الآية ٣٨ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٣٨ من سورة البقرة

قُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ مِنْهَا جَمِيعًۭا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًۭى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٣٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 196 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٨ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قول تعالى مخبرا عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حتى أهبطهم من الجنة ، والمراد الذرية - أنه سينزل الكتب ، ويبعث الأنبياء والرسل ؛ كما قال أبو العالية : الهدى : الأنبياء والرسل والبيان ، وقال مقاتل بن حيان : الهدى : محمد صلى الله عليه وسلم .

وقال الحسن : الهدى القرآن .

وهذان القولان صحيحان ، وقول أبي العالية أعم .

( فمن تبع هداي ) أي : من أقبل على ما أنزلت به الكتب وأرسلت به الرسل ( فلا خوف عليهم ) أي : فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ( ولا هم يحزنون ) على ما فاتهم من أمور الدنيا ، كما قال في سورة " طه " : ( قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ) [ طه : 123 ] قال ابن عباس : فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة .

( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ) [ طه : 124 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا قال أبو جعفر: وقد ذكرنا القول في تأويل قوله: " قلنا اهبطوا منها جميعًا " فيما مضى، (1) فلا حاجة بنا إلى إعادته، إذْ كان معناه في هذا الموضع، هو معناه في ذلك الموضع.

793- وقد حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح، في قوله : " اهبطوا منها جميعًا "، قال: آدم وحواء والحية وإبليس.

(2) القول في تأويل قوله تعالى ذكره: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى قال أبو جعفر: وتأويل قوله: " فإما يأتينكم "، فإنْ يَأتكم.

و " ما " التي مع " إن " توكيدٌ للكلام، ولدخولها مع " إن " أدخلت النون المشددة في" يأتينَّكم "، تفرقةً بدخولها بين " ما " التي تأتي بمعنى توكيد الكلام - التي تسميها أهل العربية صلة وَحشوًا - وبين " ما " التي تأتي بمعنى " الذي"، فتؤذِن بدخولها في الفعل، أنّ" ما " التي مع " إن " التي بمعنى الجزاء، توكيد، وليست " ما " التي بمعنى " الذي".

وقد قال بعض نحويي أهل البصرة (3) : إنّ " إمَّا " ، " إن " زيدت معها " ما "، &; 1-549 &; وصار الفعل الذي بعده بالنون الخفيفة أو الثقيلة، وقد يكون بغير نون.

وإنما حسنت فيه النون لمّا دخلته " ما "، لأن " ما " نفيٌ، فهي مما ليس بواجب، وهي الحرف الذي ينفي الواجب، فحسنت فيه النون، نحو قولهم: " بعينٍ مَّا أرَينَّك "، حين أدخلت فيها " ما " حسنت النون فيما هاهنا.

وقد أنكرت جماعة من أهل العربية دعوى قائل هذه المقالة (4) : أن " ما " التي مع " بعينٍ ما أرَينَّك " بمعنى الجحد، وزعموا أن ذلك بمعنى التوكيد للكلام.

وقال آخرون: بل هو حشو في الكلام، ومعناها الحذف، وإنما معنى الكلام: " بعَين أراك "، وغير جائز أن يُجْعل مع الاختلاف فيه أصلا يُقاس عليه غيره.

* * * القول في تأويل قوله تعالى ذكره: مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) قال أبو جعفر: والهدى، في هذا الموضع، البيان والرشاد.

كما:- 794- حدثنا المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم العسقلاني قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: " فإما يأتينكم مني هدًى " قال: الهدى، الأنبياءُ والرسل والبيان.

(5) .

فإن كان ما قال أبو العالية في ذلك كما قال، فالخطاب بقوله: اهْبِطُوا ، وإن كان لآدم وزوجته، فيجب أن يكون مرادًا به آدمُ وزوجتُه وذريتُهما.

فيكون ذلك حينئذ نظير قوله: فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [سورة فصلت: 11]، بمعنى أتينا بما فينا من الخلق طائعين، ونظيرَ قوله في قراءة &; 1-550 &; ابن مسعود: ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرهم مناسكهم ) [سورة البقرة: 128]، فجمع قبل أن تكون ذريةً، وهو في قراءتنا: وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا .

وكما يقول القائل لآخر: " كأنك قد تزوجت وولد لك، وكثرتم وعززتم "، ونحو ذلك من الكلام.

وإنما قلنا إن ذلك هو الواجب على التأويل الذي ذكرناه عن أبي العالية، لأنّ آدمَ كان هو النبيَّ أيام حياته بعد أن أُهبط إلى الأرض، (6) والرسولَ من الله جل ثناؤه إلى ولده.

فغير جائز أن يكون معنيًّا -وهو الرسولُ صلى الله عليه وسلم- بقوله: " فإما يأتينّكم منّي هُدًى "، خطابًا له ولزوجته،" فإما يأتينكم مني أنبياءُ ورسل " (7) إلا على ما وصفتُ من التأويل.

وقول أبي العالية في ذلك -وإن كان وجهًا من التأويل تحتمله الآية- فأقرب إلى الصواب منه عندي وأشبهُ بظاهر التلاوة، أن يكون تأويلها: فإما يأتينكم يا معشرَ من أُهبط إلى الأرض من سمائي (8) ، وهو آدمُ وزوجته وإبليس -كما قد ذكرنا قبل في تأويل الآية التي قبلها- إما يأتينكم منّي بيانٌ من أمري وطاعتي، ورشاد إلى سبيلي وديني، فمن اتبعه منكم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وإن كان قد سلف منهم قبل ذلك إليّ معصية وخلافٌ لأمري وطاعتي.

يعرّفهم بذلك جل ثناؤه أنه التائبُ على من تاب إليه من ذنوبه، والرحيمُ لمن أناب إليه، كما وصف نفسه بقوله: إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ .

وذلك أن ظاهر الخطاب بذلك إنما هو للذين قال لهم جل ثناؤه: اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ، والذين خوطبوا به هم من سمّينا في قول الحجة من الصحابة والتابعين الذين قد قدّمنا الرواية عنهم.

(9) .

وذلك، وإن كان خطابًا من الله جل ذكره لمن أُهبط &; 1-551 &; حينئذٍ من السماء إلى الأرض، فهو سنّة الله في جميع خلقه، وتعريفٌ منه بذلك الذين أخبر عنهم في أول هذه السورة بما أخبر عنهم في قوله (10) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [سورة البقرة: 6]، وفي قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [سورة البقرة: 8]، وأنّ حكمه فيهم -إن تابوا إليه وأنابوا واتبعوا ما أتاهم من البيان من عند الله على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم - أنهم عنده في الآخرة ممن لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، وأنهم إن هلكوا على كُفرهم وضلالتهم قبل الإنابة والتوبة، كانوا من أهل النار المخلَّدين فيها.

وقوله: " فمن تَبعَ هُدَايَ"، يعني: فمن اتبع بَياني الذي آتيتُه على ألسن رُسُلي، أو مع رسلي (11) .

كما:- 795- حدثنا به المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " فمن تَبع هُدَاي"، يعني بياني.

(12) .

* * * وقوله: " فلا خوفٌ عليهم "، يعني فهم آمنون في أهوال القيامة من عقاب الله، غير خائفين عذابه، بما أطاعوا الله في الدنيا واتبعوا أمرَه وهُداه وسبيله، ولا هم يحزنون يومئذ على ما خلّفوا بعد وفاتهم في الدنيا.

كما:- 796- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد: " لا خوفٌ عليهم "، يقول: لا خوف عليكم أمامكم (13) .

وليس شيء أعظمَ في صدر الذي يموت ممّا بعد الموت.

فأمّنهم منه وسَلاهم عن الدنيا فقال: " ولا هم يحزنون ".

---------- الهوامش : (1) انظر ص : 534 .

(2) الأثر : 793- لم أجده بهذا الإسناد ، وانظر ، ما مضى الأرقام : 754 وما بعده .

(3) في المطبوعة : "نحويي البصريين" .

(4) في المطبوعة : "وقد أنكر جماعة .

.

.

دعوى قائلي .

.

.

" .

(5) الأثر : 794- في ابن كثير 1 : 148 ، والدر المنثور 1 : 63 ، والشوكاني 1 : 58 .

(6) في المطبوعة : "هو النبي صلى الله عليه وسلم" .

(7) في المطبوعة : " .

.

.

مني هدى أنبياء ورسل .

.

.

" .

(8) في المطبوعة : "فإما يأتينكم مني يا معشر من أهبطته .

.

.

" .

(9) في المطبوعة : "الرواية عنهم" بالحذف (10) في المطبوعة : "وتعريف منه بذلك للذين" .

(11) في المطبوعة : " .

.

.

بياني الذي أبينه على ألسن رسلي" .

(12) الأثر : 795- لم أجده في مكان .

(13) الأثر : 796- لم أجده في مكان .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنونقوله تعالى : قلنا اهبطوا كرر الأمر على جهة التغليظ وتأكيده ، كما تقول لرجل : قم قم .

وقيل : كرر الأمر لما علق بكل أمر منهما حكما غير حكم الآخر فعلق بالأول العداوة وبالثاني إتيان الهدى .

وقيل : الهبوط الأول من الجنة إلى السماء والثاني من السماء إلى الأرض ، وعلى هذا يكون فيه دليل على أن الجنة في السماء السابعة كما دل عليه حديث الإسراء على ما يأتي ." جميعا " نصب على الحال وقال وهب بن منبه : لما هبط آدم عليه السلام إلى الأرض قال إبليس للسباع إن هذا عدو لكم فأهلكوه فاجتمعوا وولوا أمرهم إلى الكلب [ ص: 309 ] وقالوا أنت أشجعنا وجعلوه رئيسا فلما رأى ذلك آدم عليه السلام تحير في ذلك فجاءه جبريل عليه السلام وقال له امسح يدك على رأس الكلب ففعل فلما رأت السباع أن الكلب ألف آدم تفرقوا واستأمنه الكلب فأمنه آدم فبقي معه ومع أولاده وقال الترمذي الحكيم نحو هذا وأن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض جاء إبليس إلى السباع فأشلاهم على آدم ليؤذوه وكان أشدهم عليه الكلب فأميت فؤاده فروي في الخبر أن جبريل عليه السلام أمره أن يضع يده على رأسه فوضعها فاطمأن إليه وألفه فصار ممن يحرسه ويحرس ولده ويألفهم وبموت فؤاده يفزع من الآدميين فلو رمي بمدر ولى هاربا ثم يعود آلفا لهم ففيه شعبة من إبليس وفيه شعبة من مسحة آدم عليه السلام فهو بشعبة إبليس ينبح ويهر ويعدو على الآدمي وبمسحة آدم مات فؤاده حتى ذل وانقاد وألف به وبولده يحرسهم ، ولهثه على كل أحواله من موت فؤاده ولذلك شبه الله سبحانه وتعالى العلماء السوء بالكلب على ما يأتي بيانه في " الأعراف " إن شاء الله تعالى ، ونزلت عليه تلك العصا التي جعلها الله آية لموسى فكان يطرد بها السباع عن نفسه .قوله تعالى : فإما يأتينكم مني هدى اختلف في معنى قوله هدى فقيل : كتاب الله قاله السدي وقيل التوفيق للهداية وقالت فرقة : الهدى الرسل وهي إلى آدم من الملائكة وإلى بنيه من البشر كما جاء في حديث أبي ذر ، وخرجه الآجري وفي قوله " مني " إشارة إلى أن أفعال العباد خلق لله تعالى خلافا للقدرية وغيرهم كما تقدم وقرأ الجحدري " هدي " وهو لغة هذيل يقولون هدي وعصي ومحيي ، وأنشد النحويون لأبي ذؤيب يرثي بنيه :سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم فتخرموا ولكل جنب مصرعقال النحاس : وعلة هذه اللغة عند الخليل وسيبويه أن سبيل ياء الإضافة أن يكسر ما قبلها فلما لم يجز أن تتحرك الألف أبدلت ياء وأدغمت .

و " ما " في قوله " إما " زائدة على " إن " التي للشرط ، وجواب الشرط الفاء مع الشرط الثاني في قوله فمن تبع و " من " في موضع رفع بالابتداء .

و " تبع " في موضع جزم بالشرط فلا خوف جوابه .

قال سيبويه الشرط الثاني وجوابه هما جواب الأول .

وقال الكسائي فلا خوف عليهم جواب الشرطين جميعا .قوله تعالى : فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون الخوف هو الذعر ولا يكون إلا في المستقبل وخاوفني فلان فخفته أي كنت أشد خوفا منه .

والتخوف التنقص ومنه قوله [ ص: 310 ] تعالى أو يأخذهم على تخوف وقرأ الزهري والحسن وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق ويعقوب " فلا خوف " بفتح الفاء على التبرئة ، والاختيار عند النحويين الرفع والتنوين على الابتداء ؛ لأن الثاني معرفة لا يكون فيه إلا الرفع لأن " لا " لا تعمل في معرفة فاختاروا في الأول الرفع أيضا ليكون الكلام من وجه واحد ، ويجوز أن تكون " لا " في قوله تعالى : " فلا خوف " بمعنى ليس .والحزن والحزن : ضد السرور ولا يكون إلا على ماض ، وحزن الرجل ( بالكسر ) فهو حزن وحزين وأحزنه غيره وحزنه أيضا مثل أسلكه وسلكه ، ومحزون بني عليه قال اليزيدي : حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم وقد قرئ بهما واحتزن وتحزن بمعنى ، والمعنى في الآية : فلا خوف عليهم فيما بين أيديهم من الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا .

وقيل : ليس فيه دليل على نفي أهوال يوم القيامة وخوفها على المطيعين لما وصفه الله تعالى ورسوله من شدائد القيامة إلا أنه يخففه عن المطيعين وإذا صاروا إلى رحمته فكأنهم لم يخافوا ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

كرر الإهباط, ليرتب عليه ما ذكر وهو قوله: { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى } أي: أيَّ وقت وزمان جاءكم مني -يا معشر الثقلين- هدى, أي: رسول وكتاب يهديكم لما يقربكم مني, ويدنيكم مني; ويدنيكم من رضائي، { فمن تبع هداي } منكم, بأن آمن برسلي وكتبي, واهتدى بهم, وذلك بتصديق جميع أخبار الرسل والكتب, والامتثال للأمر والاجتناب للنهي، { فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } وفي الآية الأخرى: { فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى } فرتب على اتباع هداه أربعة أشياء: نفي الخوف والحزن والفرق بينهما, أن المكروه إن كان قد مضى, أحدث الحزن, وإن كان منتظرا, أحدث الخوف، فنفاهما عمن اتبع هداه وإذا انتفيا, حصل ضدهما, وهو الأمن التام، وكذلك نفي الضلال والشقاء عمن اتبع هداه وإذا انتفيا ثبت ضدهما، وهو الهدى والسعادة، فمن اتبع هداه, حصل له الأمن والسعادة الدنيوية والأخروية والهدى، وانتفى عنه كل مكروه, من الخوف, والحزن, والضلال, والشقاء، فحصل له المرغوب, واندفع عنه المرهوب، وهذا عكس من لم يتبع هداه, فكفر به, وكذب بآياته.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

وقوله تعالى : ( قلنا اهبطوا منها جميعا ) يعني هؤلاء الأربعة .

وقيل : الهبوط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا والهبوط ( الآخر ) من السماء الدنيا إلى الأرض ( فإما يأتينكم ) أي فإن يأتكم يا ذرية آدم ( مني هدى ) أي رشد وبيان شريعة وقيل كتاب ورسول ( فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) قرأ يعقوب : فلا خوف بالفتح في كل القرآن والآخرون بالضم والتنوين فلا خوف عليهم فيما يستقبلون هم ] ( ولا هم يحزنون ) على ما خلفوا .

وقيل لا خوف عليهم في الدنيا ولا هم يحزنون في الآخرة.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قلنا اهبطوا منها» من الجنة «جميعاً» كرره ليعطف عليه «فإما» فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة «يأتينكم مني هدىً» كتاب ورسول «فمن تبع هداي» فآمن بي وعمل بطاعتي «فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون» في الآخرة بأن يدخلوا الجنة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال الله لهم: اهبطوا من الجنة جميعًا، وسيأتيكم أنتم وذرياتكم المتعاقبة ما فيه هدايتكم إلى الحق.

فمن عمل بها فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) .وليست هذه الإِعادة من قبيل التكرار الذي يقصد منه مجرد التوكيد ، بل قص الأمر بالهبوط أولا ليعلق عليه معنى؛ هو كون بعضهم لبعض عدواً .ثم قصة ثانية ليعلق عليه معنى آخر هو ما ترتب على الهبوط من تفصيل لحال المخاطبين ، وانقسامهم إلى مهتدين وضالين .والفاء في قوله ( فَإِمَّا ) لإِفادة ترتيب انقسام المخاطبين إلى مهتدين وكافرين على الهبوط المفهوم من قوله : ( اهبطوا ) .و ( إِمَّا ) هي إن الشرطية دخلت عليها " ما " لإفادة التوكيد ، ويغلب على فعل شرطها أن يكون مؤكداً بالنون وأوجب بعضهم ذلك .والهدى من الله معناه الدلالة على ما هو حق وخير بلسان رسول ، أو بآيات كتاب .وقد صرح - سبحانه - بأن الهدى صادر منه بقوله : ( مِّنِّي هُدًى ) ثم أضافه إلى نفسه بقوله : ( هُدَايَ ) للإِيذان بتعظيم أمر الهدى؛ وأنه أحق بأن يتبع ، ويتخذ سبيلا لطمأنينة النفس في الدنيا ، والفوز بالسعادة في الأخرى .والخوف : الفزع وهو تألم النفس من مكروه يتوقع حصوله .والحزن : الغم الحاصل لوقوع مكروه أو فقد محبوب .ومعنى ( لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) أن نفوسهم آمنة مطمئنة بحيث لا يعتريها فزع ، ولا ينتابها ذعر كما أن قوله : ( وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) ينفى عنهم الاغتمام لفوات مطلوب أو فقد محبوب .ونفي الخوف والحزن ورد في الآية على وجه الإِطلاق ، وظاهره أن المهتدين لا يعتريهم الخوف ولا الحزن في دنياهم ولا في آخرتهم ، ولكن قوله - تعالى - فيما يقابله من جزاء الكافرين ( أولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) يرجح أن يكون المراد نفي الخوف والحزن في الدار الآخرة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

المسألة الأولى: ذكروا في فائدة تكرير الأمر بالهبوط وجهين: الأول: قال الجبائي: الهبوط الأول غير الثاني فالأول من الجنة إلى سماء الدنيا والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض وهذا ضعيف من وجهين: أحدهما: أنه قال في الهبوط الأول: ﴿ وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ  ﴾ فلو كان الاستقرار في الأرض إنما حصل بالهبوط الثاني لكان ذكر قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ ومتاع  ﴾ عقيب الهبوط الثاني أولى.

وثانيهما: أنه قال في الهبوط الثاني: ﴿ اهبطوا مِنْهَا ﴾ والضمير في (منها) عائد إلى الجنة.

وذلك يقتضي كون الهبوط الثاني من الجنة.

الوجه الثاني: أن التكرير لأجل التأكيد وعندي فيه وجه ثالث أقوى من هذين الوجهين وهو أن آدم وحواء لما أتيا بالزلة أمرا بالهبوط فتابا بعد الأمر بالهبوط ووقع في قلبهما أن الأمر بالهبوط لما كان بسبب الزلة فبعد التوبة وجب أن لا يبقى الأمر بالهبوط فأعاد الله تعالى الأمر بالهبوط مرة ثانية ليعلما أن الأمر بالهبوط ما كان جزاء على ارتكاب الزلة حتى يزول بزوالها بل الأمر بالهبوط باقٍ بعد التوبة لأن الأمر به كان تحقيقاً للوعد المتقدم في قوله: ﴿ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً  ﴾ فإن قيل ما جواب الشرط الأول؟

قلنا: الشرط الثاني مع جوابه، كقولك: إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك.

المسألة الثانية: روي في الأخبار أن آدم عليه السلام أهبط بالهند وحواء بجدة وإبليس بموضع من البصرة على أميال والحية بأصفهان.

المسألة الثالثة: في الهدي وجوه: أحدها: المراد منه كل دلالة وبيان فيدخل فيه دليل العقل وكل كلام ينزل على نبي، وفيه تنبيه على عظم نعمة الله تعالى على آدم وحواء فكأنه قال: وإن أهبطتكم من الجنة إلى الأرض فقد أنعمت عليكم بما يؤديكم مرة أخرى إلى الجنة مع الدوام الذي لا ينقطع.

قال الحسن: لما أهبط آدم عليه السلام إلى الأرض أوحى الله تعالى إليه يا آدم أربع خصال فيها كل الأمر لك ولولدك.

واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك وبين الناس، أما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك فإذا عملت نلت أجرتك، وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين الناس فإن تصحبهم بما تحب أن يصحبوك به.

وثانيها: ما روي عن أبي العالية أن المراد من الهدي الأنبياء وهذا إنما يتم لو كان المخاطب بقوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى ﴾ غير آدم وهم ذريته وبالجملة فهذا التأويل يوجب تخصيص المخاطبين بذرية آدم وتخصيص الهدي بنوع معين وهو الأنبياء من غير دليل دل على هذا التخصيص.

المسألة الرابعة: أنه تعالى بين أن من اتبع هداه بحقه علماً وعملاً بالإقدام على ما يلزم والاحجام عما يحرم فإنه يصير إلى حال لا خوف فيها ولا حزن، وهذه الجملة مع اختصارها تجمع شيئاً كثيراً من المعاني لأن قوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى ﴾ [طه: 123] دخل فيه الإنعام بجميع الأدلة العقلية والشرعية وزيادات البيان وجميع ما لا يتم ذلك إلا به من العقل ووجوه التمكن، وجميع قوله: ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ ﴾ تأمل الأدلة بحقها والنظر فيها واستنتاج المعارف منها والعمل بها ويجمع ذلك كل التكاليف وجمع قوله: ﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ جميع ما أعد الله تعالى لأولياءه لأن زوال الخوف يتضمن السلامة من جميع الآفات وزوال الحزن يقتضي الوصول إلى كل اللذات والمرادات وقدم عدم الخوف على عدم الحزن لأن زوال ما لا ينبغي مقدم على طلب ما ينبغي، وهذا يدل على أن المكلف الذي أطاع الله تعالى لا يلحقه خوف في القبر ولا عند البعث ولا عند حضور الموقف ولا عند تطاير الكتب ولا عند نصب الموازين ولا عند الصراط كما قال الله تعالى: ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر وتتلقاهم الملئكة هذا يَوْمُكُمُ الذي كُنتُمْ تُوعَدُونَ  ﴾ وقال قوم من المتكلمين: إن أهوال القيامة كما تصل إلى الكفار والفساق تصل أيضاً إلى المؤمنين لقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ  ﴾ وأيضاً فإذا انكشفت تلك الأهوال وصاروا إلى الجنة ورضوان الله صار ما تقدم كأن لم يمكن، بل ربما كان زائداً في الالتذاذ بما يجده من النعيم وهذا ضعيف لأن قوله: ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر ﴾ أخص من قوله: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ﴾ والخاص مقدم على العام.

وقال ابن زيد: لا خوف عليهم أمامهم فليس شيء أعظم في صدر الذي يموت مما بعد الموت، فأمنهم الله تعالى منه.

ثم سلاهم عن الدنيا فقال: ﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ على ما خلفوه بعد وفاتهم في الدنيا فإن قيل قوله: ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ يقتضي نفي الخوف والحزن مطلقاً في الدنيا والآخرة وليس الأمر كذلك لأنهما حصلا في الدنيا للمؤمنين أكثر من حصولهما لغير المؤمنين، قال عليه الصلاة والسلام: «خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» وأيضاً فالمؤمن لا يمكنه القطع أنه أتى بالعبادات كما ينبغي فخوف التقصير حاصل وأيضاً فخوف سوء العاقبة حاصل، قلنا قرائن الكلام تدل على أن المراد نفيهما في الآخرة لا في الدنيا.

ولذلك حكى الله عنهم أنهم قالوا حين دخلوا الجنة: ﴿ الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ  ﴾ أي أذهب عنا ما كنا فيه من الخوف والإشفاق في الدنيا من أن تفوتنا كرامة الله تعالى التي نلناها الآن.

المسألة الخامسة: قال القاضي: قوله تعالى: ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ يدل على أمور.

أحدها: أن الهدى قد يثبت ولا اهتداء فلذلك قال: ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ ﴾ .

وثانيها: بطلان القول بأن المعارف ضرورية.

وثالثها: أن باتباع الهدى تستحق الجنة.

ورابعها: إبطال التقليد لأن المقلد لا يكون متبعاً للهدى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

معنى تلقي الكلمات استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها.

وقرئ بنصب آدم ورفع الكلمات؛ على أنها استقبلته بأن بلغته واتصلت به.

فإن قلت: ما هنّ؟

قلت: قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا...

﴾ الآيه [الأعراف: 23] .

وعن ابن مسعود رضي الله عنه: «إن أحب الكلام إلى الله ما قاله أبونا آدم حين اقترف الخطيئة: سبحانك اللَّهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك، لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «يا رب ألم تخلقني بيدك؟

قال: بلى.

قال: يا رب ألم تنفخ فيّ الروح من روحك؟

قال: بلى.

قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟

قال: بلى.

قال: ألم تسكني جنتك؟

قال: بلى.

قال: يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟

قال: نعم» ، واكتفى بذكر توبة آدم دون توبة حواء، لأنها كانت تبعاً له، كما طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك.

وقد ذكرها في قوله: ﴿ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ﴾ [الاعراف: 23] .

﴿ فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾ فرجع عليه بالرحمة والقبول.

فإن قلت: لم كرر: ﴿ قُلْنَا اهبطوا ﴾ ؟

قلت: للتأكيد ولما نيط به من زيادة قوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى ﴾ .

فإن قلت: ما جواب الشرط الأول؟

قلت: الشرط الثاني مع جوابه كقولك: إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك.

والمعنى: فإما يأتينكم مني هدى برسول أبعثه إليكم وكتاب أنزله عليكم؛ بدليل قوله: ﴿ والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ ﴾ فإن قلت: فلم جيء بكلمة الشك وإتيان الهدى كائن لا محالة لوجوبه؟

قلت: للإيذان بأنّ الإيمان بالله والتوحيد لا يشترط فيه بعثة الرسل وإنزال الكتب.

وأنه إن لم يبعث رسولاً ولم ينزل كتاباً، كان الإيمان به وتوحيده واجباً؛ لما ركب فيهم من العقول ونصب لهم من الأدلة ومكنهم من النظر والاستدلال.

فإن قلت: الخطيئة التي أهبط بها آدم إن كانت كبيرة فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء، وإن كانت صغيرة، فلم جرى عليه ما جرى بسببها من نزع اللباس والإخراج من الجنة والإهباط من السماء كما فعل بإبليس ونسبته إلى الغيّ والعصيان ونسيان العهد وعدم العزيمة والحاجة إلى التوبة؟

قلت: ما كانت إلا صغيرة مغمورة بأعمال قلبه من الإخلاص والأفكار الصالحة التي هي أجل الأعمال وأعظم الطاعات.

وإنما جرى عليه ما جرى، تعظيماً للخطيئة وتفظيعاً لشأنها وتهويلاً، ليكون ذلك لطفاً له ولذريّته في اجتناب الخطايا واتقاء المآثم، والتنبيه على أنه أخرج من الجنة بخطيئة واحدة، فكيف يدخلها ذو خطايا جمة.

وقرئ: ﴿ فمن تبع هُدَيَّ ﴾ على لغة هذيل، ﴿ فلا خوف ﴾ بالفتح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا ﴾ كَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِاخْتِلافِ المَقْصُودِ فَإنَّ الأوَّلَ دَلَّ عَلى أنَّ هُبُوطَهم إلى دارِ بَلِيَّةٍ يَتَعادُونَ فِيها ولا يَخْلُدُونَ، والثّانِي أشْعَرَ بِأنَّهم أُهْبِطُوا لِلتَّكْلِيفِ، فَمَنِ اهْتَدى الهُدى نَجا ومَن ضَلَّهُ هَلَكَ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مَخافَةَ الإهْباطِ المُقْتَرِنِ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ وحْدَها كافِيَةٌ لِلْحازِمِ أنْ تَعُوقَهُ عَنْ مُخالَفَةِ حُكْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَكَيْفَ بِالمُقْتَرِنِ بِهِما، ولَكِنَّهُ نَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا، وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما كَفى بِهِ نَكالًا لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ.

وقِيلَ الأوَّلُ مِنَ الجَنَّةِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، والثّانِي مِنها إلى الأرْضِ وهو كَما تَرى.

و ﴿ جَمِيعًا ﴾ حالٌ في اللَّفْظِ تَأْكِيدٌ في المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: اهْبِطُوا أنْتُمْ أجْمَعُونَ، ولِذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي اجْتِماعُهم عَلى الهُبُوطِ في زَمانٍ واحِدٍ كَقَوْلِكَ: جاءُوا جَمِيعًا ﴿ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ الشَّرْطُ الثّانِي مَعَ جَوابِهِ جَوابُ الشَّرْطِ الأوَّلِ، وما مَزِيدَةٌ أُكِّدَتْ بِهِ إنَّ ولِذَلِكَ حَسُنَ تَأْكِيدُ الفِعْلِ بِالنُّونِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْنى الطَّلَبِ، والمَعْنى: إنْ يَأْتِينَكم مِنِّي هُدًى بِإنْزالٍ أوْ إرْسالٍ، فَمَن تَبِعَهُ مِنكم نَجا وفازَ، وإنَّما جِيءَ بِحَرْفِ الشَّكِّ، وإتْيانُ الهُدى كائِنٌ لا مَحالَةَ لِأنَّهُ مُحْتَمَلٌ في نَفْسِهِ غَيْرُ واجِبٍ عَقْلًا، وكَرَّرَ لَفْظَ الهُدى ولَمْ يُضْمِرْ لِأنَّهُ أرادَ بِالثّانِي أعَمَّ مِنَ الأوَّلِ، وهو ما أتى بِهِ الرُّسُلُ واقْتَضاهُ العَقْلُ، أيْ: فَمَن تَبِعَ ما أتاهُ مُراعِيًا فِيهِ ما يَشْهَدُ بِهِ العَقْلُ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مَكْرُوهٌ، ولا هم يَفُوتُ عَنْهم مَحْبُوبٌ فَيَحْزَنُوا عَلَيْهِ، فالخَوْفُ عَلى المُتَوَقَّعِ والحُزْنُ عَلى الواقِعِ نَفى عَنْهُمُ العِقابَ وأثْبَتَ لَهُمُ الثَّوابَ عَلى آكَدِ وجْهٍ وأبْلَغِهِ.

وقُرِئَ « هُدًى» عَلى لُغَةٍ هُذَيْلٍ و « لا خَوْفَ» بِالفَتْحِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا} حال أي مجتمعين وكرر الأمر بالهبوط للتأكيد أو لأن الهبوط الأول من الجنة إلى السماء والثاني من السماء إلى الأرض أو لما نيط به من زيادة قوله {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} أي رسول أبعثه إليكم أو كتاب أنزله عليكم بدليل قوله تعالى {والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا} في مقابلة قوله {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ} أى بالقبول والإيمان به

البقرة (٣٨ _ ٤١)

{فلا خوف عليهم} فى المستقبل فلا خوف بالفتح فى كل القرآن {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} على ما خلفوا والشرط الثاني مع جوابه جواب الشرط الأول كقولك إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك فلا خوفَ بالفتح في كل القرآن يعقوب.

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا، ﴾ كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، فالفَصْلُ لِكَمالِ الِاتِّصالِ، والفاءُ في (فَتَلَقّى) لِلِاعْتِراضِ، إذْ لا يَجُوزُ تَقَدُّمُ المَعْطُوفِ عَلى التَّأْكِيدِ، وفائِدَتُهُ الإشارَةُ إلى مَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ التَّوْبَةِ، وأنَّهُ يَجِبُ المُبادَرَةُ إلَيْها، ولا يُمْهِلُ، فَإنَّهُ ذَنْبٌ آخَرُ، مَعَ ما في ذَلِكَ مِن إظْهارِ الرَّغْبَةِ بِصَلاحِ حالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفَراغِ بالِهِ، وإزالَةِ ما عَسى يَتَشَبَّثُ بِهِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَدْ فُضِّلَ عَلَيْهِمْ، وأُمِرُوا بِالسُّجُودِ لَهُ، أوْ كُرِّرَ لِيَتَعَلَّقَ عَلَيْهِ مَعْنًى آخَرُ غَيْرُ الأوَّلِ، إذْ ذَكَرَ إهْباطَهم أوَّلًا لِلتَّعادِي، وعَدَمِ الخُلُودِ، والأمْرُ فِيهِ تَكْوِينِيٌّ، وثانِيًا لِيَهْتَدِيَ مَن يَهْتَدِي، ويَضِلُّ مَن يَضِلُّ، والأمْرُ فِيهِ تَكْلِيفِيٌّ، ويُسَمّى هَذا الأُسْلُوبُ في البَدِيعِ التَّرْدِيدَ، فالفَصْلُ حِينَئِذٍ لِلِانْقِطاعِ لِتَبايُنِ الغَرَضَيْنِ، وقِيلَ: إنَّ إنْزالَ القَصَصِ لِلِاعْتِبارِ بِأحْوالِ السّابِقِينَ، فَفي تَكْرِيرِ الأمْرِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ الحاصِلَ مِن تَصَوُّرِ إهْباطِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ المُقْتَرِنَ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّعادِي والتَّكْلِيفِ كافٍ لِمَن لَهُ حَزْمٌ، وخَلا عَنْ عُذْرِ أنْ تَعُوقَهُ عَنْ مُخالَفَةِ حُكْمِهِ تَعالى، فَكَيْفَ المُخالَفَةُ الحاصِلَةُ مِن تَصَوُّرِ الإهْباطِ المُقْتَرِنِ بِهِما؟

فَلَوْ لَمْ يَعُدِ الأمْرُ لَعُطِفَ ﴿ فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ عَلى الأوَّلِ، فَلا يُفْهَمُ إلّا إهْباطٌ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ جَمِيعُ هَذِهِ الأُمُورِ، ويُحْتَمَلُ عَلى بُعْدٍ أنْ تَكُونَ فائِدَةُ التَّكْرارِ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أرادَ ذَلِكَ، ولَوْلا إرادَتُهُ لَما كانَ ما كانَ، ولِذَلِكَ أسْنَدَ الإهْباطَ إلى نَفْسِهِ مُجَرَّدًا عَنِ التَّعْلِيقِ بِالسَّبَبِ بَعْدَ إسْنادِ إخْراجِهِما إلى الشَّيْطانِ، فَهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ﴾ وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ الأوَّلَ مِنَ الجَنَّةِ إلى السَّماءِ، والثّانِي مِنها إلى الأرْضِ، ويُضْعِفُهُ ذِكْرُ ﴿ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ﴾ عَقِيبَ الأوَّلِ، (وجَمِيعًا) حالٌ مِن فاعِلِ (اهْبِطُوا) أيْ مُجْتَمِعِينَ سَواءٌ كانَ في زَمانٍ واحِدٍ، أوْ لا، وقَدْ يُفْهَمُ الِاتِّحادُ في الزَّمانِ مِن سِياقِ الكَلامِ، كَما قِيلَ بِهِ في ﴿ فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ ﴾ وأبْعَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَجَعَلَهُ تَأْكِيدًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُبُوطًا جَمِيعًا، ﴿ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ لا يَدْخُلُ في الخِطابِ غَيْرُ المُكَلِّفِ، وأدْرَجَ الكَثِيرُونَ إبْلِيسَ لِأنَّهُ مُخاطَبٌ بِالإيمانِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى الهُبُوطِ المَفْهُومِ مِنَ الأمْرِ، (وإمّا) مُرَكَّبَةٌ مِن إنِ الشَّرْطِيَّةِ (وما) الزّائِدَةِ لِلتَّأْكِيدِ، وكَثُرَ تَأْكِيدُ الفِعْلِ بَعْدَها بِالنُّونِ، ولَمْ يَجِبْ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ: إنْ شِئْتَ لَمْ تُقْحِمِ النُّونَ، كَما أنَّكَ إنْ شِئْتَ لَمْ تَجِئْ بِما، وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: يا صاحِ أما تَجِدْنِي غَيْرَ ذِي جِدَّةٍ فَما التَّخَلِّي عَنِ الخِلّانِ مِن شِيَمِي وقَوْلِهِ: إمّا أقَمْتَ وإمّا كُنْتَ مُرْتَحِلًا ∗∗∗ فاللَّهُ يَحْفَظُ ما تُبْقِي وما تَذَرُ وحَمَلَ ذَلِكَ مَن قالَ بِالوُجُوبِ عَلى الضَّرُورَةِ، وهو مِمّا لا ضَرُورَةَ إلَيْهِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ مَزِيَّةُ التّابِعِ الَّذِي هو حَرْفُ الشَّرْطِ عَلى المَتْبُوعِ، وهو الفِعْلُ يَدْفَعُهُ أنَّ التّابِعَ ومُؤَكِّدَهُ تابِعٌ، فَلا مَزِيَّةَ، أوْ أنَّ ما لِتَأْكِيدِ الفِعْلِ فِي أوَّلِهِ، كَما أنَّ النُّونَ إذا كانَتْ تَأْكِيدًا لَهُ في آخِرِهِ، وجِيءَ بِحَرْفِ الشَّكِّ إذْ لا قَطْعَ بِالوُقُوعِ، فَإنَّهُ تَعالى لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بَلْ إنْ شاءَ هَدى، وإنْ شاءَ تَرَكَ، وقِيلَ بِالقَطْعِ، واسْتِعْمالِ (إنَّ) في مَقامِهِ لا يَخْلُو عَنْ نُكْتَةٍ، كَتَنْزِيلِ العالِمِ مَنزِلَةَ غَيْرِهِ بِعَدَمِ جَرْيِهِ عَلى مُوجِبِ العِلْمِ، ويُحَسِّنُهُ سَبْقُ ما سِيقَ وُقُوعُهُ مِن آدَمَ، وقِيلَ: إنَّ زِيادَةَ (ما) والتَّوْكِيدَ بِالثَّقِيلَةِ لا يَتَقاعَدُ في إفادَةِ القَطْعِ عَنْ إذا، نَعَمْ، لا يُنْظَرُ فِيهِ إلى الزَّمانِ، بَلْ إلى أنَّهُ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ أُبْهِمَ وقْتُهُ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما اخَتَرْناهُ أسْلَمُ وأبْعَدُ عَنِ التَّكَلُّفِ، مِمّا ذُكِرَ، وإنْ جَلَّ قائِلُهُ، فَتَدَبَّرْ، (ومِنِّي) مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، وفِيهِ شِبْهُ الِالتِفاتِ كَما في البَحْرِ، وأتى بِالضَّمِيرِ الخاصِّ هُنا لِلرَّمْزِ إلى أنَّ اللّائِقَ بِمَن هُدِيَ التَّوْحِيدُ الصِّرْفُ، وعَدَمُ الِالتِفاتِ إلى الكَثْرَةِ، ونُكِّرَ الهُدى لِأنَّ المَقْصُودَ هو المُطْلَقُ، ولَمْ يَسْبِقْ فِيهِ عَهْدٌ فَيُعَرَّفَ، وفي المُرادِ بِهِ هُنا أقْوالٌ، فَقِيلَ: الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، وقِيلَ: الرُّسُلُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَعَلَّ المُرادَ هَدْيُهُ الَّذِي جاءَ بِهِ نُوّابُهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والفاءُ في (فَمَن) لِلرَّبْطِ (وما) بَعْدَ جُمْلَةٍ شَرْطِيَّةٍ وقَعَتْ جَوابًا لِلشَّرْطِ الأوَّلِ عَلى حَدِّ: إنْ جِئْتَنِي فَإنْ قَدَرْتُ أحْسَنْتُ إلَيْكَ، وقالَ السَّجاوَنْدِيُّ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ فاتَّبِعُوهُ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ (مَن) هَذِهِ مَوْصُولَةً لِما في المُقابِلِ مِنَ المَوْصُولِ، ودَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِها لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ في (هُدايَ) إشارَةً لِلْعِلِّيَّةِ، لِأنَّ الهُدى بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ واجِبُ الِاتِّباعِ، وبِالنَّظَرِ إلى أنَّهُ أُضِيفَ إلَيْهِ تَعالى إضافَةَ تَشْرِيفٍ أحْرى وأحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ، وقِيلَ: لَمْ يَأْتِ بِهِ ضَمِيرًا لِأنَّهُ أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ لِشُمُولِهِ لِما يَحْصُلُ بِالِاسْتِدْلالِ، والعَقْلِ، ولَمْ يَقُلِ الهُدى، لِئَلّا تَتَبادَرَ العَيْنِيَّةُ أيْضًا، لِأنَّ النَّكِرَةَ في الغالِبِ إذا أُعِيدَتْ مُعَرَّفَةً كانَتْ عَيْنَ الأوَّلِ مَعَ ما في الإضافَةِ إلى نَفْسِهِ تَعالى مِنَ التَّعْظِيمِ ما لا يَكُونُ لَوْ أتى بِهِ مُعَرَّفًا بِاللّامِ، والخَوْفُ الفَزَعُ في المُسْتَقْبَلِ، والحُزْنُ ضِدُّ السُّرُورِ مَأْخُوذٌ مِنَ الحَزَنِ، وهو ما غَلُظَ مِنَ الأرْضِ، فَكَأنَّهُ ما غَلُظَ مِنَ الهَمِّ، ولا يَكُونُ إلّا في الأمْرِ الماضِي عَلى المَشْهُورِ، ويُؤَوَّلُ حِينَئِذٍ نَحْوَ ﴿ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ ﴾ بِعِلْمِ ذَلِكَ الواقِعِ، وقِيلَ: إنَّهُ والخَوْفُ كِلاهُما في المُسْتَقْبَلِ، لَكِنَّ الخَوْفَ اسْتِشْعارُهم لِفَقْدِ مَطْلُوبٍ، والحُزْنُ اسْتِشْعارُ غَمٍّ لِفَوْتِ مَحْبُوبٍ، وجُعِلَ هُنا نَفْيُ الخَوْفِ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ العِقابِ، ونَفْيُ الحُزْنِ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ الثَّوابِ، وهي أبْلَغُ مِنَ الصَّرِيحِ وآكَدُ، لِأنَّها كَدَعْوى الشَّيْءِ بِبَيِّنَةٍ والمَعْنى: لا خَوْفَ عَلَيْهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مَكْرُوهٌ، ولا هم يَفُوتُ عَنْهم مَحْبُوبٌ فَيَحْزَنُوا عَلَيْهِ، فالمَنفِيُّ عَنِ الأوْلِياءِ خَوْفُ حُلُولِ المَكْرُوهِ، والحُزْنُ في الآخِرَةِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ الَّتِي هي دارُ السُّرُورِ والأمْنِ، لا خَوْفَ فِيها، ولا حُزْنَ، وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ التَّقابُلُ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ في الآيَتَيْنِ، وقالَ بَعْضُ الكُبَراءِ: خَوْفُ المَكْرُوهِ مَنفِيٌّ عَنْهم مُطْلَقًا، وأمّا خَوْفُ الجَلالِ فَفي غايَةِ الكَمالِ، والمُخْلِصُونَ عَلى خَطَرٍ عَظِيمٍ، وقِيلَ: المَعْنى لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ مِنَ الضَّلالَةِ في الدُّنْيا، ولا حُزْنٌ مِنَ الشَّقاوَةِ في العُقْبى، وقَدَّمَ انْتِفاءَ الخَوْفِ لِأنَّ انْتِفاءَ الخَوْفِ فِيما هو آتٍ أكْثَرُ مِنَ انْتِفاءِ الحُزْنِ عَلى ما فاتَ، ولِهَذا صُدِّرَ بِالنَّكِرَةِ الَّتِي هي أدْخَلُ في النَّفْيِ، وقَدَّمَ الضَّمِيرَ إشارَةً إلى اخْتِصاصِهِمْ بِانْتِفاءِ الحُزْنِ، وأنَّ غَيْرَهم يَحْزَنُ، والمُرادُ بَيانُ دَوامِ الِانْتِفاءِ لا بَيانُ انْتِفاءِ الدَّوامِ كَما يُتَوَهَّمُ مِن كَوْنِ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مُضارِعًا، لِما تَقَرَّرَ في مَحَلِّهِ أنَّ النَّفْيَ وإنْ دَخَلَ عَلى نَفْسِ المُضارِعِ يُفِيدُ الدَّوامَ والِاسْتِمْرارَ بِحَسَبِ المَقامِ، وذَكَرَ بَعْضُ النّاسِ أنَّ العُدُولَ عَنْ لا خَوْفَ لَهُمْ، أوْ عِنْدَهُمْ، إلى لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم قَدْ بَلَغَتْ حالُهم إلى حَيْثُ لا يَنْبَغِي أنْ يَخافَ أحَدٌ عَلَيْهِمْ، وفي البَحْرِ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَنّى بِعَلَيْهِمْ عَنِ الِاسْتِيلاءِ والإحاطَةِ إشارَةً إلى أنَّ الخَوْفَ لا يَنْتَفِي بِالكُلِّيَّةِ، ألا تَرى انْصِرافَ النَّفْيِ عَلى كَوْنِيَّةِ الخَوْفِ عَلَيْهِمْ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ كَوْنِيَّةِ اسْتِيلاءِ الخَوْفِ انْتِفاؤُهُ في كُلِّ حالٍ، فَلا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى نَفْيِ أهْوالِ القِيامَةِ وخَوْفِها عَنِ المُطِيعِينَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ فِيما أشَرْنا إلَيْهِ كِنايَةً غَنِيَّةً عَنْ مِثْلِهِ، وكَذا عَمّا قِيلَ: إنَّ نَفْيَ الِاسْتِيلاءِ لِلتَّعْرِيضِ بِالكُفّارِ، والإشارَةِ إلى أنَّ الخَوْفَ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهِمْ، هَذا وقَرَأ الأعْرَجُ (هُدايْ) بِسُكُونِ الياءِ، وفِيهِ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، وذَلِكَ مِن إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وغَيْرُهُ (هُدَيَّ) بِقَلْبِ الألِفِ ياءً وإدْغامِها في الياءِ عَلى لُغَةِ هُذَيْلٍ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وغَيْرُهُ (فَلا خَوْفَ) بِالفَتْحِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِاخْتِلافٍ عَنْهُ بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وكَأنَّهُ حُذِفَ لِنِيَّةِ الإضافَةِ، أوْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ أوْ لِمُلاحَظَةِ اللّامِ في الِاسْمِ عَلى ما في البَحْرِ، لِيَحْصُلَ التَّعادُلُ في كَوْنِ لا، دَخَلَتْ عَلى المَعْرِفَةِ في كِلا الجُمْلَتَيْنِ، وهو عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مُبْتَدَأٌ، و(عَلَيْهِمْ) خَبَرُهُ، أوْ أنَّ لا عامِلَةٌ عَمَلَ لَيْسَ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، والأوَّلُ أوْلى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً، يعني آدم وحواء وإبليس والحية.

وفي الآية.

دليل على أن المعصية تزيل النعمة عن صاحبها، لأن آدم قد أخرج من الجنة بمعصيته.

وهذا كما قال القائل: إِذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا ...

فَإِنَّ المَعَاصِي تُزِيلُ النِّعَمْ وَدَاوِمْ عَلَيْهَا بِشُكْرِ الإِله ...

فَإِنَّ الإِلهَ شَدِيدُ النِّقَمْ وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: 11] الآية.

وقوله تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً، وأصله فإن ما إلا أن النون أدغمت في الميم، وإن لتأكيد الكلام، وما للصلة، ومعناه فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى يعني البيان، وهو الكتاب والرسل، خاطب به آدم وعنى به ذريته.

فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ، يعني اتبع كتابي وأطاع رسلي فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما يستقبلهم من العذاب، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلفوا من أمر الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقيل: بِمَيْسَانَ «١» ، وأن إبليسَ نزل عند الأُبُلَّةِ «٢» .

قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ: المعنى: فقال الكلماتِ، فتابَ اللَّه علَيْه عنْد ذلك، وقرأ ابن كثير «٣» «آدَمَ» بالنصب «مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٌ» بالرفع، واختلف المتأوِّلون في الكلماتِ، فقال الحسنُ بن أبي الحسن: هي قوله تعالى: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ...

«٤» الآية [الأعراف: ٢٣] ، وقالت طائفة: إِنَّ آدم رأى مكتوباً على ساق العرش: محمَّدٌ رسُولُ اللَّهِ، فتشفَّع به، فهي الكلماتُ «٥» ، وسئل بعض سَلَفِ المسلمين عمَّا ينبغي أن يقوله المُذْنِبُ، فقال: يقول ما قاله أبواه: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف: ٢٣] وما قاله موسى: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص: ١٦] وما قال يونس: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: ٨٧] وتَابَ عَلَيْهِ: معناه: راجعٌ به، والتوبةُ، من اللَّه تعالى الرجوعُ على عبده بالرحمةِ والتوفيقِ، والتوبةُ من العبد الرجوعُ عن المعصيةِ، والندمُ على الذنب، مع تركه فيما يستأنف.

ت: يعني: مع العزم على تركه فيما يستقبل، وإنما خص اللَّه تعالى آدم بالذكْرِ في التلقِّي، والتوبة، وحواءُ مشارِكَةٌ له في ذلك بإجماع لأنه المخاطَبُ في أول القصَّة، فكملت القصة بذكُره وحْدَه وأيضاً: فَلأَنَّ المرأة حُرْمَةٌ ومستورةٌ، فأراد اللَّه تعالَى السِّتْر لها ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ [طه: ١٢١] وبنية التَّوَّاب للمبالغة والتكثير، وفي قوله تعالى: هُوَ التَّوَّابُ تأكيدٌ فائدتُهُ أنَّ التوبة على العبد إنما هي

نعمة من اللَّه تعالى، لا من العبد وحده لئلاَّ يعجب التائبُ، بل الواجب عليه شكر اللَّه تعالى في توبته عليه، وكرر الأمر بالهبوط لما علَّق بكل أمر منهما حكمًا غير حكم الآخر، فعلَّق بالأول العداوة، وبالثاني إتيان الهدى.

ت: وهذه الآية تبين أن هبوط آدم كان هبوط تَكْرِمَةٍ لما ينشأ عن ذلك من أنواع الخيرات، وفنون العبادات.

١٧ ب وجَمِيعاً: حالٌ من الضمير/ في «اهبطوا» ، واختلف في المقصود بهذا الخطاب.

فقيل: آدم، وحواء، وإبليس، وذريَّتهم، وقيل: ظاهره العموم، ومعناه الخصوص في آدم وحواء لأن إبليس لا يأتيه هُدًى، والأول أصح لأن إبليس مخاطَبٌ بالإيمان بإجماع «١» .

«وإِنْ» في قوله: فَإِمَّا هي للشرط، دخلت «مَا» عليها مؤكِّدة ليصح دخول النون المشدَّدة، واختلف في معنى قوله: هُدىً فقيل: بيان وإرشاد، والصواب أن يقال: بيان ودعاءٌ، وقالت فرقة: الهُدَى الرسُلُ، وهي إلى آدم من الملائكة، وإلى بنيه من البشر هو فَمَنْ بعده.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ : فِي إعادَةِ ذِكْرِ الهُبُوطِ- وقَدْ تَقَدَّمَ- قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أُعِيدَ لِأنَّ آَدَمَ أُهْبِطَ إهْباطَيْنِ، أحَدُهُما مِنَ الجَنَّةِ إلى السَّماءِ، والثّانِي مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ.

وأيُّهُما الإهْباطُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآَيَةِ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

والثّانِي: أنَّهُ إنَّما كَرَّرَ الهُبُوطَ تَوْكِيدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمّا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ "إنَّ" الَّتِي لِلْجَزاءِ، ضُمَّتْ إلَيْها "ما" والأصْلُ في اللَّفْظِ "إنَّ ما" مَفْصُولَةٌ، ولَكِنَّها مُدْغَمَةٌ، وكُتِبَتْ عَلى الإدْغامِ، فَإذا ضُمَّتْ "ما" إلى "إنْ" لَزِمَ الفِعْلُ النُّونَ الثَّقِيلَةَ أوِ الخَفِيفَةَ.

وإنَّما تَلْزَمُهُ النُّونُ لِأنَّ "ما" تَدْخُلُ مُؤَكَّدَةً، ودَخَلَتِ النُّونُ مُؤَكَّدَةً أيْضًا، كَما لَزِمَتِ اللّامُ النُّونَ في القَسَمِ في قَوْلِكَ: واللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ، وجَوابُ الجَزاءِ الفاءُ.

وَفِي المُرادِ بِـ "الهُدى" هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الرَّسُولُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: الكِتابُ، حَكاهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ .

وَقَرَأ يَعْقُوبُ: فَلا خَوْفَ: بِفَتْحِ الفاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّ الفاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

والمَعْنى: فَلا خَوْفَ عَلَيْهِمْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَ مِنَ العَذابِ، ولا هم يَحْزَنُونَ عِنْدَ المَوْتِ.

والخَوْفُ لِأمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، والحُزْنُ لِأمْرٍ ماضٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَوّابُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ المَعْنى: فَقالَ الكَلِماتُ، فَتابَ اللهُ عَلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ، و"آدَمُ" رُفِعَ بـِ "تَلَقّى" "كَلِماتٍ" نُصِبَ بِها، والتَلَقِّي مِن آدَمَ هو الإقْبالُ عَلَيْها، والقَبُولُ لَها، والفَهْمُ، وحَكى مَكِّيُّ قَوْلًا أنَّهُ أُلْهِمَها فانْتَفَعَ بِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "آدَمَ" بِالنَصْبِ ﴿ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ ﴾ بِالرَفْعِ، فالتَلَقِّي مِنَ الكَلِماتِ هو نَيْلُ آدَمَ بِسَبَبِها رَحْمَةَ اللهِ وتَوْبَتَهُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الكَلِماتِ، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا  ﴾ الآيَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي أنَّ آدَمَ، قالَ: "سُبْحانَكَ اللهُمَّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي إنَّكَ أنْتَ التَوّابُ الرَحِيمُ".

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي أنَّ آدَمَ قالَ: أيْ رَبِّ.

ألَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ؟

قالَ: بَلى.

قالَ: أيْ رَبِّ.

ألَمْ تَنْفُخْ فِيَّ مِن رُوحِكَ؟

قالَ: بَلى، قالَ: أيْ رَبِّ.

ألَمْ تُسْكِنِّي جَنَّتَكَ؟

قالَ: بَلى، قالَ: أرَأيْتَ إنْ تُبْتُ وأطَعْتُ أراجِعِي أنْتَ إلى الجَنَّةِ؟

قالَ: نَعَمْ.

وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إنَّ آدَمَ قالَ: أيْ رَبِّ، أرَأيْتَ ما عَصَيْتُكَ فِيهِ أشِيءٌ كَتَبْتَهُ عَلَيَّ أمْ شَيْءٌ ابْتَدَعْتَهُ؟

قالَ: بَلْ شَيْءٌ كَتَبْتَهُ عَلَيْكَ، قالَ: أيْ رَبِّ.

كَما كَتَبْتَهُ عَلَيَّ فاغْفِرْ لِي.

وقالَ قَتادَةُ: الكَلِماتُ هي أنَّ آدَمَ قالَ: أيْ رَبِّ.

أرَأيْتَ إنْ أنا تُبْتُ وأصْلَحْتُ؟

قالَ: إذًا أُدْخِلُكَ الجَنَّةَ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ المُرادَ بِالكَلِماتِ نَدَمُهُ واسْتِغْفارُهُ وحُزْنُهُ، وسَمّاها كَلِماتٍ مَجازًا لِما هي في خَلْقِها صادِرَةٌ عن كَلِماتٍ، وهي كُنْ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ، وهَذا قَوْلٌ يَقْتَضِي أنَّ آدَمَ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا إلّا الِاسْتِغْفارَ المَعْهُودَ.

وسُئِلَ بَعْضُ سَلَفِ المُسْلِمِينَ عَمّا يَنْبَغِي أنْ يَقُولَهُ المُذْنِبُ فَقالَ: يَقُولُ ما قالَ أبَواهُ: ﴿ رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا  ﴾ وما قالَ مُوسى: ﴿ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي  ﴾ .

وما قالَ يُونُسُ: ﴿ لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظالِمِينَ  ﴾ .

"وَتابَ عَلَيْهِ" مَعْناهُ: رَجَعَ بِهِ، والتَوْبَةُ مِنَ اللهِ تَعالى: الرُجُوعُ عَلى عَبْدِهِ بِالرَحْمَةِ والتَوْفِيقِ، والتَوْبَةُ مِنَ العَبْدِ: الرُجُوعُ عَنِ المَعْصِيَةِ، والنَدَمُ عَلى الذَنْبِ مَعَ تَرْكِهِ فِيما يَسْتَأْنِفُ وإنَّما خَصَّ اللهُ تَعالى آدَمَ بِالذِكْرِ هُنا في التَلَقِّي والتَوْبَةِ، وحَوّاءَ مُشارِكَةً لَهُ في ذَلِكَ بِإجْماعٍ لِأنَّهُ المُخاطَبُ في أوَّلِ القِصَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ  ﴾ ، فَلِذَلِكَ كَمَلُتِ القِصَّةُ بِذَكَرِهِ وحْدَهُ، وأيْضًا فَلِأنَّ المَرْأةَ حُرْمَةٌ ومَسْتُورَةٌ، فَأرادَ اللهُ السَتْرَ لَها، ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْها في المَعْصِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى  ﴾ .

ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى تابَ عَلى آدَمَ في يَوْمِ عاشُوراءَ.

وكُنْيَةُ آدَمَ أبُو مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: أبُو البَشَرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إنَّهُ" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى القَطْعِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَقْرَبَ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى مَعْنى لِأنَّهُ.

وبِنْيَةُ "التَوّابُ" لِلْمُبالَغَةِ والتَكْثِيرِ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ هو التَوّابُ الرَحِيمُ ﴾ ، تَأْكِيدٌ فائِدَتُهُ أنَّ التَوْبَةَ عَلى العَبْدِ إنَّما هي نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ لا مِنَ العَبْدِ وحْدَهُ، لِئَلّا يَعْجَبَ التائِبَ، بَلِ الواجِبُ عَلَيْهِ شُكْرُ اللهِ تَعالى في تَوْبَتِهِ عَلَيْهِ.

وكَرَّرَ الأمْرَ بِالهُبُوطِ لَمّا عَلَّقَ بِكُلِّ أمْرٍ مِنهُما حُكْمًا غَيْرَ حُكْمِ الآخَرِ، فَعَلَّقَ بِالأوَّلِ العَداوَةَ، وعَلَّقَ بِالثانِي إتْيانَ الهُدى، وقِيلَ: كَرَّرَ الأمْرَ بِالهُبُوطِ عَلى جِهَةِ تَغْلِيظِ الأمْرِ وتَأْكِيدِهِ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُمْ قُمْ.

وحَكى النَقّاشُ أنَّ الهُبُوطَ الثانِيَ إنَّما هو مِنَ الجَنَّةِ إلى السَماءِ، والأوَّلُ في تَرْتِيبِ الآيَةِ إنَّما هو إلى الأرْضِ وهو الآخَرُ في الوُقُوعِ، فَلَيْسَ في الأمْرِ تَكْرارٌ عَلى هَذا.

و"جَمِيعًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "اهْبِطُوا"، ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ، ولا اسْمَ فاعِلٍ، ولَكِنَّهُ عَوَّضَ مِنهُما، دالٌّ عَلَيْهِما، كَأنَّهُ قالَ: هُبُوطًا جَمِيعًا، أو هابِطَيْنِ جَمِيعًا.

واخْتَلَفَ في المَقْصُودِ بِهَذا الخِطابِ، فَقِيلَ: آدَمُ وحَوّاءُ وإبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُمْ، وقِيلَ: ظاهِرُهُ العُمُومُ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ في آدَمَ وحَوّاءَ، لِأنَّ إبْلِيسَ لا يَأْتِيهِ هُدًى، وخُوطِبا بِلَفْظِ الجَمْعِ تَشْرِيفًا لَهُما، والأوَّلُ أصَحُّ لِأنَّ إبْلِيسَ مُخاطَبٌ بِالإيمانِ بِإجْماعٍ.

و"إنَّ" في قَوْلِهِ: "فَإمّا" هي لِلشَّرْطِ، دَخَلَتْ "ما" عَلَيْها مُؤَكِّدَةٌ لِيَصِحَّ دُخُولُ النُونِ المُشَدَّدَةِ، فَهي بِمَثابَةِ لامِ القَسَمِ الَّتِي تَجِيءُ لِتَجِيءَ النُونُ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: "مِنِّي" إشارَةٌ إلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ خَلْقُ اللهِ تَعالى، واخْتَلَفَ في مَعْنى قَوْلِهِ "هُدًى" فَقِيلَ: بَيانٌ وإرْشادٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَوابُ أنْ يُقالَ: بَيانٌ ودُعاءٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الهُدى الرُسُلُ، وهي إلى آدَمَ مِنَ المَلائِكَةِ، وإلى بَنِيهِ مِنَ البَشَرِ، هو فَمَن بَعْدَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدايَ ﴾ ، شَرْطٌ جَوابُهُ ﴿ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: الشَرْطُ الثانِي وجَوابُهُ هُما جَوابُ الأوَّلِ في قَوْلِهِ: ﴿ فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ وحُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ ، جَوابُ الشَرْطَيْنِ جَمِيعًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: حُكِيَ هَذا، وفِيهِ نَظَرٌ، ولا يَتَوَجَّهُ أنْ يُخالِفَ سِيبَوَيْهِ هُنا، وإنَّما الخِلافُ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ  ﴾ ﴿ فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ  ﴾ ، فَيَقُولُ سِيبَوَيْهِ: جَوابُ الشَرْطَيْنِ.

وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فالمَعْنى يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ ﴿ فَلا خَوْفٌ ﴾ جَوابًا لِلشَّرْطَيْنِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ "هُدًى"، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ يَرْثِي بَنِيهِ: سَبَقُوا هُوِيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ فَتَخَرَّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ وكَذَلِكَ يَقُولُونَ: عَصِيَّ وما أشْبَهَهُ، وعِلَّةُ هَذِهِ اللُغَةِ أنَّ ياءَ الإضافَةِ مِن شَأْنِها أنْ يُكْسَرَ ما قَبْلَها، فَلَمّا لَمْ يَصِحَّ في هَذا الوَزْنِ كَسْرُ الألِفِ الساكِنَةِ أُبْدِلَتْ ياءً وأُدْغِمَتْ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ، ويَعْقُوبُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ: "فَلا خَوْفَ عَلَيْهِمْ" نُصِبَ بِالتَبْرِئَةِ.

ووَجْهُهُ أنَّهُ أعَمُّ وأبْلَغُ في رَفْعِ الخَوْفِ، ووَجْهُ الرَفْعِ أنَّهُ أعْدَلُ في اللَفْظِ لِيَنْعَطِفَ المَرْفُوعُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ هم يَحْزَنُونَ ﴾ عَلى مَرْفُوعٍ.

و"لا" في قِراءَةِ الرَفْعِ عامِلَةٌ عَمَلَ لَيْسَ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِاخْتِلافٍ عنهُ: "فَلا خَوْفُ" بِالرَفْعِ وتَرَكَ التَنْوِينَ، وهي عَلى أنْ تَعْمَلَ "لا" عَمَلَ لَيْسَ، لَكِنَّهُ حَذَفَ التَنْوِينَ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، أيْ: فِيما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الدُنْيا ﴿ وَلا هم يَحْزَنُونَ ﴾ عَلى ما فاتَهم مِنها.

ويُحْتَمَلُ أنْ ﴿ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ  ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ وَلا هم يَحْزَنُونَ ﴾ فِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: أنَّهُ يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ حَيْثُ لا خَوْفٌ ولا حَزَنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، عَطْفُ جُمْلَةٍ مَرْفُوعَةٍ عَلى جُمْلَةٍ مَرْفُوعَةٍ، وقالَ: "وَكَذَّبُوا" وكانَ في الكُفْرِ كِفايَةٌ، لِأنَّ لَفْظَةَ "كَفَرُوا" يَشْتَرِكُ فِيها كُفْرُ النِعَمِ، وكُفْرُ المَعاصِي، ولا يَجِبْ بِهَذا خُلُودٌ، فَبَيَّنَ أنَّ الكُفْرَ هُنا هو الشِرْكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَكَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ ، والآيَةُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المَتْلُوَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ العَلامَةَ المَنصُوبَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في صَدْرِ هَذا الكِتابِ القَوْلُ عَلى لَفْظِ آيَةٍ، و"أُولَئِكَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و"أصْحابُ" خَبَرُهُ، والصُحْبَةُ الِاقْتِرانُ بِالشَيْءِ في حالَةِ ما في زَمَنٍ ما، فَإنْ كانَتِ المُلازَمَةُ والخُلْطَةُ فَهو كَمالُ الصُحْبَةِ، وهَكَذا هي صُحْبَةُ أهْلِ النارِ لَها، وبِهَذا القَوْلِ يَنْفَكُّ الخِلافُ في تَسْمِيَةِ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ؛ لِأنَّ مَراتِبَهم مُتَبايِنَةً، أقَلُّها الِاقْتِرانُ في الإسْلامِ والزَمَنُ، وأكْثَرُها الخُلْطَةُ والمُلازَمَةُ، ﴿ وَهم فِيها خالِدُونَ  ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كررت جملة ﴿ قلنا اهبطوا ﴾ فاحتمل تكريرها أن يكون لأجل ربط النظم في الآية القرآنية من غير أن تكون دالة على تكرير معناها في الكلام الذي خوطب به آدم فيكون هذا التكرير لمجرد اتصال ما تعلق بمدلول ﴿ وقلنا اهبطوا ﴾ [البقرة: 36] وذلك قوله: ﴿ بعضكم لبعض عدو ﴾ [البقرة: 36] وقوله: ﴿ فإما يأتينكم مني هدى ﴾ .

إذ قد فَصَل بين هذين المتعلقين ما اعترض بينهما من قوله: ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ﴾ [البقرة: 37] فإنه لو عقب ذلك بقوله: ﴿ فإما يأتينكم مني هدى ﴾ لم يرتبط كمال الارتباط ولتوهم السامع أنه خطاب للمؤمنين على عادة القرآن في التفنن فلدفع ذلك أعيد قوله: ﴿ قلنا اهبطوا ﴾ فهو قول واحد كرر مرتين لربط الكلام ولذلك لم يعطف ﴿ قلنا ﴾ لأن بينهما شبه كمال الاتصال لتنزل قوله: ﴿ قلنا اهبطوا منها جميعاً ﴾ من قوله: ﴿ وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ﴾ منزلة التوكيد اللفظي ثم بنى عليه قوله: ﴿ فإما يأتينكم مني هدى ﴾ الآية وهو مغاير لما بنى على قوله: ﴿ وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ﴾ ليحصل شيء من تجدد فائدة في الكلام لكي لا يكون إعادة ﴿ اهبطوا ﴾ مجرد توكيد ويسمى هذا الأسلوب في علم البديع بالترديد نحو قوله تعالى: ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ﴾ [آل عمران: 188] وإفادته التأكيد حاصلة بمجرد إعادة اللفظ.

وقيل هو أمر ثاني بالهبوط بأن أهبط آدم من الجنة إلى السماء الدنيا بالأمر الأول ثم أهبط من السماء الدنيا إلى الأرض فتكون إعادة ﴿ قلنا اهبطوا ﴾ للتنبيه على اختلاف زمن القولين والهبوط وهو تأويل يفيد أن المراحل والمسافات لا عبرة بها عند المسافر ولأن ضمير ﴿ منها ﴾ المتعين للعود إلى الجنة لتنسق الضمائر في قوله: ﴿ وكلا منها رغداً ﴾ [البقرة: 35] وقوله: ﴿ فأزلهما الشيطان عنها ﴾ [البقرة: 36] مانع من أن يكون المراد اهبطوا من السماء جميعاً إذ لم يسبق معاد للسماء فالوجه عندي على تقدير أن تكون إعادة ﴿ اهبطوا ﴾ الثاني لغير ربط نظم الكلام أن تكون لحكاية أمر ثاننٍ لآدم بالهبوط كيلا يظن أن توبة الله عليه ورضاه عنه عند مبادرته بالتوبة عقب الأمر بالهبوط قد أوجبت العفو عنه من الهبوط من الجنة فأعاد له الأمر بالهبوط بعد قبول توبته ليعلم أن ذلك كائن لا محالة لأنه مراد الله تعالى وطور من الأطوار التي أرادها الله تعالى من جعله خليفة في الأرض وهو ما أخبر به الملائكة.

وفيه إشارة أخرى وهي أن العفو يكون من التائب في الزواجر والعقوبات.

وأما تحقيق آثار المخالفة وهو العقوبة التأديبية فإن العفوعنها فساد في العالم لأن الفاعل للمخالفة إذا لم ير أثر فعله لم يتأدب في المستقبل فالتسامح معه في ذلك تفويت لمقتضى الحكمة، فإن الصبي إذا لوث موضعاً وغضب عليه مربيه ثم تاب فعفا عنه فالعفو يتعلق بالعقاب وأما تكليفه بأن يزيل بيده التلويث الذي لوث به الموضع فذلك لا يحسن التسامح فيه ولذا لما تاب الله على آدم رضي عنه ولم يؤاخذه بعقوبة ولا بزاجر في الدنيا ولكنه لم يصفح عنه في تحقق أثر مخالفته وهو الهبوط من الجنة ليرى أثر حرصه وسوء ظنه، هكذا ينبغي أن يكون التوجيه إذا كان المراد من ﴿ اهبطوا ﴾ الثاني حكاية أمر ثان بالهبوط خوطب به آدم.

و ﴿ جميعاً ﴾ حال.

وجميع اسم للمجتمعين مثل لفظ (جمع) فلذلك التزموا فيه حالة واحدة وليس هو في الأصل وصفاً وإلا لقالوا جاءوا جميعين لأن فعيلاً بمعنى فاعل يطابق موصوفه وقد تأولوا قول امرئ القيس: فلو أنها نفس تموت جميعة *** بأن التاءَ فيه للمبالغة والمعنى اهبطوا مجتمعين في الهبوط متقارنين فيه لأنهما استويا في اقتراف سبب الهبوط.

وقوله: ﴿ فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي ﴾ شرط على شرط لأن (إما) شرط مركب من إن الشرطية وما الزائدة دالة على تأكيد التعليق لأن إن بمجردها دالة على الشرط فلم يكن دخول ما الزائدة عليها كدخولها على (متى) و(أي) و(أين) و(أيان) و(ما) و(من) و(مهما) على القول بأن أصلها ماما لأن تلك كانت زيادتها لجعلها مفيدة معنى الشرط فإن هذه الكلمات لم توضع له بخلاف (إن) وقد التزمت العرب تأكيد فعل الشرط مع إما بنون التوكيد لزيادة توكيد التعليق بدخول علامته على أداته وعلى فعله فهو تأكيد لا يفيد تحقيق حصول الجواب لأنه مناف للتعليق، ولذلك لم يؤكد جواب الشرط بالنون بل يفيد تحقيق الربط أي إن كون حصول الجواب متوقفاً على حصول الشرط أمر محقق لا محالة فإن التعليق ما هو إلا خبر من الأخبار، إذ حاصله الإخبار بتوقف حصول الجزاء على حصول الشرط فلا جرم كان كغيره من الأخبار قابلاً للتوكيد وقلما خلا فعل الشرط مع إما عن نون التوكيد كقول الأعشى: إما تريْنا حُفاةً نعال لنا *** إنا كذلك ما نحْفي وننتعل وهو غير حسن عند سيبويه والفارسي، وقال المبرد والزجاج هوممنوع فجعلا خلو الفعل عنه ضرورة.

وقوله: ﴿ فمن تبع هداي ﴾ مَن شرطية بدليل دخول الفاء في جوابها ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ لأن الفاء وإن دخلت في خبر الموصول كثيراً فذلك على معاملته معاملة الشرط فلتحمل هنا على الشرطية اختصاراً للمسافة.

وأظهر لفظ الهدى في قوله: ﴿ هُداي ﴾ وهوعين الهُدى في قوله: ﴿ مني هدى ﴾ فكان المقام للضمير الرابط للشرطية الثانية بالأولى لكنه أظهر اهتماماً بالهدى ليزيد رسوخاً في أذهان المخاطبين على حد ﴿ كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول ﴾ [المزمل: 15، 16] ولتكون هاته الجملة مستقلة بنفسها لا تشتمل على عائد يحتاج إلى ذكر معاد حتى يتأتى تسييرها مسير المثل أو النصيحة فتُلحظ فتحفظ وتتذكرها النفوس لتهذب وترتاض كما أظهر في قوله: ﴿ وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ﴾ [الإسراء: 81] لتسير هذه الجملة الأخيرة مسير المثل ومنه قول بشار: إذا بَلغ الرأي المَشُورةَ فاستعن *** برأي نصيح أو نصيحة حازم ولا تجعل الشورى عليك غضاضةً *** مكانُ الخوافي قوةٌ للقوادم وأدْننِ إلى الشُّورى المسدَّدَ رأيُهُ *** ولا تُشهد الشورى امرأً غير كاتم فكرر الشورى ثلاث مرات في البيتين الثاني والثالث ليكون كل نصف سائراً مسير المثل وبهذا يظهر وجه تعريف الهدى الثاني بالإضافة لضمير الجلالة دون أل مع أنها الأصل في وضع الظاهر موضع الضمير الواقع معاد لئلا يفوت هاته الجملة المستقلة شيء تضمنته الجملة الأولى إذ الجملة الأولى تضمنت وصف الهدى بأنه آت من الله والإضافة في الجملة الثانية تفيد هذا المفاد.

والإتيانُ في قوله تعالى: ﴿ فإما يأتينكم ﴾ بحَرف الشرط الدال على عدم الجزم بوقوع الشرط إيذان ببقية من عتاب على عدم امتثال الهدى الأول وتعريض بأن محاولة هديكم في المستقبل لا جدوى لها كما يقول السيد لعبده إذا لم يعمل بما أوصاه به فغضب عليه ثم اعتذَر له فرضي عنه: إنْ أوصيتك يوماً آخر بشيء فلا تَعُدْ لمثل فعلتك، يعرض له بأن تعلق الغرض بوصيته في المستقبل أمر مشكوك فيه إذ لعله قليل الجدوى، وهذا وجه بليغ فات صاحب «الكشاف» حجبه عنه توجيهٌ تكلَّفه لإرغام الآية على أن تكون دليلاً لقول المعتزلة بعدم وجوب بعثة الرسل للاستغناء عنها بهدي العقل في الإيمان بالله مع كون هدي الله تعالى الناس واجباً عندهم، وذلك التكلف كثير في «كتابه» وهو لا يليق برسوخ قدمه في العلم، فكان تقريره هذا كالاعتذار عن القول بعدم وجوب بعثة الرسل على أن الهدى لا يختص بالإيمان الذي يغني فيه العقل عن الرسالة عندهم بل معظمه هدي التكاليف وكثير منها لا قِبَل للعقل بإدراكه، وهو على أصولهم أيضاً واجب على الله إبلاغه للناس فيبقى الإشكال على الإتيان بحرف الشك هنا بحالة فلذلك كانت الآية أسعد بمذهبنا أيها الأشاعرة من عدم وجوب الهدي كله على الله تعالى لو شئنا أن نستدل بها على ذلك كما فعل البيضاوي ولكنا لا نراها واردة لأجله.

وقوله: ﴿ فإما يأتينكم منّي هدى ﴾ الآية هو في معنى العهد أخذه الله على آدم فلزم ذريته أن يتبعوا كل هدى يأتيهم من الله وأن من أعرض عن هدى يأتي من الله فقد استوجب العذاب فشمل جميع الشرائع الإلهية المخاطب بها طوائف الناس لوقوع (هدى) نكرة في سياق الشرط وهو من صيغ العموم، وأولى الهدي وأجدره بوجوب اتباعه الهدي الذي أتى من الله لسائر البشر وهو دين الإسلام الذي خوطب به جميع بني آدم وبذلك تهيأ الموقع لقوله: ﴿ والذين كفروا ﴾ إلخ فالله أخذ العهد من لدن آدم على اتباع الهدي العام كقوله: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيئين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ﴾ [آل عمران: 81] الآية.

وهذه الآية تدل على أن الله لا يؤاخذ البشر بما يقترفونه من الضلال إلا بعد أن يرسل إليهم من يهديهم فأما في تفاصيل الشرائع فلا شك في ذلك ولا اختلاف وأما في توحيد الله وما يقتضيه من صفات الكمال فيجري على الخلاف بين علمائنا في مؤاخذة أهل الفترة على الإشراك، ولعل الآية تدل على أن الهدى الآتي من عند الله في ذلك قد حصل من عهد آدم ونوح وعرفه البشر كلهم فيكون خطاباً ثابتاً لا يسع البشر ادعاء جهله وهو أحد قولين عن الأشعري، وقيل لا، وعند المعتزلة والماتريدية أنه دليل عقلي.

وقوله: ﴿ فلا خلاف عليهم ﴾ نفي لجنس الخوف.

و ﴿ خوف ﴾ مرفوع في قراءة الجمهور وقرأه يعقوب مبنياً على الفتح وهما وجهان في اسم (لا) النافية للجنس وقد روي بالوجهين قول المرأة الرابعة من نساء حديث أم زرع «زوجي كليل تهامه لا حر ولا قُر ولا مخافة ولا سآمه».

وبناء الاسم على الفتح نص في نفي الجنس ورفعه محتمل لنفي الجنس ولنفي فرد واحد، ولذلك فإذا انتفى اللبس استوى الوجهان كما هنا إذ القرينة ظاهرة في نفي الجنس.

وقوله: ﴿ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ﴾ يحتمل أنه من جملة ما قيل لآدم فإكمال ذكره هنا استيعاب لأقسام ذرية آدم وفيه تعريض بالمشركين من ذرية آدم وهو يعم من كذب بالمعجزات كلها ومن جملتها القرآن، عطف على (مَن) الشرطية في قوله: ﴿ فمن تبع هداي ﴾ إلخ فهو من عطف جملة اسمية على جملة اسمية، وأتى بالجملة المعطوفة غير شرطية مع ما في الشرطية من قوة الربط والتنصيص على ترتب الجزاء على الشرط وعدم الانفكاك عنه لأن معنى الترتب والتسبب وعدم الانفكاك قد حصل بطرق أخرى فحصل معنى الشرط من مفهوم قوله: ﴿ فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ﴾ فإنه بشارة يؤذن مفهومها بنذارة من لم يتبعه فهو خائف حزين فيترقب السامع ما يبين هذا الخوف والحزن فيحصل ذلك بقوله: ﴿ والذين كفروا وكذبوا ﴾ الآية.

وأما معنى التسبب فقد حصل من تعليق الخبر على الموصول وصلته المومئ إلى وجه بناء الخبر وعلته على أحد التفسيرين في الإيماء إلى وجه بناء الخبر، وأما عدم الانفكاك فقد اقتضاه الإخبار عنهم بأصحاب النار المقتضي للملازمة ثم التصريح بقوله: ﴿ هم فيها خالدون ﴾ .

ويحتمل أنه تذييل ذيلت به قصة آدم لمناسبة ذكر المهتدين وليس من المقول له، والمقصود من هذا التذييل تهديد المشركين والعود إلى عرض قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم ﴾ [البقرة: 21] وقوله: ﴿ كيف تكفرون بالله ﴾ [البقرة: 28] فتكون الواو في قوله: ﴿ والذين كفروا ﴾ اعتراضية والمراد بالذين كفروا الذين أنكروا الخالق وأنكروا أنبياءه وجحدوا عهده كما هو اصطلاح القرآن والمعنى والذين كفروا بي وبهداي كما دلت عليه المقابلة.

والآيات جمع آية وهي الشيء الدال على أمر من شأنه أن يخفى، ولذلك قيل لأعلام الطريق آيات لأنهم وضعوها للإرشاد إلى الطرق الخفية في الرمال، وتسمى الحجة آية لأنها تظهر الحق الخفي، كما قال الحارث بن حلزة: من لنا عنده من الخير آيا *** تٌ ثلاثٌ في كلهن القضاء يعني ثلاث حجج على نصحهم وحسن بلائهم في الحرب وعلى اتصالهم بالملك عمرو بن هند.

وسمى الله الدلائل على وجوده وعلى وحدانيته وعلى إبطال عقيدة الشرك آيات، فقال: ﴿ وماتأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ﴾ [الأنعام: 4] وقال: ﴿ وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ﴾ [الأنعام: 97] إلى قوله: ﴿ إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ﴾ [الأنعام: 99] وقال: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ﴾ [الأنعام: 109] وسمي القرآن آية فقال: ﴿ أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ﴾ في سورة العنكبوت (50، 51).

وسمَّى أجزاءه آيات فقال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا ﴾ [الحج: 72] وقال: ﴿ المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ﴾ [الرعد: 1] لأن كل سورة من القرآن يعجز البشر عن الإتيان بمثلها كما قال تعالى: ﴿ فأتوا بسورة من مثله ﴾ [البقرة: 23]، فكان دالاً على صدق الرسول فيما جاء به وكانت جمله آيات لأن بها بعضَ المقدار المعجز، ولم تسم أجزاء الكتب السماوية الأخرى آيات، وأما ما ورد في حديث الرجم أن ابن صوريا حين نشر التوراة وضع يده على آية الرجم فذلك على تشبيه الجزء من التوراة بالجزء من القرآن وهو من تعبير راوي الحديث.

وأصل الآية عند سيبويه فَعَلَة بالتحريك أَيَيَهْ أو أَوَيَهْ على الخلاف في أنها واوية أو يائية مشتقة من أي الاستفهامية أو من أوى فلما تحرك حرفَا العلة فيها قلب أحدهما وقُلب الأول تخفيفاً على غير قياس لأن قياس اجتماع حرفي علة صالحين للإعلال أن يعل ثانيهما إلا ما قل من نحو آيَة وقَاية وطَاية وثَاية ورَاية.

فالمراد بآياتنا هنا آيات القرآن أي وكذبوا بالقرآن أي بأنه وحي من عند الله.

والباء في قوله: ﴿ وكذبوا بآياتنا ﴾ باء يكثر دخولها على متعلق مادة التكذيب مع أن التكذيب متعد بنفسه ولم أقف في كلام أئمة اللغة على خصائص لحاقها بهذه المادة والصيغة فيحتمل أنها لتأكيد اللصوق للمبالغة في التكذيب فتكون كالباء في قوله تعالى: ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ [المائدة: 6] وقول النابغة: لك الخير أَنْ وارتْ بك الأرضُ واحدا *** ويحتمل أن أصلها للسببية وأن الأصل أن يُقال كذَّب فلاناً بخبره ثم كثر ذلك فصار كذب به وكذَب بمعنى واحد والأكثر أن يقال كذَّب فلاناً، وكذب بالخبر الفلاني، فقوله: ﴿ بآياتنا ﴾ يتنازعه فعلا كَفروا وكَذبوا.

وقوله: ﴿ هم فيها خالدون ﴾ بيان لمضمون قوله: ﴿ أصحاب النار ﴾ فإن الصاحب هنا بمعنى الملازم ولذلك فصلت جملة ﴿ فيها خالدون ﴾ لتنزلها من الأولى منزلة البيان فبينهما كمال الاتصال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ ﴾ : أمّا (الكَلامُ) فَمَأْخُوذٌ مِنَ التَّأْثِيرِ، لِأنَّ لَهُ تَأْثِيرًا في النَّفْسِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي; ولِذَلِكَ سُمِّيَ الجُرْحُ كَلْمًا لِتَأْثِيرِهِ في البَدَنِ، واللَّفْظُ مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِكَ: لَفَظْتُ الشَّيْءَ، إذا أخْرَجْتَهُ مِن قَلْبِكَ.

واخْتُلِفَ في الكَلِماتِ الَّتِي تَلَقّاها آدَمُ مِن رَبِّهِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿ رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ  ﴾ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: قَوْلُ آدَمَ: اللَّهُمَّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ، رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي، فاغْفِرْ لِي، إنَّكَ خَيْرُ الغافِرِينَ، اللَّهُمَّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ، إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي، فَتُبْ عَلَيَّ، إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّ آدَمَ قالَ لِرَبِّهِ إذْ عَصاهُ: رَبِّ أرَأيْتَ إنْ تُبْتُ وأصْلَحْتُ؟

فَقالَ رَبُّهُ: إنِّي راجِعُكَ إلى الجَنَّةِ، وكانَتْ هي الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّاها مِن رَبِّهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَتابَ عَلَيْهِ ﴾ ، أيْ قَبِلَ تَوْبَتَهُ، والتَّوْبَةُ الرُّجُوعُ، فَهي مِنَ العَبْدِ رُجُوعُهُ عَنِ الذَّنْبِ بِالنَّدَمِ عَلَيْهِ، والإقْلاعِ عَنْهُ، وهي مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى عَبْدِهِ، رُجُوعٌ لَهُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ: ﴿ فَتابَ عَلَيْهِ ﴾ ، ولَمْ يَقُلْ: فَتابَ عَلَيْهِما، والتَّوْبَةُ قَدْ تَوَجَّهَتْ إلَيْهِما؟

قِيلَ: عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: لَمّا ذَكَرَ آدَمَ وحْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ ﴾ ، ذَكَرَ بَعْدَهُ قَبُولَ تَوْبَتِهِ، ولَمْ يَذْكُرْ تَوْبَةَ حَوّاءَ وإنْ كانَتْ مَقْبُولَةَ التَّوْبَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُها.

والثّانِي: أنَّ الِاثْنَيْنِ إذا كانَ مَعْنى فِعْلِهِما واحِدًا، جازَ أنْ يُذْكَرَ أحَدُهُما، ويَكُونَ المَعْنى لَهُما، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها  ﴾ وكَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ ﴾ ، أيِ الكَثِيرُ القَبُولِ لِلتَّوْبَةِ، وعَقَّبَهُ بِالرَّحْمَةِ، لِئَلّا يُخَلِّيَ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ مِن نِعَمِهِ.

وَقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ تَعالى آدَمَ إلّا لِلْأرْضِ، فَلَوْ لَمْ يَعْصِ لَخَرَجَ عَلى غَيْرِ تِلْكَ الحالِ، وقالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَلَقَهُ لِلْأرْضِ إنْ عَصى، ولِغَيْرِها إنْ لَمْ يَعْصِ.

وَلَمْ يُخْرِجِ اللَّهُ تَعالى آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ ويُهْبِطُهُ عَلى الأرْضِ عُقُوبَةً، لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَنْبَهُ كانَ صَغِيرًا.

والثّانِي: أنَّهُ أُهْبِطَ بَعْدَ قَبُولِ تَوْبَتِهِ.

وَإنَّما أُهْبِطَ لِأحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا تَأْدِيبًا، وإمّا تَغْلِيظًا لِلْمِحْنَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى ﴾ قال: الهدى الأنبياء والرسل والبيان.

وأخرج ابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فمن تبع هداي...

﴾ الآية.

قال: ما زال لله في الأرض أولياء منذ هبط آدم، ما أخلى الله الأرض لابليس إلا وفيها أولياء له يعملون لله بطاعته.

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أبي الطفيل قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فمن تبع هَدْي ﴾ بتثقيل الياء وفتحها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ يعني في الآخرة ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ يعني لا يحزنون للموت.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي في شعب الإِيمان عن قتادة قال: لما هبط إبليس قال: أي رب قد لعنته فما علمه؟

قال: السحر.

قال: فما قراءته؟

قال: الشعر.

قال: فما كتابه؟

قال: الوشم.

قال: فما طعامه؟

قال: كل ميتة وما لم يذكر اسم الله عليه.

قال: فما شرابه؟

قال: كل مسكر.

قال: فأين مسكنه؟

قال: الحمام.

قال: فأين مجلسه؟

قال: الأسواق.

قال: فما صوته؟

قال: المزمار.

قال: فما مصائده؟

قال: النساء.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال إبليس لربه تعالى: يا رب قد أهبط آدم، وقد علمت أنه سيكون كتاب ورسل، فما كتابهم ورسلهم؟

قال: رسلهم الملائكة والنبيون، وكتبهم التوراة والإِنجيل والزبور والفرقان.

قال: فما كتابي؟

قال: كتابك الوشم، وقراءتك الشعر، ورسلك الكهنة، وطعامك ما لم يذكر اسم الله عليه، وشرابك كل مسكر، وصدقك الكذب، وبيتك الحمام، ومصائدك النساء، ومؤذنك المزمار، ومسجدك الأسواق» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ﴾ الآية.

إعادة الأمر بالهبوط يحتمل وجهين، أحدهما: أنه أراد بالأول هبوطاً من الجنة إلى السماء.

وبالثاني هبوطًا من السماء إلى الأرض (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ .

قال أبو إسحاق (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) قال أبو بكر بن السراج: الشرط وجوابه نظير المبتدأ والخبر، إذ كان الشرط لا يتم إلا بجوابه، ولك أن تجعل خبر المبتدأ جملة، هي أيضا مبتدأ وخبر، نحو قولك: (زيد أبوه منطلق) كذلك في الشرط (١٠) (١١) ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ﴾ لآية (١٢) وهذا الذي ذكره ابن السراج بيان ما أجمله أبو إسحاق.

قال أبو علي (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) والأمر بعكس ذلك وخلافه، لأن السبب الذي دخلت (النون) الشرط في قوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ و ﴿ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا  ﴾ ، ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ  ﴾ ونحو ذلك عند النحويين إنما هو لحاق (ما) أول الفعل بعد (إن) فلذلك صار موضعا للنونين (١٧) وإنما كان كذلك عند سيبويه (١٨) وجهة المشابهة: أن (ما) (١٩) (٢٠) تأكيداً، والفعل وقع بعد (ما) كما (٢١) شابهت (اللام) في ذلك، لزم الفعل مع (ما) (٢٢) لزمته (٢٣) (٢٤) إليه النحويون (٢٥) ﴿ يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ لسكونه (٢٦) قال أبو علي: لا يخلو (٢٧) فلو كانت الحركة بالفتح لالتقاء الساكنين في ﴿ يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ ونحوه لما حرك به في (هل تضربن) (٢٨) (٢٩) ألا ترى أن الساكنين لا يلتقيان في هذا كما يلتقيان في المعتل، والتحرك بالفتح مع (٣٠) وفي تحرك هذا الضرب بالفتح أعني: (الصحيح) (٣١) ﴿ يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ ونحوه للبناء، دون التقاء الساكنين، فثبت بهذا فساد قوله.

ويدل أيضًا على فساد قولِه قولُهم: (قُولَنَّ) و (بيعنَّ) ولا تخلو (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) ومعنى قوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ﴾ أي: فإن يأتكم مني شريعة ورسول وبيان ودعوة (٤١) ﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ ﴾ أي: قبل أمري واتبع ما آمر به، فلا خوف عليه في الآخرة ولا حزن (٤٢) والخطاب لآدم وحواء وذريتهما (٤٣) (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ هُدَايَ ﴾ فتحت (الياء) فيه (٤٥) (٤٦) (٤٧) ﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ  ﴾ فيمن (٤٨) وحذف الحركة (٤٩) ﴿ هُدَايَ ﴾ سكن ما قبلها، ولم (٥٠) (٥١) وروى ابن الأنباري أن النبي  قرأ ﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ ﴾ قال (٥٢) (٥٣) (٥٤) وقرأ ابن أبي إسحاق (٥٥) ﴿ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا ﴾ (٥٦) (٥٧) وقال آخر (٥٨) يُطَوَّفُ بِي عِكَبٌّ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَثْأَرُوا لِي مِنْ عِكَبٍّ ...

فَلَا أَرْوَيْتُم أبَدًا صَدَيَّا (٦٠) وقال أبو دواد (٦١) (٦٢) (٦٣) قال الفراء: وإنما فعلت طيئ هذا لأن العرب اعتادت كسر ما قبل (ياء) (٦٤) (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) (١) ذكره ابن عطية عن النقاش في "تفسيره" 1/ 262 - 263، و"القرطبي" 1/ 279، "البحر" 1/ 167، وضعف أبو حيان هذا الوجه: لأن الله قال في الهبوط الأول: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ﴾ ولم يحصل الاستقرار على هذا القول إلا بالهبوط الثاني فكان يمبغي أن يذكر الاستقرار فيه، وقال في الهبوط الثاني: ﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا ﴾ ، وظاهر الضمير أنه يعود إلى الجنة.

(٢) المراجع السابقة، وذكر الماوردي وجهًا ثالثًا: وهو أنه كرر الهبوط، لأنه علق بكل واحد منهما حكما غير الحكم الآخر، فعلق بالأول العداوة، وعلق بالثاني إتيانه الهدى، "تفسير الماوردي" 1/ 262.

(٣) "معاني القرآن" 1/ 86.

(٤) (هذا) ساقط من (ب).

ولفظ الزجاج في "المعاني": (إعراب (إما) في هذا الموضع إعراب حروف الشرط والجزاء ...) 1/ 86.

(٥) في "معاني القرآن" (معه) 1/ 86، وهو الأولى.

(٦) (ما) ساقطة من (ب).

والزجاج بهذا يرى أن فعل الشرط الواقع بعد (إن) الشرطية المؤكدة بـ (ما) يجب تأكيده بالنون، وهذا ما يوضح معنى قوله: (إلا أن الجزاء إذا جاء معها النون الثقيلة لزمتها (ما)، أي أن (إن) الشرطية إذا اتصل فعل الشرط معها بـ (نون التوكيد) وجب زيادة (ما) معها، وبهذا قال المبرد، قال السمين: ليس في كلامهما ما يدل على لزوم (النون) غاية ما فيه أنهما شرطا في صحة تأكيده بالنون زيادة (ما) "الدر المصون" 1/ 300، 301، وقال سيبويه والفارسي وطائفة: لا يلزم تأكيده، وسيأتي رد الفارسي على الزجاج، انظر: "المقتضب" 3/ 13، "تفسير ابن عطية" 1/ 262 - 263، "البحر" 1/ 167.

(٧) في "معاني القرآن": (وجواب الشرط في (الفاء) مع الشرط الثاني وجوابه وهو ﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ ﴾ وجواب ﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ ﴾ قوله: ﴿ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 86 وما أخذ به الزجاج في جواب الشرط: هو قول سيبويه كما ذكر ابن عطية وقال: وحكي عن الكسائي أن قوله: ﴿ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ جواب الشرطين جميعا ..) قال ابن عطية: (حكي هذا وفيه نظر ..) "تفسير ابن عطية" 1/ 264، وقيل جواب الشرط الأول محذوف تقديره: فإما يأتينكم مني هدى فاتبعوه وقوله: ﴿ فَمَنْ تَبِعَ ﴾ جملة مستقلة، قال السمين: وهو بعيد، انظر: "الدر المصون" 1/ 301.

(٨) (ما) ساقطة من (أ)، (ج)، وأثبتها كما في (ب) لاقتضاء السياق لها.

(٩) قوله: (التأكيد) كذا في جميع النسخ ولعل الصواب (للتأكيد)، انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 39،"البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 76.

(١٠) (لك) ساقطة من (ب).

(١١) (بجملة) ساقط من (ب).

(١٢) كلمة (الآية) ساقطة من (ب) لم أقف على كلام ابن السراج بهذا النص، ولكن انظر معناه في كتابه "الأصول في النحو" 2/ 158.

(١٣) ورد كلام أبي علي في كتاب "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" متعقبا فيه الزجاج وقد نقل عنه الواحدي طويلا، انظر: "الإغفال" ص 103 - 113.

(١٤) في (ب): (والخفيفة) بالواو ومثله في "الإغفال" ص 104.

(١٥) في (ب): (أن).

(١٦) في "الإغفال": (نوهم) ص 104.

(١٧) أي: نون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد الخفيفة.

(١٨) انظر: "الكتاب" 3/ 514، 515.

(١٩) (ما) ساقطة من (ب).

(٢٠) أي لام القسم في مثل (لتفعلن).

قال سيبوبه: (...

ومن مواضعها أي نون التوكيد حروف الجزاء إذا وقعت بينها وبين الفعل (ما) للتوكيد، وذلك لأنهم شبهوا (ما) بـ (اللام) التي في (لتفعلن) لما وقع التوكيد قبل الفعل ألزموا (النون) آخره كما ألزموا هذه (اللام) ..) "الكتاب" 3/ 514، 515.

(٢١) في (ب): (كان).

(٢٢) في (ب): (لزم الفعل معها في الشرط).

(٢٣) في (ب): (لزمه).

(٢٤) في (ج): (بسبب).

(٢٥) "الإغفال" ص 104، وانظر: "الكتاب" 3/ 515.

(٢٦) في "معاني القرآن": السكون الياء وسكون النون الأولى) "معاني القرآن" 1/ 86 يذكر الزجاج هنا أن الفعل المؤكد بنون التوكيد في قوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ يفتح ما قبل النون لتفادي التقاء ساكنين (الياء) التي هي آخر الفعل، والنون الأولى من نون التوكيد المشددة.

وهذا التعليل غير كاف عند بعض النحويين، بل يرون أن الفعل المضارع الذي لم يتصل بضمير رفع ساكن إذا أكد بالنون اعتبر معها مركبا وبني على الفتح، وبهذا اعترض أبو علي على الزجاج كما في كلامه الآتي الذي نقله الواحدي عن "الإغفال" ص 114.

(٢٧) في (ب): (لا تخلوا) (أن تكون) (أو تكون) بالتاء في المواضع الثلاثة ومثله في "الإغفال" ص 114، وهذا أولى.

(٢٨) في (ج): (هل تضربين).

(٢٩) في (ج): (هل تكرهين).

(٣٠) في (ب): (من ذلك).

(٣١) في "الإغفال": (أعني: الذي لا ساكنين فيه ...

إلخ) ص 115.

(٣٢) في (ج): (يخلو).

(٣٣) من (ب): وفي غيرها: (يكون).

(٣٤) في "الإغفال": (محركة للساكنين) ص 116.

(٣٥) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج) وأثبته من (ب) وهو ثابت في "الإغفال" ص 115 وصحة السياق تقتضيه.

(٣٦) في (ج): (لو كانت لالتقاء الساكنين).

(٣٧) في (ب): (العين).

(٣٨) في "الإغفال": ..

(كما لم ترد في (قل الحق) لما كانت الحركة فيه لالتقاء الساكنين، وإنما لم ترد (العين) المحذوفة للساكنين من (قل) ونحوه، وإن تحركت اللام، لأن النية بحركتها ...

إلخ) "الإغفال" ص 116.

(٣٩) قوله: (قل الحق) ساقط من (ب).

(٤٠) انتهى ما نقله عن "الإغفال"، بتصرف يسير في بعض الكلمات، وانظر بقية كلام أبي علي في "الإغفال" ص 116 - 119.

(٤١) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 246، "تفسير أبي الليث" 1/ 113، "تفسير ابن عطية" 1/ 263 - 264، "تفسير ابن كثير" 1/ 87 - 88.

(٤٢) قوله: (ولا هم يحزنون) قال الطبري: (ولا هم يحزنون يومئذ على ما خلفوا بعد وفاتهم في الدنيا) الطبري في "تفسيره" 1/ 247، وبهذا قال أكثر المفسرين، انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 113، و"تفسير ابن كثير" في 1/ 88، وذكر ابن عطية في معنى الآية وجها آخر: أي لا خوف عليهم يوم القيامة، ولا هم يحزنون فيه 1/ 2658، والأولى عموم الآية.

والله أعلم.

(٤٣) ذكره ابن جرير، وذكر وجها آخر: وهو أن الخطاب لمن أهبط من السماء وهم آدم وحواء وإبليس ورجح هذا الوجه، انظر: "الطبري" 1/ 246، ورجحه ابن عطية في "تفسيره" 1/ 262، وبه قال ابن كثير في "تفسيره" 1/ 87.

(٤٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 85 (٤٥) من "معاني القرآن" للزجاج بتصرف 1/ 86، 87.

(٤٦) في (ج): (بفتح) ومثله في "معاني القرآن" 1/ 87.

(٤٧) أي أن (الياء) ضمير جاء على حرف واحد فيأخذ حكم الحرف في أنه يفتح إذا جاء بعد ساكن، "معاني القرآن" 1/ 87.

(٤٨) في (ج): (فمن).

(٤٩) في (ب): (الياء).

(٥٠) في (ب): (فلم).

(٥١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 87.

(٥٢) في (ب): (وقال).

(٥٣) لغة هذيل، انظر: "المحتسب" 1/ 76، و"تفسير ابن عطية" 1/ 264، و"تفسير القرطبي" 1/ 280.

(٥٤) ذكر هذه القراءة ابن جني في "المحتسب" قال: (قراءة النبي  وأبي الطفيل، وعبد الله بن أبي إسحاق، وعاصم الجحدري، وعيسى ابن عمر الثقفي (هُدَيَّ) ..) "المحتسب" 1/ 76 ونحوه في "البحر المحيط" 1/ 169، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 87، "البيان" 1/ 76، و"تفسير ابن عطية" 1/ 264، و"تفسير القرطبي" 1/ 280.

(٥٥) هو عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي النحوي البصري، أخذ القراءة عن يحيى بن يعمر ويعمر ونصر بن عاصم، وتوفي سنة تسع وعشرين ومائة، انظر: "غاية النهاية" 1/ 410.

(٥٦) (هي) ساقطة من (ب).

(٥٧) البيت من قصيدة قالها أبو ذؤيب يرثي بنيه، حيث ذهبوا للجهاد، وكان هواه أن يقيموا معه، وأن يموت قبلهم، قوله: فَتُخُرِّمُوا: أخذوا واحدًا واحدًا، تخرمتهم المنية، ولكل جنب مصرع: أي كل إنسان يموت، انظر: "شرح أشعار الهذليين" 1/ 7، "المحتسب" 1/ 76، "المفضليات" ص 421، "شرح المفصل" 3/ 33، "تفسير ابن عطية" 1/ 264، و"تفسير القرطبي" 1/ 280، "البحر" 1/ 169.

والراوية للبيت في المصادر كلها (سبقوا) بدل (تركوا).

(٥٨) البيتان للمُنَخَّل اليَشْكري، وقال في "الصحاح": (المتَنخِّل اليَشْكُري)، وفي الهامش: اسم اليَشُكري (المنخل) وأما (المنتخل) فهو الهذلي، "الصحاح" 1/ 188، وكان من قصة المُنخل (أنه كان بينه وبين المتجردة امرأة النعمان بن المنذر علاقة ولما علم النعمان دفعه إلى سجانه واسمه (عِكب) فقيده وعذبه.

(٥٩) في (ب): (كعب) في الموضعين.

(٦٠) يروي البيت: (تثأران) و (فلا رَوَّيْتُما) وقوله: (صَدَيَّا): الصدى في زعم الجاهلية طائر يصيح إذا لم يتأر بالمقتول، وقيل هو اسم ماد والصملة هي العصا.

وشاهد (صديا) و (قفيا) حيث استعملهما على لغة هذيل، الأبيات في "المحتسب" 1/ 76، "الخصائص" 1/ 177، "شرح المفصل" 3/ 188، "ترتيب الإصلاح" 1/ 185، والبيت الأول في "الصحاح" (عكب) 1/ 188، "اللسان" (عكب) 5/ 3054.

(٦١) هو أبو دواد الإيادي، وكان قد جاور هلال بن كعب من تميم، فلعب غلام له مع غلمان الحي في غدير فغطسوه في الماء ومات، فعزم أبو دواد على مفارقتهم وذم جوارهم، وحاولوا إرضاءه فقال البيت وبيتًا قبله.

(٦٢) في (ج): (بليكم).

(٦٣) قوله: فأبلوني: يقال: أبلاه إذا صنع به جميلا، والبلية: الاسم، وقيل: البلية: الناقة تربط على قبر صاحبها بدون طعام ولا شراب حتى تموت، ونَوَيَّا: يريد (نَوَاي) وهي النية، والمراد الوجه الذي يقصد، انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 88، "تأويل مشكل القرآن" ص 56، "الخصائص" 1/ 176، 2/ 341، 424، "مغني اللبيب" 2/ 423، 477، "اللسان" (علل) 50/ 3082.

(٦٤) (ياء) ساقطة من (ج).

(٦٥) في (ج): (راحاي).

(٦٦) في (ب): (إذا).

(٦٧) في (أ)، (ج): (لا تكسر).

(٦٨) لم أجده للفراء، وذكر ابن جني عن أبي علي نحوه في تخريج لغة هذيل، انظر "المحتسب" 1/ 76، وذكر النحاس هذه العلة عن الخليل وسيبويه، "إعراب القرآن" 1/ 166، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 236، والزجاج في "تفسيره" 1/ 78.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الأسمآء كُلَّهَا ﴾ أي أسماء بني آدم وأسماء أجناس الأشياء كتسمية القمر والشجر وغير ذلك ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ ﴾ أي عرض المسميات، وبيّن أشخاص بني آدم وأجناس الأشياء ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ أمر على وجه التعجيز ﴿ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي في قولكم: إنّ الخليفة يفسد في الأرض ويسفك الدماء، وقيل: إن كنتم صادقين في جواب السؤال والمعرفة بالأسماء ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ ﴾ اعتراف ﴿ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ ﴾ أي أنبئ الملائكة بأسماء ذريتك أو بأسماء أجناس الأشياء ﴿ اسجدوا لأَدَمَ فَسَجَدُواْ ﴾ السجود على وجه التحية وقيل: عبادة لله، وآدم كالقبلة ﴿ فَسَجَدُواْ ﴾ روي أنّ من أوّل من سجد إسرافيل، ولذلك جازاه الله بولاية اللوح المحفوظ ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ استثناء متصل عند من قال: إنه كان ملكاً.

ومنقطع عند من قال: كان من الجن ﴿ واستكبر ﴾ لقوله: أنا خير منه ﴿ وَكَانَ مِنَ الكافرين ﴾ قيل: كفر بإبايته من السجود لآدم، وليس كفره كفر جحود لاعترافه بالربوبية ﴿ وَزَوْجُكَ ﴾ هي حواء خلقها الله من ضلع آدم، ويقال: زوجة، وزوج هنا أفصح ﴿ الجنة ﴾ هي جنة الخلد عند الجماعة وعند أهل السنة، خلافاً لمن قال: هي غيرها ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا ﴾ النهيُ عن القرب يقتضي النهي عن الأكل بطريق الأولى، وإنما نهى عن القرب سدّاً للذريعة، فهذا أصل في سدّ الذرائع ﴿ الشجرة ﴾ قيل هي شجرة العنب، وقيل شجرة التين، وقيل الحنطة، وذلك مفتقر إلى نقل صحيح، واللفظ مبهم ﴿ فَتَكُونَا ﴾ عطف على تقربا، أو نصب بإضمار أن بعد الفاء في جواب النهي ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ﴾ متعدّ من أزل القدم، وأزلهما بالألف من الزوال ﴿ عَنْهَا ﴾ الضمير عائد على الجنة، أو على الشجرة فتكون عن سببية على هذا.

فائدة: اختلفوا في أكل آدم الشجرة فالأظهر أنه كان على وجه النسيان، لقوله تعالى: ﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ [طه: 115] وقيل سكر من خمر الجنة فحينئذٍ أكل منها، وهذا باطل؛ لأن خمر الجنة لا تسكر، وقيل: أكل عمداً وهي معصية صغرى، وهذا عند من أجاز على الأنبياء الصغائر، وقيل: تأوّل آدم أن النهي: كان عن شجرة معينة فأكل من غيرها من حنسها، وقيل: لما حلف له إبليس صدقه؛ لأنه ظنّ أنه لا يحلف أحد كذباً ﴿ اهبطوا ﴾ خطاب لآدم وزوجه وإبليس بدليل: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ ﴿ مُسْتَقَرٌّ ﴾ موضع استقرار وهو في مدّة الحياة، وقيل في بطن الأرض بعد الموت ﴿ وَمَتَاعٌ ﴾ ما يتمتع به ﴿ إلى حِينٍ ﴾ إلى الموت ﴿ فتلقى ﴾ أي أخذ وقيل على قراءة الجماعة، وقرأ ابن كثير بنصب آدم ورفع الكلمات، فتلقى على هذا من اللقاء ﴿ كلمات ﴾ هي قوله: ﴿ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ﴾ بدليل ورودها في [الأعراف: 23] وقيل غير ذلك ﴿ اهبطوا ﴾ كرر ليناط به ما بعده، ويحتمل أن يكون أحد الهبوطين من السماء، والآخر من الجنة، وأن يكون هذا الثاني لذرية آدم لقوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم ﴾ إن شرطية وما زائدة للتأكيد، والهدى هنا: يراد به كتاب الله ورسالته ﴿ فَمَن تَبِعَ ﴾ شرط، وهو جواب الشرط الأوّل، وقيل: فلا خوف جواب الشرطين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ للملائكة اسجدوا ﴾ برفع الهاء للإتباع: يزيد وقتيبة.

وروى ابن مهران عنهما أنهما يشمان الكاف الكسر ويرفعان الهاء.

وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة: الملايكة بغير همز، وكذلك كل كلمة في وسطها همزة مكسورة إلا قوله ﴿ السائلين ﴾ و ﴿ السائل ﴾ و ﴿ البائس ﴾ فإنهما بالهمز ﴿ شئتما ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمر ويزيد والأعشى وورش، ومن طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف ﴿ فأزالهما ﴾ حمزة ﴿ آدم ﴾ نصب ﴿ كلمات ﴾ رفع ابن كثير ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ بالفتح حيث كان: يعقوب ﴿ هداي ﴾ و ﴿ محياي ﴾ و ﴿ مثواي ﴾ بالإمالة كل القرآن على غير ليث.

﴿ النار ﴾ بالإمالة كل القرآن، وكذلك كل كلمة في آخرها راء مكسورة بعد الألف في موضع اللام من الكلمة قرأها على غير ليث وأبي حمدون وحمدويه والنجاري عن ورش وحمزة في رواية ابن سعدان وأبو عمرو إلا أنه لا يميل ﴿ الجار ﴾ و ﴿ الغار ﴾ في بعض الروايات.

فروى إبراهيم بن حماد عن اليزيدي ﴿ الجار ﴾ بالإمالة.

وروى ابن مجاهد عن اليزيدي ﴿ الغار ﴾ بالإمالة، وسائر الروايات عنه بالتفخيم لقلة دورهما.

واختلفوا في وقف أبي عمرو في مثل ﴿ النار ﴾ وأشباه ذلك.

فروى ابن مجاهد والحسن بن عبد الله عن النقاش وكثير من أهل العراق أنه يقف كما يصل، وروى سلمة بن عاصم أنه يقف بالتفخيم والأول أكثر.

الوقوف: ﴿ إبليس ﴾ (ط) لأنه معرف والجملة بعده لا تكون صفة له إلا بواسطة الذي ولا عامل فتجعل الجملة حالاً ﴿ الكافرين ﴾ (ه) ﴿ شئتما ﴾ (ص) لاتفاق الجملتين ﴿ الظالمين ﴾ (ه) ﴿ كانا فيه ﴾ (ص) لعطف الجملتين المتفقتين.

﴿ عدو ﴾ (ج) لاختلاف الجملتين ﴿ حين ﴾ (ه) ﴿ فتاب عليه ﴾ (ط) ﴿ الرحيم ﴾ (ج) ﴿ جميعاً ﴾ (ج) لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ يحزنون ﴾ (ه) ﴿ النار ﴾ (ج) لأن ما بعدها مبتدأ وخبر.

وقيل: الجملة خبر بعد خبر لأولئك، لأن تمام المقصود بوعيد هو الخلود مثل: الرمان حلو حامض ﴿ خالدون ﴾ (ه).

التفسير: لما خصص الله  أبانا آدم بالخلافة ثم علمه من العلوم ما ظهر بذلك مزيته على جميع الملائكة، اقتضت حكمته البالغة أن جعله مسجوداً لهم وهذا مقتضى النسق ههنا ظاهر إلا أن قوله  في موضع آخر ﴿ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين  ﴾ يقتضي أن يكون الأمر بالسجود قبل تسوية خلقه، وأنه كما صار حياً صار مسجوداً لهم.

وتعليم الأسماء ومناظرته مع الملائكة في ذلك حصل بعد سجدتهم.

والله أعلم بذلك.

ثم إن المسلمين أجمعوا على أن ذلك السجود لم يكن للعبادة لأنه  لا يأمر بالكفر والعبادة لغيره كفر، فزعم بعض أن السجود كان لله  وآدم كالقبلة.

فقوله ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ مثل قولك "صل للقبلة" قال حسان بن ثابت: ما كنت أعرف أن الأمر منصرف *** عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليـــس أول مـــن صلـــى لقبلتكـــم *** وأعرف الناس بالقرآن والســنن؟

وهو ضعيف لأن المقصود من هذه القصة شرح تعظيم آدم، وجعله مجرد القبلة لا يفيد كونه أعظم حالاً من الساجد.

وزعم آخرون أن المراد بالسجود الانقياد والخضوع كما هو مقتضى أصل اللغة مثل ﴿ والنجم والشجر يسجدان  ﴾ وزيف بأنه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض، فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك، لأن الأصل عدم التغيير.

وأصح الأقوال أن السجود كان بمعنى وضع الجبهة ولكن لا عبادة بل تكرمة وتحية كالسلام منهم عليه، وقد كانت الأمم السالفة تفعل ذلك بدل التسليم.

قال قتادة في قوله ﴿ وخروا له سجداً  ﴾ كان تحية الناس يومئذ سجود بعضهم لبعض، ويجوز أن تختلف الرسوم والعادات باختلاف الأزمنة والأوقات.

واختلف في أن إبليس من الملائكة أم لا.

فقال أكثر المتكلمين لا سيما المعتزلة: إنه لم يكن منهم.

وقال كثير من الفقهاء: إنه كان منهم حجة الأولين أنه من الجن لقوله  في الكهف ﴿ إلا إبليس كان من الجن  ﴾ فلا يكون من الملائكة.

وأيضاً قال ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن  ﴾ ورد الأول بأن الجن قد يطلق على الملك لاستتاره عن العيون، وبأن كان يحتمل أن تكون بمعنى صار.

والثاني بأنه لا يلزم من كون الجن في هذه الآية نوعاً مغايراً للملائكة أن يكون في الآية الأولى أيضاً مغايراً، لاحتمال كونه على مقتضى أصل اللغة وهو الاستتار.

وقالوا: إن إبليس له ذرية لقوله  ﴿ أتتخذونه وذريته أولياء من دوني  ﴾ والملائكة لا ذرية لها لأنها تحصل من الذكر والأنثى ولا إناث فيهم لقوله ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً  ﴾ منكراً عليهم وأيضاً الملائكة معصومون لما سلف، وإبليس لم يكن كذلك.

وأيضاً إنه من النار ﴿ خلقتني من نار  ﴾ وأنهم من نور لقوله  "خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار" رواه الزهري عن عروة عن عائشة.

ومن المشهور الذي لا يدفع أن الملائكة روحانيون، فقيل سموا بذلك لأنهم من الريح أو من الروح.

وأيضاً الملائكة رسل ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ ورسل الله معصومون ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ حجة الآخرين أنه استثناه من الملائكة، وحمله على المتصل أولى، لأن تخصيص العمومات في كتاب الله أكثر من الاستثناء المنقطع.

قيل: إنه جني واحد مغمور بين ظهراني ألوف من الملائكة فغلبوا عليه، وهذا لا ينافي كون الاستثناء متصلاً.

وأجيب بأن التغليب إنما يصار إليه إذا كان المغلوب ساقطاً عن درجة الاعتبار، أما إذا كان معظم الحديث فيه فلا يصار إلى التغليب.

وأيضاً لو لم يكن من الملائكة لم يتناوله الخطاب بـ ﴿ اسجدوا ﴾ وحينئذ لم يستحق بترك السجود لوماً وتعنيفاً، ولا يمكن أن يقال إنه نشأ معهم والتصق بهم فتناوله الأمر لما بين في أصول الفقه أن خطاب الذكور لا يتناول الإناث وبالعكس مع شدة المخالطة بين الصنفين، ولا أن يقال إنه وإن لم يدخل في هذا الأمر إلا أنه  أمره بلفظ آخر ما حكاه في القرآن بدليل قوله ﴿ ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك  ﴾ لأن قوله ﴿ أبى واستكبر ﴾ عقيب قوله ﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ﴾ مشعر بأن المخالفة بسبب هذا الأمر، هذا ما قيل عن الجانبين.

ومما يناسب تفسير الآية الكلام في أن الأنبياء أفضل من الملائكة أم بالعكس، قال أكثر أهل السنة بالأول، ومالت المعتزلة والشيعة إلى الثاني، واختاره الباقلاني وأبو عبد الله الحليمي من فقهاء أهل السنة.

المعتزلة احتجوا بأمور: أحدها ﴿ ومن عنده لا يستكبرون  ﴾ وليس المراد عندية المكان والجهة بل عندية القرب والشرف.

وعورض بما حكى عنه  "أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي" بل هذا أبلغ لأن كون الله  عند العبد أدخل في التعظيم من كون العبد عنده.

قالوا: الآية تدل على أنه  يقول الملائكة مع شدة قوتهم واستيلائهم على أجرام السموات والأرض وأمنهم من الهرم والمرض والآفات، لا يتركون العبودية لحظة واحدة، فالبشر مع غاية ضعفهم وقصورهم أولى بذلك.

وأجيب بأنه لا نزاع في ذلك، وإنما النزاع في الأفضلية بمعنى كثرة الثواب.

الثانية: عباداتهم من عبادات البشر فيكون ثوابهم أكثر لقوله  لعائشة "أجرك على قدر نصيبك" ولقوله "أفضل العبادات أجزها" أي أشقها.

وأما بيان أن عباداتهم أشق فمن وجهين: أحدهما أنهم سكان السموات وهي جنان ومنتزهات وهم مع ذلك لا يلتفتون إلى نعيمها ويقبلون على طاعاتهم خائفين وجلين وكأنه لا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوماً واحداً فضلاً عن تلك الأعصار المتطاولة ﴿ إن الإنسان ليطغى.

أن رآه استغنى  ﴾ ويؤكده قصة آدم فإنه أطلق له في الجنة جميعها إلا شجرة واحدة ومع ذلك لم يملك نفسه، والثاني أن انتقال المكلف من نوع عبادة إلى نوع آخر كالانتقال من طعام إلى طعام، والإقامة على نوع واحد تورث السآمة وهذا شأن الملائكة ﴿ وإنا لنحن الصافون.

وإنا لنحن المسبحون  ﴾ ومنهم ركوع ومنهم سجود منذ خلقوا.

وعورض الوجه الأول بأن أسباب البلاء مجتمعة على البشر، ثم إنهم راضون بقضاء الله مواظبون على تكاليفهم، ولذلك كان العبيد والخدم تطيب قلوبهم بالخدمة حال الرفاهية، ولا يصبر أحد منهم على مشقة الخدمة إلا من كان في نهاية الإخلاص.

والثاني بأن العادة طبيعية خامسة ولهذا قال  : "أفضل الصوم صوم داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً" الثالثة: عباداتهم أدوم ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ وخير الأعمال أدومها، مع أن أعمارهم أكثر.

وعلى الآية سؤال.

روي عن عبد الله بن الحرث بن نوفل قال: قلت لكعب: أرأيت قول الله عز وجل ﴿ لا يفترون  ﴾ ثم قال ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة، أفلا تكون الرسالة واللعن مانعين عن التسبيح؟

فأجاب بأن التنفس لا يمنعنا من الاشتغال بشيء آخر، فكذلك التسبيح لهم.

وزيف بأن آلة النفس فينا غير آلة الكلام، وأما اللعن والتسبيح فهما من جنس الكلام، فاجتماعهما في آلة واحدة محال.

وأجيب باحتمال أن يكون لهم ألسنة كثيرة يسبحون الله  ببعضها ويلعنون أعداءه ببعض آخر، وبأن ثناء الله يستلزم تبعيد من اعتقد في الله ما لا ينبغي، أو المراد لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته اللائقة به كما يقال: فلان يواظب على الجماعات.

يعنون أنه عازم على أدائها في أوقاتها.

ونوقضت الحجة بأن الطاعة القليلة من الإنسان قد تقع على وجه يستحق بها ثواباً من ثواب طاعاتهم.

الرابعة: أنهم أسبق السابقين في كل العبادات ﴿ والسابقون السابقون.

أولئك المقربون  ﴾ "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها" الخامسة: الملائكة رسل إلى الأنبياء ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ ﴿ نزل به الروح الأمين  ﴾ والرسول أفضل من الأمة قياساً على الشاهد.

ومنع بأن هذا إذا كان الرسول حاكماً على المرسل إليهم ومتولياً لأمورهم كالأنبياء المبعوثين إلى أممهم، أما في مطلق الرسول فلم قلتم إنه كذلك كما لو أرسل الملك عبداً من عبيده إلى وزيره أو إلى ملك آخر.

السادسة: أنهم أتقى من البشر لدوام خوفهم ﴿ يخافون ربهم من فوقهم  ﴾ مع وجود شهوة الترفع والرياسة فيهم ولهذا قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ وإن لم يكن لهم شهوة الأكل والوقاع، فوجب أن يكونوا أفضل ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم  ﴾ ورد بأن تقوى الإنسان أكمل فإن لهم مع شهوة الرياسة شهوة البطن والفرج أيضاً.

السابعة: ﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون  ﴾ خرج الثاني مخرج التأكيد للأول.

ومثل هذا إنما يكون بذكر الأفضل بعد الفاضل.

كقولك: هذا العالم لا يستنكف عن خدمة الوزير ولا الملك.

فيفيد أفضلية الملائكة المقربين في المعاني المصححة للعبودية من نهاية الخضوع والخشوع ما يتبعها مع شدة بطشهم وقوة حالهم.

وعورض بأنه قد يقال هذا العالم لا يستنكف عن خدمة القاضي ولا السلطان، ولا يفيد إلا أن السلطان أكل من القاضي في بعض الأمور كالقوة والقدرة، ولا يدل على كونه أكمل من القاضي في سائر الدرجات كالعلم والزهد.

فلم قلتم: إنهم أفضل من البشر في كثرة الثواب؟

قلت: والحق أن جميع الدرجات مندرجة تحت العبودية كما أشرنا إليه فيما مر، فيفيد أفضلية الملائكة.

لكن المقربين منهم فقط دون غيرهم ومفضولية المسيح فقط دون غيرهم كمحمد  .

الثامنة: ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين  ﴾ فهذا وإن كان حكاية قول إبليس، إلا أن آدم وحواء لو لم يعتقدا أفضلية الملك لم يغترا بذلك واعتقادهما حجة.

ورد بأن آدم لعله أخطأ في ذلك الاعتقاد، إما لأن الزلة جائزة على الأنبياء، أو لأنه ما كان نبياً في ذلك الوقت، وأيضاً هب أنه حجة لكنه قبل الزلة لم يكن نبياً فلا يلزم من مفضوليته وقتئذ مفضوليته وقت نبوته، وإن سلم مفضوليته ونبوته وقتئذ فلا نسلم أن ذلك في باب الثواب بل في باب القدرة والقوة والحسن والجمال.

ونحو ذلك فإنهم خلقوا من الأنوار وآدم خلق من التراب، فاغتر رغبة فيما لهم من هذه الأمور.

وأيضاً يحتمل أن يكون المراد إلا أن تنقلبا ملكين فيصح استدلالكم، وأن يكون المراد أن النهي مختص بالملائكة الخالدين دونكما كما يقول أحدنا لغيره: ما نهيت أنت عن كذا إلا أن تكون فلاناً.

ويكون المعنى أن المنهي عنه هو فلان دونك، فكان غرض إبليس إيهام أنهما لم ينهيا.

وأيضاً غاية ما في الباب أن الآية تدل على مفضولية آدم ولا يلزم منه مفضولية جميع الأنبياء كمحمد  .

التاسعة: ﴿ ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك  ﴾ أي لا أدعي القدرة على كل المقدورات والعلم بكل المعلومات، ولا أدعي قدرة مثل قدرة الملك ولا علماً مثل علمهم، وذلك أنه لم يرد به نفي الصورة لأنه لا يفيد الغرض، وإنما نفي أن يكون له مثل ما لهم من الصفات الجسمية والقوى العظيمة.

ورد بأنه لا يلزم من عدم الاستواء في كل الصفات حصول الاختلاف في جميعها.

العاشرة: ﴿ ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم  ﴾ ولا يخفى أن التشبيه في السيرة من غض البصر وقمع النفس عن المحرمات بدلالة وصفه بالكرم لا في الصورة.

ورد بأن قولها ﴿ فذلكن الذي لمتنني فيه  ﴾ كالتصريح بأن مراد النساء تعظيم حال يوسف في الحسن والجمال، فذلك يظهر عذرها في عشقها.

ولئن سلمنا أن التشبيه في الأخلاق المرضية فذلك لا يوجب مفضوليته من جميع الجهات، على أن قول النساء لا يصلح لأن يكون حجة.

الحادية عشرة: ﴿ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً  ﴾ وذلك أن المخلوقات إما غير المكلفين والإنسان أفضل منهم، وإما المكلفون وهم الملائكة والإنس والجن والشياطين.

ولا ريب أن الإنس أفضل من الجن والشياطين، فلو كانوا أفضل من الملك أيضاً لزم كون البشر أفضل من أكل المخلوقات، فينبغي أن يقال: وفضلناهم على جميع من خلقنا.

ورد بأن كونه أفضل من كثير لا يدل على أنه ليس بأفضل من الباقي إلا بدليل الخطاب وهو غير حجة.

وأيضاً ثبت أن جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم، ولكن لا يلزم من كون أحد المجموعين أفضل من المجموع الآخر أن يكون كل واحد من أفراد المجموع الأول أفضل من أفراد المجموع الثاني.

وأيضاً الكلام في التفضيل الحاصل بسبب الكرامة المذكورة في أول الآية ﴿ ولقد كرمنا بني آدم  ﴾ ولا يلزم من كون الملك أفضل من البشر في تلك الكرامات وهو حسن الصورة والطهارة واستخراج الأعمال العجيبة أن يكونوا أفضل منهم في الأشياء الموجبة للثواب.

الثانية عشرة: الأنبياء ما استغفروا إلا بدأوا بأنفسهم قال نوح ﴿ رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً ﴾ وقال إبراهيم ﴿ رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين  ﴾ ثم قال ﴿ واغفر لأبي  ﴾ وقال لمحمد ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات  ﴾ والملائكة لم يستغفروا لأنفسهم ولكن طلبوا المغفرة للمؤمنين ﴿ فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك  ﴾ ورد بأن هذا لا يدل إلا على صدور الزلة من البشر وعدم صدورها عنهم، وهذا لا يوجب أفضليتهم في القرب والثواب على الإطلاق ومن الناس من قال: استغفارهم للبشر كالعذر عما طعنوا فيهم بقولهم ﴿ أتجعل فيها  ﴾ .

الثالثة عشرة: ﴿ وإن عليكم لحافظين  ﴾ ويدخل فيه الأنبياء وغيرهم، والحافظ للمكلف عن المعصية أفضل من المحفوظ.

وأيضاً جعل كتابتهم حجة للبشر وعليهم فيكونون أفضل.

ورد بأن الحافظ والشاهد قد يكون أجود حالاً من المحفوظ والمشهود.

الرابعة عشرة: ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً  ﴾ والمقصود بيان عظمة الله وجلاله.

ورد بأن هذا يفيد قوتهم وبطشهم فقط كما يقال: إن السلطان لما جلس وقف حول سريره ملوك الأطراف.

وهذا لا يدل على أنهم أكرم عند السلطان من ولده.

الخامسة عشرة: ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله  ﴾ والتقديم في الذكر يدل على التقديم في الدرجة ولهذا لما قال الشاعر: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً *** قال عمر بن الخطاب: لو قدمت الإسلام لأجزتك.

ولما كتبوا كتاب الصلح بين رسول الله  والمشركين، وقع التنازع في تقديم الاسم، وكذا في كتاب الصلح بين علي ومعاوية.

ومنع من أن الواو لا تفيد الترتيب، وعورض بتقديم ﴿ تبت ﴾ على "الإخلاص".

السادسة عشرة: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي  ﴾ جعل صلوات الملائكة كالتشريف للنبي  وعورض بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه  ﴾ ولا تشريف بل تتشرف الأمة بذلك.

السابعة عشرة: إن جبرائيل أفضل من محمد  لأن الله  وصفه بست من صفات الكمال ﴿ إنه لقول رسول كريم.

ذي قوة عند ذي العرش مكين.

مطاع ثم أمين  ﴾ ثم وصف محمداً  بقوله ﴿ وما صاحبكم بمجنون  ﴾ وشتان بين الوصفين.

ورد بأنه وإن وصفه ههنا بهذا القدر لاقتضاء المقام ذلك فقط، فقد وصفه في مواضع أخر بما يليق به ﴿ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً  ﴾ .

الثامنة عشرة: إن جبريل كان معلماً للنبي  ولغيره من الأنبياء، لا في العلوم التي لا يتوصل إليها إلا بالعقل.

كالعلم بذات الله  ، بل في العلم بكيفية مخلوقاته وما فيها من العجائب، والعلم بأحوال العرش والكرسي والجنة والنار وأطباق السموات وأصناف الموجودات وأحوال الأمم الخالية والقرون الماضية، والمعلم أفضل ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون  ﴾ ومنع من كون الملائكة أعلم بدليل قصة آدم، ولأن تعليم جبريل كان بالحقيقة تعليم الله  ولم يكن جبريل إلا واسطة، ولئن سلم مزيد علمهم منع كثرة ثوابهم.

التاسعة عشرة: ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم  ﴾ وهذه تدل على أنهم بلغوا في الترفع إلى حد لو خالفوا أمر الله لما خالفوه إلا في ادعاء الإلهية.

ورد بأن مزيد قدرتهم لا يوجب مزيد ثوابهم.

العشرون: قال  حكاية عن الرب  "إذا ذكرني عبدي في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملائه" وهذا يدل على أن الملأ الأعلى أشرف.

ورد بعد قبول خبر الواحد أنه لا يلزم منه إلا أن الملأ الأعلى خير من ملأ عوام البشر، ولا يلزم من ذلك كونهم أفضل من الأنبياء.

واعلم أن الفلاسفة اتفقوا على أن الأرواح السماوية المسماة بالملائكة عندهم أفضل من الأرواح الناطقة البشرية لوجوه: الأول: الملائكة ذواتها بسيطة مبرأة عن الكثرة، والبشر مركب من النفس والبدن، ولكل منهما قوى وأجزاء، والبسيط خير من المركب، لأن أسباب العدم للمركب أكثر منها للبسيط.

وعورض بأن المستجمع للروحاني والجسماني ينبغي أن يكون أفضل مما له طرف الروحاني فقط، ولهذا جعل أبو البشر مسجوداً للملائكة، وبأن الملائكة ليس لها إلا الاستغراق في مقاماتها النورية.

والنفوس البشرية قواها وافية بكلا الطرفين، ومحيطة بضبط أحوال العالمين فتكون أفضل.

الثاني: الجواهر الروحانية بريئة عن الشهوة والغضب المستلزمين للفساد وسفك الدماء بخلاف البشر.

ورد بأن الخدمة مع كثرة العلائق أدل على الإخلاص.

وأيضاً من البين أن درجتهم حين قالوا ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ أعلى منها حين قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ وما ذاك إلا بسبب الانكسار الحاصل من الزلة، وهذا في البشر أكثر، ولهذا قال  حاكياً عن ربه "أنين المذنبين أحب إليّ من زجل المسبحين" الثالث: أنها بريئة من طبيعة القوة فإن كل ما كان ممكناً لها بحسب أنواعها المنحصرة في أشخاصها فقد خرج إلى الفعل والأنبياء ليسوا كذلك، ولهذا قال  "وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة" ولا خفاء أن ما بالفعل التام أشرف مما بالقوة.

ورد بأن بعض الأمور فيها لعلها بالقوة، ولهذا قيل: إن تحريكاتها للأفلاك لأجل استخراج التعلقات من القوة إلى الفعل كالتحريكات العارضة لأرواحنا الحاملة لقوى الفكر والتخيل، إلا أن هذا المنع لا يجري في الملائكة المقربين المسماة عندهم بالعقول المجردة، وإنما يجري في النفوس الفلكية.

الرابع: الروحانيات أبدية الوجود مبرأة عن التغير والفناء، والنفوس الناطقة البشرية ليست كذلك.

ورد بأنه لا قديم في الوجود إلا الله.

ولئن سلم أنها ممكنة الوجود لذاتها فهي واجبة الوجود بمباديها.

وعورض بما عليه كثير من المحققين أن النفوس البشرية أيضاً أزلية بمباديها وكانت كالظلال تحت العرش يسبحون بحمد ربهم، إلا أن المبدئ الأول أمرها بالنزول إلى عالم الأجساد وشبكات المواد، فلما تعلقت بهذه الأجسام عشقتها واستحكم إلفها بها، فبعث من تلك الظلال أشرفها وأكملها لتخليص تلك الأرواح عن تلك الشبكات، وهذا هو المراد من باب الحمامة المطوقة المذكورة في كتاب كليلة ودمنة.

الخامس: الروحانيات نورانية علوية لطيفة، والجسمانيات ظلمانية سفلية كثيفة.

فأين أحدهما من الآخر؟

ورد بأن الشرف عندنا ليس بالمادة وإنما هو بالانقياد لرب العالمين.

السادس: الأرواح السماوية تفضل الأرضية بقوى العلم والعمل، أما الأول فبالاتفاق على إحاطة الأرواح السماوية بالمغيبات، ولأن علومهم فعلية فطرية كلية دائمة تامة، وعلوم البشر بالضد من ذلك.

وأما العمل فلقوله ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون  ﴾ واعترض بأن المواظب على تناول الأغذية اللطيفة لا يلتذ بها كما يلتذ المبتلى بالجوع.

فلا تكون لذة الملائكة من العلم والعمل كلذة البشر لعروض الفترات لهم في أكثر الأوقات بسبب العلائق الجسمانية والحجب الظلمانية، فهذه المزية من اللذة مما يختص به البشر، ولعل هذا هو المراد من قوله ﴿ إنا عرضنا الأمانة  ﴾ الآية.

ولذلك قالت الأطباء: إن الحرارة في حمى الدق أشد منها في حمى الغب.

لكن الحرارة في الدق لما دامت واستقرت بطل الشعور بها، فهذه الحالة ليست للملائكة لأجل الاستمرار ولا لغير الانسان لعدم الاستعداد فكان الإنسان لها بالمرصاد.

السابع: الروحانيات لها قوة على تقليب الأجسام وتصريف الأجرام، وقواهم ليست من جنس القوى المزاجية حتى يعرض لها كلال ولغوب.

وإنك ترى الخامة اللطيفة تشق الصخرة الصماء، وما ذاك إلا لقوة نباتية فاضت عليها من الجواهر العلوية، فما ظنك بتلك الجواهر أنفسها والأرواح السفلية ليست كذلك؟

وما يحكى من قوة الشياطين على الأمور الصعاب ممنوع، ولئن سلم فالأرواح العلوية أقدر على ذلك مع أنهم يصرفون قواها إلى منازل العالم السفلي لا فيما هو شر لهم.

واعترض بأنه لا مانع من أن تتفق نفس ناطقة بشرية كاملة مستعلية على الأجرام العنصرية بالتقليب والتصريف.

الثامن: الملائكة لهم اختيارات فائضة من أنوار جلال الله متوجهة إلى الخيرات، واختيارات البشر مترددة بين جهتي العلو والسفل والخير والشر، وإنما يتوجه إلى الخير بإعانة الملك على ما ورد في الأخبار من أن لكل إنسان ملكاً يسدده ويهديه، ويحتمل أن يقال فتكون إذن أعمالهم أشق فيكون ثوابهم أكثر.

التاسع: الأفلاك كالأبدان، والكواكب كالقلوب، والملائكة كالأرواح.

فنسبة الأرواح إلى الأرواح كنسبة الأبدان إلى الأبدان.

وكما أن اختلافات أحوال الأفلاك مباد لحصول الاختلافات في هذا العالم، فكل أرواح العالم العلوي يجب أن تكون مستولية على أرواح العالم السفلي، بل تكون عللاً ومبادي لها، فهذه هي الآبار وهناك المنابع والمعادن، فكيف يليق بالعقل ادعاء المساواة فضلاً عن الزيادة.

وأجيب بأنه لا مؤثر عندنا إلا الله  .

العاشر: الروحانيات الفلكية مبادئ لروحانيات هذا العالم ومعادلها، منها نزلت فتوسخت بأوضار الجسمانيات، ثم تطهرت بالأخلاق الزكية وصعدت إلى عالمها، ومصدر الشيء ومصعده أشرف، منه المبدأ وإليه المنتهى.

واعترض بأن هذا مبني على عدم حشر الأجساد ودون ذاك خرط القتاد.

الحادي عشر: أليس أن الأنبياء لا ينطقون إلا عن الوحي؟

أليس أن الملائكة يعينونهم في المضايق ويهدونهم إلى المصالح كما في قصة لوط وكيوم بدر وحنين، وكما في قصة نوح في نجر السفينة؟

فمن أين لكم تفضيل الأنبياء مع افتقارهم إلى الملائكة في كل الأمور؟

وأجيب بأن أول الفكر آخر العمل ولا يلزم من كون الشيء واسطة أفضليته.

الثاني عشر: القسمة العقلية بأن الأحياء إما خيرة محضة وهم الملائكة، أو شريرة محضة وهم الشياطين، أو خيرة من وجه شريرة من وجه آخر وهم البشر، تحكم بأفضلية الملك.

وكذا التقسيم بالناطق المائت وهو الإنسان، والناطق غير المائت وهو الملك، والمائت غير الناطق وهي البهائم، يرشد إلى أن الإنسان متوسط الرتبة بين الكمال والنقصان.

فالقول: بأنه أفضل قلب للقسمة العقلية ونزاع في ترتيب الوجود.

وأجيب بما مر غير مرة من أن النزاع في كثرة الثواب.

حجة القائلين بفضل الأنبياء على الملائكة؛ الأول: أن الله  أمر الملائكة بالسجود لآدم وثبت أن آدم لم يكن كالقبلة، وأمر الأشرف بنهاية التواضع للأدون مستقبح، والجواب أن القبح العقلي غير ثابت.

الثاني: جعله خليفة له خلافة الولاية كما مر، وخلق الدنيا متعة لبقائه، والآخرة مملكة لجزائه، ولعن إبليس لسبب التكبر عليه، وجعل الملائكة حفظة أولاده ومنزلين لأرزاقهم ومستغفرين لزلاتهم، ومع جميع هذه المناصب يقول "ولدينا مزيد" فإذن لا نهاية لهذا الشرف والكمال.

الثالث: أنه كان أعلم لقوله ﴿ أنبئهم بأسمائهم ﴾ والأعلم أفضل.

الرابع: ﴿ أن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين  ﴾ والعالم كل ما سوى الله  ، فيلزم اصطفاؤهم على الملائكة.

ولا يشكل هذا بقوله ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ إلى قوله ﴿ فضلتكم على العالمين  ﴾ لأن تلك الآية دخلها التخصيص لما يعلم أنهم غير مفضلين على محمد  ، وههنا لا دليل فوجب إجراؤه على الظاهر من العموم.

الخامس: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ﴾ والملائكة من العالمين والتقرير ظاهر.

السادس: عبادة البشر أشق لأن الآدمي له شهوة تدعوه إلى المعصية بخلاف الملائكة، ولأن الآدمي مأمور بالاستنباط والقياس ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار  ﴾ ولا يخفى ما فيه من المشقة، والملائكة لا يعلمون إلا بالنص ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ ولما يعرض للآدمي من الشبهات ككون الأفلاك والأنجم أسباباً للحوادث اليومية فيحتاجون إلى دفعها، والملائكة حيث إنهم يشاهدون عالم الملكوت آمنون من ذلك، ولأن الشيطان مسلط على الآدمي دون الملك، وإذا كانت طاعتهم أشق فيكون ثوابهم أكثر.

السابع: خلق للملائكة عقولاً بلا شهوة، وللبهائم شهوة بلا عقل، وجمع الأمرين للآدمي.

ثم إذا غلب هواه عقله صار أدون من البهيمة أولئك ﴿ كالأنعام بل هم أضل  ﴾ .

فإذا غلب عقله هواه وجب أن يصير أشرف من الملك اعتباراً لأحد الطرفين بالآخر.

الثامن: الملائكة حفظة بني آدم والمحفوظ أعز من الحافظ.

التاسع: روي أن جبريل  أخذ بركاب محمد  حتى أركبه على البراق ليلة المعراج، ولما وصل محمد  إلى بعض المقامات تخلف عنه جبريل وقال: لو دنوت أنملة لاحترقت.

العاشر: قوله  "إن لي وزيرين في السماء ووزيرين في الأرض.

أما اللذان في السماء فجبريل وميكائيل، وأما اللذان في الأرض فابو بكر وعمر" فدل على أن محمداً  كالملك وجبريل وميكائيل وزيران، فهذا تمام الكلام في حجج الفريقين، وعليك الاختيار بعقلك دون هواك.

ثم إنه  لما استثنى إبليس من الساجدين وكان من الجائز أن يظن أن به عذراً بيَّن أنه غير ذي عذر بقوله ﴿ أبى ﴾ لأن الإباء هو الامتناع مع الاختيار ولهذا فقد العاطف نحو قولك "أبشر بما يسرك عيني تختلج" لا تقول "فعيني" لأنها بيان، ثم إنه جاز أن لا يكون الإباء مع الكبر فعطف عليه ﴿ واستكبر ﴾ ليعرف أن الإباء منضم إلى الاستكبار، وكان من الجائز أن يظن أن كبره لم يوجب الكفر فأزيل الظن بقوله ﴿ وكان من الكافرين ﴾ .

وللعقلاء ههنا قولان: أحدهما أن إبليس حين اشتغاله بالعبادة كان منافقاً كافراً، أما عند من يمنع الإحباط فلأن ختمه لما كان على الكفر علم أنه ما كان مؤمناً قط.

وأما عند غيرهم فلما حكاه الشهرستاني في أول الملل والنحل عن شارح الأناجيل الأربعة على شبه منظرة بين إبليس والملائكة بعد الأمر بالسجود قال إبليس لعنه الله: إني سلمت أن الباري تعالى إلهي وإله الخلق عالم قادر حكيم، إلا أن لي على مساق حكمه أسئلة؛ الأول: إنه قد علم قبل خلقي أيّ شيء يصدر عني فلم خلقني؟

وما الحكمة في خلقه إياي؟

الثاني: إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته، فلم كلفني بمعرفته وطاعته؟

وما الحكمة في التكليف مع أنه لا ينتفع بطاعة ولا يتضرر بمعصية، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟

الثالث: إذ خلقني وكلفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة فأطعت وعرفت، فلم كلفني بطاعة آدم والسجود له؟

وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص بعد أن لا يزيد ذلك في معرفتي وطاعتي؟

والرابع: إذ خلقني وكلفني بهذا التكليف على الخصوص فإذا لم أسجد، فلم لعنني وأخرجني من الجنة وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له في ذلك ولي فيه أعظم الضرر؟

والخامس: ثم لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ومن وسوسة آدم بعد أن لو منعني من دخول الجنة استراح مني آدم وبقي خالداً في الجنة؟

والسادس: إذ خلقني وكلفني عموماً وخصوصاً ولعنني ثم طرقني إلى الجنة، وكانت الخصومة بيني وبين آدم، فلم سلطني على أولاده حتى أراهم من حيث لا يرونني ويؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر فيّ حولهم وقوتهم؟

وما الحكمة في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة وأبقاهم على ذلك فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين كان أحرى بالحكمة؟

والسابع: سلمت هذا كله، فلم إن استمهلته أمهلني، وما الحكمة في ذلك بعد أن لو أهلكني في الحال استراح الخلق مني وما بقي شر في العالم؟

ليس بقاء العالم على نظام الخير خيراً من امتزاجه بالشر؟

فقال شارح الإنجيل: فأوحى الله  إلى الملائكة قولوا له: أما تسليمك الأول أني الهك وإله الخلق فغير صادق ولا مخلص، إذ لو صدقت أني إله العالمين ما احتكمت علي وأنا الله الذي لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل والخلق مسؤولون هذا مذكور في التوراة ومسطور في الإنجيل، وهذه الشبهات بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذور وليس يعدوها عقائد فرق الزيغ والكفر وإن اختلفت العبارات وتباينت الطرق، ويرجع جملتها إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالخلق، وإلى الجنوح إلى الهوى في مقابلة النص، ولا جواب عنها بالتحقيق إلا الذي ذكره الله  .

فاللعين لما أن حكم العقل على من لا يحتكم عليه العقل، لزمه أن يجري حكم الخالق في الخلق، أو حكم الخالق في الخالق.

فالأول غلو كالحلولية وكالغلاة من الشيعة، والثاني تقصير كالمشبهة وصفوا الخالق بصفات الأجسام، وكالخوارج نفوا تحكيم الرجال وقالوا: لا حكم إلا لله كقوله ﴿ لأسجد لبشر خلقته من صلصال  ﴾ لا أسجد إلا لك.

فالشبهات كلها ناشئة من اللعين، وتلك في الأول مصدرها، وهذه في الأخير مظهرها، ولهذا قال  ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدوّ مبين  ﴾ وشبه النبي  كل فرقة ضالة من هذه الأمة بأمة ضالة من الأمم السالفة فقال "القدرية مجوس هذه الأمة والمشبهة يهود هذه الأمة، والرافضة - يعني الغلاة - نصارها" وقال  : "لتسلكن سبيل الأمم قبلكم حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" القول الثاني أن إبليس كان مؤمناً ثم كفر بعد ذلك ثم اختلفوا.

فمن قائل معناه "وكان من الكافرين في علم الله" أي كان الله عالماً في الأزل بأنه سيكفر.

فصيغة "كان" متعلقة بالعلم لا بالمعلوم.

ومن قائل إن "كان" بمعنى "صار".

وقيل: لما كفر في وقت معين بعد أن كان مؤمناً فبعد لحظة يصدق عليه أنه كان من الكافرين.

وإنما حكم بكفره على هذا القول الثاني لاستكباره واعتقاده كونه محقاً في ذلك التمرد بدليل قوله ﴿ أنا خير منه  ﴾ وإلا فمجرد المعصية لا يوجب الكفر عندنا وإن كانت كبيرة، وكذا عند المعتزلة لأنه وإن خرج عن الإيمان لم يدخل في الكفر.

نعم عند الخوارج الكبيرة موجبة للكفر على الإطلاق.

ثم إن قوله ﴿ من الكافرين ﴾ هل يدل على وجود جمع من الكفرة قبله حتى يكون هو واحداً منهم؟

قال قوم: إنه يدل على ذلك لأن كلمة "من" للتبعيض.

وإنما يذكر البعض الموجود بالإضافة إلى كل موجود لا إلى كل من سيوجد.

ومما يؤكد ذلك ما روي عن أبي هريرة أنه قال: إنه  خلق خلقاً من الملائكة ثم قال لهم ﴿ إني خالق بشراً من طين  ﴾ قالوا: لا تفعل ذلك.

فبعث الله ناراً فأحرقتهم.

وكان إبليس من أولئك.

وقال آخرون: معنى الآية إنه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك، لأن الكفر كان ظاهراً عند نزول الآية، أو لأن الإفراد الذهنية تكفي في صحة الجمع.

فإن الحيوان المخلوق أوّلاً يصح أن يقال إنه فرد من أفراد هذا الحيوان أي من أفراد هذه الماهية، وعلى هذا يكون إبليس أول من سن الكفر وهو قول الأكثرين.

واعلم أن الملائكة المأمورين بالسجود هم كل الملائكة عند أكثر الأئمة، لأن الجمع المعرف للعموم ويؤكده قوله ﴿ فسجد الملائكة كلهم أجمعون  ﴾ .

وأيضاً استثناء الشخص الواحد يدل على أن ما عداه داخل في ذلك الحكم.

ومن الناس أنكر ذلك وقال: هم ملائكة الأرض استعظموا أن يكون أكابر الملائكة مأمورين بذلك، وأما الحكماء فإنهم يحملون الملائكة على الجواهر الروحانية، واستحالوا انقياد الأرواح السماوية للنفوس الناطقة.

وقالوا: المأمورون بالسجود القوى الجسمانية البشرية المطيعة للنفس الناطقة.

قوله  ﴿ وقلنا يا آدم اسكن ﴾ الآية الأصح أن هذا الأمر يشتمل على ما هو إباحة لأنه كان مأذوناً في الانتفاع بجميع الجنة، وعلى ما هو تكليف وتعبد، فإن المنهي عنه كان حاضراً.

روي عن قتادة أنه قال: إن الله ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود، وذلك لأنه كلفه أن يكون في الجنة يأكل منها حيث يشاء، ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها، فما زال به البلاء حتى وقع فيما نهي عنه.

فإسكانه موضعاً يحصل فيه ما يكون مشتهى له مع منعه عن تناوله من أشد التكاليف.

وإنما لم يقل وهبت منك الجنة لأنه خلق لخلافة الأرض وكان إسكان الجنة كالتقدمة لذلك.

فلو قال رجل لغيره أسكنتك داري.

لا تصير الدار ملكاً له.

وأجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة.

ففي سائر القرآن ما يدل على ذلك وإنها مخلوقة منه ﴿ خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها  ﴾ وقال  "إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها" وذكر السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة أن الله  لما أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة حل فيها وحده وما كان معه من يستأنس به، فألقى الله  عليه النوم، ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر ووضع مكانه لحماً وخلق حواء منه، فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة قاعدة.

فسألها من أنت؟

قالت امرأة.

قال: ولم خلقت؟

قالت: لتسكن إليّ.

فقالت له الملائكة امتحاناً لعلمه: ما اسمها؟

فقال: حواء.

قالوا: ولم؟

قال: لأنها خلقت من شيء حي.

قيل: فلما أراد آدم مد يده إليها منعته الملائكة وقالوا: أمهرها.

قال: فما صداقها؟

قالوا: أن تصلي على محمد وآله.

قال: ومن محمد؟

قالوا: من أولادك خاتم النبيين ولولاه لما خلقت.

وعن ابن عباس قال: بعث الله جنداً من الملائكة فحملوا آدم وحواء عليهما السلام على سرير من ذهب كما يحمل الملوك ولباسهما النور، على كل واحد منهما إكليل من ذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ، وعلى آدم منطقة مكللة بالدرّ والياقوت حتى أدخل الجنة.

فهذا الخبر يدل على أ ن حواء خلقت قبل إدخاله الجنة، والخبر الأول دل على أنها خلقت في الجنة والله أعلم بحقيقة الحال.

ثم هذه الجنة كانت في الأرض أو في السماء؟

وعلى تقدير كونها في السماء هي دار الثواب أم جنة أخرى؟

فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني: هي في الأرض وحملا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله  ﴿ اهبطوا مصراً  ﴾ قالا: لأن دار الثواب للخلد ولو كان في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله ﴿ هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى  ﴾ ولأن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى ﴿ وما هم منها بمخرجين  ﴾ ولأن إبليس بعد أن غضب الله عليه كيف يقدر أن يصل إلى جنة الخلد، ولأن دار الجزاء يدخل المكلف فيها بعد العمل ولا عمل لآدم وقتئذ، ولأنه  خلقه في الأرض ولم يذكر نقله إلى السماء ولو كان قد نقله لكان ذكره أولى، لأن ذلك النقل من أعظم النعم.

وقال الجبائي: هي في السماء السابعة، اهبط منها إلى السماء الدنيا، ثم منها إلى الأرض.

وقال الجمهور: هي دار الثواب والدليل عليه أن اللام في الجنة ليست للعموم، لأن السكنى في جميع الجنان محال فهي للعهد، ولا معهود بين المسلمين إلا دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها.

واسكن أمر من السكنى، والسكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار.

و "أنت" تأكيد للمستكنّ في "اسكن" ليصح العطف عليه.

و ﴿ رغداً ﴾ وصف للمصدر أي أكلا رغداً واسعاً رافهاً و ﴿ حيث ﴾ للمكان المبهم أي أيُّ مكان من الجنة شئتما، أو أيّ زمان شئتما، فإن "حيث" قد يعبر به عن زمان مجهول.

وإنما قيل ههنا ﴿ وكلا ﴾ بالواو وفي الأعراف ﴿ فكلا ﴾ لأن كلّ فعل عطف عليه شيء وكان بينهما رابطة السببية يعطف الثاني على الأول بالفاء وإلا فبالواو كقوله  في البقرة ﴿ وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا  ﴾ بالفاء، لأن الدخول سبب الوصول إلى الأكل، وكأنه قال: وإن دخلتموها أكلتم.

وفي الأعراف ﴿ وإذا قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا  ﴾ بالواو لأن السكنى وهي طول اللبث لا يختص وجوده بوجود الأكل، لأن المجتاز قد يأكل أيضاً، فلهذا لم يعطف ههنا بالفاء إذ المراد اسكن من السكنى، وأما في الأعراف فالمراد اسكن بمعنى الدخول ثم السكون فصح العطف بالفاء.

والنهي في ﴿ لا تقربا ﴾ للتنزيه أو للتحريم، الأصح الأول لأن الصيغة وردت في كليهما والأصل عدم الاشتراك فيجعل حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو ترجيح لجانب الترك على الفعل من غير دلالة على المنع من الفعل، أو الجواز.

لكن الجواز ثابت بحكم الأصل، فإن الأصل في الأشياء الإباحة، فإذا ضممنا هذا الأصل إلى مدلول اللفظ صار المجموع دليلاً على التنزيه وهذا أولى، ليرجع حاصل معصيته إلى ترك الأولى فيكون أقرب إلى عصمة الأنبياء.

وقيل: نهي تحريم قياساً على قوله ﴿ ولا تقربوهن حتى يطهرن  ﴾ وقوله ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم  ﴾ ولقوله ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ ولأنه استحق الإخراج من الجنة والرجوع إلى التوبة.

والجواب أن التحريم في ﴿ ولا تقربوهن  ﴾ بدليل منفصل، والظلم قد يراد به ترك الأولى، والإخراج لم يكن بهذا السبب بل لما سيأتي إن شاء الله  .

ثم النهي عن القرب يفيد النهي عن الإكل بطريق الكناية، فإن القرب إليها من أسباب الأكل منها، ومما يدل على النهي عن الأكل صريحاً قوله ﴿ فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما  ﴾ .

وروي عن ابن عباس أن الشجرة هي البر والسنبلة، وفي رواية عنه وعن ابن مسعود أنها الكرم، وعن مجاهد وقتادة أنها التين، وعن الربيع بن أنس كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث.

قال المبرد: وأحسب أن كل ما له أغصان وعيدان فالعرب تسميه شجراً، وقد لا يختص بما له ساق قال  ﴿ وأنبتنا عليه شجرة من يقطين  ﴾ وأصل هذا أنه اسم لكل ما شجر أي أخذ يمنة ويسرة والتشاجر الاختلاف.

واعلم أنه ليس في الظاهر ما يدل على التعيين، ولا حاجة أيضاً إلى بيانه.

فليس المقصود تعريف الشجرة، وما لم يكن مقصوداً فذكره لا يجب على الحكيم بل يكون عبثاً، كما لو أراد أحدنا أن يقيم عذره في التخلف فقال: اشتغلت بضرب غلماني لإساءتهم الأدب.

كان هذا القدر أحسن من أن يذكر عين الغلام واسمه وصفاته، فلا يظنن أحد أن ههنا تقصيراً في البيان.

﴿ فتكونا ﴾ جزم عطفاً على ﴿ تقربا ﴾ ونصب جواباً للنهي.

﴿ من الظالمين ﴾ من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله.

قوله ﴿ فأزلهما الشيطان ﴾ الآية.

تحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما عنهما ولفظة ﴿ عن ﴾ في هذه الآية كـ ﴿ هي ﴾ في قوله ﴿ وما فعلته عن أمري  ﴾ فالضمير للشجرة.

وقيل: أذهبهما وأبعدهما كما تقول: زل عن مرتبته وزلت قدمه.

فالضمير للجنة، ومن قرأ ﴿ أزالهما ﴾ فهو من الزوال عن المكارم مما كانا فيه أي من النعيم والكرامة، أو من المكان الذي هو الجنة إن كان الضمير في ﴿ عنها ﴾ الشجرة.

واعلم أن الناس اختلفوا في عصمة الأنبياء عليهم السلام، والنزاع إما في باب الاعتقاد، أو في باب التبليغ، أو في باب الأحكام والفتيا، أو في أفعالهم وسيرتهم.

أما اعتقادهم الكفر والضلال فغير جائز عند أكثر الأئمة.

وقالت الفضيلية: إنه قد وقع منهم ذنوب والذنب عندهم كفر وشرك، فلا جرم قالوا بوقوع الكفر منهم.

وأجازت الإمامية عليهم إظهار الكفر على سبيل التقية، وأما ما يتعلق بالتبليغ فاجتمعت الأمة على عصمتهم عن الكذب والتحريف في ذلك لا عمداً ولا سهواً وإلا ارتفع الوثوق.

ومنهم من جوز ذلك سهواً لأن الاحتراز غير ممكن، وأما المتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز الخطأ فيه عمداً، وأما السهو فجوزه بعضهم وأباه آخرون.

وأما المتعلق بأفعالهم فالحشوية جوّزوا الكبائر عنهم عمداً، وأكثر المعتزلة جوّزوا الصغائر عنهم عمداً إلا ما ينفر كالكذب والتطفيف، والجبائي لا يجوّز صغيرة ولا كبيرة على جهة العمد بل على التأويل.

وقيل: لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ، ولكنهم يؤاخذون به وإن كان ذلك موضوعاً عن أمتهم، لأن معرفتهم أقوى وهم على التحفظ أقدر.

والشيعة لم يجوّزوا صغيرة ولا كبيرة منهم لا عمداً ولا سهواً ولا على سبيل التأويل والخطأ.

وفي وقت عصمتهم ثلاثة أقوال: فمذهب الشيعة أنهم معصومون من وقت مولدهم، والمعتزلة من وقت بلوغهم ولم يجوزوا الكفر والكبيرة منهم قبل النبوة، وبعضهم وأكثر أصحابنا على تجويز ذلك قبل النبوة، والمختار أنهم لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة لا الكبيرة ولا الصغيرة لوجوه: الأول: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة مصداقه قوله عز وجل من قائل ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين  ﴾ وصغائر الرجل الكبير كبائر *** ولا يجوز أن يكون النبي أقل حالاً من الأمة بالإجماع.

والثاني: وبتقدير إقدامه على الفسق لا يكون مقبول الشهادة لقوله ﴿ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا  ﴾ لكنه شاهد عدل من الله بأنه شرع الدين وكذا يوم القيامة { ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ .

الثالث: وبتقدير إقدامه على الكبيرة.

يجب زجره وإيذاؤه، لكنه محرّم ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ﴾ .

[الأحزاب: 57].

الرابع: أنه  لو أتى بمعصية لوجب علينا الاقتداء به لقوله ﴿ فاتبعوه  ﴾ والجمع بين الوجوب والحرمة محال.

الخامس: نعلم بالبديهة أنه قبيح لا شيء أقبح من نبي رفع الله درجته وجعله خليفة في عباده وبلاده، ثم إنه يقدم على ما نهاه عنه ترجيحا لهواه حتى يستحق اللعن والعذاب.

السادس: ﴿ أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم  ﴾ يكون حينئذ منزلاً في شأنه، ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه  ﴾ .

السابع: ﴿ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات  ﴾ واللفظ للعموم فيشمل فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي.

الثامن: ﴿ وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار  ﴾ ﴿ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس  ﴾ والوصف بالاصطفاء ينافي الذنب.

التاسع: أنه  حكى عن إبليس ﴿ لأغوينهم أجمعين.

إلا عبادك منهم المخلصين  ﴾ والأنبياء من المخلصين لقوله  في حق يوسف ﴿ إنه من عبادنا المخلصين  ﴾ وفي حق موسى ﴿ إنه كان مخلصاً  ﴾ فكذا غيرهما.

العاشر: ﴿ ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين  ﴾ ولا يخفى وجوب كون الأنبياء منهم وإلا كان غير النبي أفضل من النبي.

الحادي عشر: الخلق قسمان: حزب الله ﴿ ألا إن حزب الله هم المفلحون  ﴾ وحزب الشيطان ﴿ ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون  ﴾ والعصاة حزب الشيطان، فلا يجوز أن يكون النبي عاصياً.

الثاني عشر: النبي  أفضل من الملك كما مر والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، فالنبي أولى.

الثالث عشر: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً  ﴾ والإمام من يؤتم به والمذنب لا يجوز الاقتداء به في ذنبه.

الرابع عشر: ﴿ لا ينال عهدي الظالمين  ﴾ فإن كان عهد النبوة ثبت المطلوب، وإن كان عهد الإمامة فالنبي أولى به، "روي أن خزيمة بن ثابت شهد لرسول الله  على وفق دعواه فقال  : كيف شهدت لي فقال: يا رسول الله إني أصدقك على الوحي النازل عليك من فوق سبع سموات، أفلا أصدقك في هذا القدر؟

فصدقه رسول الله  فيه وسماه بذي الشهادتين" ، ولو كانت المعصية جائزة على الأنبياء لما جازت تلك الشهادة.

المخالف تمسك في باب الاعتقاد بقوله ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة  ﴾ إلى قوله ﴿ جعلا له شركاء  ﴾ وهذا يقتضي صدور الشرك عنهما.

والجواب ما سيجيء في الأعراف إن شاء الله  ، من أن الخطاب لقريش والمعنى: خلقكم من نفس قضى وجعل من جنسها زوجة عربية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد الدار وعبد قصي.

قالوا: إن إبراهيم لم يكن عالماً بالله ولا باليوم الآخر لقوله ﴿ هذا ربي  ﴾ ﴿ ولكن ليطمئن قلبي  ﴾ والجواب: هذا ربي استفهام منه بطريق الإنكار وقوله ﴿ ليطمئن قلبي ﴾ أراد به أن يؤكد علم اليقين بعين اليقين فليس الخبر كالمعاينة.

قالوا: ﴿ فإن كنت في شك  ﴾ ﴿ فلا تكونن من الممترين  ﴾ يدل على أنه كان شاكاً في الوحي قلنا: الخطاب له والمراد الأمة مثل ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء  ﴾ .

قالوا في باب التبليغ ﴿ سنقرئك فلا تنسى.

إلاّ ما شاء الله  ﴾ هذا الاستثناء يدل على النسيان.

والجواب عنه أن هذا النسيان نوع من النسخ كما يجيء في تفسير قوله  ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها  ﴾ .

قالوا ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته  ﴾ والجواب سوف يجيء في سورة الحج إن شاء الله  : قالوا: ﴿ عالم الغيب فلا يظهر ﴾ إلى قوله ﴿ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم  ﴾ ولولا الخوف من وقوع التخبيط في الوحي لم يستظهر بالرصد، قلنا هذا عليكم لا لكم لدلالته على كونهم محفوظين عن التخبط.

قالوا في باب الفتيا ﴿ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث  ﴾ ﴿ وما كان لنبي أن يكون له أسرى  ﴾ ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم  ﴾ قلنا: الجميع محمول على ترك الأولى، وسوف يجيء قصة كل في موضعها على أنا نقول شعراً: يا سائلي عن رسول الله كيف سها *** والسهو من كل قلب غافل لا هي قد غاب عن كل شيء سره فسـها *** عما سوى الله فالتعظيم لله.

فشغل الأدبي عن الأرفع هو المذموم، وأما الشغل بالأرفع عن الأدنى فمحمود.

قالوا في الأفعال ﴿ وعصى آدم ربه فغوى  ﴾ والعصيان يوجب الوعيد ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم  ﴾ والغي ضد الرشد ﴿ قد تبين الرشد من الغي  ﴾ ، ثم إنه تاب والتوبة دليل الذنب، وإنه ظالم لقوله ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ والظالم ملعون ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين  ﴾ وأنه أخرج من الجنة، وكل هذه دليل ارتكاب الكبيرة.

والجواب، المنع من أن هذه الأمور كانت بعد النبوة.

ثم لنفرض أنه صدر ذلك الفعل عن آدم بعد النبوة، فإقدامه عليه إما أن يكون في حال كونه ناسياً، أو في حال كونه ذاكراً، الذاهبون إلى الأول وهم طائفة من المتكلمين احتجوا بقوله ﴿ فنسي ولم نجد له عزماً  ﴾ ومثلوه بالصائم يغفل عن صومه فيأكل في أثناء ذلك السهو عن قصد.

قيل عليه إن قوله ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين  ﴾ وقوله ﴿ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين  ﴾ يدل على أنه ما نسي وروي عن ابن عباس أنهما لما أكلا منها وبدت لهما سوآتهما، خرج آدم فتعلقت به شجرة من شجر الجنة فحبسته فناداه الله  : أفراراً مني؟

فقال: بل حياء منك.

فقال له: أما كان فيما منحتك من الجنة مندوحة مما حرمت عليك؟

قال: بلى يا رب، ولكن وعزتك بما كنت أرى أحداً يحلف بك كاذباً، فقال: وعزتي لأهبطنك منها ثم لا تنال العيش إلا نكداً.

وأيضاً لو كان ناسياً لما عوتب عليه لأنه قادر على تركه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، رفع القلم عن ثلاث.

وأجيب بالمنع من أن إقدامه على ذلك الفعل إنما وقع عقيب قول إبليس، لأنه كان عالماً بتمرد إبليس عن سجوده وكونه عدواً له ولزوجه، ولأنهما لو صدقاه لكانت المعصية في تصديقه أعظم من أكل الشجرة، لأنه ألقى إليهما سوء الظن بالله وأنه ناصح والرب غاش.

وما روي عن ابن عباس فهو من باب الآحاد ولا يلزم من رفع النسيان عن هذه الأمة رفعه عن غيرهم، بل لا يلزم من رفعه عن الأمة رفعه عن النبي  "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل" "إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم" وقيل: إن حواء سقته الخمر فسكر ثم أقدم على ذلك الفعل، وهذا إنما يصح إذا حملت الشجرة على غير الكرمة حتى يكون مأذوناً في تناول غيرها، إلا أنه يرد عليه أن خمر الجنة لا تسكر ﴿ لا فيها غول  ﴾ .

الذاهبون إلى أنه فعله عامداً أربع فرق: منهم من قال: النهي نهي تنزيه لا تحريم وقد سبق.

ومنهم من قال: كان عمداً من آدم وكان كبيرة مع أن آدم في ذلك الوقت كان نبياً، وقد عرفت فساده.

ومنهم من قال: فعله عمداً لكن كان معه من أعمال القلب من الإخلاص والوجل والإشفاق ما صيره صغيرة، وزيف بأن المقدم على ترك الواجب أو فعل المنهي عمداً لا يعذر بدعوى الخوف، فلا يصح وصف الأنبياء بذلك.

ومنهم - وهو اختيار أكثر المعتزلة - من قال: إنه أقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه، وذلك لا يقتضي كون الذنب كبيرة، بيان الاجتهاد أنه لما قيل له ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ فلفظ ﴿ هذه ﴾ قد يشار بها إلى الشخص، وقد يشار بها إلى النوع كما روي "أنه  أخذ حريراً وذهباً بيده وقال هذان حرامان على ذكور أمتي.

وتوضأ ثم قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" وأراد نوع الحرير والذهب، ونوع الوضوء.

فمراد الله  من كلمة ﴿ هذا ﴾ ذلك النوع لا الشخص.

وكان آدم ظن أن النهي قد ورد على الشجرة المعينة فتركها، وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع.

واعترض بأن هذا في أصل اللغة للإشارة الشخصية، وإذا حمل آدم اللفظ على موضوعه فكيف يعد مخطئاً؟

وأيضاً هب أن لفظ ﴿ هذا ﴾ متردد بين الشخص والنوع، فإن كان مع قرينة الإشارة النوعية وقد قصر في معرفتها فيكون مذنباً، وإن عرفها ومع ذلك أقدم على التناول فكذلك، وإن لم يكن فيه قرينة فلا يعد مخطئاً.

وأيضاً الأنبياء لا يجوز لهم الاجتهاد لأنهم قادرون على تحصيل اليقين بالوحي، فالإقدام على الاجتهاد عين المعصية.

وأيضاً هذه المسألة إن كانت قطعية فالخطأ فيها كبيرة، وإن كانت من الظنيات فإن قلنا: كل مجتهد مصيب.

فلا خطأ، وإن قلنا المصيب واحد فالمخطئ فيها معذور بالاتفاق.

وأجيب بأن لفظ ﴿ هذا ﴾ يستعمل في الإشارة النوعية أيضاً كما مر، وبأن آدم لعله قصر في معرفة القرينة أو عرفها ثم نسي لطول المدة، فلهذا عوتب.

وبأن المسألة القطعية لما نسيها صار النسيان عذراً حتى لا يصير الذنب كبيراً، وقد تكون ظنية وترتب التشديدات على الخطأ فيها لأن النبي  قد يؤاخذ بما لا يؤاخذ به الأمة.

قيل: وقد يحمل الخطأ في الاجتهاد من جهة أن آدم ظن أن المنهي في قوله ﴿ لا تقربا ﴾ تناولهما معاً، فيجوز لكل واحد على الانفراد أكله.

فإن قيل: كيف تمكن إبليس من وسوسة آدم مع أن إبليس كان خارج الجنة وآدم فيها؟

قلت: إما لأنه دخل فم الحية خافياً عن الخزنة ولهذا سقطت قوائم الحية عقوبة لها على ما يروى - وإن كان بعيداً - عن أبي هريرة أنه  قال: ما سالمناهم منذ حاربناهم، ومن ترك منهم شيئاً خيفة فليس منا.

يعني الحيات.

وإما لأنه دخل الجنة في صورة دابة، وإما لأنهما كانا يخرجان إلى باب الجنة وإبليس كان يقرب من الباب ويوسوس، وإما لأنه كان يدنو من السماء فيكلمهما.

وقيل وسوس لهما على لسان بعض أتباعه لأنهما كانا يعرفان ما عنده من الحسد والبغضاء فيستحيل أن يقبلا قوله عادة.

وإسناد الإذلال والإخراج إلى الشيطان لأنه حصل بسبب منه، وعن بعض العرفاء أن زلة آدم هب أنها كانت وسوسة إبليس، فمعصية إبليس بوسوسة من؟

ولا بد من الانتهاء إلى الذي لا يسأل عما يفعل.

فإن قيل: كيف كانت الوسوسة؟

قلنا: هي التي حكاها الله  ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين  ﴾ فلما لم يفد عدل إلى اليمين ﴿ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين  ﴾ ولكم من شياطين الإنس تراهم يوسوسون إليك على هذا الترتيب أعاذنا الله منهم.

ثم بعد ذلك يحتمل أنهما لم يصدقاه فعدل إلى شغلهما باللذات المباحة حتى استغرقا فيها ونسيا النهي فوقعا فيما وقعا والله أعلم بحقائق الأمور.

﴿ اهبطوا ﴾ خطاب لآدم وحواء وإبليس إما في وقت واحد بناء على أن إبليس قد عاد إلى الجنة لأجل الوسوسة، وإما لآدم وحواء في وقت وله في آخر قبل ذلك، وقيل: خطاب لهما وللحية.

وقيل: الصحيح أن الخطاب لهما وذريتهما مرادة أيضاً لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الناس كلهم، والدليل عليه ما جاء في طه ﴿ اهبطا منها  ﴾ وقوله ﴿ فإما يأتينكم  ﴾ وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم.

و ﴿ اهبطوا ﴾ أمر أو إباحة.

والأشبه الأول لأن مفارقة ما كانا فيه من النعيم إلى دار الهوان أشق التكاليف.

وإنما قيل: إنه تكليف لا عقوبة لما ترتب عليه من الثواب العظيم.

ويمكن أن يقال: نفس الإهباط عقوبة ولا ثواب عليه، وإنما الثواب على حسب العمل بعد ذلك.

ومعنى ﴿ بعضكم لبعض عدو  ﴾ ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض.

وليست هذه هي العداوة المأمور بها في قوله ﴿ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا  ﴾ فلا يدخل تحت الأمر، بل المراد اهبطوا وسيكون حالكم كذا، لأن عالم التضاد والتنافي ليس كعالم الأنوار الذي لا تعاند فيه ولا تمانع ﴿ مستقر ﴾ استقرار أو موضع استقرار حالتي الحياة والموت.

﴿ ومتاع ﴾ تمتع بالعيش ﴿ إلى حين ﴾ هو يوم القيامة، أو حين انقضاء آجالكم.

والحين المدة طويلة أو قصيرة، ولهذا لو قال: أنت طالق إلى حين.

فمضت لحظة طلقت.

وفي قصة آدم وما جرى عليه بسبب الزلة معتبر عجيب وموعظة بليغة بينة كافية في اجتناب الخطايا واتقاء المآثم، ولله در القائل: يـــا ناظــراً يرنــو بعينــي راقـــــد *** ومشاهداً للأمـر غيــر مشــاهد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي *** درك الجنان ودرك فوز العابد أنســيت أن الله أخــــرج آدمــــــــاً *** منهـا إلـى الدنيـا بذنب واحــد؟

وعن فتح الموصلي: كنا قوماً من أهل الجنة فساقنا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها.

تطلــب الراحـــة فـي دار العنــا *** خــاب من يطلب شيئاً لا يكون قوله ﴿ فتلقى ﴾ الآية.

أصل التلقي التعرض للقاء، ثم يوضع موضع الاستقبال للشيء الجائي، ثم يوضع موضع القبول، والأخذ ﴿ وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم  ﴾ أي تلقنه، ثم بعض الأفعال قد يشترك فاعله ومفعوله في صلاحية وصف كل منهما بالفعل فيتعاوضان عمله فيهما.

تقول: بلغني ذاك وبلغته، وأصابني خير أو نالني وأصبته أو نلته ﴿ وتلقى آدم من ربه كلمات ﴾ أي أخذها ووعاها واستقبلها بالقبول وتلقى آدم كلمات أي جاءته واتصلت به، ولا يجوز أن يكون معنى التلقي من الرب، أن الله  عرفه حقيقة التوبة لأن المكلف لا بد أن يعرف ماهية التوبة، ويتمكن بعقله من تدارك الذنوب فضلاً عن الأنبياء فإذن المراد أنه نبهه على المعصية على وجه آل أمره إلى التوبة، أو عرّفه وجوب التوبة وكونها مقبولة، أو ذكره نعمته العظيمة عليه حتى صار من الدواعي القريبة إلى التوبة، أو علمه كلمات لو حصلت التوبة معهن كمل حالها من قوله  ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ الآية.

وفي رواية ابن عباس أن آدم قال: يا رب ألم تخلقني بيدك؟

قال: بلى.

قال: يا رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟

قال: بلى.

قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟

قال: بلى.

قال: ألم تسكني جنتك؟

قال: بلى.

قال: يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟

قال: نعم.

وقال النخعي: أتيت ابن عباس فقلت: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟

قال: علم الله آدم وحوّاء أمر الحج فحجا، فهي الكلمات التي تقال في الحج، فلما فرغا من الحج أوحى الله  إليهما إني قبلت توبتكما.

وعن ابن مسعود: إن أحب الكلام إلى الله ما قاله أبونا حين اقترف الخطيئة "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".

وقالت عائشة: لما أراد  أن يتوب على آدم  طاف بالبيت سبعاً، والبيت يومئذ ربوة حمراء، فلما صلى الركعتين استقبل البيت وقال: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فاعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي، اللهم إني أسألك إيماناً يباشر قلبي، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي، وأرضني بما قسمت لي.

فأوحى الله  إلى آدم: يا آدم، قد غفرت لك ذنبك، ولن يأتيني أحد من ذريتك فيدعوني بمثل الذي دعوتني به إلا غفرت ذنبه وكشفت همومه وغمومه ونزعت الفقر من عينيه وجاءته الدنيا وهو لا يريدها.

وفي كلام الغزالي: أن التوبة تتحقق من ثلاثة أمور مترتبة: أولها علم، وثانيها حال، وثالثها عمل.

فالعلم هو معرفة ما في الذنب من الضرر، وكونه حجاباً بين العبد ورحمة الرب، فإذا استحكمت هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوات محبوبه، وتأسف على الفعل الذي كان سبباً لذلك الفوات.

ويسمى ذلك التأسف ندماً، وهذه الحالة لها تعلق بالماضي وهو تلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلاً للجبر، وتعلق بالحال وهو ترك الذنب الذي كان ملابساً له، وتعلق بالمستقبل وهو العزم على أن لا يعود إليه أبداً.

وكثيراً ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده، ويجعل العلم السابق كالمقدمة، والترك اللاحق كالثمرة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "الندم توبة" وجميع هذه الأمور بتوفيق الله ولطفه إنه هو التوّاب الرحيم.

والتوبة لغة الرجوع فيشترك فيه الرب والعبد، فإذا وصف بها العبد فالمعنى راجع إلى ربه لأن العاصي هارب عن ربه، وقد يفارق الرجل خدمة سيده فيقطع السيد معروفه عنه، فإذا عاد إلى السيد عاد السيد عليه بإحسانه ومعروفه، وهذا معنى قبول التوبة من الله وغفران ذنوب العباد "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" ومعنى المبالغة في الثواب أن واحداً من ملوك الدنيا إذا عصاه إنسان ثم تاب قبل توبته، ثم إذا عاد إلى المعصية وإلى الاعتذار فربما لم يقبل عذره لأن طبعه يمنعه من قبول العذر، والله  بخلاف ذلك لأنه إنما يقبل التوبة لا لأمر يرجع إلى رقة طبع أو جلب نفع أو دفع ضر، بل لمحض الإحسان واللطف والرحمة والجود، فإن فيضه لا ينقطع ولا تقصير إلا من القابل، فكلما ارتفع المانع من قبل القابل وصل الفيض إليه لا محالة.

وأيضاً يستحق المبالغة من جهة أخرى وهي كثرة عدد المذنبين المستلزمة لكثرة التائبين المستتبعة لكثرة قبول التوبة ووصفه بالرحمة.

روي عن رسول الله  أنه قال "لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاء داود أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود إلى بكاء نوح لكان بكاء نوح أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود وبكاء نوح إلى بكاء آدم على خطيئته لكان بكاء آدم أكثر، وإذا آل حال أبينا إلى هذا من خطيئة واحدة فمن أحاطت به خطاياه أحق بالبكاء" ولذا قال نبينا  "إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة" فنحن أحق بالاستغفار، فإن الغين يكاد يكون بالنسبة إلينا ريناً، وذلك أن الغين شيء يغين أي يغشى القلب ويغطيه بعض التغطية كالغيم الرقيق لا يحجب الشمس، ولكن يمنع كمال ضوئها.

والرين ما استحكم من ذلك حتى صار القلب ممتنعاً بالكلية عن قبول الحق وذلك صفة الكفار ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون  ﴾ .

قيل في تأويل الحديث: إن الله  أطلع نبيه على ما سيكون في أمته من الخلاف والشقاق، وكان إذا ذكر ذلك وجد غيناً في قلبه فاستغفر لأمته.

قيل: كان ينتقل من حالة إلى حالة أرفع من الأولى فيستغفر مما كان.

وقيل: الغين عبارة عن السكر الذي كان يلحقه في طريق المحبة حتى يصير فانياً عن نفسه بالكلية، فإذا عاد إلى الصحو استغفر من ذلك الصحو، وهذا تأويل أرباب الحقيقة.

وقال أهل الظاهر: إن القلب لا ينفك عن الخطرات والشهوات وأنواع الإرادات، فكان يستعين بالرب  في دفع تلك الخواطر.

وعن ثابت البناني: بلغنا أن إبليس قال: يا رب، إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة فسلطني عليه.

فقال  : جعلت صدورهم مساكن لك.

فقال: رب زدني.

فقال: لا يولد ولد لآدم إلا ولد لك عشرة.

قال: رب زدني.

قال: تجري منه مجرى الدم.

قال: رب زدني.

قال: اجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد.

قال: فشكا آدم إلى ربه فقال: يا رب إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاء وسلطته علي وأنا لا أطيقه إلا بك.

فقال الله  : لا يولد ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء.

قال: رب زدني.

قال: الحسنة بعشر أمثالها.

قال: رب زدني.

قال: لا أحجب عن أحد من ولدك التوبة ما لم يغرغر، والغرغرة تردد الروح في الحلق.

وسئل ذو النون عن التوبة فقال: إنها اسم جامع لمعان ستة: أولها الندم على ما مضى، وثانيها العزم على ترك الذنوب في المستقبل، وثالثها أداء كل فريضة ضيعتها فيما بينك وبين الله، والرابع أداء المظالم إلى المخلوقين في أموالهم وأعراضهم، والخامس إذابة كل لحم ودم نبت من الحرام، والسادس إذاقة البدن مرارة الطاعات كما ذاق حلاوة المعاصي.

وكان أحمد ابن الحرث يقول: يا صاحب الذنوب ألم يأن لك أن تتوب، يا صاحب الذنوب إن الذنب في الديوان مكتوب، يا صاحب الذنوب أنت بها في القبر مكروب، يا صاحب الذنوب أنت غداً بالذنوب مطلوب.

وإنما اكتفى بذكر توبة آدم دون توبة حواء لأنها كانت تبعاً له كما طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك على أنها قد ذكرت في موضع آخر ﴿ قالا ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ الآية.

(قوله) ﴿ قلنا اهبطوا ﴾ الآية.

قيل: فائدة تكرير الأمر بالهبوط أنهما هبوطان: الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من السماء الدنيا إلى الأرض.

وضعف بأنه لو كان كذلك لكان ذكر قوله ﴿ ولكم في الأرض مستقر ﴾ عقيب الهبوط الثاني أولى.

وأيضاً قوله ﴿ منها ﴾ يدل على أن الهبوط الثاني أيضاً من الجنة والأوجه أن آدم وحواء لما أتيا بالزلة وتابا بعد الأمر بالهبوط، وقع في قلبهما أن الأمر بالهبوط يرتفع بزوال الزلة، فأعيد الأمر مرة ثانية ليعلما أن حكمه باقٍ تحقيقاً للوعد المتقدم في قوله  ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ ووجه ثالث وهو أن يكون التكرير للتأكيد، ولما نيط به من زيادة قوله ﴿ فإما يأتينكم ﴾ روي في الأخبار أن آدم هبط بجزيرة سرنديب من الهند، وحواء بجدة من أرض الحجاز، وإبليس بالأيلة من نواحي البصرة، والحية بأصفهان، فلم يتلاقيا مائة سنة، ثم ازدلفا أي تقاربا بالمزدلفة، واجتمعا بجمع وتعارفا بعرفات يوم عرفة، وتمنيا على الله  المغفرة والتوبة بمنى، فحصلت أسماء هذه المواضع من هذه المعاني.

وما في ﴿ إما ﴾ مزيدة لتأكيد الشرط ويؤيده لحوق النون المؤكدة والشرط الثاني وجزاؤه مجموعين جواب الشرط الأول.

تبع واتبع بمعنى، وإنما جاء في طه ﴿ فمن اتبع  ﴾ موافقة لقوله فيها ﴿ يتبعون الداعي  ﴾ وفي الهدى وجهان: أحدهما المراد منه كل دلالة وبيان فيدخل فيه دليل العقل وكل كلام ينزل على نبي، وفيه تنبيه على نعمة أخرى عظيمة فكأنه قال: وإذ قد أهبطتكم من الجنة إلى الأرض فقد أنعمت عليكم بما يؤديكم مرة أخرى: إلى الجنة مع الدوام الذي لا ينقطع.

عن الحسن: لما أهبط آدم إلى الأرض أوحى الله  إليه: يا آدم، أربع خصال فيها كل الأمر لك ولولدك: واحدة لي، وواحدة لولدك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين الناس.

أما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئاً وأما التي لك فإذا عملت آجرتك، وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلى الإجابة، وأما التي بينك وبين الناس فأن تصحبهم بما تحب أن يصحبوك به.

وقيل: هو رسول وكتاب بدليل ﴿ والذين كفروا كذبوا بآياتنا  ﴾ في مقابلة ﴿ فمن تبع هداي ﴾ في الإقدام على ما يلزم والإحجام عما يحرم فإنه سيصير إلى حالة لا خوف فيها ولا حزن.

وهذه الجملة مع اختصارها تجمع شيئاً كثيراً من المعاني، لأن قوله ﴿ فإما يأتينكم مني هدى ﴾ دخل فيه الإنعام بجميع الأدلة العقلية والشرعية وزيادة البيان، وجميع ما لا يتم ذلك إلا به من العقل ووجوه التمكين.

وجمع قوله ﴿ فمن تبع هداي ﴾ تأمل الأدلة بحقها والنظر فيها واستنتاج المعارف منها والعمل بها، وجمع قوله ﴿ فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ جميع ما أعد الله  لأوليائه، لأن الخوف ألم يحصل للنفس من توقع مكروه، أو انتظار محذور، وزواله يتضمن السلامة من جميع الآفات.

والحزن ألم يعرض للنفس لفقد محبوب أو فوات مطلوب، ونفيه يقتضي الوصول إلى كل اللذات والمرادات.

وإنما قدم عدم الخوف على عدم الحزن لأن زوال ما لا ينبغي مقدم على حصول ما ينبغي، وهذا يدل على أن المكلف الذي أطاع الله تعالى لا يلحقه خوف عند الموت، ولا في القبر، ولا عند البعث، ولا عند حضور الموقف، ولا عند تطاير الكتب، ولا عند نصب الميزان، ولا عند الصراط ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون  ﴾ وقال قوم من المتكلمين: إن أهوال يوم القيامة تعم الكفار والفساق والمؤمنين بدليل قوله  ﴿ يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى  ﴾ ﴿ فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً  ﴾ ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم  ﴾ ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين  ﴾ وفي الحديث "تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، وأشار رسول الله  بيده إلى فيه" .

وحديث الشفاعة وقول كل نبي "نفسي نفسي" إلا نبينا  فإنه يقول: " أمتي أمتي " مشهور.

قلت: لا ريب أن وعد الله حق، فمن وعده الأمن يكون آمناً لا محالة، إلا أن الإنسان خلق ضعيفاً لا يستيقن الأمن الكلي ما لم يصل إلى الجنة، لأنه لا يطمئن قلبه ما لم ينضم له إلى علم اليقين عين اليقين، وأيضاً إن جلال الله وعظمته يدهش الإنسان براً كان أو فاجراً.

وأيضاً ظاهر العمل الصالح لا يفيد اليقين بالجنة، فلا عمل إلا بالإخلاص، ولا حكم بالإخلاص إلا لله  ، لأنه من عمل القلب وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء.

ولهذا جاء "والمخلصون على خطر عظيم" وكان دأب الصدّيقين أن يخلطوا الطمع بالخوف، والرغبة بالرهبة، ﴿ يدعون ربهم خوفاً وطمعاً  ﴾ ﴿ ويدعوننا رغباً ورهباً  ﴾ وقيل: ﴿ لا خوف عليهم  ﴾ أمامهم فليس شيء أعظم في صدر الذي يموت مما بعد الموت، فآمنهم الله  ثم سلاهم فقال لهم ﴿ ولا هم يحزنون  ﴾ على ما خلفوه بعد وفاتهم في الدنيا.

ثم إن الأئمة خصصوا نفي الخوف والحزن بالآخرة، لأن مجاري الأمور في الدنيا لا تخلو من مواجب الخوف والحزن.

وقال  "خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل" قلنا: المؤمن الراضي بقضاء الله وقدره لا يرى شيئاً من المكاره مكروهاً، وإنما مراده مراد حبيبه ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً  ﴾ فبترك الإرادة يصح نسبة العبودية، وبالرضوان يحصل مفاتيح الجنان، وتنكشف الهموم والأحزان، ويتساوى الفقر والوجدان، وتثبت حقيقة الإيمان ﴿ والذين كفروا ﴾ لجحدهم مولاهم ﴿ وكذبوا بآياتنا ﴾ لإثباتهم حكماً لهم بحسب مشتهاهم وهواهم ﴿ أولئك أصحاب النار ﴾ وملازموها دائماً سرمداً سواء كانوا من الإنس أو من الجن، أعاذنا الله منها بعميم فضله وجسيم طوله.

التأويل: إنكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية الروحانية ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ بخلاف الطبيعة تعبداً ورقاً وانقياداً للأمر وامتثالاً للحكم، اسجدوا له تعظيماً لشأن خلافته وتكريماً لفضيلته المخصوصة به، فمن سجد له فقد سجد لله  كما قال ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ اسجدوا لآدم لأجل آدم فإن عبادتكم وطاعتكم لا توجب ثواباً لكم ولا تزيد في درجاتكم، ولكن فائدتها تعود إلى الإنسان لقوله ﴿ يسبحون بمحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ﴾ ولأن الإنسان يقتدي بهم في الطاعة ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر والانزجار عن الإباء والاستكبار، كيلا يلحقه من اللعن والبعد ما لحق إبليس ﴿ فسجدوا إلا إبليس ﴾ لأنهم خلقوا من نور، والنور من شأنه الانقياد والإفاضة، وأنه خلق من نار والنار من شأنها الاستعلاء طبعاً ﴿ وكان من الكافرين ﴾ لأنه ستر الحق على آدم كما سمي إبليس لأنه أبلس الحق.

﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ أي أبحت لك نعيم الجنة بما فيها وما كان لك فيها حق لأنك ما عملت بعد عملاً تستحق به الجنة فأعطني هذه الشجرة الواحدة منها وهي كلها لي وأنا خلقتها، فإن طمعت فيها أيضاً فاعلم أن الإنسان له همة عالية وحرص شديد لا يزال تقول جهنم حرصه "هل من مزيد" ولا تمتلئ حتى يضع الجبار فيها قدمه أي سابقة رحمته وعنايته "سبقت رحمتي غضبي" .

ثم إنه أبيح له ولزوجه مشتهيات النفس كلها ﴿ فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ﴾ وقيل لهما اقتنعا بها ولا توقدا نار الفتنة على أنفسكما، ولا تصبا من قربة المحبة ماء المحنة على رأسكما، ولا تقربا شجرة المحبة وقد غرست لأجله في الحقيقة ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ .

ولكن سبب النهي هو الدلال الذي يقتضيه غاية الجمال.

وأيضاً لو لم ينه عنها فلعله ما فرغ لها لكثرة أنواع المرادات النفسانية وكانت المحبة غذاء روحانياً فذكرها كان كالتحريض عليها فإن الإنسان حريص على ما منع وأيضاً إنه  وسع أسباب الانبساط أولاً ثم ضيق عليه الأمر آخراً.

وأدنيتني حتـى إذا مــا فتنتني *** بقول يحل العصم سهل الأباطــح.

تجافيت عني حين لالي حيلة *** وغادرت ما غادرت بين الجوانح.

خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وأسكنه الجنة في جواره وزوجه حواء حتى شاهد جمال الحق في مرآة وجهه، وأنبت شجرة المحبة بين يديه ثم منعه عنها وكان في ذلك المنع تذكير وتحريض.

أيضاً كما مر ثم عاتبه بقوله ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ وهذا كما أسكر موسى بأقداح الكلام وأذاقه لذة شراب السماع وقربه نجياً حتى اشتاق إلى جماله وطمع في وصاله وقال ﴿ ربي أرني  ﴾ عاتبه بسطوة ﴿ لن تراني  ﴾ وذلك أن البلاء والولاء توأمان والمحبة والمحنة رضيعا لبان، والمطلوب كلما كان أرفع كان أعز وأمنع والجمال لا بد له من الدلال، وبه يتميز العاشق الصادق من المدعي المختال.

﴿ فلما ذاقا ﴾ شجرة الغرام خرجا من دار السلام فما لأهل الغرام ودار السلام؟

وأين الفارغ السالي من المحب الغالي؟

فبتنا على رغم الحسود وبيننا *** حديث كطيب المسك شيب به الخمر.

فلما أضاء الصبح فـرق بيننـا *** وأي نعيــــم لا يكــــدره الــــدهــــر؟.

وبالجملة، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء، فلم يمس بعد أن كان مسجود الملك مرفوع السماك إلى السماك مشمول الرعاية موفور العناية حتى نزع عنه لباس الأمن والفراغ، وبدل باستئناسه الاستيحاش، تدفعه الملائكة بعنف أن اخرج من غير مكث ولا بحث، فأزلتهما يد التقدير بحسن التدبير، وكان الشيطان المسكين كذئب يوسف لطخ خرطومه بدم نصح، فلما وقعا من القربة في الغربة، ومن الألفة في الكلفة لما ذاقا من شجرة المحبة المورثة للمحنة استوحشا من كل شيء، واتخذا عدوّاً بعضكم لبعض عدو، وهكذا شرط المحبة عداوة ما سوى المحبوب.

فكما أن ذاته لا تقبل الشركة في التعبد، كذلك لا تقبل الشركة في المحبة.

فلما استقرت حبة المحبة في أرض قلب آدم جعل الأرض مستقر شخصه ليتمتع بتربية بذر المحبة بماء الطاعة والتكليف إلى حين إدراك ثمرة المعرفة ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ وقال  "إن داود قال: يا رب لم خلقت الخلق؟

فقال: كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" .

ثم إنه بعدما ابتلي بالهبوط بشره بأن وحيه لا ينقطع وهدايته لا ترتفع، وإن من ربى بذر المحبة بماء الطاعة والطباعة ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ في المستقبل ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ على ما مضى من الهبوط إلى الأرض، لأنهم يرجعون بجذبات العناية والهداية إلى ذرى حظائر القدس وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ ﴾ .

قال الشيخ -  -: القول فيما يتوجه إليه مما تضمن قصة آدم  من سورة البقرة، والكشفُ عما قال فيها أهل التفسير من غير شهادة لأَحد منا لإصابة جميع ما فيه من الحكمة أَو القطع على تحقيق شيءٍ، ووجهوا إليه بالإِحاطة.

ولكن الغالب مما يحتمله تدبير البشر، ويبْلغه مبلغ علمنا مما يجوز أَن يوصَف به أَهلُ المحنة، وإن كان تنزيه الملائِكة عن كل معنى فيه وحشةٌ أَوْلى بما وصفهم الله من الطاعة بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً ﴾ إلى قوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 27].

وقوله: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ...

﴾ الآية [النحل: 50].

وقوله: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ  ﴾ .

وما جاءَت به الآثار عن رسول الله  من وصف طاعتهم لله ومواظبتهم على العبادة.

وما لا يذكر عن أحد من الرسل وصف ملك بالمعصية، بل إنما ذلك يذكر عن بعض السلف مما لا لوم في مخالفته في فروع الدين، فضلاً من أَن يبسط اللسان في ملائِكة الله  ، وبالله المعونةُ والعصمة.

قال الله  لملائِكته: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ...

﴾ الآية.

زعم قوم أن هذا زلةٌ منهم، لم يكن ينبغي لهم أن يقابلوا قوله: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ بهذا؛ لما يخرج مخرج الاستعتاب بقولهم: أَتفعل ونحن نفعل كذا؟!

كالمنكرين لفعله.

وأَيدوا ذلك بقوله عز وجل: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه لولا كان في ذلك طرف من الجهل يحذر عن مثله قائِلُه، لم يتبع قولهم هذا، ومعلوم عندهم أَن يكون هو يعلم ما لا يعلمون.

وأَيد ذلك بما امتحنهم بالإنباءِ عن أَسْماءِ الأَشياءِ، مقروناً بقوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ ولولا أنه سبق منهم ما استحقوا عليه التوعد لم يكن لذلك الشرط عند القول: ﴿ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ فائِدة مع ما يوضع موضع التوبيخ والتهدد.

ومنهم من قال: إن قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ قولُ إبليس، هو الذي تعرض بهذا القول، وإن كان الكلام مذكوراً باسم الجماعة؛ لأَنه جائِزٌ خطاب الواحد على إرادة الجماعة، وذكرُ الجماعةِ على إرادة الواحد، وإن كان خطاب الله  لجملة ملائِكته حيث قال: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ...

﴾ الآية.

قوله: ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ بكذا، وهو يعلم أنهم لا يعلمون ذلك، ولا يحتمل أَن يأْمرهم بذلك وهم لا يعلمون.

ولو تكلفوا الإخبار لَلَحِقَهم الكذبُ في ذلك.

ثبت أَن ذلك على التوبيخ والتهدد لما فرط منهم.

ويكشف عن ذلك أَيضاً عند اعترافهم بأن لا علم لهم إلا ما علمهم الله ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [البقرة: 33] ولو لم يكن منهم ما استحقوا به التأْديب والتنبيه عنْ غفلةٍ سبقت منهم، لم يكن لذلك كثيرُ معنى؛ إذ لا يخفى على الله عز وجل عِلْمُ ما ذكر من الكفرة الأَشقياءِ، فضلاً عن الكرام البررة.

ولكن قد يعاتب الأخيار عند الهفوة، والزلة بما يحل من خوف التنبيه والتوبيخ: نحو قولِهِ: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ  ﴾ .

وقوله لرسول الله  : ﴿ إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ...

﴾ الآية [الإسراء: 75].

ولملائِكته: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ  ﴾ .

واستجازوا إمكان العصيان عند المحنة.

ودليلُ المحنة ما بينا من الفعل بالأَمن والخوف المذكورين، وما مدحوا بعبادتهم لله  ، وما أوعدوا لو ادَّعَوا الألوهية؛ ولما لم يحتمل أن يُحمدوا على العبادة والطاعة فيما كان فعلهم على الخيْر والشر، ولا تعظم المحنة فيما لا يمكن المعصية، ولا تحتملها البنْية؛ إذ الطاعة هي في اتقاءِ المعصية.

وقال أيضاً: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ  ﴾ ، ولا يقال مثله لمن لا يحتمل فعل المعصية.

فثبت أن المعاصي منهم ممكنة؛ ولذلك خَطَرُ طاعاتهم، وعِظمُ قَدرِ عبادتهم، والممتَحَنُ مَخُوفٌ منه الزَّلة والهفوة، بل المعصية، وكل بلاء إلا أَن يعصمه الله  ويحفظه، وذلك من الله إفضال وإحسان لا يُستَحقُّ قبلَه، ولا يُلْزمه أحدٌ من خلقه.

فجائِز الابتلاء به مع ما في زلة أمثالهم من ترك الرجاء بالخلق، وقطع الإِياس، والحث على الفراغ إلى الله  بالعصمة والمعونة؛ إذ لم يقم لطاعته أحد وإن جَل قَدرُهُ عند ما وُكِل إلى نفسه مما يعلم الله أَنه يَختار في شيء الخلاف، لا أَنه يفزع إليه وينزع إليه.

وعلى ذلك معنى زَلات الرسل عليهم الصلاة والسلام.

وزعم قوم أَن ذلك ليس منهم بالزَّلة، بل الله  عصمهم عنها، ولكن قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ يخرج على وجهين: أَحدهما: على السؤال بعد أَن أعلمهم الله أَنهم يفعلون؛ فقالوا: كيف يَفْعلون ذلك، وقد خلقتهم ورزقتهم وأَكرمتهم بأَنواع النعم، ونحن إذ خلقتنا نُسبِّحك بذلك، ونقدس لك؟!

أَو كيف تحتمل عقولهم عصياناً - مع عظم نعمتك عليهم - ونحن معاشر الملائِكة تأْبى علينا العقول ذلك؟!

فقال الله عز وجل: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

أَي: أَمْتحنهُم مع ما ركب فيهم من الشهوات التي - لغلبتها على أَنفسهم - تعتريهم أَنواع الغفلة، ويصعب عليهم التيقظ؛ لكثرة الأَعداء لهم، وغلبة الشهوات؛ فلما عظمت المحنة عليهم يكون منهم ذلك.

وهذا الوجه يخرج على سؤال الحكمة في خلق من يعصيه.

فأَخبر أَنه يعلم ما لا تعلمون؛ إذ بذلك بيان الأَولياءِ والأعداءِ، وبيان أن الله لا يخلق من يخلق لحاجته له، أو لمنفعة له؛ إذ لو كان كذلك لم يخلق من يخالفه في الفعل الذي أُمِر به.

وإنما خلق الخلق بعضهم لبعض عِبراً وعِظةً؛ فيكون في عقوبة العُصاة ووعيدهم مَزْجَرٌ لغيرهم وموعِظةٌ، ولغير ذلك من الوجوه.

والوجه الآخر: أَن يكون المعنى من قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا ﴾ على الإيجاب، أَي: أَنت تفعل ذلك؛ إذ ليس عليك في خلق من يعصيك ضرر، ولا لك في خلق من يطيعك نفعٌ، جل ثناؤه، من أَن يكون فعلك لأحد هذين.

وذلك كقوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [النور: 50] على إيجاب ذلك، لا على الاستفهام.

مع ما يحتمل أن الأَلف زائِدة؛ كقوله: ﴿ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ  ﴾ بمعنى: إنكم وتريد، وذلك يرجع إلى الأول.

وقال: ومعنى قوله: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ : أن الله قد كان أخبرهم عن الذين يفسدون، ولم يكن أَعلمهم ما فيهم من الرسل والأَخيار، فهو يعلم ما لا تعلمون من الأَخيار فيهم؛ ولذلك ذكرَّهم عند سؤال الإنباءِ بما أَعلمهم من عظيم امتنانه على آدم أَن جعله بمعنى نبيىء إلى الملائكة بما علمهم الأسماء.

ولم يكن بلغ توهمهم أَن في البشر ما يحتاج المخلوقون من النور - الذي هو سبب رفع الأستار عن الأَشياءِ، وجلاء الأَشياءِ به - ثم يحتاجون في اقتباس العلم إلى من هو من جوهر التراب والماءِ الذي هو أصل الستر والظلمة.

فأَراهم الله بذلك ليعلموا أن ليس طريق المعرفة، والعلم بالأَشياءِ الخلقة، ولكن لطفُ الله وامتنانُه، ولا قوة إلا بالله.

وقال قوم: كان منهم من استحق العتاب من طريق الخطر بالقلوب، لا من طريق الزَّلة - التي هي العصيان - ولكنهم يعاتبون على أَمثال ذلك - وإن لم تبلغ بهم المعصية - لعلوّ شأْنهم، ولعظم قدرهم.

كما قد عاتب الله نبيه  في أَشياءَ وإن لم يكن ذلك منه معصية؛ كقوله  : ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ...

﴾ الآية [التوبة: 43].

وقوله: ﴿ وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ...

﴾ الآية [الأحزاب: 37].

ولم يكن إثْمٌ في ذلك، وقال ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ...

﴾ الآية [أول سورة التحريم]؛ [لأنه] من غير أَن كان منه عصان؛ فمثل ذلك أمر الملائِكة.

ثم تكلموا في معنى ذلك: فمنهم من يقول: ظنوا أنهم أكرم الخلق على الله، وأَنه لا يُفَضِّل أَحداً عليهم.

ومنهم من يقول: ظنوا أَنهم أعلم من جميع من يخلق من جوهر النار أَو التراب؛ من حيث ذكرت من جوهرهم، أَو لعظم عبادتهم لله، وعلمهم بأَن في الجن والإِنس عصاة؛ فلهذا امتحنهم بالعلم، ثم بالسجود؛ لإظهار علو البشر وشرفه، وعظم ما أكرموا به من العلم.

ومنهم من [يقول: ظنوا أنهم فضلوا بفعلهم:] ﴿ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ .

قال قوم: يريد به آدم  ، يخلف الملائكة في الأرض ومن تقدمه من الجان.

وذلك بعيد؛ كأنهم قالوا: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ ولم يكن آدم -  - بالذي كان يفسد في الأرض، ويسفك الدماء، بل كان يسبح بحمده ويقدس له.

ولكن يحتمل: أَن يريد آدم وولده - إلى يوم القيامة - أَن يجعل بعضهم خلفاء لبعض؛ كقوله: ﴿ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ  ﴾ ، أو يجعلهم خلفاء من ذكروا، إن صح الذي قالوا.

وجائِز أَن يكونوا على وجه الأَرض، إذ هي مخلوقة لهم قراراً ومِهاداً ومعاداً، وهم جُعِلوا سكانهَا وعُمَّارها - أَن يكونوا خلفاء، في إظهار أَحكام الله  ودينه، كقوله لداود  : ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ فجعله كذلك ليحكم بين أَهلها بحكم الله ولا يتبع الهوى، وبذلك أُمر بنو آدم.

وقولُه: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

قيل: بأَمرك.

وقيل: بمعرفتك.

وقيل: بالثناءِ عليك؛ إذ كانوا أَضافوا ذلك إلى أَنفسهم دون أن يذكروا عظيم مِنَّة الله عليهم بذلك، واختصاصَه إياهم بالتوفيق له؛ إذ كيف ذكروا من نُعُوت البشر شرَّ ما فيهم، دون أَن يحمَدوا الله - بما وفقوا له - أَو يدعوا للبشر بالعصمة والمغفرة مما ابتلوا.

ولذلك - والله أعلم - صَرفوا شغلهم من بعد إلى الاستغفار لمن في الأَرض، ونصر أَولياءِ الله، ولا قوة إلا بالله.

ومن الناس من أَخبر في ذلك: أَن إبليس سأَلهم: لو فُضِّل آدمُ عليهم، وأُمِروا بالطاعة له ما يصنعون؟

فأَظهر الله عز وجل أَنه علم ما كتم إِبليس من العصيان، وما أَظهروا هم من الطاعة.

وهذا شيء لا يعلم حقيقته؛ لأَن المعاتبة كانت في جملة الملائكة، والمخاطبة باالإِنباءِ، وما أُلحق به وأَمر بالسجود وكان في غيره.

ولم يحتمل أَن يكونوا يؤاخذون بسؤال إبليس اللعين.

ولكن يحتمل وجوه العتاب الإِخبار فيما لم يبلغوا العصيان، والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ ﴾ .

يحتمل: أن يكون علم لهم.

ويحتمل: أن يكون علَّم بإِرسال ملك من غير الذين امتحنوا به.

وفي ذلك تثبيت أحد وجهين: إما أَن يكون العلم بالأَشياءِ حقيقة ضرورة، يقع عند النظر في الأسباب التي هي أَدلة وقوعه عند التأَمل فيها؛ نحو وقوع الدَّرك بالبصر عند النَّظر وفتح العين.

وإما أن يكون الله  خلق فعل التعلم الذي يعلم المرء فيما يضاف فيه إلى الله  أَنه علم.

وكذا قوله: ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ  ﴾ .

وكذا قوله: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ  ﴾ ، ولا يحتمل هذه الأَسباب لما كانت له كلها، ولم يكن تعلَّم حقيقة ليؤذنه.

وكذلك قول الملائكة: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ  ﴾ ، والله الموفق.

وقوله: ﴿ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ .

ظاهره أَمر، ولكنه يحتمل التوعد والمعاتبة على ما بينا، وذلك فى القرآن كثير.

وإن كان في الحقيقة أَمراً، ففيه دلالة جواز الأَمر فيما لا يعلمه المأْمور إذا كان بحيث يحتمل العلم به إلى ذي العلم تبين له إذا طلب واستوجب رتبة التعلم والبحث.

ويحتمل: أَن يكونوا نُبِّهوا حتى لا يسبق إليهم - عند إعلام آدم - أَن ذلك من حيث يدركونه لو تكلفوا.

أَو أَراد أن يريَهم آية عجيبة تدل على نبوته، ذكّرهم عجزهم عن ذلك، وألزمهم الخضوع لآدم  في إفادة ذلك العلم له، كما قال عز وجل: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ  ﴾ ذكره أَولاً حالَه وحالَ عَصاه، ليعلم ما أَراه ما في يده من آية نبوته على نبينا و  .

وقوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ * قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ في المعاني التي ذكروا؛ إذ كنتم مذ خُلِقتم موصوفين بالصدق.

أو على تحذير القول بلا علم وكأَنه قال: واصدقوا، واحذروا القول بالجهل.

وفي ذلك أَنهم لم يتكلفوا بالقول في شيء لم يعلمهم الله  .

قال أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان: هذا يبطل قول المنجمة والعَافة بدعواهم على الغيب بلا تعليم ادَّعوه من الله  .

وفي قصة آدم  دلالة نبوة محمد  ؛ إذْ أَخبر نبينا محمد  بما علم بما في غير القرآن من الكتب السماوية من غير أَن عُرِف بالاختلاف إليهم، أَو معرفة الأَلسن التي بها ذكرت في كتبهم.

ذكرَها على ما لم يَدِّع أَحدٌ - له العلمُ بها - النكيرَ عليه؛ ليُعلم أَنه بالله علم ذلك.

وفيها دلالة فضل آدم  أَبِى البشر؛ إذ أَحوجَ ملائكتَه إليه لاقتباس أَصل الأَشياءِ، وهو العلم الذي كل خير له كالتابع، وبه يصلح وينفع، ولا قوة إلا بالله.

وفيها دلالة محنة الملائكة بوجهين: أَحدهما: تعلُّمُهم العلم الذي هو أحق شيء يحتمل الخير؛ إذ قد يُلْهَم المرءُ ربما من غير تكلف، وهم قد أُمروا به مع ما قدم ما يخرج مخرج التهدُّد في القول من قوله: ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ وذلك - فيما لا محنة - فاسد مع ما سبق من دليل المحنة.

والثاني: فيما أمرهم بالسجود لآدم  حتى صيّر مَنْ أَبَى كافراً إبليساً.

وفي ذلك أيضاً دليل فضل آدم  ؛ إذ جُعِل موضعَ عبادةِ خيار خلقِ الله معه، وبالله التوفيق وفي ذلك أن السجود ليس بنفسه عبادةً؛ إذ قد يجوز السجود لأَحد من الخلق كما أمر به لآدم  : ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ  ﴾ ولم يجز الأمر بالعبادة لآدم، ولله اسم المعبود، ولو جاز لأحد ذلك لكان غيرُ الله إله.

دليل ذلك تسمية العرب كلَّ شيء يعبدونه إلهاً، ولا قوة إلا بالله.

ثم السجود يحتمل وجهين: [الوجه الأول]: الخضوع كما قال الله  : ﴿ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [الحج: 18].

وقوله: ﴿ وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ  ﴾ ، فإن كان المراد منه الخضوع له والتعظيم، [فكلذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أن الله  إذ فضله عليهم بما أطلعه على علوم خصه بها أمره بالخضوع والتعظيم]، فذلك الحق على كل محتاج إلى آخر ما به رجاءُ النجاة، أو دَرْك العلو والكرامة أَن يعظمهُ ويبجلَّهُ، ويخضعَ له.

والثاني: امتحنهم بوجه يُظهر قدرَ الطاعةِ؛ لأَن الخضوعَ لمن يعلو أَمرُه ويجِلُّ قدره، أَمر سهلٌ، عليه طُبع الخلق، فإذا كان في تقدير المأمور بالخضوع أَنه دونه في الرتبة، أو شكله، أَو لم يكن بينهم كثيرُ تفاوت اشتدَّت المحنة في مثله بالطاعة له والخضوع.

فامتحنهم الله به حتى ظهر الخاضع لله، والمستسلم لحقه، والمتكبر فى نفسه، وهو إبليس.

وعلى ذلك الغالبُ من أَتباع الأَنبياء عليهم السلام والذين يأْبون ذلك، أَن الذي يحملهم على الإباءِ عظمُهم في أنفسهم، وظنُّهم أَنهم أَحقُّ بأَن يكونوا متبوعين، والله أَعلم.

والوجه الثاني: أَن يكون المراد من ذكر السجود حقيقة السجود فهو يُخَرَّج على وجهين: أَحدهما: أن يُجعل السجود تحية؛ أَلزم الملائِكة تحيةَ آدم به، وهو ابتداء ما أَكرم به أَصل الإنس، وإليه مرجع جملة المؤمنين في الجنة أَن يأْتيهم الملائكةُ بالتحياتِ والتحف، وإن اختلفت أَنفس التحيات.

وفي ذلك دليل بيِّن: أَنَّ السجودَ ليس بعبادة في نفسه؛ إذ قد يؤمر به للبشر، ولا يجوز الأَمر بعبادةِ غيرِ الله؛ فيكون السجود لغيره من حيث الفعل، والعبادةُ به لله كغيره من المعروف، يصنع إلى الخلق.

ومثله أَمر سجودِ يعقوب وأَولاده ليوسف  ، والله أعلم.

والثاني: أَن يكون السجود له بمعنى التوجه إليه، وهي الحقيقة لله  ، نحو السجود إلى الكعبة لله  تعظيماً له، وتبجيلاً لكعبته، وتخصيصاً من بين البقاع.

كذلك أَمْرُ السجودِ لآدمَ  ، تعظيماً له وتبجيلاً من بين سَائِر البشر، كلاهما سِيَّان.

ثم قد ثبت نسخ السجود للخلق بما رُوي عن النبي  أَنه قال: "لو كان يحل لأَحد أَن يَسجد لأَحد لأَمرت المرأَة أَن تسجد لزوجها" ولم جُعِل السجودُ في العبادة عبادةً للمسجود له، واعترافاً بعرف الأشرار بعبادة عظمائهم، ومن يعبدونه من دون الله؛ فيصير ذلك المعنى هو السابق في القلوب، وذلك مما لا يُحتمَل لأَحدٍ دون الله؛ فنهى عنه لذلك - وإن لم يكن بنفسه عبادة للمسجود له في الحقيقة - كما نُهي عن أَشياء بما يتصل بها من الوحشة، وإن لم يكن ذلك في الحقيقة مُحْتَملاً له، فكذلك الأَمر الأَول، كما نُهي عن سَبِّ من يُعْبَد من دون الله خَوْفاً لسبِّ الله، ويؤمر بأُمور ليست - بنفسها - بقُربةٍ ليتوصل بها إلى القُرْبة، كالسعي إلى الحج والجمعة، ونحو ذلك.

وفيه أَن السُّنَّة تنسخ الكتابَ؛ لأَن السجود لآدم  في الكتاب، ومثله السجود ليوسف، ثم نهى رسول الله  عن ذلك فحرم؛ فدل أن السنة تنسخ الكتاب.

وقولُ الملائِكة: ﴿ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

يُشْبه أَن يكون السابقُ إلى وهمهم مُنىً، أَو خَطَرَ فِعلِ ما كان بالله خرج من أَن يعقلوا حكمته؛ إمَّا بما لم يبلغهم العلم بها، أَو يخطر ببالهم أَنه  كيف يأمرهم، وهو يعلم أنهم لا يعلمون بها، أو خطرَ ببالهم من غير تحقيق ذلك، ولكن على ما يُبْلَى به الأَخيارُ؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ...

﴾ الآية [الحج: 52].

أو كما لا يخلو به الممتَحَنُ عن الخواطر التي تبلغ المحنةُ بهم المجاهدةَ بها في دفعها، وإن لم يكن لهم بما يخطر ببالهم صُنع.

فقالوا: ﴿ سُبْحَٰنَكَ ﴾ ؛ نزّهوا عَمَّا خطر ببالهم، وسبق إلى وهمهم.

ووصَفوا بأَنه ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : لا يخفى عليه شيء.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ : لا يخطىء في شيء، ولا يخرجُ فعلهُ عن الحكمة، وبالله التوفيق والعصمة.

وفي الآية منعُ التكلم في الشيء إلا بعد العلم به، والفزع به إلى الله عن القول به إلا بعلم، وهذا هو الحق الذي يلزم كلَّ من عرف الله.

وبه أَمر الله  نبيَّهُ عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ...

﴾ الآية: [الإسراء: 36].

وسُئل أَبو حَنيفة -  - عن الإِرجاءِ ما بدؤُه؟

فقال: فعل الملائكة إذا سئلوا عن أَمرٍ لم يعلموا فوضوا ذلك إلى الله  .

ومَعنى الإرجارِ نوعان: أحدهما: محمود؛ وهو إِرجَاء صاحب الكبائر، ليحكم الله  فيهم بما يشاء، ولا يُنْزلهم ناراً ولا جنة؛ لقوله  : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ  ﴾ .

والإِرجاء المذموم هو الجبْر، أَن تُرجَأَ الأَفعالُ إلى الله  ، لا يجعلُ للعبد فيه فعلاً، ولا تدبيرَ شيءٍ من ذلك.

وعلى ذلك المروِيُّ، حيث قال: "صنفان من أُمتي لا ينالهم شفاعتي؛ القدريةُ والمرجئةُ" والقدرية: هي التي لم تر لله - في فعل الخلق - تدبيراً، ولا له عليه قدرةَ التقدير.

والمرجئةُ: هي التي لم تر للعبد فيما ينسب إليه من الطاعة والمعصية فعلاً ألبتة؛ فأبطلت الشفاعة لهما، وجُعِلت للمذهب الأَوسط بينهما، وهو الذي يُحَققُ للعبد فعلاً، ولله تقديراً، ومن العبد تحركاً بخير أَوْ شر، ومن الله خلقه.

وذلك على المعقول مما عليه طريقُ العدل والحق بين التفريط والتقصير.

وكذلك قال رسول الله  : "خير الأُمور أَوساطها" وكذلك قال الله  : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً...

﴾ الآية [البقرة: 143]، ولا قوة إلا بالله.

وعن ابن جريج قال: سجودُ الملائِكة لآدم إيماءٌ، ولم يكن يحل وضع الوجه بالأَرض لأَحد.

وعن ابن عباس -  ما - قال: كان الملائكة سجودَ تحيةٍ، ولم يكن سجود عبادة.

وعن قتادة قال: كانت الطاعة لله، والسجدة لآدم  إكراماً له، والله أعلم.

ثم اختلف في إِبليس: قال بعضهم: هو من الملائِكة.

وقال آخرون: لم يكن من الملائِكة، وهو قول الحسن؛ والأَصم: ذهبوا في ذلك إلى وجوه: أَحدها: ما ذكر عز وجل عن طاعة الملائِكة له بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ...

﴾ الآية [التحريم: 6].

وقال: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 27].

وقال: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ...

﴾ الآية [الأنبياء: 19].

وصف الله  طاعتهم له، وائْتِمارَهم إياه؛ فلو كان اللعين الرجيم منهم لأطاعَه كما أَطاعوه.

والثاني: قوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ والملائِكة إنما خلقوا من النور.

والثالث: قوله  : ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ  ﴾ ولم يقل من الملائِكة فَدَلَّ هذه الآياتُ أنه لم يكن من الملائكة.

ثم قال في قوله: ﴿ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ : إنه قد يجوز الاستثناء من غير نوع المستثنى منه؛ نحو ما يقال: دخل أَهل الكوفة هذه الدارَ إلا رجلاً من أَهل المدينة.

وذلك جائِز في اللغة.

ويستدل بالاستنثاء أَن الأَمر كان عليهم جميعاً في الأَصل، وكان الأَمرُ بالسجود له وللملائِكة جميعاً؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ  ﴾ دل أَنْ كان هنالك أَمرٌ للناس بالإفاضة، فكذلك الأَول، والله أعلم.

وذهب من قال: إنه من الملائِكة، أنه لما لم يذكر في قصةٍ من القصصَ - مع كثرة التكرار لها في القرآن، وغيره من الكتب السالفة - أَنه ليس منهم، وليس فيما ذكر من الآيات ما يدل على أَنه لم يكن منهم؛ لأَن قوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ لو لم يُتَوهم منهم العصيانُ والخلافُ لله  لم يكن للمدح بالطاعة والخضوع له معنى.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...

﴾ الآية [ الأنبياء: 29] مع ما ذكرنا: أنهم يُمتحنون بأَنواع المحن، وكل مُمْتَحَن في شيء يجوز كون المعصية منه والخلاف لديه.

وأَما قوله: ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ  ﴾ أي صار من الجن.

وقيل: الجنُّ أَراد به الملائكة؛ سُمُّوا جنّاً لاستتارهم عن الأَبصار؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ  ﴾ .

وأما قوله خلق الملائِكة من النُّور، وإبليسَ من النار - فهو واحد؛ لأَنه أخبر - عز وجل - أنه خلقه من مارج من نار.

وقيل: المارجُ هو لهبُها مع ما ليس في القرآن، ولا في الخبر أَنهم إنما خلقوا من النور، ولم يخلقوا من غيره.

ثم اختلف في إبليس: إنه لم كفر بالله؟

قيل: إنَّه كفر لما لم ير الأَمرَ بسجود من فوقه لمن هو دونه حكمةً.

وقيل: كفر لما رأَى أَن الله  وضع الأَمر في غير موضع الأَمر، ورآه جوراً؛ فكفر به.

وقيل: كفر لما أَبى الائتمار بالسجود واستكبر فكفر.

وقيل: كفر لما أَضمر إضلال الخلق.

وقيل: أَبى الطاعة فيما أُمر به، واستكبر على آدم؛ لما رأَى لنفسه فضلاً عليه بقوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ .

أي صار كقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً  ﴾ .

وكقوله: ﴿ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ  ﴾ أي: صار.

وقيل: كان في علم الله  أَنَّه سيكفر.

وقوله: ﴿ وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أَن الجَنة هي اسم البقعة التي حُفت بالأَشجار والغُروس وأنواع النبات.

دليله: قوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

وذلك أيضاً ظاهرٌ معروفٌ عند الناس؛ ألا تُسمى كل بقعة من الأرض بستاناً، ولا جنة حتى يجتمع فيها ما ذكرنا.

ثم لا يُدْرَى ما تلك الجنة التي أمر آدمُ وحوّاء بالكَون، والمُقام فيها: أهي التي وُعد المتقون، أَو جنةٌ من جنات الدنيا؟

إذ ليس في الآية بيان ذلك.

وفي الآية دلالة أن الشرط في الذكر قد يُضْمر، ويكون شرطاً بلا ذكر؛ لأنه قال: ﴿ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ  ﴾ ثم قد جاع وعَرِيَ حين عصى، فدل أَن ترك المعصية كان شرطاً فيه.

ثم مضى الأَمر من الله  لآدم وزوجته بالسُّكنى في الجنة، والمُقام فيها، وأَمْرهما بالتناول من جميع ما فيها إلا شجرةً نُهِيا عن التناول منها، وأُمِرَا بالاجتناب عنها بقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ وذي صورةُ الممتحن أَن يُؤمر بشيء ويُنْهَى عن شيء.

وقوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

قوله: ﴿ رَغَداً ﴾ أَي: سعَةً؛ يقال: أَرْغَد فلانٌ إذَا وسِّع عليه، وكثر مالهُ.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

أَي: لا تأْكلا.

دليله قوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا ﴾ ؛ ولأَنه بالقُربان ما يوصل إلى التناول.

واللغةُ لا تَأْبى تسمية الشيء باسم سببه.

ثم اختُلف في تلك الشجرة: فقال بعضهم: هي شجرة العنب، ولذلك جعل للشيطان فيها حظاً لما عصيا ربهما بها.

وقيل: إنها كانت شجرة الحنطة؛ ولذلك جعل غذاءُ آدم وحواءَ - عليهما السلام - وغذاءُ أَولادهما منها إلى يوم القيامة ليُقاسوا جزاءَ العصيان والخلاف له.

وقيل: إنها شجرة العلم؛ لما علما من ظهور عورتهما، ولم يكونا يعلمان قبل ذلك، وهو قوله: ﴿ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا  ﴾ والله أعلم.

والقولُ في ماهيتها لا يجوز إلا من طريق الوحي.

ولا وحي في تلاوتها.

ولا يجوز الْقطعُ على شيء من ذلك.

ثم احتَمَل معنى النهي عن التناول منها وجوهاً: أَحدها: إيثار الآخر عليه.

وقد يكون هذا أَن ينهى الرجل عن التناول من شيء إيثاراً لآخر عليه.

ويحتمل: النهي عن التناول من الشيء لداءٍ يكون فيه لما يخاف الضرر به، لا على جهة الإيثار، ولكن إشفاقاً عليه ورحمة.

ويحتمل أيضاً النهي عن التناول من الشيء على جهة الحرمة، فإذا كان ممكناً هذا محتملاً حمل آدم وحواء على التناول منها لما اشتبه عليهما، ولم يعرفا معنى النهي بأَنه نهيُ حرمة، أَو نهي إيثار غيره عليهما، أَو نهي داءٍ؛ لأَنهما لو كانا يعلمان أَن ذلك النهي نهي حرمة لكانا لا يأتيان ولا يتناولان، وبالله التوفيق.

ثم في الآية دلالة على أن الحال التي يكون فيه الإنسان في سعة ورغد يشتد على الشيطان اللعين؛ لأَنه إنما تعرض لآدم وحواءَ بالوسوسة التي وسوس إليهما ليزيل تلك الحال عنهما.

وإنما يبلى بالسعة، والرخاء ثم لما لحقته من الشدائد والبلايا مما كسبت أيدينا؛ لقوله: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

ثم الآية ترد على بعض المتقشفة قولهم بتحريم الطيبات والزينة.

وقوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ .

أي: الضّارِّين؛ لأَن كل ظالم ضارٌّ نفسَه في الدارين جميعاً.

وقوله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾ .

أي: دعاهما، وزين لهما إلى سبب الزلة والإخراج عنها، لا أَن تولى إخراجهما وإزلالهما.

وقد ذكرنا أَن الأَشياءَ تسمى باسم أسبابها، أَو الأَسباب باسم الأشياء.

وذلك ظاهر معروف في اللغة، غير ممتنع تسمية الشيء باسم سببه.

ثم تكلموا فيما أصاب آدم من الشجرة، وفي جهة النهي عنها: فقال قوم: أكل منها وهو ناسٍ لعهد الله نسيان ترك الذكر.

وأَبى ذلك قوم.

واحتج الحسن بأَن نسيانه نسيان تضييع واتباع الهوى، لا نسيان الذكر بأَوجهٍ: أحدها: ما جرى في حكم الله -  - من العفو عن النسيان الذي هو ترك الذكر، وألا يلحق صاحبَه اسمُ العصيان، وقد عوقب هو به، ونسب إلى العصيان بقوله: ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ  ﴾ مع ما تقدم القول فيه أن يكونا من الظالمين.

والثاني: أَنَّ عَدُوَّه قد ذكَّره لو كان ناسياً؛ حيث قال: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ...

﴾ الآية [الأعراف: 20].

وقوله: ﴿ وَقَاسَمَهُمَآ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ  ﴾ .

ولو كان نسيان الذكر لم يكونا ليغترا بالقسم والإغواء عن ذلك، ولا وُصِفا بأَن استزلهما الشيطان ونحو ذلك.

فثبت أَنه كان نسيان تضييع، وذلك كقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا  ﴾ ، وغير ذلك مما ذكر فيه النسيان ومعناه التضييع، سُمي به لما كان كل منسيٍّ متروكاً، وترك اللازم تضييع، أو بما ينسى به ويغفل عما يحل به من نعمة الله، فسمي به كما وصف ذنب المؤمن بجهالة الجهلة بما يحل به لا بجهله بحقيقة فعله.

أو سمي به من حيث لا يُقصد بذلك عصيانُ الرب أَو طاعة الشيطان.

وإلى ذلك يصرف بعض وجوه النسيان، لا حقيقته.

ومن يقول: بأَنه كان على النسيان فهو يُخرِّج النسيان على وجوه: أَحدها: أنه لكثرة ما كان بينه، وبين عدوه التراجع اشتغل قلبه بوجوه الدفاع له، والفكر في الأَسباب التي بها نجاته، ويتخلص من مكائِده، حتى أَنساه ذلك ذكر العهد.

والسبب الذي يدفع الأَشياءَ عن الأَوهام في الشاهد كثرة الاشتغال، وإنما كان النسيان عدوّاً في الأُمور وسبباً للعفو؛ لأَنه لا يَخْرج الآخذ به عن الحكمة، وذلك معلوم في الشاهد، أن من أَقبل على أَمر، وأَخذ في تحفظه وتذكره عمل عليه ذلك، وإذا أحب ذلك مع الاشتغال بغيره من الأُمور صعب عليه، بل الغالب في مثله الخفاء.

وجائز معاتبة آدم مع ذلك وتسميته عصياناً بأَوجه: أَحدها: أَنه لم يكن امتُحن بأَنواع مختلفة يتعذر عليه وجه الحفظ في ذلك.

وإنما امتحن بالانتهاءِ عن شجرة واحدة بالإشارة إليها؛ فجائز ألا يُعذر في مثله.

وكذلك النسيان فما يُعذر في الشاهد، إنما يُعذر في النوع الذي يُبْلى به، وتكثر به النوازل.

ألا ترى أنه يُعذر بالسلام في الصلاة، وترك التسمية في الذبيحة ونحو ذلك، ولا يُعذر في الأَكل في الصلاة، وفي الجماع في الحج، ونحو ذلك، فمثله الأَمر الذي نحن فيه.

والثاني: أنه جائِز أخذ الأَخيار ومعاتبة الرسول بالأَمر الخفيف اليسير الذي لا يؤخذ بمثل ذلك غيْره؛ لكثرة نعم الله عليهم، وعظم مِنَّته عندهم، كما أُوعدوا التضاعف في العذاب على ما كان من غَيْره.

وعلى ما ذكر في أَمر يونس  من العقوبة بماء لعل ذلك من عظيم خيرات غيره؛ إذ فارق قومه عما عاين من المناكير فيهم، وفعل مثله من حد ما يوصف به غيره.

وكذلك ما عوتب محمد  فيما خطر بباله تقريب أَجِلة الكفرة؛ إشفاقاً عليهم، وحرصاً على إسلامهم ومن يتبعهم على ذلك مما لعل من دونه لا يعدل شيء من خيرَاته بالذي عوتب به، وبالله التوفيق.

والثالث: أَنه لما عوتب بالذي يجوز ابتداء المحنة به، ولمثله خلقه حيث قال لملائكته: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ لكنه بِكرمه، وبالذي عَوّد خلقه من تقديم إحسانه وإنعامه في الابتلاءِ على الشدائد والشرور، وإن كان له التقديم بالثاني، وذلك في جملة قوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ  ﴾ ، وبالله التوفيق.

وعلى ما في ذلك من مبالغة غيره، والزجر عن المعاصي، وتعظيم خطره في القلوب؛ إذ جوزي أَبو البشر وأَول الرسل منهم - على ما فضله بما امتحن ملائكته بالتعلم منه، والسجود - بذلك القدر من الزلة؛ ليعلم الخلقُ أَنه ليس في أمره هوادةٌ، ولا في حكمه محاباة؛ فيكونون أَبداً على حذرٍ من عقوبته، والفزع إليه بالعصمة عما يوجب مقته، وألاَّ يكلهم إلى أَنفسهم؛ إذ علموا بابتلاءِ من الذي ذكرت محله في قلوبهم بذلك القدر من الزلة، ولا قوة إلا بالله.

والثاني: أَن يكون حَفظ النهي عنه لكنه خطر ببَاله النهي عن وجه لا يلحقه فيه وصف العصيان، أو نسي قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ ، وقد ذكرنا النهي في وقت الفعل، ولكن يسمى الوصف بالفعل من الظلم والنهي؛ لعله سبق إلى وهمه غير جهة التحريم، إذ يكون النهي على أَوجه: أَحدها: للحرمة.

والثاني: نهي لما فيه من الداء وعليه في أكله ضرر، وهذا معروف في الشاهد بما عليه الطباع، نهي قوم عن أشياءَ محللة هي لهم ما يؤذي ويضر، فيحتمل أَن يسبق إلى وهمه ذلك، لما وعد له في ذلك من عظيم النفع.

يحتمل ما خوف به ليصل إلى ما وعد على ما سبق وُجِّه النهي إلى ما وجه من حيث الضرر والمشقة، ونسي قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ أَو ذكرا وعرفَا أَن الظلم قد يقع على الضَّرر؛ كقوله: ﴿ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً  ﴾ أي: لم ينقص منه، والنقصان في النفس ضرر.

وعلى ذلك فسر عامة أهل التفسير الظلم في القرآن أَنه الضرر.

واسم الضرر يأْخذ ضررَ الداءَ، وضرر المأْثم وإن كانت حقيقته وضع الشيء في غير موضعه، ولا قوة إلا بالله.

وقد يحتمل النهي أَن يخرج مخرج المنع؛ ليكون غيره هو الذي يبدأ به، ويُخص ذلك لغيره، لا على التحريم، نحو الأَمر بالمعروف، فيما يمنع الرجل ولده عن التناول مما يريد به غيره، لا على التحريم.

وإذا احتمل ذا، ثم بُيِّن له عظيمُ ما في ذلك من البركة من غير أَنْ عاين عدُوه ليعلم أَن ذلك صنيعه.

وجائز أَن يسبق إليه أَن ذلك إِشارةُ مَلَكٍ أَو إِلهامٌ في النفس - على ما يكون لكثير من الأخيَار - إلا أَنه من وحي عدُوه، فدعته نفسه إلى الأكل، فيكون كالناسي والجاهل بحقيقة وجه النهي، وإن كان تعمد أَكله، ولا قوة إلا بالله.

والأَصل في هذا أَن فعله  إن كان على نسيان العهد، أو على الذكر له، فإن الذي أَصابه عقوبة.

وإن كان بالذي يكون به المحنة، فلولا أَنَّ الله إِنْ يعاقبه على ما فعله لم يكن ليُغيِّر عليه نعمة أَنعم عليه بعذاب، وقد قال: إنه لا يُغَيِّر نعمَهُ التي أَنعمها على قوم حتى يغَيروا ما بأَنفسهم.

وما لا يحتمل العقوبة بالتغيير لم يكن ليفعل بعد وعده ذلك، مع ما قد اعترفا بالظلم؛ إذ قالا: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 23].

وقد قال الله  : ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ  ﴾ .

وقد كان قال لهما: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ .

فكان فيما بُليَ به وجهان: أَحدهما: أَن ذلك لم يُزِل عنهما اسمَ الإِيمان، ولا دعيا إليه بعدُ لفعلهما ذلك.

ثبت أَنه لا كلُّ ذنبٍ يزيل اسمَ الإِيمان، وأَن الذنُوب لا يُحقَّق فيها الكذب فيما اعتقد ألا يعصى الله في شيء.

وفي ذلك فساد أهل الخوارج والمعتزلة، وبيان أن قوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً  ﴾ ليس على كل عصيانٍ، ولا الوعيد بالظلم المطلق بوجه كل ظالم وكل عصيانٍ وغواية، بل يلزم به تقسيم هذه الحروف على ما يليق به، ومن يريد بها الجمع في كل الأَنامِ خارج عن المعروف من أحكام الله في أَهل المآثم.

والثاني: قد عوقب بوجه لا يجب جزءٌ منها بما يسميه المعتزلة كبيرة، بل يُزيل به اسمَ الإِيمان؛ من نحو شُرب قطرة من الخمر، أو قذف محصنة، أَو أَخذ عشرة دراهم من مال آخر.

وكذلك فعل أَولاد يعقوب.

ثم لم يجترىء أَحد على دعوى خروج من ذكرت من دين الله؛ لزم بطلان قولهم، مع ما كان من قولهم: إن الصغيرة لا يَجوزُ في الحكمة التعذيبُ عليها، ولا الكبيرة العفو عنها.

وقد كان عذب آدم  - بأنواع العذاب، لما لو لم يكن سوى ما أَظهر فعلَهما على رءوس الخلائق لكان عظيماً.

ثم اختلف في الوجه الذي بلى: منهم من يقول: لما كان من صلبه من الكفرة وهم ليسوا بأَهل الجنة.

وقيل: رحمة للخلق لئلا ييأَسوا، ولا يزيل الولاية بكل ذنبٍ.

وقيل: بليا لتنبئة الخلق - بهما - ألا يقوم أحد بتعاهد نفسه عما يذم إليه إذا وكل نفسه إليه، فيكون ذلك سبباً لزجر الخلق عن النظر إلى أنفسهم في شيء من الخير، والفزع إليه، بالعصمة عن كل شيء.

وقيل: بلى بحق المحنة؛ إذ هي ترد صاحبها بين اللذات والآلام، وبين أَحوال مختلفة لا يحتمل أن يصير بحيث يأْمن الزلل، وإنما ذلك بحفظ الله ومَنِّه؛ لا بتدبير أَحد وجهده، وإن كان الله  يوفق على قدر الجهد، ويعصم على قدر الرغبة إليه والاعتصام به، ولا قوة إلا بالله.

وليس بنا حاجة إلى ذكر حكمة الزَّلة، إذا كانت نفسُه مجبولةً على حبه، باعثةً إلى مثله لولا نعمة الرب.

كما قال يوسف -  -: ﴿ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ...

﴾ الآية [يوسف: 53].

وقال: ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا  ﴾ .

ثم اختلف في ماهية الشجرة: قيل: بأَنها شجرة العنب، وجعل للشيطان فيها نصيباً بما بلى به أبو البشر وأُمهم.

وقيل: الحنطة فيها جعل غذاء ولده؛ ليبدل بالراحة الكد، وبالنعمة البؤس.

وقيل: شجرة العلم، إذ بدت لهما سوآتهما فعلما بذلك ما لم يسبق لهما في ذلك، وفزعا إلى ما يُستران به من الورق.

فالأَصل أَن هذا النوع ما يعلم بالخبر من عند عالم الغيب، وليس بنا إلى تعرف حقيقته حاجة، وإنما علينا معرفة قدر المعصية؛ فنعتصم بالله عنها، والطاعةِ؛ فنرغب فيها، وبالله العصمة.

والأَصل فيه أَن الله  فرق بين دار المحنة ودار الجزاءِ؛ إذ الجمع بينما يزيل البلوى، ويكشف الغطاءَ؛ فجعل اللذيذَ الذي لا راحة فيه، والمؤلمَ الذي لا تنغيص فيه - جزاءً، والترد بينهما محنة، ولا قوة إلا بالله.

وقوله  : ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ .

أي: تصيران منهم.

وكذلك القول في إبليس: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ أي: صار منهم.

ويحتمل: ممن يكونون كذلك؛ إذ في علم الله أَنهم يصيرون ممن في علم الله كذلك، مع جواز القول بلا تحقيق آخر؛ كقوله: ﴿ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ \[المؤمنون: 14\]، لا أَنَّ ثَمَّ خالقاً غيره.

ثم اختلف في الوجه الذي أوصل إبليسُ إليه الوسوسة: فقال الحسن: كان آدم -  - في السماء وإبليس في الأَرض، ولكنه أوصل إليه بالسبب الذي جعل الله لذلك.

وقال قوم: كان خاطبهُ في رأْس الحية.

وقيل: تصور بغير الصورة التي كان عليها عند قوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ...

﴾ الآية [طه: 117] فاغتر به، ولو عرفه لما اغتر به بعد أَن حذره الله عنه، والله أَعلم كيف كان ذلك.

وعلى ذلك اختلف في الوجوه التي يوسوس إلى بني آدم: منهم من يقول: يجري بين الجلد واللحم كما يجري الدم، فيقابل وجه بصره بقلبه؛ فيقذف فيه.

ومنهم من يقول: هو بحيث جُعلَتْ له قوةُ إيصال الخطر ببَاله، والقذف في قلبه من الوجه الذي جعل له، وذلك لا يعلمه البشر.

ومنهم من يقول: إن النفس كأَنها سيالة في الجسد، دائرة في جميع الآفاق، لولا الجسد الذي يَحبسه لكان له الانتشار، على ما يظهر في حال النوم عند سكون جسده، ومن ذلك سلطان فكرة الرجل على مَنْ في أَقصى بقاع الأَرض حتى يصير له كالمعاين؛ ففي ذلك يكون قدحه وقذفه.

ونحن نقول - وبالله التوفيق -: إنا لا نعلم حقيقة كيفية ذلك، لكن الله  جعل للحق أَعلاماً، وكذلك الباطل.

وكل معنى يدعو إلى الباطل، ويحجب عن الحق، فهو عمل الشيطان، يجب التعوذ منه والفزع إليه وإن لم يعلم حقيقة كيفية ذلك؛ قال الله  : ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ  ﴾ .

وقال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ  ﴾ .

وقال الحسن في قوله: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ  ﴾ : وقد علم آدم أن الملائكة أفضل، وقد علم ألا خلود يكون معه، وقد أُخبر أَنه يموت، وقد علم أَنه لا يكون ملكاً، وقد خلق من طين والملائكة من نور، ولكن يكون على فضل الملائكة.

﴿ وَقَاسَمَهُمَآ  ﴾ .

حلف لهما في وسوسته أَنه يقول ذلك عن نصيحة، فتابعاه في الأكل لا على القبول عنه ما ذكر؛ إذ لو كان عن قبول كان أعظم من الأَكل، ولكن أَكلا على الشهوة، واتباع الهوى.

ولو صدَّقاه في ذلك لكفرا، وكان هذا أَعظم من الأَكل، ولم يقل لهما ذلك فيهما لأَجل ذلك الشيء.

وذلك كما يقول الرجل لآخر - في شيء يقتل عليه أَو يقطع له -: لو فعلتَ لا يُفعلُ بك ذلك، فيقدُم عليه، أنه يقدم لشهوته، لا على التصديق له في ذلك.

وكذا من يُذكِّر أَحداً بمثل امرأَةٍ بحبها وإيثارها إياه؛ فيأْتيها بشهوة لا بتصديق الآخر؛ فمثْلُه أمر آدم فيما وسوس إليه الشيطان.

وهذا الذي يذكر الحسنُ يوجب أن يكون آدم كان يعلم أَن ذلك كان من الشيطان عدُوِّه.

وذلك إقدامٌ على أَثر ما ذكر على ما يصف أَنه كان يعلم أَنه أَمرٌ فظيع يوجب فِعله - على العلم بالنهي - أَنه لا ينال به خيراً، ولا يصل بذلك إلى فضل، بل اتبع الشيطان بما هوى واشتهى.

وهذا لو كان شهده كان فظيعاً أَن يدَّعيَه على أَبي البشر، ومن قد فضَّله الله بالذي سبق ذكره.

بل لو قيل له: إنه لم يكن علم أَنه من عدوه، أَو إلهام - على ما يكون للأخْيار - أَو كان أَسمع على غير الصورة التي أَدَّاها من قبل، كان أَقرب وأَحق أَن ينطق به من أَن يذكر الذي ذكر.

ومتى يكون الإقدام لجهة بخير لا على طمع في ذلك؟!

بل لا يُنكَر أَن يكون له، ولكن على ما بينا.

وليس من ذلك الوجه، الوحشة في الدين.

ثم قدم ذكر ملكين، والكلام في الفضلِ وغَير الفضل - على قوله - لا معنى له؛ لأَنَّه يجعل فعلهم جبراً - ومن فِعْله جبرٌ لا ترتفع درجته ولا يعلو قدره، ثم يجعل الفضل لهم بالخِلقة، فيكف كان يطمع في ذلك ولم يكن هو بخلقتهم.

ولهذا أنكر أن يكون منهم عصيانٌ؛ إذ خلقوا من نور، ومن لا يعصي بالخلقة، فإنه لا يحمد.

ولو كان يجب الحمد به لوجب في كل موات، وكل حيوان لا يعصي بالخلقة، وذلك بعيد.

وجائز أَن يكون آدم -  - طمع أن يكونا ملكين؛ بأَن يُجعل على ما عليه صنيعهم من العصمة، أَو الاكتفاء بذكر الله وطاعته عن جميع الشهوات.

والله قادر على أَن يجعل البشر على ذلك، وذلك على ما يوجَد فيهم من معصوم ومخذول، ليعلم أَن الخلقة لا توجب شيئاً مما ذكر، ولا قوة إلا بالله.

ثم الأَصل أَن معرفة موت البشر وما عنه خلق كل شيء إنما هو سمعي، ليس هو حسي، ولا في الجوهر دليلُ الفناء، ولله أن يميت من شاءَ ويُبقىَ من شاءَ.

فقولُ الحسنَ - إِنّه علم ذلك ثبت بثبات الخبر عن الله - ينتهي إليه أَنه كان بلغه في ذلك [الوقت].

وكذلك أَمرُ الملائكة، وحالُ الإغذاء، ومحبةُ الذِّكر، وظهورُ العصمة تعرف بالمحبة والمشاهدة بمنها، ولا قوة إلا بالله.

ثم ذكر الحسن في خلال ذلك: أن آدم -  - قد علم أَن الملائكة لا يموتون.

لا أَدري ما هذا؟

أَهو عقدٌ اعتقد، أوْ جَرَى على لسانه؟

لأَن مثلَه لا يُعلَم إلا بما لا يرتاب في ذلك أَنه جاءَ عن الله، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾ .

أي: دعاهما وزيَّن لهما، أَي: سبب الزَّلة والإخراج منها، لا أن تولى هو إخراجهما وإزلالهما.

وقد ذكرنا أَنه قد تُسمَّى الأَشياءُ باسم أَسبابها، والأسباب باسم الأَشياء.

وذلك ظاهر معروف في اللغة، غير ممتنع تسمية الشيء باسم سببه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ  ﴾ .

من الخصب، والسَّعة، والنعم التي أَنزلهما الله -  - فيها، وأَباح لهما التناول مما فيه.

ثم اختلف في وسوسة الشيطان لآدم وحواءَ - عليهما السلام - فيم كان؟

ومن أَين كان؟

ولماذا كان؟.

قيل: إنه كان في السماء، فوسوس إليهما من رأْس الحيَّة؛ حسداً منه لما رآهما يتقَلّبان في نعم الله، ويتنعمان فيه، فاشتد ذلك عليه.

وقيل: إنه كان في الدنيا فوسوس لهما من بُعدٍ، والله أعلم.

ثم اختلف في الشيطان: أَله سلطان على القلوب؟

أَو يوسوس في صدورهم من بُعد؟

فقال بعضهم: له سلطان على القلب؛ على ما جاءَ أَنه يجري في الإنسان بين الجلد واللحم مجرى الدم.

وقيل: إنه لا سلطان له على القلوب، ولكنه يَقْذف فيهم من البعد، ويدعوهم إلى الشر بآثار ترى في الإنسان من الأحوال؛ من حال الخير والشر، وكأن تلك الأحوال ظاهرة من أَثر الخير والشر.

فإذا رأَى ذلك فعند ذلك يوسوس، ويدعوه إلى الشر.

وعلى ذلك قوله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ  ﴾ أخبر أنه لا سلطان له علينا سوى الدعاء لنا وهو لا يشبه، والله أَعلم.

ثم قيل فيمن عصى ربه: أَليس قد أَطاع الشيطان؟

قيل: بلى.

فإن قيل: فإذا أَطاع أَلاَ يكفر؟

قيل: لا؛ لأَنه ليس يقصد قصد طاعة الشيطان، وإنما يكفر بقصد طاعة الشيطان، وإن كان في عصيان الرب طاعته.

وكذلك روي عن أبى حنيفة -  - أنه سئل عن ذلك فأَجاب بمثل هذا الجواب.

والأَصل: أَن الفعل الذى يُبْلى له ليس هو لنفسه فعل الطاعة للشيطان ليصير به مطيعاً، إنما يجعله طاعة القصد بأَن يجعلَه طاعة له، وقد زال، وإن سُرَّ هو به وفرح كما سُرَّ بزوال السرور عنهما واللذة، وإن كان ذلك بفعل من لا يجوز وصف من فعل ذلك بطاعة الشيطان، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ ﴾ .

قيل: الهبوط النزول في موضع، كقوله: ﴿ ٱهْبِطُواْ مِصْراً  ﴾ أي: انزلوا فيه.

ويحتمل الهبوط منها هو النزول من المكان المرتفع إلى المنحدر، والدون من المكان.

وقوله: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ .

قيل: يعني إبليسَ وأَوْلاده، وآدمَ وأَولادَه، بعضهم لبعض عدو.

والعداوة فيما بيننا وبينهم ظاهره.

وقيل: بيننا وبين الحيَّة التي حملت إبليس حتى وسوس لهما من ذُؤابتها.

فهذا لا يعلم إلا بالسمع، إذْ ليس في الكتاب ذلك.

غير أن العداوة بيننا وبين الحيَّات عداوةُ طبع، والعداوَة التي بيننا وبين إبليس عداوةُ اختبار وأَمر؛ إذ الطبعُ ينفر عن كل مؤذٍ ومضر، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ﴾ .

يقرون فيها، كقوله: ﴿ جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ﴾ .

أي: متاعاً لكم إلى انقضاء آجالكم.

ويحتمل: متاعاً لكم لانقضاء الدنيا وانقطاعها.

وقوله: ﴿ فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ ﴾ .

أي: أخذ.

وقوله: ﴿ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾ .

قيل: إن فيه وجوهاً: قيل: فتاب عليه، أي: وفق له التوبة، وهداه إليها فتاب، كقوله: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ  ﴾ ، أي: وفق لهم التوبة فتابوا.

وقيل: خلق فعل التوبة منه، كما قلنا في قوله: ﴿ وَهَدَاهُ  ﴾ ، أي: خلق فعل الاهتداء منه فاهتدى.

وقيل: تاب عليه، أَي: تجاوز.

وقيل: إن التوبة هي الرجوع.

رجع آدم عن عصيانه؛ فرجع هو إلى الغفران والتجاوز، وبعضه قريب من بعض.

وفي الآية: أنه إنما تاب عليه لكلمات تلقاها من ربه.

والآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يقولون: إن من ارتكب صغيرة فهو مغفور له لا يحتاج إلى الدعاء، ولا إلى التوبة.

فآدم -  - دعا بكلمات، تلقاها منه؛ فتاب ليه.

ولو كان مغفوراً له ما ارتكب لكان الدعاء فضلاً وتكلفاً، وبالله التوفيق.

والكلمات هي ما ذكرت في سورة أُخرى: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 23].

وقوله: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

أي: قابل التوبة.

وقيل: أي موفق التوبة، وهادي لها؛ كقوله: ﴿ غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ  ﴾ وقد ذكرنا في قوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْهِ  ﴾ ما احتمل فيه.

﴿ ٱلرَّحِيمُ ﴾ بالمؤمنين، ورحيم بالتائبين.

وقوله: ﴿ قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً ﴾ .

ذكر هبوطهم جميعاً؛ فإذا هبطوا فُرادى لم يخرجوا من الأمر، بل كانوا في الأمر، فدل أَن الجمع في الأَمر، والذكر، لا يُصَيَّر الجمعَ في الفعل شرطاً.

وقوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى ﴾ .

أي: ليأْتينكم.

وهذا جائز في اللغة.

وقوله: ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .

أي: من تبع هداي، ودام عليه حتى مات، فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون وكذلك قوله: ﴿ فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ ﴾ : فى الدنيا، ﴿ وَلاَ يَشْقَىٰ  ﴾ في الآخرة، إذا مات عليه.

وهذه الآية والتي تليها وهو قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴾ .

تنقض على الجهمية؛ لأَنهم يقولون بفناء الجنة والنار، وانقطاع ما فيهما.

فلو كانت الجنة تفنى ويَنقطع ما فيها، لكان فيها خوف وحزن؛ لأَن من خاف في الدنيا زوال النعمة عنه وفوتها يحزن عليه، وينغصه ذلك، ولهذا وصف الدنيا بالخوف والحزن لما يزول نعيمها ولا تبقى، فأَخبر عز وجل أَلا خوف عليهم فيها؛ أي: خوف النقمة، ولا حزن، أَي: حزن فوات النعمة.

﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ دل أنها باقية، وأن نعيمها دائم، لا يزول.

وكذلك أخبر عز وجل أن الكفار في النار خالدون وأَن عذابها أليم شديد، فلو كان لهم رجاء النجاة منها لخف ذلك العذاب عليهم وهان؛ لأَن من عوقب في الدنيا بعقوبة، وله رجاء النجاة منها هان ذلك عليه وخف، وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قلنا لهم: انزلوا جميعًا من الجنّة إلى الأرض، فإن جاءتكم هداية على أيدي رسلي، فمن اتبعها وآمن برسلي فلا خوف عليهم في الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا.

<div class="verse-tafsir" id="91.Bz1k0"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

أمرهم الله تعالى بالهبوط مرتين فالأولى بيان حالهم في أنفسهم بعد الهبوط من تلك الجنة أو الخروج من ذلك الطور وهو أن حالهم تقتضي العداوة والاستقرار في الأرض والتمتع بها، وعدم الخلود فيها، والثانية بيان لحالهم من حيث الطاعة والمعصية وآثارها، وهي أن حالة الإنسان في هذا الطور لا تكون عصيانًا مستمرًا شاملًا، ولا تكون هدى واجتباء عامًا -كما كان يفهم لو اقتصر على ذكر توبة الله على آدم وهدايته واجتبائه- وإنما الأمر موكول إلى اجتهاد الإنسان وسعيه، ومن رحمة الله تعالى به أن يجعل في بعض أفراده الوحي ويعلمهم طرق الهداية، فمن سلكها فاز وسعد، و من تنكبها خسر وشقي، هذا هو السر في إعادة ذكر الهبوط لا أنه أعيد التأكيد كما زعموا.

قال تعالى ﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا  ﴾ أي فقد انتهى طور النعيم الخالص والراحة العامة وادخلوا في طور لكم فيه طريقان: هدى وضلال، إيمان وكفران، فلاح وخسران ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى  ﴾ من رسول مرشد و کتاب مبين ﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ  ﴾ الذي أشرعه، وسلك صراطي المستقيم الذي أحدده ﴿ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ  ﴾ من وسوسة الشيطان، ولا مما يعقبها من الشقاء و الخسران، ﴿ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ  ﴾ علی فوت مطلوب، أو فقد محبوب، لأنهم يعلمون بهذه الهداية أن الصبر والتسليم مما يرضي الله تعالى ويوجب مثوبته، ويفتح للإنسان باب الاعتبار بالحوادث، ويقويه على مصارعة الكوارث، فيكون له من ذلك خير عوض عما فاته، وأفضل تعزية عما فقده.

والخوف عبارة عن تألم الإنسان من توقع مكروه يصيبه، آو توقع حرمان من محبوب يتمتع به أو يطلبه، والحزن ألم يلم بالإنسان إذا فقد ما يحب، وقد أعطانا الله جل ثناؤه الطمأنينة التامة في مقابلة ما تحدثه كلمة ﴿ اهْبِطُوا  ﴾ من الخوف من سوء المنقلب، وما تثيره من كوامن الرعب، فالمهتدون بهداية الله تعالى لا يخافون مما هو آتٍ، ولا يحزنون على ما فات، لأن اتباع الهدى يسهل عليهم طريق اكتساب الخيرات، و يعدهم لسعادة الدنيا والآخرة، ومن كانت هذه وجهته، يسهل عليه كل ما يستقبله، ويهون عليه كل ما أصابه أو فقده، لأنه موقن بأن الله يخلفه، فيكون كالتعب في الكسب، لا يلبث أن يزول بلذة الربح الذي يقع أو يتوقع.

إذا قال قائل إن الدين يقيد حرية الإنسان ويمنعه بعض اللذات التي يقدر على التمتع بها، ويحزنه الحرمان منها فكيف يكون هو المأمن من الأحزان، ويكون باتباعه الفوز وبتركه الخسـران؟

فجوابه أن الدين لا يمنع من لذة إلا إذا كان في إصابتها ضرر على مصيبها، أو على أحد إخوانه من أبناء جنسه الذين يفوته من منافع تعاونهم إذا آذاهم أكثر مما يناله بالتلذذ بإيذائهم، ولو تمثلت لمستحل اللذة المحرمة مضارها التي تعقبها في نفسه وفي الناس، وتصور ما لها من التأثير في فساد العمران لو كانت عامة، وكان صحيح العقل معتدل الفطرة، ترجع عنها متمثلًا بقول الشاعر: "لا خير في لذة من بعدها كدر" فكيف إذا كان مع ذلك يؤمن باليوم الآخر ويعلم أن هذه المحرمات تدنس الروح فلا تكون أهلًا لدار الكرامة في يوم القيامة.

..

وليست سعادة الإنسان في حرية البهائم بل في الحرية التي تكون في دائرة الشرع ومحيطه، فمن اتبع هداية الله فلا شك أنه يتمتع تمتعًا حسنًا ويتلقى بالصبر كل ما أصابه، وبالطمأنينة ما يتوقع أن يصيبه، فلا يخاف ولا بحزن.

يريد أن رجاء الإنسان فيما وراء الطبيعة هو الذي يقيه من تحكم عوادي الطبيعة فيه، وبدون ذلك الرجاء تتحكم فيه أشد مما تتحكم في البهائم التي هي أقوى منه طبيعة و ﴿ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا  ﴾ فالتماس السعادة بحرية البهائم، هو الشقاء اللازم، وقد صرح بلفظ التمتع الحسن أخذًا من قوله تعالى ﴿ وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ  ﴾ الآية فالآيات الدالة على أن سعادة الدنيا معلولة للاهتداء بالدين كثيرة جدًا وقد حجبها عن كثير من المسلمين قولهم في الكافرين: لهم الدنيا ولنا الآخرة، يغالطون بحجة القرآن عليهم.

وآيات سورة طه في قصة آدم أوضح في المراد من آيات البقرة وهي قوله  ﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى  وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى  ﴾ .

قال تعالى ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا  ﴾ .

واشتقاق الآية إما من أي فإنها هي التي تبين أيًّا من أي، والصحيح أنها مشتقة من التأنِّي الذي هو التثبت والإقامة على الشيء.

والذين كفروا وكذبوا بآياتنا التي نجعلها دلائل الهداية وحجج الإرشاد بأن جحدوا بها وأنكروها، ولم يذعنوا لصدقها، اتباعًا لخطوات الشيطان وعملًا بوسوسته، وذهابًا مع إغوائه ﴿ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  ﴾ تقدم تفسير الخلود في آخر الآية٢٥.

بعد تفسير الكفر بالجحود، والتكذيب بالإنكار: وکل منهما يأتي في فرق من الناس، فمنهم من لا تقوى ولا إيمان له وهم الذين لا يؤمنون بالغيب لأنه ليس عندهم أصل للنظر فيما جاءهم، فهؤلاء منكرون، وهم مكذبون لأن التكذيب يشمل عدم الاعتقاد بصدق الدعوة التي جاء بها الرسول واعتقاد كذبها، والجحود قد يأتي من المعتقد قال تعالى ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ  ﴾ .

فهذا هو الطور الأخير للإنسان بعدما وكل إلى كسبه، وجعل فلاحه وخسرانه بعمله، فمن لطف الله به أن أيده بهداية الدين بعد هداية الحس والوجدان والعقل، فبهذه الهدايات يرتقي بالتدريج ما شاء الله تعالى..

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد