الآية ١٦٣ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٦٣ من سورة البقرة

وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ ١٦٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 122 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦٣ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن تفرده بالإلهية ، وأنه لا شريك له ولا عديل له ، بل هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد ، الذي لا إله إلا هو وأنه الرحمن الرحيم .

وقد تقدم تفسير هذين الاسمين في أول السورة .

وفي الحديث عن شهر بن حوشب ، عن أسماء بنت يزيد بن السكن ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين : ( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ) و ( الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) [ آل عمران : 1 ، 2 ] "

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز وجل : وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) قال أبو جعفر: قد بينا فيما مضى معنى " الألوهية "، وأنها اعتباد الخلق.

(91) فمعنى قوله: " وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إلهَ إلا هو الرحمن الرحيم ": والذي يستحق عَليكم أيها الناس الطاعةَ له, ويستوجب منكم العبادة، معبودٌ واحدٌ وربٌّ واحد, فلا تعبدوا غيرَه، ولا تشركوا معه سواه، فإنّ من تُشركونه معه في عبادتكم إياه، هو خَلقٌ من خلق إلهكم مثلكم, وإلهكم إله واحد، لا مثلَ لهُ وَلا نَظير.

* * * واختُلِف في معنى وَحدانيته تعالى ذكره, فقال بعضهم: معنى وحدانية الله، معنى نَفي الأشباه والأمثال عنه، كما يقال: " فلان واحدُ الناس - وهو وَاحد قومه ", يعني بذلك أنه ليسَ له في الناس مثل, ولا له في قومه شبيه ولا نظيرٌ.

فكذلك معنى قول: " اللهُ واحد ", يعني به: الله لا مثل له ولا نظير.

فزعموا أن الذي دلَّهم على صحة تأويلهم ذلك، أنّ قول القائل: " واحد " يفهم لمعان أربعة.

أحدها: أن يكون " واحدًا " من جنس، كالإنسان " الواحد " من الإنس.

والآخر: أن يكون غير متفرِّق، كالجزء الذي لا ينقسم.

(92) والثالث: &; 3-266 &; أن يكون معنيًّا به: المِثلُ والاتفاق، كقول القائل: " هذان الشيئان واحد ", يراد بذلك: أنهما متشابهان، حتى صارَا لاشتباههما في المعاني كالشيء الواحد.

والرابع: أن يكون مرادًا به نفي النظير عنه والشبيه.

قالوا: فلما كانت المعاني الثلاثةُ من معاني" الواحد " منتفيةً عنه، صح المعنى الرابع الذي وَصَفناه.

* * * وقال آخرون: معنى " وحدانيته " تعالى ذكره، معنى انفراده من الأشياء، وانفراد الأشياء منه.

قالوا: وإنما كان منفردًا وحده, لأنه غير داخل في شيء ولا داخلٌ فيه شيء.

قالوا: ولا صحة لقول القائل: " واحد "، من جميع الأشياء إلا ذلك.

وأنكر قائلو هذه المقالة المعاني الأربعةَ التي قالها الآخرون.

* * * وأما قوله: " لا إله إلا هو "، فإنه خبرٌ منه تعالى ذكره أنه لا رب للعالمين غيرُه, ولا يستوجبُ على العبادِ العبادةَ سواه, وأنّ كلّ ما سواه فهُم خَلقه, والواجبُ على جميعهم طاعته والانقيادُ لأمره، وتركُ عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة، وهجْر الأوثان والأصنام.

لأنّ جميع ذلك خلقُه، وعلى جميعهم الدينونة له بالوحدانية والألوهة, ولا تَنبغي الألوهة إلا له, إذ كان ما بهم من نعمة في الدنيا فمنه، دون ما يعبدونه من الأوثان ويشركون معه من الأشراك؛ (93) وما يصيرون إليه من نعمة في الآخرة فمنه, وأن ما أشركوا معه من الأشراك لا يضر ولا ينفعُ في عاجل ولا في آجل, ولا في دنيا ولا في آخرة.

وهذا تنبيه من الله تعالى ذكره أهلَ الشرك به على ضلالهم, ودعاءٌ منه لهم إلى الأوبة من كفرهم, والإنابة من شركهم.

&; 3-267 &; ثم عرَّفهم تعالى ذكره بالآية التي تتلوها، موضعَ استدلال ذوي الألباب منهم على حقيقة ما نبَّههم عليه من توحيده وحُججه الواضحة القاطعة عُذرَهم, فقال تعالى ذكره: أيها المشركون، إن جهلتم أو شككتم في حقيقة ما أخبرتكم من الخبر: من أنّ إلهكم إله واحد، دونَ ما تدَّعون ألوهيته من الأنداد والأوثان, فتدبروا حُججي وفكروا فيها, فإن من حُججي خَلق السموات والأرض, واختلاف الليل والنهار, والفلكُ التي تجري في البحر بما يَنفعُ الناس, وما أنـزلت من السماء من ماء فأحييت به الأرض بعد موتها, وما بثثتُ فيها من كل دابة, والسحاب الذي سَخرته بين السماء والأرض.

فإن كان ما تعبدونه من الأوثان والآلهة والأنداد وسائر ما تشركون به، إذا اجتمع جميعه فتظاهرَ أو انفرد بعضُه دون بعض، يقدر على أن يخلق نظيرَ شيء من خَلقي الذي سميتُ لكم, فلكم بعبادتكم ما تعبدون من دوني حينئذ عذرٌ, وإلا فلا عُذر لكم في اتخاذ إله سواي, ولا إله لكم ولما تعبدون غَيري.

فليتدبر أولو الألباب إيجازَ الله احتجاجَه على جميع أهل الكفر به والملحدين في توحيده، في هذه الآية وفي التي بعدها، بأوْجز كلام، وأبلغ حجة وألطف معنى يشرف بهم على مَعرفة فضْل حكمة الله وبَيانه.

* * * -------------------- الهوامش : (91) انظر ما سلف 1 : 122-126 .

(92) في المطبوعة : "غير متصرف" ، وهو تصحيف ، والصواب ما أثبت .

(93) الأشراك جمع شريك ، كما يقال : شريف وأشراف ، ونصير وأنصار ، ويجمع أيضًا على"شركاء" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : وإلهكم إله واحد لما حذر تعالى من كتمان الحق بين أن أول ما يجب إظهاره ولا يجوز كتمانه أمر التوحيد ، ووصل ذلك بذكر البرهان ، وعلم طريق النظر ، وهو الفكر في عجائب الصنع ، ليعلم أنه لا بد له من فاعل لا يشبهه شيء .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : قالت كفار قريش : يا محمد انسب لنا ربك ، فأنزل الله تعالى سورة " الإخلاص " وهذه الآية .

وكان للمشركين ثلاثمائة وستون صنما ، فبين الله أنه واحد .الثانية : قوله تعالى : لا إله إلا هو نفي وإثبات .

أولها كفر وآخرها إيمان ، ومعناه لا معبود إلا الله .

وحكي عن الشبلي رحمه الله أنه كان يقول : الله ، ولا يقول : لا إله ، فسئل عن ذلك فقال أخشى أن آخذ في كلمة الجحود ولا أصل إلى كلمة الإقرار .قلت : وهذا من علومهم الدقيقة ، التي ليست لها حقيقة ، فإن الله جل اسمه ذكر هذا المعنى في كتابه نفيا وإثباتا وكرره ، ووعد بالثواب الجزيل لقائله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، خرجه الموطأ والبخاري ومسلم وغيرهم .

وقال صلى الله عليه وسلم : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل [ ص: 180 ] الجنة خرجه مسلم .

والمقصود القلب لا اللسان ، فلو قال : لا إله ومات ومعتقده وضميره الوحدانية وما يجب له من الصفات لكان من أهل الجنة باتفاق أهل السنة .

وقد أتينا على معنى اسمه الواحد ، ولا إله إلا هو والرحمن الرحيم في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى .

والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى - وهو أصدق القائلين - أنه { إِلَهٌ وَاحِدٌ } أي: متوحد منفرد في ذاته, وأسمائه, وصفاته, وأفعاله، فليس له شريك في ذاته, ولا سَمِيَّ له ولا كُفُوَ له, ولا مِثْلَ, ولا نظير, ولا خالق, ولا مدبر غيره، فإذا كان كذلك, فهو المستحق لأن يُؤله ويعبد بجميع أنواع العبادة, ولا يشرك به أحد من خلقه, لأنه { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } المتصف بالرحمة العظيمة, التي لا يماثلها رحمة أحد, فقد وسعت كل شيء وعمت كل حي، فبرحمته وجدت المخلوقات, وبرحمته حصلت لها أنواع الكمالات، وبرحمته اندفع عنها كل نقمة، وبرحمته عرّف عباده نفسه بصفاته وآلائه, وبيَّن لهم كل ما يحتاجون إليه من مصالح دينهم ودنياهم, بإرسال الرسل, وإنزال الكتب.

فإذا علم أن ما بالعباد من نعمة, فمن الله, وأن أحدا من المخلوقين, لا ينفع أحدا، علم أن الله هو المستحق لجميع أنواع العبادة, وأن يفرد بالمحبة والخوف, والرجاء, والتعظيم, والتوكل, وغير ذلك من أنواع الطاعات.

وأن من أظلم الظلم, وأقبح القبيح, أن يعدل عن عبادته إلى عبادة العبيد, وأن يشرك المخلوق من تراب, برب الأرباب, أو يعبد المخلوق المدبر العاجز من جميع الوجوه, مع الخالق المدبر القادر القوي، الذي قد قهر كل شيء ودان له كل شيء.

ففي هذه الآية, إثبات وحدانية الباري وإلهيته، وتقريرها بنفيها عن غيره من المخلوقين وبيان أصل الدليل على ذلك وهو إثبات رحمته التي من آثارها وجود جميع النعم, واندفاع جميع النقم، فهذا دليل إجمالي على وحدانيته تعالى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش قالوا يا محمد صف لنا ربك وانسبه فأنزل الله تعالى هذه الآية وسورة الإخلاص.

والواحد الذي لا نظير له ولا شريك له.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا بكر بن إبراهيم وأبو عاصم عن عبيد الله بن أبي زياد عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد أنها قالت: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن في هاتين الآيتين اسم الله الأعظم {إلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} و{الله لا إله إلا هو الحي القيوم}"".

قال أبو الضحى: "لما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن محمداً يقول إن إلهكم إله واحد فليأتنا بآية إن كان من الصادقين".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل لما قالوا صف لنا ربك: «وإلهكم» المستحق للعبادة منكم «إِلهٌ واحد» لا نظير له في ذاته ولا في صفاته «لا إلهَ إلا هو» هو «الرحمن الرحيم» وطلبوا آيه على ذلك فنزل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإلهكم -أيها الناس- إله واحد متفرد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وعبودية خلقه له، لا معبود بحق إلا هو، الرحمن المتصف بالرحمة في ذاته وأفعاله لجميع الخلق، الرحيم بالمؤمنين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله : ( وإلهكم إله وَاحِدٌ ) معطوف على قوله : ( إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا ) عطف الققصة على القصة ، والجامع - كما قال الآلوسي - أن الأولى - وهي قوله : ( إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ ) مسوقة لإِثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وجملة ( وإلهكم إله وَاحِدٌ ) لإثبات وحدانية الله - تعالى - .والإِله في كلام العرب هو المعبود مطلقاً ولذلك تعددت الآله عندهم .

والمراد به في الآية الكريمة المعبود بحق بدليل الإِخبار عنه بأنه واحد .والمعنى : وإلهكم الذي يستحق العبادة والخضوع إله واحد فرد صمد ، فمن عبد شيئاً دونه ، أو عبد شيئاً معه ، فعبادته باطلة فاسدة ، لأن العبادة الصحيحة هي ما يتجه بها العابد إلى المعبود بحق الذي قامت البراهين الساطعة على وحدانيته وهو الله رب العالمين .قال بعضهم : " والإِخبار عن إلهكم بإله تكرير ليجري عليه الوصف بواحد ، والمقصود وإلهكم واحد لكنه وسط إله بين المبتدأ والخبر لتقرير معنى الألوهية في المخبر عنه ، كما تقول : عالم المدينة عالم فائق ، وليجيئ ما كان أصله خيراً مجيئ النعت فيفيد أنه وصف ثابت للموصوف لأنه صار نعتاً ، إذ أصل النعت أن يكون وصفاً ثابتاً ، وأصل الخبر أن يكون وصفاً حادثاً ، وهذا استعمال متبع في فصيح الكلام أن يعاد الاسم أو الفعل بعد ذكره ليبني عليه وصف أو متعلق كقوله : ( وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ) وجملة ( إله وَاحِدٌ لاَّ إله إِلاَّ هُوَ ) مقررة لما تضمنته الجملة السابقة من أن الله واحد لا شريك له ، ونافية عن الله - تعالى - الشريك صراحه ، ومثبته له مع ذلك الإِلهية الحقة ، ومزيحة لما عسى أن يتوهم من أن في الوجود إلهاً سوى الله - تعالى - لكنه لا يستحق العبادة .ومعناها : إن الله إله ، وليس شيء مما سواه بإله .وهذه الجملة الكريمة خبر ثاني للمبتدأ وهو ( إلهكم ) أو صفة أخرى للخبر وه ( إله ) وخبر ( لا ) محذوف أي لا إله موجود إلا هو ، والضمير ( هو ) في موضع رفع بدل من موضع لامع اسمها .وقوله : ( الرحمن الرحيم ) خبر متبدأ محذوف ، وقيل غير ذلك من وجوه الإِعراب .والمعنى : وإلهكم الذي يستحق العبادة إله واحد ، لا إله مستحق لها إلا هو ، هو الرحمن الرحيم .أي : المنعم بجلائل النعم ودقائقها ، وهو مصدر الرحمة ، ودائم الإِحسان .وأتى - سبحانه - بهذين اللفظين في ختام الآية ، لأن ذكر الإِلهية والوحدانية يحضر في ذهن السامع معنى القهر والغلبة وسعة المقدرة وعزة السلطان ، وذلك مما يجعل القلب في هيبة وخشية ، فناسب أن يورد عقب ذلك ما يدل على أنه مع هذه العظمة والسلطان ، مصدر الإِحسان ومولى النعم ، فقال : ( الرحمن الرحيم ) وهذه طريقة القرآن في الترويح على القلوب بالتبشير بعد ما يثير الخشية ، حتى لا يعتريها اليأس أو القنوط .وبعد أن أخبر - سبحانه - بأنه هو الإِله الذي لا يستحق العبادة أحد سواه ، عقب ذلك بإيراد ثمانية أدلة تشهد بوحدانيته وقدته ، وتشتمل على آيات ساطعات ، وبينات واضحات ، تهدي أصحاب العقول السليمة إلى عبادة الله وحده ، وإلى بطلان ما يفعله كثير من الناس من عبادة مخلوقاته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الكلام في تفسير لفظ الإله قد تقدم في تفسير: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم ﴾ أما الواحد ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو علي: قولهم واحد اسم جرى على وجهين في كلامهم.

أحدهما: أن يكون اسماً والآخر أن يكون وصفاً، فالإسم الذي ليس بصفة قولهم: واحد المستعمل في العدد نحو: واحد اثنان ثلاثة، فهذا اسم ليس بوصف كما أن سائر أسماء العدد كذلك، وأما كونه صفة فنحو قولك مررت برجل واحد وهذا شيء واحد فإذا أجرى هذا الإسم على الحق سبحانه وتعالى جاز أن يكون الذي هو الوصف كالعالم والقادر، وجاز أن يكون الذي هو الاسم كقولنا شيء ويقوي الأول قوله: ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ وأقول: تحقيق هذا الكلام في العقل أن الأشياء التي يصدق عليها إنها واحد مشتركة في مفهوم الوحدانية، ومختلفة في خصوصيات ماهياتها، أعني كونها جوهراً، أو عرضاً، أو جسماً، أو مجرداً، ويصح أيضاً فعل كل واحد منهما، أعني ماهيته، وكونه واحداً مع الذهول عن الآخر، فإذن كون الجوهر جوهراً مثلاً غير، وكونه واحداً غير، والمركب منهما غير، فلفظ الواحد تارة يفيد مجرد معنى أنه واحد، وهذا هو الاسم، وتارة يفيد معنى أنه واحد حين ما يحصل نعتاً لشيء آخر، وهذا معنى كونه نعتاً.

المسألة الثانية: الواحدية هل هي صفة زائدة على الذات أم لا؟

اختلفوا فيها فقال قوم: إنها صفة زائدة على الذات، واحتجوا عليه بأنا إذا قلنا؛ هذا الجوهر واحد، فالمفهوم من كونه جوهراً، غير المفهوم من كونه واحداً، بدليل أن الجوهر يشاركه العرض في كونه واحداً، ولا يشاركه في كونه جوهراً، ولأنه يصح أن يعقل كونه جوهراً حال الذهول عن كونه واحداً والمعلوم مغايراً لغير المعلوم، ولأنه لو كان كونه واحداً نفس كونه جوهراً، لكان قولنا الجوهر واحد جارياً مجرى قولنا: الجوهر جوهر، ولأن مقابل الجوهر هو العرض، ومقابل الواحد هو الكثير، فثبت أن المفهوم من كونه واحداً، إما أن يكون سلبياً أو ثبوتياً لا جائز أن يكون سلبياً لأنه لو كان سلبياً لكان سلباً للكثرة والكثرة إما أن تكون سلبية أو ثبوتية، فإن كانت الكثرة سلبية، والوحدة سلب الكثرة، كانت الوحدة سلباً للسلب وسلب السلب ثبوت، فالوحدة ثبوتية وهو المطلوب وإن كانت الكثرة ثبوتية ولا معنى للكثرة إلا مجموع الوحدات فلو كانت الوحدة سلبية مع الكثرة كان مجموع المعدومات أمراً موجوداً وهو محال، فثبت أن الوحدة صفة زائدة ثبوتية، ثم هذه الصفة الزائدة إما أن يقال إنه لا تحقق لها إلا في الذهن أولها تحقق خارج الذهن والأول باطل وإلا لم يكن الذهني مطابقاً لما في الخارج، فيلزم أن لا يكون الشيء الواحد في نفسه واحداً وهو محال لأنا نعلم بالضرورة أن الشيء المحكوم عليه بأنه واحد قد كان واحداً في نفسه قبل أن وجد ذهنياً وفرضياً واعتبارياً، فثبت أن كون الشيء واحداً صفة ثبوتية زائدة على ذاته قائمة بتلك الذات، واحتج من أبى كون الوحدة صفة ثبوتية بأن قال: لو كانت الوحدة صفة زائدة على الذات، كانت الوحدات متساوية في ماهية كونها واحدة ومتباينة بتعيناتها، فيلزم أن يكون للوحدة وحدة أخرى، وينجر ذلك إلى ما لا نهاية له وهو محال.

المسألة الثالثة: الواحد هو الشيء الذي لا ينقسم من جهة ما قيل له إنه واحد، فالإنسان الواحد يستحيل أن ينقسم من حيث هو إنسان إلى إنسانين بل قد ينقسم إلى الأبعاض والأجزاء من الموجودات لا ينفك عن الوحدة حتى العدد فإن العشرة الواحدة من حيث إنها عشرة واحدة قد عرضت الوحدة لها فإن قلت: عشرتان فالعشرتان مرة واحدة قد عرضت الوحدة لها من هذه الجهة، فلا شيء من الموجودات ينفك عن الوحدة ولأجل هذا اشتبه على بعضهم الوحدة بالموجود فظن أن كل موجود لما صدق عليه أنه واحد كان وجوده نفس وحدته والحق أنه ليس كذلك، لأن الوجود ينقسم إلى الواحد والكثير والمنقسم إلى شيء مغاير لما به الانقسام.

المسألة الرابعة: الحق سبحانه وتعالى ﴿ واحِدٌ ﴾ باعتبارين.

أحدهما: أنه ليست ذاته مركبة من اجتماع أمور كثيرة.

والثاني: أنه ليس في الوجود ما يشاركه في كونه واجب الوجود وفي كونه مبدأ لوجود جميع الممكنات، فالجوهر الفرد عند من يثبته واحد بالتفسير الأول، وليس واحد بالتفسير الثاني.

والبرهان على ثبوت الوحدة بالتفسير الأول أنه لو كان مركباً لافتقر تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته واجب لغيره فهو مركب مفتقر إلى غيره ممكن لذاته، فما لا يكون كذلك استحال أن يكون مركباً، فإذن حقيقته سبحانه حقيقة أحدية فردية لا كثرة فيها بوجه من الوجوه، لا كثرة مقدارية، كما تكون للأجسام، ولا كثرة معنوية كما تكون للنوع المتركب من الفصل والجنس أو الشخص المتركب من الماهية والتشخص إلا أنه قد صعب ذلك على أقوام وذلك لأنه سبحانه عالم قادر حي مريد، فالمفهوم من هذه الصفات إما هو نفس المفهوم من ذاته أو ليس كذلك والأول باطل لوجوه: أحدها: أنه يمكننا أن نتعقل ذاته مع الذهول عن كل واحد من هذه الصفات، وإن لم يمكن ذلك فلا شك أنه يمكننا تعقل كل واحد من هذه الصفات مع الذهول عن أن نتعقل ذاته المخصوصة بل هذا هو الواجب عند من يقول: إن ذاته المخصوصة غير معلومة، وصفاته معلومة والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم، فإذن هذه الصفات أمور زائدة على الذات.

وثانيها: أن هذه الصفات لو كانت هي نفس الذات لكان قولنا في الذات: إنها عالمة أو ليست عالمة جارياً مجرى قولنا الذات ذات أو لا ذات، ولا استحال أن يكون ذلك في البحث يحتمل أن يقام البرهان على نفيه وإثباته فإن من قال: الذات ذات علم كل أحد بالضرورة صدقه ومن قال: الذات ليست بذات علم كل أحد بالضرورة كذبه، ولما كان قولنا: الذات عالمة أو ليست عالمة ليس بمثابة قولنا لذات ذات الذات ليست بذات علمنا أن هذه الصفات أمور زائدة على الذات.

وثالثها: أنه لو كان المرجع بهذه الصفات إلى ذاته فقط وذاته ليست إلا شيئاً واحداً لكان المرجع بهذه الصفات إلى شيء واحد، فكان ينبغي أن تكون إقامة الدلالة على كونه قادراً تغني عن إقامة الدلالة على كونه عالماً، وعلى كونه حياً، فلما لم يكن كذلك بل افتقرنا في كل صفة إلى دليل خاص، علمنا أنه ليس المرجع بها إلى الذات، إذا ثبت أن هذه الصفات أمور زائدة على الذات، فنقول: هذه الصفات إما أن تكون سلبية أو ثبوتية، لا جائز أن تكون سلبية، لأن السلب نفي محض، والنفي المحض لا تخصص فيه، ولأنا جعلنا كونه عالماً قادراً عبارة عن نفي الجهل والعجز، فالجهل والعجز إما أن يكون المرجع بهما إلى العدم وأنه ليس بعالم ولا قادر، أو يكون المرجع إلى أمر ثبوتي: وهو أن الجهل عبارة عن اعتقاد غير مطابق، والعجز عبارة عن إخلال حال القدرة، فإن كان الأول كان العلم والقدرة عبارة عن سلب السلب، فيكون ثبوتياً، وإن كان الثاني لم يلزم من انتفاء الجهل والعجز بهذا المعنى تحقق العلم والقدرة، فإن الجماد قد انتفى عنه الجهل والعجز بهذا المعنى مع أنه غير موصوف بالعلم والقدرة، فثبت أن صفات الله تعالى أمور زائدة على ذاته قائمة بذاته، والإله عبارة عن مجموع الذات والصفات، فقد عاد القول إلى أن حقيقة الإله تعالى مركبة من أمور كثيرة، فكيف القول فيه؟

وإشكال آخر: وهو أنا قد دللنا على أن الوحدة صفة زائدة على الذات قائمة بالذات، فإذا كانت حقيقة الحق واحدة، فهناك أمور ثلاثة: تلك الحقيقة، وتلك الواحدية وموصوفية تلك الحقيقة بتلك الواحدية، فذلك ثالث ثلاثة، فأين التوحيد؟

وإشكال ثالث: وهو أن تلك الحقيقة هل هي موجودة وواجبة الوجود أم لا؟

فإن كانت موجودة فهي بوجودها تشارك سائر الموجودات وبماهياتها تمتاز عن سائر الموجودات، فهناك كثرة حاصلة بسبب الوجود والماهية، وإن لم تكن موجودة فهذا إشارة إلى العدم وكذا القول في الوجوب، فإنها إن كانت واجبة الوجود لذاتها، فوجوب وجودها يستحيل أن يكون عين الذات لأن الوجوب صفة لانتساب الموضوع إلى المحمول بالموصوفية والانتساب مغاير بين الشيئين مغاير لكل واحد منهما من حيث هو فلأن تكون صفة ذلك الإنتساب مغايرة لهما أولى، وأيضاً فالذات قائمة بنفسها ويستحيل أن يكون مسمى الواجب أمراً قائماً بالنفس ولأنا نصف الذات بالوجوب ووصف الشيء بنفسه محال، فثبت أنه لو وجب موجود واجب الوجود لكان وجوب وجوده زائداً على ذاته، فهناك أمران تلك الذات مع ذلك الوجوب ومع الموصوفية بذلك الوجوب فقد عاد التثليث.

وإشكال رابع: وهو أن هذه الحقيقة البسيطة هل يمكن الإخبار عنها وهل يمكن التعبير عنها أم لا.

والأول محال لأن الإخبار إنما يكون بشيء عن شيء، فالمخبر عنه غير المخبر به فهما أمران لا واحد، وإن لم يكن التعبير عنه فهو غير معلوم ألبتة لا بالنفي ولا بالإثبات فهو مغفول عنه، فهذا جملة ما في هذا المقام من السؤال: والجواب عن الأول: أنه سبحانه ذات موصوفة بهذه الصفات ولا شك أن المجموع مفتقر في تحققه إلى تحقق أجزائه إلا أن الذات قائمة بنفسها واجبة لذاتها، ثم إنها بعد وجوبها بعدية بالرتبة مستلزمة لتلك النعوت والصفات فهذا مما لا امتناع فيه عند العقل.

وأما الإشكال الثاني: وهو أن الوحدة صفة زائدة على الذات فإذا نظرت إليها من حيث أنها واحدة فهناك أمور ثلاثة لا أمر واحد، فالجواب أن الذي ذكرته حق ولكن فرق بين النظر إليه من حيث أنه هو وبين النظر إليه من حيث أنه محكوم عليه بأنه واحد، فإذا نظرت إليه من حيث أنه هو مع ترك الإلتفات إلى أنه واحد فهناك تتحقق الوحدة وهاهنا حالة عجيبة فإن العقل ما دام يلتفت إلى الوحدة فهو بعد لم يصل إلى عالم الوحدة، فإذا ترك الوحدة فقد وصل إلى الوحدة فاعتبر هذه الحالة بذهنك اللطيف لعلك تصل إلى سره وهذا أيضاً هو الجواب عن إشكال الوجود وإشكال الوجوب.

أما الإشكال الرابع: وهو أنه هل يمكن التعبير عنه؟

فالحق أنه لا يمكن التعبير عنه لأنك متى عبرت عنه فقد أخبرت عنه بأمر آخر، والمخبر عنه مغاير للمخبر به لا محالة، فليس هناك توحيد، ولو أخبرت عنه بأنه لا يمكن الإخبار عنه، فهناك ذات مع سلب خاص، فلا يكون هناك توحيد فأما إذا نظرت إليه من حيث أنه هو من غير أن تخبر عنه لا بالنفي ولا بالإثبات، فهناك تحقق الوصول إلى مبادئ عالم التوحيد، ثم الإلتفات المذكور لا يمكن التعبير عنه إلا بقوله: ﴿ هو ﴾ فلذلك عظم وقع هذه الكلمة عند الخائضين في بحار التوحيد، وسنذكر شمة من حقائقها في تفسير هذه الآية بعون الله تعالى، أما الوحدة بالمعنى الثاني، وهي أنه ليس في الوجود شيء يشاركه في وجوب الوجود، فكأن هذه الوحدة هي الوحدة الخاصة بذات الحق سبحانه وتعالى، وبراهين ذلك مذكورة في تفسير قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا  ﴾ أم الوحدة بالتفسير الأول، فليست من خواص ذات الحق سبحانه وتعالى لأنه لا شك في وجود موجودات وهذه الموجودات إما مفردات أو مركبات، فالمركب لابد فيه من المفردات فثبت أنه لابد من إثبات المفردات في عالم الممكنات، فالواحدية بالمعنى الأول ليست من الأمور التي توحد الحق سبحانه بها، أما الواحدية بالمعنى الثاني فالحق سبحانه وتعالى متوحد بها ومتفرد بها، ولا يشاركه في ذلك النعت شيء سواه، فهذه تلخيص الكلام في هذا المقام بحسب ما يليق بعقل البشر وفكره القاصر، مع الاعتراف بأنه سبحانه منزه عن تصرفات الأفكار والأوهام، وعلائق العقول والأفهام.

المسألة الخامسة؛ قال الجُبائي: يوصف الله تعالى بأنه واحد من وجوه أربعة: لأنه ليس بذي أبعاض، ولا بذي أجزاء، ولأنه منفرد بالقدم، ولأنه منفرد بالإلهية، ولأنه منفرد بصفات ذاته نحو كونه عالماً بنفسه، وقادراً بنفسه، وأبو هاشم يقتصر على ثلاثة أوجه: فجعل تفرده بالقدم، وبصفات الذات وجهاً واحداً، قال القاضي: وفي هذه الآية المراد تفرده بالإلهية فقط، لأنه أضاف التوحيد إلى ذلك، ولذلك عقبه بقوله: ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ وقال أصحابنا: إنه سبحانه وتعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، أما أنه واحد في ذاته فلأن تلك الذات المخصوصة التي هي المشارإليها بقولنا هو الحق سبحانه وتعالى إما أن تكون حاصلة في شخص آخر سواه، أو لا تكون، فإن كان الأول كان امتياز ذاته المعينة عن المعنى الآخر، لابد وأن يكون بقيد زائد، فيكون هو في نفسه مركباً بما به الإشتراك وما به الإمتياز، فيكون ممكناً معلولاً مفتقراً وذلك محال، وإن لم يكن فقد ثبت أنه سبحانه واحد في ذاته لا قسيم له، وأما أنه واحد في صفاته فلأن موصوفيته سبحانه بصفات متميزة عن موصوفية غيره بصفات من وجوه: أحدها: أن كل ما عداه فانٍ، لأن حصول صفاته له لا تكون من نفسه بل من غيره وهو سبحانه يستحق حصول صفاته لنفسه لا لغيره.

وثانيها: أن صفات غيره مختصة بزمان دون زمان لأنها حادثة، وصفات الحق ليست كذلك.

وثالثها: أن صفات الحق غير متناهية بحسب المتعلقات، فإن علمه متعلق بجميع المعلومات وقدرته متعلقة بجميع المقدورات، بل له في كل واحد من المعلومات الغير المتناهية معلومات غير متناهية لأنه يعلم في ذلك الجوهر الفرد أنه كيف كان ويكون حاله بحسب كل واحد من الأحياز المتناهية وبحسب كل واحد من الصفات المتناهية فهو سبحانه واحد في صفاته من هذه الجهة.

ورابعها: أنه سبحانه ليست موصوفية ذاته بتلك الصفات بمعنى كونها حالة في ذاته وكون ذاته محلاً لها، ولا أيضاً بحسب كون ذاته مستكملة بها لأنا بينا أن الذات كالمبدأ لتلك الصفات فلو كانت الذات مستكملة بالصفات لكان المبدأ ناقصاً لذاته مستكملاً بالممكن لذاته وهو محال، بل ذاته مستكملة لذاته ومن لوازم ذلك الإستكمال الذاتي تحقق صفات الكمال معه إلا أن التقسيم يعود في نفس الإستكمال فينتهي إلى حيث تقصر العبارة عن الوفاء به.

خامسها: أنه لا خبر عند العقول من كنه صفاته كما لا خبر عندها من كنه ذاته، وذلك لأنا لا نعرف من علمه إلا أنه الأمر الذي لأجله ظهر الإحكام والإتقان في عالم المخلوقات، فالمعلوم من علمه أنه أمر ما لا ندري أنه ما هو ولكن نعلم منه أنه يلزمه هذا الأثر المحسوس، وكذا القول في كونه قادراً وحياً، فسبحان من ردع بنور عزته أنوار العقول والأفهام، وأما إنه سبحانه وتعالى واحد في أفعاله فالأمر ظاهر لأن الموجود إما واجب وإما ممكن، فالواجب هو هو، والممكن ما عداه وكل ما كان ممكناً فإنه يجوز أن لا يوجد ما لم يتصل بالواجب ولا يختلف هذا الحكم باختلاف أقسام الممكنات سواء كان ملكاً أو ملكاً أو كان فعلاً للعباد أو كان غير ذلك فثبت أن كل ما عداه فهو ملكه وملكه وتحت تصرفه وقهره وقدرته واستيلائه، وعند هذا تدرك شمة من روائح أسرار قضائه وقدره، ويلوح لك شيء من حقائق قوله: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيء خلقناه بِقَدَرٍ  ﴾ وتعرف أن الموجود ليس البتة إلا ما هو هو، وما هو له وإذا وقعت سفينة الفكرة في هذه اللجة، فلو سارت إلى الأبد لم تقف، لأن السير إنما يكون من شيء إلى شيء، فالشيء الأول متروك، والشيء الثاني مطلوب وهما متغايران، فأنت بعد خارج عن عالم الفردانية والوحدانية، فأما إذا وصلت إلى برزخ عالم الحدوث والقدم، فهناك تنقطع الحركات، وتضمحل العلامات والأمارات، ولم يبق في العقول والألباب إلا مجرد أنه هو، فيا هو ويا من لا هو إلا هو أحسن إلى عبدك الضعيف، فإن عبدك بفنائك ومسكينك ببابك.

المسألة السادسة: إن قيل: ما معنى إضافته بقوله: ﴿ وإلهكم ﴾ وهل تصح هذه الإضافة في كل الخلق أو لا تصح إلا في المكلف؟

قلنا: لما كان الإله هو يستحق أن يكون معبوداً والذي يليق به أن يكون معبوداً بهذا الوصف، إنما يتحقق بالنسبة إلى من يتصور منه عبادة الله تعالى، فإن هذه الإضافة صحيحة بالنسبة إلى كل المكلفين، وإلى جميع من تصح صيرورته مكلفاً تقديراً.

المسألة السابعة: قوله: ﴿ وإلهكم ﴾ يدل على أن معنى الإله ما يصح أن تدخله الإضافة فلو كان معنى الإله القادر لصار المعنى وقادركم قادر واحد ومعلوم أنه ركيك فدل على أن الإله هو المعبود.

المسألة الثامنة: قوله: ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ معناه أنه واحد في الإلهية، لأن ورود لفظ الواحد بعد لفظ الإله يدل على أن تلك الوحدة معتبرة في الإلهية لا في غيرها، فهو بمنزلة وصف الرجل بأنه سيد واحد، وبأنه عالم واحد، ولما قال: ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ أمكن أن يخطر ببال أحد أن يقول: هب أن إلهنا واحد، فلعل إله غيرنا مغاير لإلهنا، فلا جرم أزال هذا الوهم ببيان التوحيد المطلق، فقال: ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ وذلك لأن قولنا: لا رجل يقتضي نفي هذه الماهية، ومتى انتفت هذه الماهية انتفى جميع أفرادها، إذ لو حصل فرد من أفراد تلك الماهية فمتى حصل ذلك الفرد، فقد حصلت الماهية، وذلك يناقض ما دل اللفظ عليه من انتفاء الماهية: فثبت أن قولنا: لا رجل يقتضي النفي العام الشامل، فإذا قيل بعد: إلا زيداً، أفاد التوحيد التام المحقق وفي هذه الكلمة أبحاث.

أحدها: أن جماعة من النحويين قالوا: الكلام فيه حذف وإضمار والتقدير: لا إله لنا، أو لا إله في الوجود إلا الله، واعلم أن هذا الكلام غير مطابق للتوحيد الحق وذلك لأنك لو قلت: التقدير أنه لا إله لنا إلا الله، لكان هذا توحيداً لألهنا لا توحيد للإله المطلق، فحينئذ لا يبقى بين قوله: ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ وبين قوله: ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ فرق، فيكون ذلك تكراراً محضاً، وأنه غير جائز، وأما لو قلنا: التقدير لا إله في الوجود، فذلك الإشكال زائل، إلا أنه يعود الإشكال من وجه آخر، وذلك لأنك إذا قلت: لا إله في الوجود لا إله إلا هو؛ كان هذا نفياً لوجود الإله الثاني، أما لو لم يضمر هذا الإضمار كان قولك: لا إله إلا الله نفياً لماهية الإله الثاني، ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود، فكان إجراء الكلام على ظاهره، والإعراض عن هذا الإضمار أولى، فإن قيل: نفي الماهية كيف يعقل؟

فإنك إذا قلت السواد ليس بسواد، كان ذلك حكماً بأن السواد ليس بسواد، وهو غير معقول، أما إذا قلت: السواد ليس بموجود، فهذا معقول منتظم مستقيم، قلنا: بنفي الماهية أمر لابد منه، فإنك إذا قلت: السواد ليس بموجود، فقد نفيت الوجود، والوجود من حيث هو وجود ماهية، فإذا نفيته فقد نفيت هذه الماهية المسماة بالوجود، فإذا عقل نفي هذه الماهية من حيث هي هي، فلم لا يعقل نفي تلك الماهية أيضاً، فإذا عقل ذلك صح اجراء قولنا: لا إله إلا الله على ظاهره، من غير حاجة إلى الإضمار، فإن قلت: إنا إذا قلنا السواد ليس بموجود، فما نفيت الماهية وما نفيت الوجود، ولكن نفيت موصوفية الماهية بالوجود، قلت: فموصوفية الماهية بالوجود، هل هي أمر منفصل عن الماهية وعن الوجود أم لا، فإن كانت منفصلة عنهما كان نفيها نفياً لتلك الماهية، فالماهية من حيث هي هي أمكن نفيها، وحينئذ يعود التقريب المذكور، وإن لم تكن تلك الموصوفية أمراً منفصلاً عنها استحال توجيه النفي إليها إلا بتوجيه النفي، إما إلى الماهية وإما إلى الوجود، وحينئذ يعود التقريب المذكور فثبت أن قولنا، لا إله إلا هو حق وصدق من غير حاجة إلى الإضمار ألبتة.

البحث الثاني: فيما يتعلق بهذه الكلمة أن تصور النفي متأخر عن تصور الإثبات، فإنك ما لم تتصور الوجود أولاً، استحال أن تتصور العدم، فأنت لا تتصور من العدم إلا ارتفاع الوجود.

فتصور الوجود غني عن تصور العدم، وتصور العدم مسبوق بتصور الوجود، فإن كان الأمر كذلك فما السبب في قلب هذه القضية في هذه الكلمة حتى قدمنا النفي وأخرنا الإثبات.

والجواب: أن الأمر في العقل على ما ذكرت، إلا أن تقديم النفي على الإثبات كان لغرض إثبات التوحيد ونفي الشركاء والأنداد.

البحث الثالث: في كلمة ﴿ هُوَ ﴾ أعلم أن المباحث اللفظية المتعلقة بهو قد تقدمت في ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم ﴾ أما الأسرار المعنوية فنقول، اعلم أن الألفاظ على نوعين: مظهرة ومضمرة: أما المظهرة فهي الألفاظ الدالة على الماهيات المخصوصة من حيث هي هي، كالسواد، والبياض، والحجر، والإنسان، وأما المضمرات فهي الألفاظ الدالة على شيء ما، هو المتكلم، والمخاطب، والغائب، من غير دلالة على ماهية ذلك المعين، وهي ثلاثة: أنا، وأنت، وهو، وأعرفها أنا، ثم أنت، ثم هو، والدليل على صحة هذا الترتيب أن تصوري لنفسي من حيث أني أنا مما لا يتطرق إليه الاشتباه، فإنه من المستحيل أن أصير مشتبهاً بغيري، أو يشتبه بي غيري، بخلاف أنت، فإنك قد تشتبه بغيرك، وغيرك يشتبه بك في عقلي وظني، وأيضاً فأنت أعرف من هو، فالحاصل أن أشد المضمرات عرفاناً أَنا وأشدها بعداً عن العرفان.

(هو) وأما (أنت) فكالمتوسط بينهما، والتأمل التام يكشف عن صدق هذه القضية، ومما يدل على أن أعرف الضمائر قولاً قولي (أنا) أن المتكلم حصل له عند الإنفراد لفظ يستوي فيه المذكر والمؤنث من غير فصل، لأن الفصل إنما يحتاج إليه عند الخوف من الإلتباس، وهاهنا لا يمكن الإلتباس، فلا حاجة إلى الفصل، وأما عند التثنية والجمع فاللفظ واحد، أما في المتصل فكقولك: شربنا، وأما المنفصل فقولك: نحن، وإنما كان كذلك للأمن من اللبس، وأما المخاطب فإنه فصل بين لفظ مؤنثه ومذكره، ويثنى ويجمع، لأنه قد يكون بحضرة المتكلم مؤنث ومذكر وهو مقبل عليهما، فيخاطب أحدهما فلا يعرف حتى يبينه بعلامة: وتثنية المخاطب وجمعه إنما حسن لهذه العلة، وأما إن الحاضر أعرف من الغائب فهذا أمر كالضروري، إذا عرفت هذا فنقول: ظهر أن عرفان كل شيء بذاته أتم من عرفانه بغيره سواء كان حاضراً أو غائباً؛ فالعرفان التام بالله ليس إلا الله: لأنه هو الذي يقول لنفسه (أنا) ولفظ (أنا) أعرف الأقسام الثلاثة، فلما لم يكن لأحد أن يسير إلى تلك الحقيقة بالضمير الذي هو أعرف الضمائر وهو قول (أنا) إلا له سبحانه علمنا أن العرفان التام به سبحانه وتعالى ليس الإله.

بقي أن هناك قوماً يجوزون الاتحاد: الأرواح البشرية إذا استنارت بأنوار معرفة تلك الحقيقة اتحد العاقل بالمعقول وعند الاتحاد يصح لذلك العارف أن يقول: أنا الله إلا أن القول بالاتحاد غير معقول، لأن حال الاتحاد إن فنيا أو أحدهما، فذاك ليس باتحاد، وإن بقيا فهما اثنان لا واحد، ولما انسد هذا الطريق الذي هو أكمل الطرق في الإشارة بقي الطريقان الآخران، وهو (أنت) و(هو) أما (أنت) فهو للحاضرين في مقامات المكاشفات والمشاهدات لمن فني عن جميع الحظوظ البشرية على ما أخبر الله تعالى عن يونس عليه السلام أنه بعد أن فنى عن ظلمات عالم الحدوث وعن آثار الحدوث وصل إلى مقام الشهود فقال: ﴿ فنادى فِي الظلمات أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ  ﴾ وهذا ينبهك على أنه لا سبيل إلى الوصول إلى مقام المشاهدة والمخاطبة إلا بالغيبة عن كل ما سواه وقال محمد صلى الله عليه وسلم: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» وأما ﴿ هو ﴾ فللغائبين، ثم هاهنا بحث وهو: أن ﴿ هو ﴾ في حقه أشرف الأسماء، ويدل عليه وجوه: أحدها: أن الإسم إما كلي أو جزئي، وأعني بكلي أن يكون مفهومه بحيث لا يمنع تصوره من وقوع الشركة، وأعني بالجزئي أن يكون نفس تصوره مانعاً من الشركة، وهو اللفظ الدال عليه من حيث إنه ذلك المعين، فإن كان الأول فالمشار إليه بذلك الاسم ليس هو الحق سبحانه، لأنه لما كان المفهوم من ذلك الاسم أمراً لا يمنع الشركة وذاته المعينة سبحانه وتعالى مانعة من الشركة وجب القطع بأن المشار إليه بذلك الاسم ليس هو الحق سبحانه، فإذن جميع الأسماء المشتقة: كالرحمن، والرحيم، والحكيم، والعليم، والقادر، لا يتناول ذاته المخصوصة ولا يدل عليها بوجه ألبتة، وإن كان الثاني فهو المسمى باسم العلم والعلم قائم مقام الإشارة فلا فرق بين قولك: يا زيد وبين قولك: يا أنت ويا هو.

وإذا كان العلم قائماً مقام الإشارة فالعلم فرع واسم الإشارة أصل والأصل أشرف من الفرع، فقولنا: يا أنت، يا هو أشرف من سائر الأسماء بالكلية إلا أن الفرق أن (أنت) لفظ يتناول الحاضر و(هو) يتناول الغائب وفيه سر آخر وهو أن (هو) إنما يصح التعبير عنه إذا حصل في العقل صورة ذلك الشيء وقولك (هو) يتناول تلك الصورة وهي حاضرة، فقد عاد القول إلى أن (هو) أيضاً لا يتناول إلا الحاضر.

وثانيها: أنا قد دللنا على أن حقيقة الحق منزهة عن جميع أنحاء التراكيب، والفرد المطلق لا يمكن نعته، لأن النعت يقتضي المغايرة بين الموصوف والصفة وعند حصول الغيرية لا تبقى الفردانية، وأيضاً لا يمكن الإخبار عنه لأن الإخبار يقتضي مخبراً عنه ومخبراً به وذلك ينافي الفردانية، فثبت أن جميع الأسماء المشتقة قاصرة عن الوصول إلى كنه حقيقة الحق وأما لفظ (هو) فإنه يصل إلى كنه تلك الحقيقة المفردة المبرأة عن جميع جهات الكثرة فهذه اللفظة لوصولها إلى كنه الحقيقة وجب أن تكون أشرف من سائر الألفاظ التي يمتنع وصولها إلى كنه تلك الحقيقة.

وثالثها: أن الألفاظ المشتقة دالة على حصول صفة للذات ثم ماهيات صفة الحق أيضاً غير معلومة إلا بآثارها الظاهرة في عالم الحدوث، فلا يعرف من علمه إلا أنه الأمر الذي باعتباره صح منه الإحكام والإتقان، ومن قدرته إلا أنها الأمر الذي باعتباره صح منه صدور الفعل والترك، فإذن هذه الصفات لا يمكننا تعقلها إلا عند الالتفات إلى الأحوال المختلفة في عالم الحدوث، فالألفاظ المشتقة لا تشير إلى الحق سبحانه وحده، بل تشير إليه وإلى عالم الحدوث معاً والناظر إلى شيئين لا يكون مستكملاً في كل واحد منهما بل يكون ناقصاً قاصراً، فإذن جميع الأسماء المشتقة لا تفيد كمال الاستغراق في مقام معرفة الحق بل كلها تصير حجاباً بين العبد وبين الاستغراق في معرفة الرب، وأما (هو) فإنه لفظ يدل عليه من حيث هو هو لا من حيث عرضت له إضافة أو نسبة بالقياس إلى عالم الحدوث، فكان لفظ (هو) يوصلك إلى الحق ويقطعك عما سواه، وما عداه من الأسماء فإنه لا يقطعك عما سواه، فكان لفظ (هو) أشرف.

ورابعها: أن البراهين السالفة قد دلت على أن منبع الجلال والعزة هو الذات، وأن ذاته ما كملت بالصفات بل ذاته لكمالها استلزمت صفات الكمال، ولفظ (هو) يوصلك إلى ينبوع الرحمة والعزة والعلو وهو الذات وسائر الألفاظ لا توقفك إلا في مقامات النعوت والصفات، فكان لفظ (هو) أشرف، فهذا ما خطر بالبال في الكشف عن أسرار لفظ (هو) وإليه الرغبة سبحانه في أن ينور بدرة من لمعات أنوارها صدورنا وأسرارنا، ويروح بها عقولنا وأرواحنا حتى نتخلص من ضيق عالم الحدوث إلى فسحة معارج القدم، ونرقى من حضيض ظلمة البشرية إلى سموات الأنوار وما ذلك عليه بعزيز.

المسألة التاسعة: قال النحويون في قوله تعالى: ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ ارتفع ﴿ هو ﴾ لأنه بدل من موضع ﴿ لا ﴾ مع الاسم ولنتكلم في قوله: ما جاءني رجل إلا زيد فقوله: إلا زيد مرفوع على البدلية لأن البدلية هي الإعراض عن الأول والأخذ بالثاني فكأنك قلت: ما جاءني إلا زيد وهذا معقول لأنه يفيد نفي المجيء عن الكل إلا عن زيد، أما قوله: جاءني إلا زيداً فهاهنا البدلية غير ممكنة لأنه يصير في التقدير: جاءني خلق إلا زيداً، وذلك يقتضي أنه جاء كل أحد إلا زيداً وذلك محال فظهر الفرق والله أعلم.

أما (الرحمن الرحيم) فقد تقدم القول في تفسيرهما وبينا أن الرحمة في حقه سبحانه هي النعمة وفاعلها هو الراحم فإذا أردنا إفادة الكثرة قلنا (رحيم) وإذا أردنا المبالغة التامة التي ليست إلا له سبحانه قلنا ﴿ الرحمن ﴾ .

واعلم أنه سبحانه إنما خص هذا الموضع بذكر هاتين الصفتين لأن ذكر الإلهية الفردانية يفيد القهر والعلو فعقبهما بذكر هذه المبالغة في الرحمة ترويحاً للقلوب عن هيبة الإلهية، وعزة الفردانية وإشعاراً بأن رحمته سبقت غضبه وأنه ما خلق الخلق إلا للرحمة والإحسان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ يعني الذين ماتوا من هؤلاء الكاتمين ولم يتوبوا، ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم أمواتاً.

وقرأ الحسن: ﴿ والملائكة والناس أجمعون ﴾ ، بالرفع عطفاً على محل اسم الله، لأنه فاعل في التقدير، كقولك: عجبت من ضرب زيد وعمرو، تريد من أن ضرب زيد وعمرو، كأنه قيل: أولئك عليهم أن لعنهم الله والملائكة.

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ والناس أَجْمَعِينَ ﴾ وفي الناس المسلم والكافر.

قلت: أراد بالناس من يعتدّ بلعنه وهم المؤمنون.

وقيل: يوم القيامة يلعن بعضهم بعضاً ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ في اللعنة.

وقيل: في النار إلا أنها أضمرت تفخيماً لشأنها وتهويلاً ﴿ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ من الإنظار أي لا يمهلون ولا يؤجلون، أو لا ينتظرون ليعتذروا.

أولا ينظر إليهم نظر رحمة.

﴿ إله واحد ﴾ فرد في الإلهية لا شريك له فيها ولا يصحّ أن يسمى غيره إلها.

و ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ تقرير للوحدانية بنفي غيره وإثباته ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ المولى لجميع النعم أصولها وفروعها، ولا شيء سواه بهذه الصفة، فإن كلّ ما سواه إمّا نعمة وإما منعم عليه.

وقيل: كان للمشركين حول الكعبة ثلثمائة وستون صنماً، فلما سمعوا بهذه الآية تعجبوا وقالوا: إن كنت صادقاً فأت بآية نعرف بها صدقك فنزلت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ خِطابٌ عامٌّ، أيِ المُسْتَحِقُّ مِنكُمُ العِبادَةَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ أوْ يُسَمّى إلَهًا.

﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْوَحْدانِيَّةِ، وإزاحَةٌ لِأنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ في الوُجُودِ إلَهًا ولَكِنْ لا يَسْتَحِقُّ مِنهُمُ العِبادَةَ.

﴿ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ كالحُجَّةِ عَلَيْها، فَإنَّهُ لَمّا كانَ مَوْلى النِّعَمِ كُلِّها أُصُولِها وفُرُوعِها وما سِواهُ إمّا نِعْمَةٌ أوْ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ العِبادَةَ أحَدٌ غَيْرُهُ، وهُما خَبَرانِ آخَرانِ لِقَوْلِهِ إلَهُكُمْ، أوْ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.

قِيلَ لَمّا سَمِعَهُ المُشْرِكُونَ تَعَجَّبُوا وقالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فائْتَ بِآيَةٍ نَعْرِفُ بِها صِدْقَكَ فَنَزَلَتْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإلهكم إله واحد} فرد في ألوهيته لا شريك له فيها ولا يصح أن يسمى غيره إلها {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} تقرير للوحدانية بنفى غيره وإثباته وموضع هو رفع لأنه بدل من موضع لا إله ولا يجوز النصب هنا لأن البدل يدل على أن الاعتماد على الثاني والمعنى في الآية على ذلك والنصب يدل على أن الاعتماد على الأول ورفع {الرحمن الرّحيم} أي المولى لجميع النعم أصولها وفروعها ولا شيء سواه بهذه الصفة فما سواه إما نعمة وإما منعم عليه ورفع على أنه خبر مبتدأ أو على البدل من هولا على الوصف لأن المضمر لا يوصف

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ : نَزَلَتْ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمّا قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: صِفْ لَنا رَبَّكَ.

والخِطابُ عامٌّ لِكُلِّ مَن يَصِحُّ أنْ يُخاطَبَ كَما هو الظّاهِرُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِشَأْنِ النُّزُولِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ﴾ عَطَفَ القِصَّةَ عَلى القِصَّةِ، والجامِعُ أنَّ الأُولى مَسُوقَةٌ لِإثْباتِ نُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وهَذِهِ لِإثْباتِ وحْدانِيَّتِهِ - تَعالى - وقِيلَ: الخِطابُ لِلْكاتِمِينَ، وفِيهِ انْتِقالٌ عَنْ زَجْرِهِمْ عَمّا يُعامِلُونَ رَسُولَهم إلى زَجْرِهِمْ عَنْ مُعامَلَتِهِمْ رَبِّهِمْ؛ حَيْثُ يَكْتُمُونَ وحْدانِيَّتَهُ، ويَقُولُونَ: عُزَيْرٌ وعِيسى ابْنانِ لِلَّهِ - عَزِّ وجَلَّ -، وفِيهِ أنَّهُ وإنْ حَسُنَ الِانْتِظامُ إلّا أنَّهُ فِيهِ خُرُوجٌ شَأْنَ النُّزُولِ عَنِ الآيَةِ - وهو باطِلٌ - وإضافَةُ ( إلَهٍ ) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِاعْتِبارِ الِاسْتِحْقاقِ لا بِاعْتِبارِ الوُقُوعِ، فَإنَّ الآلِهَةَ غَيْرُ المُسْتَحَقَّةِ كَثِيرَةٌ، وإعادَةُ لَفْظِ ( إلَهٍ ) وتَوْصِيفُهُ بِالوَحْدَةِ لِإفادَةِ أنَّ المُعْتَبَرَ الوَحْدَةُ في الأُلُوهِيَّةِ، واسْتِحْقاقُ العِبادَةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَكَفى ﴿ وإلَهُكم واحِدٌ ﴾ فَهو بِمَنزِلَةِ وصْفِهِمُ الرَّجُلَ بِأنَّهُ سَيِّدٌ واحِدٌ وعالِمٌ واحِدٌ.

وقالَ أبُو البَقاءِ: ( إلَهٌ ) خَبَرُ المُبْتَدَأِ، و( واحِدٌ ) صِفَةٌ لَهُ، والغَرَضُ هُنا هو الصِّفَةُ؛ إذْ لَوْ قالَ: وإلَهُكم واحِدٌ، لَكانَ هو المَقْصُودُ إلّا أنَّ في ذِكْرِهِ زِيادَةَ تَأْكِيدٍ، وهَذا يُشْبِهُ الحالَ المُوَطِّئَةَ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ رَجُلًا صالِحًا، وكَقَوْلِكَ في الخَبَرِ: زَيْدٌ شَخْصٌ صالِحٌ، ولَعَلَّ الأوَّلَ ألْطَفُ، وأكْثَرُ النّاسِ عَلى أنَّ الواحِدَ هُنا بِمَعْنى لا نَظِيرَ لَهُ ولا شَبِيهَ في ذاتِهِ ولا في صِفاتِهِ ولا في أفْعالِهِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهِ ما لَيْسَ بِذِي أبْعاضٍ، ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِانْقِسامُ، ولا يَحْتَمِلُ التَّجْزِئَةَ أصْلًا، ولَيْسَ المَعْنى بِهِ هُنا مَبْدَأ العَدَدِ، وأصَحُّ الأقْوالِ عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ أنَّهُ الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ ولا شَبِيهَ لَهُ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، وهو مُسْتَلْزِمٌ لِكُلِّ كَمالٍ آبَ عَمّا فِيهِ أدْنى وصْمَةٍ وإخْلالٍ.

﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ : خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ أوْ صِفَةٌ أُخْرى لِلْخَبَرِ أوْ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وعَلى أيِّ تَقْدِيرٍ هو مُقَرِّرٌ لِلْوَحْدانِيَّةِ ومُزِيحٌ - عَلى ما قِيلَ - لِما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ في الوُجُودِ إلَهًا، لَكِنْ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ عَلى الصَّحِيحِ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ المَحْذُوفِ، فَهو بَدَلٌ مَرْفُوعٌ مِن ضَمِيرٍ مَرْفُوعٍ، وقَدِ اخْتُلِفَ في المَنفِيِّ: هَلِ المَعْبُودُ بِحَقٍّ أوِ المَعْبُودُ بِباطِلٍ، فَقالَ مُحَمَّدٌ الشِّيشِينِيُّ: النَّفْيُ إنَّما تَسَلَّطَ عَلى الآلِهَةِ المَعْبُودَةِ بِباطِلٍ تَنْزِيلًا لَها مَنزِلَةَ العَدَمِ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ الهَبَطِيُّ: إنَّما تَسَلَّطَ عَلى الآلِهَةِ المَعْبُودَةِ بِحَقٍّ، ولِكُلٍّ انْتَصَرَ بَعْضٌ، وذَكَرَ المَلَّوِيُّ أنَّ الحَقَّ مَعَ الثّانِي؛ لِأنَّ المَعْبُودَ بِباطِلٍ لَهُ وُجُودٌ في الخارِجِ، ووُجُودٌ في ذِهْنِ المُؤْمِنِ بِوَصْفِ كَوْنِهِ باطِلًا، ووُجُودٌ في ذِهْنِ الكافِرِ بِوَصْفِ كَوْنِهِ حَقًّا، فَهو مِن حَيْثُ وُجُودِهِ في الخارِجِ في نَفْسِهِ لا تُنْفى؛ لِأنَّ الذّاتَ لا تُنْفى، وكَذا مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَعْبُودًا بِباطِلٍ لا يُنْفى أيْضًا؛ إذْ كَوْنُهُ مَعْبُودًا بِباطِلٍ أمْرٌ حَقٌّ لا يَصِحُّ نَفْيُهُ، وإلّا كانَ كَذِبًا، وإنَّما يُنْفى مِن حَيْثُ وُجُودُهُ في ذِهْنِ الكافِرِ مِن حَيْثُ وُجُودُهُ في ذِهْنِهِ بِوَصْفِ كَوْنِهِ مَعْبُودًا بِحَقٍّ، فالمَعْبُوداتُ الباطِلَةُ لَمْ تُنْفَ إلّا مِن حَيْثُ كَوْنُها مَعْبُودَةً بِحَقٍّ، فَلَمْ يُنْفَ في هَذِهِ الكَلِمَةِ إلّا المَعْبُودُ بِحَقِّ غَيْرُهُ - تَعالى - فافْهَمْ، وسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ما في هَذِهِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ في مَحَلِّهِ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - .

﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ 163﴾: خَبَرانِ آخَرانِ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ خَبَرَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( إلَهكم ) أوْ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، أوْ بَدَلانِ عَلى رَأْيٍ، وجِيءَ بِهِما لِتَمْيِيزِ الذّاتِ المَوْصُوفَةِ بِالوَحْدَةِ عَمّا سِواهُ، ولِيَكُونَ الجَوابُ مُوافِقًا لِما سَألُوهُ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى حُجَّةِ الوَحْدانِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مَوْلى النِّعَمِ كُلِّها أُصُولًا وفُرُوعًا دُنْيا وأُخْرى، وما سِواهُ إمّا خَيْرٌ مَحْضٌ أوْ خَيْرٌ غالِبٌ، وهو إمّا نِعْمَةٌ أوْ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ العِبادَةَ أحَدٌ غَيْرُهُ لِاسْتِواءِ الكُلِّ في الِاحْتِياجِ إلَيْهِ - تَعالى - في الوُجُودِ، وما يَتْبَعُهُ مِنَ الكِمالاتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، قال مقاتل: يعني ربكم رب واحد.

وقال الضحاك: كان لمشركي العرب ثلاثمائة وستون صنماً يعبدونها من دون الله تعالى، فدعاهم الله إلى التوحيد والإخلاص لعبادته فقال: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ.

ويقال: نزلت هذه الآية في صنف من المجوس يقال لهم: المانوية فكان رئيسهم يقال له: ماني، فقال لهم أرى الأشياء زوجين وضدين، مثل الليل والنهار والنور والظلمة والحر والبرد والخير والشر والسرور والحزن والذي يصلح للشيء لا يصلح لضده، فمن كان خالق النور والخيرات لا يكون خالق الشر والظلمات فهما اثنان: أحدهما يخلق الشر والآخر يخلق الخير، فنزلت هذه الآية وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، أي خالقكم خالق واحد هو خالق الأشياء كلها.

وقوله تعالى: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ، قال بعض الناس: هذا الكلام نصفه كفر، وهو قوله: لاَ إله، ونصفه إيمان وهو قوله: إِلَّا هُوَ.

ولكن هذا الكلام ليس بسديد، لأن الله تعالى أمر رسوله بأن يأمرهم حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فلا يجوز أن يأمرهم بالكفر.

وقال بعضهم: النصف الأول منسوخ والنصف الثاني ناسخ.

وهذا أيضاً لا يصح، لأن المنسوخ هو الذي كان مباحاً قبل النسخ والكفر لم يكن مباحاً أبداً.

وأحسن ما قيل فيه: إن قوله: لا إِلهَ نفي معبود الكفار، وقوله: إِلَّا هُوَ إثبات معبود المؤمنين.

أو نقول: لا إِلهَ نفي الألوهية عمن لا يستحق الألوهية، وقوله إِلَّا هُوَ إثبات الألوهية لمن يستحق الألوهية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الأجزاء، كأنها جسمٌ واحدٌ، وريح الرحمة لينة تجيء من هاهنا وهاهنا متقطِّعة، فلذلك يقال هي رياحٌ، وهو معنى نشر، وأفردت مع الفلك لأن ريح إِجراء السُّفُن، إنما هي واحدةٌ متصلة، ثم وصفت بالطِّيبِ، فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب، وهي لفظة من ذوات الواوِ، يقال: رِيحٌ، وأَرْوَاحٌ، ولا يقال: «أَرْيَاحٌ» ، وإِنما يقال: رِيَاحٌ من جِهة الكَسْرة، وطلب تناسب الياء معها، وقد لُحِّن في هذه اللفظة عُمَارَةُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ بِلاَلِ بْنِ جَرِيرٍ «١» ، فاستعمل «الأَرْيَاحَ» في شعره، ولُحِّنَ في ذلك، وقال له أبو حَاتِمٍ «٢» : إِنَّ الأرياحَ لا يجوزُ، فقال: أما تَسْمَعُ قولهم: رِيَاح، فقال أبو حَاتِمٍ: هذا خلافُ ذلك، فقال: صدَقْتَ، ورَجَع.

وَالسَّحابِ: جمع سحابَةٍ، سمي بذلك لأنه ينسحبُ، وتسخيره بعثه من مكانٍ إلى آخر، فهذه آيات.

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)

وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً ...

الآية: النّدّ: النظير،

والمقاوم، قال مجاهد، وقتادة: المراد بالأنداد: الأوثانُ «١» كَحُبِّ اللَّهِ، أي: كحبِّكم للَّه، أو كحبِّهم حسبما قَدَّر كلَّ وجه منْها فرقةٌ، ومعنى: كَحُبِّهِمْ، أي: يسوُّون بين محبَّة اللَّه، ومحبَّة الأوثان، ثم أخبر أن المؤمنين أشدُّ حبًّا للَّه، لإِخلاصهم، وتيقُّنهم الحق.

وقوله تعالى: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا، أي: ولو ترى، يا محمَّد، الذين ظلموا في حال رؤيتهمُ العذابَ، وفزعهم منْه، واستعظامِهِمْ له، لأقرُّوا أن القوة للَّه، أو لعلمتَ أنَّ القوَّة للَّه جميعاً، فجواب «لَوْ» : مضمَرٌ على التقديرين «٢» ، وقد كان النبيّ صلّى الله عليه وسلم/ علم

ذَلِكَ، ولكنْ خوطبَ، والمرادُ أمته.

وقرأ حمزةُ وغيره «١» بالياء، أي: ولو يرى في الدنيا الذين ظلموا حالَهُمْ في الآخرة، إِذ يرون العذاب، لعلموا أن القوة لله.

والَّذِينَ اتُّبِعُوا بفتح التاء والباء: هم العَبَدة لغير اللَّه الضالُّون المقلِّدون لرؤسائهم، أو للشياطينِ، وتبرِّيهم هو بأنْ قالوا إِنا لم نضلَّ هؤلاء، بل كفروا بإرادتهم.

والسَّبَبُ في اللغة: الحبلُ الرابط الموصِّل، فيقال في كلِّ ما يتمسَّك به فَيَصِلُ بين شيئين، وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا، أي: الأتباع.

والكَرَّة: العودة إِلى حال قد كانَتْ كذلك، يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ ...

الآيةَ: يحتمل

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا: يا مُحَمَّدُ صِفْ لَنا رَبَّكَ وانْسِبْهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، وسُورَةُ الإخْلاصِ.» والإلَهُ بِمَعْنى: المَعْبُودِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ ﴾ ﴿ وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهٌ إلا هو الرَحْمَنُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ الناسَ وما أنْزَلَ اللهُ مِنَ السَماءِ مِنَ ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِنَ كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِياحِ والسَحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، مُحْكَمَةٌ في الَّذِينَ وافَوْا عَلى كُفْرِهِمْ، واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ والناسِ أجْمَعِينَ ﴾ وهم لا يَلْعَنُونَ أنْفُسَهُمْ، فَقالَ قَتادَةُ، والرَبِيعُ: المُرادُ بِـ "الناسِ": المُؤْمِنُونَ خاصَّةً.

وقالَ أبُو العالِيَةِ: مَعْنى ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ أنَّ الكَفَرَةَ يَلْعَنُونَ أنْفُسَهم يَوْمَ القِيامَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ذَلِكَ أنَّ الكَفَرَةَ يَقُولُونَ في الدُنْيا: لَعَنَ اللهُ الكافِرِينَ، فَيَلْعَنُونَ أنْفُسَهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والمَلائِكَةُ والناسُ أجْمَعُونَ" بِالرَفْعِ عَلى تَقْدِيرِ: يَلْعَنُهُمُ اللهُ.

واللَعْنَةُ في هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِي العَذابَ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَعْنَةِ، وقِيلَ: عَلى النارِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِثُبُوتِها في المَعْنى، ثُمَّ أعْلَمَ تَعالى بِرَفْعِ وُجُوهِ الرِفْقِ عنهم لِأنَّ العَذابَ إذا لَمْ يُخَفَّفْ ولَمْ يُؤَخَّرْ فَهو النِهايَةُ.

و"يُنْظَرُونَ" مَعْناهُ يُؤَخَّرُونَ عَنِ العَذابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ النَظَرِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ  ﴾ والأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّ النَظَرَ بِالعَيْنِ إنَّما يُعَدّى بِإلى إلّا شاذًّا في الشِعْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهٌ إلا هُوَ ﴾ الآيَةُ إعْلامٌ بِالوَحْدانِيَّةِ، وواحِدٌ في صِفَةِ اللهِ تَعالى مَعْناهُ نَفْيُ المَثِيلِ والنَظِيرِ والنِدِّ.

وقالَ أبُو المَعالِي: هو نَفْيُ التَبْعِيضِ والِانْقِسامِ.

وقالَ عَطاءٌ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالمَدِينَةِ قالَ كَفّارُ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ: ما الدَلِيلُ عَلى هَذا؟

وما آيَتُهُ وعَلامَتُهُ؟

وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: قالُوا: «إنْ كانَ هَذا يا مُحَمَّدُ، فائْتِنا بِآيَةٍ مِن عِنْدِهِ تَكُونُ عَلامَةَ الصِدْقِ، حَتّى قالُوا: اجْعَلْ لَنا الصَفا ذَهَبًا، فَقِيلَ لَهُمْ: ذَلِكَ لَكُمْ، ولَكِنْ إنْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عُذِّبْتُمْ، فَأشْفَقَ رَسُولُ اللهِ  وقالَ: دَعْنِي أدَعْهم يَوْمًا بِيَوْمٍ، فَنَزَلَ عِنْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةُ».

ومَعْنى ﴿ فِي خَلْقِ السَماواتِ ﴾ : في اخْتِراعِها وإنْشائِها، وقِيلَ: المَعْنى أنَّ في خَلْقِهِ أيْ: هَيْئَةِ السَمَواتِ والأرْضِ.

و( اخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ ) مَعْناهُ أنَّ هَذا يُخْلِفُ هَذا، وهَذا يُخْلِفُ هَذا، فَهُما خِلْفَةٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَيْلَ والنَهارَ خِلْفَةً  ﴾ .

وكَما قالَ زُهَيْرٌ: بِها العَيْنُ والأرْآمُ يَمْشِينَ خِلْفَةً وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ وَقالَ الآخَرُ: ولَها بِالماطِرُونَ إذا ∗∗∗ أكَلَ النَمْلُ الَّذِي جَمَعا ∗∗∗ خِلْفَةً حَتّى إذا ارْتَبَعَتْ ∗∗∗ سَكَنَتْ مِن جِلَّقٍ بِيَعا ويَحْتَمِلُ أيْضًا الِاخْتِلافُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُرادَ بِهِ اخْتِلافُ الأوصافِ و"اللَيْلِ" جَمْعُ لَيْلَةٍ، وتُجْمَعُ لَيالِي، وزِيدَتْ فِيها الياءُ كَما زِيدَتْ في كَراهِيَةٍ وفَراهِيَةٍ.

والنَهارُ يُجْمَعُ نُهُرٌ وأنْهِرَةٌ، وهو مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَمْسِ، يَقْضِي بِذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ  لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: «إنَّما هو بَياضُ النَهارِ وسَوادُ اللَيْلِ»، وهَذا هو مُقْتَضى الفِقْهِ في الإيمانِ ونَحْوِها، فَأمّا عَلى ظاهِرِ اللُغَةِ وأخْذِهِ مِنَ السِعَةِ فَهو مِن وقْتِ الإسْفارِ إذا اتَّسَعَ وقْتَ النَهارِ كَما قالَ: مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها وقالَ الزَجّاجُ في كِتابِ الأنْواءِ: أوَّلُ النَهارِ ذُرُورُ الشَمْسِ، قالَ: وزَعَمَ النَضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ أنَّ أوَّلَ النَهارِ ابْتِداءُ طُلُوعِ الشَمْسِ، ولا يُعَدُّ ما قَبْلُ ذَلِكَ النَهارُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُ النَبِيِّ  هو الحُكْمُ.

و"الفُلْكِ" السُفُنُ، وإفْرادُهُ وجَمْعُهُ بِلَفْظٍ واحِدٍ، ولَيْسَتِ الحَرَكاتُ تِلْكَ بِأعْيانِها، بَلْ كَأنَّهُ بَنى الجَمْعَ بِناءً آخَرَ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ تُوَسُّطُ التَثْنِيَةِ في قَوْلِهِمْ: فَلَكانَ، والفُلْكُ المُفْرَدُ.

مُذَكَّرٌ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ  ﴾ .

و ﴿ ما يَنْفَعُ الناسَ  ﴾ هي التِجاراتُ وسائِرُ المَآرِبِ الَّتِي يَرْكَبُ لَها البَحْرَ مِن غَزْوٍ وحَجٍّ.

والنِعْمَةُ بِالفُلْكِ هي إذا انْتَفَعَ بِها، فَلِذَلِكَ خُصَّ ذِكْرُ الِانْتِفاعِ، إذْ قَدْ تَجْرِي بِما يَضُرُّ.

﴿ وَما أنْزَلَ اللهُ مِنَ السَماءِ مِنَ ماءٍ ﴾ يَعْنِي بِهِ الأمْطارَ الَّتِي بِها إنْعاشُ العالِمِ، وإخْراجُ النَباتِ والأرْزاقِ.

"وَبَثَّ" مَعْناهُ: فَرَّقَ وبَسَطَ، و"دابَّةٍ" تَجْمَعُ الحَيَوانَ كُلَّهُ، وقَدْ أخْرَجَ بَعْضُ الناسِ الطَيْرَ مِنَ الدَوابِّ، وقالَ الأعْشى: ......................................

∗∗∗ دَبِيبُ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلٍ وقالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ: ......................................

∗∗∗ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ ﴿ وَتَصْرِيفِ الرِياحِ ﴾ إرْسالُها عَقِيمًا، ومُقْحَةً، وصِرّا، ونَصْرًا، وهَلاكًا، ومِنهُ إرْسالُها جَنُوبًا وشَمالًا، وغَيْرُ ذَلِكَ.

و"الرِياحِ": جَمْعُ رِيحٍ، وجاءَتْ في القُرْآنِ: مَجْمُوعَةً مَعَ الرَحْمَةِ، مُفْرَدَةً مَعَ العَذابِ، إلّا في يُونُسَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ  ﴾ وهَذا أغْلَبُ وُقُوعِها في الكَلامِ.

وَفِي الحَدِيثِ: «كانَ رَسُولُ اللهِ  إذا هَبَّتِ الرِيحُ يَقُولُ: اللهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ رِيحَ العَذابِ شَدِيدَةٌ مُلْتَئِمَةُ الأجْزاءِ، كَأنَّها جِسْمٌ واحِدٌ، ورِيحُ الرَحْمَةِ لَيِّنَةٌ مُتَقَطِّعَةٌ، فَلِذَلِكَ هي رِياحٌ، وهو مَعْنى نُشِرَ.

وأُفْرِدَتْ مَعَ الفُلْكِ، لِأنَّ رِيحَ إجْراءِ السُفُنِ إنَّما هي واحِدَةٌ مُتَّصِلَةٌ، ثُمَّ وُصِفَتْ بِالطِيبِ، فَزالَ الِاشْتِراكُ بَيْنَها وبَيْنَ رِيحِ العَذابِ، وهي لَفْظَةٌ مِن ذَواتِ الواوِ، يُقالُ: رِيحٌ وأرْواحٌ، ولا يُقالُ: أرْياحٌ، وإنَّما قِيلَ: رِياحٌ مِن جِهَةِ الكَسْرَةِ وطَلَبِ تَناسُبِ الياءِ مَعَها.

وقَدْ لَحَنَ في هَذِهِ اللَفْظَةِ عِمارَةُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ بِلالٍ، فاسْتَعْمَلَ الأرْياحَ في شِعْرِهِ، ولَحَنَ في ذَلِكَ، وقالَ لَهُ أبُو حاتِمٍ: إنَّ الأرْياحَ لا تَجُوزُ، فَقالَ: أما تَسْمَعُ قَوْلَهم رِياحٌ؟

فَقالَ أبُو حاتِمٍ: هَذا خِلافُ ذَلِكَ، فَقالَ: صَدَقْتَ ورَجَعَ.

وأمّا القُرّاءُ السَبْعَةُ فاخْتَلَفُوا، فَقَرَأ نافِعٌ: "الرِياحُ" في اثْنَيْ عَشَرَ مَوْضِعًا هُنا، وفي الأعْرافِ: ﴿ يُرْسِلُ الرِياحَ  ﴾ ، وفي إبْراهِيمَ: ( اشْتَدَّتْ بِهِ الرِياحُ )، وفي الحِجْرِ: ﴿ الرِياحَ لَواقِحَ  ﴾ ، وفي الكَهْفِ: ﴿ تَذْرُوهُ الرِياحُ  ﴾ ، وفي الفُرْقانِ: ﴿ أرْسَلَ الرِياحَ  ﴾ ، وفي النَمْلِ: ﴿ وَمَن يُرْسِلُ الرِياحَ  ﴾ ، وفي الرُومِ في مَوْضِعَيْنِ، وفي فاطِرٍ، وفي الجاثِيَةِ، وفي عسق: ( يَسْكُنُ الرِياح )، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ مَوْضِعَيْنِ مِن هَذِهِ بِالإفْرادِ: فِي إبْراهِيمَ، وفي حم عسق، وقَرَؤُوا سائِرَها كَقِراءَةِ نافِعٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالجَمْعِ في خَمْسَةِ مَواضِعَ: هُنا، وفي الحِجْرِ، وفي الكَهْفِ، وفي الرُومِ الحَرْفَ الأوَّلَ، وفي الجاثِيَةِ: ﴿ وَتَصْرِيفِ الرِياحِ ﴾ ، وباقِي ما في القُرْآنِ بِالإفْرادِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ بِالجَمْعِ في مَوْضِعَيْنِ، في الفُرْقانِ، وفي الرُومِ الحَرْفَ الأوَّلَ، وأفْرَدَ سائِرَ ما في القُرْآنِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ كَحَمْزَةَ، وزادَ عَلَيْهِ في الحِجْرِ، ﴿ الرِياحَ لَواقِحَ  ﴾ .

ولَمْ يَخْتَلِفُوا في تَوْحِيدِ ما لَيْسَ فِيهِ ألِفٌ ولامٌ.

"والسَحابُ": جَمْعُ سَحابَةٍ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَنْسَحِبُ، كَما قالُوا: حَبا لِأنَّهُ يَحْبُو، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.

وتَسْخِيرُهُ: بَعَثَهُ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ.

فَهَذِهِ آياتُ أنَّ الصانِعَ مَوْجُودٌ، والدَلِيلُ العَقْلِيُّ يَقُومُ أنَّ الصانِعَ لِلْعالَمِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلّا واحِدًا، لِجَوازِ اخْتِلافِ الِاثْنَيْنِ فَصاعِدًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

معطوف على جملة: ﴿ إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ﴾ [البقرة: 161].

والمناسبة أنه لما ذكر ما ينالهم على الشرك من اللعنة والخلود في النار بين أن الذي كفروا به وأشركوا هو إله واحد وفى هذا العطف زيادة ترجيح لما انتميناه من كون المراد من ﴿ الذين كفروا ﴾ المشركين لأن أهل الكتاب يؤمنون بإله واحد.

والخطاب بكاف الجمع لكل من يتأتى خطابه وقت نزول الآية أو بعده من كل قارئ للقرآن وسامع فالضمير عام، والمقصود به ابتداء المشركون لأنهم جهلوا أن الإله لا يكون إلاّ واحداً.

والإله في كلام العرب هو المعبود ولذلك تعددت الآلهة عندهم وأطلق لفظ الإله على كل صنم عبدوه وهو إطلاق ناشئ عن الضلال في حقيقة الإله لأن عبادة من لا يغني عن نفسه ولا عن عابده شيئاً عبث وغلط، فوصف الإله هنا بالواحد لأنه في نفس الأمر هو المعبود بحق فليس إطلاق الإله على المعبود بحق نقلاً في لغة الإسلام ولكنه تحقيق للحق.

وما ورد في القرآن من إطلاق جمع الآلهة على أصنامهم فهو في مقام التغليط لزعمهم نحو ﴿ فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون ﴾ [الأحقاف: 28]، والقرينة هي الجمع، ولذلك لم يطلق في القرآن الإله بالإفراد على المعبود بغير حق، وبهذا تستغنى عن إكداد عقلك في تكلفات تكلفها بعض المفسرين في معنى ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ .

والإخبار عن إلهكم بإله تكرير ليجري عليه الوصف بواحد والمقصود وإلهكم واحد لكنه وسط لفظ ﴿ إله ﴾ بين المبتدأ والخبر لتقرير معنى الألوهية في المخبر عنه كما تقول عالم المدينة عالم فائق وليجيء ما كان أصله مجيء النعت فيفيد أنه وصف ثابت للموصوف لأنه صار نعتاً إذ أصل النعت أن يكون وصفاً ثابتاً وأصل الخبر أن يكون وصفاً حادثاً، وهذا استعمال متبع في فصيح الكلام أن يعاد الاسم أو الفعل بعد ذكره ليبنى على وصف أو متعلق كقوله ﴿ إلها واحداً ﴾ [البقرة: 133].

وقوله: ﴿ وإذا باللغو مروا كراماً ﴾ [الفرقان: 27] وقد تقدم عند قوله تعالى:...

والتنكير في ﴿ إله ﴾ للنوعية لأن المقصود منه تقرير معنى الألوهية، وليس للإفراد لأن الإفراد استفيد من قوله ﴿ واحد ﴾ خلافاً لصاحب «المفتاح» في قوله تعالى: ﴿ إنما هو إله واحد ﴾ [الأنعام: 19] إذ جعل التنكير في ﴿ إله ﴾ للإفراد وجعل تفسيره بالواحد بياناً للوحدة لأن المصير إلى الإفراد في القصد من التنكير مصير لا يختاره البليغ ما وجد عنه مندوحة.

وقوله: ﴿ لا إله إلا هو ﴾ تأكيد لمعنى الوحدة وتنصيص عليها لرفع احتمال أن يكون المراد الكمال كقولهم في المبالغة هو نسيج وحده، أو أن يكون المراد إله المسلمين خاصة كما يتوهمه المشركون ألا ترى إلى قول أبي سفيان: «لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم».

وقد أفادت جملة ﴿ لا إله إلا هو ﴾ التوحيد لأنها نفت حقيقة الألوهية عن غير الله تعالى.

وخبر ﴿ لا ﴾ محذوف دل عليه ما في ﴿ لا ﴾ من معنى النفي لأن كل سامع يعلم أن المراد نفي هذه الحقيقة فالتقدير لا إله موجود إلاّ هو.

وقد عرضت حيرة للنحاة في تقدير الخبر في هاته الكلمة لأن تقدير موجود يوهم أنه قد يوجد إله ليس هو موجوداً في وقت التكلم بهاته الجملة، وأنا أجيب بأن المقصود إبطال وجود إله غير الله رداً على الذين ادعوا آلهة موجودة الآن وأما انتفاء وجود إله في المستقبل فمعلوم لأن الأجناس التي لم توجد لا يترقب وجودها من بعد لأن مثبتي الآلهة يثبتون لها القدم فلا يتوهم تزايدها، ونسب إلى الزمخشري أنه لا تقدير لخبر هنا وأن أصل لا إله إلا هو هو إله فقدم ﴿ إله ﴾ وأخر (هو) لأجل الحصر بإلاّ وذكروا أنه ألف في ذلك «رسالة»، وهذا تكلف والحق عندي أن المقدرات لا مفاهيم لها فليس تقدير لا إله موجود بمنزلة النطق بقولك لا إله موجود بل إن التقدير لإظهار معاني الكلام وتقريب الفهم وإلاّ فإن لا النافية إذا نفت النكرة فقد دلت على نفي الجنس أي نفي تحقق الحقيقة فمعنى ﴿ لا إله ﴾ انتفاء الألوهية ﴿ إلاّ الله ﴾ أي إلاّ لله.

وقوله: ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ وصفان للضمير، أي المنعم بجلائل النعم ودقائقها وهما وصفان للمدح وفيهما تلميح لدليل الألوهية والانفراد بها لأنه منعم، وغيره ليس بمنعم وليس في الصفتين دلالة على الحصر ولكنهما تعريض به هنا لأن الكلام مسوق لإبطال ألوهية غيره فكان ما يذكر من الأوصاف المقتضية للألوهية هو في معنى قصرها عليه تعالى، وفي الجمع بين وصفي ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ ما تقدم ذكره في سورة الفاتحة على أن في ذكر صفة الرحمن إغاظة للمشركين فإنهم أبوا وصف الله بالرحمن كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿ قالوا وما الرحمن ﴾ [الفرقان: 60].

واعلم أن قوله: ﴿ إلا هو ﴾ استثناء من الإله المنفي أي إن جنس الإله منفي إلاّ هذا الفرد، وخبر (لا) في مثل هاته المواضع يكثر حذفه لأن لا التبرئة مفيدة لنفي الجنس فالفائدة حاصلة منها ولا تحتاج للخبر إلاّ إذا أريد تقييد النفي بحالة نحو لا رجل في الدار غير أنهم لما كرهوا بقاء صورة اسم وحرف بلا خبر ذكروا مع اسم لا خبراً ألا ترى أنهم إذا وجدوا شيئاً يسد مسد الخبر في الصورة حذفوا الخبر مع لا نحو الاستثناء في لا إله إلاّ الله، ونحو التكرير في قوله لا نسب اليوم ولا خُلة.

ولأبي حيان هنا تكلفات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ أرادَ بِذَلِكَ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ إلَهَ جَمِيعِ الخَلْقِ واحِدٌ، لا كَما ذَهَبَتْ إلَيْهِ عَبَدَةُ الأصْنامِ مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ أنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ إلَهًا غَيْرَ إلَهِ مَن سِواهم.

والثّانِي: أنَّ الإلَهَ وإنْ كانَ إلَهًا لِجَمِيعِ الخَلْقِ فَهو واحِدٌ لا ثانِيَ لَهُ ولا مِثْلَ لَهُ.

ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ ، ثُمَّ وصَفَ فَقالَ: ﴿ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ تَرْغِيبًا في عِبادَتِهِ وحَثًّا عَلى طاعَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والدارمي وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجة وأبو مسلم الكجي في السنن وابن الضريس وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن أسماء بنت يزيد بن السكن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿ وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ﴾ و ﴿ الم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ [ آل عمران: 1- 2]» .

وأخرج الديلمي عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس شيء أشد على مردة الجن من هؤلاء الآيات التي في سورة البقرة ﴿ وإلهكم إله واحد...

﴾ الآيتين» .

وأخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن وثمة قال: الآيات التي يدفع الله بهن من اللمم من لزمهن في كل يوم ذهب عنه ما يجد ﴿ وإلهكم إله واحد...

﴾ الآية.

وآية الكرسي، وخاتمة البقرة، و ﴿ إن ربكم الله ﴾ [ الأعراف: 54] إلى المحسنين، وآخر الحشر، بلغنا إنهن مكتوبات في زوايا العرش، وكان يقول: اكتبوهن لصبيانكم من الفزع واللمم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ الآية، معنى الوحدة في اللغة: هي الانفراد، يقال: وحَدَ الشيءُ، وهو يَحِدُ حِدَةً، فهو واحد، وجمعه: وُحدان بالضم.

والوَحدان بالفتح؛ بمعنى: الواحد، مثل قولهم: فَردان بمعنى: الفَرد.

وحقيقة الواحد: شيء لا يتبعض، ويقال أيضًا: وَحَدَ يَوْحَدُ وَحَادةً وَوَحْدةً فهو وحيد (١) ويستعمل الواحد على وجهين: أحدهما: على جهة الحكم والحقيقة.

والثاني: على الوصف والمجاز.

فالحكم كقولك: ذاتٌ واحدةٌ، وجزء واحد، والوصف قولك: إنسان واحد، ودار واحدة، فهذا لا ينقسم عن (٢) فأما الواحد في صفة الله تعالى، فقال الأزهري: له معنيان: أحدهما: أنه واحد لا نظير له، وليس كمثله شيء، والعرب تقول: فلان واحد قومه، وواحد الناس، إذا لم يكن له نظير.

وقال بعضهم: المعنى في الواحد: أنه إله واحد، وربّ واحد، ليس له في إلاهيته وربوبيته شريك؛ لأنّ المشركين أشركوا معه آلهةً فكذّبهم الله عز وجل، فقال: ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ (٣) وقال أبو علي: قولهم: واحد، اسم جرى على وجهين في كلامهم: أحدهما: أن يكون اسمًا.

والآخر: أن يكون وصفًا.

فالاسم الذي ليس بصفة قولهم: واحد المستعمل في العدد، نحو: واحد، اثنان، ثلاثة، فهذا اسم ليس بوصف، كما أنّ سائر أسماء العدد كذلك، وأما (٤) ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ (٥) ويجمع (٦) فقد (٧) (٨) طاروا (٩) (١٠) وذلك أنه وإن كان صفة قد يستعمل استعمال الأسماء، فكسروه على فُعلان، كقولهم: راع ورُعْيَان.

وأما التفسير: فقال ابن عباس في رواية الكلبي: قالت كفار قريش: يا محمد صِفْ وانسُبْ لنا ربّك.

فأنزل الله تعالى سورة الإخلاص، وهذه الآية (١١) وقال جويبر (١٢) (١٣) قال أصحابنا: حقيقة الواحد في وصف الباري سبحانه: أنه واحد لا قسيم له في ذاته، ولا بعض له في وجوده، بخلاف الجملة الحاملة التي يطلق عليها لفظ الواحد مجازًا، كقولهم: دار واحدة، وشخص واحد؛ ولهذا قال أصحابنا: التوحيد: هو نفي الشريك والقسيم، والشريك والشبيه، فالله سبحانه وتعالى واحد في أفعاله، لا شريك له يشاركه في إثبات المصنوعات؟

وواحد في ذاته، لا قسيم له؟

وواحد في صفاته، لا يشبه الخلق فيها (١٤) وقال أهل المعاني: في الآية تقديم وتأخير، تقديرها: وإلهكم الرحمن الرحيم إله واحد، لا إله إلا هو.

(١) ينظر في معاني الواحد: "تفسير الطبري" 2/ 60، "المفردات" ص 530، "تهذيب اللغة" 4/ 3844، "اللسان" 8/ 4779 - 4783 (وحد).

(٢) في (ش): (من).

(٣) الذي وجدته في "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 3847 (وحد): والواحد في صفة الله، معناه: أنه لا ثاني له، ويجوز أن ينعت الشيء بأنه واحد، فأما أحد فلا يوصف به أحد غير الله؛ لخلوص هذا الاسم الشريف له، جل ثناؤه.

(٤) في (م): (فأما).

(٥) نقله عنه الرازي في "التفسير الكبير" 4/ 168.

(٦) في (م): (وجمع).

(٧) في (ش): (وقد).

(٨) ورد البيت هكذا: فَرَدَّ قَواصِيَ الأحياء منهم ...

فقد أضحوا كحيٍّ واحدينا وهو للكميت، ينظر: "اللسان" مادة: (وحد)، وفيه ورد بلفظ: رجعوا، وينظر: "معاني القرآن" 2/ 208، "عمدة الحفاظ" 3/ 392.

(٩) في (أ)، (م): (يطار).

(١٠) صدر البيت: قوم إذا الشرّ أدى ناجذيه لهم والبيت للعنبري، واسمه: قريط بن أنيف، ويروى لأبي الغول الطهوي.

ينظر: "عمدة الحفاظ" 2/ 499.

(١١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1307، والوا حدي في "الوسيط" 1/ 245، والبغوي 1/ 176، والسمعاني 2/ 114، والقرطبي 2/ 175، ونقله في "البحر المحيط" 1/ 462، وإسناده واه، ونقله عنه ابن حجر في "العجاب" 1/ 413.

(١٢) هو جويبر بن سعيد البلخي، روى: عن الضحاك وأبي سهل، وروى عنه: الثوري وابن المبارك ويزيد بن هارون، وهو ضعيف، قال يحيي بن معين: ليس بشيء، وكان وكيع لا يسميه استضعافًا له، في قول عن سفيان عن رجل.

ينظر: "الجرح والتعديل" 2/ 540 - 541.

(١٣) ذكره الثعلبي 1/ 1307، والواحدي في "الوسيط" 1/ 24، ونقله ابن حجر في == "العجاب" 1/ 413، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 462، وإسناده ضعيف؛ لضعف جويبر.

(١٤) ينظر في تفسير الواحد: "اشتقاق أسماء الله" لأبي القاسم الزجاجي ص90 - 93.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ ﴾ أمر محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب التوراة هنا ﴿ اللاعنون ﴾ الملائكة والمؤمنون، وقيل: المخلوقات إلا الثقلين، وقيل: البهائم لما يصيبهم من الجدب لذنوب الكاتمين للحق ﴿ وَبَيَّنُواْ ﴾ : أي شرط في توبتهم أن يبينوا لأنهم كتموا ﴿ والناس أَجْمَعِينَ ﴾ هم المؤمنون فهو عموم يراد به الخصوص، لأن المؤمنين هم الذين يعتد بلعنهم للكافرين، وقيل يلعنهم جميع الناس ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ أي في اللعنة، وقيل في النار ﴿ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾ من أنظر إذا أخر، أي لا يؤخرون عن العذاب ولا يمهلون أو من نظر لقوله: ﴿ لا ينظر إليهم ﴾ إلاّ أن يتعدّى بإلى ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ الواحد له ثلاثة معان كلها صحيحة في حق الله تعالى: أحدها: أنه لا ثاني له فهو نفي للعدد، والآخر: أنه لا شريك له، والثالث: أنه لا يتبعض ولا ينقسم، وقد فسر المراد به هنا في قوله؛ لا إله إلاّ هو.

وأعلم أن توحيد الخلق لله تعالى على ثلاث درجات الأولى: توحيد عامة المسلمين وهو الذي يعصم النفس من الهلك في الدنيا، وينجي من الخلود في النار في الآخرة، وهو نفي اشركاء والأنداد، والصاحبة والأولاد، والأشباه والأضداد.

الدرجة الثانية: توحيد الخاصة، وهو أن يرى الأفعال كلها صادرة من الله وحده ويشاهد ذلك بطريق المكاشفة لا بطريق الاستدلال الحاصل لكل مؤمن، وإنما مقام الخاص في التوحيد يغني في القلب بعلم ضروري لا يحتاج إلى دليل، وثمرة هذا العلم الانقطاع إلى الله والتوكل عليه وحده واطراح جميع الخلق، فلا يرجو إلا الله، ولا يخاف أحداً سواه إذ ليس يرى فاعلاً إلاّ إياه ويرى جميع الخلق في قبضة القهر ليس بيدهم شيء من الأمر، فيطرح الأسباب وينبذ الأرباب، والدرجة الثالثة: ألا يرى في الوجود إلا الله وحده فيغيب عن النظر إلى المخلوقات، حتى كأنها عنده معدومة.

وهذا الذي تسميه الصوفية مقام الفناء بمعنى الغيبة عن الخلق حتى أنه قد يفنى عن نفسه، وعن توحيده: أي يغيب عن ذلك باستغراقه في مشاهدة الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا إله إلا هو ﴾ بالمد وكذلك جميع التهليل.

روى الهاشمي عن ابن كثير لورود الأثر في هذه الكلمة وهو قوله  "من قال لا إله إلا الله ومدها غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" وروى أبو الفرج عن قتيبة "إلا" هو بالإمالة حيث كان.

﴿ الريح ﴾ مفرداً: حمزة وعلي وخلفٍ.

الباقون: الرياح مجموعاً.

الوقوف: ﴿ واحد ﴾ ج نظراً إلى أن ما بعده وصف آخر.

وإلى الاختلاف بالنفي والإثبات ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ من كل دابة ﴾ ص ضرورة طول الآية وإلا فاسم "إن" ﴿ لآيات ﴾ والجار وما يتصل به معترض، والأولى الوصل والرجوع.

﴿ يعقلون ﴾ ه.

التفسير: الواحد قد يكون اسماً وذلك في العدد واحد، اثنان، ثلاثة.

وقد يكون صفة كقولك "شخص واحد" ومعناه أنه لا ينقسم من جهة ما قيل: له إنه واحد.

فالإنسان الواحد يستحيل أن ينقسم من حيث هو إنسان، لأن الإنسان الواحد يستحيل أن ينقسم إلى إنسانين، بل قد ينقسم إلى الأبعاض والأجزاء وذلك من جهة أخرى.

ثم زعم قوم أن الواحدية صفة زائدة على الذات لأن الجوهر قد يشارك العرض في كونه واحداً لا يشاركه في كونه جوهراً فقط، ولأنه يصح تعقل الجوهر مع الذهول عن كونه واحداً، والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم، ولأن قولنا "الجوهر واحد" ليس يجري مجرى قولنا "الجوهر جوهر" ولأن مقابل الجوهر العرض، ومقابل الواحد هو الكثير.

ثم المفهوم من كونه واحداً أمر ثبوتي لأنه لو كان سلبياً لكان سلباً للكثرة.

فإن كانت الكثرة سلبية وسلب السلب ثبوت فالوحدة ثبوتية وهو المطلوب، وإن كانت الكثرة ثبوتية ولا معنى للكثرة إلا مجموع الوحدات فإن كانت الوحدة سلبية حصل من الأمور المعدومة أمر موجود وهو محال، فثبت أن الوحدة صفة زائدة ثبوتية.

ثم إنه لا يمكن أن يقال: إنه لا تحقق لها إلا في الذهن لأنا نعلم بالضرورة أن الشيء المحكوم عليه بأنه واحد قد كان واحداً في نفسه قبل أن يوجد في ذهننا واعتبارنا فثبت أن كون الشيء واحداً صفة ثبوتية زائدة على ذاته قائمة بتلك الذات.

والجواب أن كون الشيء واحداً في ذاته معناه كونه بحيث يصح أن يدرك الذهن منه معنى الوحدة، وهذه الحيثية لا تتوقف على حصول الذهن في الخارج.

ثم إن الوحدة لو كانت صفة زائدة على الذات كانت الوحدات متساوية في ماهية الوحدة ومتباينة بتعيناتها، فيكون للوحدة وحدة أخرى وهلم جرا وذلك محال، ثم إن شيئاً من الموجودات لا ينفك عن الوحدة حتى العدد، فإن العشرة الواحدة يعرض لها الوحدة من حيث هي عشرة واحدة.

فإن قلت: عشر ثانٍ فالعشرتان مرة واحدة قد عرضت لها الوحدة من هذه الجهة، فلا شيء من الموجودات ينفك عن الوحدة.

ولكن الوحدة تغاير الوجود لأن الموجود ينقسم إلى الواحد، والكثير والمنقسم إلى شيئين: مغاير لما به الانقسام.

والواحد الحق  وتعالى واحد باعتبارين: أحدهما أن ذاته ليست مركبة من أمور كثيرة بل ولا من أمرين أيضاً وإليه الإشارة بقوله ﴿ إلهكم إله واحد ﴾ والخطاب للممكنات بأسرهم.

والتذكير لتغليب ذوي العقول الذكور، وثانيهما أنه ليس في الوجود ما يشاركه في كونه واجب وفي كونه مبدأ لجميع الممكنات وهو المراد بقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ ويمكن أن يقال: القرينتان تدلان على نفي الشريك إلا أن الأولى منهما تدل على إثبات وحدته في الإلهية بالمطابقة.

ويلزم منه نفي الشريك كقولك "هو سيد واحد" تريد الوحدة في السيادة، فيلزم نفي أن يكون غيره سيداً.

والقرينة الثانية تدل على نفي الشريك بالمطابقة.

ثم على إثبات المعبودية بالحق فمعناه لا إله في الوجود إلا هو.

وفيه نكتة شريفة وهي أن إثبات الحق وقع في كلتا القرينتين بالمطابقة ليعلم أنه المقصد الأسنى والغاية القصوى.

وتحقيقه أن العارف له رجوع وعروج، وذلك أنه قد يفنى في عالم اللاهوت ويبقى ببقاء الحي الذي لا يموت، ويطالع عالم الشهود فيلزمه حينئذ نفي ما سوى الحق.

وإذا رجع إلى عالم الناسوت ضرورة وجب عليه نفي كل من سواه حتى يعرج إلى المقصود.

فهذا سر عكس الترتيب في القرينتين، ولأن الأولى مرتبة الصديقين السابقين فلا جرم وقع التكليف بالترتيب الأخير "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله".

ثم البرهان العقلي على أنه  واحد من جميع الوجوه لا يجمعه أجزاء مقدارية كما للأجسام، ولا يحصره أجزاء معنوية كما في البسائط النوعية، ولا أجزاء اعتبارية كما في البسائط الجنسية، هو أن كل مركب فإنه يفتقر في تحققه أجزائه، والمفتقر إلى غيره لا يكون واجب الوجود لذاته.

وأيضاً فكل ممكن فإن وجوده زائد على ماهيته في العقل والاعتبار فإنه يمكن تصور الممكن من حيث إنه ممكن مع الشك في وجوده الخارجي.

ولكن لا يمكن تعقل الواجب من حيث إنه واجب مع الشك في وجوده، ولا نعني بكون الوجود زائداً على الماهية وغير زائد إلا هذا.

وأما أنه  وحده لا شريك له فلأن وجوب الوجود يقتضي أن لا يكون الواجب لذاته مفتقراً في شيء إلى شيء أصلاً، ولا يكون كذلك إلا إذا كان في غاية الكمال ونهاية الجلال والجمال، ولا ريب أن من كمالات الجميل كونه عديم النظير.

ومن تحقق معنى وجوب الوجود بنور الباطن وصفاء الضمير لم يشك في وجوده  ولا في أن واجب الوجود من جميع جهاته، وواجب الوجود في جميع صفاته، وواحد بجميع اعتباراته حتى عن حمل الوحدة عليه وعن تصور ذاته.

وههنا حالة عجيبة، فإن العقل ما دام يلتفت إلى الوحدة فهو بعد لم يصل إلى عالم الوحدة، فإذا ترك الوحدة فقد وصل إلى الوحدة.

فاعرف هذه الأسرار لتتخلص عن ظلمات شبهات الأشرار وتفوز بمقامات الأبرار وتستغرق في بحار عالم الأنوار بعون الملك الجبار وشروق أنوار الواحد القهار.

ولك أن تقول: إنه  واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له.

أما أنه واحد في ذاته فلأنه لو شاركه غيره في حقيقته لزم تركبه مما به الاشتراك وما به الامتياز، وكل مركب مفتقر، وكل مفتقر ممكن.

وأما أنه واحد في صفاته فلأن صفات غيره من غيره وصفاته من نفسه، ولأن صفات غيره زمانية دون صفاته ولأن صفات غيره متناهية وصفاته غير متناهية كعلمه مثلاً، فإن له معلومات غير متناهية بل له في كل معلوم علوم غير متناهية بحسب أحياز ذلك المعلوم وأوقاته وسائر أحواله، ولأن موصوفية ذاته بالصفات ليست بمعنى كونها حالة في ذاته وكون ذات محلاً لها، ولا بمعنى أن ذاته تستكمل بها لأن ذاته كالمبدأ لتلك الصفات ولن يستكمل المبدأ بما عن المبدأ بل ذاته مستكملة بذاته.

ومن لوازم ذلك الاستكمال الذاتي تحقق صفات الكمال، وقد يفضي التقرير ههنا إلى حيث تقصر العبارة عن الوفاء به، وتلك أنه لا خبر عند العقول من صفاته كما أنه لا خبر عندها من ذاته، فإنا لا نعرف من علمه إلا أنه الآمر الذي لأجله ظهر الأحكام والإتقان في المخلوقات، كما أنا لا نعلم من ذاته إلا أنه مبدأ جميع الممكنات.

من طبع على قلبه مني بالخذلان، ومن كشف له الغطاء صار حيران فلا إحاطة للقطرة بكرة الماء، ولا ظهور لضوء السهى عند حلول الشمس.

كبـد السـماء أشتاقـه فـإذا بـدا *** أطـرقـت مــن إجــلالــه لا خيفـــة بــل هيبــــة *** وصيـــانـة لجمــــالــه فــالمــوت فــي إدبــاره *** والعيــش فــي إقبــالـــه وأصــدّ عنـــه إذا بـــدا *** وأروم طيــف خيـــالـــه وأما أنه واحد في أفعاله فلأن ما سواه ممكن الوجود لذاته، وبقدر البون بين الواجب للذات والممكن للذات يوجد التفاوت بين فعليهما إن فرض للممكن فعل من نفسه { الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء  وتعالى عما يشركون } [الروم: 40] ثم إنه  خص الموضع بذكر الرحمن الرحيم، لأن الإلهية والفردانية يفيد القهر والعلو، فقعبهما بذكر الصفتين ترويحاً للقلوب عن هيبة الإلهية وعزة الفردانية وإشعاراً بأنه ما خلق الخلق إلا للرحمة والإحسان ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ الآية.

ذكر علماء المعاني في إيجاز هذه الآية أن في ترجيح وقوع أيّ ممكن كان على "لا وقوعه" لآيات للعقلاء.

إلا أن الكلام لما كان مع الإنس أو الجن فحسب بل مع الثقلين، ولا مع قرن دون قرن بل مع القرون كلهم إلى انقراض الدنيا وفيهم من مرتكبي التقصير في باب النظر والعلم بالصانع من لا يحصي من طوائف الغواة، لم يكن مقام أدعى لترك الإيجاز إلى الإطناب من هذا.

عن عطاء قال: نزل بالمدينة على النبي  ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ فقالت كفار قريش بمكة - ولهم حينئذ حول الكعبة ثلثمائة وستون صنماً -: كيف يسع الناس إله واحد؟

فنزلت ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ إلى آخرها وعن سعيد بن مسروق: لما نزلت ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ تعجب المشركون وقالوا: إله واحد؟

إن كان صادقاً فليأتنا بآية فنزلت.

وزعم بعض الناس أن الخلق هو المخلوق وهو الذي يدل على الصانع.

والتحقيق أنه غيره لأن الخلق التقدير، وتقدير المخلوقات غير نفس المخلوقات، ولو كان عينها والخالقية صفة لله  لزم اتصافه  بالقاذورات، والشياطين.

ولأنه يصح تعليل حدوث الحادث بخلق الله تعالى فلا يصح تعليل حدوثه بنفس ذلك الحادث، ولأنه يصح أن يقال: خلق السواد وخلق البياض ومفهوم الخلق فيهما واحد، ومفهوم السواد غير مفهوم البياض، ولاتفاق المعتبرين من النحاة على أن العالم في قول "خلق الله العالم" مفعول به لا مفعول مطلق.

ثم لا نزاع في الاستدلال على الخالق بالمخلوق، لكن لا من جهة عينه بل من جهة خلق الله إياه، وهذه الجهة التي صيرته آية.

وقد عدد الله  في هذه الآية ثماني آيات: الأولى: خلق السموات وقد تكلمنا في عددها وترتيبها في تفسير قوله  ﴿ فسوّاهن سبع سموات  ﴾ وقد زعم أهل الهيئة لما شاهدوا من كل واحد من السيارات السبع حركات مختلفة كالبطء والسرعة بعد التوسط في الحركة والوقوف والرجوع بعد الاستقامة وهي الحركة على توالي البروج وعندهم مقدمتان كليتان إحداهما أن السمويات لا يتطرق إليها إلا الاختلاف الوضعي.

الثانية: أن حركة الكوكب في الفلك ليست كحركة السمك في الماء ولكه يدور بإدارة الفلك إياه، أن كل واحد من أفلاك السيارات ينقسم إلى أفلاك أخر يتضمنها فلكه الكلي الذي مركزه مركز العالم، ومراكزها تخالف مركزه في الأغلب.

ثم إن كان مع المخالفة في المركز محيطاً بالأرض يخص باسم الخارج المركز ويبقى بعد توهم انفصاله من الفلك الكلي جسمان تعليميان متبادلاً وضع الغلظ والرقة يسميان المتممين، وإن لم يكن محيطاً بالأرض سمي بالتدوير، ويكون الكوكب مركوزاً فيه كالفص في الخاتم.

ويلزم له من مجموع الحركات المركبة من تلك الأفلاك حركة مختلفة في النظر، وإن كان كل منهما متشابهاً في نفس الأمر، ويعني بالتشابه ههنا أن يقطع المتحرك من المحيط في أزمنة متساوية قسياً متساوية، أو يحدث عند المركز زوايا متساوية وبالاختلاف نقيض ذلك.

فللقمر من تلك الأفلاك أربعة: اثنان متوافقان في المركز وخارج وتدوير.

وللعطارد أربعة: أحدها يوافق مركزه مركز العالم وخارجان وتدوير.

وللزهرة ثلاثة: وللشمس اثنان: موافق وخارج.

ولكل من الثلاثة العلوية كما للزهرة.

ومقادير حركات هذه الأفلاك بسيطة موضوعة في الزيجات، وأما المختلفة فالشمس تقطع جميع الفلك في سنة شمسية وهي ثلثمائة وخمسة وستون يوماً وربع يوم إلا كسراً، والقمر في ثمانية وعشرين يوماً، وكل من عطارد والزهرة كالشمس وزحل في ثلاثين سنة، والمريخ في سنتين، والمشتري في اثنتي عشرة سنة جميع ذلك بالتقريب.

وإذا تقرر ذلك على الإجمال فنقول في كيفية الاستدلال بهذه الأحوال: إن اختصاص مقادير كل واحد من الأفلاك بمقدار معين مع اشتراكها في الطبيعة الفلكية، تدل على مخصص مدبر مختار خبير قهار.

وكذا تخصص كل منها بحيز معين، وكذا تعيين نقطتين من سطح الفلك للقطبية مع تساوي جميع النقط المفروضة عليه في صلوح ذلك، وكذا حصول الكواكب أو التدوير في جانب معين من الفلك، وكذا تفصيل الأفلاك الكلية إلى الخوارج المراكز وإبقاء المتممات على أقدار معينة في الرقة والغلظ، وكذا تعيين كل من الأجرام بحركة معينة.

السيارات كما قلنا آنفاً والثوابت بحيث تتم دوراً في ستة وثلاثين ألف سنة على ما في المجسطي، أو في خمسة وعشرين ألف سنة ومائتي سنة عند المتأخرين، والفلك الأعظم في يوم بليلة.

وكذا تعيين جهات الحركات شرقاً أو غرباً أو شمالاً أو جنوباً، وكذا تعيين مبادئ الحركات وتخصيصها بزمان دون زمان، فإن الأفلاك سواء قلنا أن ذواتها حادثة أو يقال إنها أزلية، لا بد أن يكون لحركاتها أول فإن الحركة انتقال من حالة إلى حالة، وكون الحركة أزلية ينافي المسبوقية بالغير.

فالابتداء بالحركة بعد أن لم تكن يقتضي الافتقار إلى فاعل مختار يكون الكل تحت قهره وتسخيره، وكذا تخصيص كل من الكواكب بعظم آخر وبلون آخر وبلون آخر كصفرة عطارد وبياض الزهرة كمودة زحل ودريّة المشتري وحمرة المريخ وظلمة القمر في ذاته بحيث إذا حال حائل بين الناظر وبين الشمس - وذلك في الاجتماع المرئي - كسفه.

وكذا اختلاف تأثيراتها في هذا العالم بإذن خالقها.

وبالجملة فإن هذا الترتيب العجيب والنسق الأنيق في تركيب هذه الأفلاك وائتلاف حركتها وارتباط أجرامها واختلاف أوضاعها المستتبعة لاتصالاتها وانصرافاتها، أترى أنها مبنية على حكمة وبقدرة قدير خبير أم هي واقعة عبثاً وجزافاً؟

هيهات فإن من جوّز في بناء رفيع وقصر مشيد أن التراب والماء انضم أحدهما إلى الآخر ثم تولد منهما اللبنات ثم تركبت تلك اللبنات وتولدت من تركيبها القصر ثم تزين بنفسه بالنقوش الغريبة والرسوم اللطيفة، قضى العقل له بالجنون وسجل عليه بسخافة الرأي بل يعد من زمرة الأنعام من جملة الأنام.

الآية الثانية خلق الأرض: ومن تأمل في شكلها من الاستدارة وفي حيزها من كونها واقعة في مركز العالم حتى انبعث منها بوقوع الشمس عليها مخروط ظلي في مقابلة الشمس متى وقع القمر فيه انخسف، ومن انكشاف بعضها عن كرة الماء لمكان الاستقرار عليها، وفي اختلاف أوضاع بقاعها بالنسبة إلى السماء حتى اختلف مرور الشمس وسائر الكواكب بسمت رؤوس قطان البلدان وتباينت الفصول والأمزجة والأخلاق وتغايرت الطوالع والمطالع بحسب تغاير الآفاق، ومن سائر أعراضها ومنافعها التي تقرر طرف منها في تفسير قوله ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشاً  ﴾ علم افتقارها إلى مدبر قدير وعليم خبير واحد في ملكه يفعل ما يشاء كما يشاء من غير منازع ومعاند.

الثالثة: اختلاف الليل والنهار: أما النهار فإنه عبارة عن مدة كون الشمس فوق الأفق.

وفي عرف الشرع: زيادة ما بين طلوع الفجر الصادق إلى طلوع جرم الشمس.

وأما الليل، فعبارة عن مدة خفاء الشمس تحت الأفق، أو بنقصان الزيادة المذكورة، وذلك لأن الشمس إذا غابت ارتفع رأس مخروط ظل الأرض إلى فوق فوقع الإبصار داخله إلى أن يظهر الضلع المستنير منه من جانب الأفق الشرقي فيكون أول الفجر الكاذب إن كان الضوء مرتفعاً عن الأفق بعد، وأول الفجر الصادق إذا قرب من الأفق جداً وانبسط النور حتى إذا غاب رأس المخروط تحت الأفق طلع مركز جرم الشمس في مقابله فظهر أن الليل والنهار كيف يختلفان أي يتعاقبان مجيئاً وذهاباً كقوله ﴿ وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة  ﴾ أو يختلفان ظلاماً وضياءً أو طولاً وقصراً لأن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر ضرورة كون مجموعهما أربعاً وعشرين ساعة.

أو كيف يختلفان في الأمكنة فإن نهار كل بقعة تقابلها ضرورة كروية الأرض.

أو كيف يختلفان باختلاف البلدان فإن البلد كلما ازداد عرضاً عن خط الاستواء - وهو الموضع المحاذي لمنطقة الفلك الأعظم المسماة معدل النهار - ازداد نهاره في الصيف طولاً وفي الشتاء قصراً وبالعكس في الليل وقد يرتقي طول النهار بحسب تزايد ارتفاع القطب إلى حيث يصير اليوم بليلته نهاراً كله وبإزائه الليل، ثم إلى أكثر من ذلك إلى حيث يكون نصف السنة نهاراً ونصفها الآخر ليلاً وذلك إذا صار قطب الفلك الأعظم محاذياً لسمت الرأس ولا عمارة هناك، ولا حيث يزيد النهار الأطول على يوم بليلته لشدة البرد اللازم من قبل انخفاض الشمس.

وكون الليل والنهار في أنفسهما آيتين على وجود الصانع ووحدانيته ظاهر، وكذا من جهة ارتباطهما بحركة النير الأعظم، وكذا من جهة انتظام أحوال العباد بهما بسبب طلب المعاش في الأيام والنوم والراحة في الليالي.

ومن الغرائب تعاون المتنافيين على أمر واحد هو إصلاح معاش الحيوان، وأن إقبال الخلق في أول الليل على النوم يشبه موت الخلائق أولاً عند النفخة الأولى، ويقظتهم عند طلوع الفجر تضاهي عود الحياة إليهم في النفخة الثانية، وانشقاق ظلمة الليل بظهور الفجر المستطيل فيه من أعجب الأشياء كأنه جدول ماء صاف يسيل فيما بين بحر كدر بحيث لا يمتزجان.

وكل هذه الأمور دلائل على وجود مبدع عظيم الشأن غني عن الزمان والمكان مبرأ عن سمات الحدوث والإمكان.

الرابعة: الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس أي متلبسة بالذي ينفعهم مما يحمل فيها، أو بنفع الناس.

والفلك بالضم والسكون السفينة، واحد وجمع.

فضمة الواحد ضمة برد وضمة الجمع ضمة أسد، وتأنيث صفته ههنا أن يكون لتضمين معنى السفينة، ويحتمل أن يكون لمعنى الجمعية أي المراكب التي تجري، والتركيب يدل على الاستدارة والدوران ومنه "الفلك جسم كروي يحيط به سطحان متوازيان مركزهما واحد" "وفلكة المغزل" "وفلك ثدي الجارية استدار".

والبحر خلاف البر.

قيل: سمي بذلك لاتساعه وتعمقه ومنه "تبحر في العلم والمال" ويسمى الفرس الواسع الجري بحراً.

قال  في فرس أبي طلحة: "إن وجدناه لبحراً" وقيل: من الشق بحرت أذن الناقة شققتها.

ومنه البحيرة.

هذا وقد سلف في تفسير قوله عز من قائل ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشاً  ﴾ .

أن الماء محيط بأكثر جوانب القدر المعمور من الأرض فذلك هو البحر المحيط.

وقد دخل من ذلك الماء من جانب الجنوب متصلاً بالمحيط الشرقي ومنقطعاً عن الغربي إلى وسط العمارة أربعة خلجان: أولها إذا ابتدئ من الغرب الخليج البربري لكونه حدود بربر من أرض الحبشة طوله من الجنوب إلى الشمال مائة وستون فرسخاً، وعرضه خمسة وثلاثون فرسخاً.

وعلى ضلعه الغربي بلاد كفار الحبشة وبعض الزنج، وعلى الشرقي بلاد مسلمي الحبشة.

وثانيها الخليج الأحمر، طوله من الجنوب إلى الشمال أربعمائة وستون فرسخاً، وعرضه بقرب منتهاه ستون فرسخاً، وبين طرفه وفسطاط مصر الذي على شرقي النيل مسيرة ثلاثة أيام على البر، وعلى ضلعه الغربي بلاد الزنج من البربر وبعض بلاد الحبشة، وعلى ضلعه الشرقي سواحل عليها فرضة مدينة الرسول  لقوافل مصر والحبشة إلى الحجاز، ثم سواحل اليمن، ثم عدن على الزاوية الشرقية منه.

وثالثها خليج فارس، طوله من الجنوب إلى الشمال أربعمائة وستون فرسخاً، وعرضه قريب مائة وثمانين، وعلى سواحل ضلعه الغربي اليمن وبلاد عمان ولهذا ينسب البحر هناك إليها.

وجملة ولاية العرب وأحيائهم من الحجاز واليمن والطائف وغيرها وبواديهم بين الضلع الغربي من هذا البحر والشرقي من الخليج الأحمر، فلهذا تسمى العمارة الواقعة بينهما جزيرة العرب وفيها مكة زاد الله شرفها.

وعلى سواحل ضلعه الشرقي بلاد فارس ثم هرموز ثم مكران ثم سواحل السند.

ورابعها الخليج الأخضر مثلث الشكل آخذ من الجنوب إلى الشمال.

ضلعه الشرقي من بلاد فارس ثم هرموز ثم مكران يتصل بالمحيط الشرقي.

وضلعه الغربي خمسمائة فرسخ تقريباً.

وعلى سواحل هذا الضلع ولايات القتا والصين ولهذا يسمى بحر الصين، ومن زاويته الشرقية من بحر فارس يسمى بحر الهند لكون بعض ولاياتهم على سواحله، وأيضاً قد دخل إلى العمارة من جانب الغرب خليج عظيم يمر من جانب الجنوب على كثير من بلاد المغرب ويحاذي أرض السودان وينتهي إلى بلاد مصر والشام، ومن جانب الشمال على بلاد أندلس والجلانقة والصقالبة إلى بلاد الروم والشام، ويتشعب منه شعبة من شمال أرض الصقالبة إلى أرض مسلمي بلغار يسمى بحر ورتك.

طوله المعلوم مائة فرسخ، وعرضه ثلاثة وثلاثون.

وإذا جاوز تلك النواحي امتدّ نحو المشرق عما وراء جبال غير مسلوكة وأراض غير مسكونة، ويتشعب منه أيضاً شعبة تسمى بحر طرابزون.

فهذه هي البحار المتصلة بالمحيط.

أما غير المتصلة فأعظمها بحر طبرستان وجيلان وباب الأبواب والخرز والبكون، لكون هذه الولايات على سواحله مستطيل الشكل آخذ من المشرق إلى المغرب بأكثر من مائتين وخمسين فرسخاً، ومن الجنوب إلى الشمال تقريب من مائتين.

ومن عجائب البحار الحيوانات المختلفة الأعظام والأنواع والأصناف، ومنها الجزائر الواقعة فيها.

فقد يقال في بحر الهند من الجزائر العامرة وغير العامرة ألف وثلثمائة وسبعون، منها جزيرة عظيمة في أقصى البحر تقابل أرض الهند في ناحية المشرق.

وعند بلاد الصين تسمى جزيرة سرنديب دورها ثلاثة آلاف ميل، فيها جبال عظيمة وأنهار كثيرة ومنها يخرج الياقوت الأحمر.

وحول هذه الجزيرة تسع عشرة جزيرة عامرة فيها مدائن وقرى كثيرة، ومن جزائر هذا البحر جزيرة "كلة" التي يجلب منها الرصاص القلعي، وجزيرة "سريرة" التي يجلب منها الكافور.

وغرائب البحر كثيرة ولهذا قيل: حدث عن البحر ولا حرج وسئل بعض العقلاء ما رأيت من عجائب البحر؟

قال: سلامتي منه.

والسفينة مما ألهم الله  تركيبها ثم أجراها بقدرته على وجه الماء، فلولا رقة الماء وخفة مادة السفينة ثم عجيب صنعتها لما تم جريها، ولولا الرياح المعينة على تحركها لما تكامل النفع بها، ولولا اعتدال الريح لما سلمت من تلاطم الأمواج، ولولا تقوية قلوب راكبيها لما صبروا على شدائد ركوبها، ولولا أنه  خص كل طرف بشيء لم تنبعث الدواعي إلى اقتحام الأخطار في هذه الأسفار وحمل الأمتعة إلى الأمصار في البراري والبحار، فلا جرم ينتفع الحامل من حيث إنه يربح، وينتفع المحمول إليه من حيث إنه يجد ما أعوزه.

وفي الآية دليل على إباحة ركوب السفينة وإباحة الانتفاع بالتجارة.

الخامسة: ﴿ وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ﴾ أما نزول المطر من السماء فقد مر تحقيق ذلك في تفسير قوله  ﴿ أو كصيبٍ من السماء  ﴾ وأن المراد من السماء السحاب أو التقدير من جانب السماء.

وأما تنكير ﴿ من ماء ﴾ فلأن الغرض الوحدة الشخصية أو الصنفية يعني ماء هو سبب حياة الأرض لا المطر الذي قد لا ينبت شيئاً كما جاء في الحديث "ليس السنة بالتي لا تمطر وإنما السنة التي تمطر ولا تنبت" ولا ريب أن في إنزال ذلك الماء دلالات على الصانع ووحدانيته حيث جعله في غاية الصفاء واللطافة والعذوبة وصيره سبباً للأرزاق وأنزله بعد قنوط الناس منه وشدة احتياجهم إليه وأودع في نزوله حياة الأرض أي حسنها ونضارتها ورواءها وبهجتها وخضرتها بخروج أصناف النبات وضروب الأعشاب وألوان الأزهار وأنواع الأشجار والأثمار وجريان الجداول بينها والأنهار بحيث تروق الناظرين وتشوق السامعين.

فـوقـت الـربيـع فـي الأزمـان *** كســن الصبـا فـي الأسنــان وموت الأرض من ترشيح الاستعارة، فإنه لما عبر عن بهجتها ونضرتها وخضرتها بالحياة، عبر عن جمودها وكمودتها وبقائها على الهيئة الأصلية بالموت كأنها جسد لا روح فيه.

فلا دواء عليه.

السادسة: ﴿ وبث فيها من كل دابةٍ ﴾ وإنه معطوف على ﴿ أنزل ﴾ فيدخل تحت حكم الصلة، ويصح عود الضمير ﴿ فيها ﴾ إلى الأرض لأن قوله ﴿ فأحيا ﴾ عطف على ﴿ أنزل ﴾ فاتصل به وصارا جميعاً كالشيء الواحد.

فكأنه قيل: وما أنزل في الأرض من ماء وبث فيها من كل دابة ويجوز عطفه على ﴿ أحيا ﴾ أي فأحيا بالمطر الأرض وبث فيها من كل دابةٍ، لأن معاش الحيوان بل حياته يدور على الماء ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي  ﴾ .

واعلم أن الحيوان إما توليدي أو توالدي، وكلا الصنفين يحتاج إلى صانع فردٍ حكيم.

يحكى أن شخصاً قال بحضرة عمر: إني أتعجب من أمر الشطرنج ورقعته صغيرة ولو لعب الإنسان به ألف مرة لم يتفق مرتان فقال عمر: ههنا ما هو أعجب منه، وهو أن مقدار الوجه شبر في شبر، ثم إن مواضع الأعضاء التي فيها من الحاجبين والعينين والأنف والفم لا يتغير ألبتة ومع ذلك لا ترى شخصين أبداً يشتبهان في الصورة.

فما أعظم تلك القدرة والحكمة التي أظهرت في هذه الرقعة الصغيرة هذه الاختلافات التي لا حد لها، ولولا هذا الاختلاف لاشتبه الناس بعضهم ببعض وانقطع نظم معايشهم وحوائجهم.

ومن تأمل كتب التشريح وقرأ كتاب الحيوان وتتبع عجائب المخلوقات وقف من تراكيبها وخواصها على ما يقضي منه العجب ويفضي إلى الاعتراف بوحدانية الرب.

السابعة: تصريف الله  الرياح مع دقتها ولطافتها وفي ذلك نفع عظيم لانتفاع الحيوان بتنشق الهواء البارد، وبجريان السفن بهبوب الرياح، ومن قبل تلقيح الأشجار وسوق السحاب إلى حيث يرسله الله  ، ومن جهة تصحيح الأهوية الوبائية إلى غير ذلك من المنافع.

والمراد بتصريفها تقليبها في جهات العالم على حسب المصالح شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً أي صباً ودبوراً على كيفيات متخالفة حارّة وباردة وعاصفة ورخاء.

ومن قرأ الريح بالموحدة فليس فيها دلالة على العذاب في هذا المقام، والذي جاء في الحديث أنه  كان إذا هبت الريح قال: "اللَّهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً" .

فلا يدل إلا على أن مواضع الرحمة بالجمع أدل كما قال  : ﴿ ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات  ﴾ وقال ﴿ وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم  ﴾ وقد تختص اللفظة في القرآن بشيء فتكون أمارة له.

فمن ذلك أن عامة ما جاء في التنزيل من قوله ﴿ وما يدريك ﴾ مبهم غير معين قال ﴿ وما يدريك لعل الساعة قريب  ﴾ وما كان من لفظ "أدراك" فإنه مفسر ﴿ وما أدراك ما القارعة  ﴾ ﴿ وما أدراك ما هيه  ﴾ .

الثامنة: السحاب المسخر بين السماء والأرض سمي سحاباً لانسحابه في الهواء.

ومعنى التسخير التذليل.

وذلك أن طبع الماء ثقيل يقتضي النزول فكان بقاؤه في جو الهواء على خلاف طبعه بقاسر ومخسر.

وأيضاً لو دام لعظم ضرره من حيث إنه يستر ضوء الشمس ويكثر الأنداء والأمطار ويتعذر التردد في الحوائج، ولو انقطع لعظم ضرره لاستلزامه الجدب والإمحال، فكان تقديره بالمقدار المعلوم والإتيان به في وقت الحاجة ودفعه عند زوالها بمدبر ومسخر لا محالة.

وفي نفس السحاب من عظمه وتراكمه وارتفاعه وانخفاضه وانبساطه وتخلخله وسده الأفق في لحظة وانقشاعه في أخرى واشتماله على الرعد والبرق والسحمة والتطبيق إلى غير ذلك من العجائب دلالات واضحة على كمال حكمة موجده ومقدّره.

وأما قوله  ﴿ الآيات ﴾ فيحتمل أن يكون راجعاً إلى الكل أي مجموع هذه الأشياء الثمانية آيات، ويحتمل أن يكون راجعاً إلى كل واحد فإن كل واحد منها يدل على مدلولات كثيرة كما فصلنا.

وأيضاً فكل واحدة منها من حيث إنها موجودة فدل على وجود موجدها، وكونه قادراً ومن حيث إنها وقعت على وجه الإحكام والإتقان تدل على علم الصانع، ومن حيث حدوثها واختصاصها بوقتٍ دون وقت تدل على إرادته واختياره، ومن حيث إنها وجدت على الاتساق والانتظام دلت على وحدانية الله  ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ .

وأما قوله  ﴿ لقوم يعقلون ﴾ فإنما خص الآيات بهم لأنهم الذين يتمكنون من النظر فيه والاستدلال به.

وفي الآية من الفوائد أن التقليد مذموم فيما إلى تحقيقه سبيل.

وفيها أن جميع المعارف ليست ضرورية وإلا لم يحتج إلى النظر في شيء منها، وإنما خص الآيات الثمانية بالذكر مع أن سائر الأجسام والأعراض مستوية في الاستدلال بها على وجود الصانع بل كل ذرّة من الذرات، لأنها جامعة بين كونها نعماً على المكلفين، ومتى كانت الدلائل كذلك كانت أنجع في القلوب وأشد تأثيراً في الخواطر.

عن رسول الله  "ويلٌ لمن قرأ هذه الآية فمج بها" أي لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها حسبي الله ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

ذكر هذا الاسم؛ لأن كل معبود يعبد عند العرب يسمون إلهاً؛ كقوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ  ﴾ ؛ لهذا ذكر إن إلهكم الذي يستحق الألوهية والعبادة واحد بذاته، لا واحد من جهة العدد بالخلق ذي أعداد وأزواج وأشكال، بل واحد بذاته وبجلاله وعظمته وارتفاعه وتوحده عن شبه الخلق وجميع معايبهم.

يقال: فلان واحد زمانه.

يراد لارتفاع أمره وعلو مرتبته، لا بحيث العدد، إذ بحيث العدد مثله كثير.

وقوله: ﴿ وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ ، فيه إثبات إله واحد، وفي قوله: ﴿ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ نفى غيره من الآلهة.

فإن قيل: لم كان هذا دليلاً؟

وهو في الظاهر دعوى.

قيل له: دليل وحدانيته في قوله: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ .

خلق السماوات وجعل فيها منافع، وخلق الأرض وجعل فيها منافع للخلق، ثم جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض لبعد ما بينهما؛ إذ لا منفعة للخلق في منافع إحداهما إلا باتصال منافع الأخرى بها من نحو ما جعل من معرفة الطرف في الأرض بالكواكب، وإنضاج الأعناب والثمار وينعها بالشمس والقمر، وجعل إحياء الأرض وإخراج ما فيها من النبات من المأكول والمشروب والملبوس بالأمطار؛ فدل اتصال منافع أحدهما بالآخر وتعلقها به على أن منشئهما واحد؛ لأنه لو كان من اثنين لكان إذا قطع هذا وصل الآخر، وإذا وصل هذا قطع الآخر.

فإذ لم يكن، ولكنه اتصل، دل أنه فعل واحد، فهو ينقض على الثنوية والزنادقة قولهم.

وكذلك يدل اختلاف الليل والنهار على أن خالقهما واحد؛ لأنه لو كان اثنين لكان إذا أتى هذا بالليل منع الآخر بالنهار، وإذا أتى أحدهما بالنهار منع الآخر بالليل.

وفيه ذهاب عيش الخلق، وفي ذهابه تفانيهم وفسادهم.

فدل أنه واحد.

والثاني: أنه جعل للخلق في الليل والنهار منافعاً، وجعل بعضها متصلة ببعض متعلقة مع تضادهما، كقوله: ﴿ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ﴾ .

فدل اتصال منافع أحدهما بالآخر مع اختلافهما وتضادهما أن محدثهما واحد.

وفيه دلالة حدوث العالم؛ لما ذكرنا من تغييرها وزوالها من حال إلى حال.

[فدل تغييرها وزوالها على إنما حدث زوال مثل هذه الأشياء] بابتدائها وعجزها على قدرة مثلها على أن لها محدثاً.

والثاني: أن كل واحد منهما؛ أعنى الليل والنهار، يصير بمجيء الآخر مغلوباً، فلو لا أن كان ثم لغير فيه تدبير، وإلا ما احتمل أن يصير مغلوباً بعد ما كان غالباً، فدل أن لهما محدثاً، وأنه واحد.

فيه دلالة البعث والحياة بعد الموت؛ لأن الليل يأتي على النهار فيتلفه ويذهب به حتى لا يبقى فيه من أثر النهار شيء، وكذلك النهار يأتي على الليل فيتلفه حتى لا يبقى من أثر الليل شيء.

ثم وجد بعد ذلك كل واحد منهما على ما وجد في النشوء من غير نقصان ولا تفاوت.

فدل أنه قادر على إنشاء ما أماته وأتلفه، وإن لم يبق له أثر، على ما قدر من إيجاد ما أتلف، وإنشاء ما أذهب من الليل بالنهار، ومن النهار بالليل، وإن لم يبق له أثر.

وقوله: ﴿ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ﴾ ، وقيل: اختلافهما لما جعل أحدهما مظلماً والآخر مضيئاً.

وقيل: اختلافهما لنقصانهما وزيادتهما، إذ ما ينتقص من أحدهما يزداد في الآخر، فدل انتقاصهما وزيادتهما على أن منشئهما واحد؛ لأنه لو كان من اثنين لمنع كل واحد منهما صاحبه من الزيادة والنقصان، وبالله التوفيق، ولتغير التدبير، ولا يجرى كل عام الأمر فيه على ما جرى عليه في العام الأول.

وقوله: ﴿ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ ﴾ فالآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأنه عز وجل جعل الفلك التي تجري في البحر من آياته.

والمعتزلة جعلوها من آيات البحارين؛ لأن الفلك قبل أن يعمل فيها وينحت لا تسمى فلكاً؛ ولكن يسمى خشباً، فلو لم يكن عمل العباد وفعلهم فيها من مصنوعه ومخلوقه، لزال به موضع الحجاج وتسميته باسم الآيات؛ فدل أن له فيها صنعاً وتقديراً حيث صار من عجيب آياته.

ثم فيه أعجوبة، وهو أن الطباع تنفر من مغافصة البحر بالاطلاع على أمواجه وأهواله، وأراهم من عظم آياته مما يجريه في البحر على الحفظ والأمر الواقع لهم؛ فدل أنه من عند قادر لطيف خبير.

وفيه أيضاً دلالة وحدانيته؛ وذلك أن أهل البر لهم الانتفاع بأهل البحر، ولأهل البحر الانتفاع بأهل البر على بعد ما بينهما وتضادهما؛ فدل أن محدثهما واحد.

ثم فيه دلالة إباحة التجارات مع الخطرات على احتمال المشقات وتحمل المؤنات.

وفي ذلك دلالة النبوة؛ لأن يعلم أن اتخاذ السفن وبما فيه من المنافع لا يقوم له تدبير البشر، ثبت أنه علم ذلك ممن علم جواهر الأشياء، وما يصلح الأشياء وما لا يصلح، وفي الحاجة إلى ذلك إيجاب القول بالرسالة للبشر.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ ﴾ ، وفيه دلالة فضل العلوي على السفلي؛ لأن ما ينزل من السماء من الماء ينزل عذباً، وما يخرج من الأرض يخرج مختلفاً: منه ما هو عذب ومنه ما هو أجاج، ومنه ما هو مر.

فدل ذا [على] فضل العلوي على السفلي.

وقوله: ﴿ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ ، قد ذكرنا هذا أن فيه دلالة البعث.

وقوله: ﴿ وَبَثَّ فِيهَا ﴾ ، قيل: خلق.

وقيل: بسط.

وقيل: فرق.

﴿ مِن كُلِّ دَآبَّةٍ ﴾ .

قيل: جعل فيها من كل جوهر الدابة.

منها: ما جعل مأكولاً منتفعاً بها من كل أنواع المنافع؛ ليدلهم وليرغبهم على ما وعد لهم في الجنة.

ومنها: ما جعل غير مأكولة ولا منتفع بها، بل جعلها أعداء لهم ليدلهم على تحذير ما أوعدوا وحذروا في النار.

وقوله: ﴿ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: تصرفها مرة للعذاب، ومرة للمنافع؛ لأنه جعل فيها منافع كثيرة للخلق: بها تجري السفن في البحار، وبها تنشر السحاب في الهواء، وبها تنتفي الأشياء، وبها يتميز ما للخلق مما للدواب مما يكثر ذلك.

ثم يعلم من عظم لطفه أنه جعل الهواء بحال لا يقر فيها شيء وإن لطف، والسحاب مع غلظه وكثافته جعل الهواء مع لطافتها ورقتها مقرّاً للسحاب حتى يعلم أن ليس لغير الله فيه تدبير.

ويحتمل: ﴿ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ ﴾ صرفه إياها مرة صباء، ومرة دبورا، ومرة جنوباً ومرة نسيماً، ومرة يميناً، ومرة شمالاً للمنافع.

ثم فيه دلالة أنها من الأجسام، لا من الأعراض؛ لأنه جل وعز جعلها ماسة مانعة لا صارعة من قام في ناحيتها، وذلك صفة الأجسام، لا صفة الأعراض، لكن لا ترى الأجسام، وكالذرة التي فيها الشمس ترى ولا تمس.

ثم دلهم عز وجل أن الذي سخر السحاب بالرياح التي جعلها في الهواء، وبما فيها من المنافع التي تقدم ذكرها، على أن مدبرهما واحد؛ إذ لو كان التدبير من عند اثنين لأوجب التناقض في التدبير والصنعة، إذ يجعل كل منهما على خلاف ما جعله الآخر، ويتدبر كل منهما لينقض تدبير الآخر.

وفي اتساق التدبير واتقان الصنعة وإحكامها دليل أن إلهكم هو الواحد الذي دعتكم هذه الأشياء إلى الإقرار بوحدانيته، وألزمتكم العبودية له بما أودع له في كل هذه المصنوعات من أدلة وحدانيته وآيات ربوبيته؛ ولهذا قال: ﴿ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ليعتبروا ما فيها من الأدلة والحجج؛ إذ من لا يعقل جهة الحكمة في خلق هذه الأشياء: مم خلقت، ولماذا خلقت؟

وما الحكمة فيها؟

يستوي عليه خلقها وغير خلقها.

ثم فيه دلالة أن ما خلق من السماوات والأرض، والليل والنهار، والرياح والسحاب، خلقها ليدلهم على وحدانيته وربوبيته، وجعلها مسخرة مذللة لهم.

وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومعبودكم الحق -أيها الناس- واحد متفرّد في ذاته وصفاته، لا معبود بحق غير الرحمن ذو الرحمة الواسعة، الرحيم بعباده، حيث أنعم عليهم النعم التي لا تحصى.

من فوائد الآيات الابتلاء سُنَّة الله تعالى في عباده، وقد وعد الصابرين على ذلك بأعظم الجزاء وأكرم المنازل.

مشروعية السعي بين الصفا والمروة لمن حج البيت أو اعتمر.

من أعظم الآثام وأشدها عقوبة كتمان الحق الَّذي أنزله الله، والتلبيس على الناس، وإضلالهم عن الهدى الَّذي جاءت به الرسل.

<div class="verse-tafsir" id="91.6W2N6"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ]] لأن اللعنة تعمهم في الآخرة من جميع الملائكة والناس بحيث يظهر للعوالم أنهم لا يستحقون الرحمة حتى إن المرؤوسين يتبرأون من الرؤساء الذين كانوا يتبعونهم في الضلال ويتخذون كلامهم دينًا من دون كتاب الله كما سيأتي، فناسب بعد هذا أن يبين الله تعالى أن شارع الدين ومحق الحق هو واحد لا يعبد غيره، ولا تكتم هدايته، ولا يجعل كلام البشر معيارًا على كلامه، وهو مفيض الرحمة والإحسان، إذ الرحمة من صفاته الكاملة اللازمة، ليتذكر أولئك الضالون الكاتمون لبينات الله، المؤثرون عليها آراء رؤسائهم وأئمتهم ثقة بهم، واعتمادًا على شفاعتهم، أنهم لن يغنوا عنهم من الله شيئًا، ويعلموا وجه خطأهم في كتمان الحق ومعاداة أهله عنادًا من الرؤساء، وتقليًدا من المرؤوسين.

فقال: ﴿ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ  ﴾ أي وإلهكم الحق الحقيق بالعبادة إله واحد لا إله مستحق لها إلا هو، فلا تشركوا به أحدًا.

والشرك به نوعان: (أحدهما): يتعلق بالألوهية والعبادة وهو أن يعتقد المرء أن في الخلق من يشاركه تعالى أو يعينه في أفعاله، ويحمله على بعضها ويصده عن بعض بشفاعته عنده لأجل قربه منه، كما يكون من بطانة الملوك المستبدين، وحواشيهم وحجابهم وأعوانهم، فهو يتوجه إلى هذا المؤثر عند الله بزعمه عندما يتوجه إليه تعالى في الدعاء فيدعوه معه، وقد يدعوه من دونه عند شدة الحاجة لكشف ضر أو جلب نفع أعيته أسبابهما، وهذا مخ العبادة.

(وثانيهما): يتعلق بالربوبية وهو إسناد الخلق والتدبير إلى غيره معه، أو أن تؤخذ أحكام الدين في عبادة الله تعالى والتحليل والتحريم عن غيره، أي غير كتابه ووحيه الذي بلّغه عنه رسله بحجة أن من يؤخذ عنهم الدين من غير بيان الوحي أعلم بمراد الله فيترك الأخذ من الكتاب لرأيهم وقولهم، وهو المراد بقوله تعالى ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ  ﴾ كما سيأتي في موضعه إن شاء كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، وظاهر أن الواجب على العلماء بالدين إن يبينوا للناس ما نزله الله ولا يكتموه لا أن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه كما زاد أهل الكتب المنزلة كلهم عبادات وأحكامًا كثيرة زائدة على الوحي أو مخالفة له يتأولونه لأجلها دون العكس، وإذا كان الله تعالى واحدًا لا إله إلا هو فلا ينبغي أن يشرك معه غيره فهو كذلك ﴿ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ  ﴾ أي الكامل الرحمة فلا ينبغي أن يعرض العبد أن يعرض العبد عن أسباب رحمته اعتمادًا على سواه ممن يظن أنهم مقربون عنده، فحسب المؤمن من رحمة الله التي وسعت كل شيء أن يستغني بالتصدي لها عن رجاء سواها وإلا كان من الخائبين.

نبههم  إلى أن المنافع التي يرقبونها من شركهم إنما هي بيده الكريمة وحده، كأنه يقول إذا انتم تركتم ما أنتم فيه لأجله تعالى فهو بتفرده بالألوهية يكفيكم كل ضرر تخافونه، ويعطيكم برحمته الواسعة كل ما ترجونه، فان بيده ملكوت كل شيء، وكل ما تعتمدون عليه من دونه فليس محلًا للاعتماد، بل اعتمادكم عليه من قبيل الشرك فيجب أن تطرحوه جانبًا، وتعتقدوا أن الإله الذي بيده أزمة المنافع والقادر على دفع المضار وإيقاعها هو واحد لا سلطان لأحد على إرادته ولا مبدل لكلمته، ولا أوسع من رحمته، وإنما أكد أمر الوحدة هذا التأكيد تحذيرًا من طرق الشرك الخفية على أنها أساس الدين وأصله.

وقد فصلنا معاني التوحيد والشرك واسمي الرحمن والرحيم في تفسير الفاتحة.

أرأيت هذا الاتصال المحكم بين الآية وما قلبها؟

إن بعض المفسرين قد قطع عراه وفصمها، وجعل الآية جوابًا لقوم قالوا للنبي  : انسب لنا ربك، قاله (الجلال) ..

والذي أراه أن سبب النزول إنما يحتاج إليه في آيات الأحكام لان معرفة الوقائع والحوادث التي نزل فيها الحكم تعين على فهمه وفقه حكمته وسره، ومثلها ما فيه إشارة إلى بعض الوقائع كغزوة بدر والنصر فيها ومصيبة المؤمنين في أُحد.

وأما الآيات المقررة للتوحيد وهو المقصود الأول من الدين فلا حاجة إلى التماس أسباب لنزولها بل هي لا تتوقف على انتظار السؤال، وإنما كان يبين عند كل مناسبة.

وما عساه يكون قد قارن نزولها من حادثة أو سؤال مثل هذا الذي ذكر آنفًا فهو إن صح رواية لا يزيدنا بيانًا في فهم الآية، ولا يصح أن يجعل سببًا لنزولها لا سيما بعد الذي علم من اتصالها بما قبلها كما يليق ببلاغة القرآن.

ومثل هذا السبب يجعل القرآن مبددًا متفرقًا لا ترتبط أجزاؤه، ولا تتصل أنحاؤه، ومثله ما قالوه في سبب الآية التي بعد هذه الآية، فإنها جاءت على سنة القرآن من وصل الدليل بالدعوى، ولكنهم رووا في سببها روايات منها أن آية ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ  ﴾ نزلت بالمدينة ثم سمع بها مشركو مكة فقالوا ما قالوا وعجبوا كيف يسع الخلق إله واحد وطلبوا الدليل على ذلك، كأنهم لم يكونوا قد سمعوا عليه دليلًا، وكأن هذه الدعوي لم تكن طرأت على أذهانهم ولا طرقت أبواب مسامعهم -على أن النبي  كان قد أقام فيهم يدعوهم إلى هذا التوحيد عشر سنين ونيفًا، وسبق لهم التعجب منه ﴿ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ  ﴾ ومعظم ما نزل بمكة آيات وبراهين عليه، فكيف نسلم أن ما نراه في التنزيل المدني من آيتين متصلتين إحداهما في التوحيد والأخرى في دليله قد كان من الفصل بينهما أن نزل الدليل بعد المدلول بزمن طويل وسبب متأخر؟

ومن هنا يظهر أنها لا يصح أن تكون جوابًا للذين قالوا: انسب لنا ربك، أو: صف لنا ربك.

لان هذا السؤال إنما عمن لا يعرف شيئًا من صفات الرب العظيم -أو ممن يبغي أن يعرف مقدار علم المسؤول بهذه الصفات - ويجب أن يكون جوابه بذكر جميع ما يجب اعتقاده من التنزيه والصفات الثبوتية، ولم يذكر في الآية إلا الوحدة والرحمة، وترك ذكر العلم والحكمة والإرادة والقدرة، وهي صفات لا تعقل الألوهية إلا بها وسببه أن أولئك الكفار لم يكونوا يكتمونها ولا يشركون مع الله أحدًا فيها وإنما أشركوا في الألوهية بعبادة غير الله تعالى بالدعاء والنذور والقرابين ويستلزم هذا عدم اكتفائهم برحمته.

الَّذِينَ تَابُوا]] إلخ.

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ  ﴾ إلخ هذه آية قرآنية تشرح لنا بعض الآيات الكونية الدالة على وحدانية الله تعالى ورحمته الواسعة إثباتًا لما ورد في الآية قبلها من هذين الوصفين له تعالى على طريقة القرآن في قرن المسائل الاعتقادية بدلائلها وبراهينها كما ألمعنا.

وهذه الآيات أجناس: الأول والثاني - منها خلق السموات والأرض، ففيه آيات بينات كثيرة الأنواع يدهش المتأملين بعض ظواهرها، فكيف حال من اطلع على ما اكتشف العلماء من عجائبها، الدال على أن ما لم يعرفوه أعظم مما عرفوه منها.

تتألف هذه الأجرام السماوية من طوائف يبعد بعضها عن بعض بما يقدر بالملايين وألوف الملايين من سني سرعة النور، ولكل طائفة منها نظام كافل محكم، لا يبطل نظام بعضها نظام الآخر، لأن للمجموع نظامًا عامًا واحدًا يدل على أنه صادر عن إله واحد لا شريك له في خلقه وتقديره، وحكمته وتدبيره، وأقرب تلك الطوائف إلينا ما يسمونه النظام الشمسي، نسبة إلى شمسنا هذه التي تفيض أنوراها على أرضنا فتكون سببًا للحياة النباتية والحيوانية فيها.

والكواكب التابعة لهذه الشمس مختلفة في المقادير والأبعاد، وقد استقر كل منها في مداره، وحفظت النسبة بينه وبين الآخر بسنّة إلهية منتظمة حكيمة يعبرون عنها بالجاذبية العامة.

ولولا هذا النظام لانفلتت هذه الكواكب السابحة في أفلاكها فصدم بعضها بعضًا وهلكت العوالم بذلك، فهذا النظام آية على الرحمة الإلهية، ما أنه آية على الوحدانية.

هذه هي السموات تشير إلى آياتها عن بعد ﴿ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ  ﴾ في جرمها ومادتها وشكلها وعوالمها المختلفة من جماد ونبات وحيوان، فلكل منها نظام عجيب وسنن إلهية مطردة في تكوينها، وتوالد ما يتولد من أحيائها، وغير ذلك حتى لو دققت النظر في أنواع الجمادات من الصخور المختلفة الأنواع، والجواهر المتعددة الخواص والألوان، لشاهدت من النظام فيها ومن أنواع المنافع في اختلافها وتنوعها ما تعلم به علم اليقين، أنها ترجع في ذلك إلى إبداع إله حكيم، رؤوف رحيم، لا شريك له في الخلق والتدبير.

يضاف إلى ذلك أن في الجماد حياة خاصة به دون الحياة النباتية.

فهذان جنسان من آياته تعالى يشملان أنواعًا وأفرادًا منها يتعذر إحصاؤها.

الجنس الثالث - قوله ﴿ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ  ﴾ وهو إن يجيء أحدهما فيذهب الآخر، ويطول هذا فيقصر ذاك، وكل ذلك بحسبان، مطرد في جميع الأقطار والبلدان، ومثله اختلاف الفصول باختلاف مواقع العرض والطول، وقد ذكر هذه الآية بعد خلق السموات والأرض لأن هذا الاختلاف هو أثر مقابلة الأرض للشمس وحركتها بإزائها، وتفصيل ذلك مشروح في محله من العلم الخاص بهذه المسائل.

وفي المشاهد من اختلاف الليل والنهار والفصول وما للناس في ذلك من المنافع والمصالح آيات بينات على وحدة مبدع هذا النظام المطرد ورحمته بعباده يسهل على كل أحد أن يفهمها وإن لم يعرف أسباب ذلك الاختلاف وتقديره.

وفي القرآن بيان لذلك في مواضع كثيرة كقوله تعالى ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا  ﴾ فهذه الآية تهدي إلى ما في اختلاف الليل والنهار من المنافع العامة وفي معناه آيات أخرى.

وقال تعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا  ﴾ .

وهذه هداية إلى المنافع الدينية.

وهناك آيات تشير إلى أسباب هذا الاختلاف كقوله تعالى ﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ  ﴾ وقوله ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا  ﴾ .

وصفوة القول في هذا المقام أن اختلاف الليل والنهار أثر من آثار النظام الشمسي وقلنا إن ذلك يدل على وحدة واهبة ومقدرة ونقول إن آثاره تدل على ذلك أيضًا، وأما دلالتها على رحمته تعالى فظاهرة مما تقدم الاستشهاد به من الآيات آنفًا.

الجنس الرابع - قوله ﴿ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ  ﴾ الفلك "بالضم" اسم للسفينة ولجمعها.

وكان الظاهر أن تأتي هذه الآية في آخر الآيات ليكون ما للإنسان فيه صنع على حدة وما ليس له فيه صنع على حدة.

والنكتة في ذكرها عقيب آية الليل والنهار هي أن المسافرين في البر والبحر هم أشد الناس حاجة إلى تحديد اختلاف الليل والنهار ومراقبته على الوجه الذي ينتفع به، والمسافرون في البحر أحوج إلى معرفة الأوقات، وتحديد الجهات، لأن خطر الجهل عليهم أشد، وفائدة المعرفة لهم أعظم، ولذلك كان من ضروريات رباني السفن معرفة علم النجوم (الهيأة الفلكية) وعلم الليل والنهار من فروع هذا العلم قال تعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ  ﴾ فهذا وجه الترتيب بين ذكر الفلك وما قبله.

وأما كون الفلك آية فلا يظهر بادي الرأي كما يظهر كونها رحمة من قوله ﴿ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ  ﴾ أي في أسفارهم وتجاراتهم، وما يعرف في هذا العصر بالمشاهدة والاختبار أكثر مما كان يعرف في العصور السالفة إذ كانت الفلك شراعية فلم يكن البخار يسير أمثال هذه البواخر والبوارج العظيمة التي تحكي مدنًا كبيرة فيها جميع المرافق التي يتمتع بها المترفون والملوك في البر من الأرائك والسرر والحمامات وغير ذلك أو قلاعًا وحصونًا فيها أقتل آلات الحرب.

وكل ذلك من رحمة الإله الذي خلق هذه الأشياء وهدى إليها الإنسان، فلا بد لفهم كونها آية على وحدانيته من فهم طبيعة الماء وطبيعة قانون الثقل في الأجسام وطبيعة الهواء والريح وزد على ذلك معرفة طبيعة البخار والكهرباء التي هي العمدة في سير الفلك الكبرى في زماننا فكل ذلك يجري على سنن إلهية مطردة منتظمة، تدل على أنها صادرة عن قوة واحدة هي مصدر الإبداع والنظام وهي قوة الإله الواحد الحكيم، الرحمن الرحيم.

الجنس الخامس- قوله ﴿ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ  ﴾ المراد بالسماء هنا جهة العلو أو السحاب، لا ما قاله المخذولون الذين تجرأوا على الكذب على الله ورسوله فزعموا أن بين السماء والأرض بحرًا قالوا إنه موج مكفوف وأن المطر ينزل منه على قدر الحاجة في تفصيل اخترعوه ما أنزل الله به من سلطان، وتبعهم فيه أسرى النقل ولو خالف الحس والبرهان، ونزول المطر من الأمور المحسوسة التي لا تحتاج إلى نقل، ولا نظر عقل، وقد شرح كيفية تكوينه ونزوله العلماء الذين تكلموا في الكائنات، ووصفوا بالتدقيق الآيات المشاهدات، ولم يخرج شرحهم الطويل عن الكلمة الوجيزة في بعض الآيات التي ذكر فيها المطر وهو قوله تعالى ﴿ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ  ﴾ فحرارة الهواء هي التي تبخر المياه والرطوبات وتثيرها الرياح في الجو حتى تتكاثف ببرودتها وتكون كسفًا من السحاب يتحلل منه الماء ويخرج من خلاله وينزل بثقله إلى الأرض وكثيرًا ما شاهدنا في جبال سورية كما يشاهد الناس في غيرها أن ينعقد السحاب في أثناء الجبل وينزل منه المطر والشمس طالعة فوقه حيث لا مطر، وقد يخترق الناس منطقة المطر إلى ما فوقها.

وقد وصف الله تعالى هذا الجنس من آياته بأعظم آثاره فقال ﴿ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ  ﴾ أي أوجد بسببه الحياة في الأرض الميتة بخلوها من صفات الأحياء كالنمو والتغذي والنتاج، وبث أي نشر وفرق في أرجائها من جميع أنواع الأحياء التي تدب عليها وهي لا تعد ولا تحصى، فبالماء حدثت حياة الأرض بالنبات، وبه استعدت لظهور أنواع الحيوان فيها.

وهل المراد الإحياء الأول وما تلاه من تولد الحيوانات المعبر عنها بكل دابة، أو ما يشاهد من آحاد الإحياء التي تتولد دائمًا في جميع بقاع الأرض؟

الظاهر أن المراد أولًا وبالذات الإحياء الأول المشار إليه بقوله تعالى في آية أخرى ﴿ أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ  ﴾ فهو يذكر جعل كل شيء حيًا بالماء، في إثر ذكر انفصال الأرض من السماء، وذلك أن مجموع السموات والأرض كان رتقًا أي مادة واحدة متصلًا بعض أجزائها ببعض على كونه ذرات غازية كالدخان كما قال في آية التكوين ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا  ﴾ .

ولما كان ذلك الفتق في الإجرام انفصل جرم الأرض عن جرم الشمس وصارت الأرض قطعة مستقلة مائرة ملتهبة وكانت مادة الماء -وهي ما يسميه علماء التحليل والتركيب (علم الكيمياء) بالأكسجين والهيدروجين- تتبخر من الأرض بما فيها من الحرارة فتلاقي في الجو برودة تجعلها ماء فينزل على الأرض كما وصفنا آنفًا فيبرد من حرارتها، وما زال كذلك حتى صارت الأرض كلها ماء وتكونت بعد ذلك اليابسة فيه وخرج النبات والحيوان وكل حي من الماء، فهذا هو الإحياء الأول.

وأما الإحياء المستمر المشاهد في كل بقاع الأرض دائمًا فهو المشار إليه بمثل قوله تعالى ﴿ وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ  ﴾ وذلك أننا نري كل أرض لا ينزل فيها المطر ولا تجري فيها المياه من الأراضي الممطورة لا في ظاهرها ولا في باطنها خالية من البنات والحيوان إلا أن يدخلها من أرض مجاورة لها ثم يعود منها.

فحياة الأحياء في الأرض إنما هي بالماء سواء في ذلك الإحياء الأول عند تكوين العوالم الحية وإيجاد أصول الأنواع، والإحياء المتجدد في أشخاص هذه الأنواع وجزئياتها التي تتولد وتنمو كل يوم.

وهذه المياه التي يتغذى بها النبات والحيوان على سطح هذه اليابسة كلها من المطر، ولا يستثني من ذلك أرض مصر فيقال إن حياتها بماء النيل دون المطر فإن مياه الأنهار والعيون التي تنبع من الأرض كلها من المطر فهو يتخلل الأرض فيجتمع فيندفع.

وقد امتن الله تعالى بذلك علينا وأرشدنا إلى آيته فيه فيقوله ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ  ﴾ الآية.

فالبحيرات التي هي ينابيع النيل من ماء المطر والزيادة التي تكون فيه أيام الفيضان هي من المطر الذي يمد هذه الينابيع ويمد النهر نفسه في مجراه من بلاد السودان، وكثرة الفيضان وقلته تابعة لكثرة المطر السنوي وقلته هناك.

هذا هو الماء في كونه مطرًا وفي كونه سببًا للحياة وهو آية في كيفية وجوده وتكونه فإنه يجري في ذلك على سنة إلهية حكيمة تدل على الوحدة والرحمة، ثم إنه آية في تأثيره في العوالم الحية أيضًا، فإن هذا النبات يسقى بماء واحد هو مصدر حياته، ثم هو مختلف في ألوانه، وطعومه وروائحه، فتجد في الأرض الواحدة نبتة الحنظل مع نبتة البطيخ، متشابهتين في الصورة متضادتين في الطعم، وتجد النخلة وتمرها ما تذوق حلاوة ولذة، وتجد في جانبها شجرة الليمون الحامض والنارنج وثمرها ما تعرف حموضة وملوحة، وتجد بالقرب منها شجرة الورد لها من الرائحة ما ليس للنخلة وما يخالف في أريجه زهر النارنج، بل يوجد في الشجر ما له زهر زكي الرائحة، فإذا قطعت الغصن الذي فيه هذا الزهر تنبعث منه رائحة خبيثة.

فتلك السنن التي يتكون بها المطر وينزل جارية بنظام واحد دقيق، وكذلك طرق تغذي النبات بالماء هي جارية بنظام واحد، فوحدة النظام وعدم الخلل فيه تدل على أن مصدره واحد، فهو من هذه الجهة يدل على الوحدانية الكاملة، ومن جهة ما للخلق فيه من المنافع والمرافق يدل على الرحمة الإلهية الشاملة.

وقل مثل هذا فيما بث الله تعالى في الأرض من كل دابة، فإنها آيات على الوحدة، ودلائل وجودية على عموم الرحمة.

الجنس السادس: قوله تعالى ﴿ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ  ﴾ ذكر آية الرياح بعد آية المطر للتناسب بينهما وتذكيرًا بالسبب، فان الرياح هي التي تثير السحاب وتسوقه في الجو إلى حيث يتحلل بخاره فيكون مطرا كما تقدم آنفًا في آية ﴿ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ  ﴾ وتصريف الرياح تدبيرها وتوجيهها على حسب الإرادة ووفق الحكمة والنظام، فهي تهب في الأغلب من إحدى الجهات الأربع وتارة تأتي نكباء بين بين، وقد تكون متناوحة، أي تهب من كل ناحية، ومنها المقيم، ومنها الملقحة للنبات وللسحاب، وإذا هبت حارة في بعض الأماكن والأوقات فهي تهب عقب ذلك لطيفة الحرارة أو باردة، وكل ذلك يجري على سنة حكيمة تدل على وحدة مصدرها، ورحمة مدبرها.

الجنس السابع: قوله تعالى ﴿ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ  ﴾ أي الغيم المذلل المسحوب في الجواء لإنزال المطر في البلاد المختلفة.

ذكر السحاب هنا بعد ذكر تصريف الرياح لأنها هي التي تثيره وتجمعه وهي التي تسوقه إلى حيث يمطر وتفرق شمله أحيانًا فيمتنع المطر، ولم يذكره عند ذكر الماء مع أنه سببه المباشر ليرشدنا إلى أنه في نفسه آية، فإنه يتكون بنظام ويعترض بين السماء والأرض بنظام، فهو في ظاهره آية تدهش الناظر الجاهل بالسبب لو لم يألف ذلك ويأنس به، وإنما يعرفها معرفتها من وقف على السنن الإلهية في اجتماع الأجسام اللطيفة وافتراقها، وعلوها وهبوطها وهو ما يعبر عنه علماء هذا الشأن بالجاذبية، وهي أنواع منها جاذبية الثقل والجاذبية العامة وجاذبية الملاصقة وغيرها، ومن لا يعرف أسرار هذه الكائنات، وإنما ينظر إلى ظواهر فيراها كما تراها العجماوات، فهو لا يفهم معنى كونها آيات، لأنه أهمل آلة الفهم التي امتاز بها وهي العقل، ولذلك أخبر الله تعالى عن هذه الأجناس كلها إن فيها ﴿ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ  ﴾ فإنهم هم الذين ينظرون في أسبابها، ويدركون حكمها وأسرارها، ويميزون بين منافعها ومضارها، ويستدلون بما فيها من الإتقان والأحكام، والسنن التي قام بها النظام، على قدرة مبدعها وحكمته، وفضله ورحمته، وعلى استحقاقه للعبادة دون غيره من بريته، وبقدر ارتقاء العقل في العلم والعرفان، يكمل التوحيد في الإيمان، وإنما يشرك بالله أقل الناس عقلًا، وأكثرهم جهلًا.

أليس أكبر خذلان للدين وجناية عليه أن لا ينظر المنتسبون إليه في آياته التي يوجههم كتابه إلى النظر فيها، ويرشدهم إلى استخراج العبر منها؟

أليس من أشد المصائب على الملة إن يهجر رؤساء دين كهذا الدين العلوم التي تشرح حكم الله وآياته في خلقه ويعدوها مضعفة للدين أو ماحية له، خلافًا لكتاب الله الذي يستدل لهم بها ويعظم شأن النظر فيها؟

بلى..

وإنهم ليصرون على تقاليدهم هذه وليس عليها حجة وإنما اتبعوا فيها سنن قوم ممن قبلهم.

وكان بعض الحكماء المتأخرين يقول كلمة في أهل دينه الذين خذلوه: هكذا شان أهل الأديان كافة كأنهم تعاهدوا جميعًا على أن يكون سيرهم واحدًا.

وهذا المعنى مأخوذ من قول الله تعالى في الكافرين يتفقون في كل أمة على الطعن في نبيها ﴿ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ  ﴾ .

وقد يزعم بعض هؤلاء الذين يعادون علم الكون باسم الدين أن النظر في ظواهر هذه الأشياء كافٍ للاستدلال بها ومعرفة آيات صانعها وحكمته ورحمته.

فمثلهم كمثل من يكتفي من الكتاب برؤية جلده الظاهر وشكله من غير معرفة ما أودعه من العلم والحكمة.

نعم إن هذا الكون هو كتاب الإبداع الإلهي المفصح عن وجود الله وكماله، وجلاله وجماله، وإلى هذا الكتاب الإشارة بقوله تعالى ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا  ﴾ وبقوله ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ  ﴾ .

فكلمات الله في التكوين باعتبار آثارها ومصداقها هي آحاد المخلوقات والمبدعات الإلهية، فإنها تنطق بلسان أفصح من لسان المقال، لكن لا يفهمه الذين هم عن السمع معزولون، وللعلم معادون، الواهمون أن معرفة الله تقتبس من الجدليات النظرية، والأقيسة المنطقية دون الدلائل الوجودية الحقيقية، ولو كان زعمهم حقيقة لا وهمًا، لكان الله سبحانه استدل في كتابه بالأدلة النظرية الفكرية، وذكر "الدور""والتسلسل" وغير ذلك من الاصطلاحات الكلامية، ولم يستدل بالسماء والأرض والليل والنهار والفلك والمطر وتأثيره في الحياة وغير ذلك من المخلوقات التي أرشدنا القرآن إلى النظر فيها، واستخراج الدلائل والعبر منها.

ألا إن لله كتابين: كتابًا مخلوقًا وهو الكون، وكتابًا منزلًا وهو القرآن، وإنما يرشدنا هذا إلى طرق العلم بذلك، بما أوتينا من العقل، فمن أطاع فهو من الفائزين، ومن أعرض فأولئك هم الخاسرون.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده