تفسير سورة البقرة الآيات ١٦٣-١٦٤ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ١٦٣-١٦٤

وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ ١٦٣ إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍۢ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ١٦٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 21 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ]] لأن اللعنة تعمهم في الآخرة من جميع الملائكة والناس بحيث يظهر للعوالم أنهم لا يستحقون الرحمة حتى إن المرؤوسين يتبرأون من الرؤساء الذين كانوا يتبعونهم في الضلال ويتخذون كلامهم دينًا من دون كتاب الله كما سيأتي، فناسب بعد هذا أن يبين الله تعالى أن شارع الدين ومحق الحق هو واحد لا يعبد غيره، ولا تكتم هدايته، ولا يجعل كلام البشر معيارًا على كلامه، وهو مفيض الرحمة والإحسان، إذ الرحمة من صفاته الكاملة اللازمة، ليتذكر أولئك الضالون الكاتمون لبينات الله، المؤثرون عليها آراء رؤسائهم وأئمتهم ثقة بهم، واعتمادًا على شفاعتهم، أنهم لن يغنوا عنهم من الله شيئًا، ويعلموا وجه خطأهم في كتمان الحق ومعاداة أهله عنادًا من الرؤساء، وتقليًدا من المرؤوسين.

فقال: ﴿ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ  ﴾ أي وإلهكم الحق الحقيق بالعبادة إله واحد لا إله مستحق لها إلا هو، فلا تشركوا به أحدًا.

والشرك به نوعان: (أحدهما): يتعلق بالألوهية والعبادة وهو أن يعتقد المرء أن في الخلق من يشاركه تعالى أو يعينه في أفعاله، ويحمله على بعضها ويصده عن بعض بشفاعته عنده لأجل قربه منه، كما يكون من بطانة الملوك المستبدين، وحواشيهم وحجابهم وأعوانهم، فهو يتوجه إلى هذا المؤثر عند الله بزعمه عندما يتوجه إليه تعالى في الدعاء فيدعوه معه، وقد يدعوه من دونه عند شدة الحاجة لكشف ضر أو جلب نفع أعيته أسبابهما، وهذا مخ العبادة.

(وثانيهما): يتعلق بالربوبية وهو إسناد الخلق والتدبير إلى غيره معه، أو أن تؤخذ أحكام الدين في عبادة الله تعالى والتحليل والتحريم عن غيره، أي غير كتابه ووحيه الذي بلّغه عنه رسله بحجة أن من يؤخذ عنهم الدين من غير بيان الوحي أعلم بمراد الله فيترك الأخذ من الكتاب لرأيهم وقولهم، وهو المراد بقوله تعالى ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ  ﴾ كما سيأتي في موضعه إن شاء كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، وظاهر أن الواجب على العلماء بالدين إن يبينوا للناس ما نزله الله ولا يكتموه لا أن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه كما زاد أهل الكتب المنزلة كلهم عبادات وأحكامًا كثيرة زائدة على الوحي أو مخالفة له يتأولونه لأجلها دون العكس، وإذا كان الله تعالى واحدًا لا إله إلا هو فلا ينبغي أن يشرك معه غيره فهو كذلك ﴿ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ  ﴾ أي الكامل الرحمة فلا ينبغي أن يعرض العبد أن يعرض العبد عن أسباب رحمته اعتمادًا على سواه ممن يظن أنهم مقربون عنده، فحسب المؤمن من رحمة الله التي وسعت كل شيء أن يستغني بالتصدي لها عن رجاء سواها وإلا كان من الخائبين.

نبههم  إلى أن المنافع التي يرقبونها من شركهم إنما هي بيده الكريمة وحده، كأنه يقول إذا انتم تركتم ما أنتم فيه لأجله تعالى فهو بتفرده بالألوهية يكفيكم كل ضرر تخافونه، ويعطيكم برحمته الواسعة كل ما ترجونه، فان بيده ملكوت كل شيء، وكل ما تعتمدون عليه من دونه فليس محلًا للاعتماد، بل اعتمادكم عليه من قبيل الشرك فيجب أن تطرحوه جانبًا، وتعتقدوا أن الإله الذي بيده أزمة المنافع والقادر على دفع المضار وإيقاعها هو واحد لا سلطان لأحد على إرادته ولا مبدل لكلمته، ولا أوسع من رحمته، وإنما أكد أمر الوحدة هذا التأكيد تحذيرًا من طرق الشرك الخفية على أنها أساس الدين وأصله.

وقد فصلنا معاني التوحيد والشرك واسمي الرحمن والرحيم في تفسير الفاتحة.

أرأيت هذا الاتصال المحكم بين الآية وما قلبها؟

إن بعض المفسرين قد قطع عراه وفصمها، وجعل الآية جوابًا لقوم قالوا للنبي  : انسب لنا ربك، قاله (الجلال) ..

والذي أراه أن سبب النزول إنما يحتاج إليه في آيات الأحكام لان معرفة الوقائع والحوادث التي نزل فيها الحكم تعين على فهمه وفقه حكمته وسره، ومثلها ما فيه إشارة إلى بعض الوقائع كغزوة بدر والنصر فيها ومصيبة المؤمنين في أُحد.

وأما الآيات المقررة للتوحيد وهو المقصود الأول من الدين فلا حاجة إلى التماس أسباب لنزولها بل هي لا تتوقف على انتظار السؤال، وإنما كان يبين عند كل مناسبة.

وما عساه يكون قد قارن نزولها من حادثة أو سؤال مثل هذا الذي ذكر آنفًا فهو إن صح رواية لا يزيدنا بيانًا في فهم الآية، ولا يصح أن يجعل سببًا لنزولها لا سيما بعد الذي علم من اتصالها بما قبلها كما يليق ببلاغة القرآن.

ومثل هذا السبب يجعل القرآن مبددًا متفرقًا لا ترتبط أجزاؤه، ولا تتصل أنحاؤه، ومثله ما قالوه في سبب الآية التي بعد هذه الآية، فإنها جاءت على سنة القرآن من وصل الدليل بالدعوى، ولكنهم رووا في سببها روايات منها أن آية ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ  ﴾ نزلت بالمدينة ثم سمع بها مشركو مكة فقالوا ما قالوا وعجبوا كيف يسع الخلق إله واحد وطلبوا الدليل على ذلك، كأنهم لم يكونوا قد سمعوا عليه دليلًا، وكأن هذه الدعوي لم تكن طرأت على أذهانهم ولا طرقت أبواب مسامعهم -على أن النبي  كان قد أقام فيهم يدعوهم إلى هذا التوحيد عشر سنين ونيفًا، وسبق لهم التعجب منه ﴿ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ  ﴾ ومعظم ما نزل بمكة آيات وبراهين عليه، فكيف نسلم أن ما نراه في التنزيل المدني من آيتين متصلتين إحداهما في التوحيد والأخرى في دليله قد كان من الفصل بينهما أن نزل الدليل بعد المدلول بزمن طويل وسبب متأخر؟

ومن هنا يظهر أنها لا يصح أن تكون جوابًا للذين قالوا: انسب لنا ربك، أو: صف لنا ربك.

لان هذا السؤال إنما عمن لا يعرف شيئًا من صفات الرب العظيم -أو ممن يبغي أن يعرف مقدار علم المسؤول بهذه الصفات - ويجب أن يكون جوابه بذكر جميع ما يجب اعتقاده من التنزيه والصفات الثبوتية، ولم يذكر في الآية إلا الوحدة والرحمة، وترك ذكر العلم والحكمة والإرادة والقدرة، وهي صفات لا تعقل الألوهية إلا بها وسببه أن أولئك الكفار لم يكونوا يكتمونها ولا يشركون مع الله أحدًا فيها وإنما أشركوا في الألوهية بعبادة غير الله تعالى بالدعاء والنذور والقرابين ويستلزم هذا عدم اكتفائهم برحمته.

الَّذِينَ تَابُوا]] إلخ.

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ  ﴾ إلخ هذه آية قرآنية تشرح لنا بعض الآيات الكونية الدالة على وحدانية الله تعالى ورحمته الواسعة إثباتًا لما ورد في الآية قبلها من هذين الوصفين له تعالى على طريقة القرآن في قرن المسائل الاعتقادية بدلائلها وبراهينها كما ألمعنا.

وهذه الآيات أجناس: الأول والثاني - منها خلق السموات والأرض، ففيه آيات بينات كثيرة الأنواع يدهش المتأملين بعض ظواهرها، فكيف حال من اطلع على ما اكتشف العلماء من عجائبها، الدال على أن ما لم يعرفوه أعظم مما عرفوه منها.

تتألف هذه الأجرام السماوية من طوائف يبعد بعضها عن بعض بما يقدر بالملايين وألوف الملايين من سني سرعة النور، ولكل طائفة منها نظام كافل محكم، لا يبطل نظام بعضها نظام الآخر، لأن للمجموع نظامًا عامًا واحدًا يدل على أنه صادر عن إله واحد لا شريك له في خلقه وتقديره، وحكمته وتدبيره، وأقرب تلك الطوائف إلينا ما يسمونه النظام الشمسي، نسبة إلى شمسنا هذه التي تفيض أنوراها على أرضنا فتكون سببًا للحياة النباتية والحيوانية فيها.

والكواكب التابعة لهذه الشمس مختلفة في المقادير والأبعاد، وقد استقر كل منها في مداره، وحفظت النسبة بينه وبين الآخر بسنّة إلهية منتظمة حكيمة يعبرون عنها بالجاذبية العامة.

ولولا هذا النظام لانفلتت هذه الكواكب السابحة في أفلاكها فصدم بعضها بعضًا وهلكت العوالم بذلك، فهذا النظام آية على الرحمة الإلهية، ما أنه آية على الوحدانية.

هذه هي السموات تشير إلى آياتها عن بعد ﴿ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ  ﴾ في جرمها ومادتها وشكلها وعوالمها المختلفة من جماد ونبات وحيوان، فلكل منها نظام عجيب وسنن إلهية مطردة في تكوينها، وتوالد ما يتولد من أحيائها، وغير ذلك حتى لو دققت النظر في أنواع الجمادات من الصخور المختلفة الأنواع، والجواهر المتعددة الخواص والألوان، لشاهدت من النظام فيها ومن أنواع المنافع في اختلافها وتنوعها ما تعلم به علم اليقين، أنها ترجع في ذلك إلى إبداع إله حكيم، رؤوف رحيم، لا شريك له في الخلق والتدبير.

يضاف إلى ذلك أن في الجماد حياة خاصة به دون الحياة النباتية.

فهذان جنسان من آياته تعالى يشملان أنواعًا وأفرادًا منها يتعذر إحصاؤها.

الجنس الثالث - قوله ﴿ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ  ﴾ وهو إن يجيء أحدهما فيذهب الآخر، ويطول هذا فيقصر ذاك، وكل ذلك بحسبان، مطرد في جميع الأقطار والبلدان، ومثله اختلاف الفصول باختلاف مواقع العرض والطول، وقد ذكر هذه الآية بعد خلق السموات والأرض لأن هذا الاختلاف هو أثر مقابلة الأرض للشمس وحركتها بإزائها، وتفصيل ذلك مشروح في محله من العلم الخاص بهذه المسائل.

وفي المشاهد من اختلاف الليل والنهار والفصول وما للناس في ذلك من المنافع والمصالح آيات بينات على وحدة مبدع هذا النظام المطرد ورحمته بعباده يسهل على كل أحد أن يفهمها وإن لم يعرف أسباب ذلك الاختلاف وتقديره.

وفي القرآن بيان لذلك في مواضع كثيرة كقوله تعالى ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا  ﴾ فهذه الآية تهدي إلى ما في اختلاف الليل والنهار من المنافع العامة وفي معناه آيات أخرى.

وقال تعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا  ﴾ .

وهذه هداية إلى المنافع الدينية.

وهناك آيات تشير إلى أسباب هذا الاختلاف كقوله تعالى ﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ  ﴾ وقوله ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا  ﴾ .

وصفوة القول في هذا المقام أن اختلاف الليل والنهار أثر من آثار النظام الشمسي وقلنا إن ذلك يدل على وحدة واهبة ومقدرة ونقول إن آثاره تدل على ذلك أيضًا، وأما دلالتها على رحمته تعالى فظاهرة مما تقدم الاستشهاد به من الآيات آنفًا.

الجنس الرابع - قوله ﴿ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ  ﴾ الفلك "بالضم" اسم للسفينة ولجمعها.

وكان الظاهر أن تأتي هذه الآية في آخر الآيات ليكون ما للإنسان فيه صنع على حدة وما ليس له فيه صنع على حدة.

والنكتة في ذكرها عقيب آية الليل والنهار هي أن المسافرين في البر والبحر هم أشد الناس حاجة إلى تحديد اختلاف الليل والنهار ومراقبته على الوجه الذي ينتفع به، والمسافرون في البحر أحوج إلى معرفة الأوقات، وتحديد الجهات، لأن خطر الجهل عليهم أشد، وفائدة المعرفة لهم أعظم، ولذلك كان من ضروريات رباني السفن معرفة علم النجوم (الهيأة الفلكية) وعلم الليل والنهار من فروع هذا العلم قال تعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ  ﴾ فهذا وجه الترتيب بين ذكر الفلك وما قبله.

وأما كون الفلك آية فلا يظهر بادي الرأي كما يظهر كونها رحمة من قوله ﴿ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ  ﴾ أي في أسفارهم وتجاراتهم، وما يعرف في هذا العصر بالمشاهدة والاختبار أكثر مما كان يعرف في العصور السالفة إذ كانت الفلك شراعية فلم يكن البخار يسير أمثال هذه البواخر والبوارج العظيمة التي تحكي مدنًا كبيرة فيها جميع المرافق التي يتمتع بها المترفون والملوك في البر من الأرائك والسرر والحمامات وغير ذلك أو قلاعًا وحصونًا فيها أقتل آلات الحرب.

وكل ذلك من رحمة الإله الذي خلق هذه الأشياء وهدى إليها الإنسان، فلا بد لفهم كونها آية على وحدانيته من فهم طبيعة الماء وطبيعة قانون الثقل في الأجسام وطبيعة الهواء والريح وزد على ذلك معرفة طبيعة البخار والكهرباء التي هي العمدة في سير الفلك الكبرى في زماننا فكل ذلك يجري على سنن إلهية مطردة منتظمة، تدل على أنها صادرة عن قوة واحدة هي مصدر الإبداع والنظام وهي قوة الإله الواحد الحكيم، الرحمن الرحيم.

الجنس الخامس- قوله ﴿ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ  ﴾ المراد بالسماء هنا جهة العلو أو السحاب، لا ما قاله المخذولون الذين تجرأوا على الكذب على الله ورسوله فزعموا أن بين السماء والأرض بحرًا قالوا إنه موج مكفوف وأن المطر ينزل منه على قدر الحاجة في تفصيل اخترعوه ما أنزل الله به من سلطان، وتبعهم فيه أسرى النقل ولو خالف الحس والبرهان، ونزول المطر من الأمور المحسوسة التي لا تحتاج إلى نقل، ولا نظر عقل، وقد شرح كيفية تكوينه ونزوله العلماء الذين تكلموا في الكائنات، ووصفوا بالتدقيق الآيات المشاهدات، ولم يخرج شرحهم الطويل عن الكلمة الوجيزة في بعض الآيات التي ذكر فيها المطر وهو قوله تعالى ﴿ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ  ﴾ فحرارة الهواء هي التي تبخر المياه والرطوبات وتثيرها الرياح في الجو حتى تتكاثف ببرودتها وتكون كسفًا من السحاب يتحلل منه الماء ويخرج من خلاله وينزل بثقله إلى الأرض وكثيرًا ما شاهدنا في جبال سورية كما يشاهد الناس في غيرها أن ينعقد السحاب في أثناء الجبل وينزل منه المطر والشمس طالعة فوقه حيث لا مطر، وقد يخترق الناس منطقة المطر إلى ما فوقها.

وقد وصف الله تعالى هذا الجنس من آياته بأعظم آثاره فقال ﴿ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ  ﴾ أي أوجد بسببه الحياة في الأرض الميتة بخلوها من صفات الأحياء كالنمو والتغذي والنتاج، وبث أي نشر وفرق في أرجائها من جميع أنواع الأحياء التي تدب عليها وهي لا تعد ولا تحصى، فبالماء حدثت حياة الأرض بالنبات، وبه استعدت لظهور أنواع الحيوان فيها.

وهل المراد الإحياء الأول وما تلاه من تولد الحيوانات المعبر عنها بكل دابة، أو ما يشاهد من آحاد الإحياء التي تتولد دائمًا في جميع بقاع الأرض؟

الظاهر أن المراد أولًا وبالذات الإحياء الأول المشار إليه بقوله تعالى في آية أخرى ﴿ أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ  ﴾ فهو يذكر جعل كل شيء حيًا بالماء، في إثر ذكر انفصال الأرض من السماء، وذلك أن مجموع السموات والأرض كان رتقًا أي مادة واحدة متصلًا بعض أجزائها ببعض على كونه ذرات غازية كالدخان كما قال في آية التكوين ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا  ﴾ .

ولما كان ذلك الفتق في الإجرام انفصل جرم الأرض عن جرم الشمس وصارت الأرض قطعة مستقلة مائرة ملتهبة وكانت مادة الماء -وهي ما يسميه علماء التحليل والتركيب (علم الكيمياء) بالأكسجين والهيدروجين- تتبخر من الأرض بما فيها من الحرارة فتلاقي في الجو برودة تجعلها ماء فينزل على الأرض كما وصفنا آنفًا فيبرد من حرارتها، وما زال كذلك حتى صارت الأرض كلها ماء وتكونت بعد ذلك اليابسة فيه وخرج النبات والحيوان وكل حي من الماء، فهذا هو الإحياء الأول.

وأما الإحياء المستمر المشاهد في كل بقاع الأرض دائمًا فهو المشار إليه بمثل قوله تعالى ﴿ وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ  ﴾ وذلك أننا نري كل أرض لا ينزل فيها المطر ولا تجري فيها المياه من الأراضي الممطورة لا في ظاهرها ولا في باطنها خالية من البنات والحيوان إلا أن يدخلها من أرض مجاورة لها ثم يعود منها.

فحياة الأحياء في الأرض إنما هي بالماء سواء في ذلك الإحياء الأول عند تكوين العوالم الحية وإيجاد أصول الأنواع، والإحياء المتجدد في أشخاص هذه الأنواع وجزئياتها التي تتولد وتنمو كل يوم.

وهذه المياه التي يتغذى بها النبات والحيوان على سطح هذه اليابسة كلها من المطر، ولا يستثني من ذلك أرض مصر فيقال إن حياتها بماء النيل دون المطر فإن مياه الأنهار والعيون التي تنبع من الأرض كلها من المطر فهو يتخلل الأرض فيجتمع فيندفع.

وقد امتن الله تعالى بذلك علينا وأرشدنا إلى آيته فيه فيقوله ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ  ﴾ الآية.

فالبحيرات التي هي ينابيع النيل من ماء المطر والزيادة التي تكون فيه أيام الفيضان هي من المطر الذي يمد هذه الينابيع ويمد النهر نفسه في مجراه من بلاد السودان، وكثرة الفيضان وقلته تابعة لكثرة المطر السنوي وقلته هناك.

هذا هو الماء في كونه مطرًا وفي كونه سببًا للحياة وهو آية في كيفية وجوده وتكونه فإنه يجري في ذلك على سنة إلهية حكيمة تدل على الوحدة والرحمة، ثم إنه آية في تأثيره في العوالم الحية أيضًا، فإن هذا النبات يسقى بماء واحد هو مصدر حياته، ثم هو مختلف في ألوانه، وطعومه وروائحه، فتجد في الأرض الواحدة نبتة الحنظل مع نبتة البطيخ، متشابهتين في الصورة متضادتين في الطعم، وتجد النخلة وتمرها ما تذوق حلاوة ولذة، وتجد في جانبها شجرة الليمون الحامض والنارنج وثمرها ما تعرف حموضة وملوحة، وتجد بالقرب منها شجرة الورد لها من الرائحة ما ليس للنخلة وما يخالف في أريجه زهر النارنج، بل يوجد في الشجر ما له زهر زكي الرائحة، فإذا قطعت الغصن الذي فيه هذا الزهر تنبعث منه رائحة خبيثة.

فتلك السنن التي يتكون بها المطر وينزل جارية بنظام واحد دقيق، وكذلك طرق تغذي النبات بالماء هي جارية بنظام واحد، فوحدة النظام وعدم الخلل فيه تدل على أن مصدره واحد، فهو من هذه الجهة يدل على الوحدانية الكاملة، ومن جهة ما للخلق فيه من المنافع والمرافق يدل على الرحمة الإلهية الشاملة.

وقل مثل هذا فيما بث الله تعالى في الأرض من كل دابة، فإنها آيات على الوحدة، ودلائل وجودية على عموم الرحمة.

الجنس السادس: قوله تعالى ﴿ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ  ﴾ ذكر آية الرياح بعد آية المطر للتناسب بينهما وتذكيرًا بالسبب، فان الرياح هي التي تثير السحاب وتسوقه في الجو إلى حيث يتحلل بخاره فيكون مطرا كما تقدم آنفًا في آية ﴿ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ  ﴾ وتصريف الرياح تدبيرها وتوجيهها على حسب الإرادة ووفق الحكمة والنظام، فهي تهب في الأغلب من إحدى الجهات الأربع وتارة تأتي نكباء بين بين، وقد تكون متناوحة، أي تهب من كل ناحية، ومنها المقيم، ومنها الملقحة للنبات وللسحاب، وإذا هبت حارة في بعض الأماكن والأوقات فهي تهب عقب ذلك لطيفة الحرارة أو باردة، وكل ذلك يجري على سنة حكيمة تدل على وحدة مصدرها، ورحمة مدبرها.

الجنس السابع: قوله تعالى ﴿ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ  ﴾ أي الغيم المذلل المسحوب في الجواء لإنزال المطر في البلاد المختلفة.

ذكر السحاب هنا بعد ذكر تصريف الرياح لأنها هي التي تثيره وتجمعه وهي التي تسوقه إلى حيث يمطر وتفرق شمله أحيانًا فيمتنع المطر، ولم يذكره عند ذكر الماء مع أنه سببه المباشر ليرشدنا إلى أنه في نفسه آية، فإنه يتكون بنظام ويعترض بين السماء والأرض بنظام، فهو في ظاهره آية تدهش الناظر الجاهل بالسبب لو لم يألف ذلك ويأنس به، وإنما يعرفها معرفتها من وقف على السنن الإلهية في اجتماع الأجسام اللطيفة وافتراقها، وعلوها وهبوطها وهو ما يعبر عنه علماء هذا الشأن بالجاذبية، وهي أنواع منها جاذبية الثقل والجاذبية العامة وجاذبية الملاصقة وغيرها، ومن لا يعرف أسرار هذه الكائنات، وإنما ينظر إلى ظواهر فيراها كما تراها العجماوات، فهو لا يفهم معنى كونها آيات، لأنه أهمل آلة الفهم التي امتاز بها وهي العقل، ولذلك أخبر الله تعالى عن هذه الأجناس كلها إن فيها ﴿ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ  ﴾ فإنهم هم الذين ينظرون في أسبابها، ويدركون حكمها وأسرارها، ويميزون بين منافعها ومضارها، ويستدلون بما فيها من الإتقان والأحكام، والسنن التي قام بها النظام، على قدرة مبدعها وحكمته، وفضله ورحمته، وعلى استحقاقه للعبادة دون غيره من بريته، وبقدر ارتقاء العقل في العلم والعرفان، يكمل التوحيد في الإيمان، وإنما يشرك بالله أقل الناس عقلًا، وأكثرهم جهلًا.

أليس أكبر خذلان للدين وجناية عليه أن لا ينظر المنتسبون إليه في آياته التي يوجههم كتابه إلى النظر فيها، ويرشدهم إلى استخراج العبر منها؟

أليس من أشد المصائب على الملة إن يهجر رؤساء دين كهذا الدين العلوم التي تشرح حكم الله وآياته في خلقه ويعدوها مضعفة للدين أو ماحية له، خلافًا لكتاب الله الذي يستدل لهم بها ويعظم شأن النظر فيها؟

بلى..

وإنهم ليصرون على تقاليدهم هذه وليس عليها حجة وإنما اتبعوا فيها سنن قوم ممن قبلهم.

وكان بعض الحكماء المتأخرين يقول كلمة في أهل دينه الذين خذلوه: هكذا شان أهل الأديان كافة كأنهم تعاهدوا جميعًا على أن يكون سيرهم واحدًا.

وهذا المعنى مأخوذ من قول الله تعالى في الكافرين يتفقون في كل أمة على الطعن في نبيها ﴿ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ  ﴾ .

وقد يزعم بعض هؤلاء الذين يعادون علم الكون باسم الدين أن النظر في ظواهر هذه الأشياء كافٍ للاستدلال بها ومعرفة آيات صانعها وحكمته ورحمته.

فمثلهم كمثل من يكتفي من الكتاب برؤية جلده الظاهر وشكله من غير معرفة ما أودعه من العلم والحكمة.

نعم إن هذا الكون هو كتاب الإبداع الإلهي المفصح عن وجود الله وكماله، وجلاله وجماله، وإلى هذا الكتاب الإشارة بقوله تعالى ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا  ﴾ وبقوله ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ  ﴾ .

فكلمات الله في التكوين باعتبار آثارها ومصداقها هي آحاد المخلوقات والمبدعات الإلهية، فإنها تنطق بلسان أفصح من لسان المقال، لكن لا يفهمه الذين هم عن السمع معزولون، وللعلم معادون، الواهمون أن معرفة الله تقتبس من الجدليات النظرية، والأقيسة المنطقية دون الدلائل الوجودية الحقيقية، ولو كان زعمهم حقيقة لا وهمًا، لكان الله سبحانه استدل في كتابه بالأدلة النظرية الفكرية، وذكر "الدور""والتسلسل" وغير ذلك من الاصطلاحات الكلامية، ولم يستدل بالسماء والأرض والليل والنهار والفلك والمطر وتأثيره في الحياة وغير ذلك من المخلوقات التي أرشدنا القرآن إلى النظر فيها، واستخراج الدلائل والعبر منها.

ألا إن لله كتابين: كتابًا مخلوقًا وهو الكون، وكتابًا منزلًا وهو القرآن، وإنما يرشدنا هذا إلى طرق العلم بذلك، بما أوتينا من العقل، فمن أطاع فهو من الفائزين، ومن أعرض فأولئك هم الخاسرون.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل