تفسير سورة البقرة الآيات ٤٠-٤٣ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ٤٠-٤٣

يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ ٤٠ وَءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا۟ أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ ٤١ وَلَا تَلْبِسُوا۟ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُوا۟ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ٤٢ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرْكَعُوا۟ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 12 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

لا يزال الكلام في الكتاب وكونه لا ريب فيه وبيان أحوال الناس وأصنافهم في أمره وقد قلنا إن التفنن في مسائل مختلفة منتظمة في سلك موضوع واحد هو من أنواع بلاغة القرآن وخصائصه المدهشة التي لم تسبق لبليغ، ولن يبلغ شأوه فيها بليغ: ذكر الكتاب وأنه لا ريب فيه، ثم ذكر اختلاف الناس فيه فابتدأ بالمستعدين للإيمان به المنتظرين للهدى الذي يضيء نوره منه، وثنى بالمؤمنين، وثلث بالكافرين، وقفى عليهم بالمنافقين.

ثم ضرب الأمثال لفرق الصنف الرابع، ثم طالب الناس کلهم بعبادته، ثم أقام البرهان علی كون الكتاب منزلًا من الله علی عبده محمد  ، و تحدی المرتابين بما أعجزهم، ثم حذر وأنذر، وبشر ووعد، ثم ذكر المثل والقدوة وهو الرسول، وذكر اختلاف الناس فيه كما ذكر اختلافهم في الكتاب، ثم حاج الكافرين، وجاءهم بأنصع البراهين، وهو إحياؤهم مرتين وإماتتهم مرتين ، وحلق السموات والأرض لمنافعهم، ثم ذكر خلق الإنسان وبين أطواره، ثم طفق يخاطب الأمم والشعوب الموجودة في البلاد التي ظهرت فيها النبوة تفصيلًا، فبدأ في هذه الآيات بذكر اليهود للمعنى الذي نذكره.

والكلام لم يخرج بهذا التنويع عن انتطامه في سلكه، و حسن اتساقه في سبكه، فهو دائر على قطب واحد في فلكه، وهو الكتاب، والمرسل به، وحاله مع المرسل إليهم.

قال تعالى: ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ  ﴾ اختص بني إسرائيل بالخطاب اهتمامًا بهم لأنهم أقدم الشعوب الحاملة للكتب السماوية والمزمنة بالأنبياء المعروفين، ولأنهم كانوا أشد الناس على المؤمنين، ولأن في دخولهم في الإسلام من الحجة على النصارى وغيرهم أقوى مما في دخول النصارى من الحجة عليهم، وهذه النعمة التي أطلقها في التذكير العظم شأنها هي نعمة جعل النبوة فيهم زمنًا طويلًا (أو أعم)، ولذلك كانوا يسمون شعب الله كما في كتبهم، وفي القرآن أن الله اصطفاهم وفضلهم، ولا شك أن هذه المنقبة نعمة عظيمة من الله منحهم إياها بفضله ورحمته فكانوا بها مفضلين على العالمين من الأمم والشعوب وكان الواجب عليهم أن يكونوا أكثر الناس لله شكرًا وأشدهم لنعمته ذكرًا، وذلك بأن يؤمنوا بكل نبي يرسله لهدايتهم، ولكنهم جعلوا النعمة حجة الإعراض عن الإيمان، وسبب إيذاء النبي  ، لأنهم زعموا أن فضل الله تعالى محصور فيهم، وأنه لا يبعث نبيًا إلا منهم، ولذلك بدأ الله تعالى خطابهم بالتذكير بنعمته، وقفى عليه بالأمر بالوفاء بعهده فقال: ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ  ﴾ عهد الله تعالى إليهم يعرف من الكتاب الذي نزله إليهم، فقد عهد إليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وأن يؤمنوا برسله متى قامت الأدلة على صدقهم، وأن يخضعوا لأحكامه وشرائعه، وعهد إليهم أن يرسل إليهم نبيًا من بين إخوتهم أي بني إسماعيل يقيم شعبًا جديدًا.

هذا هو العهد الخاص المنصوص، ويدخل في عموم العهد عهد الله الأكبر الذي أخذه على جميع البشر بمقتضى الفطرة وهو التدبر والتروي، ووزن كل شيء بميزان العقل والنظر الصحيح، لا بميزان الهوى والغرور، ولو التفت بنو إسرائيل إلى هذا العهد الإلهي العام، أو إلى تلك العهود الخاصة المنصوصة في كتابهم، لآمنوا بالنبي  واتبعوا النور الذي أنزل معه وكانوا من المفلحين، ولا حاجة إلى تخصيص العهد بالإيمان بالنبي  كما فعل مفسرنا (الجلال) فإن الإيمان داخل في العهد العام وهو من أفراد العهد الخاص فلا دليل على قصر عموم العهد المضاف عليه.

هذا هو عهد الله، وأما عهدهم فهو التمكين في الأرض المقدسة، والنصر على الأمم الكافرة، والرفعة في الدنيا وخفض العيش فيها.

هذا هو الشائع في التوراة التي بين أيديهم، ولا شك أن الله تعالى قد وعدهم أيضًا بسعادة الآخرة، ولكن لا دليل على هذا في التوراة إلا الإشارات ولذلك ظن بعض الباحثين أن اليهود لا يؤمنون بالبعث، ومع هذا يقول (الجلال) كغيره إن هذا العهد هو دخول الجنة ويقتصر عليه.

ولما كان من موانع الوفاء بالعهد الذي فشا تركه في شعب إسرائيل خوف بعضهم من بعض لما بين الرؤساء والمرؤوسين من المنافع المشتركة عقب الأمر بالوفاء بقوله ﴿ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ  ﴾ أي إن کنتم تخافون فوت بعض المنافع، ونزول بعض المضار بكم إذا خالفتم الجماهير واتبعتم الحق، فالأولى أن لا تخافوا ولا ترهبوا إلا من بيده أزمة المنافع كلها، وهو الله الذي أنعم عليكم بتلك النعمة الكبرى أو النعم كلها، وهو وحده القادر على سلبها، وعلى العقوبة على ترك الشكر عليها، فأرهبوه وحده لا ترهبوا سواه.

ثم انتقل من الأمر بالوفاء بعموم العهد إلى العهد الخاص المقصود من السياق فقال تعالى جل شأنه ﴿ وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ  ﴾ من تعاليم التوراة وکتب الأنبياء كالتوحيد والنهي عن الفواحش والمنكرات والأمر بالمعروف وما يتصل بهذا من الإرشاد الموصل إلى السعادة فإذا نظرتم في القرآن ووجدتموه مصدقًا لما معكم من مقاصد الدين الإلهي وأصوله ووعود الأنبياء وعهودهم، تعلمون أن الروح الذي نزل به هو عين الروح الذي نزل بما سبقه، وتعلمون أنه لا غرض لهذا النبي الذي يدعوكم إلى مثل ما دعاكم إليه موسى والأنبياء إلا تقرير الحق، وهداية الخلق، بعد ما طرأ من ضلالة التأويل، وجهالة التقليد، فبادروا إلى الإيمان بهذا الكتاب الذي قامت به الحجة عليكم من وجهين: أحدهما - إعجازه.

وثانيهما - كونه مصدقًا لما معكم ﴿ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ  ﴾ أي ولا تبادروا إلى الكفر به والجحود له مع جدارتكم بالسبق إليه، وهذا الاستعمال معروف في الكلام البليغ لهذا المعنى لا يقصد بالأولية فيه حقيقتها.

والخطاب عام لليهود في كل عصر وزمان.

ثم قال ﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا  ﴾ الآيات هي الدلائل التي أيد بها النبي  وأعظمها القرآن فهو كقوله تعالى ﴿ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى  ﴾ أي لا تعرضوا عن الإيمان بهذا النبي وما جاء به وتستبدلوا بهدايته هذا الثمن القليل، وهو ما يستفيده رؤساؤكم من المرؤوسين من مال وجاء أوقعاهم في الكبير والغرور، وما يتوقعه المرؤوسون من الزلفى والحظوة بتقليد الرؤساء وأتباعهم، وما يخشونه إذا خالفوهم من المهانة والذلة، وإنما سمي هذا الجزاء قليلًا لأن كل ما عدا الحق قليل وحقير بالنسبة إليه، وكيف لا يكون قليلًا وصاحبه يخسر عقله وروحه قبل كل شيء لإعراضه عن الآيات البينات، والبراهين الواضحات، ثم إنه يخسر مرضاة الله تعال وتحل به نقمة في الدنيا وعقوبته في الآخرة، وختم هذه الآية بشبه ما ختم به ما قبلها وذلك قوله: ﴿ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ  ﴾ وليس في هذه مع سابقاتها تكرار ولا شبه تكرار كما يتوهم، فقد حل كل من القولين محله، ولا مندوحة عن واحد منها لأن استبدال الباطل بالحق إنما كان منهم لاتقاء الرئيس فوت المنفعة من المرؤوس، واتقاء المرؤوس غضب الرئيس، فدحض هذه الشبهة بالأمر بتقوى الله وحده الذي بيده قلوب العباد وجوارحهم، وهو المسخر لهم في أعمالهم، وبيده الخير كله، وهو على كل شيء قدير.

ثم قال ﴿ وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ  ﴾ بينت هذه الآية مسلكهم في الغواية والإغواء في سياق النهي عنه فقد جاء في كتبهم التحذير من أنبياء كذبة يبعثون فيهم ويعملون العجائب، وجاء فيها أيضًا أنه تعالى يبعث فيهم نبيًا من ولد إسماعيل يقيم به أمة، وأنه يكون من ولد الجارية "هاجر" وبين علاماته بما لا لبس فيه ولا اشتباه، ولكن الأحبار والرؤساء كانوا يلبسون على العامة الحق بالباطل فيوهمونهم أن النبي  من الأنبياء الذين نعتهم الكتب بالكذبة -(حاشاه)- ويكتمون ما يعرفون من نعوته التي لا تنطبق على سواه، وما يعلمون من صفات الأنبياء الصادقين وما يدعون إليه، وكله ظاهر فيه  بأكمل المظاهر.

ومن اللبس أيضًا ما يفتريه الرؤساء والأحبار فيكون صادًا لهم عن سبيل الله وعن الإيمان بنبيه عن ضلال وجهل، وهو لبس أصول الدين بالمُحْدَثات والتقاليد التي زادها على الكتب المنزلة بضروب من التأويل والاستنباط من كلام بعض المتقدمين وأفعالهم، فكانوا يحكمون هذه الزيادات في الدين حتى في كتب الأنبياء ويعتذرون بأن الأقدمين أعلم بكلام الأنبياء وأشد اتباعًا لهم فهم الواسطة بينهم وبين الأنبياء، وعلى من بعدهم الأخذ بما يقولون دون ما يقول الأنبياء الذين يصعب عليهم فهم كلامهم بزعمهم، ولكن الله لم يقبل هذا العذر منهم فأسند إليهم ذلك اللبس وكتمان الحق الموجود في التوراة إلى اليوم، وكذلك لا يقبل الله ممن بعدهم ترك كتابه لكلام الرؤساء بحجة أنهم أكثر علمًا وفهمًا، فكل ما يعلم من كتاب الله تعالى يجب العمل به، وإنما يسأل الإنسان أهل الفهم عما لا يعلم منه ليعلم فيعمل.

ثم قال جل ثناؤه ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ  ﴾ فبعد الدعوة إلى الإيمان اليقيني دعاهم إلى العمل الصالح على الوجه النافع المرضي لله تعالى وكانوا ضلوا عنه بالتمسك بالظواهر والوقوف عند الرسوم فقد كانوا يصلون ولكنهم ما كانوا يقيمون الصلاة لأن الإقامة هي الإتيان بالشيء مقومًا كاملًا وهي في الصلاة التوجه إلى الله تعالى بالقلب والخشوع بين يديه والإخلاص له في الذكر والدعاء والثناء، فهذا هو روح الصلاة الذي شرعت لأجله ولم تشرع لهذه الصورة، فإن الصورة تتغير في حكم الله تعالى على ألسنة أنبيائه لأنها رابطة مذكِّرة، فلم تكن للأنبياء صورة واحدة للصلاة، ولكن هذا الروح لا يتغير، فهو واحد لم يختلف فيه نبي ولم ينسخ في دين.

ثم أمر بعد الصلاة التي تطهر الروح وتقربها من الله تعالى بالزكاة التي هي عنوان الإيمان، ومظهر شكر الله على نعمه، والصلة العظيمة بين الناس.

وقد عهد في القرآن قرن الأمر بإتيان الزكاة بالأمر بإقامة الصلاة، ومن أقام الصلاة لا ينسي الله تعالى ولا يغفل عن فضله، ومن كان كذلك فهو جدير ببذل المال في سبيله، مواساة لعياله ومساعدة على مصالحهم التي هي ملاك مصلحته، فإن الإنسان إنما يكتسب المال من الناس بحذقه وعمله معهم فهو لم يكن غنيًا إلا بهم ومنهم، فإذا عجز بعضهم عن الكسب بآفة في فكره ونفسه أو علة في بدنه، فيجب على الآخرين الأخذ بيده، وأن يكونوا عونًا له حفظًا للمجموع الذي ترتبط مصالح بعضه بمصالح البعض الآخر، وشكرًا لله على ما ميزهم به من النعمة، وظاهر أن الغني في حاجة دائمة إلى الفقير كما أن الفقيرة في حاجة إليه، ولكن النفوس تمرض فتغفل عن المصلحة في بذل المال ومساعدة الفقير والضعيف مبالغة وغلوًا في حب المال الذي هو شقيق الروح كما يقولون، لهذا جعل الله بذل المال والإنفاق في سبل الخير علامة من علامات الإيمان، وجعل البخل من آيات النفاق والكفر كما سيأتي في بعض الآيات.

إن البخل- ومنبعه القسوة على عباد الله تعالى، والحرص على المال استرسالًا في الشهوات وميلًا مع الأهواء - لا يجتمع مع الإيمان الصحيح في قلب واحد قط.

وليس لأحد أن يزعم أنه يؤمن بالله وبما أنزل على رسله من الأوامر والنواهي حتى يقوم بما أمر الله فيما طلب منه على ما يحب الله ويرضى.

ثم أمر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بالركوع مع الراكعين، والركوع صورة الصلاة أو جزء من أجزائها، وقد أخره ولم يصله بالصلاة لحكمة جليلة، لا رعاية للفاصلة كما زعم بعض المفسرين، فليس من الجائز أن يكون في القرآن ما يعرض فيه إخلال بالمعنى لأجل رعاية الفاصلة، بل هذا لا يرتضيه البلغاء من الناس فكيف يقع في كلام الله تعالى؟

وإنما وردت هذه الأوامر الثلاثة مرتبة كما يحب الله تعالى فإقامة الصلاة في المرتبة الأولى من عبادة الله تعالى لأنها روح العبادة والإخلاص له، ويليها إيتاء الزكاة لأنها تدل أيضًا على زكاة الروح وقوة الإيمان، وأما الركوع وهو صورة الصلاة البدنية أو بعض صورتها أشير به إليها فهو في المرتبة الثالثة، فرض للتذكير بسابقيه وما هو بعباده لذاته، وإنما كان عبادة لأنه يؤدَّى امتثالًا لأمر الله تعالى وإظهارًا لخشيته، والخشوع لعظمته، ولكنه قد يصير عادة لا يلاحظ فيها امتثال ولا إخلاص فلا يعد عند الله شيئًا، وإن عده أهل الرسوم كل شيء، بخلاف إقامة الصلاة بالمعنى الذي ذكرناه وإيتاء الزكاة، ولا يخفى أن الفصل بين معنى الصلاة وصورتها بالزكاة فيه تعظيم لشأن الزكاة وسنتكلم على الزكاة والإنفاق في سبيل الله بالتفصيل في تفسير آية أخرى إن شاء الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله