الآية ١ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١ من سورة البقرة

الٓمٓ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 317 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

خمسة وعشرون ألفا وخمسمائة حرف ، وستة آلاف ومائة وعشرون كلمة ، ومائتان وستة وثمانون آية في عدد الكوفي وعدد علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

ذكر ما ورد في فضلها : قال الإمام أحمد : حدثنا عارم ، حدثنا معتمر ، عن أبيه ، عن رجل ، عن أبيه ، عن معقل بن يسار ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : البقرة سنام القرآن وذروته ، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكا ، واستخرجت : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) [ البقرة : 255 ] من تحت العرش ، فوصلت بها ، أو فوصلت بسورة البقرة ، و " يس " : قلب القرآن ، لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له ، واقرءوها على موتاكم ، انفرد به أحمد .

وقد رواه أحمد - أيضا - عن عارم ، عن عبد الله بن المبارك ، عن سليمان التيمي عن أبي عثمان - وليس بالنهدي - عن أبيه ، عن معقل بن يسار ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرءوها على موتاكم يعني : يس .

فقد بينا بهذا الإسناد معرفة المبهم في الرواية الأولى .

وقد أخرج هذا الحديث على هذه الصفة في الرواية الثانية أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه .

وقد روى الترمذي من حديث حكيم بن جبير ، وفيه ضعف ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لكل شيء سنام ، وإن سنام القرآن البقرة ، وفيها آية هي سيدة آي القرآن : آية الكرسي .

وفي مسند أحمد وصحيح مسلم والترمذي والنسائي ، من حديث سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تجعلوا بيوتكم قبورا ، فإن البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان وقال الترمذي : حسن صحيح .

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : حدثني ابن أبي مريم ، عن ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سنان بن سعد ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان يخرج من البيت إذا سمع سورة البقرة تقرأ فيه .

سنان بن سعد ، ويقال بالعكس ، وثقه ابن معين واستنكر حديثه أحمد بن حنبل وغيره .

وقال أبو عبيد : حدثنا محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، يعني ابن مسعود ، قال : إن الشيطان يفر من البيت الذي يسمع فيه سورة البقرة .

ورواه النسائي في اليوم والليلة ، وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث شعبة ثم قال الحاكم : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .

وقال ابن مردويه : حدثنا أحمد بن كامل ، حدثنا أبو إسماعيل الترمذي ، حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال ، حدثني أبو بكر بن أبي أويس ، عن سليمان بن بلال ، عن محمد بن عجلان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ألفين أحدكم يضع إحدى رجليه على الأخرى يتغنى ، ويدع سورة البقرة يقرؤها ، فإن الشيطان يفر من البيت تقرأ فيه سورة البقرة ، وإن أصفر البيوت ، الجوف الصفر من كتاب الله .

وهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة ، عن محمد بن نصر ، عن أيوب بن سليمان ، به .

وروى الدارمي في مسنده عن ابن مسعود قال : ما من بيت تقرأ فيه سورة البقرة إلا خرج منه الشيطان وله ضراط .

وقال : إن لكل شيء سناما ، وإن سنام القرآن سورة البقرة ، وإن لكل شيء لبابا ، وإن لباب القرآن المفصل .

وروى - أيضا - من طريق الشعبي قال : قال عبد الله بن مسعود : من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة ، أربع من أولها وآية الكرسي وآيتان بعدها وثلاث آيات من آخرها وفي رواية : لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان ولا شيء يكرهه ولا يقرآن على مجنون إلا أفاق .

وعن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لكل شيء سناما ، وإن سنام القرآن البقرة ، من قرأها في بيته ليلة لم يدخله الشيطان ثلاث ليال ، ومن قرأها في بيته نهارا لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام .

رواه أبو القاسم الطبراني ، وأبو حاتم ، وابن حبان في صحيحه .

وقد روى الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه من حديث عبد الحميد بن جعفر ، عن سعيد المقبري ، عن عطاء مولى أبي أحمد ، عن أبي هريرة ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا وهم ذوو عدد ، فاستقرأهم فاستقرأ كل واحد منهم ، يعني ما معه من القرآن ، فأتى على رجل من أحدثهم سنا ، فقال : ما معك يا فلان ؟

قال : معي كذا وكذا وسورة البقرة ، فقال : أمعك سورة البقرة ؟

قال : نعم .

قال : اذهب فأنت أميرهم فقال رجل من أشرافهم : والله ما منعني أن أتعلم البقرة إلا أني خشيت ألا أقوم بها .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تعلموا القرآن واقرءوه ، فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مسكا يفوح ريحه في كل مكان ، ومثل من تعلمه ، فيرقد وهو في جوفه ، كمثل جراب أوكي على مسك .

هذا لفظ رواية الترمذي ، ثم قال : هذا حديث حسن .

ثم رواه من حديث الليث ، عن سعيد ، عن عطاء مولى أبي أحمد مرسلا فالله أعلم .

قال البخاري : وقال الليث : حدثني يزيد بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أسيد بن حضير قال : بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة ، وفرسه مربوطة عنده ، إذ جالت الفرس ، فسكت ، فسكنت ، فقرأ فجالت الفرس ، فسكت ، فسكنت ، ثم قرأ فجالت الفرس ، فانصرف ، وكان ابنه يحيى قريبا منها .

فأشفق أن تصيبه ، فلما أخذه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها ، فلما أصبح حدث النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اقرأ يا ابن حضير .

قال : فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى ، وكان منها قريبا ، فرفعت رأسي وانصرفت إليه ، فرفعت رأسي إلى السماء ، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح ، فخرجت حتى لا أراها ، قال : وتدري ما ذاك ؟

.

قال : لا .

قال : تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم .

وهكذا رواه الإمام العالم أبو عبيد القاسم بن سلام ، في كتاب فضائل القرآن ، عن عبد الله بن صالح ، ويحيى بن بكير ، عن الليث به .

وقد روي من وجه آخر عن أسيد بن حضير ، كما تقدم ، والله أعلم .

وقد وقع نحو من هذا لثابت بن قيس بن شماس - رضي الله عنه - وذلك فيما رواه أبو عبيد [ القاسم ] : حدثنا عباد بن عباد ، عن جرير بن حازم ، عن جرير بن يزيد : أن أشياخ أهل المدينة حدثوه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قيل له : ألم تر ثابت بن قيس بن شماس ؟

لم تزل داره البارحة تزهر مصابيح ، قال : فلعله قرأ سورة البقرة .

قال : فسئل ثابت ، فقال : قرأت سورة البقرة .

وهذا إسناد جيد ، إلا أن فيه إبهاما ، ثم هو مرسل ، والله أعلم .

[ ذكر ] ما ورد في فضلها مع آل عمران قال الإمام أحمد : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا بشير بن مهاجر حدثني عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، قال : كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول : تعلموا سورة البقرة ، فإن أخذها بركة ، وتركها حسرة ، ولا تستطيعها البطلة .

قال : ثم سكت ساعة ، ثم قال : تعلموا سورة البقرة ، وآل عمران ، فإنهما الزهراوان ، يظلان صاحبهما يوم القيامة ، كأنهما غمامتان أو غيايتان ، أو فرقان من طير صواف ، وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب ، فيقول له : هل تعرفني ؟

فيقول : ما أعرفك .

فيقول : أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر ، وأسهرت ليلك ، وإن كل تاجر من وراء تجارته ، وإنك اليوم من وراء كل تجارة .

فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله ، ويوضع على رأسه تاج الوقار ، ويكسى والداه حلتين ، لا يقوم لهما أهل الدنيا ، فيقولان : بم كسينا هذا ؟

فيقال : بأخذ ولدكما القرآن ، ثم يقال : اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها ، فهو في صعود ما دام يقرأ هذا كان أو ترتيلا .

وروى ابن ماجه من حديث بشير بن المهاجر بعضه ، وهذا إسناد حسن على شرط مسلم ، فإن بشيرا هذا أخرج له مسلم ، ووثقه ابن معين ، وقال النسائي : ليس به بأس ، إلا أن الإمام أحمد قال فيه : هو منكر الحديث ، قد اعتبرت أحاديثه فإذا هي تجيء بالعجب .

وقال البخاري : يخالف في بعض حديثه .

وقال أبو حاتم الرازي : يكتب حديثه ولا يحتج به .

وقال ابن عدي : روى ما لا يتابع عليه .

وقال الدارقطني : ليس بالقوي .

قلت : ولكن لبعضه شواهد ؛ فمن ذلك حديث أبي أمامة الباهلي ؛ قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا هشام ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلام ، عن أبي أمامة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اقرءوا القرآن فإنه شافع لأهله يوم القيامة ، اقرءوا الزهراوين : البقرة وآل عمران ، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان ، أو كأنهما غيايتان ، أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن أهلهما ثم قال : اقرءوا البقرة فإن أخذها بركة ، وتركها حسرة ، ولا تستطيعها البطلة .

وقد رواه مسلم في الصلاة من حديث معاوية بن سلام ، عن أخيه زيد بن سلام ، عن جده أبي سلام ممطور الحبشي ، عن أبي أمامة صدي بن عجلان [ الباهلي ] ، به .

الزهراوان : المنيران ، والغياية : ما أظلك من فوقك .

والفرق : القطعة من الشيء ، والصواف : المصطفة المتضامة .

والبطلة السحرة ، ومعنى لا تستطيعها أي : لا يمكنهم حفظها ، وقيل : لا تستطيع النفوذ في قارئها ، والله أعلم .

ومن ذلك حديث النواس بن سمعان .

قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن عبد ربه ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن محمد بن مهاجر ، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي ، عن جبير بن نفير ، قال : سمعت النواس بن سمعان الكلابي ، يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به ، تقدمهم سورة البقرة وآل عمران .

وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد ، قال : كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق ، أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما .

ورواه مسلم ، عن إسحاق بن منصور ، عن يزيد بن عبد ربه ، به .

والترمذي ، من حديث الوليد بن عبد الرحمن الجرشي ، به .

وقال : حسن غريب .

وقال أبو عبيد : حدثنا حجاج ، عن حماد بن سلمة ، عن عبد الملك بن عمير ، قال : قال حماد : أحسبه عن أبي منيب ، عن عمه ؛ أن رجلا قرأ البقرة وآل عمران ، فلما قضى صلاته قال له كعب : أقرأت البقرة وآل عمران ؟

قال : نعم .

قال : فوالذي نفسي بيده ، إن فيهما اسم الله الذي إذا دعي به استجاب .

قال : فأخبرني به .

قال : لا والله لا أخبرك ، ولو أخبرتك لأوشكت أن تدعوه بدعوة أهلك فيها أنا وأنت .

[ قال أبو عبيد ] : وحدثنا عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن سليم بن عامر : أنه سمع أبا أمامة يقول : إن أخا لكم أري في المنام أن الناس يسلكون في صدع جبل وعر طويل ، وعلى رأس الجبل شجرتان خضراوان تهتفان : هل فيكم من يقرأ سورة البقرة ؟

وهل فيكم من يقرأ سورة آل عمران ؟

قال : فإذا قال الرجل : نعم .

دنتا منه بأعذاقهما ، حتى يتعلق بهما فتخطران به الجبل .

[ قال أبو عبيد ] وحدثنا عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن أبي عمران : أنه سمع أم الدرداء تقول : إن رجلا ممن قرأ القرآن أغار على جار له ، فقتله ، وإنه أقيد به ، فقتل ، فما زال القرآن ينسل منه سورة سورة ، حتى بقيت البقرة وآل عمران جمعة ، ثم إن آل عمران انسلت منه ، وأقامت البقرة جمعة ، فقيل لها : ( ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد ) [ ق : 29 ] قال : فخرجت كأنها السحابة العظيمة .

قال أبو عبيد : أراه ، يعني : أنهما كانتا معه في قبره تدفعان عنه وتؤنسانه ، فكانتا من آخر ما بقي معه من القرآن .

وقال أيضا : حدثنا أبو مسهر الغساني ، عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي أن يزيد بن الأسود الجرشي كان يحدث : أنه من قرأ البقرة وآل عمران في يوم ، برئ من النفاق حتى يمسي ، ومن قرأهما من ليلة برئ من النفاق حتى يصبح ، قال : فكان يقرؤهما كل يوم وليلة سوى جزئه .

[ قال أيضا : ] وحدثنا يزيد ، عن ورقاء بن إياس ، عن سعيد بن جبير ، قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : من قرأ البقرة وآل عمران في ليلة كان - أو كتب - من القانتين .

فيه انقطاع ، ولكن ثبت في الصحيحين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بهما في ركعة واحدة .

[ ذكر ] ما ورد في فضل السبع الطول قال أبو عبيد : حدثنا هشام بن إسماعيل الدمشقي ، عن محمد بن شعيب ، عن سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن أبي المليح ، عن واثلة بن الأسقع ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أعطيت السبع الطوال مكان التوراة ، وأعطيت المئين مكان الإنجيل ، وأعطيت المثاني مكان الزبور ، وفضلت بالمفصل .

هذا حديث غريب ، وسعيد بن بشير ، فيه لين .

وقد رواه أبو عبيد [ أيضا ] ، عن عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن سعيد بن أبي هلال ، قال : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال .

.

.

فذكره ، والله أعلم .

ثم قال حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب ، عن حبيب بن هند الأسلمي ، عن عروة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أخذ السبع فهو حبر .

وهذا أيضا غريب ، وحبيب بن هند بن أسماء بن هند بن حارثة الأسلمي ، روى عنه عمرو بن أبي عمرو وعبد الله بن أبي بكرة ، وذكره أبو حاتم الرازي ولم يذكر فيه جرحا ، فالله أعلم .

وقد رواه الإمام أحمد ، عن سليمان بن داود ، وحسين ، كلاهما عن إسماعيل بن جعفر ، به .

ورواه - أيضا - عن أبي سعيد ، عن سليمان بن بلال ، عن حبيب بن هند ، عن عروة ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أخذ السبع الأول من القرآن فهو حبر .

قال أحمد : وحدثنا حسين ، حدثنا ابن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .

قال عبد الله بن أحمد : وهذا أرى فيه ، عن أبيه ، عن الأعرج ، ولكن كذا كان في الكتاب بلا " أبي " ، أغفله أبي ، أو كذا هو مرسل ، ثم قال أبو عبيد : حدثنا هشيم ، أخبرنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، في قوله تعالى : ( ولقد آتيناك سبعا من المثاني ) [ الحجر : 87 ] ، قال : هي السبع الطول : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، ويونس .

قال : وقال مجاهد : هي السبع الطول .

وهكذا قال مكحول ، وعطية بن قيس ، وأبو محمد الفارسي ، وشداد بن عبيد الله ، ويحيى بن الحارث الذماري في تفسير الآية بذلك ، وفي تعدادها ، وأن يونس هي السابعة .

[ فصل ] والبقرة جميعها مدنية بلا خلاف ، قال بعض العلماء : وهي مشتملة على ألف خبر ، وألف أمر ، وألف نهي .

وقال العادون : آياتها مائتان وثمانون وسبع آيات ، وكلماتها ستة آلاف كلمة ومائة وإحدى وعشرون كلمة ، وحروفها خمسة وعشرون ألفا وخمسمائة حرف ، فالله أعلم .

قال ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : أنزل بالمدينة سورة البقرة .

وقال خصيف : عن مجاهد ، عن عبد الله بن الزبير ، قال : أنزل بالمدينة سورة البقرة .

وقال الواقدي : حدثني الضحاك بن عثمان ، عن أبي الزناد ، عن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبيه ، قال : نزلت البقرة بالمدينة .

وهكذا قال غير واحد من الأئمة والعلماء ، والمفسرين ، ولا خلاف فيه .

وقال ابن مردويه : حدثنا محمد بن معمر ، حدثنا الحسن بن علي بن الوليد [ الفارسي ] حدثنا خلف بن هشام ، حدثنا عبيس بن ميمون ، عن موسى بن أنس بن مالك ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقولوا : سورة البقرة ، ولا سورة آل عمران ، ولا سورة النساء ، وكذا القرآن كله ، ولكن قولوا : السورة التي يذكر فيها البقرة ، والتي يذكر فيها آل عمران ، وكذا القرآن كله .

هذا حديث غريب لا يصح رفعه ، وعيسى بن ميمون هذا هو أبو سلمة الخواص ، وهو ضعيف الرواية ، لا يحتج به .

وقد ثبت في الصحيحين ، عن ابن مسعود : أنه رمى الجمرة من بطن الوادي ، فجعل البيت عن يساره ، ومنى عن يمينه ، ثم قال : هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة .

أخرجاه .

وروى ابن مردويه ، من حديث شعبة ، عن عقيل بن طلحة ، عن عتبة بن فرقد قال : رأى النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه تأخرا ، فقال : يا أصحاب سورة البقرة .

وأظن هذا كان يوم حنين ، حين ولوا مدبرين ، أمر العباس فناداهم : يا أصحاب الشجرة ، يعني أهل بيعة الرضوان .

وفي رواية : يا أصحاب البقرة ، لينشطهم بذلك ، فجعلوا يقبلون من كل وجه .

وكذلك يوم اليمامة مع أصحاب مسيلمة ، جعل الصحابة يفرون لكثافة حشر بني حنيفة ، فجعل المهاجرون والأنصار يتنادون : يا أصحاب سورة البقرة ، حتى فتح الله عليهم .

رضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين .

( بسم الله الرحمن الرحيم .

الم ) قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور ، فمنهم من قال : هي مما استأثر الله بعلمه ، فردوا علمها إلى الله ، ولم يفسروها [ حكاه القرطبي في تفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم - به ، وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خثيم ، واختاره أبو حاتم بن حبان ] .

ومنهم من فسرها ، واختلف هؤلاء في معناها ، فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إنما هي أسماء السور [ قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره : وعليه إطباق الأكثر ، ونقله عن سيبويه أنه نص عليه ] ، ويعتضد هذا بما ورد في الصحيحين ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة : " الم السجدة " ، وهل أتى على الإنسان .

وقال سفيان الثوري ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : أنه قال : " الم " ، و " حم " ، و " المص " ، و " ص " ، فواتح افتتح الله بها القرآن .

وكذا قال غيره : عن مجاهد .

وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود ، عن شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عنه ، أنه قال : " الم " ، اسم من أسماء القرآن .

وهكذا قال قتادة ، وزيد بن أسلم ، ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد : أنه اسم من أسماء السور ، فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن ، فإنه يبعد أن يكون " المص " اسما للقرآن كله ؛ لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول : قرأت " المص " ، إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف ، لا لمجموع القرآن .

والله أعلم .

وقيل : هي اسم من أسماء الله تعالى .

فقال الشعبي : فواتح السور من أسماء الله تعالى ، وكذلك قال سالم بن عبد الله ، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير ، وقال شعبة عن السدي : بلغني أن ابن عباس قال : " الم " اسم من أسماء الله الأعظم .

هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة .

ورواه ابن جرير عن بندار ، عن ابن مهدي ، عن شعبة ، قال : سألت السدي عن " حم " و " طس " و " الم " ، فقال : قال ابن عباس : هي اسم الله الأعظم .

وقال ابن جرير : وحدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا أبو النعمان ، حدثنا شعبة ، عن إسماعيل السدي ، عن مرة الهمداني قال : قال عبد الله ، فذكر نحوه [ وحكي مثله عن علي وابن عباس ] .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : هو قسم أقسم الله به ، وهو من أسماء الله تعالى .

وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن علية ، عن خالد الحذاء ، عن عكرمة أنه قال : " الم " ، قسم .

ورويا - أيضا - من حديث شريك بن عبد الله ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس : " الم " ، قال : أنا الله أعلم .

وكذا قال سعيد بن جبير ، وقال السدي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود .

وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " الم " .

قال : أما " الم " فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى .

وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية في قوله تعالى : ( الم ) قال : هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفا دارت فيها الألسن كلها ، ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه ، وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلائه ، وليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم .

قال عيسى ابن مريم ، عليه السلام ، وعجب ، فقال : وأعجب أنهم ينطقون بأسمائه ويعيشون في رزقه ، فكيف يكفرون به ؛ فالألف مفتاح اسم الله ، واللام مفتاح اسمه " لطيف " والميم مفتاح اسمه " مجيد " فالألف آلاء الله ، واللام لطف الله ، والميم مجد الله ، والألف سنة ، واللام ثلاثون سنة ، والميم أربعون [ سنة ] .

هذا لفظ ابن أبي حاتم .

ونحوه رواه ابن جرير ، ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها ، وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخر ، وأن الجمع ممكن ، فهي أسماء السور ، ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور ، فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته ، كما افتتح سورا كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه .

قال : ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله ، وعلى صفة من صفاته ، وعلى مدة وغير ذلك ، كما ذكره الربيع بن أنس عن أبي العالية ؛ لأن الكلمة الواحدة تطلق على معان كثيرة ، كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد به الدين ، كقوله تعالى : (إنا وجدنا آباءنا على أمة ) [ الزخرف : 22 ، 23 ] .

وتطلق ويراد بها الرجل المطيع لله ، كقوله : ( إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ) [ النحل : 120 ] وتطلق ويراد بها الجماعة ، كقوله : ( وجد عليه أمة من الناس يسقون ) [ القصص : 23 ] ، وقوله : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ) [ النحل : 36 ] وتطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله : ( وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة ) [ يوسف : 45 ] أي : بعد حين على أصح القولين ، قال : فكذلك هذا .

هذا حاصل كلامه موجها ، ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية ، فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا ، وعلى هذا ، وعلى هذا معا ، ولفظة الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح ، إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام ، فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول ، ليس هذا موضع البحث فيها ، والله أعلم ؛ ثم إن لفظ الأمة تدل على كل معانيه في سياق الكلام بدلالة الوضع ، فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره ، فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف ، والمسألة مختلف فيها ، وليس فيها إجماع حتى يحكم به .

وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة ، فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا ، كما قال الشاعر : قلنا قفي لنا فقالت قاف لا تحسبينا قد نسينا الإيجاف تعني : وقفت .

وقال الآخر : ما للظليم عال كيف لا يا ينقد عنه جلده إذا يا قال ابن جرير : كأنه أراد أن يقول : إذا يفعل كذا وكذا ، فاكتفى بالياء من يفعل ، وقال الآخر : بالخير خيرات وإن شرا فا ولا أريد الشر إلا أن تا يقول : وإن شرا فشر ، ولا أريد الشر إلا أن تشاء ، فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما ، ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام ، والله أعلم .

[ قال القرطبي : وفي الحديث : من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة الحديث .

قال شقيق : هو أن يقول في اقتل : إق ] .

وقال خصيف ، عن مجاهد ، أنه قال : فواتح السور كلها " ق " و " ص " و " حم " و " طسم " و " الر " وغير ذلك هجاء موضوع .

وقال بعض أهل العربية : هي حروف من حروف المعجم ، استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها ، التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفا ، كما يقول القائل : ابني يكتب في : ا ب ت ث ، أي : في حروف المعجم الثمانية والعشرين فيستغنى بذكر بعضها عن مجموعها .

حكاه ابن جرير .

قلت : مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفا ، وهي : ا ل م ص ر ك ي ع ط س ح ق ن ، يجمعها قولك : نص حكيم قاطع له سر .

وهي نصف الحروف عددا ، والمذكور منها أشرف من المتروك ، وبيان ذلك من صناعة التصريف .

[ قال الزمخشري : وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أنصاف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة ، ومن الرخوة والشديدة ، ومن المطبقة والمفتوحة ، ومن المستعلية والمنخفضة ومن حروف القلقلة .

وقد سردها مفصلة ثم قال : فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته ، وهذه الأجناس المعدودة ثلاثون بالمذكورة منها ، وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله ] .

ومن هاهنا لحظ بعضهم في هذا المقام كلاما ، فقال : لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثا ولا سدى ؛ ومن قال من الجهلة : إنه في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلية ، فقد أخطأ خطأ كبيرا ، فتعين أن لها معنى في نفس الأمر ، فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به ، وإلا وقفنا حيث وقفنا ، وقلنا : ( آمنا به كل من عند ربنا ) [ آل عمران : 7 ] .

ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين ، وإنما اختلفوا ، فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه ، وإلا فالوقف حتى يتبين .

هذا مقام .

المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ، ما هي ؟

مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها .

فقال بعضهم : إنما ذكرت لنعرف بها أوائل السور .

حكاه ابن جرير ، وهذا ضعيف ؛ لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه ، وفيما ذكرت فيه بالبسملة تلاوة وكتابة .

وقال آخرون : بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين - إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن - حتى إذا استمعوا له تلي عليهم المؤلف منه .

حكاه ابن جرير - أيضا - ، وهو ضعيف أيضا ؛ لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها ، بل غالبها ليس كذلك ، ولو كان كذلك - أيضا - لانبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم ، سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك .

ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابا للمشركين ، فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه .

وقال آخرون : بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن ، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله ، هذا مع أنه [ تركب ] من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها .

ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته ، وهذا معلوم بالاستقراء ، وهو الواقع في تسع وعشرين سورة ، ولهذا يقول تعالى : ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) [ البقرة : 1 ، 2 ] .

( الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه ) [ آل عمران : 1 - 3 ] .

المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ) [ الأعراف : 1 ، 2 ] .

الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ) [ إبراهيم : 1 ] ( الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ) [ السجدة : 1 ، 2 ] .

( حم تنزيل من الرحمن الرحيم ) [ فصلت : 1 ، 2 ] .

( حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم ) [ الشورى : 1 - 3 ] ، وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر ، والله أعلم .

وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد ، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم ، فقد ادعى ما ليس له ، وطار في غير مطاره ، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف ، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته .

وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار ، صاحب المغازي ، حدثني الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، عن جابر بن عبد الله بن رئاب ، قال : مر أبو ياسر بن أخطب ، في رجال من يهود ، برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة : ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) [ هدى للمتقين ) [ البقرة : 1 ، 2 ] فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود ، فقال : تعلمون - والله - لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله عليه : ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) فقال : أنت سمعته ؟

قال : نعم .

قال : فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقالوا : يا محمد ، ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك : ( الم ذلك الكتاب لا [ ريب ] ) ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بلى .

فقالوا : جاءك بهذا جبريل من عند الله ؟

فقال : نعم .

قالوا : لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك .

فقام حيي بن أخطب ، وأقبل على من كان معه ، فقال لهم : الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فهذه إحدى وسبعون سنة ، أفتدخلون في دين نبي ، إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة ؟

ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا محمد ، هل مع هذا غيره ؟

فقال : نعم ، قال : ما ذاك ؟

قال : " المص " ، قال : هذا أثقل وأطول ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والصاد سبعون ، فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة .

هل مع هذا يا محمد غيره ؟

قال : نعم قال : ما ذاك ؟

قال : " الر " .

قال : هذا أثقل وأطول ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والراء مائتان .

فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة .

فهل مع هذا يا محمد غيره ؟

قال : نعم ، قال : ماذا ؟

قال : " المر " .

قال : فهذه أثقل وأطول ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والراء مائتان ، فهذه إحدى وسبعون ومائتان ، ثم قال : لقد لبس علينا أمرك يا محمد ، حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا .

ثم قال : قوموا عنه .

ثم قال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ، ولمن معه من الأحبار : ما يدريكم ؟

لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وثلاثون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان ، فذلك سبعمائة وأربع سنين .

فقالوا : لقد تشابه علينا أمره ، فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ) [ آل عمران : 7 ] .

فهذا مداره على محمد بن السائب الكلبي ، وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ، ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها ، وذلك يبلغ منه جملة كثيرة ، وإن حسبت مع التكرر فأتم وأعظم والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

بسم الله الرحمن الرحيم رب أعن ( القول في تفسير السورة التي يذكر فيها البقرة ) القول في تأويل قول الله جل ثناؤه : ( الم ) .

قال أبو جعفر : اختلفت تراجمة القرآن في تأويل قول الله تعالى ذكره "الم " فقال بعضهم : هو اسم من أسماء القرآن .

ذكر من قال ذلك : 225 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : "الم " ، قال : اسم من أسماء القرآن .

226 - حدثني المثنى بن إبراهيم الآملي ، قال : حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : "الم " ، اسم من أسماء القرآن .

227 - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : "الم " ، اسم من أسماء القرآن .

وقال بعضهم : هو فواتح يفتح الله بها القرآن .

ذكر من قال ذلك : 228 - حدثني هارون بن إدريس الأصم الكوفي ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : "الم " ، فواتح يفتح الله بها القرآن .

[ ص: 206 ] 229 - حدثنا أحمد بن حازم الغفاري ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سفيان ، عن مجاهد ، قال : "الم " ، فواتح .

230 - حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، عن يحيى بن آدم ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : "الم " ، و "حم " ، و "المص " ، و "ص " ، فواتح افتتح الله بها .

231 - حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثل حديث هارون بن إدريس .

وقال آخرون : هو اسم للسورة .

ذكر من قال ذلك : 232 - حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أنبأنا عبد الله بن وهب ، قال : سألت عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن قول الله : "الم ذلك الكتاب " و "الم تنزيل " ، و "المر تلك " ، فقال : قال أبي : إنما هي أسماء السور .

وقال بعضهم : هو اسم الله الأعظم .

ذكر من قال ذلك : 233 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : حدثنا شعبة ، قال : سألت السدي عن "حم " و "طسم " و "الم " ، فقال : قال ابن عباس : هو اسم الله الأعظم .

234 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثني أبو النعمان ، قال : حدثنا شعبة ، عن إسماعيل السدي ، عن مرة الهمداني ، قال : قال عبد الله فذكر نحوه .

235 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، عن عبيد الله بن موسى ، عن إسماعيل ، عن الشعبي قال : فواتح السور من أسماء الله .

وقال بعضهم : هو قسم أقسم الله به ، وهو من أسمائه .

ذكر من قال ذلك : [ ص: 207 ] 236 - حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قال : هو قسم أقسم الله به ، وهو من أسماء الله .

237 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا خالد الحذاء ، عن عكرمة ، قال : "الم " ، قسم .

[ ص: 208 ] وقال بعضهم : هو حروف مقطعة من أسماء وأفعال ، كل حرف من ذلك لمعنى غير معنى الحرف الآخر .

ذكر من قال ذلك : 238 - حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع - وحدثنا سفيان بن وكيع قال : حدثنا أبي عن شريك ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس : "الم " قال : أنا الله أعلم .

239 - حدثت عن أبي عبيد ، قال : حدثنا أبو اليقظان ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، قال : قوله : "الم " ، قال : أنا الله أعلم .

240 - حدثني موسى بن هارون الهمداني ، قال : حدثنا عمرو بن حماد القناد ، قال : حدثنا أسباط بن نصر ، عن إسماعيل السدي في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : "الم " قال : أما "الم " فهو حرف اشتق من حروف هجاء أسماء الله جل ثناؤه .

241 - حدثنا محمد بن معمر ، قال : حدثنا عباس بن زياد الباهلي ، قال : حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : "الم " و "حم " و "ن " ، قال : اسم مقطع .

وقال بعضهم هي حروف هجاء موضوع .

ذكر من قال ذلك : 242 - حدثت عن منصور بن أبي نويرة ، قال : حدثنا أبو سعيد المؤدب ، عن خصيف ، عن مجاهد ، قال : فواتح السور كلها "ق " و "ص " و "حم " و "طسم " و "الر " وغير ذلك ، هجاء موضوع .

وقال بعضهم : هي حروف يشتمل كل حرف منها على معان شتى مختلفة .

ذكر من قال ذلك : 243 - حدثني المثنى بن إبراهيم الطبري ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، عن عبد الله بن أبي جعفر الرازي ، قال : حدثني أبي ، عن الربيع بن أنس ، في قول الله تعالى ذكره : "الم " ، قال : هذه الأحرف ، من التسعة والعشرين حرفا ، دارت فيها الألسن كلها .

ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه ، وليس منها حرف إلا وهو في آلائه وبلائه ، وليس منها حرف إلا وهو في مدة قوم وآجالهم .

وقال عيسى ابن مريم : "وعجيب ينطقون في أسمائه ، ويعيشون في رزقه ، فكيف يكفرون ؟

" .

قال : الألف : مفتاح اسمه : "الله " ، واللام : مفتاح اسمه : "لطيف " ، والميم : مفتاح اسمه : "مجيد " .

والألف آلاء الله ، واللام لطفه ، والميم : مجده .

الألف سنة ، واللام ثلاثون سنة ، والميم أربعون سنة .

244 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا حكام ، عن أبي جعفر ، عن الربيع بنحوه .

وقال بعضهم : هي حروف من حساب الجمل - كرهنا ذكر الذي حكي ذلك عنه ، إذ كان الذي رواه ممن لا يعتمد على روايته ونقله .

وقد مضت الرواية بنظير ذلك من القول عن الربيع بن أنس .

[ ص: 209 ] وقال بعضهم : لكل كتاب سر ، وسر القرآن فواتحه .

وأما أهل العربية ، فإنهم اختلفوا في معنى ذلك .

فقال بعضهم : هي حروف من حروف المعجم ، استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها ، التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفا; كما استغنى المخبر - عمن أخبر عنه أنه في حروف المعجم الثمانية والعشرين حرفا - بذكر "أ ب ت ث " ، عن ذكر بواقي حروفها التي هي تتمة الثمانية والعشرين : قال .

ولذلك رفع ( ذلك الكتاب ) ، لأن معنى الكلام : الألف واللام والميم من الحروف المقطعة ، ذلك الكتاب الذي أنزلته إليك مجموعا لا ريب فيه .

فإن قال قائل : فإن "أ ب ت ث " ، قد صارت كالاسم في حروف الهجاء ، كما كان "الحمد " اسما لفاتحة الكتاب .

قيل له : لما كان جائزا أن يقول القائل : ابني في "ط ظ " ، وكان معلوما بقيله ذلك لو قاله أنه يريد الخبر عن ابنه أنه في الحروف المقطعة - علم بذلك أن "أ ب ت ث " ليس لها باسم ، وإن كان ذلك آثر في الذكر من سائرها .

قال : وإنما خولف بين ذكر حروف المعجم في فواتح السور ، فذكرت في أوائلها مختلفة ، وذكرها إذا ذكرت بأوائلها التي هي "أ ب ت ث " ، مؤتلفة ، ليفصل بين الخبر عنها إذا أريد - بذكر ما ذكر منها مختلفا - الدلالة على الكلام المتصل; وإذا أريد - بذكر ما ذكر منها مؤتلفا - الدلالة على الحروف المقطعة بأعيانها .

واستشهدوا - لإجازة قول القائل : ابني في "ط ظ " وما أشبه ذلك ، من الخبر عنه أنه في حروف المعجم ، وأن ذلك من قيله في البيان يقوم مقام قوله : ابني في "أ ب ت ث " - برجز بعض الرجاز من بني أسد : لما رأيت أمرها في حطي وفنكت في كذب ولط أخذت منها بقرون [ ص: 210 ] شمط فلم يزل صوبي بها ومعطي حتى علا الرأس دم يغطي فزعم أنه أراد بذلك الخبر عن المرأة أنها في "أبي جاد " ، فأقام قوله : "لما رأيت أمرها في حطي " مقام خبره عنها أنها في "أبي جاد " ، إذ كان ذاك من قوله ، يدل سامعه على ما يدله عليه قوله : لما رأيت أمرها في "أبي جاد " .

وقال آخرون : بل ابتدئت بذلك أوائل السور ليفتح لاستماعه أسماع المشركين - إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن - حتى إذا استمعوا له ، تلي عليهم المؤلف منه .

وقال بعضهم : الحروف التي هي فواتح السور حروف يستفتح الله بها كلامه .

فإن قيل : هل يكون من القرآن ما ليس له معنى ؟

قيل : معنى هذا أنه افتتح بها ليعلم أن السورة التي قبلها قد انقضت ، وأنه قد أخذ في أخرى ، فجعل هذا علامة انقطاع ما بينهما ، وذلك في كلام العرب ، ينشد الرجل منهم الشعر فيقول : بل وبلدة ما الإنس من آهالها ويقول : لا بل ما هاج أحزانا وشجوا قد شجا و "بل " ليست من البيت ولا تعد في وزنه ، ولكن يقطع بها كلاما ويستأنف الآخر .

[ ص: 211 ] قال أبو جعفر : ولكل قول من الأقوال التي قالها الذين وصفنا قولهم في ذلك ، وجه معروف .

فأما الذين قالوا : "الم " ، اسم من أسماء القرآن ، فلقولهم ذلك وجهان : أحدهما : أن يكونوا أرادوا أن "الم " اسم للقرآن ، كما الفرقان اسم له .

وإذا كان معنى قائل ذلك كذلك ، كان تأويل قوله ( الم ذلك الكتاب ) ، على معنى القسم .

كأنه قال : والقرآن ، هذا الكتاب لا ريب فيه .

والآخر منهما : أن يكونوا أرادوا أنه اسم من أسماء السورة التي تعرف به ، كما تعرف سائر الأشياء بأسمائها التي هي لها أمارات تعرف بها ، فيفهم السامع من القائل يقول : - قرأت اليوم "المص " و "ن " - ، أي السور التي قرأها من سور القرآن ، كما يفهم عنه - إذا قال : لقيت اليوم عمرا وزيدا ، وهما بزيد وعمرو عارفان - من الذي لقي من الناس .

وإن أشكل معنى ذلك على امرئ فقال : وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك ، ونظائر "الم " "الر " في القرآن جماعة من السور ؟

وإنما تكون الأسماء أمارات إذا كانت مميزة بين الأشخاص ، فأما إذا كانت غير مميزة فليست أمارات .

قيل : إن الأسماء - وإن كانت قد صارت ، لاشتراك كثير من الناس في الواحد منها ، غير مميزة إلا بمعان أخر معها من ضم نسبة المسمى بها إليها أو نعته أو صفته ، بما يفرق بينه وبين غيره من أشكالها - فإنها وضعت ابتداء للتمييز لا شك .

ثم احتيج ، عند الاشتراك ، إلى المعاني المفرقة بين المسميين بها .

فكذلك ذلك في أسماء السور .

جعل كل اسم - في قول قائل هذه المقالة - أمارة للمسمى به من السور .

فلما شارك المسمى به فيه غيره من سور القرآن ، احتاج المخبر عن [ ص: 212 ] سورة منها أن يضم إلى اسمها المسمى به من ذلك ، ما يفرق به السامع بين الخبر عنها وعن غيرها ، من نعت وصفة أو غير ذلك .

فيقول المخبر عن نفسه إنه تلا سورة البقرة ، إذا سماها باسمها الذي هو "الم " : قرأت "الم البقرة " ، وفي آل عمران : قرأت "الم آل عمران " ، و "الم ذلك الكتاب " ، و "الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم " .

كما لو أراد الخبر عن رجلين ، اسم كل واحد منهما "عمرو " ، غير أن أحدهما تميمي والآخر أزدي ، للزمه أن يقول لمن أراد إخباره عنهما : لقيت عمرا التميمي وعمرا الأزدي ، إذ كان لا يفرق بينهما وبين غيرهما ممن يشاركهما في أسمائهما ، إلا بنسبتهما كذلك .

فكذلك ذلك في قول من تأول في الحروف المقطعة أنها أسماء للسور .

وأما الذين قالوا : ذلك فواتح يفتتح الله عز وجل بها كلامه ، فإنهم وجهوا ذلك إلى نحو المعنى الذي حكيناه عمن حكينا عنه من أهل العربية ، أنه قال : ذلك أدلة على انقضاء سورة وابتداء في أخرى ، وعلامة لانقطاع ما بينهما ، كما جعلت "بل " في ابتداء قصيدة دلالة على ابتداء فيها ، وانقضاء أخرى قبلها كما ذكرنا عن العرب إذا أرادوا الابتداء في إنشاد قصيدة ، قالوا : بل ما هاج أحزانا وشجوا قد شجا و "بل " ليست من البيت ولا داخلة في وزنه ، ولكن ليدل به على قطع كلام وابتداء آخر .

وأما الذين قالوا : ذلك حروف مقطعة بعضها من أسماء الله عز وجل ، وبعضها من صفاته ، ولكل حرف من ذلك معنى غير معنى الحرف الآخر ، فإنهم نحوا بتأويلهم ذلك نحو قول الشاعر : قلنا لها قفي لنا قالت قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف [ ص: 213 ] يعني بقوله : "قالت قاف " ، قالت : قد وقفت .

فدلت بإظهار القاف من "وقفت " ، على مرادها من تمام الكلمة التي هي "وقفت" .

فصرفوا قوله : "الم " وما أشبه ذلك ، إلى نحو هذا المعنى .

فقال بعضهم : الألف ألف "أنا " ، واللام لام "الله " ، والميم ميم "أعلم " ، وكل حرف منها دال على كلمة تامة .

قالوا : فجملة هذه الحروف المقطعة إذا ظهر مع كل حرف منهن تمام حروف الكلمة ، "أنا " الله أعلم " .

قالوا : وكذلك سائر جميع ما في أوائل سور القرآن من ذلك ، فعلى هذا المعنى وبهذا التأويل .

قالوا : ومستفيض ظاهر في كلام العرب أن ينقص المتكلم منهم من الكلمة الأحرف ، إذا كان فيما بقي دلالة على ما حذف منها - ويزيد فيها ما ليس منها ، إذا لم تكن الزيادة ملبسة معناها على سامعها - كحذفهم في النقص في الترخيم من "حارث " الثاء ، فيقولون : يا حار ، ومن "مالك " الكاف ، فيقولون : يا مال ، وأما أشبه ذلك ، وكقول راجزهم : ما للظليم عال ؟

كيف لا يا ينقد عنه جلده إذا يا كأنه أراد أن يقول : إذا يفعل كذا وكذا ، فاكتفى بالياء من "يفعل " ، وكما قال آخر منهم : بالخير خيرات وإن شرا فا يريد : فشرا .

ولا أريد الشر إلا أن تا .

يريد : إلا أن تشاء ، فاكتفى بالتاء والفاء في الكلمتين جميعا ، من سائر حروفهما ، وما أشبه ذلك من الشواهد التي يطول الكتاب باستيعابه .

[ ص: 214 ] 245 - وكما حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، عن أيوب ، وابن عون ، عن محمد ، قال : لما مات يزيد بن معاوية قال لي عبدة : إني لا أراها إلا كائنة فتنة ، فافزع من ضيعتك والحق بأهلك .

قلت : فما تأمرني ؟

قال : أحب إلي لك أن تا - قال أيوب وابن عون بيده تحت خده الأيمن ، يصف الاضطجاع - حتى ترى أمرا تعرفه .

قال أبو جعفر : يعني ب "تا " تضطجع ، فاجتزأ بالتاء من تضطجع .

وكما قال الآخر في الزيادة في الكلام على النحو الذي وصفت : أقول إذ خرت على الكلكال يا ناقتي ما جلت من مجال يريد : الكلكل ، وكما قال الآخر : إن شكلي وإن شكلك شتى فالزمي الخص واخفضي تبيضضي .

فزاد ضادا ، وليست في الكلمة .

قالوا : فكذلك ما نقص من تمام حروف كل كلمة من هذه الكلمات التي ذكرنا أنها تتمة حروف "الم " ونظائرها - نظير ما نقص من الكلام الذي حكيناه عن العرب في أشعارها وكلامها .

وأما الذين قالوا : كل حرف من "الم " ونظائرها ، دال على معان شتى - [ ص: 215 ] نحو الذي ذكرنا عن الربيع بن أنس - فإنهم وجهوا ذلك إلى مثل الذي وجهه إليه من قال : هو بتأويل "أنا الله أعلم " ، في أن كل حرف منه بعض حروف كلمة تامة ، استغني بدلالته على تمامه عن ذكر تمامه - وإن كانوا له مخالفين في كل حرف من ذلك : أهو من الكلمة التي ادعى أنه منها قائلو القول الأول ، أم من غيرها ؟

فقالوا : بل الألف من "الم " من كلمات شتى ، هي دالة على معاني جميع ذلك وعلى تمامه .

قالوا : وإنما أفرد كل حرف من ذلك ، وقصر به عن تمام حروف الكلمة ، أن جميع حروف الكلمة لو أظهرت ، لم تدل الكلمة التي تظهر - التي بعض هذه الحروف المقطعة بعض لها - إلا على معنى واحد لا على معنيين وأكثر منهما .

قالوا : وإذ كان لا دلالة في ذلك ، لو أظهر جميعها ، إلا على معناها الذي هو معنى واحد ، وكان الله جل ثناؤه قد أراد الدلالة بكل حرف منها على معان كثيرة لشيء واحد - لم يجز إلا أن يفرد الحرف الدال على تلك المعاني ، ليعلم المخاطبون به أن الله عز وجل لم يقصد قصد معنى واحد ودلالة على شيء واحد بما خاطبهم به ، وأنه إنما قصد الدلالة به على أشياء كثيرة .

قالوا : فالألف من "الم " مقتضية معاني كثيرة ، منها تمام اسم الرب الذي هو "الله " ، وتمام اسم نعماء الله التي هي آلاء الله ، والدلالة على أجل قوم أنه سنة ، إذا كانت الألف في حساب الجمل واحدا .

واللام مقتضية تمام اسم الله الذي هو لطيف ، وتمام اسم فضله الذي هو لطف ، والدلالة على أجل قوم أنه ثلاثون سنة .

والميم مقتضية تمام اسم الله الذي هو مجيد ، وتمام اسم عظمته التي هي مجد ، والدلالة على أجل قوم أنه أربعون سنة .

فكان معنى الكلام - في تأويل قائل القول الأول - أن الله جل ثناؤه افتتح كلامه بوصف نفسه بأنه العالم الذي لا يخفى عليه شيء ، وجعل ذلك لعباده منهجا يسلكونه في مفتتح خطبهم ورسائلهم ومهم أمورهم ، وابتلاء منه لهم ليستوجبوا به عظيم الثواب في دار الجزاء ، .

كما افتتح ب ( الحمد لله رب العالمين ) ، و ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ) ، سورة الأنعام : 1 [ ص: 216 ] وما أشبه ذلك من السور التي جعل مفاتحها الحمد لنفسه ، وكما جعل مفاتح بعضها تعظيم نفسه وإجلالها بالتسبيح ، كما قال جل ثناؤه : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ) سورة الإسراء : 1 ، وما أشبه ذلك من سائر سور القرآن ، التي جعل مفاتح بعضها تحميد نفسه ، ومفاتح بعضها تمجيدها ، ومفاتح بعضها تعظيمها وتنزيهها .

فكذلك جعل مفاتح السور الأخر التي أوائلها بعض حروف المعجم ، مدائح نفسه ، أحيانا بالعلم ، وأحيانا بالعدل والإنصاف ، وأحيانا بالإفضال والإحسان ، بإيجاز واختصار ، ثم اقتصاص الأمور بعد ذلك .

وعلى هذا التأويل يجب أن يكون الألف واللام والميم في أماكن الرفع ، مرفوعا بعضها ببعض ، دون قوله ( ذلك الكتاب ) ، ويكون "ذلك الكتاب " خبرا مبتدأ منقطعا عن معنى "الم " .

وكذلك "ذلك " في تأويل قول قائل هذا القول الثاني ، مرفوع بعضه ببعض ، وإن كان مخالفا معناه معنى قول قائل القول الأول .

وأما الذين قالوا : هن حروف من حروف حساب الجمل دون ما خالف ذلك من المعاني ، فإنهم قالوا : لا نعرف للحروف المقطعة معنى يفهم سوى حساب الجمل ، وسوى تهجي قول القائل : "الم " .

وقالوا : غير جائز أن يخاطب الله جل ثناؤه عباده إلا بما يفهمونه ويعقلونه عنه .

فلما كان ذلك كذلك - وكان قوله "الم " لا يعقل لها وجه توجه إليه ، إلا أحد الوجهين اللذين ذكرنا ، فبطل أحد وجهيه ، وهو أن يكون مرادا بها تهجي "الم " - صح وثبت أنه مراد به الوجه الثاني ، وهو حساب الجمل; لأن قول القائل : "الم " لا يجوز أن يليه من الكلام "ذلك الكتاب " ، لاستحالة معنى الكلام وخروجه عن المعقول ، إن ولي "الم " "ذلك الكتاب " .

واحتجوا لقولهم ذلك أيضا بما : - 246 - حدثنا به محمد بن حميد الرازي ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، قال : حدثني محمد بن إسحاق ، قال : حدثني الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، عن جابر بن عبد الله بن رئاب ، قال : مر [ ص: 217 ] أبو ياسر بن أخطب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) ، فأتى أخاه حيي بن أخطب من يهود فقال : تعلمون والله ، لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله عز وجل عليه ( الم ذلك الكتاب ) فقالوا : أنت سمعته ؟

قال : نعم!

قال : فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد ، ألم يذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل عليك "الم ذلك الكتاب " ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بلى!

فقالوا : أجاءك بهذا جبريل من عند الله ؟

قال : نعم!

قالوا : لقد بعث الله جل ثناؤه قبلك أنبياء ، ما نعلمه بين لنبي منهم ، ما مدة ملكه وما أكل أمته غيرك!

فقال : حيي بن أخطب ، وأقبل على من كان معه فقال لهم : الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فهذه إحدى وسبعون سنة .

أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأكل أمته إحدى وسبعون سنة ؟

قال : ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا محمد ، هل مع هذا غيره ؟

قال : نعم !

قال : ماذا ؟

قال : ( المص ) .

قال : هذه أثقل وأطول ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والصاد تسعون ، فهذه مائة وإحدى وستون سنة .

هل مع هذا يا محمد غيره ؟

قال : نعم !

قال : ماذا ؟

قال : ( الر ) .

قال : هذه [ ص: 218 ] [ ص: 219 ] والله أثقل وأطول .

الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والراء مائتان ، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة ، فقال : هل مع هذا غيره يا محمد ؟

قال : نعم ، ( المر ) ، قال : فهذه والله أثقل وأطول ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والراء مائتان ، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة .

ثم قال : لقد لبس علينا أمرك يا محمد ، حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا ؟

ثم قاموا عنه .

فقال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ، ولمن معه من الأحبار : ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد ، إحدى وسبعون ، وإحدى وستون ومائة ، ومائتان وإحدى وثلاثون ، ومائتان وإحدى وسبعون ، فذلك سبعمائة سنة وأربع وثلاثون!

فقالوا : لقد تشابه علينا أمره!

ويزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ) .

[ ص: 220 ] قالوا : فقد صرح هذا الخبر بصحة ما قلنا في ذلك من التأويل ، وفساد ما قاله مخالفونا فيه .

والصواب من القول عندي في تأويل مفاتح السور ، التي هي حروف المعجم : أن الله جل ثناؤه جعلها حروفا مقطعة ولم يصل بعضها ببعض - فيجعلها كسائر الكلام المتصل الحروف - لأنه عز ذكره أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منه على معان كثيرة ، لا على معنى واحد ، كما قال الربيع بن أنس .

وإن كان الربيع قد اقتصر به على معان ثلاثة ، دون ما زاد عليها .

والصواب في تأويل ذلك عندي : أن كل حرف منه يحوي ما قاله الربيع ، وما قاله سائر المفسرين غيره فيه - سوى ما ذكرت من القول عمن ذكرت عنه من أهل العربية : أنه كان يوجه تأويل ذلك إلى أنه حروف هجاء ، استغني [ ص: 221 ] بذكر ما ذكر منه في مفاتيح السور ، عن ذكر تتمة الثمانية والعشرين حرفا من حروف المعجم ، بتأويل : أن هذه الحروف ، ذلك الكتاب ، مجموعة ، لا ريب فيه - فإنه قول خطأ فاسد ، لخروجه عن أقوال جميع الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين من أهل التفسير والتأويل .

فكفى دلالة على خطئه ، شهادة الحجة عليه بالخطأ ، مع إبطال قائل ذلك قوله الذي حكيناه عنه - إذ صار إلى البيان عن رفع " ذلك الكتاب " - بقوله مرة إنه مرفوع كل واحد منهما بصاحبه ، ومرة أخرى أنه مرفوع بالراجع من ذكره في قوله " لا ريب فيه " ومرة بقوله " هدى للمتقين " .

وذلك ترك منه لقوله : إن "الم " رافعة " ذلك الكتاب " ، وخروج من القول الذي ادعاه في تأويل " الم ذلك الكتاب " ، وأن تأويل ذلك : هذه الحروف ذلك الكتاب .

فإن قال لنا قائل : وكيف يجوز أن يكون حرف واحد شاملا الدلالة على معان كثيرة مختلفة ؟

قيل : كما جاز أن تكون كلمة واحدة تشتمل على معان كثيرة مختلفة ، كقولهم للجماعة من الناس : أمة ، وللحين من الزمان : أمة ، وللرجل المتعبد المطيع لله : أمة ، وللدين والملة : أمة .

وكقولهم للجزاء والقصاص : دين ، وللسلطان والطاعة : دين ، وللتذلل : دين ، وللحساب : دين ، في أشباه لذلك كثيرة يطول الكتاب بإحصائها - مما يكون من الكلام بلفظ واحد ، وهو مشتمل على معان كثيرة .

وكذلك قول الله جل ثناؤه : "الم " و "الر " ، و "المص " وما أشبه ذلك من حروف المعجم التي هي فواتح أوائل السور ، كل حرف منها دال على معان شتى ، شامل جميعها من أسماء الله عز وجل وصفاته ما قاله المفسرون من الأقوال التي ذكرناها عنهم .

وهن ، مع ذلك ، فواتح السور ، كما قاله من قال ذلك .

[ ص: 222 ] وليس كون ذلك من حروف أسماء الله جل ثناؤه وصفاته ، بمانعها أن تكون للسور فواتح .

لأن الله جل ثناؤه قد افتتح كثيرا من سور القرآن بالحمد لنفسه والثناء عليها ، وكثيرا منها بتمجيدها وتعظيمها ، فغير مستحيل أن يبتدئ بعض ذلك بالقسم بها .

فالتي ابتدئ أوائلها بحروف المعجم ، أحد معاني أوائلها : أنهن فواتح ما افتتح بهن من سور القرآن .

وهن مما أقسم بهن ، لأن أحد معانيهن أنهن من حروف أسماء الله تعالى ذكره وصفاته ، على ما قدمنا البيان عنها ، ولا شك في صحة معنى القسم بالله وأسمائه وصفاته .

وهن من حروف حساب الجمل .

وهن للسور التي افتتحت بهن شعار وأسماء .

فذلك يحوى معاني جميع ما وصفنا ، مما بينا ، من وجوهه .

لأن الله جل ثناؤه لو أراد بذلك ، أو بشيء منه ، الدلالة على معنى واحد مما يحتمله ذلك ، دون سائر المعاني غيره ، لأبان ذلك لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إبانة غير مشكلة .

إذ كان جل ثناؤه إنما أنزل كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم ليبين لهم ما اختلفوا فيه .

وفي تركه صلى الله عليه وسلم إبانة ذلك - أنه مراد به من وجوه تأويله البعض دون البعض - أوضح الدليل على أنه مراد به جميع وجوهه التي هو لها محتمل .

إذ لم يكن مستحيلا في العقل وجه منها أن يكون من تأويله ومعناه ، كما كان غير مستحيل اجتماع المعاني الكثيرة للكلمة الواحدة ، باللفظ الواحد ، في كلام واحد .

ومن أبى ما قلناه في ذلك ، سئل الفرق بين ذلك ، وبين سائر الحروف التي تأتي بلفظ واحد ، مع اشتمالها على المعاني الكثيرة المختلفة ، كالأمة والدين وما أشبه ذلك من الأسماء والأفعال .

فلن يقول في أحد من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله .

وكذلك يسأل كل من تأول شيئا من ذلك - على وجه دون الأوجه الأخر [ ص: 223 ] التي وصفنا - عن البرهان على دعواه ، من الوجه الذي يجب التسليم له .

ثم يعارض بقول مخالفه في ذلك ، ويسأل الفرق بينه وبينه : من أصل ، أو مما يدل عليه أصل .

فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله .

وأما الذي زعم من النحويين : أن ذلك نظير "بل " في قول المنشد شعرا : بل ما هاج أحزانا وشجوا قد شجا وأنه لا معنى له ، وإنما هو زيادة في الكلام معناه الطرح - فإنه أخطأ من وجوه شتى أحدها : أنه وصف الله تعالى ذكره بأنه خاطب العرب بغير ما هو من لغتها ، وغير ما هو في لغة أحد من الآدميين .

إذ كانت العرب - وإن كانت قد كانت تفتتح أوائل إنشادها ما أنشدت من الشعر ب "بل " - فإنه معلوم منها أنها لم تكن تبتدئ شيئا من الكلام ب "الم " و "الر " و "المص " ، بمعنى ابتدائها ذلك ب "بل " .

وإذ كان ذلك ليس من ابتدائها - وكان الله جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم من القرآن ، بما يعرفون من لغاتهم ، ويستعملون بينهم من منطقهم ، في جميع آيه - فلا شك أن سبيل ما وصفنا من حروف المعجم ، التي افتتحت بها أوائل السور ، التي هن لها فواتح ، سبيل سائر القرآن ، في أنه لم يعدل بها عن لغاتهم التي كانوا بها عارفين ، ولها بينهم في منطقهم مستعملين .

لأن ذلك لو كان معدولا به عن سبيل لغاتهم ومنطقهم ، كان خارجا عن معنى الإبانة التي وصف الله عز وجل بها القرآن ، فقال تعالى ذكره : ( نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ) .

وأنى يكون مبينا ما لا يعقله ولا يفقهه أحد من العالمين ، في قول قائل هذه المقالة ، ولا يعرف في منطق أحد من المخلوقين ، في قوله ؟

وفي إخبار الله جل ثناؤه عنه أنه عربي مبين ، ما يكذب هذه المقالة ، وينبئ عنه أن العرب كانوا به [ ص: 224 ] عالمين ، وهو لها مستبين .

فذلك أحد أوجه خطئه .

والوجه الثاني من خطئه في ذلك : إضافته إلى الله جل ثناؤه أنه خاطب عباده بما لا فائدة لهم فيه ولا معنى له ، من الكلام الذي سواء الخطاب فيه به وترك الخطاب به .

وذلك إضافة العبث الذي هو منفي في قول جميع الموحدين عن الله - إلى الله تعالى ذكره .

والوجه الثالث من خطئه : أن "بل " في كلام العرب مفهوم تأويلها ومعناها ، وأنها تدخلها في كلامها رجوعا عن كلام لها قد تقضى كقولهم : ما جاءني أخوك بل أبوك ; وما رأيت عمرا بل عبد الله ، وما أشبه ذلك من الكلام ، كما قال أعشى بني ثعلبة : ولأشربن ثمانيا وثمانيا وثلاث عشرة واثنتين وأربعا ومضى في كلمته حتى بلغ قوله : بالجلسان ، وطيب أردانه بالون يضرب لي يكر الإصبعا ثم قال : بل عد هذا في قريض غيره واذكر فتى سمح الخليقة أروعا فكأنه قال : دع هذا وخذ في قريض غيره .

ف "بل " إنما يأتي في كلام العرب على هذا النحو من الكلام ، فأما افتتاحا لكلامها مبتدأ بمعنى التطول والحذف ، من غير أن يدل على معنى ، فذلك مما لا نعلم أحدا ادعاه من أهل المعرفة بلسان العرب ومنطقها ، سوى الذي ذكرت قوله ، فيكون ذلك أصلا يشبه به حروف المعجم التي هي فواتح سور القرآن التي افتتحت بها - لو كانت له مشبهة - فكيف وهي من الشبه به بعيدة ؟

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وأول مبدوء به الكلام في نزولها وفضلها وما جاء فيها ; وهكذا كل سورة إن وجدنا لها ذلك ; فنقول :سورة البقرة مدنية ، نزلت في مدد شتى .

وقيل : هي أول سورة نزلت بالمدينة ، إلا قوله تعالى : واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله فإنه آخر آية نزلت من السماء ، ونزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى ; وآيات الربا أيضا من أواخر ما نزل من القرآن .وهذه السورة فضلها عظيم وثوابها جسيم .

ويقال لها : فسطاط القرآن ; قاله خالد بن معدان .

وذلك لعظمها وبهائها ، وكثرة أحكامها ومواعظها .

وتعلمها عمر رضي الله عنه بفقهها وما تحتوي عليه في اثنتي عشرة سنة ، وابنه عبد الله في ثماني سنين كما تقدم .قال ابن العربي : سمعت بعض أشياخي يقول : فيها ألف أمر وألف نهي وألف حكم وألف خبر .

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا وهم ذوو عدد وقدم عليهم أحدثهم سنا لحفظه سورة البقرة ، وقال له : اذهب فأنت أميرهم أخرجه الترمذي عن أبي هريرة وصححه .

وروى مسلم عن أبي أمامة الباهلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة ، قال معاوية : بلغني أن البطلة : السحرة .

وروي أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت [ ص: 149 ] الذي تقرأ فيه سورة البقرة .

وروى الدارمي عن عبد الله قال : ما من بيت يقرأ فيه سورة البقرة إلا خرج منه الشيطان وله ضراط .

وقال : إن لكل شيء سناما وإن سنام القرآن سورة البقرة ، وإن لكل شيء لبابا وإن لباب القرآن المفصل .

قال أبو محمد الدارمي .

اللباب : الخالص .

وفي صحيح البستي عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لكل شيء سناما وإن سنام القرآن سورة البقرة ومن قرأها في بيته ليلا لم يدخل الشيطان بيته ثلاث ليال ومن قرأها نهارا لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام .

قال أبو حاتم البستي : قوله صلى الله عليه وسلم : لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام أراد : مردة الشياطين .

وروى الدارمي في مسنده عن الشعبي قال : قال عبد الله : من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة حتى يصبح ; أربعا من أولها وآية الكرسي وآيتين بعدها وثلاثا خواتيمها ، أولها : لله ما في السماوات .

وعن الشعبي عنه : لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان ولا شيء يكرهه ، ولا يقرأن على مجنون إلا أفاق .

وقال المغيرة بن سبيع - وكان من أصحاب عبد الله - : لم ينس القرآن .

وقال إسحاق بن عيسى : لم ينس ما قد حفظ .

قال أبو محمد الدارمي : منهم من يقول : المغيرة بن سميع .وفي كتاب الاستيعاب لابن عبد البر : وكان لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة من شعراء الجاهلية ، أدرك الإسلام فحسن إسلامه وترك قول الشعر في الإسلام ، وسأله عمر في خلافته عن شعره واستنشده ; فقرأ سورة البقرة ; فقال : إنما سألتك عن شعرك ; فقال : ما كنت لأقول بيتا من الشعر بعد إذ علمني الله البقرة وآل عمران ; فأعجب عمر قوله ; وكان عطاؤه ألفين فزاده خمسمائة .

وقد قال كثير من أهل الأخبار : إن لبيدا لم يقل شعرا منذ أسلم .

وقال بعضهم : لم يقل في الإسلام إلا قوله : [ ص: 150 ] الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الإسلام سربالاقال ابن عبد البر : وقد قيل إن هذا البيت لقردة بن نفاثة السلولي ، وهو أصح عندي .

وقال غيره : بل البيت الذي قاله في الإسلام : ما عاتب المرء الكريم كنفسهوالمرء يصلحه القرين الصالحوسيأتي ما ورد في آية الكرسي وخواتيم البقرة ، ويأتي في أول سورة آل عمران زيادة بيان لفضل هذه السورة ; إن شاء الله تعالى .بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى : الم .

ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقينقوله تعالى : الم .

ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السورة ; فقال عامر الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين : هي سر الله في القرآن ، ولله في كل كتاب من كتبه سر .

فهي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه ، ولا يجب أن يتكلم فيها ، ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت .

وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما .

وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا : الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر .

وقال أبو حاتم : لم نجد الحروف المقطعة في القرآن إلا في أوائل السور ، ولا ندري ما أراد الله جل وعز بها .قلت : ومن هذا المعنى ما ذكره أبو بكر الأنباري : حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا أبو بكر بن أبي طالب حدثنا أبو المنذر الواسطي عن مالك بن مغول عن سعيد بن مسروق عن الربيع بن خثيم قال : إن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء ، وأطلعكم على ما شاء ، فأما ما استأثر به لنفسه فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه ، وأما الذي أطلعكم عليه فهو الذي تسألون عنه وتخبرون به ، وما بكل القرآن تعلمون ، ولا بكل ما تعلمون تعملون .

قال أبو بكر : فهذا يوضح أن حروفا من القرآن سترت معانيها عن جميع العالم ، اختبارا من الله عز وجل وامتحانا ; فمن آمن بها أثيب وسعد ، ومن كفر وشك أثم وبعد .

حدثنا أبو يوسف بن يعقوب [ ص: 151 ] القاضي حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن عمارة عن حريث بن ظهير عن عبد الله قال : ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب ، ثم قرأ : الذين يؤمنون بالغيب .قلت : هذا القول في المتشابه وحكمه ، وهو الصحيح على ما يأتي بيانه في ( آل عمران ) إن شاء الله تعالى .

وقال جمع من العلماء كبير : بل يجب أن نتكلم فيها ، ونلتمس الفوائد التي تحتها ، والمعاني التي تتخرج عليها ; واختلفوا في ذلك على أقوال عديدة ; فروي عن ابن عباس وعلي أيضا : أن الحروف المقطعة في القرآن اسم الله الأعظم ، إلا أنا لا نعرف تأليفه منها .وقال قطرب والفراء وغيرهما : هي إشارة إلى حروف الهجاء أعلم الله بها العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هي التي منها بناء كلامهم ; ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم .قال قطرب : كانوا ينفرون عند استماع القرآن ، فلما سمعوا : الم و المص استنكروا هذا اللفظ ، فلما أنصتوا له صلى الله عليه وسلم أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف ليثبته في أسماعهم وآذانهم ويقيم الحجة عليهم .

وقال قوم : روي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة وقالوا : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة .وقال جماعة : هي حروف دالة على أسماء أخذت منها وحذفت بقيتها ; كقول ابن عباس وغيره : الألف من الله ، واللام من جبريل ، والميم من محمد صلى الله عليه وسلم .

وقيل : الألف مفتاح اسمه الله ، واللام مفتاح اسمه لطيف ، والميم مفتاح اسمه مجيد .

وروى أبو الضحى عن ابن عباس في قوله : ( الم ) قال : أنا الله أعلم ، ( الر ) أنا الله أرى ، المص أنا الله أفصل .

فالألف تؤدي عن معنى أنا ، واللام تؤدي عن اسم الله ، والميم تؤدي عن معنى أعلم .

واختار هذا القول الزجاج وقال : أذهب إلى أن كل حرف منها يؤدي عن معنى ; وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة نظما لها ووضعا بدل الكلمات التي الحروف منها ، كقوله : فقلت لها قفي فقالت قاف أراد : قالت وقفت .

وقال زهير : بالخير خيرات وإن شرا فا ولا أريد الشر إلا أن تاأراد : وإن شرا فشر .

وأراد : إلا أن تشاء .[ ص: 152 ] وقال آخر : نادوهم ألا الجموا ألا تاقالوا جميعا كلهم ألا فاأراد : ألا تركبون ، قالوا : ألا فاركبوا .

وفي الحديث : من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة قال شقيق : هو أن يقول في اقتل : اق ; كما قال عليه السلام كفى بالسيف شا معناه : شافيا .وقال زيد بن أسلم : هي أسماء للسور .وقال الكلبي : هي أقسام أقسم الله - تعالى - بها لشرفها وفضلها ، وهي من أسمائه ; عن ابن عباس أيضا ، ورد بعض العلماء هذا القول فقال : لا يصح أن يكون قسما لأن القسم معقود على حروف مثل : إن ، وقد ، ولقد ، وما ; ولم يوجد هاهنا حرف من هذه الحروف ، فلا يجوز أن يكون يمينا .

والجواب أن يقال : موضع القسم قوله تعالى : لا ريب فيه فلو أن إنسانا حلف فقال : والله هذا الكتاب لا ريب فيه ; لكان الكلام سديدا ، وتكون لا جواب القسم .

فثبت أن قول الكلبي وما روي عن ابن عباس سديد صحيح .

فإن قيل : ما الحكمة في القسم من الله تعالى ، وكان القوم في ذلك الزمان على صنفين : مصدق ، ومكذب ; فالمصدق يصدق بغير قسم ، والمكذب لا يصدق مع القسم ؟

.

قيل له : القرآن نزل بلغة العرب ; والعرب إذا أراد بعضهم أن يؤكد كلامه أقسم على كلامه ; والله تعالى أراد أن يؤكد عليهم الحجة فأقسم أن القرآن من عنده .وقال بعضهم : ( الم ) أي أنزلت عليك هذا الكتاب من اللوح المحفوظ .

وقال قتادة في قوله : ( الم ) قال اسم من أسماء القرآن .وروي عن محمد بن علي الترمذي أنه قال : إن الله تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من الأحكام والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة ، ولا يعرف ذلك إلا نبي أو ولي ، ثم بين ذلك في جميع السورة ليفقه الناس .

وقيل غير هذا من الأقوال ; فالله أعلم .والوقف على هذه الحروف على السكون لنقصانها إلا إذا أخبرت عنها أو عطفتها فإنك تعربها .

واختلف : هل لها محل من الإعراب ؟

فقيل : لا ; لأنها ليست أسماء متمكنة ، ولا أفعالا مضارعة ; وإنما هي بمنزلة حروف التهجي فهي محكية .

هذا مذهب الخليل وسيبويه .[ ص: 153 ] ومن قال : إنها أسماء السور فموضعها عنده الرفع على أنها عنده خبر ابتداء مضمر ، أي هذه ( الم ) ; كما تقول : هذه سورة البقرة .

أو تكون رفعا على الابتداء والخبر ذلك ; كما تقول : زيد ذلك الرجل .

وقال ابن كيسان النحوي : ( الم ) في موضع نصب ; كما تقول : اقرأ ( الم ) أو عليك ( الم ) .

وقيل : في موضع خفض بالقسم ; لقول ابن عباس : إنها أقسام أقسم الله بها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

الحروف المقطعة في أوائل السور, الأسلم فيها, السكوت عن التعرض لمعناها من غير مستند شرعي, مع الجزم بأن الله تعالى لم ينزلها عبثا بل لحكمة لا نعلمها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

سورة البقرة مدنية وهي مائتان وثمانون وسبع آيات ( الم ( 1 ) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ( 2 ) الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ( 3 ) والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ( 4 ) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ( 5 ) ) بسم الله الرحمن الرحيم ( الم ) قال الشعبي وجماعة : الم وسائر حروف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه وهي سر القرآن .

فنحن نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله تعالى .

وفائدة ذكرها طلب الإيمان بها .

قالأبو بكر الصديق : في كل كتاب سر وسر الله تعالى في القرآن أوائل السور وقال علي : لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف ( التهجي ) وقال داود بن أبي هند : كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور فقال يا داود إن لكل كتاب سرا وإن سر القرآن فواتح السور فدعها وسل عما سوى ذلك .

وقال جماعة هي معلومة المعاني فقيل كل حرف منها مفتاح اسم من أسمائه كما قال ابن عباس في كهيعص الكاف من كافي والهاء من هادي والياء من حكيم والعين من عليم والصاد من صادق .

وقيل في المص أنا الله الملك الصادق وقال الربيع بن أنس في الم الألف مفتاح اسمه الله واللام مفتاح اسمه اللطيف والميم مفتاح اسمه المجيد .

وقال محمد بن كعب : الألف آلاء الله واللام لطفه والميم ملكه وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال معنى الم أنا الله أعلم ومعنى المص أنا الله أعلم وأفضل ومعنى الر أنا الله أرى ومعنى المر أنا الله أعلم وأرى .

قال الزجاج : وهذا حسن فإن العرب تذكر حرفا من كلمة تريدها كقولهم قلت لها قفي لنا قالت قاف أي : وقفت وعن سعيد بن جبير قال هي أسماء الله تعالى ( مقطعة ) لو علم الناس تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم .

ألا ترى أنك تقول الر وحم ، ون فتكون الرحمن وكذلك سائرها إلا أنا لا نقدر على وصلها وقال قتادة : هذه الحروف أسماء القرآن .

وقال مجاهد وابن زيد : هي أسماء ( السور ) وبيانه أن القائل إذا قال قرأت المص عرف السامع أنه قرأ السورة التي افتتحت بالمص .

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها أقسام وقال الأخفش إنما أقسم الله بهذه الحروف لشرفها وفضلها لأنها ( مبادئ ) كتبه المنزلة ومباني أسمائه الحسنى .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الم» الله أعلم بمراده بذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هذه الحروف وغيرها من الحروف المقطَّعة في أوائل السور فيها إشارة إلى إعجاز القرآن؛ فقد وقع به تحدي المشركين، فعجزوا عن معارضته، وهو مركَّب من هذه الحروف التي تتكون منها لغة العرب.

فدَلَّ عجز العرب عن الإتيان بمثله -مع أنهم أفصح الناس- على أن القرآن وحي من الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

سورة البقرة من السور التي ابتدئت ببعض حروف التهجي .وقد وردت هذه الفواتح تارة مفردة بحرف واحد ، وتارة مركبة من حرفين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة .فالسور التي بدأت بحرف واحد ثلاثة وهي سورة ص ، ق ، ن .والسورة التي بدأت بحرفين تسعة وهي : طه ، يس ، طس ، ( وحم ) في ست سور هي : غافر ، فصلت ، الزخرف ، الجاثية ، الأحقاف .والسورة التي بدأت بثلاثه أحرف ثلاث عشرة سورة وهي : ( ألم ) في ست سور : البقرة ، وآل عمران ، العنكبوت ، الروم ، لقمان ، السجدة و ( الر ) في خمس سور هي : يونس ، هود ، يوسف ، الحجر ، إبراهيم ( طسم ) في سورتين هما : الشعراء ، القصص .وهناك سورتان بدئتا بأربعة أحرف وهما .

الرعد ، ( المر ) ، والأعراف ، ( المص ) وسورتان - أيضاً - بدئنا بخمسة أحرف وهما : مريم ( كهيعص ) والشورى ( حم عسق ) .فيكون مجموع السور التي افتتحت بالحروف المقطعة تسعا وعشرين سورة .هذا ، وقد وقع خلاف بين العلماء في المعنى المقصود بتلك الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ويمكن إجمال خلافهم في رأيين رئيسين :الرأي الأول يرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها غير معروف ، فهي من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه .وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس - في إحدى رواياته - كما ذهب إليه الشعبي ، وسفيان الثوري ، وغيرهم من العلماء ، فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبي أنه سئل عن فواتح السور فقال : إن لكل كتاب سراً ، وإن سر هذا القرآن في فواتح السور .

ويروى عن ابن عباس أنه قال : عجزت العلماء عن إدراكها .

وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال : " إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي؟

.

وفي رواية أخرى عن الشعبي أنه قال : " سر الله فلا تطلبوه " .ومن الاعتراضات التي وجهت إلى هذا الرأي ، أنه كان الخطاب بهذه الفواتح غير مفهوم للناس ، لأنه من المتشابه ، فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل ، أو مثله كمثل المتكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها .وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإفهام عنها عند كل الناس ، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يفهم المراد منها ، وكذلك بعض أصحابه المقربين - ولكن الذي ننفيه أن يكون الناس جميعاً فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة في أوائل بعض السور .وهناك مناقشات أخرى للعلماء حول هذا الرأي يضيق المجال عن ذكرها .أما الرأي الثاني فيرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها معلوم ، وأنها ليست من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه .وأصحاب هذا الرأي قد اختلفوا فيما بينهم في تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة ، من أهمها ما يأتي :1- أن هذه الحروف أسماء للسور ، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم" من قرأ حم السجدة حفظ إلى أن يصبح " وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها كسورة ولا يخلو هذا القول من الضعف ، لأن كثيراً من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح ، والغرض من التسمية رفع الاشتباه .2- وقيل إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة للدلالة على انقضاء سورة وابتداء أخرى .3 - وقيل : إنها حروف مقطعة ، بعضها من أسماء الله - تعالى - وبعضها من صفاته ، فمثلاً ( الاما ) أصلها : أنا الله أعلم .4 - وقيل : إنها اسم الله الأعظم .

إلى غير ذلك من الأقوال التي لا تخلو من مقال ، والتي أوصلها السيوطي في " الإتقان " إلى أكثر من عشرين قولا .5 - ولعل أقرب الآراء إلى الصواب أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة قد وردت في افتتاح بعض السور للإشعار بأن هذا القرآن الذي تحدى الله به المشركين هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التي يعرفونها ، ويقدرون على تأليف الكلام منها ، فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه في الفصاحة والحكمة مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة ، وفضلا عن ذلك فإن تصدير السور بمثل هذه الحروف المقطعة يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إلى الإنصات والتدبر ، لأنه يطرق أسماعهم في أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة في مجارى كلامهم ، وذلك مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها ، فيستمعوا حكما وحججاً قد يكون سبباً في هدايتهم واستجابتهم للحق .هذه خلاصة لأراء العلماء في الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ومن أراد مزيداً لذلك فليرجع - مثلاً - إلى كتاب " الإتقان " للسيوطي ، وإلى كتاب " البرهان " للزركشي ، وإلى تفسير الألوسي .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

تفسير آلم حروف الهجاء: ﴿ الم ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أن الألفاظ التي يتهجى بها أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة، لأن الضاد مثلاً لفظة مفردة دالة بالتواطؤ على معنى مستقل بنفسه من غير دلالة على الزمان المعين لذلك المعنى، وذلك المعنى هو الحرف الأول من ضرب فثبت أنها أسماء ولأنها يتصرف فيها بالأمالة والتفخيم والتعريف والتنكير والجمع والتصغير والوصف والإسناد والإضافة، فكانت لا محالة أسماء.

فإن قيل قد روى أبو عيسى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفاً من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف، لكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» الحديث، والاستدلال به يناقض ما ذكرتم.

قلنا: سماه حرفاً مجازاً لكونه اسماً للحرف، وإطلاق اسم أحد المتلازمين على الآخر مجاز مشهور.

معاني تسمية حروفها: فروع: الأول: أنهم راعوا هذه التسمية لمعان لطيفة، وهي أن المسميات لما كانت ألفاظاً كأساميها وهي حروف مفردة والأسامي ترتقي عدد حروفها إلى الثلاثة اتجه لهم طريق إلى أن يدلوا في الاسم على المسمى، فجعلوا المسمى صدر كل اسم منها إلا الألف فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها لأنه لا يكون إلا ساكناً.

حكمها ما لم تلها العوامل: الثاني: حكمها ما لم تلها العوامل أن تكون ساكنة الأعجاز كأسماء الأعداد فيقال ألف لام ميم، كما تقول واحد اثنان ثلاثة فإذا وليتها العوامل أدركها الأعراب كقولك هذه ألف وكتبت ألفاً ونظرت إلى ألف، وهكذا كل اسم عمدت إلى تأدية مسماه فحسب، لأن جوهر اللفظ موضوع لجوهر المعنى، وحركات اللفظ دالة على أحوال المعنى، فإذا أريد إفادة جوهر المعنى وجب إخلاء اللفظ عن الحركات.

كونها معربة: الثالث: هذه الأسماء معربة وإنما سكنت سكون سائر الأسماء حيث لا يمسها إعراب لفقد موجبه، والدليل على أن سكونها وقف لا بناء أنها لو بنيت لحذي بها حذو كيف وأين وهؤلاء ولم يقل صاد قاف نون مجموع فيها بين الساكنين.

معاني آلم: المسألة الثانية: للناس في قوله تعالى: ﴿ الم ﴾ وما يجري مجراه من الفواتح قولان: أحدهما: أن هذا علم مستور وسر محجوب استأثر الله تبارك وتعالى به.

وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لله في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور، وقال علي رضي الله عنه: إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي.

وقال بعض العارفين: العلم بمنزلة البحر فأجرى منه وادٍ ثم أجرى من الوادي نهر.

ثم أجرى من النهر جدول، ثم أجرى من الجدول ساقية، فلو أجرى إلى الجدول ذلك الوادي لغرقه وأفسده، ولو سال البحر إلى الوادي لأفسده، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿ أَنَزَلَ مِنَ السماء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا  ﴾ فبحور العلم عند الله تعالى، فأعطي الرسل منها أودية، ثم أعطت الرسل من أوديتهم أنهاراً إلى العلماء، ثم أعطت العلماء إلى العامة جداول صغاراً على قدر طاقتهم، ثم أجرت العامة سواقي إلى أهاليهم بقدر طاقتهم.

وعلى هذا ما روي في الخبر للعلماء سر، وللخلفاء سر.

وللأنبياء سر، وللملائكة سر، ولله من بعد ذلك كله سر، فلو اطلع الجهال على سر العلماء لأبادوهم، ولو اطلع العلماء على سر الخلفاء لنابذوهم، ولو اطلع الخلفاء على سر الأنبياء لخالفوهم، ولو اطلع الأنبياء على سرالملائكة لاتهموهم، ولو اطلع الملائكة على سر الله تعالى لطاحوا حائرين، وبادوا بائرين.

والسبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية، كما لا يحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش، فلما زيدت الأنبياء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار النبوة، ولما زيدت العلماء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار ما عجزت العامة عنه، وكذلك علماء الباطن، وهم الحكماء زيد في عقولهم فقدروا على احتمال ما عجزت عنه علماء الظاهر.

وسئل الشعبي عن هذه الحروف فقال: سر الله فلا تطلبوه، وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: عجزت العلماء عن إدراكها، وقال الحسين بن الفضل: هو من المتشابه.

واعلم أن المتكلمين أنكروا هذا القول هذا القول، وقالوا لا يجوز أن يرد في كتاب الله تعالى ما لا يكون مفهوماً للخلق، واحتجوا عليه بالآيات والأخبار والمعقول.

حجج المتكلمين بالآيات: أما الآيات فأربعة عشر.

أحدها: قوله تعالى: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا  ﴾ أمرهم بالتدبر في القرآن، ولو كان غير مفهوم فكيف يأمرهم بالتدبر فيه.

وثانيها: قوله: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً  ﴾ فكيف يأمرهم بالتدبر فيه لمعرفة نفي التناقض والاختلاف مع أنه غير مفهوم للخلق؟.

وثالثها: قوله: ﴿ وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ  نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ  عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ  بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ  ﴾ فلو لم يكن مفهوماً بطل كون الرسول صلى الله عليه وسلم منذراً به، وأيضاً قوله: ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِىّ مُّبِينٍ ﴾ يدل على أنه نازل بلغة العرب، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون مفهوماً.

ورابعها: قوله: ﴿ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ  ﴾ والاستنباط منه لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه.

وخامسها: قوله: ﴿ تِبْيَانًا لّكُلّ شَيء  ﴾ وقوله: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيء  ﴾ .

وسادسها: قوله: ﴿ هُدًى لّلنَّاسِ  ﴾ ، ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ  ﴾ وغير المعلوم لا يكون هدى.

وسابعها: قوله: ﴿ حِكْمَةٌ بالغة  ﴾ وقوله: ﴿ وَشِفَاء لِمَا فِي الصدور وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ وكل هذه الصفات لا تحصل في غير المعلوم.

وثامنها: قوله: ﴿ قَدْ جَاءكُمْ مّنَ الله نُورٌ وكتاب مُّبِينٌ  ﴾ .

وتاسعها: قوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلك لَرَحْمَةً وذكرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  ﴾ وكيف يكون الكتاب كافياً وكيف يكون ذكرى مع أنه غير مفهوم؟.

وعاشرها: قوله تعالى: ﴿ هذا بلاغ لّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ ﴾ فكيف يكون بلاغاً، وكيف يقع الإنذار به مع أنه غير معلوم؟

وقال في آخر الآية ﴿ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب  ﴾ وإنما يكون كذلك لو كان معلوماً الحادي عشر: قوله: ﴿ قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً  ﴾ فكيف يكون برهان ونوراً مبيناً مع أنه غير معلوم؟

الثاني عشر: قوله: ﴿ قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًۢا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ  وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَعْمَىٰ  ﴾ فكيف يمكن اتباعه والأعراض عنه غير معلوم؟

الثالث عشر: ﴿ إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ  ﴾ فكيف يكون هادياً مع أنه غير معلوم؟

الرابع عشر: قوله تعالى: ﴿ آمن الرسول  ﴾ إلى قوله: ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا  ﴾ والطاعة لا تمكن إلا بعد الفهم فوجب كون القرآن مفهوماً.

الاحتجاج بالأخبار: وأما الأخبار: فقوله عليه السلام: «إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنّتي» فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم؟

وعن علي رضي الله عنه أنه عليه السلام قال: «عليكم بكتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن اتبع الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، والذكر الحكيم والصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم».

الاحتجاج بالمعقول: أما المعقول فمن وجوه: أحدها: أنه لو ورد شيء لا سبيل إلى العلم به لكانت المخاطبة به تجري مجرى مخاطبة العربي باللغة الزنجية، ولما لم يجز ذاك فكذا هذا.

وثانيها: أن المقصود من الكلام الإفهام، فلو لم يكن مفهوماً لكانت المخاطبة به عبثاً وسفهاً، وأنه لا يليق بالحكيم.

وثالثها: أن التحدي وقع بالقرآن وما لا يكون معلوماً لا يجوز وقوع التحدي به، فهذا مجموع كلام المتكلمين، واحتج مخالفوهم بالآية، والخبر، والمعقول.

احتجاج مخالفي المتكلمين بالآيات: أما الآية فهو أن المتشابه من القرآن وأنه غير معلوم، لقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله ﴾ والوقف هاهنا واجب لوجوه: أحدها: أن قوله تعالى: ﴿ والراسخون فِي العلم  ﴾ لو كان معطوفاً على قوله: ﴿ إِلاَّ الله ﴾ لبقي ﴿ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ ﴾ منقطعاً عنه وأنه غير جائز لأنه وحده لا يفيد، لا يقال أنه حال، لأنا نقول حينئذٍ يرجع إلى كل ما تقدم، فيلزم أن يكون الله تعالى قائلاً ﴿ كل من عند ربنا ﴾ وهذا كفر.

وثانيها: أن الراسخين في العلم لو كانوا عالمين بتأويله لما كان لتخصيصهم بالإيمان به وجه، فإنهم لما عرفوه بالدلالة لم يكن الإيمان به إلا كالإيمان بالمحكم، فلا يكون في الإيمان به مزيد مدح.

وثالثها: أن تأويلها لو كان مما يجب أن يعلم لما كان طلب ذلك التأويل ذماً، لكن قد جعله الله تعالى ذماً حيث قال: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه مِنْهُ ابتغاء الفتنة وابتغاء تَأْوِيلِه  ﴾ .

احتجاجهم بالخبر: وأما الخبر فقد روينا في أول هذه المسألة خبراً يدل على قولنا، وروي أنه عليه السلام قال: «إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرة بالله» ولأن القول بأن هذه الفواتح غير معلومة مروي عن أكابر الصحابة فوجب أن يكون حقاً، لقوله عليه السلام: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم».

احتجاجهم بالمعقول: وأما المعقول فهو أن الأفعال التي كلفنا بها قسمان.

منها ما نعرف وجه الحكمة فيها على الجملة بعقولنا: كالصلاة والزكاة والصوم؛ فإن الصلاة تواضع محض وتضرع للخالق، والزكاة سعي في دفع حاجة الفقير، والصوم سعي في كسر الشهوة.

ومنها ما لا نعرف وجه الحكمة فيه: كأفعال الحج فإننا لا نعرف بعقولنا وجه الحكمة في رمي الجمرات والسعي بين الصفا والمروة، والرمل، والاضطباع، ثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بالنوع الأول فكذا يحسن الأمر منه بالنوع الثاني، لأن الطاعة في النوع الأول لا تدل على كمال الانقياد لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف بعقله من وجه المصلحة فيه، أما الطاعة في النوع الثاني فإنه يدل على كمال الانقياد ونهاية التسليم، لأنه لما لم يعرف فيه وجه مصلحة البتة لم يكن إتيانه به إلا لمحض الانقياد والتسليم، فإذا كان الأمر كذلك في الأفعال فلم لا يجوز أيضاً أن يكون الأمر كذلك في الأقوال؟

وهو أن يأمرنا الله تعالى تارة أن نتكلم بما نقف على معناه، وتارة بما لا نقف على معناه، ويكون المقصود من ذلك ظهور الانقياد والتسليم من المأمور للآمر، بل فيه فائدة أخرى، وهي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به سقط وقعه عن القلب، وإذا لم يقف على المقصود مع قطعه بأن المتكلم بذلك أحكم الحاكمين فإنه يبقى قلبه متلفتاً إليه أبداً، ومتفكراً فيه أبداً، ولباب التكليف إشغال السر بذكر الله تعالى والتفكر في كلامه، فلا يبعد أن يعلم الله تعالى أن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبداً مصلحة عظيمة له، فيتعبده بذلك تحصيلاً لهذه المصلحة، فهذا ملخص كلام الفريقين في هذا الباب.

هل المراد من الفواتح معلوم: القول الثاني: قول من زعم أن المراد من هذه الفواتح معلوم، ثم اختلفوا فيه وذكروا وجوهاً.

الأول: أنها أسماء السور، وهو قول أكثر المتكلمين واختيار الخليل وسيبويه وقال القفال: وقد سمت العرب بهذه الحروف أشياء، فسموا بلام والد حارثة بن لام الطائي، وكقولهم للنحاس: صاد، وللنقد عين، وللسحاب غين، وقالوا: جبل قاف، وسموا الحوت نوناً.

الثاني: أنها أسماء لله تعالى، روي عن علي عليه السلام أنه كان يقول: يا كهايعص، يا حام عاسق الثالث: أنها أبعاض أسماء الله تعالى، قال سعيد بن جبير: قوله (آلر، حام، ن) مجموعها هو اسم الرحمن، ولكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في البواقي.

الرابع: أنها أسماء القرآن، وهو قول الكلبي والسدي وقتادة الخامس: أن كل واحد منها دال على اسم من أسماء الله تعالى وصفة من صفاته، قال ابن عباس رضي الله عنهما في (آلم): الألف إشارة إلى أنه تعالى أحد، أول، آخر، أزلي، أبدي، واللام إشارة إلى أنه لطيف، والميم إشارة إلى أنه ملك مجيد منان، وقال في: ﴿ كهيعص ﴾ إنه ثناء من الله تعالى على نفسه، والكاف يدل على كونه كافياً، والهاء يدل على كونه هادياً، والعين يدل على العالم، والصاد يدل على الصادق وذكر ابن جرير عن ابن عباس أنه حمل الكاف على الكبير والكريم، والياء على أنه يجير، والعين على العزيز والعدل.

والفرق بين هذين الوجهين أنه في الأول خصص كل واحد من هذه الحروف باسم معين، وفي الثاني ليس كذلك.

السادس: بعضها يدل على أسماء الذات، وبعضها على أسماء الصفات.

قال ابن عباس في ﴿ ألم ﴾ أنا الله أعلم، وفي ﴿ المص ﴾ أنا الله أفصل، وفي ﴿ الر ﴾ أنا الله أرى، وهذا رواية أبي صالح وسعيد بن جبير عنه.

السابع: كل واحد منها يدل على صفات الأفعال، فالألف آلاؤه، واللام لطفه، والميم مجده.

قاله محمد بن كعب القرظي.

وقال الربيع بن أنس: ما منها حرف إلا في ذكر آلائه ونعمائه.

الثامن: بعضها يدل على أسماء الله تعالى وبعضها يدل على أسماء غير الله، فقال الضحاك: الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد، أي أنزل الله الكتاب على لسان جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

التاسع: كل واحد من هذه الحروف يدل على فعل من الأفعال، فالألف معناه ألف الله محمداً فبعثه نبياً، واللام أي لامه الجاحدون، والميم أي ميم الكافرون غيظوا وكبتوا بظهور الحق.

وقال بعض الصوفية: الألف معناه أنا، واللام معناه لي، والميم معناه مني.

العاشر: ما قاله المبرد واختاره جمع عظيم من المحققين إن الله تعالى إنما ذكرها احتجاجاً على الكفار، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما تحداهم أن يأتوا بمثل القرآن، أو بعشر سور، أو بسورة واحدة فعجزوا عنه أنزلت هذه الحروف تنبيهاً على أن القرآن ليس إلا من هذه الحروف، وأنتم قادرون عليها، وعارفون بقوانين الفصاحة، فكان يجب أن تأتوا بمثل هذا القرآن، فلما عجزتم عنه دل ذلك على أنه من عند الله لا من البشر.

الحادي عشر: قال عبد العزيز بن يحيى: إن الله تعالى إنما ذكرها لأن في التقدير كأنه تعالى قال: اسمعوها مقطعة حتى إذا وردت عليكم مؤلفة كنتم قد عرفتموها قبل ذلك، كما أن الصبيان يتعلمون هذه الحروف أولاً مفردة ثم يتعلمون المركبات.

الثاني عشر: قول ابن روق وقطرب: إن الكفار لما قالوا: ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون  ﴾ وتواصلوا بالإعراض عنه أراد الله تعالى لما أحب من صلاحهم ونفعهم أن يورد عليهم ما لا يعرفونه ليكون ذلك سبباً لإسكاتهم واستماعهم لما يرد عليهم من القرآن؛ فأنزل الله تعالى عليهم هذه الحروف فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين: اسمعوا إلى ما يجيء به محمد عليه السلام، فإذا أصغوا هجم عليهم القرآن فكان ذلك سبباً لاستماعهم وطريقاً إلى انتفاعهم.

الثالث عشر: قول أبي العالية إن كل حرف منها في مدة أقوام، وآجال آخرين، قال ابن عباس رضي الله عنه: مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يتلو سورة البقرة ﴿ الٓمٓ  ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ  ﴾ ثم أتى أخوه حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف فسألوه عن ألم وقالوا: ننشدك الله الذي لا إله إلا هو أحق أنها أتتك من السماء؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم كذلك نزلت»، فقال حيى إن كنت صادقاً إني لأَعلم أجل هذه الأمة من السنين، ثم قال كيف ندخل في دين رجل دلت هذه الحروف بحساب الجمل على أن منتهى أجل أمته إحدى وسبعون سنة، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم فقال حيى فهل غير هذا؟

فقال: نعم ﴿ المص ﴾ ، فقال حيي: هذا أكثر من الأول هذا مائة وإحدى وستون سنة، فهل غير هذا، قال: نعم ﴿ الر ﴾ ، فقال حيى هذا أكثر من الأولى والثانية، فنحن نشهد إن كنت صادقاً ما ملكت أمتك إلا مائتين وإحدى وثلاثين سنة، فهل غير هذا؟

فقال: نعم ﴿ المر ﴾ ، قال حيي: فنحن نشهد أنا من الذين لا يؤمنون ولا ندري بأي أقوالك نأخذ.

فقال أبو ياسر: أما أنا فاشهد على أن أنبياءنا قد أخبرونا عن ملك هذه الأمة ولم يبينوا أنها كم تكون، فإن كان محمد صادقاً فيما يقول إني لأراه يستجمع له هذا كله فقام اليهود، وقالوا اشتبه علينا أمرك كله، فلا ندري أبالقليل نأخذ أم بالكثير؟

فذلك قوله تعالى: ﴿ هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب  ﴾ الرابع عشر: هذه الحروف تدل على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر، قال أحمد بن يحيى بن ثعلب: إن العرب إذا استأنفت كلاماً فمن شأنهم أن يأتوا بشيء غير الكلام الذي يريدون استئنافه، فيجعلونه تنبيهاً للمخاطبين على قطع الكلام الأول واستئناف الكلام الجديد.

الخامس عشر: روى ابن الجوزي عن ابن عباس أن هذه الحروف ثناء أثنى الله عزّ وجلّ به على نفسه.

السادس عشر: قال الأخفش: إن الله تعالى أقسم بالحروف المعجمة لشرفها وفضلها ولأنها مباني كتبه المنزلة بالألسنة المختلفة، ومباني أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وأصول كلام الأمم، بها يتعارفون ويذكرون الله ويوحدونه ثم إنه تعالى اقتصر على ذكر البعض وإن كان المراد، هو الكل، كما تقول قرأت الحمد، وتريد السورة بالكلية، فكأنه تعالى قال: أقسم بهذه الحروف إن هذا الكتاب هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ.

السابع عشر: أن التكلم بهذه الحروف، وإن كان معتاداً لكل أحد، إلا أن كونها مسماة بهذه الأسماء لا يعرفه إلا من اشتغل بالتعلم والاستفادة، فلما أخبر الرسول عليه السلام عنها من غير سبق تعلم واستفادة كان ذلك إخباراً عن الغيب؛ فلهذا السبب قدم الله تعالى ذكرها ليكون أول ما يسمع من هذه السورة معجزة دالة على صدقه.

الثامن عشر: قال أبو بكر التبريزي: إن الله تعالى علم أن طائفة من هذه الأمة تقول بقدم القرآن فذكر هذه الحروف تنبيهاً على أن كلامه مؤلف من هذه الحروف، فيجب أن لا يكون قديماً.

التاسع عشر: قال القاضي الماوردي: المراد من ألم أنه ألم بكم ذلك الكتاب.

أي نزل عليكم، والإلمام الزيارة، وإنما قال تعالى ذلك لأن جبريل عليه السلام نزل به نزول الزائر العشرون: الألف إشارة إلى ما لابد منه من الاستقامة في أول الأمر، وهو رعاية الشريعة، قال تعالى: ﴿ إِن الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا  ﴾ واللام إشارة إلى الانحناء الحاصل عند المجاهدات، وهو رعاية الطريقة، قال الله تعالى: ﴿ والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  ﴾ والميم إشارة إلى أن يصير العبد في مقام المحبة، كالدائرة التي يكون نهايتها عين بدايتها وبدايتها عين نهايتها، وذلك إنما يكون بالفناء في الله تعالى بالكلية، وهو مقام الحقيقة، قال تعالى: ﴿ قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ  ﴾ الحادي والعشرون: الألف من أقصى الحلق، وهو أول مخارج الحروف، واللام من طرف اللسان، وهو وسط المخارج، والميم من الشفة، وهو آخر المخارج، فهذه إشارة إلى أنه لابد وأن يكون أول ذكر العبد ووسطه وآخره ليس إلا الله تعالى، على ما قال: ﴿ فَفِرُّواْ إِلَى الله  ﴾ .

كون فواتح السور أسماءها: والمختار عند أكثر المحققين من هذه الأقوال أنها أسماء السور، والدليل عليه أن هذه الألفاظ إما أن لا تكون مفهومة، أو تكون مفهومة، والأول باطل، أما أولاً فلأنه لو جاز ذلك لجاز التكلم مع العربي بلغة الزنج، وأما ثانياً فلأنه تعالى وصف القرآن أجمع بأنه هدى وذلك ينافي كونه غير معلوم.

وأما القسم الثاني فنقول: إما أن يكون مراد الله تعالى منها جعلها أسماء الألقاب، أو أسماء المعاني، والثاني باطل؛ لأن هذه الألفاظ غير موضوعة في لغة العرب لهذه المعاني التي ذكرها المفسرون، فيمتنع حملها عليها؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، فلا يجوز حملها على ما لا يكون حاصلاً في لغة العرب؛ ولأن المفسرين ذكروا وجوهاً مختلفة، وليست دلالة هذه الألفاظ على بعض ما ذكروه أولى من دلالتها على الباقي فأما أن يعمل على الكل، وهو معتذر بالإجماع؛ لأن كل واحد من المفسرين إنما حمل هذه الألفاظ على معنى واحد من هذه المعاني المذكورة، وليس فيهم من حملها على الكل، أو لا يحمل على شيء منها، وهو الباقي، ولما بطل هذا القسم وجب الحكم بأنها من أسماء الألقاب.

جعلها أسماء ألقاب أو معاني: فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: هذه الألفاظ غير معلومة، قوله: لو جاز ذلك لجاز التكلم مع العربي بلغة الزنج قلنا: ولم لا يجوز ذلك؟

وبيانه أن الله تعالى تكلم بالمشكاة وهو بلسان الحبشة، والسجيل والاستبرق فارسيان، قوله: وصف القرآن أجمع بأنه هدى وبيان قلنا: لا نزاع في اشتمال القرآن على المجملات والمتشابهات، فإذا لم يقدح ذلك في كونه هدى وبياناً فكذا هاهنا، سلمنا أنها مفهومة، لكن قولك: إنها إما أن تكون من أسماء الألقاب أو من أسماء المعاني إنما يصح لو ثبت كونها موضوعة لإفادة أمر ما وذلك ممنوع، ولعل الله تعالى تكلم بها لحكمة أخرى، مثل ما قال قطرب من أنهم لما تواضعوا في الابتداء على أن لا يلتفتوا إلى القرآن أمر الله تعالى رسوله بأن يتكلم بهذه الأحرف في الابتداء حتى يتعجبوا عند سماعها فيسكتوا، فحينئذٍ يهجم القرآن على أسماعهم، سلمنا أنها موضوعة لأمر ما، فلم لا يجوز أن يقال: إنها من أسماء المعاني؟

قوله: إنها في اللغة غير موضوعه لشيء البتة قلنا لا نزاع في أنها وحدها غير موضوعة لشيء، ولكن لم لا يجوز أن يقال: إنها مع القرينة المخصوصة تفيد معنى معيناً؟

وبيانه من وجوه: أحدها: أنه عليه السلام كان يتحداهم بالقرآن مرة بعد أخرى فلما ذكر هذه الحروف دلت قرينة الحال على أن مراده تعالى من ذكرها أن يقول لهم: إن هذا القرآن إنما تركب من هذه الحروف التي أنتم قادرون عليها، فلو كان هذا من فعل البشر لوجب أن تقدروا على الإتيان بمثله.

وثانيها: أن حمل هذه الحروف على حساب الجمل عادة معلومة عند الناس.

وثالثها: أن هذه الحروف لما كانت أصول الكلام كانت شريفة عزيزة، فالله تعالى أقسم بها كما أقسم بسائر الأشياء.

ورابعها: أن الاكتفاء من الاسم الواحد بحرف واحد من حروفه عادة معلومة عند العرب، فذكر الله تعالى هذه الحروف تنبيهاً على أسمائه تعالى.

سلمنا دليلكم لكنه معارض بوجوه: أحدها: أنا وجدنا السور الكثيرة اتفقت في ﴿ الم ﴾ و ﴿ حم ﴾ فالاشتباه حاصل فيها، والمقصود من اسم العلم إزالة الاشتباه.

فإن قيل: يشكل هذا بجماعة كثيرين يسمون بمحمد؛ فإن الاشتراك فيه لا ينافي العلمية.

قلنا: قولنا ﴿ ألم ﴾ لا يفيد معنى ألبتة، فلو جعلناه علماً لم يكن فيه فائدة سوى التعيين وإزالة الاشتباه فإذا لم يحصل هذا الغرض امتنع جعله علماً، بخلاف التسمية بمحمد، فإن في التسمية به مقاصد أخرى سوى التعيين، وهو التبرك به لكونه إسماً للرسول، ولكونه دالاً على صفة من صفات الشرف، فجاز أن يقصد التسمية به لغرض آخر من هذه الأغراض سوى التعيين، بخلاف قولنا: ﴿ ألم ﴾ فإنه لا فائدة فيه سوى التعيين، فإذا لم يفد هذه الفائدة كانت التسمية به عبثاً محضاً.

وثانيها: لو كانت هذه الألفاظ أسماء للسور لوجب أن يعلم ذلك بالتواتر؛ لأن هذه الأسماء ليست على قوانين أسماء العرب، والأمور العجيبة تتوفر الدواعي على نقلها لا سيما فيما لا يتعلق بإخفائه رغبة أو رهبة، ولو توفرت الدواعي على نقلها لصار ذلك معلوماً بالتواتر وارتفع الخلاف فيه، فلما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنها ليست من أسماء السور.

وثالثها: أن القرآن نزل بلسان العرب، وهم ما تجاوزوا ما سموا به مجموع اسمين نحو معد يكرب وبعلبك، ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة، فالقول بأنها أسماء السور خروج عن لغة العرب، وأنه غير جائز.

ورابعها: أنها لو كانت أسماء هذه السور لوجب اشتهار هذه السور بها لا بسائر الأسماء، لكنها إنما اشتهرت بسائر الأسماء، كقولهم سورة البقرة وسورة آل عمران.

وخامسها: هذه الألفاظ داخلة في السورة وجزء منها، وجزء الشيء مقدم على الشيء بالرتبة، واسم الشيء متأخر عن الشيء بالرتبة، فلو جعلناها اسماً للسورة لزم التقدم والتأخر معاً، وهو محال، فإن قيل: مجموع قولنا: صاد اسم للحرف الأول منه، فإذا جاز أن يكون المركب اسماً لبعض مفرداته فلم لا يجوز أن تكون بعض مفردات ذلك المركب اسماً لذلك المركب؟

قلنا: الفرق ظاهر؛ لأن المركب يتأخر عن المفرد، والاسم يتأخر عن المسمى، فلو جعلنا المركب اسماً للمفرد لم يلزم إلا تأخر ذلك المركب عن ذلك المفرد من وجهين، وذلك غير مستحيل، أما لو جعلنا المفرد اسماً للمركب لزم من حيث أنه مفرد كونه متقدماً ومن حيث أنه اسم كونه متأخراً، وذلك محال.

وسادسها: لو كان كذلك لوجب أن لا تخلو سورة من سور القرآن من اسم على هذا الوجه، ومعلوم أنه غير حاصل.

الجواب: قوله المشكاة والسجيل ليستا من لغة العرب قلنا: عنه جوابان: أحدهما: أن كل ذلك عربي، لكنه موافق لسائر اللغات، وقد يتفق مثل ذلك في اللغتين: الثاني: أن المسمى بهذه الأسماء لم يوجد أولاً في بلاد العرب، فلما عرفوه عرفوا منها أسماءها، فتكلموا بتلك الأسماء، فصارت تلك الألفاظ عربية أيضاً.

قوله: وجد أن المجمل في كتاب الله لا يقدح في كونه بياناً قلنا: كل مجمل وجد في كتاب الله تعالى قد وجد في العقل، أو في الكتاب، أو في السنة بيانه، وحينئذٍ يخرج عن كونه غير مفيد، إنما البيان فيما لا يمكن معرفة مراد الله منه.

وقوله: لم لا يجوز أن يكون المقصود من ذكر هذه الألفاظ إسكاتهم عن الشغب؟

قلنا: لو جاز ذكر هذه الألفاظ لهذا الغرض فليجز ذكر سائر الهذيانات لمثل هذا الغرض، وهو بالإجماع باطل.

وأما سائر الوجوه التي ذكروها فقد بينا أن قولنا: ألم غير موضوع في لغة العرب لإفادة تلك المعاني، فلا يجوز استعمالها فيه، لأن القرآن إنما نزل بلغة العرب، ولأنها متعارضة، فليس حمل اللفظ على بعضها أولى من البعض؛ ولأنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت أبواب تأويلات الباطنية وسائر الهذيانات، وذلك مما لا سبيل إليه.

أما الجواب عن المعارضة الأولى: فهو أن لا يبعد أن يكون في تسمية السور الكثيرة باسم واحد ثم يميز كل واحد منها عن الآخر بعلامة أخرى حكمة خفية.

وعن الثاني: أن تسمية السورة بلفظة معينة ليست من الأمور العظام، فجاز أن لا يبلغ في الشهرة إلى حد التواتر.

وعن الثالث: أن التسمية بثلاثة أسماء خروج عن كلام العرب إذا جعلت اسماً واحداً على طريقة حضرموت فأما غير مركبة بل صورة نثر أسماء الأعداد فذاك جائز؛ فإن سيبويه نص على جواز التسمية بالجملة، والبيت من الشعر، والتسمية بطائفة من أسماء حروف المعجم.

وعن الرابع: أنه لا يبعد أن يصير اللقب أكثر شهرة من الاسم الأصلي فكذا هاهنا.

وعن الخامس: أن الاسم لفظ دال على أمر مستقل بنفسه من غير دلالة على زمانه المعين، ولفظ الاسم كذلك، فيكون الاسم اسماً لنفسه، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكون جزء الشيء اسماً له.

وعن السادس: أن وضع الاسم إنما يكون بحسب الحكمة، ولا يبعد أن تقتضي الحكمة وضع الاسم لبعض السور دون البعض.

على أن القول الحق: أنه تعالى يفعل ما يشاء، فهذا منتهى الكلام في نصرة هذه الطريقة.

واعلم أن بعد هذا المذهب الذي نصرناه بالأقوال التي حكيناها قول قطرب: من أن المشركين قال بعضهم لبعض: ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه  ﴾ فكان إذا تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول هذه السورة بهذه الألفاظ ما فهموا منها شيئاً، والإنسان حريص على ما منع، فكانوا يصغون إلى القرآن ويتفكرون ويتدبرون في مقاطعه ومطالعه؛ رجاء أنه ربما جاء كلام يفسر ذلك المبهم، ويوضح ذلك المشكل.

فصار ذلك وسيلة إلى أن يصيروا مستمعين للقرآن ومتدبرين في مطالعه ومقاطعه.

والذي يؤكد هذا المذهب أمران: أحدهما: أن هذه الحروف ما جاءت إلا في أوائل السور، وذلك يوهم أن الغرض ما ذكرنا والثاني: إن العلماء قالوا: أن الحكمة في إنزال المتشابهات هي أن المعلل لما علم اشتمال القرآن على المتشابهات فإنه يتأمل القرآن ويجتهد في التفكر فيه على رجاء أنه ربما وجد شيئاً يقوي قوله وينصر مذهبه، فيصير ذلك سبباً لوقوفه على المحكمات المخلصة له عن الضلالات، فإذا جاز إنزال المتشابهات التي توهم الضلالات لمثل هذا الغرض فلأن يجوز إنزال هذه الحروف التي لا توهم شيئاً من الخطأ والضلال لمثل هذا الغرض كان أولى.

أقصى ما في الباب أن يقال: لو جاز ذلك فليجز أن يتكلم بالزنجية مع العربي.

وأن يتكلم بالهذيان لهذا الغرض، وأيضاً فهذا يقدح في كون القرآن هدى وبياناً، لكنا نقول: لم لا يجوز أن يقال: إن الله تعالى إذا تكلم بالزنجية مع العربي وكان ذلك متضمناً لمثل هذه المصلحة فإن ذلك يكون جائزاً؟

وتحقيقه أن الكلام فعل من الأفعال، والداعي إليه قد يكون هو الإفادة، وقد يكون غيرها، قوله: أنه يكون هذياناً قلنا: إن عنيت بالهذيان الفعل الخالي عن المصلحة بالكلية فليس الأمر كذلك، وإن عنيت به الألفاظ الخالية عن الإفادة فلم قلت إن ذلك يقدح في الحكمة إذا كان فيها وجوه أخر من المصلحة سوى هذا الوجه؟

وأما وصف القرآن بكونه هدى وبياناً فذلك لا ينافي ما قلناه؛ لأنه إذا كان الغرض ما ذكرناه كان استماعها من أعظم وجوه البيان والهدى والله أعلم.

القول بأنها أسماء السور: فروع على القول بأنها أسماء السور: الأول: هذه الأسماء على ضربين: أحدهما: يتأتى فيه الإعراب، وهو إما أن يكون اسماً مفرداً كصاد، وقاف، ونون أو أسماء عدة مجموعها على زنة مفرد كحم، وطس ويس؛ فإنها موازنة لقابيل وهابيل، وأما طسم فهو وإن كان مركباً من ثلاثة أسماء فهو (كدر ابجرد)، وهو من باب ما لا ينصرف، لاجتماع سببين فيها وهما العلمية والتأنيث.

والثاني: ما لا يتأتى فيه الإعراب، نحو كهايعص، والامر، إذا عرفت هذا فنقول: أما المفردة ففيها قراءتان: إحداهما: قراءة من قرأ صاد وقاف ونون بالفتح، وهذه الحركة يحتمل أن تكون هي النصب بفعل مضمر نحو: اذكر، وإنما لم يصحبه التنوين لامتناع الصرف كما تقدم بيانه وأجاز سيبويه مثله في حموطاس وياس لو قرئ به، وحكى السيرافي أن بعضهم قرأ ياس بفتح النون؛ وأن يكون الفتح جراً، وذلك بأن يقدرها مجرورة بإضمار الباء القسمية، فقد جاء عنهم: الله لأفعلن غير أنها فتحت في موضع الجر لكونها غير مصروفة، ويتأكد هذا بما روينا عن بعضهم أن الله تعالى أقسم بهذه الحروف، وثانيتهما: قراءة بعضهم صاد بالكسر.

وسببه التحريك لالتقاء الساكنين.

أما القسم الثاني وهو ما لا يتأتى الإعراب فيه فهو يجب أن يكون محكياً، ومعناه أن يجاء بالقول بعد نقله على استبقاء صورته الأولى كقولك: دعني من تمرتان.

الثاني: أن الله تعالى أورد في هذه الفواتح نصف أسامي حروف المعجم: أربعة عشر سواء، وهي: الألف، واللام، والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين والطاء، والسين، والحاء، والقاف، والنون في تسع وعشرين سورة.

الثالث: هذه الفواتح جاءت مختلفة الأعداد، فوردت ص ق ن على حرف، وطاه وطاس وياس وحام على حرفين، وألم والر وطاسم على ثلاثة أحرف، والماص والامر على أربعة أحرف، وكهاعيص وحمعاسق على خمسة أحرف، والسبب فيه أن أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف فقط فكذا هاهنا.

الرابع: هل لهذه الفواتح محل من الإعراب أم لا؟

فنقول: إن جعلناها أسماء للسور فنعم، ثم يحتمل الأوجه الثلاثة، أما الرفع فعلى الابتداء، وأما النصب والجر فلما مر من صحة القسم بها، ومن لم يجعلها أسماء للسور لم يتصور أن يكون لها محل على قوله، كما لا محل للجمل المبتدأة وللمفردات المعدودة.

الإشارة في ذلك الكتاب: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

(الم) إعلم أنّ الألفاظ التي يتهجى بها أسماء، مسمياتها الحروف المبسوطة التي منها ركبت الكلم، فقولك ضاد اسم سمي به (ضه) من ضرب إذا تهجيته، وكذلك: را، با: اسمان لقولك: ره، به؛ وقد روعيت في هذه التسمية لطيفة، وهي أن المسميات لما كانت ألفاظاً كأساميها وهي حروف وحدان والأسامي عدد حروفها مرتق إلى الثلاثة، اتجه لهم طريق إلى أن يدلوا في التسمية على المسمى فلم يغفلوها، وجعلوا المسمى صدر كل اسم منها كما ترى، إلا الألف فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها؛ لأنه لا يكون إلا ساكناً.

ومما يضاهيها في إيداع اللفظ دلالة على المعنى: التهليل، والحوقلة، والحيعلة، والبسملة؛ وحكمها ما لم تلها العوامل أن تكون ساكنة الأعجاز موقوفة كأسماء الأعداد، فيقال: ألف لام ميم، كما يقال: واحد اثنان ثلاثة؛ فإذا وليتها العوامل أدركها الإعراب.

تقول: هذه ألف، وكتبت ألفاً، ونظرت إلى ألف؛ وهكذا كل اسم عمدت إلى تأدية ذاته فحسب، قبل أن يحدث فيه بدخول العوامل شيء من تأثيراتها، فحقك أن تلفظ به موقوفاً.

ألا ترى أنك إذا أردت أن تلقى على الحاسب أجناساً مختلفة ليرفع حسبانها، كيف تصنع وكيف تلقيها أغفالاً من سمة الإعراب؟

فتقول: دار، غلام، جارية، ثوب، بساط.

ولو أعربت ركبت شططاً.

فإن قلت: لم قضيت لهذه الألفاظ بالإسمية؟

وهلا زعمت أنها حروف كما وقع في عبارات المتقدّمين؟

قلت: قد استوضحت بالبرهان النير أنها أسماء غير حروف، فعلمت أن قولهم خليق بأن يصرف إلى التسامح، وقد وجدناهم متسامحين في تسمية كثير من الأسماء التي لا يقدح إشكال في اسميتها كالظروف وغيرها بالحروف، مستعملين الحرف في معنى الكلمة، وذلك أن قولك: (ألف) دلالته على أوسط حروف (قال، وقام) دلالة (فرس) على الحيوان المخصوص، لا فضل فيما يرجع إلى التسمية بين الدلالتين.

ألا ترى أنّ الحرف: ما دلّ على معنى في غيره، وهذا كما ترى دال على معنى في نفسه؛ ولأنها متصرف فيها بالإمالة كقولك: با، تا.

وبالتفخيم كقولك: يا، ها.

وبالتعريف، والتنكير، والجمع والتصغير، والوصف، والإسناد، والإضافة، وجميع ما للأسماء المتصرفة.

ثم إني عثرت من جانب الخليل على نص في ذلك.

قال سيبويه: قال الخليل يوماً وسأل أصحابه: كيف تقولون إذا أردتم أن تلفظوا بالكاف التي في لك، والباء التي في ضرب؟

فقيل: نقول: باء، كاف؛ فقال: إنما جئتم بالإسم، ولم تلفظوا بالحرف، وقال: أقول: كه، به.

وذكر أبو علي في كتاب الحجة في (يس): وإمالة يا، أنهم قالوا: يا زيد، في النداء؛ فأمالوا وإن كان حرفاً، قال: فإذا كانوا قد أمالوا ما لا يمال من الحروف من أجل الياء، فلأن يميلوا الاسم الذي هو يس أجدر.

ألا ترى أنّ هذه الحروف أسماء لما يلفظ بها؟

فإن قلت: من أي قبيل هي من الأسماء، أمعربة أم مبنية؟

قلت: بل هي أسماء معربة، وإنما سكنت سكون زيد وعمرو وغيرهما من الأسماء حيث لا يمسها إعراب لفقد مقتضيه وموجبه.

والدليل على أنّ سكونها وقف وليس ببناء: أنها لو بنيت لحذى بها حذو: كيف، وأين، وهؤلاء.

ولم يقل: ص، ق، ن مجموعاً فيها بين الساكنين.

فإن قلت فلم لفظ المتهجي بما آخره ألف منها مقصوراً، فلما أعرب مدّ فقال هذه باء، وياء، وهاء؛ وذلك يخيل أن وزانها وزان قولك (لا) مقصورة؛ فإذا جعلتها إسماً مددت فقلت: كتبت لاء؟

قلت: هذا التخيل يضمحل بما لخصته من الدليل؛ والسبب في أن قصرت متهجاة، ومدّت حين مسها الإعراب: أنّ حال التهجي خليقة بالأخف الأوجز، واستعمالها فيه أكثر.

فإن قلت: قد تبين أنها أسماء لحروف المعجم، وأنها من قبيل المعربة، وأن سكون أعجازها عند الهجاء لأجل الوقف، فما وجه وقوعها على هذه الصورة فواتح للسور؟

قلت: فيه أوجه: أحدها وعليه إطباق الأكثر: أنها أسماء السور.

وقد ترجم صاحب الكتاب الباب الذي كسره على ذكرها في حد ما لا ينصرف ب (باب أسماء السور) وهي في ذلك على ضربين: أحدهما ما لا يتأتى فيه إعراب، نحو: كهيعص، والمر.

والثاني: ما يتأتى فيه الإعراب، وهو إما أن يكون اسماً فرداً كص، وق، ون، أو أسماء عدّة مجموعها على زنة مفرد ك (حم وطس ويس)؛ فإنها موازنة لقابيل وهابيل، وكذلك طسم يتأتى فيها أن تفتح نونها، وتصير ميم مضمومة إلى طس فيجعلا اسما واحد؛ كدارا بحرد؛ فالنوع الأول محكى ليس إلاّ؛ وأما النوع الثاني فسائغ فيه الأمران: الإعراب، والحكاية؛ قال قاتل محمد بن طلحة السجاد وهو شريح بن أوفى العبسي.

يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ ** فَهَلاَّ تَلاَ حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ فأعرب حاميم ومنعها الصرف، وهكذا كل ما أعرب من أخواتها؛ لاجتماع سببي منع الصرف فيها، وهما: العلمية، والتأنيث.

والحكاية أن تجيء بالقول بعد نقله على استبقاء صورته الأولى.

كقولك: دعني من تمرتان، (وبدأت بالحمد لله)، وقرأت: ﴿ سُورَةٌ أنزلناها ﴾ [النور: 1] قال: وَجَدْنا في كِتَابِ بَني تَمِيم ** أَحَقُّ الْخَيّلِ بالرَّكْضِ المُعَارُ وقال ذو الرمّة: سَمِعْتُ النَّاسَ يَنْتَجِعُونَ غَيثاً ** فَقُلْتُ لِصَيْدَح انْتَجِعي بِلاَلاَ وقال آخر: تَنَادَوْا بالرَّحِيلِ غَداً ** وَفي تَرْحَالِهمْ نَفْسِي وروى منصوباً ومجروراً.

ويقول أهل الحجاز في استعلام من يقول: رأيت زيداً، من زيداً؟

وقال سيبويه: سمعت من العرب: لا من أين يا فتى.

فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ: ص، وق، ون مفتوحات؟

قلت: الأوجه أن يقال: ذاك نصب وليس بفتح، وإنما لم يصحبه التنوين لامتناع الصرف على ما ذكرت.

وانتصابها بفعل مضمر.

نحو: اذكر؛ وقد أجاز سيبويه مثل ذلك في: حم، وطس، ويس لو قرئ به.

وحكى أبو سعيد السيرافي أنّ بعضهم قرأ: يس.

ويجوز أن يقال: حرّكت لالتقاء الساكنين، كما قرأ من قرأ: ﴿ ولا الضالين ﴾ .

فإن قلت: هلا زعمت أنها مقسم بها؟

وأنها نصبت قولهم: نعم الله لأفعلن، وأي الله لأفعلن، على حذف حرف الجر وإعمال فعل القسم؟

وقال ذو الرمة: أَلاَ رُبَّ مَنْ قَلْبي لَهُ للَّهَ نَاصِح ممموقال آخر: فَذَاكَ أَمَانَةُ اللَّهِ الثَّرِيدُ قلت: إنّ القرآن والقلم بعد هذه الفواتح محلوف بهما، فلو زعمت ذلك لجمعت بين قسمين على مقسم واحد وقد استكرهوا ذلك.

قال الخليل في قوله عزّ وجلّ: ﴿ واليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلىوما خلقالذكر والأنثى ﴾ [الليل: 1- 3]: الواوان الأخريان ليستا لمنزلة الأولى، ولكنهما الواوان اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك: مررت بزيد وعمرو، والأولى بمنزلة الباء والتاء، قال سيبويه: قلت للخليل: فلم لا تكون الأخريان بمنزلة الأولى؟

فقال: إنما أقسم بهذه الأشياء على شيء، ولو كان انقضى قسمه بالأوّل على شيء لجاز أن يستعمل كلاماً آخر، فيكون كقولك بالله لأفعلنّ، بالله لأخرجنّ اليوم، ولا يقوى أن تقول: وحقك وحق زيد لأفعلنّ.

والواو الأخيرة واو قسم لا يجوز إلا مستكرهاً قال: وتقول وحياتي ثم حياتك لأفعلنّ؛ فثم هاهنا بمنزلة الواو.

هذا ولا سبيل فيما نحن بصدده إلى أن تجعل الواو للعطف؛ لمخالفة الثاني الأول في الإعراب.

فإن قلت: فقدّرها مجرورة بإضمار الباء القسمية لا بحذفها، فقد جاء عنهم: الله لأفعلن مجروراً، ونظيره قولهم: لاه أبوك؛ غير أنها فتحت في موضع الجر لكونها غير مصروفة، واجعل الواو للعطف حتى يستتب لك المصير إلى نحو ما أشرت إليه.

قلت: هذا لا يبعد عن الصواب، ويعضده ما رووا عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: أقسم الله بهذه الحروف.

فإن قلت: فما وجه قراءة بعضهم ص وق بالكسر؟

قلت: وجهها ما ذكرت من التحريك لالتقاء الساكنين، والذي يبسط من عذر المحرّك: أن الوقف لما استمرّ بهذه الأسامي، شاكلت لذلك ما اجتمع في آخره ساكنان من المبينات، فعوملت تارة معاملة (الآن) وأخرى معاملة (هؤلاء).

فإن قلت: هل تسوغ لي في المحكية مثل ما سوّغت لي في المعربة من إرادة معنى القسم؟

قلت: لا عليك في ذلك، وأن تقدّر حرف القسم مضمراً في نحو قوله عز وجل: ﴿ حم والكتاب المبين ﴾ [الدخان: 2]، كأنه قيل: أقسم بهذه السورة، وبالكتاب المبين: إنا جعلناه.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «حم لا ينصرون» فيصلح أن يقضى له بالجرّ والنصب جميعاً على حذف الجار وإضماره.

فإن قلت: فما معنى تسمية السور بهذه الألفاظ خاصة؟

قلت: كأن المعنى في ذلك الإشعار بأن الفرقان ليس إلا كلما عربية معروفة التركيب من مسميات هذه الألفاظ، كما قال عز من قائل: ﴿ قرآناً عَرَبِيّاً ﴾ [يوسف: 2] .

فإن قلت: فما بالها مكتوبة في المصحف على صور الحروف أنفسها، لا على صور أساميها؟

قلت: لأنّ الكلم لما كانت مركبة من ذوات الحروف، واستمرّت العادة متى تهجيت ومتى قيل للكاتب: اكتب كيت وكيت أن يلفظ بالأسماء وتقع في الكتابة الحروف أنفسها، عمل على تلك الشاكلة المألوفة في كتابة هذه الفواتح.

وأيضاً فإن شهرة أمرها، وإقامة ألسن الأسود والأحمر لها، وأنّ اللافظ بها غير متهجاة لا يحلى بطائل منها، وأنّ بعضها مفرد لا يخطر ببال غير ما هو عليه من مورده: أمنت وقوع اللبس فيها، وقد اتفقت في خط المصحف أشياء خارجة عن القياسات التي بني عليها علم الخط والهجاء؛ ثم ما عاد ذلك بضير ولا نقصان؛ لاستقامة اللفظ وبقاء الحفظ، وكان أتباع خط المصحف سنة لا تخالف.

قال عبد الله بن درستويه في كتابه: المترجم بكتاب الكتاب المتمم: في الخط والهجاء خطان لا يقاسان: خط المصحف، لأنه سنة، وخط العروض؛ لأنه يثبت فيه ما أثبته اللفظ ويسقط عنه ما أسقطه.

الوجه الثاني: أن يكون ورود هذه الأسماء هكذا مسرودة على نمط التعديد كالإيقاظ وقرع العصا لمن تحدّى بالقرآن وبغرابة نظمه؛ وكالتحريك للنظر في أن هذا المتلو عليهم وقد عجزوا عنه عن آخرهم كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم ليؤديهم النظر إلى أن يستيقنوا أن لم تتساقط مقدرتهم دونه، ولم تظهر معجزتهم عن أن يأتوا بمثله بعد المراجعات المتطاولة، وهم أمراء الكلام وزعماء الحوار، وهم الحرّاص على التساجل في اقتضاب الخطب، والمتهالكون على الافتنان في القصيد والرجز، ولم يبلغ من الجزالة وحسن النظم المبالغ التي بزت بلاغة كل ناطق، وشقت غبار كل سابق، ولم يتجاوز الحدّ الخارج من قوى الفصحاء، ولم يقع وراء مطامح أعين البصراء؛ إلا لأنه ليس بكلام البشر، وأنه كلام خالق القوى والقدر.

وهذا القول من القوة والخلاقة بالقبول بمنزل، ولناصره على الأوّل أن يقول: إن القرآن إنما نزل بلسان العرب مصبوباً في أساليبهم واستعمالاتهم، والعرب لم تتجاوز ما سموا به مجموع اسمين، ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة، والقول بأنها أسماء السور حقيقة: يخرج إلى ما ليس في لغة العرب، ويؤدّي أيضاً إلى صيرورة الاسم والمسمى واحداً.

فإن اعترضت عليه بأنه قول مقول على وجه الدهر وأنه لا سبيل إلى ردّه، أجابك بأن له محملاً سوى ما يذهب إليه، وأنه نظير قول الناس: فلان يروي: قفا نبك، وعفت الديار.

ويقول الرجل لصاحبه: ما قرأت؟

فيقول: ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ و ﴿ بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ [التوبة: 1] و ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم ﴾ [النساء: 11] و ﴿ الِلَّهِ نُورُ السماوات والأرض ﴾ [النور: 35] .

وليست هذه الجمل بأسامي هذه القصائد وهذه السور والآي، وإنما تعني رواية القصيدة التي ذاك استهلالها، وتلاوة السورة أو الآية التي تلك فاتحتها.

فلما جرى الكلام على أسلوب من يقصد التسمية، واستفيد منها ما يستفاد من التسمية، قالوا ذلك على سبيل المجاز دون الحقيقة.

وللمجيب عن الاعتراضين على الوجه الأول أن يقول: التسمية بثلاثة أسماء فصاعداً مستنكرة لعمري وخروج عن كلام العرب، ولكن إذا جعلت إسماً واحداً على طريقة حضرموت، فأما غير مركبة منثورة نثر أسماء العدد فلا استنكار فيها؛ لأنها من باب التسمية بما حقه أن يحكى حكاية، كما سموا: بتأبط شراً، وبرق نحره، وشاب قرناها.

وكما لو سمي: بزيد منطلق، أو بيت شعر.

وناهيك بتسوية سيبويه بين التسمية بالجملة والبيت من الشعر، وبين التسمية بطائفة من أسماء حروف المعجم، دلالة قاطعة على صحة ذلك.

وأما تسمية السورة كلها بفاتحتها، فليست بتصيير الاسم والمسمى واحداً، لأنها تسمية مؤلف بمفرده، والمؤلف غير المفرد.

ألا ترى أنهم جعلوا اسم الحرف مؤلفاً منه ومن حرفين مضمومين إليه، كقولهم: صاد، فلم يكن من جعل الاسم والمسمى واحداً حيث كان الاسم مؤلفاً والمسمى مفرداً.

الوجه الثالث: أن ترد السور مصدّرَةً بذلك ليكون أوّل ما يقرع الأسماع مستقلاً بوجه من الإعراب، وتقدمة من دلائل الإعجاز.

وذلك أنّ النطق بالحروف أنفسها كانت العرب فيه مستوية الأقدام: الأميون منهم وأهل الكتاب، بخلاف النطق بأسامي الحروف.

فإنه كان مختصاً بمن خط وقرأ وخالط أهل الكتاب وتعلم منهم، وكان مستغرباً مستبعداً من الأمي التكلم بها استبعاد الخط والتلاوة، كما قال عز وجل: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كتاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارتاب المبطلون ﴾ [العنكبوت: 48] .

فكان حكم النطق بذلك مع اشتهار أنه لم يكن ممن اقتبس شيئاً من أهله حكم الأقاصيص المذكورة في القرآن، التي لم تكن قريش ومن دان بدينها في شيء من الإحاطة بها، في أن ذلك حاصل له من جهة الوحي، وشاهد بصحة نبوته، وبمنزلة أن يتكلم بالرطانة من غير أن يسمعها من أحد.

واعلم أنك إذا تأملت ما أورده الله عز سلطانه في الفواتح من هذه الأسماء.

وجدتها نصف أسامي حروف المعجم أربعة عشر سواء، وهي: الألف، واللام، والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والطاء، والسين، والحاء، والقاف، والنون في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم.

ثم إذا نظرت في هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف، بيان ذلك أن فيها من المهموسة نصفها: الصاد، والكاف، والهاء، والسين، والحاء.

ومن المجهورة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والعين، والطاء، والقاف، والياء، والنون.

ومن الشديدة نصفها: الألف، والكاف، والطاء، والقاف.

ومن الرخوة نصفها: اللام، والميم، والراء، والصاد، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والياء، والنون.

ومن المطبقة نصفها: الصاد، والطاء.

ومن المنفتحة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والكاف، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والقاف، والياء، والنون.

ومن المستعلية نصفها: القاف، والصاد، والطاء.

ومن المنخفضة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والسين، والحاء، والنون.

ومن حروف القلقلة نصفها: القاف، والطاء.

ثم إذا استقريت الكلم وتراكيبها، رأيت الحروف التي ألغى الله ذكرها من هذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها، فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته.

وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله، وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته، فكأن الله عز اسمه عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم، إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم وإلزام الحجة إياهم.

ومما يدل على أنه تغمد بالذكر من حروف المعجم أكثرها وقوعاً في تراكيب الكلم، أن الألف واللام لما تكاثر وقوعهما فيها جاءتا في معظم هذه الفواتح مكرّرتين.

وهي: فواتح سورة البقرة، وآل عمران، والروم، والعنكبوت، ولقمان، والسجدة، والأعراف، والرعد، ويونس، وإبراهيم، وهود، ويوسف، والحجر.

فإن قلت: فهلا عدّدت بأجمعها في أوّل القرآن؟

وما لها جاءت مفرقة على السور؟

قلت: لأنّ إعادة التنبيه على أنّ المتحدّى به مؤلف منها لا غير، وتجديده في غير موضع واحد أوصل إلى الغرض وأقرّ له في الأسماع والقلوب من أن يفرد ذكره مرة، وكذلك مذهب كل تكرير جاء في القرآن فمطلوب به تمكين المكرر في النفوس وتقريره.

فإن قلت: فهلا جاءت على وتيرة واحدة؟

ولم اختلفت أعداد حروفها فوردت ص وق ون على حرف، وطه وطس ويس وحم على حرفين، والم والر وطسم على ثلاثة أحرف، والمص والمر على أربعة أحرف، وكهيعص وحم عسق على خمسة أحرف؟

قلت: هذا على إعادة افتنانهم في أساليب الكلام، وتصرفهم فيه على طرق شتى ومذاهب متنوّعة.

وكما أن أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف لم تتجاوز ذلك، سلك بهذه الفواتح ذلك المسلك.

فإن قلت: فما وجه اختصاص كل سورة بالفاتحة التي اختصت بها؟

قلت: إذا كان الغرض هو التنبيه والمبادئ كلها في تأدية هذا الغرض سواء لا مفاضلة كان تطلب وجه الاختصاص ساقطاً، كما إذا سمى الرجل بعض أولاده زيداً والآخر عمراً، لم يقل له: لم خصصت ولدك هذا بزيد وذاك بعمرو؟

لأنّ الغرض هو التمييز وهو حاصل أية سلك؛ ولذلك لا يقال: لم سمي هذا الجنس بالرجل وذاك بالفرس؟

ولم قيل للاعتماد الضرب؟

وللانتصاب القيام؟

ولنقيضه القعود؟

فإن قلت: ما بالهم عدّوا بعض هذه الفواتح آية دون بعض؟

قلت: هذا علم توقيفي لا مجال للقياس فيه كمعرفة السور.

أمّا الم فآية حيث وقعت من السور المفتتحة بها.

وهي ست.

وكذلك المص آية، والمر لم تعدّ آية، والر ليست بآية في سورها الخمس، وطسم آية في سورتيها، وطه ويس آيتان، وطس ليست بآية، وحم آية في سورها كلها، وحم عسق آيتان، وكهيعص آية واحدة، وص وق ون ثلاثتها لم تعدّ آية.

هذا مذهب الكوفيين ومن عداهم، لم يعدّوا شيئاً منها آية.

فإن قلت: فكيف عدّ ما هو في حكم كلمة واحدة آية؟

قلت: كما عدّ الرحمن وحده ومدهامّتان وحدها آيتين على طريق التوقيف.

فإن قلت: ما حكمها في باب الوقف؟

قلت: يوقف على جميعها وقف التمام إذا حملت على معنى مستقل غير محتاج إلى ما بعده، وذلك إذا لم تجعل أسماء للسور ونعق بها كما ينعق بالأصوات أو جعلت وحدها أخبار ابتداء محذوف كقوله عز قائلاً: (الم الله) أي هذه الم ثم ابتدأ فقال: ﴿ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ [آل عمران: 1- 2].

فإن قلت: هل لهذه الفواتح محل من الإعراب؟

قلت: نعم لها محل فيمن جعلها أسماء للسور لأنها عنده كسائر الأسماء الأعلام.

فإن قلت: ما محلها؟

قلت: يحتمل الأوجه الثلاثة، أما الرفع: فعلى الابتداء، وأما النصب والجرّ، فلما مرّ من صحة القسم بها وكونها بمنزلة: الله والله على اللغتين.

ومن لم يجعلها أسماء للسور، لم يتصوّر أن يكون لها محل في مذهبه، كما لا محل للجمل المبتدأ وللمفردات المعدّدة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ البَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ وآيُها مِائَتانِ وسَبْعٌ وثَمانُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الم ﴾ وسائِرُ الألْفاظِ الَّتِي يُتَهَجّى بِها، أسْماءٌ مُسَمَّياتُها الحُرُوفُ الَّتِي رُكِّبَتْ مِنها الكَلِمُ لِدُخُولِها في حَدِّ الِاسْمِ، واعْتِوارِ ما يُخَصُّ بِهِ مِنَ التَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ والجَمْعِ والتَّصْغِيرِ ونَحْوَ ذَلِكَ عَلَيْها، وبِهِ صَرَّحَ الخَلِيلُ وأبُو عَلِيٍّ.

وما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «مَن قَرَأ حَرْفًا مِن كِتابِ اللَّهِ فَلَهُ حَسَنَةُ والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها لا أقُولُ الم حَرْفٌ بَلْ ألِفٌ حَرْفٌ ولامٌ حَرْفٌ ومِيمٌ حَرْفٌ» فالمُرادُ بِهِ غَيْرُ المَعْنى الَّذِي اصْطُلِحَ عَلَيْهِ، فَإنَّ تَخْصِيصَهُ بِهِ عُرْفٌ مُجَدَّدٌ بَلِ المَعْنى اللُّغَوِيُّ، ولَعَلَّهُ سَمّاهُ بِاسْمِ مَدْلُولِهِ.

وَلَمّا كانَتْ مُسَمَّياتُها حُرُوفًا وُحْدانًا وهي مُرَكَّبَةٌ، صُدِّرَتْ بِها لِتَكُونَ تَأْدِيَتُها بِالمُسَمّى أوَّلَ ما يَقْرَعُ السَّمْعَ، واسْتُعِيرَتِ الهَمْزَةُ مَكانَ الألِفِ لِتَعَذُّرِ الِابْتِداءِ بِها وهي ما لَمْ تَلِها العَوامِلُ مَوْقُوفَةٌ خالِيَةٌ عَنِ الإعْرابِ لِفَقْدِ مُوجِبِهِ ومُقْتَضِيهِ، لَكِنَّها قابِلَةٌ إيّاهُ ومُعَرَّضَةٌ لَهُ إذْ لَمْ تُناسِبْ مَبْنى الأصْلِ ولِذَلِكَ قِيلَ: (ص) و (ق) مَجْمُوعًا فِيهِما بَيْنَ السّاكِنَيْنِ ولَمْ تُعامَلْ مُعامَلَةَ أيْنَ وهَؤُلاءِ.

ثُمَّ إنَّ مُسَمَّياتِها لَمّا كانَتْ عُنْصُرَ الكَلامِ وبَسائِطَهُ الَّتِي يَتَرَكَّبُ مِنها.

افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِطائِفَةٍ مِنها إيقاظًا لِمَن تَحَدّى بِالقُرْآنِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ أصْلَ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ كَلامٌ مَنظُومٌ مِمّا يَنْظِمُونَ مِنهُ كَلامَهُمْ، فَلَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَما عَجَزُوا عَنْ آخِرِهِمْ مَعَ تَظاهُرِهِمْ وقُوَّةِ فَصاحَتِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِما يُدانِيهِ، ولِيَكُونَ أوَّلَ ما يَقْرَعُ الأسْماعَ مُسْتَقِلًّا بِنَوْعٍ مِنَ الإعْجازِ، فَإنَّ النُّطْقَ بِأسْماءِ الحُرُوفِ مُخْتَصٌّ بِمَن خَطَّ ودَرَسَ، فَأمّا مِنَ الأُمِّيِّ الَّذِي لَمْ يُخالِطِ الكِتابَ فَمُسْتَبْعَدٌ مُسْتَغْرَبٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ كالكِتابَةِ والتِّلاوَةِ سِيَّما وقَدْ راعى في ذَلِكَ ما يَعْجِزُ عَنْهُ الأدِيبُ الأرِيبُ الفائِقُ في فَنِّهِ، وهو أنَّهُ أوْرَدَ في هَذِهِ الفَواتِحِ أرْبَعَةَ عَشَرَ اسْمًا هي نِصْفُ أسامِيِّ حُرُوفِ المُعْجَمِ، إنْ لَمْ يُعَدَّ فِيها الألِفُ حَرْفًا بِرَأْسِها في تِسْعٍ وعِشْرِينَ سُورَةً بِعَدَدِها إذا عُدَّ فِيها الألِفُ الأصْلِيَّةُ مُشْتَمِلَةً عَلى أنْصافِ أنْواعِها، فَذَكَرَ مِنَ المَهْمُوسَةِ وهي ما يَضْعُفُ الِاعْتِمادُ عَلى مَخْرَجِهِ ويَجْمَعُها (سَتَشْحَثُكَ خَصَفَهُ) نِصْفُها الحاءُ والكافُ والهاءُ والصّادُ والسِّينُ والكافُ، ومِنَ البَواقِي المَجْهُورَةِ نِصْفُها يَجْمَعُهُ (لَنْ يُقْطَعَ أمْرٌ) .

ومِنَ الشَّدِيدَةِ الثَّمانِيَةِ المَجْمُوعَةِ في (أجَدْتَ طَبَقَكَ) أرْبَعَةٌ يَجْمَعُها (أقَطَكَ) .

ومِنَ البَواقِي الرَّخْوَةِ عَشْرَةٌ يَجْمَعُها « خَمْسٌ» عَلى نَصْرِهِ، ومِنَ المُطْبَقَةِ الَّتِي هي الصّادُ والضّادُ والطّاءُ والظّاءُ نِصْفُها، ومِنَ البَواقِي المُنْفَتِحَةِ نِصْفُها، ومِنَ القَلْقَلَةِ وهِيَ: حُرُوفٌ تَضْطَرِبُ عِنْدَ خُرُوجِها ويَجْمَعُها (قد طبج) نِصْفُها الأقَلُّ لِقِلَّتِها، ومِنَ اللَّيِّنَتَيْنِ الياءُ لِأنَّها أقَلُّ ثِقْلًا، ومِنَ المُسْتَعْلِيَةِ وهِيَ: الَّتِي يَتَصَعَّدُ الصَّوْتُ بِها في الحَنَكِ الأعْلى، وهي سَبْعَةٌ: القافُ والصّادُ والطّاءُ والخاءُ والغَيْنُ والضّادُ والظّاءُ نِصْفُها الأقَلُّ، ومِنَ البَواقِي المُنْخَفِضَةِ نِصْفُها، ومِن حُرُوفِ البَدَلِ وهي أحَدَ عَشَرَ عَلى ما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، واخْتارَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ ويَجْمَعُها (أجِدُ طَوَيْتُ) مِنها السِّتَّةُ الشّائِعَةُ المَشْهُورَةُ الَّتِي يَجْمَعُها (أهطمين) وقَدْ زادَ بَعْضُهم سَبْعَةً أُخْرى وهي اللّامُ في (أصِيلالَ) والصّادُ والزّايُ في (صِراطٍ وزِراطٍ) والفاءُ في (أجْدافٍ) والعَيْنُ في (أعَنَ) والثّاءُ في (ثروغ الدَّلْو) والباءُ في « بِاسْمِكَ» حَتّى صارَتْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ وقَدْ ذُكِرَ مِنها تِسْعَةٌ السِّتَّةُ المَذْكُورَةُ واللّامُ والصّادُ والعَيْنُ.

ومِمّا يُدْغَمُ في مِثْلِهِ ولا يُدْغَمُ في المُقارِبِ وهي خَمْسَةَ عَشَرَ: الهَمْزَةُ والهاءُ والعَيْنُ والصّادُ والطّاءُ والمِيمُ والياءُ والخاءُ والغَيْنُ والضّادُ والفاءُ والظّاءُ والشِّينُ والزّايُ والواوُ نَصِفُها الأقَلُّ.

ومِمّا يُدْغَمُ فِيهِما وهي الثَّلاثَةَ عَشَرَ الباقِيَةُ نِصْفُها الأكْثَرُ: الحاءُ والقافُ والكافُ والرّاءُ والسِّينُ واللّامُ والنُّونُ لِما في الإدْغامِ مِنَ الخِفَّةِ والفَصاحَةِ، ومِنَ الأرْبَعَةِ الَّتِي لا تُدْغَمُ فِيما يُقارِبُها ويُدْغَمُ فِيها مُقارِبُها وهِيَ: المِيمُ والزّايُ والسِّينُ والفاءُ نَصِفُها.

وَلَمّا كانَتِ الحُرُوفُ الذَّلْقِيَّةُ الَّتِي يُعْتَمَدُ عَلَيْها بِذَلْقِ اللِّسانِ وهي سِتَّةٌ يَجْمَعُها (رُبَّ مُنَفَّلٍ) والحَلْقِيَّةُ الَّتِي هي الحاءُ والخاءُ والعَيْنُ والغَيْنُ والهاءُ والهَمْزَةُ، كَثِيرَةُ الوُقُوعِ في الكَلامِ ذَكَرَ ثُلُثَيْهِما.

ولَمّا كانَتْ أبْنِيَةُ المَزِيدِ لا تَتَجاوَزُ عَنِ السُّباعِيَّةِ ذَكَرَ مِنَ الزَّوائِدِ العَشْرَةِ الَّتِي يَجْمَعُها (اليَوْمَ تَنْساهُ) سَبْعَةَ أحْرُفٍ مِنها تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ، ولَوِ اسْتَقْرَيْتَ الكَلِمَ وتَراكِيبَها وجَدْتَ الحُرُوفَ المَتْرُوكَةَ مِن كُلِّ جِنْسٍ مَكْثُورَةً بِالمَذْكُورَةِ ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَها مُفْرَدَةً وثُنائِيَّةً وثُلاثِيَّةً ورُباعِيَّةً وخُماسِيَّةً، إيذانًا بِأنَّ المُتَحَدّى بِهِ مُرَكَّبٌ مِن كَلِماتِهِمُ الَّتِي أُصُولُها كَلِماتٌ مُفْرَدَةٌ، ومُرَكَّبَةٌ مِن حَرْفَيْنِ فَصاعِدًا إلى الخَمْسَةِ، وذَكَرَ ثَلاثَ مُفْرَداتٍ في ثَلاثِ سُوَرٍ لِأنَّها تُوجَدُ في الأقْسامِ الثَّلاثَةِ: الِاسْمِ والفِعْلِ والحَرْفِ وأرْبَعَ ثُنائِيّاتٍ لِأنَّها تَكُونُ في الحَرْفِ بِلا حَذْفٍ (كَبَلْ)، وفي الفِعْلِ بِحَذْفِ ثِقَلٍ (كَقُلْ) .

وفي الِاسْمِ بِغَيْرِ حَذْفٍ (كَمَنَ)، وبِهِ (كَدَمٍ) في تِسْعِ سُوَرٍ لِوُقُوعِها في كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: فَفي الأسْماءِ مَن وإذْ وذُو.

وفي الأفْعالِ قُلْ وبِعْ وخِفْ.

وفي الحُرُوفِ مِن وإنْ ومُذْ عَلى لُغَةِ مَن جَرَّبَها.

وثَلاثَ ثُلاثِيّاتٍ لِمَجِيئِها في الأقْسامِ الثَّلاثَةِ في ثَلاثَ عَشْرَةَ سُورَةً تَنْبِيهًا عَلى أنَّ أُصُولَ الأبْنِيَةِ المُسْتَعْمَلَةِ ثَلاثَةَ عَشَرَ، عَشَرَةٌ مِنها لِلْأسْماءِ، وثَلاثَةٌ لِلْأفْعالِ، ورُباعِيَّتَيْنِ وخُماسِيَّتَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ لِكُلٍّ مِنهُما أصْلًا: كَجَعْفَرَ وسَفَرْجَلَ، ومُلْحَقًا: كَقَرْدَدَ وجَحَنْفَلَ، ولَعَلَّها فُرِّقَتْ عَلى السُّوَرِ ولَمْ تَعُدَّ بِأجْمَعِها في أوَّلِ القُرْآنِ لِهَذِهِ الفائِدَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن إعادَةِ التَّحَدِّي وتَكْرِيرِ التَّنْبِيهِ والمُبالَغَةِ فِيهِ.

والمَعْنى أنَّ هَذا المُتَحَدّى بِهِ مُؤَلَّفٌ مِن جِنْسِ هَذِهِ الحُرُوفِ.

أوِ المُؤَلَّفُ مِنها، كَذا وقِيلَ: هي أسْماءٌ لِلسُّورِ، وعَلَيْهِ إطْباقُ الأكْثَرِ.

سُمِّيَتْ بِها إشْعارًا بِأنَّها كَلِماتٌ مَعْرُوفَةُ التَّرْكِيبِ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَمْ تَتَساقَطْ مَقْدِرَتُهم دُونَ مُعارَضَتِها، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِأنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ مُفْهِمَةً كانَ الخِطابُ بِها كالخِطابِ بِالمُهْمَلِ والتَّكَلُّمِ بِالزِّنْجِيِّ مَعَ العَرَبِيِّ، ولَمْ يَكُنِ القُرْآنُ بِأسْرِهِ بَيانًا وهُدًى.

ولَما أمْكَنَ التَّحَدِّي بِهِ وإنْ كانَتْ مُفْهِمَةً، فَإمّا أنْ يُرادَ بِها السُّوَرُ الَّتِي هي مُسْتَهَلُّها عَلى أنَّها ألْقابُها، أوْ غَيْرُ ذَلِكَ.

والثّانِي باطِلٌ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ ما وُضِعَتْ لَهُ في لُغَةِ العَرَبِ فَظاهِرٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، أوْ غَيْرَهُ وهو باطِلٌ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ عَلى لُغَتِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ فَلا يُحْمَلُ عَلى ما لَيْسَ في لُغَتِهِمْ.

لا يُقالُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَزِيدَةً لِلتَّنْبِيهِ؟

والدَّلالَةُ عَلى انْقِطاعِ كَلامٍ واسْتِئْنافِ آخَرَ؟

كَما قالَهُ قُطْرُبٌ، أوْ إشارَةً إلى كَلِماتٍ هي مِنها اقْتَصَرَتْ عَلَيْها اقْتِصارَ الشّاعِرِ في قَوْلِهِ: قُلْتُ لَها قِفِي فَقالَتْ قافْ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: الألِفُ آلاءُ اللَّهِ، واللّامُ لَفْظُهُ، والمِيمُ مُلْكُهُ.

وعَنْهُ أنَّ (الر) و (حم) و (ن) مَجْمُوعُها الرَّحْمَنُ.

وعَنْهُ أنَّ (الم) مَعْناهُ: أنا اللَّهُ أعْلَمُ ونَحْوَ ذَلِكَ في سائِرِ الفَواتِحِ.

وعَنْهُ أنَّ الألِفَ مِنَ اللَّهِ، واللّامَ مِن جِبْرِيلَ، والمِيمَ مِن مُحَمَّدٍ أيِ: القُرْآنُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ بِلِسانِ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ إلى مُدَدِ أقْوامٍ وآجالٍ بِحِسابِ الجُمَلِ كَما قالَ أبُو العالِيَةِ مُتَمَسِّكًا بِما رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا أتاهُ اليَهُودُ تَلا عَلَيْهِمُ (الم) البَقَرَةِ.

فَحَسَبُوهُ وقالُوا: كَيْفَ نَدْخُلُ في دِينٍ مُدَّتُهُ إحْدى وسَبْعُونَ سَنَةً، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ  فَقالُوا: فَهَلْ غَيْرَهُ، فَقالَ: (المص) و (الر) و (المر)، فَقالُوا: خَلَطْتَ عَلَيْنا فَلا نَدْرِي بِأيِّها نَأْخُذُ» ..

فَإنَّ تِلاوَتَهُ إيّاها بِهَذا التَّرْتِيبِ عَلَيْهِمْ وتَقْرِيرَهم عَلى اسْتِنْباطِهِمْ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ، وهَذِهِ الدَّلالَةُ وإنْ لَمْ تَكُنْ عَرَبِيَّةً لَكِنَّها لِاشْتِهارِها فِيما بَيْنَ النّاسِ حَتّى العَرَبِ تُلْحِقُها بِالمُعَرَّباتِ كالمِشْكاةِ والسِّجِّيلِ والقِسْطاسِ، أوْ دَلالَةٌ عَلى الحُرُوفِ المَبْسُوطَةِ مُقْسِمًا بِها لِشَرَفِها مِن حَيْثُ إنَّها بَسائِطُ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى ومادَّةُ خِطابِهِ.

هَذا وإنَّ القَوْلَ بِأنَّها أسْماءُ السُّوَرِ يُخْرِجُها ما لَيْسَ في لُغَةِ العَرَبِ، لِأنَّ التَّسْمِيَةَ بِثَلاثَةِ أسْماءٍ فَصاعِدًا مُسْتَكْرَهٌ عِنْدَهم ويُؤَدِّي إلى اتِّحادِ الِاسْمِ والمُسَمّى، ويَسْتَدْعِي تَأخُّرَ الجُزْءِ عَنِ الكُلِّ مِن حَيْثُ إنَّ الِاسْمَ مُتَأخِّرٌ عَنِ المُسَمّى بِالرُّتْبَةِ، لِأنّا نَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الألْفاظَ لَمْ تُعْهَدْ مَزِيدَةً لِلتَّنْبِيهِ والدَّلالَةِ عَلى الِانْقِطاعِ والِاسْتِئْنافِ يَلْزَمُها وغَيْرَها مِن حَيْثُ إنَّها فَواتِحُ السُّوَرِ، ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ أنْ لا يَكُونَ لَها مَعْنًى في حَيِّزِها ولَمْ تُسْتَعْمَلْ لِلِاخْتِصارِ مِن كَلِماتٍ مُعَيَّنَةٍ في لُغَتِهِمْ، أمّا الشِّعْرُ فَشاذٌّ، وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، فَتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ مَنبَعُ الأسْماءِ ومَبادِئُ الخِطابِ وتَمْثِيلٌ بِأمْثِلَةٍ حَسَنَةٍ، ألا تَرى أنَّهُ عَدَّ كُلَّ حَرْفٍ مِن كَلِماتٍ مُتَبايِنَةٍ لا تَفْسِيرَ، وتَخْصِيصٌ بِهَذِهِ المَعانِي دُونَ غَيْرِها إذْ لا مُخَصَّصَ لَفْظًا ومَعْنًى ولا بِحِسابِ الجُمَلِ فَتَلْحَقُ بِالمُعَرَّباتِ، والحَدِيثُ لا دَلِيلَ فِيهِ، لِجَوازِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَبَسَّمَ تَعَجُّبًا مِن جَهْلِهِمْ، وجَعَلَها مُقْسَمًا بِها وإنْ كانَ غَيْرَ مُمْتَنَعٍ لَكِنَّهُ يُحْوِجُ إلى إضْمارِ أشْياءَ لا دَلِيلَ عَلَيْها، والتَّسْمِيَةُ بِثَلاثَةِ أسْماءٍ إنَّما تَمْتَنِعُ إذا رُكِّبَتْ وجُعِلَتِ اسْمًا واحِدًا عَلى طَرِيقَةِ بَعْلَبَكَّ، فَأمّا إذا نُثِرَتْ نَثْرَ أسْماءِ العَدَدِ فَلا، وناهِيكَ بِتَسْوِيَةِ سِيبَوَيْهِ بَيْنَ التَّسْمِيَةِ بِالجُمْلَةِ والبَيْتِ مِنَ الشِّعْرِ وطائِفَةٍ مِن أسْماءِ حُرُوفِ المُعْجَمِ، والمُسَمّى هو مَجْمُوعُ السُّورَةِ والِاسْمُ جُزْؤُها فَلا اتِّحادَ، وهو مُقَدَّمٌ مِن حَيْثُ ذاتُهُ مُؤَخَّرٌ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ اسْمًا، فَلا دَوْرَ لِاخْتِلافِ الجِهَتَيْنِ.

والوَجْهُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ وأوْفَقُ لِلطّائِفِ التَّنْزِيلِ وأسْلَمُ مِن لُزُومِ النَّقْلِ ووُقُوعِ الِاشْتِراكِ في الأعْلامِ مِن واضِعٍ واحِدٍ فَإنَّهُ يَعُودُ بِالنَّقْضِ عَلى ما هو مَقْصُودٌ بِالعِلْمِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّها أسْماءُ القُرْآنِ ولِذَلِكَ أخْبَرَ عَنْها بِالكِتابِ والقُرْآنِ.

وَقِيلَ: إنَّها أسْماءٌ لِلَّهِ تَعالى ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ كانَ يَقُولُ: يا (كهيعص)، ويا (حم عسق)، ولَعَلَّهُ أرادَ يا مَنزِلَهُما.

وَقِيلَ الألِفُ: مِن أقْصى الحَلْقِ وهو مَبْدَأُ المَخارِجِ، واللّامُ: مِن طَرَفِ اللِّسانِ وهو أوْسَطُها، والمِيمُ: مِنَ الشَّفَةِ وهو آخِرُها جَمَعَ بَيْنَها إيماءً إلى أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أوَّلُ كَلامِهِ وأوْسَطُهُ وآخِرُهُ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى.

وَقِيلَ: إنَّهُ سِرٌّ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وقَدْ رُوِيَ عَنِ الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحابَةِ ما يَقْرُبُ مِنهُ، ولَعَلَّهم أرادُوا أنَّها أسْرارٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ورُمُوزٌ لَمْ يَقْصِدْ بِها إفْهامَ غَيْرِهِ إذْ يَبْعُدُ الخِطابُ بِما لا يُفِيدُ.

فَإنْ جَعَلْتَها أسْماءَ اللَّهِ تَعالى، أوِ القُرْآنِ، أوِ السُّوَرِ كانَ لَها حَظٌّ مِنَ الإعْرابِ إمّا الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، أوِ الخَبَرِ، أوِ النُّصْبُ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ القَسَمِ عَلى طَرِيقَةِ اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ بِالنَّصْبِ أوْ غَيْرِهِ كَما ذُكِرَ، أوِ الجَرُّ عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ، ويَتَأتّى الإعْرابُ لَفْظًا والحِكايَةُ فِيما كانَتْ مُفْرَدَةً أوْ مُوازِنَةً لِمُفْرَدٍ كَ (حم) فَإنَّها كَهابِيلَ، والحِكايَةُ لَيْسَتْ إلّا فِيما عَدا ذَلِكَ، وسَيَعُودُ إلَيْكَ ذِكْرُهُ مُفَصَّلًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وإنْ أبْقَيْتَها عَلى مَعانِيها فَإنْ قُدِّرَتَ بِالمُؤَلَّفِ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ كانَ في حَيِّزِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ أوِ الخَبَرِ عَلى ما مَرَّ، وإنْ جَعَلْتَها مُقْسَمًا بِها يَكُونُ كُلُّ كَلِمَةٍ مِنها مَنصُوبًا أوْ مَجْرُورًا عَلى اللُّغَتَيْنِ في اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ، وتَكُونُ جُمْلَةً قَسَمِيَّةً بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ لَهُ، وإنْ جَعَلْتَها أبْعاضَ كَلِماتٍ أوْ أصْواتًا مُنَزَّلَةً مَنزِلَةَ حُرُوفِ التَّنْبِيهِ لَمْ يَكُنْ لَها مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ كالجُمَلِ المُبْتَدَأةِ والمُفْرَداتِ المَعْدُودَةِ ويُوقَفُ عَلَيْها وقْفَ التَّمامِ إذا قُدِّرَتْ بِحَيْثُ لا تَحْتاجُ إلى ما بَعْدَها، ولَيْسَ شَيْءٌ مِنها آيَةً عِنْدَ غَيْرِ الكُوفِيِّينَ.

وأمّا عِنْدَهم فَ (الم) في مَواقِعِها، و (المص) و (كهيعص) و (طه) و (طسم) و (طس) و (يس) و (حم) آيَةٌ، و (حم عسق) آيَتانِ، والبَواقِي لَيْسَتْ بِآياتٍ وهَذا تَوْقِيفٌ لا مَجالَ لِلْقِياسِ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

الم (١)

{الم} ونظائرها أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة التي منها ركبت الكلم فالقاف تدل على أول حروف قال والألف تدل على أوسط حروف قال واللام تدل على الحرف الأخير منه وكذلك ما أشبهها والدليل على أنها أسماء أن كلاً منها يدل على معنى في نفسه ويتصرف فيها بالإمالة والتفخيم وبالتعريف والتنكير والجمع والتصغير وهي معربة وإنما سكنت سكون زيد وغيره من الأسماء حيث لا يمسها إعراب لفقد مقتضيه وقيل إنها مبنية كالأصوات نحو غاق في حكاية صوت الغراب ثم الجمهور على أنها أسماء السور وقال ابن عباس رضى الله عنهما أقسم الله بهذه الحروف وقال ابن مسعود رضى الله عنه إنها اسم الله الأعظم وقيل إنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله وما سميت معجمة إلا لإعجامها وإبهامها وقيل ورود هذه الأسماء على نمط التعديد كالإيقاظ لمن تحدى بالقران وكالتحريك للنظر في أن هذا المتلو عليهم وقد عجزوا عنه من آخرهم كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم ليؤديهم النظر إلى أن يستيقنوا إن لم تتساقط مقدرتهم دونه ولم يظهر عجزهم عن أن

يأتوا بمثله بعد المراجعات المتطاولة وهم أمراء الكلام إلا لأنه ليس من كلام البشر وأنه كلام خالق القوى والقدر وهذا القول من الخلاقة بالقبول بمنزل وقيل إنما وردت السور مصدرة بذلك ليكون أول ما يقرع الأسماع مستقلاً بوجه من الإغراب وتقدمة من دلائل الإعجاز وذلك أن النطق بالحروف أنفسها كانت العرب فيه مستوية الأقدام الأميّون منهم وأهل الكتاب بخلاف النطق بأسامى الحروف

فإنه مختص بمن خط وقرأ وخالط أهل الكتاب وتعلم منهم وكان مستعبدا من الأمي التكلم بها استبعاد الخط والتلاوة فكان حكم النطق بذلك مع اشتهار أنه لم يكن ممن اقتبس شيئاً من أهله حكم الأقاصيص المذكورة في القرآن التي لم تكن قريش ومن يضاهيهم في شيء من الإحاطة بها في أن ذلك حاصل له من جهة الوحي وشاهد لصحة نبوته واعلم أن المذكور في الفواتح نصف أسامي حروف المعجم وهي الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم وهي مشتملة على أنصاف أجناس الحروف فمن المهموسة نصفها الصاد والكاف والهاء والسين والحاء ومن المجهورة نصفها الألف واللام والميم والراء والعين والطاء والقاف والياء والنون ومن الشديدة نصفها الألف والكاف والطاء والقاف ومن الرخوة نصفها اللام والميم والراء والصاد والهاء والعين والسين والحاء والياء والنون ومن المطبقة نصفها الصاد والطاء ومن المفخمة نصفها الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء والعين والسين والحاء والقاف والياءء والنون ومن المستعلية نصفها القاف والصاد والطاء ومن

المنخفضة نصفها الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء والياء والعين والسين والحاء والنون ومن حروف القلقلة نصفها القاف والطاء وغير المذكروة من هذه الأجناس مكثورة بالمذكورة منها وقد علمت أن معظم الشئ ينزل منزلة كله فكأن الله تعالى عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم إشارة إلى ما مر من التبكيت لهم وإلزام الحجة إياهم وإنما جاءت مفرقة على السور لأن إعادة التنبيه على المتحدى به مؤلفاً منها لا غير أوصل إلى الغرض وكذا كل تكرير ورد في القرآن فالمطلوب منه تمكين المكرر في النفوس وتقريره ولم يجئ على وتيرة واحدة بل اختلفت أعداد حروفها مثل ص وق ون وطه وطس ويس وحم والم والر وطسم والمص والمر وكهيعص وحم عسق فوردت على حرف وحرفين وثلاثة وأربعة وخمسة كعادة افتنانهم في الكلام وكما أن أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف فسلك في الفواتح هذا المسلك والم آية حيث وقعت وكذا المص آية والمر لم تعد آية وكذا الر لم تعد آية فى سورها الخمس وطسم آية فى سورتها وطه ويسس آيتان وطس ليست بآية فى وحم آية فى سورها كلها وحم عسق آيتان وكهعيص آية وص ون وق ثلاثها لم تعد آية وهذا عند الكوفيين ومن عداهم لم يعد شيئاً منها آية وهذا علم

توقيفي لا مجال للقياس فيه كمعرفة السور ويوقف على جميعها وقف التمام إذا حملت على معنى مستقل غير محتاج إلى ما بعده وذلك إذا لم تجعل أسماء للسور ونعق بها كما ينعق بالأصوات أو جعلت وحدها أخبار ابتداء محذوف كقوله الم الله اى هذه الم ثم ابتدأ فقال الله لا إله إلا هو الحى القيوم ولهذه الفواتح محل من الإعراب فيمن جعلها أسماء للسور لأنها عنده كسائر الأسماء الأعلام وهو الرفع على الابتداء أو النصب أو الجر لصحة القسم بها وكونها بمنزلة الله والله على اللغتين ومن لم يجعلها أسماء للسور

لم يتصور أن يكون لها محل في مذهبه كما لا محل للجملة المبتدأة

البقرة (٢)

وللمفردات المعدودة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

2- سُورَةُ البَقَرَةِ هَذا هو الِاسْمُ المَشْهُورُ، وفي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هَذا مَقامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ، وهو مُعارِضٌ لِما رُوِيَ مِن مَنعِ ذَلِكَ، وتَعَيَّنَ أنْ يُقالَ: السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها البَقَرَةُ، وكَذا في سُوَرِ القُرْآنِ كُلِّهِ، ومِن ثَمَّةَ أجازَ الجُمْهُورُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ كَراهَةٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُوَفَّقَ بِأنَّهُ كانَ مَكْرُوهًا في بَدْءِ الإسْلامِ لِاسْتِهْزاءِ الكُفّارِ، ثُمَّ بَعْدَ سُطُوعِ نُورِهِ نُسِخَ النَّهْيُ عَنْهُ، فَشاعَ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ بَيانًا لِجَوازِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ عَلى هَذا، وكانَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ يُسَمِّيها فُسْطاطَ القُرْآنِ، ووَرَدَ في حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ، وذَلِكَ لِعَظَمِها، ولِما جُمِعَ فِيها مِنَ الأحْكامِ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ في غَيْرِها، حَتّى قالَ بَعْضُ الأشْياخِ: إنَّ فِيها ألْفَ أمْرٍ، وألْفَ نَهْيٍ، وألْفَ خَبَرٍ، قِيلَ: وفِيها خَمْسَةَ عَشَرَ مَثَلًا، ولِهَذا أقامَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ثَمانِيَ سِنِينَ عَلى تَعَلُّمِها، ووَرَدَ في حَدِيثِ المُسْتَدْرَكِ تَسْمِيَتُها سَنامَ القُرْآنِ، وسَنامُ كُلِّ شَيْءٍ أعْلاهُ، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ أيْضًا، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(أيُّ القُرْآنِ أفْضَلُ؟

فَقالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: سُورَةُ البَقَرَةِ، ثُمَّ قالَ: وأيُّها أفْضَلُ؟

قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: آيَةُ الكُرْسِيِّ)،» وهي مَدَنِيَّةٌ، وآياتُها مِائَتانِ وسَبْعٌ وثَمانُونَ عَلى المَشْهُورِ، وقِيلَ: سِتٌّ وثَمانُونَ، وفِيها آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ﴾ وقَدْ نَزَلَتْ في حَجَّةِ الوَداعِ، يَوْمَ النَّحْرِ، ولا تَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِها مَدَنِيَّةً، كَما لا يَخْفى، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِسُورَةِ الفاتِحَةِ أنَّ الفاتِحَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى بَيانِ الرُّبُوبِيَّةِ أوَّلًا، والعُبُودِيَّةِ ثانِيًا، وطَلَبِ الهِدايَةِ في المَقاصِدِ الدِّينِيَّةِ، والمَطالِبِ اليَقِينِيَّةِ ثالِثًا، وكَذا سُورَةُ البَقَرَةِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى بَيانِ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ أوَّلًا، كَما في ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ﴾ وأمْثالِهِ، وعَلى العِباداتِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها ثانِيًا، وعَلى طَلَبِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في العاجِلِ والآجِلِ آخِرًا، وأيْضًا في آخِرِ الفاتِحَةِ طَلَبُ الهِدايَةِ، وفي أوَّلِ البَقَرَةِ إيماءٌ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ولَمّا افْتَتَحَ سُبْحانَهُ الفاتِحَةَ بِالأمْرِ الظّاهِرِ، وكانَ وراءَ كُلِّ ظاهِرٍ باطِنٌ افْتَتَحَ هَذِهِ السُّورَةَ بِما بَطَنَ سِرُّهُ وخَفِيَ إلّا عَلى مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى أمْرُهُ، فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿ الم ﴾ هي وسائِرُ الألْفاظِ الَّتِي يُتَهَجّى بِها (كَبا تا ثا)، أسْماءٌ مُسَمَّياتُها الحُرُوفُ المَبْسُوطَةُ الَّتِي رُكِّبَتْ مِنها الكَلِمَةُ لِصِدْقِ حَدِّ الِاسْمِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، واعْتِوارِ خَواصِّهِ المُجْمَعِ عَلَيْها عَلى كُلٍّ مِنها، ويُحْكى عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ سَألَ أصْحابَهُ: كَيْفَ تَنْطِقُونَ في الباءِ مِن: ضَرَبَ، والكافِ مِن: لَكَ؟

فَقالُوا: باءٌ كافٌ، فَقالَ: إنَّما جِئْتُمْ بِالِاسْمِ لا الحَرْفِ وأنا أقُولُ: (بَهْ - كَهْ)، وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «(مَن قَرَأ حَرْفًا مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها، لا أقُولُ: (الم) حَرْفٌ، ولَكِنْ ألِفٌ حَرْفٌ، ولامٌ حَرْفٌ ومِيمٌ حَرْفٌ)،» فالمُرادُ بِهِ غَيْرُ المُصْطَلَحِ، إذْ هو عُرْفٌ جَدِيدٌ، بَلِ المَعْنى اللُّغَوِيُّ، وهو واحِدُ حُرُوفِ المَبانِي، فَمَعْنى: (ألِفٌ حَرْفٌ) إلَخْ، مُسَمّى ألِفٍ، وهَكَذا، ولَعَلَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَمّى ذَلِكَ حَرْفًا بِاسْمِ مَدْلُولِهِ، فَهو مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لَهُ، وما قِيلَ: إنَّهُ سَمّاهُ حَرْفًا مَجازًا لِكَوْنِهِ اسْمَ الحَرْفِ، وإطْلاقُ أحَدِ المُتَلازِمَيْنِ عَلى الآخَرِ مَجازٌ مَشْهُورٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإنْ أُرِيدَ مِن (ألَمْ) مُفْتَتَحَ سُورَةِ الفِيلِ، يَكُونُ المُرادُ أيْضًا مِنهُ مُسَمّاهُ، وتَكُونُ الحَسَناتُ ثَلاثِينَ، وفائِدَةُ النَّفْيِ دَفْعُ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالحَرْفِ فِيمَن قَرَأ حَرْفًا الكَلِمَةَ، وإنْ أُرِيدَ نَحْوُ ما هُنا فالمُرادُ نَفْسُهُ، ويَكُونُ عَدَدُ الحَسَناتِ حِينَئِذٍ تِسْعِينَ، وفائِدَةُ الِاسْتِئْنافِ دَفْعُ أنْ يُرادَ بِالحَرْفِ الجُمْلَةُ المُسْتَقِلَّةُ، كَما في الإبانَةِ لِأبِي نَصْرٍ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آخِرُ حَرْفٍ عارَضَ بِهِ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ الم ﴾ ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ والمَعْنى: لا أقُولُ أنَّ مَجْمُوعَ الأسْماءِ الثَّلاثَةِ: حَرْفٌ، بَلْ مُسَمّى كُلٍّ مِنها حَرْفٌ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ تِلْكَ الحُرُوفَ مِن حَيْثُ إنَّها أجْزاءٌ، بِأنْ يُقابَلَ ألِفُ حَرْفٍ ولامُ حَرْفِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ في عَدَدِ الحَسَناتِ الحُرُوفُ المَقْرُوءَةُ الَّتِي هي المُسَمَّياتُ، سَواءٌ كانَتْ أجْزاءً لَها، أوْ لِكَلِماتٍ أُخَرَ، لا مِن حَيْثُ إنَّها أجْزاءٌ لِتِلْكَ الأسْماءِ، فَيَكُونُ عَدَدُ الحَسَناتِ في نَحْوِ ضَرْبِ ثَلاثِينَ.

والحاصِلُ أنَّ الحُرُوفَ المَذْكُورَةَ مِن حَيْثُ إنَّها مُسَمَّياتُ تِلْكَ الأسْماءِ أجْزاءٌ لِجَمِيعِ الكَلِمِ مُفْرَدَةً بِقِراءَتِها، ومِن حَيْثُ إنَّها أجْزاءُ تِلْكَ الأسْماءِ لا تَكُونُ مُفْرَدَةً إلّا عِنْدَ قِراءَةِ تِلْكَ الأسْماءِ، والمُعْتَبَرُ في عَدَدِ الحَسَناتِ الِاعْتِبارُ الأوَّلُ دُونَ الثّانِي، ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، ثُمَّ إنَّهم راعَوْا في هَذِهِ التَّسْمِيَةِ لَطِيفَةً حَيْثُ جَعَلُوا المُسَمّى صَدْرَ كُلِّ اسْمٍ لَهُ، كَما قالَهُ ابْنُ جِنِّي، وذَلِكَ لِيَكُونَ تَأْدِيَتُها بِالمُسَمّى أوَّلَ ما يَقْرَعُ السَّمْعَ، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: جِيمٌ، فَأوَّلُ حُرُوفِهِ جِيمٌ، وإذا قُلْتَ: ألِفٌ، فَأوَّلُ حُرُوفِهِ ألِفٌ، الَّتِي نَطَقْتَ بِها هَمْزَةً، ولَمّا لَمْ يُمْكِنْ لِلْواضِعِ أنْ يَبْتَدِئَ بِالألِفِ الَّتِي هي مَدَّةٌ ساكِنَةٌ دَعَمَها بِاللّامِ قَبْلَها مُتَحَرِّكَةً لِيُمْكِنَ الِابْتِداءُ بِها، فَقالُوا: لا كَما - لا - كَما يَقُولُهُ المُعَلِّمُونَ لامٌ ألِفٌ، فَإنَّهُ خَطَأٌ، وخُصَّ اللّامُ بِالدِّعامَةِ لِأنَّهم تَوَصَّلُوا إلى اللّامِ بِأُخْتِها في التَّعْرِيفِ، فَكَأنَّهم قَصَدُوا ضَرْبًا مِنَ المُعارَضَةِ، فالألِفُ هي أوَّلُ حَرْفِ المُعْجَمِ صُورَةُ الهَمْزَةِ في الحَقِيقَةِ، ويُضاهِي هَذا في إيداعِ اللَّفْظِ دِلالَةً عَلى المَعْنى البَسْمَلَةُ، والحَمْدَلَةُ، والحَوْقَلَةُ، وتَسْمِيَةُ النُّحاةِ نَحْتًا، وحُكْمُ أسْماءِ الحُرُوفِ سُكُونُ الأعْجازِ ما لَمْ تَكُنْ مَعْمُولَةً، وهَلْ هي مُعْرَبَةٌ أمْ مَبْنِيَّةٌ أمْ لا؟

ولا خِلافَ مَبْنِيٌّ عَلى الِاخْتِلافِ في تَفْسِيرِ المُعْرَبِ والمَبْنِيِّ، فالخِلافُ لَفْظِيٌّ، ولِلنّاسِ فِيما يَعْشَقُونَ مَذاهِبُ، والبَحْثُ مُسْتَوْفًى في كُتُبِنا النَّحْوِيَّةِ، وقَدْ كَثُرَ الكَلامُ في شَأْنِ أوائِلِ السُّوَرِ، والَّذِي أطْبَقَ عَلَيْهِ الأكْثَرُ وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ أنَّها أسْماءٌ لَها، وسُمِّيَتْ بِها إشْعارًا بِأنَّها كَلِماتٌ مَعْرُوفَةُ التَّرْكِيبِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَمْ تَتَساقَطْ مَقْدِرَتُهم دُونَ مُعارَضَتِها، وذَلِكَ كَما سَمَّوْا بِلامٍ والِدَ حارِثَةَ بْنِ لامٍ الطّائِيِّ، وبِصادٍّ النَّحّاسَ، وبِقافٍ الجَبَلَ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِأنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ مُفْهِمَةً كانَ الخِطابُ بِها كالخِطابِ بِالمُهْمَلِ، والتَّكَلُّمِ بِالزِّنْجِيِّ، مَعَ العَرَبِيِّ، ولَمْ يَكُنِ القُرْآنُ بِأسْرِهِ بَيانًا وهُدًى، ولَما أمْكَنَ التَّحَدِّي بِهِ، وإنْ كانَتْ مُفْهِمَةً، فَأمّا أنْ يُرادَ بِها السُّوَرُ الَّتِي هي مُسْتَهَلُّها عَلى أنَّها ألْقابُها بِناءً عَلى ذَلِكَ الإشْعارِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، والثّانِي باطِلٌ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ ما وُضِعَتْ لَهُ في لُغَةِ العَرَبِ، وظاهِرٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، أوْ غَيْرُهُ، وهو باطِلٌ، لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ فَلا يُحْمَلُ عَلى ما لَيْسَ في لُغَتِهِمْ، وعُورِضَ بِوُجُوهٍ، الأوَّلُ أنّا نَجِدُ سُوَرًا كَثِيرَةً افْتُتِحَتْ بِـ(الم)، و(حم)، والمَقْصُودُ رَفْعُ الِاشْتِباهِ، الثّانِي لَوْ كانَتْ أسْماءً لَوَرَدَتْ، ولاشْتَهَرَتْ بِها، والشُّهْرَةُ بِخِلافِها كَسُورَةِ البَقَرَةِ، وآلِ عِمْرانَ، الثّالِثُ أنَّ العَرَبَ لَمْ تَتَجاوَزْ ما سَمَّوْا بِهِ مَجْمُوعَ اسْمَيْنِ كَبَعْلَبَكَّ، ولَمْ يُسَمِّ أحَدٌ مِنهم بِمَجْمُوعِ ثَلاثَةِ أسْماءِ وأرْبَعَةٍ وخَمْسَةٍ، فالقَوْلُ بِأنَّها أسْماءُ السُّوَرِ خُرُوجٌ عَنْ لُغَتِهِمُ، الرّابِعُ أنَّهُ يُؤَدِّي إلى اتِّحادِ الِاسْمِ والمُسَمّى، الخامِسُ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ داخِلَةٌ في السُّوَرِ، وجُزْءُ الشَّيْءِ مُتَقَدِّمٌ عَلى الشَّيْءِ بِالرُّتْبَةِ، واسْمُ الشَّيْءِ مُتَأخِّرٌ عَنْهُ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا مُتَأخِّرًا مَعًا، وهو مُحالٌ، وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِما يُجابُ عَنِ الأعْلامِ المُشْتَرَكَةِ مِن أنَّها لَيْسَتْ بِوَضْعٍ واحِدٍ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّهُ ورَدَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(يس قَلْبُ القُرْآنِ)،» و«(مَن قَرَأ (حم) حُفِظَ إلى أنْ يُصْبِحَ)،» وفي السُّنَنِ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَجَدَ في (ص)،» وإذا ثَبَتَ في البَعْضِ ثَبَتَ في الجَمِيعِ، إذْ لا فارِقَ مَعَ أنَّ شُهْرَةَ أحَدِ العَلَمَيْنِ لا يَضُرُّ عَلَمِيَّةَ الآخَرِ، فَكَمْ مِن مُسَمًّى لا يُعْرَفُ اسْمُهُ إلّا بَعْدَ التَّنْقِيرِ لِاشْتِهارِهِ بِغَيْرِهِ كَأبِي هُرَيْرَةَ، وذِي اليَدَيْنِ، وعَدَمُ اشْتِهارِ بَعْضِها لِكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا فَتُرِكَ لِاحْتِياجِهِ إلى ضَمِيمَةٍ، كَـ(الم) هُنا، وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّ التَّسْمِيَةَ بِثَلاثَةِ أسْماءٍ مَثَلًا إنَّما تَمْتَنِعُ إذا رُكِّبَتْ، وجُعِلَتِ اسْمًا واحِدًا، فَأمّا إذا نُثِرَتْ نَثْرَ أسْماءِ الأعْدادِ فَلا، لِأنَّها مِن بابِ التَّسْمِيَةِ بِما حَقُّهُ أنْ يُحْكى.

وقَدْ ورَدَتِ التَّسْمِيَةُ بِثَلاثَةِ ألْفاظٍ، كَشابَ قَرْناها، وسُرَّ مَن رَأى، ودارَبَجَرْدَ، وسِوى سِيبَوَيْهِ بَيَّنَ التَّسْمِيَةَ بِالجُمْلَةِ، والبَيْتِ مِنَ الشِّعْرِ، وطائِفَةٍ مِن أسْماءِ حُرُوفِ المُعْجَمِ، وعَنِ الرّابِعِ بِأنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ مِن تَسْمِيَةِ مُؤَلَّفٍ بِمُفْرَدٍ، والمُفْرَدُ غَيْرُ المُؤَلَّفِ، فَلا اتِّحادَ، ألا تَرى أنَّهم جَعَلُوا اسْمَ الحَرْفِ مُؤَلَّفًا مِنهُ ومِن غَيْرِهِ، (كَصادٍ)، فَهُما مُتَغايِرانِ ذاتًا وصِفَةً، وعَنِ الخامِسِ بِأنَّ تَأخُّرَ ما هو مُتَقَدِّمٌ بِاعْتِبارِ آخَرَ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ، والجُزْءُ مُقَدَّمٌ مِن حَيْثُ ذاتُهُ مُؤَخَّرٌ مِن حَيْثُ وصْفِهِ، وهو الِاسْمِيَّةُ، فَلا مَحْذُورَ، وقالَ بَعْضُهم: كَوْنُها أسْماءَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ لِظُهُورِهِ وعَدَمِ التَّجَوُّزِ فِيهِ، وسَلامَتِهِ، مِمّا يَرُدُّ عَلى غَيْرِهِ، ولِأنَّهُ الأمْرُ المُحَقَّقُ، وأوْفَقُ لِلَطائِفِ التَّنْزِيلِ لِدَلالَتِهِ عَلى الإعْجازِ قَصْدًا، ووُقُوعُ الِاشْتِراكِ في الأعْلامِ مِن واضِعٍ واحِدٍ، فَإنَّهُ يَعُودُ بِالنَّقْضِ عَلى ما هو مَقْصُودُ العَلَمِيَّةِ، وكَلامُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِ لَيْسَ نَصًّا فِيها لِاحْتِمالِ أنَّهم أرادُوا أنَّها جارِيَةٌ مَجْراها، كَما يَقُولُونَ: قَرَأْتُ: بانَتْ سُعادُ، و ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ أيْ ما أوَّلُهُ ذَلِكَ، فَلَمّا غَلَبَ جَرَيانُها عَلى الألْسِنَةِ صارَتْ بِمَنزِلَةِ الأعْلامِ الغالِبَةِ، فَذُكِرَتْ في بابِ العَلَمِ، وأُثْبِتَتْ لَها أحْكامُهُ، عَلى أنَّ ما ذُكِرَ في الِاعْتِراضِ الثّالِثِ مِمّا لا مَحِيصَ عَنْهُ، إذْ عَدَمُ وُجُودِ التَّسْمِيَةِ بِثَلاثَةِ أسْماءٍ وأرْبَعَةٍ وخَمْسَةٍ في كَلامِ العَرَبِ مِمّا لا شَكَّ فِيهِ، وما نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ مُجَرَّدُ قِياسٍ مُحْتاجٍ لِلْإثْباتِ، كَما ذَكَرَهُ السَّيِّدُ السَّنَدُ، هَذا ووَراءَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ أقْوالٌ أخْشى مِن نَقْلِها المَلالَ، والَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ تَحْقِيقَ ذَلِكَ عَلَمٌ مَسْتُورٌ وسِرٌّ مَحْجُوبٌ عَجَزَتِ العُلَماءُ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ إدْراكِهِ، وقَصُرَتْ خُيُولُ الخَيالِ عَنْ لَحاقِهِ، ولِهَذا قالَ الصَّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لِكُلِّ كِتابٍ سِرٌّ، وسِرُّ القُرْآنِ أوائِلُ السُّوَرِ، وقالَ الشَّعْبِيُّ: سِرُّ اللَّهِ تَعالى، فَلا تَطْلُبُوهُ بَيْنَ المُحِبِّينَ سِرٌّ لَيْسَ يُفْشِيهِ قَوْلٌ ولا قَلَمٌ لِلْخَلْقِ يَحْكِيهِ فَلا يَعْرِفُهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ  إلّا الأوْلِياءُ الوَرَثَةُ، فَهم يَعْرِفُونَهُ مِن تِلْكَ الحَضْرَةِ، وقَدْ تَنْطِقُ لَهُمُ الحُرُوفُ عَمّا فِيها، كَما كانَتْ تَنْطِقُ لِمَن سَبَّحَ بِكَفِّهِ الحَصى، وكَلَّمَهُ الضَّبُّ والظَّبْيُ، كَما صَحَّ ذَلِكَ مِن رِوايَةِ أجْدادِنا أهْلِ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، بَلْ مَتى جَنى العَبْدُ ثَمَرَةَ شَجَرَةِ قُرَبِ النَّوافِلِ عَلِمَها، وغَيْرَها بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، وما ذَكَرَهُ المُسْتَدِلُّ سابِقًا مِن أنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ مُفْهِمَةً كانَ الخِطابُ بِها كالخِطابِ بِالمُهْمَلِ إلَخْ، فَمُهْمَلٌ مِنَ القَوْلِ، وإنْ جَلَّ قائِلُهُ لِأنَّهُ إنْ أرادَ إفْهامَ جَمِيعِ النّاسِ، فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُ مَوْجُودٌ في العَلَمِيَّةِ، وإنْ أرادَ إفْهامَ المُخاطَبِ بِها، وهو هُنا الرَّسُولُ  ، فَهو مِمّا لا يَشُكُّ فِيهِ مُؤْمِنٌ، وإنْ أرادَ جُمْلَةً مِنَ النّاسِ فَيا حَيْهَلا، إذْ أرْبابُ الذَّوْقِ يَعْرِفُونَها، وهم كَثِيرُونَ في المُحَمَّدِيِّينَ والحَمْدُ لِلَّهِ نُجُومُ سَماءٍ كُلَّما انْقَضَّ كَوْكَبٌ ∗∗∗ بَدا كَوْكَبٌ تَأوِي إلَيْهِ كَواكِبُهُ وجَهْلُ أمْثالِنا بِالمُرادِ مِنها لا يَضُرُّ فَإنَّ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي كُلِّفْنا بِها ما لا نَعْرِفُ وجْهَ الحِكْمَةِ فِيهِ، كَرَمْيِ الجَمَراتِ، والسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، والرَّمْلِ والِاضْطِّباعِ، والطّاعَةُ في مِثْلِهِ أدَلُّ عَلى كَمالِ الِانْقِيادِ، ونِهايَةِ التَّسْلِيمِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَنا مَن لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ جَلَّ شَأْنُهُ بِما لَمْ نَقِفْ عَلى مَعْناهُ مِنَ الأقْوالِ، ويَكُونُ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ ظُهُورَ كَمالِ الِانْقِيادِ مِنَ المَأْمُورِ لِلْآمِرِ، ونِهايَةَ التَّسْلِيمِ، والِامْتِثالِ لِلْحَكِيمِ القادِرِ.

لَوْ قالَ تِيهًا قِفْ عَلى جَمْرِ الغَضى ∗∗∗ لَوَقَفْتُ مُمْتَثِلًا ولَمْ أتَوَقَّفِ عَلى أنَّ فِيهِ فائِدَةً أُخْرى هي أنَّ الإنْسانَ إذا وقَفَ عَلى المَعْنى، وأحاطَ بِهِ سَقَطَ وقْعُهُ عَنِ القَلْبِ، وإذا لَمْ يَقِفْ عَلى المَقْصُودِ مِنهُ مَعَ القَطْعِ بِأنَّ المُتَكَلِّمَ بِهِ حَكِيمٌ، فَإنَّهُ يَبْقى قَلْبُهُ إلَيْهِ أبَدًا، ومُتَلَفِّتًا نَحْوَهُ سَرْمَدًا، ومُتَفَكِّرًا فِيهِ، وطائِرًا إلى وكْرِهِ بِقُدّامَيْ ذِهْنِهِ، وخَوافِيهِ، وبابُ التَّكْلِيفِ اشْتِغالُ السِّرِّ بِذِكْرِ المَحْبُوبِ، والتَّفَكُّرُ فِيهِ، وفي كَلامِهِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ في بَقاءِ العَبْدِ مُلْتَفِتَ الذِّهْنِ مُشْتَغِلَ الخاطِرِ بِذَلِكَ أبَدًا مَصْلَحَةً عَظِيمَةً، ومِنَّةً مِنهُ عَلَيْهِ جَسِيمَةً، رُبَّما يَرْقى بِواسِطَتِها إلى حَظائِرِ القُدْسِ ومَعالِمِ الأُنْسِ، وأوَّلُ العِشْقِ خَيالٌ، وهَذا لا يُنافِي كَوْنَ القُرْآنِ عَرَبِيًّا مُبِينًا مَثَلًا لِأنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن عَلِمْتَ.

وأمّا التَّحَدِّي فَلَيْسَ بِجَمِيعِ أجْزائِهِ، وكَوْنُ أوَّلِ السُّورَةِ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِمّا يُتَحَدّى بِهِ غَيْرُ مُسْلِمٍ، ومِن عَجائِبِ هَذِهِ الفَواتِحِ أنَّها نِصْفُ حُرُوفِ المُعْجَمِ، عَلى قَوْلٍ، وهي مَوْجُودَةٌ في تِسْعٍ وعِشْرِينَ سُورَةً عَدَدِ الحُرُوفِ كُلِّها، عَلى قَوْلٍ، واشْتَمَلَتْ عَلى أنْصافِ أصْنافِها مِنَ المَهْمُوسَةِ والمَجْهُورَةِ، والشَّدِيدَةِ والمُطْبَقَةِ والمُسْتَعْلِيَةِ والمُنْخَفِضَةِ، وحُرُوفِ القَلْقَلَةِ، وقَدْ تَكَلَّمَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ عَلى سِرِّ عَدَدِ حُرُوفِها بِالتَّكْرارِ، وعَدَدِ حُرُوفِها بِغَيْرِ تَكْرارٍ، وعَلى جُمْلَتِها في السُّوَرِ، وعَلى إفْرادِها في (ص) و(ق) و(ن)، وتَثْنِيَتِها في (يس) و(طه)، وأخَواتِهِما، وجَمْعِها مِن ثَلاثَةٍ فَصاعِدًا، ولِمَ بَلَغَتْ خَمْسَ حُرُوفٍ، ولِمَ وُصِلَ بَعْضُها وقُطِعَ بَعْضٌ، فَقالَ قُدِّسَ سِرُّهُ في فُتُوحاتِهِ أعادَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا مِن طِيبِ نَفَحاتِهِ ما حَصَّلَهُ: اعْلَمْ أنَّ مَبادِيَ السُّوَرِ المَجْهُولَةِ لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَها إلّا أهْلُ الصُّوَرِ المَعْقُولَةِ، فَجَعَلَها تَبارَكَ وتَعالى تِسْعًا وعِشْرِينَ سُورَةً، وهو كَمالُ الصُّورَةِ ﴿ والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ ﴾ والتّاسِعُ والعِشْرُونَ القُطْبُ الَّذِي بِهِ قِوامُ الفَلَكِ، وهو عِلَّةُ وُجُودِهِ، وهو سُورَةُ آلِ عِمْرانَ ﴿ الم ﴾ ﴿ اللَّهُ ﴾ ولَوْلا ذَلِكَ ما ثَبَتَتِ الثَّمانِيَةُ والعِشْرُونَ، وجُمْلَتُها عَلى تَكْرارِ الحُرُوفِ ثَمانِيَةٌ وسَبْعُونَ حَرْفًا، فالثَّمانِيَةُ حَقِيقَةُ البِضْعِ، قالَ: (الإيمانِ بِضْعٌ وسَبْعُونَ)، وهَذِهِ الحُرُوفُ ثَمانِيَةٌ وسَبْعُونَ، فَلا يُكْمِلُ عَبْدٌ أسْرارَ الإيمانِ حَتّى يَعْلَمَ حَقائِقَ هَذِهِ الحُرُوفِ في سُوَرِها، كَما أنَّهُ إذا عَلِمَها مِن غَيْرِ تَكْرارٍ عَلِمَ تَنْبِيهَ اللَّهِ فِيها عَلى حَقِيقَةِ الإيجادِ، وتَفَرَّدَ القَدِيمُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِصِفاتِهِ الأزَلِيَّةِ فَأرْسَلَها في قُرْآنِهِ أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا مُفْرَدَةً مُبْهَمَةً، فَجَعَلَ الثَّمانِيَةَ لِمَعْرِفَةِ الذّاتِ، والسَّبْعَ الصِّفاتِ مِنّا، وجَعَلَ الأرْبَعَةَ لِلطَّبائِعِ المُؤَلَّفَةِ، فَجاءَتِ اثْنَتا عَشْرَةَ مَوْجُودَةً، وهَذا الإنْسانُ مِن هَذا الفَلَكِ، ومِن فَلَكٍ آخَرَ مُتَرَكِّبٍ مِن أحَدَ عَشَرَ، ومِن عَشَرَةٍ، ومِن تِسْعَةٍ، ومِن ثَمانِيَةٍ حَتّى يَصِلَ إلى فَلَكِ الِاثْنَيْنِ، ولا يَتَحَلَّلُ إلى الأحَدِيَّةِ أبَدًا، فَإنَّها مِمّا انْفَرَدَ بِها الحَقُّ سُبْحانَهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَعَلَ أوَّلَها الألِفَ في الخَطِّ، والهَمْزَةَ في اللَّفْظِ، وآخِرَها النُّونَ، فالألِفُ لِوُجُودِ الذّاتِ عَلى كَمالِها، لِأنَّها غَيْرُ مُفْتَقِرَةٍ إلى حَرَكَةٍ، والنُّونُ لِوُجُودِ الشَّطْرِ مِنَ العالَمِ، وهو عالَمُ التَّرْكِيبِ، وذَلِكَ نِصْفُ الدّائِرَةِ الظّاهِرَةِ لَنا مِنَ الفَلَكِ، والنِّصْفُ الآخَرُ النُّونُ المَعْقُولَةُ عَلَيْها الَّتِي لَوْ ظَهَرَتْ لِلْحِسِّ وانْتَقَلَتْ إلى عالَمِ الرُّوحِ لَكانَتْ دائِرَةً مُحِيطَةً، ولَكِنْ أخْفى هَذِهِ النُّونَ الرُّوحانِيَّةَ الَّتِي بِها كَمالُ الوُجُودِ، وجُعِلَتْ نُقْطَةُ النُّونِ المَحْسُوسَةُ دالَّةً عَلَيْها، فالألِفُ كامِلَةٌ مِن جَمِيعِ وُجُوهِها، والنُّونُ ناقِصَةٌ، فالشَّمْسُ كامِلَةٌ، والقَمَرُ ناقِصٌ، لِأنَّهُ مَحْوٌ، فَصِفَةُ ضَوْئِهِ مُعارَةٌ، وهي الأمانَةُ الَّتِي حَمَلَها، وعَلى قَدْرِ مَحْوِهِ وسِرارِهِ إثْباتُهُ وظُهُورُهُ ثَلاثَةً لِثَلاثَةٍ، فَثَلاثَةٌ غُرُوبُ القَمَرِ القَلْبِيِّ الإلَهِيِّ في الحَضْرَةِ الأحَدِيَّةِ، وثَلاثَةٌ طُلُوعُ القَمَرِ القَلْبِيِّ الإلَهِيِّ في الحَضْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، وما بَيْنَهُما في الخُرُوجِ والرُّجُوعِ قَدَمًا بِقَدَمٍ، لا يَخْتَلُّ أبَدًا، ثُمَّ جَعَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذِهِ الحُرُوفَ عَلى مَراتِبَ مِنها مَوْصُولٌ، ومِنها مَقْطُوعٌ، ومِنها مُفْرَدٌ، ومُثَنًّى ومَجْمُوعٌ، ثُمَّ نَبَّهَ أنَّ في كُلِّ وصْلٍ قَطْعًا، ولَيْسَ في كُلِّ قَطْعٍ وصْلٌ، فَكُلُّ وصْلٍ يَدُلُّ عَلى فَصْلٍ، ولَيْسَ كُلُّ فَصْلٍ يَدُلُّ عَلى وصْلٍ، والوَصْلُ والفَصْلُ في الجَمْعِ، وغَيْرِ الجَمْعِ، والفَصْلُ وحْدَهُ في عَيْنِ الفَرْقِ، فَما أفْرَدَهُ مِن هَذا فَإشارَةٌ إلى فَناءِ رَسْمِ العَبْدِ، أزَلًا، أوْ ما أثْبَتَهُ فَإشارَةٌ إلى وُجُودِ رَسْمِ العُبُودِيَّةِ حالًا، وما جَمَعَهُ فَإشارَةٌ إلى الأبَدِ بِالمَوارِدِ الَّتِي لا تَتَناهى، والإفْرادُ لِلْبَحْرِ الأزَلِيِّ، والجَمْعُ لِلْبَحْرِ الأبَدِيِّ، والمُثَنّى لِلْبَرْزَخِ المُحَمَّدِيِّ الإنْسانِيِّ، والألِفُ فِيما نَحْنُ فِيهِ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ، والمِيمُ إشارَةٌ إلى المُلْكِ الَّذِي لا يَبِيدُ، واللّامُ بَيْنَهُما واسِطَةٌ لِيَكُونَ بَيْنَهُما رابِطَةٌ، فانْظُرْ إلى السَّطْرِ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ الخَطُّ مِنَ اللّامِ، فَتَجِدُ الألِفَ إلَيْهِ يَنْتَهِي أصْلُها وتَجِدُ المِيمَ مِنهُ يَبْتَدِئُ نَشْؤُها، ثُمَّ تَنْزِلُ مِن أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وهو مَوْضِعُ السَّطْرِ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ مُنْتَهى تَعْرِيفِ المِيمِ، ونُزُولُ الألِفِ إلى السَّطْرِ مِثْلُ قَوْلِهِ: «(يَنْزِلُ رَبُّنا إلى السَّماءِ الدُّنْيا)،» وهو أوَّلُ عالَمِ التَّرْكِيبِ، لِأنَّهُ سَماءُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَلِيهِ فَلَكُ النّارِ، فَلِذَلِكَ نَزَلَ إلى أوَّلِ السَّطْرِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى نَزَلَ مِن مَقامِ الأحَدِيَّةِ إلى مَقامِ إيجادِ الخَلِيفَةِ نُزُولَ تَقَدُّسِ وتَنْزِيهٍ، لا نُزُولَ تَمْثِيلٍ وتَشْبِيهٍ، وكانَتِ اللّامُ واسِطَةً، وهي نائِبَةٌ مَنابَ المُكَوَّنِ، والكَوْنِ فَهي القُدْرَةُ الَّتِي عَنْها وُجِدَ العالَمُ، فَأشْبَهَتِ الألِفَ في النُّزُولِ إلى أوَّلِ السَّطْرِ، ولَمّا كانَتْ مُمْتَزِجَةً مِنَ المُكَوَّنِ والكَوْنِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَتَّصِفُ بِالقُدْرَةِ عَلى نَفْسِهِ، وإنَّما هو قادِرٌ عَلى خَلْقِهِ، فَكانَ وجْهُ القُدْرَةِ مَصْرُوفًا إلى الخَلْقِ فَلا بُدَّ مِن تَعَلُّقِها بِهِمْ، ولَمّا كانَتْ حَقِيقَتُها لا تَتِمُّ بِالوُصُولِ إلى السَّطْرِ، فَتَكُونُ هي والألِفُ عَلى مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، طَلَبَتْ بِحَقِيقَتِها النُّزُولَ تَحْتَ السَّطْرِ، أوْ عَلَيْهِ، كَما نَزَلَ المِيمُ، فَنَزَلَتْ إلى إيجادِهِ، ولَمْ تَتَمَكَّنْ أنْ تَنْزِلَ عَلى صُورَتِهِ، فَكانَ لا يُوجَدُ عَنْها إلّا المِيمُ، فَنَزَلَتْ نِصْفَ دائِرَةٍ حَتّى بَلَغَتْ إلى السَّطْرِ مِن غَيْرِ الجِهَةِ الَّتِي نَزَلَتْ مِنها، فَصارَتْ نِصْفَ فَلَكٍ مَحْسُوسٍ، تَطْلُبُ نِصْفَ فَلَكٍ مَعْقُولٍ، فَكانَ مِنهُما فَلَكٌ دائِرٌ، فَكانَ العالَمُ كُلُّهُ في سِتَّةِ أيّامٍ أجْناسًا مِن أوَّلِ يَوْمِ الأحَدِ إلى آخِرِ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وبَقِيَ يَوْمُ السَّبْتِ لِلِانْتِقالِ مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ، ومِن حالٍ إلى حالٍ، فَصارَ (الم) فَلَكًا مُحِيطًا مِن ورائِهِ عِلْمُ الذّاتِ، والصِّفاتِ، والأفْعالِ، والمَفْعُولاتِ، فَمَن قَرَأها بِهَذِهِ الحَقِيقَةِ حَضَرَ بِالكُلِّ لِلْكُلِّ مَعَ الكُلِّ، إلى آخِرِ ما قالَ، وذَكَرَ في كِتابِ (الإسْرا إلى المَقامِ الأسْرى) ما يُشِيرُ إلى دَقائِقِ أفْكارٍ وخَفايا أسْرارٍ مَبْنِيَّةٍ عَلى أعْدادِ الحُرُوفِ، وهي ثَلاثَةُ آلافٍ، وخَمْسُمِائَةٍ، واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ، وأوَّلُ التَّفْصِيلِ مِن نُوحٍ إلى إشْراقِ يُوحٍ، ثُمَّ إلى آخِرِ التَّرْكِيبِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الكَلِمَةُ والرُّوحُ، فَبَعْدَ عَدَدِهِ تَضْرِبُهُ وتَجْمَعُهُ، وتَحُطُّ مِنهُ طَرْحًا، وتَضَعُهُ يَبْدُو لَكَ تَمامُ الشَّرِيعَةِ، حَتّى إلى انْخِرامِ الطَّبِيعَةِ، ومِمّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِذَلِكَ ما رَواهُ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اسْتَخْرَجَ وقْعَةَ مُعاوِيَةَ مِن (حمسعق)، واسْتَخْرَجَ أبُو الحَكَمِ عَبْدُ السَّلامِ بْنُ بَرَّجانَ في تَفْسِيرِهِ فَتْحَ بَيْتِ المَقْدِسِ سَنَةَ ثَلاثٍ وثَمانِينَ وخَمْسِمِائَةٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الم ﴾ ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾ وذَكَرَ الشَّيْخُ قُدِّسَ سِرُّهُ كَيْفِيَّةَ اسْتِخْراجِ ذَلِكَ بِغَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وهو أنْ تَأْخُذَ عَدَدَ (الم) بِالجَزْمِ الصَّغِيرِ، فَيَكُونُ ثَمانِيَةً، وتَجْمَعَها إلى ثَمانِيَةِ البِضْعِ في الآيَةِ، فَتَكُونُ سِتَّةَ عَشَرَ فَتُزِيلَ الواحِدَ الَّذِي لِلْألِفِ لِلْأُسِّ فَتَبْقى خَمْسَةَ عَشَرَ فَتُمْسِكَها عِنْدَكَ، ثُمَّ تَرْجِعَ إلى العَمَلِ في ذَلِكَ بِالجُمَّلِ الكَبِيرِ، وهو الجَزْمُ فَتَضْرِبُ ثَمانِيَةَ البِضْعِ في أحَدٍ وسَبْعِينَ، واجْعَلْ ذَلِكَ كُلَّهُ سِنِينَ، يَخْرُجُ لَكَ في الضَّرْبِ خَمْسُمِائَةٍ وثَمانِيَةٌ وسِتُّونَ سَنَةً، فَتُضِيفَ إلَيْها الخَمْسَةَ عَشَرَ الَّتِي مَسَكْتَها عِنْدَكَ، فَتَصِيرُ ثَلاثَةً وثَمانِينَ وخَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، وهو زَمانُ فَتْحِ بَيْتِ المَقْدِسِ عَلى قِراءَةِ (غَلَبَتْ) بِفَتْحِ الغَيْنِ واللّامِ، و(سَيُغْلَبُونَ) بِضَمِّ الياءِ، وفَتْحِ اللّامِ انْتَهى، وإذا عَلِمْتَ أنَّ هَذِهِ الفَواتِحَ السِّرُّ الأعْظَمُ، والبَحْرُ الخِضَمُّ، والنُّورُ الأتَمُّ.

صَفاءٌ ولا ماءٌ ولُطْفٌ ولا هَوًا ∗∗∗ ونُورٌ ولا نارٌ ورُوحٌ ولا جِسْمُ (فاعْلَمْ) أنَّ كُلَّ ما ذَكَرَ النّاسُ فِيها رَشْفَةٌ مِن بِحارِ مَعانِيها، ومَنِ ادَّعى قَصْرًا فَمِن قُصُورِهِ، أوْ زَعَمَ أنَّهُ أتى بِكَثِيرٍ فَمِن قِلَّةِ نُورِهِ، والعارِفُ يَقُولُ بِانْدِماجِ جَمِيعِ ما ذَكَرُوهُ في صَدَفِ فَوائِدِها، وامْتِزاجِ سائِرِ ما سَطَرُوهُ في طِمْطامِ فَوائِدِها، فَإنْ شِئْتَ فَقُلْ كَما أنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى هاتِيكَ الأسْرارِ يُشِيرُ كُلُّ حَرْفٍ مِنها إلى اسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: أتى بِها هَكَذا لِتَكُونَ كالإيقاظِ، وقَرْعِ العَصا لِمَن تَحَدّى بِالقُرْآنِ، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: جاءَتْ كَذَلِكَ لِيَكُونَ مَطْلَعُ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ مُسْتَقِلًّا بِضَرْبٍ مِنَ الغَرابَةِ أُنْمُوذَجًا لِما في الباقِي مِن فُنُونِ الإعْجازِ، فَإنَّ النُّطْقَ بِأنْفَسِ الحُرُوفِ في تَضاعِيفِ الكَلامِ، وإنْ كانَ عَلى طَرْفِ الثُّمامِ يَتَناوَلُهُ الخَواصُّ والعَوامُّ، لَكِنَّ التَّلَفُّظَ بِأسْمائِها إنَّما يَتَأتّى مِمَّنْ دَرَسَ، وخَطَّ، وأمّا مَن لَمْ يَحُمْ حَوْلَ ذَلِكَ قَطُّ، فَأعَزُّ مِن بَيْضِ الأنُوقِ، وأبْعَدُ مِن مَناطِ العَيُّوقِ، ولا سِيَّما إذا كانَ عَلى نَمَطٍ عَجِيبٍ، وأُسْلُوبٍ غَرِيبٍ مُنْبِئٍ عَنْ سِرٍّ سِرِّيٍّ مَبْنِيٍّ عَلى نَهْجٍ عَبْقَرِيٍّ، بِحَيْثُ يَحارُ فِيهِ أرْبابُ العُقُولِ، ويَعْجَزُ عَنْ إدْراكِهِ ألْبابُ الفُحُولِ، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ فِيها جَلْبٌ لِإصْغاءِ الأذْهانِ، وإلْجامُ كُلِّ مَن يَلْغُو مِنَ الكُفّارِ عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ، لِأنَّهم إذا سَمِعُوا ما لَمْ يَفْهَمُوهُ مِن هَذا النَّمَطِ العَجِيبِ تَرَكُوا اللَّغَطَ، وتَوَفَّرَتْ دَواعِيهِمْ لِلنَّظَرِ في الأمْرِ المُناسِبِ بَيْنَ حُرُوفِ الهِجاءِ الَّتِي جاءَتْ مُقَطَّعَةً، وبَيْنَ ما يُجاوِرُها مِنَ الكَلِمِ رَجاءَ أنَّهُ رُبَّما جاءَ كَلامٌ يُفَسِّرُ ذَلِكَ المُبْهَمَ، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ المُشْكِلَ، وفي ذَلِكَ رَدُّ شَرٍّ كَثِيرٍ مِن عِنادِهِمْ، وعُتُوِّهِمْ، ولَغْوِهِمُ الَّذِي كانَ إذْ ذاكَ يَظْهَرُ مِنهُمْ، وفي ذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ، ومِنَّةٌ لِلْمُسْتَبْصِرِينَ، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: إنَّ بَعْضَ مُرَكَّباتِها بِالمَعْنى الَّذِي يَفْهَمُهُ أهْلُ اللَّهِ تَعالى مِنها، يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَيَجْرِي ما رُوِيَ عَنْعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: يا كهيعص، ويا حم عسق، عَلى ظاهِرِهِ، وإنْ أبَيْتَ فَقُلِ المُرادُ يا مُنَزِّلَهُما، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ غَيْرَ ذَلِكَ، حَدِّثْ عَنِ البَحْرِ ولا حَرَجَ.

وعِنْدِي فِيما نَحْنُ فِيهِ لَطائِفُ، وسُبْحانَ مَن لا تَتَناهى أسْرارُ كَلامِهِ، فَقَدْ أشارَ سُبْحانَهُ بِمُفْتَتَحِ الفاتِحَةِ حَيْثُ أتى بِهِ واضِحًا إلى اسْمِهِ الظّاهِرِ، وبِمَبْدَإ سُورَةِ البَقَرَةِ إلى اسْمِهِ الباطِنِ، فَهو الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ، وأشارَ بِتَقْدِيمِ الأوَّلِ إلى أنَّ الظّاهِرَ مُقَدَّمٌ، وبِهِ عُمُومُ البَعْثَةِ، (نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى السَّرائِرَ)، وأيْضًا في الأوَّلِ إشارَةٌ إلى مَقامِ الجَمْعِ، وفي الثّانِي رَمْزٌ إلى الفَرْقِ بَعْدَ الجَمْعِ، وأيْضًا افْتِتاحُ هَذِهِ السُّورَةِ بِالمُبْهَمِ، ثُمَّ تَعْقِيبُهُ بِالواضِحِ فِيهِ أتَمُّ مُناسَبَةٍ لِقِصَّةِ البَقَرَةِ الَّتِي سُمِّيَتِ السُّورَةُ بِها، ﴿ وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ وأيْضًا في الحُرُوفِ رَمْزٌ إلى ثَلاثَةِ أشْياءَ، فالألِفُ إلى الشَّرِيعَةِ، واللّامُ إلى الطَّرِيقَةِ، والمِيمُ إلى الحَقِيقَةِ، فَهُناكَ يَكُونُ العَبْدُ كالدّائِرَةِ، نِهايَتُها عَيْنُ بِدايَتِها، وهو مَقامُ الفَناءِ في اللَّهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ، وأيْضًا الألِفُ مِن أقْصى الحَلْقِ واللّامُ مِن طَرَفِ اللِّسانِ، وهو وسَطُ المَخارِجِ، والمِيمُ مِنَ الشَّفَةِ، وهو آخِرُها، فَيُشِيرُ بِها إلى أنَّ أوَّلَ ذِكْرِ العَبْدِ، ووَسَطُهُ وآخِرُهُ لا يَنْبَغِي إلّا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأيْضًا في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى سِرِّ التَّثْلِيثِ، فالألِفُ مُشِيرٌ إلى اللَّهِ تَعالى، واللّامُ إلى جِبْرِيلَ، والمِيمُ إلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَدْ قالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: في الألِفِ سِتُّ صِفاتٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى الِابْتِداءُ، واللَّهُ تَعالى هو الأوَّلُ، والِاسْتِواءُ، واللَّهُ تَعالى هو العَدْلُ الَّذِي لا يَجُورُ، والِانْفِرادُ، واللَّهُ تَعالى هو الفَرْدُ، وعَدَمُ الِاتِّصالِ بِحَرْفٍ، وهو سُبْحانَهُ بائِنٌ عَنْ خَلْقِهِ، وحاجَةُ الحُرُوفِ إلَيْها مَعَ عَدَمِ حاجَتِها، وأنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ واللَّهُ هو الغَنِيُّ، ومَعْناها الأُلْفَةُ، وبِاللَّهِ تَعالى الِائْتِلافُ، وبَقِيَتْ أسْرارٌ وأيُّ أسْرارٍ يَغارُ عَلَيْها العارِفُ الغَيُورُ مِنَ الأغْيارِ، ومِنَ الطَّرائِفِ أنَّ بَعْضَ الشِّيعَةِ اسْتَأْنَسَ بِهَذِهِ الحُرُوفِ لِخِلافَةِ الأمِيرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، فَإنَّهُ إذا حَذَفَ مِنها المُكَرَّرَ يَبْقى ما يُمْكِنُ أنْ يَخْرُجَ مِنهُ (صِراطُ عَلِيٍّ حَقٌّ نُمْسِكُهُ)، ولَكَ أيُّها السُّنِّيُّ أنْ تَسْتَأْنِسَ بِها لِما أنْتَ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ بَعْدَ الحَذْفِ يَبْقى ما يُمْكِنُ أنْ يَخْرُجَ مِنهُ ما يَكُونُ خِطابًا لِلشِّيعِيِّ، وتَذْكِيرًا لَهُ بِما ورَدَ في حَقِّ الأصْحابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ، وهو (طَرَقَ سَمْعَكَ النَّصِيحَةُ)، وهَذا مِثْلُ ما ذَكَرُوهُ حَرْفًا بِحَرْفٍ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: (صَحَّ طَرِيقُكَ مَعَ السُّنَّةِ)، ولَعَلَّهُ أوْلى، وألْطَفُ، وبِالجُمْلَةِ عَجائِبُ هَذِهِ الفَواتِحِ لا تَنْفَدُ، ولا يَحْصُرُها العَدُّ.

وكُلٌّ يَدَّعِي وصْلًا لِلَيْلى ∗∗∗ ولَيْلى لا تُقِرُّ لَهم بِذاكا وقَدِ اخْتَلَفَ أُناسٌ في إعْرابِها حَسْبَما اخْتَلَفَتْ أقْوالُهم فِيها، فَإنْ جُعِلَتْ أسْماءً لِلسُّوَرِ مَثَلًا كانَ لَها حَظٌّ مِنَ الإعْرابِ رَفْعًا ونَصْبًا وجَرًّا، فالرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والنَّصْبُ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ القَسَمِ أوْ فِعْلٍ يُناسِبُ المَقامَ، وجازَ النَّصْبُ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ القَسَمِ فِيما وقَعَ بَعْدَهُ مَجْرُورٌ مَعَ الواوِ، ونَحْوِ ﴿ ق والقُرْآنِ ﴾ مَعَ أنَّهُ يَلْزَمُ المُخالَفَةُ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ في الإعْرابِ، إنْ جُعِلَتِ الواوُ لِلْعَطْفِ واجْتِماعُ قَسَمَيْنِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، إنْ جُعِلَتْ لِلْقَسَمِ، وهو مُسْتَكْرَهٌ، كَما قالَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ في مَحَلٍّ يَقَعُ فِيهِ المَجْرُورُ، فَيَكُونُ العَطْفُ عَلى المَحَلِّ، ويُقَدَّرُ الجَوابُ مِن جِنْسِ ما بَعْدُ إنْ كانَتْ لِلْقَسَمِ، أوْ لا حاجَةَ لِلتَّقْدِيرِ، ويُكْتَفى بِجَوابٍ واحِدٍ إذْ لا مانِعَ مِن جَعْلِ أحَدِ القَسَمَيْنِ مُؤَكِّدًا لِلْآخَرِ مِن غَيْرِ عَطْفٍ، أوْ يُقالُ: هُما لَمّا كانا مُؤَكِّدَيْنِ لِشَيْءٍ واحِدٍ وهو الجَوابُ جازَ ذَلِكَ، ولا وجْهٌ وجِيهٌ لِلِاسْتِكْراهِ، وإنْ كانَ لِلضَّلالَةِ أبٌ فالتَّقْلِيدُ أبُوها، والجَرُّ عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ، وقَوْلُ ابْنِ هِشامٍ أنَّهُ وهْمٌ لِأنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِاسْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وبِأنَّهُ لا جَوابَ لِلْقَسَمِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ونَحْوِها، ولا يَصِحُّ جَعْلُ ما بَعْدُ جَوابًا، وحُذِفَتِ اللّامُ كَحَذْفِها في قَوْلِهِ: ورَبِّ السَّماواتِ العُلى وبُرُوجِها ∗∗∗ والأرْضِ وما فِيها المُقَدَّرُ كائِنُ لِأنَّ ذَلِكَ عَلى قِلَّتِهِ مَخْصُوصٌ بِاسْتِطالَةِ القَسَمِ، وهْمٌ لا يَخْفى عَلى الوَلِيدِ، إذْ مَذْهَبُنا كُوفِيٌّ، واتِّباعُ البَصْرِيِّ لَيْسَ بِفَرْضٍ، وكَثِيرًا ما يُسْتَغْنى عَنِ الجَوابِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ مَضْمُونُ ما بَعْدَهُ، وهو قَرِينَةٌ قَرِيبَةٌ، وبِهَذا صَرَّحَ في التَّسْهِيلِ وشُرُوحِهِ، وحَدِيثُ الِاسْتِطالَةِ لَيْسَ بِلازِمٍ، بَلْ هو الأغْلَبُ كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ ثُمَّ ما كانَ مِن هَذِهِ الفَواتِحِ مُفْرَدًا كَــ(ص)، أوْ مُوازِنًا لَهُ كَــ(حم) بِزِنَةِ قابِيلَ، يَتَأتّى فِيهِ الإعْرابُ لَفْظًا أوْ مَحَلًّا، بِأنْ يُسَكَّنَ حِكايَةً لِحالِهِ قَبْلُ، ويُقَدَّرَ إعْرابُهُ، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ، والتَّأْنِيثِ، وما خالَفَهُما نَحْوُ ﴿ كهيعص ﴾ يُحْكى لا غَيْرُ، وجازَتِ الحِكايَةُ في هَذِهِ الأسْماءِ مَعَ أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالأعْلامِ الَّتِي نُقِلَتْ مِنَ الجُمَلِ كَتَأبَّطَ شَرًّا، لِرِعايَةِ صُوَرِها المُنْبِئَةِ عَنْ نَقْلِها إلى العَلَمِيَّةِ، وفي الألْفاظِ الَّتِي وقَعَتْ أعْلامًا لِأنْفُسِها كَضَرَبَ فِعْلٍ ماضٍ لِحِفْظِ المُجانَسَةِ مَعَ المُسَمّى في الإشْعارِ بِأنَّها لَمْ تُنْقَلْ عَنْ أصْلِها بِالكُلِّيَّةِ، لِأنَّها لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها مَعْدُودَةٌ مَوْقُوفَةٌ صارَتْ هَذِهِ الحالَةُ كَأنَّها أصْلٌ، فَلَمّا جُعِلَتْ أعْلامًا جازَتْ حِكايَتُها عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ الرّاسِخَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ فِيها سِمَةً مِن مُلاحَظَةِ الأصْلِ، وهو الحُرُوفُ المَبْسُوطَةُ، والمَقْصِدُ الإيقاظُ وقَرْعُ العَصا، فَتَجْوِيزُ الحِكايَةِ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ الأسْماءِ أعْلامًا لِلسُّوَرِ، وإلّا فَلَمْ تَجُزِ الحِكايَةُ كَذا في الحَواشِي الشَّرِيفَةِ الشَّرِيفِيَّةِ، وإطْباقُ النُّحاةِ عَلى أنَّ المُفْرَداتِ تُحْكى بَعْدَ مِن، وأيٍّ، الِاسْتِفْهامِيَّتَيْنِ، وبِدُونِهِما كَقَوْلِهِمْ: دَعْنا مَن تَمْرَتانِ، مُخالِفٌ لِدَعْوى الِاخْتِصاصِ الَّتِي حَكاها، كَما لا يَخْفى، وإنْ أُبْقِيَتْ عَلى مَعانِيها مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ لَمْ تُعْرَبْ لِعَدَمِ المُقْتَضِي، والعامِلِ، وكَذا إذا جُعِلَتْ أبْعاضًا عَلى الصَّحِيحِ، أوْ مَزِيدَةً لِلْفَصْلِ مَثَلًا، نَعَمْ إنْ قُدِّرَتْ بِالمُؤَلَّفِ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ كانَتْ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى ما مَرَّ، وإنْ جُعِلَتْ مُقْسَمًا بِها يَكُونُ كُلُّ كَلِمَةٍ مِنها مَنصُوبًا، أوْ مَجْرُورًا عَلى اللُّغَتَيْنِ في اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ، وهَلْ ذَلِكَ المَجْمُوعُ نَحْوُ (الم) و(حم) أوِ لِلْألِفِ والحاءِ مَثَلًا عَلى طَرِيقِ: الرُّمّانُ حُلْوٌ حامِضٌ، خِلافٌ، والظّاهِرُ الأوَّلُ، وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ الرَّفْعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَسَمِي، مَحْذُوفًا، وتَصْرِيحُ الرَّضِيِّ بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ فِيما إذا كانَ المُبْتَدَأُ صَرِيحًا في القَسَمِيَّةِ يَجْعَلُهُ غَيْرَ مُرْتَضًى، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ النَّصْبَ في البَعْضِ مَخْصُوصًا بِما إذا لَمْ يَمْنَعْ مانِعٌ، كَما في ﴿ ص والقُرْآنِ ﴾ فَيَتَعَيَّنُ الجَرُّ لِلُزُومِ المُخالَفَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ واجْتِماعِ القَسَمَيْنِ حِينَئِذٍ، وفِيهِ ما تَقَدَّمَ، فَلا تَغْفُلْ، وبَقِيَتْ أقْوالٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى أقْوالٍ، لا أظُنُّها تَخْفى عَلَيْكَ، إنْ أحَطْتَ خُبْرًا بِما قَدَّمْناهُ لَدَيْكَ فَتَدَبَّرْ، وفي كَوْنِ هَذِهِ الفَواتِحِ آيَةً خِلافٌ، فَقالَ الكُوفِيُّونَ: (الم) آيَةٌ أيْنَما وقَعَتْ، وكَذَلِكَ (المص)، و(طسم)، وأخَواتُهُما، و(طه)، و(يس)، و(حم)، وأخَواتُها، و(كهيعص) آيَةٌ، و(حم) (عسق) آيَتانِ، وأمّا (المر)، وأخَواتُها الخَمْسُ، فَلَيْسَتْ بِآيَةٍ، وكَذَلِكَ (طس) و(ص)، و(ق)، و(ن)، وقالَ البَصْرِيُّونَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ آيَةً، وفي المُرْشِدِ أنَّ الفَواتِحَ في السُّوَرِ كُلِّها آياتٌ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِن غَيْرِ تَفْرِقَةٍ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، كَقَوْلِ بَعْضٍ: إنَّ (الم) في آلِ عِمْرانَ لَيْسَتْ بِآيَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مدنية وهي مائتان وست وثمانون آية قال الفقيه: حدّثني أبي رحمه الله قال: حدثني محمد بن حامد قال: حدّثنا علي بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن مروان، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس في قوله تعالى: الم يعني: أنا الله أعلم.

ومعنى قول ابن عباس أنا الله أعلم يعني الألف: أنا، واللام: الله، والميم: أعلم، لأن القرآن نزل بلغة العرب، والعرب قد كانت تذكر حرفاً وتريد به تمام الكلمة ألا ترى إلى قول القائل: قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا قَالَتْ قَاف ...

لاَ تَحْسَبِي أَنَّا نَسِينَا الإِيجَاف يعني بالقاف: قد وقفت.

وقال الكلبي: هذا قسم، أقسم الله تعالى بالقرآن أن هذا الكتاب الذي أنزل على قلب محمد  ، هو الكتاب الذي نزل من عند الله تعالى لا ريب فيه.

وقال بعض أهل اللغة: إن هذا الذي قال الكلبي لا يصح، لأن جواب القسم معقود على حروف مثل: إن، وقد، ولقد، وما، واللام وهنا لم نجد حرفاً من هذه الحروف، فلا يجوز أن يكون يميناً.

ولكن الجواب أن يقال: موضع القسم قوله لاَ رَيْبَ فِيهِ، فلو أن إنساناً حلف فقال: والله هذا الكتاب لا ريب فيه، لكان الكلام سديداً، وتكون «لا» جواباً للقسم، فثبت أن قول الكلبي صحيح سديد.

فإن قيل: إيش الحكمة في القسم من الله تعالى، وكان القوم في ذلك الزمان على صنفين، مصدق ومكذب فالمصدق يصدق بغير قسم، والمكذب لا يصدق مع القسم.

قيل له: القرآن نزل بلغة العرب، والعرب إذا أراد بعضهم أن يؤكد كلامه، أقسم على كلامه، فالله تعالى أراد أن يؤكد عليهم الحجة فأقسم أن القرآن من عنده.

وقد قيل الم: الألف: الله تعالى، واللام: جبريل، والميم: محمد  ويكون معناه: الله الذي أنزل جبريل على محمد بهذا القرآن لاَ رَيْبَ فِيهِ.

وقال بعضهم: كل حرف هو افتتاح اسم من أسماء الله تعالى.

فالألف مفتاح اسمه: الله، واللام مفتاح اسمه: اللطيف، الميم مفتاح اسمه: مجيد ويكون معناه: الله اللطيف المجيد أنزل الكتاب.

وروي عن محمد بن كعب بن علي الترمذي أنه قال: إن الله تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من الأحكام والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة، ولا يعرف ذلك إلاَّ نبي أو ولي، ثم بين ذلك في جميع السور ليفقه الناس.

وروي عن الشعبي أنه قال: إن الله تعالى سراً جعله في كتبه، وإن سره في القرآن هو الحروف المقطعة.

وروي عن عمر وعثمان وابن مسعود-  م- أنهم قالوا: الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر وعن علي  : هو اسم من أسماء الله تعالى، فرقت حروفه في السور.

يعني أن هاهنا قد ذكر الم وذكر: الر في موضع آخر وذكرٍ: حم في موضع آخر وذكر: ن في موضع، فإذا جمعت يكون (الرحمن) ، وكذلك سائر الحروف إذا جمع يصير اسماً من أسماء الله.

وذكر قطرب: أن المشركين كانوا لا يستمعون القرآن، كما قال الله تعالى: وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: 26] فأراد أن يسمعهم شيئاً لم يكونوا سمعوه، ليحملهم ذلك إلى الاستماع حتى تلزمهم الحجة.

وقال بعضهم: أن المشركين كانوا يقولون: لا نفقه هذا القرآن، لأنهم قالوا: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ [فصلت: 5] فأراد الله أن يبين لهم أن القرآن مركب على الحروف التي ركبت عليها ألسنتكم، يعني هو على لغتكم، ما لكم لا تفقهون؟

وإنما أراد بذكر الحروف تمام الحروف، كما أن الرجل يقول: علمت ولدي: أ، ب، ت، ث، وإنما يريد جميع الحروف ولم يرد به الحروف الأربعة خاصة.

وقال بعضهم: هو من شعار السور وكان اليهود أعداء الله فسروه على حروف الجمل، لأنه ذكر أن جماعة من اليهود، منهم كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، وأبو ياسر بن أخطب، وشعبة بن عمرو، ومالك بن الصيف دخلوا على رسول الله  وقالوا: بلغنا أنك قرأت: الم ذلِكَ الْكِتابُ فإن كنت صادقاً، فيكون بقاء أمتك إحدى وسبعين سنة، لأن الألف: واحد، واللام: ثلاثون، والميم: أربعون، فضحك رسول الله  ثم قالوا له: وهل غير هذا؟

قال: نعم.

المص فقالوا: هذا أكثر لأن (ص) تسعون.

فقالوا: هل غير هذا؟

قال: نعم.

الر فقالوا: هذا أكثر، لأن (الراء) : مائتان، ثم ذكر المر فقالوا: خلطت علينا يا محمد لا ندري أبالقليل نأخذ أم بالكثير؟

وإنما أدركوا من القرآن مقدار عقولهم، وكل إنسان يدرك العلم بمقدار عقله.

وكل ما ذكر في القرآن من الحروف المقطعة، فتفسيره نحو ما ذكرنا هاهنا والله أعلم بالصواب.

قوله عز وجل: ذلِكَ الْكِتابُ أي هذا الكتاب لا رَيْبَ فِيهِ أي لا شك فيه أنه مني، لم يختلقه محمد من تلقاء نفسه.

وقد يوضع ذلك بمعنى هذا، كما قال القائل: أقول له والرمح يأْطِرُ مَتْنَه ...

تَأمَّلْ خِفَافاً أَنَّنِي أَنَا ذَلِكَا يعني هذا.

وقال بعضهم: معناه ذلك الكتاب الذي كنت وعدتك يوم الميثاق أن أوحيه إليك، وقال بعضهم: معناه ذلك الكتاب الذي وعدت في التوراة والإنجيل أن أنزل على محمد  .

وروي عن زيد بن أسلم أنه قال: أراد بالكتاب اللوح المحفوظ، يعني الكتاب ثبت في اللوح المحفوظ.

وقوله: لاَ رَيْبَ فِيهِ أي لا شك فيه أنه من الله تعالى ولم يختلقه محمد من تلقاء نفسه.

فإن قيل: كيف يجوز أن يقال: لا شك فيه؟

وقد شك فيه كثير من الناس وهم الكفار والمنافقون؟

قيل له: معناه لا شك فيه عند المؤمنين وعند العقلاء.

وقيل: معناه لا شك فيه، أي لا ينبغي أن يشك فيه، لأن القرآن معجز فلا ينبغي أن يشك فيه أنه من الله تعالى.

قوله عز وجل: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ أي بياناً لهم من الضلالة للمتقين الذين يتقون الشرك والكبائر والفواحش.

فهذا القرآن بيان لهم من الضلالة، وبيان لهم من الشبهات، وبيان الحلال من الحرام.

فإن قيل: فيه بيان لجميع الناس، فكيف أضاف إلى المتقين خاصة؟

قيل له: لأن المتقين هم الذين ينتفعون بالبيان، ويعملون به فإذا كانوا هم الذين ينتفعون، صار في الحقيقة حاصل البيان لهم.

روي عن أبي روق أنه قال: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ أي كرامة لهم.

يعني إنما أضاف إليهم إجلالاً وكرامة لهم، وبيانا لفضلهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

«البيت الّذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشّيطان» «١» .

ت: وعن ابن عبّاس قال: بينما جبريل قاعد عند النبيّ صلّى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه، فقال له: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قطّ إلّا اليوم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبيّ قبلك فاتحة الكتاب، وخواتم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منها إلّا أعطيته» رواه مسلم، والنسائيّ «٢» ، والنقيض بالنون والقاف: هو الصوت انتهى من «السلاح» .

وعدد آي سورة البقرة مائتان، وخمس وثمانون آية، وقيل: وستّ وثمانون آية، وقيل: وسبع وثمانون.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)

قوله تعالى: الم: اختلف في الحروف التي في أوائل السور على قولين «٣» فقال

الشَّعْبِيُّ، وسفيانُ الثوريُّ، وجماعةٌ من المحدِّثين: هي سر اللَّه في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد اللَّه بعلمه، ولا يجب أن يُتكلَّم فيها، ولكن يؤمن بها، وتُمَرُّ كما جاءت «١» ، وقال الجمهور من العلماء، بل يجب أن يُتكلَّم فيها، وتلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرَّج عليها، واختلفوا في ذلك على اثنَيْ عَشَرَ قولاً.

فقال عليٌّ، وابن عَبَّاس رضي اللَّه عنهما: الحروف المقطَّعة في القرآن: هي اسم اللَّه الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه منها «٢» .

وقال ابن عبَّاس أيضًا: هي أسماء اللَّه أقسم بها «٣» ، وقال أيضًا: هي حروف تدلُّ على: أَنَا اللَّهُ أعلم، أنا الله أرى «٤» ، وقال قوم:

هي حسابُ أَبِي جَاد «١» لتدلَّ على مدَّة ملّة محمّد صلّى الله عليه وسلم كما ورد في حديث حُيَيِّ بن أَخْطب «٢» ، وهو قول أبي العالية وغيره «٣» .

ت: وإِليه مال السُّهَيْلِيُّ «٤» في «الرَّوْضِ الأُنُفِ» ، فانظره.

قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ: الاسمُ من «ذَلِكَ» : الذال، والألف، واللام لبعد المشار إليه، والكاف للخطاب.

واختلف في «ذَلِكَ» هنا فقيل: هو بمعنى «هَذَا» ، وتكون الإشارة إلى هذه الحروف من القرآن، وذلك أنه قد يشار بذلك إلى حاضرٍ تعلَّق به بعضُ غَيْبَةٍ، وقيل: هو على بابه، إِشارةً إِلى غائب.

واختلفوا في ذلك الغائب فقيل: ما قد كان نزل من القرآن، وقيل غير ذلك انظره.

ولا رَيْبَ فِيهِ: معناه: لا شكّ فيه، وهُدىً: معناه إِرشادٌ وبيانٌ، وقوله:

لِلْمُتَّقِينَ: اللفظ مأخوذ من «وقى» ، والمعنى: الذين يَتَّقُونَ اللَّه تعالى بامتثال أوامره، واجتناب معاصيه، كان ذلك وقايةً بينهم وبين عذابه.

قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.

يُؤْمِنُونَ: معناه يُصَدِّقون، وقوله: بِالْغَيْبِ قالت طائفةٌ: معناه: يُصَدِّقون، إِذا غَابُوا وَخَلَوْا، لا كالمنافقين الَّذين يؤمنون إذَا حضروا، ويكْفُرُونَ إِذا غابوا، وقال آخرون: معناه:

يصدِّقون بما غاب عنهم مما أخبرتْ به الشرائعُ، وقوله: يُقِيمُونَ الصَّلاةَ معناه:

يظهرونها ويثبتونها كما يقال: أُقِيمَتِ السُّوقُ.

ت: وقال أبو عبد اللَّه النَّحْوِيُّ في اختصاره لتفسيرِ الطَّبَرِيِّ: إِقامة الصلاة إتمام الركوع، والسجود، والتلاوة، والخشوع، والإِقبال عليها.

انتهى.

قال ص «١» : يقيمون الصلاةَ من التقويمِ ومنه: أَقَمْتُ العُودَ، أو الإِْدَامَةِ ومنه: قامتِ السُّوقُ، أو التشميرِ والنهوضِ ومنه: قام بالأمر.

انتهى.

وقوله تعالى/: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ: الرزْقُ «٢» عند أهل السنة ما صحّ الانتفاع ١٠ أ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ البَقَرَةِ * فَصْلٌ في فَضِيلَتِها رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكم مَقابِرَ، فَإنَّ البَيْتَ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ لا يَدْخُلُهُ الشَّيْطانُ" .» وَرَوى أبُو أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "اقْرَؤُوا الزَّهْراوَيْنِ: البَقَرَةَ وآَلَ عِمْرانَ، فَإنَّهُما يَأْتِيانِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ، أوْ غَيايَتانِ، أوْ فَرْقانِ، مِن طَيْرِ صَوّافٍ، اقْرَؤُوا البَقَرَةَ، فَإنَّ أخْذَها بَرَكَةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا تَسْتَطِيعُها البَطَلَةُ" .» والمُرادُ بِالزَّهْراوَيْنِ: المُنِيرَتَيْنِ.

يُقالُ: لِكُلِّ مُنِيرٍ: زاهِرٌ.

والغَيايَةُ: كُلُّ شَيْءٍ أظَلَّ إنْسانٍ فَوْقَ رَأْسِهِ، مِثْلُ السَّحابَةِ والغَبَرَةِ.

يُقالُ: غايا القَوْمَ فَوْقَ رَأْسِ فُلانٍ بِالسَّيْفِ، كَأنَّهم أظَلُّوهُ بِهِ.

قالَ لَبِيدٌ: .

فَتَدَلَّيْتُ عَلَيْهِ قافِلًا وعَلى الأرْضِ غَياياتُ الطِّفْلِ وَمَعْنى فَرْقانِ: قِطْعَتانِ.

والفَرْقُ: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ.

قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ  ﴾ والصَّوّافُ: المُصْطَفَّةُ المُتَضامَّةُ لِتُظِلَّ قارِئَها.

والبَطَلَةُ: السَّحَرَةُ.

*** * فَصْلٌ في نُزُولِها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي أوَّلُ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وَجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

وذَكَرَ قَوْمٌ أنَّها مَدَنِيَّةٌ سِوى آَيَةٍ، وهي قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ  ﴾ فَإنَّها أُنْزِلَتْ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى في حِجَّةِ الوَداعِ.

* فَصْلٌ وأمّا التَّفْسِيرُ فَقَوْلُهُ: ﴿ الـم ﴾ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيها وفي سائِرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.

قالَ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ في كُلِّ كِتابٍ سِرٌّ، وسِرُّ اللَّهِ في القُرْآَنِ أوائِلُ السُّوَرِ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ وأبُو صالِحٍ وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءٍ، فَإذا أُلِّفَتْ ضَرْبًا مِنَ التَّأْلِيفِ كانَتْ أسْماءً مِن أسْماءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: هي أسْماءٌ مُقَطَّعَةٌ لَوْ عَلِمَ النّاسُ تَأْلِيفَها عَلِمُوا اسْمَ اللَّهِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ.

وَسُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ "الر" و"حم" و"نُونِ" فَقالَ: اسْمُ الرَّحْمَنِ عَلى الجِهاءِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها حُرُوفٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أقْسَمَ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ كُلِّها، واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ بَعْضِها كَما يَقُولُ القائِلُ: تَعَلَّمْتُ "أ ب ت ث" وهو يُرِيدُ سائِرَ الحُرُوفِ، وكَما يَقُولُ: قَرَأْتُ الحَمْدَ، يُرِيدُ فاتِحَةَ الكِتابِ، فَيُسَمِّيها بِأوَّلِ حَرْفٍ مِنها، وإنَّما أقْسَمَ بِحُرُوفِ المُعْجَمِ لِشَرَفِها ولِأنَّها مَبانِيَ كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ، وبِها يُذْكَرُ ويُوَحَّدُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وحُرُوفُ المُعْجَمِ لَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمُ السَّبِيلَ، وأنْهَجْتُ لَكُمُ الدَّلالاتِ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ، وإنَّما حُذِفَ لِعِلْمِ المُخاطَبِينَ بِهِ، ولِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ دَلِيلًا عَلى الجَوابِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ أشارَ بِما ذَكَرَ مِنَ الحُرُوفِ إلى سائِرِها، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا كانَتِ الحُرُوفُ أُصُولًا لِلْكَلامِ المُؤَلَّفِ، أخْبَرَ أنَّ هَذا القُرْآنَ إنَّما هو مُؤَلَّفٌ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وقَطْرُبٌ.

فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ حُرُوفٌ، فَما الفائِدَةُ في إعْلامِهِمْ بِهَذا؟

.

فالجَوابُ أنَّهُ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى إعْجازِهِ فَكَأنَّهُ قالَ: هو مِن هَذِهِ الحُرُوفِ الَّتِي تُؤَلِّفُونَ مِنها كَلامَكم، فَما بالُكم تَعْجَزُونَ عَنْ مُعارَضَتِهِ؟!

فَإذا عَجَزْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ مِن قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والخامِسُ: أنَّها أسْماءٌ لِلسُّوَرِ.

رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وابْنِهِ، وأبِي فاخِتَةَ سَعِيدِ بْنِ عَلاقَةَ مَوْلى أمِّ هانِئٍ.

والسّادِسُ: أنَّها مِنَ الرَّمْزِ الَّذِي تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ في كَلامِها.

يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: هَلْ تا؟

فَيَقُولُ لَهُ بَلى، يُرِيدُ هَلْ تَأْتِي؟

فَيَكْتَفِي بِحَرْفٍ مِن حُرُوفِهِ.

وأنْشَدُوا: قُلْنا لَها قِفِي [لَنا ] فَقالَتْ قافُ [لا تَحْسَبِي أنّا نَسِينا الإيجافَ ] .

أرادَ قالَتْ: أقِفُ.

ومِثْلُهُ: نادُوهم ألا الجَمُوا ألا تا ∗∗∗ قالُوا جَمِيعًا كُلُّهم ألا فا.

يُرِيدُ: ألا تَرْكَبُونَ قالُوا: بَلى فارْكَبُوا.

ومِثْلُهُ: بِالخَيْرِ خَيْراتٌ وإنَّ شَرًّا فا ∗∗∗ ولا أُرِيدُ الشَّرَّ إلّا أنْ تا مَعْناهُ: وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ ولا أُرِيدُ الشَّرَّ إلّا أنْ تَشاءَ.

وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ الأخْفَشُ، والزُّجاجُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ.

وَقالَ أبُو رَوْقٍ عَطِيَّةُ بْنُ الحارِثِ الهَمْدانِيُّ: «كانَ النَّبِيُّ  يَجْهَرُ بِالقِراءَةِ في الصَّلَواتِ كُلِّها وكانَ المُشْرِكُونَ يُصَفِّقُونَ ويُصَفِّرُونَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الحُرُوفُ المُقَطَّعَةُ، فَسَمِعُوها فَبَقُوا مُتَحَيِّرِينَ.» وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما خاطَبَهم بِما لا يَفْهَمُونَ لِيُقْبِلُوا عَلى سَماعِهِ، لِأنَّ النَّفُوسَ تَتَطَلَّعُ إلى ما غابَ عَنْها مَعْناهُ.

فَإذا أقْبَلُوا إلَيْهِ خاطَبَهم بِما يَفْهَمُونَ، فَصارَ ذَلِكَ كالوَسِيلَةِ إلى الإبْلاغِ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن مَعْنًى يَعْلَمُهُ غَيْرُهم، أوْ يَكُونُ مَعْلُومًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ، فَهَذا الكَلامُ يَعُمُّ جَمِيعَ الحُرُوفِ.

وَقَدْ خَصَّ المُفَسِّرُونَ قَوْلَهُ ﴿ الم ﴾ بِخَمْسَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي لا يَعْلَمُ مَعْناهُ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: أنا اللَّهُ أعْلَمُ.

رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَسَمٌ.

رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وخالِدٌ الحَذّاءُ عَنْ عِكْرِمَةَ.

والرّابِعُ: أنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءٍ.

ثُمَّ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الألِفَ مِنَ "اللَّهِ" واللّامِ مِن "جِبْرِيلَ" والمِيمَ مِن "مُحَمَّدٍ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ قَدْ تُنُووِلَ مِن كُلِّ اسْمٍ حَرْفُهُ الأوَّلُ اكْتِفاءً بِهِ، فَلِمَ أُخِذَتِ اللّامُ مِن جِبْرِيلَ وهي آَخِرُ الِاسْمِ؟!

.

فالجَوابُ: أنَّ مُبْتَدَأ القُرْآنِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِابْتِداءِ أوَّلِ حَرْفٍ مِنِ اسْمِهِ، وجِبْرِيلُ انْخَتَمَ بِهِ التَّنْزِيلُ والإقْراءُ، فَتُنُووِلَ مِنِ اسْمِهِ نِهايَةُ حُرُوفِهِ، و"مُحَمَّدٌ" مُبْتَدَأٌ في الإقْراءِ، فَتُنُووِلَ أوَّلُ حَرْفٍ فِيهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الألِفَ مِنَ "اللَّهِ" تَعالى، واللّامَ مِن "لَطِيفٍ" والمِيمَ مِن "مَجِيدٍ" قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والخامِسُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآَنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ البَقَرَةِ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ، نَزَلَتْ في مُدَدٍ شَتّى، وفِيها آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللهِ  : ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللهِ، ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ  ﴾ ، ويُقالُ لِسُورَةِ البَقَرَةِ: "فُسْطاطُ القُرْآنِ" لِعِظَمِها وبَهائِها، وما تَضَمَّنَتْ مِنَ الأحْكامِ والمَواعِظِ، وتَعَلَّمَها عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِفِقْهِها وجَمِيعِ ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِنَ العُلُومِ في ثَمانِيَةِ أعْوامٍ، وفِيها خَمْسَمِائَةُ حُكْمٍ، وخَمْسَةَ عَشَرَ مَثَلًا، ورَوى الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "أيُّ القُرْآنِ أفْضَلُ؟

قالُوا: اللهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: سُورَةُ البَقَرَةِ"، ثُمَّ قالَ: "وَأيُّها أفْضَلُ؟

قالُوا: اللهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ.

قالَ: آيَةُ الكُرْسِيِّ"»، ويُقالُ: إنَّ آياتِ الرَحْمَةِ والرَجاءِ والعَذابِ تَنْتَهِي فِيها مَعانِيها إلى ثَلاثِمائَةٍ وسِتِّينَ مَعْنًى.

ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: «أُعْطِيتُ سُورَةَ البَقَرَةِ مِنَ الذِكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ طَهَ والطَواسِينَ مِن ألْواحِ مُوسى، وأُعْطِيتُ فاتِحَةَ الكِتابِ وخَواتِمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ».

وفِي الحَدِيثِ الصَحِيحِ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «تَجِيءُ البَقَرَةُ وآلُ عِمْرانَ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَيايَتانِ بَيْنَهُما شَرَقٌ، أو غَمامَتانِ سَوْداوانِ، أو كَأنَّهُما ظُلَّةٌ مِن طَيْرٍ صَوافٍّ تُجادِلانِ عن صاحِبِهِما» وفي البُخارِيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: «مَن قَرَأ بِالآيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتاه».

وَرَوى أبُو هُرَيْرَةَ عنهُ  أنَّهُ قالَ: «البَيْتُ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ لا يَدْخُلُهُ الشَيْطانُ»، ورُوِيَ عنهُ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ قالَ: «لِكُلِّ شَيْءٍ سَنامٌ، وسَنامُ القُرْآنِ سُورَةُ البَقَرَةِ، فِيها آيَةٌ هي سَيِّدَةُ آيِ القُرْآنِ، هي آيَةُ الكُرْسِيِّ».

وعَدَدُ آيِ سُورَةِ البَقَرَةِ مِائَتانِ وخَمْسٌ وثَمانُونَ آيَةً، وقِيلَ: وسِتٌّ وثَمانُونَ آيَةً، وقِيلَ: سَبْعٌ وثَمانُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الم ﴾ اخْتُلِفَ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ عَلى قَوْلَيْنِ: قالَ الشَعْبِيُّ عامِرُ بْنُ شَراحِيلَ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ، وجَماعَةٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ: هِيَ: سِرُّ اللهِ في القُرْآنِ، وهي مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي انْفَرَدَ اللهُ بِعِلْمِهِ، ولا يَجِبُ أنْ يَتَكَلَّمَ فِيها، ولَكِنْ يُؤْمِنُ بِها وتَمُرُّ كَما جاءَتْ.

وَقالَ الجُمْهُورُ مِنَ العُلَماءِ: بَلْ يَجِبُ أنْ يَتَكَلَّمَ فِيها، وتُلْتَمَسُ الفَوائِدُ الَّتِي تَحْتَها، والمَعانِيَ الَّتِي تَتَخَرَّجُ عَلَيْها، واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ عَلى اثْنَيْ عَشَرَ قَوْلًا.

فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الحُرُوفُ المُقَطَّعَةُ في القُرْآنِ هي اسْمُ اللهِ الأعْظَمُ، إلّا أنّا لا نَعْرِفُ تَأْلِيفَهُ مِنها.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هي أسْماءُ اللهِ أقْسَمَ بِها.

وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: هي أسْماءٌ لِلسُّوَرِ.

وقالَ قَتادَةُ: هي أسْماءٌ لِلْقُرْآنِ كالفُرْقانِ، والذِكْرِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: هي فَواتِحُ لِلسُّوَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَما يَقُولُونَ في أوَّلِ الإنْشادِ لِشَهِيرِ القَصائِدِ: "بَلْ ولا بَلْ"، نَحا هَذا النَحْوَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ.

وقالَ قَوْمٌ: هي حِسابُ "أبِي جادٍ"، لِتَدُلَّ عَلى مُدَّةِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ  ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ رَفِيعٍ وغَيْرِهِ.

وقالَ قُطْرُبٌ وغَيْرُهُ: هي إشارَةٌ إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، كَأنَّهُ يَقُولُ لِلْعَرَبِ: إنَّما تَحَدَّيْتُكم بِنَظْمٍ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ الَّتِي عَرَفْتُمْ، فَقَوْلُهُ: " الم" بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: (أ- ب- ت- ث) لِتَدُلَّ بِها عَلى التِسْعَةِ والعِشْرِينَ حَرْفًا.

وقالَ قَوْمٌ: هي أمارَةٌ قَدْ كانَ اللهُ جَعَلَها لِأهْلِ الكِتابِ أنَّهُ سَيُنْزِلُ عَلى مُحَمَّدٍ كِتابًا في أوَّلِ سُورٍ مِنهُ حُرُوفٌ مُقَطَّعَةٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي حُرُوفٌ تَدُلُّ عَلى "أنا اللهُ أعْلَمُ"، "أنا اللهُ أرى"، "أنا اللهُ أُفَصِّلُ".

وَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هي حُرُوفُ كُلِّ واحِدٍ مِنها: إمّا أنْ يَكُونَ مِنِ اسْمٍ مِن أسْماءِ اللهِ، وإمّا مِن نِعْمَةٍ مِن نِعَمِهِ، وإمّا مِنَ اسْمِ مَلَكٍ مِن مَلائِكَتِهِ، أو نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ.

وقالَ قَوْمٌ: هي تَنْبِيهٌ كَيا في النِداءِ.

وقالَ قَوْمٌ: رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا أعْرَضُوا عن سَماعِ القُرْآنِ بِمَكَّةَ نَزَلَتْ لِيَسْتَغْرِبُوها فَيَفْتَحُوا لَها أسْماعَهُمْ، فَيَسْمَعُونَ القُرْآنَ بَعْدَها، فَتَجِبُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَوابُ ما قالَهُ الجُمْهُورُ -أنَّ تُفَسِّرَ هَذِهِ الحُرُوفَ، ويَلْتَمِسَ لَها التَأْوِيلَ، لِأنّا نَجِدُ العَرَبَ قَدْ تَكَلَّمَتْ بِالحُرُوفِ المُقَطِّعَةِ نَظْمًا لَها ووَضْعًا، بَدَلَ الكَلِماتِ الَّتِي الحُرُوفُ مِنها، كَقَوْلِ الشاعِرِ: قُلْنا لَها قِفِي فَقالَتْ: قافُ......................................

أرادَ قالَتْ: وقَفَتْ.

وكَقَوْلِ القائِلِ: بِالخَيْرِ خَيْراتٌ وإنْ شَرًّا فا ∗∗∗ ولا أُرِيدُ الشَرَّ إلّا أنْ تا أرادَ: وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ، وأرادَ: إلّا أنْ تَشا، والشَواهِدُ في هَذا كَثِيرَةٌ، فَلَيْسَ كَوْنُها في القُرْآنِ مِمّا تُنْكِرُهُ العَرَبُ في لُغَتِها، فَيَنْبَغِي إذا كانَ مِن مَعْهُودِ كَلامِ العَرَبِ أنْ يَطْلُبَ تَأْوِيلَهُ ويَلْتَمِسَ وجْهَهُ.

والوَقْفُ عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ عَلى السُكُونِ لِنُقْصانِها، إلّا إذا أخْبَرْتَ عنها، أو عَطَفْتَها فَإنَّكَ تُعْرِبُها.

ومَوْضِعُ "الم" مِنَ الإعْرابِ: رَفْعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٌ، أو عَلى أنَّهُ ابْتِداءٌ، أو نَصْبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أو خَفْضٌ بِالقَسَمِ، وهَذا الإعْرابُ يَتَّجِهُ الرَفْعُ مِنهُ في بَعْضِ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ في الحُرُوفِ، والنَصْبِ في بَعْضٍ، والخَفْضِ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أنَّها أسْماءٌ لِلَّهِ أقْسَمَ بِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تحير المفسرون في محل هاته الحروف الواقعة في أول هاته السور، وفي فواتح سور أخرى عدة جميعها تسع وعشرون سورة ومعظمها في السور المكية، وكان بعضها في ثاني سورة نزلت وهي ﴿ ن والقلم ﴾ [القلم: 1]، وأَخْلِقْ بها أن تكون مثار حيرة ومصدر، أقوال متعددة وأبحاث كثيرة، ومجموع ما وقع من حروف الهجاء أوائل السور أربعة عشر حرفاً وهي نصف حروف الهجاء وأكثر السور التي وقعت فيها هذه الحروف: السورُ المكية عدا البقرة وآل عمران، والحروف الواقعة في السور هي: أ، ح، ر، س، ص، ط، ع، ق، ك، ل، م، ن، ه، ي، بعضها تكرر في سور وبعضها لم يتكرر وهي من القرآن لا محالة ومن المتشابه في تأويلها.

ولا خلاف أن هاته الفواتح حين ينطق بها القارئ أسماء الحروف التهجي التي يُنطق في الكلام بمسمياتها وأن مسمياتها الأصوات المكيفة بكيفيات خاصة تحصل في مخارج الحروف ولذلك إنما يقول القارئ: (أَلِفْ لاَمْ ميمْ) مثلاً ولا يقول (أَلَمَ).

وإنما كتبوها في المصاحف بصور الحروف التي يتهجى بها في الكلام التي يَقُوم رسمُ شكلها مقام المنطوق به في الكلام ولم يكتبوها بدَوَالِّ ما يقرأُونَها به في القرآن لأن المقصود التهجي بها وحروف التهجي تكتب بصورها لا بأسمائها.

وقيل لأن رسم المصحف سنة لا يقاس عليه وهذا أولى لأنه أشمل للأقوال المندرجة تحتها، وإلى هنا خلص أن الأرجح من تلك الأقوال ثلاثة وهي كونها تلك الحروف لتبكت المعاندين وتسجيلاً لعجزهم عن المعارضة، أو كونها أسماء للسور الواقعة هي فيها، أو كونها أقساماً أقسم بها لتشريف قدر الكتابة، وتنبيه العرب الأميين إلى فوائد الكتابة لإخراجهم من حالة الأمية، وأرجح هذه الأقوال الثلاثة هو أولها، فإن الأقوال الثاني والسابع والثامن والثاني عشر والخامس عشر والسادس عشر يبطلها أن هذه الحروف لو كانت مقتضبة من أسماء أو كلمات لكان حق أن ينطق بمسمياتها لا بأسمائها؛ لأن رسم المصحف سنة لا يقاس عليها، وهذا أولى لأنه أشمل للأقوال.

وعرفت اسميتها من دليلين: أحدهما اعتوار أحوال الأسماء عليها مثل التعريف حين تقول: الألف، والباء، ومثل الجمع حين تقول الجيمات، وحين الوصف حين تقول ألف ممدودة والثاني ما حكاه سيبويه في «كتابه»: قال الخليل يوماً وسأل أصحابه كيف تلفظون بالكاف التي في لك والباء التي في ضرب فقيل نقول كافْ، باء، فقال إنما جئتم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف وقال أقول كه، وبه (يعني بهاء وقعت في آخر النطق به ليعتمد عليها اللسان عند النطق إذْ أبقيت على حرف واحد لا يظهر في النطق به مفرداً).

والذي يستخلص من أقوال العلماء بعد حذف متداخِلِه وتوحيد متشاكله يؤول إلى واحد وعشرين قولاً ولشدة خفاء المراد من هذه الحروف لم أر بداً من استقصاء الأقوال على أننا نضبط انتشارها بتنويعها إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول يرجع إلى أنها رموز اقتضبت من كَلم أو جمل، فكانت أسراراً يفتح غلقها مفاتيح أهل المعرفة ويندرج تحت هذا النوع ثمانية أقوال: الأول أنها علم استأثر الله تعالى به ونسب هذا إلى الخلفاء الأربعة في روايات ضعيفة ولعلهم يثبتون إطلاع الله على المقصود منها رسوله صلى الله عليه وسلم وقاله الشعبي وسفيان.

والثاني أنها حروف مقتضبة من أسماء وصفات لله تعالى المفتتحة بحروف مماثلة لهذه الحروف المقطعة رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقاله محمد بن القرظي أو الربيع بن أنس فألم مثلاً الألف إشارة إلى أحد أو أول أو أزلي، واللام إلى لطيف، والميم إلى ملك أو مجيد، ونحو ذلك، وعلى هذا يحتاج في بيانها إلى توقيف وأنى لهم به.

الثالث أنها رموز لأسماء الله تعالى وأسماء الرسول صلى الله عليه وسلم والملائكة فألم مثلاً، الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد، قاله الضحاك، ولا بد من توقيف في كل فاتحة منها، ولعلنا سننبه على ذلك في مواضعه.

الرابع جزم الشيخ محي الدين في الباب الثامن والتسعين والمائة في الفصل 27 منه من كتابه «الفتوحات» أن هاته الحروف المقطعة في أوائل السور أسماء للملائكة وأنها إذا تليت كانت كالنداء لملائكتها فتصغي أصحاب تلك الأسماء إلى ما يقوله التالي بعد النطق بها، فيقولون صدقت إن كان ما بعدها خبر، ويقولون هذا مؤمن حقاً نطق حقاً وأخبر بحق فيستغفرون له، وهذا لم يقله غيره وهو دعوى.

الخامس أنها رموز كلها لأسماء النبيء صلى الله عليه وسلم وأوصافه خاصة قاله الشيخ محمد بن صالح المعروف بابن مُلوكة التونسي في «رسالة» له قال إن كل حرف من حروف الهجاء في فواتح السور مكنى به عن طائفة من أسمائة الكريمة وأوصافه الخاصة، فالألف مكنى به عن جملة أسمائه المفتتحة بالألف كأحمد وأبي القاسم، واللام مكنيّ به عن صفاته مثل لب الوجود، والميم مكني به عن محمد ونحوه مثل مبشر ومنذر، فكلها منادًى بحرف نداء مقدر بدليل ظهور ذلك الحرف في يس.

ولم يَعْزُ هذا القول إلى أحد، وعلق على هذه «الرسالة» تلميذه شيخ الإسلام محمد معاوية «تعليقة» أكثر فيها من التعداد، وليست مما ينثلج لمباحثه الفؤاد (وهي وأصلها موجودة بخزنة جامع الزيتونة بتونس عدد 514) ويرُدُّ هذا القولَ التزام حذف حرف النداء وما قاله من ظهروه في يس مبني على قول من قال: إن يس بمعنى يا سيد وهو ضعيف؛ لأن الياء فيه حرف من حروف الهجاء لأن الشيخ نفسه عد يس بعد ذلك من الحروف الدالة على الأسماء مدلولاً لنحو الياء من ﴿ كهيعص ﴾ [مريم: 1].

القول السادس أنها رموز لمدة دوام هذه الأمة بحساب الجُمَّل قاله أبو العالية أخذاً بقصة رواها ابن إسحاق عن جابر بن عبد الله بن وثاب قال: «جاء أبو ياسر بن أخطب وحُيي بن أخطب وكعب بن الأشرف فسألوا رسول الله عن ألم وقالوا هذا أجل هذه الأمة من السنين إحدى وسبعون سنة فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم ص والمر فقالوا اشتبه علينا الأمر فلا ندري أبالقليل نأخذ أم بالكثير؟» ا ه.

وليس في جواب رسول الله إياهم بعدة حروف أخرى من هذه الحروف المتقطعة في أوائل السور تقريرٌ لاعتبارها رموزاً لأعداد مدة هذه الأمة، وإنما أراد إبطال ما فهموه بإبطال أن يكون مفيداً لزعمهم على نحو الطريقة المسماة بالنقض في الجدل ومرجعُها إلى المَنع والمانع لا مذهب له.

وأما ضحكه صلى الله عليه وسلم فهو تعجب من جهلهم.

القول السابع أنها رموز كل حرف رمز إلى كلمة فنحو: (ألم) أنا الله أعلم، و(ألمر) أنا الله أرى، و(ألمص) أنا الله أعلم وأفصل.

رواه أبو الضحى عن ابن عباس، ويوهنه أنه لا ضابط له لأنه أخذ مرة بمقابلة الحرف بحرففِ أول الكلمة، ومرة بمقابلته بحرف وسط الكلمة أو آخرها.

ونظروه بأن العرب قد تتكلم بالحروف المقطعة بدلاً من كلمات تتألف من تلك الحروف نظماً ونثراً، من ذلك قول زهير: بالخير خيرات وإن شرٌّ فَا *** ولا أُريد الشر إلا أنْ تَا أراد وإن شر فشر وأراد إلا أن تَشا، فأتى بحرف من كل جملة.

وقال الآخر (قرطبي): ناداهم ألا الجموا ألا تا *** قالوا جميعاً كلهم ألا فا أراد بالحرف الأول ألا تركبون، وبالثاني ألا فاركبوا.

وقال الوليد بن المغيرة عامل عثمان يخاطب عدي بن حاتم: قلت لها قفي لنا قالتْ قافْ *** لا تَحْسِبَنِّي قد نسيت الإيجاف أراد قالت وقفت.

وفي الحديث: " من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة " قال شقيق: هو أن يقول أُقْ مكان اقتل.

وفي الحديث أيضاً: «كفى بالسيف شَا»، أي شاهداً.

وفي «كامل المبرد» من قصيدة لعلي بن عيسى القمي وهو مولد: وليس العجاجة والخافقا *** تتِ تريك المَنَا برؤوس الأسل أي تريك المنايا.

وفي «تلع» من «صحاح الجوهري» قال لبيد: دَرَسَ المَنَا بمتالععٍ فأبَانِ *** فتقادمت بالحبس فالسوبان أراد درس المنازل.

وقال علقمة الفحل («خصائص» ص 82): كأن إبريقهم ظبي على شرف *** مفدم بِسَبَا الكَتان ملثوم أراد بسبائب الكتان.

وقال الراجز: حين ألقت بقُباء بَرْكها *** واستمر القتلُ في عبد الأشَل أي عبد الأشهل.

وقول أبي فؤاد: يدرين حَندل حائر لجنوبها *** فكأنما تُذْكى سنابكها الحُبَا أراد الحباحب.

وقال الأخطل: أمست مَنَاهَا بأرض ما يبلغها *** بصاحب الهم إلا الجَسْرَة الأُجُد أراد منازلها.

ووقع («طراز المجالس» المجلس) للمتأخرين من هذا كثير مع التورية كقول ابن مكانس: لم أنس بدراً زارني ليلة *** مستوفزاً مطلعاً للخطر فلم يقم إلا بمقدار ما *** قلت له أهلاً وسهلاً ومَرْ أراد بعض كلمة مرحباً وقد أكثرت من شواهده توسعة في مواقع هذا الاستعمال الغريب ولست أريد بذلك تصحيح حمل حروف فواتح السور على ذلك لأنه لا يحسن تخريج القرآن عليه وليس معها ما يشير إليه مع التورية بجعل مَرَّ من المرور.

القول الثامن أنها إشارات إلى أحوال من تزكية القلب، وجعَلها في «الفتوحات» في الباب الثاني إيماء إلى شعب الإيمان، وحاصله أن جملة الحروف الواقعة في أوائل سور القرآن على تكرار الحروف ثمانية وسبعون حرفاً والثمانية هنا هي حقيقة البضع حصل له ذلك بالكشف فيكون عدد الحروف ثمانية وسبعين وقد قال النبيء صلى الله عليه وسلم " الإيمان بضع وسبعون شعبة " فهذه الحروف هي شعب الإيمان، ولا يكمل لأحد أسرار الإيمان حتى يعلم حقائق هذه الحروف في سورها.

وكيف يزعم زاعم أنها واردة في معان غير معروفة مع ثبوت تلقي السامعين لها بالتسليم من مؤمن ومعاند، ولولا أنهم فهموا منها معنى معروفاً دلت عليه القرائن لسأل السائلون وتورك المعاندون.

قال القاضي أبو بكر بن العربي: لولا أن العرب كانوا يعرفون لها مدلولاً متداولاً بينهم لكانوا أول من أنكر ذلك على النبيء صلى الله عليه وسلم بل تلا عليهم حم فصلت وص وغيرهما فلم ينكروا ذلك مع تشوفهم إلى عثرة وحرصهم على زلة قلت وقد سألوا عن أوضح من هذا فقالوا ﴿ وما الرحمن ﴾ [الفرقان: 60]، وأما ما استشهدوا به من بيت زهير وغيره فهو من نوادر كلام العرب، ومما أخرج مخرج الألغاز والتمليح وذلك لا يناسب مقام الكتاب المجيد.

النوع الثاني يجمع الأقوال الراجعة إلى أن هاته الحروف وضعت بتلك الهيئات أسماء أو أفعالاً وفيه من الأقوال أربعة.

التاسع في عداد الأقوال في أولها لجماعة من العلماء والمتكلمين واختاره الفخر أنها أسماء للسور التي وقعت فيها، قاله زيد بن أسلم ونسب لسيبويه في «كتابه» باب أسماء السور من أبواب ما لا ينصرف أو للخليل ونسبه صاحب «الكشاف» للأكثر ويعضده وقوع هاته الحروف في أوائل السور فتكون هاته الحروف قد جعلت أسماء بالعلامة على تلك السور، وسميت بها كما نقول الكراسة ب والرزمة ج ونظره القفال بما سمت العرب بأسماء الحروف كما سموا لاَمَ الطائي والد حارثة، وسموا الذهب عَيْن، والسحاب غَيْن، والحوتَ نونْ، والجبل قاف، وأقوال، وحاء قبيلة من مَذحج، وقال شريح بن أوفى العنسي أو العبسي: يذكرني حَامِيمَ والرمحُ شاجر *** فهَلاَّ تلا حاميمَ قبل التقدم يريد ﴿ حم عسق ﴾ [الشورى: 1، 2] التي فيها: ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ [الشورى: 23].

ويبعد هذا القول بعداً مَّا إن الشأن أن يكون الاسم غير داخل في المسمى وقد وجدنا هذه الحروف مقروءة مع السور بإجماع المسلمين، على أنه يرده اتحاد هذه الحروف في عدة سور مثل آلم وآلر وحم.

وأنه لم توضع أسماء السور الأخرى في أوائلها.

القول العاشر وقال جماعة إنها أسماء للقرآن اصطلح عليها قاله الكلبي والسدي وقتادة ويبطله أنه قد وقع بعد بعضها ما لا يناسبها لو كانت أسماء للقرآن، نحو ﴿ آلم غلبت الروم ﴾ [الروم: 1، 2]، و ﴿ آلم أحسب الناس ﴾ [العنكبوت: 1، 2].

القول الحادي عشر أن كل حروففٍ مركبةِ منها هي اسم من أسماء الله رووا عن علي أنه كان يقول يا كهيعص يا حم عسق وسكت عن الحروف المفردة فيُرجع بها إلى ما يناسبها أن تندرج تحته من الأقوال ويبطله عدم الارتباط بين بعضها وبين ما بعده لأن يكون خبراً أو نحوه عن اسم الله مثل ﴿ الم ذلك الكتاب ﴾ [البقرة: 1، 2] و ﴿ آلمص كتاب أنزل إليك ﴾ [الأعراف: 1، 2].

الثاني عشر قال الماوردي: هي أفعال فإن حروف المص كتاب فعل ألمّ بمعنى نزل فالمراد ﴿ آلم ذلك الكتاب ﴾ أي نزل عليكم، ويبطل كلامه أنها لا تُقْرَأ بصيغ الأفعال على أن هذا لا يتأتى في جميعها نحو كهيعص وأَلمص والر ولولا غرابة هذا القول لكان حرياً بالإعراض عنه.

النوع الثالث تندرج فيه الأقوال الراجعة إلى أن هاته الحروف حروف هجاء مقصودة بأسمائها لأغراض داعية لذلك وفيه من الأقوال: القول الثالث عشر: أن هاته الحروف أقسم الله تعالى بها كما أقسم بالقلم تنويهاً بها لأن مسمياتها تألفت منها أسماء الله تعالى وأصول التخاطب والعلوم قاله الأخفش، وقد وهن هذا القول بأنها لو كانت مقسماً بها لذكر حرف القسم إذ لا يحذف إلا مع اسم الجلالة عند البصريين وبأنها قد ورد بعدها في بعض المواضع قسم نحو: ﴿ ن والقلم ﴾ [القلم: 1] و ﴿ حم والكتاب المبين ﴾ [الزخرف: 1]، قال صاحب الكشاف: وقد استكرهوا الجمع بين قسمين على مقسم واحد حتى قال الخليل في قوله تعالى: ﴿ والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى ﴾ [الليل: 1، 2] أن الواو الثانية هي التي تضم الأسماء للأسماء أي واو العطف، والجواب عن هذا أن اختصاص الحذف باسم الجلالة مختلف فيه وأن كراهية جمع قسمين تنفع بجعل الواو التالية لهاته الفواتح واو العطف على أنهم قد جمعوا بين قسمين، قال النابغة: واللَّهِ واللَّهِ لَنِعْمَ الفتى الْ *** حارثُ لا النكسُ ولا الخاملُ القول الرابع عشر: أنها سيقت مساق التهجي مسرودة على نمط التعديد في التهجية تبكيتاً للمشركين وإيقاظاً لنظرهم في أن هذا الكتاب المتلو عليهم وقد تُحدوا بالإتيان بسورة مثله هو كلام مؤلف من عين حروف كلامهم كأنه يغريهم بمحاولة المعارضة ويستأنس لأنفسهم بالشروع في ذلك بتهجي الحروف ومعالجة النطق تعريضاً بهم بمعاملتهم معاملة من لم يعرف تقاطيع اللغة، فيلقنها كتهجي الصبيان في أول تعلمهم بالكتّاب حتى يكون عجزهم عن المعارضة بعد هذه المحاولة عجزاً لا معذرة لهم فيه، وقد ذهب إلى هذا القول المبرد وقطرب والفراء، قال في «الكشاف» وهذا القول من القوة والخلافة بالقبول بمنزلة، وقلت وهو الذي نختاره وتظهر المناسبة لوقوعها في فواتح السور أن كل سورة مقصودة بالإعجاز لأن الله تعالى يقول: ﴿ فأتوا بسورة من مثله ﴾ [البقرة: 23] فناسب افتتاح ما به الإعجاز بالتمهيد لمحاولته ويؤيد هذا القول أن التهجي ظاهر في هذا المقصد فلذلك لم يسألوا عنه لظهور أمره وأن التهجي معروف عندهم للتعليم فإذا ذكرت حروف الهجاء على تلك الكيفية المعهودة في التعليم في مقام غير صالح للتعليم عرف السامعون أنهم عوملوا معاملة المتعلم لأن حالهم كحاله في العجز عن الإتيان بكلام بليغ، ويعضد هذا الوجه تعقيب هاته الحروف في غالب المواقع بذكر القرآن وتنزيله أو كتابيته إلا في ﴿ كهيعص ﴾ [مريم: 1] و ﴿ الم أحسِب الناسُ ﴾ [العنكبوت: 1، 2] و ﴿ الم غلبت الروم ﴾ [الروم: 1، 2] ووجه تخصيص بعض تلك الحروف بالتهجي دون بعض، وتكرير بعضها لأمر لا نعلمه ولعله لمراعاة فصاحة الكلام، ويؤيده أن معظم مواقع هذه الحروف في أوائل السور المكية عدا البقرة على قول من جعلوها كلها مدنية وآل عمران، ولعل ذلك لأنهما نزلتا بقرب عهد الهجرة من مكة وأن قصد التحدي في القرآن النازل بمكة قصد أولي، ويؤيده أيضاً الحروف التي أسماؤها مختومة بألف ممدودة مثل الياء والهاء والراء والطاء والحاء قرئت فواتح السور مقصودة على الطريقة التي يتهجى بها للصبيان في الكتَّاب طلباً للخفة كما سيأتي قريباً في آخر هذا المبحث من تفسير ﴿ الم ﴾ .

القول الخامس عشر: أنها تعليم للحروف المقطعة حتى إذا وردت عليهم بعد ذلك مؤلفة كانوا قد علموها كما يتعلم الصبيان الحروف المقطعة، ثم يتعلمونها مركبة قاله عبد العزيز بن يحيى، يعني إذ لم يكن فيهم من يحسن الكتابة إلا بعض المدن كأهل الحيرة وبعض طيء وبعض قريش وكنانة من أهل مكة، ولقد تقلبت أحوال العرب في القراءة والكتابة تقلبات متنوعة في العصور المختلفة، فكانوا بادئ الأمر أهل كتابة لأنهم نزحوا إلى البلاد العربية من العراق بعد تبلبل الألسن، والعراق مهد القراءة والكتابة وقد أثبت التاريخ أن ضخم بن إرم أول من علم العرب الكتابة ووضع حروف المعجم التسعة والعشرين، ثم إن العرب لما بادوا (أي سكنوا البادية) تناست القبائل البادية بطول الزمان القراءة والكتابة، وشغلهم حالهم عن تلقي مبادئ العلوم، فبقيت الكتابة في الحواضر كحواضر اليمن والحجاز، ثم لما تفرقوا بعد سيل العرم نقلوا الكتابة إلى المواطن التي نزلوها فكانت طيء بنجد يعرفون القراءة والكتابة، وهم الفرقة الوحيدة من القحطانيين ببلاد نجد ولذلك يقول أهل الحجاز ونجد إن الذين وضعوا الكتابة ثلاثة نفر من بني بولان من طيء يريدون من الوضع أنهم علموها للعدنانيين بنجد، وكان أهل الحيرة يعلمون الكتابة فالعرب بالحجاز تزعم أن الخط تعلموه عن أهل الأنبار والحيرة، وقصة المتلمس في كتب الأدب تذكرنا بذلك إذ كان الذي قرأ له الصحيفة غلام من أغيلمة الحيرة.

ولقد كان الأوس والخزرج مع أنهم من نازحة القحطانيين، قد تناسوا الكتابة إذ كانوا أهل زرع وفروسية وحروب، فقد ورد في السير أنه لم يكن أحد من الأنصار يحسن الكتابة بالمدينة وكان في أسرى المشركين يوم بدر من يحسن ذلك فكان من لا مال له من الأسرى يفتدي بأن يعلم عشرة من غلمان أهل المدينة الكتابة فتعلم زيد بن ثابت في جماعة، وكانت الشفاء بنت عبد الله القرشية تحسن الكتابة وهي علمتها لحفصة أم المؤمنين.

ويوجد في أساطير العرب ما يقتضي أن أهل الحجاز تعلموا الكتابة من أهل مدين في جوارهم فقد ذكروا قصة وهي أن المحض بن جندل من أهل مدين وكان ملكاً كان له ستة أبناء وهم: أبجد، وهوز، وحطي، وكلمن، وسعفص، وقرشت، فجعل أبناءه ملوكاً على بلاد مدين وما حولها فجعل أبجد بمكة وجعل هوزاً وحطياً بالطائف ونجد، وجعل الثلاثة الباقين بمدين، وأن كلمناً كان في زمن شعيب وهو من الذين أخذهم عذاب يوم الظلة قالوا فكانت حروف الهجاء أسماء هؤلاء الملوك ثم ألحقوا بها ثخذ وضغط فهذا يقتضي أن القصة مصنوعة لتلقين الأطفال حروف المعجم بطريقة سهلة تناسب عقولهم وتقتضي أن حروف ثخذ وضغظ لم تكن في معجم أهل مدين فألحقها أهل الحجاز، وحقاً إنها من الحروف غير الكثيرة الاستعمال ولا الموجودة في كل اللغات إلا أن هذا القول يبعده عدم وجود جميع الحروف في فواتح السور بل الموجود نصفها كما سيأتي بيانه من كلام «الكشاف».

القول السادس عشر: أنها حروف قصد منها تنبيه السامع مثل النداء المقصود به التنبيه في قولك يَافتى لإيقاظ ذهن السامع قاله ثعلب والأخفش وأبو عبيدة، قال ابن عطية كما يقول في إنشاد أشهر القصائد لاَ وبل لا، قال الفخر في تفسير سورة العنكبوت: إن الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة أو مشغول البال يُقدِّم على الكلام المقصود شيئاً ليلفت المخاطب إليه بسبب ذلك المقدم ثم يشرع في المقصود فقد يكون ذلك المقدم كلاماً مثل النداء وحروففِ الاستفتاح، وقد يكون المقدم صوتاً كمن يصفق ليُقْبِل عليه السامع فاختار الحكيم للتنبيه حروفاً من حروف التهجي لتكون دلالتها على قصد التنبيه متعينة إذ ليس لها مفهوم فتمحضت للتنبيه على غرض مهم.

القول السابع عشر: أنها إعجاز بالفعل وهو أن النبيء الأمي الذي لم يقرأ قد نطق بأصول القراءة كما ينطق بها مهرة الكتبة فيكون النطق بها معجزة وهذا بيِّن البطلان لأن الأمي لا يعسر عليه النطق بالحروف.

القول الثامن عشر: أن الكفار كانوا يُعرضون عن سماع القرآن فقالوا: ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغَوْا فيه ﴾ [فصلت: 26] فأوردت لهم هذه الحروف ليقبلوا على طلب فهم المراد منها فيقع إليهم ما يتلوها بلا قَصد، قاله قُطرب وهو قريب من القول السادس عشر.

القول التاسع عشر: أنها علامة لأهل الكتاب وُعدوا بها من قِبَل أنبيائهم أن القرآن يفتتح بحروف مقطعة.

القول العشرون: قال التبريزي: علم الله أن قوماً سيقولون بقدم القرآن فأراهم أنه مؤلف من حروف كحروف الكلام، وهذا وهم لأن تأليف الكلام من أصوات الكلمات أشد دلالة على حدوثه من دلالة الحروف المقطعة لقلة أصواتها.

القول الحادي والعشرون: روي عن ابن عباس أنها ثناء أثنى الله به على نفسه وهو يرجع إلى القول الأول أو الثاني.

هذا جماع الأقوال، ولا شك أن قراءة كافة المسلمين إياها بأسماء حروف الهجاء مثل ألف.

لاَمْ.

ميمْ دون أن يقرأوا ألَمْ وأن رسْمها في الخط بصورة الحروف يزيف جميع أقوال النوع الأول ويعين الاقتصار على النوعين الثاني والثالث في الجملة، على أن ما يندرج تحت ذينك النوعين متفاوت في درجات القبول، فإن الأقوال الثاني، والسابع، والثامن، والثاني عشر، والخامس عشر، والسادس عشر، يبطلها أن هذه الحروف لو كانت مقتضبَة من أسماء أو كلمات لكان الحق أن ينطق بمسمياتها لا بأسمائها.

فإذا تعين هذان النوعان وأسقطنا ما كان من الأقوال المندرجة تحتمها واهياً، خلَص أن الأرجح من تلك الأقوال ثلاثة: وهي كون تلك الحروف لتبكيتتِ المعاندين وتسجيلاً لعجزهم عن المعارضة، أو كونُها أسماء للسور الواقعة هي فيها، أو كونُها أقساماً أقسم بها لتشريف قدر الكتابة وتنبيهِ العرب الأميين إلى فوائد الكتابة لإخراجهم من حالة الأُمية وأرجح هذه الأقوال الثلاثةِ هو أولها.

قال في «الكشاف»: ما ورد في هذه الفواتح من أسماء الحروف هو نصف أسامي حروف المعجم إذ هي أربعة عشر وهي: الألف، واللام، والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والطاء، والسين، والحاء، والقاف، والنون، في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم، وهذه الأربعة عشر مشتملة على أنصاف أجناس صفات الحروف ففيها من المهموسة نصفها: الصاد، والكاف، والهاء، والسين، والحاء، ومن المجهورة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والعين، والطاء، والقاف، والياء، والنون، ومن الشديدة نصفها: الألف، والكاف، والطاء، والقاف، ومن الرخوة نصفها: اللام، والميم، والراء، والصاد، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والياء، والنون.

ومن المُطْبَقَة نصفها: الصاد، والطاء.

ومن المنفتحة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والكاف، والهاء، والعين، والسين، والقاف، والياء، والنون.

ومن المستعلية نصفها القاف، والصاد، والطاء.

ومن المستَفِلة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء والكاف، والهاء، والياء، والعين، والسين، والحاء، والنون.

ومن حروف القَلْقلة نصفها: القاف، والطاء.

ثم إن الحروف التي ألغى ذكرها مكثورة بالمذكورة، فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته ا ه وزاد البيضاوي على ذلك أصنافاً أخرى من صفات الحروف لا نطيل بها فمن شاء فليراجعها.

ومحصول كلامهما أنه قد قضى بذكر ما ذُكر من الحروف وإهمال ذكر ما أهمل منها حقُّ التمثيل لأنواع الصفات بذكر النصف، وترك النصف من باب «وليُقس ما لم يقل» لحصول الغرض وهو الإشارة إلى العناية بالكتابة، وحقُّ الإيجاز في الكلام.

فيكون ذكر مجموع هذه الفواتح في سور القرآن من المعجزات العلمية وهي المذكورة في الوجه الثالث من وجوه الإعجاز التي تقدمت في المقدمة العاشرة من مقدمات هذا التفسير.

وكيفيةُ النطققِ أن يُنطق بها موقوفة دون علاماتتِ إعراب على حكم الأسماء المسرودة إذ لم تكن معمولة لعوامل فحَالها كحال الأعداد المسرودة حين تقول ثلاثهْ أربعهْ خمسهْ.

وكحال أسماء الأشياء التي تُملى على الجارد لها، إذ تقول مثلاً: ثَوْب، بِساطْ، سَيْف، دون إعراب، ومن أعربها كان مخطئاً.

ولذلك نطق القراء بها ساكنة سكون الموقوف عليه فما كان منها صحيح الآخِرِ نُطق به ساكناً نحو أَلِفْ، لاَمْ، مِيمْ.

وما كان من أسماء الحروف ممدود الآخر نُطق به في أوائل السور أَلفاً مقصوراً لأنها مسوقة مَساق المتهجَّى بها وهي في حالة التهجي مقصورة طلباً للخفة لأن التهَجِّي إنما يكون غالباً لتعليم المبتدئ، واستعمالها في التهجي أكثر فوقعت في فواتح السور مقصورة لأنها على نمط التعْديد أو مأخوذة منه.

ولكن الناس قد يجعلون فاتحة إحدى السور كالاسم لها فيقولون قرأتُ: ﴿ كهيعص ﴾ كما يجعلون أول كلمة من القصيدة اسماً للقصيدة فيقولون قرأت: «قِفَا نَبْكِ» و«بانت سعاد» فحينئذٍ قد تعامل جملة الحروف الواقعة في تلك الفاتحة معاملة كلمة واحدة فيجري عليها من الإعراب ما هو لنظائر تلك الصيغة من الأسماء فلا يصرف حَامِيم كما قال شُريح بن أَوفى العَنْسي المتقدم آنفاً: يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ والرُّمْحُ شَاجِر *** فهلاَّ تَلاَ حَامِيمَ قبلَ التَّقَدُّم وكما قال الكميت: قرأْنا لَكُم في آللِ حَامِيمَ آية *** تأوَّلها مِنَّا فقيهٌ ومُعْرِب ولا يعرب ﴿ كهيعص ﴾ [مريم: 1] إذ لا نظير له في الأسماء إفراداً ولا تركيباً.

وأما طسم فيعرب اعترابَ المركب المزجى نحو حَضْرَمَوْتَ ودَارَاَبجِرْدَ وقال سيبويه: إنك إذا جعلت (هُود) اسم السورة لم تَصرفها فتقول قرأت هُودَ للعَلَمِيَّة والتأنيث قال لأنها تصير بمنزلة امرأة سميتَها بعَمْرو.

ولك في الجميع أن تأتي به في الإعراب على حاله من الحكاية وموقع هاته الفواتح مع ما يليها من حيث الإعراب، فإن جعلتها حروفاً للتهجي تعريضاً بالمشركين وتبكيتاً لهم فظاهر أنها حينئذٍ محكية ولا تقبَل إعراباً، لأنها حينئذٍ بمنزلة أسماء الأصوات لا يقصد إلا صُدورها فدلالتها تشبه الدلالة العقلية فهي تدل على أن الناطق بها يهيّئ السامع إلى ما يرد بعدها مثل سرد الأعداد الحِسابية على من يراد منه أن يجمع حاصلها، أو يَطرح، أو يقسم، فلا إعراب لها مع ما يليها، ولا معنى للتقدير بالمؤلف من هذه الحروف إذ ليس ذلك الإعلام بمقصودٍ لظهوره وإنما المقصود ما يحصل عند تعدادها من التعريض لأن الذي يتهجَّى الحروف لمن ينافي حالُه أن يقصد تعليمُه يتعين من المقام أنه يَقصِد التعريض.

وإذا قَدَّرتها أسماء للسور أو للقرآن أو لله تعالى مقسَماً بها فقيل إن لها أحكاماً مع ما يليها من الإعراب بعضُها محتاج للتقدير الكثير، فدع عنك الإطالة بها فإن الزمان قصير.

وهاته الفواتح قرآن لا محالة ولكن اختلف في أنها آيات مستقلة والأظهر أنها ليست بآيات مستقلة بل هي أجزاء من الآيات الموالية لها على المختار من مذاهب جمهور القراء.

وروى عن قراء الكوفة أن بعضها عدُّوه آياتتٍ مستقلة وبعضها لم يعدوه وجعلوه جزء آية مع ما يليه، ولم يظهر وجه التفصيل حتى قال صاحب «الكشاف» إن هذا لا دخل للقياس فيه.

والصحيح عن الكوفيين أن جميعها آيات وهو اللائق بأصحاب هذا القول إذ التفصيل تحكم؛ لأن الدليل مفقود.

والوجه عندي أنها آيات لأن لها دلالة تعريضية كنائية إذ المقصود إظهار عجزهم أو نحو ذلك فهي تطابق مقتضى الحال مع ما يعقُبها من الكلام ولا يشترط في دلالة الكلام على معنى كنائي أن يكون له معنى صريح بل تعتبر دلالةُ المطابقة في هذه الحروف تقديريةً إن قلنا باشتراط ملازمة دلالة المطابقة لدلالة الالتزام.

ويدل لإجراء السلف حكم أجزاء الآيات عليها أنهم يقرأونها إذا قرأوا الآية المتصلة بها، ففي «جامع الترمذي» في كتاب التفسير في ذكر سبب نزول سورة الروم فنَزلت: ﴿ الم غلبت الروم ﴾ [الروم: 1، 2]، وفيه أيضاً: «فخرج أبو بكر الصديق يصيح في نواحي مكةٍ ﴿ الم غلبت الروم وفي سيرة ابن إسحاق ﴾ من رواية ابن هشام عنه: «فقرأ رسول الله على عُتبة بن ربيعة: ﴿ حم تنزيل من الرحمن الرحيم حتى بلغ قوله: فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ [فصلت: 1 13] الحديث.

وعلى هذا الخلاف اختُلف في إجزاء قراءتها في الصلاة عند الذين يكتفون في قراءة السورة مع الفاتحة بآية واحدة مثل أصحاب أبي حنيفة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ الم ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الم ﴾ اخْتَلَفَ فِيهِ المُفَسِّرُونَ عَلى ثَمانِيَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ كالفُرْقانِ والذِّكْرِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّهُ مِن أسْماءِ السُّوَرِ، وهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ والشَّعْبِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: أنَّها حُرُوفٌ مُقَطَّعَةٌ مِن أسْماءٍ وأفْعالٍ، فالألِفُ مِن أنا واللّامُ مِنَ اللَّهِ، والمِيمُ مِن أعْلَمُ، فَكانَ مَعْنى ذَلِكَ: أنا اللَّهُ أعْلَمُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ونَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والسّادِسُ: أنَّها حُرُوفٌ يَشْتَمِلُ كُلُّ حَرْفٍ مِنها عَلى مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، فالألِفُ مِفْتاحٌ اسْمُهُ اللَّهُ، واللّامُ مِفْتاحٌ اسْمُهُ لَطِيفٌ، والمِيمُ مِفْتاحٌ اسْمُهُ مَجِيدٌ، والألِفُ آلاءُ اللَّهِ، والمِيمُ مَجْدُهُ، والألِفُ سَنَةٌ، واللّامُ ثَلاثُونَ سَنَةً، والمِيمُ أرْبَعُونَ سَنَةً، آجالٌ قَدْ ذَكَرَها اللَّهُ.

والسّابِعُ: أنَّها حُرُوفٌ مِن حِسابِ الجُمَّلِ، لِما جاءَ في الخَبَرِ عَنِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: «مَرَّ أبُو ياسِرِ بْنُ أخْطَبَ بِرَسُولِ اللَّهِ  وهو يَتْلُو فاتِحَةَ الكِتابِ وسُورَةَ البَقَرَةِ: ﴿ الم ﴾ ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ فَأتى أخاهُ حُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ في رِجالٍ مِنَ اليَهُودِ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، ألَمْ تَذْكُرْ لَنا أنَّكَ تَتْلُو فِيما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ: ﴿ الم ﴾ ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (بَلى، فَقالُوا: (أجاءَكَ بِها جِبْرِيلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

قالَ: (نَعَمْ، قالُوا: (لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ قَبْلَكَ أنْبِياءَ ما نَعْلَمُ أنَّهُ بُيِّنَ لِنَبِيٍّ مِنهم مُدَّةُ مُلْكِهِ وما أكْلُ أُمَّتِهِ غَيْرَكَ، فَقالَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وأقْبَلَ عَلى مَن كانَ مَعَهُ، فَقالَ لَهُمُ: (الألِفُ واحِدَةٌ واللّامُ ثَلاثُونَ والمِيمُ أرْبَعُونَ فَهَذِهِ إحْدى وسَبْعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ، ثُمَّ قالَ: (يا مُحَمَّدُ هَلْ كانَ مَعَ هَذا غَيْرُهُ؟

قالَ: (نَعَمْ، قالَ: (ماذا؟

قالَ: (المص) قالَ هَذِهِ أثْقَلُ وأطْوَلُ، الألِفُ واحِدَةٌ واللّامُ ثَلاثُونَ والمِيمُ أرْبَعُونَ، والصّادُ تِسْعُونَ، فَهَذِهِ إحْدى وسِتُّونَ ومِائَةُ سَنَةٍ، فَهَلْ مَعَ هَذا يا مُحَمَّدُ غَيْرُهُ؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: ماذا؟

قالَ: (الر) قالَ: هَذِهِ أثْقَلُ وأطْوَلُ، الألِفُ واحِدٌ، واللّامُ ثَلاثُونَ، والرّاءُ مِائَتانِ، فَهَذِهِ إحْدى وثَلاثُونَ ومِائَتانِ سَنَةٍ، فَهَلْ مَعَ هَذا يا مُحَمَّدُ غَيْرُهُ؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: ماذا؟

قالَ: (المر) قالَ: هَذِهِ أثْقَلُ وأطْوَلُ، الألِفُ واحِدَةٌ، واللّامُ ثَلاثُونَ، والمِيمُ أرْبَعُونَ، والرّاءُ مِائَتانِ، فَهَذِهِ إحْدى وسَبْعُونَ ومِائَتا سَنَةٍ.

.، ثُمَّ قالَ: لَقَدِ التَبَسَ عَلَيْنا أمْرُكَ حَتّى ما نَدْرِي أقَلِيلًا أُعْطِيتَ أمْ كَثِيرًا؟

ثُمَّ قامُوا عَنْهُ، فَقالَ أبُو ياسِرٍ لِأخِيهِ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ ولِمَن مَعَهُ مِنَ الأحْبارِ: ما يُدْرِيكم لَعَلَّهُ قَدْ جُمِعَ هَذا كُلُّهُ لِمُحَمَّدٍ إحْدى وسَبْعُونَ، وإحْدى وسِتُّونَ ومِائَةٌ، وإحْدى وثَلاثُونَ ومِائَتانِ، وإحْدى وسَبْعُونَ ومِائَتانِ، فَذَلِكَ سَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، قالُوا: لَقَدْ تَشابَهَ عَلَيْنا أمْرُهُ!» فَيَزْعُمُونَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ﴾ والثّامِنُ: أنَّهُ حُرُوفُ هِجاءٍ أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى بِها العَرَبَ حِينَ تَحَدّاهم بِالقُرْآنِ، أنَّهُ مُؤَلَّفٌ مِن حُرُوفِ كَلامٍ، هي هَذِهِ الَّتِي مِنها بِناءُ كَلامِهِمْ لِيَكُونَ عَجْزُهم عَنْهُ أبْلَغَ في الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، إذْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَلامِهِمْ.

فَأمّا حُرُوفُ أبْجَدَ فَلَيْسَ بِناءُ كَلامِهِمْ عَلَيْها، ولا هي أصْلٌ، وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيها عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الأيّامُ السِّتَّةُ، الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ تَعالى فِيها الدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ.

والثّانِي: أنَّها أسْماءُ مُلُوكِ مَدْيَنَ، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وفي قَوْلِ بَعْضِ شُعَراءِ مَدْيَنَ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ قالَ شاعِرُهُمْ: ألا يا شُعَيْبُ قَدْ نَطَقْتَ مَقالَةً سَبَبْتَ بِها عَمْرًا وحَيَّ بَنِي عَمْرٍو ∗∗∗ مُلُوكُ بَنِي حُطِّي وهَوَّزُ مِنهُمُ ∗∗∗ وسَعْفَصُ أصْلٌ لِلْمَكارِمِ والفَخْرِ ∗∗∗ هُمُ صَبَّحُوا أهْلَ الحِجازِ بِغارَةٍ ∗∗∗ كَمِثْلِ شُعاعِ الشَّمْسِ أوْ مَطْلَعِ الفَجْرِ والثّالِثُ: ما رَوى مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ لِأبِي جادٍ حَدِيثًا عَجَبًا: (أبى) آدَمُ الطّاعَةَ، و(جَدَّ) في أكْلِ الشَّجَرَةِ، وأمّا (هَوَّزُ) فَنَزَلَ آدَمُ فَهَوى مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وأمّا (حُطِّي) فَحُطَّتْ خَطِيئَتُهُ، وأمّا (كَلَمُنْ) فَأكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، ومُنَّ عَلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ، وأمّا (سَعْفَصُ) فَعَصى آدَمُ، فَأُخْرِجَ مِنَ النَّعِيمِ إلى النَّكَدِ، وأمّا (قَرَشَتْ) فَأقَرَّ بِالذَّنْبِ، وسَلِمَ مِنَ العُقُوبَةِ.

والرّابِعُ: أنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، رَوى ذَلِكَ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ  .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج وكيع وعبد بن حميد عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يعد ﴿ الم ﴾ آية ﴿ حم ﴾ آية.

وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وصححه وابن الضريس ومحمد بن نصر وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو ذر الهروي في فضائله والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها.

لا تقول ﴿ الم ﴾ حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والدرامي وابن الضريس والطبراني ومحمد بن نصر عن ابن مسعود موقوفاً.

مثله.

وأخرج محمد بن نصر وأبو جعفر النحاس في كتاب الوقف والابتداء والخطيب في تاريخه وأبو نصر السجزي في الإِبانة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأوا القرآن، فإنكم تؤجرون عليه.

أما إني لا أقول ﴿ الم ﴾ حرف، ولكن ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر، فتلك ثلاثون» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبزار والمرهبي في فضل العلم وأبو ذر الهروي وأبو نصر السجزي بسند ضعيف عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ القرآن كتب الله له بكل حرف حسنة.

لا أقول ﴿ الم، ذلك الكتاب ﴾ حرف، ولكن الألف، والذال، والألف، والكاف» .

وأخرج محمد بن نصر والبيهقي في شعب الإيمان والسجزي عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفاً من القرآن كتب الله له به حسنة.

لا أقول ﴿ بسم الله ﴾ ولكن باء، وسين، وميم، ولا أقول ﴿ الم ﴾ ولكن الألف، واللام، والميم» .

وأخرج محمد بن نصر السلفي في كتاب الوجيز في ذكر المجاز والمجيز عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ حرفاً من القرآن كتب الله له عشر حسنات: بالباء، والتاء، والثاء» .

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف وأبو نصر السجزي عن ابن عمر قال: إذا فرغ الرجل من حاجته، ثم رجع على أهله ليأت المصحف، فليفتحه فليقرا فيه، فإن الله سيكتب له بكل حرف عشر حسنات.

أما إني لا أقول ﴿ الم ﴾ ولكن الألف عشر، واللام عشر، والميم عشر.

وأخرج أبو جعفر النحاس في الوقف والابتداء وأبو نصر السجري عن قيس بن سكن قال: قال ابن مسعود: تعلموا القرآن فإنه يكتب بكل حرف منه عشر حسنات، ويكفر به عشر سيئات.

أما إني لا أقول ﴿ الم ﴾ حرف، ولكن أقول ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر.

وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ الم ﴾ قال: أنا الله أعلم.

وأخرج ابن جرير والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن ابن مسعود قال: ﴿ الم ﴾ حروف اشتقت من حروف هجاء أسماء الله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ الم ﴾ و ﴿ حم ﴾ و ﴿ ن ﴾ قال: اسم مقطع.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ الم ﴾ و ﴿ المص ﴾ و ﴿ الر ﴾ و ﴿ المر ﴾ و ﴿ كهيعص ﴾ و ﴿ طها ﴾ و ﴿ طس ﴾ و ﴿ يس ﴾ و ﴿ ص ﴾ و ﴿ حم ﴾ و ﴿ ق ﴾ و ﴿ ن ﴾ قال: هو قسم أقسمه الله، وهو من أسماء الله.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: ﴿ الم ﴾ قسم.

وأخرج ابن جريج عن ابن مسعود في قوله: ﴿ الم ﴾ قال: هو اسم الله الأعظم.

وأخرج ابن جريج وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ الم ﴾ و ﴿ حم ﴾ و ﴿ طس ﴾ قال: هي اسم الله الأعظم.

وأخرج ابن أبي شيبة في تفسيره وعبد بن حميد وابن المنذر عن عامر.

أنه سئل عن فواتح السور نحو ﴿ الم ﴾ و ﴿ الر ﴾ قال: هي أسماء من أسماء الله مقطعة الهجاء، فإذا وصلتها كانت أسماءً من أسماء الله.

وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ الم ﴾ قال: ألف مفتاح اسمه الله، ولام مفتاح اسمه لطيف، وميم مفتاح اسمه مجيد.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: فواتح السور أسماء من أسماء الله.

وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن السدي قال: فواتح السور كلها من أسماء الله.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ الم ﴾ قال: اسم من أسماء القرآن.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ الم ﴾ قال: اسم من أسماء القرآن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ بن حبان عن مجاهد قال: ﴿ الم ﴾ و ﴿ حم ﴾ و ﴿ المص ﴾ و ﴿ ص ﴾ فواتح افتتح الله بها القرآن.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: ﴿ الم ﴾ و ﴿ طسم ﴾ فواتح يفتتح الله بها السور.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: فواتح السور كلها ﴿ الم ﴾ و ﴿ المر ﴾ و ﴿ حم ﴾ و ﴿ ق ﴾ وغير ذلك هجاء موضوع.

وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم قال: ﴿ الم ﴾ ونحوها أسماء السور.

وأخرج ابن اسحق والبخاري في تاريخه وابن جرير بسند ضعيف عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن رباب قال: مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة ﴿ الم ذلك الكتاب ﴾ فأتاه أخوه حيي بن أخطب في رجال من اليهود فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل عليه ﴿ الم ذلك الكتاب ﴾ فقالوا أنت سمعته؟

قال: نعم.

فمشى حيي في أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد ألم تذكر أنك تتلو فيما أنزل عليك ﴿ الم ذلك الكتاب ﴾ ؟

قال: بلى.

قالوا: قد جاءك بهذا جبريل من عند الله؟

قال: نعم.

قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء، ما نعلمه بين لنبي لهم ما مدة ملكه، وما أجل أمته غيرك فقال حيي بن أخطب: وأقبل على من كان معه الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه احدى وسبعون سنة.

أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة!

ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد هل مع هذا غيره؟

قال: نعم.

قال: ما ذاك؟

قال: ﴿ المص ﴾ قال: هذه أثقل وأطول.

الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه مائة واحدى وستون سنة.

هل مع هذا يا محمد غيره؟

قال: نعم.

قال: ماذا؟

قال: ﴿ الر ﴾ قال: هذه أثقل وأطول.

الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة.

فهل مع هذا غيره؟

قال: نعم.

﴿ المر ﴾ قال فهذه أثقل وأطول.

الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون سنة ومائتان ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلاً أُعطيت، أم كثيراً!

ثم قاموا فقال أبو ياسر لأخيه حيي ومن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله.

إحدى وسبعون، وإحدى وستون، ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع وثلاثون.

فقالوا: لقد تشابه علينا أمره.

فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ﴾ [ آل عمران: 7] .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: إن اليهود كانوا يجدون محمداً وأمته، إن محمداً مبعوث ولا يدرون ما مدة أمة محمد.

فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأنزل ﴿ الم ﴾ قالوا: قد كنا نعلم أن هذه الأمة مبعوثة، وكنا لا ندري كم مدتها، فإن كان محمد صادقاً فهو نبي هذه الأمة قد بين لنا كم مدة محمد، لأن ﴿ الم ﴾ في حساب جملنا إحدى وسبعون سنة، فما نصنع بدين إنما هو واحد وسبعون سنة؟

فلما نزلت ﴿ الر ﴾ وكانت في حساب جملهم مائتي سنة وواحداً وثلاثين سنة قالوا: هذا الآن مائتان وواحد وثلاثون سنة وواحدة وسبعون.

قيل ثم أنزل ﴿ المر ﴾ فكان في حساب جملهم مائتي سنة وواحدة وسبعين سنة في نحو هذا من صدور السور فقالوا: قد التبس علينا أمره.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفاً، دارت فيها الألسن كلها، ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو من آية وثلاثة، وليس منها حرف إلا وهو في مدة قوم وآجالهم.

فالألف مفتاح اسمه الله، واللام مفتاح اسمه اللطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد.

فالألف آلاء الله، واللام لطف الله، والميم مجد الله.

فالألف سنة، واللام ثلاثون، والميم أربعون.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ بن حبان في التفسير عن داود بن أبي هند قال: كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور قال: يا داود إن لكل كتاب سراً، وإن سر هذا القرآن فواتح السور، فدعها وسَل عما بدا لك.

وأخرج أبو نصر السجزي في الإِبانة عن ابن عباس قال: آخر حرف عارض به جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله عزّ وجلّ ﴿ الم ﴾ : إجماع النحويين أن (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وكذلك العطف (١٧) (١٨) وإذا أخبرت عن حروف الهجاء، أو أسماء الأعداد فقد أخرجتها بذلك عن حيز الأصوات، وأدخلتها في جملة الأسماء المتمكنة (١٩) (٢٠) (٢١) وكذلك العدد إذا أردت به معدودًا، ولم ترد به العدد وحده دون المعدود أعربت كقولك (٢٢) (٢٣) (٢٤) وأنشدوا قول أبي النجم (٢٥) أقبلت من عند زياد كالخرف ...

تخطّ رجلاي بخط مختلف تكتبان في الطريق لامَ الف (٢٦) كأنه قال (٢٧) (٢٨) قال أبو إسحاق (٢٩) (٣٠) (٣١) فأما قول الشاعر: كافاً وميمَين وسينًا طاسما (٣٢) فإنما أعرب لأنه أجرى الحروف مجرى الأسماء.

وقال يزيد بن الحكم (٣٣) إذا اجتمعوا على ألف وياء (٣٤) (٣٥) ويجوز (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) ومن قال: إنها أسماء للسور (٤٠) (٤١) ﴿ ذَلِكَ اَلكِتَابُ ﴾ كما تقول (٤٢) (٤٣) (٤٤) ﴿ الم ﴾ (٤٥) فأما التفسير: فقد كثر اختلاف الناس في هذه الحروف المقطعة وأشباهها في القرآن.

فذهب قوم إلى أن الله لم يجعل لأحد سبيلا إلى إدراك معانيها، وأنها مما استأثر الله بعلمها، فنحن نؤمن بظاهرها ونكل (٤٦) (٤٧) وعن الشعبي (٤٨) (٤٩) ومثل هذا روي عن أبي بكر الصديق وعلي (٥٠)  ما.

والأكثرون من أهل التفسير تكلموا في معاني هذه الحروف واستنبطوا لها وجوها من التأويل (٥١) ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ  ﴾ .

فيروى عن ابن عباس في ﴿ الم ﴾ ثلاثة أوجه (٥٢) أحدها: أن الله تعالى أقسم بهذه الحروف، أن هذا الكتاب الذي أنزل على محمد الكتاب الذي عند الله، لا شك فيه (٥٣) وهذا الوجه من تفسير ابن عباس اختيار (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) الوجه الثاني: أن هذه الحروف وإن كانت متفرقة في النزول، فإذا ألّفت ضربًا من التأليف كانت (٦١) (٦٢) (٦٣) قال سعيد بن جبير (٦٤) (٦٥) (٦٦) الوجه الثالث عنه (٦٧) ﴿ الم ﴾ : أنا الله أعلم، و ﴿ الر ﴾ (٦٨) ﴿ المص  ﴾ : أنا الله أعلم وأفصل (٦٩) ﴿ المر  ﴾ : أنا الله أعلم وأرى (٧٠) قال: المختار: ما روي عن ابن عباس وهو أن معنى: (الم) أنا الله أعلم، وأن كل حرف منها له تفسير (٧١) (٧٢) قلت لها قفي فقالت قاف (٧٣) فنطق (٧٤) (٧٥) (٧٦) ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى  ﴾ وعد من الله تعالى أن ينزل عليه كتابا، فلما أنزل عليه القرآن قال: ﴿الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ الذي وعدتك أن أقرئكه فلا تنسى، فاكتفى من حروف (أ، ب، ت، ث) بـ ﴿ الم ﴾ ، و ﴿ المص ﴾ ، وأشباه ذلك؛ لأن هذه الحروف لما كانت موضوعة للكتاب معروفة، كان الحرفان (٧٧) ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اُرْكَعُواْ لَا يَرْكَعُونَ  ﴾ أي: صلوا لا يصلون، وقال: ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَت يَدَاكَ  ﴾ وقال الشاعر: لما رأيت أنها في حُطِّي ...

أخذتُ منها بقرونٍ شُمْطِ (٧٨) فعبر بفظة (حطى) عن جميع حروف (أبجد) (٧٩) وهذا القول اختيار الحسن (٨٠) (٨١) ﴿ الم ﴾ مبتدأ مرصد لخبر (٨٢) (٨٣) (٨٤) (٨٥) (٨٦) ومنه قول النبي  "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" (٨٧)  يقاتل اليهود والنصارى، وهم يقولون: لا إله إلا الله، [وهو أراد (لا إله إلا الله)] (٨٨) وعلى هذا قوله: ﴿ وذلك ﴾ مبتدأ ثان و ﴿ الكتاب ﴾ (٨٩) (٩٠) وزعم قطرب (٩١) (٩٢) (٩٣) وحكي عنه- أيضا- قول آخر، وهو أنه قال (٩٤) (٩٥) (٩٦) (٩٧) (٩٨) (٩٩) (١٠٠) ويروى عن الحسن أنه قال: ﴿ الم ﴾ وسائر حروف التهجي في القرآن أسماء للسور (١٠١) فعلى هذا إذا قال القائل (١٠٢) ويجوز أن يكون ﴿ الم ﴾ اسما للسورة المفتتحة بها، ثم لا تعرف تلك السورة بعينها ما لم يقرن بـ ﴿ الم ﴾ لفظ آخر، فيقال: سورة ﴿ الم ذَلِكَ ﴾ ، وسورة (الم الله) (١٠٣) (١٠٤) (١٠٥) (١٠٦) (١٠٧) (١٠٨) (١٠٩) (١١٠) (١١١) (١١٢) وقول الحسن (١١٣) (١١٤) (١١٥) (١١٦) ولا خلاف بينهم أن لك أن تسمي بحروف المعجم كما أن لك أن تسمي بالجمل (١١٧) (١١٨) (١١٩) (١٢٠) إن لها لَرَكَبًا (١٢١) (١٢٢) (١٢٣) (١٢٤) (١٢٥) (١٢٦) (١٢٧) وقال أبو العالية: ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسماء الله عز وجل، وليس منها حرف إلا وهو في آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو في مدة قوم وآجال آخرين (١٢٨) فالاختلاف في هذه الحروف كما ترى، وقد ذكرت عيون أقاويل أهل (١٢٩) (١٣٠) (١٣١)  ذلك على الخصوص (١٣٢) فإن قيل: كيف كتبوا في المصحف هذه الحروف موصولة، والهجاء منقطع لا يتصل بعضه ببعض؟

قلنا: لأنه لم يقصد به الهجاء، إنما هي حروف اجتمعت يراد بكل حرف منها معنى، فهي وإن كانت في صورة الهجاء فإن تحتها معاني، فكانت من هذا الوجه في معنى الكلمات الموصولة (١٣٣) فإن قيل: فلم قطعت ﴿ حم عسق ﴾ ولم تقطع ﴿ كهيعص ﴾ .

قلنا: لأن (حم) قد ذكرت في أوائل سور أخرى، فقطعت مما (١٣٤) (١٣٥) (١٣٦) هذا هو الكلام في الحروف المقطعة في هذه السورة.

(١٣٧) (١) من هذا الموضع نقل المؤلف هذا الكلام من كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح عثمان بن جني، فصل: في تصريف حروف المعجم واشتقاقها وجمعها.

قال: اعلم أن هذِه الحروف مادامت حروف هجاء غير معطوفة ولا ...

الخ 2/ 781 - 784.

(٢) في (ب): (قوله).

(٣) في (أ)، (ج): (أ) وما في (ب) موافق لـ "سر صناعة الإعراب" 2/ 781 (٤) في (ب): فإذا.

(٥) في (ج): (اشقاقها).

(٦) في (ب): (وبذلك).

(٧) في (ب): (أنها).

(٨) في (ب): (ولا يجوز).

(٩) (ويا) ساقط من (ب).

(١٠) في (ب): (فلا يزال)، وفي (ج): (فلا تنال).

(١١) اسم فعل بمعنى: اسكت.

انظر "المقتضب" 3/ 202، "سر صناعة الإعراب" 2/ 494، 600.

(١٢) اسم فعل بمعنى.

اكفف.

انظر المصدرين السابقين.

(١٣) في (ب): (عاقه).

و (غاق) حكايته لصوت الغراب.

انظر "الكتاب" 3/ 302، "المقتضب" 3/ 180، "سر صناعة الإعراب" 2/ 494.

(١٤) اسم فعل.

تقول: إيه يا فتى: إذا أردت أن يزيدك من الحديث.

انظر "المقتضب" 3/ 25، "سر صناعة الإعراب" 2/ 494.

(١٥) في (ب): (قول).

(١٦) انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 782، وانظر: "المقتضب" 1/ 371.

(١٧) عند أبي الفتح (العاطف) 2/ 782.

(١٨) "سر صناعة الإعراب" 2/ 782، وانظر "معاني القرآن" للأخفش1/ 168، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 21، (الأصول في النحو) لابن السراج 2/ 139.

(١٩) غير واضح في (ب).

(المتمكن) هو الاسم الذي يتغير آخره بتغير العوامل، ولم يشبه الحرف، انظر "معجم المصطلحات النحوية" ص 213.

(٢٠) ما بين المعقوفين غير واضح في (ب).

(٢١) ما بين المعقوفين غير واضح في (ب).

(٢٢) في (ب): (كقوله).

(٢٣) في (ج): (أنك).

(٢٤) "سر صناعة الإعراب" 2/ 783، وانظر: "الكتاب" 3/ 264 - 266، "الأصول في النحو" 2/ 139.

(٢٥) هو الفضل بن قدامة بن عجل، كان ينزل الكوفة، أحد رجاز الإسلام المتقدمين من الطبقة التاسعة.

انظر "الشعر والشعراء" ص400، "طبقات فحول الشعراء" 2/ 737، "الخزانة" 1/ 103.

(٢٦) معنى الأبيات: كان لأبي النجم صديق يسقيه الخمر، فينصرف من عنده ثملًا.

لا يملك نفسه، مثل الخرف وهو الذي فسد عقله من الكبر، وكان يتمايل فتخط رجلاه في الطريق ما يشبه: لام ألف، أو أنه تارة يمشي معوجاً فتخط رجلاه ما يشبه: اللام، وتارة يمشي مستقيماً فتخط رجلاه خطأ مستقيما يشبه: الألف.

والأبيات في "ديوان أبي النجم" ص 141، وهي عند أبي عبيدة في "المجاز" 1/ 28 والمبرد في "المقتضب" 1/ 237، 3/ 357، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 22، و"المخصص" 14/ 95،17/ 53، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 651، و"الخزانة" 1/ 99 - 102، والبيت الثالث عند سيبويه 3/ 266.

(٢٧) (قال) ساقط من (ج).

(٢٨) في (ب) (يعرف).

أي أنها ساكنة، لم يجر عليها الإعراب، وعلى هذا استشهد بها سيبويه، ومكان إيراد هذِه الأبيات بعد ذكر وجه البناء، كما هو عند سيبويه والزجاج وغيرهما.

ولابن جني توجيه آخر للأبيات غير ما ذكر، رده البغدادي في (الخزانة).

انظر "سر صناعة الإعراب" 2/ 652، (الخزانة) 1/ 99.

(٢٩) هو الزجاج.

انظر "معاني القرآن" 1/ 22، نقل عنه بتصرف.

(٣٠) في "معاني القرآن": (..

ليست تجري مجرى الأسماء المتمكنة، والأفعال المضارعة ..) 1/ 22، فقوله هنا (ليست كالحروف المتمكنة) لعله تصحيف.

(٣١) في (ب): (كمالها) وفي (ج): (طاسما).

(٣٢) (ب): (كاسما).

الرجز استشهد به سيبويه 3/ 260، وابن الأنباري في "المذكر والمؤنث" ص 450، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 23، والأزهري في "التهذيب" 1/ 91، وابن سيده في "المخصص" 17/ 49، "اللسان" 1/ 16.

والشاهد عندهم أنه ذكر (طاسما) وهي صفة (للسين) فذكره، ولو أنثه لجاز ذلك.

واستشهد به ابن جني في "سر صناعة الإعراب" على أنه أعرب الحروف وأجراها مجرى الأسماء، كما عند المؤلف هنا 2/ 782.

ولم ينسب البيت أحد.

ومعنى البيت.

أنه يشبه آثار الديار بحروف الكتاب.

والطاسم: الدارس.

وقد روى (طامسا) انظر: "الكتاب" 3/ 260 (مع هامش عبد السلام هارون).

(٣٣) هو يزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي البصري، من فصحاء الشعراء، وقد على سليمان بن عبد الملك فوصله وأكرمه.

وكان قد عُيِّن لإمرة فارس.

انظر ترجمته في "الجرح والتعديل" 4/ 2/ 257، "سير أعلام النبلاء" 4/ 519، "الخزانة" 1/ 113.

(٣٤) في (ب): (وباء).

(٣٥) أورده المبرد في "المقتضب" 1/ 236، قال: قال رجل من الأعراب يذم النحويين إذ سمع خصومتهم فيه: إذا اجتمعوا على ألف وباء ...

وتاء هاج بينهم قتال وأورده في 4/ 43، وقافيته (جدال) وأورده الزجاج في "المعاني" 1/ 23، ونصه: إذا اجتمعوا على ألف وواو ...

وياء لاح بينهمُ جدال ونسبه لزيد بن الحكم، وأورده ابن سيده في "المخصص" 14/ 95، وابن جني في == "سر صناعة الإعراب" 2/ 782، والبغدادي في "الخزانة" 1/ 110، 113.والبيت آخر ما نقله عن الزجاج بتصرف.

انظر: "معاني القرآن" 1/ 22، 23.

(٣٦) في (ب): (وبجو).

(٣٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٣٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 22، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ص 449، 450، "المخصص" 17/ 49.

(٣٩) انظر: "الكتاب" 3/ 266، "المقتضب" 1/ 236 - 238، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 22، "سر صناعة الإعراب" 2/ 781، 782.

قال السمين الحلبي: في إعراب الحروف المتقطعة في أوائل السور ثلاثة أقوال: إحداها: أنها أسماء حروف التهجي لا محل لها من الإعراب، وهو أصحها، والثاني: أنها معربة بمعنى أنها صالحة للإعراب، وإنما فات شرط وهو التركيب، وإليه مال الزمخشري، والثالث: أنها موقوفة لا معربة ولا مبنية.

"الدر المصون" 1/ 79.

(٤٠) في (ب): (اسما للسورة)، و (جـ): (لسور).

(٤١) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 90، و"ابن عطية" 1/ 96، "البحر المحيط" 1/ 141، "البيان في غريب القرآن" 1/ 43، و"القرطبي" 1/ 157، "الدر المصون" 1/ 81 قال الزمخشري: ومن لم يجعلها أسماء للسور لم يتصور أن تكون لها محل في مذهبه، كما لا محل للجمل المبتدأة وللمفردات المعددة.

"الكشاف" 1/ 107، 108، ونحوه قال الرازي 2/ 12.

(٤٢) في (أ): (يقول) وأثبت ما في (ب، جـ) لأنه أنسب للسياق.

(٤٣) في (ب): (وعد بك).

(٤٤) في (ج): (عليك).

(٤٥) ذكر الواحدي بعض الأوجه في إعراب الحروف المقطعة في أوائل السور وهناك أوجه أخرى، فقيل: إنها في محل نصب بتقدير: أقرأ (ألم)، وقيل: في موضع خفض بالقسم، لقول ابن عباس: إنها قسم أقسم الله بها.

انظر ابن عطية 1/ 141، "البحر المحيط" 1/ 35، "البيان في غريب القرآن" 1/ 43، والقرطبي 1/ 136، "الدر المصون" 1/ 81.

(٤٦) في (ب): (وبكل).

(٤٧) ذكره الثعلبي في "الكشف" 1/ 37/ أ.

انظر الطبري 1/ 88، "تفسير أبي الليث" 1/ 87، وذكره ابن عطية ونسبه للشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين 1/ 138، وذكره في "البحر المحيط"، ومال إليه.

1/ 35، والقرطبي 1/ 154، وقال: روي عن أبي بكر وعلي، وابن كثير1/ 38.

(٤٨) هو عامر بن شراحيل بن عبد، تابعي شهر بالرواية والحفظ، ولد ونشأ بالكوفة.

والشعبي نسبة إلى (شعب) بطن من همدان، مات سنة خمس ومائة، وقيل: غير ذلك، انظر: "تاريخ بغداد" 12/ 227، "حلية الأولياء" 4/ 310.

(٤٩) قال الواحدي في "الوسيط" 1/ 25، قال داود بن أبي هند: كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور، فقال: يا داود: إن لكل كتاب سرا وإن سر القرآن فواتح السور، فدعها وسل عما سوى ذلك.

وبهذا اللفظ ذكره السيوطي في (الدر) وعزاه لابن المنذر، وأبي الشيخ، ابن حبان في "التفسير".

"الدر" 1/ 56، وذكره الطبري ولم يعزه لأحد 1/ 88، وذكره أبو الليث عن الشعبي1/ 87، والزجاج في "المعاني" 1/ 19، وانظر: القرطبي 1/ 133، 134.

وقد روي عن الشعبي أنه فسرها: بأنها من أسماء الله.

كما في الطبري 1/ 87، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 33، وذكره الأزهري في "التهذيب" 1/ 90.

(٥٠) انظر أقوالهم في "تفسير الثعلبي" 1/ 40/ أ، و"القرطبي" 1/ 134، و"ابن كثير" 1/ 38.

روي عن علي: أنها اسم الله الأعظم.

انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 87، و"ابن عطية" 1/ 138، و"ابن كثير" 1/ 39.

(٥١) انظر: الطبري 1/ 86 - 93، و"ابن عطية" 1/ 140، و"البحر المحيط" 1/ 35، و"القرطبي" 1/ 155.

(٥٢) انظر.

"معاني القرآن" للزجاج 1/ 19، 20، "تهذيب اللغة" 1/ 88.

(٥٣) بهذا اللفظ ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 19، والأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 88، وأبو الليث ونسبه للكلبي1/ 87.

وأخرج ابن جرير بسنده عن ابن عباس قال: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله، وذكره السيوطي في "الدر" == وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في "الأسماء والصفات".

"الدر" 1/ 54، وانظر "تفسير ابن عطية" 1/ 138، وابن كثير 1/ 39، وروي عن عكرمة أنها قسم.

انظر: الطبري 1/ 207وابن أبي حاتم 1/ 170.

(٥٤) في (ب): (اختاره).

(٥٥) في (ب): (وشرفها).

(٥٦) في (ب): (وفضّلها).

(٥٧) في (ب): (أنها).

(٥٨) في (ب): (بالألسن).

(٥٩) في (ب): (وكأنه).

(٦٠) كلام الأخفش ذكره الثعلبي 1/ 40 ب، ولم أجده في "معاني القرآن" للأخفش.

(٦١) في (ب).

(كان).

(٦٢) في (ب): (كألف لام حاميم نون).

(٦٣) في "معاني القرآن" للزجاج (الر)، و (حم)، و (نون) اسم للرحمن، مقطع في اللفظ موصول في المعنى 1/ 20، ونحوه في "تهذيب اللغة" 1/ 88، وقد أخرج ابن جرير بسنده عن ابن عباس في قوله: (ألم) و (حم) و (ن) قال اسم مقطع.

وفي سنده (الباهلي) قال شاكر: لم أقف له على ترجمة.

انظر الطبري مع تحقيق شاكر 1/ 207، وأخرجه ابن أبي حاتم، وفي سنده الباهلي قال محققه: لم أقف له على == ترجمة.

"تفسير ابن أبي حاتم" مع الهامش 1/ 168 رسالة دكتوراه.

وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى ابن جرير، وابن أبي حاتم وابن مردويه.

"الدر" 1/ 54 انظر ابن عطية 1/ 138.

(٦٤) هو سعيد بن جبير بن هشام الأسدي بالولاء، كان من سادات التابعين علمًا وفضلًا وورعًا وفقهًا، قتله الحجاج سنة خمس وتسعين.

انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ" 1/ 76، "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 188.

(٦٥) في (ب): (تعلموا).

(٦٦) ذكره الثعلبي بدون سند.

1/ 40 أ، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 34.

(٦٧) أي عن ابن عباس.

(٦٨) في (ب): (الرا).

(٦٩) في (ب): (وأفضل).

(٧٠) ذكره الزجاج بنصه حيث قال: والثالث عنه: ثم ذكره 1/ 20، وفي تهذيب القول الثالث: (الم) معناه: أنا الله أعلم وأرى 15/ 677، وأخرج ابن جرير بسنده عن ابن عباس: (الم) قال: أنا الله أعلم.

الطبري 1/ 88، وأخرجه ابن أبي حاتم بنحو رواية ابن جرير.

قال المحقق: في سنده عطاء وشريك، اختلطا وساء حفظهما.

(تفسير ابن أبي حاتم) 1/ 32، وأخرجه أبو جعفر النحاس في "القطع والائتناف" قال: (الم) أنا الله أعلم.

و (المر) قال أنا الله أرى، و (المص) قال أنا الله أفصل.

ص 111، وذكره السيوطي في "الدر" بمثل رواية ابن جرير وعزاه إلى وكيع وعبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس 1/ 54.

(٧١) في (المعاني): (تفسيره) 1/ 24.

(٧٢) (هو) ساقط من (ب).

(٧٣) البيت بتمامه في (المعاني): قلنا لها قفي قالت: قاف ...

لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف "معاني القرآن" 1/ 24 ومثله عند الطبري 1/ 90، وكذا في "الخصائص" 1/ 30، 80، 426، 2/ 361، وهو في (تأويل مشكل القرآن) وفيه (...

قالت لي: قاف ...) ص 308، وورد في "معاني القرآن" للفراء3/ 75، "اللسان" (وقف) 8/ 4898، "البحر المحيط" 1/ 35.

والرجز للوليد بن عقبة خرج يريد عثمان بن عفان  لما طلبه حين شهد عليه عنده أنه يشرب الخمر، فخرج الوليد مع بعض رفقته ونزل يسوق الإبل بهم ويرتجز بأبيات منها المذكورة هنا.

(٧٤) في (ج).

(تنطق).

(٧٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 24.

(٧٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٧٧) في (ج): (الجرفان) بالجيم.

(٧٨) الأبيات لبعض بني أسد، وسماه بعضهم بأبي القماقم الأسدي، يتحدث عن امرأة لا يرضى خلقها، حاول إصلاحها فلم تنقد له، كأنها تستمر في أول تعلمها كالصبي الذي لا يعدو في تعلمه حروف الهجاء.

و (القرون الشمط).

خصل الشعر المختلط فيه السواد والبياض.

والأبيات عند الفراء: لما رأيت أمرها في حُطِّي ...

وفَنَكَتْ في كذب ولَطِّ أخذتُ منها بقرون شمط ...

ولم يزل ضربي لها ومَعْطِي حتى علا الرأس دم يغُطِّي "معاني القرآن" للفراء 1/ 369، وذكر منها في "تأويل مشكل القرآن" البيتين اللذين ذكرهما الواحدي ص 30، وكذا الثعلبي 1/ 41، وذكر الطبري الأبيات مثل ما عند الفراء مع اختلاف يسير 1/ 89، ووردت في "كنز الحفاظ في كتاب تهذيب الألفاظ" ص 447، "أمالي القالي" 2/ 200، "تفسير السجاوندي" ص 24.

(٧٩) الكلام الذي نسبه للفراء لم أجده بهذا النص في "معاني القرآن"، وللفراء كلام بمعناه 1/ 368، 2/ 3، وذكر الثعلبي قريبا مما ذكر الواحدي هنا، قال بعده: هذا قول المبرد وجماعة من أهل (المعاني).

الثعلبي 1/ 40/ ب، 41/ أوذكر الواحدي في "البسيط" نحو الكلام الذي نسبه للفراء، وعزاه لابن الأنباري.

انظر "الوسيط" 1/ 26.

(٨٠) في (ب): (الحسين).

(٨١) هو الحسن بن محمد أو ابن يحيى بن نصر الجرجاني، أبو علي، صاحب "نظم القرآن" نقل عنه الواحدي كثيرا، انظر ما تقدم في مصادر الواحدي في تفسيره.

(٨٢) في (ب): (بخير).

(٨٣) في (ب): (التي).

(٨٤) في (ب): (ص) و (حم) و (نون).

(٨٥) في (ب): (لا يريد به).

(٨٦) (مما) ساقط من (ب).

(٨٧) الحديث بلفظ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ...

الحديث).

عن أبي هريرة: قال السيوطي: متواتر: "فيض القدير" 2/ 238، وكذا قال الألباني.

انظر "الأحاديث الصحيحة" 1/ 691 (407).

والحديث أخرجه البخاري (1399) كتاب الزكاة، باب: وجوب الزكاة، "الفتح" 3/ 262، و"كتاب استتابة المرتدين" باب (قتل من أبى قبول الفرائض) 12/ 275، وكتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة" باب "الإقتداء بسنن رسول الله  " 13/ 250، ومسلم 20، 21 كتاب الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وأبو داود (1556) كتاب الزكاة، والترمذي (2607) كتاب الإيمان، باب: أمرت أن أقاتل الناس ..

، والنسائي 5/ 14 كتاب الزكاة، باب: مانع الزكاة.

وأحمد في "المسند" 1/ 19، 35، 48، 2/ 423، 528.

والأحاديث بنحو لفظه كثيرة عن ابن عمر وأنس وغيرهم.

(٨٨) مابين المعقوفين ساقط من (ب).

(٨٩) في (ج): (بالكتاب).

(٩٠) انظر "تفسير الثعلبي" 1/ 42/ ب، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 16، وابن عطية 1/ 143، "البحر" 1/ 36.

(٩١) هو محمد بن المستنير المعروف بـ (قطرب) أحد العلماء المشهورين بالنحو واللغة، أخذ عن سيبويه، مات سنة ست ومائتين.

انظر ترجمته في: "طبقات النحويين واللغويين" ص 99، "تاريخ بغداد" 3/ 298، "معجم الأدباء" 19/ 52، "إنباه الرواة" 3/ 219، "المزهر" 2/ 405.

(٩٢) في (ب): (وأنتم).

(٩٣) ذكر المؤلف قول قطرب بمعناه، وتصرفه في اللفظ أخل به، انظر نص قوله في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 19، "تهذيب اللغة" 1/ 89، "اللسان" 1/ 15.

(٩٤) (قال) ساقط من (ب).

(٩٥) في (ب): (يتفهموا).

(٩٦) في (ب): (القول) تصحيف في الآية.

(٩٧) في (ب): (وقرعت).

(٩٨) هذا آخر وجه (أ) من لوحة (39) في نسخة (ب) وفي أسفل الصفحة في الهامش كتب بخط مختلف: (هذا آخر الاختلاف وليس في هذِه النسخة غيره).

(٩٩) في (ب) (وتأكيداً).

(١٠٠) انظر نص كلام قطرب في: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 24، "تهذيب اللغة" 1/ 89، "اللسان" 1/ 11، "تفسير أبي الليث" 1/ 87، وذكره الطبري ولم يعزه 1/ 89، وذكره الرازي ونسبه لابن روق وقطرب 2/ 6، ومال إليه 2/ 11.

(١٠١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 26، وأبو حيان في "البحر" 1/ 34، وأورد الطبري هذا القول ونسبه لزيد بن أسلم 1/ 206، وكذا الثعلبي 1/ 40/ أ، وابن عطية 1/ 138، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 21، وأبو حيان في (البحر) 1/ 34، والسيوطي في "الدر" 1/ 55.

(١٠٢) نقل عن الطبري بتصرف.

انظر الطبري 1/ 90.

(١٠٣) عند الطبري (..

قرأت (الم البقرة).

وفي آل عمران: قرأت (الم آل عمران) و (الم ذلك الكتاب) و (الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم) الطبري 1/ 90.

(١٠٤) في (ب).

(احتاجهم).

(١٠٥) (عرف) ساقط من (ب).

(١٠٦) في (ب): (أبا).

(١٠٧) في (ب): (و).

(١٠٨) انظر الطبري 1/ 90، وانظر "تأويل المشكل" لابن قتيبة ص 300.

(١٠٩) في (ب): (زيدا في الأصل).

(١١٠) في (ب): (فإن).

(١١١) في (ب).

(التشبه).

(١١٢) قوله: (لخولة أطلال) مطلع معلقة طرفة بن العبد.

انظر "شرح القصائد المشهورات" للنحاس ص 53.

و (قفا نبك) مطلع معلقة امرئ القيس.

انظر "شرح القصائد" ص 3.

وقوله "أما صحا" لم أعثر عليها فيما قرأت.

(١١٣) وهو أن الحروف المقطعة أسماء للسور، وهذا القول نسبه أكثر المفسرين لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه.

انظر ما سبق ص 389.

(١١٤) انظر "شرح المفصل" 1/ 29.

(١١٥) في (ب): (ذاك).

(١١٦) ذكره ابن دريد قال: أوس بن حارثة بن لأم، رأس طييء، عاش مائتي سنة.

وفسر (لأم) فقال: (اللأم) السهم المريش إذا استوت قذذه.

(الاشتقاق) ص 382، 383.

وانظر مادة (لأم) في "اللسان" 7/ 3976، "القاموس" ص1156.

وقد أورد الواحدى الاسم على أن المراد (لام) الحرف، نقل فأصبح علمًا على اسم معين، وعلى ما ذكر ابن دريد لا شاهد فيه للواحدي.

(١١٧) تحكى الجملة على حالها فتصبح علمًا للمسمى انظر "الكتاب" 3/ 326 "المقتضب" 4/ 9، "شرح المفصل" 1/ 28.

(١١٨) في (ب): (كقولك).

(١١٩) في (ب): (سابط).

قيل: سمي بذلك لأنه تأبط حية.

انظر (شرح المفصل) 1/ 28.

(١٢٠) دي (ب): (وروا حبا).

وذرى حبا: اسم رجل.

انظر: "الكتاب" 3/ 326، "المقتضب" 4/ 9، "شرح المفصل" 1/ 28، و"اللسان" (حبب) 1/ 296.

(١٢١) في (ب).

(الركبا).

(١٢٢) في (ج).

(اردبا).

(١٢٣) نسبه سيبويه لرجل من بني طهية.

يروى (مركبا) و (مركنا) وهو منبت المعانة == و (الإرزب) الضخم شبهه بجبهة ذلك الرجل المسمى (ذرى حبا).

ورد البيت في "الكتاب" 3/ 326، "المقتضب" 4/ 9، "معجم مقاييس اللغة" 2/ 391، "اللسان" (حبب) 2/ 746، و (رزب) 3/ 1634، و"شرح المفصل" 1/ 28.

(١٢٤) في (ب): (كل).

(١٢٥) (زيد) ساقط من (ب).

(١٢٦) انظر: "شرح المفصل" 1/ 30.

(١٢٧) مابين المعقوفتين ساقط من (ب).

(١٢٨) بهذا النصر ذكره الثعلبي في "تفسيره" بدون نسبه 1/ 40 أ، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" بسنده عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: في قوله (الم) قال: (هذِه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفا، دارت فيها الألسن كلها.

ليس منها حرف ...) الخ الأثر كما عند المؤلف هنا.

قال المحقق: رجال هذا الإسناد يحتج بروايتهم، لكن أبا العالية يرسل كثيراً، ورواية أبي جعفر الرازي عن أنس مضطربة والمتن في بعض ألفاظه نكارة.

"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 168 (رسالة دكتوراه).

وأخرجه ابن جرير بسنده عن الربيع بن أنس، بنفس اللفظ1/ 88، وذكره ابن كثير في " تفسيره" عن أبي العالية، وتكلم فيه من جهة معناه.

ابن كثير 1/ 41، وذكره == السيوطي في "الدر" وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.

"الدر" 1/ 56، وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 34.

(١٢٩) في (ب): (هذا).

(١٣٠) في (ب): (يكون).

(١٣١) في (ب).

(ما).

(١٣٢) وإلى نحو هذا مال ابن جرير حيث قال: (والصواب من القول عندي في تأويل مفاتيح السور، التي هي حروف المعجم: أن الله جل ثناؤه جعلها حروفا مقطعة، ولم يصل بعضها ببعض -فيجعلها كسائر الكلام المتصل الحروف- لأنه عز ذكره أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منه على معان كثيرة، لا على معنى واحد، كما قال الربيع بن أنس.

وإن كان الربيع قد اقتصر به على معان ثلاثة، دون ما زاد عليها.

والصواب في تأويل ذلك عندي: أن كل حرف منه يحوي ما قاله الربيع، وما قاله سائر المفسرين غيره فيه ....

الخ.

واستثنى بعض الأقوال لضعفها.

انظر الطبري 1/ 93، وانظر "تأويل المشكل" لابن قتيبة ص 299، 300، وقد ذكر ابن كثير كلام الطبري، ولم يرضه، ثم ذكر أقوالاً أخرى وبين ضعفها ثم قال: وقال آخرون: بل إنما ذكرت هذِه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذِه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وقد حكى هذا المذهب الرازي في "تفسيره" عن المبرد وجمع من المحققين، وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا، وقرره الزمخشري في "كشافه" ونصره أتم نصر، واليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، == شيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية.

ابن كثير 1/ 40.

(١٣٣) هذا السؤال والإجابة عليه ذكره ابن الأنباري في "إيضاح الوقف والابتداء" ص 479، وانظر: "القطع والائتناف" للنحاس ص 109، "البرهان في علوم القرآن" 1/ 431.

(١٣٤) في (ب): (ما).

(١٣٥) في (ب): (لغيرها).

(١٣٦) ذكره ابن الأنباري في "إيضاح الوقف والابتداء" ص 479، والنحاس في "القطع والائتناف" ص 109، والزركشي في "البرهان" 1/ 431.

(١٣٧) أي في سورة (البقرة) (الم).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الم ﴾ اختلف فيه وفي سائر حروف الهجاء في أوائل حروف السور، وهي: المص، والر، وكهيعص، وطه، وطسم، وطس، ويس، وص، وق، وحم، وحم عسق، ون.

فقال قوم: لا تفسر لأنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، قال أبو بكر الصديق: لله في كل كتاب سرّ، وسرّه في القرآن فواتح السور، وقال قوم تفسر، ثم اختلفوا فيها، فقيل: هي أسماء الله، وقيل: أشياء أقسم الله بها، وقيل: هي حروف مقطعة من كلمات: فالألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد صلى الله عليه وسلم، ومثل ذلك في سائرها، وإعراب هذه الحروف يختلف بالاختلاف في معناها؛ فيتصور أن تكون على أنها مفعول بفعل مضمر، والخفض على قول من جعلها مقسماً بها كقولك: اللّهِ لأفعلن ﴿ ذَلِكَ الكتاب ﴾ هو هنا القرآن، وقيل: التوراة والإنجيل، وقيل: اللوح المحفوظ وهو الصحيح الذي يدل عليه سياق الكلام ويشهد له مواضع من القرآن.

والمقصود منها إثبات أن القرآن من عند الله كقوله: ﴿ تَنزِيلُ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العالمين ﴾ [السجدة: 2] يعني القرآن باتفاق، وخبر ذلك: لا ريب فيه، وقيل: خبره الكتاب فعلى هذا ﴿ ذَلِكَ الكتاب ﴾ جملة مستقلة فيوقف عليه ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ أي: لا شك أنه من عند الله في نفس الأمر في اعتقاد أهل الحق، ولم يعتبر أهل الباطل، وخبر لا ريب: فيه، فيوقف عليه، وقيل: خبرها محذوف فيوقف على ﴿ لاَ رَيْبَ ﴾ .

والأول أرجح لتعيّنه في قوله: ﴿ لاَ رَيْبَ ﴾ في مواضع أخر.

فإن قيل: فهلا قدم قوله فيه على الريب كقوله: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ [الصافات: 47]؟

فالجواب: أنه إنما قصد نفي الريب عنه.

ولو قدم فيه: لكان إشارة إلى أن ثمّ كتاب آخر في ريب، كما أن لا غول فيها إشارة إلى أن خمر الدنيا فيها غول، وهذا المعنى يبعد قصده فلا يقدم الخبر.

﴿ هُدًى ﴾ هنا بمعنى الإرشاد لتخصيصه بالمتقين، ولو كان بمعنى البيان لعم كقوله: ﴿ هُدًى لِّلنَّاسِ ﴾ .

وإعرابه: خبر ابتداء، أو مبتدأ وخبره: فيه، عندما يقف على لا ريب، أو منصوب على الحال والعامل فيه الإشارة ﴿ لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ مفتعليرِن من التقوى، وقد تقدّم معناه في الكتاب، فنتكلم عن التقوى في ثلاثة فصول.

الأول: في فضائلها المستنبطة من القرآن، وهي خمس عشرة: الهدى كقوله: ﴿ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 2] والنصرة، لقوله: ﴿ إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا ﴾ [النحل: 128] والولاية لقوله: ﴿ والله وَلِيُّ المتقين ﴾ [الجاثية: 18] والمحبة لقوله: ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين ﴾ [براءة: 4] والمغفرة لقوله: ﴿ إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ﴾ [الأنفال: 29] والمخرج من الغم والرزق من حيث لا يحتسب لقوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ [الطلاق: 2] الآية وتيسير الأمور لقوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ﴾ [الطلاق: 4] وغفران الذنوب وإعظام الأجور لقوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ الله يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ﴾ [الطلاق: 5] وتقبل الأعمال لقوله: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين ﴾ [المائدة: 27] والفلاح لقوله: ﴿ واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 189] والبشرى لقوله: ﴿ لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ذلك هُوَ الفوز العظيم ﴾ [يونس: 64] ودخول الجنة لقوله: ﴿ إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النعيم ﴾ [القلم: 34] والنجاة من النار لقوله: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا ﴾ [مريم: 72].

الفصل الثاني: البواعث على التقوى عشرة: خوف العقاب الأخروي، وخوف العقاب الدنيوي، ورجاء الثواب الدنيوي، ورجاء الثواب الأخروي، وخوف الحساب، والحياء: من نظر الله، وهو مقام المراقبة، والشكر على نعمه بطاعته، والعلم لقوله: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء ﴾ [فاطر: 28] وتعظيم جلال الله، وهو مقام الهيبة، وصدق المحبة لقول القائل: تعصي افله وأنت تظهر حبه ** هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته ** إن المحب لمن يحب مطيع ولله در القائل: قالت وقد سألت عن حال عاشقها ** لله صفه ولا تنقص ولا تزد فقلت: لو كان يظن الموت من ظمإ ** وقلت: قف عن ورود الماء لم يرد الفصل الثالث: درجات التقوى خمس: أن يتقي العبد الكفر، وذلك مقام الإسلام، وأن المباحات وهو مقام الزهد، وأن يتقي حضور غير الله على قلبه، وهو مقام المشاهدة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: "لا ريب" بالمد خلف والعجلي عن حمزة وخلف لنفسه، وكذلك قوله تعالى ﴿ لا خير ﴾ و ﴿ لا جرم ﴾ وذلك لاجتماع الفتحة مع الألف أو لتأكيد معنى النفي للجنس "فيهى" ابن كثير، وكذلك يشبع كل هاء كناية في جميع القرآن.

"هدى للمتقين" مدغماً من غير غنة: حمزة وعلي وخلف ويزيد وورش من طريق النجاري، والهاشمي عن ابن كثير.

وكذلك يدغمون النون الساكنة والتنوين في الراء حيث وقعت.

أبو عمرو بالوجهين: إدغام الغنة وإظهارها، والباقون بإظهار الغنة.

ولا خلاف بين القراء في إدغام أصل النون والتنوين في اللام والواو والراء والياء والميم، وإنما الخلاف بينهم في إظهار الغنة وإسقاطها وهي صوت الخيشوم "يؤمنون" غير مهموز: أبو عمرو ويزيد وورش والأعشى وحمزة في الوقف، وكذلك ما أشبههما من الأفعال إلا في أحرف يسيرة تذكر في مواضعها.

الباقون: بالهمز.

(باب في المد) (بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك) بالمد: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن ذكوان، فلا يفرقون بين مدّ الكلمة والكلمتين.

وكذلك روى ورش عن نافع.

والباقون يفرقون فيمدون الكلمة ولا يمدون بين الكلمتين.

فأطول الناس مداً ورش عن نافع، وحمزة وخلف في اختياره والأعشى، ومدهم بمنزلة أربع ألفات.

وأوسطهم مداً علي وابن ذكوان وعاصم غير الأعشى، وأقصرهم مداً ابن كثير وأبو جعفر ونافع غير ورش وأبو عمرو وسهل ويعقوب وهشام.

وأصل المد ألف ساكنة على قدر فتحة فيك فتحاً تاماً، وبالآخرة بترك الهمزة ونقلها إلى الساكن الذي قبلها حيث كان ورش، وكذلك حمزة في الوقف فإن مذهبه أن يقف على كل كلمة مهموزة بغير همزة (باب السكتة) روي عن حمزة وحماد والشموني أنهم يسكتون على كل حرف ساكن بعده همزة سكتة لطيفة نحو: الأرض، والأنهار، وقالوا: آمنا، وأشباه ذلك.

والسبب فيه التمكين والمبالغة في تحقيقها، لأن الهمزة بعد السكتة كالمبتدأ بها.

والاختيار في الكلمة الواحدة أن لا تسكت على ساكن غير لام التعريف احترازاً عن قطع الكلمة.

الوقوف: "ألّم" (ج) للاختلاف "لا ريب" ج على حذف خبر "لا تقديره لا ريب فيه، ثم يستأنف "فيه هدى" ومن وصل جعل فيه خبر "لا" أو وصف ريب وحذف خبر "لا" تقديره "لا ريب فيه عند المؤمنين".

والوقف على التقديرين على "فيه" و "هدى" خبر مبتدأ محذوف أي هو هدى، ومن جعل "هدى" حالاً للكتاب بإعمال معنى الإشارة في "ذلك على تقدير: أشير إلى الكتاب هادياً لم يقف قبل "هدى للمتقين" (لا) لأن الذين صفتهم "ينفقون" لا للعطف، ليدخل عبد الله بن سلام وأصحابه في المتقين، فإن القرآن لهم هدى، وليدخل الصحابة المؤمنون بالغيب في ثناء الهدى ووعد الفلاح.

ولو ابتدأ "والذين" كان "أولئك على هدى" خبرهم مختصاً بهم.

واختص هدى القرآن واسم التقوى بالذين يؤمنون بالغيب.

"من قبلك" ج لاختلاف النظم بتقديم المفعول.

"يوقنون" (ط) لأن أولئك مبتدأ وليس بخبر عما قبله، وكذلك على كل آية وقف بها إلا ما أعلم بعلامة (لا) المفلحون.

التفسير وفيه أبحاث: البحث الأول في "ألم" اعلم أن الألفاظ التي يتهجى بها في قولهم (ألف، با، تا، ثا) أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة التي منها ركبت الكلم، لأن الضاد مثلاً لفظ مفرد دال بالتواطؤ على معنى مستقل بنفسه غير مقترن بأحد الأزمنة، وذلك المعنى هو الحرف الأول من ضرب مثلاً، فيكون لفظ الضاد اسماً، ولهذا قد يتصرف في بعضها بالإمالة نحو (با، تا) وبالتفخيم نحو (با، تا) وبالتعريف والتنكير والجمع والتصغير والوصف والإسناد إليه والإضافة.

وقولهم (با، تا، ثا) متهجاة ومقصورة نحو (لا) ثم قولهم كتبت باء بالمد نحو كتبت (لا) لا يدل على أنها حروف مثل (لا): فإنهم إنما قالوا كذلك في التهجي لكثرة الاستعمال واستدعائها التخفيف، والذي رواه ابن مسعود أن النبي  قال: "من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف" وأيضاً ما وقع في عبارات المتقدمين أنها حروف التهجي خليق بأن يصرف إلى التسامح والتجوز لأنه اسم للحرف وهما متلازمان، أو لأن الحرف قد يطلق على الكلمة تسمية للجنس باسم النوع.

ويحكى عن الخليل أنه سأل أصحابه: كيف تنطقون بالباء التي في ضرب، والكاف التي في ذلك؟

فقالوا: نقول باء، كاف.

فقال: إنما جئتم بالاسم لا الحرف.

وقال: أقول: ب، ك.

ثم إنهم راعوا في هذه التسمية لطيفة، وهي أنهم جعلوا المسمى صدر كل اسم منها إلا الألف فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها، لأنه لا يكون إلا ساكناً.

ومما يضاهيها في إبداع اللفظ دلالة على المعنى البسملة والحيعلة والتهليل ونحوها.

وحكم هذه الأسماء سكون الإعجاز ما لم تلها العوامل فيقال: ألف، لام، ميم موقوفاً عليها لفقد مقتضى الإعراب نحو.

واحد، اثنان، ثلاثة، دار، ثوب، جارية.

فإذا وليتها العوامل أدركها الإعراب نحو: هذه ألف، وكتبت ألفاً، ونظرت إلى ألف.

والدليل على أن سكونها وقف وليس ببناء أنها لو بنيت لحذي بها حذر "كيف" و "أين" و "هؤلاء" ولم يقل صاد، قاف، نون.

مجموعاً فيها بين الساكنين.

وللناس في "الم" وما يجري مجراه من فواتح السور قولان: أحدهما أن هذا علم مستور وسر محجوب استأثر الله به، والتخاطب بالحروف المفردة سنة الأحباب في سنن المحاب، فهو سر الحبيب مع الحبيب بحيث لا يطلع عليه الرقيب: بين المحبين سر ليس يفشيه *** قول ولا قلم للخلق يحكيه عن أبي بكر، في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور.

وعن علي كرم الله وجهه: إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي، وقال بعض العارفين: العلم كبحر أجري منه واد، ثم أجري من الوادي نهر، ثم أجري من النهر جدول، ثم أجري من الجدول ساقية.

فالوادي لا يحتمل البحر، والنهر لا يحتمل الوادي، ولهذا قال عز من قائل: ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها  ﴾ فبحور العلم عند الله  فأعطى الرسل منها أودية، ثم أعطى الرسل من أوديتهم أنهاراً إلى العلماء، ثم أعطى العلماء إلى العامة جداول صغاراً على قدر طاقتهم، ثم أجرت العامة سواقي إلى أهاليهم بقدر طاقتهم، وهذا مأخوذ مما ورد في الخبر "للعلماء سر وللخلفاء سر وللأنبياء سر وللملائكة سر ولله من بعد ذلك كله سر.

فلو اطلع الجهال على سر العلماء لأبادوهم، ولو اطلع العلماء على سر الخلفاء لنابذوهم، ولو اطلع الخلفاء على سر الأنبياء لخالفوهم، ولو اطلع الأنبياء على سر الملائكة لاتهموهم، ولو اطلع الملائكة على سر الله لطاحوا حائرين وبادوا بائدين" والسبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية كما لا يحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش.

وسئل الشعبي عن هذه الحروف فقال: سر الله فلا تطلبوه.

وعن ابن عباس أنه قال: عجزت العلماء عن إدراكها.

وقيل: هو من المتشابه.

وزيف هذا القول بنحو قوله تعالى ﴿ أفلا يتدبرون القرآن  ﴾ ﴿ تبياناً لكل شيء  ﴾ ﴿ هدى للمتقين  ﴾ وإنما يمكن التدبر ويكون تبياناً وهدى إذا كان مفهوماً، وبقول  : "إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي" فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم؟

وأيضاً لا يخاطب المكلف بما لا يفهم كما لا يخاطب العربي بالعجمي، ولا يجوز التحدي بما لا يكون معلوماً، وعورض بقوله  ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله  ﴾ والوقف هنا لأن الراسخين لو كانوا عالمين بتأويله كان الإيمان به كالإيمان بالمحكم، فلا يكون في الإيمان به مزيد مدح، ولا يكون في قوله ﴿ كل من عند ربنا  ﴾ فائدة على ما لا يخفى، وبقوله  "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديم" وقد روينا عن أكابر الصحابة ما روينا.

وأيضاً الأفعال التي كلفنا بها منها ما يظهر وجه الحكمة فيه كالصلاة فإن فيها تواضعاً للمعبود والصوم ففيه كسر الشهوة والزكاة ففيها سد خلة المساكين، ومنها ما لا يظهر فيه الحكمة ككثير من أفعال الحج، ويحسن من الله  الأمر بالنوعين لظهور الامتثال بهما، بل كمال الانقياد في النوع الثاني أظهر وأكثر لأنه تعبد محض.

فلم لا يجوز أن يكون في الأقوال أيضاً مثل ذلك، مع أن فيه فائدة أخرى هي اشتغال السر بذكر الله والتفكير في كلامه؟

القول الثاني: إن المراد من هذه الفواتح معلوم، ثم اختلفوا على وجوه: الأول: أنها أسماء وهو قول أكثر المتكلمين واختاره الخليل وسيبويه، كما سموا بلام والد حارثة بن لام الطائي، وكقولهم للنحاس صاد، وللسحاب عين، وللجبل قاف، وللحوت نون، وسعود تمام الكلام في هذا القول.

الثاني: أنها أسماء الله  .

روي عن علي  أنه كان يقول: يا كَهيعَصَ، يا حمَ عَسَقَ، ويقرب منه ما روي عن سعيد بن جبير أنها أبعاض أسماء الله  ، فإن "الر، حم، ن" مجموعها اسم "الرحمن" لكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في الجميع.

الثالث: أنها أسماء القرآن وهو قول الكلبي والسدي وقتادة.

الرابع: كل واحد من الحروف دال على اسم من أسماء الله  أو صفة من صفاته، فالألف إشارة إلى أنه أحد أول آخر أزلي أبدي، واللام إشارة إلى أنه لطيف، والميم إلى أنه مجيد ملك منان، وفي "كَهيعَصَ" الكاف كاف لعباده، والهاء هاد، والياء من الحكيم والعين عالم، والصاد صادق.

أو الكاف محمول على الكبير والكريم.

والياء على أنه مجير، والعين على العزيز والعدل، ويروى هذا عن ابن عباس.

وعنه أيضاً في "ألم" أنا الله أعلم، وفي "المص" أنا الله أعلم وأفصل، وفي "المر" أنا الله أرى.

الخامس: أنها صفات الأفعال.

الألف آلاؤه، واللام لطفه، والميم مجده، قاله محمد بن كعب القرظي.

السادس: الألف من الله، واللام من جبرائيل، والميم من محمد  .

أي أنزل الله الكتاب بواسطة جبرائيل على محمد  .

السابع: الألف أنا، واللام لي، والميم مني قاله بعض الصوفية.

الثامن: أن ورودها مسرودة هكذا على نمط التعديد ليكون كالإيقاظ وقرع العصا لمن تحدى بالقرآن، أي إن هذا المتلو عليهم وقد عجزوا عنه عن آخرهم كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم، فلولا أنه كلام خالق القدر لم يعجز معشر البشر عن الإتيان بمثل الكوثر قاله المبرد وجم غفير.

والتاسع: كأنه  يقول اسمعوها مقطعة حتى إذا وردت عليكم مؤلفة كنتم قد عرفتموها قبل ذلك، وهذا على طريقة تعليم الصبيان قاله عبد العزيز بن يحيى.

العاشر: إن الكفار لما قالوا ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه  ﴾ أنزل الله  هذه الأحرف رغبة في إصغائهم ليهجم عليهم القرآن من حيث لا يشعرون قاله أبو روق وقطرب.

الحادي عشر: قول أبي العالية إنه حساب على ما روى ابن عباس أنه "مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله  وهو يتلو سورة البقرة الم ذلك الكتاب ثم أتى أخوة حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف فسألوه عن الم وقالوا: ننشدك الله الذي لا إله إلا هو، أحق أنها أتتك من السماء؟

فقال  : نعم، كذلك نزلت فقال حيي: إن كنت صادقاً إني لأعلم أجل هذه الأمة من السنين، ثم قال: كيف ندخل في دين رجل دلت هذه الحروف بحساب الجمل على أن منتهى مدته إحدى وسبعون سنة؟

فضحك رسول الله  .

فقال حيي: فهل غير ذلك؟

فقال: نعم ﴿ المص ﴾ فقال حيي: مائة وإحدى وستون فهل غير هذه؟

فقال: نعم ﴿ الر ﴾ قال حيي: نشهد إن كنت صادقاً ما ملكت أمتك إلا مائتين وإحدى وثلاثين سنة فهل غير هذا؟

قال: نعم ﴿ المر ﴾ قال حيي: ندري بأي أقوالك نأخذ!

فقال أبو ياسر: أما أنا فأشهد أن أنبياءنا قد أخبروا عن ملك هذه الأمة ولم يبينوا أنها كم تكون، فإن كان محمد  صادقاً فيما يقوله إني لأراه يستجمع له هذا كله، فقام اليهود وقالوا: اشتبه علينا أمرك فأنزل الله  ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ﴾ " [آل عمران: 7].

الثاني عشر: تدل على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر.

الثالث عشر: قول الأخفش إن الله  أقسم بهذه الجروف المعجمة لشرفها من حيث إنها أصول اللغات، بها يتعارفون ويذكرون الله ويوحدونه، واقتصر على البعض والمراد الكل كما تقول: قرأت الحمد وتريد السورة كلها، أقسم الله بها أن هذا الكتاب هو المثبت في اللوح المحفوظ.

الرابع عشر: أن النطق بالحروف أنفسها كانت العرب فيه مستوية الأقدام، الأميون وأهل الخط، والكتاب بخلاف النطق بأسامي الحروف فإنه كان مختصاً بمن خط وقرأ، فلما أخبر الرسول  بها من غير تعلم خط وقراءة كان ذلك دليلاً على أنه استفاد ذلك من قبل الوحي.

الخامس عشر: قال القاضي الماوردي: معناه ألم بكم ذلك الكتاب أي نزل، وهذا لا يتأتى في كل فاتحة.

السادس عشر: الألف إشارة إلى ما لا بد منه من الاستقامة على الشريعة في أول الأمر ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا  ﴾ واللام إشارة إلى الحاصل عند المجاهدات وهو رعاية الطريقة ﴿ والذين جاهدوا فينا  ﴾ والميم إشارة إلى صيرورة العبد في مقام المحبة كالدائرة التي يكون نهايتها عين بدايتها وهو مقام الفناء في الله بالكلية وهو الحقيقة ﴿ قل الله ثم ذرهم  ﴾ .

السابع عشر: الألف من أقصى الحلق، واللام من طرف اللسان وهو وسط المخارج، والميم من الشفة وهو آخر المخارج، أي أول ذكر العبد ووسطه وآخره لا ينبغي إلا لله.

الثامن عشر: سمعت بعض الشيعة يقول: هذه الفواتح إذا حذف منها المكررات يبقى ما يمكن أن تركب منه على صراط حق نمسكه، وهذا غريب مع أنه متكلف فلهذا أوردته.

واعلم أن الباقي من الفواتح بعد حذف المكرر أربعة عشر، نصف عدد حروف المعجم بعد الكسر.

وقد أورد الله الفواتح في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم، وهذه الباقية تشتمل على أصناف أجناس الحروف.

من المهموسة نصفها، الصاد والكاف والهاء والسين والحاء، ومن المجهورة نصفها الألف واللام والميم والراء والعين والطاء والقاف والياء والنون، ومن الشديد نصفها ا ك ط ق، ومن الرخوة نصفها لمر صعهسحين، ومن المطبقة نصفها ص ط، ومن المنفتحة نصفها الر كهوس ج ق ي ن، ومن المستعلية نصفها ق ص ط.

ومن المنخفضة نصفها الم ر ك هـ ي ع س ح ن، ومن حروف القلقة نصفها ق ط.

وأكثر ألفاظ القرآن من هذه الحروف، وهذا دليل على أن الله  عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم تبكيتاً لهم وإظهاراً لعجزهم كما مر في الوجه الثامن، ويؤيد ذلك أن الألف واللام لما تكاثر وقوعهما جاءتا في معظم هذه الفواتح مكررتين والله أعلم.

التاسع عشر: قيل: معناه ألست بربكم.

الألف واللام من أوله والميم من آخره أي أخذت منكم كتاب العهد في يوم الميثاق.

والمختار من هذه الأقوال عند الأكثرين القول بأنها أسماء السور، ثم إنه عورض بوجوه: الأول: أنا نجد سوراً كثيرة اتفقت في التسمية بالم وحم والمقصود من العلم رفع الاشتباه.

الثاني: لو كانت أسماء لاشتهرت وتواترت.

الثالث: العرب لم يتجاوزوا بما سموا به مجموع اسمين نحو: معد يكرب وبعلبك، ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة، فالقول بأنها أسماء السور خروج عن لغتهم.

الرابع: لو كانت أسماء لاشتهرت السور بها، لكنها اشتهرت بغيرها نحو سورة البقرة وآل عمران.

الخامس: هذه الألفاظ داخلة في السور وجزء الشيء متقدم على الشيء بالرتبة، واسم الشيء متأخر عن الشيء، فلزم أن يكون متقدماً متأخراً معاً وهو محال.

وليس هذا لتسميتهم صاد للحرف الأول منه، فإن هذا كتسمية المفرد بالمؤلف فلا يلزم إلا تأخر المركب عن المفرد بوجهين، وهذا تسمية المؤلف بالمفرد ويلزم المحال المذكور.

وأجيب عن الأول بما يجاب عن الأعلام المشتركة من أنها ليست بوضع واحد، مع أنه لا يبعد أن تجعل مشتركاً حتى يتميز كل واحد من الآخر بعلامة أخرى لحكمة خفية.

و عن الثاني بأن تسمية السورة بلفظة معينة ليست من الأمور العظام التي تتوفر الدواعي على نقلها.

وعن الثالث بأن التسمية بثلاثة أسماء خروج عن كلام العرب، ولكن إذا جعلت اسماً واحداً فأما منثورة نثر أسماء العدد فلا استنكار لأنها من باب التسمية بما حقه أن يحكى حكاية نحو برق نحره، وكما لو سمي ببيت شعر أو بطائفة من أسماء حروف المعجم.

وعن الرابع أنه لا يبعد أن يصير اللقب أشهر من الاسم.

وعن الخامس أن تأخر ما هو متقدم باعتبار آخر غير مستحيل، وفي لسان الصوفية أن هيئة الصلاة ثلاث: القيام والركوع والسجود.

فالألف إشارة إلى القيام، واللام إلى الركوع، والميم إلى السجود أي من قرأ فاتحة الكتاب في الصلاة التي هي معراج المؤمن شرفه الله بالهداية في قوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وعلى هذا فيكون ذلك الكتاب إشارة إلى الفاتحة لأنها أم الكتاب.

ثم إن هذه الأسماء ضربان: أحدهما ما لا يتأتى فيه الإعراب نحو ﴿ كَهيعَصَ ﴾ ﴿ المر ﴾ وثانيهما ما يتأتى فيه الإعراب لكونه اسماً فرداً كصاد وقاف ونون، أو أسماء عدة مجموعها على زنة مفرد كحمَ وطسَ ويسَ فإنها موازنة لقابيل وهابيل، وكقولك طسم إذا فتح نونها صار كدرابجرد.

فالنوع الأول محكي ليس إلا، والثاني فيه أمران الإعراب والحكاية، فإذا أعرب منع الصرف للعملية والتأنيث قال الشاعر: يذكرني حاميم والرمح شاجر *** فهلا تلا حاميم قبل التقدم؟

والحكاية أن تجيء بالقول بعد نقله على استبقاء صورته نحو قولك "بدأت بالحمد لله" قال ذو الرمة: سمعت الناس ينتجعون غيثاً *** فقلت لصيدح انتجعي بلالاً وأما من قرأ صاد وقاف ونون مفتوحات فبفعل مضمر نحو "اذكر" أو حركت لالتقاء الساكنين.

واستكره جعلها مقسماً بها على طريق قولهم "نعم الله لأفعلن" على حذف حرف الجر وإعمال فعل القسم، لأن القرآن والقلم بعدها محلوف بهما.

واستكرهوا الجمع بين قسمين على مقسم عليه واحد ولهذا قال الخليل: الواو الثانية في قوله عز من قائل ﴿ والليل إذا يغشى.

والنهار إذا تجلى  ﴾ واو العطف لا القسم نحو "وحياتي ثم حياتك لأفعلن" ولو كان انقضى قسمه بالأول على شيء لجاز أن يستعمل كلاماً آخر نحو "بالله لأفعلن تالله لأخرجن" ولا سبيل فيما نحن بصدده إلى جعل "الواو" للعطف لمخالفة الثاني الأول في الإعراب، اللهم إلا أن تقدر مجرورة بإضمار الباء القسمية لا بحذفها فقد جاء عنهم "الله لأفعلن" مجروراً غير أنها فتحت في موضع الجر لكونها غير مصروفة، وأما من قرأ صاد وقاف بالكسر فلالتقاء الساكنين.

وهذه الفواتح جاءت في المصحف مكتوبة على صور الحروف أنفسها لا على صور أساميها، لأن المألوف أنه إذا قيل للكاتب اكتب "صاد" مثلاً فإنه يكتب مسماها ص.

وأيضاً اشتهار أمرها بأن المراد بها هنا الأسامي لا المسميات أمن وقوع اللبس فيها، وأيضاً خطان لا يقاسان، خط المصحف لأنه سنة، وخط العروض لأن المعتبر هناك الملفوظ.

ومن لم يجعل هذه الفواتح أسماء السور فلا محل لها عنده كما لا محل للجمل المبتدأة والمفردات المعدودة، ومن جعلها أسماء للسور فسنخبرك عن تأليفها مع ما بعدها الله حسبي.

البحث الثاني في قوله.

"ذلك الكتاب" وفيه مسائل: الأولى: إنما صحت الإشارة بذلك إلى ما ليس ببعيد لأنه وقعت الإشارة بذلك إلى "الم" بعد ما سبق التكلم به، والمنقضي في حكم المتباعد ولهذا يحسب الحاسب ثم يقول فذلك كذا، أو لأنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع في حد البعد كما تقول لصاحبك وقد أعطيته شيئاً: احتفظ بذلك، أو لأنه وإن كان حاضراً نظراً إلى ألفاظه لكنه غائب نظراً إلى أسراره وحقائقه، أو لأنه على مقتضى الوضع اللغوي لا العرفي، أو لأنه إشارة إلى ما نزل بمكة قبل سورة البقرة.

وقد يسمى بعض القرآن قرآناً، أو لأنه إشارة إلى ما وعد به الرسول عند مبعثه ﴿ إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً  ﴾ أو لأنه إشارة إلى ما أخبر به الأنبياء أن الله سينزله على النبي المبعوث من ولد إسماعيل، أو المراد أن هذا المنزل هو ذلك المثبت في اللوح المحفوظ كقوله ﴿ وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم  ﴾ .

الثانية: إنما ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث وهو السورة في بعض الوجوه نظراً إلى صفته وهو الكتاب كقولك "هند ذلك الإنسان" قال الذبياني: نبئت نعمي على الهجران عاتبة *** سقياً ورعياً لذاك العاتب الزاري وإن جعلت الكتاب خبراً فنظراً إلى أن ذلك في معناه ومسماه فجاز إجراء حكمه عليه في التذكير كما أجري عليه في التأنيث في قولهم: "من كان أمك".

الثالثة: للقرآن أسماء كثيرة منها: الكتاب - وقد تقدم- ومنها الفرقان ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان  ﴾ لأنه نزل متفرقاً في نيف وعشرين سنة، أو لأنه يفرق بين الحق والباطل.

ومنها التذكرة والذكرى والذكر ﴿ وإنه لتذكرة للمتقين  ﴾ ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين  ﴾ ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك  ﴾ أي ذكر من الله  به ذكر به عباده فعرفهم تكاليفه أو شرف وفخر.

ومنها التنزيل ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين  ﴾ ومنها الحديث ﴿ الله نزل أحسن الحديث  ﴾ شبهه بما يتحدث به فإن الله تعالى خاطب به المكلفين.

ومنها الموعظة ﴿ قد جاءتكم موعظة من ربكم  ﴾ ومنها الحكم والحكمة والحكيم والمحكم ﴿ وكذلك أنزلناه حكماً عربياً  ﴾ { ﴿ حكمة بالغة  ﴾ ﴿ يسَ والقرآن الحكيم  ﴾ ﴿ كتاب أحكمت أياته  ﴾ ومنها الشفاء والرحمة ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين  ﴾ ومنها الهدى والهادي ﴿ هدى للمتقين  ﴾ ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم  ﴾ ومنها الصراط المستقيم ﴿ وأن هذا صراطي مستقيماً  ﴾ ومنها حبل الله ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً  ﴾ ومنها الروح { ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ لأنه سبب لحياة الأرواح.

ومنها القصص ﴿ إن هذا لهو القصص الحق  ﴾ ومنها البيان والتبيان والمبين ﴿ هذا بيان للناس  ﴾ ﴿ تبياناً لكل شيء  ﴾ ﴿ تلك آيات الكتاب المبين  ﴾ ومنها البصائر ﴿ هذا بصائر من ربكم  ﴾ ومنها الفصل ﴿ إنه لقول فصل  ﴾ ومنها النجوم ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم  ﴾ لأنه نزل نجماً نجماً.

ومنها المثاني ﴿ مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم  ﴾ لأنه يثنى فيه القصص والأخبار.

ومنها النعمة ﴿ وأما بنعمة ربك فحدث  ﴾ قال ابن عباس: أي القرآن.

ومنها البرهان ﴿ قد جاءكم برهان من ربكم  ﴾ ومنها البشير والنذير ﴿ قرآناً عربياً لقوم يعلمون بشيراً ونذيراً  ﴾ ومنها القيم ﴿ قيماً لينذر بأساً شديداً  ﴾ ومنها المهيمن ﴿ مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه  ﴾ ومنها النور ﴿ واتبعوا النور الذي أنزل معه  ﴾ ومنها الحق ﴿ وإنه لحق اليقين  ﴾ ومنها العزيز ﴿ وإنه لكتاب عزيز  ﴾ ومنها الكريم ﴿ إنه لقرآن كريم  ﴾ ومنها العظيم ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم  ﴾ ومنها المبارك ﴿ كتاب أنزلناه إليك مبارك  ﴾ فهذه جملة الأسماء وسيجيء تفاسيرها في مواضعها.

الرابعة: في تأليف ذلك الكتاب مع "الم" اسماً للسورة ففي التأليف وجوه: أن يكون "الم" مبتدأ أو "ذلك" مبتدأ ثانياً "والكتاب" خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول أي هو الكتاب الكامل الذي يستأهل أن يسمى كتاباً كما تقول: هو الرجل أي الكامل في الرجولية وكقوله: هم القوم كل القوم يا أم خالد.

وأن يكون الكتاب صفة ومعناه هو ذلك الكتاب الموعود، وأن يكون "الم" خبر مبتدأ محذوف أي هذه "الم"، ويكون "ذلك" خبراً ثانياً أو بدلاً على أن الكتاب صفة، وأن يكون هذه "الم" جملة، "ذلك الكتاب" جملة أخرى، وفقد العاطف لأن الثانية بيان للأولى.

وإن جعلت "الم" بمنزلة الصوت كان "ذلك" مبتدأ خبره "الكتاب" أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل، أو "الكتاب" صفة والخبر ما بعده، أو قدر مبتدأ محذوف أي هو يعني المؤلف من هذه الحروف "ذلك الكتاب".

وفي قراءة عبد الله بن مسعود "الم تنزيل الكتاب".

البحث الثالث في قوله "لا ريب فيه" الريب مصدر رابني وحقيقته قلق النفس.

روى الحسن بن علي  عن النبي  "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" فإن الشك ريبة والصدق طمأنينة أي كون الأمر مشكوكاً فيه مما تقلق له النفس، وكونه صحيحاً صادقاً مما تطمئن له.

ومنه ريب الزمان لنوائبه المقلقة، وفي الحديث أن النبي  مر بظبي حاقف أي معوج مضطجع وهم محرومون فقال: لا يريبه أحد بشيء أي لا يزعجه.

والحاصل أن الريب شك وزيادة ظن سوء، فإن قلت: كيف نفي الريب على سبيل الاستغراق، وكم من شقي مرتاب فيه؟

قلت: ما نفي أن أحداً لا يرتاب فيه وإنما المنفي كونه متعلقاً للريب ومظنة له لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه ومثله ﴿ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله  ﴾ لم يقل "وإذا كنتم" مع وقوع الشك منهم في الواقع دلالة على أن الشك فيه مما لا ينبغي أن يوجد إلا على سبيل الفرض والتقدير، ولو فرض فوجه إزالته أن يجردوا أنفسهم ويبرزوا قواهم في البلاغة هل تتم للمعارضة أن تتضاءل دونها.

فإن قلت: فهلا قدم الظرف على الريب كما قدم على الغول في قوله  ﴿ لا فيها غَوْل  ﴾ قلنا: لأن المقصود منها ليس إلا نفي الريب عنه وإثبات أنه حق وصدق، ولو عكس لأفاد ذلك مع ما ليس بمراد ولا هو بصادق في نفس الأمر وهو التعريض بأن ريباً في غيره من الكتب كما أن في قوله: ﴿ لا فيها غول  ﴾ تعريضاً بأن خمور الدنيا تغتال العقول.

وقرأ أبو الشعثاء "لا ريب" فيه بالرفع.

قيل: والفرق بينها وبين المشهورة، أن المشهورة توجب الاستغراق، وهذه تجوزه.

ويمكن أن يقال: كلاهما يوجب الاستغراق إلا أن الأول بطريق نفي الماهية، والثاني لأن قوله "لا ريب" جواب قول القائل هل ريب فيه، وهذا يفيد ثبوت فرد واحد فنقيضه يكون سلب جميع الأفراد.

البحث الرابع في قوله "هدى للمتقين" وفيه مسائل: الأولى: في حقيقة الهدى هو مصدر على فعل كالسرى وهو على الأصح عبارة عن الدلالة.

وقيل: بشرط كونها موصلة إلى البغية بدليل وقوعه في مقابل الضلالة ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى  ﴾ ولأنه يقال مهدي في معرض المدح.

فلو احتمل أن يقال هدى فلم يهتد لم يكن مدحاً، ولأن مطاوعه "اهتدى" فيلزمه.

وأجيب بأن مقابل الضلالة الاهتداء لا الهدى.

وبأن قولنا "مهدي" إنما أفاد المدح لأنه من المعلوم أن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت كالعدم، وبالمنع من أن اهتدى لازم هدى لزوماً كلياً إذ يصح في العرف أن يقال: هديته فلم يهتد، قال عز من قائل: ﴿ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى  ﴾ وقال بعضهم: الهدى الاهتداء، فإن زعم مطلقاً فخطأ لوقوع صفة للقرآن، وإن زعم حيناً فصحيح لوقوعه في مقابلة الضلالة.

الثانية: المتقي اسم فاعل من وقاه فاتقى.

والوقاية فرط الصيانة، وهذه الدابة تقي من وجئها إذا أصابها طلع من غلظ الأرض ورقة الحافر فهو يقي حافره أن يصيبه أدنى شيء.

وهو في الشرع المؤتمر للمأمورات المجتنب عن المحظورات.

واختلف في الصغائر أنه إذا لم يتقها فهل يستحق هذا الاسم؟

روي عنه  أنه قال: "لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس" فحقيقة التقوى الخشية ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم  ﴾ وقد يراد بها الإيمان ﴿ وألزمهم كلمة التقوى  ﴾ أي التوحيد.

وقد يراد التوبة ﴿ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا  ﴾ أي تابوا.

وقد يراد الطاعة ﴿ أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون  ﴾ وقد يراد ترك المعصية ﴿ وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله  ﴾ وقد يراد الإخلاص ﴿ فإنها من تقوى القلوب  ﴾ أي من إخلاصها والتقوى مقام شريف ﴿ إن الله مع الذين اتقوا  ﴾ { ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى  ﴾ ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم  ﴾ وعن ابن عباس أن النبي  قال: "من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده" وقال علي  : التقوى ترك الإصرار على المعصية، وترك الاغترار بالطاعة.

وعن إبراهيم بن أدهم: أن لا يجد الخلق في لسانك عيباً، ولا الملائكة المقربون في أفعالك عيباً، ولا ملك العرش في سرك عيباً.

الواقدي: أن تزين سرك للحق كما زينت ظهرك للخلق.

ويقال: التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك.

ولله در القائل: خل الذنوب صغيرها.

وكبيرها فهو التقي.

كن مثل ماش في طريــــ *** ـــق الشوق يحذر ما يرى لا تحقــرن صغيـــــــــرة *** إن الجبال من الحصــــــى وفي قوله "هدى للمتقين" ثم في موضع آخر ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس  ﴾ دليل على أن الناس محصورون في المتقين، والباقون ﴿ كالأنعام بل هم أضل  ﴾ .

الثالثة: لم اختص كون القرآن هدى للمتقين، وأيضاً المتقي مهتد فكيف يهتدي ثانياً؟

والجواب أن المتقين لما كانوا هم المنتفعين بالهداية خصوا بالذكر مدحاً لهم كقوله  { ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها  ﴾ ﴿ إنما تنذر من اتبع الذكر  ﴾ مع أنه  منذر كل الناس.

وأيضاً قوله "هدى للمتقين" كقولك للعزيز المكرم "أعزك الله وأكرمك" تريد طلب الزيادة واستدامة ما هو ثابت فيه.

وبوجه آخر سماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى متقين نحو "من قتل قتيلاً فله سلبه" فهذا مجاز من باب تسمية الشيء بما هو آيل إليه واللطف فيه أنه لو قال هدى للصائرين إلى التقوى بعد الضلال كان إطناباً في غير موضعه، فإن تصدير السورة التي هي أولى الزهراوين وسنام القرآن وأول المثاني بذكر أولياء الله والمرتضين من عباده هو اللائق بالمقام، فاختص الكلام فإجرائه على الطريقة التي ذكرنا.

فإن قلت: كيف وصفت القرآن بأنه كله هدى وفيه مجمل ومتشابه لا يهتدي فيه إلى المقصود إلا بحكم العقل، فيكون الهدى في ذلك للعقل لا للقرآن؟

ومما يؤكد ما قلنا، ما نقل عن علي  أنه قال لابن عباس حين بعثه رسولاً إلى الخوارج: لا تحتج عليهم بالقرآن فإنه خصم ذو وجهين.

ولهذا كان فرق الإسلام المحق منهم والمبطل يحتجون به، قلنا: المتشابه لما لم ينفك عما يبين المراد معه على التعيين عقلاً كان أو سمعاً صار كله هدى.

فإن قيل: كل ما يتوقف صحة كون القرآن هدى على صحته كمعرفة الله  وصفاته وكمعرفة النبوة، فالقرآن ليس هدى فيه فكيف جعل هدى على الإطلاق؟

قلنا: المراد كونه هدى في تعريف الشرائع والمطلق لا يقتضي العموم، أو كونه هدى في تأكيد ما في العقول أيضاً فيعم.

الرابعة: محل "هدى للمتقين" الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف، أو خبر مع "لا ريب فيه" لذلك أو مبتدأ إذا جعل الظرف المقدم خبراً عنه، ويجوز أن ينتصب على الحال والعامل فيه معنى الإشارة أو الظرف والذي هو أرسخ عرقاً في البلاغة أنه يقال: "الم" جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها، و "ذلك الكتاب" جملة ثانية، و "لا ريب فيه" ثالثة، و "هدى للمتقين" رابعة.

وفقد العاطف بينها لمجيئها متآخية آخذاً بعضها بحجرة بعض، لأنه نبه أولاً على أنه الكلام المتحدى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال فكان تقريراً لجهة التحدي، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب فكان تسجيلاً بكماله، فلا كمال أكمل مما للحق واليقين، ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين فقرر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله، ثم في كل من الجمل نكتة ذات جزالة.

ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه كما مر في الوجه الثامن، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة أي الكتاب الذي يستأهل أن يقال له الكتاب، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف، وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر الذي هو هدى موضع هاد وإيراده منكراً والإيجاز في ذكر المتقين.

البحث الخامس في قوله  ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ .

الآية وفيه مسائل: الأولى: "الذين يؤمنون" إما موصول بالمتقين صفة، أو نصب على المدح، أو رفع كذلك بتقدير أعني الذين، أو هم الذين، أو مرفوع بالابتداء مخبر عنه "بأولئك على هدى".

الثانية: "الذين يؤمنون" على تقدير كونه صفة يكون إما وارداً بياناً وكشفاً وذلك إذا فسر المتقي بأنه الذي يفعل الحسنات ويجتنب السيئات، لأن الإيمان أساس الحسنات والصلاة أم العبادات البدنية قال  : "الصلاة عمادة الدين" "وبين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" والزكاة أفضل العبادات المالية قال  : "الزكاة قنطرة الإسلام" فاختصر الكلام اختصاراً بذكر ما هو كالعنوان لسائر الطاعات وكالأصول لبواقي الحسنات ويندرج فيها اجتناب الفواحش والمنكرات لقوله عز من قائل ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  ﴾ وإما مسرودة مع المتقين مفيدة غير فائدتها وذلك إذا فسر المتقي بالمجتنب عن المعاصي فقط.

ثم إنه يكون قد وصف بالإيمان وهو فعل القلب وبأداء الصلاة والزكاة وهما من أفعال الجوارح، وهذا ترتيب مناسب لأن لوح القلب يجب تخليته عن النقوش الفاسدة أولاً، ثم تحليته بالعقائد الحقة والأخلاق الحميدة، وإما معدودة عداً على سبيل المدح والثناء وذلك إذا فرض المتقي موسوماً بهذه السمات، مشهوراً بهذه الصفات، غير محتاج لذلك إلى البيان والإيضاح كصفات الله الجارية عليه  تمجيداً وتعظيماً.

الثالثة: الأيمان إفعال من الأمن.

يقال: أمنته وآمنته غيري.

ثم يقال: أمنه إذا صدقه.

وحقيقته أمنه التكذيب.

والمخالفة والتعدية بالباء لتضمينه معنى أقر واعتبر ووثق به.

قال في التفسير الكبير: اختلف أهل القبلة في مسمى الإيمان على أربعة أقوال: الأول: قول المعتزلة والخوارج والزيدية وأهل الحديث أنه اسم لأفعال القلوب واللسان والجوارح، لكن المعتزلة قالوا: الإيمان إذا عدي بالباء فمعناه التصديق على تضمين الإقرار أو الوثوق كما مر من حيث اللغة وأما إذا ذكر مطلقاً فمنقول إلى معنى آخر وهو أن يعتقد الحق ويعرب عنه بلسانه ويصدقه بعمله.

فمن أخل بالاعتقاد وإن شهد وعمل فهو منافق، ومن أخل بالشهادة فهو كافر، ومن أخل بالعمل فهو فاسق.

ثم اختلفوا فبعضهم - كواصل بن عطاء والقاضي عبد الجبار - قالوا: الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات سواء كانت واجبة أو مندوبة، أو من باب الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات.

وبعضهم - كأبي علي وأبي هاشم - إنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل، وبعضهم - كالنظام - إنه عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد.

ثم يحتمل أن يكون من الكبائر ما لم يرد فيه الوعيد، فالمؤمن عند الله من اجتنب كل الكبائر، والمؤمن عندنا من اجتنب كل ما ورد فيه الوعيد.

والخوارج قالوا: الإيمان بالله يتناول المعرفة بالله وبكل ما وضع الله عليه دليلاً عقلياً أو نقلياً من الكتاب والسنة، ويتناول طاعة الله في جميع ما أمر به من الأفعال والتروك صغيراً كان أو كبيراً.

فمجموع هذه الأشياء هو الإيمان وترك خصلة من هذه الخصال كفر، وأهل الحديث ذكروا وجهين: الأول: أن المعرفة إيمان كامل وهو الأصل ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة.

وهذه الطاعات لا يكون شيء منها إيماناً إلا إذا كانت مرتبة على الأصل الذي هو المعرفة.

وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر، ثم كل معصية بعده كفر على حدة، ولم يجعلوا شيئاً من الطاعات إيماناً ما لم توجد المعرفة والإقرار، ولا شيئاً من المعاصي كفراً ما لم يوجد الجحود والإنكار.

الثاني: أن الإيمان اسم للطاعات كلها فريضة أو نافلة إلا أنه إذا ترك فريضة انتقض إيمانه، وإن ترك نافلة لم ينتقض.

ومنهم من قال: الإيمان اسم للفرائض دون النوافل.

(القول الثاني): قول من قال الإيمان بالقلب واللسان معاً.

ثم اختلفوا على مذاهب: الأول: أن الإيمان إقرار باللسان ومعرفة بالجنان وهو مذهب أبي حنيفة وعامة الفقهاء، ثم اختلفوا في موضعين: أحدهما في حقيقة هذه المعرفة، فمنهم من قال: هي الاعتقاد الجازم سواء كان اعتقاداً تقليدياً أو علماً صادراً عن الدليل وهم الأكثرون الذين يحكمون بأن المقلد مسلم، ومنهم من فسرها بالعلم الصادر عن الاستدلال.

وثانيهما في أن العلم المعتبر في تحقق الإيمان علم بماذا؟

قال بعض المتكلمين: هو العلم بالله وبصفاته على سبيل التمام والكمال، ثم إنه لما كثر اختلاف الخلق في صفات الله  فلا جرم أقدم كل طائفة على تكفير من عداها من الطوائف، والإنصاف أن المعتبر هو العلم بكل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد  ، فعلى هذا العلم بكونه  عالماً بالعلم أو بذاته أو مرئياً وغير مرئي لا يكون داخلاً في مسمى الإيمان.

والمذهب الثاني: أن الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان معاً وهو مذهب أبي الحسن الأشعري وبشر المريسي، والمراد من التصديق الكلام القائم بالنفس.

المذهب الثالث: كلام بعض الصوفية الإيمان إقرار باللسان وإخلاص بالقلب.

(القول الثالث): قول من قال الإيمان عبارة عن عمل القلب فقط، فمن هؤلاء من قال: الإيمان معرفة الله بالقلب حتى إن من عرف الله بقلبه ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقر به فهو مؤمن كامل الإيمان وهو قول جهم بن صفوان، وزعم أن معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر غير داخلة في حقيقة الإيمان.

وحكى الكعبي عنه أن الإيمان معرفة الله مع معرفة كل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد  .

ومنهم من قال: الإيمان مجرد التصديق بالقلب.

(القول الرابع).

قول من قال الإيمان هو الإقرار باللسان فقط، ثم منهم من قال: شرط كونه إيماناً حصول المعرفة في القلب.

ومنهم من قال: لا حاجة بنا إلى هذا الشرط أيضاً بل المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة يثبت له حكم المؤمنين في الدنيا وحكم الكافرين في الآخرة وهذا قول الكرامية، ثم قال الإمام رحمه الله  : عندي أن الإيمان عبارة عن التصديق بكل ما عرف بالضرورة كونه من دين محمد  مع الاعتقاد فههنا قيود: الأول أن الإيمان عبارة عن التصديق، وذلك أن الإيمان أكثر الألفاظ دوراناً على ألسنة المسلمين، فلو صار منقولاً إلى غير مسماه الأصلي لتوفرت الدواعي على نقل هذا النقل وتواتر وليس كذلك.

وأيضاً الإيمان المعدّى بالباء على أصله اتفاقاً، فغير المعدى أيضاً يكون كذلك كلما ذكر الله  الإيمان في القرآن أضافه إلى القلب ﴿ وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ ﴿ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم  ﴾ وأيضاً قرن الإيمان بالعمل الصالح، ولو كان العمل داخلاً في الإيمان لزم التكرار.

وأيضاً قرن الإيمان بالمعاصي ﴿ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم  ﴾ ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا  ﴾ ﴿ والذين آمنوا ولم يهاجروا  ﴾ ومع عظيم الوعيد في ترك الهجرة.

قال ابن عباس في قوله  : ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص  ﴾ إنما يجب القصاص على القاتل المتعمد، ومع ذلك يدخل في الخطاب.

ثم قال: ﴿ فمن عفى له من أخيه شيء  ﴾ وهذه الأخوة ليست إلا أخوة الإيمان ﴿ إنما المؤمنون إخوة  ﴾ ثم قال: ﴿ ذلك تخفيف من ربكم ورحمة  ﴾ وهذا لا يليق إلا بالمؤمن.

القيد الثاني: أن الإيمان ليس عبارة عن تصديق اللسان لقوله  ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين  ﴾ .

القيد الثالث: ليس عبارة عن مطلق التصديق لأن من صدق بالجبت والطاغوت لا يسمى مؤمناً.

القيد الرابع: لا يشترط التصديق بجميع صفات الله  لقوله  "اعتقها فإنها مؤمنة" بعد قوله عليه الصلاة والسلام لها أين الله؟

قالت: في السماء.

ويعلم مما ذكرنا أن من عرف الله بالدليل، ولما تم العرفان مات ووجد من الوقت ما أمكنه التلفظ بكلمة الشهادة لكنه لم يتلفظ بها كان مؤمناً، وكان الامتناع عن النطق جارياً مجرى المعاصي التي يؤتى بها مع الإيمان، وبهذا حكم الغزالي  قلت: - وبالله التوفيق -: التحقيق في المقام أن للإيمان وجوداً في الأعيان ووجوداً في الأذهان ووجوداً في العبارة.

ولا ريب أن الوجود العيني لكل شيء هو الأصل، وباقي الوجودات فرع وتابع.

فالوجود العيني للإيمان هو النور الحاصل للقلب بسبب ارتفاع الحجاب بينه وبين الحق جل ذكره ﴿ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور  ﴾ وهذا النور قابل للقوة والضعف والاشتداد والنقص كسائر الأنوار ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً  ﴾ كلما ارتفع حجاب ازداد نوراً فيتقوى الإيمان ويتكامل إلى أن ينبسط نوره فينشرح الصدر ويطلع على حقائق الأشياء وتتجلى له الغيوب وغيوب الغيوب فيعرف كل شيء في موضعه، فيظهر له صدق الأنبياء عليهم السلام ولا سيما محمد  خاتم النبيين في جميع ما أخبروا عنه إجمالاً أو تفصيلاً على حسب نوره، وبمقدار انشراح صدره، وينبعث من قلبه داعية العمل بكل مأمور والاجتناب عن كل محظور، فينضاف إلى نور معرفته أنوار الأخلاق الفاضلة والملكات الحميدة ﴿ نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم  ﴾ ﴿ نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء  ﴾ وأما الوجود الذهني فبملاحظة المؤمن لهذا النور ومطالعته له ولمواقعه، وأما الوجود اللفظي فخلاصته ما اصطلح عليه الشارع بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله  .

ولا يخفى أن مجرد التلفظ بقولنا "لا إله إلا الله محمد رسول الله  " من غير النور المذكور لا يفيد إلا كما يفيد للعطشان التلفظ بالماء الزلال دون التروي به، إلا أن التعبير عما في الضمير لما لم يتيسر إلا بواسطة النطق المفصح عن كل خفي والمعرب عن كل مشتبه، كان للتلفظ بكلمة الشهادة ولعدم التلفظ بها مدخل عظيم في الحكم بإيمان المرء وكفره، فصح جعل ذلك وما ينخرط في سلكه من العلامات، كعدم لبس الغيار وشد الزنار دليلاً عليهما، وتفويض أمر الباطن إلى عالم الخفيات المطلع على السرائر والنيات ولهذا قال  : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" الرابعة: يجوز أن يكون بالغيب صلة للإيمان أي يعترفون أو يثقون به، وعلى هذا يكون الغيب بمعنى الغائب ما تسمية بالمصدر كما سمى الشاهد بالشهادة قال الله  : { ﴿ عالم الغيب والشهادة  ﴾ ، [المؤمنون: 92]، [التغابن: 18] والعرب تسمي المطئمن من الأرض غيباً، وإما أن يكون مخفف فيعل والمراد به الخفي الذي لا ينفذ فيه ابتداء إلا علم اللطيف الخبير، وإنما نعلم منه نحن ما أعلمناه أو نصب لنا دليل عليه، ولهذا لا يجوز أن يطلق فيقال: فلان يعلم الغيب، وذلك نحو الصانع وصفاته والنبوات وما يتعلق بها والبعث والنشور والحساب والوعد والوعيد وغير ذلك.

ويجوز أن يكون بالغيب حالاً، والغيب بمعنى الغيبة والخفاء أي يؤمنون غائبين عن المؤمن به وحقيقته متلبسين بالغيب نحو { ﴿ الذين يخشون ربهم بالغيب  ﴾ ﴿ ليعلم أني لم أخنه بالغيب  ﴾ وفيه تعريض بالمنافقين حيث إن باطنهم يخالف ظاهرهم وغيبتهم تباين حضورهم ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم  ﴾ وقال بعض الشيعة: المراد بالغيب المهدي المنتظر الذي وعد الله في القرآن.

وورد في الخبر ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض  ﴾ "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أمتي يواطئ اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً" الخامسة: معنى إقامة الصلاة أحد ثلاثة اشياء: إما تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها من أقام العود إذا قومه، وإما الدوام عليها والمحافظة ﴿ والذين هم على صلاتهم دائمون  ﴾ ﴿ والذين هم على صلاتهم يحافظون  ﴾ من قامت السوق إذا نفقت وأقامها.

قال الأسدي: أقامت غزالة سوق الضراب.

لأهل العراقين حولاً قميطاً.

غزالة اسم امرأة شبيب الخارجي، قتله الحجاج فحاربته سنة تامة.

والضراب القتال، والعراقان الكوفة والبصرة، وقميطاً أي كاملاً لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الذي تتوجه إليه الرغبات، وإما التجلد والتشمر لأدائها وأن لا يكون في مؤديها فتور عنها ولا توان من قولهم: قام في الأمر خلاف تقاعد عنه، فعبر عن الأداء بالإقامة لأن القيام بعض أركانها كما عبر عنه بالقنوت، والقنوت القيام - وبالركوع والسجود والتسبيح ﴿ يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي  ﴾ ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين  ﴾ ولا يخفى أن إقامة الصلاة بجميع هذه المعاني تستحق المدح والثناء.

السادسة: الصلاة في عرف الشرع عبارة عن إلهيات والأقوال المخصوصة التي مفتتحها التحريم ومختتمها التسليم فرضاً كانت أو نفلاً، إلا أنه يحتمل أن يقال المراد بها في الآية الفرض لأن الفلاح قد نيط بها في قوله  للأعرابي "أفلح والله إن صدق" بعد قول الأعرابي "والله لا أزيد على هذه ولا أنقص" أي على الصلوات المفروضة.

واشتقاقها لغة إما من الصلاة بمعنى الدعاء قال الأعشى: وقابلها الريح في دنها *** وصلى على دنها وارتسم أي وضع عليها الرسم وهو الخاتم وإما من قولهم "صليت العصا بالنار" إذا لينتها وقومتها قال: فلا تعجل بأمرك واستدمه *** فما صلي عصاك كمستديم والمصلي يسعى في تعديل ظاهره وتقويم باطنه كالخشب الذي يعرض على النار.

وإما من قولهم "صلى الفرس" إذا جاء مصلياً أي ملازماً للسابق، لأن رأسه عند صلاة، والصلا ما عن يمين الذنب وشماله، والمصلي ملازم لفعله من حين شروعه إلى أوان فراغه.

والصلاة اسم وضع موضع المصدر يقال: صليت صلاة ولا يقال تصلية.

قال في الكشاف: الصلاة فعلة من صلى كالزكاة من زكى.

وكتبها بالواو على لفظ المفخم.

وحقيقة صلى حرك الصلوين لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده، ولا يخفى ما فيه من التعسف.

السابعة: الرزق لغة هو ما ينتفع به، فيشمل الحلال والحرام والمأكول وغيره والمملوك وغيره، والمعتزلة ومن يجري مجراهم زادوا قيداً آخر وهو أن لا يكون ممنوعاً عن الانتفاع به، وعلى هذا لا يكون الحرام عندهم رزقاً.

قال في الكشاف: إسناد الرزق إلى نفسه للإعلام بأنهم ينفقون الحلال المطلق الذي يستأهل أن يضاف إلى الله  ويسمى رزقاً منه.

وأدخل "من" التبعيضية صيانة لهم وكفاً عن الإسراف والتبذير المنهي عنه، وقدم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم كأنه قال: ويخصون بعض المال الحلال بالتصدق به، والحق أن التمكين من الانتفاع بالمرزوق مسند إلى الله  على الإطلاق، إذ كل بقدرته إلا أن مذهب المعتزلة إلى الأدب أقرب، ولا سيما في هذا المقام ليستحقوا المدح بالإنفاق منه.

الثامنة: أنفق الشيء وأنفده أخوان، وكل ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على معنى الخروج والذهاب، وما يقرب منه ويدخل في هذا الإنفاق الواجب من الزكاة التي هي أخت الصلاة وشقيقتها، ومن الإنفاق على النفس وعلى من تجب نفقته، ومن الإنفاق في الجهاد.

ويمكن أن يتناول كل منفق في سبيل الخير للإطلاق قال  ﴿ وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت  ﴾ والمراد به الصدقة لقوله ﴿ فأصدّق وأكن من الصالحين  ﴾ .

البحث السادس: في قوله  و "الذين يؤمنون" الآية.

وفيه مسائل: الأولى: يحتمل أن يراد بهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه الذين اشتمل إيمانهم على كل وحي نزل من عند الله، سالف أو مترقب سبيله سبيل السالف لكونه معقوداً بعضه ببعض ومربوطاً آتيه بماضيه، وأيقنوا بالآخرة إيقاناً زال معه ما كانوا عليه من أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات، وأن أهل الجنة لا يتلذذون إلا بالنسيم والأرواح العبقة والسماع اللذيذ ونحو ذلك.

فيكون المعطوف غير المعطوف عليه إما مغايرة المباينة وذلك إذا أريد بالأولين كل من آمن ابتداء بمحمد  من غير إيمان قبل ذلك بموسى وعيسى عليهما السلام، وإما مغايرة الخاص للعام وذلك إذا أريد بالأولين كل من آمن بمحمد  سواء كان قبل ذلك مؤمناً بموسى وعيسى عليهما السلام أو لم يكن.

ويكون السبب في ذكر هذا الخاص بعد العام إثبات شرف لهم وترغيباً لأمثالهم في الدين، ويحتمل أن يراد بهؤلاء الأولون، ووسط العاطف على معنى أنهم الجامعون بين تلك الصفات وهذه كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام *** وليث الكتيبة في المزدحم يا لهف زيابة للحارث الــــ *** ـــصابح فالغانم فالآئـــب الثانية: قال في التفسير الكبير: المراد من إنزال الوحي أن جبريل سمع في السماء كلاماً لله  فنزل على الرسول  كما يقال: نزلت رسالة الأمير من القصر.

والرسالة لا تنزل لكن المستمع يستمع الرسالة في علو فينزل فيؤدي في سفل.

وقول الأمير لا يفارق ذاته، ولكن السامع يسمع فينزل ويؤدي بلفظ نفسه.

قال: فإن قيل: كيف سمع جبريل كلام الله وكلامه ليس حرفاً ولا صوتاً عندكم؟

قلنا: يحتمل أن يخلق الله له سمعاً لكلامه ثم أقدره على عبارة يعبر بها عن ذلك الكلام القديم.

ويجوز أن يكون خلق الله في اللوح المحفوظ كتابه بهذا النظم المخصوص فقرأه جبرائيل فحفظه، ويجوز أن يخلق أصواتاً مقطعة بهذا النظم المخصوص في جسم مخصوص فيتلقفه جبرائيل ويخلق له علماً ضرورياً بأنه هو العبارة المؤدية لمعنى ذلك الكلام.

وأقول: إنك إذا تأملت ما أشرت إليه في المقدمة العاشرة من مقدمات الكتاب انكشف لك الغطاء عن هذه المسالة.

الثالثة: الإيمان بجميع الكتب السماوية أعني التصديق بها واجب، لأن الفلاح منوط بذلك.

فيجب تحصيل العلم بما أنزل على محمد  التفصيل ليقوم بواجبه علماً وعملاً، لكنه فرض كفاية لقوله  ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين  ﴾ الآية.

وأما المنزل على الأنبياء المتقدمين فالإيمان به واجب على الجملة لأن الله  ما تعبدنا الآن به حتى يلزمنا معرفتها مفصلة، لكنها إن عرفنا شيئاً من تفاصيلها فهناك يجب علينا الإيمان بتلك التفاصيل.

الرابعة: الآخرة صفة الدار تلك الدار الآخرة وهي من الصفات الغالبة تأنيث الآخر نقيض الأول وكذلك الدنيا تأنيث الأدنى لأنها أقرب، واليقين هو العلم بالشيء ضرورة أو استدلالاً بعد أن كان صاحبه شاكاً فيه، ولذلك لا يوصف الله  بأنه متيقن ولا يقال تيقنت أن السماء فوقي أو أني موجود.

وفي تقديم الآخرة وبناء "يوقنون" على "هم" تعريض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته ومن غير إيقان، وأن اليقين ما عليه من آمن بما أنزل على محمد وعلى غيره من الأنبياء، وهذا في معرض المدح ومعلوم أنه لا يمدح بتيقن وجود الآخرة فقط، بل به وبما يتبعه من الحساب والسؤال وإدخال المؤمنين الجنة والكافرين النار.

عن النبي  "يا عجباً كل العجب من الشاك في الله وهو يرى خلقه، وعجباً ممن يعرف النشأة الأولى ثم ينكر النشأة الآخرة، وعجباً ممن ينكر البعث والنشور وهو كل يوم يموت ويحيا - يعني النوم واليقظة - وعجباً ممن يؤمن بالجنة وما فيها من النعيم ثم يسعى لدار الغرور، وعجباً من المتكبر الفخور وهو يعلم أن أوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة" البحث السابع: في قوله  ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ الآية وفيه مسائل: الأولى: في كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: أحدها نوى الابتداء "بالذين يؤمنون بالغيب" على سبيل الاستئناف و "أولئك على هدى" الجملة خبره، كأنه لما قيل "هدى للمتقين" فخص المتقون بأن الكتاب لهم هدى، اتجه لسائل أن يسأل فيقول: ما بال المتقين مخصوصين بذلك؟

فأجيب بأن الذين هؤلاء عقائدهم وأعمالهم أحقاء بأن يهديهم الله ويعطيهم الفلاح.

وهذا النوع من الاستئناف يجيء تارة بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث نحو: قد أحسنت إلى زيد زيد حقيق بالإحسان، وتارة بإعادة صفته مثل: أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك.

فيكون الاستئناف بإعادة صفته مثل: أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك.

فيكون الاستئناف بإعادة الصفة كما في الآية أحسن وأبلغ لانطوائها على بيان الموجب وتلخيصه.

وثانيها: أن يجعل "الذين" و "الذين" تابعاً للمتقين، ويقع الاستئناف على "أولئك" كأنه قيل: ما للمستقلين بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى؟

فقيل: أولئك الموصوفون غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلاً وبالفلاح آجلاً.

وثالثها: أن يجعل الموصول الأول صفة للمتقين ويرفع الثاني على الابتداء، و "أولئك" خبره، ويكون اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضاً بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوة رسول الله  وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون في أنهم سيفلحون عند الله  والفضل من هذه الوجوه لأولها لأن الكلام المبني على السؤال والجواب أكثر فائدة، ولأن الاستئناف بإعادة الصفة أبلغ ولأن السؤال على الوجه الأخير كالضائع، لأن موجبات اختصاصهم بالهدى قد علمت.

وأيضاً إنه يجعل الموصولين تابعاً والوجه الأول يجعل الموصول الأول ركناً من الكلام.

الثانية: الاستعلاء في قوله "على هدى" مثل لتمكنهم من الهدى كقولهم "هو على الحق وفلان على الباطل" وقد يصرح بذلك فيقال: جعل الغواية مركباً، وامتطى الحق، واقتعد غارب الهوى.

ومعنى "هدى من ربهم أي منحوه من عنده وأوتوه من قبله، وهو إما اللطف والتوفيق الذي اعتضدوا به على أعمال الخير والترقي من الأفضل لأفضل، وإما الإرشاد إلى الدليل الموجب للثبات على ما اعتقدوه والدوام على ما عملوه.

ونكر "هدى" ليفيد ضرباً من المبالغة أي هدى لا يبلغ كنهه.

قال الهذلي: فلا وأبي الطير المربة بالضحى *** على خالد لقد وقعت على لحم أي لحم وأي لحم.

وأربّ بالمكان إذا أقام به، والأب مقحم للاستعظام إذ الكنى إنما تكون للأشراف كما أن الإقسام بالطير أيضاً لاستعظامهن لوقوعهن على لحم عظيم، وعنبعضهم الهدى من الله كثير ولا يبصره إلا بصير ولا يعمل به إلا يسير، ألا ترى أن نجوم السماء يبصرها البصراء ولا يهتدي بها إلا العلماء؟

الثالثة: في تكرير "أولئك" تنبيه على أنهم كما ثبت لهم الاختصاص بالهدى ثبت لهم الاختصاص بالفلاح فتميزوا عن غيرهم بهذين الاختصاصين.

ووسط العاطف بينهما لاختلاف خبريهما بخلاف قوله ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون  ﴾ فإن التسجيل عليهم بالغفلة وعدّهم من جملة الأنعام شيء واحد.

الرابعة: "هم" فصل وفائدته بعد الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة التوكيد، وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره.

ويحتمل أن يكون "هم" مبتدأ و "المفلحون" خبره، والجملة خبر "أولئك".

الخامسة: المفلح الفائز بالبغية، والمفلج بالجيم مثله كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر.

وكذلك أخواته في الفاء والعين تدل على معنى الشق والفتح نحو: فلق، وفلذ، ومنه سمي الزارع فلاحاً.

ومعنى التعريف في "المفلحون" إما العهد أي المتقون هم الناس الذين بلغك أنهم المفلحون في الآخرة، أو الجنس على معنى أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحين فهم هم لا يعدون تلك الحقيقة كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام إن زيداً هو هو.

فانظر كيف كرر الله عز وجل التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى وهي ذكر اسم الإشارة، فإن في ذكره أيذاناً بأن ما يرد عقيبه.

فالمذكورون قبله أهل لاكتسابه من أجل الخصال التي عددت لهم، وتكرير اسم الإشارة وتعريف المفلحين وتوسيط الفصل، اللهم زينا بلباس التقوى واحشرنا في زمرة من صدّرت بذكرهم أولى الزهراوين.

قد ورد في الخبر "يحشر الناس يوم القيامة ثم يقول الله عز وجل لهم: طالما كنتم تتكلمون وأنا ساكت فاسكتوا اليوم حتى أتكلم، إني رفعت نسباً وأبيتم إلا أنسابكم قلت: إن أكرمكم عند الله أتقاكم وأبيتم أنتم فقلتم: لا بل فلان ابن فلان، فرفعتم أنسابكم ووضعتم نسبي، فاليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم، فسيعلم أهل الجمع من أصحاب الكرم أين المتقون" فليأخذ العاقل بحكمة الله  وهو نوط الثواب وتعليق العقاب بالعمل الصالح والسيء إلا بما هو غير مضبوط من عفوه عن بعض المذنبين وردّة طاعة بعض المطيعين، كما أن حكمته لما اقتضت ترتب الشبع والري على الأكل والشرب لم يعهد الاتكال على ما يمكن أن يقع بالنسبة إلى قدرته من إشباع شخص أو إروائه من غير تناول الطعام والشراب أو بالعكس، وهذه نكتة شريفة ينتفع بها من وفق لها إن شاء الله.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

﴿ الۤـمۤ ﴾ قيل: فيه وجوهٌ: روى عن ابن عباس -  ما - قال: قوله: ﴿ الۤـمۤ ﴾ أنا الله أعلم.

وقيل: إنه قسم أقسم بها.

وقيل: إن هذه الحروف المعجمة مفتاح السورة.

وقيل: إن كل حرف من هذه الحروف كناية اسم من أسماءِ الله: الأَلف الله، واللام لطفه، والميم ملكه.

وقيل: إن اللام آلاؤه، والميم مجدهُ.

وقيل: إن الأَلف هو الله، واللام جبريل، والميم محمد.

وقيل: إنها من التشبيب؛ ليفصل بين المنظوم من الكلام، والمنثور من نحو الشعر ونحوه.

وقيل: إن تفسير هذه الحروف المقطعة ما أَلحق ذكرها بها على أَثرها نحو قوله: ﴿ الۤـمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ \[أول سورة البقرة\]، ﴿ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ هو تفسير ﴿ الۤـمۤ ﴾ ، و ﴿ الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ \[أول سورة آل عمران\]، ﴿ الۤمۤصۤ * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ \[أول سورة الأعراف\]، و ﴿ الۤر كِتَابٌ ﴾ \[أول سورة هود، وإبراهيم\]، و ﴿ الۤـمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ﴾ \[أول سورة لقمان\] كلُّ ملحقٍ بها فهو تفسيرُها.

وقيل: إن فيها بيان غاية ملك هذه الأُمة من حساب الجُمَّل، ولكنهم عدوا بعضها وتركوا البعض.

وقيل: إنه من المتشابه الذي لم يطلع الله خلقه علم ذلك، ولله أن يمتحن عباده بما شاءَ من المحن.

وقيل: إنهم كانوا لا يستمعون لهذا القرآن؛ كقولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً  ﴾ فأنزل الله عز وجل هذه الحروف المعجمة ليستمعوا إليها فيلزمهم الحجة.

والأصل في الحروف المقطعة: أنه يجوز أن تكون على القَسَم بها على ما ذكرنا.

وأريد بالقدْر الذي ذكر كليةُ الحروف بما كان من شأْن العرب القسمُ بالذي جلَّ قدْرُه، وعظم خطره.

وهي مما بها قوام الدارين، وبها يتصل إلى المنافع أَجمع.

مع ما دّلت على نعمتين عظيمتين - اللسان والسمع - وهما مجرى كل أنواع الحكمة، فأَقسم بها على معنى إضمار ربّها، أَو على ما أَجلّ قدرها في أعين الخلق، فيقسم بها، ولله ذلك، ولا قوة إلا بالله.

ويحتمل: أَن يكون بمعنى الرمز والتضمين في كل حرف منها أمراً جليلاً يعظم خطره على ما عند الناس في أَمر حساب الجُمل.

ثم يُخرَّج على الرمز بِها عن أَسماءِ الله وصفاته ونعمه على خلقه، أَو على بيانِ منتهى هذه الأُمة، أَو عددِ أَئمتها، وملوكها، والبقاع التي ينتهي أمرها، وذلك هو في نهاية الإيجاز، بل بالاكتفاءِ بالرمز عن الكلام، وبما هو بمعنى من الإشارة في الاكتفاءِ بها عن البسط، ولا قوة إلا بالله؛ ليُعلم الخلائقَ قدرة الله، وأَنَّ له أَنْ يضمن ما شاء فيما شاءَ على ما عليه أَمرُ الخلائق من لطيف الأَشياءِ التي كادت العقولُ وأَسباب الإدراك تقصر عنها، وكنهِها التي يدركها كل أَحد، وبين الأَمرين، فعلى ذلك أَمر تركيب الكلام، ولا قوة إلا بالله.

ويجوز أن يكون بمعنى اسم السور، ولله تسميتها بما شاءَ كما سمى كتبه، وعلى ذلك منتهى أَسماءِ الأَجناس خمسة أحرف، وكذلك أمر السور، دليل ذلك وصْلُ كل سورة فتحت بها إليها، كأَنه بنى بها.

ولا قوة إلا بالله.

ويجوز أن يكون على التشبيب، على ما ذكرنا للتفصيل بين المنظوم من الكلام والمنثور في المتعارف أن المنظوم في الشاهد يشبب فيخرج عن المقصود بذلك الكلام، فعلى ذلك أمر الكلام المنزل.

أَلا ترى أَنه خرج على ما عليه فنون الكلام في الشاهد إلا أَنه على وجه ينقطع له المثال من كلامهم، فمثله أَمر التشبيب.

ولا قوة إلا بالله.

وجائِز: أن يكون الله أَنزلها على ما أَراد؛ ليمتحن عبادَه بالوقف فيها، وتسليم المراد في حقيقة معناه والذي له يزول ذلك، ويعترف أَنه من المتشابه، وفيها جاءَ تعلق الملحدة، ولا قوة إلا بالله.

ويحتمل: أَن يكون إذ علم الله من تعنت قوم وإعراضهم عنه وقولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ  ﴾ أَنزل على وجه يبعثهم على التأَمل في ذلك بما جاءَ بالعجيب الذي لم يكونوا يعرفون ذلك: إما لما عندهم أَنه كأَحدهم، أو لسبيل الطعن؛ إذ خرج عن المعهود عندهم، فتلا عليهم ما يضطرهم إلى العلم بالنزول من عند من يملك تدبير الأشياءِ؛ ولذلك اعترضوا لهذه الأَحرف بالتأَمل فيها من بين الجميع.

ولا قوة إلا بالله.

وقيل: إنه دعا خلقه إلى ذلك، والله أَعلم بما أَراد.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ .

أي: هذا الكتاب، إشارة إلى ما عنده، وذلك شائع في اللغة، جائز بمعنى هذا.

وقيل: ذلك بمعنى ذلك، إشارة إلى ما في أَيدي السفرة والبررة.

وقوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .

قيل: فيه وجوهٌ؛ لكن الحاصل يرجع إلى وجهين: أي: لا ترتابوا فيه أنه من عند الله.

وقيل: لا ريب فيه أنه منزل على أَيدي الأُمناءِ والثقات.

وقوله: ﴿ هُدًى ﴾ .

قيل فيه بوجهين: ﴿ هُدًى ﴾ : أَي: بياناً ووضوحاً، فلو كان المراد هذا، فالتَّقيُّ وغير التَّقِيِّ سواء.

والثاني: هُدىً أي: رشداً، وحجة، ودليلاً.

ثم اختلفوا في الدليل: فقال الراوندي: الدليل إنما يكون دليلاً بالاستدلال؛ لأَنه فعل المستدل.

مشتق من الاستدلال؛ كالضرب من الضارب وغيره.

وقال غير هؤلاءِ: الدليل بنفسه دليل، وإن لم يستدل به؛ لأَنه حجة، والحجة حجة وإن لم يحتج بها.

غير أَن الدليل يكون دليلاً بالاستدلال، ومن لم يستدل به فلا يكون له دليلاً، وإن كان بنفسه دليلاً، بل يكون عليه عمى وحيرة كقوله: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ  ﴾ ثم قال: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ  وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً  ﴾ .

وقوله: ﴿ لِّلْمُتَّقِينَ * ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .

قيل: فيه بوجهين: يؤمنون بالله غيباً، ولم يطلبوا منه ما طلبه الأُمم السالفة، من أنبيائهم؛ كقول بني إسرائيل لموسى: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ .

والثاني: يؤمنون بغيب القرآن، وبما يخبرهم القرآن من الوعدِ والوعيدِ، والأَمر والنهي، والبعث، والجنة، والنار.

والإيمانُ إنما يكون بالغيب؛ لأَنه تصديق، والتصديقُ والتكذيب إنما يكونان عن الخبر، والخبرُ يكون عن غيب لا عن مشاهدة.

والآية تنقض قول من يقول: بأَن جميع الطاعات إيمان؛ لأَنه أَثبت لهم اسم الإيمان دون إقامة الصلاة والزكاة بقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: الصلاةَ المعروفةَ، يقيمونها بتمام ركوعها وسجودها، والخشوغ، والخضوع له فيها، وإخلاص القلب في النِّية؛ على ما جَاءَ في الخبر "انْظُر مَنْ تُنَاجِي" ويحتمل: الحمد له والثناء عليه.

فإن كان المراد هذا فهو لا يحتمل النسخ، ولا الرفع في الدنيا والآخرة.

وقوله: ﴿ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ .

من الأموال يحتمل فرضاً ونفلاً.

ويحتمل: ﴿ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾ من القوى في الأَنفس وسلامة الجوارح، ﴿ يُنْفِقُونَ ﴾ : يعينون.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .

يحتمل وجهين: أي: ما أنزل إليك من القرآن.

ويحتمل: ما أنزل إليك من الأَحكام، والشرائع التي ليس ذكرها في القرآن.

وقوله: ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ .

يحتمل وجهين أيضاً: يعني الكتب التي أنزلت على سائِر الأَنبياءِ عليهم السلام.

ويحتمل: الشرائع، والأَخبار سوى الكتب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ .

بمعنى يؤمنون.

والإيقان بالشيء هو العلم به.

والإيمان هو التصديق، لكنه إذا أَيقن آمن به وصدق به لعلمه به؛ لأَن طائفة من الكفار كانوا على ظن من البعث؛ كقوله: ﴿ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ  ﴾ فأَخبر عز وجل عن حال هؤلاءِ أَنهم على يقين، ليسوا على الظن والشك كأُولئك.

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ .

قِيل: على صواب، ورشد من ربهم.

وقيل: إنهم على بيان من ربهم، لكن البيان ليس المؤمنُ أحقَّ به من الكافر؛ لأَنه يبين للكافر جميع ما يحتاج إليه، إما من جهة العقل، وإما من جهة السمع.

فظهر بهذا أَن الأَول أَقرب إلى الاحتمال من الثاني.

وقوله: ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: الباقون في نعم الله والخير.

وقيل: الظافرون بحاجاتهم، يقال: أَفلح، أَي: ظفر بحاجته.

وقيل: ﴿ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ هم السعداءُ، يقال: أَفلح، أي: سعد.

وقيل: ﴿ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ الناجون؛ يقال: أَفلح، أي: نجا.

وكله يرجع إلى واحد؛ كقوله: ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ  ﴾ وكل واحد ممن زحزح عن النار فقد فاز ومن أُدخل الجنة فقد فاز فكذلك الأَول.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

﴿ الم ﴾ هذه من الحروف التي افتُتِحت بها بعض سور القرآن، وهي حروفٌ هجائية لا معنى لها في نفسها إذا جاءت مفردة هكذا (أ، ب، ت، إلخ)، ولها حكمةٌ ومَغْزًى؛ حيث لا يوجد في القرآن ما لا حكمة له، ومن أهم حِكَمها الإشارة إلى التحدي بالقرآن الَّذي يتكوَّن من الحروف نفسها التي يعرفونها ويتكلمون بها؛ لذا يأتي غالبًا بعدها ذكرٌ للقرآن الكريم، كما في هذه السورة.

<div class="verse-tafsir" id="91.EwPz8"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ الٓمٓ  ﴾ هو وأمثاله أسماء للسورة المبتدأة به، ولا يضر وضع الاسم الواحد (كالم) لعدة سور لأنه من المشترك الذي يعين معناه اتصاله بمسماه.

وحكمة التسمية والاختلاف في ﴿ الٓمٓ  ﴾ و ﴿ المص  ﴾ نفوض الأمر فيها إلى المسمي  .

ويسعنا في ذلك ما صنع صحابة رسول الله  وتابعوهم، وليس من الدين في شيء أن يتنطع متنطع فيخترع ما يشاء من العلل، التي قلما يسلم مخترعها من الزلل.

﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ  ﴾ الكتاب بمعنى المكتوب وهو اسم جنس لما يكتب والمراد بالكتاب هذه الرقوم والنقوش ذات المعاني.

والإشارة تفيد التعيين الشخصي أو النوعي.

وليس المراد هنا نوعًا من أنواع الكتب بل المراد كتاب معروف معهود للنبي  بوصفه.

وكأن ذلك العهد مبني على صدق الوعد من الله بأنه يبعثه ويؤيده بكتاب تام كامل كافل لطلاب الحق بالهداية والإرشاد، في جميع شؤون المعاش والمعاد.

فأشار"بذلك"إليه.

ولا يضر أنه لم يكن موجودًا كله وقت نزول أمثال هذه الإشارة، فقد يكفي في صحتها وجود البعض.

وقد كان نزل من القرآن جملة عظيمة قبل نزول أول السورة وأمر النبي  بكتابها فكتبت وحفظت، فالإشارة إليها إشارة إليه.

بل يكفي في صحة الإشارة أن يشار إلى سورة البقرة نفسها لأنه يصح فيها وصف ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ والأول أشبه، والإشارة إلى الكتاب كله عند نزول بعضه إشارة إلى أن الله تعالى منجز وعده للنبي  بإكمال الكتاب كله.

ومن حكمة الإشارة بهذا الكتاب، أي المكتوب المرقوم، أن النبي  أمر بكتابته دون غيره، فهو الكتاب وحده، ولا يضر إنه عند النزول لم يكن مكتوبًا بالفعل لأنك تقول أنا أملي كتابًا أو هلم أُمْلِ عليك كتابًا.

والإشارة البعيدة بالكاف يراد بها بُعْدُ مرتبته في الكمال، وعلوها عن متناول قريحة شاعر أو مقول خطيب قوال، والبعد والقرب في الخطاب الإلهي إنما هو بالنسبة إلى المخلوقين، ولا يقال إن شيئًا بعيدًا عنه تعالى أو قريبًا منه في المكان الحسي لأن كل الأشياء بالنسبة إليه تعالى سواء.

وإنما القرب منه والبعد عنه تعالى معنوي وهو أقرب إلينا من أنفسنا بعمله.

﴿ لا رَيْبَ فِيهِ  ﴾ الريب والريبة والظنة (التهمة) والمعنى أن ذلك الكتاب مبرأ من وصمات العيب، فلا شك فيه، ولا ريبة تعتريه، لا من جهة كونه من عند الله تعالى، ولا في كونه هاديًا مرشدًا، ويصح أن يقال إنه في قوة آياته، ونصوع بيناته، بحيث لا يرتاب عاقل منصف، غير متعنت ولا متعسف، في كونه هداية مفاضة من سماء الحق، مهداة إلى الخلق، على لسان أمي لم يسبق له قبله الاشتغال بشيء من علومه، ولا الإتيان بكلام يقرب منه في بلاغته، ولا في أسلوبه حتى بعد نبوته - ولهذا قال فيما يأتي قريبًا ﴿ وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ  ﴾ وحاصله إنه كذلك في كل من نظمه وأسلوبه وبلاغته، ومن معانيه وعلومه وتأثيره والمتبادر في المعنى أنه لا يمكن أن توجه إليه الشبهة، أو تحوم حوله الريبة في كونه هاديًا من الله تعالى، سواء أشك في ذلك أحد أم لا.

﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ خبر بعد خبر، والهدى مصدر في الأصل كالتُّقى والسُّرى.

والمراد بالهداية هنا الدلالة على الصراط المستقيم مع المعونة الخاصة والأخذ باليد، على ما تقدم في تفسير المراد من ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ  ﴾ ، لأن كونه هاديًا للمتقين بالفعل غير كونه هاديًا -دالًا- لسائر الناس من غير مراعاة أخذهم بدلالته، واستقامتهم على طريقته، وكلمة"المتقين"من الاتقاء، والاسم التقوى، وأصل المادة: وقى يقي.

والوقاية معروفة المعنى.

وهو البعد أو التباعد عن المضر أو مدافعته، ولكن نجد هذا الحرف مستعملًا بالنسبة إلى الله تعالى كقوله ﴿ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ  ﴾ - ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ  ﴾ - ﴿ وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ  ﴾ فمعنى اتقاء الله اتقاء عذابه وعقابه، وإنما تضاف التقوى إلى الله تعالى تعظيمًا لأمر عذابه وعقابه، وإلا فلا يمكن لأحد أن يتقي ذات الله تعالى ولا تأثير قدرته، ولا الخضوع الفطري لمشيئته.

ومدافعة عذاب الله تعالى تكون باجتناب ما نهى واتباع ما أمر، وذلك يحصل بالخوف من العذاب ومن المعذِّب، فالخوف يكون ابتداء من العذاب وفي الحقيقة من مصدره، فالمتقي هو من يحمي نفسه من العقاب ولا بد في ذلك أن يكون عنده نظر ورشد يعرف بهما أسباب العقاب والآلام فيتقيها.

كان من الجاهلين من مقت عبادة الأصنام وأدرك أن فاطر السموات والأرض لا يرتضيه الخضوع لها، وأن الإله الحق يحب الخير، ويبغض الشر، فكان منهم من اعتزل الناس لذلك.

وكانوا لا يعرفون من عبادة الله إلا الالتجاء والابتهال وتعظيم جانب الربوبية، وذلك ما كان يسمى صلاة في لسانهم - وبعض الخيرات البديهية التي يهتدي إليها العقل في معاملات الخلق.

وكان من أهل الكتاب من وصفهم الله تعالى بمثل قوله ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ  يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ  ﴾ وبقوله ﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ  وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ  ﴾ فأمثال هؤلاء من الفريقين هم المراد بالمتقين.

ولا حاجة إلى تخصيص ما جاء في وصفهم بالمؤمنين منهم بعد الإسلام أو بالمسلمين، بل أولئك هم الذين كان في قلوبهم اشمئزاز مما عليه أقوامهم، وفي نفوسهم شيء من التشوف إلى هداية يهتدون بها، ويشعرون باستعدادهم لها، إذا جاءهم شيء من عند الله تعالى.

فالمتقون في هذه الآية إذن هم الذين سلمت فطرتهم فأصابت عقولهم ضربًا من الرشاد ووجد في أنفسهم شيء من الاستعداد لتلقي نور الحق يحملهم على توقي سخط الله تعالى والسعي في مرضاته، بحسب ما وصل إليه علمهم، وأداهم إليه نظرهم واجتهادهم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل