجُ، فَفِيهِ أنَّ اللّازِمَ مِمّا ذُكِرَ أنْ لا تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً لِلِاسْتِدْلالِ بِانْتِفاءِ الأوَّلِ عَلى انْتِفاءِ الثّانِي، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً لِمُجَرَّدِ التَّعْلِيقِ، لِإفادَةِ إبْداءِ المانِعَ مَعَ قِيامِ المُقْتَضِي، كَيْفَ ولَوْ كانَ مَعْناها إفادَةَ سَبَبِيَّةِ الِانْتِفاءِ كانَ الِاسْتِثْناءُ تَأْكِيدًا وإعادَةً، بِخِلافِ ما إذا كانَ مَعْناها مُجَرَّدَ التَّعْلِيقِ، فَإنَّهُ يَكُونُ إفادَةً وتَأْسِيسًا، وهَذا مُحَصَّلُ ما قالُوهُ، رَدًّا وقَبُولًا، وزُبْدَةُ ما ذَكَرُوهُ إجْمالًا وتَفْصِيلًا، ومُعْظَمُ مُفْتِي أهْلِ العَرَبِيَّةِ أفْتَوْا بِما قالَهُ مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ، ولا أُوجِبُ عَلَيْكَ التَّقْلِيدَ، فالأقْوالُ بَيْنَ يَدَيْكَ، فاخْتَرْ مِنها ما تُرِيدُ.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ كالتَّعْلِيلِ لِلشَّرْطِيَّةِ، والتَّقْرِيرِ لِمَضْمُونِها النّاطِقِ بِقُدْرَتِهِ تَعالى عَلى إذْهابِ ما ذَكَرَ، لِأنَّ القادِرَ عَلى الكُلِّ قادِرٌ عَلى البَعْضِ، والشَّيْءُ لُغَةً ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ، ويُخْبَرَ عَنْهُ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، وهو شامِلٌ لِلْمَعْدُومِ والمَوْجُودِ، الواجِبِ والمُمْكِنِ، وتَخْتَلِفُ إطْلاقاتُهُ، ويُعْلَمُ المُرادُ مِنهُ بِالقَرائِنِ، فَيُطْلَقُ تارَةً، ويُرادُ بِهِ جَمِيعُ أفْرادِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ بِقَرِينَةِ إحاطَةِ العِلْمِ الإلَهِيِّ بِالواجِبِ، والمُمْكِنِ، المَعْدُومِ والمَوْجُودِ، والمُحالِ المَلْحُوظِ، بِعُنْوانٍ ما، ويُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ المُمْكِنُ مُطْلَقًا كَما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِقَرِينَةِ القُدْرَةِ الَّتِي لا تَتَعَلَّقُ إلّا بِالمُمْكِنِ، وقَدْ يُطْلَقُ، ويُرادُ بِهِ المُمْكِنُ الخارِجِيُّ المَوْجُودُ في الذِّهْنِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴾ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ بِقَرِينَةِ كَوْنِهِ مُتَصَوَّرًا مَشِيئًا فِعْلُهُ غَدًا، وقَدْ يُطْلَقُ، ويُرادُ بِهِ المُمْكِنُ المَعْدُومُ الثّابِتُ في نَفْسِ الأمْرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ بِقَرِينَةِ إرادَةِ التَّكْوِينِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالمَعْدُومِ، وقَدْ يُطْلَقُ، ويُرادُ بِهِ المَوْجُودُ الخارِجِيُّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ أيْ مَوْجُودًا خارِجِيًّا لِامْتِناعِ أنْ يُرادَ نَفْيُ كَوْنِهِ شَيْئًا بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ الأعَمِّ الشّامِلِ لِلْمَعْدُومِ الثّابِتِ في نَفْسِ الأمْرِ، لِأنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ فَهو في الأزَلِ شَيْءٌ، أيْ مَعْدُومٌ ثابِتٌ في نَفْسِ الأمْرِ، وإطْلاقُ الشَّيْءِ عَلَيْهِ قَدْ قُرِّرَ، والأصْلُ في الإطْلاقِ الحَقِيقَةُ ولا يُعْدَلُ عَنْهُ إلّا لِصارِفٍ ولا صارِفَ، وشُيُوعُ اسْتِعْمالِهِ في المَوْجُودِ لا يَنْتَهِضُ صارِفًا إذْ ذاكَ، إنَّما هو لِكَوْنِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ في المُحاوَراتِ بِأحْوالِ المَوْجُوداتِ أكْثَرَ لا لِاخْتِصاصِهِ بِهِ لُغَةً، وما ذَكَرَهُ مَوْلانا البَيْضاوِيُّ مِنِ اخْتِصاصِهِ بِالمَوْجُودِ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرُ شاءَ، أُطْلِقَ بِمَعْنى شاءَ تارَةً، وحِينَئِذٍ يَتَناوَلُ البارِيَ تَعالى، وبِمَعْنى مُشِيءٍ أُخْرى، أيْ مُشِيءٍ وُجُودَهُ، إلَخْ، فَفِيهِ مَعَ ما فِيهِ أنَّهُ يَلْزَمُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ اسْتِعْمالُ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ، لِأنَّهُ إذا كانَ بِمَعْنى الشّائِيِ لا يَشْمَلُ نَحْوَ الجَماداتِ عِنْدَهُ، وإذا كانَ بِمَعْنى المُشِيءِ وُجُودَهُ، لا يَشْمَلُ الواجِبَ تَعالى شَأْنُهُ، وفي اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ خِلافٌ، ولا خِلافَ في الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى، وأمّا ما ذُكِرَ في شَرْحَيِ المَواقِفِ والمَقاصِدِ فَجَعْجَعَةٌ ولا أرى طَحْنًا، وقَعْقَعَةٌ ولا أرى سِلاحًا تَقِنًا، وقَدْ كَفانا مُؤْنَةَ الإطالَةَ في رَدِّهِ مَوْلانا الكُورانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ، والنِّزاعُ في هَذا، وإنْ كانَ لَفْظِيًّا، والبَحْثُ فِيهِ مِن وظِيفَةِ أصْحابِ اللُّغَةِ، إلّا أنَّهُ يَبْتَنِي عَلى النِّزاعِ في أنَّ المَعْدُومَ المُمْكِنَ ثابِتٌ أوَّلًا، وهَذا بَحْثٌ طالَما تَحَيَّرَتْ فِيهِ أقْوامٌ، وزَلَّتْ فِيهِ أقْدامٌ.

والحَقُّ الَّذِي عَلَيْهِ العارِفُونَ الأوَّلُ، لِأنَّ المَعْدُومَ المُمْكِنَ أيْ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذا المَفْهُومُ يُتَصَوَّرُ ويُرادُ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ، وكُلُّ ما هو كَذَلِكَ فَهو مُتَمَيِّزٌ في نَفْسِهِ مِن غَيْرِ فَرْضِ الذِّهْنِ، وكُلُّ ما هو كَذَلِكَ فَهو ثابِتٌ ومُتَقَرِّرٌ في خارِجِ أذْهانِنا مُنْفَكًّا عَنِ الوُجُودِ الخارِجِيِّ، فَما هو إلّا في نَفْسِ الأمْرِ، والمُرادُ بِهِ عِلْمُ الحَقِّ تَعالى بِاعْتِبارِ عَدَمِ مُغايَرَتِهِ لِلذّاتِ الأقْدَسِ، فَإنَّ لِعِلْمِ الحَقِّ تَعالى اعْتِبارَيْنِ أحَدُهُما أنَّهُ لَيْسَ غَيْرًا، الثّانِي أنَّهُ لَيْسَ عَيْنًا، ولا يُقالُ بِالِاعْتِبارِ الأوَّلِ العِلْمُ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ، لِأنَّ التَّبَعِيَّةَ نِسْبَةٌ تَقْتَضِي مُتَمايِزَيْنِ، ولَوِ اعْتِبارًا، ولا تَمايُزَ عِنْدَ عَدَمِ المُغايَرَةِ، ويُقالُ ذَلِكَ بِالِاعْتِبارِ الثّانِي لِلتَّمايُزِ النِّسْبِيِّ المُصَحِّحِ لِلتَّبَعِيَّةِ، والمَعْلُومُ الَّذِي يَتْبَعُهُ العِلْمُ هو ذاتُ الحَقِّ تَعالى بِجَمِيعِ شُئُونِهِ، ونِسَبِهِ، واعْتِباراتِهِ، ومِن هُنا قالُوا: عِلْمُهُ تَعالى بِالأشْياءِ أزَلًا عَيْنُ عِلْمِهِ بِنَفْسِهِ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِن نِسَبِ عِلْمِهِ بِالِاعْتِبارِ الأوَّلِ، فَإذا عَلِمَ الذّاتَ بِجَمِيعِ نِسَبِها فَقَدْ عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ مِن عَيْنِ عِلْمِهِ بِنَفْسِهِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الشَّرِيكُ مِن نِسَبِ العِلْمِ بِالِاعْتِبارِ الأوَّلِ إذْ لا ثُبُوتَ لَهُ في نَفْسِهِ مِن غَيْرِ فَرْضٍ، إذِ الثّابِتُ كَذَلِكَ هو أنَّهُ تَعالى لا شَرِيكَ لَهُ، فَلا يَتَعَلَّقُ بِهِ العِلْمُ بِالِاعْتِبارِ الثّانِي ابْتِداءً، ومَتى كانَ تَعَلُّقُ العِلْمِ بِالأشْياءِ أزَلِيًّا لَمْ تَكُنْ أعْدامًا صِرْفَةً، إذْ لا يَصِحُّ حِينَئِذٍ أنْ تَكُونَ طَرَفًا، إذْ لا تَمايُزَ، فَإذا لَها تَحَقُّقٌ بِوَجْهٍ ما، فَهي أزَلِيَّةٌ بِأزَلِيَّةِ العِلْمِ، فَلِذا لَمْ تَكُنِ الماهِيّاتُ بِذَواتِها مَجْعُولَةً لِأنَّ الجَعْلَ تابِعٌ لِلْإرادَةِ، التّابِعَةِ لِلْعِلْمِ، التّابِعِ لِلْمَعْلُومِ، الثّابِتِ، فالثُّبُوتُ مُتَقَدِّمٌ عَلى الجَعْلِ بِمَراتِبَ، فَلا تَكُونُ مِن حَيْثُ الثُّبُوتُ أثَرًا لِلْجَعْلِ، وإلّا لَدارَ، وإنَّما هي مَجْعُولَةٌ في وُجُودِها لِأنَّ العالَمَ حادِثٌ، وكُلُّ حادِثٍ مَجْعُولٌ، ولَيْسَ الوُجُودُ حالًّا حَتّى لا تَتَعَلَّقَ بِهِ القُدْرَةُ، ويَلْزَمَ أنْ لا يَكُونَ البارِي تَعالى مُوجِدًا لِلْمُمْكِناتِ، ولا قادِرًا عَلَيْها، لِأنَّهُ قَدْ حُقِّقَ أنَّ الوُجُودَ بِمَعْنًى ما، بِانْضِمامِهِ إلى الماهِيّاتِ المُمْكِنَةِ، يَتَرَتَّبُ عَلَيْها آثارُها المُخْتَصَّةُ بِها مَوْجُودٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ كُلَّ مَفْهُومٍ مُغايِرٌ لِلْوُجُودِ، فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ مَوْجُودًا بِأمْرٍ يَنْضَمُّ إلَيْهِ، وهو الوُجُودُ، فَهو مَوْجُودٌ بِنَفْسِهِ، لا بِأمْرٍ زائِدٍ، وإلّا لَتَسَلْسَلَ، وامْتِيازُهُ عَمّا عَداهُ بِأنَّ وُجُودَهُ لَيْسَ زائِدًا عَلى ذاتِهِ، وأمّا ثانِيًا، فَلِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ أصْلًا، لِأنَّ الماهِيَّةَ المُمْكِنَةَ قَبْلَ انْضِمامِ الوُجُودِ مُتَّصِفَةٌ بِالعَدَمِ الخارِجِيِّ، فَلَوْ كانَ الوُجُودُ مَعْدُومًا كانَ مِثْلَها مُحْتاجًا لِما تَحْتاجُهُ، فَلا يَتَرَتَّبُ عَلى الماهِيَّةِ بِضَمِّهِ آثارُها، لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَعْدُومًا لَيْسَ فِيهِ بَعْدَ العَدَمِ إلّا افْتِقارُهُ إلى الوُجُودِ، وهَذا بِعَيْنِهِ مُتَحَقِّقٌ في الماهِيَّةِ قَبْلَ الضَّمِّ، فَلا يَحْدُثُ لَها بِالضَّمِّ وصْفٌ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ، فَلَوْ كانَ هَذا الوُجُودُ المُفْتَقِرُ مُفِيدًا لِتَرَتُّبِ الآثارِ لَكانَتِ الماهِيَّةُ مُسْتَغْنِيَةً عَنِ الوُجُودِ حالَ افْتِقارِها إلَيْهِ، واللّازِمُ باطِلٌ لِاسْتِحالَةِ اجْتِماعِ النَّقِيضَيْنِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الوُجُودُ مَوْجُودًا بِوُجُودٍ هو نَفْسُهُ، وإلّا لَتَسَلْسَلَ أوِ انْتَهى إلى وُجُودٍ مَوْجُودٍ بِنَفْسِهِ، والأوَّلُ باطِلٌ والثّانِي قاضٍ بِالمَطْلُوبِ، نَعَمِ الوُجُودُ بِمَعْنى المَوْجُودِيَّةِ حالٌ، لِأنَّهُ صِفَةٌ اعْتِبارِيَّةٌ، لَيْسَتْ بِعَرَضٍ، ولا سَلْبٍ، ومَعَ هَذا يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَعْلُ، لَكِنْ لا ابْتِداءَ، بَلْ بِضَمِّ حِصَّةٍ مِنَ الوُجُودِ المَوْجُودِ إلى الماهِيَّةِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ اتِّصافُ الماهِيَّةِ بِالمَوْجُودِيَّةِ، وظاهِرٌ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِالوُجُودِ بِمَعْنى المَوْجُودِيَّةِ ابْتِداءً أنْ لا تَتَعَلَّقَ بِهِ بِوَجْهٍ آخَرَ، وإذا تَبَيَّنَ أنَّ الماهِيّاتِ مَجْعُولَةٌ في وُجُودِها، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ عَيْنَ حَقِيقَتِهِ، بِمَعْنى أنَّ ما صَدَقَ عَلَيْهِ حَقِيقَةُ الشَّيْءِ مِنَ الأُمُورِ الخارِجِيَّةِ هو بِعَيْنِهِ ما صَدَقَ عَلَيْهِ وُجُودُهُ، ولَيْسَ لَهُما هُوِيَّتانِ مُتَمايِزَتانِ في الخارِجِ كالسَّوادِ والجِسْمِ، إذِ الوُجُودُ إنْ قامَ بِالماهِيَّةِ مَعْدُومَةً لَزِمَ التَّناقُضُ، ومَوْجُودَةً لَزِمَ وُجُودانِ مَعَ الدَّوْرِ، أوِ التَّسَلْسُلِ، والقَوْلُ بِأنَّ الوُجُودَ يَنْضَمُّ إلى الماهِيَّةِ مِن حَيْثُ هي لا تَحْقِيقَ فِيهِ، إذْ تَحَقَّقَ في مَحَلِّهِ أنَّ الماهِيَّةَ قَبْلَ عُرُوضِ الوُجُودِ مُتَّصِفَةٌ في نَفْسِ الأمْرِ بِالعَدَمِ قَطْعًا، لِاسْتِحالَةِ خُلُوِّها عَنِ النَّقِيضَيْنِ فِيهِ، غايَةُ الأمْرِ أنّا إذا لَمْ نَعْتَبِرْ مَعَها العَدَمَ لا يُمْكِنُ أنْ نَحْكُمَ عَلَيْها بِأنَّها مَعْدُومَةٌ، وعَدَمُ اعْتِبارِنا العَدَمَ مَعَها حِينَ عُرُوضِ الوُجُودِ لا يَجْعَلُها مُنْفَكَّةً عَنْهُ في نَفْسِ الأمْرِ، وإنَّما يَجْعَلُها مُنْفَكَّةً عَنْهُ بِاعْتِبارِنا، وضَمُّ الوُجُودِ أمْرٌ يَحْصُلُ لَها بِاعْتِبارِ نَفْسِ الأمْرِ، لا مِن حَيْثُ اعْتِبارُنا، فَخُلُوُّها عَنِ العَدَمِ بِاعْتِبارِنا لا يُصَحِّحُ اتِّصافَها بِالوُجُودِ مِن حَيْثُ هي هي في نَفْسِ الأمْرِ سالِمًا عَنِ المَحْذُورِ، فَإذًا لَيْسَ هُناكَ هُوِيَّتانِ تَقُومُ إحْداهُما بِالأُخْرى، بَلْ عَيْنُ الشَّخْصِ في الخارِجِ عَيْنُ تَعَيُّنِ الماهِيَّةِ فِيهِ، وهو عَيْنُ الماهِيَّةِ فِيهِ أيْضًا، إذْ لَيْسَ التَّعَيُّنُ أمْرًا وُجُودِيًّا مُغايِرًا بِالذّاتِ لِلشَّخْصِ مُنْضَمًّا لِلْماهِيَّةِ في الخارِجِ مُمْتازًا عَنْهُما فِيهِ مُرَكَّبًا مِنها، ومِنَ الفَرْدِ، بَلْ لا وُجُودَ في الخارِجِ إلّا لِلْأشْخاصِ، وهي عَيْنُ تَعْيِيناتِ الماهِيَّةِ وعَيْنُ الماهِيَّةِ في الخارِجِ لِاتِّحادِهِما فِيهِ، وعَلى هَذا، فَلا شَكَّ في مَقْدُورِيَّةِ المُمْكِنِ إذْ جَعْلُهُ بِجَعْلِ حِصَّتِهِ مِنَ الوُجُودِ المُطْلَقِ المَوْجُودِ في الخارِجِ مُقْتَرِنَةٌ بِأعْراضٍ وهَيْئاتٍ يَقْتَضِيها اسْتِعْدادُ حِصَّتِهِ مِنَ الماهِيَّةِ النَّوْعِيَّةِ، فَيَكُونُ شَخْصًا، وإيجادُ الشَّخْصِ مِنَ الماهِيَّةِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ عَيْنُ إيجادِ الماهِيَّةِ، لِأنَّهُما مُتَّحِدانِ في الخارِجِ جَعْلًا ووُجُودًا، مُتَمايِزانِ في الذِّهْنِ فَقَطْ، وهَذا تَحْقِيقُ قَوْلِهِمُ: المَجْعُولُ هو الوُجُودُ الخاصُّ ولا يَسْتَعِدُّ مَعْدُومٌ لِعُرُوضِهِ إلّا إذا كانَ لَهُ ثُبُوتٌ في نَفْسِ الأمْرِ، إذْ ما لا ثُبُوتَ لَهُ، وهو المَنفِيُّ لا اقْتِضاءَ فِيهِ لِعُرُوضِ الوُجُودِ بِوَجْهٍ، وإلّا لَكانَ المُحالُ مُمْكِنًا، واللّازِمُ باطِلٌ فالثُّبُوتُ الأزَلِيُّ لِماهِيَّةِ المُمْكِنِ هو المُصْطَلَحُ لِعُرُوضِ الإمْكانِ المُصَحِّحُ لِلْمَقْدُورِيَّةِ، لا أنَّهُ المانِعُ كَما تَوَهَّمُوهُ، هَذا والبَحْثُ طَوِيلٌ، والمَطْلَبُ جَلِيلٌ، وقَدْ أشْبَعْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في الأجْوِبَةِ العِراقِيَّةِ عَنِ الأسْئِلَةِ الإيرانِيَّةِ عَلى وجْهٍ رَدَدْنا فِيهِ كَلامَ المُعْتَرِضِينَ المُخالِفِينَ، لَمّا تَبِعْنا فِيهِ ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ، وهَذِهِ نُبْذَةٌ يَسِيرَةٌ تَنْفَعُكَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فاحْفَظْها، فَلا أظُنُّكَ تَجِدُها في تَفْسِيرٍ، وحَيْثُ كانَ الشَّيْءُ عامًّا لُغَةً واصْطِلاحًا عِنْدَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ أيْضًا، فَلا بُدَّ في مِثْلِ ما نَحْنُ فِيهِ مِن تَخْصِيصِهِ بِدَلِيلِ العَقْلِ بِالمُمْكِنِ.

والقُدْرَةُ عِنْدَ الأشاعِرَةِ صِفَةٌ ذاتِيَّةٌ ذاتُ إضافَةٍ تَقْتَضِي التَّمَكُّنَ مِنَ الإيجادِ والإعْدامِ والإبْقاءِ لا نَفْسَ التَّمَكُّنِ، لِأنَّهُ أمْرٌ اعْتِبارِيٌّ، ولا نَفْيَ العَجْزِ عَنْهُ تَعالى لِأنَّهُ مِنَ الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ، ولَعَلَّ مَنِ اخْتارَ ذَلِكَ اخْتارَهُ تَقْلِيلًا لِلصِّفاتِ الذّاتِيَّةِ، أوْ نَفْيًا لَها، والقادِرُ هو الَّذِي إنْ شاءَ فَعَلَ، وإنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَفْعَلْ، ولِكَوْنِ المَشِيئَةِ عِنْدَنا صِفَةً مُرَجِّحَةً لِأحَدِ طَرَفَيِ المَقْدُورِ، وعِنْدَ الحُكَماءِ العِنايَةَ الأزَلِيَّةَ، ساغَ لَنا أنْ نُعَرِّفَهُ بِما ذُكِرَ دُونَهم خِلافًا لِمَن وهِمَ فِيهِ، والقَدِيرُ هو الفَعّالُ لِما يَشاءُ عَلى قَدْرِ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، وقَلَّما يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ تَعالى، والمُقْتَدِرُ إنِ اسْتُعْمِلَ فِيهِ تَعالى فَمَعْناهُ القَدِيرُ أوْ في البَشَرِ فَمَعْناهُ المُتَكَلِّفُ والمُكْتَسِبُ لِلْقُدْرَةِ، واشْتِقاقُ القُدْرَةِ مِنَ القَدْرِ بِمَعْنى التَّحْدِيدِ، والتَّعْيِينِ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُمْكِنَ الحادِثَ حالَ بَقائِهِ مَقْدُورٌ، لِأنَّهُ شَيْءٌ، وكُلُّ شَيْءٍ مَقْدُورٌ لَهُ تَعالى، ومَعْنى كَوْنِهِ مَقْدُورًا أنَّ الفاعِلَ إنْ شاءَ أعْدَمَهُ، وإنْ شاءَ لَمْ يُعْدِمْهُ، واحْتِياجُ المُمْكِنِ حالَ بَقائِهِ إلى المُؤَثِّرِ مِمّا أجْمَعَ عَلَيْهِ مَن قالَ: إنَّ عِلَّةَ الحاجَةِ هي الإمْكانُ ضَرُورَةَ أنَّ الإمْكانَ لازِمٌ لَهُ حالَ البَقاءِ، وأمّا مَن قالَ: إنَّ عِلَّةَ الحاجَةِ الحُدُوثُ وحْدَهُ، أوْ مَعَ الإمْكانِ قالَ بِاسْتِغْنائِهِ إذْ لا حُدُوثَ حِينَئِذٍ، وتَمَسَّكَ في ذَلِكَ بِبَقاءِ البِناءِ بَعْدَ فَناءِ البِناءِ، ولَمّا رَأى بَعْضُهم شَناعَةَ ذَلِكَ قالُوا: إنَّ الجَواهِرَ لا تَخْلُو عَنِ الأعْراضِ، وهي لا تَبْقى زَمانَيْنِ، فَلا يُتَصَوَّرُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ القادِرِ سُبْحانَهُ بِحالٍ، وهَذا مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ الأشْعَرِيُّ ولِما فِيهِ مِن مُكابَرَةِ الحِسِّ ظاهِرًا أنْكَرَهُ أهْلُ الظّاهِرِ، نَعَمْ يُسَلِّمُهُ العارِفُونَ مِن أهْلِ الشُّهُودِ، وناهِيكَ بِهِمْ، حَتّى إنَّهم زادُوا عَلى ذَلِكَ فَقالُوا: إنَّ الجَواهِرَ لا تَبْقى زَمانَيْنِ أيْضًا، والنّاسُ في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ، وأنا أُسَلِّمُ ما قالُوا، وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ الَّذِي لا يَتَقَيَّدُ بِشَأْنٍ، وقَدْ كانَ ولا شَيْءَ مَعَهُ، وهو الآنَ عَلى ما عَلَيْهِ كانَ، ثُمَّ المُرادُ مِن هَذا التَّمْثِيلِ تَشْبِيهُ حالِ المُنافِقِينَ في الشِّدَّةِ، ولِباسِ إيمانِهِمُ المُبَطَّنِ بِالكُفْرِ المُطَرَّزِ بِالخِداعِ حَذَرَ القَتْلِ بِحالِ ذَوِي مَطَرٍ شَدِيدٍ فِيهِ ما فِيهِ، يُرَقِّعُونَ خُرُوقَ آذانِهِمْ بِأصابِعِهِمْ حَذَرَ الهَلاكِ إلى آخِرِ ما عُلِمَ مِن أوْصافِهِمْ، ووَجْهُ الشَّبَهِ وُجْدانُ ما يَنْفَعُ ظاهِرُهُ، وفي باطِنِهِ بَلاءٌ عَظِيمٌ، وقِيلَ: شَبَّهَ سُبْحانَهُ المُنافِقِينَ بِأصْحابِ الصَّيِّبِ وإيمانَهُمُ المَشُوبَ بِصَيِّبٍ فِيهِ ما تَلى مِن حَيْثُ إنَّهُ وإنْ كانَ نافِعًا في نَفْسِهِ لَكِنَّهُ لَمّا وُجِدَ كَذا، عادَ نَفْعُهُ ضُرًّا، ونِفاقُهم حَذَرًا عَنِ النِّكايَةِ بِجَعْلِ الأصابِعِ في الآذانِ مِمّا دَها حَذَرَ المَوْتِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَرُدُّ مِنَ القَدَرِ شَيْئًا، وتَحَيُّرَهم لِشِدَّةِ ما عَنى، وجَهْلَهم بِما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ بِأنَّهم كُلَّما صادَفُوا مِنَ البَرْقِ خَفْقَةً انْتَهَزُوها فُرْصَةً مَعَ خَوْفِ أنْ يَخْطِفَ أبْصارَهُمْ، فَخَطَوْا يَسِيرًا، ثُمَّ إذا خَفِيَ بَقُوا مُتَقَيِّدِينَ لا حِراكَ لَهُمْ، وقِيلَ: جَعَلَ الإسْلامَ الَّذِي هو سَبَبُ المَنافِعِ في الدّارَيْنِ كالصَّيِّبِ الَّذِي هو سَبَبُ المَنفَعَةِ، وما في الإسْلامِ مِنَ الشَّدائِدِ، والحُدُودِ بِمَنزِلَةِ الظُّلُماتِ والرَّعْدِ، وما فِيهِ مِنَ الغَنِيمَةِ والمَنافِعِ بِمَنزِلَةِ البَرْقِ، فَهم قَدْ جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِن سَماعِ شَدائِدِهِ، وإذا لَمَعَ لَهم بَرْقُ غَنِيمَةٍ مَشَوْا فِيهِ، وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ بِالشَّدائِدِ قامُوا مُتَحَيِّرِينَ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وما تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ وتَسْتَدْعِيهِ فَخامَةُ شَأْنِهِ الجَلِيلِ غَيْرُ خَفِيٍّ عَلَيْكَ، إذا لَمَعَتْ بَوارِقُ العِنايَةِ لَدَيْكَ، (ومِنَ البُطُونِ) تَشْبِيهُ مَن ذُكِرَ في التَّشْبِيهِ الأوَّلِ بِذَوِي صَيِّبٍ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّما أضاءَ ﴾ إلَخْ، إشارَةً إلى أنَّهم كُلَّما وجَدُوا مِن طاعَتِهِمْ حَلاوَةً وعَرَضًا عاجِلًا مَشَوْا فِيهِ، وإذا حُبِسَ عَلَيْهِمْ طَرِيقُ الكَراماتِ تَرَكُوا الطّاعاتِ، وقالَ الحُسَيْنُ: إذا أضاءَ لَهم مُرادُهم مِنَ الدُّنْيا في الدِّينِ أكْثَرُوا مِن تَحْصِيلِهِ، وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا مُتَحَيِّرِينَ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ، أي ضوء البرق، يذهب ويختلس بأبصارهم من شدة ضوء البرق فكذلك نور إيمان المنافق يكاد يغطي على الناس كفره في سره، حتى لا يعلموا كفره.

وقد قيل: معناه يكاد أن يظهر عليهم نور الإسلام، فيثبتون على ذلك.

ثم قال: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ، أي كلما لمع البرق في الليلة المظلمة مضوا فيه، وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ، أي إذا ذهب ضوء البرق قامُوا متحيرين فكذلك المنافق، إذا تكلم بلا إله إلا الله، يمضي مع المؤمنين، ويمنع بها من السيف، فإذا مات بقي متحيراً نادما.

ويقال: معناه كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ [البقرة: 20] أي كلما ظهر لهم دليل نبوة محمد  وظهر لهم علاماته مالوا إليه، وإذا أظلم عليهم، أي إذا أصاب المسلمين محنة، كما أصابتهم يوم أحد، وكما أصابتهم يوم بئر معونة قاموا، أي ثبتوا على كفرهم.

وروى أسباط، عن السدي أنه قال: كان رجلان من المنافقين هربا من المدينة إلى المشركين، فأصابهما من المطر الذي ذكر الله فيه ظلمات ورعد وبرق، كلما أصابهما الصواعق جعلا أصابعهما في آذانهما فإذا لمع البرق مشيا في ضوئه، وإذا لم يلمع لم يبصرا شيئاً، فقاما مكانهما فجعلا يقولان: يا ليتنا لو أصبحنا فنأتي محمداً  فنضع أيدينا في يده، فأصبحا فأتياه فأسلما وحسن إسلامهما، فضرب الله في شأن هذين المنافقين الخارجين مثلاً للمنافقين الذين كانوا بالمدينة، ثم قال تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ، قال بعضهم بسمعهم الظاهر الذي في الرأس وأبصارهم التي في الأعين، كما ذهب بسمع قلوبهم، وأبصار قلوبهم عقوبة لهم.

قيل: معناه، وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَهُمْ صماً وعمياً في الحقيقة، كما جعلهم صماً وعمياً في الحكم.

قد قيل: معناه، وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَهُمْ صماً وعمياً في الآخرة، كما جعلهم في الدنيا.

وروي في إحدى الروايتين، عن ابن عباس أنه قال: هذا من المكتوم الذي لا يفسر.

ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من العقوبة وغيرها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

كما يقال: طغى الماء، وطغت النّار ويَعْمَهُونَ: معناه: يتردَّدون حيرةً، والعَمَهُ الحَيْرَةُ من جهة النّظر، والعامة الذي كأنه لا يبصر.

قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً ...

إلى قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ: قال الفَخْر «١» : اعلم أن المقصود من ضرب المِثَالِ أنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفْسِهِ لأن الغرض من المَثَل تشبيه الخَفِيِّ بِالجَلِيِّ، والغائب بالشاهدِ، فيتأكَّد الوقوفُ على ماهيته، ويصير الحس مطابقاً للعقل وذلك هو النهاية في الإِيضاح ألا ترى أنَّ الترغيب والترهيب إِذا وقع مجرَّداً عن ضرب مَثَلٍ، لم يتأكَّد وقوعه في القلب كتأكُّده مع ضرب المثل، ولهذا أكثر اللَّه تعالى في كتابه المبين، وفي سائر كتبه الأمثالَ، قال تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٢١] انتهى.

والمَثَل والمِثْل والمَثِيلُ واحدٌ، معناه: الشبيه، قاله أهل اللغة.

واسْتَوْقَدَ: قيل: معناه أوقد.

واختلف المتأولون في فعل المنافقين الذي يشبه فعل الذي استوقد ناراً فقالت فرقةٌ:

هي فيمن كان آمن، ثم كفر بالنفاقِ، فإِيمانه بمنزلة النار أضاءت، وكفره بعد بمنزلة انطفائها، وذهابِ النور، وقالت فرقةٌ، منهم قتادة: نطقهم ب «لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» والقُرْآنِ كإِضاءة النار، واعتقادهم الكفر بقلوبهم كانطفائها «٢» ، قال جمهورُ النحاة: جواب «لَمَّا» :

«ذَهَبَ» ويعود الضمير من نورهم على «الذي» ، وعلى هذا القولِ يتمُّ تمثيل المنافق بالمستوقِدِ لأنَّ بقاء المستوقِدِ في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق على الخلاف المتقدِّم.

وقال قومٌ «٣» : جوابُ «لَمَّا» مضمرٌ، وهو «طُفِئَتْ» ، فالضمير في «نُورِهِمْ» على هذا

للمنافقين، والإخبار بهذا هو عن حال لهم تكونُ في الآخرة، وهو قوله تعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ ...

الآيةَ [الحديد: ١٣] وهذا القول غير قويٍّ.

والأصم: الذي لا يسمع، والأبكم: الذي لا ينطق، ولا يفهم، فإِذا فهم، فهو الأخرس، وقيل: الأبكم والأخرس واحدٌ، ووصفهم بهذه الصفات إِذْ أعمالهم من الخطإ وعدم الإِجابة كأعمال من هذه صفته.

و «صُمٌّ» : رفع على خبر الابتداء، إما على تقدير تكرير «أُولَئِكَ» ، أو إِضمارهم.

وقوله تعالى: فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ قيل: معناه: لا يؤمنون بوجْهٍ، وهذا إنما يصح أنْ لو كانت الآية في معيَّنينِ، وقيل: معناه: فهم لا يرجعونَ ما داموا على الحال التي وصفهم بها، وهذا هو الصحيحُ.

أَوْ كَصَيِّبٍ: «أَوْ» : للتخيير، معناه مثِّلوهم بهذا أو بهذا، والصَّيِّبُ المطر من:

١١ ب صَابَ يَصُوبُ، إِذا/ انحط من عُلْو إِلى سفل.

وظُلُماتٌ: بالجمع: إِشارة إِلى ظلمة الليل وظلمة الدجن، ومن حيث تتراكب وتتزيد جُمِعَتْ، وكون الدجن مظلماً هول وغم للنفوس بخلاف السحاب والمطر، إذا انجلى دجنه، فإنه سارٌّ جميل.

واختلف العلماء في «الرَّعْدِ» ، فقال ابن عباس ومجاهد وشَهْرُ بن حَوْشَبٍ «١» وغيرهم: هو مَلَكٌ يزجرُ السحابَ بهذا الصوتِ المسموعِ كلَّما خالفتْ سحابةٌ، صاح بها، فإِذا اشتد غضبه، طارت النار من فيه، فهي الصواعقُ، واسم هذا الملك: الرّعد «٢» .

وقيل: الرَّعْدُ مَلَكٌ، وهذا الصوت تسبيحُهُ.

وقيل: الرعد: اسم الصوْتِ المسموعِ قاله عليُّ بن أبي طالب «١» .

وأكثر العلماء على أن الرعد ملكٌ، وذلك صوته يسبِّح ويزجرُ السحابَ.

واختلفوا في البَرْقِ.

فقال علي بن أبي طالب وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «هُوَ مِخْرَاقُ حَدِيدٍ بِيَدِ المَلَكِ يَسُوقُ بِهِ السَّحَابَ» وهذا أصحُّ ما روي فيه «٢» .

وقال ابن عبَّاس: هو سَوط نور بيد المَلَكِ يزجي به السحَابَ «٣» ، وروي عنه: أنَّ البرق ملك يتراءى «٤» .

واختلف المتأوّلون في المقصد بهذا المثل، وكيف تترتب أحوالُ المنافقينَ المُوَازِنَةُ لما في المَثَل من الظلماتِ والرعْدِ والبرقِ والصواعِقِ.

فقال جمهور المفسِّرين: مَثَّلَ اللَّه تعالى القُرْآنَ بالصَّيِّبِ، فما فيه من الإشكال عليهم والعمى هو الظلماتُ، وما فيه من الوعيدِ والزجْرِ هو الرعْدُ، وما فيه من النُّور والحُجَج الباهرة هو البَرْقُ، وتخوُّفهم ورَوْعُهُمْ وحَذَرُهم هو جَعْلُ أصابعهم في آذانهم، وفَضْحُ نفاقهم، واشتهارُ كفرهم، وتكاليفُ الشرع التي يكرهونها من الجهادِ والزكاةِ ونحوه هي الصواعقُ، وهذا كله صحيحٌ بيِّن.

وقال ابنُ مسعود: إِن المنافقين في مجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلم كانُوا يجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن، فضرب اللَّه المثل لهم «٥» ، وهذا وفاقٌ لقول الجمهور.

ومُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ معناه: بعقابهم، يقال: أحاط السلطان بفلانٍ، إِذا أخذه أخذًا حاصرًا من كل جهة، ومنه قوله تعالى: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [الكهف: ٤٢] .

ويَكادُ فعل ينفي المعنى مع إِيجابه، ويوجبه مع النفي «١» ، فهنا لم يخطف البرق الأبصار، والخَطْفُ: الانتزاعُ بسرعة، ومعنى يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ، تكاد حجج القرآن وبراهينه وآياته الساطعة تبهرهم، ومن جعل البَرْقَ في المثل الزجْرَ والوعيدَ، قال:

يكاد ذلك يصيبهم.

و «كُلَّمَا» : ظرفٌ، والعامل فيه «مَشَوْا» ، و «قَامُوا» معناه: ثَبَتُوا، ومعنى الآية فيما روي عن ابن عَبَّاس وغيره: كلَّما سمع المنافقون القرآن، وظهرت لهم الحججُ، أنسوا ومشوا معه، فإذا نَزَلَ من القرآن ما يعمهون فيه، ويضلون به، أو يكلَّفونه، قاموا، أي:

ثَبَتُوا على نفاقهم.

وروي عن ابن مسعودٍ أنَّ معنى الآية: كلَّما صلُحَتْ أحوالهم في زروعهم ومواشِيهِمْ، وتوالَتْ عليهم النّعم، قالوا: دين محمَّد دِينٌ مبارَكٌ، وإِذا نزلت بهم مصيبةٌ أَو أصابتهم شدَّة، سَخِطُوه وثَبَتُوا في نفاقهم «٢» .

ووحَّد السمع لأنه مصدر يقع للواحد والجمع.

١٢ أوقوله سبحانه: عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لفظه العمومُ، ومعناه عند/ المتكلِّمين: فيما يجوز وصفه تعالى بالقدرة عليه، وقديرٌ بمعنى قَادِرٍ، وفيه مبالغةٌ، وخَصَّ هنا سبحانه صفتَهُ الَّتي هي القدرةُ- بالذِّكُر لأنه قد تقدَّم ذكر فعلٍ مضمَّنه الوعيدُ والإِخافةُ، فكان ذكر القدرة مناسباً لذلك.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ ﴾ يَكادُ بِمَعْنى: يُقارِبُ، وهي كَلِمَةٌ إذا أُثْبِتَتِ انْتَفى الفِعْلُ، وإذا نُفِيَتْ ثَبَتَ الفِعْلُ.

وسُئِلَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ فَقِيلَ لَهُ.

أنَحْوِيُّ هَذا العَصْرِ ما هِي كَلِمَةٌ جَرَتْ بِلِسانَيَّ جُرْهُمٍ وثَمُودَ إذا نَفَيْتَ واللَّهُ يَشْهَدُ أثْبَتَتْ ∗∗∗ وإنْ أثْبَتَتْ قامَتْ مَقامَ جُحُودِ وَيَشْهَدُ لِلْإثْباتِ عِنْدَ النَّفْيِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها  ﴾ ومِثْلُهُ ﴿ وَلا يَكادُ يُبِينُ  ﴾ ويَشْهَدُ لِلنَّفْيِ عِنْدَ الإثْباتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَكادُ البَرْقُ  ﴾ و ﴿ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ  ﴾ و ﴿ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ  ﴾ .

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كادَ: بِمَعْنى هَمَّ ولَمْ يَفْعَلْ.

وقَدْ جاءَتْ بِمَعْنى [الإثْباتِ ] قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ولَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ ∗∗∗ لِعَيْنَيْهِ مَيٌّ سافِرًا كادَ يَبْرَقُ أيْ: لَوْ تَعَرَّضَتْ لَهُ لَبَرَقَ، أيْ: دَهِشَ وتَحَيَّرَ.

قُلْتُ: وقَدْ قالَ ذُو الرُّمَّةِ في المَنفِيَّةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها تُسْتَعْمَلُ لِلْإثْباتِ، وهو قَوْلُهُ: إذا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ∗∗∗ رَسِيسَ الهَوى مِن حُبِّ مِيَّةَ يَبْرَحُ أرادَ: لَمْ يَبْرَحْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ ﴾ .

قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الياءِ، وسُكُونِ الخاءِ وفَتْحِ الطّاءِ.

وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ، وأبانُ بْنُ يَزِيدَ كِلاهُما عَنْ عاصِمٍ، بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الخاءِ، وكَسْرِ الطّاءِ مُخَفَّفًا.

ورَواهُ الجَعْفِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الخاءِ، وتَشْدِيدِ الطّاءِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ الياءَ.

وعَنْهُ: فَتْحُ الياءِ والخاءِ مَعَ كَسْرِ الطّاءِ المُشَدَّدَةِ.

وَمَعْنى "يَخْطِفُ" يَسْتَلِبُ وأصْلُ الِاخْتِطافِ: الِاسْتِلابُ، ويُقالُ لِما يَخْرُجُ بِهِ الدَّلْوُ: خُطّافٌ، لِأنَّهُ يَخْتَطِفُ ما عُلِّقَ بِهِ.

قالَ النّابِغَةُ: خَطاطِيفُ حُجْنٌ في حِبالٍ مَتِنَةٍ ∗∗∗ تَمُدُّ بِها أيْدٍ إلَيْكَ نَوازِعُ والحَجْنُ: المُتَعَقِّفَةُ، وجَمَلٌ خَيْطَفٍ: سَرِيعُ المَرِّ، وتِلْكَ السُّرْعَةُ الخَطْفى.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّما أضاءَ لَهُمْ ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ضاءَ الشَّيْءَ يَضُوءُ، وأضاءَ يُضِيءُ، وهَذِهِ اللُّغَةُ الثّانِيَةُ هي المُخْتارَةُ.

* فَصْلٌ واخْتَلَفَ العُلَماءُ ما الَّذِي يُشْبِهُ الرَّعْدَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ المُنافِقِينَ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ التَّخْوِيفُ الَّذِي في القُرْآَنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ ما يَخافُونَ أنْ يُصِيبَهم مِنَ المَصائِبِ إذا عَلِمَ النَّبِيُّ والمُؤْمِنُونَ بِنِفاقِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما يَخافُونَهُ مِنَ الدُّعاءِ إلى الجِهادِ وقِتالِ مَن يُبْطِنُونَ مَوَدَّتَهُ، ذَكَرَهُ شَيْخُنا.

واخْتَلَفُوا ما الَّذِي يُشْبِهُ البَرْقَ مِن أحْوالِهِمْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُهُما: أنَّهُ ما يَتَبَيَّنُ لَهم مِن مَواعِظِ القُرْآنِ وحِكَمِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ ما يُضِيءُ لَهم مِن نُورِ إسْلامِهِمُ الَّذِي يُظْهِرُونَهُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مَثَلٌ لِما يَنالُونَهُ بِإظْهارِ الإسْلامِ مِن حَقْنِ دِمائِهِمْ، فَإنَّهُ بِالإضافَةِ إلى ما ذَخَرَ لَهم في الأجَلِ كالبَرْقِ.

واخْتَلَفُوا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ ﴾ عَلى قَوْلَيْنِ أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَفِرُّونَ مِن سَماعِ القُرْآَنِ لِئَلّا يَأْمُرُهم بِالجِهادِ مُخالَفَةَ المَوْتِ، قالَهُ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ القُرْآَنِ كَراهِيَةً لَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

واخْتَلَفُوا في مَعْنى ﴿ كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ ﴾ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: كُلَّما أتاهُمُ القُرْآنُ بِما يُحِبُّونَ تابَعُوهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّ إضاءَةَ البَرْقِ حُصُولُ ما يَرْجُونَهُ مِن سَلامَةِ نُفُوسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَيُسْرِعُونَ إلى مُتابَعَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ تَكَلُّمُهم بِالإسْلامِ، ومَشْيُهم فِيهِ، اهْتِداؤُهم بِهِ، فَإذا تَرَكُوا ذَلِكَ وقَفُوا في ضَلالَةٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: أنَّ إضاءَتَهُ لَهُمْ: تَرْكُهم بِلا ابْتِلاءٍ ولا امْتِحانٍ، ومَشْيُهم فِيهِ: إقامَتُهم عَلى المُسالَمَةِ بِإظْهارِ ما يُظْهِرُونَهُ.

ذَكَرَهُ شَيْخُنا.

فَأمّا *** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ ﴾ فَمَن قالَ: إضاءَتُهُ: إتْيانُهُ إيّاهم بِما يُحِبُّونَ، قالَ: إظْلامُهُ: إتْيانُهُ إيّاهم بِما يَكْرَهُونَ.

وعَلى هَذا سائِرُ الأقْوالِ الَّتِي ذَكَرْناها بِالعَكْسِ.

وَمَعْنى (قامُوا): وقَفُوا.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ: لَوْ شاءَ لَأذْهَبَ أسْماعَهم وأبْصارَهم عُقُوبَةً لَهم.

قالَ مُجاهِدٌ: مِن أوَّلِ البَقَرَةِ أرْبَعُ آياتٍ في نَعْتِ المُؤْمِنِينَ، وآيَتانِ في نَعْتِ الكافِرِينَ، وثَلاثَ عَشْرَةَ في نَعْتِ المُنافِقِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أو كَصَيِّبٍ مِنَ السَماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ واللهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ ﴾ ﴿ يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهم كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا ولَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ إنَّ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ "أوَ" لِلتَّخْيِيرِ، مَعْناهُ: مَثَلُوهم بِهَذا، أو بِهَذا، لا عَلى الِاقْتِصارِ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أو كَصَيِّبٍ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ كَمَثَلِ الَّذِي  ﴾ وقالَ الطَبَرِيُّ: "أوَ" بِمَعْنى "الواوَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عُجْمَةٌ.

و"الصَيِّبُ" المَطَرُ، مِن صابَ يَصُوبُ إذا انْحَطَّ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: كَأنَّهم صابَتْ عَلَيْهِمْ سَحابَةٌ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ وقَوْلُ الآخَرِ: فَلَسْتَ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلْأكٍ ∗∗∗ تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَماءِ يَصُوبُ وأصْلُ "صَيِّبٍ" صَيُوبٌ، اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ، وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ كَما فَعَلَ في سَيِّدٍ ومَيِّتٍ.

وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: أصْلُ "صَيِّبٍ" صُوَيْبٍ عَلى مِثالِ فَعِيلٍ، وكانَ يَلْزَمُهُ ألّا يُعَلَّ كَما لَمْ يُعَلَّ طَوِيلٌ، فَبِهَذا يَضْعُفُ هَذا القَوْلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ظُلُماتٌ" بِالجَمْعِ إشارَةٌ إلى ظُلْمَةِ اللَيْلِ، وظُلْمَةُ الدَجْنِ، ومِن حَيْثُ تَتَراكَبُ وتَتَزايَدُ جُمِعَتْ، وكَوْنُ الدَجْنِ مُظْلِمًا هَوْلٌ وغَمٌّ لِلنَّفْسِ، بِخِلافِ السَحابِ والمَطَرِ إذا انْجَلى دَجْنُهُ، فَإنَّهُ سارٌّ جَمِيلٌ ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ: فَما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ القَطا ∗∗∗ كَأنَّ المَصابِيحَ حَوْذانُها بِأحْسَنَ مِنها، ولا مُزْنَةَ ∗∗∗ دَلُوحٌ تَكَشَّفَ أدْجانُها واخْتَلَفَ العُلَماءُ في "الرَعْدِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وغَيْرُهُمْ: هو مَلِكٌ يَزْجُرُ السَحابَ بِهَذا الصَوْتِ المَسْمُوعِ، كُلَّما خالَفَتْ سَحابَةٌ صاحَ بِها، فَإذا اشْتَدَّ غَضَبُهُ طارَ النارُ مِن فِيهِ فَهي الصَواعِقُ، واسْمُ هَذا المَلِكِ: الرَعْدُ، وقِيلَ: الرَعْدُ مَلِكٌ وهَذا الصَوْتُ تَسْبِيحُهُ، وقِيلَ: الرَعْدُ اسْمُ الصَوْتِ المَسْمُوعِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهَذا هو المَعْلُومُ في لُغَةِ العَرَبِ، وقَدْ قالَ لَبِيدٌ في جاهِلِيَّتِهِ: فَجَّعَنِي الرَعْدُ والصَواعِقُ بِالفا ∗∗∗ رِسِ يَوْمَ الكَرِيهَةِ النَجْدِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الرَعْدُ رِيحٌ تَخْتَنِقُ بَيْنَ السَحابِ فَتُصَوِّتُ ذَلِكَ الصَوْتَ، وقِيلَ: الرَعْدُ اصْطِكاكُ أجْرامِ السَحابِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ الرَعْدَ مَلَكٌ، وذَلِكَ صَوْتُهُ يُسَبِّحُ ويَزْجُرُ السَحابَ.

واخْتَلَفُوا في "البَرْقِ"، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو مِخْراقٌ حَدِيدٌ بِيَدِ المَلَكِ يَسُوقُ بِهِ السَحابَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو سَوْطُ نُورٍ بِيَدِ المَلَكِ يُزْجِي بِهِ السَحابَ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنَّ البَرْقَ مَلَكٌ يَتَراءى.

وقالَ قَوْمٌ: البَرْقُ ماءٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.

والصاعِقَةُ: قالَ الخَلِيلُ: هي الواقِعَةُ الشَدِيدَةُ مِن صَوْتِ الرَعْدِ، يَكُونُ مَعَها أحْيانًا قِطْعَةُ نارٍ، يُقالُ: إنَّها مِنَ المِخْراقِ الَّذِي بِيَدِ المَلَكِ، وقِيلَ في قِطْعَةِ النارِ: إنَّها ما يَخْرُجُ مِن فَمِ المَلَكِ عِنْدَ غَضَبِهِ.

وَحَكى الخَلِيلُ عن قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ: الساعِقَةُ بِالسِينِ.

وقالَ النَقّاشُ: يُقالُ: صاعِقَةٌ وصَعْقَةٌ وصاقِعَةٌ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مِنَ الصَواقِعِ" بِتَقْدِيمِ القافِ.

قالَ أبُو عَمْرٍو: وهي لُغَةُ تَمِيمٍ.

وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: "حَذارِ المَوْتَ" بِكَسْرِ الحاءِ وبِألِفٍ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المَقْصِدِ بِهَذا المَثَلِ، وكَيْفَ تَتَرَتَّبُ أحْوالُ المُنافِقِينَ المُوازِنَةُ لِما في المَثَلِ مِنَ الظُلُماتِ، والرَعْدِ، والبَرْقِ، والصَواعِقِ.

فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: مَثَّلَ اللهُ تَعالى القُرْآنَ بِالصَيِّبِ لِما فِيهِ مِنَ الإشْكالِ عَلَيْهِمْ، والعَمى: هو الظُلُماتُ وما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ، والزَجْرُ: هو الرَعْدُ، وما فِيهِ مِنَ النُورِ والحُجَجِ الباهِرَةِ الَّتِي تَكادُ أنْ تُبْهِرَهم هو البَرْقُ، وتُخَوِّفَهم ورَوَّعَهم وحَذَّرَهم هو جَعْلُ أصابِعِهِمْ في آذانِهِمْ، وفَضْحِ نِفاقِهِمْ واشْتِهارِ كُفْرِهِمْ وتَكالِيفِ الشَرْعِ الَّتِي يَكْرَهُونَها مِنَ الجِهادِ والزَكاةِ ونَحْوِهِ هي الصَواعِقُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ صَحِيحٌ بَيِّنٌ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «إنَّ رَجُلَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ هَرَبا مِنَ النَبِيِّ  إلى المُشْرِكِينَ فَأصابَهُما هَذا المَطَرُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ، وأيْقَنا بِالهَلْكِ فَقالا: لَيْتَنا أصْبَحْنا فَنَأْتِي مُحَمَّدًا، ونَضَعُ أيْدِينا في يَدِهِ، فَأصْبَحا وأتَياهُ وحَسُنَ إسْلامُهُما، فَضَرَبَ اللهُ ما نَزَلَ بِهِما مَثَلًا لِلْمُنافِقِينَ».

وقالَ أيْضًا ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ المُنافِقِينَ في مَجْلِسِ رَسُولِ اللهِ  كانُوا يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ لِئَلّا يَسْمَعُوا القُرْآنَ، فَضَرَبَ اللهُ المَثَلَ لَهُمْ، وهَذا وِفاقٌ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ الَّذِي ذَكَرْناهُ.

وقالَ قَوْمٌ: الرَعْدُ والبَرْقُ هُما بِمَثابَةِ زَجْرِ القُرْآنِ ووَعِيدِهِ.

و ﴿ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ ﴾ مَعْناهُ: بِعِقابِهِ وأخْذِهِ، يُقالُ: أحاطَ السُلْطانُ بِفُلانٍ إذا أخَذَهُ أخْذًا حاصِرًا مِن كُلِّ جِهَةٍ.

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ  ﴾ ، فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ، و"يَكادُ" فِعْلٌ يَنْفِي المَعْنى مَعَ إيجابِهِ، ويُوجِبُهُ مَعَ النَفْيِ، فَهُنا لَمْ يَخْطِفِ البَرْقُ الأبْصارَ، والخَطْفُ الِانْتِزاعُ بِسُرْعَةٍ.

واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في هَذِهِ اللَفْظَةِ، فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَخْطِفُ أبْصارَهُمْ" بِفَتْحِ الياءِ والطاءِ وسُكُونِ الخاءِ عَلى قَوْلِهِمْ في الماضِي خَطِفَ بِكَسْرِ الطاءِ، وهي أفْصَحُ لُغاتِ العَرَبِ، وهي قُرَشِيَّةٌ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "يَخْطِفُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الخاءِ وكَسْرِ الطاءِ عَلى قَوْلِ بَعْضِ العَرَبِ في الماضِي "خَطَفَ" بِفَتْحِ الطاءِ.

ونَسَبَ المَهْدَوِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ إلى الحَسَنِ وأبِي رَجاءٍ، وذَلِكَ وهْمٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ: يَخِطِّفُ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الخاءِ والطاءِ وتَشْدِيدِ الطاءِ، وهَذِهِ أصْلُها "يَخْتَطِفُ" أُدْغِمَتِ التاءُ في الطاءِ وكُسِرَتِ الخاءُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ.

وحَكى ابْنُ مُجاهِدٍ قِراءَةً لَمْ يَنْسُبْها إلى أحَدٍ "يَخَطِّفُ" بِفَتْحِ الياءِ والخاءِ وتَشْدِيدِ الطاءِ المَكْسُورَةِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: أصْلُها "يَخْتَطِفُ"، نُقِلَتْ حَرَكَةُ التاءِ إلى الخاءِ، وأُدْغِمَتِ التاءُ في الطاءِ.

وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ: "يَخَطِّفُ" بِفَتْحِ الياءِ والخاءِ والطاءِ وشَدِّها، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ والأعْمَشِ بِكَسْرِ الثَلاثَةِ وشَدِّ الطاءِ مِنها، وهَذِهِ أيْضًا أصْلُها يَخْتَطِفُ.

أدْغَمَ وكُسِرَتِ الخاءُ لِلِالتِقاءِ، وكُسِرَتِ الياءُ إتْباعًا.

وقالَ عَبْدُ الوارِثِ: رَأيْتُها في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "يَتَخَطَّفُ" بِالتاءِ بَيْنَ الياءِ والخاءِ، وقالَ الفَرّاءُ: قَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الخاءِ وشَدِّ الطاءِ مَكْسُورَةً، قالَ أبُو الفَتْحِ: إنَّما هو اخْتِلاسٌ وإخْفاءٌ فَيَلْطُفُ عِنْدَهم فَيَرَوْنَ أنَّهُ إدْغامٌ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ لِأنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ دُونَ عُذْرٍ، وحَكى الفَرّاءُ قِراءَةً عن بَعْضِ الناسِ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ وشَدِّ الطاءِ مَكْسُورَةً كَأنَّهُ تَشْدِيدُ مُبالَغَةٍ لا تَشْدِيدُ تَعْدِيَةٍ.

ومَعْنى: ﴿ يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ ﴾ : تَكادُ حُجَجُ القُرْآنِ وبَراهِينُهُ وآياتُهُ الساطِعَةُ تُبْهِرُهم.

ومَن جَعَلَ البَرْقَ في المَثَلِ الزَجْرَ والوَعِيدَ، قالَ: يَكادُ ذَلِكَ يُصِيبُهُمْ، و"كُلَّما" ظَرْفٌ والعامِلُ فِيهِ "مَشَوْا"، وهو أيْضًا جَوابُ "كُلَّما"، و"أضاءَ" صِلَةُ "ما"، ومَن جَعَلَ "أضاءَ" يَتَعَدّى، قَدَّرَ لَهُ مَفْعُولًا، ومَن جَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ "ضاءَ" اسْتَغْنى عن ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أضا لَهُمْ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، وهي لُغَةٌ.

وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "مَرُّوا فِيهِ"، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مَضَوْا فِيهِ"، وقَرَأ الضَحّاكُ: "وَإذا أظْلَمَ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللامِ.

و"قامُوا" مَعْناهُ: ثَبَتُوا؛ لِأنَّهم كانُوا قِيامًا، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: وقَدْ أقامَ الدَهْرُ صَعْرِي ∗∗∗ بَعْدَ أنْ أقَمْتُ صَعْرَهُ يُرِيدُ أثْبَتَ الدَهْرُ ومَعْنى الآيَةِ فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ: كُلَّما سَمِعَ المُنافِقُونَ القُرْآنَ، وظَهَرَتْ لَهُمُ الحُجَجُ، أنِسُوا ومَشَوْا مَعَهُ، فَإذا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ما يَعْمُونَ فِيهِ ويَضِلُّونَ بِهِ أو يُكَلِّفُونَهُ، قامُوا أيْ ثَبَتُوا عَلى نِفاقِهِمْ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: كُلَّما صَلَحَتْ أحْوالُهم في زُرُوعِهِمْ ومَواشِيهِمْ وتَوالَتْ عَلَيْهِمُ النِعَمُ قالُوا: دِينُ مُحَمَّدٍ دِينٌ مُبارَكٌ، وإذا نَزَلَتْ بِهِمْ مُصِيبَةٌ أو أصابَتْهم شِدَّةٌ سَخِطُوهُ وثَبَتُوا في نِفاقِهِمْ.

وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ: كُلَّما خَفِيَ عَلَيْكم نِفاقُهُمْ، وظَهَرَ لَكم مِنهُمُ الإيمانُ مَشَوْا فِيهِ، فَإذا افْتَضَحُوا عِنْدَكم قامُوا.

ووَحَّدَ السَمْعَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ.

وحَكى النَقّاشُ أنَّ مِنَ العُلَماءِ مَن قَرَأ: "بِأسْماعِهِمْ".

وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأذْهَبَ أسْماعَهم وأبْصارَهُمْ"، وخَصَّ الأسْماعَ والأبْصارَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِها في الآيَةِ، ويُشْبِهُ هَذا المَعْنى في حالِ المُنافِقِينَ أنَّ اللهَ لَوْ شاءَ لَأوقَعَ بِهِمْ ما يَتَخَوَّفُونَهُ مِنَ الزَجْرِ والوَعِيدِ، أو لِفَضْحِهِمْ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ، وسَلَّطَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، وبِكُلِّ مَذْهَبٍ مِن هَذَيْنَ قالَ قَوْمٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ لَفْظُهُ العُمُومُ، ومَعْناهُ عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَجُوزُ وصْفُهُ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ، و"قَدِيرٌ" بِمَعْنى قادِرٌ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ، وخَصَّ هُنا صِفَتَهُ الَّتِي هي القُدْرَةُ بِالذِكْرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ فِعْلٍ مُضَمِّنُهُ الوَعِيدَ والإخافَةَ، فَكانَ ذِكْرُ القُدْرَةِ مُناسِبًا لِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الأظهر أن تكون جملة: ﴿ يجعلون ﴾ حالاً اتضح بها المقصود من الهيئة المشبه بها لأنها كانت مجملة، وأما جملة: ﴿ يكاد البرق ﴾ فيجوز كونها حالاً من ضمير ﴿ يجعلون ﴾ ، لأن بها كمال إيضاح الهيئة المشبه بها ويجوز كونها استئنافاً لبيان حال الفريق عند البرق نشأ عن بيان حالهم عند الرعد.

وجملة: ﴿ كلما أضاء لهم مشوا فيه ﴾ حال من (البرق) أو من ضمير (أبصارهم) لا غير، وفي هذا تشبيه لجزع المنافقين من آيات الوعيد بما يعتري القائم تحت السماء حين الرعد والبرق والظلمات فهو يخشى استكاك سمعه ويخشى الصواعق حذر الموت ويعشيه البرق حين يلمع بإضاءة شديدة ويعمي عليه الطريق بعد انقطاع لمعانه.

وقوله: ﴿ كلما أضاء لهم ﴾ تمثيل لحال حيرة المنافقين بحال حيرة السائرين في الليل المظلم المرعد المبرق.

وقوله: ﴿ والله محيط بالكافرين ﴾ اعتراض للتذكير بأن المقصود التمثيل لحال المنافقين في كفرهم لا لمجرد التفنن في التمثيل.

وقوله: ﴿ ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ﴾ رجوع إلى وعيد المنافقين الذين هم المقصود من التمثيل فالضمائر التي في جملة ﴿ ولو شاء الله ﴾ راجعة إلى أصل الكلام، وتوزيع الضمائر دل عليه السياق.

فعبر عن زواجر القرآن بالصواعق وعن انحطاط قلوب المنافقين وهي البصائر عن قرار نور الإيمان فيها بخطف البرق للأبصار، وإلى نحو من هذا يشير كلام ابن عطية نقلاً عن جمهور المفسرين وهو مجاز شائع، يقال فلان يرعد ويبرق، على أن بناءه هنا على المجاز السابق يزيده قبولاً، وعبر عما يحصل للمنافقين من الشك في صحة اعتقادهم بمشي الساري في ظلمة إذا أضاء له البرق، وعن إقلاعهم عن ذلك الشك حين رجوعهم إلى كفرهم بوقوف الماشي عند انقطاع البرق على طريقة التمثيل، وخلل ذلك كله بتهديد لا يناسب إلا المشبهين وهو ما أفاده الاعتراض بقوله: ﴿ والله محيط بالكافرين ﴾ وقوله: ﴿ ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ﴾ فجاء بهذه الجمل الحالية والمستأنفة تنبيهاً على وجه الشبه وتقريراً لقوة مشابهة الزواجر وآيات الهدى والإيمان بالرعد والبرق في حصول أثري النفع والضر عنهما مع تفنن في البلاغة وطرائق الحقيقة والمجاز.

وجعل في «الكشاف» الجمل الثلاث مستأنفاً بعضها عن بعض بأن تكون الأولى استئنافاً عن جملة: ﴿ أو كصيب ﴾ [البقرة: 19] والثانية وهي: ﴿ يكاد البرق ﴾ مستأنفة عن جملة: ﴿ يجعلون ﴾ لأن الصواعق تستلزم البرق، والثالثة وهي: ﴿ كلما أضاء لهم مشوا ﴾ مستأنفة عن قوله: ﴿ يكاد البرق ﴾ والمعنى عليه ضعيف وهو في بعضها أضعف منه في بعض كما أشرنا إليه آنفاً.

والجعل والأصابع مستعملان في حقيقتهما على قول بعض المفسرين لأن الجعل هو هنا بمعنى النوط، والظرفية لا تقتضي الإحاطة فجعل بعض الإصبع في الأذن هو جعل للإصبع فتمثل بعض علماء البيان بهذه الآية للمجاز الذي علاقته الجزئية تسامح ولذلك عبر عنه صاحب «الكشاف» بقوله هذا من الاتساعات في اللغة التي لا يكاد الحاصر يحصرها كقوله: ﴿ فاغسلوا وجوهكم ﴾ [المائدة: 6] ﴿ فاقطعوا أيديهما ﴾ [المائدة: 38] ومنه قولك مسحت بالمنديل، ودخلت البلد، وقيل ذلك مجاز في الأصابع، وقيل مجاز في الجعل ولمن شاء أن يجعله مجازاً في الظرفية فتكون تبعية لكلمة (في).

و (من) في قوله: ﴿ من الصواعق ﴾ للتعليل أي لأجل الصواعق إذ الصواعق هي علة جعل الأصابع في الآذان ولا ضير في كون الجعل لاتقائها حتى يقال يلزم تقدير مضاف نحو ترك واتقاء إذ لا داعي إليه، ونظير هذا قولهم سقاه من العيمة (بفتح العين وسكون الياء وهي شهوة اللبن) لأن العيمة سبب السقي والمقصود زوالها إذ المفعول لأجله هو الباعث وجوده على الفعل سواء كان مع ذلك غاية للفعل وهو الغالب أم لم يكن كما هنا.

والصواعق جمع صاعقة وهي نار تندفع من كهربائية الأسحبة كما تقدم آنفاً.

وقوله: ﴿ حذر الموت ﴾ مفعول لأجله وهو هنا علة وغاية معاً.

ومن بديع هذا التمثيل أنه مع ما احتوى عليه من مجموع الهيئة المركبة المشبه بها حال المنافقين حين منازعة الجواذب لنفوسهم من جواذب الاهتداء وترقبها ما يفاض على نفوسهم من قبول دعوة النبيء وإرشاده مع جواذب الإصرار على الكفر وذبهم عن أنفسهم أن يعلق بها ذلك الإرشاد حينما يخلون إلى شياطينهم، هو مع ذلك قابل لتفريق التشبيه في مفرداته إلى تشابيه مفردة بأن يشبه كل جزء من مجموع الهيئة المشبهة لجزء من مجموع هيئة قوم أصابهم صيب معه ظلمات ورعد وصواعق لا يطيقون سماع قصفها ويخشون الموت منها وبرق شديد يكاد يذهب بأبصارهم وهم في حيرة بين السير وتركه.

وقوله: ﴿ والله محيط بالكافرين ﴾ اعتراض راجع للمنافقين إذ قد حق عليهم التمثل واتضح منه حالهم فآن أن ينبه على وعيدهم وتهديدهم وفي هذا رجوع إلى أصل الغرض كالرجوع في قوله تعالى ﴿ ذهب الله بنورهم وتركهم ﴾ [البقرة: 17] الخ كما تقدم إلا أنه هنا وقع بطريق الاعتراض.

والإحاطة استعارة للقدرة الكاملة شبهت القدرة التي لا يفوتها المقدور بإحاطة المحيط بالمحاط على طريقة التبعية أو التمثيلية وإن لم يذكر جميع ما يدل على جميع المركب الدال على الهيئة المشبهة بها وقد استعمل هذا الخبر في لازمه وهو أنه لا يفلتهم وأنه يجازيهم على سوء صنعهم.

والخطف الأخذ بسرعة.

و (كلما) كلمة تفيد عموم مدخولها، و(ما) كافة لكل عن الإضافة أوهي مصدرية ظرفية أو نكرة موصوفة فالعموم فيها مستفاد من كلمة (كل).

وذكر (كلما) في جانب الإضاءة و(إذا) في جانب الإظلام لدلالة (كلما) على حرصهم على المشي وأنهم يترصدون الإضاءة فلا يفيتون زمناً من أزمان حصولها ليتبينوا الطريق في سيرهم لشدة الظلمة.

و {أضاء فعل يستعمل ومتعدياً باختلاف المعنى كما تقدم في قوله: ﴿ فلما أضاءت ما حوله ﴾ [البقرة: 17] وأظلم يستعمل قاصراً كثيراً ويستعمل متعدياً قليلاً.

والظاهر أم (أضاء) هنا متعد فمفعول (أضاء) محذوف لدلالة (مشوا) عليه وتقديره الممشى أو الطريق أي أضاء لهم البرق الطريق وكذلك (أظلم) أي وإذا أظلم عليهم البرق الطريق بأن أمسك وميضه فإسناد الإظلام إلى البرق مجاز لأنه تسبب في الإظلام.

ومعنى القيام عدم المشي أي الوقوف في الموضع.

وقوله تعالى: ﴿ ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ﴾ مفعول (شاء) محذوف لدلالة الجواب عليه وذلك شأن فعل المشيئة والإرادة ونحوهما إذا وقع متصلاً بما يصلح لأن يدل على مفعوله مثل وقوعه صلة لموصول يحتاج إلى خبر نحو ما شاء الله كان أي ما شاء كونه كان ومثل وقوعه شرطاً للو لظهور أن الجواب هو دليل المفعول وكذلك إذا كان في الكلام السابق قبل فعل المشيئة ما يدل على مفعول الفعل نحو قوله تعالى: ﴿ سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ﴾ [الأعلى: 6، 7] قال الشيخ في «دلائل الإعجاز»: إن البلاغة في أن يجاء به كذلك محذوفاً وقد يتفق في بعضه أن يكون إظهار المفعول هو الأحسن وذلك نحو قول الشاعر (هو إسحاق الخريمي مولى بني خريم من شعراء عصر الرشيد يرثي أبا الهيذام الخريمي حفيده ابن ابن عمارة).

ولو شئتُ أن أبكي دماً لبَكيته *** عليه ولكن ساحةُ الصبر أوسع وسبب حسنه أنه كأنه بدع عجيب أن يشاء الإنسان أن يبكي دماً فلما كان كذلك كان الأولى أن يصرح بذكره ليقرره في نفس السامع الخ كلامه وتبعه صاحب «الكشاف» وزاد عليه أنهم لا يحذفون في الشيء المستغرب إذ قال لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب الخ وهو مؤول بأن مراده أن عدم الحذف حينئذٍ يكون كثيراً.

وعندي أن الحذف هو الأصل لأجل الإيجاز فالبليغ تارة يستغني بالجواب فيقصد البيان بعد الإبهام وهذا هو الغالب في كلام العرب، قال طرفة: وإن شئتَ لم ترقل وإن شئت أرقلت، وتارة يبيّن بذكر الشرط أساس الإضمار في الجواب نحو البيت وقوله تعالى: ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه ﴾ [الأنبياء: 17] ويحسن ذلك إذا كان في المفعول غرابة فيكون ذكره لابتداء تقريره كما في بيت الخريمي والإيجاز حاصل على كل حال لأن فيه حذفاً إما من الأول أو من الثاني.

وقد يوهم كلام أئمة المعاني أن المفعول الغريب يجب ذكره وليس كذلك فقد قال الله تعالى: ﴿ قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة ﴾ [فصلت: 14] فإن إنزال الملائكة أمر غريب قال أبو العلاء المعري.

وإن شئتَ فازعُم أَنَّ مَن فوقَ ظهرها *** عبيدُكَ واستشهِد إلهك يَشْهَدِ فإن زعم ذلك زعم غريب.

والضمير في قوله: ﴿ بسمعهم وأبصارهم ﴾ ظاهره أن يعودوا إلى أصحاب الصيب المشبه بحالهم حال المنافقين لأن الإخبار بإمكان إتلاف الأسماع والأبصار يناسب أهل الصيب المشبه بحالهم بمقتضى قوله: ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم ﴾ وقوله: ﴿ يجعلون أصابعهم في آذانهم ﴾ والمقصود أن الرعد والبرق الواقعين في الهيئة المشبه بها هما رعد وبرق بلغا منتهى قوة جنسيهما بحيث لا يمنع قصيف الرعد من إتلاف أسماع سامعيه ولا يمنع وميض البرق من إتلاف أبصار ناظريه إلا مشيئة الله عدم وقوع ذلك لحكمة وفائدة ذكر هذا في الحالة المشبهة بها أن يسري نظيره في الحالة المشبهة وهي حالة المنافقين فهم على وشك انعدام الانتفاع بأسماعهم وأبصارهم انعداماً تاماً من كثرة عنادهم وإعراضهم عن الحق إلا أن الله لم يشأ ذلك استدراجاً لهم وإملاء ليزدادوا إثماً أو تلوماً لهم وإعذاراً لعل منهم من يثوب إلى الهدى وقد صيغ هذا المعنى في هذا الأسلوب لما فيه من التوجيه بالتهديد لهم أن يذهب الله سمعهم وأبصارهم من نفاقهم إن لم يبتدروا الإقلاع عن النفاق وذلك يكون له وقع الرعب في قلوبهم كما وقع لعتبة بن ربيعة لما قرأ عليه النبيء صلى الله عليه وسلم ﴿ فقُل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ [فصلت: 13].

فليس المقصود من اجتلاب لو في هذا الشرط إفادة ما تقتضيه (لو) من الامتناع لأنه ليس المقصود الإعلام بقدرة الله على ذلك بل المقصود إفادة لازم الامتناع وهو أن توفر أسباب إذهاب البرق والرعد أبصارَهم الواقعين في التمثيل متوفرة وهي كفران النعمة الحاصلة منهما إذ إنما رزقوهما للتبصر في الآيات الكونية وسماع الآيات الشرعية فلما أعرضوا عن الأمرين كانوا أحرياء بسلب النعمة إلا أن الله لم يشأ ذلك إمهالاً لهم وإقامة للحجة عليهم فكانت لو مستعملة مجازاً مرسلاً في مجرد التعليق إظهاراً لتوفر الأسباب لولا وجود المانع على حد قول أُبي بن سُلْمى بن ربيعة من شعراء «الحماسة» يصف فرسه: ولو طَار ذو حافر قبلَها *** لطارتْ ولكنه لم يطِرْ أي توفر فيها سبب الطيران، فالمعنى لو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم بزيادة ما في البرق والرعد من القوة فيفيد بلوغ الرعد والبرق قرب غاية القوة، ويكون لقوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ موقع عجيب.

وقوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ تذييل، وفيه ترشيح للتوجيه المقصود للتهديد زيادة في تذكيرهم وإبلاغاً لهم وقطعاً لمعذرتهم في الدنيا والآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ ﴾ في الصَّيِّبِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَطَرُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّهُ السَّحابُ، قالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ: كَأنَّهُمُ صابَتْ عَلَيْهِمْ سَحابَةٌ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ ∗∗∗ فَلا تَعْدِلِي بَيْنِي وبَيْنَ مُغَمِّرٍ ∗∗∗ سُقِيَتِ غَوادِي المُزْنِ حِينَ تَصُوبُ وَفِي الرَّعْدِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَلَكٌ يَنْعِقُ بِالغَيْثِ، كَما يَنْعِقُ الرّاعِي بِغَنَمِهِ، فَسُمِّيَ الصَّوْتُ رَعْدًا باسْمِ ذَلِكَ المَلَكِ، وبِهِ قالَ الخَلِيلُ.

والثّانِي: أنَّهُ رِيحٌ تَخْتَنِقُ تَحْتَ السَّحابِ فَتُصَوِّبُ ذَلِكَ الصَّوْتَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ صَوْتُ اصْطِكاكِ الأجْرامِ.

وَفِي البَرْقِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ ضَرْبُ المَلَكِ الَّذِي هو الرَّعْدُ لِلسَّحابِ بِمِخْراقٍ مِن حَدِيدٍ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

والثّانِي: أنَّهُ ضَرْبُهُ بِسَوْطٍ مِن نُورٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما يَنْقَدِحُ مِنِ اصْطِكاكِ الأجْرامِ.

والصَّواعِقُ جَمْعُ صاعِقَةٍ، وهو الشَّدِيدُ مِن صَوْتِ الرَّعْدِ تَقَعُ مَعَهُ قِطْعَةُ نارٍ، تَحْرِقُ ما أتَتْ عَلَيْهِ.

وَفِي تَشْبِيهِ المَثَلِ في هَذِهِ الآيَةِ أقاوِيلُ: أحَدُها: أنَّهُ مَثَلٌ لِلْقُرْآنِ، شَبَّهَ المَطَرَ المُنَزَّلَ مِنَ السَّماءِ بِالقُرْآنِ، وما فِيهِ مِنَ الظُّلُماتِ بِما في القُرْآنِ مِنَ الِابْتِلاءِ، وما فِيهِ مِنَ الرَّعْدِ بِما في القُرْآنِ مِنَ الزَّجْرِ، وما فِيهِ مِنَ البَرْقِ بِما في القُرْآنِ مِنَ البَيانِ، وما فِيهِ مِنَ الصَّواعِقِ بِما في القُرْآنِ مِنَ الوَعِيدِ الآجِلِ، والدُّعاءِ إلى الجِهادِ في العاجِلِ، وهَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ لِما يَخافُونَهُ مِن وعِيدِ الآخِرَةِ لِشَكِّهِمْ في دِينِهِمْ، وما فِيهِ مِنَ البَرْقِ بِما في إظْهارِ الإسْلامِ مِن حَقْنِ دِمائِهِمْ ومَناكِحِهِمْ ومَوارِيثِهِمْ، وما فِيهِ مِنَ الصَّواعِقِ بِما في الإسْلامِ مِنَ الزَّواجِرِ بِالعِقابِ في العاجِلِ والآجِلِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ضَرَبَ الصَّيِّبَ مَثَلًا بِظاهِرِ إيمانِ المُنافِقِ، ومَثَّلَ ما فِيهِ مِنَ الظُّلُماتِ بِصَلابَتِهِ، وما فِيهِ مِنَ البَرْقِ بِنُورِ إيمانِهِ، وما فِيهِ مِنَ الصَّواعِقِ بِهَلاكِ نِفاقِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ ﴾ مَعْناهُ: يَسْتَلِبُها بِسُرْعَةٍ.

﴿ كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا ﴾ وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُنافِقِينَ، وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: كُلَّما أضاءَ لَهُمُ الحَقُّ اتَّبَعُوهُ، وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ بِالهَوى تَرَكُوهُ.

والثّانِي مَعْناهُ: كُلَّما غَنِمُوا وأصابُوا مِنَ الإسْلامِ خَيْرًا، اتَّبَعُوا المُسْلِمِينَ، وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُصِيبُوا خَيْرًا، قَعَدُوا عَنِ الجِهادِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ ﴾ فالمُرادُ الجَمْعُ وإنْ كانَ بِلَفْظِ الواحِدِ.

كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ كُلُوا في نِصْفِ بَطْنِكُمُ تَعِيشُوا ∗∗∗ فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصٌ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والصابوني في المائتين عن ابن عباس قي قوله: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ الآية.

قال: هذا مثل ضربه الله للمنافقين، كانوا يعتزون بالإِسلام، فيناكحهم المسلمون، ويوارثونهم، ويقاسمونهم الفيء.

فلما ماتوا سلبهم الله العز كما سلب صاحب النار ضوءه ﴿ وتركهم في ظلمات ﴾ يقول في عذاب ﴿ صم بكم عمي ﴾ لايسمعون الهدى، ولا يبصرونه، ولا يعقلونه ﴿ أو كصيب ﴾ هو المطر.

ضرب مثله في القرآن ﴿ فيه ظلمات ﴾ يقول: ابتلاء ﴿ ورعد وبرق ﴾ تخويف ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم ﴾ يقول: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين ﴿ كلما أضاء لهم مشوا فيه ﴾ يقول: كلما أصاب المنافقون من الإِسلام عزاً اطمأنوا، فإن أصاب الإِسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر كقوله: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف..

﴾ [ الحج: 11] الآية.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناسٍ من الصحابة في قوله: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً...

﴾ الآية.

قال: إن ناساً دخلوا في الإِسلام مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ثم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة، فأوقد ناراً ف ﴿ أضاءت ما حوله ﴾ من قذى أو أذى، فأبصره حتى عرف ما يتقي.

فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فكذلك المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلال من الحرام، والخير من الشر، بينا هو كذلك إد كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر، فهم ﴿ صم بكم ﴾ فهم الخرس ﴿ فهم لا يرجعون ﴾ إلى الإِسلام.

وفي قوله: ﴿ أو كصيب...

﴾ الآية.

قال: كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله.

فيه رعد شديد، وصواعق، وبرق، فجعلا كلما أصابتهما الصواعق يجعلان أصابعهما في آذانهما من الفرق، أن تدخل الصواعق في مسامعهما فتقتلهما، وإذا لمع البرق مشيا في ضوئه، وإذا لم يلمع لم يبصرا.

قاما مكانهما لا يمشيان، فجعلا يقولان.

ليتنا قد أصبحنا، فنأتي محمداً فنضع أيدينا في يده، فأصبحا فأتياه فأسلما، ووضعا أيديهما في يده وحسن إسلامهما.

فضرب الله شأن هذين المنافقين الخارجين، مثلاً للمنافقين الذين بالمدينة، وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقاً من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيهم شيء، أو يذكروا بشيء، فيقتلوا كما كان ذانك المنافقان الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما ﴿ كلما أضاء لهم مشوا فيه ﴾ فإذا كثرت أموالهم وولدهم، وأصابوا غنيمة وفتحاً ﴿ مشوا فيه ﴾ وقالوا: إن دين محمد حينئذ صدق، واستقاموا عليه كما كان ذانك المنافقان يمشيان إذا أضاء بهما البرق ﴿ وإذا أظلم عليهم قاموا ﴾ فكانوا إذا هلكت أموالهم وولدهم، وأصابهم البلاء، قالوا هذا من أجل دين محمد، وارتدوا كفاراً، كما كان ذانك المنافقان حين أظلم البرق عليهما.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي.

مثله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ قال: ضربه الله مثلاً للمنافق.

وقوله: ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ أما (النور) فهو إيمانهم الذي يتكلمون به، وأما (الظلمة) فهي ضلالهم وكفرهم.

وفي قوله: ﴿ أو كصيب ﴾ الآية.

قال (الصيب) المطر.

وهو مثل المنافق في ضوء ما تكلم بما معه من كتاب الله، وعمل مراءاة للناس، فإذا خلا وحده عمل بغيره، فهو في ظلمة ما أقام على ذلك، وأما (الظلمات) فالضلالة، وأما (البرق) فالإِيمان.

وهم أهل الكتاب ﴿ وإذا أظلم عليهم ﴾ فهو رجل يأخذ بطرف الحق لا يستطيع أن يجاوزه.

وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ مثلهم...

﴾ الآية.

قال: ضرب الله مثلاً للمنافقين يبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفأوه بكفرهم ونفاقهم، فتركهم في ظلمات الكفر لا يبصرون، هدى ولا يستقيمون على حق ﴿ صم بكم عمي ﴾ عن الخير ﴿ فهم لا يرجعون ﴾ إلى هدى، ولا إلى خير.

وفي قوله: ﴿ أو كصيب..

﴾ الآية.

يقول: هم من ظلمات ما هم فيه من الكفر، والحذر من القتل، على الذي هم عليه من الخلاف والتخويف منكم، على مثل ما وصف من الذي هو في ظلمة الصيب، فجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق ﴿ حذر الموت والله محيط بالكافرين ﴾ منزل ذلك بهم من النقمة ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم ﴾ أي لشدة ضوء الحق ﴿ كلما أضاء لهم مشوا فيه ﴾ أي يعرفون الحق ويتكلمون به فهم من قولهم به استقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر ﴿ قاموا ﴾ أي متحيرين ﴿ ولو شاء الله لذهب بسمعهم ﴾ أي لما سمعوا، تركوا من الحق بعد معرفته.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ قال: أما إضاءة النار فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى، وذهاب نورهم إقبالهم إلى الكافرين والضلالة، وإضاءة البرق وإظلامه على نحو ذلك المثل ﴿ والله محيط بالكافرين ﴾ قال: جامعهم في جهنم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للمنافق.

إن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فناكح بها المسلمين، ووارث بها المسلمين، وغازى بها المسلمين، وحقن بها دمه وماله.

فلما كان عند الموت لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في عمله، فسلبها المنافق عند الموت، فترك في ظلمات وعمى يتسكع فيها.

كما كان أعمى في الدنيا عن حق الله وطاعته صم عن الحق فلا يبصرونه ﴿ فهم لا يرجعون ﴾ عن ضلالتهم، ولا يتوبون ولا يتذكرون ﴿ أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للمنافق لجبنه، لا يسمع صوتاً إلا ظن أنه قد أتي، ولا يسمع صياحاً إلا ظن أنه قد أتي، ولا يسمع صياحاً إلا ظن أنه ميت.

أجبن قوم، وأخذله للحق.

وقال الله في آية أخرى ﴿ يحسبون كل صيحة عليهم ﴾ [ المنافقون: 4] ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم ﴾ الآية.

قال: ﴿ البرق ﴾ هو الإِسلام و(الظلمة) هو البلاء والفتنة.

فإذا رأى المنافق من الإِسلام طمأنينة، وعافية، ورخاء، وسلوة من عيش ﴿ قالوا: إنا معكم ﴾ ومنكم، وإذا رأى من الإِسلام شدة، وبلاء، فقحقح عند الشدة فلا يصبر لبلائها، ولم يحتسب أجرها، ولم يرج عاقبتها.

إنما هو صاحب دنيا لها يغضب، ولها يرضى، وهو كما هو نعته الله.

واخرج ابن وكيع وعبد بن حميد وأبو يعلى في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو كصيب من السماء ﴾ قال: المطر.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد والربيع وعطاء.

مثله.

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الصيب من ههنا.

وأشار بيده إلى السماء» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يكاد البرق ﴾ قال: يلتمع ﴿ يخطف أبصارهم ﴾ ولما يخطف.

وكل شيء في القرآن (كاد، وأكاد، وكادوا) فإنه لا يكون أبداً.

وأخرج وكيع عن المبارك بن فضالة قال: سمعت الحسين يقرأها ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ  ﴾ .

(كاد) موضوع عند العرب لمقاربة (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) قال ابن الأنباري: (قال اللغويون: كدت أفعل، معناه عند العرب: قاربت الفعل ولم أفعل، وما كدت أفعل، معناه: فعلت بعد إبطاء (٧) (٨) (٩) ﴿ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا  ﴾ .

وذكر أبو بكر بإسناده أن ذا الرمة الشاعر قدم الكوفة فأنشد [بالكُناسة] (١٠) إِذَا غَيَّرَ النَّأيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ...

رَسيِسُ الهَوى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَح (١١) (١٢) ........

لَمْ أَجِدْ رسيِسَ ...

الهَوى مِنْ حُبِّ مَيَّهَ يَبْرَحُ (١٣) ومعنى الآية: يكاد ما في القرآن من الحجج تخطف (١٤) (١٥) (١٦) وقال ابن عباس في رواية مقاتل والضحاك: معناه: يكاد الإيمان يدخل في قلوبهم (١٧) وقوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ﴾ .

﴿ أَضَاءَ ﴾ هاهنا إن كان متعديا فالمفعول محذوف، وكأنه قيل: كلما أضاء لهم الطريق، ويجوز أن يكون لازما بمعنى (ضاء) (١٨) قال ابن عباس: يقول: إذا قرئ عليهم شيء من القرآن مما يحبون صدقوا، وإذا سمعوا شيئاً من شرائع النبي  مما يكرهون وقفوا عنه، وذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ﴾ (١٩) وقال قتادة: هو المنافق إذا كثر ماله وأصاب رخاء وعافية قال للمسلمين: أنا معكم وعلى دينكم، وإذا أصابته النوائب قام متحيرا؛ لأنه لا يحتسب أجرها (٢٠) ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ  ﴾ .

وقيل: شبه الغنيمة بالبرق، يقول (٢١) ﴿ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ ﴾ : أي كثرت الغنائم وأصابوا الخير، ﴿ مَشَوْا فِيهِ ﴾ : أي رضوا به، ﴿وَإِذَا (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ﴾ .

خص هاتين الجارحتين لما تقدم ذكرهما في قوله: ﴿ آذَانِهِمْ ﴾ و ﴿ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ﴾ فيقول: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ﴾ عقوبة لهم على نفاقهم، فليحذروا عاجل عقوبة الله وآجله، فإن الله على كل شيء قدير من ذلك (٢٥) وقيل: ولو شاء الله لذهب بأسماعهم الظاهرة، وأبصارهم الظاهرة كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة، حتى صاروا صُمًّا عُمْيًا (٢٦) وكان حمزة يسكت على الياء في ﴿ شَيْءٍ ﴾ (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (١) في (ب): (لمفارقه).

(٢) انظر "تهذيب اللغة" (كاد) 4/ 3076، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 29، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 61، "حروف المعاني" للزجاجي ص 67.

(٣) في (ب): (بقيت).

(٤) في (ب): (بقى).

(٥) في (ب): (في الضرب).

(٦) انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 29، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 61، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 22، وذكر السمين الحلبي: أنها إذا كانت منفية انتفى خبرها بطريق الأولى.

انظر "الدر المصون" 1/ 176.

(٧) انظر: "تهذيب اللغة" (كاد) 10/ 329.

(٨) في (أ)، (ب) (يستعمل) وأثبت ما في (ج).

(٩) (المعنى) ساقط من (ب).

قال ابن الأنباري: (وقد يكون ما كدت أفعل بمعنى: ما فعلت ولا قاربت إذا أكد الكلام بـ (أكاد)، انظر "التهذيب" 4/ 3077، وهو بقية كلامه الذي نقل الواحدي بعضه.

وفي "الخزانة": (قال صاحب اللباب: وإذا دخل النفي على (كاد) فهو كسائر الأفعال على الصحيح، وقيل.

يكون للإثبات، وقيل: يكون في الماضي دون المستقبل ...)، "الخزانة" 9/ 309.

(١٠) في (أ)، (ج): (ما الكناسة) وهي ساقطة من (ب) والصحيح (بالكناسة) كما في "أمالي المرتضى" "الخزانة" كما سيأتي.

و (الكناسة) بضم أوله محلة معروفة بالكوفة، كان بنو أسد وبنو تميم يطرحون فيها كناستهم.

انظر "معجم ما استعجم" 4/ 1136، "معجم البلدان" 4/ 481.

(١١) قوله (النأي): البعد، (رسيس الهوى): مسه، ورد البيت في (ديوان ذي الرمة) == وفيه (لم أجد) وفي (أمالي المرتضى) 1/ 332، "زاد المسير" 1/ 45، "الدر المصون" 1/ 176، "الخزانة" 9/ 309، "شرح المفصل" لابن يعيش 7/ 124.

(١٢) هو عبد الله بن شبرمة بن حسان الضبي الكوفي، أبو شبرمة، كان شاعراً فقيهاً ثقة (72 - 144هـ).

انظر (طبقات ابن خياط) ص 283، (الجرح والتعديل) 5/ 82، (تهذيب التهذيب) 2/ 351.

(١٣) وردت القصة مسندة في "أمالي المرتضى" 1/ 332، "الخزانة" 1/ 311، ويستشهد العلماء بهذا البيت على أن النفي إذ دخل على (كاد) تكون في الماضي للإثبات، وفي المستقبل كالأفعال، وبعضهم قال: كالأفعال في الماضي والمستقبل، وقيل: تكون للإثبات في الماضي والمستقبل.

انظر: "الخزانة" 9/ 39، "شرح المفصل" 7/ 125.

(١٤) في (ج): (بخطف).

(١٥) في (ب) (ازعاجها لهم).

(١٦) ذكر هذا المعنى في "الوسيط" وقال: من تمام التمثيل 1/ 52، وفي "الوجيز" 1/ 6.

قال ابن عطية: تكاد حجج القرآن وبراهينه وآياته الساطعة تبهرهم، ومن جعل (البرق) في المثل: الزجر والوعيد، قال: يكاد ذلك يصيبهم.

"تفسير ابن عطية" 1/ 194، ونحوه في "تفسير القرطبي" 1/ 192.

(١٧) لم أجد هذِه الرواية عن ابن عباس، وفي "الطبري" عن الضحاك عن ابن عباس.

قال: يلتمع أبصارهم ولما يفعل 1/ 158، "وتفسير ابن أبي حاتم" 1/ 57، == "الدر" 1/ 73، وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 57.

(١٨) انظر "معاني القرآن" للفراء1/ 18، "تفسير ابن عطية" 1/ 194، "وتفسير القرطبي" 1/ 193.

(١٩) ذكره ابن الجوزي عن ابن عباس والسدي، "زاد المسير" 1/ 46، وأبو حيان في "البحر" 1/ 91، وذكر ابن عطية عن ابن عباس نحوه 1/ 195، وكذا "القرطبي" 1/ 193.

(٢٠) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 56 أ، وأخرجه "الطبري" في "تفسيره" 1/ 155، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى عبد بن حميد وابن جرير 1/ 72، وقد ورد نحوه عن ابن عباس.

انظر: "تفسير الطبري" 1/ 154، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 59، "الدر" 1/ 72.

(٢١) في (ب): (لقول).

(٢٢) في (ب): (فإذا).

(٢٣) في (ب): (فله).

(٢٤) ذكر نحوه "الطبري"، إلا أنه قال: (جعل البرق لإيمانهم مثلا، وإنما أراد بذلك أنهم كلما أضاء لهم الإيمان، وإضاءته لهم: أن يروا ما يعجبهم في عاجل الدنيا ....)، "تفسير الطبري" 1/ 158، وانظر: "تفسير الخازن" 1/ 71، 72، "البحر" 1/ 91.

(٢٥) ذكره "الطبري" في "تفسيره" 1/ 159، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 195.

(٢٦) "تفسير الثعلبي" 1/ 56 ب، وانظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 101، و"تفسير البغوي" 1/ 71.

(٢٧) من قوله: ﴿ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، وكذلك يفعل بكل حرف سكن قبل الهمزة.

(٢٨) انظر: "السبعة" ص 148، "الحجة" لأبي علي 1/ 391، "الحجة" لابن خالويه ص72، "الكشف" 1/ 234، "التيسير" ص 62.

(٢٩) في (ب): (من ذلك).

(٣٠) ما بين المعقوفين ساقط من (أ، ج)، وفي (أ) أراد بتلك الوقيفة تحقيق الهمزة، قد صارت ...

، والعبارة غير واضحة، ونص كلام أبي علي في (الحجة) (أنه أراد بهذِه الوقيفة التي وقفها تحقيق الهمزة وتبيينها، فجعل الهمزة بهذِه الوقيفة التي وقفها قبلها على صورة لا يجوز فيها معها إلا التحقيق، لأن الهمزة قد صارت بالوقيفة مضارعة للمبتدأ بها ....)، "الحجة" 1/ 391.

(٣١) في (ب): (تحقيقها).

الكلام لأبي علي كما في "الحجة" 1/ 391، ويريد حمزة بهذا أن يحقق الهمزة وينطق بها صحيحة، وبقية السبعة على عدم الوقف، لأنه لا يوقف على بعض الاسم دون الإتيان على آخره، ولذلك فالإعراب في آخر الاسم.

انظر "الحجة" لابن خالويه ص 72.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَخْطَفُ أبصارهم ﴾ إن رجع الضمير إلى أصحاب المطر وهم الذين شبه بهم المنافقين: فهو بيِّنٌ في المعنى، وإن رجع إلى المنافقين: فهو تشبيه بمن أصابه البرق على وجهين: أحدهما: تكاد براهين القرآن تلوح لهم كما يضيء البرق، وهذا مناسب لتمثيل البراهين بالبرق حسبما تقدم، والآخر: يكاد زجر القرآن ووعيده يأخذهم كما يكاد البرق يخطف أبصار أصحاب المطر المشبه بهم ﴿ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ ﴾ إن رجع إلى أصحاب المطر فالمعنى أنهم يمشون بضوء البرق إذا لاح لهم، وإن رجع إلى المنافقين فالمعنى أنه يلوح لهم من الحق ما يقربون به من الإيمان ﴿ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ ﴾ إن رجع إلى أصحاب المطر فالمعنى أنه إذا ذهب عنهم ما لاح من الإيمان: ثبتوا على كفرهم، وقيل: إن المعنى كلما صلحت أحوالهم في الدنيا قالوا هذا دين مبارك؛ فهذا مثل الضوء، وإذا أصابتهم شدّة أو مصيبة عابوا الذين وسخطوا: فهذا مثل الظلمة، فإن قيل: لم قال مع الإضاءة كلما، ومع الظلام إذا؟

فالجواب: أنهم لما كانوا حراصاً على المشي ذكر معه كلما، لأنها تقتضي التكرار والكثرة ﴿ وَلَوْ شَآءَ الله ﴾ الآية: إن رجع إلى أصحاب المطر: فالمعنى لو شاء الله لأذهب سمعهم بالرعد وأبصارهم بالبرق، وإن رجع إلى المنافقين: فالمعنى لو شاء الله لأوقع بهم العذاب والفضيحة، وجاءت العبارة عن ذلك بإذهاب سمعهم وأبصارهم، والباء للتعدية كما هي في قوله تعالى: ﴿ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ ﴾ [البقرة: 17].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: "آذانهم" وبابه بالإمالة: نصير وأبو عمر.

"بالكافرين" وما أشبهها مما كان في محل الخفض بالإمالة: أبو عمر وقتيبة ونصير وأبو عمرو ويعقوب غير روح.

"شاء الله" حيث كان بالإمالة: حمزة وعلي وخلف وابن ذكوان.

الوقوف: "ناراً" (لا) لأن جواب "لما" منتظر لما فيها من معنى الشرط مع دخول فاء التعقيب فيها.

"لا يبصرون" (ه) "لا يرجعون" (ه) للعطف بأو وهو للتخيير، ومعنى التخيير لا يبقى مع الفصل.

ومن جعل "أو" بمعنى الواو جاز وقفه لعطفه الجملتين مع أنها رأس آية.

وقد اعترضت بينهما آية على تقدير ومثلهم كصيب.

"وبرق" (ج) لأن قوله "يجعلون" يحتمل أن يكون خبر المحذوف، أي هم يجعلون، أو حالاً عامله معنى التشبيه في الكاف، وذو الحال محذوف أي كأصحاب صيب.

"الموت" (ط) "بالكافرين" (ه) "أبصارهم" (ط) لأن كلما استئناف.

"فيه" (لا) لأن تمام المقصود بيان الحال المضاد للحال الأول "قاموا" (ط) و "أبصارهم" (ط) "قدير" (ه).

التفسير: لما جاء بحقيقة صفة المنافقين عقبها بضرب المثل تتميماً للبيان.

ولضرب الأمثال شأن ليس بالخفي في رفع الأستار عن الحقائق حتى يبرز المتخيل في معرض اليقين، والغائب كأنه شاهد، وفيه تبكيت للخصم الألد.

ولأمر ما أكثر الله  في كتبه أمثاله ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس  ﴾ وفشت في كلام رسول الله  "مثل الدنيا مثل ظلك إن طلبته تباعد وإن تركته تتابع" "مثل الجليس الصالح كمثل الداري" وأمثال العرب أكثر من أن تحصى، حتى صنف فيها ككتب مشهورة.

والمثل في أصل كلامهم بمعنى المثيل وهو النظير، ثم قيل للقول السائر المشبه مضربه بمورده مثل.

ولا يخلو من غرابة، ومن ثم حوفظ عليه من التغيير.

وأما ههنا فاستعير المثل للحال أو الصفة أو القصة التي فيها غرابة ولها شأن، شبهت حالهم العجيبة الشأن من حيث إنهم أوتوا ضرباً من الهدى بحسب الفطرة، ولما نطقت به ألسنتهم من كلمة الإسلام فحقنوا دماءهم وأموالهم عاجلاً، ثم لم يتوصلوا بذلك إلى نعيم الأبد باستبطانهم الكفر فيؤول حالهم إلى أنواع الحسرات وأصناف العقوبات بحال الذي استوقد ناراً في توجه الطمع إلى تسني المطلوب بسبب مباشرة أسبابه القريبة مع تعقب الحرمان والخيبة لانقلاب الأسباب.

والمراد بالذي استوقد إما جمع كقوله ﴿ وخضتم كالذي خاضوا  ﴾ وحذف النون لاستطالته بصلته، أو قصد جنس المستوقدين، أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد ناراً، ولولا عود الضمير إلى الذي مجموعاً في قوله "بنورهم وتركهم" لم يحتج إلى التكلفات المذكورة، على أنه يمكن أن يشبه قصة جماعة بقصة شخص واحد نحو، ﴿ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار  ﴾ ووقود النار سطوعها وارتفاع لهبها، وأوقدتها أنا واستوقدتها أيضاً.

والنار جوهر لطيف مضيء حارّ محرق، والنور ضوءها وضوء كل نير واشتقاقها من نار ينور إذا نفر، لأن فيها حركة واضطراباً والإضاءة فرط الإنارة ﴿ جعل الشمس ضياء والقمر نوراً  ﴾ وهي في الآية متعدية، ويحتمل أن تكون غير متعدية، مسندة إلى ما حوله، والتأنيث للحمل على المعنى، لأن ما حول المستوقد أماكن وأشياء، أو يستتر في الفعل اللازم ضمير النار ويجعل إشراق ضوء النار حوله بمنزلة إشراق النار نفسها على أن "ما" مزيدة أو موصولة في معنى الأمكنة، و "حوله" نصب على الظرف، وتأليفه للدوران والإطافة، والعام حول لأنه يدور.

وجواب "لما ذهب الله بنورهم" فالضمير يعود إلى الذي استوقد نظراً إلى المعنى، كما أن الضمير في "حوله" راجع إليه من حيث اللفظ.

وقيل: الأولى أن يقال: جوابه محذوف مثل ﴿ فلما ذهبوا به ﴾ لما فيه من الوجازة مع الإعراب عن الصفة التي حصل عليها المستوقد بما هو أبلغ من الذكر في أداء المعنى، كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله كان ما كان من حصولهم خابطين في ظلام متحيرين خائبين فيها بعد الكدح في إحياء النار.

ثم إن سائلاً كأنه يسأل: ما بالهم قد أشبهت حالهم حال هذا المستوقد؟

فقيل له: ذهب الله بنورهم أي بنور المنافقين، وعلى هذا يحتمل أن يكون الذي مفرداً، ويمكن أن يكون بدلاً من جملة التمثيل على سبيل البيان أي مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً، وكمثل الذي ذهب الله بنورهم.

ومعنى إسناد الفعل إلى الله أنه إذا أطفئت النار بسبب سماوي كريح أو مطر فقد أطفأها الله وذهب بنور المستوقد، أو يكون المستوقد مستوقد نار لا يرضاها الله.

ثم إما أن تكون ناراً مجازية كنار الفتنة والعداوة للإسلام، وتلك النار، متقاصرة مدة اشتعالها وإضاءتها، فمنافعها الدنيوية قليلة البقاء، وللباطل صولة، ثم تضمحل، ولريح الضلالة عصفة ثم تخفت.

ونار العرفج مثل لثروة كل طماح ﴿ كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله  ﴾ وإما ناراً حقيقية أوقدها الغواة ليتوصلوا بالاستضاءة بها إلى بعض المعاصي ويهتدوا بها في طرق العيش فأطفأها الله وخيب أمانيهم.

وإنما لم يقل ذهب الله بضوئهم على سياق "فلما أضاءت" لأن ذكر النور أبلغ في الغرض وهو إزالة النور عنهم رأساً وطمسه أصلاً، فإن الضوء شدة النور وزيادته، وذهاب الأصل يوجب زوال الزيادة عليه دون العكس.

والفرق بين "أذهبه" و "ذهب به" أن معنى "أذهبه" أزاله وجعله ذاهباً، ويقال: ذهب به إذا استصحبه ومضى به معه.

وذهب السلطان بماله أخذه وأمسكه.

وما يمسك الله فلا مرسل له، فهو أبلغ من الإذهاب، وترك بمعنى طرح وخلى إذا علق بواحد، وإذا علق بشيئين كان مضمناً معنى صير فيجري مجرى أفعال القلوب كقول عنترة: "فتركته جزر السباع ينشنه" *** ومنه قوله  ﴿ وتركهم في ظلمات ﴾ والظلمة عدم النور عما من شأنه أن يستنير، وقيل: عرض ينافي النور واشتقاقها من قولهم "ما ظلمك أن تفعل كذا" أي ما منعك وشغلك لأنها تسد البصر وتمنع الرؤية.

وفي جمع الظلمة وتنكيرها وإتباعها ما يدل على أنها ظلمة لا يتراءى فيها شبحان، وفي قوله "لا يبصرون" دلالة على أن الظلمة بلغت مبلغاً يبهت معها الواصفون.

وكذا في إسقاط مفعول "لا يبصرون" وجعله من قبيل المتروك المطرح الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال، لا من قبيل المقدر المنوي كأن الفعل غير متعدٍ أصلاً.

ومحل "لا يبصرون" إما جر صفة لظلمات أي لا يبصرون فيها شيئاً، وإما نصب مفعولاً ثانياً، أو حالاً من هم مثل ﴿ ويذرهم في طغيانهم يعمهون  ﴾ أي حال كونهم ليسوا من أهل الأبصار.

عن سعيد بن جبير: نزلت في اليهود وانتظارهم لخروج النبي  واستفتاحهم به على مشركي العرب، فلما خرج كفروا به.

وكان انتظارهم له كإيقاد النار، وكفرهم به بعد ظهوره كزوال ذلك النور ثم إنه كان من المعلوم من حالهم أنهم يسمعون وينطقون ويبصرون، لكنهم شبهوا بمن إيفت مشاعرهم فقيل لهم: صم بكم عمي، حيث سدوا عن الإصاغة إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن تنطق به ألسنتهم، وأن ينظروا ويستبصروا بعيونهم.

وإنما قلنا: إن ما في الآية تشبيه لا استعارة مع أن المشبه مطوي ذكره كما هو حق الاستعارة، لأن ذلك في حكم المنطوق به وإلا بقي الخبر بلا مبتدأ.

ومعنى "لا يرجعون" لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها تسجيلاً عليهم بالطبع، أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين لا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون وإلى حيث ابتدؤا منه كيف يرجعون.

وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي *** متأخر عنه ولا متقدم ومثله حال مريد طريقة الذي له بداية ولازم خلوته وصحبته حتى شرقت له من صفات القلب شوارق الشوق، وبرقت له من أنوار الروح بوارق الذوق، فطرقته الهواجس وأزعجته الوساوس فيرجع القهقري إلى ما كان من حضيض عالم الطبيعة، فغابت شمسه وأظلمت نفسه وفضل عن يومه أمسه.

ثم إن الله  ضرب للمنافقين مثلاً آخر ليكون كشفاً لحالهم بعد كشف، وإيضاحاً غب إيضاح، لأن المقام مقام تفصيل وإشباع.

فيكون تقدير الكلام "مثل المنافقين كمثل المستوقدين أو كمثل ذوي صيب" على معنى أن قصة المنافقين مشبهة بهاتين القصتين فإنهما سواء في صحة التشبيه بهما، فأنت مخير في التشبيه بأيتهما شئت أو بهما جميعاً نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين.

والتمثيلان جميعاً من جملة التمثيلات المركبة دون المفردة، لا يتكلف لواحد واحد شيء يقدر شبهه به، بل تراعى الكيفية المنتزعة من مجموع الكلام وهي أنهم في مقام الطمع في حصول المطالب.

ونجح المآرب لا يحظون إلا بضد المطموع فيه من مجرد مقاساة الأهوال وشدائد الأحوال، ولا يخفى أن التمثيل الثاني أبلغ لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته، ولذلك أخرج تدرجاً من الأهون إلى الأغلظ، وإنما قدرنا المضاف المحذوف حيث قلنا: أو كمثل ذوي صيب مع أنه لا يلزم في التشبيه المركب أن يلي حرف التشبيه مفرد يتأتى التشبيه به.

ألا ترى إلى قوله  ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا كماء  ﴾ كيف ولي الماء الكاف إذ التشبيه مركب، لأن الضمير في "يجعلون" لا بد له من راجع هذا هو التحقيق.

وقد يقال: شبه دين الإسلام بالصيب، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يحوم حوله من شبه الكفار بالظلمات وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق، وما يصيب الكفرة من الإفزاع والبلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق.

وعلى هذا يكون تقدير المضاف ضرورياً ليصبح تشبيه المنافقين بهم، ويكون المعنى "مثلهم كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة، فلقوا منها ما لقوا" ويكون ذكر المشبهات مطوياً على سنن الاستعارة.

والصيب المطر الذي يصوب أي ينزل ويقع.

ويقال للسحاب: صيب أيضاً.

وتنكير صيب للدلالة على أنه نوع من المطر شديد هائل كما نكرت النار في التمثيل الأول.

والسماء هذه المظلة، والفائدة في ذكره، والصيب لا يكون إلا من السماء، أنه جاء بالسماء معرفة فنفى أن يتصوب من سماء أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق، ولكنه غمام مطبق آخذ بآفاق السماء.

وكما جاء بصيب وفيه مبالغات من جهة التركيب من ص وب والبناء على "فيعل" والتنكير أمد ذلك بأن جعله مطبقاً، واعلم أنه إذا وقعت القوى الفلكية على العناصر بإذن الله  فحركتها وخالطتها، حصل من اختلاطها موجودات شتى.

فإذا هيج الفلك بإسخانه الحرارة بخر من الأجسام المائية، أو دخن من الأجسام الأرضية وأثار شيئاً بين البخار والدخان من الأجسام المائية والأرضية.

أما الدخان فإنه قد يتعدى صعوده حيز الهواء إلى أن يوافي تخوم النار فيشتعل، وربما سرى فيه الاشتعال فتراءى كأن كوكباً يقذف به، وربما لم يشتعل بل احترق وثبت فيه الاحتراق فرأيت العلامات الهائلة الحمرة والسواد.

وأما البخار الصاعد فمنه ما يلطف ويرتفع جداً فيتراكم وتكثر مدته في أقصى الهواء عند منقطع الشعاع، فيبرد فيكثف فيقطر فيكون المتكاثف منه سحاباً والقاطر مطراً.

ومنه ما يقصر لثقله عن الارتفاع بل يبرد سريعاً، فينزل كما يوافيه برد الليل قبل أن يتراكم سحاباً وهذا هو الطل، وربما جمد البخار المتراكم في الأعالي أعني السحاب، فنزل وكان ثلجاً، وربما جمد البخار الغير المتراكم في الأعالي أعني مادة الطل، فنزل وكان صقيعاً وهو ما يسقط بالليل من السماء شبيهاً بالثلج، وربما جمد البخار بعدما استحال قطرات ماء فكان برداً.

وإنما يكون جموده في الشتاء وقد فارق السحاب، وفي الربيع وهو داخل السحاب، وذلك إذا سخن خارجه فبطنت البرودة إلى داخله فتكاثف داخله واستحال ماء وأجمده شدة البرودة، وربما تكاثف الهواء نفسه لشدة البرد فاستحال سحاباً فاستحال مطراً.

وأما الجواهر البخارية والدخانية المركبة من مادتي الرطوبة واليبوسة، فمنها ما يتخلص من الأرض فتكون منها الرياح وإذا تصعدت فتميز البخار من الدخان انعقد البخار سحاباً فبرد فتغلغل فيه الدخان طلباً للنفوذ إلى العلو فحصل من تغلغله فيه ضرب من الرعد وهو صوت ريح عاصفة في سحاب كثيف، وربما امتد ذلك التغلغل لكثرة وصول المواد، ويكون أعالي السحاب أكثف لأن البرد هناك أشد، أو يكون هناك ريح مقاومة تعوقها عن النفوذ فيندفع إلى أسفل وقد أشعلته المحاكة والحركة ناراً تبرق فتشق السحاب شعلة كجمر يطفأ فيسمع من ذلك ضرب من الرعد.

وإن كان قوياً شديداً غليظ المادة كان صاعقة، وربما وجد مندفعاً فيه سهل الانشقاق فخرج بلا رعد واشتعال.

فهذا القدر من الحقائق في هذا المقام لا ضير في معرفتها بعد أن يعتقد انتهاء أسبابها إلى مدبر الكل  وتعالى .

ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: ارتفع "ظلمات" بالظرف على الاتفاق من سيبويه والأخفش لاعتماده على موصوف.

والصيب إن كان سحاباً فظلماته سمجته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل، وإن كان مطراً فظلماته تكاثفه وانتساجه بتتابع القطر وظلمة إظلال الغمام مع ظلمة الليل.

ثم إن كان الصيب سحاباً فكونه مكاناً للرعد والبرق ظاهر، وإن كان مطراً فكونهما متلبسين به في الجملة سوغ ذلك، وإنما لم يجمع الرعد والبرق كما قال البحتري: يا عارضاً متلفعاً ببروده *** يختال بين بروقه ورعوده وكما قيل ظلمات لأنهما في الأصل مصدران فروعي حكم الأصل، ويمكن أن يراد بهما الحدث كأنه قيل: وإرعاد وإبراق.

ونكرت هذه الأشياء لأن المراد أنواع منها كأنه قيل في ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف.

وجاز رجوع الضمير في "يجعلون" إلى أصحاب الصيب لأنه في حكم المذكور.

قال حسان: يسقون من ورد البريص عليهم *** بردى يصفق بالرحيق السلسل ذكر يصفق لأن المعنى ماء بردى وهي واد بدمشق.

والبريص نهر من أنهارها.

ويصفق أي يمزج والرحيق الخمر.

ولا محل لقوله "يجعلون" لكونه مستأنفاً كأنه قيل: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟

فقيل: يجعلون أصابعهم.

ثم سئل: فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق؟

فاجيب "يكاد البرق يخطف أبصارهم" وإنما لم يقل أناملهم مع أنها هي التي تجعل في الآذان لأن في ذكر الأصابع من المبالغة ما ليس في ذكر الأنامل، ولأن اسم الكل قد يطلق على البعض نحو ﴿ فاقطعوا أيديهما  ﴾ والمراد إلى الرسغ.

وليس بعض الأصابع - كالمسبحة مثلاً بجعلها في الأذن - أولى من بعض حتى يقال لم ذكر العام والمراد الخاص؟

وقوله "من الصواعق" أي من أجل الصواعق نحو: سقاه من الغيمة.

وقد تحصل مما ذكرنا أن الصاعقة قصفة رعد تنقض معها شقة من نار تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه، وهي نار لطيفة حديدة لا تمر بشيء إلا أتت عليه، إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود.

يحكى أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو النصف، ثم طفئت.

ويقال: صعقته الصاعقة إذا أهلكته.

فصعق أي مات إما بشدة الصوت أو بالإحراق، وبناؤها إما أن يكون صفة لقصفة الرعد، أو للرعد والتاء للمبالغة كما في الرواية، أو مصدراً كالعافية والكاذبة.

"وحذر الموت" مفعول له كقوله: وأغفر عوراء الكريم ادخاره *** وأعرض عن شتم اللئيم تكرماً والموت فساد بنية الحيوان.

وقيل: عرض معاقب للحياة لا يصح معه إحساس.

وإحاطة الله بالكافرين مجاز أي لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة، والجملة معترضة لا محل لها.

"يكاد" من أفعال المقاربة.

كاد يفعل كذا يكاد كوداً ومكاداً ومكادة وضعت لمقاربة الشيء، فعل أو لم يفعل.

فمجرده ينبئ عن نفي الفعل، ومقرونه بالجحد ينبئ عن وقوع الفعل.

وخبر كاد فعل مضارع بغير "أن" وهو ههنا "يخطف" والبرق اسمه والخطف الأخذ بسرعة، "كلما أضاء لهم" استئناف ثالث كأنه قيل: كيف يصنعون في حالتي خفوق البرق وفتوره؟

وأضاء إما متعد بمعنى كلما نور لهم ممشى ومسلكاً أخذوه والمفعول محذوف، وإما غير متعد بمعنى كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره.

والمشي جنس الحركة المخصوصة وفوقها السعي وفوقه العدو.

"وأظلم" إما لازم وهو الظاهر، وإما متعد منقول من ظلم الليل أي أظلم البرق الطريق عليهم بأن فتر عن لمعانه، ومعنى "قاموا" وقفوا وثبتوا في مكانهم من قام الماء جمد.

وإنما قيل مع الإضاءة "كلما" ومع الإظلام "إذا" لأنهم حراص على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي وتأتيه، وكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها فخطوا خطوات يسيرة، وليس كذلك التوقف والتحبس، ولو شاء الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم، وفي الضوء البرق فأعماهم.

ومفعول "شاء" محذوف، لأن الجواب يدل عليه.

والمعنى ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها، وهذا الحذف في "شاء" و "أراد" كثير لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب كقوله: فلو شئت أن أبكي دماً لبكيته *** عليه ولكن ساحة الصبر أوسع وقال عز من قائل ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه  ﴾ وكلمة "لو" تفيدانتفاء الثاني لانتفاء الأول.

وقد تجيء للمبالغة كقوله "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" والمراد أن عدم العصيان ثابت على كل حال لأنه على تقدير عدم الخوف ثابت، فعلى تقدير الخوف أولى.

والشيء أعم العام كما أن الله أخص الخاص، يجري على الجوهر والعرض والقديم والحادث بل على المعدوم والمحال.

وهذا العام مخصوص بدليل العقل، فمن الأشياء ما لا تعلق به للقادر كالمستحيل والواجب وجوده لذاته، وأما الممكن فإبقاؤه على العدم وكذا إيجاده وإبقاؤه على وجوده، لأن جميع ذلك بقدرة القادر فلا يستغنى آناً من الآنات ولحظة من اللحظات عن تأثير القادر فيه.

وقدرة كل قادر على مقدار قوته واستطاعته، ونقضيها العجز.

فلا قادر بالحق إلا هو  وتعالى .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ ﴾ .

اختلف فيه: قيل: إنها نزلت في المنافقين؛ لأَنها على أَثر ذكر المنافقين، وهو قوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

 ﴾ .

وقيل: إنها نزلت في اليهود؛ لأنه سبق ذكر اليهود، وهو قوله: ﴿ ...ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ...

 ﴾ .

ويحتمل: نزولها في الفريقين جميعاً.

ورُوي عن ابن عباس -  ما - أنه قال: "إن هذا من المكتوم" فلا يحتمل ما قال؛ لأَنه مَثَلٌ ضربه الله، والأَمثال إنما تضرب لتُفْهم وتقرِّب إلى الفهم ما بعُد منه؛ فلو حمل على ما قال لم يفهم مراده وما قرَّب إلى الفهم شيئاً، إلا أن يريد من المكتوم: أنه لم يعلم فيمن نزل، فهو محتمل، والله أعلم.

وقوله عز وجل: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً...

﴾ الآية.

يحتمل: أن يكون الإضافة إلى من ذكر من المنافقين بقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [البقرة: 8]، وقوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا...

﴾ الآية [البقرة: 14، 76].

وذلك يخرج على وجوه: أَحدها: أَنهم قصدوا قصد المخادعة بأَولياءِ الله والاستهزاءِ بهم؛ ففضحهم الله بذلك في الدنيا والآخرة.

فأَما في الدنيا فبما هتك سترهم، وأطْلَعَ على ذلك أَولياءَه؛ فعادت إليهم المخادعة، وعوقبوا بما أطلع على ضميرهم، وبما أَرادوا ذلك الأَمن، فأَعقبهم الله خوفاً دائماً كما وصفهم الله ﴿ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ...

﴾ الآية [النساء: 77].

وقال: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ  ﴾ .

وقال: ﴿ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ  ﴾ ، وقال: ﴿ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ...

﴾ الآية [الأحزاب: 19]، وقال: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية [التوبة: 64].

أو أَن يكونوا طلبوا - بإظهار الموافقة في الدين - الشرف فيهم والعز، وكذلك عند الكفرة مما أظهروا أَنهم يخادعون بذلك المؤمنين، ويستهزئون بهم؛ فعلموا أَنهم كذلك يظهرون للمؤمنين حالهم معهم، فَطُرِدوا من بينهم فقال الله: ﴿ مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ  ﴾ ، وقال: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ...

﴾ الآية [النساء: 143]، فزال عنهم ما التمسوا من الشرف والعز، وأَبدل لهم به الهوان والذل.

فمثلهم في ذلك مثلُ مستوقِد نارٍ ليستضيء بضوئها، وينتفع بِحرِّها، فأَذهب الله ضوءه حتى ذهب ما كان يأْمل من الاستنارة بها والانتفاع، وأعقبه الله  خوف الاحتراق لو دنا منها، وذهب عنه ما طلب بذلكَ - من شرف الوقود في الأَيام الشاتية، أو ما يصلح بها - من الأَغذية بذهاب البصر.

فيكون ذلك معنى قوله: ﴿ وَهُوَ خَادِعُهُمْ  ﴾ ، و ﴿ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ إذ عوقبوا بالخوف بما قصدوا به الأمنَ، والذلِّ بما طلبوا به العزَّ، وكذلك مستوقد النار الذاهب نوره، والله أعلم.

وعلى ذلك قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ...

﴾ أي: اختاروا الضلالة لما رجعوا إلى شياطينهم بالهدى الذي قد أَظهروه عند المؤمنين.

فيكون تحقيق استهزاءِ الله بهم، ومخادعته إياهم فعل أَوليائه بهم بما أخبروا من سرائِرهم، وبما حطوا أَقدارهم، وذلوا في أَعينهم، فأُضيف ذلك إلى الله؛ إذ به فعلوا، كما أُضيفت مخادعتُهم المؤمنين إليه؛ إذ عن دينه خادعوهم.

والله أعلم.

وعلى هذا التأْويل أَمكن أَن يخرج قول من زعم: أَن الآية نزلت في الكافرين، أَنهم كانوا يعرفون رسول الله  لما وجدوا نعته في التوراة والإنجيل، أنه ﴿ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ...

﴾ الآية [الأعراف: 157]، وقوله: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ  ﴾ إلى آخر السورة، وقال عز وجل: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ  ﴾ .

كانوا كمستوقد النار، أي: طالب الوقود ليستضيء به، فلما ظفر به أَذهب الله نوره بعد معرفتهم بمنفعة نور النار، فلم ينتفع به.

فكذلك لما كفروا عند بعث النبي  حسداً من أَنفسهم وبغياً؛ إذ كان من غيرهم؛ أو خشية منهم على ملكهم ومأْكلتهم بعد العلم منهم بعظم المنفعة فيه، ولا قوة إلا بالله.

وأما في الآخرة أنهم قصدوا مخادعة المؤمنين، وموالاتهم في الظاهر، ومشاركتهم إياهم في المنافع نحو المغانم والتوارث والتناكح، وخالفوهم في الباطن.

فكذلك الله أَشركهم في المنافع الظاهرة الحاضرة في الدنيا، وخالفهم بمنافع دينه في الباطن الغائب وهي الآخرة؛ أراهم المشاركة مع المؤمنين في الدنيا، وصرفها عنهم في الآخرة.

فكما أرَوْهم الموافقةَ في الظاهر مع المخالفة في الباطن، فكذلك مستوقد النار أظهر من نفسه الرغبة في ضوئها بالإيقاد، وقد أَذهب الله ضوء بصره؛ فذهب عنه مَنفعته عند ظنه أَنه يصل إليها، كالمنافقين في الآخرة، إذ ظنوا في الدنيا أنهم شركاؤهم في الآخرة لو كانت؛ ولذلك قالوا: ﴿ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ...

﴾ الآية [النساء: 141، الحديد: 14] فذلك وجه الاستهزاءِ بهم، والمخادعة أَنه أَشركهم في أَحكام الدنيا وخالفهم في أَحكام الآخرة.

وعلى ذلك اشتراء الضلالة بالهدى، على معنى اختيارهم ما فيه الهلاك على ما فيه نجاتهم.

وعلى ذلك يخرج تأْويل من صرف إلى أَهل الكتاب؛ لأَنهم آمنوا بمحمد  ؛ إذ آمنوا بكتبهم وقد كان فيها نعته الشريف، فلما وصلوا إلى منافع الإيمان بالبعث إليهم، وشاهدوا كفروا به؛ فعوقبوا بحرمان منافع كتبهم، وإيمانهم عند معاينة الجزاء كما ردّوا إيمانهم به عند المشاهدة، والله أعلم.

وروى عن ابن عباس -  ما - أنه ضم تأْويل هذه الآية والتي تتلوها من قوله: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ  ﴾ وذلك - والله أعلم - أنهم قوم لا يعرفون الله حق المعرفة؛ فيعبدونه بحق الربوبية له قبلهم، ولا يؤمنون بالآخرة؛ فيكون عملهم للعواقب، ولا يعرفون غير الدنيا ومنافعها، فجعلوا دينهم وعبادتهم ثمناً لها.

فإذا رأوا في دين الإسلام الغنائم والسلوة، رأَوا تجارتهم مربحة فطمأَنوا بها، واجتهدوا بالسعي فيها.

وإذا أَصابتهم الشدة والبلايا رأَوا تجارتهم مخسرة فصرفوا إلى غير ذلك الدين؛ فمثلهم مثل المستوقد ناراً؛ إنه يجتهد في الإيقاد ما دام يطمع في نور النار، ومنافع حرها لمصالح الأَطعمة، فإذا ذهب نور بصره أبغض النار بما يخشى من الاحتراق بالدنو منها، وبما يذهب من منافع خفية إن لم يكن كاستوقد، كالمنافق فيما استقبله المكروه في الإسلام تمنى أن لم يكن أَسلم قط.

وذلك قوله: ﴿ وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا  ﴾ .

وقوله: ﴿ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً  ﴾ .

وكذلك البرق الذي يضيء يمشي المرء في ضوئه، وكذلك المنافق، إذا رأَى خيراً فى الإسلام مشى إليه، وإذا أظلم عليه قام متحيراً حزيناً؛ أَلا يكون اختار السلوك، والله الموفق.

وقال أَبو بكر الأصمُّ: مَثَلُ من يظهر الإيمان فيما يتزين بنوره في الناس، مثل مستوقد النار فيما يستضيء حول النار بنورها، ثم يذهب الله نوره في الآخرة كما أَذهب هو في السر، وكذلك أَذهب الله نور المستوقد؛ فيذهب به التزين بالنور حول النار.

قال: وقيل: ذا لعنٌ.

كما يقال: أَذهب الله نوره، أي: الذي كان يظهره؛ فيبقى المنافق في ظلمات الآخرة، والمستوقد في ظلمات العمى والليل.

ثم قال: جعل الدعاء إلى الإسلام كالصيّب، وما فيه من الجهاد كظلمة الليل، وما فيه من الغنيمة كالبرق، وجعل أَصابعهم في الآذان من سماع ما في الإسلام من الشدائد نحو جعل ذلك من الصواعق ﴿ يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ ﴾ .

أي: ما في الإسلام من الغنيمة يدعوهم إليه.

وإذا أَظلم عليهم بالشدائد قاموا وصدوا عن رسول الله  ، ولو شاءَ الله لذهب بما ذكر، أَي: أَصمهم وأَعماهم.

وروى عن الضحاك عن ابن عباس -  ما -: "أَن ضوء البرق والنار ليسا بدائمين"؛ فشبه به إيمان المنافق أَنه عن سريع يزول.

وقال القتبي: كان المنافق في ظلمة الكفر فاهتدى بما أعطى من النور، كمستوقد النار بنوره في ظلمة الليل.

وكذلك السالك في ظلمة الليل، فلما ذهب نوره - أَو سكن لمعان البرق - رجع إلى ما فيه من الظلمة.

والأَصل في هذا الباب: أَن الله  خلق هذه الدار لمحنة أَهلها، وجعل لهم داراً يجزيهم فيها، مما لولا هي لكان يكون خلق هذه الدار بما فيها عبثاً؛ إذ يكون خلق الخلق للفناءِ بلا عواقب لهم، وذلك عبث في العقول؛ لأن كل شارع - فيما لا عاقبة له - عابث، وفيما لا يُريد معنى يكون في العقل هازلٌ؛ ولذلك قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\].

فإذا كان كذلك صارت هذه الدار دليل الأخرى؛ فعلى ذلك ضرب للأخرى مثلاً بالمعروف من هذه؛ إذ بهذه عرفت تلك؛ ولهذا خلق الله الممتَحنين بحيث يألمون ويتلذذون؛ ليعرفوا قدر الآلام التي بها أوعدوا، واللذات التي فيها رغبوا.

فعلى ذلك ضرب الله مثل من عمى عن الآخرة، وصم عن سماع ما يرغب فيها، أو عمى عن أَمر الله ونَهْيه، أو أُلحق بالأَعمى، والأَصم، والميت ونحو ذلك؛ لذهاب منافع البصر والسمع والحياة؛ إذ هي مخلوقة ليعرف بها ما غاب عنها بالتأَمل والتدبر.

فإذا غفل عن ذلك سمى بالذي ذكرنا.

وبينا أَنه لولا الآخرة ودار الجزاءِ، لم يكن لخلق شيء من ذلك حكمة نعقلها نحن.

فعلى ذلك ضرب المثل لذهاب نور القلب - الذي به يبصر العواقب وينتفع بها - بذهاب نور البصر، في زوال منافع الدنيا مما يتصل بنوره، وكذلك أَمر السمع وغيره.

فكان على ذلك أَمكن إخراج المثلين جميعاً على الكفرة والمنافقين.

أَما المنافق فإذا ذهب نور حقيقته عنه - وهو نور البصر - لم ينتفع بنور النار على قيام النار بنورها لكل ذي بصر، وكذلك سائر منافع النار؛ فمثله إذا ذهب عنه نور بصر القلب وحياته لم ينتفع بنور الآخرة وجزائِها.

وكذلك الذي ذهب عنه ضوء البرق يبقى متحيراً؛ إذ به يبصر الطريق كمن يذهب عنه بصر القلب؛ إذ به يبصر عواقب الأَشياءِ.

بل الذي قصد السلوك بالبروق، والاستضاءَة بنور النار، إذا ذهب كان أَعظمَ حسرة وأَشد خوفاً من النارِ، وشدةِ المطرِ، وخبثِ الطريق من الذي لم يعرف - في الابتداءِ - نفع النار أَو البرق، ويكره المطر على شدة رغبته فيه، والنار بما ذهب منه.

وكذلك المنافق في الآخرة إن لم يكن منه ما أظهر إذ به يُرد إلى درك الأَسفل، ولا قوة إلا بالله.

وكذلك الكافر لم يبصر - بما أَعطاه من البصر - عوقب البصر الظاهر، ولا يسمع - بما أَنعم عليه من السمع - عواقب السمع؛ إذ حق ذلك أن يؤدي ذلك ما أَدركه إلى العقل ليعتبر به أَنه لم يخلق شيء من ذلك بالاستحقاق، ولا يحتمل عقله الإحاطة بكنه ما فيه من الحكمة، فيعلم عظم نعمة الله وخروج مثله عن العبث، فيقوم بأداءِ شكره؛ وبذلك يصير به إلى الجزاءِ في العواقب، ولا قوة إلا بالله.

وقوله عز وجل: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ .

يحتمل وجهين: أَحدهما: صم؛ لأَنه ختم على آذانهم، وعلى سمعهم، وعلى قلوبهم؛ فلا يسمعون، ولا يبصرون، ولا يعقلون.

ويحتمل: أَنهم صم بكم عمي؛ لما لم ينتفعوا بأسماعهم، وأَبصارهم، وقلوبهم.

ثم اختلف في جواز إضافة لفظ "الاستهزاءِ" إلى الله  : فأجازه قوم، وإن كان ذلك قبيحاً من الخلق؛ لما قبح منهم بما لا أحد يستهزئ بأَحدٍ - إما لجهله، أَو لقبح في الخلقة، أَو لزيادة في الخلق - إلا المستهزئ نحو هذه قد يحتمل ذلك لولا إنعام الله عليه الذي قد أغفل عنه، أَو لدناءة في الخلق باشتغاله بما ذكر، مع ما لعل الإغفال من هذ أَوحش، وأَقبح من حال المستهزأ به.

ولذلك قال عز وجل: ﴿ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ...

﴾ الآية [الحجرات: 11].

وذلك نحو التكبر: أنه قبيح من الخلق، بما لهم أَشكال في الحدث، وآثار الصنعة، واحتمال كل منهم بما احتمل غيره.

وجائِز إضافته إلى الله  ، لتعاليه عن الأَشباه والأَشكال، وإحالة احتمال ما احتمل غيره، وبه يقول حسين النجار.

وأبى قوم ذلك إلا على أَثر أَحوال تصرف فهم السامع إلى معنى الاستهزاءِ، نحو أن يذكر على أثر فعل له جزاء؛ فيفهم منه جزاءُ الاستهزاءِ كذكر السيئة في الجزاء، والمكر ونحو ذلك.

ثم يخرج ما نحن فيه على أوجه: أَحدها: ما بينا.

والثاني: ما ينسب إليه فعل المأْمور، نحو قول المؤمنين للمنافقين في الآخرة: ﴿ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ  ﴾ وقول أَهل الجنة، ودعائهم أهل النار بالخروج، لو ثبت ما ذكره الكلبي، وقول الملائِكة: ﴿ فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ  ﴾ وغير ذلك.

وقوله: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَٰفِرِينَ  يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ .

ثم ما ذكر من "الظلمات" يخرج على وجوه ثلاثة: أَحدها: ظلمات كفرهم بقلوبهم؛ إذ أظهروا الإيمان أَولاً.

والثاني: المتشابه في القرآن، وهو الذي تعلق به كثير من المشركين حتى نزول قوله: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ...

 ﴾ .

والثالث: ما في الإسلام من الشدائد، والإفزاع من الجهاد، والحدود وغير ذلك.

وأَمكن صرف الأَول، والآخر إلى الفريقين: الكافر، والمنافق، وصرف تأْويل المتشابه إلى الكافر.

على أنا بيَّنا أَن لكلٍّ من ذلك حَظًّا، ويدل آخر الآية - وهو قوله: ﴿ وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ - على أن المثل لهم، إلا أن المنافق شريكهم في الكفر، والله الموفق.

وجائِز أن يكون المثل المضروب بالآية إنما هو للقوم الذين شهدوا رسول الله  ؛ لأنهم كانوا قبل بعثه صنفين: صنفٌ ينتحل الكتاب الذي هو عندهم مما جاءَ به الرسل، [لكن أَئمتهم] قد غيروا ما في كتبهم من دين الله وأَحكامه حتى عطلوا ذلك، وأَبدعوا غير الذي جاءَت به الرسل من الدين والأَحكام.

بَيَّن ذلك قولُه: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ...

﴾ الآية [آل عمران: 105].

وقوله: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ...

 ﴾ .

ومنهم من أبدع الكتاب ونسب إليهم؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ...

﴾ الآية [آل عمران: 78].

تبين ما ظهر من التفرق فيهم، ومن القول في أنبيائهم، وفي الله  ، ومعلوم أن دين الرسل واحد غير مختلف، وبما كان من الفترة اندرست الكتب، وذهبت الرسوم؛ فصاروا في ظلمة الضلالة، وحيرة الزيغ، وتاهوا في سبيل الشيطان، وانقطع من بين أظهرهم الأَئمة الذين يوثق بهم في الدين، بما ليس لأَحد برهان يشهد له بالتمسك بسبيل الأنبياءِ، والاعتصام بكتبهم؛ إِذ كلهم يدعي ذلك - وقد ظهر فيهم القول المختلف والمتناقض الذي لا تحتمله الحكمة، وَلا يصبر عليه العقل.

وصنف: لا ينتحل الكتاب، ولا يؤمن بنبي من الأَنبياءِ، بل يعبدون الأَوثان والنيران والأحجار، وما يهوون مما لا يملك الضرر ولا النفع، ليس لهم شرع، بل هم حيارى، لا يعرفون معبوداً، ولا يبصرون طريقاً، وليس فيهم مَنْ إذا فزعوا إليه دلهم على المحجة، وأطلعهم على الحق، بل هم في الضلال تائهون، وفي الظلمات متحيرون.

فأَحوج الفريقين جميعاً ما حل بهم من الحيرة والتِّيه، إلى من يشفيهم من داءِ الضلالة بنور الهدى، ومن ظلمة الاختلاف بضياءِ الائتِلاف، ويخرجهم من سبيل الشيطان إلى سبيل الله، ويَدُلُّهم على معرفة المعبود الحق لئلا يتخذوا من دونه أَرباباً.

فبعث إليهم - عند شدة حاجتهم - رسولاً، وأكرمهم بما أَراهم من الآيات التي يعلمهم بها أَنه أنعم بها عليهم؛ ليستنقذهم من الضلالة إن هم أَطاعوه، وشكروا نعمة الله.

فكانوا كقوم بُلُوا بظلماتِ الليل والسحاب، فتحيروا فيها بما حالت الظلمة بينهم وبين حاجاتهم، وتعذر عليهم الوجه فى وضع أَقدامهم، فتاهوا فدفعهم التِّيهُ إلى استيقاد النار؛ ليبلغوا حوائجهم، ويأْمنوا العَطَبَ في وضع الأَقدام.

وكقوم بُلُوا في شدة الجوع والعطش لضيق الزمان وجَدْبِهِ، فاستغاثوا بمن يملك كشف ذلك عنهم فأَغاثهم بالمطر.

ثم منهم من عرف نعمة من أَنعم عليهم بالوقود وأَغاثهم بالمطر، فتلقوا نعمته بالشكر فنجوا بذلك فما خشوا من الهلاك، ووصلوا إلى حوائِجهم بالنار والمطر.

وذلك مثل من اتبع محمداً  وعرف نعم الله فشكره.

ومنهم من تلقى نور النار بالكفران والجهل بالمنعم به عليه، ونسي ما كان عليه، وهو قوله: ﴿ فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ  ﴾ آيات فيها ذكر ما بَينت، وقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ...

﴾ الآية [الإسراء: 67]، فأَذهب الله نورَهُ فلا ينتفع بنور النار، ولا وَصل إلى حاجته التي بها يقضى.

وذلك مثل الذين كفروا بمحمد  : أنهم لم ينتفعوا به، ولا قضوا حاجاتهم، بل زادهم ذلك ظلمةً وحيرة، كمستوقد النار إذا ذهب بصرهُ.

وكذلك قوم بُلوا بالسلوك في الطريق عند شدة الظلمة، ولم يتلقوا النعمة بالشكر من الوجه الذي جُعل لهم لوضع أَقدامهم بنور البرق فأَذهب الله نوره، وسَكَنَ لمعانُ البرق؛ فعاد الغياث له هلاكاً، والمطر - الذي وجهه - عليه بلاء.

فمثله من كابر رسول الله  ، واعترض على الاستماع إليه، ولا قوة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يكاد البرق من شدة لمعانه وسطوعه يأخذ أبصارهم، كلما ومض البرق لهم وأضاء تقدموا، وإذا لم يضئ بقوا في الظلام، فلم يستطيعوا التحرك، ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم بقدرته الشاملة لكل شيء؛ فلا تعود إليهم؛ لإعراضهم عن الحق.

فكان المطر مثلًا للقرآن، وصوت الصواعق مثلًا لما فيه من الزواجر، وضوء البرق مثلًا لظهور الحق لهم أحيانًا، وجعل سد الآذان من شدة الصواعق، مثلًا لإعراضهم عن الحق وعدم الاستجابة له، ووجه الشبه بين المنافقين وأصحاب المَثَلَين؛ هو عدم الاستفادة، ففي المثل الناري: لم يستفد مستوقدها غير الظلام والإحراق، وفي المثل المائي: لم يستفد أصحاب المطر إلا ما يروِّعهم ويزعجهم من الرعد والبرق، وهكذا المنافقون لا يرون في الإسلام إلا الشدة والقسوة.

<div class="verse-tafsir" id="91.7rP4x"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذا هو مثل الفريق الثاني من هذا الصنف من الناس، الذي كان أفراده ولا يزالون فتنة للبشر، ومرضًا في الأمم، وحجة على الدين، لأنهم بغرورهم بتقاليدهم التي اكتفوا بها من دينهم الموروث، يعبثون بعقولهم، ويلهون بخيالاتهم، ويجنون على مشاعرهم ومداركهم فيضعفونها، ويصارعون الفطرة الإلهية فيصرعونها، حتى يكون بعضهم كالجمادات ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ كما تقدم في المثل الأول، ويألف البعض الآخر الظلمة بطول التقليد، ويكون أفراده في نور البرهان كالخفافيش في نور الشمس، ولكنهم أمثل من الفريق الذي ضرب له المثل الأول، لأن فيهم بقية من الرجاء ورمقًا من الحياة، يوجههم إلى الاقتباس من نور الهداية كلما أضاءت لهم بروقها، والمشي في الجادة كلما استبانوا طريقها، ولكن تحول دون ذلك ظلمات التقاليد العارضة، وتقف في سبيل عقبات البدع المعارضة، وقد يعدهم لاستماع قوارع الآيات التي تنذرهم بما حرفوا، وصوادع الحجج التي تبين لهم كيف انحرفوا، ولا يصدهم عنها إلا أنها تزعجهم إلى ترك ما صَنَّفو وأَلَّفوا، وهجر ما أحبوا وأَلِفوا، وعدم المبالات بسنة الآباء، وقلة الاحتفال بعظمة الرؤساء، فهم يتراوحون بين الخوف والرجاء، مذبذبين بين أهل الجحود وأهل اليقين ﴿ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ  ﴾ ، ولا ينقطع منهم الأمل، حتى ينقطع بهم الأجل.

ألا تراهم عندما يقرع أسماعهم من كتاب ربهم ما يبين فساد سيرتهم، والتواء طريقتهم، كقوله تعالى في النعي على أمثالهم، وحكاية ما لم يرضه من أقوالهم: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ  ﴾ إلخ: وقوله في بيان ندمهم على التقليد، عندما يحل بهم الوعيد، ﴿ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا  ﴾ يأخذهم الزلزال، ويتولاهم الاضطراب والقلق، وتنشق لهم الظلمة عن فلق، ويلمع في نفوسهم نور الهداية الفطرية فيمشون فيه خطوات، ثم تحيط بهم الظلمات، وينقطع بهم الطريق كما ألمحنا آنفًا.

وأسباب غلبة الظلمات على النور، هي موافقة ما عليه الجمهور، والإخلاد إلى الهوى، وتفضيل عرض هذا الأدنى، وانتظار المغفرة ولو بما تأولوه في معنى الشفاعة، وتمنى الربح من غير بضاعة ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ  ﴾ ؟

بلى هو عندهم مدروس بجدليات النحو والكلام، ولكنه دارس الصُّوَىوالأعلام، المنصوبة لهداية القلوب والأحلام، ومقروء بالتجويد والأنغام، ولكنه متروك الحكم والأحكام، يقرأونه لكسب الحطام، ولمعرفة الحلال والحرام، ولا يتلونه لإصلاح القلب واللسان، بتزكية النفس وتغذية الإيمان، ويكتبونه لشفاء الأبدان من الأسقام، لا لشفاء ما في الصدور من الأوهام والآثام، ولو كان له أنصار يدعون إليه، وهداة يعتصمون به ويعولون عليه، لتبددت الظلمات أما الأنوار، ومحت آيةَ الليل آيةُ النهار.

تلك الإرشادات الإلهية بمنزلة المطر الذي ينزل من السماء، والزلزال والاضطراب الذي أشرنا إليه بمنزلة الرعد، واستبانة الصراط المستقيم الذي يلمع في أنفسهم من ذلك كالبرق، والعادات والشهوات والخوف من ذم الجماهير عند العمل بما يخالفهم كالظلمات التي تصد عن سلوك الطريق بل تعميه على طالبه وتحجبه عنه، ولذلك قال الله تعالى في تمثيل حال هذا الفريق ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاءِ  ﴾ أي قوم نزل بهم صيب، ووصفه بأنه من السماء مع العلم بأن الصيب لا يكون إلا من السماء للإشعار بأنه أمر لا يملكون دفعه وليس ملاكه في أيديهم، ومن المعهود عند بلغاء العرب التعبير عما يلم بالناس مما لا دافع له بأنه نزل من السماء، ولا جرم أن تلك السوانح التي تسنح في الأفكار، والإلهامات الإلهية، لأصحاب الفطرة الزكية، التي يكون من أثرها ما أشار المثل إليه، وتقدم التنبيه عليه، هي أمر وهبي واقع، ما له من دافع.

قال تعالى في وصف الصيب ﴿ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ  ﴾ الظلمات هي ظلمة الليل وظلمة الصيب نفسه، والرعد هو الصوت المعروف الذي يسمع في الحساب عند اجتماعه أحيانًا، والبرق هو الضوء الذي يلمع في السحاب في الغالب، وقد يلمع من الأفق حيث لا سحاب، وقال مفسرنا الجلال السيوطي: إن الرعد ملك أو صوته، والبرق سوطه يسوق به السحاب، وكأن الملك جسم مادي لأن الصوت المسموع بالآذان من خصائص الأجسام، وكأن السحاب حمار بليد لا يسير إلا إذا زجر بالصراخ الشديد والضرب المتتابع؟!.

وما ذكرناه هو الذي كان يفهمه العرب من اللفظين، وهو الذي يفهمه الناس اليوم.

ولا يجوز صرف الألفاظ عن معانيها الحقيقية إلا بدليل صحيح، ولا سيما إذا صرفت عن معاني من عالم الشهادة، الذي يعرفه الواضعون والمتكلمون، إلى معاني من عالم الغيب لا يعلمها إلا الله تعالى ومن أعلمهم الله تعالى إياها بالوحي، ولكن أكثر المفسرين ولعوا بحشو تفاسيرهم بالموضوعات التي نص المحدثون على كذبها، كما ولعوا بحشوها بالقصص والإسرائيليات التي تلقفوها من أفواه اليهود وألصقوها بالقرآن لتكون بيانًا له وتفسيرًا، وجعلوا ذلك ملحقًا بالوحي، والحق الذي لا مرية فيه أنه لا يجوز إلحاق شيء بالوحي غير ما تدل عليه ألفاظه وأساليبه، وإلا ما ثبت بالوحي عن المعصوم الذي جاء به ثبوتًا لا يخالطه الريب.

وقال تعالى في أصحاب الصيب ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنْ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ  ﴾ الصاعقة هي ما كان يعرفه العرب ويعرفه كل واحد وهو ما ينزل في أثناء المطر والبرق والرعد فيصعق ما ينزل به بأن يهلك أو يلحقه ضرر، وما تفسيرنا للبرق والرعد والصاعقة مع كونها معروفة لكل الناس إلا لأن المفسرين صرفوا أفهامهم عن المعروف إلى غيره، كما حكي عن (أرسطو) حكيم قدماء اليونان أن تلاميذه سألوه عن تعريف الحركة فقام ومشى، وما أنطقهم بالسؤال عنها على بداهتها إلا أنهم اعتادوا أن يسمعوا من الفلاسفة أقوالًا في الأمور الجلية، تجعلها غامضة خفية.

وأما حقيقة البرق والرعد والصاعقة وأسباب حدوثها فليس من مباحث القرآن، لأنه من علم الطبيعة (أي الخليفة) وحوادث الجو التي في استطاعة الناس معرفتها باجتهادهم ولا تتوقف على الوحي، وإنما تذكر الظواهر الطبيعية في القرآن لأجل الاعتبار والاستدلال، وصرف العقل إلى البحث الذي يقوى به الفهم والدين، والعلم بالكون ينمو ويضعف في الناس ويختلف باختلاف الزمان، فقد كان الناس يعتقدون في بعض الأزمنة أن الصواعق تحدث من أجسام مادية لما كانوا يشمونه في محل نزولها من رائحة الكبريت وغيره، ورجعوا عن هذا الاعتقاد في زمن آخر ملاحظين أن تلك الرائحة لا تكون دائمًا في محل الصاعقة.

وقد ظهر في هذا الزمان أن في الكون سيالًا يسمونه الكهرباء من آثاره ما ترون من"التلغراف"و"التليفون والترامواي"، وهذه الأضواء الساطعة في البيوت والأسواق، من غير شموع ولا زيت ولا ذبال، وإنما تكون باتصال سلكين دقيقين كالخيوط التي يخاط بها الثياب، أحدهما يحمل أو يوصل السيال الكهربائي الذي يسمونه الموجب، والآخر يوصل السيال المسمى بالسالب، وباتصال السلكين، يتولد النور من تلاقي السيالين، وبانقطاعهما أو الفصل بينهما ينفصل السيالان فينقطع الضوء من المصابيح والحركة من الآلات، والكهربائية موجودة في كل شيء، والبرق في السحاب يتولد من اتصال نوعيها الموجب والسالب بقدرة الله تعالى، كما يتولد في الأرض بعمل الإنسان.

وقد استنزل بعض علماء الكهربائية قبس الصاعقة من السحاب إلى الأرض، والصاعقة من أثر الكهربائية، وهي تفريغ السحاب طائفة منها في مكان لجاذب في الأرض يجذبه، وكثيرًا ما حصل الصعق لعمال التلغراف، لما بين السحاب والأسلاك من الجاذبية.

ومعرفة الناس بالسبب الحقيقي للصواعق هداهم إلى حفظ الأبنية الشاهقة منها باتخاذ القضيب المعروف الذي يسمى قضيب الصاعقة، فلا تنزل الصواعق على بناء رفع فوقه هذا القضيب، ولا مجال في تفسير القرآن للتطويل في أمثال هذه المسائل الطبيعية لأنها تطلب من فنونها الخاصة بها، فلنعد إلى بيان المثل.

استحضر حال قوم مشاة في فلاة من الأرض نزل عليهم بعدما أقبل ظلام الليل صيب من السماء قصفت رعوده، ولمعت بروقه، وتصور كيف يهوون بأصابعهم إلى آذانهم كلما حدث قاصف من الرعد ليدفعوا شدة وقعه بسد منافذ السمع برؤوس الأنامل، وعبر عن الأنامل بالأصابع هذا التعبير المجازي اللطيف للإشعار بشدة عنايتهم بسد آذانهم، ومبالغتهم في إدخال أناملهم في صماليخها، كأن كل واحد منهم يحاول بما دهمه من الخوف أن يغرس أصبعه كلها في أذنه، حتى لا يكون للصوت منفذ إلى سمعه، لما يحذره على نفسه من الموت الزؤام، ومعالجة الحِمام، وهذا هو الجبن الخالع، ومنتهى حدود الحماقة، لأن سد الآذان ليس من أسباب الوقاية من أخذ الصاعقة ونزول الموت، والموت فقد الحياة بمفارقة الروح للبدن، وخلق الله عبارة عن تقديره أو عن قبضه للروح وتوفيه للنفس.

وقوله تعالى ﴿ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ  ﴾ يرشدنا في أثناء شرح المثل وتقريره إلى حال من ضرب فيهم المثل يذهلنا ما نتصوره من حال المشبه به عن حال المشبه المقصود بالذات، وهو أن التصام والهروب من سماع آيات الحق والحذر من صواعق براهينه الساطعة أن تذهب بتقاليدهم التي يرون حياتهم الملية مرتبطة بها لا يفيدهم شيئًا، لأن الله تعالى محيط بهم، مطلع على سرائرهم، وعلم بما في ضمائرهم، وقادر على أخذهم أينما كانوا، وفي أي طريق سلكوا، فلا يهربون من برهان إلا ويفاجئهم برهان آخر، كالغريق يدفعه موج ويتلقاه موج حتى يقذف به إلى ساحل النجاة، أو يدفعه إلى هاوية العدم، ولهذا قال ﴿ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ  ﴾ ولم يقل محيط بهم، والمراد بالإحاطة هنا إحاطة القدرة، فمن لم يمته بأخذ الصاعقة أماته بغيرها (تنوعت الأسباب والموت واحد) والمحيط بالشيء لا يمكن أن يفوته وينفلت من قبضته.

ثم بعد التنبيه والاستلفات عاد إلى إتمام المثل وتفصيله، فقال عز شأنه: ﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا  ﴾ إذا لمع البرق بشدة مفاجئًا من هو في ظلمة فإنه يؤثر في بصره تأثيرًا يكاد يخطفه، والخطف هو الأخذ بسرعة، ولكنه يتبين به جزءًا من الطريق فيمشي فيه خطوات ثم يعتكر عليه الظلام، وتستحوذ عليه المخاوف والأوهام، فيقف في مكانه، أو يعود البرق إلى لمعانه، ويحاكي هذا من حال الممثل بهم أنه عندما يدعوهم الداعي إلى أصل الدين، ويوضح لهم سبب ما هو فيه من البلاء المبين، ويتلو عليهم الآيات البينة، ويقيم لهم الحجج القيمة، على أنهم تنكبوا الصراط السوي وأصيبوا بالداء الدوي، يظهر لهم الحق فيعزمون على اتباعه، وتسير أفكارهم في نوره بعض خطوات، ولكن لا يعتمون أن تعود إليهم عتمة التقليد وظلمة الشهوات، وغُبْسَة الأهواء والشبهات، فتقيد الفكر وإن لم تقف سيره وإنما تعود به إلى الحيرة -كما تقدم في أول الكلام- ثم يتكرر النظر في تضاعيفها بطريق الالتفات والإلمام.

وفيه أنهم على سوء الحال وخطر المآل، لم تنقطع منهم الآمال، كما انقطعت من أصحاب المثل الأول الذين وصفوا بالصم البكم العمي، ولذلك قال فيهم ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ  ﴾ حتى ينجع فيهم وعظ واعظ ولا تفيدهم هداية هاد، ولم يقل إنه ذهب بنور أولئك وسلبهم كل أنواع الهدى والرشاد، فوقع اليأس من رجوعهم إلى الحق.

وقوله تعالى ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ  ﴾ الخ رجع إلي بيان حال من ضرب فيهم المثل، لا من تتمة المثل، وقد كنى عنهم بالضمير هنا لأن المثل قد تم، بعدما ذكرهم في قوله ﴿ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ  ﴾ بالوصف الذي اقتضى التمثيل.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد