تفسير سورة البقرة الآيات ٣٨-٣٩ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ٣٨-٣٩

قُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ مِنْهَا جَمِيعًۭا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًۭى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٣٨ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٣٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

أمرهم الله تعالى بالهبوط مرتين فالأولى بيان حالهم في أنفسهم بعد الهبوط من تلك الجنة أو الخروج من ذلك الطور وهو أن حالهم تقتضي العداوة والاستقرار في الأرض والتمتع بها، وعدم الخلود فيها، والثانية بيان لحالهم من حيث الطاعة والمعصية وآثارها، وهي أن حالة الإنسان في هذا الطور لا تكون عصيانًا مستمرًا شاملًا، ولا تكون هدى واجتباء عامًا -كما كان يفهم لو اقتصر على ذكر توبة الله على آدم وهدايته واجتبائه- وإنما الأمر موكول إلى اجتهاد الإنسان وسعيه، ومن رحمة الله تعالى به أن يجعل في بعض أفراده الوحي ويعلمهم طرق الهداية، فمن سلكها فاز وسعد، و من تنكبها خسر وشقي، هذا هو السر في إعادة ذكر الهبوط لا أنه أعيد التأكيد كما زعموا.

قال تعالى ﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا  ﴾ أي فقد انتهى طور النعيم الخالص والراحة العامة وادخلوا في طور لكم فيه طريقان: هدى وضلال، إيمان وكفران، فلاح وخسران ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى  ﴾ من رسول مرشد و کتاب مبين ﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ  ﴾ الذي أشرعه، وسلك صراطي المستقيم الذي أحدده ﴿ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ  ﴾ من وسوسة الشيطان، ولا مما يعقبها من الشقاء و الخسران، ﴿ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ  ﴾ علی فوت مطلوب، أو فقد محبوب، لأنهم يعلمون بهذه الهداية أن الصبر والتسليم مما يرضي الله تعالى ويوجب مثوبته، ويفتح للإنسان باب الاعتبار بالحوادث، ويقويه على مصارعة الكوارث، فيكون له من ذلك خير عوض عما فاته، وأفضل تعزية عما فقده.

والخوف عبارة عن تألم الإنسان من توقع مكروه يصيبه، آو توقع حرمان من محبوب يتمتع به أو يطلبه، والحزن ألم يلم بالإنسان إذا فقد ما يحب، وقد أعطانا الله جل ثناؤه الطمأنينة التامة في مقابلة ما تحدثه كلمة ﴿ اهْبِطُوا  ﴾ من الخوف من سوء المنقلب، وما تثيره من كوامن الرعب، فالمهتدون بهداية الله تعالى لا يخافون مما هو آتٍ، ولا يحزنون على ما فات، لأن اتباع الهدى يسهل عليهم طريق اكتساب الخيرات، و يعدهم لسعادة الدنيا والآخرة، ومن كانت هذه وجهته، يسهل عليه كل ما يستقبله، ويهون عليه كل ما أصابه أو فقده، لأنه موقن بأن الله يخلفه، فيكون كالتعب في الكسب، لا يلبث أن يزول بلذة الربح الذي يقع أو يتوقع.

إذا قال قائل إن الدين يقيد حرية الإنسان ويمنعه بعض اللذات التي يقدر على التمتع بها، ويحزنه الحرمان منها فكيف يكون هو المأمن من الأحزان، ويكون باتباعه الفوز وبتركه الخسـران؟

فجوابه أن الدين لا يمنع من لذة إلا إذا كان في إصابتها ضرر على مصيبها، أو على أحد إخوانه من أبناء جنسه الذين يفوته من منافع تعاونهم إذا آذاهم أكثر مما يناله بالتلذذ بإيذائهم، ولو تمثلت لمستحل اللذة المحرمة مضارها التي تعقبها في نفسه وفي الناس، وتصور ما لها من التأثير في فساد العمران لو كانت عامة، وكان صحيح العقل معتدل الفطرة، ترجع عنها متمثلًا بقول الشاعر: "لا خير في لذة من بعدها كدر" فكيف إذا كان مع ذلك يؤمن باليوم الآخر ويعلم أن هذه المحرمات تدنس الروح فلا تكون أهلًا لدار الكرامة في يوم القيامة.

..

وليست سعادة الإنسان في حرية البهائم بل في الحرية التي تكون في دائرة الشرع ومحيطه، فمن اتبع هداية الله فلا شك أنه يتمتع تمتعًا حسنًا ويتلقى بالصبر كل ما أصابه، وبالطمأنينة ما يتوقع أن يصيبه، فلا يخاف ولا بحزن.

يريد أن رجاء الإنسان فيما وراء الطبيعة هو الذي يقيه من تحكم عوادي الطبيعة فيه، وبدون ذلك الرجاء تتحكم فيه أشد مما تتحكم في البهائم التي هي أقوى منه طبيعة و ﴿ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا  ﴾ فالتماس السعادة بحرية البهائم، هو الشقاء اللازم، وقد صرح بلفظ التمتع الحسن أخذًا من قوله تعالى ﴿ وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ  ﴾ الآية فالآيات الدالة على أن سعادة الدنيا معلولة للاهتداء بالدين كثيرة جدًا وقد حجبها عن كثير من المسلمين قولهم في الكافرين: لهم الدنيا ولنا الآخرة، يغالطون بحجة القرآن عليهم.

وآيات سورة طه في قصة آدم أوضح في المراد من آيات البقرة وهي قوله  ﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى  وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى  ﴾ .

قال تعالى ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا  ﴾ .

واشتقاق الآية إما من أي فإنها هي التي تبين أيًّا من أي، والصحيح أنها مشتقة من التأنِّي الذي هو التثبت والإقامة على الشيء.

والذين كفروا وكذبوا بآياتنا التي نجعلها دلائل الهداية وحجج الإرشاد بأن جحدوا بها وأنكروها، ولم يذعنوا لصدقها، اتباعًا لخطوات الشيطان وعملًا بوسوسته، وذهابًا مع إغوائه ﴿ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  ﴾ تقدم تفسير الخلود في آخر الآية٢٥.

بعد تفسير الكفر بالجحود، والتكذيب بالإنكار: وکل منهما يأتي في فرق من الناس، فمنهم من لا تقوى ولا إيمان له وهم الذين لا يؤمنون بالغيب لأنه ليس عندهم أصل للنظر فيما جاءهم، فهؤلاء منكرون، وهم مكذبون لأن التكذيب يشمل عدم الاعتقاد بصدق الدعوة التي جاء بها الرسول واعتقاد كذبها، والجحود قد يأتي من المعتقد قال تعالى ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ  ﴾ .

فهذا هو الطور الأخير للإنسان بعدما وكل إلى كسبه، وجعل فلاحه وخسرانه بعمله، فمن لطف الله به أن أيده بهداية الدين بعد هداية الحس والوجدان والعقل، فبهذه الهدايات يرتقي بالتدريج ما شاء الله تعالى..

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده