تفسير سورة البقرة الآيات ١٨٣-١٨٥ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ١٨٣-١٨٥

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ١٨٣ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَٰتٍۢ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ فَعِدَّةٌۭ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌۭ طَعَامُ مِسْكِينٍۢ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًۭا فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّهُۥ ۚ وَأَن تَصُومُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ١٨٤ شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍۢ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ فَعِدَّةٌۭ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ١٨٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 28 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

الكلام في سرد الأحكام فلا حاجة إلى التناسب بين كل حكم وما يليه، والصيام في اللغة الإمساك والكف عن الشيء، وفي الشرع الإمساك عن الأكل والشرب وغشيان النساء من الفجر إلى المغرب احتسابًا لله وإعدادًا للنفس وتهيئة لها لتقوى الله بالمراقبة له، وتربية الإرادة على كبح جماح الشهوات ليقوى صاحبها على ترك المضار والمحرمات.

وقد كتب على أهل الملل السابقة فكان ركنًا من كل دين، لأنه من أقوى العبادات وأعظم ذرائع التهذيب، وفي إعلام الله تعالى لنا بأنه فرضه علينا كما فرضه على الذين من قبلنا إشعار بوحدة الدين في أصوله ومقصده، وتأكيد لأمر هذه الفرضية وترغيب فيها.

ولقد أبهم الله هؤلاء الذين من قبلنا، والمعروف أن الصوم مشروع في جميع الملل حتى الوثنية، فهو معروف عن قدماء المصريين في أيام وثنيتهم، وانتقل منهم إلى اليونان فكانوا يفرضونه لا سيما على النساء، وكذلك الرومانيون كانوا يعنون بالصيام، ولا يزال وثنيو الهند وغيرهم يصومون إلى الآن، وليس في أسفار التوراة التي بين أيدينا ما يدل على فرضية الصيام، وإنما فيها مدحه ومدح الصائمين، وثبت أن موسى  صام أربعين يومًا، وهو يدل على أن الصوم كان معروفًا مشروعًا ومعدودًا من العبادات، واليهود في هذه الأزمنة يصومون أسبوعًا تذكارًا لخراب أورشليم وأخذها.

ويصومون يومًا من شهر آب.

وأما النصارى فليس في أناجيلهم المعروفة نص في فريضة الصوم وإنما فيها ذكره ومدحه واعتباره عبادة كالنهي عن الرياء وإظهار الكآبة فيه، بل تأمر الصائم بدهن الرأس وغسل الوجه حتى لا تظهر عليه أمارة الصيام فيكون مرائيًا كالفريسيين، وأشهر صومهم وأقدمه الصوم الكبير الذي قبل عيد الفصح، وهو الذي صامه موسى وكان يصومه عيسى عليهما السلام، والحواريون  ، ثم وضع رؤساء الكنيسة ضروبًا أخرى من الصيام، وفيها خلاف بين المذاهب والطوائف، ومنها صوم عن اللحم وصوم عن السمك وصوم عن البيض واللبن، وكان الصوم المشروع عند الأولين منهم كصوم اليهود يأكلون في اليوم والليلة مرة واحدة، فغيروه وصاروا يصومون من نصف الليل إلى نصف النهار، ولا نطيل في تفصيل صيامهم، بل نكتفي بهذا في فهم قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ  ﴾ أي فرض عليكم كما فرض على المؤمنين من أهل الملل قبلكم، فهو تشبيه الفرضية بالفرضية ولا تدخل فيه صفته ولا عدة أيامه، وفي قصتي زكريا ومريم عليهما السلام أنهم كانوا يصومون عن الكلام، أي مع الصيام عن شهوات الزوجية والشراب والطعام، قال البيضاوي: إن الصوم في اللغة الإمساك عما تنازع إليه النفس، لا مطلق الإمساك كما يقول الجمهور، وقال أبو عبيدة من رواة اللغة:"كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم"، ثم قال: "خيل صيام وخيل غير صائمة" أي قيام بلا اعتلاف.

﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ﴾ هذا تعليل لكتابة الصيام ببيان فائدته الكبرى وحكمته العليا، وهو أنه يعد نفس الصائم لتقوى الله تعالى بترك شهواته الطبيعية المباحة الميسورة امتثالًا لأمره واحتسابًا للأجر عنده، فتتربى بذلك إرادته على ملكة ترك الشهوات المحرمة والصبر عنها فيكون اجتنابها أيسر عليه، وتقوى على النهوض بالطاعات والمصالح والاصطبار عليها فيكون الثبات عليها أهون عليه، ولذلك قال  "الصيام نصف الصبر".

وهذا معنى دلالة ﴿ لَعَلّ  ﴾ على الترجي فالرجاء إنما يكون فيما وقعت أسبابه، وموضعه هنا المخاطبون لا المتكلم، ومن لم يصم بالنية وقصد القربة لا ترجى له هذه الملكة في التقوى.

فليس الصيام في الإسلام لتعذيب النفس لذاته بل لتربيتها وتزكيتها.

إن الوثنين كانوا يصومون لتسكين غضب آلهتهم إذا عملوا ما يغضبهم، أو لإرضائها واستمالتها إلى مساعدتهم في بعض الشؤون والأغراض، وكانوا يعتقدون أن إرضاء الآلهة والتزلف إليها يكون بتعذيب النفس وإماتة حظوظ الجسد، وانتشر هذا الاعتقاد في أهل الكتاب، حتى جاء الإسلام يعلمنا أن الصوم ونحوه إنما فرض لأنه يعدنا للسعادة بالتقوى، وأن الله غني عنا وعن عملنا، وما كتب علينا الصيام إلا لمنفعتنا.

قلنا إن معنى "لعل" الإعداد والتهيئة، وإعداد الصيام نفوس الصائمين لتقوى الله تعالى يظهر من وجوه كثيرة أعظمها شأنًا، وأنصعها برهانًا، وأظهرها أثرًا، وأعلاها خطرًا -(شرفًا)- أنه أمر موكول إلى نفس الصائم لا رقيب عليه فيه إلا الله تعالى، وسر بين العبد وربه لا يشرف عليه أحد غيره سبحانه، فإذا ترك الإنسان شهواته ولذاته التي تعرض له في عامة الأوقات لمجرد الامتثال لأمر ربه والخضوع لإرشاد دينه مدة شهر كامل في السنة، ملاحظًا عند عروض كل رغيبة له -من أكل نفيس، وشراب عذب، وفاكهة يانعة، وغير ذلك كزينة زوجه أو جمالها الداعي إلى ملابستها- أنه لولا اطلاع الله تعالى عليه ومراقبته له لما صبر عن تناولها وهو في أشد التوق لها، لا جرم أنه يحصل له من تكرار هذه الملاحظة المصاحبة للعمل ملكة المراقبة لله تعالى والحياء منه سبحانه أن يراه حيث نهاه، وفي هذه المراقبة من كمال الإيمان بالله تعالى والاستغراق في تعظيمه وتقديسه أكبر معد للنفوس ومؤهل لها لضبط النفس ونزاهتها في الدنيا، ولسعادتها في الآخرة.

كما تؤهل هذه المراقبة النفوس المتحلية بها لسعادة الآخرة تؤهلها لسعادة الدنيا أيضًا.

انظر هل يُقْدِم مَن تُلَابس هذه المراقبة قلبه على غش الناس ومخادعتهم؟

هل يسهل عليه أن يراه الله آكلًا لأموالهم بالباطل؟

هل يحتال على الله تعالى في منع الزكاة وهدم هذا الركن الركين من أركان دينه؟

هل يحتال على أكل الربا؟

هل يقترف المنكرات جهارًا؟

هل يجترح السيئات ويسدل بينه وبين الله ستارًا؟

كلا؟

إن صاحب هذه المراقبة لا يسترسل في المعاصي إذ لا يطول أمد غفلته عن الله تعالى، وإذا نسي وألم بشيء منها يكون سريع التذكر قريب الفيء والرجوع بالتوبة الصحيحة ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ  ﴾ فالصيام أعظم مرب للإرادة، وكابح لجماح الأهواء، فأجدر بالصائم أن يكون حرًا يعمل ما يعتقد أنه خير، لا عبدًا للشهوات.

إنما روح الصوم وسره في هذا القصد والملاحظة التي تحدث هذه المراقبة وهذا هو معنى كون العمل لوجه الله تعالى.

وقد لاحظه من أوجب من الأئمة تبييت النية في كل ليلة، ويؤيد هذا ما ورد من الأحاديث المتفق عليها كقوله  :"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".

قالوا أي من الصغائر، وقد يكون الغفران للكبائر مع التوبة منها لأن الصائم احتسابًا وإيمانًا على ما بينا يكون من التائبين عما اقترفه فيها قبل الصوم، وقوله في الحديث القدسي "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" وفي حديث آخر" يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي".

فأين هذا من حال أولئك الغافلين عن الله وعن أنفسهم الذين يفطرون في رمضان عمدًا، أو الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، كالأدنياء الذين يأكلون ولو في بيوت الأخلية حيث تأكل الجرذ، والذين يغطسون في الجداول والأنهار ويشربون في أثناء ذلك.

وما قذف بهؤلاء وأمثالهم -ومن هم شر منهم كالمجاهرين بالفطر- إلا تلقينهم العبادة جافة خالية من الروح الذي ذكرناه، والسر الذي أفشيناه، فحسبوها عقوبة كما كان يحسبها الوثنيون من قبل، وما كل إنسان يتحمل العقوبة راضيًا مختارًا.

وههنا شيء ذكره بعضهم ويشمئز الإنسان من شرحه وبيانه وهو أن الصوم يكسر الشهوة بطبعه فتضعف النفوس ويعجز الإنسان عن الشهوات والمعاصي، وفيه من معنى العقوبة والإعنات ما كان يفهمه الكثير من جميع مطالب الدين وراثة عن آبائهم الأولين من أهل الديانات الأخرى، وإذا طبقنا هذا القول على ما نعهده وجودًا ووقوعًا لا نجده موافقًا.

لأن المعروف أن الإنسان إذا جاع يضرى بالشهوات وتقوى نهمته ويشتد قرمه، وآثار هذا ظاهر في صوم أكثر المسلمين فإنهم في رمضان أكثر تمتعًا بالشهوات منهم في عامة السنة، فما سبب هذا وما مثاره؟

أليس هو الضراوة بالشهوات؟

بلى.

ومن وجوه إعداد الصوم للتقوى أن الصائم عندما يجوع يتذكر من لا يجد قوتًا فيحمله التذكر على الرأفة والرحمة الداعيتين إلى البذل والصدقة، وقد وصف الله تعالى نبيه بأنه رؤوف رحيم، ويرتضي لعباده المؤمنين ما ارتضاه لنبيه  ولذلك أمرهم بالتأسي به ووصفهم بقوله (رحماء بينهم).

ومن فوائد عبادة الصيام الاجتماعية المساواة فيه بين الأغنياء والفقراء والملوك والسوقة، ومنها تعليم الأمة النظام في المعيشة فجميع المسلمين يفطرون في وقت واحد لا يتقدم أحد على آخر دقيقة واحدة وقلما يتأخر عنه دقيقة واحدة.

ومن فوائده الصحية إنه يفني المواد الراسبة في البدن ولا سيما أبدان المترفين أُولي النهم وقليلي العمل، ويجفف الرطوبات الضارة، ويطهر الأمعاء من فساد الذِّرْب والسموم التي تحدثها البطنة، ويذيب الشحم أو يحول دون كثرته في الجوف وهي شديدة الخطر على القلب، فهو كتضمير الخيل الذي يزيدها قوة على الكر والفر.

قال  "صوموا تصحوا"، ويؤيده: "اغزوا تغتنموا وصوموا تصحوا وسافروا تستغنوا".

وقال بعض أطباء الإفرنج إن صيام شهر واحد في السنة يذهب بالفضلات الميتة في البدن مدة سنة.

وأعظم فوائده كلها الفائدة الروحية التعبدية المقصودة بالذات وهي أن يصوم لوجه الله تعالى كما هو الملاحظ في النية على ما قدمنا، ومن صام لأجل الصحة فقط فهو غير عابد لله في صيامه، فإذا نوى الصحة مع التعبد كان مثابًا كمن ينوى التجارة مع الحج، فإنه لولا العبادة لاكتفى بالجوع والحمية، وآية الصيام بهذه النية والملاحظة التحلي بتقوى الله تعالى وما يتبعها من أحاسن الصفات والخلال وفضائل الأعمال.

ولا أشك في أن من يصوم على هذا الوجه يكون راضيًا مرضيًا مطمئنًا بحيث لا يجد في نفسه اضطرابًا ولا انزعاجًا.

نعم ربما يوجد عنده شيء من الفتور الجسماني وأما الروحاني فلا، وأعرف رجلًا لا يغضب في رمضان مما يغضب له في غيره، ولا يمل من حديث الناس ما كان يمله في أيام الفطر، وذلك لأنه صائم لوجه الله تعالى.

أين هذا كله من الصوم الذي عليه أكثر الناس وهو ما تراهم متفقين عليه من إثارته لسرعة السخط والحمق، وشدة الغضب لأدنى سبب، واشتهر هذا بينهم وأخذوه بالتسليم حتي صاروا يعتقدون أنه أثر طبيعي للصوم، فهم إذا أفحش أحدهم قال الآخر: لا عتب عليه فإنه صائم.

وهو وهم استحوذ على النفوس فحل منهم محل الحقيقة وكان له أثرها، ومتى رسخ الوهم في النفس يصعب انتزاعه على العقلاء الذين يتعاهدون أنفسهم بالتربية الحقيقية دائمًا، فكيف حال الغافلين عن أنفسهم المنحدرين في تيار العادات والتقاليد الشائعة، لا يتفكرون في مصيرهم، ولا يشعرون في أي لجة يقذفون، فتأثير الصوم في أنفسهم مناف للتقوى التي شرع لأجلها، ومخالف للأحاديث النبوية التي وصف بها أهلها، ومن أشهرها حديث "الصيام جنة" وهي بضم الجيم الوقاية والستر فهو يقي صاحبه من المعاصي والآثام، ومن عقابها، وغايته دخول النار.

إن أكثر الناس يلاحظون في صومهم حفظ رسم الدين الظاهر، وموافقة الناس فيما هم فيه، حتى إن الحائض تصوم وترى الفطر في نهار رمضان عارًا ومأثمًا، ولا بأس بهذا الصوم من غير الحائض لحفظ ظاهر الإسلام وإقامة هيكل شعائره، ولكنه لا يفيد الأفراد شيئًا في دينهم ولا في دنياهم لخلوه من الروح الذي يُعِدُّهم للتوقي، ويؤهلهم لسعادة الآخرة والدنيا.

فأين هذا مما عليه الناس من الاستعداد لمآكل رمضان وشرابه بحيث ينفقون فيه على ذلك ما يكاد يساوي نفقة سائر السنة، حتى كأن الإمساك عن الطعام في النهار إنما هو لأجل الإستكثار منه في الليل!!، وهذا هو الصوم المراد بقوله  "كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش".

ولا نطيل بشرح ما عليه الناس فهم يعلمونه علمًا تامًا وفيما كتب كفاية لمن يريد معرفة حقه من باطله.

ثم بيّن تعالى أن الصيام الذي كتبه علينا معين محدود فقال ﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ  ﴾ أي معينات بالعدد أو قليلات وهي أيام رمضان كما سيأتي، وروي عن ابن عباس وغيره، قال المفسرون وعليه أكثر المحققين، وزعم بعض الناس أن هذه الأيام غير رمضان وهي يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، وعينها بعضهم بأنها الأيام البيض أي الثالث عشر وما بعده ثم نسخت بآية "شهر رمضان" الآتية، ولم يثبت في السنة أن الصوم كان واجبًا على المسلمين قبل فرض رمضان، ولو وقع لنقل بالتواتر لأنه من العبادات العملية العامة.

نعم ورد في الصحيح الأحادي أحاديث متعارضة في صوم يوم عاشوراء في الجاهلية وبعد الإسلام بعضها بالأمر به في المدينة وبعضها بالتخيير، ولكن لا دليل على أنه فرضًا عامًا في المسلمين، ولا على أنه نسخ، فهم لا يزالون يصومونه استحبابًا من شاء منهم، بل يدل حديث "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" مع ما ورد من أنه  مات من سنته تلك على أن الأمر بصوم عاشوراء كان في آخر زمن البعثة، وليس هذا محل تمحيص هذه الروايات والجمع بينها ولكن كان لبعض العلماء ولع بتكثير استخراج الناسخ والمنسوخ من القرآن لما فيه من الدلالة على سعة العلم بالقرآن وإن كان علمًا بإبطال القرآن بادي الرأي، من غير حجة تضاهي حجة القرآن في القطع والقوة.

ولا ينبغي للمؤمن أن يحسب هذا هينًا وهو عند الله عظيم.

﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ  ﴾ أي من كان كذلك فأفطر فعليه صيام عدة من أيام أخر غير تلك الأيام المعدودات، أي فالواجب عليه القضاء إذا أفطر بعدد الأيام التي لم يصمها، وكل من المريض والمسافر عرضة لاحتمال المشقة بالصيام، وإطلاق كلمة "مريضًا" يدل على أن الرخصة لا تتقيد بالمرض الشديد الذي يعسر معه الصوم، وروي هذا عن عطاء وابن سيرين وعليه البخاري لأن أمثال هذه الأحكام تقرن بمظنة المشقة تحقيقًا للرخصة، فرب مرض لا يشق معه الصوم ولكنه يكون ضارًا بالمريض وسببًا في زيادة مرضه وطول مدته، وتحقيق المشقة عسر، وعرفان الضرر أعسر.

واستدل الجمهور على تقييده بالمرض الذي يعسر الصوم معه بقوله في الآية الأخرى ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ  ﴾ ولا دليل، فإنه تعليل لأصل الرخصة، وكمالها أن لا يكون فيها تضييق.

وكذلك السفر يشمل إطلاقُه وتنكيرُه الطويل والقصير وسفر المعصية.

فالعمدة فيه ما يسمى في العرف سفرًا كسائر الألفاظ المطلقة في الشرع.

والعرف يختلف باختلاف أسباب المعيشة ووسائل النقل فالذي يركب في هذا الزمن سيارة بخارية أو طيارة هوائية مسافة ثلاثة أميال أو فراسخ أو مسافة يوم أو يومين بتقدير سير الأثقال ليمكث مدة قصيرة ثم يعود إلى بلده وداره، لا يسمى في العرف مسافرًا بل متنزهًا.

﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ  ﴾ هذا هو القسم الثاني من المستثنى وهو من لا يستطيع الصوم إلا بمشقة شديدة، أي وعلى الذين يشق عليهم الصيام فعلًا فدية طعام مسكين عن كل يوم يفطرون فيه من أوسط ما يطعمون منه أهليهم في العادة الغالبة لا أعلاه ولا أدناه، ويطعم بقدر كفايته أكلة واحدة أو بقدر شبع المعتدل الأكلة وكانوا يقدرونها بمد وهو بالضم ربع الصاع وقدروه بالحفنة وهي ملء الكفين من القمح أو التمر، وترتيب الفدية على الإفطار لأجل المشقة الشديدة يعرف بالقرينة كقوله ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ  ﴾ يعني إذا أفطر.

والإطاقة أدنى درجات المكنة والقدرة على الشيء فلا تقول العرب أطاق الشيء إلا إذا كانت قدرته عليه في نهاية الضعف بحيث يتحمل به مشقة شديدة.

فالمراد بالذين يطيقونه هنا الشيوخ والضعفاء والزمني الذين لا يرجى برء أمراضهم ونحوهم كالفعلة الذين جعل الله معاشهم الدائم بالأشغال الشاقة كاستخراج الفحم الحجري من مناجمه ومنهم المجرمون الذين يحكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة إذا كان الصيام يشق عليهم بالفعل وكانوا يملكون الفدية.

ذهب كثيرون إلى أن الآية منسوخة إذ فهموا أن الإطاقة بمعنى الاستطاعة، وقدر بعض المفسرين (كالجلال) حرف نفي فقال : وعلى الذين لا يطيقونه فدية، ليوافق مذهبه والآية موافقة له من غير حاجة إلى جعل الإثبات نفيًا كما قلنا آنفًا، وقال بعضهم إن الهمزة في الإطاقة للسلب فمعناها الذين لا يطيقونه من غير تقدير حرف النفي.

وهو قول منقول معقول، ويظهر بإرادة سلب الطاقة أي القوة به لا قبله.

والقاعدة أنه لا يحكم بالنسخ إذا أمكن حمل القول على الأحكام.

ثم قال تعالى بعد بيان الواجب الحتم والرخص فيه ﴿ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا  ﴾ بأن زاد على تلك الأيام المعدودات ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ  ﴾ لأن فائدته وثوابه له، والفاء في قوله فمن تطوع تدل على هذا لأنها تفريغ على حصر الفرضية في الأيام المعدودات ولا يصلح تفريعًا على حكم الفدية لأن من سقط عنه الفرض دائمًا مع الفدية عنه لا يعقل أن يندب للتطوع الذي هو الزيادة على الفرض.

وجعل (الجلال) التطوع متعلقًا بالكفارة بأن يزيد على إطعام المسكين وهو بعيد، والأقرب منه شموله لهما.

﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ  ﴾ أي والصيام خير لكم كما قرأها أبي بن كعب  ، وإنما هي تفسير.

أي خير عظيم لما فيه من رياضة الجسد والنفس وتربية الإرادة وتغذية الإيمان بالتقوى وتقويته بمراقبة الله تعالى.

قال أبو أمام للنبي  مرني بأمر أخذه عنك قال "عليك بالصوم فإنه لا مثيل له" رواه النسائي بسند صحيح ﴿ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ  ﴾ وجه الخيرية فيه لا إن كنتم تصومون تقليدًا من غير فقه، ولا علم بسر الحكم وحكمة الشريع، وكونه لمصلحة المكلفين، لأن الله غني عن العالمين، أو اتباعًا لعادات الخلطاء والمعاشرين.

هذا ما يظهر من الآية، وقد ذكر بعض المفسرين أن الخطاب فيها لأهل الرخص وأن الصيام في رمضان خير لهم من الترخص بالإفطار، وهذا غير مطرد ولا متفق عليه، وتنافيه أحاديث وردت ويبعده التفريع بالفاء كما قدمناه، وبيّنا ما هو الأفضل منه ومن الفطر.

﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ  ﴾ هذه الآية مستأنفة لبيان تلك الأيام المعدودات التي كتب علينا وأنها أيام شهر رمضان، وأن الحكمة في تخصيص هذا الشهر بهذه العبادة هي أنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن، وأفيضت على البشر فيه هداية الرحمن، ببعثة محمد خاتم النبيين  ، بالرسالة العامة للأنام، الدائمة إلى آخر الزمان، فالمراد بإنزال القرآن فيه بدؤه وأوله ﴿ هُدًى لِلنَّاسِ  ﴾ أي أنزل حال كونه هدى كاملًا للناس كافة ﴿ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى  ﴾ أي وآيات بينات واضحات لا لبس في حقيقتها، ولا خفاء في حكمها وأحكامها، من جنس الهدى الذي جاء به الرسل من قبل، ولكنه أبينه وأكمله ﴿ وَالْفُرْقَانِ  ﴾ الذي يفرق للمهتدي به بين الحق والباطل، ويفصل بين الفضائل والرزائل، فحق أن يعبد الله تعالى فيه ما لا يعبد في غيره، تذكرًا لإنعامه بهذه الهداية وشكرًا عليها.

والحكمة في ذكر الأيام مبهمة أولًا وتعيينها بعد ذلك أن ذلك الإيهام الذي يشعر بالقلة يخفف وقع التكليف بالصيام الشاق على النفوس وهو الأصل إذ ليس رمضان عامًا في الأرض كما سيأتي بيانه قريبًا.

ثم إن هذا التعين والبيان جاء بعد ذكر حكمة الصيام وفائدته وذكر الرخص لمن يشق عليه، وذكر خيرية الصيام في نفسه واستحباب التطوع فيه وكل ذلك مما يعد النفس لأن تتلقى بالقبول والرضى جعل تلك الأيام شهرًا كاملًا.

وانظر كيف ابتدأ هنا بذكر شهر رمضان وإنزال القرآن فيه ووصف القرآن بما وصفه به حتى كأنه يحكي عنه لذاته بعد الانتهاء من حكم الصوم ثم ثنى بالأمر بصومه فلم يفاجئ النفوس به مع ذلك التمهيد له حتى قدم العلة على المعول، ولعل هذا من حكمة حذف خبر المبتدأ إذا قلنا إن كلمة "شهر رمضان" مبتدأ أو حذف المبتدأ إذا قلنا إنها خبر لمحذوف.

إن حذف الخبر جار على ما نعهده من إيجاز القرآن بحذف ما لا يقع الاشتباه بحذفه، وإن البيان بعد الإبهام جاء على أسلوبه في ذكر الأشياء ثم ذكر علتها وحكمتها، وهي هنا إنزال القرآن الذي هدانا الله تعالى به وجعله آيات بينات من الهدى أي من الكتب المنزلة، والفرقان الذي يفرق بين الحق والباطل، فوصفه بأنه هدى في نفسه لجميع الناس، وأنه من جنس الكتب الإلهية ولكنه الجنس العالي على جميع الأجناس، فإنه آيات بينات من ذلك الهدى السماوي، وكتب الله كلها هدى ولكنها ليست في بيانها كالقرآن، وأضرب مثلًا : كتاب "دانيال" النبي، فإن الله ما أنزله عليه إلا ليتهدي به من يقرأه عليهم ولكنه لم يكن آيات بينات، بل هو كالألغاز والرموز لا يفهم إلا بعناء، وكذلك التوراة التي سماها الله تعالى نورًا وهدى وفيها غوامض ومشكلات وقع الاشتباه فيها، فلم يكن ضياء الحق والهداية متبلجًا وساطعًا من سطورها سطوعه من القرآن.

والذي نراه في هذه الأناجيل أن تلاميذ المسيح أنفسهم ما كانوا يفهمون كل ما يخاطبهم به من المواعظ والأحكام والبشائر وهي الإنجيل الحقيقي في اعتقادنا.

ولم ينقل إلينا أن الصحابة عمي عليهم شيء من آيات القرآن فلم يفهموها، فالقرآن يمتاز على سائر الكتب السماوية بأنه بينات من الهدى الذي توصف به كلها وآيات بينات من الأمر الإلهي الفارق بين الحق والباطل، ولكن المسلمين لم يرضوا كافة بأن يمتاز القرآن بالبيان الذي ليس بعده بيان والهدى لجميع الناس، كما وصف نفسه، فحاولوا تغميضه، والتسليم بأنه غامض لا يفهمه إلا أفراد من الناس أوتوا علمًا جمًا وفاقوا سائر البشر بعقولهم وأفهامهم كما فاقوهم بعلومهم ومعارفهم.

ثم زعموا أن هؤلاء الأفراد كانوا في بعض القرون الأولى، وهم المجتهدون، وأنهم قد انقرضوا، ولم يأت بعدهم ولن يأتي من يسهل عليه أن يفهم القرآن ولو أحكامه فقط.

وتجد هذا القول المناقض للقرآن له مسلمًا بين جماهير المسلمين، حتى الذين يدعون بأنهم علماء الدين، ومن نبذه اهتداء بالقرآن، ربما نبذوه بالكفر والطغيان فأي الفريقين أحق بصدق الإيمان؟!

أما وسر الحق لولا أن المسلمين ألبسوا القرآن ثوبًا غير الثوب الذي ينبغي أن يلبس لكان نور بيانه مشرقًا عليهم وعلى سائر الناس كالشمس ليس دونها سحاب، ولكنهم أبوا إلا أن يتبعوا سنن من قبلهم شبرًا بشبر وذراعًا بذارع، ويصنعوا كتبًا في الدين يزعمون أن بيانها أجلى والاهتداء بها أولى، لأنها بزعمهم أبين حكمًا وأقرب إلى الأذهان فهمًا.

قلنا إن الله تعالى فرض علينا صيام هذا الشهر بخصوصه تذكيرًا بنعمته علينا بإنزال القرآن فيه لنصومه شكرًا له عليها، ومن الشكر أن تكون هدايتنا بالقرآن في مثل وقت نزوله أكمل، ومنها أن يكون الصيام موصلًا إلى حقيقة التقوى، فإذا لم ننتفع بالصيام في أخلاقنا وأعمالنا، ولم نهتد بالقرآن في عامة أحوالنا، فأين الانتفاع بالنعمة وأين الشكر عليها؟

كان جبريل يدارس النبي  القرآن في رمضان، ولذلك كان السلف يتدارسونه فيه ويقومون ليله به لزيادة الاهتداء والاعتبار، فماذا كان من اقتداء الخلف بهم؟

كان أن بعض الوجهاء والأغنياء يستحضرون في رمضان من القراء من كان حسن الصوت يتغنى لهم بالقرآن في حجرات الخدم وهم في الغرفات مع أمثالهم وأَقْتَالهم لاهون لاعبون، ومن عساه يصغي منهم أحيانًا إلى القارئ فإنما يريد التلذذ بسماع صوته الحسن وتوقيعه الغنائي، فقد جعلوا القرآن إما مهجورًا وإما لذة نفسية فصدق عليهم قوله ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهمْ هُزُوًا وَلَعِبًا  ﴾ .

وأما معنى إنزال القرآن في رمضان مع أن المعروف باليقين أن القرآن نزل منجمًا متفرقًا في مدة البعثة كلها فهو أن ابتداء نزوله كان في رمضان وذلك في ليلة منه سميت ليلة القدر أي الشرف، والليلة المباركة كما في آيات أخرى، وهذا المعنى ظاهر لا إشكال فيه، على أن لفظ القرآن يطلق على هذا الكتاب كله، ويطلق على بعضه.

وقد ظن الذين تصدوا للتفسير منذ عصر الرواية أن الآية مشكلة، ورووا في حل الإشكال أن القرآن نزل في ليلة القدر من رمضان إلى سماء الدنيا وكان في اللوح المحفوظ فوق سبع سموات ثم نزل على النبي منجمًا بالتدريج، وظاهر قولهم هذا أنه لم ينزل على النبي في رمضان منه شيء خلافًا لظاهر الآيات، ولا تظهر المنة علينا ولا الحكمة في جعل رمضان شهر الصوم على قولهم هذا لأن وجود القرآن في سماء الدنيا كوجوده في غيرها من السموات أو اللوح المحفوظ من حيث إنه لم يكن هداية لنا، ولا تظهر لنا فائدة في هذا الإنزال ولا في الإخبار به، وقد زادو على هذا روايات في كون جميع الكتب السماوية أنزلت في رمضان، كما قالوا إن الأمم السابقة كلفت صيام رمضان.

ولم يصح من هذه الأقوال والروايات شيء وإنما هي حواش أضافوها لتعظيم رمضان، ولا حاجة لنا بها إذ يكفينا أن الله تعالى أنزل فيه هدايتنا وجعله من شعائر ديننا ومواسم عبادتنا، ولم يقل إنه أنزل القرآن جملة واحدة في رمضان، ولا أنه أنزله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، بل قال بعد إنزاله ﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ  فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ  ﴾ فهو محفوظ في لوح بعد نزوله قطعًا -وأما اللوح المحفوظ الذي ذكروا أنه فوق السموات السبع وأن مساحته كذا، وأنه كتب فيه كل ما علم الله تعالى فلا ذكر له في القرآن وهو من عالم الغيب فالإيمان به إيمان بالغيب يجب أن يوقف فيه عند النصوص الثابتة بلا زيادة ولا نقص ولا تفصيل، وليس عندنا في هذا المقام نص يجب الإيمان به.

﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ  ﴾ أي فمن حضر منكم دخول الشهر أو حلوله بأن لم يكن مسافرًا فليصمه، وإنما يكون ذلك في أكثر البلاد التي تتألف السنة فيها من اثني عشر شهرًا.

وشهوده فيها يكون برؤية هلاله، فعلى كل من رآه أو ثبتت عنده رؤية غيره له أن يصوم.

وإذا لم يره أحد في الليلة الثلاثين من شعبان وجب صيام يومها وكان أول رمضان ما بعده.

والأحاديث في هذا ثابتة في الصحاح والسنن، وجرى عليها العمل من الصدر الأول إلى اليوم.

وقال بعض المفسرين : إن المراد بالشهر هنا الهلال، وكانت العرب تعبر عن الهلال بالشهر، ويرده أنهم لا يقولون : شهد الهلال، وإنما يقولون رآه، ومعنى شهد حضر، وقال بعضهم إن المعنى : فمن كان حاضرًا منكم حلول الشهر فليصمه.

وإنما عبر بهذه العبارة ولم يقل "فصوموه" لمثل الحكمة التي لم يحدد القرآن مواقيت الصلاة لأجلها، وذلك أن القرآن خطاب الله العام لجميع البشر وهو يعلم أن من المواقع ما لا شهور فيها ولا أيام معتدلة بل السنة كلها قد تكون فيها يومًا وليلة تقريبًا كالجهات القطبية فالمدة التي يكون فيها القطب الشمالي في ليل وهي نصف السنة يكون القطب الجنوبي في نهار بالعكس، ويقصر الليل والنهار ويطولان على نسبة القرب والبعد عن القطبين ويستويان في خط الاستواء وهو وسط الأرض.

أرأيت هل يكلف الله تعالى من يقيم في جهة القطبين منهما أن يصلي في يومه، (وهو سنة أو مقدار عدة أشهر) خمس صلوات إحداها حين يطلع الفجر والثانية بعد زوال الشمس إلخ ويكلفه أن يصوم شهر رمضان بالتعيين ولا رمضان ولا شهور؟

كلا إن من الآيات الكبرى على كون هذا القرآن من عند الله المحيط علمه بكل شيء لا من تأليف البشر ما نراه فيه من الاكتفاء بالخطاب العام الذي لا يتقيد بزمان من جاء به ولا مكانه، ولو كان من عند النبي  لكان كل ما فيه مناسبًا لحال زمانه وبلاده وما يليها من البلاد التي يعرفها، ولم تكن العرب تعرف أن في الأرض بلادًا نهارها كعدة أنهر أو أشهر من أنهرنا وأشهرنا ولياليها كذلك.

فمنزل القرآن، وهو علام الغيوب وخالق الأرض والأفلاك، خاطب الناس كافة بما يمكن أن يمتثلوه فأطلق الأمر بالصلاة، والرسول بيّن أوقاتها بما يناسب حال البلاد المعتدلة التي هي القسم الأعظم من الأرض، حتى إذا وصل الإسلام إلى أهل البلاد التي أشرنا إليها يمكنهم أن يقدروا للصلوات باجتهادهم والقياس على ما بينه النبي  من أمر الله المطلق.

وكذلك الصيام، ما أوجب رمضان إلا على من شهد الشهر وحضره، والذين ليس لهم شهر مثله يسهل عليهم أن يقدروا له قدره.

وقد ذكر الفقهاء مسألة التقدير بعدما عرفوا بعض البلاد التي يطول ليلها ويقصر نهارها والبلاد التي يطول نهارها ويقصر ليلها، واختلفوا في التقدير على أي البلاد يكون؟

فقيل على البلاد المعتدلة التي وقع فيها التشريع كمكة والمدينة وقيل على أقرب بلاد معتدلة إليهم وكل منهما جائز فإنه اجتهادي لا نص فيه.

﴿ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ  ﴾ أعيد ذكر الرخصة لئلا يتوهم -بعد تعظيم أمر الصوم في نفسه وأنه خير ويندب التطوع به وبعد تحديده بشهر رمضان الذي له من الفضل والشرف ما له- أن صوم هذا الشهر حتم لا تتناوله الرخصة أو تتناوله ولكن لا تحمد فيه، ولعمري إن تأكيد الصوم بمثل ما أكده الله تعالى به يقتضي تأكيد أمر الرخصة أيضًا، ولولا ذلك ما أتاها متق لله في صيامه، بل روى المحدثون أن بعض الصحابة عليهم الرضوان كانوا على تأكيد أمر الرخصة في القرآن يتحامون الفطر في السفر أولًا حتى إن النبي  أمرهم به في بعض الأسفار فلم يمتثلوا حتى أفطر هو بالفعل وسمى الممتنع عن الفطر عاصيًا.

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ  ﴾ هذا تعليل لما قبله، أي يريد فيما شرعه من هذه الرخصة في الصيام، وسائر ما يشرعه لكم من الأحكام أن يكون دينكم يسرًا تامًا لا عسر فيه، وفي هذا التعبير ضرب من التحريض والترغيب في إتيان الرخصة، ولا غرو فالله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه.

وقد اختلف العلماء في الأفضل للمريض والمسافر على أقوال ثالثها التخيير.

ثم قال ﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ  ﴾ قرأ الجمهور لتكملوا بالتخفيف من الإكمال، وأبو بكر عن عاصم بالتشديد من التكميل، واللام للتعليل وهي معطوفة على التعليل المستفاد من قوله ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ  ﴾ كأنه قال: رخص لكم في حالي المرض والسفر لأنه يريد بكم اليسر وأن تكملوا العدة فمن لم يكملها أداء لعذر المرض أو السفر أكملها قضاء بعده.

وقيل إنها لتقوية الفعل كما في قوله ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ  ﴾ أي يريد الله بكم اليسر وأن تكملوا العدة، وهو يجري في كلام البلغاء كثيرًا، وهو الراجح عندي ﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ  ﴾ من الأحكام النافعة لكم بأن تذكروا عظمته وكبرياءه وحكمته في إصلاح عباده وأنه يربيهم بما يشاء من الأحكام، ويؤديهم بما يختار من التكاليف، ويتفضل عليهم عند ضعفهم بالرخص اللائقة بحالهم ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ﴾ له هذه النعم كلها، بالقيام بها على وجهها، وإعطاء كل من العزيمة والرخصة حقها، فتكونوا من الكاملين.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر