الآية ١٦٢ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٦٢ من سورة البقرة

خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ١٦٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 65 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦٢ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦٢ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي : في اللعنة التابعة لهم إلى يوم القيامة ثم المصاحبة لهم في نار جهنم التي ( لا يخفف عنهم العذاب ) فيها ، أي : لا ينقص عما هم فيه ( ولا هم ينظرون ) أي : لا يغير عنهم ساعة واحدة ، ولا يفتر ، بل هو متواصل دائم ، فنعوذ بالله من ذلك .

وقال أبو العالية وقتادة : إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله ، ثم تلعنه الملائكة ، ثم يلعنه الناس أجمعون .

فصل : لا خلاف في جواز لعن الكفار ، وقد كان عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، وعمن بعده من الأئمة ، يلعنون الكفرة في القنوت وغيره ; فأما الكافر المعين ، فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يلعن لأنا لا ندري بما يختم له ، واستدل بعضهم بهذه الآية : ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) وقالت طائفة أخرى : بل يجوز لعن الكافر المعين .

واختار ذلك الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي ، ولكنه احتج بحديث فيه ضعف ، واستدل غيره بقوله ، عليه السلام ، في صحيح البخاري في قصة الذي كان يؤتى به سكران فيحده ، فقال رجل : لعنه الله ، ما أكثر ما يؤتى به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله " قالوا : فعلة المنع من لعنه ; بأنه يحب الله ورسوله فدل على أن من لا يحب الله ورسوله يلعن ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) * * * قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: ما الذي نصب " خالدين فيها "؟

قيل: نُصب على الحال من " الهاء والميم " اللتين في" عليهم ".

وذلك أنّ معنى قوله: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ ، أولئك يلعنهم الله والملائكةُ والناس أجمعون خالدين فيها.

ولذلك قرأ ذلك: " أولئك عَليهم لعنة الله والملائكةُ والناس أجمعون " &; 3-264 &; مَنْ قرأَهُ كذلك، (90) توجيهًا منه إلى المعنى الذي وصفتُ.

وذلك وإن كان جائزًا في العربية, فغيرُ جائزةٍ القراءةُ به، لأنه خلافٌ لمصاحف المسلمين، وما جاء به المسلمون من القراءة مستفيضًا فيهم.

فغير جائز الاعتراضُ بالشاذّ من القول، على ما قد ثبتت حُجته بالنقل المستفيض.

* * * وأما " الهاء والألف " اللتان في قوله: " فيها "، فإنهما عائدتان على " اللعنة ", والمرادُ بالكلام: ما صار إليه الكافر باللعنة من الله ومن ملائكته ومن الناس.

والذي صار إليه بها، نارُ جهنم.

وأجرى الكلام على " اللعنة "، والمراد بها ما صار إليه الكافر، كما قد بينا من نظائر ذلك فيما مضى قبل، كما:- 2396- حدثت عن عمار قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, عن أبي العالية: " خالدين فيها "، يقول: خالدين في جهنم، في اللعنة.

* * * وأما قوله: " لا يخفّف عنهم العذاب "، فإنه خبرٌ من الله تعالى ذكره عن دَوَام العذاب أبدًا من غير توقيت ولا تخفيف, كما قال تعالى ذكره: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا [سورة فاطر: 36]، وكما قال: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا [سورة النساء: 56] * * * وأما قوله: " ولا هم يُنظرون "، فإنه يعني: ولا هُم يُنظرون بمعذرة يَعتذرون، كما:- 2397- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, عن أبي العالية: " ولا هم ينظرون "، يقول: لا يُنظرون فيعتذرون, &; 3-265 &; كقوله: هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ .

[سورة المرسلات: 35-36] ----------------------- الهوامش : (90) في المطبوعة : "والناس أجميعن" ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبت ، برفع"الملائكة والناس أجمعون" ، وهي قراءة الحسن .

وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 96-97 ، وتفسير هذه الآية في سائر كتب التفسير .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم قال جل وعز : خالدين فيها يعني في اللعنة ، أي في جزائها .

وقيل : خلودهم في اللعنة أنها مؤبدة عليهم خالدين نصب على الحال من الهاء والميم في عليهم ، والعامل فيه الظرف من قوله : عليهم لأن فيها معنى استقرار اللعنة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

خَالِدِينَ فِيهَا } أي: في اللعنة, أو في العذاب وهما متلازمان { لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ } بل عذابهم دائم شديد مستمر { وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ } أي: يمهلون, لأن وقت الإمهال وهو الدنيا قد مضى, ولم يبق لهم عذر فيعتذرون.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{خالدين فيها} مقيمين في اللعنة، وقيل: في النار.

{لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون} لا يمهلون ولا يؤجلون، وقال أبو العالية : "لا يُنْظرون فيعتذروا كقوله تعالى {ولا يؤذن لهم فيعتذرون} [36-المرسلات]".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«خالدين فيها» أي اللعنة والنار المدلول بها عليها «لا يخفف عنهم العذاب» طرفة عين «ولا هم ينظرون» يمهلون لتوبة أو معذرة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

دائمين في اللعنة والنار، لا يخفف عنهم العذاب، ولا هم يمهلون بمعذرة يعتذرون بها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( خَالِدِينَ فِيهَا ) الخلود البقاء إلى غير نهاية ، ويستعمل بمعنى البقاء مدة طويلة .

وإذا وصف به عذاب الكافر أريد به المعنى الأول ، أي : البقاء إلى غير نهاية والظاهر أن الضمير في قوله ( فِيهَا ) يعود إلى اللعنة لأنها هي المذكورة في الجملة .

وقيل إنه يعود إلى النار لأن اللعن إبعاد من الرحمة وإيجاب للعقاب والعقاب يكون في النار .

وقوله ( لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب ) أي : أن المقدار الذي استحقوه من العذاب لا يتفاوت بحسب الأوقات شدة وضعفاً ، وإنما هم في عذاب سرمدي أليم ، كما قال - تعالى - ( إِنَّ المجرمين فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ .

لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ) والزيادة في قوله - تعالى - : ( فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً ) حملها بعض العلماء على معنى استمرار العذاب ، فهي إشارة إلى الخلود فيه لا إلى الزيادة في شدته .

وقوله : ( خَالِدِينَ فِيهَا ) إشارة إلى دوام العذاب وعدم انقطاعه .

وقوله : ( لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ) إشارة إلى كيفية وشدته .وقوله : ( وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ ) أي : لا يمهلون ولا يؤخرون من العذاب كما كانوا يمهلون في الدنيا .

من الإِنظار بمعنى التأخير والإِمهال .

أو من النظر بمعنى الانتظار يقال : نظرته وانتظرته ، أي : أخرته وأمهلته ومنه قوله - تعالى - : ( وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ ) أو من النظر بمعنى الرؤية ، أي : لا ينظر الله إليهم نظر رحمة ورضا ولطف كما ينظر إلى عباده الصالحين ، لأنهم بكتمانهم للحق ، وكفرهم بالله ، استحقوا ما استحقوا من العذاب المهين .

( وَمَا ظَلَمَهُمُ الله ولكن أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) وبذلك تكون الآيات الكريمة قد حذرت الناس بأسلوب تأديبي حكيم من كتمان الحق ، ومن الكفر بالله ، وفتحت أمامهم باب التوبة ليدخلوه بصادق النية ، وصالح العمل ، وتوعدت من يستمر في ضلاله وطغيانه بأقسى أنواع العذاب ، وأغلظ ألوانه .وبعد أن حذر - سبحانه - من كتمان الحق ، عقب ذلك ببيان ما يدل على وحدانيته ، وعلى أنه هو المستحق للعبادة والخضوع فقال - تعالى - :( وإلهكم إله وَاحِدٌ لاَّ إله إِلاَّ هُوَ الرحمن .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: أن ظاهر قوله تعالى: ﴿ إِن الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ عام في حق كل من كان كذلك فلا وجه لتخصيصه ببعض من كان كذلك، وقال أبو مسلم: يجب حمله على الذين تقدم ذكرهم، وهم الذين يكتمون الآيات، واحتج عليه بأنه تعالى لما ذكر حال الذين يكتمون، ثم ذكر حال التائبين منهم، ذكر أيضاً حال من يموت منهم من غير توبة، وأيضاً أنه تعالى لما ذكر أن أولئك الكاتمين ملعونون حال الحياة، بين في هذه الآية أنهم ملعونون أيضاً بعد الممات.

والجواب عنه: أن هذا إنما يصح متى كان الذين يموتون من غير توبة لا يكونون داخلين تحت الآية الأولى، فأما إذا دخلوا تحت الأولى: استغنى عن ذكرهم فيجب حمل الكلام على أمر مستأنف.

المسألة الثانية؛ لما ذكر في الكلام أنه إذا مات على كفره صار الوعيد لازماً من غير شرط ولما كان المعلق على الشرط عدماً عند عدم الشرط؛ علمنا أن الكافر إذا تاب قبل الموت لم يكن حاله كذلك.

المسألة الثالثة: إن قيل: كيف يلعنه الناس أجمعون، وأهل دينه لا يلعنونه؟

قلنا الجواب عنه من وجوه: أحدها: أن أهل دينه يلعنونه في الآخرة، لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً  ﴾ .

وثانيها: قال قتادة والربيع: أراد بالناس أجمعين المؤمنين، كأنه لم يعتد بغيرهم وحكم بأن المؤمنين هم الناس لا غير.

وثالثها: أن كل أحد يلعن الجاهل والظالم لأن قبح ذلك مقرر في العقول، فإذا كان هو في نفسه جاهلاً أو ظالماً وإن كان لا يعلم هو من نفسه كونه كذلك، كانت لعنته على الجاهل والظالم تتناول نفسه عن السدي.

ورابعها: أن يحمل وقوع اللعن على استحقاق اللعن، وحينئذ يعم ذلك.

المسألة الرابعة: قال أبو بكر الرازي في الآية دلالة على أن على المسلمين لعن من مات كافراً، وأن زوال التكليف عنه بالموت لا يسقط عنا لعنه والبراءة منه، لأن قوله: ﴿ والناس أَجْمَعِينَ ﴾ قد اقتضى أمرنا بلعنه بعد موته وهذا يدل على أن الكافر لوجن لم يكن زوال التكليف عنه بالجنون مسقطاً للعنه والبراءة منه، وكذلك السبيل فيما يوجب المدح والموالاة من الإيمان والصلاح، فإن موت من كان كذلك أو جنونه، لا يغير حكمه عما كان عليه قبل حدوث الحال به.

المسألة الخامسة: القائلون بالموافاة احتجوا بهذه الآية فقالوا: علق تعالى وجوب لعنته بأن يموت على كفره فلو استحق ذلك قبل الموت لم يصح ذلك، فعلمنا أن الكفر إنما يفيد استحقاق اللعن لو مات صاحبه عليه وكذا الإيمان إنما يفيد استحقاق المدح إذا مات صاحبه عليه.

الجواب: الحكم المرتب على الذين ماتوا على الكفر مجموع أمور منها اللعن لو مات، ومنها الخلود في النار، وعندنا أن هذا المجموع وهو اللعن وحده، لم قلتم: أنه لا يحصل إلا فيه.

المسألة السادسة: القائلون بأن الكفر من الأسماء الشرعية، وما بقي على الوضع الأصلي وهم المعتزلة احتجوا بقوله تعالى: ﴿ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ والله تعالى وصفهم حال موتهم بأنهم كفار ومعلوم أن الكفر بمعنى الستر والتغطية، لا يبقى فيهم حال الموت، لأن التغطية لا تحصل إلا في حق الحي الفاهم.

المسألة السابعة؛ الآية تدل على جواز التخصيص مع التوكيد، لأنه تعالى قال: ﴿ والناس أَجْمَعِينَ ﴾ مع أنه مخصوص على مذهب من قال: المراد بالناس بعضهم.

وأما قوله تعالى: ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: الخلود اللزوم الطويل، ومنه يقال: أخلد إلى كذا أي لزمه وركن إليه.

المسألة الثانية: العامل في (خالدين) الظرف من قوله (عليهم) لأن فيه معنى الإستقرار للعنة فهو حال من الهاء والميم في عليهم كقولك: عليهم المال صاغرين.

المسألة الثالثة: ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ أي في اللعنة، وقيل في النار إلا أنها أضمرت تفخيماً لشأنها وتهويلاً كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةِ القدر  ﴾ والأول أولى لوجوه: الأول: أن الضمير إذا وجد له مذكور متقدم فرده إليه أولى من رده إلى ما لم يذكر.

الثاني: أن حمل هذا الضمير على اللعنة أكثر فائدة من حمله على النار، لأن اللعنة هو الإبعاد من الثواب بفعل العقاب في الآخرة وإيجاده في الدنيا فكان اللعن يدخل فيه النار وزيادة فكان حمل اللفظ عليه أولى.

الثالث: أن قوله: ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ إخبار عن الحال، وفي حمل الضمير على اللعن يكون ذلك حاصلاً في الحال، وفي حمله على النار لا يكون حاصلاً في الحال، بل لابد من التأويل؛ فكان ذلك أولى، واعلم أنه تعالى وصف هذا العذاب بأمور ثلاثة.

أحدها: الخلود وهو المكث الطويل عندنا، والمكث الدائم عند المعتزلة، على ما تقدم القول فيه في تفسير قوله تعالى: ﴿ بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون  ﴾ .

وثانيها: عدم التخفيف، ومعناه أن الذي ينالهم من عذاب الله فهو متشابه في الأوقات كلها، لا يصير بعض الأوقات أقل من بعض، فإن قيل: هذا التشابه ممتنع لوجوه: الأول: أنه إذا تصور حال غيره في شدة كالعقاب، كان ذلك كالتخفيف منه.

الثاني: أنه تعالى يوفر عليهم ما فات وقته من العذاب ثم تنقطع تلك الزيادة فيكون ذلك تخفيفاً الثالث: أنهم حيثما يخاطبون بقوله: ﴿ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ ﴾ لا شك أنه يزداد غمهم في ذلك الوقت.

(أجابوا عنه) بأن التفاوت في هذه الأمور القليلة، فالمستغرق بالعذاب الشديد لا ينتبه لهذا القدر القليل من التفاوت، قالوا: ولما دلت الآية على أن هذا العقاب متشابه، وجب أن يكون دائماً لأنهم لو جوزوا انقطاع ذلك مما يخفف عنهم إذا تصوروه، وبيان ذلك أن الواقع في محنة عظيمة في الدنيا إذا بشر بالخلاص بعد أيام فإنه يفرح ويسر ويسهل عليه موقع محنته وكلما كانت محنته أعظم، كان ما يلحقه من الروح والتخفيف بتصور الإنقطاع أكثر.

الصفة الثالثة: من صفات ذلك العقاب: قوله: ﴿ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ والإنظار هو التأجيل والتأخير قال تعالى: ﴿ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ  ﴾ والمعنى: إن عذابهم لا يؤجل، بل يكون حاضراً متصلاً بعذاب مثله فكأنه تعالى أعلمنا أن حكم دار العذاب والثواب بخلاف حكم الدنيا فإنهم يمهلون فيها إلى آجال قدرها الله تعالى، وفي الآخرة لا مهلة ألبتة فإذا استمهلوا لا يمهلون، وإذا استغاثوا لا يغاثون وإذا استعتبوا لا يعتبون، وقيل لهم؛ ﴿ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ  ﴾ نعوذ بالله من ذلك والحاصل أن هذه الصفات الثلاثة التي ذكرها الله تعالى للعقاب في هذه الآية دلت على يأس الكافر من الإنقطاع والتخفيف والتأخير.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ يعني الذين ماتوا من هؤلاء الكاتمين ولم يتوبوا، ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم أمواتاً.

وقرأ الحسن: ﴿ والملائكة والناس أجمعون ﴾ ، بالرفع عطفاً على محل اسم الله، لأنه فاعل في التقدير، كقولك: عجبت من ضرب زيد وعمرو، تريد من أن ضرب زيد وعمرو، كأنه قيل: أولئك عليهم أن لعنهم الله والملائكة.

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ والناس أَجْمَعِينَ ﴾ وفي الناس المسلم والكافر.

قلت: أراد بالناس من يعتدّ بلعنه وهم المؤمنون.

وقيل: يوم القيامة يلعن بعضهم بعضاً ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ في اللعنة.

وقيل: في النار إلا أنها أضمرت تفخيماً لشأنها وتهويلاً ﴿ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ من الإنظار أي لا يمهلون ولا يؤجلون، أو لا ينتظرون ليعتذروا.

أولا ينظر إليهم نظر رحمة.

﴿ إله واحد ﴾ فرد في الإلهية لا شريك له فيها ولا يصحّ أن يسمى غيره إلها.

و ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ تقرير للوحدانية بنفي غيره وإثباته ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ المولى لجميع النعم أصولها وفروعها، ولا شيء سواه بهذه الصفة، فإن كلّ ما سواه إمّا نعمة وإما منعم عليه.

وقيل: كان للمشركين حول الكعبة ثلثمائة وستون صنماً، فلما سمعوا بهذه الآية تعجبوا وقالوا: إن كنت صادقاً فأت بآية نعرف بها صدقك فنزلت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ ﴾ أيْ ومَن لَمْ يَتُبْ مِنَ الكاتِمِينَ حَتّى ماتَ ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ ﴾ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِمُ اللَّعْنُ مِنَ اللَّهِ، ومَن يَعْتَدُّ بِلَعْنِهِ مِن خَلْقِهِ.

وقِيلَ الأوَّلُ لَعْنُهم أحْياءً، وهَذا لَعْنُهم أمْواتًا.

وقُرِئَ و « المَلائِكَةُ والنّاسُ أجْمَعُونَ» عَطْفًا عَلى مَحَلِّ اسْمِ اللَّهِ لِأنَّهُ فاعِلٌ في المَعْنى، كَقَوْلِكَ أعْجَبَنِي ضَرْبُ زَيْدٍ وعَمْرٍو، أوْ فاعِلًا لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ نَحْوَ وتَلْعَنُهُمُ المَلائِكَةُ.

﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ أيْ في اللَّعْنَةِ، أوِ النّارِ.

وإضْمارُها قَبْلَ الذِّكْرِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها وتَهْوِيلًا، أوِ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ اللَّعْنِ عَلَيْهِ.

﴿ لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ، أوْ لا يُنْتَظَرُونَ لِيَعْتَذِرُوا، أوْ لا يُنْظَرُ إلَيْهِمْ نَظَرَ رَحْمَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{خالدين} حال من هم في عليهم {فِيهَا} في اللعنة أو في النار إلا أنها أضمرت تفخيماً لشأنها وتهويلاً {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب ولا هم ينظرون}

البقرة (١٦٣ _ ١٦٥)

من الإنظار أي لا يمهلون أو لا ينتظرن ليعتذروا أو لا ينظر

إليهم نظر رحمة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ أيْ: في اللَّعْنَةِ، وهو يُؤَكِّدُ ما تُفِيدُهُ اسْمِيَّةُ الجُمْلَةِ مِنَ الثَّباتِ، وجُوِّزَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى النّارِ، والإضْمارُ قَبْلَ الذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى حُضُورِها في الذِّهْنِ المُشْعِرِ بِالِاعْتِناءِ المُفْضِي إلى التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ، وقِيلَ: إنَّ اللَّعْنَ يَدُلُّ عَلَيْها؛ إذِ اسْتِقْرارُ الطَّرْدِ عَنِ الرَّحْمَةِ يَسْتَلْزِمُ الخُلُودَ في النّارِ خارِجًا وذِهْنًا، والمَوْتَ عَلى الكُفْرِ وإنِ اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ خارِجًا، لَكِنَّهُ لا يَسْتَلْزِمُهُ ذِهْنًا، فَلا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وخالِدِينَ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ في المَرْجِعِ حالٌ مُقارِنٌ لِاسْتِقْرارِ اللَّعْنَةِ لا كَما قِيلَ: إنَّهُ عَلى الثّانِي حالٌ مُقَدَّرَةٌ.

﴿ لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ﴾ : إمّا مُسْتَأْنِفٌ لِبَيانِ كَثْرَةِ عَذابِهِمْ مِن حَيْثُ الكَيْفُ إثْرَ بَيانِ كَثْرَتِهِ مِن حَيْثُ الكَمُّ، وإمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ عَلَيْهِمْ أيْضًا أوْ مِن ضَمِيرِ ( خالِدِينَ ) .

﴿ولا هم يُنْظَرُونَ 162﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ جارٍ فِيهِ ما جَرى فِيهِ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِإفادَةِ دَوامِ النَّفْيِ واسْتِمْرارِهِ، والفِعْلُ إمّا مِنَ الإنْظارِ بِمَعْنى التَّأْخِيرِ - أيْ: لا يُمْهَلُونَ - عَنِ العَذابِ، ولا يُؤَخَّرُونَ عَنْهُ ساعَةً.

وإمّا مِنَ النَّظَرِ بِمَعْنى الِانْتِظارِ - أيْ: لا يَنْتَظِرُونَ - لِيَعْتَذِرُوا، وإمّا مِنَ النَّظَرِ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ - أيْ: لًا يَنْظُرُ اللَّهُ - تَعالى - إلَيْهِمْ نَظَرَ رَحْمَةٍ، والنَّظَرُ بِهَذا المَعْنى يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ أيْضًا كَما في الأساسِ، فَيُصاغُ مِنهُ المَجْهُولُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ، أي ثبتوا على كفرهم حتى ماتوا على ذلك.

أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.

قال الكلبي: يعني لعنة المؤمنين خاصة.

وقال بعضهم: يلعنهم لعنة جميع الناس، لأن من يخالف دينهم يلعنهم في الدنيا، وأهل دينهم يلعنونهم في الآخرة، كما قال في آية أخرى: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [العنكبوت: 25] ثم قال: خالِدِينَ فِيها، أي في اللعنة.

ولعنته: عذاب النار أي ما توجبه اللعنة.

لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ، يعني لا يهون عليهم طرفة عين.

وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ، يعني لا يؤجلون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والإِنْسَ «١» ، وهذان القولانِ لا يقتضيهما اللفظُ، ولا يثبتان إلا بسندٍ يقطعُ العُذْر، ثم استثنى اللَّه سبحانه التائبين.

وَأَصْلَحُوا، أي: في أعمالهم وأقوالهم.

وَبَيَّنُوا، أي: أمر محمّد صلّى الله عليه وسلم.

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ...

الآية: هذه الآية محكمةٌ في الذين وَافَوْا على كفرهم، واختلف في معنى قوله: وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ: والكُفَّار لا يلعنُون أنفسهم.

فقال قتادة، والربيع: المراد ب النَّاسِ: المؤمنون خاصَّة «٢» ، وقال أبو العالية:

معنى ذلك في الآخرة «٣» .

وقوله: خالِدِينَ فِيها، أي: في اللعنة، وقيل: في النار، وعاد الضمير علَيْها، وإِن لم يَجْرِ لها ذكر لثبوتها في المعنى.

وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ، أي: لا يُؤَخَّرون عن العذاب، ويحتمل أن يكون من النّظر ٤١ أنحو قوله تعالى: وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ/ يَوْمَ الْقِيامَةِ [آل عمران: ٧٧] والأول أظهر لأن النظر بالعين إنما يعدَّى ب «إلى» إلا شاذًّا في الشعر.

وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لاَّ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)

وقوله تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ...

الآية: إِعلام بالوحدانيّة.

قال عطاءٌ: لما نزلَتْ هذه الآية بالمدينَةِ، قال كفَّار قريشٍ بمكَّة: ما الدليلُ على هذا، وما آيته، وعلامته «١» ؟

ونحوه عن ابن المُسَيَّب «٢» ، فنزل عنْد ذلك قولُه تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...

الآية، أي: في اختراعها وإنشائها.

وَالنَّهارِ: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يقضي بذلك قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: «إِنَّمَا هُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ، وَسَوَادُ الَّليْلِ» «٣» ، وهذا هو مقتضى الفقْهِ في

الأيْمَانِ ونحوها، وأما على ظاهر اللغة، وأخذه من السعة، فهو من الإِسْفَار، وقال الزَّجَّاج في «كتاب الأنوار» : أَوَّلُ النهارِ ذُرُورُ الشمسِ، قال: وزعم النَّضْرُ بن شُمَيْلٍ «١» أن أول النهار ابتداءُ طلوعِ الشمسِ، ولا يعدُّ ما قبل ذلك من النَّهار.

قال ع «٢» : وقول النبيّ صلّى الله عليه وسلم هو الحَكَم.

وَالْفُلْكِ: السُّفُن، ومفرده وجمعه بلفظ واحد.

وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ يعني به الأمطارَ، وَبَثَّ: معناه: فرق، وبسط، ودَابَّةٍ: تجمع الحيوان كلّه.

وتَصْرِيفِ الرِّياحِ: إِرسالها عقيماً، وملقَّحة وَصِرًّا ونَصْراً وهلاكاً وجنوباً وشَمالاً وغير ذلك، والرِّيَاحُ: جمع ريحٍ، وجاءت في القرآن مجموعةً مع الرحمة، مفردةً مع العذاب، إِلا في «يُونُسُ» في قوله سبحانَه: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [يونس: ٢٢] وهذا، أغلب وقوعها في الكلام، وفي الحديثِ: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إِذَا هَبَّتْ رِيحٌ، يَقُولُ:

اللَّهُمَّ، اجعلها رِيَاحاً، وَلاَ تَجْعَلْهَا رِيحاً» «٣» ، وذلك لأن ريح العذابِ شديدة ملتئمة

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى اللَّعْنَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى النّارِ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ فَقَدْ عُلِمَتْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ ﴾ ﴿ وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهٌ إلا هو الرَحْمَنُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ الناسَ وما أنْزَلَ اللهُ مِنَ السَماءِ مِنَ ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِنَ كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِياحِ والسَحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، مُحْكَمَةٌ في الَّذِينَ وافَوْا عَلى كُفْرِهِمْ، واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ والناسِ أجْمَعِينَ ﴾ وهم لا يَلْعَنُونَ أنْفُسَهُمْ، فَقالَ قَتادَةُ، والرَبِيعُ: المُرادُ بِـ "الناسِ": المُؤْمِنُونَ خاصَّةً.

وقالَ أبُو العالِيَةِ: مَعْنى ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ أنَّ الكَفَرَةَ يَلْعَنُونَ أنْفُسَهم يَوْمَ القِيامَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ذَلِكَ أنَّ الكَفَرَةَ يَقُولُونَ في الدُنْيا: لَعَنَ اللهُ الكافِرِينَ، فَيَلْعَنُونَ أنْفُسَهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والمَلائِكَةُ والناسُ أجْمَعُونَ" بِالرَفْعِ عَلى تَقْدِيرِ: يَلْعَنُهُمُ اللهُ.

واللَعْنَةُ في هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِي العَذابَ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَعْنَةِ، وقِيلَ: عَلى النارِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِثُبُوتِها في المَعْنى، ثُمَّ أعْلَمَ تَعالى بِرَفْعِ وُجُوهِ الرِفْقِ عنهم لِأنَّ العَذابَ إذا لَمْ يُخَفَّفْ ولَمْ يُؤَخَّرْ فَهو النِهايَةُ.

و"يُنْظَرُونَ" مَعْناهُ يُؤَخَّرُونَ عَنِ العَذابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ النَظَرِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ  ﴾ والأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّ النَظَرَ بِالعَيْنِ إنَّما يُعَدّى بِإلى إلّا شاذًّا في الشِعْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهٌ إلا هُوَ ﴾ الآيَةُ إعْلامٌ بِالوَحْدانِيَّةِ، وواحِدٌ في صِفَةِ اللهِ تَعالى مَعْناهُ نَفْيُ المَثِيلِ والنَظِيرِ والنِدِّ.

وقالَ أبُو المَعالِي: هو نَفْيُ التَبْعِيضِ والِانْقِسامِ.

وقالَ عَطاءٌ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالمَدِينَةِ قالَ كَفّارُ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ: ما الدَلِيلُ عَلى هَذا؟

وما آيَتُهُ وعَلامَتُهُ؟

وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: قالُوا: «إنْ كانَ هَذا يا مُحَمَّدُ، فائْتِنا بِآيَةٍ مِن عِنْدِهِ تَكُونُ عَلامَةَ الصِدْقِ، حَتّى قالُوا: اجْعَلْ لَنا الصَفا ذَهَبًا، فَقِيلَ لَهُمْ: ذَلِكَ لَكُمْ، ولَكِنْ إنْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عُذِّبْتُمْ، فَأشْفَقَ رَسُولُ اللهِ  وقالَ: دَعْنِي أدَعْهم يَوْمًا بِيَوْمٍ، فَنَزَلَ عِنْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةُ».

ومَعْنى ﴿ فِي خَلْقِ السَماواتِ ﴾ : في اخْتِراعِها وإنْشائِها، وقِيلَ: المَعْنى أنَّ في خَلْقِهِ أيْ: هَيْئَةِ السَمَواتِ والأرْضِ.

و( اخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ ) مَعْناهُ أنَّ هَذا يُخْلِفُ هَذا، وهَذا يُخْلِفُ هَذا، فَهُما خِلْفَةٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَيْلَ والنَهارَ خِلْفَةً  ﴾ .

وكَما قالَ زُهَيْرٌ: بِها العَيْنُ والأرْآمُ يَمْشِينَ خِلْفَةً وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ وَقالَ الآخَرُ: ولَها بِالماطِرُونَ إذا ∗∗∗ أكَلَ النَمْلُ الَّذِي جَمَعا ∗∗∗ خِلْفَةً حَتّى إذا ارْتَبَعَتْ ∗∗∗ سَكَنَتْ مِن جِلَّقٍ بِيَعا ويَحْتَمِلُ أيْضًا الِاخْتِلافُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُرادَ بِهِ اخْتِلافُ الأوصافِ و"اللَيْلِ" جَمْعُ لَيْلَةٍ، وتُجْمَعُ لَيالِي، وزِيدَتْ فِيها الياءُ كَما زِيدَتْ في كَراهِيَةٍ وفَراهِيَةٍ.

والنَهارُ يُجْمَعُ نُهُرٌ وأنْهِرَةٌ، وهو مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَمْسِ، يَقْضِي بِذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ  لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: «إنَّما هو بَياضُ النَهارِ وسَوادُ اللَيْلِ»، وهَذا هو مُقْتَضى الفِقْهِ في الإيمانِ ونَحْوِها، فَأمّا عَلى ظاهِرِ اللُغَةِ وأخْذِهِ مِنَ السِعَةِ فَهو مِن وقْتِ الإسْفارِ إذا اتَّسَعَ وقْتَ النَهارِ كَما قالَ: مَلَكْتُ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗ يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها وقالَ الزَجّاجُ في كِتابِ الأنْواءِ: أوَّلُ النَهارِ ذُرُورُ الشَمْسِ، قالَ: وزَعَمَ النَضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ أنَّ أوَّلَ النَهارِ ابْتِداءُ طُلُوعِ الشَمْسِ، ولا يُعَدُّ ما قَبْلُ ذَلِكَ النَهارُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُ النَبِيِّ  هو الحُكْمُ.

و"الفُلْكِ" السُفُنُ، وإفْرادُهُ وجَمْعُهُ بِلَفْظٍ واحِدٍ، ولَيْسَتِ الحَرَكاتُ تِلْكَ بِأعْيانِها، بَلْ كَأنَّهُ بَنى الجَمْعَ بِناءً آخَرَ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ تُوَسُّطُ التَثْنِيَةِ في قَوْلِهِمْ: فَلَكانَ، والفُلْكُ المُفْرَدُ.

مُذَكَّرٌ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ  ﴾ .

و ﴿ ما يَنْفَعُ الناسَ  ﴾ هي التِجاراتُ وسائِرُ المَآرِبِ الَّتِي يَرْكَبُ لَها البَحْرَ مِن غَزْوٍ وحَجٍّ.

والنِعْمَةُ بِالفُلْكِ هي إذا انْتَفَعَ بِها، فَلِذَلِكَ خُصَّ ذِكْرُ الِانْتِفاعِ، إذْ قَدْ تَجْرِي بِما يَضُرُّ.

﴿ وَما أنْزَلَ اللهُ مِنَ السَماءِ مِنَ ماءٍ ﴾ يَعْنِي بِهِ الأمْطارَ الَّتِي بِها إنْعاشُ العالِمِ، وإخْراجُ النَباتِ والأرْزاقِ.

"وَبَثَّ" مَعْناهُ: فَرَّقَ وبَسَطَ، و"دابَّةٍ" تَجْمَعُ الحَيَوانَ كُلَّهُ، وقَدْ أخْرَجَ بَعْضُ الناسِ الطَيْرَ مِنَ الدَوابِّ، وقالَ الأعْشى: ......................................

∗∗∗ دَبِيبُ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلٍ وقالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ: ......................................

∗∗∗ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ ﴿ وَتَصْرِيفِ الرِياحِ ﴾ إرْسالُها عَقِيمًا، ومُقْحَةً، وصِرّا، ونَصْرًا، وهَلاكًا، ومِنهُ إرْسالُها جَنُوبًا وشَمالًا، وغَيْرُ ذَلِكَ.

و"الرِياحِ": جَمْعُ رِيحٍ، وجاءَتْ في القُرْآنِ: مَجْمُوعَةً مَعَ الرَحْمَةِ، مُفْرَدَةً مَعَ العَذابِ، إلّا في يُونُسَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ  ﴾ وهَذا أغْلَبُ وُقُوعِها في الكَلامِ.

وَفِي الحَدِيثِ: «كانَ رَسُولُ اللهِ  إذا هَبَّتِ الرِيحُ يَقُولُ: اللهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ رِيحَ العَذابِ شَدِيدَةٌ مُلْتَئِمَةُ الأجْزاءِ، كَأنَّها جِسْمٌ واحِدٌ، ورِيحُ الرَحْمَةِ لَيِّنَةٌ مُتَقَطِّعَةٌ، فَلِذَلِكَ هي رِياحٌ، وهو مَعْنى نُشِرَ.

وأُفْرِدَتْ مَعَ الفُلْكِ، لِأنَّ رِيحَ إجْراءِ السُفُنِ إنَّما هي واحِدَةٌ مُتَّصِلَةٌ، ثُمَّ وُصِفَتْ بِالطِيبِ، فَزالَ الِاشْتِراكُ بَيْنَها وبَيْنَ رِيحِ العَذابِ، وهي لَفْظَةٌ مِن ذَواتِ الواوِ، يُقالُ: رِيحٌ وأرْواحٌ، ولا يُقالُ: أرْياحٌ، وإنَّما قِيلَ: رِياحٌ مِن جِهَةِ الكَسْرَةِ وطَلَبِ تَناسُبِ الياءِ مَعَها.

وقَدْ لَحَنَ في هَذِهِ اللَفْظَةِ عِمارَةُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ بِلالٍ، فاسْتَعْمَلَ الأرْياحَ في شِعْرِهِ، ولَحَنَ في ذَلِكَ، وقالَ لَهُ أبُو حاتِمٍ: إنَّ الأرْياحَ لا تَجُوزُ، فَقالَ: أما تَسْمَعُ قَوْلَهم رِياحٌ؟

فَقالَ أبُو حاتِمٍ: هَذا خِلافُ ذَلِكَ، فَقالَ: صَدَقْتَ ورَجَعَ.

وأمّا القُرّاءُ السَبْعَةُ فاخْتَلَفُوا، فَقَرَأ نافِعٌ: "الرِياحُ" في اثْنَيْ عَشَرَ مَوْضِعًا هُنا، وفي الأعْرافِ: ﴿ يُرْسِلُ الرِياحَ  ﴾ ، وفي إبْراهِيمَ: ( اشْتَدَّتْ بِهِ الرِياحُ )، وفي الحِجْرِ: ﴿ الرِياحَ لَواقِحَ  ﴾ ، وفي الكَهْفِ: ﴿ تَذْرُوهُ الرِياحُ  ﴾ ، وفي الفُرْقانِ: ﴿ أرْسَلَ الرِياحَ  ﴾ ، وفي النَمْلِ: ﴿ وَمَن يُرْسِلُ الرِياحَ  ﴾ ، وفي الرُومِ في مَوْضِعَيْنِ، وفي فاطِرٍ، وفي الجاثِيَةِ، وفي عسق: ( يَسْكُنُ الرِياح )، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ مَوْضِعَيْنِ مِن هَذِهِ بِالإفْرادِ: فِي إبْراهِيمَ، وفي حم عسق، وقَرَؤُوا سائِرَها كَقِراءَةِ نافِعٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالجَمْعِ في خَمْسَةِ مَواضِعَ: هُنا، وفي الحِجْرِ، وفي الكَهْفِ، وفي الرُومِ الحَرْفَ الأوَّلَ، وفي الجاثِيَةِ: ﴿ وَتَصْرِيفِ الرِياحِ ﴾ ، وباقِي ما في القُرْآنِ بِالإفْرادِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ بِالجَمْعِ في مَوْضِعَيْنِ، في الفُرْقانِ، وفي الرُومِ الحَرْفَ الأوَّلَ، وأفْرَدَ سائِرَ ما في القُرْآنِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ كَحَمْزَةَ، وزادَ عَلَيْهِ في الحِجْرِ، ﴿ الرِياحَ لَواقِحَ  ﴾ .

ولَمْ يَخْتَلِفُوا في تَوْحِيدِ ما لَيْسَ فِيهِ ألِفٌ ولامٌ.

"والسَحابُ": جَمْعُ سَحابَةٍ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَنْسَحِبُ، كَما قالُوا: حَبا لِأنَّهُ يَحْبُو، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.

وتَسْخِيرُهُ: بَعَثَهُ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ.

فَهَذِهِ آياتُ أنَّ الصانِعَ مَوْجُودٌ، والدَلِيلُ العَقْلِيُّ يَقُومُ أنَّ الصانِعَ لِلْعالَمِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلّا واحِدًا، لِجَوازِ اخْتِلافِ الِاثْنَيْنِ فَصاعِدًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف كلام لإفادة حال فريق آخر مشارك للذي قبله في استحقاق لعنة الله واللاعنين وهي لعنة أخرى.

وهذا الفريق هم المشركون فإن الكفر يطلق كثيراً في القرآن مراداً به الشرك قال تعالى: ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ [الممتحنة: 10]، وذلك أن المشركين قد قُرنوا سابقاً مع أهل الكتاب قال تعالى: ﴿ ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ﴾ [البقرة: 105] الآية ﴿ وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم ﴾ [البقرة: 118] فلما استؤنف الكلام ببيان لعنة أهل الكتاب الذين يكتمون عُقّب ذلك ببيان عقوبة المشركين أيضاً فالقول في الاستئناف هنا كالقول في الاستئناف في قوله: ﴿ إن الذين يكتمون ﴾ [البقرة: 159] من كونه بيانياً أو مجرداً.

وقال الفخر ﴿ الذين كفروا ﴾ عام وهو شامل للذين يكتمون وغيرهم والجملة تذييل أي لما فيها من تعميم الحكم بعد إِناطته ببعض الأفراد، وجعل في «الكشاف» المراد من ﴿ الذين كفروا ﴾ خصوص الذين يكتمون وماتوا على ذلك وأنه ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم أمواتاً، وهو بعيد عن معنى الآية لأن إعادة وكفروا لا نكتة لها للاستغناء بأن يقال والذين ماتوا وهم كفار، على أنه مستغنى عن ذلك أيضاً بأنه مفاد الجملة السابقة مع استثنائها، واللعنة لا يظهر أثرها إلاّ بعد الموت فلا معنى لجعلهما لعنتين، ولأن تعقيبه بقوله: ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ [البقرة: 163] يؤذن بأن المراد هنا المشركون لتظهر مناسبة الانتقال.

وإنما قال هنا ﴿ والناس أجمعين ﴾ لأن المشركين يلعنهم أهل الكتاب وسائر المتدينين الموحدين للخالق بخلاف الذين يكتمون ما أنزل من البينات فإنما يلعنهم الله والصالحون من أهل دينهم كما تقدم وتلعنهم الملائكة، وعموم (الناس) عرفي أي الذين هم من أهل التوحيد.

وقوله: ﴿ خالدين فيها ﴾ تصريح بلازم اللعنة الدائمة فالضمير عائد لجهنم لأنها معروفة من المقام مثل ﴿ حتى توارت بالحجاب ﴾ [ص: 32]، ﴿ كلا إذا بلغت التراقي ﴾ [القيامة: 26]، ويجوز أن يعود إلى اللعنة ويراد أثرها ولازمها.

وقوله: ﴿ لا يخفف عنهم العذاب ﴾ أي لأن كفرهم عظيم يصدهم عن خيرات كثيرة بخلاف كفر أهل الكتاب.

والإنظار الإمهال، نطره نظرة أمهله، والظاهر أن المراد ولا هم يمهلون في نزول العذاب بهم في الدنيا وهو عذاب القتل إذ لا يقبل منهم إلاّ الإسلام دون الجزية بخلاف أهل الكتاب وهذا كقوله تعالى: ﴿ إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون، يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ﴾ [الدخان: 15، 16] وهي بطشة يوم بدر.

وقيل: ﴿ ينظرون ﴾ هنا من نظر العين وهو يتعدى بنفسه كما يتعدى بإلى أي لا ينظر الله إليهم يوم القيامة وهو كناية عن الغضب والتحقير.

وجيء بالجملة الاسمية لدلالتها على الثبات والاستقرار بخلاف قوله: ﴿ أولئك عليهم لعنة الله ﴾ فالمقصود التجدد ليكونوا غير آيسين من التوبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا ﴾ قِيلَ: هم رُؤَساءُ اليَهُودِ، كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ، وابْنُ صُورِيا، وزَيْدُ بْنُ التّابُوتِ، هُمُ الَّذِينَ كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ.

﴿ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ البَيِّناتِ هي الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  ، والهُدى: الأمْرُ بِاتِّباعِهِ.

والثّانِي: أنَّ البَيِّناتِ والهُدى واحِدٌ، والجَمْعُ بَيْنَهُما تَأْكِيدٌ، وذَلِكَ ما أبانَ عَنْ نُبُوَّتِهِ وهَدى إلى اتِّباعِهِ.

﴿ مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم كُلُّ شَيْءٍ في الأرْضِ مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ إلّا الثَّقَلَيْنِ الإنْسَ والجِنَّ، وهَذا قَوْلُابْنِ عَبّاسٍ والبَراءِ بْنِ عازِبٍ.

والثّانِي: اللّاعِنُونَ: الِاثْنانِ إذا تَلاعَنا لَحِقَتِ اللَّعْنَةُ مُسْتَحِقَّها مِنهُما، فَإنْ لَمْ يَسْتَحِقَّها واحِدٌ مِنهُما رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلى اليَهُودِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ البَهائِمُ، إذا يَبِسَتِ الأرْضُ قالَتِ البَهائِمُ: هَذا مِن أجْلِ عُصاةِ بَنِي آدَمَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، والمَلائِكَةُ يَلْعَنُونَ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.

﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ يَعْنِي بِالإسْلامِ مِن كُفْرِهِمْ ﴿ وَأصْلَحُوا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إصْلاحُ سَرائِرِهِمْ وأعْمالِهِمْ.

والثّانِي: أصْلَحُوا قَوْمَهم بِإرْشادِهِمْ إلى الإسْلامِ.

( وبَيَّنُوا ) يَعْنِي ما في التَّوْراةِ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  ووُجُوبِ اتِّباعِهِ ﴿ فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ والتَّوْبَةُ مِنَ العِبادِ: الرُّجُوعُ عَنِ الذَّنْبِ، والتَّوْبَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى: قَبُولُها مِن عِبادِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ ﴾ وإنَّما شَرَطَ المَوْتَ عَلى الكُفْرِ لِأنَّ حُكْمَهُ يَسْتَقِرُّ بِالمَوْتِ عَلَيْهِ ويَرْتَفِعُ بِالتَّوْبَةِ مِنهُ.

﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ ﴾ واللَّعْنَةُ مِنَ العِبادِ: الطَّرْدُ، ومِنَ اللَّهِ تَعالى: العَذابُ.

﴿ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ( والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعُونَ ) بِالرَّفْعِ، وتَأْوِيلُها: أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنْ يَلْعَنَهُمُ اللَّهُ وتَلْعَنَهُمُ المَلائِكَةُ ويَلْعَنَهُمُ النّاسُ أجْمَعُونَ.

فَإنْ قِيلَ: فَلَيْسَ يَلْعَنُهم جَمِيعُ النّاسِ لِأنَّ قَوْمَهم لا يَلْعَنُونَهُمْ، قِيلَ: عَنْ هَذا جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّعْنَةَ مِن أكْثَرِ النّاسِ يُطْلَقُ عَلَيْها لَعْنَةُ جَمِيعِ النّاسِ، فَغَلَبَ حُكْمُ الأكْثَرِ عَلى الأقَلِّ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ يَلْعَنُهم قَوْمُهم مَعَ جَمِيعِ النّاسِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا  ﴾ .

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا يُخَفَّفُ بِالتَّقْلِيلِ والِاسْتِراحَةِ.

والثّانِي: لا يُخَفَّفُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ والِاحْتِمالِ لَهُ.

﴿ وَلا هم يُنْظَرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يُؤَخَّرُونَ عَنْهُ ولا يُمْهَلُونَ.

والثّانِي: لا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِمْ فَيَرْحَمَهم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ﴾ قال: يعني بالناس أجمعين المؤمنين.

وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: لا يتلاعن إثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما: لعن الله الظالم إلا رجعت تلك اللعنة على الكافر لأنه ظالم، فكل أحد من الخلق يلعنه.

وأخرج عبد بن حميد عن جرير بن حازم قال: سمعت الحسن يقرأها ﴿ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعون ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ خالدين فيها ﴾ يقول: خالدين في جهنم في اللعنة.

وفي قوله: ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ ويقول: لا ينظرون فيعتذرون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ قال: لا يؤخرون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ معنى الخلود: اللزوم أبدًا، ومنه يقال: أخلد إلى كذا، أي: لزمه، وركن إليه (١) ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ ، كقولك: عليهم المال صاغرين (٢) ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا ﴾ ، ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ في سورة آل عمران [الآيات: 87 - 89]، وذكرنا الكلام هناك بأبلغ من هذا.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد: للرجعة ولا للتوبة ولا للمعذرة (٣) (١) ينظر: "المفردات" ص 160.

(٢) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 59، "البحر المحيط" 1/ 462.

(٣) رواه ابن أبي حاتم بمعناه عن الضحاك عن ابن عباس 1/ 272.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ ﴾ أمر محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب التوراة هنا ﴿ اللاعنون ﴾ الملائكة والمؤمنون، وقيل: المخلوقات إلا الثقلين، وقيل: البهائم لما يصيبهم من الجدب لذنوب الكاتمين للحق ﴿ وَبَيَّنُواْ ﴾ : أي شرط في توبتهم أن يبينوا لأنهم كتموا ﴿ والناس أَجْمَعِينَ ﴾ هم المؤمنون فهو عموم يراد به الخصوص، لأن المؤمنين هم الذين يعتد بلعنهم للكافرين، وقيل يلعنهم جميع الناس ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ أي في اللعنة، وقيل في النار ﴿ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾ من أنظر إذا أخر، أي لا يؤخرون عن العذاب ولا يمهلون أو من نظر لقوله: ﴿ لا ينظر إليهم ﴾ إلاّ أن يتعدّى بإلى ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ الواحد له ثلاثة معان كلها صحيحة في حق الله تعالى: أحدها: أنه لا ثاني له فهو نفي للعدد، والآخر: أنه لا شريك له، والثالث: أنه لا يتبعض ولا ينقسم، وقد فسر المراد به هنا في قوله؛ لا إله إلاّ هو.

وأعلم أن توحيد الخلق لله تعالى على ثلاث درجات الأولى: توحيد عامة المسلمين وهو الذي يعصم النفس من الهلك في الدنيا، وينجي من الخلود في النار في الآخرة، وهو نفي اشركاء والأنداد، والصاحبة والأولاد، والأشباه والأضداد.

الدرجة الثانية: توحيد الخاصة، وهو أن يرى الأفعال كلها صادرة من الله وحده ويشاهد ذلك بطريق المكاشفة لا بطريق الاستدلال الحاصل لكل مؤمن، وإنما مقام الخاص في التوحيد يغني في القلب بعلم ضروري لا يحتاج إلى دليل، وثمرة هذا العلم الانقطاع إلى الله والتوكل عليه وحده واطراح جميع الخلق، فلا يرجو إلا الله، ولا يخاف أحداً سواه إذ ليس يرى فاعلاً إلاّ إياه ويرى جميع الخلق في قبضة القهر ليس بيدهم شيء من الأمر، فيطرح الأسباب وينبذ الأرباب، والدرجة الثالثة: ألا يرى في الوجود إلا الله وحده فيغيب عن النظر إلى المخلوقات، حتى كأنها عنده معدومة.

وهذا الذي تسميه الصوفية مقام الفناء بمعنى الغيبة عن الخلق حتى أنه قد يفنى عن نفسه، وعن توحيده: أي يغيب عن ذلك باستغراقه في مشاهدة الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ من يطوع ﴾ بتشديد الطاء والجزم: حمزة وعلي وخلف وزيد ورويس الباقون: بالتاء والتخفيف وفتح الآخر على المضي.

الوقوف: ﴿ شعائر الله ﴾ ج للشرط مع فاء التعقيب ﴿ بهما ﴾ ط لأن التطوع خارج عن موجب كونهما من شعائر الله فكان استئناف حكم ﴿ عليم ﴾ ، ﴿ في الكتاب ﴾ لا لأن "أولئك" خبر "إن" ﴿ اللاعنون ﴾ لا للاستثناء ﴿ أتوب عليهم ﴾ ج لاحتمال الواو للاستئناف والحال ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ لا لأن "خالدين" حال عامله معنى الفعل في اللعنة أي لعنهم الله حتى قرأ الحسن ﴿ والملائكة ﴾ وما بعده بالرفع ﴿ فيها ﴾ ج لأن ما بعده حال بعد حال واستئناف إخبار ﴿ ينظرون ﴾ ه.

التفسير: إن في تعليق الآية بما قبلها وجوهاً منها: أن السعي بين الصفا والمروة من شرائع إبراهيم  كما مر في قصة هاجر، فذكر عقيب تحويل القبلة الذي فيه إحياء شرع إبراهيم.

ومنها أنه من آثار هاجر وإسماعيل، وفيه تذكير لما جرى عليهما من البلوى وحسن عاقبتهما، فناسب أن يردف آية الابتلاء ليعلم أن من صبر على البلوى نال الدرجة العليا في الدنيا والعقبى.

ومنها أن أقسام التكاليف ثلاثة: أولها ما يهتدي العقل إلى حسنه كشكر المنعم وذكره وأشير إلى ذلك بقوله ﴿ فاذكروني أذكركم واشكروا لي  ﴾ وثانيها ما ركز في العقول قبحه والنفور عنه كالآلام والفقر والمحن فإنه تعالى يتألم منه إلا أن الشرع لما ورد به وبين الحكمة فيه وهي الابتلاء والامتحان فحينئذ يعتقد المسلم حسنه وكونه حكمة وصواباً وذلك قوله ﴿ ولنبلونكم  ﴾ الآية، وثالثها ما ليس يهتدي العقل إلى حسنه ولا إلى قبحه بل يراه كالعبث الخالي عن المنفعة والمضرة فيأتي به تعبداً محضاً وهو أكثر أفعال الحج من السعي ورمي الجمار ونحوهما، فذكرت طرق من هذا القسم عقيب القسمين الأولين تتميماً للأحكام واستيفاءً لجميع الأقسام.

والصفا والمروة هكذا باللام علمان للجبلين المعروفين بمكة - زادها الله شرفاً.

والصفاة في اللغة صخرة ملساء وفي المثل "ما تندى صفاته" والجمع صفا مقصور وأصفاء وصفي على "فعول" وإذا نعتوا الصخرة قالوا "صفاة صفواء" وإذا ذكروا قالوا "صفا صفوان" قال  ﴿ كمثل صفوان عليه تراب  ﴾ وعن الأصمعي: المرو حجارة بيض براقة يقدح منها النار، الواحدة مروة.

والشعائر جمع شعيرة وهي العلامة.

وذلك أن السعي بين الجبلين من أعلام دين الله، أوهما من متعبداته.

وقد شرعه الله تعالى لأمة محمد  ولإبراهيم  قبل ذلك كما مر قوله ﴿ وأرنا مناسكنا  ﴾ وليس السعي عبادة تامة في نفسه وإنما يصير عبادة إذا كان بعضاً من أبعاض الحج فلهذا قرن بقوله ﴿ فمن حج البيت أو اعتمر ﴾ والحج لغة القصد.

رجل محجوج أي مقصود وهو أيضاً كثرة الاختلاف والتردد، وحج فلان فلاناً إذا أطال الاختلاف إليه.

ثم غلب استعماله في القصد إلى مكة للنسك.

والحاج يأتي البيت أولاً ليعرفه ثم يعود إليه للطواف ثم ينصرف إلى منى ثم يعود إليه لطواف الزيارة ثم يعود إليه لطواف الصدر.

ومنه محجة الطريق لكثرة تردد الناس فيها.

والاعتمار لغة الزيارة.

فالمعتمر يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ثم ينصرف كالزائر يزور ثم ينصرف.

والعمرة اسم من الاعتمار غلبت على النسك المعروف.

والجناح الحرج والإثم من قولهم "جنح لكذا" أي مال إليه، كأن صاحبه مال إلى الباطل.

أو لأن الناس يميلون إلى صاحبه بالمطالبة ثم قوله ﴿ لا جناح عليه ﴾ يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح.

وظاهر الآية لا يدل على أحد الثلاثة بالتعيين فلهذا اختلف العلماء في أن السعي واجب أم لا، متمسكين بدلائل أخر.

فعن الشافعي أنه ركن ولا يقوم الدم مقامه لقوله  "إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا" وليس المراد منه العدو بل الجد والاجتهاد في ذلك المشي بحيث لا يفوت لقوله  ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله  ﴾ ولما ثبت أنه  سعى فيجب علينا اتباعه لقوله  ﴿ واتبعوه ﴾ ولقوله  "خذوا عني مناسككم" والأمر للوجوب.

وعن أبي حنيفة أنه ليس بركن ولكنه واجب وعلى تاركه دم.

وعن ابن الزبير وابن عباس وأنس: أنه تطوع وليس على تاركه شيء لأن رفع الحرج دليل الإباحة لقوله بعد ذلك ﴿ ومن تطوع خيراً ﴾ أجاب الشافعي بما يروى أنه كان على الصفا أساف وعلى المروة نائلةٍ وهما صنمان.

كانا رجلاً وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين فوضعا عليهما ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عبدا من دون الله فكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية وأن يكون عليهم جناح في ذلك فرفع عنهم الجناح.

فالإباحة تنصرف إلى وجود الصنمين حال السعي لا إلى نفس السعي كما لو كان على الثوب نجاسة يسيرة عند أبي حنيفة، أو دم البراغيث عندنا، فيقال: لا جناح عليك أن تصلي فيه.

فإن رفع الجناح ينصرف إلى مكان النجاسة لا غلى نفس الصلاة، ولهذا قال عروة لعائشة: أرى أنه ما على أحد من جناح أن يطوف بالصفا والمروة، قالت: بئسما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت على ما أولتها كانت "لا جناح عليه أن يطوّف بهما" وأصل "يطوف" "يتطوف" فأدغم كمن قرأ "يطوع" بالتشديد وأصله "يتطوع" والتطوع ما ترغب من ذات نفسك من غير إيجاب عليك.

ومن قال: إن السعي واجب فسر هذا التطوع بالسعي الزائد على قدر الواجب.

وعن الحسن: المراد منه جميع الطاعات.

وهذا أولى لعموم اللفظ ﴿ فإن الله شاكر ﴾ ، أي مجازيهم على الطاعة سمي جزاء الطاعة شكراً تشبيهاً بجزاء النعمة، وفيه تلطف العباد مثل ﴿ من ذا الذي يقرض الله  ﴾ كأنه يقول: إني وإن كنت غنياً عن طاعتك إلا أني أجعل لها من الموقع ما لو صح عليّ أن أنتفع بها لما ازداد وقعه على ما حصل.

﴿ عليم ﴾ بالسرائر فيوفي كل ذي حق حقه.

وهو وعد ليناسب قرنية الشكر وإن كان أيضاً يحتمل التحذير من الإخلال بوظائف الإخلاص في العبادة ﴿ إن الذين يكتمون ﴾ كلام مستأنف يتناول كل من كتم شيئاً من الدين.

وقيل: هم أهل الكتاب.

وقيل: اليهود خاصة لما روي عن ابن عباس أن جماعة من الأنصار سألوا نفراً من اليهود عما في التوراة من صفته  ومن الأحكام فكتموا فنزلت، والأول أولى لعموم اللفظ، ولأن خصوص السبب لا يوجب خصوص الحكم، ولأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فلا ريب أن كتمان الدين يناسب استحقاق اللعن من الله  فيعم الحكم حسب عموم الوصف.

ولا يخفى أنَّ القرآن قبل صيرورته متواتراً يمكن كتمانه، والمجمل من القرآن إذا كان بيانه بخبر الواحد يجري فيه الكتمان.

وكذا القول فيما يحتاج إليه المكلف من الدلائل العقلية، ولأن جماعة من الصحابة حملوه على العموم.

عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمداً  كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية على الله والله  يقول ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات ﴾ فحملت الآية على العموم.

وعن أبي هريرة قال: لولا آيتان من كتاب الله ما حدثت حديثاً بعد أن قال الناس: أكثر أبو هريرة وتلا ﴿ إن الذين يكتمون ﴾ قال بعض المحققين: الكتمان ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه وحصول الداعي إلى إظهاره لأنه متى لم يكن كذلك لا يعد كتماناً.

فلما كان ما أنزل الله من البينات والهدى من أشد ما يحتاج إليه في الدين، وصف من علمه ولم يظهره بالكتمان كما يوصف أحدنا في أمور الدنيا بالكتمان إذا كانت مما تقوى الدواعي على إظهارها.

وعلى هذا الوجه يمدح من يقدر على كتمان السر لأن الكتمان مما يشق على النفس.

وفي الآية دليل على أن ما يتصل بالدين ويحتاج إليه المكلف لا يجوز أن يكتم، ومن كتمه فقد عظمت خطيئته، والمراد بالبينات كل ما أنزله على الأنبياء كتاباً ووحياً دون أدلة العقل.

والهدى يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية، لأن الهدى الدلالة فيعم الكل.

وبعبارة أخرى الأول هو التنزيل، والثاني ما يقتضيه التنزيل من الفوائد.

ولقوله ﴿ من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ﴾ فيشمل كون خبر الواحد والإجماع والقياس حجة لأن الكتاب دل على هذه الأمور.

وهذا الإظهار فرض على الكفاية لا على التعيين، لأنه إذا أظهره البعض صار بحيث يتمكن كل أحد من الوصول إليه ولم يبق مكتوماً، وإذا خرج عن حد الكتمان لم يجب على الباقين إظهاره مرة أخرى.

وقيل: لم لا يجوز أن يكون كل واحد منهياً عن الكتمان مأمور بالبيان ليكثر المخبرون فيتواتر الخبر؟

وأجيب بأن هذا غلط لأنهم ما نهوا عن الكتمان، إلا وهم فمن يجوز عليهم الكتمان ومن جاز منهم التواطؤ على الوضع والافتراء، فلا يكون خبرهم موجباً للعلم.

ومن الناس من يحتج بالآية على وجوب قبول خبر الواحد لأن وجوب الإظهار دل على وجوب العمل بالذي أظهر لا سيما وقد قال ﴿ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا ﴾ فحكم بوقوع البيان بخبرهم.

واستدل بالآية أيضاً على عدم جواز أخذ الأجرة على التعليم لأنها دلت على وجوب التعليم ولا أجرة على أداء الواجب.

وقيل في الكتاب أي في التوراة والإنجيل من نعت الرسول ومن الأحكام.

والمعنى أنا لخصناه بحيث لم ندع فيه موضع إشكال فعمدوا إلى ذلك المبين الملخص فكتموه ولبسوا على الناس.

وقيل: أراد بالمنزل الأول كتب الأولين وبالهدى القرآن ﴿ أولئك ﴾ تبعيد لهم عن درجة الاعتبار ﴿ يلعنهم الله ﴾ يبعدهم عن كل خير ﴿ ويلعنهم ﴾ يدعو عليهم باللعن ﴿ اللاعنون ﴾ الذين يتأتى منهم اللعن ويعتدّ بلعنهم من الملائكة وصالحي الثقلين.

وقيل: يدخل فيهم دواب الأرض وهوامها فإنها تقول: منعنا القطر بشؤم معاصي بني آدم.

واللاعنون دون اللاعنات تغليب للعقلاء: وإذا قيل: هم الهوام فقط فالتذكير لأنه  وصفهم بصفات العقلاء مثل ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين  ﴾ ﴿ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم  ﴾ ﴿ وقالوا لجلودهم لم شهدتم  ﴾ وقيل: كل شيء سوى الثقلين بتقدير أنها لو كانت عاقلة كانت تلعنهم، أو لأنها في الآخرة إذا أعيدت وجعلت من العقلاء فإنها تلعن من فعل ذلك في الدنيا ومات عليه.

وقيل: إن أهل النار يلعنونهم أيضاً لأنهم كتموهم الدين ﴿ كلما دخلت أمة لعنت أختها  ﴾ وعن ابن مسعود: إذا تلاعن المتلاعنان وقعت اللعنة على المستحق، فإن لم يكن مستحق رجعت على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله  .

وعن ابن عباس: أن لهم لعنتين: لعنة الله ولعنة الخلائق.

قال: وذلك إذا وضع الرجل في قبره فيسأل ما دينك ومن نبيك ومن ربك؟

فيقول: لا أدري.

فيضرب ضربة يسمعها كل شيء إلا الثقلين فلا يسمع شيء صوته إلا لعنه ويقول له الملك: لا دريت ولا تليت ﴿ إلا الذين ﴾ استثناء منهم، وفيه من الرحمة ما فيه.

وقد مر أن التوبة عبارة عن الندم على فعل القبيح لقبحه لا لغرض سواه، فإن من ترك رد الوديعة ثم ندم لأن الناس لاموه أو لأن الحاكم رد شهادته لم يكن تائباً ﴿ وأصلحوا ﴾ ما أفسدوا من أحوالهم وتداركوا ما فرط منهم ﴿ وبينوا ﴾ ما كتموه أو بينوا للناس ما أحدثوه من توبتهم ليعرفوا بضد ما كانوا يعرفون به ويقتدى بهم غيرهم من المفسدين ﴿ فأولئك أتوب عليهم ﴾ أقبل توبتهم بأن أسقط عنهم تجملاً وأضع مكانه الثواب تفضلاً بدلالة قوله ﴿ وأنا التواب الرحيم إن الذين كفروا وماتوا ﴾ عام في كل من كان كذلك.

وقيل: مخصوص بهؤلاء الكاتمين.

ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم أمواتاً إذا لم يتوبوا على هذا القول يكون إطلاق الكفر عليهم - وهم من أصحاب الكبائر - مجازاً تغليظاً، أو يراد بالكفر جحود الحق وستره.

والمراد بالناس اللاعنين من يعتد بلعنه وهم المؤمنون أجمعون، وقيل: يوم القيامة يلعن بعض الكفار بعضاً فيعم المؤمن والكافر.

وقيل: لعن الجاهل والظالم مقرر في العقول حتى إن الظالم قد يلعن نفسه إذا تأمل في حاله.

وقيل: وقوع اللعن محمول على استحقاق اللعن، على من مات كافراً وإن زال التكليف عنه بالموت على أن الكافر إذا جن لم يكن زوال التكليف عنه بالجنون مسقطاً للعنه والبراءة منه، وكذلك سبيل ما يوجب المدح والموالاة من الإيمان والصلاح إذا مات صاحبه أو جن لا يغير حكمه عما كان عليه قبل حدوث الحال.

وفي الآية دليل على أن الأمور بخواتيمها، وأنه إذا كفر ومات لا على الكفر لم يكن ملعوناً ضرورة انتفاء المشروط بانتفاء الشرط ﴿ خالدين فيها ﴾ في اللعنة.

وقيل: في النار.

وأضمرت وإن لم يجر لها ذكر تفخيماً لشأنها وتهويلاً لمكانها.

والأول أولى لتقدم ذكره لفظاً، ولأن اللعنة تشمل النار وزيادة، ولأنها تصح في الحال والمآل جميعاً بخلاف النار فإنها في الاستقبال.

فمن فسر "الذين كفروا" بالكاتمين وجوّز الخلاص على صاحب الكبيرة فسر الخلود بالمكث الطويل وقد سلف مثل ذلك ﴿ لا يخفف عنهم العذاب ﴾ بل يتشابه في الأوقات باقياً على المبلغ الذي أتيح له حسب ما استحقه ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ إذا استنظروا من الإنظار الإمهال، أو لا ينظرون ليعتذروا، أو لا ينظر إليهم نظر رحمة أعاذنا الله  من تلك الحالة بعميم فضله وجسيم طوله.

التأويل: الصفا للسر، والمروة للروح، والسالك بينهما يسعى.

ففي صفا السر يقطع التعلقات عن الكونين وهو التعظيم لأمر الله، وفي مروة الروح يوصل الخير إلى أهله وعياله ونفسه لمراقبة أحوال الباطن ومزاولة أعمال الظاهر وهو الشفقة على خلق الله، ومعنى سبع مرات أن تصل بركات سعيه إلى سبعة آرابه في الظاهر وإلى سبعة أطواره في الباطن وإلى سبعة أقاليم العالم لقوله  ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى  ﴾ .

ومن كمال رأفته بأهل محبته أن جعل آثار أقدامهم أشرف الأمكنة، وساعات أيامهم أعز الأزمنة.

فإلى تلك المعاهد والأطلال تشد الرحال، وتلك المشاهد والآثار تعظم وتزار.

أهوى هواها لمن قد كان ساكنها *** وليس في الدار لي هم ولا وطر حسبي الله ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ ﴾ .

قيل: ﴿ ٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ هي الحجج، أي كتموا ما أنزل الله من الحجج التي كانت في كتبهم.

وقيل: كتموا ما بين في كتبهم من نعت محمد  وصفته.

وجائز أن يكون ﴿ ٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ ما بين للخلق مما عليهم أن يأتوا ويتقوا من الأحكام من الحلال والحرام.

وقوله: ﴿ وَٱلْهُدَىٰ ﴾ .

قيل: الصواب والرشد.

وقيل: ﴿ وَٱلْهُدَىٰ ﴾ ما جاءت به أنبياؤهم من شأن محمد  [ودينه وأمروا من هديه من تصديقه وقيل: كتموا الإسلام ومن دين الله كتموا محمداً  ]، وهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل.

[وقوله: ﴿ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ ﴾ اختلف في الناس.

قيل: هم اليهود كتموا بعد ما بين لهم].

وقيل: بينا للمؤمنين ما كتمهم اليهود من نعته ودينه.

ويحتمل: البيان بالحجج والبراهين.

ويحتمل: البيان بالخبر، أخبر المؤمنين بذلك.

وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، قال بعض أهل الكلام: اللعن: هو الشتم من الله  ، لكنا لا نستحسن إضافة لفظ الشتم إليه؛ لأن المضاف إليه الشتم يكون مذموماً به في المعروف مما جبل عليه الخلق.

ونقول: اللعن: هو الطرد في اللغة، طردهم الله عز وجل عن أبواب الخير.

وقوله: ﴿ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ ﴾ ، يعني الداعين عليهم باللعن، سموا بذلك "اللاعنين".

ويحتمل: تستبعدهم عن الخيرات وأنواع البر.

وقيل: ﴿ ٱللاَّعِنُونَ ﴾ هم البهائم، إذا قحطت السماء، وأسنت الأرض قالت البهائم: منعنا القطر بذنوب بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم.

وقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ ﴾ .

قيل: ﴿ تَابُواْ ﴾ عن الشرك، و ﴿ وَأَصْلَحُواْ ﴾ أعمالهم فيما بينهم وبين ربهم، ﴿ وَبَيَّنُواْ ﴾ صفة محمد  .

وقيل: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ ﴾ عن الكتمان، و ﴿ وَأَصْلَحُواْ ﴾ ما أفسدوا بالكتمان، ﴿ وَبَيَّنُواْ ﴾ ما كتموا.

وقوله: ﴿ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ .

قيل: يتوب عليهم: يقبل توبة من يتوب.

وقيل: يتوب عليهم، أي: يوفقهم على التوبة.

وقيل: ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ : هو المتجاوز عن ذنبهم في هذا الموضع.

وقيل: الكاشف عن كربهم.

وقوله: ﴿ إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ .

قيل: لعنة الله، هو إدخاله إياهم النار وإخلادهم فيها.

ولعنة الملائكة قوله: ﴿ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ  ﴾ جواباً لما سألوهم من تخفيف العذاب، كقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾ \[المؤمنون: 107\]، فتقول لهم الملائكة: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ \[المؤمنون: 108\]، هذا ما قيل من لعنة الملائكة.

وقيل: لعنة الناس أجمعين، أنهم لما طلبوا من أهل الجنة الماء بقوله: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ هذا لعنة الناس.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾ .

قيل: لا يقالون ولا يردون إلى ما تمنوا، كقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ  ﴾ .

وقيل: لا ينظرون ولا يؤجلون.

وقيل: لا يناظرهم خزان النار بالعذاب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ملازمين هذه اللعنة، لا يُخَفف عنهم العذاب، ولو يومًا واحدًا، ولا يُمْهلون يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir" id="91.0mMgo"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كان علماء أهل الكتاب يكتمون بعض ما في كتبهم بعدم ذكر نصوصه للناس عند الحاجة إليه أو السؤال عنه كالبشارات بالنبي  وصفاته، وكحكم رجم الزاني الذي ورد ذكره في سورة المائدة، ويكتمون بعضه بتحريف الكلم عن مواضعه بالترجمة أو النطق أو حمله على غير معاينه بالتأويل إتباعًا لأهوائهم، كما فعلوا بلفظ "الفارقليط"، ففضحهم الله تعالى بهذه الآيات التي سجلت عليهم وعلى أمثالهم اللعنة العامة الدائمة، قال ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ  ﴾ .

هذه الآية عود إلى أصل السياق وهو معاداة النبي ومعاندته من الكفار عامة ومن اليهود خاصة، والكلام في القبلة إنما كان في معرض جحودهم وعداوتهم أيضًا، وجاء فيه أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وأن فريقًا منهم يكتمون الحق وهم يعلمون، ولم يذكر هناك وعيد هؤلاء الكاتمين لان ذكر الكتمان ورد مورد الاحتجاج عليهم، وتسلية للنبي والمؤمنين على إيذائهم، ثم عاد هنا فذكره، وهو عبارة عن إنكارهم إخبار أنبيائهم عنه وبشارتهم به  ، وجعلهم ذلك حجة سلبية على إنكار نبوته، إذ كانوا يقولون: إن الأنبياء يبشر بعضهم ببعض ولم يبشروا بأن سيبعث نبي من العرب أبناء إسماعيل، ولم يجيء بيان في كتبهم عن دينه وكتابه.

فالله تعالى يقول: إنهم يكتمون ما أنزل الله في شأن محمد  من بعد ما بينه لهم في الكتاب، وهو اسم جنس يشمل جميع كتب الأنبياء عندهم.

وقد اختلف الناس في صفة هذا الكتمان فقال بعضهم أنهم كانوا يحذفون أوصافه والبشارات فيه من كتبهم، وهو غير معقول، إذ لا يمكن أن يتواطأ أهل الكتاب على ذلك في جميع الأقطار، ولو فعله الذين كانوا في بلاد العرب لظهر اختلاف كتبهم مع كتب إخوانهم في الشام وأوروبة مثلًا.

ويذهب آخرون إلى أن الإنكار كان بالتحريف والتأويل وحمل الأوصاف التي وردت فيه والدلائل التي تثبت نبوته على غيره حتى إذا سئلوا: هل لهذا النبي ذكر في كتبكم؟

قالوا: لا.

على أن في كتبهم أوصافًا لا تنطبق إلا على نبي في بلاد العرب وأظهرها ما في التوراة وكتاب"أشعيا"فإنه لا يقبل التأويل إلا بغاية التحمل والتعسف.

وكذلك فعلوا بالدلائل على نبوة المسيح فإنهم أنكروا انطباقها عليه وزعموا إنها لغيره، ولا يزالون ينتظرون ذلك الغير.

وقد بيّن الله تعالى في هذه الآية أنهم لم يقتصروا على كتمان الشهادة للنبي  بالتأويل بل كتموا ما في الكتاب من الهدى والإرشاد بضروب التأويل أيضًا حتى أفسدوا الدين وانحرفوا بالناس عن صراطه وذكر جزاءهم فقال ﴿ أُولَٰئِكَ  ﴾ أي الذين كتموا البيانات والهدى فحرموا النور السابق والنور اللاحق، أو الذين شانهم هذا الكتمان في الحال والاستقبال ﴿ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ  ﴾ أما لعن الله لهم فهو حرمانهم من رحمته الخاصة بالمؤمنين في الدنيا والآخرة.

وأما لعن اللاعنين لهم فليس معناه أنه ينبغي أن يطلب لعنهم، وإنما معناه أنهم بفعلتهم هذه موضع لعنة اللاعنين الآتي ذكرهم في الآية الآتية ﴿ إِلا الَّذِينَ تَابُوا  ﴾ عن الكتمان ﴿ وَأَصْلَحُوا  ﴾ عملهم بالأخذ بتلك البيانات عن النبي ودينه والهدى الذي جاء به ﴿ وَبَيَّنُوا  ﴾ ما كانوا يكتمونه أو بينوا إصلاحهم، وجاهروا بعملهم الصالح وأظهروه للناس، فان بعض الناس يعرف الحق، ويعمل به ولكنه يكتم عمله ويسره موافقة للناس فيما هم لئلا يعيبوه، وهذا ضرب من الشرك الخفي وإيثار الخلق على الحق، لذلك اشترط في توبتهم إظهار إصلاحهم والمجاهرة بأعمالهم ليكونوا حجة على المنكرين، وقدوة صالحة لضعفاء التائبين.

﴿ فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ  ﴾ أي أرجع وأعود عليهم بالرحمة والرأفة، بعد الحرمان المعبر عنه باللعنة.

وهذا من ألطف أنواع التأديب الإلهي، فإنه لم يذكر أنه يقبل توبتهم كما هو الواقع، بل أسند إلى ذاته العلية فعل التوبة الذي أسنده إليهم، وزاد على ذلك من تأنيسهم وترغيبهم أن قال ﴿ أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  ﴾ يصف نفسه سبحانه بكثرة الرجوع والتوبة، للإيذان بالتكرار، كلما أذنب العبد وتاب، حتى لا ييأس من رحمة ربه، إذا هو عاد إلى ذنبه.

فأي ترغيب في ذلك أبلغ من هذا وأشد تأثيرًا منه لمن يشعر ويعقل؟

ثم إن العبرة في الآية هي إن حكمها عام وإن كان سببها خاصًا، فكل من يكتم آيات الله وهدايته عن الناس فهو مستحق لهذه اللعنة.

ولما كان هذا الوعيد وأشباهه حجة على الذين لبسوا لباس الدين من المسلمين وانتحلوا الرئاسة لأنفسهم بعلمه، حاولوا التفصي منه، فقال بعضهم: إن الكتمان لا يتحقق إلا إذا سئل العالم عن حكم الله تعالى فكتمه، وأخذوا من هذا التأويل قاعدة هي أن العلماء لا يجب عليهم نشر ما أنزل الله تعالى ودعوة الناس إليه وبيانه لهم، وإنما يجب على العالم إن يجيب إذا سئل عما يعلمه، وزاد بعضهم إذا لم يكن هناك عالم غيره وإلا كان له أن يحيل على غيره.

وهذه القاعدة مسلمة عند أكثر المنتسبين إلى العلم اليوم وقبل اليوم بقرون، وقد ردها أهل العلم الصحيح فقالوا: إن القرآن الكريم لم يكتف بالوعيد على الكتمان، بل أمر ببيان هداه للناس، وبالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأوعد من يترك هذه الفريضة وذكر لهم العبر فيما حكاه عن الذين قصروا فيها من قبل كقوله تعالى ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ  ﴾ إلخ وقوله ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ  ﴾ -إلى قوله في المتفرقين عن الحق- ﴿ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ وقوله ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ  ﴾ -إلى قوله في عصيانهم الذي هو سبب لعنتهم- ﴿ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ  ﴾ إلخ فأخبر تعالى أنه لعن الأمة كلها لتركهم التناهي عن المنكر.

نعم إن هذا فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولكن لا يكفي في كل قطر واحدٌ كما قال بعض الفقهاء، بل لا بد أن تقوم به أمة من الناس كما قال الله تعالى، لتكون لهم قوة ولنهيهم وأمرهم تأثير.

وذهب بعض المؤولين مذهبًا آخر هو أن هذا الوعيد مخصوص بالكافرين، فترك المؤمن فريضة من الفرائض كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكسر لا يستحق به وعيد الكافرين فليحقه بالكفار.

وهذا كلام قد ألفته الأسماع، وأُخذ بالتسليم واستعمل في الإفحام والإقناع، فإن الذي يسمعه على علاته يرى نفسه ملزمًا برمي تاركي الأمر بالمعروف والدعوة إلى الخير والنهي عن المنكر بالكفر، وذلك مخالف للقواعد التي وضعوها للعقائد فلا يستطيع أن يقول ذلك.

ولكنه إذا عرض على الله في الآخرة وعلى كتابه في الدنيا يظهر أنه لا قيمة له، وإذا بحثت فيه يظهر له أن الذي يرى حرمات الله تنتهك أمام عينيه، ودين الله يداس جهارًا بين يديه، ويرى البدع تمحو السنن، والضلال يغشي الهدى، ولا ينبض له عرق ولا ينفعل له وجدان، ولا يندفع لنصرته بيد ولا بلسان، هو هذا الذي إذا قيل له إن فلانًا يريد أن يصادرك في شيء من رزقك "كالجراية مثلًا" أو يحاول أن يتقدم عليك عند الأمراء والحكام، تجيش في صدره المراجل، ويضطرب باله، ويتألم قلبه، وربما تجافى جنبه عن مضجعه، وهجر الرقادُ عينيه، ثم إنه يجد ويجتهد ويعمل الفكر في استنباط الحيل وإحكام التدبير لمدافعة ذلك الخصم أو الإيقاع به، فهل يكون لدين الله تعالى في نفس مثل هذا قيمته؟

وهل يصدق أن الإيمان قد تمكن من قلبه، البرهان عليه قد حكم عقله، والإذعان إليه قد أثلج صدره؟

يسهل على من نظر في بعض كتب العقائد التي بنيت على أساس الجدل أن يجادل نفسه ويغشها بما يسليها به من الأماني التي يسميها إيمانًا، ولكنه لو حاسبها فناقشها الحساب ورجع إلى عقله ووجدانه لعلم أنه اتخذ إلهه هواه، وأنه يعبد شهوته من دون الله، وأن صفات المؤمنين التي سردها الكتاب سردًا، وأحصاها عدًا، -وأظهرها بذل المال والنفس في سبيل الله ونشر الدعوة وتأييد الحق- كلها بريئة منه، وأن صفات المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم كلها راسخة فيه.

فليحاسب امرؤ نفسه قبل أن يحاسب، وليتب إلى الله قبل حلول الأجل، لعله يتوب عليه وهو التواب الرحيم.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ تقدم في الآية السابقة استحقاق اللعن للكافرين بكتمان الحق، واستثنى منهم الذين يتوبون، ثم ذكر في هذه الآية وما بعدها بيان أولئك الملعونين وشرط استحقاق اللعن الأبدي الذي يلزمه الخلود في دار الهوان وهو أن يموتوا على كفرهم فأولئك تسجل عليهم اللعنة ويخلدون فيها لا تنفعهم معها شفاعة ولا وسيلة.

قال بعض المفسرين: إن المراد بالناس هنا المؤمنون كأن غيرهم ليسوا من الناس، وحجتهم أن حمله على ظاهره وهو العموم لا يصدق على أهل دين أولئك الكفار ومذاهبهم فإنهم لا يلعنونهم...

وهو احتجاج ضعيف، فإن أهل مذاهبهم إذا كانوا لا يلعنون الأشخاص الذين يعرفونهم منهم، فهم إذا شرحت لهم أحوالهم في كفرهم وإصرارهم على غيهم، وإعراضهم عن سعادتهم، وحال الداعي إلى الحق معهم، وذكر لهم كيف يشاقونه ويعاندونه، فهم يلعنونهم أو يرونهم محلًا للعنة ومستحقين لأشد العقوبة، فإن المراد أن هؤلاء الكافرين المصرين على كفرهم إلى الموت أهل اللعنة وموضوع لها من الله ومن عالم الملائكة الروحانيين، ومن الناس أجمعين، فإن الكافر من الناس إذا ذكر له الكفر وأهله وعنادهم واستكبارهم عن الحق لعنهم، ولكنه قد يخطئ في حمل صفات الكفر على أصحابها.

والنكتة في ذكر لعنة الملائكة والناس مع أن لعنة الله وحده كافية في خزيهم ونكالهم، هي بيان إن جميع من يعلم حالهم من العوالم العلوية والسفلية يراهم محلًا للعنة الله ومقته، فلا يرجى أن يرأف بهم رائف، ولا إن يشفع لهم شافع، لان اللعنة صبت عليهم باستحقاق عند جميع من يعقل ويعلم.

ومن حرمه سوء سعيه من رحمة الرؤوف الرحيم فماذا يرجو من سواه؟

﴿ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ  ﴾ أي ماكثين في هذه اللعنة وما تقتضيه من شدة العذاب، لا يخرجون منها ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا هم ينظرون أي يمهلون من"الإنظار"ليتوبوا ويصلحوا، أو لا ينظر إليهم نظر مغفرة ورحمة، وقالوا إن الخلود في اللعنة عبارة عن الخلود في أثرها وهو النار بقرينة ﴿ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد