الآية ١٦٤ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٦٤ من سورة البقرة

إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍۢ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ١٦٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 243 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦٤ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم ذكر الدليل على تفرده بالإلهية [ بتفرده ] بخلق السماوات والأرض وما فيهما ، وما بين ذلك مما ذرأ وبرأ من المخلوقات الدالة على وحدانيته ، فقال : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ) يقول تعالى : ( إن في خلق السماوات والأرض ) تلك في [ لطافتها و ] ارتفاعها واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها ، وهذه الأرض في [ كثافتها و ] انخفاضها وجبالها وبحارها وقفارها ووهادها وعمرانها وما فيها من المنافع ( واختلاف الليل والنهار ) هذا يجيء ثم يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه ، لا يتأخر عنه لحظة ، كما قال تعالى : ( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ) [ يس : 40 ] وتارة يطول هذا ويقصر هذا ، وتارة يأخذ هذا من هذا ثم يتقارضان ، كما قال تعالى : ( يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ) [ الحج : 61 ] أي : يزيد من هذا في هذا ، ومن هذا في هذا ( والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ) أي : في تسخير البحر لحمل السفن من جانب إلى جانب لمعاش الناس ، والانتفاع بما عند أهل ذلك الإقليم ، ونقل هذا إلى هؤلاء وما عند أولئك إلى هؤلاء ( وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ) كما قال تعالى : ( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ) [ يس : 33 - 36 ] ( وبث فيها من كل دابة ) أي : على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها ، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه لا يخفى عليه شيء من ذلك ، كما قال تعالى : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) [ هود : 6 ] ( وتصريف الرياح ) أي : تارة تأتي بالرحمة وتارة تأتي بالعذاب ، تارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب ، وتارة تسوقه ، وتارة تجمعه ، وتارة تفرقه ، وتارة تصرفه ، [ ثم تارة تأتي من الجنوب وهي الشامية ، وتارة تأتي من ناحية اليمن وتارة صبا ، وهي الشرقية التي تصدم وجه الكعبة ، وتارة دبور وهي غربية تفد من ناحية دبر الكعبة ، والرياح تسمى كلها بحسب مرورها على الكعبة .

وقد صنف الناس في الرياح والمطر والأنواء كتبا كثيرة فيما يتعلق بلغاتها وأحكامها ، وبسط ذلك يطول هاهنا ، والله أعلم ] .

( والسحاب المسخر بين السماء والأرض ) [ أي : سائر بين السماء والأرض ] يسخر إلى ما يشاء الله من الأراضي والأماكن ، كما يصرفه تعالى : ( لآيات لقوم يعقلون ) أي : في هذه الأشياء دلالات بينة على وحدانية الله تعالى ، كما قال تعالى : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ) [ آل عمران : 190 ، 191 ] .

وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه : أخبرنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا أبو سعيد الدشتكي ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن أشعث بن إسحاق ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : أتت قريش محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد إنما نريد أن تدعو ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا ، فنشتري به الخيل والسلاح ، فنؤمن بك ونقاتل معك .

قال : " أوثقوا لي لئن دعوت ربي فجعل لكم الصفا ذهبا لتؤمنن بي " فأوثقوا له ، فدعا ربه ، فأتاه جبريل فقال : إن ربك قد أعطاهم الصفا ذهبا على أنهم إن لم يؤمنوا بك عذبهم عذابا لم يعذبه أحدا من العالمين .

قال محمد صلى الله عليه وسلم : " رب لا ، بل دعني وقومي فلأدعهم يوما بيوم " .

فأنزل الله هذه الآية : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ) الآية .

ورواه ابن أبي حاتم من وجه آخر ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، به .

وزاد في آخره : وكيف يسألونك عن الصفا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم من الصفا .

وقال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا أبي ، حدثنا أبو حذيفة ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء ، قال : نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة : ( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ) فقال كفار قريش بمكة : كيف يسع الناس إله واحد ؟

فأنزل الله تعالى : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ) إلى قوله : ( لآيات لقوم يعقلون ) فبهذا يعلمون أنه إله واحد ، وأنه إله كل شيء وخالق كل شيء .

وقال وكيع : حدثنا سفيان ، عن أبيه ، عن أبي الضحى قال : لما نزلت : ( وإلهكم إله واحد ) إلى آخر الآية ، قال المشركون : إن كان هكذا فليأتنا بآية .

فأنزل الله عز وجل : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ) إلى قوله : ( يعقلون ) ورواه آدم بن أبي إياس ، عن أبي جعفر هو الرازي عن سعيد بن مسروق ، والد سفيان ، عن أبي الضحى ، به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في المعنى الذي من أجله أنـزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم قوله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ * * * قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنـزل الله تعالى ذكره هذه الآية على نَبيّه محمد صلى الله عليه وسلم.

* * * فقال بعضهم: أنـزلها عليه احتجاجًا له على أهل الشرك به من عبدة الأوثان.

وذلك أن الله تعالى ذكره لما أنـزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ فتلا ذلك عَلى أصحابه, وسمع به المشركون مِنْ عبدة الأوثان، قال المشركون: وما الحجة والبرهان على أنّ ذلك كذلك؟

ونحن نُنكر ذلك, ونحن نـزعم أنّ لنا آلهة كثيرة؟

فأنـزل الله عند ذلك: " إن في خَلق السموات والأرض "، احتجاجًا لنبيه صلى الله عليه وسلم على الذين قالوا مَا ذَكرنَا عَنهم.

* ذكر من قال ذلك: 2398- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن عطاء, قال: نـزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ، فقال كفار قريش بمكة: كيف يَسعُ الناسَ إله واحد؟

فأنـزل الله تعالى ذكره: " إنّ في خَلق السموَات والأرض واختلاف الليل والنهار "، إلى قوله: لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ، فبهذا تعلمُون أنه إله واحدٌ, وأنه إله كل شيء، وخالق كل شيء.

* * * وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم، من أجل أنّ أهلَ الشرك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم [آية]، (1) فأنـزل الله هذه الآية، يعلمهم فيها أنّ لهم في خَلق السموات والأرض وسائر ما ذكر مع ذلك، آيةً بينةً على وحدانية الله, وأنه لا شريك له في ملكه، لمن عَقل وتدبَّر ذلك بفهم صحيح.

* ذكر من قال ذلك: 2399- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن أبيه, &; 3-269 &; عن أبي الضحى قال: لما نـزلت وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ، قال المشركون: إن كان هذا هكذا فليأتنا بآية!

فأنـزل الله تعالى ذكره: " إن في خلق السموات والأرض وَاختلاف الليل والنهار "، الآية.

2400- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, قال حدثني سعيد بن مسروق, عن أبي الضحى قال: لما نـزلت: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ، قال المشركون: إن كان هذا هكذا فليأتنا بآية، فأنـزل الله تعالى ذكره: " إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار "، الآية.

2401- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, قال، حدثني سعيد بن مسروق, عن أبي الضحى قال: لما نـزلت هذه الآية، جعل المشركون يعجبون ويقولون: تقول إلهكم إله واحدٌ‍, فلتأتنا بآية إن كنتَ من الصادقين!

فأنـزل الله: " إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار "، الآية.

2402- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أرِنا آية!

فنـزلت هذه الآية: " إنّ في خلق السموات والأرض ".

2403- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر, عن سعيد قال: سألت قريش اليهودَ فقالوا: حدثونا عما جاءكم به موسى من الآيات!

فحدثوهم بالعصَا وبيده البيضاء للناظرين.

وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى من الآيات, فأخبروهم أنه كان يُبرئ الأكمهَ والأبرصَ ويُحيي الموتى بإذن الله.

فقالت قريش عند ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم: ادعُ الله أن يجعل لَنا الصفا ذَهبًا، فنـزداد يقينًا, ونتقوَّى به على عدوّنا.

فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه, فأوحى إليه: &; 3-270 &; إنّي مُعطيهم, فأجعلُ لهم الصفا ذهبًا, ولكن إن كذَّبوا عذّبتهم عذابًا لم أعذبه أحدًا من العالمين.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذَرني وقَومي فأدعوهم يومًا بيوم.

فأنـزل الله عليه: " إنّ في خَلق السموات والأرض "، الآية: إن في ذَلك لآية لهم, إن كانوا إنما يريدون أن أجعل لهم الصفا ذهبًا, فخلق الله السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، أعظمُ من أن أجعل لهم الصفا ذهبًا ليزدادوا يقينًا.

2404- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار "، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: (2) غيِّر لنا الصفا ذهبًا إن كنت صادقًا أنه منه!

فقال الله: إنّ في هذه الآيات لآياتٍ لقوم يعقلون.

وقال: قد سأل الآيات قومٌ قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك, أنّ الله تعالى ذكره نَبَّه عباده = على الدلالة على وَحدانيته وتفرده بالألوهية، دون كل ما سواه من الأشياء = بهذه الآية.

وجائزٌ أن تكون نـزلت فيما قاله عطاء, وجائزٌ أن تكون فيما قاله سعيد بن جبير وأبو الضحى, ولا خبرَ عندنا بتصحيح قول أحد الفريقين يقطع العذرَ، فيجوز أن يقضيَ أحدٌ لأحد الفريقين بصحة قولٍ على الآخر.

وأيُّ القولين كان صحيحًا، فالمراد من الآية ما قلت.

* * * &; 3-271 &; القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " إنّ في خَلق السموات والأرض "، إن في إنشاء السموات والأرض وابتداعهما.

* * * ومعنى " خلق " الله الأشياء: ابتداعه وإيجاده إياها، بعد أن لم تكن موجودة.

وقد دللنا فيما مضى على المعنى الذي من أجله قيل: " الأرض "، ولم تجمع كما جُمعت السموات, فأغنى ذلك عن إعادته (3) * * * فإن قال لنا قائل: وهل للسموات والأرض خلقٌ هو غيرُها فيقال: " إنّ في خلق السموات والأرض "؟

قيل: قد اختلف في ذلك.

فقال بعض الناس: لها خَلقٌ هو غيرها.

واعتلُّوا في ذلك بهذه الآية, وبالتي في سورة: الكهف: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ [سورة الكهف: 51] وقالوا: لم يخلق الله شيئًا إلا والله له مريدٌ.

قالوا: فالأشياء كانت بإرادة الله, والإرادة خلق لها.

* * * &; 3-272 &; وقال آخرون: خلق الشيء صفة له, لا هي هو، ولا غيرُه.

قالوا: لو كان غيرُه لوجب أن يكون مثله موصوفًا.

قالوا: ولو جاز أن يكون خَلقُه غيرَه، وأن يكون موصوفًا، لوجب أن تكون له صفة هي له خَلق.

ولو وجب ذلك كذلك، لم يكن لذلك نهاية.

قالوا: فكان معلومًا بذلك أنه صفة للشيء.

قالوا: فخلق السموات والأرض صفة لهما، على ما وصفنا.

واعتلُّوا أيضًا -بأن للشيء خلقًا ليس هو به- من كتاب الله بنحو الذي اعتلّ به الأولون.

* * * وقال آخرون: خَلق السموات والأرض، وخلق كل مخلوق, هو ذلك الشيء بعينه لا غيره.

فمعنى قوله: " إن في خلق السموات والأرض ": إنّ في السموات والأرض.

(4) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " واختلاف الليل والنهار "، وتعاقب الليل والنهار عليكم أيها الناس.

* * * وإنما " الاختلاف " في هذا الموضع " الافتعال " من " خُلوف " كل واحد منهما الآخر، (5) كما قال تعالى ذكره: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [سورة الفرقان: 62].

بمعنى: أن كل واحد منهما يخلف مَكان صاحبه، إذا ذهب الليل جَاء النهارُ بعده, وإذا ذهب النهارُ جاء الليل خلفه.

ومن ذلك قيل: " خلف فلانٌ فلانًا في أهله بسوء ", ومنه قول زهير: بِهَــا العِيـنُ وَالآرَامُ يَمْشِـينَ خِلْفَـةً وَأَطْلاؤُهَــا يَنْهَضْــنَ مِــنْ كُــلِّ مَجْـثَم (6) * * * &; 3-273 &; وأما " الليل ".

فإنه جَمْع " ليلة ", نظيرُ" التمر " الذي هو جمع " تمرة ".

وقد يجمع " ليالٍ"، فيزيدون في جَمعها ما لم يكن في واحدتها.

وزيادتهم " الياء " في ذلك نظير زيادتهم إياها في" ربَاعية وثَمانية وكرَاهية ".

* * * وأما " النهار "، فإنّ العرب لا تكاد تجمعه، لأنه بمنـزلة الضوء.

وقد سمع في جَمعه " النُّهُر "، قال الشاعر: لَــوْلا الــثّرِيدانِ هَلَكْنَـا بِـالضُّمُرْ ثَرِيــدُ لَيْـــلٍ وثَرِيــدٌ بِـــالنُّهُرْ (7) ولو قيل في جمع قليله " أنهِرَة " كان قياسًا.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: إنّ في الفلك التي تجري في البحر.

* * * و " الفلك " هو السُّفن, واحدُه وجمعه بلفظ واحد, ويذكَّر ويؤنث، كما قال تعالى ذكره في تذكيره في آية أخرى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [سورة يس: 41]، فذكَّره.

* * * وقد قال في هذه الآية: " والفلك التي تجري في البحر "، وهي مُجْراة، لأنها &; 3-274 &; إذا أجريت فهي" الجارية ", فأضيف إليها من الصفة ما هو لها.

(8) * * * وأما قوله: " بما ينفع الناس "، فإن معناه: ينفعُ الناسَ في البحر.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وما أنـزل اللهُ من السماء من مَاء "، وفيما أنـزلهُ الله من السماء من ماء, وهو المطر الذي يُنـزله الله من السماء.

وقوله: " فأحيا به الأرضَ بَعدَ موتها "، وإحياؤها: عمارَتُها، وإخراج نباتها.

و " الهاء " التي في" به " عائدة على " الماء " و " الهاء والألف " في قوله: " بعد موتها " على الأرض.

و " موت الأرض "، خرابها، ودُثور عمارتها, وانقطاعُ نباتها، الذي هو للعباد أقواتٌ، وللأنام أرزاقٌ.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ قال أبو جعفر: بعني تعالى ذكره بقوله: " وبث فيها منْ كلّ دَابة "، وإن فيما بثّ في الأرض من دابة.

* * * &; 3-275 &; ومعنى قوله: " وبَث فيها "، وفرَّقَ فيها, من قول القائل: " بث الأميرُ سراياه "، يعنى: فرَّق.

و " الهاء والألف " في قوله: " فيها "، عائدتان على الأَرْضَ .

* * * " والدابة "" الفاعلة "، من قول القائل: " دبَّت الدابة تدبُّ دبيبًا فهي دابة "." والدابة "، اسم لكل ذي رُوح كان غير طائر بجناحيه، لدبيبه على الأرض.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وتصريف الرياح "، وفي تصريفه الرياح, فأسقط ذكر الفاعل وأضاف الفعل إلى المفعول, كما تقول: (9) " يعجبني إكرام أخيك ", تريد: إكرامُك أخَاك.

* * * " وتصريف " الله إياها، أنْ يُرسلها مَرَّة لَواقحَ, ومرة يجعلها عَقيما, ويبعثها عذابًا تُدمِّر كل شيء بأمر ربها، كما:- 2405- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " وتصريف الرياح والسحاب المسخر " قال، قادرٌ والله ربُّنا على ذلك, إذا شَاء [جعلها رَحمةً لواقح للسحاب ونشرًا بين يدي رحمته، وإذا شاء] جَعلها عذابًا ريحًا عقيمًا لا تُلقح, إنما هي عَذابٌ على من أرسِلتْ عليه.

(10) * * * &; 3-276 &; وزعم بعض أهل العربية أنّ معنى قوله: " وتصريف الرياح "، أنها تأتي مَرّة جنوبًا وشمالا وقبولا ودَبورًا.

ثم قال: وذلك تصريفها.

(11) وهذه الصفة التي وَصَفَ الرياح بها، صفة تصرُّفها لا صفة تصريفها, لأن " تصريفها " تصريفُ الله لها," وتصرفها " اختلافُ هُبوبها.

وقد يجوز أن يكون معنى قوله: " وتصريف الرياح "، تصريفُ الله تعالى ذكره هبوب الريح باختلاف مَهابِّها.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " والسحاب المسخر "، وفي السحاب، جمع " سحابة ".

يدل على ذلك قوله تعالى ذكره: وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ [سورة الرعد: 12] فوحّد المسخر وذكره, كما قالوا: " هذه تَمرة وهذا تمر كثير ".

في جمعه," وهذه نخلة وهذا نخل ".

(12) وإنما قيل للسحاب " سحاب " إن شاء الله، لجر بعضه بعضًا وسَحبه إياه, من قول القائل: " مرّ فلان يَجر ذَيله "، يعني: " يسحبه ".

* * * فأما معنى قوله: " لآيات "، فإنه عَلامات ودلالاتٌ على أن خالق ذلك كلِّه ومنشئه، إله واحدٌ.

(13) * * * &; 3-277 &; " لقوم يعقلون "، لمن عَقل مَوَاضع الحجج، وفهم عن الله أدلته على وحدانيته.

فأعلم تعالى ذكره عبادَه، بأنّ الأدلة والحجج إنما وُضعت مُعتبَرًا لذوي العقول والتمييز، دون غيرهم من الخلق, إذ كانوا هم المخصوصين بالأمر والنهي, والمكلفين بالطاعة والعبادة, ولهم الثواب، وعليهم العقاب.

* * * فإن قال قائل: وكيف احتج على أهل الكفر بقوله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ الآية، في توحيد الله؟

وقد علمت أنّ أصنافًا من أصناف الكفرة تدفع أن تكون السموات والأرض وسائر ما ذكر في هذه الآية مخلوقةً؟

قيل: إنّ إنكار من أنكر ذلك غيرُ دافع أن يكون جميعُ ما ذكرَ تعالى ذكره في هذه الآية، دليلا على خالقه وصانعه, وأنّ له مدبرًا لا يشبهه [شيء], وبارئًا لا مِثْل له.

(14) وذلك وإن كان كذلك, فإن الله إنما حَاجَّ بذلك قومًا كانوا مُقرِّين بأنّ الله خالقهم, غير أنهم يُشركون في عبادته عبادة الأصنام والأوثان.

(15) فحاجَّهم تعالى ذكره فقال -إذ أنكروا قوله: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ، وزعموا أن له شُركاء من الآلهة-: [إن إلهكم الذي خلق السموات وأجرى فيها الشمس والقمر لكم بأرزاقكم دائبين في سيرهما.

وذلك هو معنى اختلاف الليل والنهار في الشمس والقمر] (16) وذلك هو معنى قوله: وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا &; 3-278 &; يَنْفَعُ النَّاسَ - وأنـزل إليكم الغيثَ من السماء, فأخصب به جنابكم بعد جُدوبه, وأمرعه بعد دُثوره, فَنَعَشكم به بعد قُنوطكم (17) -، وذلك هو معنى قوله: وَمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا - وسخَّر لكم الأنعام فيها لكمْ مطاعمُ ومَآكل, ومنها جمالٌ ومراكبُ, ومنها أثاث وملابس - وذلك هو معنى قوله: وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ - وأرْسل لكم الرياح لواقح لأشجار ثماركم وغذائكم وأقواتكم، وسيَّر لكم السحاب الذي بَودْقِه حَياتكم وحياة نعمكم ومواشيكم - وذلك هو معنى قوله: " وتصريف الرياح والسحاب المسخَّر بين السماء والأرض ".

فأخبرهم أنّ إلههم هو الله الذي أنعمَ عليهم بهذه النعم, وتفرَّد لهم بها.

ثم قال: هل من شُركائكم مَن يفعل مِنْ ذلكم من شيء، فتشركوه في عبادتكم إياي, وتجعلوه لي نِدًّا وعِدلا؟

فإن لم يكن من شُركائكم مَنْ يفعل مِنْ ذلكم مِن شيء, ففي الذي عَددت عليكم من نعمتي، وتفردت لكم بأياديّ، دلالاتٌ لكم إن كنتم تَعقلون مواقعَ الحق والباطل، والجور والإنصاف.

وذلك أنّى لكم بالإحسان إليكم متفرِّد دون غيري, وأنتم تجعلون لي في عبادتكم إياي أندادًا.

فهذا هو معنى الآية.

* * * والذين ذُكِّروا بهذه الآية واحتج عليهم بها، هم القوم الذين وصفتُ صفتهم، دون المعطِّلة والدُّهْرية، وإن كان في أصغر ما عدَّ الله في هذه الآية، من الحجج البالغة, المَقْنَعُ لجميع الأنام، تركنا البيان عنه، كراهة إطالة الكتاب بذكره.

----------------- الهوامش : (1) الزيادة بين القوسين لا يتم الكلام إلا بها ، ويدل عليها ما سيأتي في الآثار بعد .

(2) في المطبوعة : "فقال المشركون للنبي .

.

.

" ، والصواب طرح هذه الفاء .

(3) انظر ما سلف 1 : 431-437 .

(4) لم يتبع أبو جعفر في هذا الموضع ما درج عليه من ترجيح القول الذي يختاره .

وهذا مما يدل على ما ذهبنا إليه ، أنه كان يختصر كلامه أحيانًا ، مخافة الإطالة .

هذا إذا لم يكن في المخطوطات خرم أو اختصار من ناسخ أو كاتب .

(5) "خلوف" مصدر"خلف" ، ولم أجده في كتب اللغة ، ولكنه عربي معرق في قياسه .

(6) ديوانه : من معلقته العتيقة .

والهاء في"بها" إلى"ديار أم أوفى" صاحبته .

والعين جمع عيناء : وهي بقر الوحش ، واسعة العيون جميلتها .

والآرام جمع رئم : وهي الظباء الخوالص البياض ، تسكن الرمل .

"خلفة" إذا جاء منها فوج ذهب آخر يخلفه مكانه .

يصف مجيئها وذهوبها في براح هذه الرملة .

والأطلاء جمع طلا : وهو ولد البقرة والظبية الصغير .

ويصف الصغار من أولاد البقر والظباء في هذه الرملة ، وقد نهض هذا وذاك منها من موضع جثومه .

يصف اختلاف الحركة في هذه الفقرة المهجورة التي فارقتها أم أوفى ، وقد وقف بها من بعد عشرين حجة - ، كما ذكر .

(7) تهذيب الألفاظ : 422 ، والمخصص 9 : 51 ، واللسان (نهر) ، والأزمنة والأمكنة 1 : 77 ، 155 وغيرها .

ورواية اللسان والمخصص"لمتنا بالضمر" .

والضمر (بضم الميم وسكونها) مثل العسر والعسر : الهزال ولحاق البطن من الجوع وغيره .

والثريد : خبز يهشم ويبل بماء القدر ويغمس فيه حتى يلين .

(8) انظر ما سلف 1 : 196 .

(9) في المطبوعة : "كما قال : يعجبني .

.

يريد" ، والصواب ما أثبت .

(10) الزيادة بين القوسين من نص الدر المنثور 1 : 164 ، من نص تفسير قتادة الذي أخرجه الطبري .

(11) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1 : 97 .

(12) في المطبوعة : "كما قال : هذه ثمرة .

.

.

" ، والصواب ما أثبته .

(13) انظر معنى"آية" فيما سلف 1 : 106 ، وفهارس اللغة .

وقد ترك الطبري تفسيره"المسخر" ، وكأن في الأصول اختصارًا من ناسخ أو كاتب ، إن لم يكن من الطبري نفسه ، كما أشرت إليه فيما مضى .

(14) الزيادة بين القوسين لا بد منها هنا .

(15) انظر ما سلف في 1 : 371 ، والرد على من ظن أن العرب كانت غير مقرة بالوحدانية .

(16) هذه الجملة قد سقط منها شيء كثير ، فاختلت واضطربت ، وكأن صوابها ما يأتي : [إنّ إلهكم الذي خلق لَكم السَّموَات والأرض ، فخلق الأرض وقَدّر لكم فيها أرزاقكم وأقواتكم ، وخلق السَّمَوات وأجرى فيها الشمس والقمر دائبين في سيرهما - وذلك هو معنى : (واختلاف الليل والنهار) -وخلق الرياح التي تسوق السفن التي تحملكم فتجريها في البحر لتبتغوا من فضله] - (17) أمرع الأرض : صيرها خصبة بعد الجدب .

والدثور : الدروس ، يريد خرابها وانمحاء آثار عمارتها من النبات وغيره .

وكان في المطبوعة : "فينعثكم" ، والصواب ما أثبت .

ونعشه الله ينعشه : رفعه وتداركه برحمته .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون فيه أربع عشرة مسألة :الأولى : قال عطاء : لما نزلت وإلهكم إله واحد قالت كفار قريش : كيف يسع الناس إله واحد ، فنزلت إن في خلق السماوات والأرض .

ورواه سفيان عن أبيه عن أبي الضحى قال : لما نزلت وإلهكم إله واحد قالوا هل من دليل على ذلك ؟

فأنزل الله تعالى إن في خلق السماوات والأرض فكأنهم طلبوا آية فبين لهم دليل التوحيد ، وأن هذا العالم والبناء العجيب لا بد له من بان وصانع .

وجمع السماوات لأنها أجناس مختلفة ، كل سماء من جنس غير جنس الأخرى .

ووحد الأرض لأنها كلها تراب ، والله تعالى أعلم .فآية السماوات : ارتفاعها بغير عمد من تحتها ولا علائق من فوقها ، ودل ذلك على القدرة وخرق العادة .

ولو جاء نبي فتحدي بوقوف جبل في الهواء دون علاقة كان معجزا .

ثم ما فيها من الشمس والقمر والنجوم السائرة والكواكب الزاهرة شارقة وغاربة نيرة وممحوة آية ثانية .وآية الأرض : بحارها وأنهارها ومعادنها وشجرها وسهلها ووعرها .[ ص: 181 ] الثانية : قوله تعالى : واختلاف الليل والنهار قيل : اختلافهما بإقبال أحدهما وإدبار الآخر من حيث لا يعلم .

وقيل : اختلافهما في الأوصاف من النور والظلمة والطول والقصر .

والليل جمع ليلة ، مثل تمرة وتمر ونخلة ونخل .

ويجمع أيضا ليالي وليال بمعنى ، وهو مما شذ عن قياس الجموع ، كشبه ومشابه وحاجة وحوائج وذكر ومذاكر ، وكأن ليالي في القياس جمع ليلاة .

وقد استعملوا ذلك في الشعر قال :في كل يوم [ وما ] وكل ليلاةوقال آخر :في كل يوم ما وكل ليلاه حتى يقول كل راء إذ رآهيا ويحه من جمل ما أشقاهقال ابن فارس في المجمل : ويقال إن بعض الطير يسمى ليلا ، ولا أعرفه والنهار يجمع نهر وأنهرة .

قال أحمد بن يحيى ثعلب : نهر جمع نهر وهو جمع الجمع للنهار ، وقيل النهار اسم مفرد لم يجمع لأنه بمعنى المصدر ، كقولك الضياء ، يقع على القليل والكثير .

والأول أكثر ، قال الشاعر :لولا الثريدان هلكنا بالضمر ثريد ليل وثريد بالنهرقال ابن فارس : النهار معروف ، والجمع نهر وأنهار .

ويقال : إن النهار يجمع على النهر .

والنهار : ضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس .

ورجل نهر : صاحب نهار .

ويقال إن النهار فرخ الحبارى .

قال النضر بن شميل : أول النهار طلوع الشمس ، ولا يعد ما قبل ذلك من النهار .

وقال ثعلب : أوله عند العرب طلوع الشمس ، واستشهد بقول أمية بن أبي الصلت .والشمس تطلع كل آخر ليلة حمراء يصبح لونها يتوردوأنشد قول عدي بن زيد :وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به بين النهار وبين الليل قد فصلاوأنشد الكسائي :إذا طلعت شمس النهار فإنها أمارة تسليمي عليك فسلميقال الزجاج في كتاب الأنواء : أول النهار ذرور الشمس .

وقسم ابن الأنباري الزمن ثلاثة [ ص: 182 ] أقسام : قسما جعله ليلا محضا ، وهو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر .

وقسما جعله نهارا محضا ، وهو من طلوع الشمس إلى غروبها .

وقسما جعله مشتركا بين النهار والليل ، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، لبقايا ظلمة الليل ومبادئ ضوء النهار .قلت : والصحيح أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، كما رواه ابن فارس في المجمل ، يدل عليه ما ثبت في صحيح مسلم عن عدي بن حاتم قال : لما نزلت حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر قال له عدي : يا رسول الله ، إني أجعل تحت وسادتي عقالين : عقالا أبيض وعقالا أسود ، أعرف بهما الليل من النهار .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن وسادك لعريض إنما هو سواد الليل وبياض النهار .

فهذا الحديث يقضي أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، وهو مقتضى الفقه في الأيمان ، وبه ترتبط الأحكام .

فمن حلف ألا يكلم فلانا نهارا فكلمه قبل طلوع الشمس حنث ، وعلى الأول لا يحنث .

وقول النبي صلى الله عليه وسلم هو الفيصل في ذلك والحكم .

وأما على ظاهر اللغة وأخذه من السنة فهو من وقت الإسفار إذا اتسع وقت النهار ، كما قال [ هو قيس بن الخطيم ] :ملكت بها كفي فأنهرت فتقها يرى قائم من دونها ما وراءهاوقد جاء عن حذيفة ما يدل على هذا القول ، خرجه النسائي .

وسيأتي في آي الصيام إن شاء الله تعالى .الثالثة : قوله تعالى : والفلك التي تجري في البحر الفلك : السفن ، وإفراده وجمعه بلفظ واحد ، ويذكر ويؤنث .

وليست الحركات في المفرد تلك بأعيانها في الجمع ، بل كأنه بنى الجمع بناء آخر ، يدل على ذلك توسط التثنية في قولهم : فلكان .

والفلك المفرد مذكر ، قال تعالى : في الفلك المشحون فجاء به مذكرا ، وقال : والفلك التي تجري في البحر فأنث .

ويحتمل واحدا وجمعا ، وقال : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة فجمع ، فكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب فيذكر ، وإلى السفينة فيؤنث .[ ص: 183 ] وقيل : واحده فلك ، مثل أسد وأسد ، وخشب وخشب ، وأصله من الدوران ، ومنه : فلك السماء التي تدور عليه النجوم .

وفلكت الجارية استدار ثديها ، ومنه فلكة المغزل .

وسميت السفينة فلكا لأنها تدور بالماء أسهل دور .ووجه الآية في الفلك : تسخير الله إياها حتى تجري على وجه الماء ووقوفها فوقه مع ثقلها .

وأول من عملها نوح عليه السلام كما أخبر تعالى ، وقال له جبريل : اصنعها على جؤجؤ الطائر ، فعملها نوح عليه السلام وراثة في العالمين بما أراه جبريل .

فالسفينة طائر مقلوب والماء في أسفلها نظير الهواء في أعلاها ، قاله ابن العربي .الرابعة : هذه الآية وما كان مثلها دليل على جواز ركوب البحر مطلقا لتجارة كان أو عبادة ، كالحج والجهاد .

ومن السنة حديث أبي هريرة قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء .

الحديث .

وحديث أنس بن مالك في قصة أم حرام ، أخرجهما الأئمة : مالك وغيره .

روى حديث أنس عنه جماعة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس ، ورواه بشر بن عمر عن مالك عن إسحاق عن أنس عن أم حرام جعله من مسند أم حرام لا من مسند أنس .

هكذا حدث عنه به بندار محمد بن بشار ، ففيه دليل واضح على ركوب البحر في الجهاد للرجال والنساء ، وإذا جاز ركوبه للجهاد فركوبه للحج المفترض أولى وأوجب .

وروي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما المنع من ركوبه .

والقرآن والسنة يرد هذا القول ، ولو كان ركوبه يكره أو لا يجوز لنهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم الذين قالوا له : إنا نركب البحر .

وهذه الآية وما كان مثلها نص في الغرض وإليها المفزع .

وقد تؤول ما روي عن العمرين في ذلك بأن ذلك محمول على الاحتياط وترك التغرير بالمهج في طلب الدنيا والاستكثار منها ، وأما في أداء الفرائض فلا .

ومما يدل على جواز ركوبه من جهة المعنى أن الله تعالى ضرب البحر وسط الأرض وجعل الخلق في العدوتين ، وقسم المنافع بين الجهتين فلا يوصل إلى جلبها إلا بشق البحر لها ، فسهل الله سبيله بالفلك ، قاله ابن العربي .

قال أبو عمر : وقد كان مالك يكره للمرأة الركوب [ ص: 184 ] للحج في البحر ، وهو للجهاد لذلك أكره .

والقرآن والسنة يرد قوله ، إلا أن بعض أصحابنا من أهل البصرة قال : إنما كره ذلك مالك لأن السفن بالحجاز صغار ، وأن النساء لا يقدرن على الاستتار عند الخلاء فيها لضيقها وتزاحم الناس فيها ، وكان الطريق من المدينة إلى مكة على البر ممكنا ، فلذلك كره مالك ذلك .

وأما السفن الكبار نحو سفن أهل البصرة فليس بذلك بأس .

قال : والأصل أن الحج على كل من استطاع إليه سبيلا من الأحرار البالغين ، نساء كانوا أو رجالا ، إذا كان الأغلب من الطريق الأمن ، ولم يخص بحرا من بر .قلت : فدل الكتاب والسنة والمعنى على إباحة ركوبه للمعنيين جميعا : العبادة والتجارة ، فهي الحجة وفيها الأسوة .

إلا أن الناس في ركوب البحر تختلف أحوالهم ، فرب راكب يسهل عليه ذلك ولا يشق ، وآخر يشق عليه ويضعف به ، كالمائد المفرط الميد ، ومن لم يقدر معه على أداء فرض الصلاة ونحوها من الفرائض ، فالأول ذلك له جائز ، والثاني يحرم عليه ويمنع منه .

ولا خلاف بين أهل العلم وهي :الخامسة : إن البحر إذا ارتج لم يجز ركوبه لأحد بوجه من الوجوه في حين ارتجاجه ولا في الزمن الذي الأغلب فيه عدم السلامة ، وإنما يجوز عندهم ركوبه في زمن تكون السلامة فيه الأغلب ، فإن الذين يركبونه حال السلامة وينجون لا حاصر لهم ، والذين يهلكون فيه محصورون .السادسة : قوله تعالى : بما ينفع الناس أي بالذي ينفعهم من التجارات وسائر المآرب التي تصلح بها أحوالهم .

وبركوب البحر تكتسب الأرباح ، وينتفع من يحمل إليه المتاع أيضا .

وقد قال بعض من طعن في الدين : إن الله تعالى يقول في كتابكم : ما فرطنا في الكتاب من شيء فأين ذكر التوابل المصلحة للطعام من الملح والفلفل وغير ذلك ؟

فقيل له في قوله : بما ينفع الناس .السابعة : قوله تعالى : وما أنزل الله من السماء من ماء يعني بها الأمطار التي بها [ ص: 185 ] إنعاش العالم وإخراج النبات والأرزاق ، وجعل منه المخزون عدة للانتفاع في غير وقت نزوله ، كما قال تعالى : فأسكناه في الأرض .الثامنة : قوله تعالى : وبث فيها من كل دابة أي فرق ونشر ، ومنه كالفراش المبثوث ودابة تجمع الحيوان كله ، وقد أخرج بعض الناس الطير ، وهو مردود ، قال الله تعالى : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها فإن الطير يدب على رجليه في بعض حالاته ، قال الأعشى :دبيب قطا البطحاء في كل منهلوقال علقمة بن عبدة :صواعقها لطيرهن دبيبالتاسعة : قوله تعالى : وتصريف الرياح تصريفها : إرسالها عقيما وملقحة ، وصرا ونصرا وهلاكا ، وحارة وباردة ، ولينة وعاصفة .

وقيل : تصريفها إرسالها جنوبا وشمالا ، ودبورا وصبا ، ونكباء ، وهي التي تأتي بين مهبي ريحين .

وقيل : تصريفها أن تأتي السفن الكبار بقدر ما تحملها ، والصغار كذلك ، ويصرف عنهما ما يضر بهما ، ولا اعتبار بكبر القلاع ولا صغرها ، فإن الريح لو جاءت جسدا واحدا لصدمت القلاع وأغرقت .

والرياح جمع ريح سميت به لأنها تأتي بالروح غالبا .

روى أبو داود عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الريح من روح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا الله خيرها واستعيذوا بالله من شرها .

وأخرجه أيضا ابن ماجه في سننه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن سعيد عن الأوزاعي عن الزهري حدثنا ثابت الزرقي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسبوا الريح فإنها من روح الله تأتي بالرحمة والعذاب ولكن سلوا الله من خيرها وتعوذوا بالله من شرها .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن .

المعنى : أن الله تعالى جعل فيها التفريج والتنفيس والترويح ، والإضافة من [ ص: 186 ] طريق الفعل .

والمعنى : أن الله تعالى جعلها كذلك .

وفي صحيح مسلم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور .

وهذا معنى ما جاء في الخبر أن الله سبحانه وتعالى فرج عن نبيه صلى الله عليه وسلم بالريح يوم الأحزاب ، فقال تعالى : فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها .

ويقال : نفس الله عن فلان كربة من كرب الدنيا ، أي فرج عنه .

وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة .

أي فرج عنه .

وقال الشاعر :كأن الصبا ريح إذا ما تنسمت على كبد مهموم تجلت همومهاقال ابن الأعرابي : النسيم أول هبوب الريح .

وأصل الريح روح ، ولهذا قيل في جمع القلة أرواح ، ولا يقال : أرياح ; لأنها من ذوات الواو ، وإنما قيل : رياح من جهة الكثرة وطلب تناسب الياء معها .

وفي مصحف حفصة " وتصريف الأرواح " .العاشرة : وتصريف الرياح قرأ حمزة والكسائي " الريح " على الإفراد ، وكذا في الأعراف والكهف وإبراهيم والنمل والروم وفاطر والشورى والجاثية ، لا خلاف بينهما في ذلك .

ووافقهما ابن كثير في الأعراف والنمل والروم وفاطر والشورى .

وأفرد حمزة " الريح لواقح " .

وأفرد ابن كثير " وهو الذي أرسل الريح " في الفرقان وقرأ الباقون بالجمع في جميعها سوى الذي في إبراهيم والشورى فلم يقرأهما بالجمع سوى نافع ولم يختلف السبعة فيما سوى هذه المواضع .

والذي ذكرناه في الروم هو الثاني الله الذي يرسل الرياح .

ولا خلاف بينهم في الرياح مبشرات .

وكان أبو جعفر يزيد بن القعقاع يجمع الرياح إذا [ ص: 187 ] كان فيها ألف ولام في جميع القرآن ، سوى تهوي به الريح والريح العقيم فإن لم يكن فيه ألف ولام أفرد .

فمن وحد الريح فلأنه اسم للجنس يدل على القليل والكثير .

ومن جمع فلاختلاف الجهات التي تهب منها الرياح .

ومن جمع مع الرحمة ووحد مع العذاب فإنه فعل ذلك اعتبارا بالأغلب في القرآن ، نحو : الرياح مبشرات والريح العقيم فجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب ، إلا في يونس في قوله : وجرين بهم بريح طيبة .

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا هبت الريح : اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا .

وذلك لأن ريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء كأنها جسم واحد ، وريح الرحمة لينة متقطعة فلذلك هي رياح .

فأفردت مع الفلك في " يونس " ; لأن ريح إجراء السفن إنما هي ريح واحدة متصلة ثم وصفت بالطيب فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب .الحادية عشرة : قال العلماء : الريح تحرك الهواء ، وقد يشتد ويضعف .

فإذا بدت حركة الهواء من تجاه القبلة ذاهبة إلى سمت القبلة قيل لتلك الريح : " الصبا " .

وإذا بدت حركة الهواء من وراء القبلة وكانت ذاهبة إلى تجاه القبلة قيل لتلك الريح : " الدبور " .

وإذا بدت حركة الهواء عن يمين القبلة ذاهبة إلى يسارها قيل لها : " ريح الجنوب " .

وإذا بدت حركة الهواء عن يسار القبلة ذاهبة إلى يمينها قيل لها : " ريح الشمال " .

ولكل واحدة من هذه الرياح طبع ، فتكون منفعتها بحسب طبعها ، فالصبا حارة يابسة ، والدبور باردة رطبة ، والجنوب حارة رطبة ، والشمال باردة يابسة .

واختلاف طباعها كاختلاف طبائع فصول السنة .

وذلك أن الله تعالى وضع للزمان أربعة فصول مرجعها إلى تغيير أحوال الهواء ، فجعل الربيع الذي هو أول الفصول حارا رطبا ، ورتب فيه النشء والنمو فتنزل فيه المياه ، وتخرج الأرض زهرتها وتظهر نباتها ، ويأخذ الناس في غرس الأشجار وكثير من الزرع ، وتتوالد فيه الحيوانات وتكثر الألبان .

فإذا انقضى الربيع تلاه الصيف الذي هو مشاكل للربيع في إحدى طبيعتيه وهي الحرارة ، ومباين له في الأخرى وهي الرطوبة ; لأن الهواء في الصيف حار يابس ، فتنضج فيه الثمار وتيبس فيه الحبوب المزروعة في الربيع .

فإذا انقضى الصيف تبعه الخريف الذي هو مشاكل للصيف في إحدى طبيعتيه وهي اليبس ، ومباين له في الأخرى وهي الحرارة ; لأن الهواء في الخريف بارد يابس ، فيتناهى فيه صلاح الثمار وتيبس وتجف فتصير إلى حال الادخار ، فتقطف الثمار [ ص: 188 ] وتحصد الأعناب وتفرغ من جمعها الأشجار .

فإذا انقضى الخريف تلاه الشتاء وهو ملائم للخريف في إحدى طبيعتيه وهي البرودة ، ومباين له في الأخرى وهو اليبس ; لأن الهواء في الشتاء بارد رطب ، فتكثر الأمطار والثلوج وتهمد الأرض كالجسد المستريح ، فلا تتحرك إلا أن يعيد الله تبارك وتعالى إليها حرارة الربيع ، فإذا اجتمعت مع الرطوبة كان عند ذلك النشء والنمو بإذن الله سبحانه وتعالى .

وقد تهب رياح كثيرة سوى ما ذكرناه ، إلا أن الأصول هذه الأربع .

فكل ريح تهب بين ريحين فحكمها حكم الريح التي تكون في هبوبها أقرب إلى مكانها وتسمى " النكباء " .الثانية عشرة : قوله تعالى : والسحاب المسخر بين السماء والأرض سمي السحاب سحابا لانسحابه في الهواء .

وسحبت ذيلي سحبا .

وتسحب فلان على فلان : اجترأ .

والسحب : شدة الأكل والشرب .

والمسخر : المذلل ، وتسخيره بعثه من مكان إلى آخر .

وقيل : تسخيره ثبوته بين السماء والأرض من غير عمد ولا علائق ، والأول أظهر .

وقد يكون بماء وبعذاب ، روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : بينما رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتا في سحابة اسق حديقة فلان فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته فقال له يا عبد الله ما اسمك قال فلان للاسم الذي سمع في السحابة فقال له يا عبد الله لم تسألني عن اسمي فقال إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول اسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع فيها ؟

قال أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثا وأرد فيها ثلثه .

وفي رواية وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل .

وفي التنزيل : والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت ، وقال : حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت وهو في التنزيل كثير .

وخرج ابن ماجه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى سحابا مقبلا من أفق من الآفاق ترك ما هو فيه وإن كان في صلاة حتى يستقبله فيقول : اللهم إنا نعوذ بك من شر ما أرسل به فإن أمطر قال : اللهم سيبا نافعا مرتين أو ثلاثا ، وإن كشفه الله ولم يمطر حمد الله [ ص: 189 ] على ذلك .

أخرجه مسلم بمعناه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم الريح والغيم عرف ذلك في وجهه وأقبل وأدبر ، فإذا مطرت سر به وذهب عنه ذلك .

قالت عائشة : فسألته فقال : إني خشيت أن يكون عذابا سلط على أمتي .

ويقول إذا رأى المطر : ( رحمة ) .

في رواية فقال : لعله يا عائشة كما قال قوم عاد : فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا .

فهذه الأحاديث والآي تدل على صحة القول الأول وأن تسخيرها ليس ثبوتها ، والله تعالى أعلم .

فإن الثبوت يدل على عدم الانتقال ، فإن أريد بالثبوت كونها في الهواء ليست في السماء ولا في الأرض فصحيح ، لقوله بين وهي مع ذلك مسخرة محمولة ، وذلك أعظم في القدرة ، كالطير في الهواء ، قال الله تعالى : ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله وقال : أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن .الثالثة عشرة : قال كعب الأحبار : السحاب غربال المطر ، لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض ، رواه عنه ابن عباس .

ذكره الخطيب أبو بكر أحمد بن علي عن معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني قال : رأيت ابن عباس مر على بغلة وأنا في بني سلمة فمر به تبيع ابن امرأة كعب فسلم على ابن عباس فسأله ابن عباس : هل سمعت كعب الأحبار يقول في السحاب شيئا ؟

قال : نعم ، قال : السحاب غربال المطر ، لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض .

قال : سمعت كعبا يقول في الأرض تنبت العام نباتا ، وتنبت عاما قابلا غيره ؟

قال نعم ، سمعته يقول : إن البذر ينزل من السماء .

قال ابن عباس : وقد سمعت ذلك من كعب .الرابعة عشرة : لآيات أي دلالات تدل على وحدانيته وقدرته ، ولذلك ذكر هذه الأمور عقيب قوله : وإلهكم إله واحد ليدل على صدق الخبر عما ذكره قبلها من وحدانيته سبحانه ، وذكر رحمته ورأفته بخلقه .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها أي لم يتفكر فيها ولم يعتبرها .[ ص: 190 ] فإن قيل : فما أنكرت أنها أحدثت أنفسها .

قيل له : هذا محال ; لأنها لو أحدثت أنفسها لم تخل من أن تكون أحدثتها وهي موجودة أو هي معدومة ، فإن أحدثتها وهي معدومة كان محالا ، لأن الإحداث لا يتأتى إلا من حي عالم قادر مريد ، وما ليس بموجود لا يصح وصفه بذلك ، وإن كانت موجودة فوجودها يغني عن إحداث أنفسها .

وأيضا فلو جاز ما قالوه لجاز أن يحدث البناء نفسه وكذلك النجارة والنسج ، وذلك محال ، وما أدى إلى المحال محال .

ثم إن الله تعالى لم يقتصر بها في وحدانيته على مجرد الأخبار حتى قرن ذلك بالنظر والاعتبار في آي من القرآن ، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل انظروا ماذا في السماوات والأرض والخطاب للكفار ، لقوله تعالى : وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ، وقال : أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض يعني بالملكوت الآيات .

وقال : وفي أنفسكم أفلا تبصرون .

يقول : أولم ينظروا في ذلك نظر تفكر وتدبر حتى يستدلوا بكونها محلا للحوادث والتغييرات على أنها محدثات ، وأن المحدث لا يستغني عن صانع يصنعه ، وأن ذلك الصانع حكيم عالم قدير مريد سميع بصير متكلم ، لأنه لو لم يكن بهذه الصفات لكان الإنسان أكمل منه وذلك محال .

وقال تعالى : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين المؤمنون : 12 ] يعني آدم عليه السلام ، ثم جعلناه أي جعلنا نسله وذريته نطفة في قرار مكين إلى قوله تبعثون .

فالإنسان إذا تفكر بهذا التنبيه بما جعل له من العقل في نفسه رآها مدبرة وعلى أحوال شتى مصرفة .

كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحما وعظما ، فيعلم أنه لم ينقل نفسه من حال النقص إلى حال الكمال ; لأنه لا يقدر على أن يحدث لنفسه في الحال الأفضل التي هي كمال عقله وبلوغ أشده عضوا من الأعضاء ، ولا يمكنه أن يزيد في جوارحه جارحة ، فيدله ذلك على أنه في حال نقصه وأوان ضعفه عن فعل ذلك أعجز .

وقد يرى نفسه شابا ثم كهلا ثم شيخا وهو لم ينقل نفسه من حال الشباب والقوة إلى حال الشيخوخة والهرم ، ولا اختاره لنفسه ولا في وسعه أن يزايل حال المشيب ويراجع قوة الشباب ، فيعلم بذلك أنه ليس هو الذي فعل تلك الأفعال بنفسه ، وأن له صانعا صنعه وناقلا نقله من حال إلى حال ، ولولا ذلك لم تتبدل أحواله [ ص: 191 ] بلا ناقل ولا مدبر .

وقال بعض الحكماء : إن كل شيء في العالم الكبير له نظير في العالم الصغير ، الذي هو بدن الإنسان ، ولذلك قال تعالى : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم وقال : وفي أنفسكم أفلا تبصرون .

فحواس الإنسان أشرف من الكواكب المضيئة ، والسمع والبصر منها بمنزلة الشمس والقمر في إدراك المدركات بها ، وأعضاؤه تصير عند البلى ترابا من جنس الأرض ، وفيه من جنس الماء العرق وسائر رطوبات البدن ، ومن جنس الهواء فيه الروح والنفس ، ومن جنس النار فيه المرة الصفراء .

وعروقه بمنزلة الأنهار في الأرض ، وكبده بمنزلة العيون التي تستمد منها الأنهار ; لأن العروق تستمد من الكبد .

ومثانته بمنزلة البحر ، لانصباب ما في أوعية البدن إليها كما تنصب الأنهار إلى البحر .

وعظامه بمنزلة الجبال التي هي أوتاد الأرض .

وأعضاؤه كالأشجار ، فكما أن لكل شجر ورقا وثمرا فكذلك لكل عضو فعل أو أثر .

والشعر على البدن بمنزلة النبات والحشيش على الأرض ثم إن الإنسان يحكي بلسانه كل صوت حيوان ، ويحاكي بأعضائه صنيع كل حيوان ، فهو العالم الصغير مع العالم الكبير مخلوق محدث لصانع واحد ، لا إله إلا هو .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أخبر تعالى أن في هذه المخلوقات العظيمة, آيات أي: أدلة على وحدانية الباري وإلهيته، وعظيم سلطانه ورحمته وسائر صفاته، ولكنها { لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي: لمن لهم عقول يُعملونها فيما خُلِقَتْ له، فعلى حسب ما منّ الله على عبده من العقل, ينتفع بالآيات ويعرفها بعقله وفكره وتدبُّره، ففي { خَلْقِ السَّمَاوَاتِ } في ارتفاعها واتساعها, وإحكامها, وإتقانها, وما جعل الله فيها من الشمس والقمر, والنجوم, وتنظيمها لمصالح العباد.

وفي خلق { الْأَرْضِ } مهادا للخلق, يمكنهم القرار عليها والانتفاع بما عليها, والاعتبار.

ما يدل ذلك على انفراد الله تعالى بالخلق والتدبير, وبيان قدرته العظيمة التي بها خلقها, وحكمته التي بها أتقنها, وأحسنها ونظمها, وعلمه ورحمته التي بها أودع ما أودع, من منافع الخلق ومصالحهم, وضروراتهم وحاجاتهم.

وفي ذلك أبلغ الدليل على كماله, واستحقاقه أن يفرد بالعبادة, لانفراده بالخلق والتدبير, والقيام بشئون عباده { و } في { اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } وهو تعاقبهما على الدوام, إذا ذهب أحدهما, خلفه الآخر، وفي اختلافهما في الحر, والبرد, والتوسط, وفي الطول, والقصر, والتوسط, وما ينشأ عن ذلك من الفصول, التي بها انتظام مصالح بني آدم وحيواناتهم, وجميع ما على وجه الأرض, من أشجار ونوابت، كل ذلك بانتظام وتدبير, وتسخير, تنبهر له العقول, وتعجز عن إدراكه من الرجال الفحول, ما يدل ذلك على قدرة مصرفها, وعلمه وحكمته, ورحمته الواسعة, ولطفه الشامل, وتصريفه وتدبيره, الذي تفرد به, وعظمته, وعظمة ملكه وسلطانه, مما يوجب أن يؤله ويعبد, ويفرد بالمحبة والتعظيم, والخوف والرجاء, وبذل الجهد في محابه ومراضيه.

{ و } في { وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ } وهي السفن والمراكب ونحوها, مما ألهم الله عباده صنعتها, وخلق لهم من الآلات الداخلية والخارجية ما أقدرهم عليها.

ثم سخر لها هذا البحر العظيم والرياح, التي تحملها بما فيها من الركاب والأموال, والبضائع التي هي من منافع الناس, وبما تقوم به مصالحهم وتنتظم معايشهم.

فمن الذي ألهمهم صنعتها, وأقدرهم عليها, وخلق لهم من الآلات ما به يعملونها؟

أم من الذي سخر لها البحر, تجري فيه بإذنه وتسخيره, والرياح؟

أم من الذي خلق للمراكب البرية والبحرية, النار والمعادن المعينة على حملها, وحمل ما فيها من الأموال؟

فهل هذه الأمور, حصلت اتفاقا, أم استقل بعملها هذا المخلوق الضعيف العاجز, الذي خرج من بطن أمه, لا علم له ولا قدرة، ثم خلق له ربه القدرة, وعلمه ما يشاء تعليمه، أم المسخر لذلك رب واحد, حكيم عليم, لا يعجزه شيء, ولا يمتنع عليه شيء؟

بل الأشياء قد دانت لربوبيته, واستكانت لعظمته, وخضعت لجبروته.

وغاية العبد الضعيف, أن جعله الله جزءا من أجزاء الأسباب, التي بها وجدت هذه الأمور العظام, فهذا يدل على رحمة الله وعنايته بخلقه, وذلك يوجب أن تكون المحبة كلها له, والخوف والرجاء, وجميع الطاعة, والذل والتعظيم.

{ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ } وهو المطر النازل من السحاب.

{ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } فأظهرت من أنواع الأقوات, وأصناف النبات, ما هو من ضرورات الخلائق, التي لا يعيشون بدونها.

أليس ذلك دليلا على قدرة من أنزله, وأخرج به ما أخرج ورحمته, ولطفه بعباده, وقيامه بمصالحهم, وشدة افتقارهم وضرورتهم إليه من كل وجه؟

أما يوجب ذلك أن يكون هو معبودهم وإلههم؟

أليس ذلك دليلا على إحياء الموتى ومجازاتهم بأعمالهم؟

{ وَبَثَّ فِيهَا } أي: في الأرض { مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ } أي: نشر في أقطار الأرض من الدواب المتنوعة, ما هو دليل على قدرته وعظمته, ووحدانيته وسلطانه العظيم، وسخرها للناس, ينتفعون بها بجميع وجوه الانتفاع.

فمنها: ما يأكلون من لحمه, ويشربون من دره، ومنها: ما يركبون، ومنها: ما هو ساع في مصالحهم وحراستهم, ومنها: ما يعتبر به، ومع أنه بث فيها من كل دابة، فإنه سبحانه هو القائم بأرزاقهم, المتكفل بأقواتهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها, ويعلم مستقرها ومستودعها.

وفي { تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ } باردة وحارة, وجنوبا وشمالا, وشرقا ودبورا وبين ذلك، وتارة تثير السحاب, وتارة تؤلف بينه, وتارة تلقحه, وتارة تدره, وتارة تمزقه وتزيل ضرره, وتارة تكون رحمة, وتارة ترسل بالعذاب.

فمن الذي صرفها هذا التصريف, وأودع فيها من منافع العباد, ما لا يستغنون عنه؟

وسخرها ليعيش فيها جميع الحيوانات, وتصلح الأبدان والأشجار, والحبوب والنوابت, إلا العزيز الحكيم الرحيم, اللطيف بعباده المستحق لكل ذل وخضوع, ومحبة وإنابة وعبادة؟.

وفي تسخير السحاب بين السماء والأرض على خفته ولطافته يحمل الماء الكثير, فيسوقه الله إلى حيث شاء، فيحيي به البلاد والعباد, ويروي التلول والوهاد, وينزله على الخلق وقت حاجتهم إليه، فإذا كان يضرهم كثرته, أمسكه عنهم, فينزله رحمة ولطفا, ويصرفه عناية وعطفا، فما أعظم سلطانه, وأغزر إحسانه, وألطف امتنانه\" أليس من القبيح بالعباد, أن يتمتعوا برزقه, ويعيشوا ببره وهم يستعينون بذلك على مساخطه ومعاصيه؟

أليس ذلك دليلا على حلمه وصبره, وعفوه وصفحه, وعميم لطفه؟

فله الحمد أولا وآخرا, وباطنا وظاهرا.

والحاصل, أنه كلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات, وتغلغل فكره في بدائع المبتدعات, وازداد تأمله للصنعة وما أودع فيها من لطائف البر والحكمة, علم بذلك, أنها خلقت للحق وبالحق, وأنها صحائف آيات, وكتب دلالات, على ما أخبر به الله عن نفسه ووحدانيته, وما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر, وأنها مسخرات, ليس لها تدبير ولا استعصاء على مدبرها ومصرفها.

فتعرف أن العالم العلوي والسفلي كلهم إليه مفتقرون, وإليه صامدون، وأنه الغني بالذات عن جميع المخلوقات، فلا إله إلا الله, ولا رب سواه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

فأنزل الله عز وجل {إن في خلق السموات والأرض} ذكر السماوات بلفظ الجمع والأرض بلفظ الواحد لأن كل سماء ليست من جنس واحد بل من جنس آخر، والأرضون كلها من جنس واحد وهو التراب، فالآية في السماوات سمكها وارتفاعها من غير عمد ولا علاقة وما ترى فيها من الشمس والقمر والنجوم، والآية في الأرض مدها وبسطها وسعتها وماترى فيها من الأشجار والأنهار والجبال والبحار والجواهر والنبات.

قوله تعالى: {واختلاف الليل والنهار} أي تعاقبهما في الذهاب والمجيء يخلف أحدهما صاحبه إذا ذهب أحدهما جاء الآخر خلفه أي بعده نظيره قوله تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} [62-الفرقان].

قال عطاء: "أراد اختلافهما في النور والظلمة والزيادة والنقصان".

والليل جمع ليلة، والليالي جمع الجمع، والنهار جمعه نهر وقدم الليل على النهار في الذكر لأنه أقدم منه قال الله تعالى {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} [37-يس].

{والفلك التي تجري في البحر} يعني السفن واحده وجمعه سواء فإذا أريد به الجمع يؤنث وفي الواحد يذكر قال الله تعالى: في الواحد والتذكير {إذ أبق إلى الفلك المشحون} [140-الصافات] وقال في الجمع والتأنيث {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة} [22-يونس].

{والفلك التي تجري في البحر} الآية في الفلك تسخيرها وجريانها على وجه الماء وهي موقرة لا ترسب تحت الماء.

{بما ينفع الناس} يعني ركوبها والحمل عليها في التجارات والمكاسب وأنواع المطالب.

{وما أنزل الله من السماء من ماء} يعني المطر قيل: أراد بالسماء السحاب، يخلق الله في السحاب ثم من السحاب ينزل وقيل أراد به السماء المعروفة يخلق الله تعالى الماء في السماء ثم ينزل من السماء إلى السحاب ثم من السحاب ينزل إلى الأرض.

{فأحيا به} أي الماء.

{الأرض بعد موتها} أي بعد يبوستها وجدوبتها.

{وبث فيها} أي فرق فيها {من كل دابة وتصريف الرياح} قرأ حمزة والكسائي (الريح) بغير ألف وقرأ الباقون بالألف وكل (ريح) في القرآن ليس فيها ألف ولا لام اختلفوا في جمعها وتوحيدها إلا في الذاريات {الريح العقيم} [41-الذاريات] اتفقوا على توحيدها وفي الحرف الأول من سورة الروم {الرياح مبشرات} [456-الروم] اتفقوا على جمعها، وقرأ أبو جعفر سائرها على الجمع، والقراء مختلفون فيها، والريح يذكر ويؤنث.

وتصريفها أنها تتصرف إلى الجنوب والشمال والقبول والدبور والنكباء، وقيل: تصريفها أنها تارة تكون ليناً وتارة تكون عاصفاً وتارة تكون حارة وتارة تكون باردة.

قال ابن عباس: "أعظم جنود الله الريح والماء وسميت الريح ريحاً لأنها تريح النفوس"، قال شريح القاضي: "ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم صحيح والبشارة في ثلاث من الرياح في الصبا والشمال والجنوب أما الدبور فهي الريح العقيم لا بشارة فيها".

وقيل الرياح ثمانية: أربعة للرحمة وأربعة للعذاب، فأما التي للرحمة المبشرات والناشرات والذاريات والمرسلات وأما التي للعذاب فالعقيم والصرصر في البر والعاصف والقاصف في البحر.

{والسحاب المسخر} أي الغيم المذلل سمي سحاباً لأنه ينسحب أي يسير في سرعة كأنه يسحب أي يجر.

{بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} فيعلمون أن لهذه الأشياء خالقاً وصانعاً.

قال وهب بن منبه: "ثلاثة لا يدرى من أين تجيء الرعد والبرق والسحاب".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

إن في خلق السماوات والأرض» وما فيهما من العجائب «واختلاف الليل والنهار» بالذهاب والمجيء والزيادة والنقصان «والفلك» السفن «التي تجري في البحر» ولا ترسب موقرة «بما ينفع الناس» من التجارات والحمل «وما أنزل الله من السماء من ماء» مطر «فأحيا به الأرض» بالنبات «بعد موتها» يبسها «وبث» فرق ونشربه «فيها من كل دابة» لأنهم ينمون بالخصب الكائن عنه «وتصريف الرياح» تقليبها جنوبا وشمالا حارة وباردة «والسحاب» الغيم «المسخَّر» المذلَّل بأمر الله تعالى يسير إلى حيث شاء الله «بين السماء والأرض» بلا علاقة «لآيات» دالاّت على وحدانيته تعالى «لقوم يعقلون» يتدبرون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن في خلق السماوات بارتفاعها واتساعها، والأرض بجبالها وسهولها وبحارها، وفي اختلاف الليل والنهار من الطول والقصر، والظلمة والنور، وتعاقبهما بأن يخلف كل منهما الآخر، وفي السفن الجارية في البحار، التي تحمل ما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء المطر، فأحيا به الأرض، فصارت مخضرَّة ذات بهجة بعد أن كانت يابسة لا نبات فيها، وما نشره الله فيها من كل ما دبَّ على وجه الأرض، وما أنعم به عليكم من تقليب الرياح وتوجيهها، والسحاب المسيَّر بين السماء والأرض -إن في كل الدلائل السابقة لآياتٍ على وحدانية الله، وجليل نعمه، لقوم يعقلون مواضع الحجج، ويفهمون أدلته سبحانه على وحدانيته، واستحقاقه وحده للعبادة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ويشتمل الدليل الأول والثاني على أنه - سبحانه - هو المستحق للعبادة في قوله - تعالى - : ( إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض ) .الخلق : هو الإِحداث للشيء على غير مثال سابق .

وهو هنا بمعنى المخلوق .

إذ الآيات التي تشاهد إنما هي في المخلوق الذي هو السموات والأرض .والسموات : جمع سماء ، وهي كل ما علا كالسقف وغيره ، إلا أنها إذا أطلقت لم يفهم منها سوى الأجرام المقابلة للأرض ، وهي سبع كما ورد ذلك صريحاً في بعض الآيات التي منها قوله - تعالى - : ( الله الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ) وجمعت السموات لأنها طبقات ممتازة كل واحدة من الأخرى بذاتها الشخصية ، كما يدل عليه قوله - تعالى - ( فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ) ولأن إفرادها قد يوهم بأنها واحدة مع أن القرآن صريح في كونها سبعاً .وجاءت الأرض مفردة - وهي لم تجئ في القرآن إلا كذلك - لأن المشاهدة لا تقع إلى على أرض واحدة ، ومن هنا حمل بعض أهل العلم تعددها الذي يتبادر من ظاهر قوله - تعالى - : ( الله الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ ) على معنى أنها طبقات لا ينفصل بعضها عن بعض .ومن الآيات الدالة على وحدانية الله وقدرته في خلق السموات وارتفاعها بغير عمد كما يرى ذلك بالمشاهدة ، وتزيينها بالمصابيح التي جعلها الله زينة للسماء ورجوماً للشياطين ، ووجودها بتلك الصورة العجيبة الباهرة التي لا ترى فيها أي تفاوت أو اضطراب ومن الآيات الدالة على وجود الله ووحدانيته وقدرته في خلق الأرض ، فرشها بتلك الطريقة الرائعة التي يتيسر معها للإِنسان أن يتقلب في أرجائها ، ويمشي في مناكبها ، وينتفع بما يحتاج إليه منها أينما كان ، وتفجيرها بالأنهار ، وعمارتها بحدائق ذات ثمار تختلف ألوانها ويتفاضل أكلها .وفي القرآن الكريم عشرات الآيات التي تتحدث عن نعم الله على عبادة في خلق السموات والأرض ، وعن مظاهر قدرته ووحدانيته في إيجادهما على تلك الصورة ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( يَاأَيُّهَا الناس اعبدوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .

الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً والسماء بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ ) وقوله - تعالى - : ( الله الذي رَفَعَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ استوى عَلَى العرش وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأمر يُفَصِّلُ الآيات لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ )وقوله - تعالى - ( أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ الله سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً .

وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً .

والله أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً .

ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً .

والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً .

لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً ) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة الدالة على وجود الله وقدرته ووحدانيته .ويتمثل الدليل الثالث على قدرته - سبحانه - ووحدانيته في قوله تعالى : ( واختلاف الليل والنهار ) والاختلاف : افتعال من الخلف ، وهو أن يجئ شيء عوضاً عن شيء آخر يخلفه على وجه التعاقب .

والمراد أن كلا من الليل والنهار يأتي خلفا من الآخر وفي أعقابه ، ويجوز أن يكون المراد باختلافهما ، في أنفسهما بالطول والقصر ، واختلافهما في جنسيهما بالسواد والبياض .و ( الليل ) : هو الظلام المعاقب للنهار ، واحدته ليلة كتمر وتمرة .و ( والنهار ) : هو الضياء المتسع ، وأصله الاتساع ، ومنه قول الشاعر :ملكت بها كفى فأنهرت فتقها ...

يرى قائم من دونها ما وراءهاأي : أوسعت فتقها .وقد جعل الله الليل للسكون والراحة والعبادة لمن وفقه الله لقضاء جانب منه في مناجاته - سبحانه - وجعل النهار للعمل وابتغاء الرزق .قال - تعالى - : ( وَجَعَلْنَا الليل لِبَاساً .

وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً ) وقد أضيف الاختلاف لكل من الليل والنهار ، لأن كل واحد منهما يخلف الآخر فتحصل منه فوائد سوى فوائد الآخر ، بحيث لو دام أحدهما لانقلب النفع ضراً .قال - تعالى - : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ .

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ .

وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ومن العظات التي تؤخذ من هذا الاختلاف أن مدد الليل والنهار تختلف فلكل منهما مدة يستوفيها من السنة بمقتضى نظام دقيق مطرد .قال - تعالى - : ( لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ الليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) وكون الليل والنهار يسيران على هذا النظام الدقيق المطرد الذي لا ينخرم دليل على أن الاختلاف تدبير من إله قادر حكيم لا يدخل أفعاله تفاوت ولا اختلال .وإذا اكن لهذا الاطراد أسباب تحدث عنها العلماء ، فإن الذي خلق الأسباب وجعل بينها وبين هذا الاختلاف تلازماً إنما هو الإِله الواحد القهار .أما المظهر الرابع من المظاهر الدالة في هذا الكون على قدرته - سبحانه - ووحدانيته وألوهيته ، فقد تحدثت عنه الآية في قوله - تعالى - : ( والفلك التي تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس ) .( الفلك ) : ما عظم من السفن ، ويستعمل لفظ الفلك للواحد والجمع .

والظاهر أن المراد به هنا الجمع بدليل قوله - تعالى - : ( التي تَجْرِي فِي البحر ) ولو كان هذا اللفظ للمفرد لقال : الذي يجري ، كما جاء في قوله - تعالى - :( وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفلك المشحون ) والجملة الكريمة معطوفة على خلق السموات والأرض .قال صاحب المنار : وكان الظاهر أن تأتي هذه الجملة في آخر الآية ليكون ما للإِنسان فيه صنع على حدة وما ليس له فيه صنع على حدة .

والنكتة في ذكرها عقيب آية الليل والنهار ، هي أن المسافرين في البر والبحر هم أشد الناس حاجة إلى تحديد اختلاف الليل والنهار ومراقبته على الوجه الذي ينتفع به ، والمسافرون في البحر أحوج إلى معرفة الأوقات وتحديد الجهات ، لأن خطر الجهل عليهم أشد ، وفائدة المعرفة لهم أعظم ، ولذلك كان من ضروريات رباني السفن معرفة علم النجوم ، وعلم الليل والنهار من فروع هذا العلم .

قال - تعالى - : ( وَهُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ النجوم لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ البر والبحر ) فهذا وجه العلاقة بين ذكر الفلك وما قبله .و " ما " في قوله : ( بِمَا يَنفَعُ الناس ) مصدرية ، والباء للسببية أي : تجري بسبب نفع الناس ولأجله في التجارة وغيرها .

أو موصولة والباء للحال ، أي تجري مصحوبة بالأعيان التي تنفع الناس .

وخص - سبحانه - النفع بالذكر وإن كانت السفن تحمل ما ينفعت وما يضر؛ لأن المراد هنا عد النعم ، ولأن الذي يحمل فيها ما يضر غيره هو في الوقت نفسه يقصد منفعة نفسه .ومن وجوه الاستدلال بالفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس على وجود الله وقدرته ، أن هذه الفلك وإن كانت من صنع الناس إلا أن الله - تعالى - هو الذي خلق الآلات والأجزاء التي صارت بها سفناً ، وهو الذي سخر لبحر لتجري فيه منقلبة ومدبرة مع شدة أهواله إذا هاج ، وهو الذي جعلها تشق أمواجه شقاً حتى تصل إلى بر الأمان ، وهو الذي رعاها برعايته وهي كنقطة صغيرة في ذلك الماء الواسع ، ووسط تلك الأمواج المتلاطمة حتى وصلت إلى ساحل السلامة وهي حاملة الكثير مما ينفع الناس من الأطعمة والأشربة والأمتعة المختلفة ، فسبحانه من إله قادر حكيم .الدليل الخامس والسادس على أنه - سبحانه - هو المستحق للعبادة يتمثل في قوله - تعالى - في هذه الآية : ( وَمَآ أَنزَلَ الله مِنَ السمآء مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ ) .والمراد بالسماء : جهة العلو ، أي : وما أنزل من جهة السماء من ماء ، و " من " في قوله : ( مِنَ السمآء ) ابتدائية ، وفي قوله : ( مِن مَّآءٍ ) بيانية ، وهما ومجرورهما متعلقان بأنزل .والمراد بإحياء الأرض : تحرك القوى النامية فيها ، وإظهار ما أودع الله فيها من نبات وزهور وثمار وغير ذلك .والمراد بموتها : خلوها من ذلك باستيلاء اليبوسة والقحط عليها .قال - تعالى - : ( وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) ( والبث ) : التفريق والنشر لما كان خافيا ، ومنه بث الشكوى أي : نشرها وإظهارها ، وكل شيء بثثته فقد فرقته ونشرته ، والضمير في قوله : " فيها " يعود إلى الأرض .( والدابة ) : اسم من الدبيب والمشي ببطء ، كل ما يمشي فوق الأرض فهو بحسب الوضع اللغوي يطلق عليه دابة .

والظاهر أن المراد بالدابة هنا هذا المعنى العام ، لا ما جيري به العرف الخاص باستعماله في نوع خاص من الحيوان كذوات الأربع .وجملة ( وَمَآ أَنزَلَ الله مِنَ السمآء مِن مَّآءٍ .

.

.

) معطوفة على ما قبلها ، وجملة ( وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ ) معطوفة على قوله : ( فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا ) .والمعنى : وإن فيما أنزله الله من جهة السماء من ماء مبارك ، عمرت به الأرض بعد خرابها ، وانتشرت فيها أنواع الدواب كلها ، لدلييل ساطع على قدرة الله ووحدانيتهذلك لأنه هو وحده الذي أنزل المطر من السماء ولو شاء لأمسكه مع أن لماء من طبعه الانحدار ، وهو وحده الذي جعل الأرض التي نعيش عليها تنبت من كل زوج بهيج بسبب طبيعتها وأحجامها ، وأشكالها وألوانها ، وأصواتها ، ومآكلها ، وحملها ، وتناسلها ، ووجوه الانتفاع بها ، وغير ذلك من وجوه الاختلاف الكثيرة ، مما يشاهد بأن خالق هذه الكائنات إله واحد قادر حكيم .أما الدليل السابع والثامن في هذه الآية على قدرته - سبحانه - ووحدانيته واستحقاقه للعبادة فهما قوله - تعالى - : ( وَتَصْرِيفِ الرياح والسحاب المسخر بَيْنَ السمآء والأرض ) .الرياح جمع ريح وهي نسيم الهواء .وتصريفها : تقليبها في الجهت المختلفة ، ونقلها من حال إلى حال ، وتوجيهها على حسب إرادته - سبحانه - ووفق حكمته .

فتهب تارة صباً ، أي من مطلع الشمس ، وتارة دبوراً ، أي : من جهة الغرب ، وأحياناً من جهة الشمال أو الجنوب وقد يرسلها - سبحانه - عاصفة ولينة ، حارة أو باردة ، لواقح بالرحمة حيناً وبالعذاب آخر ( وَتَصْرِيفِ ) مصدر صرف مضاف للمفعول والفاعل هو الله ، أي : وتصريف الله الرياح .

أو مضاف للفاعل هو الله ، أي : وتصريف الله الرياح .

أو مضاف للفاعل والمفعول الحساب ، أي : وتصريف الرايح السحاب .وجاءت هذه الجملة الكريمة بعد إحياء الأرض بالمطر وبث الدواب فيها للتناسب بينهما ، وتذكيراً بالسبب إذ بالرياح تكون حياة النبات والحيوان وكل دابة على الأرض ، ولو أمسك - سبحانه - الرياح عن التصريف لما عشا كانئن على ظهر الأرض .( والسحاب ) : عطف على ما قبله ، وهو اسم جنس واحد سحابة ، سمي بذلك لانسحابه في الجو أو لجر الرياح له .و ( المسخر ) : من التسخير وهو التذليل والتيسير ، ومعنى تسخيره - كما قال الآلوسي - أنه لا ينزل ولا يزول مع أن الطبع يقتضي صعوده إن كان لطيفاً وهبوطه إن كان كثيفا - و ( المسخر ) صفة للسحاب باعتبار لفظه ، وقد يعتبر معناه فيوصف بالجمع كما في قوله :( سَحَاباً ثِقَالاً ) والظرف " بين " يجوز أن يكون منصوباً بقوله المسخر فيكون ظرفاً للتسخير ، ويجوز أن يكون حالا من الضمير المستتر في اسم المفعول فيتعلق بمحذوف أي : كائناً بين السماء والأرض .وجاء ذكر السحاب بعد تصريف الرياح لأنها هي التي تثيره وتجمعه ، وهي التي تسوقه إلى حيث ينزل مطراً في الأماكن التي تريد الله إحياءها .قال - تعالى - : ( الله الذي يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السمآء كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ) ولا شك أن هذا التصريف للرياح مع أنها جسم لطيف لا يمسك ولا يرى ، وهي مع ذلك في غاية القوة بحيث تقلع الأشجار وتخرب الديار ، وهذا التسخير للحساب بحيث يبقى معلقاً بين السماء والأرض مع حملة للمياه العظيمة التي تسيل بها الأودية المتسعة .

.

.

لا شك أن كل ذلك من أعظم الأدلة على أن لهذا الكون مدبراً قادراً حكيماً هو الله رب العالمين .وقوله : ( لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) اسم ( إِنَّ ) لقوله - تعالى - في أول الآية : ( إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض ) ودخلت اللام على الاسم وهو ( لآيَاتٍ ) لتأخره عن الخبر والتنكير للتعظيم والتفخيم كما وكيفاً .أي : إن فيما ذكره الله من مخلوقاته العجيبة ، وكائناته الباهرة ، لدلائل ساطعة ، وآيات واضحة ترشد من يعقلون ويتدبرون فيها ، إلى أن لهذا الكون إلهاً واحداً قادراً حكيماً مستحقاً للعبادة والخضوع والطاعة .وموقع هذه الآية الكريمة من سابقتها كموقع الحجة من الدعوى ، ذلك أن الله - تعالى - أخبر في الآية السابقة أن الإِلهه واحد لا إله غيره ، وهي قضية قد تلفاها كثير من الناس بالإِنكار ، فناسب أن يأتي في هذه الآية الكريمة بالحجج والبراهين التي لا يسع الناظر فيها بتدبر وتفكير إلا التسليم عن اقتناع بوحدانية الله - تعالى - قدرته .قال الإِمام الرازي : واعلم أن النعم على قسمين : نعم دنيوية ونعم دينية وهذه الأمور الثمانية ، اليت عدها الله - تعالى - نعم دنيوية في الظاهر ، فإذا تفكر العقال فيها ، واستدل بها على معرفة الصانع ، صارت نعما دينية ، لكن الانتفاع بها من حيث إنها نعم دنيوية لا يكمل إلا عند سلامة العقول وانفتاح بصر الباطن ، فلذلك قال : ( لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) .وقال الآلوسي : أخرج ابن أبي الدنيا وابن مردوية عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية قال : " ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها " .ثم قال الآلوسي : ومن تأمل في تلك المخلوقات التي وردت في هذه الآية وجد كلا منها مشتملا على وجوه كثيرة من الدلالة على وجوده - تعالى - ووحدانيته وسائر صفاته الموجبة لتخصيص العبادة له ، ومجمل القول فيث ذلك أن كل واحد من هذه الأمور المعدودة قد وجد على وجه خاصس من الوجوه الممكنة دون ما عداه ، مستنبعا لآثار معينة ، وأحكام مخصوصة ..

.

وفي الآية إثبات الاستدلال بالحجج العقلية ، وتنبيه على شرف علم الكلام وفضل أهله ، وربما أشارت إلى شرف علم الهيئة .والحق أن هذه الآية الكريمة قد اتجهت في تثبيت عقيدة وحدانية الله وقدرته وألوهيته إلى تنبيه الحواس والمدارك والمشاعر إلى ما في هذا الكون المشاهد المنظور من آيات ودلائل على حقية الخالق - عز وجل - بالعبادة .وهذه الطريقة من تنبيه الحواس والمدارك جديرة بأن تفتح الأبصار والبصائر على عجائب هذا الكون ، تلك العجائب التي أصبحت عند كثير من الناس شيئاً مألوفاً بسبب عدم تدبرهم لما فيها من عظات وعبر وصدق الله إذ يقول ( وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ) ورحم الله القائل : ألا إن لله كتابين : كتاباً مخلوقاً وهو الكون ، وكتاباً منزلا وهو القرآن .وإنما يرشدنا هذا إلى طريق بذاك بما أوتينا من العقل .

فمن أطاع فهو من الفائزين ، ومن أعرض فأولئك هم الخاسرون .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكم بالفردانية والوحدانية ذكر ثمانية أنواع من الدلائل التي يمكن أن يستدل بها على وجوده سبحانه أولاً وعلى توحيده وبراءته على الأضداد والأنداد ثانياً، وقبل الخوض في شرح تلكم الدلائل لابد من بيان مسائل: المسألة الأولى: وهي أن الناس اختلفوا في أن الخلق هل هو المخلوق أو غيره؟

فقال عالم من الناس: الخلق هو المخلوق.

واحتجوا عليه بالآية والمعقول، أما الآية فهي هذه الآية، وذلك لأنه تعالى قال: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض واختلاف اليل والنهار ﴾ إلى قول: ﴿ لأيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ومعلوم أن الآيات ليست إلا في المخلوق، وأما المعقول فقد احتجوا عليه بأمور.

أحدها: أن الخلق عبارة عن إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، فهذا الإخراج لو كان أمراً مغايراً للقدرة والأثر فهو إما أن يكون قديماً أو حديثاً، فإن كان قديماً فقد حصل في الأزل مسمى الإخراج من العدم إلى الوجود والإخراج من العدم إلى الوجود مسبوق بالعدم والأزل هو نفي المسبوقية فلو حصل الإخراج في الأزل لزم اجتماع النقيضين وهو محال، وإن كان محدثاً فلابد له أيضاً من مخرج يخرجه من العدم إلى الوجود فلابد له من إخراج آخر والكلام فيه كما في الأول ويلزم التسلسل.

وثانيها: أنه تعالى في الأزل لم يكن مخرجاً للأشياء من عدمها إلى وجودها، ثم في الأزل هل أحدث أمراً أو لم يحدث؟

فإن أحدث أمراً فذلك الأمر الحادث هو المخلوق، وإن لم يحدث أمراً فالله تعالى قط لم يخلق شيئاً.

وثالثها: أن المؤثرية نسبة بين ذات المؤثر وذات الأثر والنسبة بين الأمرين يستحيل تقريرها بدون المنتسب فهذه المؤثرية إن كانت حادثة لزم التسلسل وإن كانت قديمة كانت من لوازم ذات الله تعالى، وحصول الأثر إما في الحال أو في الإستقبال من لوازم هذا الصفة القديمة العظيمة ولازم اللازم لازم فيلزم أن يكون الأثر من لوازم ذات الله تعالى فلا يكون الله تعالى قادراً مختاراً بل ملجأ مضطراً إلى ذلك التأثير فيكون علة موجَبة وذلك كفر.

واحتج القائلون بأن الخلق غير المخلوق بوجوه: أولها: أن قالوا: لا نزاع في أن الله تعالى موصوف بأنه خالق قبل أن يخلق الأشياء، والخالق هو الموصوف بالخلق، فلو كان الخلق هو المخلوق لزم كونه تعالى موصوفاً بالمخلوقات التي منها الشياطين والأبالسة والقاذورات، وذلك لا يقوله عاقل.

وثانيها: أنا إذا رأينا حادثاً حدث بعد أن لم يكن قلنا: لم وجد هذا الشيء بعد أن لم يكن فإذا قيل لنا إن الله تعالى خلقه وأوجده قبلنا ذلك وقلنا: إنه حق وصواب، ولو قيل إنه إنما وجد بنفسه لقلنا إنه خطأ وكفر ومتناقض، فلما صح تعليل حدوثه بعد ما لم يكن بأن الله تعالى خلقه ولم يصح تعليل حدوثه بحدوثه بنفسه، علمنا أن خلق الله تعالى إياه مغاير لوجوده في نفسه، فالخلق غير المخلوق.

وثالثها: أنا نعرف أفعال العباد ونعرف الله تعالى وقدرته مع أنا لا نعرف أن المؤثر في أفعال العباد أهو قدرة الله أم هو قدرة العبد والمعلوم غير ما هو معلوم فمؤثرية قدرة القادر في وقوع المقدور مغايرة لنفس تلك القدرة ولنفس ذلك المقدور، ثم إن هذه المغايرة يستحيل أن تكون سلبية لأنه نقيض المؤثرية التي هي عدمية، فهذه المؤثرية صفة ثبوتية زائدة على ذات المؤثر وذات الأثر وهو المطلوب.

ورابعها: أن النحاة قالوا: إذ قلنا خلق الله العالم فالعالم ليس هو المصدر بل هو المفعول به، وذلك يدل على أن خلق العالم غير العالم.

وخامسها: أنه يصح أن يقال: خلق السواد وخلق البياض وخلق الجوهر وخلق العرض فمفهوم الخلق أمر واحد في الكل مغاير لهذه الماهيات المختلفة بدليل أنه يصح تقسيم الخالقية إلى خالقية الجوهر وخالقية العرض ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، فثبت أن الخلق غير المخلوق فهذا جملة ما في هذه المسألة.

المسألة الثانية: قال أبو مسلم رحمه الله: أصل الخلق في كلام العرب التقدير وصار ذلك اسماً لأفعال الله تعالى لما كان جميعها صواباً قال تعالى: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً  ﴾ ويقول الناس في كل أمر محكم هو معمول على تقدير.

المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على أنه لابد من الاستدلال على وجود الصانع بالدلائل العقلية وأن التقليد ليس طريقاً ألبتة إلى تحصيل هذا الغرض.

المسألة الرابعة: ذكر ابن جرير في سبب نزول هذه الآية: عن عطاء أنه عليه السلام عند قدومه المدينة نزل عليه: ﴿ وإلهكم إله واحد  ﴾ فقال كفار قريش بمكة كيف يسع الناس إله واحد؟

فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض ﴾ وعن سعيد بن مسروق قال: سألت قريش اليهود فقالوا حدثونا عما جاءكم به موسى من الأيات فحدثوهم بالعصا وباليد البيضاء وسألوا النصارى عن ذلك فحدثوهم بإبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى فقالت قريش عند ذلك للنبي عليه السلام ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً فنزداد يقيناً وقوة على عدونا، فسأل ربه ذلك فأوحى الله تعالى إليه أن يعطيهم ولكن إن كذبوا بعد ذلك عذبتهم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين فقال عليه السلام: «ذرني وقومي أدعوهم يوماً فيوماً» فأنزل الله تعالى هذه الآية مبيناً لهم أنهم إن كانوا يريدون أن أجعل لهم الصفا ذهباً ليزدادوا يقيناً فخلق السموات والأرض وسائر ما ذكر أعظم.

واعلم أن الكلام في هذه الأنواع الثمانية من الدلائل على أقسام: القسم الأول: في تفصيل القول في كل واحد منها، فالنوع الأول من الدلائل: الاستدلال بأحوال السموات وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿ الذى جَعَلَ لَكُمُ الارض فِرَاشاً والسماء بِنَاء  ﴾ ولنذكر هاهنا نمطاً آخر من الكلام: روي أن عمر بن الحسام كان يقرأ كتاب المجسطي على عمر الأبهري، فقال بعض الفقهاء يوماً: ما الذي تقرؤنه فقال: أفسر آية من القرآن، وهي قوله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى السماء فَوْقَهُمْ كَيْفَ  ﴾ فأنا أفسر كيفية بنيانها، ولقد صدق الأبهري فيما قال فإن كل من كان أكثر توغلاً في بحار مخلوقات الله تعالى كان أكثر علماً بجلال الله تعالى وعظمته فنقول: الكلام في أحوال السموات على الوجه المختصر الذي يليق بهذا الموضع مرتب في فصول: الفصل الأول: في ترتيب الأفلاك: قالوا: أقر بها إلينا كرة القمر، وفوقها كرة عطارد، ثم كرة الزهرة، ثم كرة الشمس، ثم كرة المريخ، ثم كرة المشتري، ثم كرة زحل، ثم كرة الثوابت، ثم الفلك الأعظم.

واعلم أن في هذا الموضوع أبحاثاً: البحث الأول: ذكروا في طريق معرفة هذا الترتيب ثلاثة أوجه.

الأول: السير، وذلك أن الكوكب الأسفل إذا مر بين أبصارنا وبين الكوكب الأعلى فإنهما يبصران ككوكب واحد،.

ويتميز السائر عن المستور بلونه الغالب، كصفرة عطارد، وبياض الزهرة وحمرة المريخ، ودرية المشتري، وكمودة زحل، ثم إن القدماء وجدوا القمر يكسف الكواكب الستة، وكثيراً من الثوابت في طريقه في ممر البروج، وكوكب عطارد يكسف الزهرة، والزهرة تكسف المريخ وعلى هذا الترتيب فهذا الطريق يدل على كون القمر تحت الشمس لانكسافها به، لكن لا يدل على كون الشمس فوق سائر الكواكب أو تحتها، لأن الشمس لا تنكسف بشيء منها لاضمحلال أضوائها في ضوء الشمس، فسقط هذا الطريق بالنسبة إلى الشمس.

الثاني: اختلاف المنظر فإنه محسوس للقمر وعطارد والزهرة، وغير محسوس للمريخ والمشتري وزحل، وأما في حق الشمس فقليل جداً، فوجب أن تكون الشمس متوسطة بين القسمين، وهذا الطريق بين جداً لمن اعتبر اختلاف منظر الكواكب، وشاهده على الوجه الذي حكيناه، فأما من لم يمارسه، فإنه يكون مقلداً فيه، لا سيما وأن أبا الريحان وهو أستاذ هذه الصناعة ذكر في تلخيصه لفصول الفرغاني أن اختلاف المنظر لا يحس به إلا في القمر.

الثالث: قال بطليموس: إن زحل والمشتري والمريخ تبعد عن الشمس في جميع الأبعاد، وأما عطارد والزهرة فإنهما لا يبعدان عن الشمس بعد التسديس فضلاً عن سائر الأبعاد، فوجب كون الشمس متوسطة بين القسمين، وهذا الدليل ضعيف، فإنه منقوض بالقمر، فإنه يبعد عن الشمس كل الأبعاد، مع أنه تحت الكل.

البحث الثاني: في أعداد الأفلاك، قالوا إنها تسعة فقط، والحق أن الرصد لما دل على هذه التسعة أثبتناها، فأما ما عداها، فلما لم يدل الرصد عليه، لا جرم ما جزمنا بثبوتها ولا بانتفائها، وذكر ابن سينا في الشفاء: أنه لم يتبين لي إلى الآن أن كرة الثوابت كرة واحدة، أو كرات منطبق بعضها على بعض، وأقول: هذا الإحتمال واقع، لأن الذي يمكن أن يستدل به على وحدة كرة الثوابت ليس إلا أن يقال: إن حركاتها متساوية، وإذا كان كذلك وجب كونها مركوزة في كرة واحدة، والمقدمتان ضعيفتان.

أما المقدمة الأولى: فلأن حركاتها وإن كانت في حواسنا متشابهة، لكنها في الحقيقة لعلها ليست كذلك، لأنا لو قدرنا أن الواحد منها يتم الدور في ستة وثلاثين ألف سنة، والآخر يتم هذا الدور في مثل هذا الزمان لكن ينقصان عاشرة، إذا وزعنا تلك العاشرة على أيام ستة وثلاثين ألف سنة، لا شك أن حصة كل يوم، بل كل سنة، بل كل ألف سنة مما لا يصير محسوساً، وإذا كان كذلك سقط القطع بتشابه حركات الثوابت.

وأما المقدمة الثانية: وهي أنها لما تشابهت في حركاتها وجب كونها مركوزة في كرة واحدة وهي أيضاً ليست يقينية، فإن الأشياء المختلفة لا يستبعد اشتراكها في لازم واحد، بل أقول هذا الاحتمال الذي ذكره ابن سينا في كرة الثوابت قائم في جميع الكرات، لأن الطريق إلى وحدة كل كرة ليس إلا ما ذكرناه وزيفناه، فإذن لا يمكن الجزم بوحدة الكرة المتحركة اليومية فلعلها كرات كثيرة مختلفة في مقادير حركاتها بمقدار قليل جداً لا تفي بضبط ذلك التفاوت أعمارنا، وكذلك القول في جميع الممثلات والحوامل.

ومن الناس من أثبت كرة فوق كرة الثوابت، وتحت الفلك الأعظم، واحتجوا من وجوه: الأول: أن الراصدين للميل الأعظم وجدوه مختلف المقدار، وكل من كان رصده أقدم كان وجدان الميل الأعظم أعظم، فإن بطليموس وجده.

(كج ن) ثم وجد في زمان المأمون (كج له) ثم وجد بعد المأمون وقد تناقص بدقيقة، وذلك يقتضي أن من شأن القطبين أن يقل ميلهما تارة ويكثر أخرى، وهذا إنما يمكن إذا كان بين كرة الكل، وكرة الثوابت كرة أخرى يدور قطباها حول قطبي كرة الكل، ويكون كرة الثوابت يدور أيضاً قطباها حول قطبي تلك الكرة فيعرض لقطبها تارة أن يصير إلى جانب الشمال منخفضاً، وتارة إلى جانب الجنوب مرتفعاً فيلزم من ذلك أن ينطبق معدل النهار على منطقة البروج، وأن ينفصل عنه تارة أخرى إلى الجنوب.

وثانيها: أن أصحاب الأرصاد اضطربوا اضطراباً شديداً في مقدار مسير الشمس على ما هو مشروح في المطولات، حتى أن بطليموس حكى عن أبرخس أنه كان شاكاً في أن هذا السير يكون في أزمنة متساوية أو مختلفة.

ثم إن الناس ذكروا في سبب اختلافه قولين.

أحدهما: قول من يجعل أوج الشمس متحركاً فإنه زعم أن الاختلاف الذي يلحق حركة الشمس من هذه الجهة يختلف عند نقطتي الإعتدالين لاختلاف بعدهما من الأوج، فيختلف زمان سير الشمس من أجله.

وثانيهما: قول أهل الهند والصين وبابل، وأكثر قدماء علماء الروم ومصر والشام: أن السبب فيه انتقال فلك البروج، وارتفاع قطبيه وانحطاطه، وحكى أبرخس أنه كان يعتقد هذا الرأي، وذكر باربا الإسكنداني أن أصحاب الطلسمات كانوا يعتقدون ذلك أيضاً، وأن قطب فلك البروج يتقدم عن موضعه ويتأخر ثمان درجات، وقالوا: إن ابتداء الحركة من (كب) درجة من الحوت إلى أول الحمل.

وثالثها: أن بطليموس رصد الثوابت فوجدها تقطع في كل مائة سنة درجة واحدة والمتأخرون رصدوها فوجدوها تقطع في كل مائة سنة درجة ونصفاً، وهذا تفاوت عظيم يبعد حمله على التفاوت في الآلات التي تتخذها المهرة في الصناعة على سبيل الإستقصاء، فلابد من حمله على ازدياد الميل ونقصانه، وذلك يوجب القول بثبوت الفلك الذي ذكرناه.

البحث الثالث: احتجوا على أن الكواكب الثابتة مركوزة في فلك فوق أفلاك هذه الكواكب السبعة، فقالوا: شاهدنا لهذه الأفلاك السبعة حركات أسرع من حركات هذه الثوابت، وثبت أن الكواكب لا تتحرك إلا بحركة الفلك، وهذا يقتضي كون هذه الثوابت مركوزة في كرة سوى هذه السبعة، ولا يجوز أن تكون مركوزة في الفلك الأعظم لأنه سريع الحركة، يدور في كل يوم وليلة دورة واحدة بالتقريب، ثم قالوا: إنها مركوزة في كرة فوق كرات هذه السبعة، لأن هذه الكواكب السبعة قد تكسف تلك الثوابت، والكاسف تحت المكسوف، فكرات هذه السبعة وجب أن تكون دون كرات الثوابت.

وهذا الطريق أيضاً ضعيف من وجوه: أحدها: أنا لا نسلم أن الكوكب لا يتحرك إلا بحركة فلكية، وهم إنما بنوا على امتناع الخرق على الأفلاك، ونحن قد بينا ضعف دلائلهم على ذلك.

وثانيها: سلمنا أنه لابد لهذه الثوابت من كرات أخرى إلا أن مذهبكم أن كل كرة من هذه الكرات السبعة تنقسم إلى أقسام كثيرة، ومجموعها هو الفلك الممثل وأن هذه الممثلة بطيئة الحركة على وفق حركة كرة الثوابت، فلم لا يجوز أن يقال: هذه الثوابت مركوزة في هذه الممثلات البطيئة الحركة، فأما السيارات فإنها مركوزة في الحوامل التي هي أفلاك خارجة المركز، وعلى هذا التقدير لا حاجة إلى إثبات كرة الثوابت.

وثالثها: هب أنه لابد من كرة أخرى فلم لا يجوز أن يكون هناك كرتان إحداهما فوق كرة زحل، والأخرى دون كرة القمر، وذلك لأن هذه السيارات لا تمر إلا بالثوابت الواقعة في ممر تلك السيارات، فأما الثوابت المقاربة للقطبين فإن السيارات لا تمر بشيء منها ولا تكسفها، فالثوابت التي تنكسف بهذه السيارات هب أنا حكمنا بكونها مركوزة في كرة فوق كرة زحل، أما التي لا تنكسف بهذه السيارات فكيف نعلم أنها ليست دون السيارات فثبت أن الذي قالوه غير برهاني بل احتمالي.

البحث الرابع: زعموا أن الفلك الأعظم حركته أسرع الحركات فإنه يتحرك في اليوم والليلة قريباً من دورة تامة، وأنه يتحرك من المشرق إلى المغرب.

وأما الفلك الثامن الذي تحته فإنه في نهاية البطء حتى إنه يتحرك في كل مائة سنة درجة عند بطليموس، وعند المتأخرين في كل ستة وستين سنة درجة، وأنه يتحرك من المغرب إلى المشرق على عكس الحركة الأولى، واحتجوا عليه بأنا لما رصدنا هذه الثوابت وجدنا لها حركة على خلاف الحركة اليومية.

واعلم أن هذا أيضاً ضعيف، فلم لا يجوز أن يقال: إن الفلك الأعظم يتحرك من المشرق إلى المغرب كل يوم وليلة دورة تامة، والفلك الثامن أيضاً يتحرك من المشرق إلى المغرب كل يوم وليلة دورة إلا بمقدار نحو عشر ثانية فلا جرم نرى حركة الكواكب في الحس مختلفة عن الحركة الأولى بذلك القدر القليل في خلاف جهة الحركة الأولى، فإذا اجتمعت تلك المقادير أحس كأن الكوكب الثابت يرجع بحركة بطيئة إلى خلاف جهة الحركة اليومية، فهذا الاحتمال واقع، وهم ما أقاموا الدلالة على إبطاله، ثم الذي يدل على أنه هو الحق وجهان.

الأول: وهو برهاني، أن حركة الفلك الثامن لو كانت إلى خلاف حركة الفلك الأعظم لكان حينما يتحرك بحركة الفلك الأعظم إلى جهة إما أن يتحرك بحركة نفسه إلى خلاف تلك الجهة أو لا يتحرك في ذلك الوقت بمقتضى حركة نفسه، فإن كان الأول لزم كون الشيء الواحد دفعة واحدة متحركاً إلى جهتين، والحركة إلى جهتين تقتضي الحصول في الجهتين دفعة وذلك محال، وإن كان القسم الثاني لزم انقطاع الحركات الفلكية، وهم لا يرضون بذلك.

الثاني: أن نهاية الحركة حاصلة للفلك الأعظم، ونهاية السكون حاصلة للأرض، والأقرب إلى العقول أن يقال: كل ما كان أقرب من الفلك الأعظم كان أسرع حركة، وكل ما كان أبعد كان أبطأ حركة، ففلك الثوابت أقرب الأفلاك إليه، فلا جرم لا تفاوت بين الحركتين إلا بقدر قليل، وهو الذي يحصل من اجتماع مقادير التفاوت في كل مائة سنة درجة واحدة، ويليه فلك زحل فإنه أبطأ من فلك الثوابت فلا جرم كان تخلفه عن الفلك الأعظم أكثر حتى إن مقادير التفاوت إذا اجتمعت بلغت في كل ثلاثين سنة إلى تمام الدور، وعلى هذا القول كل ما كان أبعد عن الفلك الأعظم كان أبطأ حركة، فكان تفاوته أكثر حتى يبلغ إلى فلك القمر الذي هو أبطأ الأفلاك حركة، فهو في كل يوم يتخلف عن الفلك الأعظم ثلاث عشرة درجة، فلا جرم يتمم دوره في كل شهر، ولا يزال كذلك حتى ينتهي إلى الأرض التي هي أبعد الأشياء عن الفلك، فلا جرم كانت في نهاية السكون، فثبت أن كلامهم في هذه الأصول مختل ضعيف والعقل لا سبيل له إلى الوصول إليها.

الفصل الثاني: في معرفة الأفلاك: القوم وضعوا لأنفسهم مقدمتين ظنيتين.

إحداهما: أن حركات الأجرام السماوية متساوية متصلة، وأنها لا تبطئ مرة وتسرع أخرى، وليس لها رجوع عن متوجهاتها.

والثانية: أن الكواكب لا تتحرك بذاتها بل بتحرك الفلك، ثم إنهم بنوا على هاتين المقدمتين مقدمة أخرى فقالوا: الفلك الذي يحمل الكواكب إما أن يكون مركزه مركز الأرض أو لا يكون، فإن كان مركزه مركز الأرض، فإما أن يكون الكوكب مركوزاً في ثخنه أو مركوزاً في جرم مركوز في ثخن ذلك الفلك، فإن كان الأول استحال أن يختلف قرب الكوكب وبعده من الأرض، وأن يختلف قطعه للقسى من ذلك الفلك والأعراض الإختلاف في حركة الفلك، أو حركة الكوكب، وقد فرضنا أنهما لا يوجدان ألبتة، فبقي القسمان الآخران.

أحدهما: أن يكون الكوكب مركوزاً في جرم كري مستدير الحركة، مغروز في ثخن الفلك المحيط بالأرض، وذلك الجرم نسميه بالفلك المستدير، فحينئذ يعرض بسبب حركته اختلاف حال الكوكب بالنسبة إلى الأرض تارة بالقرب والبعد وتارة بالرجوع والإستقامة، وتارة بالصغر والكبر في المنظر وإما أن يكون الفلك الميحط بالأرض ليس مركزه موافقاً لمركز الأرض، فهو الفلك الخارج المركز، ويلزم أن يكون الحامل في أحد نصفي فلك البروج من ذلك الفلك أعظم من النصف، وفي نصفه الآخر أقل من النصف، فلا جرم يحصل بسببه: القرب والبعد من الأرض، وأن يقطع أحد نصفي فلك البروج في زمان أكثر من قطعه النصف الآخر، فظهر أن اختلاف أحوال الكواكب في صغرها وكبرها، وسرعتها وبطئها، وقربها وبعدها، من الأرض لا يمكن حصوله إلا بأحد هذين الشيئين، أعني التدوير، والفلك الخارج المركز.

إذا عرفت هذا فلنرجع إلى التفصيل قولهم في الأفلاك، فقالوا: هذه الأفلاك التسعة، منها ما هو كرة واحدة، وهو الفلك الأعظم، وفلك الثوابت، ومنها ما ينقسم إلى كرتين، وهو فلك الشمس، وذلك أنه ينفصل منه فلك آخر مركزه غير مركز العالم، بحيث يتماس سطحاهما المحدبان على نقطة تسمى الأوج، وهو البعد الأبعد من الفلك المنفصل، ويتماس سطحاهما المقعران على نقطة تسمى الحضيض، وهو البعد الأقرب منه، وهما في الحقيقة فلك واحد، منفصل عنه فلك آخر، إلا أنه يقال: فلكان، توسعا، ويسمى المنفصل عنه: الفلك الممثل، والمنفصل الخارج المركز فلك الأوج، وجرم الشمس مغرق فيه بحيث يماس سطحه سطحيه، ومنها ما ينقسم إلى ثلاث أكر، وهي أفلاك الكواكب العلوية والزهرة، فإن لكل واحد منهما فلكين مثل فلك الشمس، وفلكاً آخر موقعه من خارج المركز مثل موقع جرم الشمس من فلكه ويسمى: فلك التدوير والكوكب مغرق فيه بحيث يماس سطحه ويسمى الخارج المركز: الفلك الحامل، ومنها ما ينقسم إلى أربع أكر وهو فلك عطارد والقمر، أما عطارد فإن له فلكين مثل فلكي الشمس وينفصل من الثاني فلك آخر انفصال الخارج المركز عن الممثل بحيث يقع مركزه خارجاً عن المركزين وبعده عن مركز الخارج المركز مثل نصف بعد ما بين مركزي الخارج المركز والممثل ويسمى المنفصل عنه الفلك المدير والمنفصل الفلك الحامل، ومنه فلك التدوير وعطارد فيه كما سبق في الكرات الأربعة، وأما القمر فإن فلكه ينقسم إلى كرتين متوازيتين والعظمى تسمى الفلك المثل والصغرى الفلك المائل وينقسم المائل إلى ثلاث أكر كما في الكواكب الأربعة، وكل فلك ينفصل عنه فلك آخر على الصورة التي عرفتها في فلك الشمس، فإنه يبقى من المنفصل عنه كرتان مختلفتا الثخن يسميان متممين لذلك الفلك المنفصل وكل واحد من هذه الأفلاك يتحرك على مركزه حركة دائمة متصلة إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا والناس إنما وصلوا إلى معرفة هذه الكرات بناء على المقدمة التي قررناها ولا شك أنها لو صحت لصح القول بهذه الأشياء إنما الشأن فيها.

الفصل الثالث: في مقادير الحركات: قال الجمهور: إن جميع الأفلاك تتحرك من المغرب إلى المشرق سوى الفلك الأعظم، والمدير لعطارد والفلك الممثل والمائل والمدير للقمر فالحركة الشرقية تسمى: الحركة إلى التوالي والغربية إلى خلاف التوالي، والفلك الأعظم يتحرك حركة سريعة في كل يوم بليلته دورة واحدة على قطبين يسميان قطبي العالم ويحرك جميع الأفلاك والكواكب، وبهذه الحركة يقع للكواكب الطلوع والغروب وتسمى الحركة الأولى، وفلك الثوابت يتحرك حركة بطيئة في كل ست وستين سنة عند المتأخرين درجة واحدة على قطبين يسميان قطبي فلك البروج، وهما يدوران حول قطبي العالم بالحركة الأولى وتتحرك على وفق هذه الحركة جميع الأفلاك المتحركة، وبهذه الحركة تنتقل الأوجات عن موضعها من فلك البروج وتسمى الحركة الثانية وحركة الأوج وهي حركة الثوابت والثوابت إنما سميت ثوابت لأسباب.

أحدها: كونها بطيئة لأنها بإزاء السيارة تشبه الساكنة.

وثانيها: السيارة تتحرك إليها وهي لا تتحرك إلى السيارة فكأن الثوابت ثابتة لانتظارها.

وثالثها: عروضها ثابتة على مقدار واحد لا يتغير.

ورابعها: أبعاد ما بينها ثابتة على حال واحد لا تتغير الصورة المتوهمة عليها من الصور الثماني والأربعين.

وخامسها: الأزمنة عند أكثر عوام الأمم منوطة بطلوعها وأفولها بحيث لا يتفاوت إلا في القرون والأحقاب.

وأما الأفلاك الخارجة المركز فإنها تتحرك في كل يوم هكذا: زحل (ب أ) المشتري (دنط) المريخ بدلالة الشمس (لاكر) الزهرة (نط ج) عطارد (نط ح) والقمر (يج يج مو) وتسمى حركة المركز، وحركة الوسط، وهي حركات مراكز أفلاك التداوير ومركز الشمس والأفلاك التداوير تتحرك بهذا المقدار زحل (نرح) المشتري (ند ط) المريخ (كرمب) الزهرة (لونط) عطارد (ج وكد) القمر (يج ج ند) وتسمى: الحركة الخاصة، وحركة الاختلاف وهي حركات مراكز الكواكب.

واعلم أن بسبب هذه الحركات المختلفة يعرض لهذه الكواكب أحوال مختلفة.

أحدها: أنه يحصل للقمر مثلاً أبعاد مختلفة غير مضبوطة بالنسبة إلى هذا العالم والأنواع المضبوطة منها أربعة.

الأول: أن يكون القمر على البعد الأقرب من فلك التدوير ومركز التدوير على البعد الأقرب من الفلك الخارج المركز ويقال له البعد الأقرب، وهو الثلاث وثلاثون مرة مثل نصف قطر الأرض بالتقريب.

الثاني: أن يكون القمر على البعد الأبعد من فلك التدوير ومركز فلك التدوير على البعد الأقرب من الفلك الخارج المركز وهو البعد الأقرب للأبعد وهو ثلاث وأربعون مرة مثل نصف قطر الأرض.

الثالث: أن يكون القمر على البعد الأقرب من فلك التدوير ومركز فلك التدوير على البعد الأبعد من الفلك الخارج المركز وهو البعد الأبعد للأقرب وهو أربعة وخمسون مرة مثل نصف قطر الأرض.

الرابع: أن يكون القمر على البعد الأبعد من فلك التدوير ومركز التدوير على البعد الأبعد من الفلك الخارج المركز وهو البعد الأبعد وهو أربعة وستون مرة مثل نصف قطر الأرض، ثم إن ما بين هذه النقط الأربعة الأحوال مختلفة على ما أتى على شرحها أبو الريحان.

وثانيها: أن جميع الكواكب مرتبطة بالشمس ارتباطاً ما، فأما العلوية فإن بعد مراكزها عن ذرى أفلاك تداويرها أبداً تكون بمقدار بعد مركز الشمس عن مراكز تداويرها وحينئذ تكون محترقة ومتى كانت في الحضيض كانت في مقابلتها وحينئذ تكون مقابلة للشمس وذلك يقارن الشمس في منتصف الاستقامة ويقابلها في منتصف الرجوع وقيل: إن نصف قطر فلك تدوير المريخ أعظم من نصف قطر فلك ممثل الشمس فيلزم أنه إذا كان مقارناً للشمس يكون بعد مركزه عن مركز الشمس أعظم منه إذا كان مقابلاً لها، وأما السلفيات فإن مراكز أفلاك تدويرها أبداً يكون مقارناً للشمس فيلزم أن تقارن الشمس الذروة والحضيض في منتصفي الاستقامة، والرجوع غاية بعد كل واحد منهما عن الشمس بمقدار نصف قطر فلك تدويرهما، وهو للزهرة (مه) ولعطارد (كه) بالتقريب وأما القمر فإن مركز الشمس أبداً يكون متوسطاً بين بعده الأبعد وبين مركز تدويره ولذلك يقال لبعدمركز تدويره عن البعد الأبعد البعد المضاعف لأنه ضعف بعد مركز تدويره من الشمس فلزم أنه متى كان مركز تدويره في البعد الأبعد، فإما أن يكون مقابلاً للشمس أو مقارناً لها، ومتى كان في البعد الأقرب تكون الشمس في تربيعه فلذلك يكون اجتماعه واستقباله في البعد الأبعد وتربيعه مع الشمس في الأقرب.

الفصل الرابع: في كيفية الاستدلال بهذه الأحوال على وجود الصانع: وهي من وجوه: أحدها: النظر إلى مقادير هذه الأفلاك، فإنها مع اشتراكها في الطبيعة الفلكية، اختص كل واحد منها بمقدار خاص، مع أنه لا يمتنع في العقل وقوعها على أزيد من ذلك المقدار أو أنقص منه بذرة، فلما قضى صريح العقل بأن المقادير بأسرها على السوية، قضى بافتقارها في مقاديرها إلى مخصص مدبر.

وثانيها: النظر إلى أحيازها، فإن كل فلك مماس بمحدبه فلكاً آخر فوقه وبمقعره فلكاً آخر تحته، ثم ذلك الفلك إما أن يكون متشابه الأجزاء أو ينتهي بالآخرة إلى جسم متشابه الأجزاء، وذلك الجسم المتشابه الأجزاء لابد وأن تكون طبيعة كل واحد من طرفيه مساوية لطبيعة طرفه الآخر، فكما صح على محدبه أن يلقى جسماً وجب أن يصح على مقعره أن يلقى ذلك الجسم، ومتى كان كذلك صح أن العالي يمكن وقوعه سافلاً، والسافل يمكن وقوعه عالياً، ومتى كان كذلك كان اختصاص كل واحد منها بحيزه المعين أمراً جائزاً يقضي العقل بافتقاره إلى المقتضى.

وثالثها: أن كل كوكب حصل في مقعره اختص به أحد جوانب ذلك الفلك دون سائر الجوانب، ثم إن ذلك الموضع المنتفي من ذلك الفلك مساو لسائر جوانبه، لأن الفلك عنده جسم متشابه الأجزاء، فاختصاص ذلك المقعر بذلك الكوكب دون سائر الجوانب يكون أمراً ممكناً جائزاً فيقضي العقل بافتقاره إلى المخصص.

ورابعها: أن كل كرة فإنها تدور على قطبين معينين، وإذا كان الفلك متشابه الأجزاء كان جميع النقط المفترضة عليه متساوية، وجميع الدوائر المفترضة عليه أيضاً متساوية، فاختصاص نقطتين معينتين بالقطبية دون سائر النقط مع استوائها في الطبيعة يكون أمراً جائراً، فيقضي العقل بافتقاره إلى المقتضى، وهكذا القول في تعين كل دائرة معينة من دوائرها بأن تكون منطقة.

وخامسها: أن الأجرام الفلكية مع تشابهها في الطبيعة الفلكية كل واحد منها مختص بنوع معين من الحركة في البطء والسرعة، فانظر إلى الفلك الأعظم مع نهاية اتساعه وعظمه ثم إنه يدور دورة تامة في اليوم والليلة، والفلك الثامن الذي هو أصغر منه لا يدور الدورة التامة إلا في ستة وثلاثين سنة على ما هو قول الجمهور، ثم إن الفلك السابع الذي تحته يدور في ثلاثين سنة، فاختصاص الأعظم بمزيد السرعة، والأصغر بمزيد البطء مع أنه على خلاف حكم العقل فإنه كان ينبغي أن يكون الأوسع أبطأ حركة لعظم مداره، والأصغر أسرع استدارة لصغر مداره ليس إلا لمخصص، والعقل يقضي بأن كل واحد منها إنما اختص بما هو عليه بتقدير العزيز العليم.

وسادسها: أن الفلك الممثل إذا انفصل عنه الفلك الخارج المركز بقي متممان: أحدهما: من الخارج، والآخر: من الداخل، وأنه جرم متشابه الطبيعة، ثم اختص أحد جوانبهما بغاية الثخن، والآخر بغاية الرقة بالنسبة، وإذا كان كذلك وجب أن يكون نسبة ذلك الثخن والرقة إلى طبيعته على السوية، فاختصاص أحد جانبيه بالرقة والآخر بالثخن، لابد وأن يكون بتخصيص المخصص المختار.

وسابعها: أنها مختلفة في جهات الحركات، فبعضها من المشرق إلى المغرب، وبعضها من المغرب إلى المشرق، وبعضها شمالية، وبعضها جنوبية، مع أن جميع الجهات بالنسبة إليها على السوية، فلابد من الإفتقار إلى المدبر.

وثامنها: أنا نراها الآن متحركة ومحال أن يقال إنها كانت أزلاً متحركة، أو ما كانت متحركة، ثم ابتدأت بالحركة، ومحال أن يقال: إنها كانت أزلاً متحركة لأن ماهية الحركة تقتضي المسبوقية بالغير، لأن الحركة انتقال من حالة إلى حالة والأزل ينافي المسبوقية بالغير، فالجمع بين الحركة والأزلية محال، وإن قلنا إنها ما كانت متحركة أزلاً سواء قلنا إنها كانت قبل تلك الحركة موجودة أو كانت ساكنة، أو قلنا: إنها كانت قبل تلك الحركة معدومة أصلاً، فالإبتداء بالحركة بعد عدم الحركة يقتضي الإفتقار إلى مدبر قديم سبحانه وتعالى ليحركها بعد أن كانت معدومة، أو بعد أن كانت ساكنة، وهذا المأخذ أحسن المآخذ وأقواها.

وتاسعها: أن يقال: إن حركاتها إما أن تكون من لوازم جسمانيتها المعينة، لكنا نرى جسمانياتها المعينة منفكة عن كل واحد من أجزاء تلك الحركة، فإذن كل واحد من أجزاء حركته ليس من لوازمه، فافتقرت الأفلاك في حركاتها إلى محرك من خارج، وذلك هو محرك المتحركات، ومدبر الثوابت والسيارات، وهو الحق سبحانه وتعالى.

وعاشرها: أن هذا الترتيب العجيب في تركيب هذه الأفلاك وائتلاف حركاتها أترى أنها مبنية على حكمة، أم هي واقعة بالجزاف والعبث؟

أما القسم الثاني: فباطل وبعيد عن العقل، فإن جوز في بناء رفيع، وقصر مشيد أن التراب والماء انضم أحدهما إلى الآخر، ثم تولد منهما لبنات، ثم تركبها قصر مشيد وبناء عال، فإنه يقضي عليه بالجنون، ونحن نعلم أن تركيب هذه الأفلاك وما فيها من الكواكب، وما لها من الحركات ليس أقل من ذلك البناء، فثبت أنه لابد فيها م <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ﴾ واعتقابهما لأنّ كلّ واحد منهما يعقب الآخر، كقوله: ﴿ جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً ﴾ [الفرقان: 62] ﴿ بِمَا يَنفَعُ الناس ﴾ بالذي ينفعهم مما يحمل فيها أو ينفع الناس.

فإن قلت: قوله: ﴿ وَبَثَّ فِيهَا ﴾ عطف على أنزل أم أحيا؟

قلت: الظاهر أنه عطف على أنزل داخل تحت حكم الصلة، لأنّ قوله: (فأحيا به الأرض) عطف على أنزل، فاتصل به وصارا جميعاً كالشيء الواحد، فكأنه قيل: وما أنزل في الأرض من ماء وبثّ فيها من كل دابة.

ويجوز عطفه على أحيا على معنى فأحيا بالمطر الأرض وبثّ فيها من كل دابة؛ لأنهم ينمون بالخصب ويعيشون بالحيا.

﴿ وَتَصْرِيفِ الرياح ﴾ في مهابها: قبولاً، ودبوراً، وجنوباً، وشمالاً.

وفي أحوالها: حارّة، وباردة، وعاصفة، ولينة.

وعقماً، ولواقح.

وقيل تارة بالرحمة، وتارة بالعذاب ﴿ والسحاب المسخر ﴾ سخر للرياح تقلبه في الجو بمشيئة الله يمطر حيث شاء ﴿ لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون، لأنها دلائل على عظيم القدرة وباهر الحكمة.

وعن النبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ويل لمن قرأ هذه الآية فمجّ بها» أي لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها.

وقرئ: ﴿ الفُلُك ﴾ بضمتين، ﴿ وتصريف الريح ﴾ ، على الإفراد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ إنَّما جَمَعَ السَّماواتِ وأفْرَدَ الأرْضَ، لِأنَّها طَبَقاتٌ مُتَفاصِلَةٌ بِالذّاتِ مُخْتَلِفَةٌ بِالحَقِيقَةِ بِخِلافِ الأرْضِينَ.

واخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ تَعاقُبُهُما كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً ﴾ .

﴿ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ ﴾ أيْ بِنَفْعِهِمْ، أوْ بِالَّذِي يَنْفَعُهُمْ، والقَصْدِ بِهِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالبَحْرِ وأحْوالِهِ، وتَخْصِيصِ الفُلْكِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ سَبَبُ الخَوْضِ فِيهِ والِاطِّلاعِ عَلى عَجائِبِهِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَهُ عَلى ذِكْرِ المَطَرِ والسَّحابِ، لِأنَّ مَنشَأهُما البَحْرُ في غالِبِ الأمْرِ، وتَأْنِيثُ الفُلْكِ لِأنَّهُ بِمَعْنى السَّفِينَةِ.

وَقُرِئَ بِضَمَّتَيْنِ عَلى الأصْلِ أوِ الجَمْعِ وضَمَّةُ الجَمْعِ غَيْرُ ضَمَّةِ الواحِدِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ.

﴿ وَما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ ﴾ مِنَ الأُولى لِلِابْتِداءِ، والثّانِيَةُ لِلْبَيانِ.

والسَّماءُ يَحْتَمِلُ الفَلَكَ والسَّحابَ وُجْهَةُ العُلُوِّ.

﴿ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ بِالنَّباتِ ﴿ وَبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى أنْزَلَ، كَأنَّهُ اسْتَدَلَّ بِنُزُولِ المَطَرِ وتَكْوِينِ النَّباتِ بِهِ وبَثِّ الحَيَواناتِ في الأرْضِ، أوْ عَلى أحْيا فَإنَّ الدَّوابَّ يَنْمُونَ بِالخِصْبِ ويَعِيشُونَ بِالحَياةِ.

والبَثُّ النَّشْرُ والتَّفْرِيقُ.

وتَصْرِيفُ الرِّياحِ في مَهابِّها وأحْوالِها، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى الإفْرادِ.

﴿ والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ ﴾ لا يَنْزِلُ ولا يَنْقَشِعُ، مَعَ أنَّ الطَّبْعَ يَقْتَضِي أحَدَهُما حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى.

وَقِيلَ: مُسَخَّرُ الرِّياحِ تَقَلُّبُهُ في الجَوِّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، واشْتِقاقُهُ مِنَ السَّحْبِ لِأنَّ بَعْضَهُ يَجُرُّ بَعْضًا.

﴿ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ يَتَفَكَّرُونَ فِيها ويَنْظُرُونَ إلَيْها بِعُيُونِ عُقُولِهِمْ، وعَنْهُ  «وَيْلٌ لِمَن قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَمَجَّ بِها» أيْ لَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها.

واعْلَمْ أنَّ دَلالَةَ هَذِهِ الآياتِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ ووَحْدَتِهِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ يَطُولُ شَرْحُها مُفَصَّلًا، والكَلامُ المُجْمَلُ أنَّها: أُمُورٌ مُمْكِنَةٌ وُجِدَ كُلٌّ مِنها بِوَجْهٍ مَخْصُوصٍ مِن وُجُوهٍ مُحْتَمَلَةٍ، وأنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، إذْ كانَ مِنَ الجائِزِ مَثَلًا أنْ لا تَتَحَرَّكَ السَّماواتُ، أوْ بَعْضُها كالأرْضِ وأنْ تَتَحَرَّكَ بِعَكْسِ حَرَكاتِها، وبِحَيْثُ تَصِيرُ المِنطَقَةُ دائِرَةً مارَّةً بِالقُطْبَيْنِ، وأنْ لا يَكُونَ لَها أوْجٌ وحَضِيضٌ أصْلًا، وعَلى هَذا الوَجْهِ لِبَساطَتِها وتَساوِي أجْزائِها، فَلا بُدَّ لَها مِن مُوجِدٍ قادِرٍ حَكِيمٍ، يُوجِدُها عَلى ما تَسْتَدْعِيهِ حِكْمَتُهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، مُتَعالِيًا عَنْ مُعارَضَةِ غَيْرِهِ.

إذْ لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ يَقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ الآخَرُ.

فَإنْ تَوافَقَتْ إرادَتُهُما: فالفِعْلُ إنْ كانَ لَهُما، لَزِمَ اجْتِماعُ مُؤَثِّرَيْنِ عَلى أثَرٍ واحِدٍ، وإنْ كانَ لِأحَدِهِما، لَزِمَ تَرْجِيحُ الفاعِلِ بِلا مُرَجِّحٍ وجَزُّ الآخَرِ المُنافِي لِآلِهِيَّتِهِ.

وإنِ اخْتَلَفَتْ: لَزِمَ التَّمانُعُ والتَّطارُدُ، كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا ﴾ .

وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى شَرَفِ عِلْمِ الكَلامِ وأهْلِهِ، وحَثَّ عَلى البَحْثِ والنَّظَرِ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)

ولما عجب المشركون من إله واحد وطلبوا آية على ذلك نزل {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار} في اللون والطول والقصر وتعاقبهما فى الذهاب والمجئ {والفلك التى تَجْرِى فِى البحر بِمَا يَنفَعُ الناس} بالذي ينفعهم مما يحمل فيها أو بنفع الناس ومن في {وَمَا أَنزَلَ الله مِنَ السماء} لابتداء الغاية وفى {من ماء} مطر ومن لبيان الجنس لأن ما ينزل من السماء مطر وغيره ثم عطف على أنزل {فَأَحْيَا بِهِ} بالماء {الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا} يبسها ثم عطف على فأحيا {وَبَثَّ} وفرق {فِيهَا} في الأرض {مِن كُلِّ دَابَّةٍ} هي كل ما يدب {وَتَصْرِيفِ الرياح} الريح حمزة وعلي أي وتقليبها في مهابها قبولاً ودبوراً وجنوباً وشمالاً وفي أحوالها حارة وباردة وعاصفة ولينة وعقماً ولواقح وقيل تارة بالرحمة وطوراً بالعذاب {والسحاب المسخر} المذلل المنقاد لمشيئة الله تعالى فيمطر حيث شاء {بَيْنَ السماء والأرض} في الهواء {لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ينظرون بعيون عقولهم

ويعتبرون فيستدلون بهذه الأشياء على قدرة موجدها وحكمة مبدعها ووحدانية منشئها وفي الحديث ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها أي لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ : أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الضُّحى - مَعْضَلًا-: «أنَّهُ كانَ لِلْمُشْرِكِينَ حَوْلَ الكَعْبَةِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا، فَلَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ تَعَجَّبُوا، وقالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَأْتِ بِآيَةٍ نَعْرِفُ بِها صِدْقَكَ، فَنَزَلَتْ».

ولِفِرْطِ جَهْلِهِمْ لَمْ يَكَفِهِمُ الحُجَّةُ الإجْمالِيَّةُ المُشِيرُ إلَيْها الوَصْفانِ، وإنَّما جَمَعَ ( السَّماواتِ ) وأفْرَدَ ( الأرْضَ ) لِلِانْتِفاعِ بِجَمِيعِ أجْزاءِ الأُولى بِاعْتِبارِ ما فِيها مِن نُورِ كَواكِبِها وغَيْرِهِ دُونَ الثّانِيَةِ، فَإنَّهُ إنَّما يُنْتَفَعُ بِواحِدَةٍ مِن آحادِها، وهي ما نُشاهِدُهُ مِنها.

وقالَ أبُو حَيّانَ: لَمْ تُجْمَعِ ( الأرْضُ )؛ لِأنَّ جَمْعَها ثَقِيلٌ، وهو مُخالِفٌ لِلْقِياسِ، ورُبَّ مُفْرَدٍ لَمْ يَقَعْ في القُرْآنِ جَمْعُهُ لِثِقْلِهِ وخِفَّةِ المُفْرَدِ، وجَمْعٍ لَمْ يَقَعْ مُفْرَدُهُ كالألْبابِ، وفي المَثَلِ السّائِرِ نَحْوُهُ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: جَمَعَ ( السَّمَواتِ )؛ لِأنَّها طَبَقاتٌ مُمْتازَةٌ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الأُخْرى بِذاتِها الشَّخْصِيَّةِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ﴾ سَواءٌ كانَتْ مُتَماسَّةً، كَما هو رَأْيُ الحَكِيمِ أوْ لا، كَما جاءَ فِي الآثارِ: أنَّ بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، مُخْتَلِفَةُ الحَقِيقَةِ لِما أنَّ الِاخْتِلافَ في الآثارِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ، ولَمْ يَجْمَعِ ( الأرْضَ )؛ لِأنَّ طَبَقاتِها لَيْسَتْ مُتَّصِفَةً بِجَمِيعِ ذَلِكَ، فَإنَّها سَواءٌ كانَتْ مُتَفاصِلَةً بِذَواتِها، كَما ورَدَ في الأحادِيثِ مِن أنَّ: «بَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ كَما بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ» أوْ لا تَكُونُ مُتَفاصِلَةً - كَما هو رَأْيُ الحَكِيمِ - غَيْرُ مُخْتَلِفَةٍ في الحَقِيقَةِ اتِّفاقًا.

﴿ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ أيْ: تَعاقُبُهُما وكَوْنُ كُلٍّ مِنهُما خَلَفًا لِلْآخَرِ، أوْ اختلاف كُلٍّ مِنهُما في أنْفُسِهِما ازْدِيادًا وانْتِقاصًا، أوْ ظُلْمَةً ونُورًا، وقَدَّمَ اللَّيْل لِسَبْقِهِ في الخَلْقِ أوْ لِشَرَفِهِ.

﴿ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( خَلْقِ السَّمَواتِ ) لا عَلى السَّمَواتِ أوْ عَطْفٌ عَلى ( اللَّيْلِ والنَّهارِ )، والفَلَكِ مِنَ الألْفاظِ الَّتِي اسْتُعْمِلَتْ مُفْرَدًا وجَمْعًا، وقُدِّرَ بَيْنَهُما تَغايُرٌ اعْتِبارِيٌّ، فَإنِ اعْتُبِرَ أنَّ ضَمَّتَهُ أصْلِيَّةٌ كَضَمَّةِ ( قُفْلٍ ) فَمُفْرَدٌ، وإنِ اعْتُبِرَ أنَّها عارِضَةٌ كَضَمَّةِ ( أُسْدٍ ) فَجَمْعٌ، ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ ﴾ ومِنَ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ جَمَعَ ( فَلْكٍ ) بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ اللّامِ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ قُرِئَ ( فُلُكٌ ) بِضَمَّتَيْنِ، وهو عِنْدَ بَعْضٍ مُفْرَدٌ لا غَيْرَ.

وقالَ الكَواشِيُّ: الفَلَكُ والفُلُكُ ( بِضَمَّتَيْنِ ) لُغَتانِ الواحِدُ والجَمْعُ سَواءٌ في اللَّفْظِ، ويُعَرِّفُ ذَلِكَ بِجَمْعِ ضَمِيرِ فِعْلِهِما وإفْرادِهِ.

﴿ بِما يَنْفَعُ النّاسَ ﴾ ( ما ) إمّا مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: بِنَفْعِهِمْ، أوْ مَوْصُولَةٌ؛ أيْ: بِالَّذِي يَنْفَعُهُمْ، وعَلى الأوَّلِ ضَمِيرُ الفاعِلِ إمّا لِلْفُلْكِ؛ لِأنَّهُ مُذَكَّرُ اللَّفْظِ مُؤَنَّثُ المَعْنى، كَما قِيلَ: ( أوْ ) لِلْجَرْيِ، ( أوْ ) لِلْبَحْرِ، واحْتِمالُ كَوْنِها مَوْصُوفَةً لا يُلائِمُهُ مَقامُ الِاسْتِدْلالِ.

﴿ وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنَ ماءٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى الفُلْكِ قِيلَ: وتَأْخِيرُهُ عَنْ ذِكْرِها مَعَ كَوْنِهِ أعَمَّ مِنها نَفْعًا لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ تَفْضِيلٍ، وقِيلَ: المَقْصُودُ مِنَ الأوَّلِ الِاسْتِدْلالُ بِـ ( البَحْر ) وأحْوالِهِ لا بِـ الفَلَك الجارِي فِيهِ؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِذَلِكَ إمّا بِصَنْعَتِهِ عَلى وجْهٍ يُجْرِي في الماءِ، أوِ العِلْمِ بِكَيْفِيَّةِ إجْرائِهِ، أوْ بِتَسْخِيرِ الرِّيحِ والبَحْرِ لِذَلِكَ، أوْ تَوَسُّلِهِ إلى ﴿ ما يَنْفَعُ النّاسَ ﴾ وشَيْءٌ مِنها لَيْسَ مِن حالِهِ في نَفْسِهِ، ولِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالفُلْكِ الجارِي في البَحْرِ اسْتِدْلالٌ بِحالٍ مِن أحْوالِ البَحْرِ بِخِلافِ ما لَوِ اسْتُدِلَّ بِـ البَحْر وجَمِيعِ أحْوالِهِ فَإنَّهُ أعَمُّ وألْيَقُ بِالمَقامِ، إلّا أنَّهُ خَصَّ الفَلَكَ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى المَقامِ حِينَئِذٍ أنْ يُقالَ: والعَجائِبُ الَّتِي في البَحْرِ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ الِاطِّلاعِ عَلى أحْوالِهِ وعَجائِبِهِ، فَكانَ ذِكْرُهُ ذِكْرًا لِجَمِيعِ أحْوالِهِ، وطَرِيقًا إلى العِلْمِ بِوُجُوهِ دَلالَتِهِ، ولِذَلِكَ قُدِّمَ عَلى ذِكْرِ المَطَرِ والسَّحابِ؛ لِأنَّ مَنشَأهُما البَحْرُ في غالِبِ الأمْرِ، وإلّا فالمُناسِبُ بَعْدَ ذِكْرِ اختلاف اللَّيْل والنَّهار الَّذِي هو مِنَ الآياتِ العُلْوِيَّةِ ذِكْرُ ( المَطَرِ والسَّحابِ ) اللَّذَيْنِ هُما مِن كائِناتِ الجَوِّ، وعَدَمُ نَظْمِ الفَلَك في البَيْنِ لِكَوْنِها مِنَ الآياتِ السُّفْلِيَّةِ.

وعِنْدِي أنَّ هَذا خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا - وإنَّ جُلَّ قائِلِهِ -؛ إذْ يُؤَوَّلُ المَعْنى إلى: ( والبَحْرِ الَّذِي تَجْرِي فِيهِ الفُلْكُ بِما يَنْفَعُ النّاسَ ) وهو قَلْبٌ لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ بِغَيْرِ داعٍ إلَيْهِ، ولا دَلِيلَ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وأيُّ مانِعٍ مِن كَوْنِ الِاسْتِدْلالِ بِاخْتِلافِ الفُلْكِ وذَهابِها مَرَّةً كَذا ومَرَّةً كَذا عَلى حَسَبِ ما تُحَرِّكُها المَقادِيرُ الإلَهِيَّةُ، أوْ بِالفُلْكِ الجارِيَةِ في البَحْرِ مِن حَيْثُ إنَّها جارِيَةٌ فِيهِ مُوَقَّرَةٌ مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً، مُتَعَلِّقَةً بِحِبالِ الهَواءِ عَلى لُطْفِهِ، وكَثافَتِها لا تُرَسَّبَ إلى قاعِ البَحْرِ مَعَ تَلاطُمِ أمْواجِهِ واضْطِرابِ لُجَجِهِ، وكَوْنُ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لَيْسَ حالًا لَها في نَفْسِها غَيْرَ مُسَلَّمٍ، ووَجْهُ التَّرْتِيبَ عَلى ما أرى أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ أوَّلًا خَلْقَ أمْرَيْنِ عُلْوِيٍّ وسُفْلِيٍّ، واخْتِلافَ شَيْئَيْنِ بِمَدْخَلِيَّةِ أمْرَيْنِ سَماوِيٍّ وأرْضِيٍّ، ( ثانِيًا ): إذْ تَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أوِ اخْتِلافُهُما ازْدِيادًا وانْتِقاصًا، أوْ ظُلْمَةً ونُورًا، إنَّما هو بِمَدْخَلِيَّةِ سَيْرِ الفُلْكِ وحَيْلُولَةِ جِرْمِ الأرْضِ عَلى كَيْفِيَّتَيْنِ مَخْصُوصَتَيْنِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِما يُشْبِهُ آيَتَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ السّابِحُ كُلٌّ مِنهُما في لُجَّةِ بِحْرِ فَلَكِهِ، الدَّوّارُ المُسَخَّرُ بِالجَرَيانِ فِيهِ ذَهابًا وإيابًا ﴿ بِما يَنْفَعُ النّاسَ ﴾ في أمْرِ مَعاشِهِمْ وانْتِظامِ أحْوالِهِمْ، وهو الفُلْكُ الَّتِي تَجْرِي عَلى كَبِدِ البَحْر بِذَلِكَ، ويَخْتَلِفُ جَرَيانُها شَرْقًا وغَرْبًا عَلى حَسَبِ تَسْلِيكِ المَقادِيرِ الإلَهِيَّةِ في هاتِيكَ المَسالِكِ، فالآيَةُ حِينَئِذٍ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ ﴾ ﴿ والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴾ ﴿ والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ ﴾ ﴿ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ ﴿ وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ ﴾ إلّا أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ أنَّ الآيَتَيْنِ في الثّانِيَةِ ذُكِرَتا مُتَوَسِّطَتَيْنِ صَرِيحًا بَيْنَ حَدِيثِ الفُلْكِ وشَأْنِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وفي الأُولى تَقَدَّمَ ما يُشْعِرُ بِهِما ويُشِيرُ إلَيْهِما، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِما يَشْتَرِكُ فِيهِ العالَمُ العُلْوِيُّ والعالَمُ السُّفْلِيُّ، ولَهُ مُناسَبَةٌ لِذِكْرِ البَحْرِ بَلْ ولِذِكْرِ الفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِيهِ بِما يَنْفَعُ النّاس وهو إنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ، ونَشْرُ ما كانَ دَفِينًا في الأرْضِ بِالأحْياءِ، وفي ذَلِكَ النَّفْعِ التّامِّ والفَضْلِ العامِّ.

ومِنَ الأُولى ابْتِدائِيَّةٌ والثّانِيَةُ بَيانِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةَ، وأنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الأُولى، والمُرادُ مِنَ السَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ.

﴿ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ ﴾ بِتَهْيِيجِ قُواها النّامِيَةِ، وإظْهارِ ما أوْدَعَ فِيها مِن أنْواعِ النَّباتِ والأزْهارِ والأشْجارِ ﴿ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ وعَدَمُ ظُهُورِ ذَلِكَ فِيها لِاسْتِيلاءِ اليُبُوسَةِ عَلَيْها حَسْبَما تَقْتَضِيهِ طَبِيعَتُها، ﴿ وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ ﴾ عَطْفٌ إمّا عَلى ( أنْزَلَ ) والجامِعُ كَوْنُ كُلٍّ مِنهُما آيَةً مُسْتَقِلَّةً لِوَحْدانِيَّتِهِ - تَعالى - وهو الغَرَضُ المَسُوقُ لَهُ الكَلامُ مَعَ الِاشْتِراكِ في الفاعِلِ، وأحْيا مِن تَتِمَّةِ الأوَّلِ كانَ الِاسْتِدْلالُ بِالإنْزالِ المُسَبَّبِ عَنْهُ الأحْياءُ، فَلا يَكُونُ الفَصْلُ بِهِ مانِعًا لِلْعَطْفِ، إمّا عَلى أحْيا فَيَدْخُلُ تَحْتَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ، وسَبَبِيَّةُ إنْزالِ الماءِ لِلْبَثِّ بِاعْتِبارِ أنَّ الماءَ سَبَبُ حَياةِ المَواشِي والدَّوابِّ، والبَثُّ فَرْعُ الحَياةِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ الضَّمِيرِ لِلرَّبْطِ لِإغْناءِ فاءِ السَّبَبِيَّةِ عَنْهُ في المَشْهُورِ، وقِيلَ: يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ بِهِ- أيْ بِالماءِ- لِيُشْعِرَ بِارْتِباطِهِ بِـ أنْزَل اسْتِقْلالًا كَـ أحْيا وفاءُ السَّبَبِيَّةِ لا تَكْفِي في ذَلِكَ؛ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ مَجْمُوعَهُما، وحَيْثُ أنَّ المَجْرُورَ إنَّما يُحْذَفُ إنْ جُرَّ المَوْصُولُ بِمِثْلِهِ أكْثَرِيٌّ لا كُلِّيٌّ، ومِن بَيانِيَّةٌ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ عَلى الصَّحِيحِ، والمُرادُ ﴿ مِن كُلِّ دابَّةٍ ﴾ كُلُ نَوْعٍ مِنَ الدَّوابِّ، ومَعْنى ( بَثِّها ) تَكْثِيرُها بِالتَّوالُدِ والتَّوَلُّدِ، فالِاسْتِدْلالُ بِتَكْثِيرِ كُلِّ نَوْعٍ مِمّا يَدِبُّ عَلى الأرْضِ وعَدَمِ انْحِصارِهِ في البَعْضِ، وقِيلَ: تَبْعِيضِيَّةٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ - تَعالى - لَمْ يَبُثَّ إلّا بَعْضَ الأفْرادِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما في قُدْرَتِهِ، عَلى أنَّهُ أثْبَتَ الزَّمَخْشَرِيُّ دَوابَّ في السَّماءِ أيْضًا في سُورَةِ ﴿ حم ﴾ ﴿ عسق ﴾ ، وفِيهِ أنَّ بَثَّ كُلِّ نَوْعٍ مِمّا يَدِبُّ عَلى الأرْضِ لا يُنافِي كَوْنَ بَعْضِ أفْرادِهِ مُقَدَّرًا ولا وُجُودَهُ في السَّماءِ، عَلى أنَّ مَدْلُولَ التَّبْعِيضِيَّةِ كَوْنُ شَيْءٍ جُزْءًا مِن مَدْخُولِها لا فَرْدًا مِنهُ، وزائِدَةٌ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي لِعَدَمِ تَقَدُّمِ المُبِينِ، وعَدَمِ صِحَّةِ التَّبْعِيضِ، وهي زِيادَةٌ في الإثْباتِ لَمْ يُجَوِّزْها سِوى الأخْفَشِ.

﴿ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ ﴾ أيْ: تَقْلِيبُ اللَّهِ - تَعالى - لَها جَنُوبًا وشَمالًا وقَبُولًا ودَبُورًا، حارَّةً وبارِدَةً وعاصِفَةً ولَيِّنَةً وعَقِيمًا ولَواقِحَ، وتارَةً بِالرَّحْمَةِ ومَرَّةً بِالعَذابِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( الرِّيحَ ) عَلى الإفْرادِ، وأُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما-: ”( الرِّياحُ ) لِلرَّحْمَةِ، و(الرِّيحُ) لِلْعَذابِ“.

ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا هَبَّتْ رِيحٌ قالَ: ”اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا“» ولَعَلَّهُ قَصَدَ بِالأوَّلِ والثّانِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ ﴾ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ ﴾ وعَقَّبَ إحْياءَ الأرْضِ بِالمَطَرِ، وبَثَّ كُلَّ دابَّةٍ فِيها بِتَصْرِيفِ الرِّياحِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ تَرْبِيَةَ النَّباتِ وبَقاءَ حَياةِ الحَيَواناتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ، ولَوْ أمْسَكَ اللَّهُ - تَعالى - الرِّيحَ ساعَةَ لَأنْتَنَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كَما نَطَقَ بِهِ بَعْضُ الآثارِ.

﴿ والسَّحابِ ﴾ : عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وهو اسْمُ جِنْسٍ واحِدُهُ سَحابَةٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِانْسِحابِهِ في الجَوِّ أوْ لِجَرِّ الرِّياحِ لَهُ.

﴿ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ ﴾ صِفَةٌ ( لِلسَّحابِ ) بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، وقَدْ يُعْتَبَرُ مَعْناهُ فَيُوصَفُ بِالجَمْعِ كَـ ﴿ سَحابًا ثِقالا ﴾ ، و(بَيْنَ) ظَرْفُ لَغْوٍ مُتَعَلِّقٌ بِالمُسَخَّرِ، ومَعْنى تَسْخِيرِهِ أنَّهُ لا يَنْزِلُ ولا يَزُولُ، مَعَ أنَّ الطَّبْعَ يَقْتَضِي صُعُودَهُ إنْ كانَ لَطِيفًا وهُبُوطَهُ إنْ كانَ كَثِيفًا، وقِيلَ: الظَّرْفُ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ المُسَخَّرِ، ومُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفٌ؛ أيِ: المُسَخَّرُ لِلرِّياحِ، حَيْثُ تَقْلَبُهُ في الجَوِّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعالى -، وتَعْقِيُ تَصْرِيفِ الرِّياحِ بِالسَّحابِ؛ لِأنَّهُ كالمَعْلُولِ لِلرِّياحِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا ﴾ ، ولِأنَّ في جَعْلِهِ خَتْمَ المُتَعاطِفاتِ مُراعاةً في الجُمْلَةِ لِما بُدِئَ بِهِ مِنها؛ لِأنَّهُ أرْضِيٌّ سَماوِيٌّ، فَيَنْتَظِمُ بَدْءُ الكَلامِ وخَتْمُهُ، وبِما ذَكَرْنا عُلِمَ جِهَةُ التَّرْتِيبِ في الآيَةِ، وقالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: لَعَلَّ تَأْخِيرَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وتَسْخِيرَ السَّحابِ في الذِّكْرِ عَنْ جَرَيانِ الفُلْكِ وإنْزالِ الماءِ، مَعَ انْعِكاسِ التَّرْتِيبِ الخارِجِيِّ لِلْإشْعارِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ في كَوْنِها آيَةً، ولَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ الخارِجِيُّ لَرُبَّما تُوُهِّمَ كَوْنُ المَجْمُوعِ المُرَتَّبِ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ آيَةً واحِدَةً، ولا يَخْفى أنَّهُ يُبْعِدُ هَذا التَّوَهُّمَ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لآياتٍ ﴾ اسَمُ (إنَّ) دَخَلَتْهُ ( اللّامُ ) لِتَأخُّرِهِ عَنْ خَبَرِها والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ كَمًّا وكَيْفًا أيْ آياتٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ دالَّةٌ عَلى القُدْرَةِ القاهِرَةِ والحِكْمَةِ الباهِرَةِ والرَّحْمَةِ الواسِعَةِ المُقْتَضِيَةِ لِاخْتِصاصِ الآلِهِيَّةِ بِهِ - سُبْحانَهُ - ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ 164﴾ أيْ: يَتَفَكَّرُونَ، فالعَقْلُ مَجازٌ عَنِ التَّفَكُّرِ الَّذِي هو ثَمَرَتُهُ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمّا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: ”ويْلٌ لِمَن قَرَأها ولَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها“» وفِيها تَعْرِيضٌ بِجَعْلِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - آيَةً تُصَدِّقُهُ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِسَخافَةِ العُقُولِ، وإلّا فَمَن تَأمَّلَ في تِلْكَ الآياتِ وجَدَ كُلًّا مِنها مُشْتَمِلًا عَلى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِهِ - تَعالى - ووَحْدانِيَّتِهِ، وسائِرِ صِفاتِهِ الكَمالِيَّةِ المُوجِبَةِ لِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ - تَعالى -، واسْتَغْنى عَنْ سائِرِها، ومُجْمَلُ القَوْلِ في ذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ قَدْ وُجِدَ عَلى وجْهٍ خاصٍّ مِنَ الوُجُوهِ المُمْكِنَةِ دُونَ ما عَداهُ مُسْتَتْبِعًا لِآثارٍ مُعَيَّنَةٍ وأحْكامٍ مَخْصُوصَةٍ، مِن غَيْرِ أنْ تَقْتَضِيَ ذاتُهُ وُجُودَهُ، فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِ عَلى النَّمَطِ الكَذائِيِّ، فَإذًا لا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ لِامْتِناعِ وُجُودِ المُمْكِنِ بِلا مُوجِدٍ قادِرٍ إنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَفْعَلْ، حَكِيمٌ عالِمٌ بِحَقائِقِ الأشْياءِ وما فِيها مِنَ المَفاسِدِ والمَصالِحِ، يُوجِدُهُ حَسْبَما يَسْتَدْعِيهِ عِلْمُهُ بِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ، وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ،ُ مُتَعالٍ عَنْ مُقابَلَةِ غَيْرِهِ؛ إذْ لَوْ كانَ مَعَهُ واجِبٌ يَقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُ الحَقُّ - تَعالى - عَلَيْهِ، فَإنْ وافَقَتْ إرادَةُ كُلٍّ مِنهُما إيجادَهُ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ أرادَهُ الآخَرُ، فالتَّأْثِيرُ إنْ كانَ لِكُلٍّ مِنهُما لَزِمَ اجْتِماعُ فاعِلَيْنِ عَلى أثَرٍ واحِدٍ، وهو يَسْتَلْزِمُ اجْتِماعَ العِلَّتَيْنِ التّامَّتَيْنِ، وإنْ كانَ الفِعْلُ لِأحَدِهِما لَزِمَ تَرْجِيحُ الفاعِلِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ لِاسْتِوائِهِما في إرادَةِ إيجادِهِ عَلى الِاسْتِقْلالِ، وعَجْزُ الآخَرِ لِما أنَّ الفاعِلَ سَدَّ عَلَيْهِ إيقاعَ ما أرادَهُ، وإنِ اخْتَلَفَتِ الإرادَتانِ بِأنْ أرادَ أحَدُهُما وُجُودَهُ عَلى نَحْوٍ، وأرادَ الآخَرُ وُجُودَهُ عَلى نَحْوٍ آخَرَ، لَزِمَ التَّمانُعُ والتَّطارُدُ لِعَدَمِ المُرَجِّحِ، فَيَلْزَمُ عَجْزُهُما، والعَجْزُ مُنافٍ لِلْأُلُوهِيَّةِ بَدِيهَةً، وفي الآيَةِ إثْباتُ الِاسْتِدْلالِ بِالحُجَجِ العَقْلِيَّةِ، وتَنْبِيهٌ عَلى شَرَفِ عِلْمِ الكَلامِ وفَضْلِ أهْلِهِ، ورُبَّما أشارَتْ إلى شَرَفِ عِلْمِ الهَيْئَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

لما نزلت هذه الآية، أنكر المشركون توحيد الله تعالى، وطلبوا منه دليلاً على إثبات وحدانيته فنزلت هذه الآية إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، يعني في خلق السموات والأرض دليل على وحدانية الله في أنه خلقها بغير عمد ترونها وزينها بمصابيح، والأرض بسطها أيضاً وجعل لها أوتاداً وهي الجبال وفجر فيها الأنهار وجعل فيها البحار.

وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، يعني في مجيء الليل وذهاب النهار، ومجيء النهار وذهاب الليل.

ويقال: اختلافهما في الكون.

ويقال: نقصان الليل وتمام النهار، ونقصان النهار وتمام الليل.

وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ.

يعني السفن.

ويقال للسفينة الواحدة: الفلك ولجماعة السفن: الفلك.

يعني السفن التي تسير في البحر، فتقبل مرة وتدبر مرة بريح واحدة فتسير في البحر بِما يَنْفَعُ النَّاسَ من الكسب والتجارة وغير ذلك.

وقوله: وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ، يعني المطر الذي ينزل من السماء، فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أي اخضرت الأرض بعد يبسها وَبَثَّ فِيها، يقول: خلق في الأرض مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ قرأ حمزة والكسائي: الريح بغير ألف والباقون: الرِّياحِ بالألف.

واختار أبو عبيدة في قراءته: أن كلّ ما في القرآن من ذكر العذاب الريح بغير ألف، وكل ما في القرآن من ذكر الرحمة: الرياح بالألف، واحتج بما روى أنس-  - عن النبيّ  أنه كان إذا هاجت الريح قال: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رياحا ولا تجعلها ريحا» .

ومعنى قوله تعالى وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ أي هبوب الريح مرة جنوباً ومرة شمالاً ومرة صباً ومرة دبوراً.

قوله تعالى: وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ، أي المذلل والمطوع، بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، أي في هذه الأشياء التي ذكر في هذه الآية، آيات لوحدانيته لمن كان له عقل وتمييز.

ويقال: هذه الآية تجمع أصول التوحيد، وقد بيّن فيها دلائل وحدانيته، لأن الأمر لو كان بتدبير اثنين مختلفين في التدبير، لفسد الأمر باختلافهما.

كما قال تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: 22] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الأجزاء، كأنها جسمٌ واحدٌ، وريح الرحمة لينة تجيء من هاهنا وهاهنا متقطِّعة، فلذلك يقال هي رياحٌ، وهو معنى نشر، وأفردت مع الفلك لأن ريح إِجراء السُّفُن، إنما هي واحدةٌ متصلة، ثم وصفت بالطِّيبِ، فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب، وهي لفظة من ذوات الواوِ، يقال: رِيحٌ، وأَرْوَاحٌ، ولا يقال: «أَرْيَاحٌ» ، وإِنما يقال: رِيَاحٌ من جِهة الكَسْرة، وطلب تناسب الياء معها، وقد لُحِّن في هذه اللفظة عُمَارَةُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ بِلاَلِ بْنِ جَرِيرٍ «١» ، فاستعمل «الأَرْيَاحَ» في شعره، ولُحِّنَ في ذلك، وقال له أبو حَاتِمٍ «٢» : إِنَّ الأرياحَ لا يجوزُ، فقال: أما تَسْمَعُ قولهم: رِيَاح، فقال أبو حَاتِمٍ: هذا خلافُ ذلك، فقال: صدَقْتَ، ورَجَع.

وَالسَّحابِ: جمع سحابَةٍ، سمي بذلك لأنه ينسحبُ، وتسخيره بعثه من مكانٍ إلى آخر، فهذه آيات.

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)

وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً ...

الآية: النّدّ: النظير،

والمقاوم، قال مجاهد، وقتادة: المراد بالأنداد: الأوثانُ «١» كَحُبِّ اللَّهِ، أي: كحبِّكم للَّه، أو كحبِّهم حسبما قَدَّر كلَّ وجه منْها فرقةٌ، ومعنى: كَحُبِّهِمْ، أي: يسوُّون بين محبَّة اللَّه، ومحبَّة الأوثان، ثم أخبر أن المؤمنين أشدُّ حبًّا للَّه، لإِخلاصهم، وتيقُّنهم الحق.

وقوله تعالى: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا، أي: ولو ترى، يا محمَّد، الذين ظلموا في حال رؤيتهمُ العذابَ، وفزعهم منْه، واستعظامِهِمْ له، لأقرُّوا أن القوة للَّه، أو لعلمتَ أنَّ القوَّة للَّه جميعاً، فجواب «لَوْ» : مضمَرٌ على التقديرين «٢» ، وقد كان النبيّ صلّى الله عليه وسلم/ علم

ذَلِكَ، ولكنْ خوطبَ، والمرادُ أمته.

وقرأ حمزةُ وغيره «١» بالياء، أي: ولو يرى في الدنيا الذين ظلموا حالَهُمْ في الآخرة، إِذ يرون العذاب، لعلموا أن القوة لله.

والَّذِينَ اتُّبِعُوا بفتح التاء والباء: هم العَبَدة لغير اللَّه الضالُّون المقلِّدون لرؤسائهم، أو للشياطينِ، وتبرِّيهم هو بأنْ قالوا إِنا لم نضلَّ هؤلاء، بل كفروا بإرادتهم.

والسَّبَبُ في اللغة: الحبلُ الرابط الموصِّل، فيقال في كلِّ ما يتمسَّك به فَيَصِلُ بين شيئين، وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا، أي: الأتباع.

والكَرَّة: العودة إِلى حال قد كانَتْ كذلك، يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ ...

الآيةَ: يحتمل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ .

فِي سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ: اجْعَلْ لَنا الصَّفا ذَهَبًا إنْ كُنْتُ صادِقًا؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، حَكاهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّهم لَمّا قالُوا انْسِبْ لَنا رَبَّكَ وصِفْهُ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿ وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ قالُوا: فَأرِنا آَيَةَ ذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَعْقِلُونَ ﴾ » رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: كَيْفَ يَسَعُ النّاسَ إلَهٌ واحِدٌ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ عَطاءٌ.

فَأمّا (السَّماواتُ)؛ فَتَدُلُّ عَلى صانِعِها، إذْ هي قائِمَةٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ، وفِيها مِنَ الآَياتِ الظّاهِرَةِ، ما يَدُلُّ يَسِيرُهُ عَلى مُبْدِعِهِ، وكَذَلِكَ الأرْضُ في ظُهُورِ ثِمارِها، وتَمْهِيدِ سُهُولِها، وإرْساءِ جِبالِها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

﴿ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما حادِثٌ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وزائِلٌ بَعْدَ أنْ كانَ ﴿ والفُلْكِ ﴾ : السُّفُنُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الواحِدُ والجَمْعُ بِلَفْظٍ واحِدٍ.

وقالَ اليَزِيدِيُّ: واحِدُهُ فَلْكَةٌ، ويُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الفُلْكُ: السُّفُنُ، ويَكُونُ واحِدًا، ويَكُونُ جَمْعًا، لِأنَّ فَعَلَ، وفُعُلَ جَمْعُهُما واحِدٌ، ويَأْتِيانِ كَثِيرًا بِمَعْنًى واحِدٍ.

يُقالُ: العَجَمُ والعُجُمُ: والعُرُبُ والعَرَبُ، والفُلْكُ والفَلَكُ.

والفُلْكُ: يُقالُ: لِكُلِّ شَيْءٍ مُسْتَدِيرٌ، أوْ فِيهِ اسْتِدارَةٌ.

و ﴿ البَحْرِ ﴾ : الماءُ العُزَيْرُ ﴿ بِما يَنْفَعُ النّاسَ ﴾ مِنَ المَعايِشِ.

﴿ وَما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنَ ماءٍ ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ، والمَطَرُ يَنْزِلُ عَلى مَعْنًى واحِدٍ، وأجْزاءُ الأرْضِ والهَواءِ عَلى مَعْنًى واحِدٍ، والأنْواعُ تَخْتَلِفُ في النَّباتِ والطُّعُومِ الألْوانِ والأشْكالِ المُخْتَلِفاتِ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى مَن قالَ: إنَّهُ مِن فِعْلِ الطَّبِيعَةِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَتَّفِقَ مُوجِبُها، إذِ المُتَّفِقُ لا يُوجِبُ المُخْتَلِفَ، وقَدْ أشارَ سُبْحانَهُ إلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَثَّ ﴾ أيْ: فَرَّقَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (الرِّياحِ) عَلى الجَمْعِ في خَمْسَةِ مَواضِعَ: هاهُنا.

وُفي [ الحِجْرِ: ٢٢ ] وأرْسَلَنا الرِّياح لِواقِح وفي [ الكَهْفِ: ٤٦ ] تَذْرُوهُ الرِّياحُ وفي [ الرُّومِ: ٤٦ ] الحَرْفُ الأوَّلُ (الرِّياحُ) .

وُفي [ الجاثِيَةِ: ٤ ] وتَصْرِيف الرِّياحِ، وقَرَأ باقِيَ القُرْآَنِ (الرِّيحُ) .

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (الرِّياحَ) في خَمْسَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا في البَقَرَةِ، وفي [ الأعْرافِ: ٥٦ ] يُرْسِلُ الرِّياح، وفي [ إبْراهِيمَ: ١٨ ] اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّياحُ، وفي [ الحِجْرِ: ٢٢ ] الرِّياح لَواقِح، وفي [ سُبْحانَ: ١٩ ]، وفي [ الكَهْفِ: ٤٥ ] تَذْرُوهُ الرِّياحُ وفي [ الأنْبِياءِ: ٨١ ] .

وَفِي [ الفُرْقانِ: ٤٨ ] أرْسَلَ الرِّياح، وفي النَّمْلِ.

والثّانِي: مِنَ [ الرُّومِ: ٤٨ ]، وفي [ سَبَإٍ: ١٢ ]، وفي [ ص: ٣٦ ]، وفي [ عسق: ٣٣ ] يَسْكُنُ الرِّياح وفي [ الجاثِيَةِ: ٥ ] وتَصْرِيف الرِّياحِ تابِعَهُ نافِعٌ إلّا في سُبْحانَ، ورِياحُ سُلَيْمانَ [ الأنْبِياءِ: ٨١ ] وتابَعَ نافِعًا أبُو عَمْرٍو إلّا في حَرْفَيْنِ: (الرِّيحِ) في إبْراهِيمَ، وعسق، ووافَقَ أبا عَمْرٍو، وعاصِمًا، وابْنَ عامِرٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ (الرِّياحَ) جَمْعًا في مَوْضِعَيْنِ: في الفُرْقانِ، والحَرْفِ الأوَّلِ مِنَ الرُّومِ، وباقِيهِنَّ عَلى التَّوْحِيدِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ مِثْلَ حَمْزَةَ، إلّا إنَّهُ زادَ عَلَيْهِ في [ الحِجْرِ: ٢٢ ] الرِّياح لَواقِح ولَمْ يَخْتَلِفُوا فِيما لَيْسَ فِيهِ ألِفٌ ولامٌ، فَمَن جَمَعَ؛ فَكُلُّ رِيحٍ تُساوِي أُخْتَها في الدَّلالَةِ عَلى التَّوْحِيدِ والنَّفْعِ، ومَن وحَّدَ؛ أرادَ الجِنْسَ.

وَمَعْنى تَصْرِيفِ الرِّياحِ: تَقَلُّبُها شَمالًا مَرَّةً، وجَنُوبًا مَرَّةً، ودُبُورًا أُخْرى، وصِبًا أُخْرى، وعَذابًا ورَحْمَةً ﴿ والسَّحابِ المُسَخَّرِ ﴾ : المُذَلَّلُ.

والآَيَةُ فِيهِ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ، ابْتِداءُ كَوْنِهِ، وانْتِهاءُ تَلاشِيهِ، وقِيامُهُ بِلا دِعامَةٍ ولا عَلاقَةٍ، وإرْسالُهُ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

لَآَياتٍ.

الآَيَةُ: العَلامَةُ.

أخْبَرْنا عَبْدُ الوَهّابِ الحافِظُ قالَ: أخْبَرْنا عاصِمٌ قالَ: أخْبَرْنا ابْنُ بِشْرانَ قالَ: أخْبَرْنا ابْنُ صَفْوانَ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي الدُّنْيا قالَ: حَدَّثَنِي هارُونُ قالَ: حَدَّثَنِي عَفّانُ عَنْ مُبارَكِ بْنِ فُضالَةَ قالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ يَقُولُ: كانُوا يَقُولُونَ، يَعْنِي: أصْحابَ النَّبِيِّ  : الحَمْدُ لِلَّهِ الرَّفِيقِ، الَّذِي لَوْ جَعَلَ هَذا الخَلْقَ خَلْقًا دائِمًا لا يَتَصَرَّفُ، لَقالَ الشّاكُّ في اللَّهِ: لَوْ كانَ لِهَذا الخَلْقِ رَبٌّ لَحادَثَهُ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ حادَثَ بِما تَرَوْنَ مِنَ الآَياتِ، أنَّهُ جاءَ بِضَوْءٍ طَبَّقَ ما بَيْنَ الخافِقِينَ، وجَعَلَ فِيها مَعاشًا، وسِراجًا وهّاجًا، ثُمَّ إذا شاءَ ذَهَبَ بِذَلِكَ الخَلْقِ، وجاءَ بِظُلْمَةٍ طَبَّقَتْ ما بَيْنَ الخافِقِينَ، وجَعَلَ فِيهِ سَكَنًا ونُجُومًا، وقَمَرًا مُنِيرًا، وإذا شاءَ بَنى بِناءً، جَعَلَ فِيهِ المَطَرَ، والبَرْقَ، والرَّعْدَ، والصَّواعِقَ، ما شاءَ، وإذا شاءَ صَرَفَ ذَلِكَ، وإذا شاءَ جاءَ بِبَرْدٍ يُقَرْقِفُ النّاسَ، وإذا شاءَ ذَهَبَ بِذَلِكَ، وجاءَ بِحَرٍّ يَأْخُذُ أنْفاسَ النّاسِ، لِيَعْلَمَ النّاسُ أنَّ لِهَذا الخَلْقِ رَبًّا يُحادِثُهُ بِما تَرَوْنَ مِنَ الآَياتِ، كَذَلِكَ إذا شاءَ ذَهَبَ بِالدُّنْيا وجاءَ بِالآَخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ ﴾ ﴿ وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهٌ إلا هو الرَحْمَنُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ الناسَ وما أنْزَلَ اللهُ مِنَ السَماءِ مِنَ ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِنَ كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِياحِ والسَحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، مُحْكَمَةٌ في الَّذِينَ وافَوْا عَلى كُفْرِهِمْ، واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ والناسِ أجْمَعِينَ ﴾ وهم لا يَلْعَنُونَ أنْفُسَهُمْ، فَقالَ قَتادَةُ، والرَبِيعُ: المُرادُ بِـ "الناسِ": المُؤْمِنُونَ خاصَّةً.

وقالَ أبُو العالِيَةِ: مَعْنى ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ أنَّ الكَفَرَةَ يَلْعَنُونَ أنْفُسَهم يَوْمَ القِيامَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ذَلِكَ أنَّ الكَفَرَةَ يَقُولُونَ في الدُنْيا: لَعَنَ اللهُ الكافِرِينَ، فَيَلْعَنُونَ أنْفُسَهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والمَلائِكَةُ والناسُ أجْمَعُونَ" بِالرَفْعِ عَلى تَقْدِيرِ: يَلْعَنُهُمُ اللهُ.

واللَعْنَةُ في هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِي العَذابَ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَعْنَةِ، وقِيلَ: عَلى النارِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِثُبُوتِها في المَعْنى، ثُمَّ أعْلَمَ تَعالى بِرَفْعِ وُجُوهِ الرِفْقِ عنهم لِأنَّ العَذابَ إذا لَمْ يُخَفَّفْ ولَمْ يُؤَخَّرْ فَهو النِهايَةُ.

و"يُنْظَرُونَ" مَعْناهُ يُؤَخَّرُونَ عَنِ العَذابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ النَظَرِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ  ﴾ والأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّ النَظَرَ بِالعَيْنِ إنَّما يُعَدّى بِإلى إلّا شاذًّا في الشِعْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهٌ إلا هُوَ ﴾ الآيَةُ إعْلامٌ بِالوَحْدانِيَّةِ، وواحِدٌ في صِفَةِ اللهِ تَعالى مَعْناهُ نَفْيُ المَثِيلِ والنَظِيرِ والنِدِّ.

وقالَ أبُو المَعالِي: هو نَفْيُ التَبْعِيضِ والِانْقِسامِ.

وقالَ عَطاءٌ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالمَدِينَةِ قالَ كَفّارُ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ: ما الدَلِيلُ عَلى هَذا؟

وما آيَتُهُ وعَلامَتُهُ؟

وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: قالُوا: «إنْ كانَ هَذا يا مُحَمَّدُ، فائْتِنا بِآيَةٍ مِن عِنْدِهِ تَكُونُ عَلامَةَ الصِدْقِ، حَتّى قالُوا: اجْعَلْ لَنا الصَفا ذَهَبًا، فَقِيلَ لَهُمْ: ذَلِكَ لَكُمْ، ولَكِنْ إنْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عُذِّبْتُمْ، فَأشْفَقَ رَسُولُ اللهِ  وقالَ: دَعْنِي أدَعْهم يَوْمًا بِيَوْمٍ، فَنَزَلَ عِنْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةُ».

ومَعْنى ﴿ فِي خَلْقِ السَماواتِ ﴾ : في اخْتِراعِها وإنْشائِها، وقِيلَ: المَعْنى أنَّ في خَلْقِهِ أيْ: هَيْئَةِ السَمَواتِ والأرْضِ.

و( اخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ ) مَعْناهُ أنَّ هَذا يُخْلِفُ هَذا، وهَذا يُخْلِفُ هَذا، فَهُما خِلْفَةٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَيْلَ والنَهارَ خِلْفَةً  ﴾ .

وكَما قالَ زُهَيْرٌ: بِها العَيْنُ والأرْآمُ يَمْشِينَ خِلْفَةً وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ وَقالَ الآخَرُ: ولَها بِالماطِرُونَ إذا ∗∗∗ أكَلَ النَمْلُ الَّذِي جَمَعا ∗∗∗ خِلْفَةً حَتّى إذا ارْتَبَعَتْ ∗∗∗ سَكَنَتْ مِن جِلَّقٍ بِيَعا ويَحْتَمِلُ أيْضًا الِاخْتِلافُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُرادَ بِهِ اخْتِلافُ الأوصافِ و"اللَيْلِ" جَمْعُ لَيْلَةٍ، وتُجْمَعُ لَيالِي، وزِيدَتْ فِيها الياءُ كَما زِيدَتْ في كَراهِيَةٍ وفَراهِيَةٍ.

والنَهارُ يُجْمَعُ نُهُرٌ وأنْهِرَةٌ، وهو مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَمْسِ، يَقْضِي بِذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ  لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: «إنَّما هو بَياضُ النَهارِ وسَوادُ اللَيْلِ»، وهَذا هو مُقْتَضى الفِقْهِ في الإيمانِ ونَحْوِها، فَأمّا عَلى ظاهِرِ اللُغَةِ وأخْذِهِ مِنَ السِعَةِ فَهو مِن وقْتِ الإسْفارِ إذا اتَّسَعَ وقْتَ النَهارِ كَما قالَ: مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها وقالَ الزَجّاجُ في كِتابِ الأنْواءِ: أوَّلُ النَهارِ ذُرُورُ الشَمْسِ، قالَ: وزَعَمَ النَضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ أنَّ أوَّلَ النَهارِ ابْتِداءُ طُلُوعِ الشَمْسِ، ولا يُعَدُّ ما قَبْلُ ذَلِكَ النَهارُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُ النَبِيِّ  هو الحُكْمُ.

و"الفُلْكِ" السُفُنُ، وإفْرادُهُ وجَمْعُهُ بِلَفْظٍ واحِدٍ، ولَيْسَتِ الحَرَكاتُ تِلْكَ بِأعْيانِها، بَلْ كَأنَّهُ بَنى الجَمْعَ بِناءً آخَرَ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ تُوَسُّطُ التَثْنِيَةِ في قَوْلِهِمْ: فَلَكانَ، والفُلْكُ المُفْرَدُ.

مُذَكَّرٌ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ  ﴾ .

و ﴿ ما يَنْفَعُ الناسَ  ﴾ هي التِجاراتُ وسائِرُ المَآرِبِ الَّتِي يَرْكَبُ لَها البَحْرَ مِن غَزْوٍ وحَجٍّ.

والنِعْمَةُ بِالفُلْكِ هي إذا انْتَفَعَ بِها، فَلِذَلِكَ خُصَّ ذِكْرُ الِانْتِفاعِ، إذْ قَدْ تَجْرِي بِما يَضُرُّ.

﴿ وَما أنْزَلَ اللهُ مِنَ السَماءِ مِنَ ماءٍ ﴾ يَعْنِي بِهِ الأمْطارَ الَّتِي بِها إنْعاشُ العالِمِ، وإخْراجُ النَباتِ والأرْزاقِ.

"وَبَثَّ" مَعْناهُ: فَرَّقَ وبَسَطَ، و"دابَّةٍ" تَجْمَعُ الحَيَوانَ كُلَّهُ، وقَدْ أخْرَجَ بَعْضُ الناسِ الطَيْرَ مِنَ الدَوابِّ، وقالَ الأعْشى: ......................................

∗∗∗ دَبِيبُ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلٍ وقالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ: ......................................

∗∗∗ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ ﴿ وَتَصْرِيفِ الرِياحِ ﴾ إرْسالُها عَقِيمًا، ومُقْحَةً، وصِرّا، ونَصْرًا، وهَلاكًا، ومِنهُ إرْسالُها جَنُوبًا وشَمالًا، وغَيْرُ ذَلِكَ.

و"الرِياحِ": جَمْعُ رِيحٍ، وجاءَتْ في القُرْآنِ: مَجْمُوعَةً مَعَ الرَحْمَةِ، مُفْرَدَةً مَعَ العَذابِ، إلّا في يُونُسَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ  ﴾ وهَذا أغْلَبُ وُقُوعِها في الكَلامِ.

وَفِي الحَدِيثِ: «كانَ رَسُولُ اللهِ  إذا هَبَّتِ الرِيحُ يَقُولُ: اللهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ رِيحَ العَذابِ شَدِيدَةٌ مُلْتَئِمَةُ الأجْزاءِ، كَأنَّها جِسْمٌ واحِدٌ، ورِيحُ الرَحْمَةِ لَيِّنَةٌ مُتَقَطِّعَةٌ، فَلِذَلِكَ هي رِياحٌ، وهو مَعْنى نُشِرَ.

وأُفْرِدَتْ مَعَ الفُلْكِ، لِأنَّ رِيحَ إجْراءِ السُفُنِ إنَّما هي واحِدَةٌ مُتَّصِلَةٌ، ثُمَّ وُصِفَتْ بِالطِيبِ، فَزالَ الِاشْتِراكُ بَيْنَها وبَيْنَ رِيحِ العَذابِ، وهي لَفْظَةٌ مِن ذَواتِ الواوِ، يُقالُ: رِيحٌ وأرْواحٌ، ولا يُقالُ: أرْياحٌ، وإنَّما قِيلَ: رِياحٌ مِن جِهَةِ الكَسْرَةِ وطَلَبِ تَناسُبِ الياءِ مَعَها.

وقَدْ لَحَنَ في هَذِهِ اللَفْظَةِ عِمارَةُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ بِلالٍ، فاسْتَعْمَلَ الأرْياحَ في شِعْرِهِ، ولَحَنَ في ذَلِكَ، وقالَ لَهُ أبُو حاتِمٍ: إنَّ الأرْياحَ لا تَجُوزُ، فَقالَ: أما تَسْمَعُ قَوْلَهم رِياحٌ؟

فَقالَ أبُو حاتِمٍ: هَذا خِلافُ ذَلِكَ، فَقالَ: صَدَقْتَ ورَجَعَ.

وأمّا القُرّاءُ السَبْعَةُ فاخْتَلَفُوا، فَقَرَأ نافِعٌ: "الرِياحُ" في اثْنَيْ عَشَرَ مَوْضِعًا هُنا، وفي الأعْرافِ: ﴿ يُرْسِلُ الرِياحَ  ﴾ ، وفي إبْراهِيمَ: ( اشْتَدَّتْ بِهِ الرِياحُ )، وفي الحِجْرِ: ﴿ الرِياحَ لَواقِحَ  ﴾ ، وفي الكَهْفِ: ﴿ تَذْرُوهُ الرِياحُ  ﴾ ، وفي الفُرْقانِ: ﴿ أرْسَلَ الرِياحَ  ﴾ ، وفي النَمْلِ: ﴿ وَمَن يُرْسِلُ الرِياحَ  ﴾ ، وفي الرُومِ في مَوْضِعَيْنِ، وفي فاطِرٍ، وفي الجاثِيَةِ، وفي عسق: ( يَسْكُنُ الرِياح )، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ مَوْضِعَيْنِ مِن هَذِهِ بِالإفْرادِ: فِي إبْراهِيمَ، وفي حم عسق، وقَرَؤُوا سائِرَها كَقِراءَةِ نافِعٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالجَمْعِ في خَمْسَةِ مَواضِعَ: هُنا، وفي الحِجْرِ، وفي الكَهْفِ، وفي الرُومِ الحَرْفَ الأوَّلَ، وفي الجاثِيَةِ: ﴿ وَتَصْرِيفِ الرِياحِ ﴾ ، وباقِي ما في القُرْآنِ بِالإفْرادِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ بِالجَمْعِ في مَوْضِعَيْنِ، في الفُرْقانِ، وفي الرُومِ الحَرْفَ الأوَّلَ، وأفْرَدَ سائِرَ ما في القُرْآنِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ كَحَمْزَةَ، وزادَ عَلَيْهِ في الحِجْرِ، ﴿ الرِياحَ لَواقِحَ  ﴾ .

ولَمْ يَخْتَلِفُوا في تَوْحِيدِ ما لَيْسَ فِيهِ ألِفٌ ولامٌ.

"والسَحابُ": جَمْعُ سَحابَةٍ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَنْسَحِبُ، كَما قالُوا: حَبا لِأنَّهُ يَحْبُو، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.

وتَسْخِيرُهُ: بَعَثَهُ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ.

فَهَذِهِ آياتُ أنَّ الصانِعَ مَوْجُودٌ، والدَلِيلُ العَقْلِيُّ يَقُومُ أنَّ الصانِعَ لِلْعالَمِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلّا واحِدًا، لِجَوازِ اخْتِلافِ الِاثْنَيْنِ فَصاعِدًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

موقع هاته الآية عقب سابقتها موقع الحجة من الدعوى، ذلك أن الله تعالى أعلن أن الإله إله واحد لا إله غيره وهي قضية من شأنها أن تُتلقى بالإنكار من كثير من الناس فناسب إقامة الحجة لمن لا يقتنع فجاء بهذه الدلائل الواضحة التي لا يسع الناظر إلاّ التسليم إليها.

فإن هنا لمجرد الاهتمام بالخبر لِلَفْت الأنظار إليه، ويحتمل أنهم نُزلوا منزلة من ينكر أن يكون في ذلك آيات (لقوم يعقلون) لأنهم لم يجروا على ما تدل عليه تلك الآيات.

وليست ﴿ إن ﴾ هنا بمؤذنة بتعليل للجملة التي قبلها لأن شرط ذلك أن يكون مضمون الجملة التي بعدها صالحاً لتعليل مضمون التي قبلها بحيث يكون الموقع لفاء العطف فحينئذٍ يغني وقوع (إن) عن الإتيان بفاء العطف كما ذكره الشيخ عبد القاهر في «دلائل الإعجاز» وقد بسطنا فيه عند قوله تعالى: ﴿ اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم ﴾ [البقرة: 61].

والمقصود من هاته الآية إثبات دلائل وجود الله تعالى ووحدانيته ولذلك ذكرت إثر ذكر الوحدانية لأنها إذا أثبتت بها الوحدانية ثبت الوجود بالضرورة.

فالآية صالحة للرد على كفار قريش دُهريهم ومشركهم والمشركون هم المقصود ابتداء، وقد قرر الله في هاته الآية دلائل كلها واضحة من أصناف المخلوقات وهي مع وضوحها تشتمل على أسرار يتفاوت الناس في دركها حتى يتناول كل صنف من العقلاء مقدار الأدلة منها على قدر قرائحهم وعلومهم.

والخلق هنا بمعنى المصدر واختير هنا لأنه جامع لكل ما فيه عبرة من مخلوقات السماوات والأرض، وللعبرة أيضاً في نفس الهيئة الاجتماعية من تكوين السماوات والأرض والنظام الجامع بينها فكما كل مخلوق منها أو فيها هو آية وعبرة فكذلك مجموع خلقها، ولعل الآية تشير إلى ما يعبر عنه في علم الهيئة بالنظام الشمسي وهو النظام المنضبط في أحوال الأرض مع الكواكب السيارة المعبر عنها بالسماوات.

و ﴿ السموات ﴾ جمع سماء والسماء إذا أطلقت مفردة فالمراد بها الجو المرتفع فوقنا الذي يبدو كأنه قبة زرقاء وهو الفضاء العظيم الذي تسبح فيه الكواكب وذلك المراد في نحو قوله تعالى: ﴿ ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ [الملك: 5]، ﴿ إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب ﴾ [الصافات: 6]، ﴿ وأنزل من السماء ماء ﴾ [البقرة: 22].

وإذا جمعت فالمراد بها أجرام عظيمة ذات نظام خاص مثل الأرض وهي السيارات العظيمة المعروفة والتي عرفت من بعد والتي ستعرف: عطارد والزهرة والمريخ والشمس والمشتري وزحل وأرانوس ونبتون.

ولعلها هي السموات السبع والعرش العظيم، وهذا السر في جمع (السموات) هنا وإفراد (الأرض) لأن الأرض عالم واحد وأما جمعها في بعض الآيات فهو على معنى طبقاتها أو أقسام سطحها.

والمعنى إن في خلق مجموع السموات مع الأرض آيات، فلذلك أفرد الخلق وجعلت الأرض معطوفاً على السموات ليتسلط المضاف عليهما.

والآية في هذا الخلق ﴿ لقوم يعقلون ﴾ آية عظيمة لمن عرف أسرار هذا النظام وقواعد الجاذبية التي أودعها الله تعالى في سير مجموع هاته السيارات على وجه لا يعتريه خلل ولا خرق ﴿ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ﴾ [يس: 40]، وأعظم تلك الأسرار تكوينها على هيئة كرية قال الفخر كان عمر بن الحسام يقرأ «كتاب المجسطي» على عمر الأبهري فقال لهما بعض الفقهاء يوماً ما الذي تقرءونه فقال الأبهري أفسِّر قوله تعالى: ﴿ أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها ﴾ [ق: 6] فأنا أفسر كيفية بنائها ولقد صدق الأبهري فيما قال فإن كل من كان أكثر توغلاً في بحار المخلوقات كان أكثر علماً بجلال الله تعالى وعظمته اه.

قلت ومن بديع هذا الخلق أن جعله الله تعالى يمد بعضه بعضاً بما يحتاجه كل فلا ينقص من الممدِّ شيء، لأنه يُمده غيرهُ يما يُخلف له ما نقص، وهكذا نجد الموجودات متفاعلة، فالبحر يمد الجو بالرطوبة فتكون منه المياه النازلة ثم هو لا ينقص مع طول الآباد لأنه يمده كل نهر وواد.

وهي آية لمن كان في العقل دون هاته المرتبة فأدرك من مجموع هذا الخلق مشهداً بديعاً في طلوع الشمس وغروبها وظهور الكواكب في الجو وغروبها.

وأما الاعتبار بما فيها من المخلوقات وما يحف بها من الموجودات كالنجوم الثوابت والشهب وما في الأرض من جبال وبحار وأنهار وحيوان فذلك من تفاريع تلك الهيئة الاجتماعية.

وقوله: ﴿ واختلاف الليل والنهار ﴾ تذكير بآية أخرى عظيمة لا تخفى على أحد من العقلاء وهي اختلاف الليل والنهار أعني اختلاف حالتي الأرض في ضياء وظلمة، وما في الضياء من الفوائد للناس وما في الظلمة من الفوائد لهم لحصول سكونهم واسترجاع قواهم المنهوكة بالعمل.

وفي ذلك آية لخاصة العقلاء إذ يعلمون أسباب اختلاف الليل والنهار على الأرض وأنه من آثار دوران الأرض حول الشمس في كل يوم ولهذا جعلت الآية في اختلافهما وذلك يقتضي أن كلاً منهما آية.

والاختلاف افتعال من الخلف وهو أن يجيئ شيء عوضاً عن شيء آخر يخلفه في مكانه والخلفة بكسر الخاء الخلف قال زهير: «بها العين والآرام يمشين خلفة» *** وقد أضيف الاختلاف لكل من الليل والنهار لأن كل واحد منهما يخلف الآخر فتحصل منه فوائد تعاكس فوائد الآخر بحيث لو دام أحدهما لانقلب النفع ضرراً ﴿ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة مَنْ إله غير اللَّه يأتيكم بضياء أفلا تسمعون () قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة مَنْ إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تُبْصرون ﴾ [القصص: 71، 72].

وللاختلاف معنى آخر هو مراد أيضاً وهو تفاوتهما في الطول والقصر فمرة يعتدلان ومرة يزيد أحدهما على الآخر وذلك بحسب أزمنة الفصول وبحسب أمكنة الأرض في أطوال البلاد وأعراضها كما هو مقرر في علم الهيئة، وهذا أيضاً من مواضع العبرة لأنه آثار الصنع البديع في شكل الأرض ومساحتها للشمس قرباً وبعداً.

ففي اختيار التعبير بالاختلاف هنا سر بديع لتكون العبارة صالحة للعبرتين.

والليل اسم لعرض الظلمة والسواد الذي يعم مقدار نصف من كرة الأرض الذي يكون غير مقابل للشمس فإذا حجب قرص الشمس عن مقدار نصف الكرة الأرضية بسبب التقابل الكروي تقلص شعاع الشمس عن ذلك المقدار من الكرة الأرضية فأخذ النور في الضعف وعادت إليه الظلمة الأصلية التي ما أزالها إلاّ شعاع الشمس ويكون تقلص النور مدرجاً من وقت مغيب قرص الشمس عن مقابلة الأفق ابتداء من وقت الغروب ثم وقت الشفق الأحمر ثم الشفق الأبيض إلى أن يحلك السواد في وقت العشاء حين بعد قرص الشمس عن الأفق الذي ابتدأ منه المغيب، وكلما اقترب قرص الشمس من الأفق الآخر أكسبه ضياء من شعاعها ابتداء من وقت الفجر إلى الإسفار إلى الشروق إلى الضحى، حيث يتم نور أشعة الشمس المتجهة إلى نصف الكرة تدريجاً.

وذلك الضياء هو المسمى بالنهار وهو النور التام المنتظم على سطح الكرة الأرضية وإن كان قد يستنير سطح الكرة بالقمر في معظم لياليه استنارة غير تامة، وبضوء بعض النجوم استنارة ضعيفة لا تكاد تعتبر.

فهذا هو المراد باختلاف الليل والنهار أي تعاقبهما وخلف أحدهما الآخر، ومن بلاغة علم القرآن أن سمى ذلك اختلافاً تسمية مناسبة لتعاقب الأعراض على الجوهر لأنه شيء غير ذاتي فإن ما بالذات لا يختلف فأومأ إلى أن الليل والنهار ليسا ذاتين ولكنهما عرضان خلاف معتقد الأمم الجاهلة أن الليل جسم أسود كما صوره المصريون القدماء على بعض الهياكل وكما قال امرؤ القيس في الليل: فقلتُ له لما تمطى بصُلبه *** وأردفَ أعجازاً ونَاءَ بكلكل وقال تعالى في سورة الشمس: ﴿ والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها ﴾ [الشمس: 3 4].

وقوله: ﴿ والفلك ﴾ عطف على ﴿ خلق ﴾ و ﴿ اختلاف ﴾ فهو معمول لفي أي وفي الفلك، ووصفها بالتي تجري الموصول لتعليل العطف أي إن عطفها على خلق السماوات والأرض في كونها آية من حيث إنها تجري في البحر، وفي كونها نعمة من حيث إنها تجري بما ينفع الناس، فأما جريها في البحر فهو يتضمن آيتين، إحداهما آية خلق البحر الذي تجري فيه الفلك خلقاً عجيباً عظيماً إذ كان ماء غامراً لأكثر الكرة الأرضية وما فيه من مخلوقات وما ركب في مائه من الأملاح والعقاقير الكيمياوية ليكون غير متعفن بل بالعكس يخرج للهواء أجزاء نافعة للأحياء على الأرض، والثانية آية سير السفن فيه وهو ماء من شأنه أن يتعذر المشي عليه فجري السفن آية من آيات إلهام الله تعالى الإنسان للتفطن لهذا التسخير العجيب الذي استطاع به أن يسلك البحر كما يمشي في الأرض، وصنع الفلك من أقدم مخترعات البشر ألهمه الله تعالى نوحاً عليه السلام في أقدم عصور البشر.

ثم إن الله تعالى سخر للفلك الرياح الدورية وهي رياح تهب في الصباح إلى جهة وفي المساء إلى جهة في السواحل تنشأ عن إحياء أشعة الشمس في رابعة النهار الهواء الذي في البر حتى يخف الهواء فيأتي هواء من جهة البحر ليخلف ذلك الهواء البري الذي تصاعد فتحدث ريح رخاء من جهة البحر ويقع عكس ذلك بعد الغروب فتأتي ريح من جهة البر إلى البحر، وهذه الريح ينتفع بها الصيادون والتجار وهي تكون أكثر انتظاماً في مواقع منها في مواقع أخرى.

وسخر للفلك رياحاً موسمية وهي تهب إلى جهة واحدة في أشهر من السنة وإلى عكسها في أشهر أخرى تحدث من اتجاه حرارة أشعة الشمس على الأماكن الواقعة بين مدار السرطان ومدار الجدي، من الكرة الأرضية عند انتقال الشمس من خط الاستواء إلى جهة مدار الشرطان وإلى جهة مدار الجدي، فتحدث هاته الريح مرتين في السنة وهي كثيرة في شطوط اليمن وحضرموت والبحر الهندي وتسمى الريح التجارية.

وأما كونها نعمة فلأن في هذا التسخير نفعاً للتجارة والزيارة والغزو وغير ذلك ولذلك قال بما ينفع الناس لقصد التعميم مع الاختصار.

والفلك هنا جمع لا محالة لأن العبرة في كثرتها، وهو ومفرده سواء في الوزن فالتكسير فيه اعتباري وذلك أن أصل مفرده فلك بضمتين كعنق وكسر على فلك مثل عرب وعجم وأسد وخفف المفرد بتسكين عينه لأن ساكن العين في مضموم الفاء فرع مضموم العين ما قصد منه التخفيف على مت بينه الرضي فاستوى في اللفظ المفرد والجمع، وقيل المفرد بفتح الفاء وسكون اللام والجمع بضم الفاء وضم اللام قيل أسد وأسد وخَشَب وخُشَبُ ثم سكنت اللام تخفيفاً، والاستعمال الفصيح في المفرد والجمع ضم الفاء وسكون اللام قال تعالى: ﴿ واصنع الفلك ﴾ [هود: 37].

و ﴿ الفلك المشحون ﴾ [الشعراء: 119] وقال ﴿ والفلك التي تجري في البحر ﴾ وقال ﴿ والفلك تجري في البحر بأمره ﴾ [إبراهيم: 32]، ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين ﴾ [يونس: 22]، ثم إن أصل مفرده التذكير قال تعالى: ﴿ والفلك المشحون ﴾ ويجوز تأنيثه على تأويله بمعنى السفينة قال تعالى: ﴿ وقال اركبوا فيها ﴾ [هود: 41] ﴿ وهي تجري بهم ﴾ [هود: 42] كل ذلك بعد قوله: ﴿ ويصنع الفلك ﴾ [هود: 38].

وكأن هذا هو الذي اعتمده ابن الحاجب إذ عد لفظ الفلك مما أنث بدون تاء ولا ألف فقال في قصيدته «والفلك تجري وهي في القرآن» لأن العبرة باستعماله مؤنثاً وإن كان تأنيثه بتأويل، وقد قيل إنه يجوز في مفرده فقط ضم اللام مع ضم الفاء وقرئ به شاذاً والقول به ضعيف، وقال الكواشي هو بضم اللام أيضاً للمفرد والجمع وهو مردود إذ لم ينص عليه أهل اللغة ولا داعي إليه وكأنه قاله بالقياس على الساكن.

وفي امتنان الله تعالى بجريان الفلك في البحر دليل على جواز ركوب البحر من غير ضرورة مثل ركوبه للغزو والحج والتجارة، وقد أخرج مالك في «الموطأ» وتبعه أهل «الصحيح» حديث أم حرام بنت مِلحان في باب الترغيب في الجهاد الثاني من «الموطأ» عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه وكانت تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم..

فنام يوماً ثم استيقظ وهو يضحك قالت فقلت ما يضحكك قال ناس من أمتي عرضوا عليَّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسرة قالت فقلت ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها» الحديث.

وفي حديث أبي هريرة " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء " الحديث.

وعليه فما روي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى عمرو بن العاص أن لا يحمل جيش المسلمين في البحر مؤول على الاحتياط وترك التغرير وأنا أحسبه قد قصد منه خشية تأخر نجدات المسلمين في غزواتهم لأن السفن قد يتأخر وصولها إذا لم تساعفها الرياح التي تجري بما لا تشتهي السفن ولأن ركوب العدد الكثير في سفن ذلك العصر مظنة وقوع الغرق، ولأن عدد المسلمين يومئذٍ قليل بالنسبة للعدو فلا ينبغي تعريضه للخطر فذلك من النظر في المصلحة العامة في أحوال معينة فلا يحتج به في أحكام خاصة للناس.

ولما مات عمر استأذن معاوية عثمان فأذن له في ركوبه فركبه لغزو (قبرص) ثم لغزو القسطنطينية وفي غزوة (قبرص) ظهر تأويل رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أم حرام، وقد قيل إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة نهى عن ركوبه ثم ركبه الناس بعده.

وروي عن مالك كراهة سفر المرأة في البحر للحج والجهاد، قال ابن عبد البر وحديث أم حرام يرد هذه الرواية ولكن تأولها أصحابه بأنه كره ذلك لخشية اطّلاعهن على عورات الرجال لعسر الاحتراز من ذلك فخصه أصحابه بسفن أهل الحجاز لصغرها وضيقها وتزاحم الناس فيها مع كون الطريق من المدينة إلى مكة من البر ممكناً سهلاً وأما السفن الكبار كسفن أهل البصرة التي يمكن فيها الاستتار وقلة التزاحم فليس بالسفر فيها للمرأة بأس عند مالك.

﴿ وما أنزل الله من السماء من ماء ﴾ معطوف على الأسماء التي قبله جيء به اسم موصول ليأتي عطف صلة على صلة فتبقى الجملة بمقصد العبرة والنعمة، فالصلة الأولى وهي ﴿ أنزل الله من السماء من ماء ﴾ تذكير بالعبرة لأن في الصلة من استحضار الحالة ما ليس في نحو كلمة المطر والغيث، وإسناد الإنزال إلى الله لأنه الذي أوجد أسباب نزول الماء بتكوينه الأشياء عند خلق هذا العالم على نظام محكم.

والسماء المفرد هو الجو والهواء المحيط بالأرض كما تقدم آنفاً، وهو الذي يشاهده جميع السامعين.

ووجه العبرة فيه أن شأن الماء الذي يسقي الأرض أن ينبع منها فجعل الماء نازلاً عليها من ضدها وهو السماء عبرة عجيبة.

وفي الآية عبرة علمية لمن يجيء من أهل العلم الطبيعي وذلك أن جعل الماء نازلاً من السماء يشير إلى أن بخار الماء يصير ماء في الكرة الهوائية عند ما يلامس الطبقة الزمهريرية وهذه الطبقة تصير زمهريراً عندما تقل حرارة أشعة الشمس، ولعل في بعض الأجرام العلوية وخاصة القمر أهوية باردة يحصل بها الزمهرير في ارتفاع الجو فيكون لها أثر في تكوين البرودة في أعلى الجو فأسند إليها بإنزال الماء مجازاً عقلياً وربما يستروح لهذا بحديث مروي وهو أن المطر ينزل من بحر تحت العرش أي إن عنصر المائية يتكون هنالك ويصل بالمجاورة حتى يبلغ إلى جونا قليل منه فإذا صادفته الأرض تكون من ازدواجهما الماء وقد قال تعالى: ﴿ وينزل من السماء من جبال فيها من برد ﴾ [النور: 43]، ولعلها جبال كرة القمر وقد ثبت في الهيئة أن نهار القمر يكون خمسة عشر يوماً، وليله كذلك، فيحصل فيه تغيير عظيم من شدة الحر إلى شدة البرد فإذا كانت مدة شدة البرد هي مدة استقباله الأرض أحدث في جو الأرض عنصر البرودة.

وقوله: ﴿ فأحيا به الأرض ﴾ معطوف على الصلة بالفاء لسرعة حياة الأرض إثر نزول الماء وكلا الأمرين الفعل والفاء موضع عبرة وموضع منة.

وأطلقت الحياة على تحرك القوى النامية من الأرض وهي قوة النبات استعارة لأن الحياة حقيقة هي ظهور القوى النامية في الحيوان فشبهت الأرض به.

وإذا جعلنا الحياة حقيقة في ظهور قوى النماء وجعلنا النبات يوصف بالحياة حقيقة وبالموت فقوله: ﴿ فأحيا به الأرض ﴾ مجاز عقلي والمراد إحياء ما تراد له الأرض وهو النبات.

وفي الجمع بين السماء والأرض وبين أحيا وموت طباقان.

وقوله: ﴿ وبث فيها من كل دابة ﴾ عطف إما على ﴿ أنزل ﴾ فيكون صلة ثانية وباعتبار ما عطف قبله على الصلة صلة ثالثة، وإما عطف على ﴿ أحيا ﴾ فيكون معطوفاً ثانياً على الصلة، وأيّاً ما كان فهو آية ومنة مستقلة، فإن جعلته عطفاً على الصلة فمن في قوله: ﴿ من كل دابة ﴾ بيانية وهي في موضع الحال ظرف مستقر، وإن جعلته عطفاً على المعطوف على الصلة وهو ﴿ أحيا ﴾ فمن في قوله: ﴿ من كل دابة ﴾ تبعيضية وهي ظرف لغو، أي أكثر فيها عدداً من كل نوع من أنواع الدواب بمعنى أن كل نوع من أنواع الدواب ينبث بعض كثير من كل أنواعه، فالتنكير في دابة للتنويع أي أكثر الله من كل الأنواع لا يختص ذلك بنوع دون آخر.

والبث في الأصل نشر ما كان خفياً ومنه بث الشكوى وبث السر أي أظهره.

قالت الأعرابية «لقد أبثثتك مكتومي وأطعمتك مأدومي» وفي حديث أم زرع قالت السادسة " ولا يولج الكف ليعلم البث " أي لا يبحث عن سر زوحته لتفشوه له، فمثلت البحث بإدخال الكف لإخراج المخبوء، ثم استعمل البث مجازاً في انتشار الشيء بعد أن كان كامناً كما في هاته الآية واستعمل أيضاً في مطلق الانتشار، قال الحماسي: وهلاّ أعَدُّوني لِمِثلي تفاقدوا *** وفي الأرض مثبوتٌ شجاعٌ وعقرب وبث الدواب على وجه عطفه على فعل ﴿ أنزل ﴾ هو خلق أنواع الدواب على الأرض فعبر عنه بالبث لتصوير ذلك الخلق العجيب المتكاثر فالمعنى وخلق فبث فيها من كل دابة.

وعلى وجه عطف ﴿ وبث ﴾ على ﴿ فأحيا ﴾ فبث الدواب انتشارها في المراعي بعد أن كانت هازلة جاثمة وانتشار نسلها بالولادة وكل ذلك انتشار وبث وصفه لبيد بقوله: رُزقت مرابيعَ النجوم وصَابَهَا *** وَدْق الرواعدِ جَوْدُها فرِهامُها فعلا فروعُ الأيْهقان وأطفَلَتْ *** بالجَلْهتيننِ ظِباؤها ونعامها والآية أوجز من بيتي لبيد وأوفر معنى فإن قوله تعالى: ﴿ وما أنزل الله من السماء من ماء ﴾ أوجز من البيت الأول، وقوله: ﴿ فأحيا به الأرض بعد موتها ﴾ أوجز من قوله فعلا فروع الأيهقان وأعم وأبرع بما فيه من استعارة الحياة، وقوله: ﴿ وبث فيها من كل دابة ﴾ أوجز من قوله وأطفلت البيت مع كونه أعم لعدم اقتصاره على الظباء والنعام.

والدابة ما دب على وجه الأرض وقد أذنت كلمة ﴿ كل ﴾ بأن المراد جميع الأنواع فانتفى احتمال أن يراد من الدابة خصوص ذوات الأربع.

وقد جمع قوله تعالى: ﴿ فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ﴾ أصول علم التاريخ الطبيعي وهو المواليد الثلاثة المعدن والنبات والحيوان، زيادة على ما في بقية الآية سابقاً ولاحقاً من الإشارات العلمية الراجعة لعلم الهيئة وعلم الطبيعة وعلم الجغرافيا الطبيعية وعلم حوادث الجو.

وقوله: ﴿ وتصريف الرياح ﴾ عطف على مدخول ﴿ في ﴾ وهو من آيات وجود الخالق وعظيم قدرته لأن هبوب الريح وركودها آية، واختلاف مهابِّها آية، فلولا الصانع الحكيم الذي أودع أسرار الكائنات لما هبت الريح أو لما ركدت، ولما اختلفت مهابُّها بل دامت من جهة واحدة وهذا موضع العبرة، ومن تصريف الرياح أيضاً موضع نعمة وهو أن هبوبها قد يحتاج إليه أهل موضع للتنفيس من الحرارة أو لجلب الأسحبة أو لطرد حشراتتٍ كالجراد ونحوه أو لجلب منافع مثل الطير.

وقد يحتاج أهل مكان إلى اختلاف مهابها لتجيء ريح باردة بعد ريح حارة أو ريح رطبة بعد ريح يابسة، أو لتهب إلى جهة الساحل فيرجعَ أهل السفن من الأسفار أو من الصيد، فكل هذا موضع نعمة، وهذا هو المشاهد للناس كلهم، ولأهل العلم في ذلك أيضاً موضع عبرة أعجب وموضع نعمة، وذلك أن سبب تصريف الرياح أن الله أحاط الكرة الأرضية بهواء خلقه معها، به يتنفس الحيوان وهو محيط بجميع الكرة بَحْرِها وبرها متصل بسطحها ويشغل من فوق سطحها ارتفاعاً لا يعيش الحيوان لو صعد إلى أعلاه، وقد خلقه الله تعالى مؤلفاً من غازين هما (النيتروجين والأكسجين) وفيه جزء آخر عارض فيه وهو جانب من البخار المائي المتصاعد له من تبخر البُحار ورطوبة الأرض بأشعة الشمس وهذا البخار هو غاز دقيق لا يشاهد، وهذا الهواء قابل للحرارة والبرودة بسبب مجاورة حارَ أو بارد، وحرارته تأتي من أشعة الشمس ومن صعود حرارة الأرض حين تسخنها الشمس وبرودته تجيء من قلة حرارة الشمس ومن برودة الثلوج الصاعدة من الأرض ومن الزمهرير الذي يتزايد بارتفاع الجو كما تقدم.

ولما كانت الحرارة من طبعها أن تُمَدِّد أجزاء الأشياء فتتلطف بذلك التمدد كما تقرر في الكيمياء، والبرودة بالعكس، كان هواء في جهة حارة كالصحراء وهواء في جهة باردة كالمنجمد وقع اختلاف بين الهواءين في الكثافة فصَعِد الخفيف وهو الحار إلى الأعلى وانحدر الكثيف إلى الأسفل وبصعود الخفيف يترك فراغاً يخلفه فيه الكثيف طلباً للموازنة فتحدث حركة تسمى ريحاً، فإذا كانت الحركة خفيفة لقرب التفاوت بين الهواءين سميت الحركة نسيماً وإذا اشتدت الحركة وأسرعت فهي الزوبعة.

فالريح جنس لهاته الحركة والنسيم والزوبعة والزعزع أنواع له.

ومن فوائد هاته الرياح الإعانة على تكوين السحاب ونقله من موضع إلى موضع وتنقية الكرة الهوائية مما يحل بها من الجراثيم المضرة، وهذان الأمران موضع عبرة ونعمة لأهل العلم.

وقد اختير التعبير بلفظ التصريف هنا دون نحو لفظ التبديل أو الاختلاف لأنه اللفظ الذي يصلح معناه لحكاية ما في نفس الأمر من حال الرياح لأن التصريف تفعيل من الصرف للمبالغة وقد علمت أن منشأ الريح هو صرف بعض الهواء إلى مكان وصرف غيره إلى مكانه الذي كان فيه فيجوز أن تقدر: وتصريف الله تعالى الرياح، وجعل التصريف للريح مع أن الريح تكوَّنت بذلك التصريف لأنها تحصل مع التصريف فهو من إطلاق الاسم على الحاصل في وقت الإطلاق كما في قوله تعالى: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ [البقرة: 159] وهو ضرب من مجاز الأوْل، وأن تجعل التصريف بمعنى التغيير أي تبديل ريح من جهة إلى جهة فتبقى الحقيقة ويفوت الإعجاز العِلمي ويكون اختيار لفظ التصريف دون التغيير لأنه أخف.

وجُمع الرياح هنا لأن التصريف اقتضى العدد لأنها كلما تغير مهبها فقد صارت ريحاً غيرَ التي سبقت.

وقرأه الجمهور (الرياح) بالجمع وقرأه حمزة والكسائي (الريح) بالإفراد على إرادة الجنس، واستفادة العموم من اسم الجنس المعرف سواء كان مفرداً أو جمعاً سَواءٌ، وقد قيل إن الرياح بصيغة الجمع يكثر استعماله في ريح الخير وإن الريح بالإفراد يكثر استعماله في ريح الشر واعتضدوا في ذلك بما رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا رأى الريح: «اللهم اجعلها رياحاً لا ريحاً» وهي تفرقة أغلبية وإلاّ فقد غير بالإفراد في موضع الجمع، والعكس في قراءة كثير من القراء.

والحديثُ لم يَصح، وعلى القول بالتفرقة فأحسن ما يعلل به أن الريح النافعة للناس تجيء خفيفة وتتخلل موجاتها فجَوات فلا تحصل منها مضرة فباعتبار تخلل الفجوات لهبوبها جُمعت، وأما الريح العاصف فإنه لا يترك للناس فجوة فلذلك جعل ريحاً واحدة وهذا مأخوذ من كلام القرطبي.

والرياح جمع ريح والريح بوزن فِعْل بكسر الفاء وعينها واو انقلبت ياء لأجل الكسرة بدليل قولهم في الجمع أرواح وأما قولهم في الجمع رياح فانقلاب الواو فيه ياء كانقلابها في المفرد لسبب الكسرة كما قالوا دِيمَة ودِيَمَ وحِيلة وحِيَل وهما من الواوي.

وقوله: ﴿ والسحاب المسخر ﴾ عطف على ﴿ وتصريف الرياح ﴾ أو على ﴿ الرياح ﴾ ويكون التقدير: وتصريف السحاب المسخر أي نقله من موضع إلى موضع.

وهو عبرة ومنة أما العبرة ففي تكوينه بعد أن لم يكن وتسخيره وكونِه في الفضاء، وأما المنة ففي جميع ذلك فتكوينه منة وتسخيره من موضع إلى موضع منة وكونه بين السماء والأرض منة لأنه ينزل منه المطر على الأرض من ارتفاع فيفيد اختراق الماء في الأرض، ولأنه لو كان على سطح الأرض لاختنق الناس فهذا ما يبدو لكل أحد، وفي ذلك أيضاً عبرة ومنة لأهل العلم فتكوينه عبرة لهم وذلك أنه يتكون من تصاعد أبْخرة البحار ورطوبة الأرض التي تبخِّرها أشعة الشمس ولذا لم يخْلُ الهواء من بُخار الماء كما قدمناه إلاّ أن بخار الماء شفاف غازي فإذا جاور سطحاً بارداً ثقل وتكاثف فصار ضباباً أو ندى أو سحاباً، وإنما تكاثف لأن أجزاء البخار تجتمع فتقل قدرة الهواء على حمله، ثم إذا تكامل اجتماعه نزل مطراً، ولكون البخار الصاعد إلى الجو أكثر بخار البحر؛ لأن البحر أكثر سطح الكرة الأرضية كانت السحب أكثر ما تتكون من جهة البحار، وكانوا يظنون أن المطر كله من ماء البحر وأن خراطيم السحاب تتدلى إلى أمواج البحر فتمتص منه الماء ثم ينزل مطراً.

قال أبو ذؤيب الهذلي: سقى أم عمرو كلَّ آخر ليلة *** حناتمُ سودٌ ماؤهن ثجيج شربن بماء البحر ثم ترفعت *** متى لجُججٍ خُضرٍ لهن نئيج وقال البديع الإصطرلابي: أهْدِي لمجلسك الشريف وإنما *** أهْدِي له ما حُزتُ من نعمائه كالبحر يُمطره السحابُ ومالَه *** فضلٌ عليه لأنه من مائه فلولا الرياح تسخره من موضع إلى موضع لكان المطر لا ينزل إلاّ في البحار.

وموضع المنة في هذا في تكوينه حتى يحمل الماء ليحيى الأرض، وفي تسخيره لينتقل، وفي كونه بين السماء والأرض فهو مسخر بين السماء والأرض حتى يتكامل ما في الجو من الماء فيثقل السحاب فينزل ماء إذا لم تبق في الهواء مقدرة على حمله قال تعالى: ﴿ وينشيء السحاب الثقال ﴾ [الرعد: 12] وقوله تعالى: ﴿ لأيات لقوم يعقلون ﴾ أي دلائل وقد تقدم الكلام على الآية والآيات، وجمع الآيات لأن في كل ما ذكر من خلق السماوات والأرض وما عطف عليه آيات.

فإن أريد الاستدلال بها على وجود الله تعالى فقد كانت دلائل واضحة وكان رداً على الدُّهريين من العرب وكان ذكرهم بعد الذين كفروا وماتوا وهم كفار المراد بهم المشركون تكميلاً لأهل النحل في العرب، ويكون قوله بعد ذلك: ﴿ ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً ﴾ [البقرة: 165] رجوعاً إلى المشركين وهذا الوجه يرجع إلى الاستدلال بالعالم على الصانع وهو دليل مشهور في كتب الكلام.

وإن أريد الاستدلال بهاته الدلائل على وحدانية الله تعالى المستلزمة لوجوده وهو الظاهر من قوله: ﴿ لقوم يعقلون ﴾ ، لأن الاستدلال بهاته الدلائل وأمثالها على وجود الصانع لا يدل على كمال عقل بخلاف الاحتجاج بها على الوحدانية، ولأنه ذكره بعد قوله: ﴿ وإلهاكم إله واحد لا إله إلا هو ﴾ ، ولأن دهماء العرب كانوا من المشركين لا من المعطلين الدهريين.

وكفاية هذه الدلائل في الرد على المشركين من حيث إنهم لم يكونوا يدعون للأصنام قدرة على الخلق كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ﴾ [النحل: 17].

وإن أريد الاستدلال بهذه الآثار لوحدانية الله على الأمم التي تثبت الاشتراك للآلهة في الإيجاد مثل مجوس الفرس ومشركي اليونان.

فوجه دلالة هاته الآيات على الوحدانية أن هذا النظام البديع في الأشياء المذكورة وذلك التدبير في تكوينها وتفاعلها وذهابها وعودها ومواقيتها كل ذلك دليل على أن لها صانعاً حكيماً متصفاً بتمام العلم والقدرة والحكمة وهي الصفات التي تقتضيها الأُلْهانية، ولا جرم أن يكون الإله الموصوف بهاته الصفات واحداً لاعتراف المشركين بأن نواميس الخلق وتسيير العالم من فعل الله تعالى، إذا لم يدعوا لشركائهم الخلق ولذلك قال تعالى: ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ﴾ [النحل: 17]، وذكر في سورة النمل الاستدلال ببعض ما هنا على أن لا إله مع الله، فالمقصود التذكير بانتفاء حقيقة الإلهية عن شركائهم، وأما طريقة الاستدلال العلمية فهي بالبرهان الملقب في علم الكلام ببرهان التمانع وسيأتي عند قوله: ﴿ لو كان فيهما إلهة إلا الله لفسدتا ﴾ [الأنبياء: 22] في سورة الأنبياء.

والقوم: الجماعة من الرجال ويطلق على قبيلة الرجل كما قال عمرو بن معدي كرب: فلو أن قومي أنقطتني رماحهم *** ويطلق على الأمة.

وذكر لفظ ﴿ لقوم يعقلون ﴾ دون أن يقال للذين يعقلون أو للعاقلين لأن إجراء الوصف على لفظ قوم يومئ إلى أن ذلك الوصف سجية فيهم، ومن مكملات قوميتهم، فإن للقبائل والأمم خصائص تميزها وتشتهر بها كما قال تعالى: ﴿ وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون ﴾ [التوبة: 56]، وقد تكرر هذا في مواضع كثيرة من القرآن ومن كلام العرب، فالمعنى إن في ذلك آيات للذين سجيتهم العقل، وهو تعريض بأن الذين لم ينتفعوا بآيات ذلك ليست عقولهم براسخة ولا هي ملكات لهم وقد تكرر هذا في سورة يونس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

ثُمَّ دَلَّ عَلى ما ذَكَّرَهم مِن وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ : فَآيَةُ السَّماءِ: ارْتِفاعُها بِغَيْرِ عَمَدٍ مِن تَحْتِها ولا عَلائِقَ مِن فَوْقِها، ثُمَّ ما فِيها مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السّائِرَةِ.

وَآيَةُ الأرْضِ: بِحارُها، وأنْهارُها، ومَعادِنُها، وشَجَرُها، وسَهْلُها، وجَبَلُها.

وَآيَةُ اللَّيْلِ والنَّهارِ: اخْتِلافُها بِإقْبالِ أحَدِهِما وإدْبارِ الآخَرِ، فَيُقْبِلُ اللَّيْلُ مِن حَيْثُ لا يُعْلَمُ، ويُدْبِرُ النَّهارُ إلى حَيْثُ لا يُعْلَمُ، فَهَذا اخْتِلافُهُما.

ثُمَّ قالَ: ﴿ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ ﴾ الفُلْكُ: السُّفُنُ، الواحِدُ والجَمْعُ بِلَفْظٍ واحِدٍ، وقَدْ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ.

والآيَةُ فِيها: مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: اسْتِقْلالُها لِحَمْلِها.

والثّانِي: بُلُوغُها إلى مَقْصِدِها.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ ﴾ يَعْنِي بِهِ المَطَرَ المُنَزَّلَ مِنها، يَأْتِي غالِبًا عِنْدَ الحاجَةِ، ويَنْقَطِعُ عِنْدَ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ، وذَلِكَ مِن آياتِهِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ وإحْياؤُها بِذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما تَجْرِي بِهِ أنْهارُها وعُيُونُها.

والثّانِي: ما يَنْبُتُ بِهِ مِن أشْجارِها وزُرُوعِها، وكِلا هَذَيْنِ سَبَبٌ لِحَياةِ الخَلْقِ مِن ناطِقٍ وبُهْمٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ ﴾ يَعْنِي جَمِيعَ الحَيَوانِ الَّذِي أنْشَأهُ فِيها، سَمّاهُ (دابَّةً) لِدَبِيبِهِ عَلَيْها، والآيَةُ فِيها مَعَ ظُهُورِ القُدْرَةِ عَلى إنْشائِها مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَبايُنُ خَلْقِها.

والثّانِي: اخْتِلافُ مَعانِيها.

والثّالِثُ: إلْهامُها وُجُوهَ مَصالِحِها.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ ﴾ والآيَةُ فِيها مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: اخْتِلافُ هُبُوبِها في انْتِقالِ الشَّمالِ جَنُوبًا، والصَّبا دَبُورًا، فَلا يُعْلَمُ لِانْتِقالِها سَبَبٌ، ولا لِانْصِرافِها جِهَةٌ.

والثّانِي: ما جَعَلَهُ في اخْتِلافِها مِن إنْعامٍ يَنْفَعُ، وانْتِقامٍ يُؤْذِي.

وَقَدْ رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ شُرَيْحٍ قالَ: ما هاجَتْ رِيحٌ قَطُّ إلّا لِسُقْمِ صَحِيحٍ أوْ لِشِفاءِ سَقِيمٍ، والرِّياحُ جَمْعُ رِيحٍ وأصْلُها أرْواحٌ.

وَحَكى أبُو مُعاذٍ أنَّهُ كانَ في مُصْحَفِ حَفْصَةَ: وتَصْرِيفِ الأرْواحِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَتِ الرِّيحُ لِأنَّها تُرِيحُ ساعَةً بَعْدَ ساعَةٍ.

قالَ ذُو الرُّمَّةِ: إذا هَبَّتِ الأرْواحُ مِن نَحْوِ جانِبٍ بِهِ آلُ مَيٍّ هاجَ شَوْقِي هُبُوبُها ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ ﴾ المُسَخَّرُ: المُذَلَّلُ، والآيَةُ فِيهِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: ابْتِداءُ نُشُوئِهِ وانْتِهاءُ تَلاشِيهِ.

والثّانِي: ثُبُوتُهُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِن غَيْرِ عَمَدٍ ولا عَلائِقَ.

والثّالِثُ: تَسْخِيرُهُ وإرْسالُهُ إلى حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

وَهَذِهِ الآيَةُ قَدْ جَمَعَتْ مِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ ما صارَ لِذَوِي العُقُولِ مُرْشِدًا وإلى الحَقِّ قائِدًا.

فَلَمْ يَقْتَصِرِ اللَّهُ بِنا عَلى مُجَرَّدِ الإخْبارِ حَتّى قَرَنَهُ بِالنَّظَرِ والِاعْتِبارِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: «ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً نتقوّى به على عدوّنا، فأوحى الله إليه: إني معطيهم فأجعل لهم الصفا ذهباً، ولكن إن كفروا بعد ذلك عذبتهم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين.

فقال: رب دعني وقومي فادعوهم يوماً بيوم، فأنزل الله هذه الآية ﴿ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر ﴾ وكيف يسألونك الصفا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم من الصفا» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: سألت قريش اليهود فقالوا: حدثونا عما جاءكم به موسى من الآيات، فأخبروهم أنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله.

فقالت قريش عند ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم «ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً فنزداد به يقيناً ونتقوّى به على عدونا، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه.

فأوحى الله إليه: إني معطيكم ذلك، ولكن إن كذبوا بعد عذبتهم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين.

فقال: ذرني وقومي فأدعوهم يوماً بيوم، فأنزل الله عليه ﴿ إن في خلق السماوات والأرض...

﴾ الآية.

فخلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار أعظم من أن أجعل الصفا ذهباً» .

وأخرج وكيع والفريابي وآدم بن أبي أياس وسعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي الضحى قال: لما نزلت ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ [البقرة: 163] عجب المشركون، وقالوا: إن محمداً يقول: وإلهكم إله واحد فليأتنا بآية إن كان من الصادقين!

فأنزل الله: ﴿ إن في خلق السماوات والأرض...

﴾ الآية يقول: إن في هذه الآيات ﴿ لآيات لقوم يعقلون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء قال: نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ﴿ وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ﴾ [ البقرة: 163] فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟!

فأنزل الله: ﴿ إن في خلق السماوات والأرض ﴾ إلى قوله: ﴿ لقوم يعقلون ﴾ فبهذا يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء، وخالق كل شيء.

أما قوله تعالى: ﴿ واختلاف الليل والنهار ﴾ .

أخرج أبو الشيخ في العظمة عن سلمان قال: الليل موكل به ملك يقال له شراهبل، فإذا حان وقت الليل أخذ خرزة سوداء فدلاها من قبل المغرب، فإذا نظرت إليها الشمس وجبت في أسرع من طرفة عين، وقد أمرت الشمس أن لا تغرب حتى ترى الخرزة، فإذا غربت جاء الليل، فلا تزال الخرزة معلقة حتى يجيء ملك آخر يقال له هراهيل بخرزة بيضاء فيعلقها من قبل المطلع، فإذا رآها شراهيل مد إليه خرزته وترى الشمس الخرزة البيضاء فتطلع، وقد أمرت أن لا تطلع حتى تراها، فإذا طلعت جاء النهار.

أما قوله تعالى: ﴿ والفلك التي تجري في البحر ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ والفلك ﴾ قال: السفينة.

أما قوله تعالى: ﴿ وبث فيها من كل دابة ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وبث فيها من كل دابة ﴾ قال: بث خلق.

وأخرج الحاكم وصححه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقلوا الخروج إذا هدأت الرجل، إن الله يبث من خلقه بالليل ما شاء» .

أما قوله تعالى: ﴿ وتصريف الرياح ﴾ .

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وتصريف الرياح ﴾ قال: إذا شاء جعلها رحمة للسحاب ونشراً بين يدي رحمته، وإذا شاء جعلها عذاباً ريحاً عقيماً لا تلقح.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب قال: كل شيء في القرآن من الرياح فهي رحمة، وكل شيء في القرآن من الريح فهو عذاب.

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي بن كعب قال: لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن.

قوله: ﴿ وتصريف الرياح والسحاب المسخر ﴾ ولكن قولوا: اللهم أن نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، ونعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت به.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: الريح من روح الله، فإذا رأيتموها فاسألوا الله من خيرها وتعوذوا بالله من شرها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدة عن أبيها قال: إن من الرياح رحمة ومنها رياح عذاب، فإذا سمعتم الرياح فقولوا: اللهم اجعلها رياح رحمة ولا تجعلها رياح عذاب.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: الماء والريح جندان من جنود الله، والريح جند الله الأعظم.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: الريح لها جناحان وذنب.

وأخرج أبو عبيد وابن أبي الدنيا في كتاب المطر وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عمرو قال: الرياح ثمان: أربع منها رحمة، وأربع عذاب، فأما الرحمة فالناشرات، والمبشرات، والمرسلات، والذاريات.

وأما العذاب فالعقيم، والصرصر وهما في البر، والعاصف، والقاصف، وهما في البحر.

وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: الريح ثمان: أربع رحمة، وأربع عذاب.

الرحمة المنتشرات، والمبشرات، والمرسلات، والرخاء.

والعذاب العاصف، والقاصف، وهما في البحر، والعقيم، والصرصر وهما في البر.

وأخرج أبو الشيخ عن عيسى ابن أبي عيسى الخياط قال: بلغنا أن الرياح سبع: الصبا، والدبور، والجنوب، والشمال، والخروق، والنكباء، وريح القائم.

فأما الصبا فتجيء من المشرق، وأما الدبور فتجيء من المغرب، وأما الجنوب فيجيء عن يسار القبلة، وأما الشمال فتجيء عن يمين القبلة، وأما النكباء فبين الصبا والجنوب، وأما الخروق فبين الشمال والدبور، وأما ريح القائم فأنفاس الخلق.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: جعلت الرياح على الكعبة، فإذا أردت أن تعلم ذلك فاسند ظهرك إلى باب الكعبة، فإن الشمال عن شمالك وهي مما يلي الحجر، والجنوب عن يمينك وهو مما يلي الحجر الأسود، والصبا مقابلك وهي مستقبل باب الكعبة، والدبور من دبر الكعبة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن حسين بن علي الجعفي قال: سألت إسرائيل بن يونس عن أي شيء سميت الريح؟

قال: على القبلة.

شماله الشمال، وجنوبه الجنوب، والصبا ما جاء من قبل وجهها، والدبور ما جاء من خلفها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ضمرة بن حبيب قال: الدبور والريح الغريبة، والقبول الشرقية، والشمال الجنوبية، واليمان القبلية، والنكباء تأتي من الجوانب الأربع.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: الشمال ما بين الجدي، والدبور ما بين مغرب الشمس إلى سهيل.

وأخرج أبو الشيخ عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجنوب من ريح الجنة» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب السحاب، وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ريح الجنوب من الجنة وهي من اللواقح وفيها منافع للناس، والشمال من النار تخرج فتمر بالجنة، فتصيبها نفحة من الجنة فبردها من ذلك» .

وأخرج ابن أبي شيبة وإسحق بن راهويه في مسنديهما والبخاري في تاريخه والبزار وأبو الشيخ عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله خلق في الجنة ريحاً بعد الريح بسبع سنين من دونها باب مغلق، وإنما يأتيكم الروح من خلل ذلك الباب، ولو فتح ذلك الباب لأذرت ما بين السماء والأرض، وهي عند الله الأزيب وعندكم الجنوب» .

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: الجنوب سيدة الأرواح واسمها عند الله الأزيب، ومن دونها سبعة أبواب، وإنما يأتيكم منها ما يأتيكم من خللها، ولو فتح منها باب واحد لأذرت ما بين السماء والأرض.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: الشمال ملح الأرض، ولولا الشمال لأنتنت الأرض.

وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد الزهد وأبو الشيخ في العظمة عن كعب قال: لو احتبست الريح عن الناس ثلاثة أيام لأنتن ما بين السماء والأرض.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن المبارك قال: إن للريح جناحاً، وأن القمر يأوي إلى غلاف من الماء.

وأخرج أبو الشيخ عن عثمان الأعرج قال: إن مساكن الرياح تحت أجنحة الكروبيين حملة العرش، فتهيج فتقع بعجلة الشمس فتعين الملائكة على جرها، ثم تهيج من عجلة الشمس فتقع في البحر، ثم تهيج في البحر فتقع برؤوس الجبال، ثم تهيج من رؤوس الجبال فتقع في البر، فأما الشمال فإنها تمر بجنة عدن فتأخذ من عرف طيبها، ثم تأتي الشمال وحدها من كرسي بنات نعش إلى مغرب الشمس، وتأتي الدبور وحدها من مغرب الشمس إلى مطلع الشمس إلى كرسي بنات نعش، فلا تدخل هذه ولا هذه في حد هذه.

وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: أخذت لنا الريح بطريق مكة، وعمر حاج، فاشتدت فقال عمر لمن حوله: ما بلغكم في الريح؟

فقلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الريح من روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب، فلا تسبوها وسلوا الله من خيرها، وعوذوا بالله من شرها» .

وأخرج الشافعي عن صفوان بن سليم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الريح، وعوذوا بالله من شرها» .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس «أن رجلاً لعن الريح فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تلعن الريح فإنها مأمورة، وأنه من لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه» .

وأخرج الشافعي وأبو الشيخ والبيهقي في المعرفة عن ابن عباس قال: «ما هبت ريح قط إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه، وقال: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً، اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً» قال ابن عباس: والله إن تفسير ذلك في كتاب الله ﴿ أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً ﴾ [ القمر: 19] .

﴿ أرسلنا عليهم الريح العقيم ﴾ [ النازعات: 41] وقال: ﴿ وأرسلنا الرياح لواقح ﴾ [ الحجر: 22] .

﴿ أن يرسل الرياح مبشرات ﴾ [ الروم: 46] .

وأخرج الترمذي والنسائي وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الريح فإنها من روح الله تعالى، وسلوا الله خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وتعوذوا بالله من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: هاجت ريح فسبوها.

فقال ابن عباس: لا تسبوها فإنها تجيء بالرحمة وتجيء بالعذاب، ولكن قولوا: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً.

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن عمر.

أنه كان إذا عصفت الريح فدارت يقول: شدوا التكبير فإنها مذهبة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الليل والنهار ولا الشمس ولا القمر ولا الريح، فأنها تبعث عذاباً على قوم ورحمة على آخرين» .

أما قوله تعالى: ﴿ والسحاب المسخر بين السماء والأرض ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر عن معاذ بن عبد الله بن حبيب الجهني قال: رأيت ابن عبّاس سأل تبيعا ابن امرأة كعب هل سمعت كعباً يقول في السحاب شيئاً؟

قال: نعم، سمعته يقول: إن السحاب غربال المطر، ولولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض.

قال: وسمعت كعباً يذكر أن الأرض تنبت العام وتنبت نباتاً عاماً قابلاً غيره.

وسمعته يقول: إن البذر ينزل من السماء مع المطر فيخرج في الأرض.

قال ابن عباس: صدقت، وأنا قد سمعت ذلك من كعب.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء قال: السحاب تخرج من الأرض.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن خالد بن معدان قال: أن في الجنة شجرة تثمر السحاب، فالسوداء منها الثمرة التي قد نضجت التي تحمل المطر، والبيضاء الثمرة التي لا تنضج لا تحمل المطر.

أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس عن أبي المثنى أن الأرض قالت: رب أروني من الماء، ولا تنزله علي منهمراً كما أنزلته علي يوم الطوفان.

قال: سأجعل لك السحاب غربالاً.

وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في كتاب المطر وأبو الشيخ عن الغفاري «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ينشئ السّحاب فتنطق أحسن المنطق، وتضحك أحسن الضحك» .

وأخرج أبو الشيخ عن عائشة «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أنشأت بحرية ثم تشامت فتلك عين، أو عام غديقة يعني مطراً كثيراً» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن علي رضي الله عنه قال: أشد خلق ربك عشرة: الجبال، والحديد ينحت الجبال، النار تأكل الحديد، والماء يطفئ النار، والسحاب المسخر بين السماء والأرض يحمل الماء، والريح تنقل السحاب، والإِنسان يتقي الريح بيده ويذهب فيها لحاجته، والسكر يغلب الإِنسان، والنوم يغلب السكر، والهم يمنع النوم، فأشد خلق ربك الهم.

أخرج أبو الشيخ عن الحسن.

أنه كان إذا نظر إلى السحاب قال فيه: والله رزقكم ولكنكم تحرمونه بذنوبكم.

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى سحاباً ثقيلاً من أفق من آفاق ترك ما هو فيه وإن كان في صلاة حتى يستقبله، فيقول: «اللهم إنا نعوذ بك من شر ما أرسل به» فإن أمطر.

قال: «اللهم سيبان نافعاً مرتين أو ثلاثاً» ، وإن كشفه الله ولم يمطر حمد الله على ذلك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ الآية، قال المفسرون: لما نزل قوله: ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ عجب المشركون، وقالوا: إن محمدًا يقول: ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ ؛ فليأتنا بآية إن كان من الصادقين، فأنزل الله هذه الآية (١) (٢) قال أهل المعاني: وجمع السماوات؛ لأنها أجناس مختلفة، كل سماء من جنس غير الأخرى، ووحّد الأرض؛ لأنها كلها تراب (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار ﴾ فسّر الاختلاف هاهنا تفسيرين يرجعان إلى أصل واحد: أحدهما: أنه افتعال، من قولهم: خلَفه يخلُفه، إذا ذهب الأول وجاء الثاني خلافه، أي: بعده، فاختلاف الليل والنهار: تعاقبهما في الذهاب والمجيء، ومنه يقال: فلان يختلف إلى فلان، إذا كان يذهب إليه، ويجيء من عنده، فذهابه يخلف مجيئه، ومجيئه يخلف ذهابه.

أحدهما خلاف الآخر، أي: بعده، وكل شيء يجيء بعده شيء، فهو خِلفه.

وبهذا فُسِّر قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً  ﴾ (٤) (٥) الثاني: قال ابن كيسان (٦) (٧) قال الكسائي: يقال لكل شيئين اختلفا: هما خِلْفان وخِلْفتان، وقول زهير: بها العِينُ والآرامُ يمشين خِلْفةً (٨) فسّر بالوجهين: تكون مختلفة في ألوانها وتكون يذهب هذا، ويجيء هذا.

وهذا القول يرجع إلى معنى الأول؛ لأن معنى الاختلاف في اللغة: التفرق في الجهات، جهة اليمين والشمال والخلف والقُدّام، ثم شبّه الاختلاف في المذاهب وفي كل شيء بالاختلاف في الطريق (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَالْفُلْكِ ﴾ الفُلْك: واحد وجمع، ويذكر ويؤنث، وأصله من الدوران، وكل مستدير فُلك، وفَلَك السماء: اسم لأطواق (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) وقال سيبويه (١٨) (١٩) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ ﴾ قد مضى الكلام في البحر.

والآية في الفلك: تسخيرُ الله تعالى إياها، حتى يجريَها على وجه الماء، كما قال: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ  ﴾ ، ووقُوفُها فوق الماء مع ثقلها وكثرة وزنها.

وقوله تعالى: ﴿ يَنْفَعُ النَّاسَ ﴾ أي: بالذي ينفعهم، من ركوبها، والحمل عليها في التجارات، وينفع الحامل؛ لأنه يريح، والمحمول إليه؛ لأنه ينتفع بما حمل إليه (٢١) (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ أراد بموت الأرض: جدوبتَها ويُبُوستَها، فسمّاها موتًا مجازًا، وذلك أن الأرضَ إذا لم يصبها مطر لم تُنبت، ولم تُنْمِ نباتًا، وكانت (٢٣) ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ  ﴾ ، فلما وصفت بالاهتزاز وهو (٢٤) (٢٥) إني لأرجو أن تموتَ الريحُ ...

فأسكنَ اليوم وأستريحُ (٢٦) فيجوز أن يراد بالموت في هذه الآية: ضد الاهتزاز الذي وُصِفَت به عند نزول الماء، ولما سَمّى ذلك موتًا سمّى (٢٧) (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ ﴾ البثُّ: النشر والتفريق، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً  ﴾ ، ومنه: ﴿ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ  ﴾ ، ويقال: بثثته سِرِّي (٢٩) (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد: كلّ ما دبّ على الأرض من جميع الخلق، من الناس وغيرهم (٣١) وقوله تعالى: ﴿ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ﴾ أراد: وتصريفه الرياح، فأضاف المصدر إلى المفعول، وهو كثير (٣٢) قال أبو علي: الريح: اسم على فعل، والعين منه واو، انقلبت في الواحد (٣٣) (٣٤) وقال ابن الأنباري: إنما سميت الريح ريحًا؛ لأن الغالب عليها في هبوبها المجيء بالرَّوح والرَّاحة، وانقطاعُ هبوبها يُكسِبُ الكربَ والغَمّ، فهي مأخوذة من الروح.

وأصلها: رِوْح، فصارت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، كما فعلوا في الميزان والميعاد والعيد، والدليل على أن أصلها الواو: قولهم في الجمع: أرواح (٣٥) قال زهير: قِفْ بالديار التي لم يعفُها القدمُ ...

بلى وغيَّرَها الأرواحُ والدِيَمُ (٣٦) ويقال: رِحْتُ الريح أَراحُها، وأُرحتُها أرِيحُها: إذا وجدتها، ومنه الحديث: "من استُرعي رعيةً فلم يَحُطهم بنصيحة، لم يُرِحْ رائحةَ الجنة، وإن ريحَها لتوجد من مسيرة مائة عام" (٣٧) قال الكسائي: الصواب: لم يُرحْ، من: أرَحتُ أُريح، وقال الفراء: لم يَرَح، بفتح الراء.

وقال غيرهما: الصواب: لم يرِحْ، من رحت أريح.

قال أبو عبيد: الصواب: بفتح الراء (٣٨) وماءٍ وَرَدْتُ على زَوْرَةٍ ...

كَمَشْيِ السَّبَنْتَى يَراحُ الشَّفِيفَا (٣٩) وقال أبو زيد: قال القيسيون: الرياح أربع: الشمال والجنوب والصَّبَا والدَّبُور.

فأما الشمال فمن عن يمين القبلة، والجنوب من عن جهة شمالها، والصَّبَا والدَّبور متتابعتان (٤٠) من قبل المغرب، وأنشد أبو زيد البيت لأبي صخر الهذلي: إذا قلتُ هذا حينَ أسلُو يهيجُني ...

نسيمُ الصَّبا من حيث يَطَّلِعُ الفَجْر (٤١) (٤٢) وربما تسمى الصبا: قبولًا؛ لأنها استقبلت الدبور.

وقال الأصمعي: إذا انحرفت واحدة منهن عن هذه المهابّ فهي نكباء.

قال: وأخبرنا ابن الأعرابي قال: مهبّ الجنوب من مطلع سُهيل إلى مطلع الثُّرَيّا، والصبا من مطلع الثريا إلى بناتِ نَعْشٍ، والشمال من بنات نعش إلى مسقط النسر الطائر، والدبور من مسقط النسر الطائر إلى مطلع سُهَيل.

وقال غيره: الجنوب: التي تجيء من قبل اليمن، والشمال: التي تهبّ من قبل الشام، والدَّبور: التي تجيء من عن يمين القبلة شيئًا، والصّبا: بإزائها (٤٣) والشمال ريح باردة، تكرهها العرب؛ لبردها وذهابها بالغيم، وفيه (٤٤) (٤٥) والمطعِمون إذا هبّتْ شاميةً ...

وباكر الحيَّ من صُرّادها صِرَمُ (٤٦) (٤٧) وقال النابغة: وهبّت الريحُ مِن تلقاءِ ذي أُرُلٍ ...

تُزجى مع الليل من صُرّادها صِرَمًا (٤٨) جرت سُنُحًا (٤٩) (٥٠) مشمولة أي: مكروهة (٥١) وقد صرّح طرفة بأن الشمال شامية، في قوله: فأنت (٥٢) (٥٣) (٥٤) (٥٥) ويحبون الجنوب لدفئها، ولأنها تجيء بالسحاب والمطر (٥٦) فلا يُبْعِدِ اللهُ الشبابَ وقولَنا ...

إذا ما صَبَوْنا صبْوَةً سَنَتُوبُ لياليَ أَبْصَارُ الغواني وسمعُها ...

إليَّ وإذ ربْحِي لهن جنوبُ (٥٧) وقال أبو عبيدة: الشمال عند العرب للرَّوْح، والجنوب للأمطار والأنداء، والدَّبور للبلاء، أهونه أن يكون غبارًا عاصفًا، يقْذي (٥٨) وتقول العرب: إنَّ النُّكْب أربع: فنكباء الصبا والجنوب ميباس للبقل ونكباء الصبا (٥٩) (٦٠) مِن كلِّ فيّاضِ اليدين إذا غدَتْ ...

نكباءُ تُلْوي بالكنيفِ (٦١) (٦٢) هذه في الشتاء (٦٣) (٦٤) واختلف القراء في ﴿ الرِّيَاحِ ﴾ فقرأ بعضهم: بالجمع في مواضع، وبالتوحيد في مواضع (٦٥) (٦٦) (٦٧) فأما ما روي في الحديث من أن النبي  كان إذا هبت ريح قال: "اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحاً" (٦٨) فمما (٦٩) (٧٠) ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ  ﴾ ، وإنما تبشر بالرحمة، ويشبه أن يكون النبي  قصد هذا الموضع من التنزيل.

ومواضع الإفراد من العذاب (٧١) ﴿ وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ  ﴾ .

وقد يختص اللفظ في التنزيل بشيء فيكون أمارة له، فمن ذلك أن عامة ما جاء في التنزيل من قوله: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ ﴾ مبهم غير مبيّن، كقوله: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ  ﴾ ، وما كان من لفظ (أدراك) مفسّر، كقوله: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ  ﴾ ، ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ  ﴾ (٧٢) فأما التفسير، فالتصريف في اللغة: التقليب، وهو تَفْعيل من الصَّرف، والصَّرف: القلب عن الشيء.

والصَّرِيف: اللبنُ الذي سَكَنَت (٧٣) (٧٤) (٧٥) قال المفسرون: ومعنى ﴿ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ﴾ : تَقْليبُها قَبُولًا ودَبُورًا وشمالًا وجنوبًا، كما بَيَّنَّا، وتصريفها مرةً بالرحمة، ومرةً بالعذاب، وتصريفها مرة حارةً، ومرةً باردةً، ومرة لينةً، ومرةً عاصفة (٧٦) وقوله تعالى: ﴿ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّر ﴾ سمي السحاب لانسحابه في الهواء (٧٧) ومعنى التسخير: التذليل، ﴿ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّر ﴾ : المطيعة لله تعالى (٧٨) (١) رواه الثوري في "تفسيره" ص 54، وسعيد بن منصور في "سننه" 2/ 640، وأبو الشيخ في "العظمة" 1/ 252، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 272، والبيهقي في "شعب الإيمان" 1/ 130، والثعلبي 1/ 1208 كلهم عن أبي الضحى.

ورواه الطبري 2/ 60 عن عطاء، وذكرهما الواحدي في "أسباب النزول" ص 50 - 51، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 273 عن ابن عباس أن قريشًا سألت النبي  أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، فأوحى الله إليه: إني معطيهم، ولكن إن كفروا عذبتهم عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، فنزلت، وذكره السيوطي في "لباب النقول" == ص 31 وجود إسناده، وروي عن ابن عباس أنها نزلت حين قالوا: انسب لنا ربك وصفه.

وينظر: "العجاب" 1/ 414 - 415، "زاد المسير" 1/ 167.

(٢) دليل التمانع: هو أنه لو كان للعالم صانعان، فعند اختلافهما -مثل أن يريد أحدهما: تحريك جسم، والآخر تسكينه، أو يريد أحدهما: إحياءه، والآخر إماتته- فإما: أن يحصل مرادهما، أو مراد أحدهما، أو لا يحصل مراد واحد منهما، والأول ممتنع؛ لأنه يستلزم الجمع بين الضدين، والثالث ممتنع؛ لأنه يلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون وهو ممتنع، ويستلزم أيضًا عجز كل منهما، والعاجز لا يكون إلها، وإذا حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان هذا هو الإله القادر، والآخر عاجزًا لا يصلح للإلهية.

ينظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 1/ 28.

(٣) "تفسير البغوي" 1/ 177، وينظر أيضاً: "تفسير الطبري" 1/ 191 - 195، "البحر المحيط" 1/ 464.

(٤) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 63 ولم يذكر غيره، "تفسير البغوي" 1/ 177، "تفسير القرطبي" 2/ 176.

(٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 271، وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1308، "اللسان" 2/ 1237 (خلف).

(٦) ذكره في "تفسير الثعلبي" 1/ 1309، "البحر المحيط" 1/ 465.

(٧) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1309، "القرطبي" 2/ 176، "البغوي" 1/ 177.

(٨) عجز البيت: وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم وهو في "ديوانه" ص 5، "جمهرة اللغة" ص415 - 416، "لسان العرب" 2/ 1237 (خلف)، و 5/ 2700، وبلا نسبة في "رصف المباني" ص 145.

وقوله: بها: أى بدار من يتغزل بها، والعين: البقر، واحدها: أعين وعيناء، وذلك لسعة عيونها، والآرام: الظباء الخوالص البياض، والأطلاء: الصغار من البقر والظباء، والمجثم: ما تربض فيه وترقد.

(٩) في (ش): (بالطريق).

(١٠) في (ش): (لأطواف).

(١١) في (م): (وفلك).

(١٢) ينظر في الفلك: "تفسير غريب القرآن" ص 64، "تفسير الطبري" 2/ 64، "تهذيب اللغة" 3/ 2830 - 2831، "المفردات" ص 387، "اللسان" 6/ 3465 (فلك)، "تفسير القرطبي" 2/ 178.

(١٣) في (م): (بها).

(١٤) في (ش): (فيها).

(١٥) (نوق هجان) سقطت من (ش).

والهجان: البيض الخوالص.

(١٦) دلاص: ملساء ليِّنة.

(١٧) ينظر: "تفسير غريب القرآن" ص 64، "تفسير الطبري" 2/ 64، "تهذيب اللغة" 3/ 2831 (فلك)، "تفسير الثعلبي" 1/ 1310.

(١٨) قريب منه ما في "الكتاب" 3/ 577، ونقله عنه في "اللسان" 6/ 3465 (فلك).

(١٩) في (م): (ضمها).

(٢٠) في (م): (فهما مختلفان)، وفي (أ): (فإنهما مختلفان).

(٢١) ساقط من (ش).

(٢٢) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 64، "تفسير الثعلبي" 1/ 1310، "تفسير البغوي" 1/ 177، "تفسير الرازي" 4/ 197، "تفسير القرطبي" 2/ 180.

(٢٣) في (ش) و (م): (وكان).

(٢٤) في (ش): (وهي).

(٢٥) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 64، "تفسير الثعلبي" 1/ 1311، "تفسير البغوي" 1/ 177، "تفسير الرازي" 4/ 198.

(٢٦) البيت في "اللسان" 7/ 4295 (موت)، بغير نسبة.

وينظر: "شأن الدعاء" ص 116، "الحجة للقراء السبعة" 2/ 381.

(٢٧) سقطت جملة: (ذلك موتًا سمي) من (ش).

(٢٨) ينظر: "تفسير الرازي" 4/ 198 - 199.

(٢٩) سقطت من (ش).

(٣٠) ينظر في البث: "الطبري" 2/ 64، "المفردات" ص 47، "اللسان" 1/ 208 (بثث).

(٣١) لم أجد هذا عن ابن عباس.

(٣٢) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 64، واختار هذا الوجه، ونقل الرازي في "تفسيره" 4/ 201 هذا عن الواحدي، "البحر المحيط" 1/ 467، وذكر وجهًا آخر وهو أن يكون تصريف مصدرًا مضافًا للفاعل، أي: وتصريف الرياح السحاب، أو غيره مما له فيه تأثير بإذن الله.

(٣٣) سقطت من (م).

(٣٤) ونقله عنه ابن سيده في "المخصص" المجلد 2/ السفر التاسع ص 83، والرازي في "تفسيره" 4/ 201، وينظر: "لسان العرب" 3/ 1763.

(٣٥) نقله عنه الرازي في "تفسيره" 4/ 201.

(٣٦) ينظر: "ديوانه" ص 145، "لسان العرب" 8/ 4942.

(٣٧) الحديث أصله في الصحيحين، رواه البخاري (7150، 7151) كتاب الأحكام، باب: من استرعى رعية فلم ينصح، ومسلم (142) في الإيمان، باب: استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، وليس في ألفاظهما: "لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة مائة عام"، ولفظ (لم يرح) في حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا" رواه البخاري (3166) كتاب الجزية، باب: إثم من قتل معاهدًا بغير جرم، (6914) كتاب: الديات، باب: إثم من قتل ذميًّا بغير جرم.

(٣٨) "اللسان" 3/ 1765: لم يُرح رائحة الجنة: من أرحتُ، ولم يَرَح رائحة الجنة: من رِحتُ أراحُ، ولم يرِح تجعله من راح الشيء أريحه إذا وجدت ريحه، وقال الكسائي: إنما هو لم يُرح رائحة الجنة، من أرحت الشيء فأنا أُريحه، إذا وجدت ريحه، والمعنى واحد، وقال الأصمعي: لا أدري هو من رِحت أو من أرحت؟.

(٣٩) البيت لصخر الغَيِّ الهذلي في "شرح أشعار الهذليين" ص 300، "لسان العرب" 3/ 1764، 3/ 1887.

والزورة: البعد، وقيل: انحراف عن الطريق، والشفيف: لذع البرد، والسبنتى: النمِر.

(٤٠) في كتاب "الحجة" 2/ 250: متقابلتان.

وهو أصوب.

(٤١) البيت لأبي صخر الهذلي في "شرح أشعار الهذليين" 2/ 957، و"شرح شواهد المغني" 1/ 169، و"لسان العرب" 5/ 2689 (طلع)، و"مغني اللبيب" 2/ 518.

(٤٢) من كتاب "الحجة" 2/ 250.

(٤٣) من كتاب "الحجة" 2/ 250، و 251 بتصرف وتقديم وتأخير.

(٤٤) في (ش): (وفيها).

(٤٥) من كلام الأصمعي، نقله أبو علي في "الحجة" 2/ 255.

(٤٦) في (أ): ضبطت صِرَم، وفي (ش): صَرَم.

(٤٧) ينظر: "معجم البلدان" 1/ 203 (أشي).

(٤٨) البيت في "ديوانه" ص 63، "لسان العرب" 1/ 65، 4/ 2439، "مقاييس اللغة" 3/ 345، "أساس البلاغة" (مادة: صرم).

(٤٩) في (ش): (كأنها بسحًا).

(٥٠) البيت في "ديوانه" ص 59، و"لسان العرب" 4/ 2113، 4/ 2329، "أساس البلاغة" 1/ 506 (مادة: شمل).

(٥١) ينظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 255.

(٥٢) في (ش)، (م): (وأنت).

(٥٣) في (ش): (عزية).

(٥٤) سقطت من (م).

(٥٥) في (ش): (تزري).

(٥٦) من كلام الأصمعي تابع للنقل السابق عنه، نقله أبو علي في "الحجة" 2/ 255، وقطعه المؤلف وأدخل فيه غيره.

(٥٧) البيتان لحميد بن ثور، وردا في "الإصابة" 1/ 356، "الاستيعاب" 1/ 431، "الأغاني" 18/ 132، "الزاهر" 1/ 367.

ينظر: "وضح البرهان" 2/ 332.

(٥٨) في (م): (يؤذي).

(٥٩) في (ش): (للصبا).

(٦٠) في (أ): (كأنها المصيف).

(٦١) في (ش): (الكثيف).

(٦٢) ورد البيت في "ديوان الحماسة" 1/ 334.

(٦٣) في (م): (الثنا).

(٦٤) ينظر في تفصيلات الريح وأسمائها وأنواعها:"المخصص" لابن سيده 2 سفر 962 وما بعدها.

(٦٥) فبهذه الآية قرأ حمزة والكسائي وخلف بإسكان الياء وحذف الألف بعدها، على الإفراد، وغيرهم بفتح الياء وألف بعدها على الجمع.

ينظر: "السبعة" ص 173،== "النشر" 2/ 223، "الحجة" 2/ 248 - 251، وقد ذكروا المواضع التي اختلفت فيها القراء في القرآن كله.

(٦٦) في (م): (يقال).

(٦٧) في (م): (هلك).

(٦٨) أخرجه الشافعي في الأم 1/ 253 باب القول في الإنصات عند رؤية السحاب، وفي "المسند" 1/ 175 برقم 502، باب في الدعاء من طريق العلاء بن راشد عن عكرمة عن ابن عباس، ومن طريق الشافعي أخرجه البيهقي في "معرفة السنن والآثار" 5/ 189، وأخرجه أبو الشيخ في "العظمة" 4/ 1352 من طريق العلاء بن راشد، وهو ضعيف، وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" 4/ 341، والطبراني في "الكبير" 11/ 213 من طريق الحسين بن قيس، وهو متروك.

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 10/ 135: رواه الطبراني وفيه: حسين بن قيس، الملقب بحنش، وهو متروك، وقد وثقه حصين بن نمير، وبقية رجاله رجال الصحيح.

(٦٩) في (م): (رايدًا).

(٧٠) في كتاب "الحجة" 2/ 257: ومواضع العذاب بالإفراد، ويقوي ذلك قوله تعالى.

(٧١) في (أ)، (م): (الإفراد والعذاب).

(٧٢) من كتاب "الحجة" 2/ 256 - 258 بتصرف.

(٧٣) في (ش): (سكتت).

ولعلها كذلك في (م).

(٧٤) ينظر في معاني التصريف: "المفردات" ص 283، "اللسان" 4/ 2434 (صرف).

(٧٥) العبارة غير واضحة، وقد يكون صوابها: صرف الفحل نابه، أي: حرقه فسمعت له صوتًا، ولنابه صريف أي: صوت.

قال في "اللسان" 4/ 2436: الصريف: صوت الأنياب، وصرف الإنسان والبعير نابه، وبنابه حرقة فسمعت له صريفًا، وناقة صروف بينة الصريف، وصريف الفحل: تهدُّره.

(٧٦) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 64، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 275، "تفسير الثعلبي" 1/ 1311، "المحرر الوجيز" 2/ 51، "البحر المحيط" 1/ 467.

(٧٧) "تفسير الثعلبي" 1/ 1312، وينظر: "المفردات" ص 231، "التفسير الكبير" 4/ 202، "اللسان" 4/ 1948.

(٧٨) ينظر: "المفردات" 233، "التفسير الكبير" 4/ 202، "اللسان" 4/ 1963 (سخر).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض ﴾ الآية، ذكر فيها ثمانية أصناف من المخلوقات تنبيهاً على ما فيها من العبر والاستدلال على التوحيد المذكور قبلها في قوله: وإلهكم إله واحد ﴿ واختلاف الليل والنهار ﴾ أي اختلاف وصفهما من الضياء والظلام والطول والقصر، وقيل إن أحدهما يخلف الآخر ﴿ بِمَا يَنفَعُ الناس ﴾ من التجارة وغيرها ﴿ وَتَصْرِيفِ الرياح ﴾ إرسالها من جهات مختلفة، وهي الجهات الأربع، وما بينهما وبصفات مختلفة فمنها ملقحة للشجر وعقيم، وصر، وللنصر، وللهلاك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا إله إلا هو ﴾ بالمد وكذلك جميع التهليل.

روى الهاشمي عن ابن كثير لورود الأثر في هذه الكلمة وهو قوله  "من قال لا إله إلا الله ومدها غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" وروى أبو الفرج عن قتيبة "إلا" هو بالإمالة حيث كان.

﴿ الريح ﴾ مفرداً: حمزة وعلي وخلفٍ.

الباقون: الرياح مجموعاً.

الوقوف: ﴿ واحد ﴾ ج نظراً إلى أن ما بعده وصف آخر.

وإلى الاختلاف بالنفي والإثبات ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ من كل دابة ﴾ ص ضرورة طول الآية وإلا فاسم "إن" ﴿ لآيات ﴾ والجار وما يتصل به معترض، والأولى الوصل والرجوع.

﴿ يعقلون ﴾ ه.

التفسير: الواحد قد يكون اسماً وذلك في العدد واحد، اثنان، ثلاثة.

وقد يكون صفة كقولك "شخص واحد" ومعناه أنه لا ينقسم من جهة ما قيل: له إنه واحد.

فالإنسان الواحد يستحيل أن ينقسم من حيث هو إنسان، لأن الإنسان الواحد يستحيل أن ينقسم إلى إنسانين، بل قد ينقسم إلى الأبعاض والأجزاء وذلك من جهة أخرى.

ثم زعم قوم أن الواحدية صفة زائدة على الذات لأن الجوهر قد يشارك العرض في كونه واحداً لا يشاركه في كونه جوهراً فقط، ولأنه يصح تعقل الجوهر مع الذهول عن كونه واحداً، والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم، ولأن قولنا "الجوهر واحد" ليس يجري مجرى قولنا "الجوهر جوهر" ولأن مقابل الجوهر العرض، ومقابل الواحد هو الكثير.

ثم المفهوم من كونه واحداً أمر ثبوتي لأنه لو كان سلبياً لكان سلباً للكثرة.

فإن كانت الكثرة سلبية وسلب السلب ثبوت فالوحدة ثبوتية وهو المطلوب، وإن كانت الكثرة ثبوتية ولا معنى للكثرة إلا مجموع الوحدات فإن كانت الوحدة سلبية حصل من الأمور المعدومة أمر موجود وهو محال، فثبت أن الوحدة صفة زائدة ثبوتية.

ثم إنه لا يمكن أن يقال: إنه لا تحقق لها إلا في الذهن لأنا نعلم بالضرورة أن الشيء المحكوم عليه بأنه واحد قد كان واحداً في نفسه قبل أن يوجد في ذهننا واعتبارنا فثبت أن كون الشيء واحداً صفة ثبوتية زائدة على ذاته قائمة بتلك الذات.

والجواب أن كون الشيء واحداً في ذاته معناه كونه بحيث يصح أن يدرك الذهن منه معنى الوحدة، وهذه الحيثية لا تتوقف على حصول الذهن في الخارج.

ثم إن الوحدة لو كانت صفة زائدة على الذات كانت الوحدات متساوية في ماهية الوحدة ومتباينة بتعيناتها، فيكون للوحدة وحدة أخرى وهلم جرا وذلك محال، ثم إن شيئاً من الموجودات لا ينفك عن الوحدة حتى العدد، فإن العشرة الواحدة يعرض لها الوحدة من حيث هي عشرة واحدة.

فإن قلت: عشر ثانٍ فالعشرتان مرة واحدة قد عرضت لها الوحدة من هذه الجهة، فلا شيء من الموجودات ينفك عن الوحدة.

ولكن الوحدة تغاير الوجود لأن الموجود ينقسم إلى الواحد، والكثير والمنقسم إلى شيئين: مغاير لما به الانقسام.

والواحد الحق  وتعالى واحد باعتبارين: أحدهما أن ذاته ليست مركبة من أمور كثيرة بل ولا من أمرين أيضاً وإليه الإشارة بقوله ﴿ إلهكم إله واحد ﴾ والخطاب للممكنات بأسرهم.

والتذكير لتغليب ذوي العقول الذكور، وثانيهما أنه ليس في الوجود ما يشاركه في كونه واجب وفي كونه مبدأ لجميع الممكنات وهو المراد بقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ ويمكن أن يقال: القرينتان تدلان على نفي الشريك إلا أن الأولى منهما تدل على إثبات وحدته في الإلهية بالمطابقة.

ويلزم منه نفي الشريك كقولك "هو سيد واحد" تريد الوحدة في السيادة، فيلزم نفي أن يكون غيره سيداً.

والقرينة الثانية تدل على نفي الشريك بالمطابقة.

ثم على إثبات المعبودية بالحق فمعناه لا إله في الوجود إلا هو.

وفيه نكتة شريفة وهي أن إثبات الحق وقع في كلتا القرينتين بالمطابقة ليعلم أنه المقصد الأسنى والغاية القصوى.

وتحقيقه أن العارف له رجوع وعروج، وذلك أنه قد يفنى في عالم اللاهوت ويبقى ببقاء الحي الذي لا يموت، ويطالع عالم الشهود فيلزمه حينئذ نفي ما سوى الحق.

وإذا رجع إلى عالم الناسوت ضرورة وجب عليه نفي كل من سواه حتى يعرج إلى المقصود.

فهذا سر عكس الترتيب في القرينتين، ولأن الأولى مرتبة الصديقين السابقين فلا جرم وقع التكليف بالترتيب الأخير "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله".

ثم البرهان العقلي على أنه  واحد من جميع الوجوه لا يجمعه أجزاء مقدارية كما للأجسام، ولا يحصره أجزاء معنوية كما في البسائط النوعية، ولا أجزاء اعتبارية كما في البسائط الجنسية، هو أن كل مركب فإنه يفتقر في تحققه أجزائه، والمفتقر إلى غيره لا يكون واجب الوجود لذاته.

وأيضاً فكل ممكن فإن وجوده زائد على ماهيته في العقل والاعتبار فإنه يمكن تصور الممكن من حيث إنه ممكن مع الشك في وجوده الخارجي.

ولكن لا يمكن تعقل الواجب من حيث إنه واجب مع الشك في وجوده، ولا نعني بكون الوجود زائداً على الماهية وغير زائد إلا هذا.

وأما أنه  وحده لا شريك له فلأن وجوب الوجود يقتضي أن لا يكون الواجب لذاته مفتقراً في شيء إلى شيء أصلاً، ولا يكون كذلك إلا إذا كان في غاية الكمال ونهاية الجلال والجمال، ولا ريب أن من كمالات الجميل كونه عديم النظير.

ومن تحقق معنى وجوب الوجود بنور الباطن وصفاء الضمير لم يشك في وجوده  ولا في أن واجب الوجود من جميع جهاته، وواجب الوجود في جميع صفاته، وواحد بجميع اعتباراته حتى عن حمل الوحدة عليه وعن تصور ذاته.

وههنا حالة عجيبة، فإن العقل ما دام يلتفت إلى الوحدة فهو بعد لم يصل إلى عالم الوحدة، فإذا ترك الوحدة فقد وصل إلى الوحدة.

فاعرف هذه الأسرار لتتخلص عن ظلمات شبهات الأشرار وتفوز بمقامات الأبرار وتستغرق في بحار عالم الأنوار بعون الملك الجبار وشروق أنوار الواحد القهار.

ولك أن تقول: إنه  واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له.

أما أنه واحد في ذاته فلأنه لو شاركه غيره في حقيقته لزم تركبه مما به الاشتراك وما به الامتياز، وكل مركب مفتقر، وكل مفتقر ممكن.

وأما أنه واحد في صفاته فلأن صفات غيره من غيره وصفاته من نفسه، ولأن صفات غيره زمانية دون صفاته ولأن صفات غيره متناهية وصفاته غير متناهية كعلمه مثلاً، فإن له معلومات غير متناهية بل له في كل معلوم علوم غير متناهية بحسب أحياز ذلك المعلوم وأوقاته وسائر أحواله، ولأن موصوفية ذاته بالصفات ليست بمعنى كونها حالة في ذاته وكون ذات محلاً لها، ولا بمعنى أن ذاته تستكمل بها لأن ذاته كالمبدأ لتلك الصفات ولن يستكمل المبدأ بما عن المبدأ بل ذاته مستكملة بذاته.

ومن لوازم ذلك الاستكمال الذاتي تحقق صفات الكمال، وقد يفضي التقرير ههنا إلى حيث تقصر العبارة عن الوفاء به، وتلك أنه لا خبر عند العقول من صفاته كما أنه لا خبر عندها من ذاته، فإنا لا نعرف من علمه إلا أنه الآمر الذي لأجله ظهر الأحكام والإتقان في المخلوقات، كما أنا لا نعلم من ذاته إلا أنه مبدأ جميع الممكنات.

من طبع على قلبه مني بالخذلان، ومن كشف له الغطاء صار حيران فلا إحاطة للقطرة بكرة الماء، ولا ظهور لضوء السهى عند حلول الشمس.

كبـد السـماء أشتاقـه فـإذا بـدا *** أطـرقـت مــن إجــلالــه لا خيفـــة بــل هيبــــة *** وصيـــانـة لجمــــالــه فــالمــوت فــي إدبــاره *** والعيــش فــي إقبــالـــه وأصــدّ عنـــه إذا بـــدا *** وأروم طيــف خيـــالـــه وأما أنه واحد في أفعاله فلأن ما سواه ممكن الوجود لذاته، وبقدر البون بين الواجب للذات والممكن للذات يوجد التفاوت بين فعليهما إن فرض للممكن فعل من نفسه { الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء  وتعالى عما يشركون } [الروم: 40] ثم إنه  خص الموضع بذكر الرحمن الرحيم، لأن الإلهية والفردانية يفيد القهر والعلو، فقعبهما بذكر الصفتين ترويحاً للقلوب عن هيبة الإلهية وعزة الفردانية وإشعاراً بأنه ما خلق الخلق إلا للرحمة والإحسان ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ الآية.

ذكر علماء المعاني في إيجاز هذه الآية أن في ترجيح وقوع أيّ ممكن كان على "لا وقوعه" لآيات للعقلاء.

إلا أن الكلام لما كان مع الإنس أو الجن فحسب بل مع الثقلين، ولا مع قرن دون قرن بل مع القرون كلهم إلى انقراض الدنيا وفيهم من مرتكبي التقصير في باب النظر والعلم بالصانع من لا يحصي من طوائف الغواة، لم يكن مقام أدعى لترك الإيجاز إلى الإطناب من هذا.

عن عطاء قال: نزل بالمدينة على النبي  ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ فقالت كفار قريش بمكة - ولهم حينئذ حول الكعبة ثلثمائة وستون صنماً -: كيف يسع الناس إله واحد؟

فنزلت ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ إلى آخرها وعن سعيد بن مسروق: لما نزلت ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ تعجب المشركون وقالوا: إله واحد؟

إن كان صادقاً فليأتنا بآية فنزلت.

وزعم بعض الناس أن الخلق هو المخلوق وهو الذي يدل على الصانع.

والتحقيق أنه غيره لأن الخلق التقدير، وتقدير المخلوقات غير نفس المخلوقات، ولو كان عينها والخالقية صفة لله  لزم اتصافه  بالقاذورات، والشياطين.

ولأنه يصح تعليل حدوث الحادث بخلق الله تعالى فلا يصح تعليل حدوثه بنفس ذلك الحادث، ولأنه يصح أن يقال: خلق السواد وخلق البياض ومفهوم الخلق فيهما واحد، ومفهوم السواد غير مفهوم البياض، ولاتفاق المعتبرين من النحاة على أن العالم في قول "خلق الله العالم" مفعول به لا مفعول مطلق.

ثم لا نزاع في الاستدلال على الخالق بالمخلوق، لكن لا من جهة عينه بل من جهة خلق الله إياه، وهذه الجهة التي صيرته آية.

وقد عدد الله  في هذه الآية ثماني آيات: الأولى: خلق السموات وقد تكلمنا في عددها وترتيبها في تفسير قوله  ﴿ فسوّاهن سبع سموات  ﴾ وقد زعم أهل الهيئة لما شاهدوا من كل واحد من السيارات السبع حركات مختلفة كالبطء والسرعة بعد التوسط في الحركة والوقوف والرجوع بعد الاستقامة وهي الحركة على توالي البروج وعندهم مقدمتان كليتان إحداهما أن السمويات لا يتطرق إليها إلا الاختلاف الوضعي.

الثانية: أن حركة الكوكب في الفلك ليست كحركة السمك في الماء ولكه يدور بإدارة الفلك إياه، أن كل واحد من أفلاك السيارات ينقسم إلى أفلاك أخر يتضمنها فلكه الكلي الذي مركزه مركز العالم، ومراكزها تخالف مركزه في الأغلب.

ثم إن كان مع المخالفة في المركز محيطاً بالأرض يخص باسم الخارج المركز ويبقى بعد توهم انفصاله من الفلك الكلي جسمان تعليميان متبادلاً وضع الغلظ والرقة يسميان المتممين، وإن لم يكن محيطاً بالأرض سمي بالتدوير، ويكون الكوكب مركوزاً فيه كالفص في الخاتم.

ويلزم له من مجموع الحركات المركبة من تلك الأفلاك حركة مختلفة في النظر، وإن كان كل منهما متشابهاً في نفس الأمر، ويعني بالتشابه ههنا أن يقطع المتحرك من المحيط في أزمنة متساوية قسياً متساوية، أو يحدث عند المركز زوايا متساوية وبالاختلاف نقيض ذلك.

فللقمر من تلك الأفلاك أربعة: اثنان متوافقان في المركز وخارج وتدوير.

وللعطارد أربعة: أحدها يوافق مركزه مركز العالم وخارجان وتدوير.

وللزهرة ثلاثة: وللشمس اثنان: موافق وخارج.

ولكل من الثلاثة العلوية كما للزهرة.

ومقادير حركات هذه الأفلاك بسيطة موضوعة في الزيجات، وأما المختلفة فالشمس تقطع جميع الفلك في سنة شمسية وهي ثلثمائة وخمسة وستون يوماً وربع يوم إلا كسراً، والقمر في ثمانية وعشرين يوماً، وكل من عطارد والزهرة كالشمس وزحل في ثلاثين سنة، والمريخ في سنتين، والمشتري في اثنتي عشرة سنة جميع ذلك بالتقريب.

وإذا تقرر ذلك على الإجمال فنقول في كيفية الاستدلال بهذه الأحوال: إن اختصاص مقادير كل واحد من الأفلاك بمقدار معين مع اشتراكها في الطبيعة الفلكية، تدل على مخصص مدبر مختار خبير قهار.

وكذا تخصص كل منها بحيز معين، وكذا تعيين نقطتين من سطح الفلك للقطبية مع تساوي جميع النقط المفروضة عليه في صلوح ذلك، وكذا حصول الكواكب أو التدوير في جانب معين من الفلك، وكذا تفصيل الأفلاك الكلية إلى الخوارج المراكز وإبقاء المتممات على أقدار معينة في الرقة والغلظ، وكذا تعيين كل من الأجرام بحركة معينة.

السيارات كما قلنا آنفاً والثوابت بحيث تتم دوراً في ستة وثلاثين ألف سنة على ما في المجسطي، أو في خمسة وعشرين ألف سنة ومائتي سنة عند المتأخرين، والفلك الأعظم في يوم بليلة.

وكذا تعيين جهات الحركات شرقاً أو غرباً أو شمالاً أو جنوباً، وكذا تعيين مبادئ الحركات وتخصيصها بزمان دون زمان، فإن الأفلاك سواء قلنا أن ذواتها حادثة أو يقال إنها أزلية، لا بد أن يكون لحركاتها أول فإن الحركة انتقال من حالة إلى حالة، وكون الحركة أزلية ينافي المسبوقية بالغير.

فالابتداء بالحركة بعد أن لم تكن يقتضي الافتقار إلى فاعل مختار يكون الكل تحت قهره وتسخيره، وكذا تخصيص كل من الكواكب بعظم آخر وبلون آخر وبلون آخر كصفرة عطارد وبياض الزهرة كمودة زحل ودريّة المشتري وحمرة المريخ وظلمة القمر في ذاته بحيث إذا حال حائل بين الناظر وبين الشمس - وذلك في الاجتماع المرئي - كسفه.

وكذا اختلاف تأثيراتها في هذا العالم بإذن خالقها.

وبالجملة فإن هذا الترتيب العجيب والنسق الأنيق في تركيب هذه الأفلاك وائتلاف حركتها وارتباط أجرامها واختلاف أوضاعها المستتبعة لاتصالاتها وانصرافاتها، أترى أنها مبنية على حكمة وبقدرة قدير خبير أم هي واقعة عبثاً وجزافاً؟

هيهات فإن من جوّز في بناء رفيع وقصر مشيد أن التراب والماء انضم أحدهما إلى الآخر ثم تولد منهما اللبنات ثم تركبت تلك اللبنات وتولدت من تركيبها القصر ثم تزين بنفسه بالنقوش الغريبة والرسوم اللطيفة، قضى العقل له بالجنون وسجل عليه بسخافة الرأي بل يعد من زمرة الأنعام من جملة الأنام.

الآية الثانية خلق الأرض: ومن تأمل في شكلها من الاستدارة وفي حيزها من كونها واقعة في مركز العالم حتى انبعث منها بوقوع الشمس عليها مخروط ظلي في مقابلة الشمس متى وقع القمر فيه انخسف، ومن انكشاف بعضها عن كرة الماء لمكان الاستقرار عليها، وفي اختلاف أوضاع بقاعها بالنسبة إلى السماء حتى اختلف مرور الشمس وسائر الكواكب بسمت رؤوس قطان البلدان وتباينت الفصول والأمزجة والأخلاق وتغايرت الطوالع والمطالع بحسب تغاير الآفاق، ومن سائر أعراضها ومنافعها التي تقرر طرف منها في تفسير قوله ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشاً  ﴾ علم افتقارها إلى مدبر قدير وعليم خبير واحد في ملكه يفعل ما يشاء كما يشاء من غير منازع ومعاند.

الثالثة: اختلاف الليل والنهار: أما النهار فإنه عبارة عن مدة كون الشمس فوق الأفق.

وفي عرف الشرع: زيادة ما بين طلوع الفجر الصادق إلى طلوع جرم الشمس.

وأما الليل، فعبارة عن مدة خفاء الشمس تحت الأفق، أو بنقصان الزيادة المذكورة، وذلك لأن الشمس إذا غابت ارتفع رأس مخروط ظل الأرض إلى فوق فوقع الإبصار داخله إلى أن يظهر الضلع المستنير منه من جانب الأفق الشرقي فيكون أول الفجر الكاذب إن كان الضوء مرتفعاً عن الأفق بعد، وأول الفجر الصادق إذا قرب من الأفق جداً وانبسط النور حتى إذا غاب رأس المخروط تحت الأفق طلع مركز جرم الشمس في مقابله فظهر أن الليل والنهار كيف يختلفان أي يتعاقبان مجيئاً وذهاباً كقوله ﴿ وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة  ﴾ أو يختلفان ظلاماً وضياءً أو طولاً وقصراً لأن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر ضرورة كون مجموعهما أربعاً وعشرين ساعة.

أو كيف يختلفان في الأمكنة فإن نهار كل بقعة تقابلها ضرورة كروية الأرض.

أو كيف يختلفان باختلاف البلدان فإن البلد كلما ازداد عرضاً عن خط الاستواء - وهو الموضع المحاذي لمنطقة الفلك الأعظم المسماة معدل النهار - ازداد نهاره في الصيف طولاً وفي الشتاء قصراً وبالعكس في الليل وقد يرتقي طول النهار بحسب تزايد ارتفاع القطب إلى حيث يصير اليوم بليلته نهاراً كله وبإزائه الليل، ثم إلى أكثر من ذلك إلى حيث يكون نصف السنة نهاراً ونصفها الآخر ليلاً وذلك إذا صار قطب الفلك الأعظم محاذياً لسمت الرأس ولا عمارة هناك، ولا حيث يزيد النهار الأطول على يوم بليلته لشدة البرد اللازم من قبل انخفاض الشمس.

وكون الليل والنهار في أنفسهما آيتين على وجود الصانع ووحدانيته ظاهر، وكذا من جهة ارتباطهما بحركة النير الأعظم، وكذا من جهة انتظام أحوال العباد بهما بسبب طلب المعاش في الأيام والنوم والراحة في الليالي.

ومن الغرائب تعاون المتنافيين على أمر واحد هو إصلاح معاش الحيوان، وأن إقبال الخلق في أول الليل على النوم يشبه موت الخلائق أولاً عند النفخة الأولى، ويقظتهم عند طلوع الفجر تضاهي عود الحياة إليهم في النفخة الثانية، وانشقاق ظلمة الليل بظهور الفجر المستطيل فيه من أعجب الأشياء كأنه جدول ماء صاف يسيل فيما بين بحر كدر بحيث لا يمتزجان.

وكل هذه الأمور دلائل على وجود مبدع عظيم الشأن غني عن الزمان والمكان مبرأ عن سمات الحدوث والإمكان.

الرابعة: الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس أي متلبسة بالذي ينفعهم مما يحمل فيها، أو بنفع الناس.

والفلك بالضم والسكون السفينة، واحد وجمع.

فضمة الواحد ضمة برد وضمة الجمع ضمة أسد، وتأنيث صفته ههنا أن يكون لتضمين معنى السفينة، ويحتمل أن يكون لمعنى الجمعية أي المراكب التي تجري، والتركيب يدل على الاستدارة والدوران ومنه "الفلك جسم كروي يحيط به سطحان متوازيان مركزهما واحد" "وفلكة المغزل" "وفلك ثدي الجارية استدار".

والبحر خلاف البر.

قيل: سمي بذلك لاتساعه وتعمقه ومنه "تبحر في العلم والمال" ويسمى الفرس الواسع الجري بحراً.

قال  في فرس أبي طلحة: "إن وجدناه لبحراً" وقيل: من الشق بحرت أذن الناقة شققتها.

ومنه البحيرة.

هذا وقد سلف في تفسير قوله عز من قائل ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشاً  ﴾ .

أن الماء محيط بأكثر جوانب القدر المعمور من الأرض فذلك هو البحر المحيط.

وقد دخل من ذلك الماء من جانب الجنوب متصلاً بالمحيط الشرقي ومنقطعاً عن الغربي إلى وسط العمارة أربعة خلجان: أولها إذا ابتدئ من الغرب الخليج البربري لكونه حدود بربر من أرض الحبشة طوله من الجنوب إلى الشمال مائة وستون فرسخاً، وعرضه خمسة وثلاثون فرسخاً.

وعلى ضلعه الغربي بلاد كفار الحبشة وبعض الزنج، وعلى الشرقي بلاد مسلمي الحبشة.

وثانيها الخليج الأحمر، طوله من الجنوب إلى الشمال أربعمائة وستون فرسخاً، وعرضه بقرب منتهاه ستون فرسخاً، وبين طرفه وفسطاط مصر الذي على شرقي النيل مسيرة ثلاثة أيام على البر، وعلى ضلعه الغربي بلاد الزنج من البربر وبعض بلاد الحبشة، وعلى ضلعه الشرقي سواحل عليها فرضة مدينة الرسول  لقوافل مصر والحبشة إلى الحجاز، ثم سواحل اليمن، ثم عدن على الزاوية الشرقية منه.

وثالثها خليج فارس، طوله من الجنوب إلى الشمال أربعمائة وستون فرسخاً، وعرضه قريب مائة وثمانين، وعلى سواحل ضلعه الغربي اليمن وبلاد عمان ولهذا ينسب البحر هناك إليها.

وجملة ولاية العرب وأحيائهم من الحجاز واليمن والطائف وغيرها وبواديهم بين الضلع الغربي من هذا البحر والشرقي من الخليج الأحمر، فلهذا تسمى العمارة الواقعة بينهما جزيرة العرب وفيها مكة زاد الله شرفها.

وعلى سواحل ضلعه الشرقي بلاد فارس ثم هرموز ثم مكران ثم سواحل السند.

ورابعها الخليج الأخضر مثلث الشكل آخذ من الجنوب إلى الشمال.

ضلعه الشرقي من بلاد فارس ثم هرموز ثم مكران يتصل بالمحيط الشرقي.

وضلعه الغربي خمسمائة فرسخ تقريباً.

وعلى سواحل هذا الضلع ولايات القتا والصين ولهذا يسمى بحر الصين، ومن زاويته الشرقية من بحر فارس يسمى بحر الهند لكون بعض ولاياتهم على سواحله، وأيضاً قد دخل إلى العمارة من جانب الغرب خليج عظيم يمر من جانب الجنوب على كثير من بلاد المغرب ويحاذي أرض السودان وينتهي إلى بلاد مصر والشام، ومن جانب الشمال على بلاد أندلس والجلانقة والصقالبة إلى بلاد الروم والشام، ويتشعب منه شعبة من شمال أرض الصقالبة إلى أرض مسلمي بلغار يسمى بحر ورتك.

طوله المعلوم مائة فرسخ، وعرضه ثلاثة وثلاثون.

وإذا جاوز تلك النواحي امتدّ نحو المشرق عما وراء جبال غير مسلوكة وأراض غير مسكونة، ويتشعب منه أيضاً شعبة تسمى بحر طرابزون.

فهذه هي البحار المتصلة بالمحيط.

أما غير المتصلة فأعظمها بحر طبرستان وجيلان وباب الأبواب والخرز والبكون، لكون هذه الولايات على سواحله مستطيل الشكل آخذ من المشرق إلى المغرب بأكثر من مائتين وخمسين فرسخاً، ومن الجنوب إلى الشمال تقريب من مائتين.

ومن عجائب البحار الحيوانات المختلفة الأعظام والأنواع والأصناف، ومنها الجزائر الواقعة فيها.

فقد يقال في بحر الهند من الجزائر العامرة وغير العامرة ألف وثلثمائة وسبعون، منها جزيرة عظيمة في أقصى البحر تقابل أرض الهند في ناحية المشرق.

وعند بلاد الصين تسمى جزيرة سرنديب دورها ثلاثة آلاف ميل، فيها جبال عظيمة وأنهار كثيرة ومنها يخرج الياقوت الأحمر.

وحول هذه الجزيرة تسع عشرة جزيرة عامرة فيها مدائن وقرى كثيرة، ومن جزائر هذا البحر جزيرة "كلة" التي يجلب منها الرصاص القلعي، وجزيرة "سريرة" التي يجلب منها الكافور.

وغرائب البحر كثيرة ولهذا قيل: حدث عن البحر ولا حرج وسئل بعض العقلاء ما رأيت من عجائب البحر؟

قال: سلامتي منه.

والسفينة مما ألهم الله  تركيبها ثم أجراها بقدرته على وجه الماء، فلولا رقة الماء وخفة مادة السفينة ثم عجيب صنعتها لما تم جريها، ولولا الرياح المعينة على تحركها لما تكامل النفع بها، ولولا اعتدال الريح لما سلمت من تلاطم الأمواج، ولولا تقوية قلوب راكبيها لما صبروا على شدائد ركوبها، ولولا أنه  خص كل طرف بشيء لم تنبعث الدواعي إلى اقتحام الأخطار في هذه الأسفار وحمل الأمتعة إلى الأمصار في البراري والبحار، فلا جرم ينتفع الحامل من حيث إنه يربح، وينتفع المحمول إليه من حيث إنه يجد ما أعوزه.

وفي الآية دليل على إباحة ركوب السفينة وإباحة الانتفاع بالتجارة.

الخامسة: ﴿ وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ﴾ أما نزول المطر من السماء فقد مر تحقيق ذلك في تفسير قوله  ﴿ أو كصيبٍ من السماء  ﴾ وأن المراد من السماء السحاب أو التقدير من جانب السماء.

وأما تنكير ﴿ من ماء ﴾ فلأن الغرض الوحدة الشخصية أو الصنفية يعني ماء هو سبب حياة الأرض لا المطر الذي قد لا ينبت شيئاً كما جاء في الحديث "ليس السنة بالتي لا تمطر وإنما السنة التي تمطر ولا تنبت" ولا ريب أن في إنزال ذلك الماء دلالات على الصانع ووحدانيته حيث جعله في غاية الصفاء واللطافة والعذوبة وصيره سبباً للأرزاق وأنزله بعد قنوط الناس منه وشدة احتياجهم إليه وأودع في نزوله حياة الأرض أي حسنها ونضارتها ورواءها وبهجتها وخضرتها بخروج أصناف النبات وضروب الأعشاب وألوان الأزهار وأنواع الأشجار والأثمار وجريان الجداول بينها والأنهار بحيث تروق الناظرين وتشوق السامعين.

فـوقـت الـربيـع فـي الأزمـان *** كســن الصبـا فـي الأسنــان وموت الأرض من ترشيح الاستعارة، فإنه لما عبر عن بهجتها ونضرتها وخضرتها بالحياة، عبر عن جمودها وكمودتها وبقائها على الهيئة الأصلية بالموت كأنها جسد لا روح فيه.

فلا دواء عليه.

السادسة: ﴿ وبث فيها من كل دابةٍ ﴾ وإنه معطوف على ﴿ أنزل ﴾ فيدخل تحت حكم الصلة، ويصح عود الضمير ﴿ فيها ﴾ إلى الأرض لأن قوله ﴿ فأحيا ﴾ عطف على ﴿ أنزل ﴾ فاتصل به وصارا جميعاً كالشيء الواحد.

فكأنه قيل: وما أنزل في الأرض من ماء وبث فيها من كل دابة ويجوز عطفه على ﴿ أحيا ﴾ أي فأحيا بالمطر الأرض وبث فيها من كل دابةٍ، لأن معاش الحيوان بل حياته يدور على الماء ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي  ﴾ .

واعلم أن الحيوان إما توليدي أو توالدي، وكلا الصنفين يحتاج إلى صانع فردٍ حكيم.

يحكى أن شخصاً قال بحضرة عمر: إني أتعجب من أمر الشطرنج ورقعته صغيرة ولو لعب الإنسان به ألف مرة لم يتفق مرتان فقال عمر: ههنا ما هو أعجب منه، وهو أن مقدار الوجه شبر في شبر، ثم إن مواضع الأعضاء التي فيها من الحاجبين والعينين والأنف والفم لا يتغير ألبتة ومع ذلك لا ترى شخصين أبداً يشتبهان في الصورة.

فما أعظم تلك القدرة والحكمة التي أظهرت في هذه الرقعة الصغيرة هذه الاختلافات التي لا حد لها، ولولا هذا الاختلاف لاشتبه الناس بعضهم ببعض وانقطع نظم معايشهم وحوائجهم.

ومن تأمل كتب التشريح وقرأ كتاب الحيوان وتتبع عجائب المخلوقات وقف من تراكيبها وخواصها على ما يقضي منه العجب ويفضي إلى الاعتراف بوحدانية الرب.

السابعة: تصريف الله  الرياح مع دقتها ولطافتها وفي ذلك نفع عظيم لانتفاع الحيوان بتنشق الهواء البارد، وبجريان السفن بهبوب الرياح، ومن قبل تلقيح الأشجار وسوق السحاب إلى حيث يرسله الله  ، ومن جهة تصحيح الأهوية الوبائية إلى غير ذلك من المنافع.

والمراد بتصريفها تقليبها في جهات العالم على حسب المصالح شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً أي صباً ودبوراً على كيفيات متخالفة حارّة وباردة وعاصفة ورخاء.

ومن قرأ الريح بالموحدة فليس فيها دلالة على العذاب في هذا المقام، والذي جاء في الحديث أنه  كان إذا هبت الريح قال: "اللَّهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً" .

فلا يدل إلا على أن مواضع الرحمة بالجمع أدل كما قال  : ﴿ ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات  ﴾ وقال ﴿ وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم  ﴾ وقد تختص اللفظة في القرآن بشيء فتكون أمارة له.

فمن ذلك أن عامة ما جاء في التنزيل من قوله ﴿ وما يدريك ﴾ مبهم غير معين قال ﴿ وما يدريك لعل الساعة قريب  ﴾ وما كان من لفظ "أدراك" فإنه مفسر ﴿ وما أدراك ما القارعة  ﴾ ﴿ وما أدراك ما هيه  ﴾ .

الثامنة: السحاب المسخر بين السماء والأرض سمي سحاباً لانسحابه في الهواء.

ومعنى التسخير التذليل.

وذلك أن طبع الماء ثقيل يقتضي النزول فكان بقاؤه في جو الهواء على خلاف طبعه بقاسر ومخسر.

وأيضاً لو دام لعظم ضرره من حيث إنه يستر ضوء الشمس ويكثر الأنداء والأمطار ويتعذر التردد في الحوائج، ولو انقطع لعظم ضرره لاستلزامه الجدب والإمحال، فكان تقديره بالمقدار المعلوم والإتيان به في وقت الحاجة ودفعه عند زوالها بمدبر ومسخر لا محالة.

وفي نفس السحاب من عظمه وتراكمه وارتفاعه وانخفاضه وانبساطه وتخلخله وسده الأفق في لحظة وانقشاعه في أخرى واشتماله على الرعد والبرق والسحمة والتطبيق إلى غير ذلك من العجائب دلالات واضحة على كمال حكمة موجده ومقدّره.

وأما قوله  ﴿ الآيات ﴾ فيحتمل أن يكون راجعاً إلى الكل أي مجموع هذه الأشياء الثمانية آيات، ويحتمل أن يكون راجعاً إلى كل واحد فإن كل واحد منها يدل على مدلولات كثيرة كما فصلنا.

وأيضاً فكل واحدة منها من حيث إنها موجودة فدل على وجود موجدها، وكونه قادراً ومن حيث إنها وقعت على وجه الإحكام والإتقان تدل على علم الصانع، ومن حيث حدوثها واختصاصها بوقتٍ دون وقت تدل على إرادته واختياره، ومن حيث إنها وجدت على الاتساق والانتظام دلت على وحدانية الله  ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ .

وأما قوله  ﴿ لقوم يعقلون ﴾ فإنما خص الآيات بهم لأنهم الذين يتمكنون من النظر فيه والاستدلال به.

وفي الآية من الفوائد أن التقليد مذموم فيما إلى تحقيقه سبيل.

وفيها أن جميع المعارف ليست ضرورية وإلا لم يحتج إلى النظر في شيء منها، وإنما خص الآيات الثمانية بالذكر مع أن سائر الأجسام والأعراض مستوية في الاستدلال بها على وجود الصانع بل كل ذرّة من الذرات، لأنها جامعة بين كونها نعماً على المكلفين، ومتى كانت الدلائل كذلك كانت أنجع في القلوب وأشد تأثيراً في الخواطر.

عن رسول الله  "ويلٌ لمن قرأ هذه الآية فمج بها" أي لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها حسبي الله ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

ذكر هذا الاسم؛ لأن كل معبود يعبد عند العرب يسمون إلهاً؛ كقوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ  ﴾ ؛ لهذا ذكر إن إلهكم الذي يستحق الألوهية والعبادة واحد بذاته، لا واحد من جهة العدد بالخلق ذي أعداد وأزواج وأشكال، بل واحد بذاته وبجلاله وعظمته وارتفاعه وتوحده عن شبه الخلق وجميع معايبهم.

يقال: فلان واحد زمانه.

يراد لارتفاع أمره وعلو مرتبته، لا بحيث العدد، إذ بحيث العدد مثله كثير.

وقوله: ﴿ وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ ، فيه إثبات إله واحد، وفي قوله: ﴿ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ نفى غيره من الآلهة.

فإن قيل: لم كان هذا دليلاً؟

وهو في الظاهر دعوى.

قيل له: دليل وحدانيته في قوله: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ .

خلق السماوات وجعل فيها منافع، وخلق الأرض وجعل فيها منافع للخلق، ثم جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض لبعد ما بينهما؛ إذ لا منفعة للخلق في منافع إحداهما إلا باتصال منافع الأخرى بها من نحو ما جعل من معرفة الطرف في الأرض بالكواكب، وإنضاج الأعناب والثمار وينعها بالشمس والقمر، وجعل إحياء الأرض وإخراج ما فيها من النبات من المأكول والمشروب والملبوس بالأمطار؛ فدل اتصال منافع أحدهما بالآخر وتعلقها به على أن منشئهما واحد؛ لأنه لو كان من اثنين لكان إذا قطع هذا وصل الآخر، وإذا وصل هذا قطع الآخر.

فإذ لم يكن، ولكنه اتصل، دل أنه فعل واحد، فهو ينقض على الثنوية والزنادقة قولهم.

وكذلك يدل اختلاف الليل والنهار على أن خالقهما واحد؛ لأنه لو كان اثنين لكان إذا أتى هذا بالليل منع الآخر بالنهار، وإذا أتى أحدهما بالنهار منع الآخر بالليل.

وفيه ذهاب عيش الخلق، وفي ذهابه تفانيهم وفسادهم.

فدل أنه واحد.

والثاني: أنه جعل للخلق في الليل والنهار منافعاً، وجعل بعضها متصلة ببعض متعلقة مع تضادهما، كقوله: ﴿ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ﴾ .

فدل اتصال منافع أحدهما بالآخر مع اختلافهما وتضادهما أن محدثهما واحد.

وفيه دلالة حدوث العالم؛ لما ذكرنا من تغييرها وزوالها من حال إلى حال.

[فدل تغييرها وزوالها على إنما حدث زوال مثل هذه الأشياء] بابتدائها وعجزها على قدرة مثلها على أن لها محدثاً.

والثاني: أن كل واحد منهما؛ أعنى الليل والنهار، يصير بمجيء الآخر مغلوباً، فلو لا أن كان ثم لغير فيه تدبير، وإلا ما احتمل أن يصير مغلوباً بعد ما كان غالباً، فدل أن لهما محدثاً، وأنه واحد.

فيه دلالة البعث والحياة بعد الموت؛ لأن الليل يأتي على النهار فيتلفه ويذهب به حتى لا يبقى فيه من أثر النهار شيء، وكذلك النهار يأتي على الليل فيتلفه حتى لا يبقى من أثر الليل شيء.

ثم وجد بعد ذلك كل واحد منهما على ما وجد في النشوء من غير نقصان ولا تفاوت.

فدل أنه قادر على إنشاء ما أماته وأتلفه، وإن لم يبق له أثر، على ما قدر من إيجاد ما أتلف، وإنشاء ما أذهب من الليل بالنهار، ومن النهار بالليل، وإن لم يبق له أثر.

وقوله: ﴿ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ﴾ ، وقيل: اختلافهما لما جعل أحدهما مظلماً والآخر مضيئاً.

وقيل: اختلافهما لنقصانهما وزيادتهما، إذ ما ينتقص من أحدهما يزداد في الآخر، فدل انتقاصهما وزيادتهما على أن منشئهما واحد؛ لأنه لو كان من اثنين لمنع كل واحد منهما صاحبه من الزيادة والنقصان، وبالله التوفيق، ولتغير التدبير، ولا يجرى كل عام الأمر فيه على ما جرى عليه في العام الأول.

وقوله: ﴿ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ ﴾ فالآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأنه عز وجل جعل الفلك التي تجري في البحر من آياته.

والمعتزلة جعلوها من آيات البحارين؛ لأن الفلك قبل أن يعمل فيها وينحت لا تسمى فلكاً؛ ولكن يسمى خشباً، فلو لم يكن عمل العباد وفعلهم فيها من مصنوعه ومخلوقه، لزال به موضع الحجاج وتسميته باسم الآيات؛ فدل أن له فيها صنعاً وتقديراً حيث صار من عجيب آياته.

ثم فيه أعجوبة، وهو أن الطباع تنفر من مغافصة البحر بالاطلاع على أمواجه وأهواله، وأراهم من عظم آياته مما يجريه في البحر على الحفظ والأمر الواقع لهم؛ فدل أنه من عند قادر لطيف خبير.

وفيه أيضاً دلالة وحدانيته؛ وذلك أن أهل البر لهم الانتفاع بأهل البحر، ولأهل البحر الانتفاع بأهل البر على بعد ما بينهما وتضادهما؛ فدل أن محدثهما واحد.

ثم فيه دلالة إباحة التجارات مع الخطرات على احتمال المشقات وتحمل المؤنات.

وفي ذلك دلالة النبوة؛ لأن يعلم أن اتخاذ السفن وبما فيه من المنافع لا يقوم له تدبير البشر، ثبت أنه علم ذلك ممن علم جواهر الأشياء، وما يصلح الأشياء وما لا يصلح، وفي الحاجة إلى ذلك إيجاب القول بالرسالة للبشر.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ ﴾ ، وفيه دلالة فضل العلوي على السفلي؛ لأن ما ينزل من السماء من الماء ينزل عذباً، وما يخرج من الأرض يخرج مختلفاً: منه ما هو عذب ومنه ما هو أجاج، ومنه ما هو مر.

فدل ذا [على] فضل العلوي على السفلي.

وقوله: ﴿ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ ، قد ذكرنا هذا أن فيه دلالة البعث.

وقوله: ﴿ وَبَثَّ فِيهَا ﴾ ، قيل: خلق.

وقيل: بسط.

وقيل: فرق.

﴿ مِن كُلِّ دَآبَّةٍ ﴾ .

قيل: جعل فيها من كل جوهر الدابة.

منها: ما جعل مأكولاً منتفعاً بها من كل أنواع المنافع؛ ليدلهم وليرغبهم على ما وعد لهم في الجنة.

ومنها: ما جعل غير مأكولة ولا منتفع بها، بل جعلها أعداء لهم ليدلهم على تحذير ما أوعدوا وحذروا في النار.

وقوله: ﴿ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: تصرفها مرة للعذاب، ومرة للمنافع؛ لأنه جعل فيها منافع كثيرة للخلق: بها تجري السفن في البحار، وبها تنشر السحاب في الهواء، وبها تنتفي الأشياء، وبها يتميز ما للخلق مما للدواب مما يكثر ذلك.

ثم يعلم من عظم لطفه أنه جعل الهواء بحال لا يقر فيها شيء وإن لطف، والسحاب مع غلظه وكثافته جعل الهواء مع لطافتها ورقتها مقرّاً للسحاب حتى يعلم أن ليس لغير الله فيه تدبير.

ويحتمل: ﴿ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ ﴾ صرفه إياها مرة صباء، ومرة دبورا، ومرة جنوباً ومرة نسيماً، ومرة يميناً، ومرة شمالاً للمنافع.

ثم فيه دلالة أنها من الأجسام، لا من الأعراض؛ لأنه جل وعز جعلها ماسة مانعة لا صارعة من قام في ناحيتها، وذلك صفة الأجسام، لا صفة الأعراض، لكن لا ترى الأجسام، وكالذرة التي فيها الشمس ترى ولا تمس.

ثم دلهم عز وجل أن الذي سخر السحاب بالرياح التي جعلها في الهواء، وبما فيها من المنافع التي تقدم ذكرها، على أن مدبرهما واحد؛ إذ لو كان التدبير من عند اثنين لأوجب التناقض في التدبير والصنعة، إذ يجعل كل منهما على خلاف ما جعله الآخر، ويتدبر كل منهما لينقض تدبير الآخر.

وفي اتساق التدبير واتقان الصنعة وإحكامها دليل أن إلهكم هو الواحد الذي دعتكم هذه الأشياء إلى الإقرار بوحدانيته، وألزمتكم العبودية له بما أودع له في كل هذه المصنوعات من أدلة وحدانيته وآيات ربوبيته؛ ولهذا قال: ﴿ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ليعتبروا ما فيها من الأدلة والحجج؛ إذ من لا يعقل جهة الحكمة في خلق هذه الأشياء: مم خلقت، ولماذا خلقت؟

وما الحكمة فيها؟

يستوي عليه خلقها وغير خلقها.

ثم فيه دلالة أن ما خلق من السماوات والأرض، والليل والنهار، والرياح والسحاب، خلقها ليدلهم على وحدانيته وربوبيته، وجعلها مسخرة مذللة لهم.

وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن في خلق السماوات والأرض وما فيهما من عجائب الخلق، وفي تعاقب الليل والنهار، وفي السفن التي تجري في مياه البحار حاملة ما ينفع الناس من طعام ولباس وتجارة، وغيرها مما يحتاجون إليه، وفيما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بما ينبت فيها من الزرع والكلأ، وفيما نشره فيها من كائنات حية، وفي تحويل الرياح من جهة لجهة، وفي السحاب المذلل بين السماء والأرض، إن في كل ذلك لدلائل واضحة على وحدانيته سبحانه لمن يعقلون الحُجج، ويفهمون الأدلة والبراهين.

<div class="verse-tafsir" id="91.Gw25K"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ]] لأن اللعنة تعمهم في الآخرة من جميع الملائكة والناس بحيث يظهر للعوالم أنهم لا يستحقون الرحمة حتى إن المرؤوسين يتبرأون من الرؤساء الذين كانوا يتبعونهم في الضلال ويتخذون كلامهم دينًا من دون كتاب الله كما سيأتي، فناسب بعد هذا أن يبين الله تعالى أن شارع الدين ومحق الحق هو واحد لا يعبد غيره، ولا تكتم هدايته، ولا يجعل كلام البشر معيارًا على كلامه، وهو مفيض الرحمة والإحسان، إذ الرحمة من صفاته الكاملة اللازمة، ليتذكر أولئك الضالون الكاتمون لبينات الله، المؤثرون عليها آراء رؤسائهم وأئمتهم ثقة بهم، واعتمادًا على شفاعتهم، أنهم لن يغنوا عنهم من الله شيئًا، ويعلموا وجه خطأهم في كتمان الحق ومعاداة أهله عنادًا من الرؤساء، وتقليًدا من المرؤوسين.

فقال: ﴿ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ  ﴾ أي وإلهكم الحق الحقيق بالعبادة إله واحد لا إله مستحق لها إلا هو، فلا تشركوا به أحدًا.

والشرك به نوعان: (أحدهما): يتعلق بالألوهية والعبادة وهو أن يعتقد المرء أن في الخلق من يشاركه تعالى أو يعينه في أفعاله، ويحمله على بعضها ويصده عن بعض بشفاعته عنده لأجل قربه منه، كما يكون من بطانة الملوك المستبدين، وحواشيهم وحجابهم وأعوانهم، فهو يتوجه إلى هذا المؤثر عند الله بزعمه عندما يتوجه إليه تعالى في الدعاء فيدعوه معه، وقد يدعوه من دونه عند شدة الحاجة لكشف ضر أو جلب نفع أعيته أسبابهما، وهذا مخ العبادة.

(وثانيهما): يتعلق بالربوبية وهو إسناد الخلق والتدبير إلى غيره معه، أو أن تؤخذ أحكام الدين في عبادة الله تعالى والتحليل والتحريم عن غيره، أي غير كتابه ووحيه الذي بلّغه عنه رسله بحجة أن من يؤخذ عنهم الدين من غير بيان الوحي أعلم بمراد الله فيترك الأخذ من الكتاب لرأيهم وقولهم، وهو المراد بقوله تعالى ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ  ﴾ كما سيأتي في موضعه إن شاء كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، وظاهر أن الواجب على العلماء بالدين إن يبينوا للناس ما نزله الله ولا يكتموه لا أن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه كما زاد أهل الكتب المنزلة كلهم عبادات وأحكامًا كثيرة زائدة على الوحي أو مخالفة له يتأولونه لأجلها دون العكس، وإذا كان الله تعالى واحدًا لا إله إلا هو فلا ينبغي أن يشرك معه غيره فهو كذلك ﴿ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ  ﴾ أي الكامل الرحمة فلا ينبغي أن يعرض العبد أن يعرض العبد عن أسباب رحمته اعتمادًا على سواه ممن يظن أنهم مقربون عنده، فحسب المؤمن من رحمة الله التي وسعت كل شيء أن يستغني بالتصدي لها عن رجاء سواها وإلا كان من الخائبين.

نبههم  إلى أن المنافع التي يرقبونها من شركهم إنما هي بيده الكريمة وحده، كأنه يقول إذا انتم تركتم ما أنتم فيه لأجله تعالى فهو بتفرده بالألوهية يكفيكم كل ضرر تخافونه، ويعطيكم برحمته الواسعة كل ما ترجونه، فان بيده ملكوت كل شيء، وكل ما تعتمدون عليه من دونه فليس محلًا للاعتماد، بل اعتمادكم عليه من قبيل الشرك فيجب أن تطرحوه جانبًا، وتعتقدوا أن الإله الذي بيده أزمة المنافع والقادر على دفع المضار وإيقاعها هو واحد لا سلطان لأحد على إرادته ولا مبدل لكلمته، ولا أوسع من رحمته، وإنما أكد أمر الوحدة هذا التأكيد تحذيرًا من طرق الشرك الخفية على أنها أساس الدين وأصله.

وقد فصلنا معاني التوحيد والشرك واسمي الرحمن والرحيم في تفسير الفاتحة.

أرأيت هذا الاتصال المحكم بين الآية وما قلبها؟

إن بعض المفسرين قد قطع عراه وفصمها، وجعل الآية جوابًا لقوم قالوا للنبي  : انسب لنا ربك، قاله (الجلال) ..

والذي أراه أن سبب النزول إنما يحتاج إليه في آيات الأحكام لان معرفة الوقائع والحوادث التي نزل فيها الحكم تعين على فهمه وفقه حكمته وسره، ومثلها ما فيه إشارة إلى بعض الوقائع كغزوة بدر والنصر فيها ومصيبة المؤمنين في أُحد.

وأما الآيات المقررة للتوحيد وهو المقصود الأول من الدين فلا حاجة إلى التماس أسباب لنزولها بل هي لا تتوقف على انتظار السؤال، وإنما كان يبين عند كل مناسبة.

وما عساه يكون قد قارن نزولها من حادثة أو سؤال مثل هذا الذي ذكر آنفًا فهو إن صح رواية لا يزيدنا بيانًا في فهم الآية، ولا يصح أن يجعل سببًا لنزولها لا سيما بعد الذي علم من اتصالها بما قبلها كما يليق ببلاغة القرآن.

ومثل هذا السبب يجعل القرآن مبددًا متفرقًا لا ترتبط أجزاؤه، ولا تتصل أنحاؤه، ومثله ما قالوه في سبب الآية التي بعد هذه الآية، فإنها جاءت على سنة القرآن من وصل الدليل بالدعوى، ولكنهم رووا في سببها روايات منها أن آية ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ  ﴾ نزلت بالمدينة ثم سمع بها مشركو مكة فقالوا ما قالوا وعجبوا كيف يسع الخلق إله واحد وطلبوا الدليل على ذلك، كأنهم لم يكونوا قد سمعوا عليه دليلًا، وكأن هذه الدعوي لم تكن طرأت على أذهانهم ولا طرقت أبواب مسامعهم -على أن النبي  كان قد أقام فيهم يدعوهم إلى هذا التوحيد عشر سنين ونيفًا، وسبق لهم التعجب منه ﴿ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ  ﴾ ومعظم ما نزل بمكة آيات وبراهين عليه، فكيف نسلم أن ما نراه في التنزيل المدني من آيتين متصلتين إحداهما في التوحيد والأخرى في دليله قد كان من الفصل بينهما أن نزل الدليل بعد المدلول بزمن طويل وسبب متأخر؟

ومن هنا يظهر أنها لا يصح أن تكون جوابًا للذين قالوا: انسب لنا ربك، أو: صف لنا ربك.

لان هذا السؤال إنما عمن لا يعرف شيئًا من صفات الرب العظيم -أو ممن يبغي أن يعرف مقدار علم المسؤول بهذه الصفات - ويجب أن يكون جوابه بذكر جميع ما يجب اعتقاده من التنزيه والصفات الثبوتية، ولم يذكر في الآية إلا الوحدة والرحمة، وترك ذكر العلم والحكمة والإرادة والقدرة، وهي صفات لا تعقل الألوهية إلا بها وسببه أن أولئك الكفار لم يكونوا يكتمونها ولا يشركون مع الله أحدًا فيها وإنما أشركوا في الألوهية بعبادة غير الله تعالى بالدعاء والنذور والقرابين ويستلزم هذا عدم اكتفائهم برحمته.

الَّذِينَ تَابُوا]] إلخ.

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ  ﴾ إلخ هذه آية قرآنية تشرح لنا بعض الآيات الكونية الدالة على وحدانية الله تعالى ورحمته الواسعة إثباتًا لما ورد في الآية قبلها من هذين الوصفين له تعالى على طريقة القرآن في قرن المسائل الاعتقادية بدلائلها وبراهينها كما ألمعنا.

وهذه الآيات أجناس: الأول والثاني - منها خلق السموات والأرض، ففيه آيات بينات كثيرة الأنواع يدهش المتأملين بعض ظواهرها، فكيف حال من اطلع على ما اكتشف العلماء من عجائبها، الدال على أن ما لم يعرفوه أعظم مما عرفوه منها.

تتألف هذه الأجرام السماوية من طوائف يبعد بعضها عن بعض بما يقدر بالملايين وألوف الملايين من سني سرعة النور، ولكل طائفة منها نظام كافل محكم، لا يبطل نظام بعضها نظام الآخر، لأن للمجموع نظامًا عامًا واحدًا يدل على أنه صادر عن إله واحد لا شريك له في خلقه وتقديره، وحكمته وتدبيره، وأقرب تلك الطوائف إلينا ما يسمونه النظام الشمسي، نسبة إلى شمسنا هذه التي تفيض أنوراها على أرضنا فتكون سببًا للحياة النباتية والحيوانية فيها.

والكواكب التابعة لهذه الشمس مختلفة في المقادير والأبعاد، وقد استقر كل منها في مداره، وحفظت النسبة بينه وبين الآخر بسنّة إلهية منتظمة حكيمة يعبرون عنها بالجاذبية العامة.

ولولا هذا النظام لانفلتت هذه الكواكب السابحة في أفلاكها فصدم بعضها بعضًا وهلكت العوالم بذلك، فهذا النظام آية على الرحمة الإلهية، ما أنه آية على الوحدانية.

هذه هي السموات تشير إلى آياتها عن بعد ﴿ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ  ﴾ في جرمها ومادتها وشكلها وعوالمها المختلفة من جماد ونبات وحيوان، فلكل منها نظام عجيب وسنن إلهية مطردة في تكوينها، وتوالد ما يتولد من أحيائها، وغير ذلك حتى لو دققت النظر في أنواع الجمادات من الصخور المختلفة الأنواع، والجواهر المتعددة الخواص والألوان، لشاهدت من النظام فيها ومن أنواع المنافع في اختلافها وتنوعها ما تعلم به علم اليقين، أنها ترجع في ذلك إلى إبداع إله حكيم، رؤوف رحيم، لا شريك له في الخلق والتدبير.

يضاف إلى ذلك أن في الجماد حياة خاصة به دون الحياة النباتية.

فهذان جنسان من آياته تعالى يشملان أنواعًا وأفرادًا منها يتعذر إحصاؤها.

الجنس الثالث - قوله ﴿ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ  ﴾ وهو إن يجيء أحدهما فيذهب الآخر، ويطول هذا فيقصر ذاك، وكل ذلك بحسبان، مطرد في جميع الأقطار والبلدان، ومثله اختلاف الفصول باختلاف مواقع العرض والطول، وقد ذكر هذه الآية بعد خلق السموات والأرض لأن هذا الاختلاف هو أثر مقابلة الأرض للشمس وحركتها بإزائها، وتفصيل ذلك مشروح في محله من العلم الخاص بهذه المسائل.

وفي المشاهد من اختلاف الليل والنهار والفصول وما للناس في ذلك من المنافع والمصالح آيات بينات على وحدة مبدع هذا النظام المطرد ورحمته بعباده يسهل على كل أحد أن يفهمها وإن لم يعرف أسباب ذلك الاختلاف وتقديره.

وفي القرآن بيان لذلك في مواضع كثيرة كقوله تعالى ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا  ﴾ فهذه الآية تهدي إلى ما في اختلاف الليل والنهار من المنافع العامة وفي معناه آيات أخرى.

وقال تعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا  ﴾ .

وهذه هداية إلى المنافع الدينية.

وهناك آيات تشير إلى أسباب هذا الاختلاف كقوله تعالى ﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ  ﴾ وقوله ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا  ﴾ .

وصفوة القول في هذا المقام أن اختلاف الليل والنهار أثر من آثار النظام الشمسي وقلنا إن ذلك يدل على وحدة واهبة ومقدرة ونقول إن آثاره تدل على ذلك أيضًا، وأما دلالتها على رحمته تعالى فظاهرة مما تقدم الاستشهاد به من الآيات آنفًا.

الجنس الرابع - قوله ﴿ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ  ﴾ الفلك "بالضم" اسم للسفينة ولجمعها.

وكان الظاهر أن تأتي هذه الآية في آخر الآيات ليكون ما للإنسان فيه صنع على حدة وما ليس له فيه صنع على حدة.

والنكتة في ذكرها عقيب آية الليل والنهار هي أن المسافرين في البر والبحر هم أشد الناس حاجة إلى تحديد اختلاف الليل والنهار ومراقبته على الوجه الذي ينتفع به، والمسافرون في البحر أحوج إلى معرفة الأوقات، وتحديد الجهات، لأن خطر الجهل عليهم أشد، وفائدة المعرفة لهم أعظم، ولذلك كان من ضروريات رباني السفن معرفة علم النجوم (الهيأة الفلكية) وعلم الليل والنهار من فروع هذا العلم قال تعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ  ﴾ فهذا وجه الترتيب بين ذكر الفلك وما قبله.

وأما كون الفلك آية فلا يظهر بادي الرأي كما يظهر كونها رحمة من قوله ﴿ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ  ﴾ أي في أسفارهم وتجاراتهم، وما يعرف في هذا العصر بالمشاهدة والاختبار أكثر مما كان يعرف في العصور السالفة إذ كانت الفلك شراعية فلم يكن البخار يسير أمثال هذه البواخر والبوارج العظيمة التي تحكي مدنًا كبيرة فيها جميع المرافق التي يتمتع بها المترفون والملوك في البر من الأرائك والسرر والحمامات وغير ذلك أو قلاعًا وحصونًا فيها أقتل آلات الحرب.

وكل ذلك من رحمة الإله الذي خلق هذه الأشياء وهدى إليها الإنسان، فلا بد لفهم كونها آية على وحدانيته من فهم طبيعة الماء وطبيعة قانون الثقل في الأجسام وطبيعة الهواء والريح وزد على ذلك معرفة طبيعة البخار والكهرباء التي هي العمدة في سير الفلك الكبرى في زماننا فكل ذلك يجري على سنن إلهية مطردة منتظمة، تدل على أنها صادرة عن قوة واحدة هي مصدر الإبداع والنظام وهي قوة الإله الواحد الحكيم، الرحمن الرحيم.

الجنس الخامس- قوله ﴿ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ  ﴾ المراد بالسماء هنا جهة العلو أو السحاب، لا ما قاله المخذولون الذين تجرأوا على الكذب على الله ورسوله فزعموا أن بين السماء والأرض بحرًا قالوا إنه موج مكفوف وأن المطر ينزل منه على قدر الحاجة في تفصيل اخترعوه ما أنزل الله به من سلطان، وتبعهم فيه أسرى النقل ولو خالف الحس والبرهان، ونزول المطر من الأمور المحسوسة التي لا تحتاج إلى نقل، ولا نظر عقل، وقد شرح كيفية تكوينه ونزوله العلماء الذين تكلموا في الكائنات، ووصفوا بالتدقيق الآيات المشاهدات، ولم يخرج شرحهم الطويل عن الكلمة الوجيزة في بعض الآيات التي ذكر فيها المطر وهو قوله تعالى ﴿ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ  ﴾ فحرارة الهواء هي التي تبخر المياه والرطوبات وتثيرها الرياح في الجو حتى تتكاثف ببرودتها وتكون كسفًا من السحاب يتحلل منه الماء ويخرج من خلاله وينزل بثقله إلى الأرض وكثيرًا ما شاهدنا في جبال سورية كما يشاهد الناس في غيرها أن ينعقد السحاب في أثناء الجبل وينزل منه المطر والشمس طالعة فوقه حيث لا مطر، وقد يخترق الناس منطقة المطر إلى ما فوقها.

وقد وصف الله تعالى هذا الجنس من آياته بأعظم آثاره فقال ﴿ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ  ﴾ أي أوجد بسببه الحياة في الأرض الميتة بخلوها من صفات الأحياء كالنمو والتغذي والنتاج، وبث أي نشر وفرق في أرجائها من جميع أنواع الأحياء التي تدب عليها وهي لا تعد ولا تحصى، فبالماء حدثت حياة الأرض بالنبات، وبه استعدت لظهور أنواع الحيوان فيها.

وهل المراد الإحياء الأول وما تلاه من تولد الحيوانات المعبر عنها بكل دابة، أو ما يشاهد من آحاد الإحياء التي تتولد دائمًا في جميع بقاع الأرض؟

الظاهر أن المراد أولًا وبالذات الإحياء الأول المشار إليه بقوله تعالى في آية أخرى ﴿ أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ  ﴾ فهو يذكر جعل كل شيء حيًا بالماء، في إثر ذكر انفصال الأرض من السماء، وذلك أن مجموع السموات والأرض كان رتقًا أي مادة واحدة متصلًا بعض أجزائها ببعض على كونه ذرات غازية كالدخان كما قال في آية التكوين ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا  ﴾ .

ولما كان ذلك الفتق في الإجرام انفصل جرم الأرض عن جرم الشمس وصارت الأرض قطعة مستقلة مائرة ملتهبة وكانت مادة الماء -وهي ما يسميه علماء التحليل والتركيب (علم الكيمياء) بالأكسجين والهيدروجين- تتبخر من الأرض بما فيها من الحرارة فتلاقي في الجو برودة تجعلها ماء فينزل على الأرض كما وصفنا آنفًا فيبرد من حرارتها، وما زال كذلك حتى صارت الأرض كلها ماء وتكونت بعد ذلك اليابسة فيه وخرج النبات والحيوان وكل حي من الماء، فهذا هو الإحياء الأول.

وأما الإحياء المستمر المشاهد في كل بقاع الأرض دائمًا فهو المشار إليه بمثل قوله تعالى ﴿ وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ  ﴾ وذلك أننا نري كل أرض لا ينزل فيها المطر ولا تجري فيها المياه من الأراضي الممطورة لا في ظاهرها ولا في باطنها خالية من البنات والحيوان إلا أن يدخلها من أرض مجاورة لها ثم يعود منها.

فحياة الأحياء في الأرض إنما هي بالماء سواء في ذلك الإحياء الأول عند تكوين العوالم الحية وإيجاد أصول الأنواع، والإحياء المتجدد في أشخاص هذه الأنواع وجزئياتها التي تتولد وتنمو كل يوم.

وهذه المياه التي يتغذى بها النبات والحيوان على سطح هذه اليابسة كلها من المطر، ولا يستثني من ذلك أرض مصر فيقال إن حياتها بماء النيل دون المطر فإن مياه الأنهار والعيون التي تنبع من الأرض كلها من المطر فهو يتخلل الأرض فيجتمع فيندفع.

وقد امتن الله تعالى بذلك علينا وأرشدنا إلى آيته فيه فيقوله ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ  ﴾ الآية.

فالبحيرات التي هي ينابيع النيل من ماء المطر والزيادة التي تكون فيه أيام الفيضان هي من المطر الذي يمد هذه الينابيع ويمد النهر نفسه في مجراه من بلاد السودان، وكثرة الفيضان وقلته تابعة لكثرة المطر السنوي وقلته هناك.

هذا هو الماء في كونه مطرًا وفي كونه سببًا للحياة وهو آية في كيفية وجوده وتكونه فإنه يجري في ذلك على سنة إلهية حكيمة تدل على الوحدة والرحمة، ثم إنه آية في تأثيره في العوالم الحية أيضًا، فإن هذا النبات يسقى بماء واحد هو مصدر حياته، ثم هو مختلف في ألوانه، وطعومه وروائحه، فتجد في الأرض الواحدة نبتة الحنظل مع نبتة البطيخ، متشابهتين في الصورة متضادتين في الطعم، وتجد النخلة وتمرها ما تذوق حلاوة ولذة، وتجد في جانبها شجرة الليمون الحامض والنارنج وثمرها ما تعرف حموضة وملوحة، وتجد بالقرب منها شجرة الورد لها من الرائحة ما ليس للنخلة وما يخالف في أريجه زهر النارنج، بل يوجد في الشجر ما له زهر زكي الرائحة، فإذا قطعت الغصن الذي فيه هذا الزهر تنبعث منه رائحة خبيثة.

فتلك السنن التي يتكون بها المطر وينزل جارية بنظام واحد دقيق، وكذلك طرق تغذي النبات بالماء هي جارية بنظام واحد، فوحدة النظام وعدم الخلل فيه تدل على أن مصدره واحد، فهو من هذه الجهة يدل على الوحدانية الكاملة، ومن جهة ما للخلق فيه من المنافع والمرافق يدل على الرحمة الإلهية الشاملة.

وقل مثل هذا فيما بث الله تعالى في الأرض من كل دابة، فإنها آيات على الوحدة، ودلائل وجودية على عموم الرحمة.

الجنس السادس: قوله تعالى ﴿ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ  ﴾ ذكر آية الرياح بعد آية المطر للتناسب بينهما وتذكيرًا بالسبب، فان الرياح هي التي تثير السحاب وتسوقه في الجو إلى حيث يتحلل بخاره فيكون مطرا كما تقدم آنفًا في آية ﴿ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ  ﴾ وتصريف الرياح تدبيرها وتوجيهها على حسب الإرادة ووفق الحكمة والنظام، فهي تهب في الأغلب من إحدى الجهات الأربع وتارة تأتي نكباء بين بين، وقد تكون متناوحة، أي تهب من كل ناحية، ومنها المقيم، ومنها الملقحة للنبات وللسحاب، وإذا هبت حارة في بعض الأماكن والأوقات فهي تهب عقب ذلك لطيفة الحرارة أو باردة، وكل ذلك يجري على سنة حكيمة تدل على وحدة مصدرها، ورحمة مدبرها.

الجنس السابع: قوله تعالى ﴿ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ  ﴾ أي الغيم المذلل المسحوب في الجواء لإنزال المطر في البلاد المختلفة.

ذكر السحاب هنا بعد ذكر تصريف الرياح لأنها هي التي تثيره وتجمعه وهي التي تسوقه إلى حيث يمطر وتفرق شمله أحيانًا فيمتنع المطر، ولم يذكره عند ذكر الماء مع أنه سببه المباشر ليرشدنا إلى أنه في نفسه آية، فإنه يتكون بنظام ويعترض بين السماء والأرض بنظام، فهو في ظاهره آية تدهش الناظر الجاهل بالسبب لو لم يألف ذلك ويأنس به، وإنما يعرفها معرفتها من وقف على السنن الإلهية في اجتماع الأجسام اللطيفة وافتراقها، وعلوها وهبوطها وهو ما يعبر عنه علماء هذا الشأن بالجاذبية، وهي أنواع منها جاذبية الثقل والجاذبية العامة وجاذبية الملاصقة وغيرها، ومن لا يعرف أسرار هذه الكائنات، وإنما ينظر إلى ظواهر فيراها كما تراها العجماوات، فهو لا يفهم معنى كونها آيات، لأنه أهمل آلة الفهم التي امتاز بها وهي العقل، ولذلك أخبر الله تعالى عن هذه الأجناس كلها إن فيها ﴿ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ  ﴾ فإنهم هم الذين ينظرون في أسبابها، ويدركون حكمها وأسرارها، ويميزون بين منافعها ومضارها، ويستدلون بما فيها من الإتقان والأحكام، والسنن التي قام بها النظام، على قدرة مبدعها وحكمته، وفضله ورحمته، وعلى استحقاقه للعبادة دون غيره من بريته، وبقدر ارتقاء العقل في العلم والعرفان، يكمل التوحيد في الإيمان، وإنما يشرك بالله أقل الناس عقلًا، وأكثرهم جهلًا.

أليس أكبر خذلان للدين وجناية عليه أن لا ينظر المنتسبون إليه في آياته التي يوجههم كتابه إلى النظر فيها، ويرشدهم إلى استخراج العبر منها؟

أليس من أشد المصائب على الملة إن يهجر رؤساء دين كهذا الدين العلوم التي تشرح حكم الله وآياته في خلقه ويعدوها مضعفة للدين أو ماحية له، خلافًا لكتاب الله الذي يستدل لهم بها ويعظم شأن النظر فيها؟

بلى..

وإنهم ليصرون على تقاليدهم هذه وليس عليها حجة وإنما اتبعوا فيها سنن قوم ممن قبلهم.

وكان بعض الحكماء المتأخرين يقول كلمة في أهل دينه الذين خذلوه: هكذا شان أهل الأديان كافة كأنهم تعاهدوا جميعًا على أن يكون سيرهم واحدًا.

وهذا المعنى مأخوذ من قول الله تعالى في الكافرين يتفقون في كل أمة على الطعن في نبيها ﴿ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ  ﴾ .

وقد يزعم بعض هؤلاء الذين يعادون علم الكون باسم الدين أن النظر في ظواهر هذه الأشياء كافٍ للاستدلال بها ومعرفة آيات صانعها وحكمته ورحمته.

فمثلهم كمثل من يكتفي من الكتاب برؤية جلده الظاهر وشكله من غير معرفة ما أودعه من العلم والحكمة.

نعم إن هذا الكون هو كتاب الإبداع الإلهي المفصح عن وجود الله وكماله، وجلاله وجماله، وإلى هذا الكتاب الإشارة بقوله تعالى ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا  ﴾ وبقوله ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ  ﴾ .

فكلمات الله في التكوين باعتبار آثارها ومصداقها هي آحاد المخلوقات والمبدعات الإلهية، فإنها تنطق بلسان أفصح من لسان المقال، لكن لا يفهمه الذين هم عن السمع معزولون، وللعلم معادون، الواهمون أن معرفة الله تقتبس من الجدليات النظرية، والأقيسة المنطقية دون الدلائل الوجودية الحقيقية، ولو كان زعمهم حقيقة لا وهمًا، لكان الله سبحانه استدل في كتابه بالأدلة النظرية الفكرية، وذكر "الدور""والتسلسل" وغير ذلك من الاصطلاحات الكلامية، ولم يستدل بالسماء والأرض والليل والنهار والفلك والمطر وتأثيره في الحياة وغير ذلك من المخلوقات التي أرشدنا القرآن إلى النظر فيها، واستخراج الدلائل والعبر منها.

ألا إن لله كتابين: كتابًا مخلوقًا وهو الكون، وكتابًا منزلًا وهو القرآن، وإنما يرشدنا هذا إلى طرق العلم بذلك، بما أوتينا من العقل، فمن أطاع فهو من الفائزين، ومن أعرض فأولئك هم الخاسرون.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله