تفسير الألوسي سورة السجدة

الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة السجدة

تفسيرُ سورةِ السجدة كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 134 دقيقة قراءة

تفسير سورة السجدة كاملةً (شهاب الدين الألوسي)

الٓمٓ ١ تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢

سُورَةُ السَّجْدَةِ وتُسَمّى المَضاجِعَ أيْضًا، كَما في الإتْقانِ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ أنَّها كَما تُسَمّى سُورَةَ السَّجْدَةِ، تُسَمّى سَجْدَةَ لُقْمانَ لِئَلّا تَلْتَبِسَ (بِحم السَّجْدَةِ)، وأُطْلِقَ القَوْلُ بِمَكِّيَّتِها، أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ اسْتِثْناءٌ، أخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ السَّجْدَةِ بِمَكَّةَ سِوى ثَلاثِ آياتٍ: ﴿ أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا ﴾ إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ مُجاهِدٍ، والكَلْبِيِّ، واسْتَثْنى بَعْضُهم أيْضًا آيَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، وهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ  ﴾ إلَخْ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِبَعْضِ الرِّواياتِ في سَبَبِ النُّزُولِ، وسَتَطَّلِعُ عَلى ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، واسْتُبْعِدَ اسْتِثْناؤُهُما لِشِدَّةِ ارْتِباطِهِما بِما قَبْلَهُما، وهي تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً في البَصْرِيِّ، وثَلاثُونَ في الباقِيَةِ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها اشْتِمالُ كُلٍّ عَلى دَلائِلِ الأُلُوهِيَّةِ، وفي البَحْرِ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلُ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، وهو الأصْلُ الأوَّلُ، ثُمَّ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا المَعادَ وهو الأصْلُ الثّانِي، وخَتَمَ جَلَّ شَأْنُهُ بِهِ السُّورَةَ، ذَكَرَ تَعالى في بَدْءِ هَذِهِ السُّورَةِ الأصْلَ الثّالِثَ وهو النُّبُوَّةُ، وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في وجْهِ الِاتِّصالِ بِما قَبْلَها: إنَّها شَرْحٌ لِمَفاتِيحِ الغَيْبِ الخَمْسَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ في خاتِمَةِ ما قَبْلُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ  ﴾ ، شَرْحُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ  ﴾ ، ولِذَلِكَ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ  ﴾ شَرْحُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ  ﴾ الآياتِ شَرْحُ قَوْلِهِ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿ ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ  ﴾ ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ  ﴾ ، ﴿ ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها  ﴾ ، شَرْحُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا ﴾ وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ  ﴾ ، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ  ﴾ ، شَرْحُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ  ﴾ ، اهـ، ولا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، وجاءَ في فَضْلِها أخْبارٌ كَثِيرَةٌ.

أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ الضُّرَيْسِ مِن مُرْسَلِ المُسَيِّبِ بْنِ رافِعٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««تَجِيءُ الم تَنْزِيلُ - وفي رِوايَةٍ - الم السَّجْدَةِ، يَوْمَ القِيامَةِ لَها جَناحانِ، تُظِلُّ صاحِبَها وتَقُولُ: لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ»».

وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ طاوُسٍ قالَ: (الم السَّجْدَةِ، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ، تَفْضُلانِ عَلى كُلِّ سُورَةٍ في القُرْآنِ بِسِتِّينَ حَسَنَةً)، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: (تَفْضُلانِ سِتِّينَ دَرَجَةً عَلى غَيْرِهِما مِن سُوَرِ القُرْآنِ).

وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: ««كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ»» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن قَرَأ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ، والم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ، فَكَأنَّما قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ»» .

ورَوى نَحْوَهُ هُوَ، والثَّعْلَبِيُّ، والواحِدِيُّ مِن حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، والثَّعْلَبِيُّ دُونَهم مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الشَّيْخُ ولِيُّ الدِّينِ قائِلًا: لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ، وهَذِهِ الرِّواياتُ كُلُّها مَوْضُوعَةٌ، لَكِنْ رَأيْتُ في الدُّرِّ المَنثُورِ أنَّ الخَرائِطِيَّ أخْرَجَ في مَكارِمِ الأخْلاقِ مِن طَرِيقِ حاتِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ طاوُسٍ أنَّهُ قالَ: ما عَلى الأرْضِ رَجُلٌ يَقْرَأُ: (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ) (وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ)، في لَيْلَةٍ إلّا كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ لَيْلَةِ القَدْرِ)، قالَ: حاتِمٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَطاءٍ، فَقالَ: صَدَقَ طاوُسٌ، واللَّهِ ما تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ بِهِنَّ إلّا أنْ أكُونَ مَرِيضًا، ولَمْ أقِفْ عَلى ما قِيلَ في هَذا الخَبَرِ صِحَّةً وضَعْفًا ووَضْعًا، وفِيهِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ في فَضْلِها غَيْرُ هَذا، اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحالِها، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقْرَؤُها، و( هَلْ أتى ) [الإنْسانُ: 1]، في صَلاةِ فَجْرِ الجُمُعَةِ وهو مُشْعِرٌ بِفَضْلِها، والحَدِيثُ في ذَلِكَ صَحِيحٌ لا مَقالَ فِيهِ.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ: (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ)، و(هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ)»،» وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وهَؤُلاءِ إلّا البُخارِيَّ نَحْوَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ﴿ الم ﴾ إنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ، أوِ القُرْآنِ فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هَذا الم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ باقٍ عَلى مَعْناهُ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أوْ هو مُؤَوَّلٌ باسْمِ المَفْعُولِ، أيْ مُنَزَّلٌ، وإضافَتُهُ إلى الكِتابِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، أوْ بَيانِيَّةٌ بِمَعْنى مِن، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (الم) مُبْتَدَأً، وما بَعْدَهُ أخْبارٌ لَهُ، أيِ: المُسَمّى بِالم الكِتابُ المُنَزَّلُ لا رَيْبَ فِيهِ كائِنٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما يُجْعَلُ عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ ذَلِكَ مَعْلُومَ الِانْتِسابِ إلَيْهِ، وإذْ لا عَهْدَ بِالنِّسْبَةِ قَبْلُ فَحَقُّها الإخْبارُ بِها.

وقالَ أبُو البَقاءِ: (الم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً ( وتَنْزِيلُ ) بِمَعْنى مُنَزَّلٍ خَبَرُهُ، ولا ( رَيْبَ فِيهِ ) حالٌ مِنَ ( الكِتابِ )، والعامِلُ فِيها المُضافُ، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ ( ومِن رَبِّ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(تَنْزِيلُ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( فِيهِ )، والعامِلُ فِيها الظَّرْفُ لا ( رَيْبَ )، لِأنَّهُ هُنا مَبْنِيٌّ وفِيهِ ما سَمِعْتَ، وهَذا التَّعْلِيقُ يَجُوزُ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ (الم) خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وما بَعْدَهُ أخْبارًا لِذَلِكَ المَحْذُوفِ، وإنْ جُعِلَ (الم) مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وفي إعْرابِ ما بَعْدُ عِدَّةُ أوْجُهٍ، قالَ البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( تَنْزِيلُ ) مُبْتَدَأً، و( لا رَيْبَ فِيهِ ) الخَبَرَ، ( ومِن رَبِّ ) حالٌ كَما تَقَدَّمَ، ولا يَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ(تَنْزِيلُ)، لِأنَّ المَصْدَرَ قَدْ أخْبَرَ عَنْهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ( مِن رَبِّ )، و( لا رَيْبَ ) حالًا مِنَ ( الكِتابِ )، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ انْتَهى.

ووَجْهُ مَنعِ التَّعْلِيقِ بِالمَصْدَرِ بَعْدَ ما أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ عامِلٌ ضَعِيفٌ، فَلا يَتَعَدّى عَمَلُهُ لِما بَعْدَ الخَبَرِ، وعَنِ التِزامِ حَدِيثِ التَّوَسُّعِ في الظَّرْفِ سَعَةٌ هُنا، أوْ أنَّ المُتَعَلِّقَ مِن تَمامِهِ، والِاسْمُ لا يُخْبِرُ عَنْهُ قَبْلَ تَمامِهِ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ تَعَلُّقَ ( مِن رَبِّ ) بِـ(رَيْبَ)، وفِيهِ أنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ المَعْنى المَقْصُودِ، وجَوَّزَ الحُوفِيُّ كَوْنَ ( تَنْزِيلُ ) خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيِ المُؤَلَّفُ مِن جِنْسِ ما ذُكِرَ تَنْزِيلُ الكِتابِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي أخْتارُهُ أنْ يَكُونَ ( تَنْزِيلُ ) مُبْتَدَأٌ، و( لا رَيْبَ فِيهِ ) اعْتِراضٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، ( ومِن رَبِّ العالَمِينَ ) الخَبَرُ، وضَمِيرُ ( فِيهِ ) راجِعٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، أعْنِي كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، لا لِلتَّنْزِيلِ، ولا لِلْكِتابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا رَيْبَ في ذَلِكَ، أيْ في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، وهَذا ما اعْتَمَدَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَ أنَّهُ الوَجْهُ، ويَشْهَدُ لِوَجاهَتِهِ قَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۚ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًۭا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٍۢ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ٣

﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ﴾ فَإنَّ قَوْلَهم هَذا مُفْتَرًى إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ مِن رَبِّ العالَمِينَ، أيْ فالأنْسَبُ أنْ يَكُونَ نَفْيُ الرَّيْبِ عَمّا أنْكَرُوهُ، وهو كَوْنُهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ جَلَّ شَأْنُهُ، وقِيلَ: أيْ فَلا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ مَوْرِدُهُ حُكْمًا مَقْصُودًا بِالإفادَةِ، لا قَيْدًا لِلْحُكْمِ بِنَفْيِ الرَّيْبِ عَنْهُ، وفِيهِ بَحْثٌ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ فَإنَّهُ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ، فَيَكُونُ مِثْلَهُ في الشَّهادَةِ، ثُمَّ قالَ في نَظْمِ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ: إنَّهُ أُسْلُوبٌ صَحِيحٌ مُحْكَمٌ، أثْبَتَ سُبْحانَهُ أوَّلًا أنَّ تَنْزِيلَهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، أيْ لا مَدْخَلَ لِلرَّيْبِ في أنَّهُ تَنْزِيلُ اللَّهِ تَعالى، وهو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنهُ، لِأنَّ نافِيَ الرَّيْبِ ومُمِيطَهُ مَعَهُ لا يَنْفَكُّ أصْلًا عَنْهُ، وهو كَوْنُهُ مُعْجِزًا لِلْبَشَرِ، ثُمَّ أضْرَبَ جَلَّ وعَلا عَنْ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: «أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ»، لِأنَّ «أمْ» هي المُنْقَطِعَةُ الكائِنَةُ بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ إنْكارًا لِقَوْلِهِمْ وتَعْجِيبًا مِنهُ، لِظُهُورِ عَجْزِ بُلَغائِهِمْ عَنْ مِثْلِ أقْصَرِ سُورَةٍ مِنهُ، فَهو إمّا قَوْلُ مُتَعَنِّتٍ مُكابِرٍ، أوْ جاهِلٍ عَمِيَتْ مِنهُ النَّواظِرُ، ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنِ الإنْكارِ إلى إثْباتِ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ، وفي الكَشْفِ: أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ بَيَّنَ وجاهَةَ كَوْنِ ( تَنْزِيلُ الكِتابِ ) مُبْتَدَأً، و( لا رَيْبَ فِيهِ ) اعْتِراضًا، ( ومِن رَبِّ العالَمِينَ ) خَبَرًا، بِحُسْنِ مَوْقِعِ الِاعْتِراضِ إذْ ذاكَ حَسُنَ الإنْكارُ عَلى الزّاعِمِ أنَّهُ مُفْتَرًى، مَعَ وُجُودِ نافِي الرَّيْبِ ومُمِيطِهِ، ثُمَّ إثْباتُ ما هو المَقْصُودُ، وعَدَمُ الِالتِفاتِ إلى شَغَبِ هَؤُلاءِ المُكابِرَةِ بَعْدَ التَّلْخِيصِ البَلِيغِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ وما في إيثارِ لَفْظِ ( الحَقُّ )، وتَعْرِيفِهِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ مِنَ الحُسْنِ، ويَقْرُبُ عِنْدِي مِن هَذا الوَجْهِ جَعْلُ ( تَنْزِيلُ ) مُبْتَدَأً، وجُمْلَةِ ( لا رَيْبَ فِيهِ ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ ( الكِتابِ) (ومِن رَبِّ ) خَبَرًا، فَتَدَبَّرْ، ولا تَغْفُلْ، وزَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ ( أمْ ) بِمَعْنى بَلِ الِانْتِقالِيَّةِ، وقالَ: إنَّ هَذا خُرُوجٌ مِن حَدِيثٍ إلى حَدِيثٍ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

والظّاهِرُ أنَّ ( مِن رَبِّكَ ) في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ كائِنًا مِن رَبِّكَ، وقِيلَ: يَجُوزُ جَعْلُهُ خَبَرًا ثانِيًا، وإضافَةُ الرَّبِّ إلى العالَمِينَ أوَّلًا، ثُمَّ إلى ضَمِيرِ سَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثانِيًا بَعْدَ ما فِيهِ مِن حُسْنِ التَّخَلُّصِ إلى إثْباتِ النُّبُوَّةِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ عَلا شَأْنُهُ فِيهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ العَبْدُ الجامِعُ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ ما فَرَّقَ في العالَمِ بِالأسْرِ، ووُرُودُهُ عَلى أُسْلُوبِ التَّرَقِّي دَلَّ عَلى أنَّ جَمْعِيَّتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أتَمُّ مِمّا لِكُلِّ العالَمِ، وحُقَّ لَهُ ذَلِكَ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ، ﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ ﴾ بَيانٌ لِلْمَقْصُودِ مِن تَنْزِيلِهِ، فَقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ (بِتَنْزِيلُ)، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ، أيْ أنْزَلَهُ لِتُنْذِرَ إلَخْ، وقِيلَ: بِما تَعَلَّقَ بِهِ ( مِن رَبِّكَ)، (وقَوْمًا ) مَفْعُولٌ أوَّلُ (لِتُنْذِرَ)، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيِ العِقابَ، وما نافِيَةٌ كَما هو الظّاهِرُ، ( ومِنَ ) الأُولى صِلَةٌ، ( ونَذِيرٌ ) فاعِلُ ( أتاهم )، ويُطْلَقُ عَلى الرَّسُولِ، وهو المَشْهُورُ، وعَلى ما يَعُمُّهُ، والعالِمِ الَّذِي يُنْذِرُ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ، قِيلَ: وهو المُرادُ هُنا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ  ﴾ .

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النَّذِيرُ ها هُنا مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْذارِ، ( ومِن قَبْلِكَ ) أيْ مِن قَبْلِ إنْذارِكَ أوْ مِن قَبْلِ زَمانِكَ مُتَعَلِّقٌ بِأتى، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ (لِقَوْمًا)، والمُرادُ بِهِمْ قُرَيْشٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، قالَ في الكَشْفِ: الظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ رَسُولٌ مِنهم قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ  ، وكانُوا مُلْزَمِينَ بِشَرائِعِ الرُّسُلِ مِن قَبْلُ، وإنْ كانُوا مُقَصِّرِينَ في البَحْثِ عَنْها، لا سِيَّما دِينُ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، إنْ قُلْنا: إنَّ دَعْوَتَيْ مُوسى، وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ لَمْ تَعُمّا، وهو الأظْهَرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ القَوْلُ بِانْقِطاعِ حُكْمِ نُبُوَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ ما عَدا نَبِيَّنا  بَعْدَ مَوْتِهِ فَلا يُكَلَّفُ أحَدٌ مُطْلَقًا يَجِيءُ بَعْدَهُ بِاتِّباعِهِ، والقَوْلُ بِالِانْقِطاعِ إلّا بِالنِّسْبَةِ لِمَن كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ قُرَيْشًا كانُوا مُلْزَمِينَ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وإنَّهم لَمْ يَزالُوا عَلى ذَلِكَ إلى أنْ فَشَتْ في العَرَبِ عِبادَةُ الأصْنامِ الَّتِي أحْدَثَها فِيهِمْ عَمْرٌو الخُزاعِيُّ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى، فَلَمْ يَبْقَ مِنهم عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ إلّا قَلِيلٌ، بَلْ أقَلُّ مِنَ القَلِيلِ، فَهم داخِلُونَ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ ﴾ فَإنَّهُ عامٌّ لِلرَّسُولِ، ولِلْعالِمِ يُنْذِرُ كَذا قِيلَ.

واسْتَشْكَلَ مَعَ ما هُنا، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ ما أتاهم نَذِيرٌ مِنهم مِن قَبْلِكَ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الكَشْفِ، وهُناكَ (إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ) مِنها، أوْ مِن غَيْرِها، أوْ يُحْمَلُ النَّذِيرُ فِيهِ عَلى الرَّسُولِ، وفي تِلْكَ الآيَةِ عَلى الأعَمِّ، قالَ أبُو حَيّانَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ المَلائِكَةِ: إنَّ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْ كُلِّ أُمَّةٍ، إمّا بِمُباشَرَةٍ مِن أنْبِيائِهِمْ، وإمّا بِنَقْلٍ إلى وقْتِ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ  ، والآياتُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّ قُرَيْشًا ما جاءَهم نَذِيرٌ مَعْناها لَمْ يُباشِرْهم وآباءَهُمُ الأقْرَبِينَ، وإمّا أنَّ النِّذارَةَ انْقَطَعَتْ فَلا تَعُمُّ، لَمّا شَرَعَتْ آثارُها تَنْدَرِسُ بُعِثَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وما ذَكَرَهُ أهْلُ عِلْمِ الكَلامِ مِن حالِ أهْلِ الفَتَراتِ، فَإنَّ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ الفَرْضِ لا أنَّهُ واقِعٌ، فَلا تُوجَدُ أُمَّةٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ إلّا وقَدْ عَلِمَتِ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وعِبادَتِهِ انْتَهى.

وفِي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ، ومُقْتَضاهُ أنَّ المَنفِيَّ ها هُنا إتْيانُ نَذِيرٍ مُباشِرٍ، أيْ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قُرَيْشًا الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَهُ  ، وأنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن يُنْذِرُهُمْ، ويَدْعُوهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ بِالنَّقْلِ، أيْ عَنْ نَبِيٍّ كانَ يَدْعُو إلى ذَلِكَ، والأوَّلُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَخْتَلِفَ فِيهِ اثْنانِ، بَلْ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَوَقَّفَ فِيهِ إنْسانٌ، والثّانِي مَظْنُونُ التَّحَقُّقِ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ العَدَوِيِّ والِدِ سَعِيدٍ أحَدِ العَشَرَةِ، فَإنَّهُ عاصَرَ النَّبِيَّ  ، واجْتَمَعَ، وآمَنَ بِهِ قَبْلَ بَعْثَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَمْ يُدْرِكْها، إذْ قَدْ ماتَ، وقُرَيْشٌ تَبْنِي الكَعْبَةَ، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ البَعْثَةِ بِخَمْسِ سِنِينَ، وكانَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: لَقَدْ رَأيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلى الكَعْبَةِ، يَقُولُ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ما أصْبَحَ أحَدٌ مِنكم عَلى دِينِ إبْراهِيمَ غَيْرِي، وفي بَعْضِ طُرُقِ الخَبَرِ عَنْهُ أيْضًا بِزِيادَةٍ، وكانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي لَوْ أعْلَمُ أحَبَّ الوُجُوهِ إلَيْكَ عَبَدْتُكَ بِهِ، ولَكِنِّي لا أعْلَمُ، ثُمَّ يَسْجُدُ عَلى راحِلَتِهِ، وذَكَرَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ في المَغازِي: سَمِعْتُ مَن أرْضى يُحَدِّثُ أنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كانَ يَعِيبُ عَلى قُرَيْشٍ ذَبْحَهم لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وصَحَّ أنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مِن ذَبائِحِ المُشْرِكِينَ الَّتِي أُهِلَّ بِها لِغَيْرِ اللَّهِ.

وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ في مُسْنَدِهِ، عَنِ ابْنِهِ سَعِيدٍ أنَّهُ قالَ: «قُلْتُ لِلنَّبِيِّ  : إنَّ أبِي كانَ كَما رَأيْتَ، وكَما بَلَغَكَ، أفَأسْتَغْفِرُ لَهُ: (قالَ، نَعَمْ، فَإنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ)».

ولا يَبْعُدُ مِمَّنْ كانَ هَذا شَأْنَهُ الإنْذارُ والدَّعْوَةُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ مَن أنْصَفَ يَرى تَضَمُّنَ كَلامِهِ الَّذِي حَكَتْهُ أسْماءُ، وإنْكارَهُ عَلى قُرَيْشٍ الذَّبْحَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي ذَكَرَهُ الطَّيالِسِيُّ والدَّعْوَةَ إلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعِبادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وحْدَهُ، وكَذا تَضَمُّنُ كَلامِهِ النَّقْلَ أيْضًا، ويَعْلَمُ مِمّا نَقَلْناهُ أنَّ الرَّجُلَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وهو ظاهِرٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَ يُسْنِدُ ظَهْرَهُ إلى الكَعْبَةِ ويَقُولُ: هَلُمُّوا إلَيَّ، فَإنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلى دِينِ الخَلِيلِ غَيْرِي، وصِحَّةُ ذَلِكَ مَمْنُوعَةٌ، وعَلى فَرْضِ التَّسْلِيمِ، لا دَلِيلَ فِيهِ عَلى المَقْصُودِ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٌ، ومِثْلُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قُسُّ بْنُ ساعِدَةَ الإيادِيُّ، فَإنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ داعِيًا إلى عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ وحْدَهُ وعاصَرَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وماتَ قَبْلَ البَعْثَةِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، وكانَ مِنَ المُعَمَّرِينَ، ذَكَرَ السِّجِسْتانِيُّ أنَّهُ عاشَ ثَلاثَمِائَةٍ وثَمانِينَ سَنَةً، وقالَ المَرْزُبانِيُّ: ذَكَرَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ عاشَ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ، وذَكَرُوا في شَأْنِهِ أخْبارًا كَثِيرَةً، لَكِنْ قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في كِتابِهِ الإصابَةِ: قَدْ أفْرَدَ بَعْضُ الرُّواةِ طَرِيقَ قُسٍّ، وفِيهِ شِعْرُهُ، وخُطْبَتُهُ وهو في الطِّوالاتِ، لِلطَّبَرانِيِّ وغَيْرِها، وطُرُقُهُ كُلُّها ضَعِيفَةٌ، وعَدَّ مِنها ما عَدَّ فَلْيُراجَعْ، ثُمَّ إنَّ الإشْكالَ إنَّما يُتَوَهَّمُ لَوْ أُرِيدَ بِقُرَيْشٍ جَمِيعُ أوْلادِ قُصَيٍّ، أوْ فِهْرٍ، أوِ النَّضْرِ، أوْ إلْياسَ، أوْ مُضَرَ، أمّا إذا أُرِيدَ مَن كانَ مِنهم حِينَ بُعِثَ  ، فَلا، كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ فَتَأمَّلْ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ العَرَبُ قُرَيْشٌ وغَيْرُهُمْ، ولَمْ يَأْتِ المُعاصِرِينَ مِنهم رَسُولَ اللَّهِ  نَذِيرٌ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ غَيْرُهُ  ، وكانَ فِيهِمْ مَن يُنْذِرُ، ويَدْعُو إلى التَّوْحِيدِ، وعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، ولَيْسَ بِنَبِيٍّ عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا، وأمّا العَرَبُ غَيْرُ المُعاصِرِينَ فَلَمْ يَأْتِهِمْ مِن عَهْدِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ مِنهُمْ، بَلْ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ مُطْلَقًا، ومُوسى.

وعِيسى وغَيْرُهُما مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُبْعَثُوا إلَيْهِمْ عَلى الأظْهَرِ، وخالِدُ بْنُ سِنانٍ العَبْسِيُّ عِنْدَ الأكْثَرِينَ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، وخَبَرُ وُرُودِ بِنْتٍ لَهُ عَجُوزٍ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَها: «(مَرْحَبًا بِابْنَةِ نَبِيٍّ ضَيَّعَهُ قَوْمُهُ)» ونَحْوُهُ مِنَ الأخْبارِ مِمّا لِلْحُفّاظِ فِيهِ مَقالٌ لا يَصْلُحُ مَعَهُ لِلِاسْتِدْلالِ، وفي شُرُوحِ الشِّفاءِ والإصابَةِ لِلْحافِظِ ابْنِ حَجَرٍ بَعْضُ الكَلامِ في ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ أهْلُ الفَتْرَةِ مِنَ العَرَبِ، وغَيْرِهِمْ، حَتّى أهْلِ الكِتابِ، والمَعْنى ما أتاهم نَذِيرٌ مِن قَبْلِكَ بَعْدَ الضَّلالِ الَّذِي حَدَثَ فِيهِمْ.

هَذا وكَأنِّي بِكَ تَحْمِلُ النَّذِيرَ هُنا عَلى الرَّسُولِ الَّذِي يُنْذِرُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ ﴾ لِيُوافِقَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ  ﴾ ، وأظُنُّ أنَّكَ تَجْعَلُ التَّنْوِينَ في (أُمَّةٍ) لِلتَّعْظِيمِ، أيْ وإنْ مِن أُمَّةٍ جَلِيلَةٍ مُعْتَنًى بِأمْرِها إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ، ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ جَلِيلَةٍ مُعْتَنًى بِأمْرِها رَسُولًا، أوْ تُعْتَبِرُ العَرَبَ أُمَّةً وبَنِي إسْرائِيلَ أُمَّةً، ونَحْوُ ذَلِكَ أُمَّةٌ دُونَ أهْلِ عَصْرٍ واحِدٍ، وتَحْمِلُ مَن لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ عَلى جَماعَةٍ مِن أُمَّةٍ لَمْ يَأْتِهِمْ بِخُصُوصِهِمْ نَذِيرٌ، ومِمّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ في ذَلِكَ أنَّهُ حِينَ يُنْفى إتْيانُ النَّذِيرِ يُنْفى عَنْ قَوْمٍ، ونَحْوِهِ لا عَنْ أُمَّةٍ، فَلْيُتَأمَّلْ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ، وجُوِّزَ كَوْنُ (ما) مَوْصُولَةً، وقَعَتْ مَفْعُولًا ثانِيًا (لِتُنْذِرَ)، ( ومِن نَذِيرٍ ) عَلَيْهِ مُتَعَلِّقٌ (بِأتاهُمْ) أيْ لِتُنْذِرَ قَوْمًا العِقابَ الَّذِي أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ، أيْ عَلى لِسانِ نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ، واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ، وعَلَيْهِ لا مَجالَ لِتَوَهُّمِ الإشْكالِ، لَكِنْ لا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ المُتَبادِرِ الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، والِاقْتِصارُ عَلى الإنْذارِ في بَيانِ الحِكْمَةِ لِأنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُمُ: ( افْتَراهُ ) دُونَ التَّبْشِيرِ، ﴿ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ ﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ يَهْتَدُوا بِإنْذارِكَ إيّاهُمْ، أوْ راجِيًا لِاهْتِدائِهِمْ، وجَعْلُ التَّرَجِّي مُسْتَعارًا لِلْإرادَةِ مَنسُوبًا إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ.

<div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٤

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ مَرَّ بَيانُهُ فِيما سَلَفَ عَلى مَذْهَبَيِ السَّلَفِ والخَلَفِ، ﴿ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ ﴾ أيْ ما لَكم مُجاوِزِينَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، أيْ رِضاهُ سُبْحانَهُ وطاعَتَهُ تَعالى، ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ، أيْ لا يَنْفَعُكم هَذانِ مِنَ الخَلْقِ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ، دُونَ رِضاهُ جَلَّ جَلالُهُ، ( فَمِن دُونِهِ ) حالٌ مِن مَجْرُورِ ( لَكم )، والعامِلُ الجارُّ أوْ مُتَعَلِّقُهُ، وعَلى هَذا المَعْنى، لا دَلِيلَ في الخِطابِ عَلى أنَّهُ تَعالى شَفِيعٌ دُونَ غَيْرِهِ، لِيُقالَ: كَيْفَ ذاكَ وتَعالى جَلَّ شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ شَفِيعًا، وكَفى في ذَلِكَ رَدُّهُ  عَلى الأعْرابِيِّ حَيْثُ قالَ: إنّا نَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ تَعالى إلَيْكَ، وقَدْ يُقالُ: المُمْتَنِعُ اطِّلاقُ الشَّفِيعِ عَلَيْهِ تَعالى بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ وأمّا إطْلاقُهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِمَعْنى النّاصِرِ مَجازًا فَلَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ ذَلِكَ هُنا، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( مِن دُونِهِ ) حالًا مِمّا بَعْدُ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، ودُونَ بِمَعْنى غَيْرُ، والمَعْنى ما لَكم ولِيٌّ ولا ناصِرٌ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَجْرُورِ كَما في الوَجْهِ السّابِقِ، والمَعْنى ما لَكم إذا جاوَزْتُمْ وِلايَتَهُ ونُصْرَتَهُ جَلَّ وعَلا ولِيٌّ ولا ناصِرٌ، ويَظْهَرُ لِي أنَّ التَّعْبِيرَ بِالشَّفِيعِ هُنا مِن قَبِيلِ المُشاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ لِما أنَّ المُشْرِكِينَ المُنْذَرِينَ كَثِيرًا ما كانُوا يَقُولُونَ في آلِهَتِهِمْ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا، ويَزْعُمُونَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها شَفِيعٌ لَهُمْ، ﴿ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ ألا تَسْمَعُونَ هَذِهِ المَواعِظَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ بِها، أوْ أتَسْمَعُونَها فَلا تَتَذَكَّرُونَ بِها، فالإنْكارُ عَلى الأوَّلِ مُتَوَجِّهٌ إلى عَدَمِ السَّماعِ، وعَدَمِ التَّذَكُّرِ مَعًا، وعَلى الثّانِي إلى عَدَمِ التَّذَكُّرِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُهُ مِنَ السَّماعِ.

<div class="verse-tafsir"

يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍۢ كَانَ مِقْدَارُهُۥٓ أَلْفَ سَنَةٍۢ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٥

﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ قِيلَ: أيْ أمْرَ الدُّنْيا وشُؤُونَها، وأصْلُ التَّدْبِيرِ النَّظَرُ في دابِرِ الأمْرِ والتَّفَكُّرُ فِيهِ لِيَجِيءَ مَحْمُودَ العاقِبَةِ، وهو في حَقِّهِ عَزَّ وجَلَّ مَجازٌ عَنْ إرادَةِ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ الإتْقانِ ومُراعاةِ الحِكْمَةِ، والفِعْلُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الإنْزالِ، والجارّانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ﴾ مُتَعَلِّقانِ بِهِ، (ومِنَ) ابْتِدائِيَّةٌ، (وإلى) انْتِهائِيَّةٌ، أيْ يُرِيدُهُ تَعالى عَلى وجْهِ الإتْقانِ ومُراعاةِ الحِكْمَةِ مُنَزِّلًا لَهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وإنْزالُهُ مِنَ السَّماءِ بِاعْتِبارِ أسْبابِهِ، فَإنَّ أسْبابَهُ سَماوِيَّةٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وغَيْرِهِمْ، ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ ﴾ أيْ يَصْعَدُ ويَرْتَفِعُ ذَلِكَ الأمْرُ بَعْدَ تَدْبِيرِهِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا العُرُوجُ مَجازٌ عَنْ ثُبُوتِهِ في عِلْمِهِ تَعالى، أيْ تَعَلَّقَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِهِ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا بِأنْ يَعْلَمَهُ جَلَّ وعَلا مَوْجُودًا بِالفِعْلِ، أوْ عَنْ كِتابَتِهِ في صُحُفِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ القائِمِينَ بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ مَوْجُودًا كَذَلِكَ، ﴿ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ أيْ في بُرْهَةٍ مُتَطاوِلَةٍ مِنَ الزَّمانِ فَلَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، وعَبَّرَ عَنِ المُدَّةِ المُتَطاوِلَةِ بِالألْفِ لِأنَّها مُنْتَهى المَراتِبِ وأقْصى الغاياتِ، ولَيْسَ مَرْتَبَةٌ فَوْقَها إلّا ما يَتَفَرَّعُ مِنها مِن أعْدادِ مَراتِبِها، والفِعْلانِ مُتَنازِعانِ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وقَدْ أُعْمِلَ الثّانِي مِنهُما فِيهِ، فَتُفِيدُ الآيَةُ طُولَ امْتِدادِ الزَّمانِ بَيْنَ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ بِوُجُودِ الحَوادِثِ في أوْقاتِها مُتْقَنَةً مُراعًى فِيها الحِكْمَةُ، وبَيْنَ وُجُودِها كَذَلِكَ، وظاهِرُها يَقْتَضِي أنَّ وُجُودَها لا يَتَوَقَّفُ عَلى تَعَلُّقِ الإرادَةِ مَرَّةً أُخْرى، بَلْ يَكْفِي فِيهِ التَّعَلُّقُ السّابِقُ، وقِيلَ: ( في يَوْمٍ ) مُتَعَلِّقٌ (بِيَعْرُجُ)، ولَيْسَ الفِعْلانِ مُتَنازِعَيْنِ فِيهِ، والمُرادُ بِعُرُوجِ الأمْرِ إلَيْهِ بَعْدَ تَدْبِيرِهِ سُبْحانَهُ إيّاهُ وُصُولُ خَبَرِ وُجُودِهِ بِالفِعْلِ، كَما دَبَّرَ جَلَّ وعَلا بِواسِطَةِ المَلَكِ، وعَرْضُهُ ذَلِكَ في حَضْرَةٍ قَدْ أعَدَّها سُبْحانَهُ لِلِاخْتِبارِ، بِما هو جَلَّ جَلالُهُ أعْلَمُ بِهِ إظْهارًا لِكَمالِ عَظَمَتِهِ تَبارَكَ وتَعالى، وعَظِيمِ سَلْطَنَتِهِ جَلَّتْ سَلْطَنَتُهُ وهَذا كَعَرْضِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أعْمالَ العِبادِ الوارِدِ في الأخْبارِ، وألْفُ سَنَةٍ عَلى حَقِيقَتِها، وهي مَسافَةُ ما بَيْنَ الأرْضِ، ومُحَدَّبِ السَّماءِ الدُّنْيا بِالسَّيْرِ المَعْهُودِ لِلْبَشَرِ، فَإنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وثُخْنُ السَّماءِ كَذَلِكَ، كَما جاءَ في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ، والمَلَكُ يَقْطَعُ ذَلِكَ في زَمانٍ يَسِيرٍ، فالكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُرِيدُ تَعالى الأمْرَ مُتْقَنًا مُراعًى فِيهِ الحِكْمَةُ بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ نازِلَةٍ آثارُها وأحْكامُها إلى الأرْضِ، فَيَكُونُ كَما أرادَ سُبْحانَهُ، فَيَعْرُجُ ذَلِكَ الأمْرُ مَعَ المَلَكِ، ويَرْتَفِعُ خَبَرُهُ إلى حَضْرَتِهِ سُبْحانَهُ في زَمانٍ هو كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وقِيلَ: العُرُوجُ إلَيْهِ تَعالى صُعُودُ خَبَرِ الأمْرِ مَعَ المَلَكِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ كَما هو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ والفِعْلانِ مُتَنازِعانِ في ( يَوْمٍ )، والمُرادُ أنَّهُ زَمانُ تَدْبِيرِ الأمْرِ، لَوْ دَبَّرَهُ البَشَرُ، وزَمانُ العُرُوجِ لَوْ كانَ مِنهم أيْضًا وإلّا فَزَمانُ التَّدْبِيرِ والعُرُوجِ يَسِيرٌ، وقِيلَ: المَعْنى: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِإظْهارِهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَيَنْزِلُ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، ثُمَّ يَرْجِعُ المَلَكُ أوِ الأمْرُ مَعَ المَلَكِ إلَيْهِ تَعالى في زَمانٍ هو نَظَرًا لِلنُّزُولِ والعُرُوجِ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وأُرِيدَ بِهِ مِقْدارُ ما بَيْنَ الأرْضِ ومُقَعَّرِ سَماءِ الدُّنْيا ذَهابًا وإيابًا، والظّاهِرُ أنَّ ( يُدَبِّرُ ) عَلَيْهِ مُضَمَّنٌ مَعْنى الإنْزالِ، والجارّانِ مُتَعَلِّقانِ بِهِ، لا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فَيَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ كَما قِيلَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ضَمِيرَ ( إلَيْهِ ) لِلسَّماءِ، وهي قَدْ تُذَكَّرُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ  ﴾ ، وقِيلَ: المَعْنى يُدَبِّرُ سُبْحانَهُ أمْرَ الدُّنْيا كُلِّها مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِن أيّامِ الرَّبِّ جَلَّ شَأْنُهُ، وهو ألْفُ سَنَةٍ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ  ﴾ ، ثُمَّ يَصِيرُ إلَيْهِ تَعالى، ويُثْبِتُ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ ويَكْتُبُ في صُحُفِ مَلائِكَتِهِ جَلَّ وعَلا كُلَّ وقْتٍ مِن أوْقاتِ هَذِهِ المُدَّةِ ما يَرْتَفِعُ مِن ذَلِكَ الأمْرِ، ويَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ إلى أنْ تَبْلُغَ المُدَّةُ آخِرَها، ثُمَّ يُدَبِّرُ أيْضًا لِيَوْمٍ آخَرَ، وهَلُمَّ جَرّا، إلى أنَّ تَقُومَ السّاعَةُ، ويُشِيرَ إلى هَذا ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إنَّهُ تَعالى يُدَبِّرُ ويُلْقِي إلى المَلائِكَةِ أُمُورَ ألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِينِنا، وهو اليَوْمُ عِنْدَهُ تَعالى، فَإذا فَرَغَتْ ألْقى إلَيْهِمْ مِثْلَها، وعَلَيْهِ الأمْرُ بِمَعْنى الشَّأْنِ، والجارّانِ مُتَعَلِّقانِ بِهِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ حالٍ مِنهُ، ولا تَضْمِينَ في ( يُدَبِّرُ )، والعُرُوجُ إلَيْهِ تَعالى مَجازٌ عَنْ ثُبُوتِهِ، وكَتْبِهِ في صُحُفِ المَلائِكَةِ، ( وألْفَ سَنَةٍ )، عَلى ظاهِرِهِ، ( وفي يَوْمٍ ) يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلَيْنِ، وأُعْمِلَ الثّانِي كَأنَّهُ قِيلَ: يُدَبِّرُ الأمْرَ لِيَوْمٍ مِقْدارُهُ كَذا، ثُمَّ يُعْرَجُ إلَيْهِ تَعالى فِيهِ كَما تَقُولُ: قَصَدْتُ ونَظَرْتُ في الكِتابِ، أيْ قَصَدْتُ إلى الكِتابِ، ونَظَرْتُ فِيهِ، ولا يُمْنَعُ اخْتِلافُ الصِّلَتَيْنِ مِنَ التَّنازُعِ، وتَكْرارُ التَّدْبِيرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ العُدُولُ إلى المُضارِعِ مَعَ أنَّ الأمْرَ ماضٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يُجَدِّدُ هَذا الأمْرَ مُسْتَمِرًّا، وقِيلَ: المَعْنى يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ تَعالى ذَلِكَ الأمْرُ كُلُّهُ أيْ يَصِيرُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِيَحْكُمَ فِيهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وعَلَيْهِ الأمْرُ بِمَعْنى الشَّأْنِ، والجارّانِ مُتَعَلِّقانِ بِهِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ حالٍ لَهُ كَما في سابِقِهِ، والعُرُوجُ إلَيْهِ تَعالى الصَّيْرُورَةُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، لا لِيُثْبِتَ في صُحُفِ المَلائِكَةِ بَلْ لِيَحْكُمَ جَلَّ وعَلا فِيهِ.

( وفي يَوْمٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِالعُرُوجِ ولا تَنازُعَ، والمُرادُ بِيَوْمٍ مِقْدارُهُ كَذا يَوْمُ القِيامَةِ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ  ﴾ ، بِناءً عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ فِيهِ، لِتَفاوُتِ الِاسْتِطالَةِ عَلى حَسَبِ الشِّدَّةِ، أوْ لِأنَّ ثَمَّ خَمْسِينَ مَوْطِنًا، كُلُّ مَوْطِنٍ ألْفُ سَنَةٍ، وقِيلَ: المَعْنى: يَنْزِلُ الوَحْيُ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ تَعالى ما كانَ مِن قَبُولِهِ، أوْ رَدِّهِ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في يَوْمٍ مِقْدارُ مَسافَةِ السَّيْرِ فِيهِ ألْفُ سَنَةٍ، وهو ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ هُبُوطًا وصُعُودًا، فالأمْرُ عَلَيْهِ مُرادٌ بِهِ الوَحْيُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ  ﴾ ، والعُرُوجُ إلَيْهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ خَبَرِ القَبُولِ والرَّدِّ مَعَ عُرُوجِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والتَّدْبِيرِ والعُرُوجِ في اليَوْمِ، لَكِنْ عَلى التَّوَسُّعِ والتَّوْزِيعِ، فالفِعْلانِ مُتَنازِعانِ في الظَّرْفِ، ولَكِنْ لا اخْتِلافَ في الصِّلَةِ، ولا تُنافِي الآيَةُ عَلى هَذا قَوْلَهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ﴾ بِناءً عَلى الوَجْهِ الآخَرِ فِيهِ، وسَتَعْرِفُهُما إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، لِأنَّ العُرُوجَ فِيهِ إلى العَرْشِ، وفِيها إلى السَّماءِ الدُّنْيا، وكِلاهُما عُرُوجٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى التَّجَوُّزِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالأمْرِ المَأْمُورُ بِهِ مِنَ الطّاعاتِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ، والمَعْنى: يُنْزِلُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ مُدَبَّرًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، ثُمَّ لا يُعْمَلُ بِهِ، ولا يَصْعَدُ إلَيْهِ تَعالى ذَلِكَ المَأْمُورُ بِهِ خالِصًا يَرْتَضِيهِ إلّا في مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ الخُلَّصِ مِنَ العِبادِ، وعَلَيْهِ ( يُدَبِّرُ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى الإنْزالِ، (ومِن وإلى) مُتَعَلِّقانِ بِهِ، ومَعْنى العُرُوجِ الصُّعُودُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ  ﴾ ، والغَرَضُ مِنَ الألِفِ اسْتِطالَةُ المُدَّةِ، والمَعْنى اسْتِقْلالُ عِبادَةِ الخُلَّصِ، واسْتِطالَةُ مُدَّةِ ما بَيْنَ التَّدْبِيرِ والوُقُوعِ، ( وثُمَّ ) لِلِاسْتِبْعادِ، واسْتُدِلَّ لِهَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى إثْرَ ذَلِكَ: ( قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ) [الأعْرافُ: 10، المُؤْمِنُونَ: 78، السَّجْدَةُ: 9]، لِأنَّ الكَلامَ بَعْضُهُ مَرْبُوطٌ بِالبَعْضِ، وقِلَّةُ الشُّكْرِ مَعَ وُجُودِ تِلْكَ الإنْعاماتِ دالَّةٌ عَلى الِاسْتِقْلالِ المَذْكُورِ.

وقِيلَ: المَعْنى: يُدَبِّرُ أُمُورَ الشَّمْسِ في طُلُوعِها مِنَ المَشْرِقِ، وغُرُوبِها في المَغْرِبِ، ومَدارِها في العالَمِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وزَمانِ طُلُوعِها إلى أنْ تَغْرُبَ، وتَرْجِعَ إلى مَوْضِعِها مِنَ الطُّلُوعِ مِقْدارُهُ في المَسافَةِ ألْفُ سَنَةٍ، وهي تَقْطَعُ ذَلِكَ في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ.

هَذا ما قالُوهُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ في بَيانِ المُرادِ مِنها، ولا يَخْفى عَلى ذِي لُبٍّ تَكَلُّفُ أكْثَرِ هَذِهِ الأقْوالِ، ومُخالَفَتُهُ لِلظّاهِرِ جَدًّا، وهي بَيْنَ يَدَيْكَ فاخْتَرْ لِنَفْسِكَ ما يَحْلُو، ويَظْهَرُ لِي أنَّ المُرادَ بِالسَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ، مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ  ﴾ ، وبِعُرُوجِ الأمْرِ إلَيْهِ تَعالى صُعُودُ خَبَرِهِ، كَما سُمِعَتْ عَنِ الجَماعَةِ، ( وفي يَوْمٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِالعُرُوجِ بِلا تَنازُعٍ، وأقُولُ: إنَّ الآيَةَ مِنَ المُتَشابِهِ وأعْتَقِدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُدَبِّرُ أُمُورَ الدُّنْيا وشُؤُونَها، ويُرِيدُها مُتْقَنَةً، وهو سُبْحانَهُ مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ، وذَلِكَ هو التَّدْبِيرُ مِن جِهَةِ العُلُوِّ، ثُمَّ يَصْعَدُ خَبَرُ ذَلِكَ مَعَ المَلَكِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، إظْهارًا لِمَزِيدِ عَظَمَتِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ، وعَظِيمِ سَلْطَنَتِهِ عَظُمَتْ سَلْطَنَتُهُ، إلى حِكَمٍ هو جَلَّ وعَلا أعْلَمُ بِها، وكُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنًى لائِقٍ بِهِ تَعالى، مُجامِعٍ لِلتَّنْزِيهِ، مُبايِنٍ لِلتَّشْبِيهِ، حَسْبَما يَقُولُهُ السَّلَفُ في أمْثالِهِ، وقَوْلُ بَعْضِهِمُ: العَرْشُ مَوْضِعُ التَّدْبِيرِ، وما دُونَهُ مَوْضِعُ التَّفْصِيلِ، وما دُونَ السَّماواتِ مَوْضِعُ التَّصْرِيفِ، فِيهِ رائِحَةٌ ما مِمّا ذَكَرْنا، وأمّا تَقْدِيرُ يَوْمِ العُرُوجِ هُنا بِألْفِ سَنَةٍ، وفي آيَةٍ أُخْرى بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، فَقَدْ كَثُرَ الكَلامُ في تَوْجِيهِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ بَعْضٌ مِنهُ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنا وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَيْرُوزَ مَوْلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَسَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ ﴾ فَكَأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ اتَّهَمَهُ، فَقالَ: ما يَوْمٌ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ؟

فَقالَ: إنَّما سَألْتُكَ لِتُخْبِرَنِي، فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هُما يَوْمانِ ذَكَرَهُما اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ، اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِهِما، وأكْرَهُ أنْ أقُولَ في كِتابِ اللَّهِ ما لا أعْلَمُ، فَضَرَبَ الدَّهْرُ مِن ضَرَباتِهِ حَتّى جَلَسْتُ إلى ابْنِ المُسَيِّبِ، فَسَألَهُ عَنْهُما إنْسانٌ، فَلَمْ يُخْبِرْ ولَمْ يَدْرِ، فَقُلْتُ: ألا أُخْبِرُكَ بِما سَمِعْتُ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ؟

قالَ: بَلى، فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ لِلسّائِلِ: هَذا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أبى أنْ يَقُولَ فِيهِما، وهو أعْلَمُ مِنِّي.

وبَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ يُسَمُّونَ اليَوْمَ المُقَدَّرَ بِألْفِ سَنَةٍ بِاليَوْمِ الرُّبُوبِيِّ، واليَوْمَ المُقَدَّرَ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ بِاليَوْمِ الإلَهِيِّ، ومُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ يُسَمِّي الأوَّلَ يَوْمَ الرَّبِّ، والثّانِيَ يَوْمَ المَعارِجِ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ، وأيّامًا أُخَرَ، كَيَوْمِ الشَّأْنِ، ويَوْمِ المِثْلِ، ويَوْمِ القَمَرِ، ويَوْمِ الشَّمْسِ، ويَوْمِ زُحَلَ، وأيّامِ سائِرِ السَّيّارَةِ، ويَوْمِ الحَمَلِ، وأيّامِ سائِرِ البُرُوجِ في الفُتُوحاتِ.

وقَدْ سَألْتُ رَئِيسَ الطّائِفَةِ الكَشْفِيَّةِ الحادِثَةِ في عَصْرِنا في كَرْبَلاءَ عَنْ مَسْألَةٍ، فَكَتَبَ في جَوابِها ما كَتَبَ، واسْتَطْرَدَ بَيانَ إطْلاقاتِ اليَوْمِ، وعَدَّ مِن ذَلِكَ أرْبَعَةً وسِتِّينَ إطْلاقًا، مِنها إطْلاقُهُ عَلى اليَوْمِ الرُّبُوبِيِّ، وإطْلاقُهُ عَلى اليَوْمِ الإلَهِيِّ، وأطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ المَقامِ، ولَعَلَّنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَنْقُلُ لَكَ مِنهُ شَيْئًا مُعْتَدًّا بِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أيْضًا تَمامَ الكَلامِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ صِفَةُ ( ألْفَ )، أوْ صِفَةُ ( سَنَةٍ) .

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «يُعْرَجُ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والأصْلُ يُعْرَجُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ واسْتَتَرَ الضَّمِيرُ.

وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ «ثُمَّ يَعْرُجُ المَلائِكَةُ» إلَيْهِ بِزِيادَةِ المَلائِكَةِ، قالَ أبُو حَيّانَ: ولَعَلَّهُ تَفْسِيرٌ مِنهُ لِسُقُوطِهِ في سَوادِ المُصْحَفِ.

وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ «يَعُدُّونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكَ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ الذّاتُ المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المُقْتَضِيَةِ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ والحِكْمَةِ العامَّةِ ﴿ عالِمُ الغَيْبِ ﴾ أيْ كُلِّ ما غابَ عَنِ الخَلْقِ، ﴿ والشَّهادَةِ ﴾ أيْ كُلِّ ما شاهَدَهُ الخَلْقُ، فَيُدَبِّرُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ، وقِيلَ: الغَيْبُ الآخِرَةُ والشَّهادَةُ الدُّنْيا ﴿ العَزِيزُ ﴾ الغالِبُ عَلى أمْرِهِ ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ لِلْعِبادِ، وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُتَفَضِّلٌ فِيما يَفْعَلُ جَلَّ وعَلا، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، والأوْصافُ الثَّلاثَةُ بَعْدَهُ أخْبارٌ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ خَبَرًا، والأخِيرانِ نَعْتانِ لِلْأوَّلِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِخَفْضِ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الأمْرِ، مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى أنَّهُ فاعِلُ ( يَعْرُجُ )، والأوْصافُ مَجْرُورَةٌ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ضَمِيرِ ( إلَيْهِ )، وقَرَأ أبُو زَيْدٍ النَّحْوِيُّ بِخَفْضِ الوَصْفَيْنِ الأخِيرَيْنِ عَلى أنَّ ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى الِابْتِداءِ، ( وعالِمُ ) خَبَرُهُ، والوَصْفانِ مَجْرُورانِ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلْإِنسَـٰنِ مِن طِينٍۢ ٧

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ أوْ نَعْتٌ ثالِثٌ، أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو الَّذِي، وكَوْنَ ( العَزِيزُ ) مُبْتَدَأً، ( والرَّحِيمُ ) صِفَتَهُ، وهَذا خَبَرَهُ، وجُمْلَةَ ( خَلَقَهُ )، في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةِ ( شَيْءٍ )، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةِ ( كُلَّ )، واحْتِمالُ الِاسْتِئْنافِ بَعِيدٌ، أيْ حَسَّنَ سُبْحانَهُ كُلَّ مَخْلُوقٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، لِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ مِنها إلّا وهو مُرَتَّبٌ عَلى ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ واسْتَدْعَتْهُ المَصْلَحَةُ، فَجَمِيعُ المَخْلُوقاتِ حَسَنَةٌ، وإنْ تَفاوَتَتْ في مَراتِبِ الحُسْنِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ  ﴾ ، ونَفى التَّفاوُتَ في خَلْقِهِ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ  ﴾ ، عَلى مَعْنًى سَتَعْرِفُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ مُنافٍ لِما ذُكِرَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: عَلِمَ كَيْفَ يَخْلُقُهُ مِن قَوْلِهِ: قِيمَةُ المَرْءِ ما يُحْسِنُ، وحَقِيقَتُهُ يُحْسِنُ مَعْرِفَتَهُ، أيْ يَعْرِفُهُ مَعْرِفَةً حَسَنَةً بِتَحْقِيقٍ وإيقانٍ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

وقَرَأ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ «خَلْقَهُ» بِسُكُونِ اللّامِ، فَقِيلَ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ( كُلَّ )، والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ لَهُ، وهو باقٍ عَلى المَعْنى المَصْدَرِيِّ، وقِيلَ: هو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، وهو بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ ثانٍ (لِأحْسَنَ) عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى أعْطى، أيْ أعْطى سُبْحانَهُ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ اللّائِقَ بِهِ بِطَرِيقِ الإحْسانِ والتَّفَضُّلِ، وقِيلَ: هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، ( وكُلَّ شَيْءٍ ) المَفْعُولُ الثّانِي، وضَمِيرُهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَلى تَضْمِينِ الإحْسانِ مَعْنى الإلْهامِ كَما قالَ الفَرّاءُ، أوِ التَّعْرِيفُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، والمَعْنى، ألْهَمَ أوْ عَرَّفَ خَلْقَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، فَيَؤُولُ إلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى  ﴾ .

واخْتارَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ ما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ (لِأحْسَنَ) مِن مَعْناهُ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ  ﴾ ، ( وعْدَ اللَّهِ ) [النِّساءُ: 122 وغَيْرُها]، ﴿ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ ﴾ أيْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿ مِن طِينٍ ﴾ أوْ بَدَأ خَلْقَ هَذا الجِنْسِ المَعْرُوفِ ( مِن طِينٍ ) حَيْثُ بَدَأ خَلْقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَلْقًا مُنْطَوِيًا عَلى فِطْرَةِ سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ انْطِواءً إجْمالِيًّا مِنهُ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ «بَدا» بِالألِفِ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ، قالَ في البَحْرِ: ولَيْسَ القِياسُ في هَدَأ هَدا بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ألِفًا بَلْ قِياسُ هَذِهِ الهَمْزَةِ التَّسْهِيلُ بَيْنَ بَيْنَ، عَلى أنَّ الأخْفَشَ حَكى في قَرَأْتُ قَرَيْتُ، قِيلَ: وهي لُغَةُ الأنْصارِ، فَهم يَقُولُونَ في بَدَأ بَدِيَ بِكَسْرِ عَيْنِ الكَلِمَةِ وياءٍ بَعْدَها، وطَيِّئُ يَقُولُونَ في فِعْلِ هَذا نَحْوَ بَقِيَ بَقى كَرَمى، فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ قِراءَةُ الزُّهْرِيِّ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ بِأنْ يَكُونَ الأصْلُ بَدِيَ، ثُمَّ صارَ بَدا، وعَلى لُغَةِ الأنْصارِ، قالَ ابْنُ رَواحَةَ: ؎بِاسْمِ الإلَهِ وبِهِ بَدِينا ولَوْ عَبَدْنا غَيْرَهُ شَقِينا <div class="verse-tafsir"

ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُۥ مِن سُلَـٰلَةٍۢ مِّن مَّآءٍۢ مَّهِينٍۢ ٨

﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ﴾ أيْ ذُرِّيَّتَهُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَنْسَلُّ، وتَنْفَصِلُ مِنهُ ﴿ مِن سُلالَةٍ ﴾ أيْ خُلاصَةٍ وأصْلُها ما يُسَلُّ ويَخْلُصُ بِالتَّصْفِيَةِ، ﴿ مِن ماءٍ مَهِينٍ ﴾ مُمْتَهَنٍ، لا يُعْتَنى بِهِ، وهو المَنِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ ٩

﴿ ثُمَّ سَوّاهُ ﴾ عَدَّلَهُ بِتَكْمِيلِ أعْضائِهِ في الرَّحِمِ وتَصْوِيرِها عَلى ما يَنْبَغِي، وأصْلُ التَّسْوِيَةِ جَعْلُ الأجْزاءِ مُتَساوِيَةً، ( وثُمَّ ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ، أوِ الذِّكْرِيِّ، ﴿ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ ﴾ أضافَ الرُّوحَ إلَيْهِ تَعالى تَشْرِيفًا لَهُ، كَما فِي: بَيْتِ اللَّهِ تَعالى، وناقَةِ اللَّهِ تَعالى، وإشْعارًا بِأنَّهُ خَلْقٌ عَجِيبٌ، وصُنْعٌ بَدِيعٌ، وقِيلَ: أضافَهُ لِذَلِكَ إيماءً إلى أنَّ لَهُ شَأْنًا لَهُ مُناسَبَةٌ ما إلى حَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ.

ومِن هُنا قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: مَن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ، ونَفْخُ الرُّوحِ قِيلَ: مَجازٌ عَنْ جَعْلِها مُتَعَلِّقَةً بِالبَدَنِ، وهو أوْفَقُ بِمَذْهَبِ القائِلِينَ بِتَجَرُّدِ الرُّوحِ وأنَّها غَيْرُ داخِلَةٍ في البَدَنِ مِنَ الفَلاسِفَةِ، وبَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ كَحُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: هو عَلى حَقِيقَتِهِ، والمُباشِرُ لَهُ المَلَكُ المُوَكَّلُ عَلى الرَّحِمِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ القائِلُونَ بِأنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ لَطِيفٌ كالهَواءِ، سارَ في البَدَنِ سَرَيانَ ماءِ الوَرْدِ في الوَرْدِ والنّارِ في الجَمْرِ، وهو الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ ظَواهِرُ الأخْبارِ، وأقامَ العَلّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ عَلَيْهِ نَحْوَ مِائَةِ دَلِيلٍ.

﴿ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ ﴾ التِفاتٌ إلى الخِطابِ لا يَخْفى مَوْقِعُ ذِكْرِهِ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ، وتَشْرِيفُهُ بِخِلْعَةِ الخِطابِ حِينَ صَلَحَ لِلْخِطابِ، والجَعْلُ إبْداعِيٌّ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، والتَّقَدُّمُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ، والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، مَعَ ما فِيهِ مِن نَوْعِ طُولٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وتَقْدِيمُ السَّمْعِ لِكَثْرَةِ فَوائِدِهِ، فَإنَّ أكْثَرَ أُمُورِ الدِّينِ لا تُعْلَمُ إلّا مِن جِهَتِهِ، وأُفْرِدَ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ.

وقِيلَ: لِلْإيماءِ إلى أنَّ مُدْرِكَهُ نَوْعٌ واحِدٌ، وهو الصَّوْتُ بِخِلافِ البَصَرِ، فَإنَّهُ يُدْرِكُ الضَّوْءَ واللَّوْنَ والشَّكْلَ والحَرَكَةَ والسُّكُونَ، وبِخِلافِ الفُؤادِ فَإنَّهُ يُدْرِكُ مُدْرَكاتِ الحَواسِّ بِواسِطَتِها، وزِيادَةٌ عَلى ذَلِكَ، أيْ خَلَقَ لِمَنفَعَتِكم تِلْكَ المَشاعِرَ لِتَعْرِفُوا أنَّها مَعَ كَوْنِها في أنْفُسِها نِعَمًا جَلِيلَةً لا يُقادَرُ قَدْرَها وسائِلُ إلى التَّمَتُّعِ بِسائِرِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ الفائِضَةِ عَلَيْكُمْ، وتَشْكُرُوها بِأنْ تَصْرِفُوا كُلًّا مِنها إلى ما خُلِقَ هو لَهُ، فَتُدْرِكُوا بِسَمْعِكُمُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ النّاطِقَةَ بِالتَّوْحِيدِ والبَعْثِ وبِأبْصارِكُمُ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الشّاهِدَةِ بِهِما، وتَسْتَدِلُّوا بِأفْئِدَتِكم عَلى حَقِّيَّتِهِما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ بَيانٌ لِكُفْرِهِمْ بِتِلْكَ النِّعَمِ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ، والقِلَّةُ بِمَعْنى النَّفْيِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما بَعْدَهُ.

ونُصِبَ الوَصْفُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ مَعْمُولًا (لِتَشْكُرُونَ)، أيْ شُكْرًا قَلِيلًا تَشْكُرُونَ، أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَشْكُرُونَ.

واسْتَظْهَرَ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كَوْنَ الجُمْلَةِ حالِيَّةً لا اعْتِراضِيَّةً.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلْأَرْضِ أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍۭ ۚ بَلْ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ كَـٰفِرُونَ ١٠

﴿ وقالُوا ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أباطِيلِهِمْ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ إيذانًا بِأنَّ ما ذُكِرَ مِن عَدَمِ شُكْرِهِمْ تِلْكَ النِّعَمِ مُوجِبٌ لِلْإعْراضِ عَنْهُمْ، وتَعْدِيدِ جِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ المُباثَّةِ، ورُوِيَ أنَّ القائِلَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ فَضَمِيرُ الجَمْعِ لِرِضا الباقِينَ بِقَوْلِهِ ﴿ أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ ﴾ أيْ ضِعْنا فِيها بِأنْ صِرْنا تُرابًا مَخْلُوطًا بِتُرابِها بِحَيْثُ لا نَتَمَيَّزُ مِنهُ، فَهو مِن ضَلَّ المَتاعُ إذا ضاعَ، أوْ غِبْنا فِيها بِالدَّفْنِ، وإنْ لَمْ نَصِرْ تُرابًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ قُطْرُبٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ النّابِغَةِ يَرْثِي النُّعْمانَ بْنَ المُنْذِرِ: وآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ وغُودِرَ بِالجُولانِ حَزْمٌ ونائِلُ وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ «ضَلِلْنا» بِكَسْرِ اللّامِ، ويُقالُ: ضَلَّ يَضِلُّ كَضَرَبَ يَضْرِبُ، وضَلَّ يَضِلُّ كَعَلِمَ يَعْلَمُ، وهُما بِمَعْنًى، والأوَّلُ اللُّغَةُ المَشْهُورَةُ الفَصِيحَةُ وهي لُغَةُ نَجْدٍ، والثّانِي لُغَةُ أهْلِ العالِيَةِ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (ضُلِلْنا) بِضَمِّ الضّادِ المُعْجَمَةِ وكَسْرِ اللّامِ، ورُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.

وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، وأبانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِي: «صَلَلْنا» بِالصّادِّ المُهْمَلَةِ وفَتْحِ اللّامِ، ونُسِبَتْ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.

وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ كَسَرَ اللّامَ، ويُقالُ فِيهِ نَحْوُ ما يُقالُ في ضَلَّ بِالضّادِ المُعْجَمَةِ، وزِيادَةِ أصَلَّ بِالهَمْزَةِ كَأفْعَلَ، قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى صِرْنا بَيْنَ الصِّلَةِ، وهي الأرْضُ اليابِسَةُ الصُّلْبَةُ كَأنَّها مِنَ الصَّلِيلِ، لِأنَّ اليابِسَ الصُّلْبَ إذا انْشَقَّ يَكُونُ لَهُ صَلِيلٌ.

وقِيلَ: أنْتَنّا مِنَ الصِّلَةِ، وهو النَّتْنُ، وقِيلَ لِلْأرْضِ الصِّلَةُ لِأنَّها اسْتُ الدُّنْيا، وتَقُولُ العَرَبُ ضَعِ الصِّلَةَ عَلى الصِّلَةِ، وقالَ النَّحّاسُ: لا نَعْرِفُ في اللُّغَةِ صَلَلْنا، ولَكِنْ يُقالُ: أصَلَّ اللَّحْمُ وصَلَّ، وأخَمَّ وخَمَّ إذا نَتَنَ، وهَذا غَرِيبٌ مِنهُ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «إذا» بِتَرْكِ الِاسْتِفْهامِ، والمُرادُ الإخْبارُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّهَكُّمِ، والعامِلُ في «إذا» ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ وهو نُبْعَثُ، أوْ يُجَدَّدُ خَلْقُنا، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ هو العامِلَ لِمَكانِ الِاسْتِفْهامِ، وإنْ وُكِّلَ مِنهُما لا يَعْمَلُ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ، ويُعْتَبَرُ ما ذُكِرَ مِن نُبْعَثُ أوْ يُجَدَّدُ خَلْقُنا جَوابًا (لِإذا)، إذا اعْتُبِرَتْ شَرْطِيَّةً لا ظَرْفِيَّةً مَحْضَةً، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والمُرادُ تَأْكِيدُ الإنْكارِ لا إنْكارُ التَّأْكِيدِ، كَما هو المُتَبادِرُ مِن تَقْدِيمِها عَلى أداتِهِ، فَإنَّها مُؤَخَّرَةٌ عَنْها في الِاعْتِبارِ، وتَقْدِيمُها عَلَيْها لِقُوَّةِ اقْتِضائِها الصَّدارَةَ.

وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ «إنّا» بِتَرْكِ الِاسْتِفْهامِ عَلى نَحْوِ ما ذُكِرَ آنِفًا، ﴿ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنْ بَيانِ كُفْرِهِمْ بِالبَعْثِ إلى بَيانِ ما هو أبْلَغُ، وأشْنَعُ مِنهُ، وهو كُفْرُهم بِلِقاءِ مَلائِكَةِ رَبِّهِمْ عِنْدَ المَوْتِ، وما يَكُونُ بَعْدَهُ جَمِيعًا، وقِيلَ: هو إضْرابٌ وتَرَقٍّ مِنَ التَّرَدُّدِ في البَعْثِ واسْتِبْعادِهِ إلى الجَزْمِ بِجَحْدِهِ بِناءً عَلى أنَّ لِقاءَ الرَّبِّ كِنايَةٌ عَنِ البَعْثِ، ولا يَضُرُّ فِيهِ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ كَوْنُ الِاسْتِفْهامِ السّابِقِ إنْكارِيًّا، وهو يُؤَوَّلُ إلى الجَحْدِ، فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

۞ قُلْ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ١١

﴿ قُلْ ﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ ﴿ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ ﴾ يَسْتَوْفِي نُفُوسَكم لا يَتْرُكُ مِنها شَيْئًا مِن أجْزائِها، أوْ لا يَتْرُكُ شَيْئًا مِن جُزْئِيّاتِها، ولا يُبْقِي أحَدًا مِنكُمْ، وأصْلُ التَّوَفِّي أخْذُ الشَّيْءِ بِتَمامِهِ، وفُسِّرَ بِالِاسْتِيفاءِ، لِأنَّ التَّفَعُّلَ والِاسْتِفْعالَ يَلْتَقِيانِ كَثِيرًا كَتَقَضَّيْتُهُ، واسْتَقْضَيْتُهُ، وتَعَجَّلْتُهُ واسْتَعْجَلْتُهُ، ونِسْبَةُ التَّوَفِّي إلى مَلَكِ المَوْتِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُباشِرُ قَبْضَ الأنْفُسِ بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، كَما يُشِيرُ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ أيْ بِقَبْضِ أنْفُسِكم ومَعْرِفَةِ انْتِهاءِ آجالِكم.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ يَعُودُهُ، فَإذا مَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (يا مَلَكَ المَوْتِ ارْفُقْ بِصاحِبِي، فَإنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَقالَ: أبْشِرْ يا مُحَمَّدُ، فَإنِّي بِكُلِّ مُؤْمِنٍ رَفِيقٌ، واعْلَمْ يا مُحَمَّدُ أنِّي لَأقْبِضُ رُوحَ ابْنِ آدَمَ فَيَصْرُخُ أهْلُهُ، فَأقُومُ في جانِبٍ مِنَ الدّارِ فَأقُولُ: واللَّهِ ما لِي مِن ذَنْبٍ، وإنَّ لِي لَعَوْدَةٌ وعَوْدَةٌ، الحَذَرَ الحَذَرَ، وما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِن أهْلِ بَيْتٍ، ولا مَدَرٍ، ولا شَعَرٍ، ولا وبَرٍ في بَرٍّ ولا بَحْرٍ إلّا وأنا أتَصَفَّحُهم فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ خَمْسَ مَرّاتٍ، حَتّى أنِّي لَأعْرَفُ بِصَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ مِنهم بِأنْفُسِهِمْ، واللَّهِ يا مُحَمَّدُ إنِّي لا أقْدِرُ أقْبِضُ رُوحَ بَعُوضَةٍ حَتّى يَكُونَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى الَّذِي يَأْمُرُ بِقَبْضِهِ)،» وأخْرَجَ نَحْوَهُ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، وابْنُ مَندَهْ ونِسْبَتُهُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ  ﴾ بِاعْتِبارِ أنَّ أفْعالَ العِبادِ كُلَّها مَخْلُوقَةٌ لَهُ جَلَّ وعَلا، لا مَدْخَلَ لِلْعِبادِ فِيها بِسِوى الكَسْبِ كَما يَقُولُهُ الأشاعِرَةُ، أوْ بِاعْتِبارِ أنَّ ذَلِكَ بِإذْنِهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، جَلَّ شَأْنُهُ، ونِسْبَتُهُ إلى الرُّسُلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا  ﴾ ، وإلى المَلائِكَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ  ﴾ ، لِما أنَّ مَلَكَ المَوْتِ لا يَسْتَقِلُّ بِهِ، بَلْ لَهُ أعْوانٌ كَما جاءَ في الآثارِ يُعالِجُونَ نَزْعَ الرُّوحِ حَتّى إذا قَرُبَ خُرُوجُها قَبَضَها مَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: المُرادُ بِمَلَكِ المَوْتِ الجِنْسُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ بَعْضَ النّاسِ يَتَوَفّاهم مَلَكُ المَوْتِ، وبَعْضَهم يَتَوَفّاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِنَفْسِهِ.

أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى وكَّلَ مَلَكَ المَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَبْضِ الأرْواحِ إلّا شُهَداءَ البَحْرِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَتَوَلّى قَبْضَ أرْواحِهِمْ»».

وجاءَ ذَلِكَ أيْضًا في خَبَرٍ آخَرَ يُفِيدُ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ لِلْإنْسِ غَيْرُ مَلَكِ المَوْتِ لِلْجِنِّ والشَّياطِينِ، وما لا يَعْقِلُ.

أخْرَجَ ابْنُ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: وُكِّلَ مَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَبْضِ أرْواحِ المُؤْمِنِينَ، فَهو الَّذِي يَلِي قَبْضَ أرْواحِهِمْ، ومَلَكٌ في الجِنِّ، ومَلَكٌ في الشَّياطِينِ، ومَلَكٌ في الطَّيْرِ والوَحْشِ والسِّباعِ والحِيتانِ والنَّمْلِ، فَهم أرْبَعَةُ أمْلاكٍ، والمَلائِكَةُ يَمُوتُونَ في الصَّعْقَةِ الأُولى، وأنَّ مَلَكَ المَوْتِ يَلِي قَبْضَ أرْواحِهِمْ، ثُمَّ يَمُوتُ، وأمّا الشُّهَداءُ في البَحْرِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَلِي قَبْضَ أرْواحِهِمْ لا يَكِلُ ذَلِكَ إلى مَلَكِ المَوْتِ بِكَرامَتِهِمْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ.

والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ لِمَن يَعْقِلُ، وما لا يَعْقِلُ مِنَ الحَيَوانِ واحِدٌ، وهو عِزْرائِيلُ، ومَعْناهُ عَبْدُ اللَّهِ فِيما قِيلَ، نَعَمْ لَهُ أعْوانٌ كَما ذَكَرْنا، وخَبَرُ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ ﴾ بِالبَعْثِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها عَلى ما ذَكَرْنا في تَوْجِيهِ الإضْرابِ ظاهِرَةٌ، لِأنَّهم لَمّا جَحَدُوا لِقاءَ مَلائِكَةِ رَبِّهِمْ عِنْدَ المَوْتِ وما يَكُونُ بَعْدَهُ ذَكَرَ لَهم حَدِيثَ تَوَفِّي مَلَكِ المَوْتِ إيّاهم إيماءً إلى أنَّهم سَيُلاقُونَهُ، وحَدِيثَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالبَعْثِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، وأمّا عَلى ما قِيلَ، فَوَجْهُ المُناسَبَةِ أنَّهم لَمّا أنْكَرُوا البَعْثَ والمَعادَ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِما ذَكَرَ لِتَضَمُّنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ ﴾ البَعْثَ وزِيادَةً، ذَكَرَ تَوَفِّيَ مَلَكِ المَوْتِ إيّاهم وكَوْنَهُ مُوَكَّلًا بِهِمْ لِتَوَقُّفِ البَعْثِ عَلى وفاتِهِمْ، ولِتَهْدِيدِهِمْ، وتَخْوِيفِهِمْ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ القادِرَ عَلى الإماتَةِ قادِرٌ عَلى الإحْياءِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِرَدِّ ما يُشْعِرُ بِهِ كَلامُهم مِن أنَّ المَوْتَ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ حَيْثُ أسْنَدُوهُ إلى أنْفُسِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿ أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ ﴾ فَلَيْسَ عِنْدَهم بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى ومُباشَرَةِ مَلائِكَتِهِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

وأبْعَدُ مِنهُ ما قِيلَ في المُناسَبَةِ: إنَّ عِزْرائِيلَ وهو عَبْدٌ مِن عَبِيدِهِ تَعالى إذا قَدَرَ عَلى تَخْلِيصِ الرُّوحِ مِنَ البَدَنِ مَعَ سَرَيانِها فِيهِ سَرَيانَ ماءِ الوَرْدِ في الوَرْدِ والنّارِ في الجَمْرِ، فَكَيْفَ لا يَقْدِرُ خالِقُ القُوى والقُدَرِ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى تَمْيِيزِ أجْزائِهِمُ المُخْتَلِطَةِ بِالتُّرابِ، وكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ البَعْثُ مَعَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ، لِما أنَّ ذَلِكَ السَّرَيانَ مِمّا خَفِيَ عَلى العُقَلاءِ حَتّى أنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ، فَكَيْفَ بِجَهَلَةِ المُشْرِكِينَ، فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «تَرْجِعُونَ» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا۟ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ١٢

﴿ ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ﴾ وهُمُ القائِلُونَ: ﴿ أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ ﴾ أوْ جِنْسُ المُجْرِمِينَ، وهم مِن جُمْلَتِهِمْ، ﴿ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ ﴾ مُطْرِقُوها مِنَ الحَياءِ والخِزْيِ، ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ حِينَ حِسابِهِمْ، لَمْ يَظْهَرْ مِن قَبائِحِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها في الدُّنْيا.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «نَكَّسُوا رُؤُوسَهُمْ» فِعْلًا ماضِيًا ومَفْعُولًا، ﴿ رَبَّنا ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ الواقِعِ حالًا والعامِلِ فِيهِ ( ناكِسُو )، أيْ يَقُولُونَ رَبَّنا إلَخْ، وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ: يَسْتَغِيثُونَ بِقَوْلِهِمْ: رَبَّنا ﴿ أبْصَرْنا وسَمِعْنا ﴾ أيْ صِرْنا مِمَّنْ يُبْصِرُ ويَسْمَعُ، وحَصَلَ لَنا الِاسْتِعْدادُ لِإدْراكِ الآياتِ المُبْصَرَةِ والآياتِ المَسْمُوعَةِ، وكُنّا مِن قَبْلُ عُمْيًا صُمًّا لا نُدْرِكُ شَيْئًا، ﴿ فارْجِعْنا ﴾ إلى الدُّنْيا ﴿ نَعْمَلْ صالِحًا ﴾ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ تِلْكَ الآياتُ، وهَذا عَلى ما قِيلَ: ادِّعاءٌ مِنهم لِصِحَّةِ مُشْعِرِي البَصَرِ والسَّمْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا مُوقِنُونَ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ ما قَبْلَهُ، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّعْلِيلُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ هو مُتَضَمِّنٌ لِادِّعائِهِمْ صِحَّةَ الأفْئِدَةِ والِاقْتِدارِ عَلى فَهْمِ مَعانِي الآياتِ والعَمَلِ بِما يُوجِبُها، وفِيهِ مِن إظْهارِ الثَّباتِ عَلى الإيقانِ، وكَمالِ رَغْبَتِهِمْ فِيهِ ما فِيهِ، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يَقُولُوا: أبْصَرْنا وسَمِعْنا وأيْقَنّا فارْجِعْنا إلَخْ، ولَعَلَّ تَأْخِيرُ السَّمْعِ لِأنَّ أكْثَرَ العَمَلِ الصّالِحِ المَوْعُودِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ دُونَ البَصَرِ، فَكانَ عَدَمُ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالبَصَرِ أوْلى، ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ لِكُلٍّ مِنَ الفِعْلَيْنِ مَفْعُولٌ مُناسِبٌ لَهُ، مِمّا يُبْصِرُونَهُ ويَسْمَعُونَهُ بِأنْ يُقالَ: أبْصَرْنا البَعْثَ الَّذِي كُنّا نُنْكِرُهُ، وما وعَدْتَنا بِهِ عَلى إنْكارِهِ، وسَمِعْنا مِنكَ ما يَدُلُّ عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويُرادُ بِهِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا  ﴾ ، لا الإخْبارُ الصَّرِيحُ بِلَفْظِ أنَّ رُسُلِي صادِقُونَ مَثَلًا، أوْ يُقالُ: أبْصَرْنا البَعْثَ وما وعَدْتَنا بِهِ، وسَمِعْنا قَوْلَ الرُّسُلِ، أيْ سَمِعْناهُ سَمْعَ طاعَةٍ وإذْعانٍ، أوْ يُقالُ: أبْصَرْنا قُبْحَ أعْمالِنا الَّتِي كُنّا نَراها في الدُّنْيا حَسَنَةً، وسَمِعْنا قَوْلَ المَلائِكَةِ لَنا، إنَّ مَرَدَّكم إلى النّارِ، وقِيلَ: أرادُوا أبْصَرْنا رُسُلَكَ وسَمِعْنا كَلامَهم حِينَ كُنّا في الدُّنْيا، أوْ أبْصَرْنا آياتِكَ التَّكْوِينِيَّةَ، وسَمِعْنا آياتِكَ التَّنْزِيلِيَّةَ في الدُّنْيا، فَلَكَ الحُجَّةُ عَلَيْنا، ولَيْسَ لَنا حُجَّةٌ، فارْجِعْنا إلَخْ، ولا يَخْفى حالُ هَذا القِيلِ، وعَلى سائِرِ هَذِهِ التَّقادِيرِ وجْهُ تَقْدِيمِ الإبْصارِ عَلى السَّماعِ ظاهِرٌ، و«لَوْ» هي الَّتِي سَمّاها غَيْرُ واحِدٍ امْتِناعِيَّةٌ وجَوابُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.

والخِطابُ في «تَرى» لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ إذِ المُرادُ بَيانُ كَمالِ سُوءِ حالِهِمْ وبُلُوغِها مِنَ الفَظاعَةِ إلى حَيْثُ لا يَخْتَصُّ اسْتِغْرابُها واسْتِفْظاعُها بِراءٍ دُونَ راءٍ، مِمَّنِ اعْتادَ مُشاهَدَةَ الأُمُورِ البَدِيعَةِ والدَّواهِي الفَظِيعَةِ، بَلْ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ يَتَعَجَّبُ مِن هَوْلِها وفَظاعَتِهِ، وقِيلَ: لِأنَّ القَصْدَ إلى بَيانِ أنَّ حالَهم قَدْ بَلَغَتْ مِنَ الظُّهُورِ إلى حَيْثُ يَمْتَنِعُ خَفاؤُها البَتَّةَ، فَلا يَخْتَصُّ بِرُؤْيَتِها راءٍ دُونَ راءٍ، والجَوابُ المُقَدَّرُ أوْفَقُ بِما ذُكِرَ أوَّلًا، والفِعْلُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، فَلا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ، أيْ لَوْ تَكُنْ مِنكَ رُؤْيَةٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ خاصًّا بِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ  ، ( ولَوْ ) لِلتَّمَنِّي، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْتَكَ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُؤُوسِهِمْ لِتَشْمَتَ بِهِمْ، وحُكْمُ التَّمَنِّي مِنهُ تَعالى حُكْمُ التَّرَجِّي، وقَدْ تَقَدَّمَ، ولا جَوابَ لَها حِينَئِذٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقالَ أبُو حَيّانَ، وابْنُ مالِكٍ: لا بُدَّ لَها مِنَ الجَوابِ اسْتِدْلالًا بِقَوْلِ مُهَلْهِلٍ في حَرْبِ البَسُوسِ: فَلَوْ نُبِشَ المَقابِرُ عَنْ كُلَيْبٍ فَيُخْبِرَ بِالذَّنائِبِ أيُّ زِيرِ بِيَوْمِ الشَّعْثَمَيْنِ لَقَرَّ عَيْنًا ∗∗∗ وكَيْفَ لِقاءُ مَن تَحْتَ القُبُورِ فَإنَّ لَوْ فِيهِ لِلتَّمَنِّي بِدَلِيلِ نَصْبِ (فَيُخْبِرَ) ولَهُ جَوابٌ، وهو قَوْلُهُ: (لَقَرَّ)، ورُدَّ بِأنَّها شَرْطِيَّةٌ، (ويُخْبِرَ) عَطْفٌ عَلى مَصْدَرٍ مُتَصَيَّدٍ مِن (نُبِشَ) كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ حَصَلَ نَبْشٌ فَإخْبارٌ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وقالَ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: لَوْ قِيلَ: إنَّها لِتَقْدِيرِ التَّمَنِّي مَعَها كَثِيرًا أُعْطِيَتْ حُكْمَهُ، واسْتُغْنِيَ عَنْ تَقْدِيرِ الجَوابِ فِيها إذا لَمْ يُذْكَرْ كَما في الوَصْلِيَّةِ، ونَصْبُ جَوابِها كانَ أسْهَلَ مِمّا ذُكِرَ، وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ لِتَرى مَفْعُولٌ، دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ، أيْ لَوْ تَرى المُجْرِمِينَ، أوْ لَوْ تَرى نَكْسَهم رُؤُوسَهُمْ، والمُضِيُّ في لَوِ الِامْتِناعِيَّةِ، وإذْ، لِأنَّ إخْبارَهُ تَعالى عَمّا تَحَقَّقَ في عِلْمِهِ الأزَلِيِّ لِتَحَقُّقِهِ بِمَنزِلَةِ الماضِي فَيُسْتَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلى المُضِيِّ مَجازًا كَلَوْ وإذْ، هَذا ومِنَ الغَرِيبِ قَوْلُ أبِي العَبّاسِ في الآيَةِ: المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُجْرِمِ، ولَوْ تَرى، وقَدْ حَكاهُ عَنْهُ أبُو حَيّانَ ثُمَّ قالَ: رَأى أنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( يَتَوَفّاكم ) داخِلَةٌ تَحْتَ ( قُلِ ) السّابِقِ، ولِذا لَمْ يُجْعَلِ الخِطابُ فِيهِ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ انْتَهى كَلامُهُ فَلا تَغْفُلْ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ شِئْنَا لَـَٔاتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَىٰهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ١٣

﴿ ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ﴾ مُقَدَّرٌ بِقَوْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى مُقَدَّرٍ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبَّنا أبْصَرْنا ﴾ إلَخْ، وهو جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿ فارْجِعْنا ﴾ يُفِيدُ أنَّهم لَوْ أُرْجِعُوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وأنَّهم مِمَّنْ لَمْ يَشَإ اللَّهُ تَعالى إعْطاؤُهُمُ الهُدى، أيْ ونَقُولُ: لَوْ شِئْنا أيْ لَوْ تَعَلَّقَتْ مَشِيئَتُنا تَعَلُّقًا فِعْلِيًّا بِأنْ نُعْطِيَ كُلَّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ البَرَّةِ والفاجِرَةِ هُداها، أيْ ما تَهْتَدِي بِهِ إلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِنَفْسِ الإيمانِ، والعَمَلِ الصّالِحِ، والأوَّلُ أوْلى، وأمّا تَفْسِيرُهُ بِما سَألَهُ الكَثْرَةُ مِنَ الرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا، أوْ بِالهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لَأعْطَيْناها إيّاهُ في الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ الكَسْبِ، وما أخَّرْناهُ إلى دارِ الجَزاءِ، ﴿ ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي ﴾ أيْ ثَبَتَ وتَحَقَّقَ قَوْلِي، وسَبَقَتْ كَلِمَتِي حَيْثُ قُلْتُ لِإبْلِيسَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ ، ﴿ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ ﴾ ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ  ﴾ ، وهو المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ ﴾ كَما يَلُوحُ بِهِ تَقْدِيمُ الجِنَّةِ عَلى النّاسِ، فَإنَّهُ في الخِطابِ لِإبْلِيسَ مُقَدَّمٌ، وتَقْدِيمُهُ هُناكَ لِأنَّهُ الأوْفَقُ لِمَقامِ تَحْقِيرِ ذَلِكَ المُخاطَبِ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ، وقِيلَ: التَّقْدِيمُ في المَوْضِعَيْنِ لِأنَّ الجَهَنَّمِيِّينَ مِنَ الجِنَّةِ أكْثَرُ.

ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا وجْهُ العُدُولِ عَنْ ضَمِيرِ العَظَمَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا ﴾ إلى ضَمِيرِ الوَحْدَةِ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ ما ذُكِرَ إشارَةٌ إلى ما وقَعَ في الرَّدِّ عَلى اللَّعِينِ، وقَدْ وقَعَ فِيهِ القَوْلُ، والإمْلاءُ مُسْنَدَيْنِ إلى ضَمِيرِ الوَحْدَةِ، لِيَكُونَ الكَلامُ عَلى طِرازِ ﴿ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَكَ  ﴾ في تَوْحِيدِ الضَّمِيرِ، وقَدْ يُقالُ: ضَمِيرُ العَظَمَةِ أوْفَقُ بِالكَثْرَةِ الدّالِّ عَلَيْها «كُلُّ نَفْسٍ» والضَّمِيرُ الآخَرُ أوْفَقُ بِما دُونَ تِلْكَ الكَثْرَةِ الدّالِّ عَلَيْهِ ( مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ ) أوْ يُقالُ: إنَّهُ وحَّدَ الضَّمِيرَ في الوَعِيدِ لِما أنَّ المَعْنِيَّ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَكَأنَّهُ أخْرَجَ الكَلامَ عَلى وجْهٍ لا يَتَوَهَّمُ فِيهِ مُتَوَهِّمٌ نَوْعًا مِن أنْواعِ الشَّرِكَةِ أصْلًا، أوْ أُخْرِجَ عَلى وجْهٍ يَلُوحُ بِما عَدَلُوا عَنْهُ مِنَ التَّوْحِيدِ إلى ما ارْتَكَبُوهُ مِمّا أوْجَبَ لَهُمُ الوَعِيدَ مِنَ الشِّرْكِ، أوْ يُقالُ: وحَّدَ الضَّمِيرَ في ( لَأمْلَأنَّ ) لِأنَّ الإمْلاءَ لا تَعَدُّدَ فِيهِ، فَتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ أوْفَقُ بِهِ، ويُقالُ نَظِيرُ ذَلِكَ في ﴿ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي ﴾ والإيتاءُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ المُؤْتى، فَضَمِيرُ العَظَمَةِ أوْفَقُ بِهِ ويُقالُ نَظِيرُهُ في ( شِئْنا ) فَتَدَبَّرْ، ولا يَلْزَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( أجْمَعِينَ ) دُخُولُ جَمِيعِ الجِنِّ والإنْسِ فِيها، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنْ مِنكم إلا وارِدُها  ﴾ ، فالوُرُودُ فِيهِ غَيْرُ الدُّخُولِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ، لِأنَّ ( أجْمَعِينَ ) تُفِيدُ عُمُومَ الأنْواعِ لا الأفْرادِ، فالمَعْنى: لَأمْلَأنَّها مِن ذَيْنِكَ النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا، كَمَلَأْتُ الكِيسَ مِنَ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ جَمِيعًا كَذا قِيلَ، ورُدَّ بِأنَّهُ لَوْ قَصَدَ ما ذَكَرَ لَكانَ المُناسِبُ التَّثْنِيَةَ دُونَ الجَمْعِ بِأنْ يُقالَ كِلَيْهِما، واسْتُظْهِرَ أنَّها لِعُمُومِ الأفْرادِ، والتَّعْرِيفُ في ( الجِنَّةِ والنّاسِ ) لِلْعَهْدِ، والمُرادُ عُصاتُهُما، ويُؤَيِّدُهُ الآيَةُ المُتَضَمِّنَةُ خِطابَ إبْلِيسَ، وحاصِلُ الآيَةِ: لَوْ شِئْنا إيتاءَ كُلِّ نَفْسٍ هُداها لَآتَيْناها إيّاهُ، لَكِنْ تَحَقَّقَ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ إلَخْ، فَبِمُوجَبِ ذَلِكَ القَوْلِ لَمْ نَشَأْ إعْطاءَ الهُدى عَلى العُمُومِ، بَلْ مَنَعْناهُ مِن أتْباعِ إبْلِيسَ الَّذِينَ أنْتُمْ مِن جُمْلَتِهِمْ حَيْثُ صَرَفْتُمُ اخْتِيارَكم إلى الغَيِّ بِإغْوائِهِ، ومَشِيئَتُنا لِأفْعالِ العِبادِ مَنُوطَةٌ بِاخْتِيارِهِمْ إيّاها، فَلَمّا لَمْ تَخْتارُوا الهُدى واخْتَرْتُمُ الضَّلالَ، لَمْ نَشَأْ إعْطاءَهُ لَكُمْ، وإنَّما أعْطَيْناهُ الَّذِينَ اخْتارُوهُ مِنَ البَرَرَةِ، وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا ﴾ الآيَةَ فَيَكُونُ مَناطُ عَدَمِ مَشِيئَتِهِ تَعالى إعْطاءَ الهُدى في الحَقِيقَةِ سُوءَ اخْتِيارِهِمْ، لا تَحَقُّقَ القَوْلِ، وإنَّما قُيِّدَتِ المَشِيئَةُ بِما مَرَّ مِنَ التَّعَلُّقِ الفِعْلِيِّ بِأفْعالِ العِبادِ عِنْدَ حُدُوثِها، لِأنَّ المَشِيئَةَ الأزَلِيَّةَ مِن حَيْثُ تَعَلُّقِها بِما سَيَكُونُ مِن أفْعالِهِمْ إجْمالًا مُتَقَدِّمَةً عَلى تَحَقُّقِ كَلِمَةِ العَذابِ، فَلا يَكُونُ عَدَمُها مَنُوطًا بِتَحَقُّقِها، وإنَّما مَناطُهُ عِلْمُهُ تَعالى أنَّهُ لا يَصْرِفُ اخْتِيارَهم فِيما سَيَأْتِي إلى الغَيِّ، وإيثارَهِمْ لَهُ عَلى الهُدى، فَلَوْ أُرِيدَتْ هي مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ لاسْتُدْرِكَ بِعَدَمِها بِأنْ يُقالَ: ولَكِنْ لَمْ نَشَأْ ونِيطَ ذَلِكَ بِما ذُكِرَ مِنَ المَناطِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ  ﴾ ، كَذا قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ.

وقَدْ يُقالُ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَشِيئَةِ المَشِيئَةُ الأزَلِيَّةُ مِن حَيْثُ تَعَلُّقُها بِما سَيَكُونُ مِن أفْعالِهِمْ، ويُرادُ بِالقَوْلِ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ وكَذا كَلِمَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ يُطْلَقُ عَلى ذَلِكَ، كَما قالَ الرّاغِبُ، وذَكَرَ مِنهُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ  ﴾ ، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ  ﴾ ، وحاصِلُ المَعْنى: لَوْ شِئْنا في الأزَلِ إيتاءَ كُلِّ نَفْسٍ هُداها في الدُّنْيا لَآتَيْناها إيّاهُ، ولَكِنْ ثَبَتَ وتَحَقَّقَ عِلْمِي أزَلًا بِتَعْذِيبِ العُصاةِ، فَبِمُوجَبِ ذَلِكَ لَمْ نَشَأْ إذْ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ المَعْلُومِ عَلى طِبْقِ العِلْمِ، لِئَلّا يَلْزَمَ انْقِلابُ العِلْمِ جَهْلًا، ووُقُوعُ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي وُجُودَ العُصاةِ، إذْ تَعْذِيبُ العُصاةِ فَرْعُ وجُودِهِمْ، ومَشِيئَةُ إيتاءِ الهُدى كُلَّ نَفْسٍ تَسْتَلْزِمُ طاعَةَ كُلِّ نَفْسٍ ضَرُورَةَ اسْتِلْزامِ العِلَّةِ لِلْمَعْلُولِ، فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ النَّفْسُ المُعَذَّبَةُ عاصِيَةً طائِعَةً، وهو مُحالٌ، وهَذا المُحالُ جاءَ مِن مَشِيئَتِهِ إيتاءَ كُلِّ نَفْسٍ هُداها مَعَ عِلْمِهِ تَعالى بِتَعْذِيبِ العُصاةِ، فَإمّا أنْ يَنْتَفِيَ العِلْمُ المَذْكُورُ، وهو مُحالٌ، لِأنَّ تَعَلُّقَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِالمَعْلُومِ عَلى ما هو عَلَيْهِ ضَرُورِيٌّ، فَتَعَيَّنَ انْتِفاءُ المَشِيئَةِ لِذَلِكَ، ويُرَجَّحُ هَذا بِالآخِرَةِ إلى أنَّ سَبَبَ انْتِفاءِ مَشِيئَتِهِ إيتاءَ الهُدى لِلْعُصاةِ سُوءُ ما هم عَلَيْهِ في أنْفُسِهِمْ، لِأنَّ المَشِيئَةَ تابِعَةٌ لِلْعِلْمِ، والعِلْمُ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ في نَفْسِهِ، فَعِلْمُهُ تَعالى بِتَعْذِيبِ العُصاةِ يَسْتَدْعِي عِلْمَهُ سُبْحانَهُ إيّاهم بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ عُصاةً، فَلا يَشاؤُهم جَلَّ جَلالُهُ، إلّا بِهَذا العُنْوانِ الثّابِتِ لَهم في أنْفُسِهِمْ، ولا يَشاؤُهم سُبْحانَهُ عَلى خِلافِهِ، لِأنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى إيّاهم كَذَلِكَ تَسْتَدْعِي تَعَلُّقَ العِلْمِ بِالشَّيْءِ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ ولَيْسَ ذَلِكَ عِلْمًا.

ويُمْكِنُ أنْ يَبْقى العِلْمُ عَلى ظاهِرِهِ، ويُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ هُداهم لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا قالَ لِإبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ يُعَذِّبُ أتْباعَهُ، ولا بُدَّ ولا يَقُولُ تَعالى خِلافَ ما يَعْلَمُ، فَلا يَشاءُ تَبارَكَ وتَعالى خِلافَ ما يَقُولُ، ويَرْجِعُ بِالآخِرَةِ أيْضًا إلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ هُداهم لِسُوءِ ما هم عَلَيْهِ في أنْفُسِهِمْ بِأدْنى تَأمُّلٍ، ومَآلُ الجَوابِ عَلى التَّقْرِيرَيْنِ لا فائِدَةَ لَكم في الرُّجُوعِ لِسُوءِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ في أنْفُسِكُمْ، ولا يَخْفى أنَّ ما ذُكِرَ مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِالأعْيانِ الثّابِتَةِ، وأنَّ الشَّقِيَّ شَقِيٌّ في نَفْسِهِ، والسَّعِيدَ سَعِيدٌ في نَفْسِهِ، وعِلْمُ اللَّهِ تَعالى إنَّما تَعَلَّقَ بِهِما عَلى ما هُما عَلَيْهِ في أنْفُسِهِما، وأنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى إنَّما تَعَلَّقَتْ بِإيجادِهِما حَسْبَما عَلِمَ جَلَّ شَأْنُهُ، فَوُجِدا في الخارِجِ بِإيجادِهِ تَعالى عَلى ما هُما عَلَيْهِ في أنْفُسِهِما، فَإذا تَمَّ هَذا تَمَّ ذاكَ، وإلّا فَلا، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

فَذُوقُوا۟ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَـٰكُمْ ۖ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ١٤

﴿ فَذُوقُوا ﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالذَّوْقِ عَلى ما يُعْرِبُ عَنْهُ ما قِيلَ مِن نَفْيِ الرَّجْعِ إلى الدُّنْيا، أوْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي ﴾ إلَخْ، ولَعَلَّ هَذا أسْرَعُ تَبادُرًا، وجَعَلَها بَعْضُهم واقِعَةً في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ إذا يَئِسْتُمْ مِنَ الرُّجُوعِ أوْ إذا حَقَّ القَوْلُ فَذُوقُوا، وجُوِّزَ كَوْنُها تَفْصِيلِيَّةً، والأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّوْبِيخِ، والباءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، (وما) مَصْدَرِيَّةٌ، وهَذا صِفَةُ (يَوْمِ) جِيءَ بِهِ لِلتَّهْوِيلِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَفْعُولَ ( ذُوقُوا )، وهو إشارَةٌ إلى ما هم فِيهِ مِن نَكْسِ الرُّؤُوسِ والخِزْيِ والغَمِّ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ مَفْعُولُ ( ذُوقُوا ) مَحْذُوفًا، والوَصْفِيَّةُ أظْهَرُ أيْ: فَذُوقُوا بِسَبَبِ نِسْيانِكم لِقاءَ هَذا اليَوْمِ الهائِلِ وتَرْكِكُمُ التَّفَكُّرَ فِيهِ، والتَّزَوُّدَ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا تَصْرِيحٌ بِسَبَبِ العَذابِ مِن قِبَلِهِمْ، فَلا يُنافِي أنْ يَكُونَ لَهُ سَبَبٌ آخَرُ حَقِيقِيًّا كانَ أوْ غَيْرَهُ، والتَّوْبِيخُ بِهِ مِن بَيْنِ الأسْبابِ لِظُهُورِهِ، وكَوْنِهِ صادِرًا مِنهم لا يَسَعُهم إنْكارُهُ، والمُرادُ بِنِسْيانِهِمْ ذَلِكَ تَرْكُهُمُ التَّفَكُّرَ فِيهِ، والتَّزَوُّدَ لَهُ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وهو بِهَذا المَعْنى اخْتِيارِيٌّ يُوَبَّخُ عَلَيْهِ، ولا يَكادُ يَصِحُّ إرادَةُ المَعْنى الحَقِيقِيِّ، وإنْ صَحَّ التَّوْبِيخُ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ تَعَمُّدِ سَبَبِهِ مِنَ الِانْهِماكِ في اتِّباعِ الشَّهَواتِ، ومِثْلُهُ في كَوْنِهِ مَجازًا النِّسْيانُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا نَسِيناكُمْ ﴾ أيْ تَرَكْناكم في العَذابِ تَرْكَ المَنسِيِّ بِالمَرَّةِ، وجَعَلَ بَعْضُهم هَذا مِن بابِ المُشاكَلَةِ، ولَمْ يُعْتَبَرْ كَوْنُ الأوَّلِ مَجازًا مانِعًا مِنها قِيلَ: والقَرِينَةُ عَلى قَصْدِ المُشاكَلَةِ فِيهِ، أنَّهُ قُصِدَ جَزاؤُهم مِن جِنْسِ العَمَلِ، فَهو عَلى حَدِّ: ﴿ وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ والتَّشْدِيدِ، وتَعْيِينُ المَفْعُولِ المُبْهَمِ لِلذَّوْقِ والإشْعارِ بِأنَّ سَبَبَهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ ما ذُكِرَ مِنَ النِّسْيانِ، بَلْ بِهِ أسْبابٌ أُخَرُ مِن فُنُونِ الكُفْرِ والمَعاصِي الَّتِي كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْها في الدُّنْيا، ولَمّا كانَ فِيهِ زِيادَةٌ عَلى الأوَّلِ حَصَلَتْ بِهِ مُغايَرَتُهُ لَهُ اسْتَحَقَّ العَطْفَ عَلَيْهِ، ولَمْ يُنْظَمِ الكُلُّ في سِلْكٍ واحِدٍ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ النِّسْيانِ، وما ذُكِرَ في اسْتِيجابِ العَذابِ، وفي إبْهامِ المَذُوقِ أوَّلًا وبَيانِهِ ثانِيًا بِتَكْرِيرِ الأمْرِ، وتَوْسِيطِ الِاسْتِئْنافِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ السُّخْطِ بَيْنَهُما مِنَ الدِّلالَةِ عَلى غايَةِ التَّشْدِيدِ في الِانْتِقامِ مِنهم ما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـَٔايَـٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا۟ بِهَا خَرُّوا۟ سُجَّدًۭا وَسَبَّحُوا۟ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ۩ ١٥

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِإيتاءِ الهُدى والإشْعارِ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ لَوْ أُوتُوهُ بِتَعْيِينِ مَن يَسْتَحِقُّهُ بِطَرِيقِ القَصْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِآياتِنا الدّالَّةِ عَلى شُؤُونِنا، ولا تَعْمَلُونَ بِمُوجَبِها عَمَلًا صالِحًا، ولَوْ أرْجَعْناكم إلى الدُّنْيا، وإنَّما يُؤْمِنُ ﴿ الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها ﴾ أيْ وُعِظُوا ﴿ خَرُّوا سُجَّدًا ﴾ أثَرَ ذِي أثِيرٍ مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ ولا تَلَعْثُمٍ فَضْلًا عَنِ التَّسْوِيفِ إلى مُعايَنَةِ ما نَطَقَتْ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، أيْ سَقَطُوا ساجِدِينَ تَواضُعًا لِلَّهِ تَعالى، وخُشُوعًا وخَوْفًا مِن عَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَ أبُو حَيّانَ: هَذِهِ السَّجْدَةُ مِن عَزائِمِ سُجُودِ القُرْآنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السُّجُودُ هُنا الرُّكُوعُ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ومُجاهِدٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ خَرَجُوا مِنَ المَسْجِدِ، فَكانَ الرُّكُوعُ يُقْصَدُ مِن هَذا، ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، ومِن مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ القارِئَ لِآيَةِ السَّجْدَةِ يَرْكَعُ واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ  ﴾ اهـ.

ولا يَخْفى ما في الِاسْتِدْلالِ مِنَ المَقالِ، ﴿ وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ ونَزَّهُوهُ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ سُبْحانَهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها العَجْزُ عَنِ البَعْثِ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ تَعالى عَلى نَعْمائِهِ جَلَّ وعَلا الَّتِي مِن أجْلِها الهِدايَةُ بِإيتاءِ الآياتِ والتَّوْفِيقِ إلى الِاهْتِداءِ بِها، فالحَمْدُ في مُقابَلَةِ النِّعْمَةِ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ بِأنَّهم يَفْعَلُونَهُما بِمُلاحَظَةِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهُمْ، ﴿ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ كَما يَفْعَلُ مَن يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا، كَأنْ لَمْ يَسْمَعِ الآياتِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، أوْ حالٌ مِن أحَدِ ضَمِيرَيْ ( خَرُّوا وسَبَّحُوا ) وجُوِّزَ عَطْفُها عَلى أحَدِ الفِعْلَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًۭا وَطَمَعًۭا وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ ١٦

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَقِيَّةِ مَحاسِنِهِمْ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالِيَّةً، أوْ خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَإ، والتَّجافِي البُعْدُ والِارْتِفاعُ والجُنُوبُ جَمْعُ جَنْبٍ الشُّقُوقُ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ أصْلَ الجَنْبِ الجارِحَةُ، ثُمَّ يُسْتَعارُ في النّاحِيَةِ الَّتِي تَلِيها كَعادَتِهِمْ في اسْتِعارَةِ سائِرِ الجَوارِحِ لِذَلِكَ نَحْوِ اليَمِينِ والشِّمالِ، ( والمَضاجِعُ ) جَمْعُ المَضْجَعِ أماكِنُ الِاتِّكاءِ لِلنَّوْمِ، أيْ تَتَنَحّى وتَرْتَفِعُ جُنُوبُهم عَنْ مَواضِعِ النَّوْمِ، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ تَرْكِهِمُ النَّوْمَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ يَصِفُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: نَبِيٌّ تَجافى جَنْبُهُ عَنْ فِراشِهِ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ التَّجافِي القِيامُ لِصَلاةِ النَّوافِلِ بِاللَّيْلِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، ومالِكٍ، والأوْزاعِيِّ، وغَيْرِهِمْ.

وفي الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ ما يَشْهَدُ لَهُ، أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في كِتابِ الصَّلاةِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: ««كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سَفَرٍ، فَأصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنهُ، ونَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ ويُباعِدُنِي مِنَ النّارِ؟

قالَ: لَقَدْ سَألْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وإنَّهُ يَسِيرٌ عَلى مَن يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ ولا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وتُقِيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتِي الزَّكاةَ، وتَصُومُ رَمَضانَ، وتَحُجُّ البَيْتَ، ثُمَّ قالَ: ألا أدُلَّكَ عَلى أبْوابِ الخَيْرِ؟

الصَّوْمُ جُنَّةٌ والصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ، وصَلاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ﴾ حَتّى بَلَغَ (يَعْمَلُونَ)»» الحَدِيثَ.

وقالَ أبُو الدَّرْداءِ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ: هو أنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ العِشاءَ والصُّبْحَ في جَماعَةٍ، وعَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ: هو أنْ لا يَنامَ الرَّجُلُ حَتّى يُصَلِّيَ العِشاءَ، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ﴾ نَزَلَتْ في انْتِظارِ الصَّلاةِ الَّتِي تُدْعى العَتَمَةَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قالَ فِيها: «نَزَلَتْ فِينا مَعاشِرَ الأنْصارِ، كُنّا نُصَلِّي المَغْرِبَ، فَلا نَرْجِعُ إلى رِحالِنا حَتّى نُصَلِّيَ العِشاءَ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ،» وقِيلَ: هو أنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ المَغْرِبَ، ويُصَلِّيَ بَعْدَها إلى العَشاءِ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: «سَألْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ﴾ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ يُصَلُّونَ المَغْرِبَ، ويُصَلُّونَ بَعْدَها إلى عِشاءِ الآخِرَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ،» وقالَ قَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ: هو أنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، واسْتَدَلَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسى قالَ: كانَ ناسٌ مِنَ الأنْصارِ يُصَلُّونَ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ﴾ .

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: تَتَجافى جُنُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى كُلَّما اسْتَيْقَظُوا ذَكَرُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، إمّا في الصَّلاةِ، وإمّا في قِيامٍ، أوْ قُعُودٍ، أوْ عَلى جُنُوبِهِمْ، لا يَزالُونَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى، ورَوى نَحْوَهُ هو ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، والجُمْهُورُ عَوَّلُوا عَلى ما هو المَشْهُورُ، وفي فَضْلِ التَّهَجُّدِ ما لا يُحْصى مِنَ الأخْبارِ، وأفْضَلُهُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ ما كانَ في الأسْحارِ.

( يَدْعُونَ رَبَّهم ) حالٌ مِن ضَمِيرِ ( جُنُوبُهم )، وقَدْ أُضِيفَ إلَيْهِ ما هو جُزْءٌ، وجُوِّزَ عَلى احْتِمالِ كَوْنِ جُمْلَةِ ﴿ تَتَجافى ﴾ إلَخْ حالِيَّةً أنْ تَكُونَ حالًا ثانِيَةً مِمّا جُعِلَتْ تِلْكَ حالًا مِنهُ، وعَلى احْتِمالِ كَوْنِها خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَإ، أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثالِثًا، وجُوِّزَ كَوْنُها مُسْتَأْنَفَةً، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِدُعائِهِمْ رَبَّهم سُبْحانَهُ المَعْنى المُتَبادِرُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الصَّلاةُ، ﴿ خَوْفًا ﴾ أيْ خائِفِينَ مِن سُخْطِهِ تَعالى، وعَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ وعَدَمِ قَبُولِ عِبادَتِهِمْ، ﴿ وطَمَعًا ﴾ فِي رَحْمَتِهِ تَبارَكَ وتَعالى، فالمَصْدَرانِ حالانِ مِن ضَمِيرِ ( يَدْعُونَ )، وجُوِّزَ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ لِمُقَدَّرٍ، أيْ يَخافُونَ خَوْفًا ويَطْمَعُونَ طَمَعًا، وتَكُونُ الجُمْلَةُ حِينَئِذٍ حالًا، وأنْ يَكُونا مَفْعُولًا لَهُ، ولا يَخْفى أنَّ الآيَةَ عَلى الحالِيَّةِ أمْدَحُ.

﴿ ومِمّا رَزَقْناهُمْ ﴾ إيّاهُ مِنَ المالِ ﴿ يُنْفِقُونَ ﴾ في وُجُوهِ الخَيْرِ.

<div class="verse-tafsir"

فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌۭ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍۢ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٧

﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ﴾ أيْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ فَضْلًا عَمَّنْ عَداهُمْ، فَإنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ تَعُمُّ.

والفاءُ سَبَبِيَّةٌ أوْ فَصِيحَةٌ أيْ: أُعْطَوْا فَوْقَ رَجائِهِمْ، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ﴿ ما أُخْفِيَ لَهُمْ ﴾ أيْ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ عُدِّدَتْ نُعُوتُهُمُ الجَلِيلَةُ ﴿ مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ ﴾ أيْ ما تَقَرُّ بِهِ أعْيُنٌ، وفي إضافَةِ القُرَّةِ إلى الأعْيُنِ عَلى الإطْلاقِ لا إلى أعْيُنِهِمْ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما أُخْفِيَ لَهم في غايَةِ الحُسْنِ والكَمالِ.

ورَوى الشَّيْخانِ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ««أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، بَلْهَ ما أطْلَعْتُكم عَلَيْهِ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ)»» وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّهُ لَمَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: «لَقَدْ أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِلَّذِينِ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ما لَمْ تَرَ عَيْنٌ، ولَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، ولَمْ يَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» ولا يَعْلَمُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وأنَّهُ لَفي القُرْآنِ: ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ)، ﴾ ﴿ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ أيْ جُوزُوا جَزاءً بِسَبَبِ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، (فَجَزاءً) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ.

وجُوِّزَ جَعْلُها حالِيَّةً، وقِيلَ: يَجُوزُ جَعْلُهُ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ﴾ عَلى مَعْنى مُنِعَتِ العِلْمَ لِلْجَزاءِ، أوْ لِأُخْفِيَ، فَإنَّ إخْفاءَهُ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: أخْفى القَوْمُ أعْمالًا في الدُّنْيا، فَأخْفى اللَّهُ تَعالى لَهم ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، أيْ أخْفى ذَلِكَ لِيَكُونَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ.

وفِي الكَشْفِ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تَعْلَمُ ﴾ رابِطَةٌ لِلْأحَقِّ بِالسّابِقِ، وأصْلُهُ فَلا يَعْلَمُونَ، والعُدُولُ لِتَعْظِيمِ الجَزاءِ، وعَدَمِ ذِكْرِ الفاعِلِ في ( أُخْفِيَ ) تَرْشِيحٌ لَهُ، لِأنَّ جازِيَهُ مَن هو العَظِيمُ وحْدَهُ، فَلا يَذْهَبُ، وهَلْ إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ اهـ، فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ، والأعْمَشُ «أخْفِي» بِسُكُونِ الياءِ فِعْلًا مُضارِعًا لِلْمُتَكَلِّمِ، وابْنُ مَسْعُودٍ «نَخْفِي» بِنُونِ العَظَمَةِ، والأعْمَشُ أيْضًا «أخْفَيْتُ» بِالإسْنادِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وحْدَهُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ( أخْفى ) فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.

(وما) في جَمِيعِ ذَلِكَ اسْمٌ مَوْصُولٌ مَفْعُولُ ( تَعْلَمُ )، والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، والعائِدُ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وضَمِيرُهُ مَحْذُوفٌ عَلى غَيْرِها، وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامِيَّةً، ومَوْضِعُها رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، ( وأُخْفِيَ لَهم ) خَبَرُهُ عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ الياءَ، وعَلى قِراءَةِ مَن سَكَّنَها، وجَعْلُ ( أُخْفِيَ ) مُضارِعًا يَكُونُ (ما) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأخْفى، (ويَعْلَمُ) مِنهُ حالُها عَلى سائِرِ القِراءاتِ، وإذا كانَتِ اسْتِفْهامِيَّةً يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، وأنْ يَكُونَ عَلى ظاهِرِهِ، فَيَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ تَسُدُّ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مَسَدَّهُما، وعَلى كُلٍّ مِنَ احْتِمالَيِ المَوْصُولِيَّةِ والِاسْتِفْهامِيَّةِ فالإيهامُ لِلتَّعْظِيمِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو الدَّرْداءِ، وأبُو هُرَيْرَةَ وعَوْنٌ، والعُقَيْلِيُّ «مِن قُرّاتِ» عَلى الجَمْعِ بِالألِفِ والتّاءِ، وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبِي جَعْفَرٍ، والأعْمَشِ، وجَمْعُ المَصْدَرِ أوِ اسْمِهِ لِاخْتِلافِ أنْواعِ القُرَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ.

<div class="verse-tafsir"

أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًۭا كَمَن كَانَ فَاسِقًۭا ۚ لَّا يَسْتَوُۥنَ ١٨

﴿ أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا ﴾ أيْ أبَعْدَ ظُهُورِ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ يُتَوَهَّمُ كَوْنُ المُؤْمِنِ الَّذِي حُكِيَتْ أوْصافُهُ الفاضِلَةُ كالفاسِقِ الَّذِي ذُكِرَتْ أحْوالُهُ القَبِيحَةُ العاطِلَةُ، وأصْلُ الفِسْقِ الخُرُوجُ مِن فَسَقَتِ الثَّمَرَةُ إذا خَرَجَتْ مِن قِشْرِها، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الخُرُوجِ عَنِ الطّاعَةِ، وأحْكامِ الشَّرْعِ مُطْلَقًا، فَهو أعَمُّ مِنَ الكُفْرِ، وقَدْ يُخَصُّ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ  ﴾ ، وكَما هُنا لِمُقابَلَتِهِ بِالمُؤْمِنِ مَعَ ما سَتَسْمَعُهُ بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ﴿ لا يَسْتَوُونَ ﴾ التَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ إفادَةِ الإنْكارِ لِنَفْيِ المُشابَهَةِ بِالمَرَّةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ، وبِناءِ التَّفْصِيلِ الآتِي عَلَيْهِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى (مَن) كَما أنَّ الإفْرادُ فِيما سَبَقَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِاثْنَيْنِ وهُما المُؤْمِنُ والكافِرُ، والتَّثْنِيَةُ جَمْعٌ.

<div class="verse-tafsir"

أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٩

﴿ أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى ﴾ تَفْصِيلٌ لِمَراتِبِ الفَرِيقَيْنِ بَعْدَ نَفْيِ اسْتِوائِهِما، وقِيلَ: بَعْدَ ذِكْرِ أحْوالِهِما في الدُّنْيا، وأُضِيفَتِ الجِنانُ إلى المَأْوى لِأنَّها المَأْوى، والمَسْكَنُ الحَقِيقِيُّ، والدُّنْيا مَنزِلٌ مُرْتَحَلٌ عَنْهُ، لا مَحالَةَ، وقِيلَ: المَأْوى عَلَمٌ لِمَكانٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الجِنانِ كَعَدْنٍ، وقِيلَ: جَنَّةُ المَأْوى لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّها تَأْوِي إلَيْها أرْواحُ الشُّهَداءِ، ورُوِيَ أنَّها عَنْ يَمِينِ العَرْشِ، ولا يَخْفى ما في جَعْلِهِ عَلَمًا مِنَ البُعْدِ، وأيًّا ما كانَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِ رَمْزٌ إلى ما ذُكِرَ مِن تَجافِيهِمْ عَنْ مَضاجِعِهِمُ الَّتِي هي مَأْواهم في الدُّنْيا.

وقَرَأ طَلْحَةُ «جَنَّةُ المَأْوى» بِالإفْرادِ، ﴿ نُزُلا ﴾ أيْ ثَوابًا، وهو في الأصْلِ ما يُعَدُّ لِلنّازِلِ مِنَ الطَّعامِ، والشَّرابِ، والصِّلَةِ، ثُمَّ عَمَّ كَلَّ عَطاءٍ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ( جَنّاتُ )، والعامِلُ فِيهِ الظَّرْفُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نازِلٍ فَيَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( الَّذِينَ آمَنُوا )، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «نُزْلًا» بِإسْكانِ الزّايِ كَما في قَوْلِهِ: وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا ﴿ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ أيْ بِسَبَبِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ، والعائِدَ مَحْذُوفٌ، والباءَ سَبَبِيَّةٌ، وكَوْنُ ذَلِكَ سَبَبًا بِمُقْتَضى فَضْلِهِ تَعالى ووَعْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلا يُنافِي حَدِيثَ ««لا يَدْخُلُ أحَدُكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»» ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْمُقابَلَةِ، والمُعارَضَةِ، كَعَلى في نَحْوِ: بِعْتُكَ الدّارَ عَلى ألْفِ دِرْهَمٍ، أيْ فَلَهم ذَلِكَ عَلى الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُوا۟ فَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَآ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢٠

﴿ وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا ﴾ أيْ خَرَجُوا عَنِ الطّاعَةِ، فَكَفَرُوا، وارْتَكَبُوا المَعاصِيَ، ﴿ فَمَأْواهُمُ ﴾ أيْ فَمَسْكَنُهم ومَحَلُّهُمُ ﴿ النّارُ )، ﴾ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المَأْوى صارَ مُتَعارَفًا فِيما يَكُونُ مَلْجَأً لِلشَّخْصِ، ومُسْتَراحًا يَسْتَرِيحُ إلَيْهِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، ولَوْ وهْمًا، فَإذا أُرِيدَ هُنا يَكُونُ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ) [آلُ عِمْرانَ: 21، التَّوْبَةُ: 34، الِانْشِقاقُ: 24]، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِعْمالُ ذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ، لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في أحَدِ القِسْمَيْنِ (فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى) ذَكَرَ في الآخَرِ ( فَمَأْواهُمُ النّارُ)، ﴿ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ كَوْنِ النّارِ مَأْواهُمْ، والكَلامُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ  ﴾ عَلى ما قِيلَ، والمَعْنى كُلَّما شارَفُوا الخُرُوجَ مِنها، وقَرُبُوا مِنهُ أُعِيدُوا فِيها ودُفِعُوا إلى قَعْرِها.

فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم يَضْرِبُهم لَهَبُ النّارِ فَيَرْتَفِعُونَ إلى أعْلاها حَتّى إذا قَرُبُوا مِن بابِها، وأرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها، يَضْرِبُهُمُ اللَّهَبُ فَيَهْوُونَ إلى قَعْرِها، وهَكَذا يُفْعَلُ بِهِمْ أبَدًا.

وقِيلَ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ، إلّا أنَّ فِيهِ حَذْفًا أيْ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها فَخَرَجُوا مِن مُعْظَمِها أُعِيدُوا فِيها، ويُشِيرُ إلى أنَّ الخُرُوجَ مِن مُعْظَمِها قَوْلُهُ تَعالى: ( فِيها ) دُونَ إلَيْها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ هُنا عِبارَةً عَنْ خُلُودِهِمْ فِيها، وأيًّا ما كانَ، لا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ  ﴾ ، ﴿ وقِيلَ لَهُمْ ﴾ تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، وزِيادَةً في غَيْظِهِمْ.

﴿ ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ ﴾ أيْ بِعَذابِ النّارِ ﴿ تُكَذِّبُونَ ﴾ عَلى الِاسْتِمْرارِ في الدُّنْيا، وأُظْهِرَتِ النّارُ مَعَ تَقَدُّمِها قَبْلُ لِزِيادَةِ التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ، وتَعْظِيمِ الأمْرِ، وذَكَرابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ وجْهًا آخَرَ لِلْإظْهارِ وهو أنَّ الجُمْلَةَ الواقِعَةَ بَعْدَ القَوْلِ حِكايَةٌ لِما يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ إرادَتِهِمُ الخُرُوجَ مِنَ النّارِ، فَلا يُناسِبُ ذَلِكَ وضْعُ الضَّمِيرِ إذْ لَيْسَ القَوْلُ حِينَئِذٍ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ ذِكْرُ النّارِ، وإنَّما ذَكَرَها سُبْحانَهُ قَبْلُ إخْبارًا عَنْ أحْوالِهِمْ، ونَظَرَ فِيهِ الطِّيبِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بِأنَّ هَذا القَوْلَ داخِلٌ أيْضًا في حَيِّزِ الإخْبارِ لِعَطْفِهِ عَلى ( أُعِيدُوا ) الواقِعِ جَوابًا لِكُلَّما، فَكَما جازَ الإضْمارُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ جازَ فِيهِ أيْضًا، إنْ لَمْ يُقْصَدْ زِيادَةُ التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ.

ورُدَّ بِأنَّ المانِعَ أنَّهُ حِكايَةٌ لِما يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، والأصْلُ في الحِكايَةِ أنْ تَكُونَ عَلى وفْقِ المَحْكِيِّ عَنْهُ، دُونَ تَغْيِيرٍ ولا إضْمارٍ في المَحْكِيِّ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ النّارِ فِيهِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ قَدْ يُناقَشُ فِيهِ بِأنَّ مُرادَهُ أنَّهُ يَجُوزُ رِعايَةُ المَحْكِيِّ، والحِكايَةِ، وكَما أنَّ الأصْلَ رِعايَةُ المَحْكِيِّ الأصْلُ الإضْمارُ إذا تَقَدَّمَ الذِّكْرُ، فَلا بُدَّ مِن مُرَجِّحٍ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: أرادَ ابْنُ الحاجِبِ أنَّ الإظْهارَ هو المُناسِبُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ نَظَرًا إلى ذاتِها، ونَظَرًا إلى سِياقِها، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّها تُقالُ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ النّارِ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ سِياقَ الآيَةِ لِلتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ وتَعْظِيمِ الأمْرِ، وفي الإظْهارِ مِن ذَلِكَ ما لَيْسَ في الإضْمارِ، وهَذا بَعِيدٌ مِن أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ نَظَرُ الطِّيبِيِّ، والإنْصافُ أنَّ كُلًّا مِنَ الإضْمارِ والإظْهارِ جائِزٌ، وأنَّهُ رَجَّحَ الإظْهارَ اقْتِضاءُ السِّياقِ لِذَلِكَ، ونُقِلَ عَنِ الرّاغِبِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقامَ في هَذِهِ الآيَةِ مَقامُ الضَّمِيرِ حَيْثُ ذُكِرَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في دُرَّةِ التَّنْزِيلِ: إنَّهُ تَعالى قالَ ها هُنا ﴿ ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ  ﴾ ، فَذَكَّرَ جَلَّ وعَلا ها هُنا، وأنَّثَ سُبْحانَهُ هُناكَ، والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ النّارَ ها هُنا وقَعَتْ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ، والضَّمِيرُ لا يُوصَفُ، فَأُجْرِيَ الوَصْفُ عَلى العَذابِ المُضافِ إلَيْها، وهو مُذَكَّرٌ، وفي تِلْكَ الآيَةِ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُ النّارِ في سِياقِها، فَلَمْ تَقَعِ النّارُ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ فَأُجْرِيَ الوَصْفُ عَلَيْها، وهي مُؤَنَّثَةٌ دُونَ العَذابِ، فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٢١

﴿ ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى ﴾ أيِ الأقْرَبِ، وقِيلَ: الأقَلِّ، وهو عَذابُ الدُّنْيا، فَإنَّهُ أقْرَبُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ وأقَلُّ مِنهُ، واخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِ، فَرَوى النَّسائِيُّ وجَماعَةٌ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سُنُونَ أصابَتْهُمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّخَعِيِّ، ومُقاتِلٍ، ورَوى الطَّبَرانِيُّ وآخَرُونَ وصَحَّحَهُ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا أنَّهُ ما أصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ.

ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِلَفْظٍ هو القَتْلُ بِالسَّيْفِ، نَحْوَ يَوْمِ بَدْرٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ القَتْلُ والجُوعُ.

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ، وأبُو عَوانَةَ في صَحِيحِهِ، وغَيْرُهم عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا، والرُّومُ، والبَطْشَةُ، والدُّخانُ، وفي لَفْظِ مُسْلِمٍ: أوِ الدُّخانُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا وأسْقامُها وبَلاياها، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ وعَنِ الضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ بِلَفْظِ: مَصائِبُ الدُّنْيا في الأنْفُسِ والأمْوالِ، وفي مَعْناهُ ما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ أبِي إدْرِيسَ الخَوْلانِيِّ قالَ: سَألْتُ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَنُذِيقَنَّهُمْ ﴾ الآيَةَ فَقالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْها فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هي المَصائِبُ والأسْقامُ والآصارُ عَذابٌ لِلْمُسْرِفِ فِي الدُّنْيا دُونَ عَذابِ الآخِرَةِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما هي لَنا؟

قالَ: زَكاةٌ وطَهُورٌ،» وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الحُدُودُ.

وأخْرَجَ هُنا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِعَذابِ القَبْرِ، وحُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا ﴿ دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ ﴾ هو عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وغَيْرِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا خِلافَ في أنَّهُ ذَلِكَ، وفي التَّحْرِيرِ: إنَّ أكْثَرَهم عَلى أنَّ العَذابَ الأكْبَرَ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ في النّارِ، وقِيلَ: هو القَتْلُ، والسَّبْيُ، والأسْرُ.

وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ خُرُوجُ المَهْدِيِّ بِالسَّيْفِ انْتَهى.

وعَلَيْهِما يُفَسَّرُ العَذابُ الأدْنى بِالسِّنِينَ، أوِ الأسْقامِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ أدْنى مِمّا ذُكِرَ، وعَنْ بَعْضِ أهْلِ البَيْتِ تَفْسِيرُهُ بِالدّابَّةِ والدَّجّالِ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ.

وإنَّما لَمْ يَقُلِ الأصْغَرُ في مُقابَلَةِ ( الأكْبَرِ )، أوِ الأبْعَدُ في مُقابَلَةِ ( الأدْنى )، لِأنَّ المَقْصُودَ هو التَّخْوِيفُ والتَّهْدِيدُ، وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِالقُرْبِ، لا بِالصِّغَرِ، وبِالكِبَرِ لا بِالبُعْدِ، قالَهُ النَّيْسابُورِيُّ مُلَخِّصًا لَهُ مِن كَلامِ الإمامِ، وكَذا أوْجَبَ أبُو حَيّانَ إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ الأدْنى يَتَضَمَّنُ الأصْغَرَ لِأنَّهُ مُنْقَضٍ بِمَوْتِ المُعَذَّبِ، والأكْبَرَ يَتَضَمَّنُ الأبْعَدَ لِأنَّهُ واقِعٌ في الآخِرَةِ فَحَصَلَتِ المُقابَلَةُ مِن حَيْثُ التَّضَمُّنُ، وصَرَّحَ بِما هو آكَدُ في التَّخْوِيفِ ﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ أيْ لَعَلَّ مَن بَقِيَ مِنهم يَتُوبُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ لَعَلَّهم يُرِيدُونَ الرُّجُوعَ ويَطْلُبُونَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا  ﴾ ، وسُمِّيَتْ إرادَةُ الرُّجُوعِ رُجُوعًا كَما سُمِّيَتْ إرادَةُ القِيامِ قِيامًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ  ﴾ ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ «يُرْجَعُونَ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ انْتَهى.

وهُوَ عَلى ما حُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، فَيَتَعَلَّقُ ( لَعَلَّهم ) إلَخْ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى ﴾ كَما في الأوَّلِ، إلّا أنَّ الرُّجُوعَ هُنالِكَ التَّوْبَةُ، وها هُنا الرُّجُوعُ إلى الدُّنْيا، ويَكُونُ مِن بابِ ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا  ﴾ ، أوْ يَكُونُ التَّرَجِّي راجِعًا إلَيْهِمْ، ووَجْهُ دِلالَةِ القِراءَةِ المَذْكُورَةِ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَصِحُّ الحَمْلُ فِيها عَلى التَّوْبَةِ، والظّاهِرُ التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ، والقِراءَةُ لا تَأْباهُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلَيْهِمْ لَعَلَّهم يُرْجِعُهم ذَلِكَ العَذابُ عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، و(لَعَلَّ) لِتَرَجِّي المُخاطَبِينَ كَما فَسَّرَها بِذَلِكَ سِيبَوَيْهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُها هُنا بِكَيْ، وكَأنَّ المُرادَ كَيْ نُعَرِّضَهم بِذَلِكَ لِلتَّوْبَةِ، وجَعَلَها الزَّمَخْشَرِيُّ لِتَرَجِّيهِ سُبْحانَهُ، ولِاسْتِحالَةِ حَقِيقَةِ ذَلِكَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ حَمَلَهُ عَلى إرادَتِهِ تَعالى، وأوْرَدَ عَلى ذَلِكَ سُؤالًا أجابَ عَنْهُ عَلى مَذْهَبِهِ في الِاعْتِزالِ، فَلا تَلْتَفِتْ إلَيْهِ، هَذا والآياتُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا ﴾ إلى هُنا نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، والوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ أخِي عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِأُمِّهِ أرْوى بِنْتِ كَرِيزِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ.

أخْرَجَ أبُو الفَرَجِ الأصْفَهانِيُّ في كِتابِ الأغانِي، والواحِدِيُّ، وابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ الوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: أنا أحَدُّ مِنكَ سِنانًا، وأبْسَطُ مِنكَ لِسانًا، وأمْلَأُ لِلْكَتِيبَةِ مِنكَ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: اسْكُتْ، فَإنَّما أنْتَ فاسِقٌ، فَنَزَلَتْ ﴿ أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا ﴾ إلَخْ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَ ذَلِكَ، وأخْرَجَ هَذا أيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، ولَمْ يَذْكُرْ ما جَرى.

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ورَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ ولَمْ يُسَمِّهِ.

وفِي الكَشّافِ رُوِيَ في نُزُولِها «أنَّهُ شَجَرَ بَيْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ يَوْمَ بَدْرٍ كَلامٌ، فَقالَ لَهُ الوَلِيدُ: اسْكُتْ، فَإنَّكَ صَبِيٌّ أنا أشَبُّ مِنكَ شَبابًا، وأجْلَدُ مِنكَ جَلَدًا، وأذْرَبُ مِنكَ لِسانًا، وأحَدُّ مِنكَ سِنانًا، وأشْجَعُ مِنكَ جِنانًا، وأمْلَأُ مِنكَ حَشْوًا في الكَتِيبَةِ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: اسْكُتْ، فَإنَّكَ فاسِقٌ، فَنَزَلَتْ».

ولَمْ نَرَهُ بِهَذا اللَّفْظِ مُسْنَدًا، وقالَ الخَفاجِيُّ: قالَ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّهُ غَلَطٌ فاحِشٌ، فَإنَّ الوَلِيدَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ بَدْرٍ رَجُلًا، بَلْ كانَ طِفْلًا، لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ حُضُورُ بَدْرٍ وصُدُورُ ما ذُكِرَ.

ونَقَلَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَنِ الشَّيْخِ ولِيِّ الدِّينِ: هو غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، فَإنَّ الوَلِيدَ يَصْغُرُ عَنْ ذَلِكَ، وأقُولُ: بَعْضُ الأخْبارِ تَقْتَضِي أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْلُودًا يَوْمَ بَدْرٍ أوْ كانَ صَغِيرًا جِدًّا، أخْرَجَ أبُو داوُدَ في السُّنَنِ مِن طَرِيقِ ثابِتِ بْنِ الحَجّاجِ عَنْ أبِي مُوسى عَبْدِ اللَّهِ الهَمْدانِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «لَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ جَعَلَ أهْلُ مَكَّةَ يَأْتُونَهُ بِصِبْيانِهِمْ، فَيَمْسَحُ عَلى رُؤُوسِهِمْ فَأُتِيَ بِي إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنا مُخَلَّقٌ، فَلَمْ يَمَسَّنِي مِن أجْلِ الخَلُوقِ،» إلّا أنَّ ابْنَ عَبْدِ البَرِّ قالَ: إنَّ أبا مُوسى مَجْهُولٌ، وأيْضًا ذَكَرَ الزُّبَيْرُ، وغَيْرُهُ مِن أهْلِ العِلْمِ بِالسِّيَرِ أنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ لَمّا خَرَجَتْ مُهاجِرَةً إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الهُدْنَةِ سَنَةَ سَبْعٍ خَرَجَ أخَواها الوَلِيدُ وعُمارَةُ لِيَرُدّاها، وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَبِيًّا يَوْمَ الفَتْحِ، إذْ مَن يَكُونُ كَذَلِكَ كَيْفَ يَكُونُ مِمَّنْ خَرَجَ لِيَرُدَّ أُخْتَهُ قَبْلَ الفَتْحِ، وبَعْضُ الأخْبارِ تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ رَجُلًا يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَدْ ذَكَرَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في كِتابِهِ الإصابَةَ أنَّهُ قَدِمَ في فِداءِ ابْنِ عَمِّ أبِيهِ الحارِثِ بْنِ أبِي وجْرَةَ بْنِ أبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، وكانَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، فافْتَداهُ بِأرْبَعَةِ آلافٍ، وقالَ: حَكاهُ أهْلُ المَغازِي، ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِشَيْءٍ، وسَوْقُ كَلامِهِ ظاهِرٌ في ارْتِضائِهِ، ووَجْهُ اقْتِضائِهِ ذَلِكَ أنَّ ما تَعاطاهُ مِن أفْعالِ الرِّجالِ دُونَ الصِّبْيانِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ حَجَرٍ يُخالِفُ ما ذَكَرَهُ عَنْهُ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مِمّا مَرَّ آنِفًا، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صَغِيرًا ذَلِكَ اليَوْمَ صِغَرًا يُمْكِنُ مَعَهُ عادَةً الحُضُورُ، فَحَضَرَ، وجَرى ما جَرى لِأنَّ وصْفَهُ بِالفِسْقِ بِمَعْنى الكُفْرِ والوَعِيدِ عَلَيْهِ بِما سَمِعْتَ في الآياتِ مَعَ كَوْنِهِ دُونَ البُلُوغِ مِمّا لا يَكادُ يَذْهَبُ إلَيْهِ إلّا مَن يَلْتَزِمُ أنَّ التَّكْلِيفَ بِالإيمانِ إذْ ذاكَ كانَ مَشْرُوطًا بِالتَّمْيِيزِ، ولا أنْ يُقالَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ بَعْدَ إسْلامِهِ، وقَدْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ فاسِقٌ وهو مُسْلِمٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا  ﴾ ، فَقَدْ قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ بِتَأْوِيلِ القُرْآنِ إنَّها نَزَلَتْ فِيهِ، حَيْثُ إنَّهُ  بَعَثَهُ مُصَدِّقًا إلى بَنِي المُصْطَلِقِ فَعادَ، وأخْبَرَ أنَّهُمُ ارْتَدُّوا، ومَنَعُوا الصَّدَقَةَ، ولَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّ الفِسْقَ ها هُنا بِمَعْنى الكُفْرِ، وهُناكَ لَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِأنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والوَلِيدِ لِكَلامٍ جَرى يَوْمَ بَدْرٍ يَقْتَضِي أنَّها مَدَنِيَّةٌ، والمُخْتارُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ خِلافُهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ ۚ إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ٢٢

﴿ ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها ﴾ بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِمَن قابَلَ آياتِ اللَّهِ تَعالى بِالإعْراضِ بَعْدَ بَيانِ حالِ مَن قابَلَها بِالسُّجُودِ والتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ، وكَلِمَةُ ( ثُمَّ ) لِاسْتِبْعادِ الإعْراضِ عَنْها عَقْلًا مَعَ غايَةِ وُضُوحِها وإرْشادِها إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ، كَما في قَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ عُلَيَّةَ الحارِثِيِّ: ولا يَكْشِفُ الغَمّاءَ إلّا ابْنُ حُرَّةٍ يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها والمُرادُ أنَّ ذَلِكَ أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ، ﴿ إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ ﴾ قِيلَ: أيْ مِن كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِالإجْرامِ، وكَسْبِ الأُمُورِ المَذْمُومَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ المَثابَةِ، ﴿ مُنْتَقِمُونَ ﴾ فَكَيْفَ مِمَّنْ هو أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ وأشَدُّ جُرْمًا مِن كُلِّ جارِمٍ، فَفي الجُمْلَةِ إثْباتُ الِانْتِقامِ مِنهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمُجْرِمِ المُعْرِضُ المَذْكُورُ وقَدْ أُقِيمَ المُظْهَرُ مَقامَ المُضْمَرِ الرّاجِعِ إلى ( مَن )، بِاعْتِبارِ مَعْناها، وكانَ الأصْلُ: إنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ لِيُؤْذِنَ بِأنَّ عِلَّةَ الِانْتِقامِ ارْتِكابُ هَذا المُعْرِضِ مِثْلَ هَذا الجُرْمِ العَظِيمِ: وفَسَّرَ البَغَوِيُّ المُجْرِمِينَ هُنا بِالمُشْرِكِينَ.

وقالَ الطِّيبِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ حِكايَتِهِ: ولا ارْتِيابَ أنَّ الكَلامَ في ذَمِّ المُعْرِضِينَ، وهَذا الأُسْلُوبُ أذَمُّ، لِأنَّهُ يُقِرُّ أنَّ الكافِرَ إذا وُصِفَ بِالظُّلْمِ، والإجْرامِ حُمِلَ عَلى نِهايَةِ كُفْرِهِ وغايَةِ تَمَرُّدِهِ، لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ كالخاتِمَةِ لِأحْوالِ المُكَذِّبِينَ القائِلِينَ: ( أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ) [السَّجْدَةُ: 3 وغَيْرُها]، والتَّخَلُّصُ إلى قِصَّةِ الكَلِيمِ مَسْلاةٌ لِقَلْبِ الحَبِيبِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى آخِرِ ما ذَكَرَهُ فَلْيُراجَعْ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَلَا تَكُن فِى مِرْيَةٍۢ مِّن لِّقَآئِهِۦ ۖ وَجَعَلْنَـٰهُ هُدًۭى لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٢٣

﴿ ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ ﴾ أيْ جِنْسَ الكِتابِ، ﴿ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ ﴾ أيْ شَكٍّ.

وقَرَأ الحَسَنُ «مُرْيَةٍ» بِضَمِّ المِيمِ، ﴿ مِن لِقائِهِ ﴾ أيْ لِقائِكَ ذَلِكَ الجِنْسِ عَلى أنَّ لِقاءَ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والضَّمِيرُ المَذْكُورُ لِلْكِتابِ المُرادِ بِهِ الجِنْسُ، وإيتاءُ ذَلِكَ الجِنْسِ بِاعْتِبارِ إيتاءِ التَّوْراةِ، ولِقاؤُهُ بِاعْتِبارِ لِقاءِ القُرْآنِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ  ﴾ ، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا  ﴾ ، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ ( الكِتابَ ) عَلى العَهْدِ، أيِ الكِتابَ المَعْهُودَ وهو التَّوْراةُ، ولَمّا لَمْ يَصِحَّ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ ظاهِرًا لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُلَقَّ عَيْنَ ذَلِكَ الكِتابِ قِيلَ: الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ لِقاءِ مِثْلِهِ أوْ عَلى الِاسْتِخْدامِ، أوْ أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِنهُ، ولا يَخْفى ما في كُلٍّ مِنَ البُعْدِ، والمَعْنى إنّا آتَيْنا مُوسى مِثْلَ ما آتَيْناكَ مِنَ الكِتابِ، ولَقَّيْناهُ مِنَ الوَحْيِ مِثْلَ ما لَقَّيْناكَ مِنَ الوَحْيِ، فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن أنَّكَ لَقِيتَ مِثْلَهُ ونَظِيرَهُ، وخُلاصَةُ ما تُؤْذِنُ بِهِ الفاءُ التَّفْرِيعِيَّةُ أنَّ مَعْرِفَتَكَ بِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أُوتِيَ التَّوْراةَ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ سَبَبًا لِإزالَةِ الرَّيْبِ عَنْكَ في أمْرِ كِتابِكَ، ونَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ أنْ يَكُونَ في شَكٍّ المَقْصُودُ مِنهُ نَهْيُ أُمَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والتَّعْرِيضُ بِمَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: المَصْدَرُ مُضافٌ إلى الفاعِلِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ هو ضَمِيرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ مِن لِقائِهِ إيّاكَ ووُصُولِهِ إلَيْكَ، وفي التَّعْبِيرِ بِاللِّقاءِ دُونَ الإيتاءِ مِن تَعْظِيمِ شَأْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما لا يَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ عَلى الوَجْهِ السّابِقِ مُؤْذِنٌ بِالتَّعْظِيمِ أيْضًا لَكِنْ مِن حَيْثِيَّةٍ أُخْرى فَتَدَبَّرْ.

وقِيلَ: الكِتابُ التَّوْراةُ، وضَمِيرُ ﴿ لِقائِهِ ﴾ عائِدٌ إلَيْهِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ مُضافٍ، ولا ارْتِكابِ اسْتِخْدامٍ، (ولِقاءٌ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ، وفاعِلُهُ مُوسى، أيْ مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابَ، أوْ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ ومَفْعُولُهُ مُوسى، أيْ مِن لِقاءِ الكِتابِ مُوسى، ووُصُولِهِ إلَيْهِ، فالفاءُ مِثْلُها في قَوْلِهِ: لَيْسَ الجَمالُ بِمِئْزَرٍ فاعْلَمْ وإنْ رُدِّيتَ بُرْدا دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ بَدَلَ الواوِ اهْتِمامًا بِشَأْنِها، وعَنِ الحَسَنِ: أنَّ ضَمِيرَ ( لِقائِهِ ) عائِدٌ عَلى ما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ مِنَ الشِّدَّةِ والمِحْنَةِ الَّتِي لَقِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى هَذا العِبْءَ الَّذِي أنْتَ بِسَبِيلِهِ، فَلا تَمْتَرِ أنَّكَ تَلْقى ما لَقِيَ هو مِنَ الشِّدَّةِ والمِحْنَةِ بِالنّاسِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وأبْعَدُ مِنهُ بِمَراحِلَ ما قِيلَ: الضَّمِيرُ لِمَلَكِ المَوْتِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ أيْضًا، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَجِلَّ كَلامُ اللَّهِ تَعالى عَنْ مِثْلِ هَذا التَّخْرِيجِ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: أيْ مِن لِقاءِ مُوسى، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ كَذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ: أوَلَقِيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُوسى؟

قالَ: نَعَمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا  ﴾ ، وأرادَ بِذَلِكَ لِقاءَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ كَما ذُكِرَ في الصَّحِيحَيْنِ، وغَيْرِهِما، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ وجَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، وقالَهُ المُبَرِّدُ حِينَ امْتَحَنَ الزَّجّاجَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ ﴾ عَلى هَذا وعْدَهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِلِقاءِ مُوسى، وتَكُونُ الآيَةُ نازِلَةً قَبْلَ الإسْراءِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ بِالفاءِ بَدَلَ الواوِ، كَما سَمِعْتَ آنِفًا.

وجَعْلُها مُفَرَّعَةً عَلى ما قَبْلَها غَيْرُ ظاهِرٍ، وبِهَذا اعْتَرَضَ بَعْضُهم عَلى هَذا التَّفْسِيرِ، وبِالفِرارِ إلى الإعْراضِ سَلامَةٌ مِنَ الِاعْتِراضِ، وكَأنِّي بِكَ تُرَجِّحُهُ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ مِن بَعْضِ الجِهاتِ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ، ﴿ وجَعَلْناهُ ﴾ أيِ الكِتابَ الَّذِي آتَيْناهُ مُوسى، وقالَ قَتادَةُ أيْ وجَعَلْنا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ هُدًى ﴾ أيْ هادِيًا مِنَ الضَّلالَةِ ﴿ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ خُصُّوا بِالذِّكْرِ لِما أنَّهم أكْثَرُ المُنْتَفِعِينَ بِهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ لَمْ يَتَعَبَّدْ بِما في كِتابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَدُ إسْماعِيلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةًۭ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا۟ ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤

﴿ وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً ﴾ قالَ قَتادَةُ: رُؤَساءَ في الخَيْرِ سِوى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ كانُوا في بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ يَهْدُونَ ﴾ بَقِيَّتَهم بِما في تَضاعِيفِ الكِتابِ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ، أوْ يَهْدُونَهم إلى ما فِيهِ مِن دِينِ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعِهِ عَزَّ وجَلَّ بِأمْرِنا إيّاهم بِأنْ يَهْدُوا، عَلى أنَّ الأمْرَ واحِدُ الأوامِرِ، وهَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّهم أنْبِياءُ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهم لَيْسُوا بِأنْبِياءَ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ أمْرُهُ تَعالى إيّاهم بِذَلِكَ عَلى حَدِّ أمْرِ عُلَماءِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ﴾ الآيَةَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ واحِدَ الأُمُورِ، والمُرادُ يَهْدُونَ بِتَوْفِيقِنا، ﴿ لَمّا صَبَرُوا ﴾ قالَ قَتادَةُ: عَلى تَرْكِ الدُّنْيا، وجَوَّزَ غَيْرُهُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لَمّا صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الطّاعَةِ، ومُقاساةِ الشَّدائِدِ في نُصْرَةِ الدِّينِ، ( ولَمّا ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هي الَّتِي فِيها مَعْنى الجَزاءِ نَحْوُ: لَمّا أكْرَمْتَنِي أكْرَمْتُكَ، أيْ لَمّا صَبَرُوا جَعَلْنا أئِمَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هي الَّتِي بِمَعْنى الحِينِ الخالِيَةِ عَنْ مَعْنى الجَزاءِ، والظّاهِرُ أنَّها حِينَئِذٍ ظَرْفٌ لِجَعَلْنا، أيْ أئِمَّةً حِينَ صَبَرُوا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَها ظَرْفًا لِيَهْدُونَ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ورُوَيْسٌ ( لِما ) بِكَسْرِ اللّامِ، وتَخْفِيفِ المِيمِ عَلى أنَّ اللّامَ لِلتَّعْلِيلِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ لِصَبْرِهِمْ، وهو مُتَعَلِّقٌ (بِجَعَلْنا)، أوْ (بِيَهْدُونَ).

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ أيْضًا «بِما» بِالباءِ السَّبَبِيَّةِ، وما المَصْدَرِيَّةِ، أيْ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ، ﴿ وكانُوا بِآياتِنا ﴾ الَّتِي في تَضاعِيفِ الكِتابِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها ما يَعُمُّ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُوقِنُونَ ﴾ أيْ كانُوا يُوقِنُونَ بِها لِإمْعانِهِمْ فِيها النَّظَرَ لا بِغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ الباطِلَةِ، وهو تَعْرِيضٌ بِكَفَرَةِ أهْلِ مَكَّةَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( صَبَرُوا )، فَتَكُونُ داخِلَةً في حَيِّزِ ( لَمّا )، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى ( جَعَلْنا )، وأنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( صَبَرُوا) .

والمُرادُ كَذَلِكَ: لَنَجْعَلَنَّ الكِتابَ الَّذِي آتَيْناكَهُ، أوْ لَنَجْعَلَنَّكَ هُدًى لِأُمَّتِكَ ولَنَجْعَلَنَّ مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ مِثْلَ تِلْكَ الهِدايَةِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ٢٥

﴿ إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ ﴾ أيْ يَقْضِي ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ قِيلَ: بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأُمَمِهِمْ، وقِيلَ: بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فَيُمَيِّزُ سُبْحانَهُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، ﴿ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ مِن أُمُورِ الدِّينِ.

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ ۖ أَفَلَا يَسْمَعُونَ ٢٦

﴿ أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَنَوِيٍّ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، ويُناسِبُ المَعْطُوفَ مَعْنًى عَلى ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وفِعْلُ الهِدايَةِ إمّا مِن قَبِيلِ: فُلانٌ يُعْطِي، في أنَّ المُرادَ إيقاعُ نَفْسِ الفِعْلِ بِلا مُلاحَظَةِ المَفْعُولِ، وإمّا بِمَعْنى التَّبْيِينِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، والفاعِلُ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ما في الذِّهْنِ، ويُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن القُرُونِ ﴾ وكَمْ في مَحَلِّ نَصْبٍ (بِأهْلَكْنا) أيْ أغِفَلُوا، ولَمْ يَفْعَلِ الهِدايَةَ لَهُمْ، أوْ ولَمْ يُبَيِّنْ لَهم مَآلَ أمْرِهِمْ أوْ طَرِيقَ الحَقِّ كَثْرَةُ مَن أهْلَكْنا، أوْ كَثْرَةُ إهْلاكِ مَن أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ مِثْلِ عادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كَمْ ) فاعِلًا لِصَدارَتِها كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ الزَّجّاجُ حاكِيًا لَهُ عَنِ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الفَرّاءُ: كَمْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ (بِيَهْدِ) كَأنَّكَ قُلْتَ: أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمُ القُرُونُ الهالِكَةُ فَيَتَّعِظُوا، ولا أنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا، لِأنَّ الفاعِلَ لا يُحْذَفُ إلّا في مَواضِعَ مَخْصُوصَةٍ لَيْسَ هَذا مِنها، ولا مُضْمَرًا عائِدًا إلى ما بَعْدُ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا، ورُتْبَةً في غَيْرِ مَحَلِّ جَوازِهِ، ولا الجُمْلَةُ نَفْسُها لِأنَّها لا تَقَعُ فاعِلًا عَلى الصَّحِيحِ إلّا إذا قُصِدَ لَفْظُها نَحْوُ: تَعْصِمُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الدِّماءُ والأمْوالُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَهُ تَعالى شَأْنُهُ لَسَبْقِ ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( إنَّ رَبَّكَ ) إلَخْ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ زَيْدٍ «نَهْدِ لَهُمْ» بِنُونِ العَظَمَةِ، قالَ الخَفاجِيُّ: والفِعْلُ بِكم عَنِ المَفْعُولِ وهو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى العِلْمِ، فَلا تَغْفُلْ.

﴿ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ ﴾ أيْ يَمُرُّونَ في مَتاجِرِهِمْ عَلى دِيارِهِمْ وبِلادِهِمْ ويُشاهِدُونَ آثارَ هَلاكِهِمْ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( لَهُمْ)، وقِيلَ: مِنَ ( القُرُونِ)، والمَعْنى: أهْلَكْناهم حالَ غَفْلَتِهِمْ، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانٌ لِوَجْهِ هِدايَتِهِمْ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ «يُمَشُّونَ» بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّهُ تَفْعِيلٌ مِنَ المَشْيِ لِلتَّكْثِيرِ، ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ مِن إهْلاكِنا لِلْأُمَمِ الخالِيَةِ العاتِيَةِ، أوْ في مَساكِنِهِمْ ﴿ لآياتٍ ﴾ عَظِيمَةً في أنْفُسِها كَثِيرَةً في عَدَدِها، ﴿ أفَلا يَسْمَعُونَ ﴾ هَذِهِ الآياتِ سَماعَ تَدَبُّرٍ واتِّعاظٍ.

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًۭا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَـٰمُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ ۖ أَفَلَا يُبْصِرُونَ ٢٧

﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ الكَلامَ فِيهِ كالكَلامِ في ﴿ أوَلَمْ يَهْدِ ﴾ أيِ أعَمُوا ولَمْ يُشاهِدُوا ﴿ أنّا نَسُوقُ الماءَ ﴾ بِسَوْقِ السَّحابِ الحامِلِ لَهُ، وقِيلَ: نَسُوقُ نَفْسَ الماءِ بِالسُّيُولِ، وقِيلَ: بِإجْرائِهِ في الأنْهارِ، ومِنَ العُيُونِ ﴿ إلى الأرْضِ الجُرُزِ ﴾ أيِ الَّتِي جُرِزَ نَباتُها، أيْ قُطِعَ إمّا لِعَدَمِ الماءِ وإمّا لِأنَّهُ رَعْيٌ وأُزِيلَ كَما في الكَشّافِ.

وفِي مَجْمَعِ البَيانِ: الأرْضُ الجُرُزُ اليابِسَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيها نَباتٌ لِانْقِطاعِ الأمْطارِ عَنْها مِن قَوْلِهِمْ: سَيْفٌ جَرّازٌ، أيْ قَطّاعٌ لا يُبْقِي شَيْئًا إلّا قَطَعَهُ، وناقَةٌ جَرّازٌ إذا كانَتْ تَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ فَلا تُبْقِي شَيْئًا إلّا قَطَعَتْهُ بِفِيها، ورَجُلٌ جَرُوزٌ أيْ أكُولٌ، قالَ الرّاجِزُ: خِبٌّ جَرُوزٌ وإذا جاعَ بَكى وقالَ الرّاغِبُ: الجُرُزُ مُنْقَطِعُ النَّباتِ مِن أصْلِهِ، وأرْضٌ مَجْرُوزَةٌ أُكِلَ ما عَلَيْها، وفي مَثَلٍ: لا تَرْضى شانِئَةٌ إلّا بِجَرُوزَةٍ، أيْ بِالِاسْتِئْصالِ، والجارِزُ الشَّدِيدُ مِنَ السُّعالِ، تُصُوِّرَ مِنهُ مَعْنى الجُرُزِ وهو القَطْعُ بِالسَّيْفِ اهـ، ويُفْهَمُ مِمّا قالَهُ أنَّ الجُرُزَ يُطْلَقُ عَلى ما انْقَطَعَ نَباتُهُ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الإنْباتُ كالسِّباخِ، وهو غَيْرُ مُناسِبٍ هُنا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا ﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الأرْضُ المُتَّصِفَةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، أيُّ أرْضٍ كانَتْ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّها قُرًى بَيْنَ اليَمَنِ والشّامِ.

وأخْرَجَ هو وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها أرْضٌ بِاليَمَنِ، وإلى عَدَمِ التَّعْيِينِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ، أخْرَجَ عَنْهُ جَماعَةٌ أنَّهُ قالَ: الأرْضُ الجُرُزُ هي الَّتِي لا تُنْبِتُ، وهي أبْيَنُ ونَحْوُها مِنَ الأرْضِ، وقُرِئَ «الجُرْزِ» بِسُكُونِ الرّاءِ، وضَمِيرُ ( بِهِ ) لِلْماءِ، والكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ عِنْدَ السَّلَفِ الصّالِحِ، وقالَتِ الأشاعِرَةُ: المُرادُ فَنُخْرِجُ عِنْدَهُ، والزَّرْعُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ وعُبِّرَ بِهِ عَنِ المَزْرُوعِ، والمُرادُ بِهِ ما يَخْرُجُ بِالمَطَرِ مُطْلَقًا، فَيَشْمَلُ الشَّجَرَ وغَيْرَهُ، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ تَأْكُلُ مِنهُ ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ الزَّرْعِ ﴿ أنْعامُهُمْ ﴾ كالتِّبْنِ والقَصِيلِ والوَرَقِ، وبَعْضِ الحُبُوبِ المَخْصُوصَةِ بِها، ﴿ وأنْفُسُهُمْ ﴾ كالبُقُولِ والحُبُوبِ الَّتِي يَقْتاتُها الإنْسانُ، وفي البَحْرِ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالزَّرْعِ النَّباتُ المَعْرُوفُ، وخُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ، ولِأنَّهُ أعْظَمُ ما يُقْصَدُ مِنَ النَّباتِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ النَّباتُ مُطْلَقًا، وقَدَّمَ الأنْعامَ لِأنَّ انْتِفاعَها مَقْصُورٌ عَلى ذَلِكَ، والإنْسانُ قَدْ يَتَغَذّى بِغَيْرِهِ، ولِأنَّ أكْلَها مِنهُ مُقَدَّمٌ لِأنَّها تَأْكُلُهُ قَبْلَ أنْ يُثْمِرَ، ويُخْرِجَ سُنْبُلَهُ، وقِيلَ: لِيَتَرَقّى مِنَ الأدْنى إلى الأشْرَفِ، وهم بَنُو آدَمَ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةٍ «يَأْكُلُ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، ﴿ أفَلا يُبْصِرُونَ ﴾ أيْ ألا يُبْصِرُونَ فَلا يُبْصِرُونَ ذَلِكَ لِيَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى، وفَضْلِهِ عَزَّ وجَلَّ، وجُعِلَتِ الفاصِلَةُ هُنا ( يُبْصِرُونَ ) لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَرْئِيٌّ وفِيما قَبْلَهُ ( يَسْمَعُونَ ) لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَسْمُوعٌ، وقِيلَ: تَرَقِّيًا إلى الأعْلى في الِاتِّعاظِ مُبالَغَةً في التَّذْكِيرِ، ورَفْعِ العُذْرِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ «تُبْصِرُونَ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٢٨

﴿ ويَقُولُونَ ﴾ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ ﴿ مَتى هَذا الفَتْحُ ﴾ أيِ الفَصْلُ لِلْخُصُومَةِ بَيْنَكم وبَيْنَنا، وكَأنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ وقِيلَ: أيِ النَّصْرُ عَلَيْنا، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: إنَّ لَنا يَوْمًا يُوشِكُ أنْ نَسْتَرِيحَ فِيهِ، ونَنْتَقِمَ فِيهِ فَقالَ المُشْرِكُونَ: مَتى هَذا الفَتْحُ إلَخْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أيْ في أنَّ اللَّهَ تَعالى هو يَفْصِلُ بَيْنَ المُحِقِّينَ والمُبْطِلِينَ، وقِيلَ: في أنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْصُرُكم عَلَيْنا.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِيمَـٰنُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ٢٩

﴿ قُلْ ﴾ تَبْكِيتًا لَهم وتَحْقِيقًا لِلْحَقِّ ﴿ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ ﴾ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يَوْمُ الفَتْحِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهو كَما في البَحْرِ: مَنصُوبٌ (بِلا يَنْفَعُ)، والمُرادُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا إمّا أُولَئِكَ القائِلُونَ المُسْتَهْزِءُونَ، فالإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَسْجِيلِ كُفْرِهِمْ، وبَيانِ عِلَّةِ الحُكْمِ، وإمّا ما يَعُمُّهم وغَيْرَهُمْ، وحِينَئِذٍ يُعْلَمُ حُكْمُ أُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( ولا هم يُنْظَرُونَ ) اسْتِمْرارُ النَّفْيِ الظّاهِرِ أنَّ الجُمْلَةَ عَطْفٌ عَلى ( لا يَنْفَعُ ) إلَخْ، والقَيْدُ مُعْتَبَرٌ فِيها، وظاهِرُ سُؤالِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ مَتى هَذا الفَتْحُ ﴾ يَقْتَضِي الجَوابَ بِتَعْيِينِ اليَوْمِ المَسْؤُولِ عَنْهُ، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ غَرَضُهم في السُّؤالِ عَنْ وقْتِ الفَتْحِ اسْتِعْجالًا مِنهم عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ أُجِيبُوا عَلى حَسَبِ ما عُرِفَ مِن غَرَضِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: لا تَسْتَعْجِلُوا بِهِ، ولا تَسْتَهْزِئُوا، فَكَأنِّي بِكُمْ، وقَدْ حَصَلْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وآمَنتُمْ فَلَمْ يَنْفَعْكُمُ الإيمانُ واسْتَنْظَرْتُمْ في إدْراكِ العَذابِ فَلَمْ تُنْظَرُوا، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ هَذا، وتَفْسِيرُ ﴿ يَوْمَ الفَتْحِ ﴾ بِيَوْمِ القِيامَةِ ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالفَتْحِ الفَصْلُ لِلْخُصُومَةِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ ولا يَكادُ يَتَسَنّى عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِهِ النَّصْرُ عَلى أُولَئِكَ القائِلِينَ إذا كانُوا عانِينَ بِهِ النَّصْرَ والغَلَبَةَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا كَما هو ظاهِرٌ مِمّا سَمِعْتَ عَنْ مُجاهِدٍ، وعَلَيْهِ قِيلَ: المُرادُ بِيَوْمِ الفَتْحِ يَوْمُ بَدْرٍ، أخْرَجَ ذَلِكَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، واسْتَشْكَلَ كِلا القَوْلَيْنِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهُمْ ﴾ ظاهِرٌ في عَدَمِ قَبُولِ الإيمانِ مِنَ الكافِرِ يَوْمَئِذٍ مَعَ أنَّهُ آمَنَ ناسٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقُبِلَ مِنهُمْ، وكَذا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ.

وأُجِيبَ بِأنَّ المَوْصُولَ عَلى كُلٍّ مِنهُما عِبارَةٌ عَنِ المَقْتُولِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى الكُفْرِ، فَمَعْنى (لا يَنْفَعُهم إيمانُهُمْ) أنَّهم لا إيمانَ لَهم حَتّى يَنْفَعَهُمْ، فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ.

سَواءٌ أُرِيدَ بِهِمْ قَوْمٌ مَخْصُوصُونَ اسْتَهْزَؤُوا أمْ لا، وسَواءٌ عُطِفَ قَوْلُهُ تَعالى: ( ولا هم يُنْظَرُونَ ) عَلى المُقَيَّدِ، أوْ عَلى المَجْمُوعِ فَتَأمَّلْ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ، وأيْضًا كَوْنُ يَوْمِ الفَتْحِ يَوْمَ بَدْرٍ بَعِيدٌ عَنْ كَوْنِ السُّورَةِ مَكِّيَّةً، وكَذا كَوْنُهُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، ويُبْعِدُ هَذا أيْضًا قِلَّةُ المَقْتُولِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ جِدًّا، تَدَبَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَٱنتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ ٣٠

﴿ فَأعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ ولا تُبالِ بِتَكْذِيبِهِمْ، واسْتِهْزائِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَخْفى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ الإعْراضُ عَنْ مُناظَرَتِهِمْ لِعَدَمِ نَفْعِها، أوْ تَخْصِيصُهُ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَلا يَتَعَيَّنُ النَّسْخُ.

﴿ وانْتَظِرْ ﴾ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ وهَلاكَهُمْ، ﴿ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: أيِ الغَلَبَةَ عَلَيْكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ  ﴾ ، وقِيلَ: الأظْهَرُ أنْ يُقالَ: إنَّهم مُنْتَظِرُونَ هَلاكَهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ ﴾ الآيَةَ، ويَقْرُبُ مِنهُ ما قِيلَ: وانْتَظِرْ عَذابَنا لَهم إنَّهم مُنْتَظِرُونَ أيْ هَذا حُكْمُهُمْ، وإنْ كانُوا لا يَشْعُرُونَ، فَإنَّ اسْتِعْجالَهُمُ المَذْكُورَ وعُكُوفَهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي في حُكْمِ انْتِظارِهِمُ العَذابَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ، وقَرَأ اليَمانِيُّ «مُنْتَظِرُونَ» بِفَتْحِ الظّاءِ اسْمَ مَفْعُولٍ عَلى مَعْنى أنَّهم أحِقّاءُ أنْ يُنْتَظَرَ هَلاكُهُمْ، أوْ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَنْتَظِرُونَهُ، والمُرادُ أنَّهم هالِكُونَ لا مَحالَةَ هَذا.

* * * «ومِن بابِ الإشارَةِ» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلى الأسْبابِ، والِاعْتِمادُ عَلَيْها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَدْبِيرَ العِبادِ عِنْدَ تَدْبِيرِهِ عَزَّ وجَلَّ لا أثَرَ لَهُ، فَطُوبى لِمَن رُزِقَ الرِّضا، بِتَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى، واسْتَغْنى عَنْ تَدْبِيرِهِ، ﴿ الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ فِيهِ إرْشادٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَسْتَقْبِحَ شَيْئًا مِنَ المَخْلُوقاتِ.

وقَدْ حُكِيَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بَصَقَ عَلى كَلْبٍ أجْرَبَ، فَأنْطَقَ اللَّهُ تَعالى الكَلْبَ فَقالَ: يا نُوحُ أعِبْتَنِي أمْ عِبْتَ خالِقِي، فَناحَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِذَلِكَ زَمانًا طَوِيلًا.

فالأشْياءُ كُلُّها حَسَنَةٌ كُلٌّ في بابِهِ والتَّفاوُتُ إضافِيٌّ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِي أحْسَنَ ﴾ إلَخْ، إشارَةٌ إلى التَّنَقُّلِ في أطْوارِ الحُسْنِ والعُرُوجِ في مَعارِجِهِ فَكَمْ بَيْنَ الطِّينِ والإنْسانِ السَّمِيعِ البَصِيرِ العالِمِ فَإنَّ الإنْسانَ مِشْكاةُ أنْوارِ الذّاتِ والصِّفاتِ، والطِّينُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَلا شَيْءٍ ﴿ إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ إشارَةٌ إلى حالِ كامِلِي الإيمانِ، وعُلُوِّ شَأْنِ السُّجُودِ والتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّواضُعِ لِعَظَمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ﴾ إشارَةٌ إلى سَهَرِهِمْ في مُناجاةِ مَحْبُوبِهِمْ، ومُلاحَظَةِ جَلالِهِ وجَمالِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ ومِمّا رَزَقْناهُمْ ﴾ أيْ مِنَ المَعارِفِ وأنْواعِ الفَيُوضاتِ، ﴿ يُنْفِقُونَ ﴾ إشارَةٌ إلى تَكْمِيلِهِمْ لِلْغَيْرِ بَعْدَ كَمالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وذَكَرَ القَوْمُ أنَّ العَذابَ الأدْنى الحِرْصُ عَلى الدُّنْيا، والعَذابَ الأكْبَرَ العَذابُ عَلى ذَلِكَ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: الأوَّلُ التَّعَبُ في طَلَبِ الدُّنْيا، والثّانِي شَتاتُ السِّرِّ، وقِيلَ: الأوَّلُ حِرْمانُ المَعْرِفَةِ، والثّانِي الِاحْتِجابُ عَنْ مُشاهَدَةِ المَعْرُوفِ، وقِيلَ: الأوَّلُ الهَوانُ والثّانِي الخِذْلانُ، ﴿ وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُرْشِدُ عَلَيْهِ مِنَ الأوْصافِ، وهو الصَّبْرُ عَلى مَشاقِّ العِباداتِ، وأنْواعِ البَلِيّاتِ، وحَبْسِ النَّفْسِ عَنْ مَلاذِّ الشَّهَواتِ، والإيقانُ بِالآياتِ، فَمَن يَدَّعِي الإرْشادَ وهو غَيْرُ مُتَّصِفٍ بِما ذُكِرَ فَهو ضالٌّ مُضَلَّلٌ، ﴿ فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي الإعْراضُ عَنِ المُنْكِرِينَ المُسْتَهْزِئِينَ بِالعارِفِينَ، والسّالِكِينَ إذا لَمْ يَنْجَعْ فِيهِمُ الإرْشادُ والنَّصِيحَةُ، وإلى أنَّهم هالِكُونَ لا مَحالَةَ، فَإنَّ الإنْكارَ الَّذِي لا يُعْذَرُ صاحِبُهُ سُمٌّ قاتِلٌ وسَهْمٌ هَدَفُهُ المُقاتِلُ، نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ بِحُرْمَةِ حَبِيبِهِ الأكْرَمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله