تفسير الألوسي سورة فاطر

الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة فاطر

تفسيرُ سورةِ فاطر كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 232 دقيقة قراءة

تفسير سورة فاطر كاملةً (شهاب الدين الألوسي)

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُو۟لِىٓ أَجْنِحَةٍۢ مَّثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۚ يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ١

سُورَةُ فاطِرٍ وتُسَمّى سُورَةَ المَلائِكَةِ، وهي مَكِّيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وغَيْرِهِما، وفي (مَجْمَعِ البَيانِ) قالَ الحَسَنُ: مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ  ﴾ الآيَةَ: ﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ  ﴾ الآيَةَ، وآيُها سِتٌّ وأرْبَعُونَ في المَدَنِيِّ الأخِيرِ والشّامِيِّ وخَمْسٌ وأرْبَعُونَ في الباقِينَ، والمُناسَبَةُ عَلى ما في البَحْرِ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمّا ذَكَرَ في آخِرِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ هَلاكَ المُشْرِكِينَ أعْداءِ المُؤْمِنِينَ وإنْزالَهم مَنازِلَ العَذابِ تَعَيَّنَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَمْدُهُ تَعالى وشُكْرُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ  ﴾ ويَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ تَواخِي السُّورَتَيْنِ في الِافْتِتاحِ بِالحَمْدِ وتَقارُبُهُما في المِقْدارِ وغَيْرُ ذَلِكَ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ مُوجِدِهِما مِن غَيْرِ مِثالٍ يَحْتَذِيهِ ولا قانُونٍ يَنْتَحِيهِ، فالفَطْرُ الإبْداعُ، وقالَ الرّاغِبُ: هو إيجادُهُ تَعالى الشَّيْءَ وإبْداعُهُ عَلى هَيْئَةٍ مُتَرَشِّحَةٍ لِفِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَيْهَقِيُّ فِي(شُعَبِ الإيمانِ) وغَيْرُهُما عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنْتُ لا أدْرِي ما فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها يَعْنِي اِبْتَدَأْتُها، وأصْلُ الفَطْرِ الشِّقُّ، وقالَ الرّاغِبُ: الشِّقُّ طُولًا ثُمَّ تُجُوِّزَ فِيهِ عَمّا تَقَدَّمَ وشاعَ فِيهِ حَتّى صارَ حَقِيقَةً أيْضًا، ووَجْهُ المُناسِبَةِ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ والمُرادُ بِهِما العالَمُ بِأسْرِهِ لِكَوْنِهِما مُمْكِنَيْنِ والأصْلُ في المُمْكِنِ العَدَمُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ  ﴾ وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ»» وصَرَّحَ بِذَلِكَ فَلاسِفَةُ الإسْلامِ، قالَ رَئِيسُهُمُ: المُمْكِنُ في نَفْسِهِ لَيْسَ وهو عَنْ عِلَّتِهِ آيِسٌ كَأنَّ العَدَمَ كامِنٌ فِيهِما وبِإيجادِهِما يُشَقّانِ ويَخْرُجُ العَدَمُ مِنهُما.

وقِيلَ في ذَلِكَ: كَأنَّهُ تَعالى شَقَّ العَدَمَ بِإخْراجِهِما مِنهُ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِن حَمْلِهِ عَلى أصْلِهِ هُنا ويَكُونُ إشارَةً إلى الأمْطارِ والنَّباتِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ بِالأمْطارِ وفاطِرِ الأرْضِ بِالنَّباتِ، وفِيهِ نَظَرٌ سَتَأْتِي الإشارَةُ إلَيْهِ قَرِيبًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا ﴾ عَلى القَوْلَيْنِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ جاعِلَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وسائِطَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْبِيائِهِ والصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ يُبَلِّغُونَ إلَيْهِمْ رِسالَتَهُ سُبْحانَهُ بِالوَحْيِ والإلْهامِ والرُّؤْيا الصّادِقَةِ أوْ جاعِلَهم وسائِطَ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ عَزَّ وجَلَّ يُوصِلُونَ إلَيْهِمْ آثارَ قُدْرَتِهِ وصُنْعِهِ كالأمْطارِ والرِّياحِ وغَيْرِهِما وهُمُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِأُمُورِ العالَمِ، وهَذا أنْسَبُ بِالقَوْلِ الثّانِي لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا مَعْنى لِكَوْنِ الأمْطارِ شاقَّةً لِلسَّماواتِ، وقالَ الإمامُ: إنَّ الحَمْدَ يَكُونُ عَلى النِّعَمِ ونِعَمُهُ تَعالى عاجِلَةٌ وآجِلَةٌ، وهو في سُورَةِ سَبَأٍ إشارَةٌ إلى نِعْمَةِ الإيجادِ والحَشْرِ ودَلِيلُهُ: ( يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها ) [سَبَأٍ: 2، الحَدِيدِ: 4] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ  ﴾ والحَمْدُ في هَذِهِ السُّورَةِ إشارَةٌ إلى نِعْمَةِ البَقاءِ في الآخِرَةِ ودَلِيلُهُ جاعِلُ المَلائِكَةِ رُسُلًا أيْ يَجْعَلُهم سُبْحانَهُ رُسُلًا يَتَلَقَّوْنَ عِبادَ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ سُبْحانَهُ تَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى الحَمْدَ لِلَّهِ شاقِّ السَّماواتِ والأرْضِ يَوْمَ القِيامَةِ لِنُزُولِ الأرْواحِ مِنَ السَّماءِ وخُرُوجِ الأجْسادِ مِنَ الأرْضِ وجاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا في ذَلِكَ اليَوْمِ يَتَلَقَّوْنَ عِبادَهُ، وعَلَيْهِ فَأوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ مُتَّصِلٌ بِآخِرِ ما مَضى لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ  ﴾ بَيانٌ لِانْقِطاعِ رَجاءِ مَن كانَ في شَكٍّ مُرِيبٍ، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَهم ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ وبَشَّرَهم بِإرْسالِ المَلائِكَةِ إلَيْهِمْ وأنَّهُ تَعالى يَفْتَحُ أبْوابَ الرَّحْمَةِ لَهُمُ اِنْتَهى، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ.

و ﴿ فاطِرِ ﴾ صِفَةٌ لِلَّهِ وإضافَتُهُ مَحْضَةٌ قالَ أبُو البَقاءِ: لِأنَّهُ لِلْماضِي لا غَيْرَ، وقالَ غَيْرُهُ: هو مَعْرُوفٌ بِالإضافَةِ إذْ لَمْ يَجْرِ عَلى الفِعْلِ بَلْ أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِمْرارُ والثَّباتُ، كَما يُقالُ زَيْدٌ مالِكُ العَبِيدِ جاءَ، أيْ زَيْدٌ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَمْلِكَ العَبِيدَ جاءَ، ومَن جَعَلَ الإضافَةَ غَيْرَ مَحْضَةٍ جَعْلَهُ بَدَلًا وهو قَلِيلٌ في المُشْتَقّاتِ، وكَذا الكَلامُ في ﴿ جاعِلِ ﴾ و ﴿ رُسُلا ﴾ عَلى القَوْلِ بِأنَّ إضافَتَهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ مَنصُوبٌ بِهِ بِالِاتِّفاقِ، وأمّا عَلى القَوْلِ الآخَرِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الكِسائِيِّ، وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ هو عَلَيْهِ، لِأنَّ اِسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الماضِي لا يَعْمَلُ عِنْدَهُ كَسائِرِ البَصْرِيِّينَ إلّا مُعَرَّفًا بِاللّامِ، وقالَ أبُو سَعِيدِ السِّيرافِيُّ: اِسْمُ الفاعِلِ المُتَعَدِّي إلى اِثْنَيْنِ يَعْمَلُ بِالثّانِي لِأنَّهُ بِإضافَتِهِ إلى الأوَّلِ تَعَذَّرَتْ إضافَتُهُ إلى الثّانِي فَتَعَيَّنَ نَصْبُهُ لَهُ.

وعَلَّلَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِأنَّهُ بِالإضافَةِ أشْبَهُ المُعَرَّفَ بِاللّامِ فَعَمِلَ عَمَلَهُ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الجَعْلِ تَصْيِيرِيًّا أمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ إبْداعِيًّا فَرُسُلًا حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وقَرَأ الضَّحّاكُ والزُّهْرِيُّ (فَطَرَ) و(جَعَلَ) فِعْلًا ماضِيًا ونَصَبا ما بَعْدَهُ، قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى إضْمارِ الَّذِي نَعْتًا لِلَّهِ تَعالى أوْ عَلى تَقْدِيرِ قَدْ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَذْفَ المَوْصُولِ الِاسْمِيِّ لا يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ والأخْفَشُ إلى إجازَتِهِ وتَبِعَهُمُ اِبْنُ مالِكٍ وشَرَطَ في بَعْضِ كُتُبِهِ كَوْنَهُ مَعْطُوفًا عَلى مَوْصُولٍ آخَرَ ومِن حُجَّتِهِمْ «آمِنُوا بِاَلَّذِي أنْزَلَ إلَيْنا وأنْزَلَ إلَيْكُمْ» وقَوْلُ حَسّانَ: أمَن يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ويَنْصُرُهُ ويَمْدَحُهُ سَواءُ وقَوْلُ آخَرَ: ما الَّذِي دَأْبُهُ اِحْتِياطٌ وحَزْمٌ ∗∗∗ وهَواهُ أطاعَ يَسْتَوِيانِ واخْتارَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ الجُمْلَةِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو فَطَرَ.

وقَرَأ الحَسَنُ «جاعِلُ» بِالرَّفْعِ عَلى المَدْحِ وجَرِّ ( المَلائِكَةِ ) وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو «جاعِلُ» بِالرَّفْعِ بِلا تَنْوِينٍ ونَصْبِ «اَلْمَلائِكَةَ» وخَرَّجَ حَذْفَ التَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ ونَصْبِ المَلائِكَةِ إذا كانَ جاعِلُ لِلْمُضِيِّ عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ وهِشامٍ في جَوازِ إعْمالِ الوَصْفِ الماضِي النَّصْبَ.

وقَرَأ اِبْنُ يَعْمُرَ وخُلَيْدٌ «جَعَلَ» فِعْلًا ماضِيًا «اَلْمَلائِكَةَ» بِالنَّصْبِ وذَلِكَ بَعْدَ قِراءَتِهِ ( فاطِرِ ) كالجُمْهُورِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ﴿ فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا  ﴾ وفي الكَشّافِ قُرِئَ «فَطَرَ» و«جَعَلَ» كِلاهُما بِلَفْظِ الفِعْلِ الماضِي.

وقَرَأ الحَسَنُ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ «رُسْلًا» بِسُكُونِ السِّينِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولِي أجْنِحَةٍ ﴾ صِفَةٌ لِ رُسُلًا، وأُولُو اِسْمُ جَمْعٍ لِ ذُو كَما أنَّ أُولاهُ اِسْمُ جَمْعٍ لِ ذا، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِنَ الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ المَخاضُ قالَ الجَوْهَرِيُّ: هي الحَوامِلُ مِنَ النُّوقِ واحِدَتُها خِلْفَةٌ.

و ﴿ أجْنِحَةٍ ﴾ جَمْعُ جَناحٍ صِيغَةُ جَمْعِ القِلَّةِ ومُقْتَضى المَقامِ أنَّ المُرادَ بِهِ الكَثْرَةُ.

وفِي البَحْرِ قِياسُ جَمْعِ الكَثْرَةِ فِيهِ جُنُحٍ فَإنْ كانَ لَمْ يُسْمَعْ كانَ أجْنِحَةً مُسْتَعْمَلًا في القَلِيلِ والكَثِيرِ، والظّاهِرُ أنَّ الجَناحَ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ عِنْدَ العَرَبِ بَيْدَ أنّا لا نَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ وكَيْفِيَّتَهُ ولا نَقُولُ إنَّهُ مِن رِيشٍ كَرِيشِ الطّائِرِ.

نَعَمْ أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ أنَّ أجْنِحَةَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ زَغَبَةٌ، ورَأيْتُ في بَعْضِ كُتُبِ الإمامِيَّةِ أنَّ المَلائِكَةَ تَزْدَحِمُ في مَجالِسِ الأئِمَّةِ فَيَقَعُ مِن رِيشِها ما يَقَعُ وأنَّهم يَلْتَقِطُونَهُ ويَجْعَلُونَ مِنهُ ثِيابًا لِأوْلادِهِمْ.

وهَذا عِنْدِي حَدِيثُ خُرافَةٍ، والكَشْفِيَّةُ مِنهم يُؤَوِّلُونَهُ بِما لا يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ صِفَةٌ لِأجْنِحَةٍ، والمَنعُ مِنَ الصَّرْفِ عَلى المَشْهُورِ لِلصِّفَةِ والعَدْلِ عَنِ اِثْنَيْنِ اِثْنَيْنِ وثَلاثَةً ثَلاثَةً وأرْبَعَةً أرْبَعَةً.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما لَمْ تَنْصَرِفْ هَذِهِ الألْفاظُ لِتَكْرارِ العَدْلِ فِيها وذَلِكَ أنَّها عَدَلَتْ عَنْ ألْفاظِ الأعْدادِ مِن صِيَغٍ إلى صِيَغٍ أُخَرَ كَما عَدَلَ عُمَرَ عَنْ عامِرٍ وحِزامُ عَنْ حازِمَةَ وعَنْ تَكْرِيرٍ إلى غَيْرِ تَكْرِيرٍ فَفِيها عَدْلانِ، وأمّا الوَصْفِيَّةُ فَلا يَفْتَرِقُ الحالُ فِيها بَيْنَ المَعْدُولَةِ والمَعْدُولِ عَنْها ألا تَراكَ تَقُولُ مَرَرْتُ بِنِسْوَةٍ أرْبَعٍ وبِرِجالٍ ثَلاثَةٍ فَلا يُعَرَّجُ عَلَيْها.

وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ قاسَ الصِّفَةَ في هَذا المَعْدُولِ عَلى الصِّفَةِ في أرْبَعٍ وثَلاثَةٍ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأنَّ مُطْلَقَ الصِّفَةِ لَمْ يَعُدُّوهُ عِلَّةً بَلِ اِشْتَرَطُوا أنْ تَكُونَ الوَصْفِيَّةُ غَيْرَ عارِضَةٍ كَما في أرْبَعٍ وأنْ لا يَقْبَلَ تاءَ التَّأْنِيثِ أوْ تَكُونُ فِيهِ كَثَلاثٍ وثَلاثَةٍ، وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ فِيهِ: إنَّ العُدُولَ عَنِ التَّكَرُّرِ لا يُعْتَبَرُ فِيهِ لِلصِّيغَةِ واعْتُبِرَ في تَحَقُّقِ العَدْلِ ذَلِكَ ثُمَّ العُدُولُ عَنِ الصِّيغَةِ الأصْلِيَّةِ لِإفادَةِ التَّكَرُّرِ فَلا عُدُولَيْنِ بِوَجْهٍ، وبَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ المُعْتَبَرَ في الوَصْفِ مُقارَنَتُهُ لِوَضْعِ المَعْدُولِ فَلا يَضُرُّ عُرُوضَهُ في المَعْدُولِ عَنْهُ لا اِتِّجاهَ لِلْمَنعِ ولا مُعَوَّلَ عَلى السَّنَدِ، وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ عَلى ما نَقَلَهُ الجَوْهَرِيُّ وهو المَنصُورُ عَلى ما نَبَّهْتُ إلَيْهِ اِنْتَهى، وتَعَقَّبَهُ أيْضًا صاحِبُ الفَرائِدِ وصاحِبُ التَّقْرِيبِ بِعَرُوضِ الوَصْفِيَّةِ في المَعْدُولِ عَنْهُ وعَدَمِهِ في المَعْدُولِ، لَكِنْ قالَ الطِّيبِيُّ: وجَدْتُ لِبَعْضِ المَغارِبَةِ كَلامًا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنْهُ وهو أنَّ ثَلاثَ مَثَلًا لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِلصِّفَةِ مِن غَيْرِ اِعْتِبارِ العَدَدِ أوْ لا يَكُونُ فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ العَدَدُ والمُقَدَّرُ خِلافُهُ، وإنْ كانَ الثّانِي كانَ الوَصْفُ عارِضًا لِثَلاثٍ كَما كانَ عارِضًا لِثَلاثَةٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ هَذِهِ الأعْدادَ غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ لِلْعَدْلِ المُكَرَّرِ كالجَمْعِ وألِفَيِ التَّأْنِيثِ اِنْتَهى، وفِيهِ ما لا يَخْفى.

وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذِهِ الألْفاظَ عَدَلَتْ في حالِ التَّنْكِيرِ فَتَعَرَّفَتْ بِالعَدْلِ فَهي لا تَنْصَرِفُ لِلْعَدْلِ والتَّعْرِيفِ، وهَذا قَوْلٌ غَرِيبٌ ذُكِرَ في البَحْرِ لِبَعْضِ الكُوفِيِّينَ وفي الكَشّافِ هي نَكِراتٌ يُعَرَّفْنَ بِلامِ التَّعْرِيفِ، تَقُولُ فُلانٌ يَنْكِحُ المُثَنّى والثُّلاثَ والرُّباعَ، وقِيلَ ﴿ مَثْنى ﴾ إلخ حالٌ مِن مَحْذُوفٍ والعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ.

﴿ رُسُلا ﴾ أيْ يُرْسَلُونَ مُثَنّى وثُلاثَ ورُباعَ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، والمُرادُ ذَوِي أجْنِحَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَفاوِتَةٍ في العَدَدِ حَسَبَ تَفاوُتِ ما لَهم مِنَ المَراتِبِ يَنْزِلُونَ بِها ويَعْرُجُونَ أوْ يُسْرِعُونَ بِها حِينَ يُؤْمَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كُلًّا أوْ بَعْضًا لِأُمُورٍ أُخَرَ كالزِّينَةِ فِيما بَيْنَهم وكالإرْخاءِ عَلى الوَجْهِ حَياءً مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِ ذَلِكَ، والمَعْنى أنَّ مِنَ المَلائِكَةِ خَلْقًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَناحانِ وخَلْقًا لِكُلٍّ مِنهم ثَلاثَةُ أجْنِحَةٍ وخَلْقًا لِكُلٍّ مِنهم أرْبَعَةُ أجْنِحَةٍ، ولا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى نَفْيِ الزّائِدِ بَلْ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ما ذُكِرَ مِنَ العَدَدِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكْثِيرِ والتَّفاوُتِ لا لِلتَّعْيِينِ ولا لِنَفْيِ النُّقْصانِ عَنِ اِثْنَيْنِ.

وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ واَلتِّرْمِذِيُّ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى  ﴾ رَأى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ، واَلتِّرْمِذِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ «عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَمْ يَرَ جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ إلّا مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى ومَرَّةً في جِيادٍ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ،» وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَرَّ بِي في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ صِنْفًا مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَهم سِتَّةُ أجْنِحَةٍ فَجَناحانِ يَلُفُّونَ بِهِما أجْسادُهم وجَناحانِ يَطِيرُونَ بِهِما في أمْرٍ مِن أُمُورِ اللَّهِ تَعالى وجَناحانِ مَرْخِيّانِ عَلى وُجُوهِهِمْ حَياءً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

والبَحْثُ عَنْ كَيْفِيَّةِ وضْعِ الأجْنِحَةِ شَفْعًا كانَتْ أوْ وِتْرًا فِيما أرى مِمّا لا طائِلَ تَحْتَهُ ولَمْ يَصِحَّ عِنْدِي في ذَلِكَ شَيْءٌ ولِقِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ، قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَعْنى إنَّ في كُلِّ جانِبٍ لِبَعْضِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ جَناحَيْنِ ولِبَعْضِهِمْ ثَلاثَةٌ ولِبَعْضِهِمْ أرْبَعَةٌ وإلّا فَلَوْ كانَتْ ثَلاثَةٌ لِواحِدٍ لَما اِعْتَدَلَتْ، وهو كَما تَرى.

وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الجَناحَ إشارَةٌ إلى الجِهَةِ، وبَيانُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ وكُلُّ شَيْءٍ سِواهُ فَهو تَحْتُ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَهم وجْهٌ إلى اللَّهِ تَعالى يَأْخُذُونَ مِنهُ نِعَمَهُ ويُعْطُونَ مَن دُونَهم مِمّا أخَذُوهُ بِإذْنِهِ سُبْحانَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ ﴾ ﴿ عَلى قَلْبِكَ  ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى  ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿ فالمُدَبِّراتِ أمْرًا  ﴾ وهُما جَناحانِ وفِيهِمْ مَن يَفْعَلُ ما يَفْعَلُ مِنَ الخَيْرِ بِواسِطَةٍ، وفِيهِمْ مَن يَفْعَلُهُ لا بِواسِطَةٍ فالفاعِلُ بِواسِطَةٍ مِنهم مَن لَهُ ثَلاثُ جِهاتٍ، ومِنهم مَن لَهُ أرْبَعُ جِهاتٍ وأكْثَرُ، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا ولا يَحْتاجُ إلَيْهِ السُّنِّيُّ القائِلُ بِأنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أجْسامٌ لَطِيفَةٌ نُورِيَّةٌ يَقْدِرُونَ عَلى التَّشَكُّلِ بِالصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ وعَلى الأفْعالِ الشّاقَّةِ، وإنَّما يَحْتاجُ إلَيْهِ أوْ إلى نَحْوِهِ الفَلاسِفَةُ وأتْباعُهم فَإنَّ المَلائِكَةَ عِنْدَهم هي العُقُولُ المُجَرَّدَةُ ويُسَمِّيها أهْلُ الإشْراقِ بِالأنْوارِ الظّاهِرَةِ وبَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ بِالسُّرادِقاتِ النُّورِيَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مُتَأخَّرِيهِمْ أنَّ لَها ذَواتٍ حَقِيقِيَّةً وذَواتٍ إضافِيَّةً مُضافَةً إلى ما دَوْنَها إضافَةَ النَّفْسِ إلى البَدَنِ فَأمّا ذَواتُها الحَقِيقَةُ فَإنَّما هي أمْرِيَّةٌ قَضائِيَّةٌ قَوْلِيَّةٌ، وأمّا ذَواتُها الإضافِيَّةُ فَإنَّما هي خَلْقِيَّةٌ قَدَرِيَّةٌ تَنْشَأُ مِنها المَلائِكَةُ اللَّوْحِيَّةُ وأعْظَمُهم إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتُطْلَقُ المَلائِكَةُ عِنْدَهم عَلى غَيْرِ العُقُولِ كالمُدَبِّراتِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ مِنَ النُّفُوسِ والطَّبائِعِ، وأطالُوا الكَلامَ في ذَلِكَ وظَواهِرُ الآياتِ والأخْبارُ تُكَذِّبُهُمْ، واَللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

﴿ يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن تَفاوُتِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في عَدَدِ الأجْنِحَةِ ومُؤْذِنٌ بِأنَّ ذَلِكَ مِن أحْكامِ مَشِيئَتِهِ تَعالى لا لِأمْرٍ راجِعٍ إلى ذَواتِهِمْ بِبَيانِ حُكْمٍ كُلِّيٍّ ناطِقٍ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَزِيدُ في أيِّ خَلْقٍ كانَ كُلَّ ما يَشاءُ أنْ يَزِيدَهُ بِمُوجِبِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ ومُقْتَضى حِكْمَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هَذا في الأجْنِحَةِ الَّتِي لِلْمَلائِكَةِ أيْ يَزِيدُ في خَلْقِ الأجْنِحَةِ لِلْمَلائِكَةِ ما يَشاءُ فَيَجْعَلُ لِكُلِّ سِتَّةِ أجْنِحَةٍ أوْ أكْثَرَ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وكَأنَّ الجُمْلَةَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ عَدَمِ الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعَةِ.

وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ يَزِيدُ في خَلْقِ المَلائِكَةِ والأجْنِحَةِ ما يَشاءُ، وقِيلَ ﴿ الخَلْقِ ﴾ خَلْقُ الإنْسانِ و( ما يَشاءُ ) الخَلْقُ الحَسَنُ، أوِ الصَّوْتُ الحَسَنُ، أوِ الحَظُّ الحَسَنُ، أوِ المَلاحَةُ في العَيْنَيْنِ أوْ في الأنْفِ أوْ في الوَجْهِ، أوْ خِفَّةُ الرُّوحِ، أوْ جُعُودَةُ الشِّعْرِ وحُسْنُهُ، أوِ العَقْلُ، أوِ العِلْمُ، أوِ الصَّنْعَةُ، أوِ العِفَّةُ في الفَقْرِ، أوْ حَلاوَةُ النُّطْقِ، وذَكَرُوا في بَعْضِ ذَلِكَ أخْبارًا مَرْفُوعَةً، والحَقُّ أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لا الحَصْرِ، والآيَةُ شامِلَةٌ لِجَمِيعِ ذَلِكَ بَلْ شامِلَةٌ لِما يُسْتَحْسَنُ ظاهِرًا ولِما لا يُسْتَحْسَنُ، وكُلُّ شَيْءٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَسَنٌ.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ تَعْلِيلٌ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ لِلْحُكْمِ المَذْكُورِ فَإنَّ شُمُولَ قُدْرَتِهِ تَعالى لِجَمِيعِ الأشْياءِ مِمّا يُوجِبُ قُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ عَلى أنْ يَزِيدَ في كُلِّ خَلْقٍ كُلَّ ما يَشاؤُوهُ تَعالى إيجابًا بَيِّنًا.

<div class="verse-tafsir"

مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍۢ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٢

﴿ ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ ﴾ أيْ ما يُطْلِقُها ويُرْسِلُها فالفَتْحُ مَجازٌ عَنِ الإرْسالِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ فَإنَّ فَتْحَ المُغْلَقِ سَبَبٌ لِإطْلاقِ ما فِيهِ وإرْسالِهِ، ولِذا قُوبِلَ بِالإمْساكِ والإطْلاقِ كِنايَةً عَنِ الإعْطاءِ، كَما قِيلَ أطْلَقَ السُّلْطانُ لِلْجُنْدِ أرْزاقَهم فَهو كِنايَةٌ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى المَجازِ.

وفِي اِخْتِيارِ لَفْظِ الفَتْحِ رَمْزٌ إلى أنَّ الرَّحْمَةَ مِن أنْفَسِ الخَزائِنِ وأعَزِّها مَنالًا، وتَنْكِيرُها لِلْإشاعَةِ والإبْهامِ، أيْ أيَّ شَيْءٍ يَفْتَحُ اللَّهُ تَعالى مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ أيِّ رَحْمَةٍ كانَتْ مِن نِعْمَةٍ وصِحَّةٍ وأمْنٍ وعِلْمٍ وحِكْمَةٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحاطُ بِهِ حَتّى أنَّ عُرْوَةَ كانَ يَقُولُ كَما أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْهُ في رُكُوبِ المَحْمِلِ هي واَللَّهِ رَحْمَةٌ فُتِحَتْ لِلنّاسِ ثُمَّ يَقُولُ ﴿ ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ ﴾ الخ.

وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ الرَّحْمَةُ المَطَرُ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ التَّوْبَةُ والمُرادُ التَّمْثِيلُ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ لا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأنَّ اِسْمَ الشَّرْطِ لا يُوصَفُ.

﴿ فَلا مُمْسِكَ لَها ﴾ أيْ فَلا أحَدَ يَقْدِرُ عَلى إمْساكِها ﴿ وما يُمْسِكْ ﴾ أيْ أيَّ شَيْءٍ يُمْسِكُ ﴿ فَلا مُرْسِلَ لَهُ ﴾ أيْ فَلا أحَدَ يَقْدِرُ عَلى إرْسالِهِ، واخْتِلافُ الضَّمِيرَيْنِ لِما أنَّ مَرْجِعَ الأوَّلِ مُبَيَّنٌ بِالرَّحْمَةِ ومَرْجِعَ الثّانِي مُطْلَقٌ يَتَناوَلُها وغَيْرُها، وفي ذَلِكَ مَعَ تَقْدِيمِ أمْرِ فَتْحِ الرَّحْمَةِ إشْعارٌ بِأنَّ رَحْمَتَهُ تَعالى سَبَقَتْ غَضَبَهُ عَزَّ وجَلَّ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وقِيلَ المُرادُ وما يُمْسِكُ مِن رَحْمَةٍ إلّا أنَّهُ حَذَفَ المُبَيِّنَ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ وعَدَمِ ما يُقَوِّي اِعْتِبارَ المَعْنى في التَّلَفُّظِ، وأُيِّدَ بِأنَّهُ قُرِئَ «فَلا مُرْسِلَ لَها» بِتَأْنِيثِ الضَّمِيرِ.

﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إمْساكِهِ ﴿ وهُوَ العَزِيزُ ﴾ الغالِبُ عَلى كُلِّ ما يَشاءُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الفَتْحُ والإمْساكُ ﴿ الحَكِيمُ ﴾ الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها ومُعْرِبٌ عَنْ كَوْنِ كُلٍّ مِنَ الفَتْحِ والإمْساكِ بِمُوجِبِ الحِكْمَةِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها أمْرُ التَّكْوِينِ، وما أدْعى هَذِهِ الآيَةِ إلى الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى والإعْراضِ عَمّا سِواهُ عَزَّ وجَلَّ وإراحَةِ البالِ عَنِ التَّخَيُّلاتِ المُوجِبَةِ لِلتَّهْوِيشِ وسَهَرِ اللِّيالِ.

وقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ: قالَ أرْبَعُ آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى إذا قَرَأْتُهُنَّ فَما أُبالِي ما أُصْبِحُ عَلَيْهِ وأُمْسِي ﴿ ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ﴾ ، ﴿ وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ  ﴾ و ﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا  ﴾ ﴿ وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها  ﴾ <div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ٣

وبَعْدَ ما بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ المُوجِدُ لِلْمُلْكِ والمَلَكُوتِ والمُتَصَرِّفُ فِيهِما عَلى الإطْلاقِ أمَرَ النّاسَ قاطِبَةً أوْ أهْلَ مَكَّةَ كَما رُوِيَ عَنْهُ اِبْنُ عَبّاسٍ واخْتارَهُ الطِّيبِيُّ بِشُكْرِ نِعَمِهِ عَزَّ وجَلَّ فَقالَ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ إنْعامَهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْكم إنْ جُعِلَتِ النِّعْمَةُ مَصْدَرًا أوْ كائِنَةً عَلَيْكم إنْ جُعِلَتِ اِسْمًا، أيْ راعُوها واحْفَظُوها بِمَعْرِفَةِ حَقِّها والِاعْتِرافِ بِها وتَخْصِيصِ العِبادَةِ والطّاعَةِ بِمُوَلِّيها، فَلَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ الذِّكْرِ بِاللِّسانِ بَلْ هو كِنايَةٌ عَمّا ذُكِرَ.

وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَدْ جُعِلَ الخِطابُ لِمَن سَمِعْتَ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم حَيْثُ أسْكَنَكم حَرَمَهُ ومَنَعَكم مِن جَمِيعِ العالَمِ والنّاسُ يَتَخَطَّفُونَ مِن حَوْلِكُمْ، وعَنْهُ أيْضًا نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى العافِيَةُ، والأوْلى عَدَمُ التَّخْصِيصِ، ولَمّا كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ تَعالى مَعَ تَشَعُّبٍ فُنُونِها مُنْحَصِرَةً في نِعْمَةِ الإيجادِ ونِعْمَةِ الإبْقاءِ نَفى سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ في الوُجُودِ شَيْءٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ يَصْدُرُ عَنْهُ إحْدى النِّعْمَتَيْنِ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو لِإنْكارِ التَّصْدِيقِ وتَكْذِيبِ الحُكْمِ، فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ﴾ وهَلْ تَأْتِي لِذَلِكَ كَما في المُطَوَّلِ وحَواشِيهِ، وقَوْلُ الرَّضِىِّ: إنَّ هَلْ لا تُسْتَعْمَلُ لِلْإنْكارِ، أرادَ بِهِ الإنْكارَ عَلى مُدَّعِي الوُقُوعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ  ﴾ ويَلْزَمُهُ النَّفْيُ والإنْكارُ عَلى مَن أوْقَعَ الشَّيْءَ، كَما في قَوْلِكَ أتَضْرِبُ زَيْدًا وهو أخُوكَ أيْ هَلْ خالِقٌ مُغايِرٌ لَهُ تَعالى مَوْجُودٌ لَكم أوْ لِلْعالَمِ عَلى أنَّ ﴿ خالِقٍ ﴾ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ زِيدَتْ عَلَيْهِ مِن لِتَأْكِيدِ العُمُومِ و ﴿ غَيْرُ اللَّهِ ﴾ صِفَةٌ لَهُ بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ، وصَحَّتِ الوَصْفِيَّةُ بِهِ مَعَ إضافَتِهِ إلى أعْرَفِ المَعارِفِ لِتَوَغُّلِهِ في التَّنْكِيرِ فَلا يَكْتَسِبُ تَعْرِيفًا في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿ خالِقٍ ﴾ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ ويُعْتَبَرُ الإنْكارُ في حُكْمِ النَّفْيِ لِيَكُونَ غَيْرُ اللَّهِ هو الخالِقَ المَنفِيَّ ولِأنَّ المَعْنى عَلى الِاسْتِثْناءِ أيْ لا خالِقَ إلّا اللَّهُ تَعالى والبَدَلِيَّةُ في الِاسْتِثْناءِ بِغَيْرٍ إنَّما تَكُونُ في الكَلامِ المَنفِيِّ وبِهَذا الِاعْتِبارِ زِيدَتْ مِن عِنْدَ الجُمْهُورِ وصَحَّ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ.

وكَذا جُوِّزَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِخالِقٍ لِاعْتِمادِهِ عَلى أداةِ الِاسْتِفْهامِ نَحْوَ أقائِمٌ زَيْدٌ في أحَدِ وجْهَيْهِ وهو حِينَئِذٍ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِقَوْلِهِ فِيهِ نَظَرٌ وهو أنَّ اِسْمَ الفاعِلِ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ إذا اِعْتَمَدَ عَلى أداةِ الِاسْتِفْهامِ وأُجْرِيَ مَجْرى الفِعْلِ فَرَفَعَ ما بَعْدَهُ هَلْ يَجُوزُ أنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِ مِنَ الَّتِي لِلِاسْتِغْراقِ، فَيُقالُ هَلْ مِن قائِمٍ الزَّيْدُونَ، كَما تَقُولُ هَلْ قائِمٌ الزَّيْدُونَ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَجُوزُ ألا تَرى أنَّهُ إذا أُجْرِيَ مَجْرى الفِعْلِ لا يَكُونُ فِيهِ عُمُومٌ بِخِلافِهِ إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ مِن، ولا أحْفَظُ مِثْلَهُ في لِسانِ العَرَبِ، ويَنْبَغِي أنْ لا يُقْدَمُ عَلى إجازَةِ مِثْلِ هَذا إلّا بِسَماعٍ مِن كَلامِهِمْ، وفِيهِ أنَّ شَرْطَ الزِّيادَةِ والإعْمالِ مَوْجُودٌ، ولَمْ يُبْدِ مانِعًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فالتَّوَقُّفُ تَعَنُّتٌ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ.

وفِي الكَشْفِ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ ( غَيْرُ ) خَبَرًا، ومَنَعَهُ الشِّهابُ بِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلَيْهِ، وقَرَأ اِبْنُ وثّابٍ وشَقِيقٌ وأبُو جَعْفَرٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «غَيْرِ» بِالخَفْضِ صِفَةً لِخالِقٍ عَلى اللَّفْظِ، وهَذا مُتَعَيَّنٌ في هَذِهِ القِراءَةِ، ولِأنَّ تَوافُقَ القِراءَتَيْنِ أوْلى مِن تَخالُفِهِما كانَ الأظْهَرُ في القِراءَةِ الأُولى كَوْنَهُ وصْفًا لِخالِقٍ أيْضًا، وقَرَأ الفَضْلُ بْنُ إبْراهِيمَ النَّحْوِيُّ «غَيْرَ» بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ﴾ بِالمَطَرِ والنَّباتِ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ لا صِفَةُ ﴿ خالِقٍ ﴾ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ أوْ مَحَلِّهِ، قالَ في الكَشْفِ: لِأنَّ المَعْنى عَلى التَّقْرِيعِ والتَّذْكِيرِ بِما هم مُعْتَرِفُونَ بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ مِن خالِقٍ لِتِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِذِكْرِها أوْ مُطْلَقًا، وهو أوْلى، وتَدْخُلُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ غَيْرُ اللَّهِ ﴾ ثُمَّ تَمَّمَ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وذَلِكَ أيْضًا يَقْتَضِي اِخْتِصاصَهُ تَعالى بِالعِبادَةِ كَما أنَّ الخالِقِيَّةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وفِيهِ أنَّ الخالِقَ لا يَكُونُ إلّا رازِقًا ولَوْ قِيلَ هَلْ مِن خالِقٍ رازِقٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ غَيْرُ اللَّهِ يَخْرُجُ الكَلامُ عَنْ سَنَنِهِ المَقْصُودِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ خالِقٍ ﴾ فاعِلًا لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، والأصْلُ هَلْ يَرْزُقُكم خالِقٌ ومِن زائِدَةٌ في الفاعِلِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ إنْ كانَ مِن بابِ هَلْ رَجُلٌ عُرِفَ، فَقَدْ صَرَّحَ السَّكّاكِيُّ بِقُبْحِ هَذا التَّرْكِيبِ لِأنَّ هَلْ إنَّما تَدْخُلُ عَلى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ فَلا بُدَّ مِن صِحَّتِها قَبْلَ دُخُولِ هَلْ ورَجُلٌ عُرِفَ لا يَصِحُّ بِدُونِ اِعْتِبارِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ لِعَدَمِ مُصَحِّحِ الِابْتِدائِيَّةِ سِواهُ، وإذا اُعْتُبِرَ التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ كانَ الكَلامُ مُفِيدًا لِحُصُولِ التَّصْدِيقِ بِنَفْسِ الفِعْلِ فَلا يَصِحُّ دُخُولُ هَلْ عَلَيْهِ لِأنَّها لِطَلَبِ التَّصْدِيقِ وما حَصَلَ لا يُطْلَبُ لِئَلّا يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الحاصِلِ ولِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ رَجُلٌ فاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، قالَ بِالقُبْحِ دُونَ الِامْتِناعِ، وإنْ كانَ مِن بابِ: هَلْ زَيْدٌ عُرِفَ، فَقَدْ صَرَّحَ العَلّامَةُ الثّانِي السَّعْدُ التَّفْتازانِيُّ بِأنَّهُ قَبِيحٌ بِاتِّفاقِ النُّحاةِ وأنَّ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ المُفَصَّلِ مِن أنَّ نَحْوَ هَلْ زَيْدٌ خَرَجَ عَلى تَقْدِيرِ الفِعْلِ تَصْحِيحٌ لِلْوَجْهِ القَبِيحِ البَعِيدِ لا أنَّهُ شائِعٌ حَسَنٌ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ سَبَبَ قُبْحِهِ لَيْسَ ما ذُكِرَ في قُبْحِ هَلْ زَيْدٌ عُرِفَ عِنْدَ السَّكّاكِيِّ لِعَدَمِ تَأتِّيهِ فِيهِ بَلِ السَّبَبُ أنَّ هَلْ بِمَعْنى قَدْ في الأصْلِ وأصْلُهُ أهَلْ كَقَوْلِهِ: أهَلْ عَرَفْتَ الدّارَ بِالغُرَّتَيْنِ وتَرْكُ الهَمْزَةِ قَبْلَها لِكَثْرَةِ وُقُوعِها في الِاسْتِفْهامِ فَأُقِيمَتْ هي مَقامَ الهَمْزَةِ وتَطَفَّلَتْ عَلَيْها في الِاسْتِفْهامِ، وقَدْ مِن لَوازِمِ الأفْعالِ فَكَذا ما هي بِمَعْناها، ولَمْ يُقَبَّحْ دُخُولُها عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الَّتِي طَرَفاها اِسْمانِ لِأنَّها إذا لَمْ تَرَ الفِعْلَ في حَيِّزِها تَتَسَلّى عَنْهُ ذاهِلَةً، وهَذا بِخِلافِ ما إذا رَأتْهُ فَإنَّها حِينَئِذٍ تَتَذَكَّرُ عُهُودًا بِالحُمّى وتَحِنُّ إلى الألْفِ المَأْلُوفِ وتَطْلُبُ مُعانَقَتَهُ ولَمْ تَرْضَ بِافْتِراقِ الِاسْمِ بَيْنَهُما، ويُعْلَمْ مِن هَذا أنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَ النُّحاةِ بَيْنَ هَلْ رَجُلٌ عُرِفَ وهَلْ زَيْدٌ تَعْرِفُ في القُبْحِ لِذَلِكَ.

وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ مُجَوِّزَ هَذا الوَجْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ومُتابِعُوهُ وهو لا يُسَلِّمُ ما ذَكَرَ لِأنَّ حَرْفَ الشَّرْطِ كانَ مَثَلًا أُلْزِمَ لِلْفِعْلِ مِن هَلْ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ دُخُولُهُ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الَّتِي طَرَفاها اِسْمانِ كَما دَخَلَتْ عَلَيْها هَلْ، وقَدْ جازَ بِلا قُبْحٍ عَمَلُ الفِعْلِ بَعْدَهُ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ ﴾ فَيَجُوزُ في هَلْ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ يَرْزُقُكُمْ ﴾ إلخ مُسْتَأْنَفًا في جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ أيُّ خالِقٍ يَسْألُ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ هو الخَبَرُ لِخالِقٍ، ولا يَخْفى عَلى مُتَأمِّلٍ أنَّ ما نُقِلَ عَنِ الكَشْفِ قاضٍ بِمَرْجُوحِيَّةِ هَذِهِ الأوْجُهِ جَمِيعِها، فَتَأمَّلْ.

وفِي الآيَةِ عَلى ما هو الأوْلى في تَفْسِيرِها وإعْرابِها رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمُ: العَبْدُ خالِقٌ لِأفْعالِهِ، ونُصْرَةٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ في قَوْلِهِمْ لا خالِقَ إلّا اللَّهُ تَعالى.

﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلنَّفْيِ المَفْهُومِ مِمّا تَقَدَّمَ قَصْدًا، ولَمْ يُجَوِّزْ جارَ اللَّهِ أنْ يُجْعَلَ صِفَةً لِخالِقٍ كَما جُعِلَ ﴿ يَرْزُقُكُمْ ﴾ صِفَةً لَهُ، حَيْثُ قالَ: ولَوْ وصَلَتْ جُمْلَةُ ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ كَما وصَلَتْ ﴿ يَرْزُقُكُمْ ﴾ لَمْ يُساعِدْ عَلَيْهِ المَعْنى، لِأنَّ قَوْلَكَ هَلْ مِن خالِقٍ آخَرَ سِوى اللَّهِ لا إلَهَ إلّا ذَلِكَ الخالِقُ - غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، لِأنَّ قَوْلَكَ هَلْ مِن خالِقٍ سِوى اللَّهِ إثْباتٌ لِلَّهِ تَعالى فَلَوْ ذَهَبْتَ تَقُولُ ذَلِكَ كُنْتَ مُناقِضًا بِالنَّفْيِ بَعْدَ الإثْباتِ اه، وبَيَّنَ صاحِبُ الكَشْفِ وجْهَ المُناقَضَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ غَيْرُ اللَّهِ صِفَةً بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِنَفْيِ المُشارَكَةِ في الصِّفَةِ المُحَقَّقَةِ، أعْنِي الخَلْقَ فَقَوْلُكُ هَلْ مِن خالِقٍ آخَرَ سِوى اللَّهِ إثْباتٌ لِلَّهِ تَعالى ونَفْيُ المُشارِكِ لَهُ فِيها، ثُمَّ وصْفُ الآخَرِ بِانْحِصارِ الإلَهِيَّةِ فِيهِ يَكُونُ لِنَفْيِ خالِقِيَّتِهِ دُونَ تَفَرُّدٍ بِالإلَهِيَّةِ، والتَّفَرُّدُ بِالإلَهِيَّةِ مَعَ مُغايَرَتِهِ لِلَّهِ تَعالى مُتَناقِضانِ لِأنَّ الأوَّلَ يَنْفِيهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا والثّانِي يُثْبِتُهُ مَعَ الغَيْرِ جُلَّ عَنْ كُلِّ شَرِيكٍ ونَقْصٍ، ثُمَّ قالَ: والتَّحْقِيقُ في هَذا أنَّ هَلْ لِإنْكارِ ما يَلِيها وما تَلاهُ إنْ كانَ مِن تَتِمَّتِهِ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ حُكْمُ الإنْكارِ بِالبَقِيَّةِ، وإلّا كانَ مُبْقًى عَلى حالِهِ نَفْيًا وإثْباتًا، ولَمّا كانَ الكَلامُ في الخالِقِيَّةِ عَلى ما مَرَّ لَمْ يَكُنِ الوَصْفانِ، أعْنِي تَفَرُّدَ الآخَرِ بِالإلَهِيَّةِ ومُغايَرَتَهُ لِلْقَيُّومِ الحَقِّ مَصَبًّا لَهُ، وهُما مُتَناقِضانِ في أنْفُسِهِما عَلى ما بَيَّنَ، فَيَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ جارُ اللَّهِ لُزُومًا بَيِّنًا اه.

وقَدْ دُفِعَ بِتَقْرِيرِهِ ذَلِكَ كَثِيرًا مِنَ القالِ والقِيلِ بَيْدَ أنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، ويُمْكِنُ تَقْرِيرُ المُناقَضَةِ عَلى تَقْدِيرِ الوَصْفِيَّةِ بِوَجْهٍ أظْهَرَ لَعَلَّهُ لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المانِعُ مِنَ الوَصْفِيَّةِ النَّظْمُ المُعْجِزُ وحاكِمُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ والكَلامُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ، فَتَأمَّلْ.

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ عُدُولِهِمْ عَنِ التَّوْحِيدِ إلى الإشْراكِ عَلى ما قَبْلَها كَأنَّهُ قِيلَ: وإذا تَبَيَّنَ تَفَرُّدُهُ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ والخالِقِيَّةِ والرّازِقِيَّةِ فَمِن أيِّ وجْهٍ تُصْرَفُونَ عَنِ التَّوْحِيدِ إلى الشِّرْكِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِكَ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ٤

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ ﴾ إلخ تَسْلِيَةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُمُومِ البَلِيَّةِ والوَعْدِ لَهُ  والوَعِيدِ لِأعْدائِهِ، والمَعْنى وإنِ اِسْتَمَرُّوا عَلى أنْ يُكَذِّبُوكَ فِيما بَلَّغْتَ إلَيْهِمْ مِنَ الحَقِّ المُبِينِ بَعْدَ ما أقَمْتَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ وألْقَمْتَهُمِ الحَجَرَ فَتَأسَّ بِأُولَئِكَ الرُّسُلِ في الصَّبْرِ فَقَدْ كَذَّبَهم قَوْمُهم وصَبَرُوا، فَجُمْلَةُ قَدْ ﴿ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ ﴾ قائِمَةٌ مَقامَ جَوابِ الشَّرْطِ والجَوابُ في الحَقِيقَةِ تَأسَّ، وأُقِيمَتْ تِلْكَ الجُمْلَةُ مَقامَهُ اِكْتِفاءً بِذِكْرِ السَّبَبِ عَنْ ذِكْرِ المُسَبَّبِ، وجُوِّزَ أنْ تُجْعَلَ هي الجَوابَ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ ويَكُونُ المُتَرَتِّبُ عَلى الشَّرْطِ الإعْلامُ والإخْبارُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ  ﴾ .

وتَنْكِيرُ رُسُلٍ لِلتَّعْظِيمِ والتَّكْثِيرِ المُوجِبَيْنِ لِمَزِيدِ التَّسْلِيَةِ والحَثِّ عَلى التَّأسِّي والصَّبْرِ عَلى ما أصابَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن قَوْمِهِ أيْ رُسُلٌ أُولُو شَأْنٍ خَطِيرٍ وعَدَدٍ كَثِيرٍ.

﴿ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ لا إلى غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ فَيُجازِي سُبْحانَهُ كُلًّا مِنكَ ومِنهم بِما يَلِيقُ بِهِ، وفي الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ اِخْتِصاصِ المَرْجِعِ بِهِ تَعالى مَعَ إبْهامِ الجَزاءِ ثَوابًا وعِقابًا مِنَ المُبالَغَةِ في الوَعْدِ والوَعِيدِ ما لا يَخْفى.

وقُرِئَ «تَرْجِعُ» بِفَتْحِ التّاءِ مِنَ الرُّجُوعِ والأوَّلُ أدْخَلُ في التَّهْوِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ٥

﴿ يا أيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ ﴾ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ ﴿ حَقٌّ ﴾ ثابِتٌ لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ خُلْفٍ ﴿ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ بِأنْ يُذْهِلَكُمُ التَّمَتُّعُ بِمَتاعِها ويُلْهِيَكُمُ التَّلَهِّي بِزَخارِفِها عَنْ تَدارُكِ ما يَنْفَعُكم يَوْمَ حُلُولِ المِيعادِ، والمُرادُ نَهْيُهم عَنِ الِاغْتِرارِ بِها وإنْ تَوَجَّهَ النَّهْيُ صُورَةً إلَيْها نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي  ﴾ وقَوْلُكَ لا أرَيَنَّكَ هُنا ﴿ ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ ﴾ حَيْثُ إنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ عَفُوٌّ كَرِيمٌ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴿ الغَرُورُ ﴾ أيِ المَبالِغُ في الغُرُورِ، وهو عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ الشَّيْطانُ فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، ويَجُوزُ التَّعْمِيمُ أيْ لا يَغُرُّنَّكم كُلُّ مَن شَأْنُهُ المُبالَغَةُ في الغَرُورِ بِأنْ يُمَنِّيَكُمُ المَغْفِرَةَ مَعَ الإصْرارِ عَلى المَعْصِيَةِ قائِلًا إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَإنَّ ذَلِكَ وإنْ أمْكَنَ لَكِنْ تَعاطِي الذُّنُوبِ بِهَذا التَّوَقُّعِ مِن قَبِيلِ تَناوُلِ السُّمِّ تَعْوِيلًا عَلى دَفْعِ الطَّبِيعَةِ، وتَكْرِيرُ فِعْلِ النَّهْيِ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ ولِاخْتِلافِ الغَرُورَيْنِ في الكَيْفِيَّةِ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأبُو السَّمّالِ «اَلْغُرُورُ» بِالضَّمِّ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ غَرَّهُ يَغُرُّهُ وإنْ قَلَّ في المُتَعَدِّي، أوْ جَمْعُ غارٍّ كَقُعُودٍ وسُجُودٍ مَصْدَرَيْنِ وجَمْعَيْنِ، وعَلى المَصْدَرِيَّةِ الإسْنادُ مَجازِيٌّ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّۭ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُوا۟ حِزْبَهُۥ لِيَكُونُوا۟ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ ٦

﴿ إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ ﴾ عَداوَةً عامَّةً قَدِيمَةً لا تَكادُ تَزُولُ، ويُشْعِرُ بِذَلِكَ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ و«لَكُمْ» وتَقْدِيمُهُ لِلِاهْتِمامِ ﴿ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾ بِمُخالَفَتِكم إيّاهُ في عَقائِدِكم وأفْعالِكم وكُونُوا عَلى حَذَرٍ مِنهُ في مَجامِعِ أحْوالِكم.

﴿ إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ ﴾ تَقْرِيرٌ لِعَداوَتِهِ وتَحْذِيرٌ مِن طاعَتِهِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ غَرَضَهُ في دَعْوَةِ شِيعَتِهِ إلى اِتِّباعِ الهَوى والرُّكُونِ إلى مَلاذِ الدُّنْيا لَيْسَ إلّا تَوْرِيطَهم وإلْقاءَهم في العَذابِ المُخَلَّدِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ فاللّامُ لَيْسَتْ لِلْعاقِبَةِ، وزَعَماِبْنُ عَطِيَّةَ أنَّها لَها.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌۭ كَبِيرٌ ٧

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وإجابَتِهِمْ لِدَعْوَةِ الشَّيْطانِ واتِّباعِهِمْ لِخُطُواتِهِ، ولَعَلَّ تَنْكِيرَ عَذابٍ لِتَعْظِيمِهِ بِحَسَبِ المُدَّةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَهم عَذابٌ دائِمٌ شَدِيدٌ.

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ﴾ عَظِيمَةٌ ﴿ وأجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ لا غايَةَ لَهُما بِسَبَبِ ما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

( والَّذِينَ كَفَرُوا ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ لَهم عَذابٌ ﴾ وكَذا ( الَّذِينَ آمَنُوا ) و ﴿ لَهم مَغْفِرَةٌ ﴾ الخ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلًا مِن ﴿ أصْحابِ السَّعِيرِ ﴾ أوْ صِفَةً لَهُ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِن ﴿ حِزْبَهُ ﴾ أوْ صِفَةً لَهُ، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ ( لِيَكُونُوا ) والكُلُّ مُفَوَّتٌ لِجَزالَةِ التَّرْكِيبِ كَما لا يَخْفى عَلى الأرِيبِ.

<div class="verse-tafsir"

أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنًۭا ۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ ٨

﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ أيْ حَسَنُ لَهُ عَمَلُهُ السَّيِّئُ ﴿ فَرَآهُ ﴾ فاعْتَقَدَهُ بِسَبَبِ التَّزْيِينِ ﴿ حَسَنًا ﴾ فَهو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، و( مَن ) مَوْصُولَةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَتُها والخَبَرُ مَحْذُوفٌ والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، فَإنْ كانَتْ مُقَدَّمَةً مِن تَأْخِيرٍ كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ في نَظِيرِ ذَلِكَ فالمُرادُ تَفْرِيعُ إنْكارِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِنَ الحُكْمَيْنِ السّابِقَيْنِ، أيْ إذا كانَتْ عاقِبَةُ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ ما ذُكِرَ فَلَيْسَ الَّذِي زُيِّنَ لَهُ الكُفْرُ مِن جِهَةِ عَدُوِّهِ الشَّيْطانِ فاعْتَقَدَهُ حَسَنًا وانْهَمَكَ فِيهِ كَمَنِ اِسْتَقْبَحَهُ واجْتَنَبَهُ واخْتارَ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ، وإنْ كانَتْ في مَحَلِّها الأصْلِيِّ وكانَ العَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ تَكُونُ هي داخِلَةٌ إلَيْهِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ، فالمُرادُ ما في حَيِّزِها، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أهُما أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا واَلَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مُتَساوِيانِ فاَلَّذِي زُيِّنَ لَهُ الكُفْرُ مِن جِهَةِ عَدُوِّهِ الشَّيْطانِ فاعْتَقَدَهُ حَسَنًا وانْهَمَكَ فِيهِ كَمَنِ اِسْتَقْبَحَهُ واجْتَنَبَهُ واخْتارَ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ، أيْ ما هُما مُتَساوِيانِ لِيَكُونَ الَّذِي زُيِّنَ لَهُ الكُفْرُ كَمَنِ اِسْتَقْبَحَهُ، وحُذِفَ هَذا الخَبَرُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ واقْتِضاءِ النَّظْمِ الجَلِيلِ إيّاهُ، وقَدْ صَرَّحَ بِالجُزْءَيْنِ في نَظِيرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ  ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى  ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ  ﴾ وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الكافِرِ بِمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا إشارَةٌ إلى غايَةِ ضَلالِهِ حَتّى كَأنَّهُ غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ وسَلَبَ تَمْيِيزَهُ فَشَأْنُ المَغْلُوبِ عَلى عَقْلِهِ ذَلِكَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ أبِي نُواسٍ: اِسْقِنِي حَتّى تَرانِي حَسَنًا عِنْدِي القَبِيحُ وظاهِرُ كَلامِ الزَّجّاجِ أنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ حَيْثُ قالَ: الجَوابُ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ ﴾ إلخ ويَكُونُ المَعْنى أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَأضَلَّهُ اللَّهُ ذَهَبَتْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، وثانِيهِما: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ ﴾ إلخ ويَكُونُ المَعْنى أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ كَمَن هَداهُ اللَّهُ تَعالى، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ اِبْنُ مالِكٍ أيْضًا، واعْتَرَضَ اِبْنُ هِشامٍ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي بِأنَّ الظَّرْفَ لا يَكُونُ جَوابًا وإنْ قُلْنا إنَّهُ جُمْلَةٌ، ووَجْهُهُ أنَّ الرَّضِيَّ صَرَّحَ بِأنَّهُ لا يَكُونُ مُسْتَقِرًّا في غَيْرِ الخَبَرِ والصِّفَةِ والصِّلَةِ والحالِ ولَمْ يُذْكَرِ الجَوابُ لا أنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ الفاءِ، وتَقْدِيرُها داخِلَةٌ عَلى مُبْتَدَأٍ يَكُونُ الظَّرْفُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ بِتَمامِها جَزاءٌ غَيْرُ جائِزٍ لِما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ كَما قِيلَ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الزَّجّاجُ قَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ وأُطْلِقَ عَلى خَبَرِها الجَوابُ لِشَبَهِهِ بِهِ في المَعْنى، ألا تَراهم يُدْخِلُونَ الفاءَ في خَبَرِ المَوْصُولِ الَّذِي صِلَتُهُ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ كَما يُدْخِلُونَها في جَوابِ الشَّرْطِ فَيَقُولُونَ الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وفِيهِ أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ ولا قَرِينَةَ عَلى إرادَتِهِ سِوى عَدَمِ صِحَّةِ الجَزائِيَّةِ، وضُعِّفَ التَّقْدِيرُ الأوَّلُ بِالفَصْلِ بَيْنَ ما فِيهِ الحَذْفُ ودَلِيلِ المَحْذُوفِ مَعَ خَفاءِ رَبْطِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها عَلَيْهِ، ولا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مَن شَرْطِيَّةً جَوابُها فَرَآهُ لِما في ذَلِكَ مِنَ الرَّكاكَةِ الصِّناعِيَّةِ، فَإنَّ الماضِيَ في الجَوابِ لا يَقْتَرِنُ بِالفاءِ بِدُونِ قَدْ مَعَ خَفاءِ أمْرِ إنْكارِ رُؤْيَةِ سُوءِ العَمَلِ حَسَنًا بَعْدَ التَّزْيِينِ وتَفْرِيعِهِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الحُكْمَيْنِ، وكَوْنُ الإنْكارِ لِما أنَّ المُزَيِّنَ هو الشَّيْطانُ العَدُوُّ، والتَّفْرِيعُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ ﴾ لا يَخْفى حالُهُ فالوَجْهُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ جُعِلَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ تَعْلِيلًا لِسَبَبِيَّةِ التَّزْيِينِ لِرُؤْيَةِ القَبِيحِ حَسَنًا، وفِيهِ دَفْعُ اِسْتِبْعادِ أنْ يَرى الشَّخْصُ القَبِيحَ حَسَنًا بِتَزْيِينِ العَدُوِّ إيّاهُ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ التّابِعَةِ لِلْعِلْمِ المُتَعَلِّقِ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ، وإيذانٌ بِأنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ الَّذِينَ زُيِّنَ لَهم سُوءُ عَمَلِهِمْ فَرَأوْهُ حَسَنًا مِمَّنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ضَلالَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ ﴾ تَفْرِيعٌ عَلَيْهِ، أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ الخ، وذَكَرَ المَوْلى سِعْدِيُّ جَلَبِيٍّ أنَّ الهَمْزَةَ في ﴿ أفَمَن ﴾ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ نُقِلا عَنِ الزَّجّاجِ لِإنْكارِ ذَهابِ نَفْسِهِ  عَلَيْهِ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، والفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ ﴾ إلخ تَعْلِيلٌ لِما يُفْهِمُهُ النَّظْمُ الجَلِيلُ مِن أنَّهُ لا جَدْوى لِلتَّحَسُّرِ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الفَرِيقَيْنِ الَّذِينَ كَفَرُوا واَلَّذِينَ آمَنُوا قالَ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ  ﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ﴾ يَعْنِي أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ مِن هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ كَمَن لَمْ يُزَيَّنْ لَهُ، فَكَأنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ لا فَقالَ تَعالى ﴿ فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ ﴾ ويُفْهَمْ مِن كَلامِ الطِّيبِيِّ أنَّ فاءَ ﴿ فَلا تَذْهَبْ ﴾ جَزائِيَّةٌ وفاءَ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ ﴾ لِلتَّعْلِيلِ، وأنَّ الجُمْلَةَ مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ، فَقَدْ قالَ: إنَّهُ  كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ القَوْمِ وأنْ يَسْلُكَ الضّالِّينَ في زُمْرَةِ المُهْتَدِي، فَقِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ لِذَلِكَ: أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ مِن هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ كَمَن لَمْ يُزَيَّنْ لَهُ، فَلا بُدَّ أنْ يُقِرَّ  بِالنَّفْيِ ويَقُولُ لا، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لَهُ فَإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَقَدَّمَ وأخَّرَ اِنْتَهى، وفِيهِ نَظَرٌ، وفي الآياتِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ لَفٌّ ونَشْرٌ وبِذَلِكَ صَرَّحَ الطِّيبِيُّ ثُمَّ قالَ: الأحْسَنُ أنْ تُجْعَلَ الآياتُ مِنَ الجَمْعِ والتَّقْسِيمِ والتَّفْرِيقِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ جَمَعَ الفَرِيقَيْنِ مَعًا في حُكْمِ نِداءِ النّاسِ وجَمَعَ ما لَهُما مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ في حُكْمِ الوَعْدِ، وحَذَّرَهُما مَعًا عَنِ الغُرُورِ بِالدُّنْيا والشَّيْطانِ، وأمّا التَّقْسِيمُ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ وأمّا التَّفْرِيقُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ لِأنَّهُ فَرَّقَ فِيهِ وبَيَّنَ التَّفاوُتَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ مِن هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ كَمَن لَمْ يُزَيَّنْ لَهُ، وفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ ظُهُورَ أنَّ الفاءَ في ﴿ أفَمَن ﴾ لِلتَّعْقِيبِ والهَمْزَةَ الدّاخِلَةَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِإنْكارِ المُساواةِ وتَقْرِيرِ البَوْنِ العَظِيمِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ وأنَّ المُخْتارَ مِن أوْجُهٍ ذَكَرَها السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ تَقْدِيرُ كَمَن هَدّاهُ اللَّهُ تَعالى، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ ولَهم في نَظْمِ الآياتِ الكَرِيمَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ غَيْرُ ما ذَكَرْناهُ، مَن أرادَهُ فَلْيَتْبَعْ كُتُبَ التَّفاسِيرِ والعَرَبِيَّةِ، ولَعَلَّ فِيما ذَكَرْناهُ مَقْنَعًا لِمَن أُوتِيَ ذِهْنًا سَلِيمًا وفَهْمًا مُسْتَقِيمًا.

والحَسَراتُ جَمْعُ حَسْرَةٍ وهي الغَمُّ عَلى ما فاتَهُ والنَّدَمُ عَلَيْهِ كَأنَّهُ اِنْحَسَرَ عَنْهُ ما حَمَلَهُ عَلى ما اِرْتَكَبَهُ أوِ اِنْحَسَرَ قُواهُ مِن فَرْطِ غَمٍّ أوْ أدْرَكَهُ إعْياءٌ عَنْ تَدارُكِ ما فَرَطَ مِنهُ، وانْتَصَبَتْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ أيْ فَلا تَهْلِكْ نَفْسُكَ لِلْحَسَراتِ، والجَمْعُ مَعَ أنَّ الحَسْرَةَ في الأصْلِ مَصْدَرٌ صادِقٌ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَضاعُفِ اِغْتِمامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أحْوالِهِمْ أوْ عَلى كَثْرَةِ قَبائِحِ أعْمالِهِمُ المُوجِبَةِ لِلتَّأسُّفِ والتَّحَسُّرِ، ﴿ وعَلَيْهِمْ ﴾ صِلَةُ ﴿ تَذْهَبْ ﴾ كَما يُقالُ هَلَكَ عَلَيْهِ حُبًّا وماتَ عَلَيْهِ حُزْنًا، أوْ هو بَيانٌ لِلْمُتَحَسَّرِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا ومُتَعَلِّقُهُ مُقَدَّرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: عَلى مَن تَذْهَبُ؟

فَقِيلَ: عَلَيْهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِحَسَراتٍ بِناءً عَلى أنَّهُ يُغْتَفَرُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ إذا كانَ ظَرْفًا وهو الَّذِي أخْتارُهُ، واَلزَّمَخْشَرِيُّ لا يُجَوِّزُ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حَسَراتٌ حالًا مِن ﴿ نَفْسُكَ ﴾ كَأنَّ كُلَّها صارَتْ حَسَراتٍ لِفَرْطِ التَّحَسُّرِ كَما قالَ جَرِيرٌ: مَشَقَ الهَواجِرُ لَحْمَهُنَّ مَعَ السُّرى ∗∗∗ حَتّى ذَهَبْنَ كَلاكِلًا وصُدُورا يُرِيدُ رَجَعْنَ كَلاكِلًا وصُدُورًا، أيْ لَمْ يَبْقَ إلّا كَلاكِلُها وصُدُورُها، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ في البَيْتِ، وقالَ المُبَرِّدُ: كَلاكِلًا وصُدُورًا تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ، أيْ حَتّى ذَهَبَ كَلاكِلُها وصُدُورُها، ومِن هَذا قَوْلُهُ: فَعَلى إثْرِهِمْ تَساقَطُ نَفْسِي ∗∗∗ حَسَراتٍ وذِكْرُهم لِي سَقامُ وفِيهِ مُبالَغاتٌ ثَلاثٌ، وقَرَأ عَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ «زَيَّنَ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ونَصَبَ «سُوأ» وعَنْهُ أيْضًا «أسْوَأ» عَلى وزْنِ أفْعَلَ وأُرِيدَ بِأسْوَأ عَمَلُهُ الشِّرْكَ، وقَرَأ طَلْحَةُ «أمَن» بِغَيْرِ فاءٍ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فالهَمْزَةُ لِلِاسْتِخْبارِ والتَّقْرِيرِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلنِّداءِ وحُذِفَ ما نُودِيَ لِأجْلِهِ، أيْ تَفَكَّرْ وارْجِعْ إلى اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ الخ، والظّاهِرُ أنَّها لِلْإنْكارِ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وقَتادَةُ وعِيسى والأشْهَبُ وشَيْبَةُ وأبُو حَيْوَةَ وحُمَيْدٌ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ «تُذْهِبُ» مِن أذْهَبُ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ «نَفْسَكَ» بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ وفِيهِ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ أيْ إنَّهُ تَعالى عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَهُ مِنَ القَبائِحِ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، والآياتُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ إلى هُنا نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في أبِي جَهْلٍ ومُشْرِكِي مَكَّةَ، وأخْرَجَ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّها نَزَلَتْ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأبِي جَهْلٍ حَيْثُ هَدى اللَّهُ تَعالى عُمَرَ وأضَلَّ أبا جَهْلٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَـٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابًۭا فَسُقْنَـٰهُ إِلَىٰ بَلَدٍۢ مَّيِّتٍۢ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ ٩

﴿ واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ «اَلرِّيحَ» وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتُثِيرُ سَحابًا ﴾ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اِسْتِحْضارًا لِتِلْكَ الصُّورَةِ البَدِيعَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، وكَثِيرًا ما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِفِعْلٍ فِيهِ نَوْعُ تَمَيُّزٍ وخُصُوصِيَّةٍ بِحالٍ تُسْتَغْرَبُ أوْ تُهِمُّ المُخاطَبَ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ تَأبَّطَ شَرًّا: ألا مَن مُبْلِغٌ فِتْيانَ فَهْمٍ بِما لاقَيْتُ عِنْدَ رَحى بِطانِ بِأنِّي قَدْ رَأيْتُ الغُولَ تَهْوِي ∗∗∗ بِسَهْبٍ كالصَّحِيفَةِ صَحْصَحانِ فَقُلْتُ لَها كِلانا نِضْوُ أرْضٍ ∗∗∗ أخُو سَفَرٍ فَخَلِّي لِي مَكانِي فَشَدَّتْ شَدَّةً نَحْوِي فَأهْوَتْ ∗∗∗ لَها كَفِّي بِمَصْقُولٍ يَمانِي فَأضْرِبُها بِلا دَهَشٍ فَخَرَّتْ ∗∗∗ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْجِرانِ ولِأنَّ الإثارَةَ خاصِّيَّةٌ لِلرِّياحِ وأثَرٌ لا يَنْفَكُّ في الغالِبِ عَنْها فَلا يُوجِدُ إلّا بَعْدَ إيجادِها فَيَكُونُ مُسْتَقْبَلًا بِالنِّسْبَةِ إلى الإرْسالِ، وعَلى هَذا يَكُونُ اِسْتِعْمالُ المُضارِعِ عَلى ظاهِرِهِ وحَقِيقَتِهِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ لِأنَّ المُعْتَبَرَ زَمانُ الحُكْمِ لا زَمانُ التَّكَلُّمِ، والفاءُ دالَّةٌ عَلى عَدَمِ تَراخِي ذَلِكَ وهو شَيْءٌ آخَرُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِما يَدُلُّ عَلى الماضِي ثُمَّ بِما يَدُلُّ عَلى المُسْتَقْبَلِ إشارَةٌ إلى اِسْتِمْرارِ الأمْرِ وأنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِزَمانٍ دُونَ زَمانٍ إذْ لا يَصِحُّ المُضِيُّ والِاسْتِقْبالُ في شَيْءٍ واحِدٍ إلّا إذا قُصِدَ ذَلِكَ، وقالَ الإمامُ: اِخْتِلافُ الفِعْلَيْنِ لِأنَّهُ لَمّا أُسْنِدَ فِعْلُ الإرْسالِ إلى اللَّهِ تَعالى وما يَفْعَلُ سُبْحانَهُ يَكُونُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ( كُنْ ) [اَلْبَقَرَةِ: 117 وغَيْرِها] فَلا يَبْقى في العَدَمِ زَمانًا ولا جُزْءَ زَمانٍ جِيءَ بِلَفْظِ الماضِي دُونَ المُسْتَقْبَلِ لِوُجُوبِ وُقُوعِهِ وسُرْعَةِ كَوْنِهِ كَأنَّهُ كانَ، ولِأنَّهُ تَعالى فَرَغَ مِن كُلِّ شَيْءٍ فَهو سُبْحانُهُ قَدَّرَ الإرْسالَ في الأوْقاتِ المَعْلُومَةِ وإلى المَواضِعِ المُعَيَّنَةِ، والتَّقْدِيرُ كالإرْسالِ، ولَمّا أُسْنِدَ فِعْلُ الإثارَةِ إلى الرِّياحِ وهي تُؤْلَفُ في زَمانٍ قالَ سُبْحانَهُ (تُثِيرُ) بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ اه.

وأُورِدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: في سُورَةِ الرُّومِ ﴿ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا ﴾ وفي سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿ وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ  ﴾ حَيْثُ جِيءَ في الإرْسالِ فِيها بِالمُضارِعِ، فَتَأمَّلْ.

﴿ فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ ﴾ قِطْعَةً مِنَ الأرْضِ لا نَباتَ فِيها، وقُرِئَ «مَيْتٍ» بِالتَّخْفِيفِ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ في المَشْهُورِ وفِي كُلِّيّاتِ أبِي البَقاءِ الكُفُوِيِّ المَيْتُ بِالتَّخْفِيفِ هو الَّذِي ماتَ والمَيِّتُ بِالتَّشْدِيدِ والمائِتُ هو الَّذِي لَمْ يَمُتْ بَعْدُ، وأنْشَدَ: ومَن يَكُ ذا رُوحٍ فَذَلِكَ مَيِّتٌ ∗∗∗ وما المَيْتُ إلّا مَن إلى القَبْرِ يُحْمَلُ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هو المَشْهُورُ.

﴿ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ ﴾ أيْ بِالمَطَرِ النّازِلِ مِنهُ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالسَّحابِ، فَإنَّ بَيْنَهُما تَلازُمًا في الذِّهْنِ كَما في الخارِجِ، أوْ بِالسَّحابِ فَإنَّهُ سَبَبُ السَّبَبِ، وإحْياءُ الأرْضِ إنْباتُ الشَّجَرِ والكَلَأِ فِيها ﴿ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ يُبْسِها وخُلُوِّها عَنْ ذَلِكَ، وإيرادُ الفِعْلَيْنِ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحْقِيقِ، وإسْنادُهُما إلى نُونِ العَظَمَةِ المُنْبِئِ عَنِ الِاخْتِصاصِ بِهِ تَعالى لِما فِيهِما مِن مَزِيدِ الصُّنْعِ ولِتَكْمِيلِ المُماثَلَةِ بَيْنَ إحْياءِ الأرْضِ وبَيْنَ البَعْثِ الَّذِي شُبِّهَ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾ في كَمالِ الِاخْتِصاصِ بِالقُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ.

وقالَ الإمامُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: أسْنَدَ ﴿ أرْسَلَ ﴾ إلى الغائِبِ وساقَ «وأُحْيِي» إلى المُتَكَلِّمِ لِأنَّهُ في الأوَّلِ عَرَّفَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ بِفِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ وهو الإرْسالُ ثُمَّ لَمّا عُرِفَ قالَ تَعالى: أنا الَّذِي عَرَفْتَنِي سُقْتُ السَّحابَ وأحْيَيْتُ الأرْضَ، فَفي الأوَّلِ كانَ تَعْرِيفًا بِالفِعْلِ العَجِيبِ وفي الثّانِي كانَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ، فَإنَّ كَمالَ نِعْمَتِي الرِّياحُ والسُّحُبُ بِالسَّوْقِ والإحْياءِ، وهو كَما تَرى.

وقالَ سُبْحانَهُ: فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ دُونَ فَأحْيَيْناهُ، أيِ البَلَدَ المَيِّتَ بِهِ تَعْلِيقًا لِلْإحْياءِ بِالجِنْسِ المَعْلُومِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ وهو الأرْضُ ولِأنَّ ذَلِكَ أوْفَقُ بِأمْرِ البَعْثِ، وقالَ تَعالى: ﴿ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ مَعَ أنَّ الإحْياءَ مُؤْذِنٌ بِذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ المَوْتَ لِلْأرْضِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِها الإحْياءُ مَعْلُومٌ لَهم وبِذَلِكَ يَقْوى أمْرُ التَّشْبِيهِ، فَلْيُتَأمَّلْ.

والنُّشُورُ عَلى ما في البَحْرِ مَصْدَرُ نَشَرَ المَيِّتُ إذا حَيِيَ قالَ الأعْشى: حَتّى يَقُولَ النّاسُ مِمّا رَأوْا ∗∗∗ يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النّاشِرِ وفِي نِهايَةِ اِبْنِ الأثِيرِ يُقالُ نَشَرَ المَيِّتُ يَنْشُرُ نُشُورًا إذا عاشَ بَعْدَ المَوْتِ وأنْشَرَهُ اللَّهُ تَعالى أحْياهُ، وقالَ الرّاغِبُ: قِيلَ نَشَرَ اللَّهُ تَعالى المَيِّتَ وأنْشَرَهُ بِمَعْنًى، والحَقِيقَةُ أنَّ نَشَرَ اللَّهُ تَعالى المَيِّتَ مُسْتَعارٌ مِن نَشْرِ الثَّوْبِ، أيْ بَسَطَهُ كَما قالَ الشّاعِرُ: طَوَتْكَ خُطُوبُ دَهْرِكَ بَعْدَ نَشْرٍ ∗∗∗ كَذاكَ خُطُوبُهُ طَيًّا ونَشْرا والمُرادُ بِالنُّشُورِ هُنا إحْياءُ الأمْواتِ في يَوْمِ الحِسابِ، وهو مُبْتَدَأٌ والجارُّ والمَجْرُورُ قَبْلَهُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ وقِيلَ الكافُ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى الخَبَرِيَّةِ، أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الأحْياءِ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ إحْياءُ الأمْواتِ يَوْمَ القِيامَةِ في صِحَّةِ المَقْدُورِيَّةِ وسُهُولَةِ التَّأتِّي مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنِهِما أصْلًا سِوى الألِفِ في الأوَّلِ دُونَ الثّانِي، وقالَ أبُو حَيّانَ: وقَعَ التَّشْبِيهُ بِجِهاتٍ لَمّا قَبِلَتِ الأرْضُ المَيِّتَةُ الحَياةَ اللّائِقَةَ بِها كَذَلِكَ الأعْضاءُ تَقْبَلُ الحَياةَ أوْ كَما أنَّ الرِّيحَ تَجْمَعُ قِطَعَ السَّحابِ كَذَلِكَ يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى أجْزاءَ الأعْضاءِ وأبْعاضَ المَوْتى، أوْ كَما يَسُوقُ سُبْحانَهُ الحِسابَ إلى البَلَدِ المَيِّتِ يَسُوقُ عَزَّ وجَلَّ الرُّوحَ والحَياةَ إلى البَدَنِ، وقالَ بَعْضُهُمُ: التَّشْبِيهُ بِاعْتِبارِ الكَيْفِيَّةِ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: يَقُومُ مَلَكٌ بِالصُّورِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَلا يَبْقى خَلْقٌ لِلَّهِ في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى إلّا ماتَ ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ تَعالى مِن تَحْتِ العَرْشِ ماءً كَمَنِيِّ الرِّجالِ فَتَنْبُتُ أجْسامُهم مِن ذَلِكَ الماءِ، وقَرَأ الآيَةَ، ثُمَّ يَقُومُ مَلَكٌ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَتَنْطَلِقُ كُلُّ نَفْسٍ إلى جَسَدِها.

وفي حَدِيثِ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا «يُنْزِلُ اللَّهُ تَعالى مَطَرًا كَأنَّهُ الطَّلُّ فَيُنْبِتُ أجْسادَ النّاسِ».

ونَباتُ الأجْسادِ مِن عَجَبِ الذَّنْبِ عَلى ما ورَدَ في الآثارِ وقَدْ جاءَ أنَّهُ لا يَبْلى، وهو العَظَمُ الَّذِي في أسْفَلِ الصُّلْبِ عِنْدَ العَجُزِ، وقالَ أبُو زَيْدٍ الوَقْواقِيُّ: هو جَوْهَرُ فَرْدٍ يَبْقى مِن هَذِهِ النَّشْأةِ لا يَتَغَيَّرُ، ولا حاجَةَ إلى اِلْتِزامِ أنَّهُ جَوْهَرُ فَرْدٍ.

ووَراءَ ذَلِكَ أقْوالٌ عَجِيبَةٌ في هَذا العَجَبِ، فَقِيلَ: هو العَقْلُ الهَيُولانِيُّ، وقِيلَ: بَلِ الهَيُولِيُّ، وعَنِ الغَزالِيِّ: إنَّما هو النَّفْسُ وعَلَيْها تَنْشَأُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ، وعَنِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ: أنَّهُ العَيْنُ الثّابِتُ مِنَ الإنْسانِ، وعَنْ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ: أنَّهُ الأجْزاءُ الأصْلِيَّةُ، وقالَ المُلّا صَدْرا الشِّيرازِيُّ في أسْفارِهِ: هو عِنْدَنا القُوَّةُ الخَيالِيَّةُ لِأنَّها آخِرُ الأكْوانِ الحاصِلَةِ في الإنْسانِ مِنَ القُوى الطَّبِيعِيَّةِ والحَيَوانِيَّةِ والنَّباتِيَّةِ المُتَعاقِبَةِ في الحُدُوثِ لِلْمادَّةِ الإنْسانِيَّةِ في هَذا العالَمِ، وهي أوَّلُ الأكْوانِ الحاصِلَةِ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِما بَيَّنَ، وإنَّهُ لَأضْعَفُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ وأوْهَنُ.

والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما يُوافِقُ فَهْمَ أهْلِ اللِّسانِ، وأيُّ حاجَةٍ إلى التَّأْوِيلِ بَعْدَ التَّصْدِيقِ بِقُدْرَةِ المَلِكِ الدَّيّانِ جَلَّ شَأْنُهُ وعَظُمَ سُلْطانُهُ.

<div class="verse-tafsir"

مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ ۚ وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ۖ وَمَكْرُ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ ١٠

﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ ﴾ الشَّرَفَ والمَنَعَةَ مِن قَوْلِهِمْ أرْضٌ عِزازٌ أيْ صُلْبَةٌ وتَعْرِيفُها لِلْجِنْسِ، والآيَةُ في الكافِرِينَ كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِالأصْنامِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا  ﴾ واَلَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ مِن غَيْرِ مُواطَأةِ قُلُوبِهِمْ كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِالمُشْرِكِينَ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ  ﴾ و(مَن) اِسْمُ شَرْطٍ وما بَعْدَهُ فِعْلُ الشَّرْطِ، والجَمْعُ بَيْنَ كانَ ويُرِيدُ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ الإرادَةِ واسْتِمْرارِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا ﴾ دَلِيلُ الجَوابِ ولا يَصِحُّ جَعْلُهُ جَوابًا مِن حَيْثُ الصِّناعَةِ لِخُلُوِّهِ عَنْ ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى مَن، وقَدْ قالُوا: لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في جُمْلَةِ الجَوابِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اِسْمِ الشَّرْطِ إذا لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا، والتَّقْدِيرُ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلْيَطْلُبْها مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلِلَّهِ وحْدِهِ لا لِغَيْرِهِ العِزَّةُ، فَهو سُبْحانُهُ يَتَصَرَّفُ فِيها كَما يُرِيدُ فَوُضِعَ السَّبَبُ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ لِأنَّ الطَّلَبَ مِمَّنْ هي لَهُ وفي مُلْكِهِ جَمِيعِها مُسَبَّبٌ عَنْهُ، وتَعْرِيفُ العِزَّةِ لِلِاسْتِغْراقِ بِقَرِينَةِ ﴿ جَمِيعًا ﴾ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ، والمُرادُ عَزَّةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ لِلِاخْتِصاصِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.

ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ لِأنَّ ما لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ العِزَّةُ بِالذّاتِ ولِلرَّسُولِ  العِزَّةُ بِواسِطَةِ قُرْبِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وما لِلْمُؤْمِنِينَ العِزَّةُ بِواسِطَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَأنَّهُ لِلْإشارَةِ إلى ذَلِكَ أُعِيدَ الجارُّ.

وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ الجَوابَ فَلْيُطِعِ اللَّهَ تَعالى، وأُيِّدَ بِما رَواهُ أنَسٌ كَما في (مَجْمَعِ البَيانِ) عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: ««إنَّ رَبَّكم يَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ أنا العَزِيزُ فَمَن أرادَ عِزَّ الدّارَيْنِ فَلْيُطِعِ العَزِيزَ»».

ومَن قَدَّرَ فَلْيَطْلُبْها مِنَ اللَّهِ تَعالى قالَ: إنَّ الطَّلَبَ مِنهُ تَعالى إنَّما يَكُونُ بِالطّاعَةِ والِانْقِيادِ.

وعَنِ الفَرّاءِ المَعْنى مَن كانَ يُرِيدُ عِلْمَ العِزَّةِ أيِ القُدْرَةِ عَلى القَهْرِ لِمَن هي فَلْيَنْسُبْها إلى اللَّهِ تَعالى فَهي لَهُ تَعالى وحْدَهُ، وقِيلَ: المَعْنى مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ أيِ الغَلَبَةَ فَهو مَغْلُوبٌ لِأنَّ الغَلَبَةَ لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ ولا تَتِمُّ إلّا بِهِ عَزَّ وجَلَّ ونُسِبَ هَذا إلى مُجاهِدٍ، وقِيلَ: تَعْرِيفُ العِزَّةِ الأُولى لِلِاسْتِغْراقِ أيْضًا أوْ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ الفَرْدُ الكامِلُ، والمَعْنى مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ جَمِيعَها أوِ الفَرْدَ الكامِلَ مِنها وهي العِزَّةُ الَّتِي لا يَشُوبُها ذِلَّةٌ مِن وجْهٍ، فَهو لا يَنالُها فَإنَّها لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ، وهَذا القَوْلُ أحْسَنُ مِنَ القَوْلَيْنِ قَبْلَهُ، وأظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي الأوَّلُ وهو مَنسُوبٌ إلى قَتادَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾ إلى آخِرِهِ كالبَيانِ لِطَرِيقِ تَحْصِيلِ العِزَّةِ وسُلُوكِ السَّبِيلِ إلى نَيْلِها وهو الطّاعَةُ القَوْلِيَّةُ والفِعْلِيَّةُ، وقِيلَ: بَيانٌ لِكَوْنِ العِزَّةِ كُلِّها لِلَّهِ تَعالى وبِيَدِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّها بِالطّاعَةِ وهي لا يُعْتَدُّ بِها ما لَمْ تُقْبَلْ، وقِيلَ: اِسْتِئْنافُ كَلامٍ، وعَلى الأوَّلِ المُعَوَّلُ.

و ﴿ الكَلِمُ ﴾ اِسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ عِنْدَ جَمْعٍ واحِدُهُ كَلِمَةٌ، والمُرادُ بِالكَلِمِ الطَّيِّبِ عَلى ما في الكَشّافِ والبَحْرِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ومَعْنى كَوْنِهِ طَيِّبًا عَلى ما قِيلَ إنَّ العَقْلَ السَّلِيمَ يَسْتَطِيبُهُ ويَسْتَلِذُّهُ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّوْحِيدِ الَّذِي هو مَدارُ النَّجاةِ والوَسِيلَةُ إلى النَّعِيمِ المُقِيمِ أوْ يَسْتَلِذُّهُ الشَّرْعُ أوِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّهُ حَسَنٌ يَقْبَلْهُ العَقْلُ ولا يَرُدُّهُ، وإطْلاقُ الكَلِمِ عَلى ذَلِكَ إنْ كانَ واحِدُهُ الكَلِمَةَ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ ظاهِرٌ لِتَضَمُّنِهِ عِدَّةَ كَلِماتٍ لَكِنْ في وصْفِهِ بِالطَّيِّبِ بِالنَّظَرِ إلى غَيْرِ الِاسْمِ الجَلِيلِ خَفاءٌ، ولَعَلَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ خُصُوصِيَّةِ التَّرْكِيبِ، وإنْ كانَ واحِدُهُ هُنا الكَلِمَةَ بِالمَعْنى المَجازِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ  ﴾ و ﴿ كَلا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها  ﴾ وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لُبَيْدٍ»» وقَوْلِهِمْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، إلى ما لا يُحْصى كَثْرَةً.

فَإطْلاقُ الكَلِمِ عَلى ذَلِكَ لِتَعَدُّدِهِ بِتَعَدُّدِ القائِلِ: وكَأنَّ القَرِينَةَ عَلى إرادَةِ المَعْنى المَجازِيِّ لِلْكَلِمَةِ الصّادِقِ عَلى الكَلامِ الوَصْفُ بِالطَّيِّبِ بِناءً عَلى أنَّ ما يُسْتَطْيَبُ ويُسْتَلَذُّ هو الكَلامُ دُونَ الكَلِمَةِ العارِيَةِ عَنْ إفادَةِ حُكْمٍ تَنْبَسِطُ مِنهُ النَّفْسُ أوْ تَنْقَبِضُ، أوْ يُقالُ: إنَّ كَثْرَةَ إطْلاقِ الكَلِمَةِ عَلى الكَلامِ وشُيُوعَهُ فِيما بَيْنَهم حَتّى قالَ بَعْضُهم كَمْ نَقَلَ الحِمَّصِيُّ في حَواشِي التَّصْرِيحِ عَنْ بَعْضِ شُرّاحِ الأجُرُّومِيَّةِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ تُغْنِي عَنِ القَرِينَةِ.

وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ فَسَّرَ الكَلِمَ الطَّيِّبَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: هو سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واَللَّهُ أكْبَرُ، وهو ظاهِرُ أثَرٍ أخْرَجَهُ اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ.

وقِيلَ: هو سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واَللَّهُ أكْبَرُ وتَبارَكَ اللَّهُ، وهو ظاهِرُ أثَرٍ أخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ، وأخْرَجَهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّهُ القُرْآنُ، وقِيلَ: هو الثَّناءُ بِالخَيْرِ عَلى صالِحِي المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو الدُّعاءُ الَّذِي لا ظُلْمَ فِيهِ، وقالَ الإمامُ وبِهِ أقْتَدِي: المُخْتارُ أنَّهُ كُلُّ كَلامٍ هو ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى أوْ هو لِلَّهِ سُبْحانَهُ كالنَّصِيحَةِ والعِلْمِ، وأمّا ما أفادَهُ كَلامُ المُلّا صَدْرا في أسْفارِهِ مِن أنَّهُ النُّفُوسُ الطّاهِرَةُ الزَّكِيَّةُ فَإنَّهُ تُطْلَقُ الكَلِمَةُ عَلى النَّفْسِ إذا كانَتْ كَذَلِكَ كَما قالَ تَعالى في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ  ﴾ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ في عِدادِ أقْوالِ المُفَسِّرِينَ كَما لا يَخْفى.

وصُعُودُ الكَلِمِ إلَيْهِ تَعالى مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْ قَبُولِهِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ واسْتِعارَةٌ بِتَشْبِيهِ القَبُولِ بِالصُّعُودِ، وجُوِّزَ أنْ يُجْعَلَ الكَلِمُ مَجازًا عَمّا كُتِبَ فِيهِ بِعَلاقَةِ الحُلُولِ، أوْ يُقَدَّرُ مُضافٌ أيْ إلَيْهِ يَصْعَدُ صَحِيفَةُ الكَلِمِ الطَّيِّبِ، أوْ يُشَبَّهُ وُجُودُهُ الخارِجِيُّ هُنا ثُمَّ الكِتابِيُّ في السَّماءِ بِالصُّعُودِ ثُمَّ يُطْلَقُ المُشَبَّهُ بِهِ عَلى المُشَبَّهِ، ويُشْتَقُّ مِنهُ الفِعْلُ عَلى ما هو المَعْرُوفُ في الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِنَ اِعْتِبارِ حَقِيقَةِ الصُّعُودِ لِلْكَلِمِ فَلِلَّهِ تَعالى تَجْسِيدُ المَعانِي، وكَوْنُ الصُّعُودِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ المُتَشابِهِ والكَلامُ فِيهِ شَهِيرٌ، والكَلامُ بَعْدَ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ قَبُولِهِ والِاعْتِناءِ بِشَأْنِ صاحِبِهِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِإفادَةِ الحَصْرِ.

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والسُّلْمِيُّ وإبْراهِيمُ «يُصْعِدُ» مِن أصْعَدَ «اَلْكَلامَ الطَّيِّبَ» بِالنَّصْبِ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ الضَّحّاكُ «يُصْعِدُ» بِضَمِّ الياءِ ولَمْ يَذْكُرْ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ولا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ولا إعْرابَ ما بَعْدَهُ، وفي الكَشّافِ وقُرِئَ «إلَيْهِ يُصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ و«إلَيْهِ يُصْعِدُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ» مِن أصْعَدَ والمُصْعِدُ هو الرَّجُلُ أيْ يُصْعِدُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الكَلِمَ الطَّيِّبَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿ إلَيْهِ يَصْعَدُ ﴾ مِن صَعِدَ الكَلامُ بِالرَّفْعِ.

﴿ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ عَلى المَشْهُورِ، واخْتُلِفَ في فاعِلِ (يَرْفَعُ) فَقِيلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، وضَمِيرُ النَّصْبِ يَعُودُ عَلى ﴿ الكَلِمُ ﴾ أيْ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَلى ما أخْرَجَهُ عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وغَيْرُهُ.

وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في (اَلْأسْماءِ والصِّفاتِ) عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَ العَمَلُ الصّالِحَ بِأداءِ الفَرائِضِ ثُمَّ قالَ: فَمَن ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى وأدّى فَرائِضَهُ حَمَلَ عَمَلُهُ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى فَصَعِدَ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، ومَن ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى ولَمْ يُؤَدِّ فَرائِضَهُ رُدَّ كَلامُهُ عَلى عَمَلِهِ وكانَ عَمَلُهُ أوْلى بِهِ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ اِبْنُ عَطِيَّةَ فَقالَ: هَذا قَوْلٌ يَرُدُّ مُعْتَقَدَ أهْلِ السُّنَّةِ ولا يَصِحُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، والحَقُّ أنَّ العاصِيَ بِتَرْكِ فَرائِضِهِ إذا ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى وقالَ كَلامًا طَيِّبًا كُتِبَ لَهُ ذَلِكَ وتُقُبِّلَ مِنهُ، وعَلَيْهِ وِزْرُ تَرْكِ الفَرائِضِ، واَللَّهُ تَعالى يَتَقَبَّلُ مِن كُلِّ مَنِ اِتَّقى الشِّرْكَ، اِنْتَهى.

ولَعَلَّ المُرادَ بِرَفْعِ العَمَلِ الصّالِحِ الكَلِمَ الطَّيِّبَ رَفْعُ قَدْرِهِ وجَعْلُهُ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوابِ ما لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ إذا كانَ بِلا عَمَلٍ، وحَدِيثُ «لا يَقْبَلُ اللَّهُ قَوْلًا إلّا بِعَمَلٍ، ولا يَقْبَلُ قَوْلًا وعَمَلًا إلّا بِنِيَّةٍ، ولا يَقْبَلُ قَوْلًا وعَمَلًا ونِيَّةً إلّا بِإصابَةِ السُّنَّةِ،» المَذْكُورُ في الكَشّافِ لا أظُنُّ صِحَّتَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ لَوْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ فالمُرادُ نَفْيُ القَبُولِ التّامِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِرَفْعِهِ إيّاهُ تَحْقِيقَهُ وتَقْوِيَتَهُ وذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّ الكَلامَ الطَّيِّبَ هو الإيمانُ، فَإنَّهُ لا شَكَّ أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يُثْبِتُ الإيمانَ ويُحَقِّقُهُ بِإظْهارِ آثارِهِ إذْ بِهِ يُعْلَمُ التَّصْدِيقُ القَلْبِيُّ، وقِيلَ: الفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الكَلِمِ الطَّيِّبِ وضَمِيرُ النَّصْبِ يَعُودُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، أيْ يَرْفَعُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ العَمَلَ الصّالِحَ.

ونَسَبَ أبُو حَيّانَ هَذا القَوْلَ إلى أبِي صالِحٍ وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ عِيسى وابْنِ أبِي عَبْلَةَ «والعَمَلَ الصّالِحَ» بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ، وفِيهِ بَحْثٌ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ ضَمِيرِ ﴿ الكَلِمُ ﴾ لِلْفاعِلِيَّةِ عَلَيْها، ومَعْنى رَفْعِ الكَلِمِ الطَّيِّبِ العَمَلَ الصّالِحَ قِيلَ إنَّ يَزِيدُهُ بَهْجَةً وحُسْنًا.

ومَن فَسَّرَ الكَلِمَ الطَّيِّبَ بِالتَّوْحِيدِ قالَ: مَعْنى ذَلِكَ جَعْلُهُ مَقْبُولًا فَإنَّ العَمَلَ لا يُقْبَلُ إلّا بِالتَّوْحِيدِ، وقِيلَ: الفاعِلُ ضَمِيرُهُ تَعالى وضَمِيرُ النَّصْبِ يَعُودُ عَلى العَمَلِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ اِبْنُ المُبارَكِ عَنْ قَتادَةَ، أيْ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ اللَّهُ تَعالى ويَقْبَلُهُ، قالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: هَذا أرْجَحُ الأقْوالِ عِنْدِي، وقِيلَ: ضَمِيرُ الفاعِلِ يَعُودُ عَلى العَمَلِ، وكَذا الضَّمِيرُ المَنصُوبُ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُ عامِلَهُ ويُشَرِّفُهُ، ونَسَبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ إلى اِبْنِ عَبّاسٍ ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ( العَمَلُ ) مَعْطُوفًا عَلى ﴿ الكَلِمُ ﴾ ويَرْفَعُهُ اِسْتِئْنافُ إخْبارٍ، أيْ يَرْفَعُهُما اللَّهُ تَعالى، ووَحَّدَ الضَّمِيرَ لِاشْتِراكِهِما في الصُّعُودِ، والضَّمِيرُ قَدْ يَجْرِي مَجْرى اِسْمِ الإشارَةِ فَيَكُونُ لَفْظُهُ مُفْرَدًا والمُرادُ بِهِ التَّثْنِيَةُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ صُعُودُهُما مِن ذاتِهِما بَلْ ذَلِكَ بِرَفْعِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُما اه، وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، ومِثْلُهُ ما نَسَبَهُ إلى اِبْنِ عَبّاسٍ، وأنا لا أظُنُّ صِحَّةَ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ، وعَلى التَّسْلِيمِ يُحْتَمَلُ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أرادَ بِقَوْلِهِ العَمَلَ الصّالِحَ يَرْفَعُ عامِلَهُ ويُشَرِّفُهُ بَيانَ ما تُشِيرُ إلَيْهِ الآيَةُ في الجُمْلَةِ.

واَلَّذِي يَتَبادَرُ إلى ذِهْنِي مِنَ الآيَةِ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ واخْتارَهُ اِبْنُ عَطِيَّةَ.

وتَخْصِيصُ العَمَلِ الصّالِحِ بِرَفْعِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عَلى ذَلِكَ قِيلَ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ والمَشَقَّةِ إذْ هو الجِهادُ الأكْبَرُ، وظاهِرُ هَذا أنَّ العَمَلَ أشْرَفُ مِنَ الكَلامِ ولا كَلامَ في ذَلِكَ إذا أُرِيدَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ ما يَشْمَلُ العَمَلَ القَلْبِيَّ كالتَّصْدِيقِ، ولَعَلَّ الكَلامَ عَلَيْهِ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا  ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ  ﴾ وكَلامُ الإمامِ صَرِيحٌ في أنَّ الكَلِمَ الطَّيِّبَ المُفَسَّرَ بِالذِّكْرِ أشْرَفُ مِنَ العَمَلِ حَيْثُ جَعَلَ صُعُودُ الكَلِمَ بِنَفْسِهِ دَلِيلَ تَرْجِيحِهِ عَلى العَمَلِ الَّذِي يَرْفَعُهُ غَيْرُهُ، وقالَ في وجْهِ ذَلِكَ: الكَلامُ شَرِيفٌ فَإنَّ اِمْتِيازَ الإنْسانِ عَنْ كُلِّ حَيَوانٍ بِالنُّطْقِ والعَمَلِ حَرَكَةً وسُكُونًا يَشْتَرِكُ فِيهِ الإنْسانُ وغَيْرُهُ، والشَّرِيفُ إذا وصَلَ إلى بابِ المَلِكِ لا يُمْنَعُ ومَن دُونَهُ لا يَجِدُ الطَّرِيقَ إلّا عِنْدَ الطَّلَبِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ الكافِرَ إذا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ أمِنَ مِن عَذابِ الدّارَيْنِ إنْ كانَ ذَلِكَ عَنْ صِدْقٍ، وأمِنَ في نَفْسِهِ ودَمِهِ وحَرَمِهِ في الدُّنْيا إنْ كانَ ظاهِرًا ولا كَذَلِكَ العَمَلُ بِالجَوارِحِ، وأيْضًا أنَّ القَلْبَ هو الأصْلُ وما فِيهِ لا يَظْهَرُ إلّا بِاللِّسانِ وما في اللِّسانِ لا يَبِينُ صِدْقُهُ إلّا بِالفِعْلِ، فالقَوْلُ أقْرَبُ إلى القَلْبِ مِنَ الفِعْلِ فَيَكُونُ أشْرَفَ مِنهُ، اه، وفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ فَتَدَبَّرْ.

﴿ والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ ﴾ أيِ المَكَراتِ السَّيِّئاتِ أوْ أصْنافَ المَكَراتِ السَّيِّئاتِ عَلى أنَّ ( السَّيِّئاتِ ) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ ولَيْسَ مَفْعُولًا بِهِ لِ يَمْكُرُونَ لِأنَّ مَكَرَ لازِمٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا عَلى تَضْمِينِ يَقْصِدُونَ أوْ يَكْسِبُونَ، وعَلى الأوَّلِ فِيهِ مُبالَغَةٌ لِلْوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلى قَصْدِ المَكْرِ أوْ هو إشارَةٌ إلى عَدَمِ تَأْثِيرِ مَكْرِهِمْ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ خَبَرُهُ، أيْ لَهم بِسَبَبِ مَكْرِهِمْ عَذابٌ شَدِيدٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُعْبَأُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ بِما يَمْكُرُونَ.

والآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ في الَّذِينَ مَكَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ  في دارِ النَّدْوَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ  ﴾ والمُضارِعُ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، ووَضْعُ اِسْمِ الإشارَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ومَكْرُ أُولَئِكَ ﴾ لِلْإيذانِ بِكَمالِ تَمَيُّزِهِمْ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ والفَسادِ عَنْ سائِرِ المُفْسِدِينَ واشْتِهارِهِمْ بِذَلِكَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَرامِي أمْرِهِمْ في الطُّغْيانِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في العُدْوانِ أيْ ومَكْرُ أُولَئِكَ المُفْسِدِينَ المَشْهُورِينَ ﴿ هُوَ يَبُورُ ﴾ أيْ يَفْسُدُ، وأصْلُ البَوارِ فَرْطُ الكَسادِ أوِ الهَلاكِ، فاسْتُعِيرَ هُنا لِلْفَسادِ عَدَمُ التَّأْثِيرِ لِأنَّ فَرْطَ الكَسادِ يُؤَدِّي إلى الفَسادِ كَما قِيلَ كَسَدَ حَتّى فَسَدَ، أوْ لِأنَّ الكاسِدَ يَكْسُدُ في الغالِبِ لِفَسادِهِ ولِأنَّ الهالِكَ فاسِدٌ لا أثَرَ لَهُ.

﴿ ومَكْرُ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿ هُوَ يَبُورُ ﴾ وتَقْدِيمُ الضَّمِيرِ لِلتَّقْوى أوِ الِاخْتِصاصِ، أيْ مَكْرُهم هو يَفْسُدُ خاصَّةً لا مَكْرُنا بِهِمْ، وأجازَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ كَوْنَ الخَبَرِ جُمْلَةَ ﴿ يَبُورُ ﴾ وهو ضَمِيرُ فَصْلٍ.

وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ لا يَكُونُ ما بَعْدَهُ فِعْلًا ولَمْ يَذْهَبْ إلى ذَلِكَ أحَدٌ فِيما عَلِمْنا إلّا عَبْدُ القاهِرِ الجُرْجانِيُّ في شَرْحِ الإيضاحِ لَهُ فَإنَّهُ أجازَ في كانَ زَيْدٌ هو يَقُومُ أنْ يَكُونَ هو فَصْلًا، ورُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أيْضًا كَوْنَ ( هو ) تَأْكِيدًا لِلْمُبْتَدَأِ، والظّاهِرُ ما قَدَّمْناهُ، وقَدْ أبارَ اللَّهُ تَعالى أُولَئِكَ الماكِرِينَ بَعْدَ إبارَةِ مَكْرِهِمْ حَيْثُ أخْرَجَهم مِن مَكَّةَ وقَتَلَهم وأثْبَتَهم في قَلِيبِ بَدْرٍ فَجَمَعَ عَلَيْهِمْ مَكَراتِهِمْ الثَّلاثَ الَّتِي اِكْتَفَوْا في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِواحِدَةٍ مِنهُنَّ وحَقَّقَ عَزَّ وجَلَّ فِيهِمْ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ  ﴾ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأهْلِهِ  ﴾ .

ووَجْهُ اِرْتِباطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلى ما ذَكَرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّها بَيانٌ لِحالِ الكَلِمِ الخَبِيثِ والعَمَلِ السَّيِّئِ وأهْلِهِما بَعْدَ بَيانِ حالِ الكَلِمِ الطَّيِّبِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

وقالَ في الكَشْفِ: كَأنَّهُ لَمّا حَصَرَ سُبْحانَهُ العِزَّةَ وخَصَّها بِهِ تَعالى يُعْطِيها مَن يَشاءُ وأرْشَدَ إلى نَيْلِ ما بِهِ يُنالُ ذَلِكَ المَطْلُوبُ ذَكَرَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ حالَ مَن أرادَ العِزَّةَ مِن عِنْدِ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وأخَذَ في إهانَةِ مَن أعَزَّهُ اللَّهُ تَعالى فَوْقَ السِّماكَيْنِ قَدْرًا وما رَجَعَ إلَيْهِمْ مِن وبالِ ذَلِكَ كالِاسْتِشْهادِ لِتِلْكَ الدَّعْوى وهو خُلاصَةُ ما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ في وجْهِ الِانْتِظامِ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّ الآيَةَ في أصْحابِ الرِّياءِ وهي مُتَّصِلَةٌ بِما عِنْدَها عَلى ما رُوِيَ عَنْ شَهْرٍ حَيْثُ قالَ: ﴿ والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ ﴾ أيْ يُراؤُونَ.

﴿ ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ ﴾ هم أصْحابُ الرِّياءِ عَمَلُهم لا يَصْعَدُ، وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ الجُمْلَةَ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ والجَزاءِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ ﴾ إلخ فَيَجِبُ حِينَئِذٍ مُراعاةُ التَّطابُقِ بَيْنَ القَرِينَتَيْنِ والتَّقابُلِ بَيْنَ الفِقْرَتَيْنِ بِحَسْبِ الإمْكانِ بِأنْ يُقَدَّرَ في كُلٍّ مِنهُما ما يَحْصُلُ بِهِ التَّقابُلُ بِدَلالَةِ المَذْكُورِ في الأُولى عَلى المَتْرُوكِ في الأُخْرى وبِالعَكْسِ اه.

ولا يَخْفى بَعْدُهُ، وأيًّا ما كانَ فالمُضارِعُ لِلِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ <div class="verse-tafsir"

وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَٰجًۭا ۚ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍۢ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌۭ ١١

﴿ واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ﴾ دَلِيلٌ آخَرُ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والنُّشُورِ، أيْ خَلَقَكُمُ اِبْتِداءً مِنهُ في ضِمْنِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَلْقًا إجْمالِيًّا ﴿ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ﴾ أيْ ثُمَّ خَلَقَكم مِنها خَلْقًا تَفْصِيلِيًّا ﴿ ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا ﴾ أيْ أصْنافًا ذُكْرانًا وإناثًا، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا  ﴾ وأخْرَجَهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ، وأخْرَجَ هو وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ قَدَّرَ بَيْنَكُمُ الزَّوْجِيَّةَ وزَوَّجَ بَعْضَكم بَعْضًا.

﴿ وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ ﴾ حالٌ مِنَ الفاعِلِ ومِن زائِدَةٍ أيْ إلّا مُلْتَبِسَةً بِعِلْمِهِ تَعالى، ومَعْلُومِيَّةُ الفاعِلِ راجِعَةٌ إلى مَعْلُومِيَّةِ أحْوالِهِ مُفَصَّلَةٌ ومِنها حالُ ما حَمَلَتْهُ الأُنْثى ووَضَعَتْهُ، فَجَعْلُهُ مِن ذَلِكَ أبْلَغُ مَعْنًى وأحْسَنُ لَفْظًا مِن جَعْلِهِ مِنَ المَفْعُولِ، أعْنِي المَحْمُولَ والمَوْضُوعَ لِأنَّ المَفْعُولَ مَحْذُوفٌ مَتْرُوكٌ كَما صَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في حم السَّجْدَةِ، وجَعُلُهُ حالًا مِنَ الحَمْلِ والوَضْعِ أنْفُسَهُما خِلافُ الظّاهِرِ.

﴿ وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ﴾ أيْ مِن أحَدٍ، أيْ وما يُمَدُّ في عُمْرِ أحَدٍ وسُمِّيَ مُعَمَّرًا بِاعْتِبارِ الأوَّلِ نَحْوَ ﴿ إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا  ﴾ ومَن قَتَلَ قَتِيلًا عَلى ما ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ، وهَذا لِئَلّا يَلْزَمَ تَحْصِيلُ الحاصِلِ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ لِأنَّ ﴿ يُعَمَّرُ ﴾ مُضارِعٌ فَيَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ مُعَمَّرًا بَعْدُ ولا ضَرُورَةَ لِلْحَمْلِ عَلى الماضِي.

﴿ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى مُعَمَّرٍ آخَرَ نَظِيرِ ما قالَ اِبْنُ مالِكٍ في عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ نِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرُ، ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ اِحْتِمالُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِثْلَ نِصْفِهِ، لِأنَّهُ مِثالٌ وهو اِسْتِخْدامٌ أوْ شَبِيهٌ بِهِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الفَرّاءُ وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ، وفَسَّرُوا المُعَمَّرَ بِالمُزادِ عُمْرُهُ بِدَلِيلِ ما يُقابِلُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يُنْقَصُ ﴾ إلخ وهو الَّذِي دَعاهم إلى إرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى نَظِيرِ المَذْكُورِ دُونَ عَيْنِهِ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا يَكُونُ المَزِيدُ في عُمْرِهِ مَنقُوصًا مِن عُمْرِهِ، وقِيلَ عَلَيْهِ: هَبْ أنَّ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ مُعَمَّرٌ آخَرُ ألَيْسَ قَدْ نُسِبَ النَّقْصُ في العُمْرِ إلى مُعَمَّرٍ، وقَدْ قُلْتُمْ إنَّهُ المُزادُ عُمْرُهُ، أُجِيبَ بِأنَّ الأصْلَ وما يُعَمَّرُ مِن أحَدٍ فَسُمِّيَ مُعَمَّرًا بِاعْتِبارِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ، وعادَ الضَّمِيرُ بِاعْتِبارِ الأصْلِ المُحَوَّلِ عَنْهُ، فَمَآلُ ذَلِكَ ولا يُنْقَصُ مِن عُمْرِ أحَدٍ، أيْ ولا يُجْعَلُ مِنَ اِبْتِداءِ الأمْرِ ناقِصًا، فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِمْ ضِيقُ فَمِ الرَّكِيَّةِ، وقالَ آخَرُونَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المُعَمَّرِ الأوَّلِ بِعَيْنِهِ، والمُعَمَّرُ هو الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عُمْرًا طالَ أوْ قَصُرَ، ولا مانِعَ أنْ يَكُونَ المُعَمَّرُ ومَن يُنْقَصُ مِن عُمْرِهِ شَخْصًا واحِدًا، والمُرادُ بِنَقْصِ عُمْرِهِ ما يَمُرُّ مِنهُ ويَنْقَضِي مَثَلًا يُكْتَبُ عُمْرُهُ مِائَةُ سَنَةٍ ثُمَّ يُكْتَبُ تَحْتَهُ مَضى يَوْمٌ مَضى يَوْمانِ وهَكَذا حَتّى يَأْتِيَ الخ، ورُوِيَ هَذا عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وأبِي مالِكٍ وحَسّانَ بْنِ عَطِيَّةَ والسُّدِّيِّ، وقِيلَ بِمَعْناهُ: حَياتُكَ أنْفاسٌ تُعَدُّ فَكُلَّما مَضى نَفَسٌ مِنها اِنْتَقَصَتْ بِهِ جُزْءًا وقِيلَ الزِّيادَةُ والنَّقْصُ في عُمْرٍ واحِدٍ بِاعْتِبارِ أسْبابٍ مُخْتَلِفَةٍ أُثْبِتَتْ في اللَّوْحِ كَما ورَدَ في الخَبَرِ الصَّدَقَةُ تَزِيدُ في العُمْرِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ مُعَمَّرًا أيْ مُزادًا في عُمْرِهِ إذا عَمِلَ عَمَلًا ويُنْقَصُ مِن عُمْرِهِ إذا لَمْ يَعْمَلْهُ، وهَذا لا يَلْزَمُ مِنهُ تَغْيِيرُ التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ في تَقْدِيرِهِ تَعالى مُعَلَّقٌ أيْضًا، وإنْ كانَ ما في عِلْمِهِ تَعالى الأزَلِيِّ وقَضائِهِ المُبْرَمِ لا يَعْتَرِيهِ مَحْوٌ عَلى ما عُرِفَ عَنِ السَّلَفِ، ولِذا جازَ الدُّعاءُ بِطُولِ العُمْرِ.

وقالَ كَعْبٌ: لَوْ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ دَعا اللَّهَ تَعالى أُخِّرَ أجْلُهُ، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ قَوْلَ اِبْنِ عَطِيَّةَ: هَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ يَقْتَضِي القَوْلَ بِالأجَلَيْنِ كَما ذَهَبَتْ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِنَ العَجِيبِ قَوْلُ اِبْنِ كَمالٍ: النَّظَرُ الدَّقِيقُ يَحْكُمُ بِصِحَّةِ أنَّ المُعَمَّرَ أيِ الَّذِي قُدِّرَ لَهُ عُمْرٌ طَوِيلٌ يَجُوزُ أنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ العُمْرَ وأنْ لا يَبْلُغَ فَيَزِيدُ عُمْرُهُ عَلى الأوَّلِ ويُنْقَصُ عَلى الثّانِي، ومَعَ ذَلِكَ لا يَلْزَمُ التَّغْيِيرُ في التَّقْدِيرِ لِأنَّ المُقَدَّرَ في كُلِّ شَخْصٍ هو الأنْفاسُ المَعْدُودَةُ لا الأيّامُ المَحْدُودَةُ والأعْوامُ المَمْدُودَةُ ثُمَّ قالَ: فافْهَمْ هَذا السِّرَّ العَجِيبَ، وكَتَبَ في الهامِشِ حَتّى يَنْكَشِفَ لَكَ سِرُّ اِخْتِيارِ حَبْسِ النَّفْسِ ويَتَّضِحُ وجْهَ صِحَّةِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنَّ الصَّدَقَةَ والصِّلَةَ تُعَمِّرانِ الدِّيارَ وتَزِيدانِ في الأعْمارِ»» اه.

وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ بِأنَّهُ مِمّا لا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ عاقِلٌ ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ غَيْرُ بَعْضِ جَهَلَةِ الهُنُودِ مَعَ أنَّهُ مُخالِفٌ لِما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِن «قَوْلِ النَّبِيِّ  لِأُمِّ حَبِيبَةَ وقَدْ قالَتِ: اللَّهُمَّ أمْتِعْنِي بِزَوْجَيِ النَّبِيِّ  وبِأبِي أبِي سُفْيانَ وبِأخِي مُعاوِيَةَ، سَألَتِ اللَّهَ تَعالى لِآجالٍ مَضْرُوبَةٍ وأيّامٍ مَعْدُودَةٍ،» الحَدِيثَ.

وأطالَ الجَلَبِيُّ في رَدِّهِ وهو غَنِيٌّ عَنْهُ اه.

وقالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ أنْ لا يَبْلُغَ مَن قُدِّرَ لَهُ عُمْرٌ طَوِيلٌ ما قُدِّرَ لَهُ بِأنْ يُغَيَّرَ ما قُدِّرَ أوَّلًا بِتَقْدِيرٍ آخَرَ، ولا حَجَرَ عَلى اللَّهِ تَعالى، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَدِيثِ التَّراوِيحِ ««خَشِيتُ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ»» وقَوْلُهُ  في دُعاءِ القُنُوتِ ««وقِنِي شَرَّ ما قَضَيْتَ»» وخَوْفُهُ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى آلافُ آلافِ صَلاةٍ وسَلامٍ مِن قِيامِ السّاعَةِ إذا اِشْتَدَّتِ الرِّيحُ مَعَ إخْبارِهِ بِأنَّ بَيْنَ يَدَيْها خُرُوجَ المَهْدِيِّ والدَّجّالِ والدّابَّةِ وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَحْدُثْ بَعْدُ، وغايَةُ ما يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ تَغَيُّرُ المَعْلُومِ ولا يَلْزَمُ مِنهُ تَغَيُّرُ العِلْمِ عَلى ما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ وعَلى هَذا لا إشْكالَ في خَبَرِ ««اَلصَّدَقَةُ تَزِيدُ في العُمْرِ»».

ويَتَّضِحُ أمْرُ فائِدَةِ الدُّعاءِ، وما يُحْكى عَنْ بَعْضِهِمْ مِن نَفْيِ القَضاءِ المُبْرَمِ يَرْجِعُ إلَيْهِ، وقَدْ رَأيْتُ كُرّاسَةً لِبَعْضِ الأفاضِلِ أطالَ الكَلامَ فِيها لِتَشْيِيدِ هَذا القَوْلِ وتَثْبِيتِ أرْكانِهِ، والحَقُّ عِنْدِي أنَّ ما في العِلْمِ الأزَلِيِّ المُتَعَلِّقِ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ لا يَتَغَيَّرُ ويَجِبُ أنْ يَقَعَ كَما عُلِمَ وإلّا يَلْزَمُ الِانْقِلابُ، وما يَتَبادَرُ مِنهُ خِلافُ ذَلِكَ إذا صَحَّ مُؤَوَّلٌ.

وخَبَرُ ««اَلصَّدَقَةُ تَزِيدُ في العُمْرِ»» قِيلَ إنَّهُ خَبَرُ آحادٍ فَلا يُعارِضُ القَطْعِيّاتِ، وقِيلَ المُرادُ أنَّ الصَّدَقَةَ وكَذا غَيْرُها مِنَ الطّاعاتِ تَزِيدُ فِيما هو المَقْصُودُ الأهَمُّ مِنَ العُمْرِ وهو اِكْتِسابُ الخَيْرِ والكَمالِ والبَرَكَةِ الَّتِي بِها تُسْتَكْمَلُ النُّفُوسُ الإنْسانِيَّةُ فَتَفُوزُ بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، والدُّعاءُ حُكْمُهُ حُكْمُ سائِرِ الأسْبابِ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ والتَّحَفُّظِ مِن شِدَّةِ الحَرِّ والبَرْدِ مَثَلًا فَفائِدَتُهُ كَفائِدَتِها، وقِيلَ هو لِمُجَرَّدِ إظْهارِ الِاحْتِياجِ والعُبُودِيَّةِ، فَلْيُتَدَبَّرْ.

وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُعَمَّرِ والنَّقْصُ لِغَيْرِهِ، أيْ ولا يُنْقَصُ مِن عُمْرِ المُعَمَّرِ لِغَيْرِهِ بِأنْ يُعْطى لَهُ عُمْرٌ ناقِصٌ مِن عُمْرِهِ، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمَنقُوصِ مِن عُمْرِهِ، وهو وإنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ في حُكْمِ المَذْكُورِ كَما قِيلَ: وبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشْياءُ فَيَكُونُ عائِدًا عَلى ما عُلِمَ مِنَ السِّياقِ، أيْ ولا يُنْقَصُ مِن عُمْرِ المَنقُوصِ مِن عُمْرِهِ بِجَعْلِهِ ناقِصًا.

وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ وعِيسى «ولا يَنْقُصُ» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، وفاعِلُهُ ضَمِيرُ المُعَمَّرِ أوْ ﴿ عُمُرِهِ ﴾ ومِن زائِدَةٌ في الفاعِلِ وإنْ كانَ مُتَعَدِّيًا جازَ كَوْنُهُ ضَمِيرَ اللَّهِ تَعالى.

وقَرَأ الأعْرَجُ «مِن عُمْرِهِ» بِسُكُونِ المِيمِ.

﴿ إلا في كِتابٍ ﴾ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ صَحِيفَةُ الإنْسانِ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ الغِفارِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««يَدْخُلُ المَلَكُ عَلى النُّطْفَةِ بَعْدَ ما تَسْتَقِرُّ في الرَّحِمِ بِأرْبَعِينَ أوْ بِخَمْسٍ وأرْبَعِينَ لَيْلَةً فَيَقُولُ يا رَبِّ، أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟

أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟

فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى ويَكْتُبُ ثُمَّ يَكْتُبُ عَمَلَهُ ورِزْقَهُ وأجَلَهُ وأثَرَهُ ومُصِيبَتَهُ، ثُمَّ تُطْوى الصَّحِيفَةُ فَلا يُزادُ فِيها ولا يُنْقَصُ مِنها»».

وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يُرادَ بِهِ عِلْمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وذُكِرَ في رَبْطِ الآياتِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ﴾ إلخ مُساقٌ لِلدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ الكامِلَةِ، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى  ﴾ إلخ لِلْعِلْمِ الشّامِلِ، وقَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ﴾ إلخ لِإثْباتِ القَضاءِ والقَدَرِ، والمَعْنى وما يُعَمَّرُ مِنكم خِطابًا لِأفْرادِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وأُيِّدَ بِذَلِكَ الوَجْهِ الأوَّلِ مِن أوْجُهِ ﴿ وما يُعَمَّرُ ﴾ إلخ.

﴿ إنَّ ذَلِكَ ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ الخَلْقِ وما بَعْدَهُ مَعَ كَوْنِهِ مَحارًا لِلْعُقُولِ والأفْهامِ ﴿ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ لِاسْتِغْنائِهِ تَعالى عَنِ الأسْبابِ فَكَذَلِكَ البَعْثُ والنُّشُورُ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا يَسْتَوِى ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌۭ فُرَاتٌۭ سَآئِغٌۭ شَرَابُهُۥ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌۭ ۖ وَمِن كُلٍّۢ تَأْكُلُونَ لَحْمًۭا طَرِيًّۭا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةًۭ تَلْبَسُونَهَا ۖ وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ١٢

﴿ وما يَسْتَوِي البَحْرانِ ﴾ هَذا ﴿ عَذْبٌ ﴾ طَيِّبٌ ﴿ فُراتٌ ﴾ كاسِرُ العَطَشِ ومُزِيلُهُ، وقالَ الرّاغِبُ: الفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُقالُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ، ولَعَلَّ الوَصْفَ عَلى هَذا عَلى طُرُزِ: أسْوَدُ حالِكٌ وأصْفَرُ فاقِعٌ.

﴿ سائِغٌ شَرابُهُ ﴾ سَهْلٌ اِنْحِدارُهُ لِخُلُوِّهِ مِمّا تَعافُهُ النَّفْسُ.

وقَرَأ عِيسى «سَيِّغٌ» كَمَيِّتٍ بِالتَّشْدِيدِ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ، وقَرَأ عِيسى أيْضًا «سَيْغٌ» كَمَيْتٍ بِالتَّخْفِيفِ.

﴿ وهَذا مِلْحٌ ﴾ مُتَغَيِّرٌ طَعْمُهُ التَّغَيُّرَ المَعْرُوفَ، وقَرَأ أبُو نَهِيكَ وطَلْحَةُ «مَلِحٌ» بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ الرّازِيُّ: وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا مِن مالِحٍ لِلتَّخْفِيفِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى وُرُودِ مالِحٍ والحَقُّ وُرُودُهُ بِقِلَّةٍ، ولَيْسَ بِلُغَةٍ رَدِيئَةٍ كَما قِيلَ، وفَرَّقَ الإمامُ بَيْنَ المَلِحِ والمالِحِ بِأنَّ المَلِحَ الماءُ الَّذِي فِيهِ الطَّعْمُ المَعْرُوفُ مِن أصْلِ الخِلْقَةِ كَماءِ البَحْرِ، والمالِحَ الماءُ الَّذِي وُضِعَ فِيهِ مِلْحٌ فَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ ولا يُقالُ فِيهِ إلّا مالِحٌ ولَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَرِدْ مالِحٌ أصْلًا، وهو قَوْلٌ لَيْسَ بِالمَلِيحِ.

﴿ أُجاجٌ ﴾ شَدِيدُ المُلُوحَةِ والحَرارَةِ مِن قَوْلِهِمْ أجِيجُ النّارِ وأجَّتُها، ومِن هُنا قِيلَ هو الَّذِي يَحْرُقُ بِمُلُوحَتِهِ، وهَذا مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومِن كُلٍّ ﴾ أيْ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما ﴿ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا ﴾ أيْ غَضًّا جَدِيدًا وهو السَّمَكُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، وقِيلَ الطَّيْرُ والسَّمَكُ، واخْتارَ كَثِيرٌ الأوَّلَ، والتَّعْبِيرُ عَنِ السَّمَكِ بِاللَّحْمِ مَعَ كَوْنِهِ حَيَوانًا قِيلَ لِلتَّلْوِيحِ بِانْحِصارِ الِانْتِفاعِ بِهِ في الأكْلِ، ووَصْفُهُ بِالطَّراوَةِ لِلْإشْعارِ بِلَطافَتِهِ والتَّنْبِيهِ عَلى المُسارَعَةِ إلى أكْلِهِ لِئَلّا يَتَسارَعُ إلَيْهِ الفَسادُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ جَعْلُ كُلٍّ مِنَ البَحْرِينِ مَبْدَأ أكْلِهِ.

واسْتَدَلَّ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ بِالآيَةِ - حَيْثُ سُمِّيَ فِيها السَّمَكُ لَحْمًا - عَلى حِنْثِ مَن حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَحْمًا وأكَلَ سَمَكًا، وقالَ غَيْرُهُما: لا يَحْنَثُ لِأنَّ مَبْنى الأيْمانِ عَلى العُرْفِ، وهو فِيهِ لا يُسَمّى لَحْمًا، ولِذَلِكَ لا يَحْنَثُ مَن حَلَفَ لا يَرْكَبُ دابَّةً فَرَكِبَ كافِرًا مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّاهُ دابَّةً في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ ولا يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يُرادَ بِ ﴿ لَحْمًا ﴾ لَحْمُ السَّمَكِ ودَعْوى التَّلْوِيحِ بِانْحِصارِ الِانْتِفاعِ بِالسَّمَكِ في الأكْلِ لا أظُنُّها تامَّةً.

﴿ وتَسْتَخْرِجُونَ ﴾ ظاهِرُهُ ومِن كُلٍّ تَسْتَخْرِجُونَ ﴿ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ﴾ والحِلْيَةُ الَّتِي تُسْتَخْرَجُ مِنَ البَحْرِ المِلْحِ اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ ويَلْبَسُ ذَلِكَ الرِّجالُ والنِّساءُ وإنِ اِخْتَلَفَتْ كَيْفِيَّةُ اللُّبْسِ، أوْ يُقالُ: عَبَّرَ عَنْ لُبْسِ نِسائِهِمْ بِلُبْسِهِمْ لِكَوْنِهِنَّ مِنهم أوْ لِكَوْنِ لُبْسِهِنَّ لِأجْلِهِمْ، ولا نَعْلَمُ حِلْيَةً تُسْتَخْرَجُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ، ولا يَظْهَرُ هُنا اِعْتِبارُ إسْنادِ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ كَما اُعْتُبِرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ  ﴾ وكَوْنُ بَعْضِ الصُّخُورِ الَّتِي في مَجارِي السُّيُولِ قَدْ تُكْسَرُ فَيُوجَدُ فِيها ماسٌ وهو حِلْيَةٌ تُلْبَسُ إنْ صَحَّ لا يَنْفَعُ اِعْتِبارُهُ هُنا، إذْ لَيْسَ فِيهِ اِسْتِخْراجُ الحِلْيَةِ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ ظاهِرًا، وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الحِلْيَةُ المُسْتَخْرَجَةُ مِن ذَلِكَ عِظامَ السَّمَكِ الَّتِي يُصْنَعُ مِنها قَبَضاتٌ لِلسُّيُوفِ والخَناجِرِ مَثَلًا فَتُحْمَلُ ويُتَحَلّى بِها، وفِيهِ ما فِيهِ لا سِيَّما إذا كانَتِ الحِلْيَةُ كالحُلِيِّ ما يَتَزَيَّنُ بِهِ مِن مَصْنُوعِ المَعْدِنِيّاتِ أوِ الحِجارَةِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: لا مانِعَ مِن أنْ يَخْرُجَ اللُّؤْلُؤُ مِنَ المِياهِ العَذْبَةِ وإنْ لَمْ نَرَهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ.

وذَهَبَ بَعْضُ الأجِلَّةِ لِلْخَلاصِ مِنَ القِيلِ والقالِ أنَّ المُرادَ وتَسْتَخْرِجُونَ مِنَ البَحْرِ المِلْحِ خاصَّةً حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ويُشْعِرُ بِهِ كَلامُ السُّدِّيِّ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ اِسْتِطْرادٌ في صِفَةِ البَحْرَيْنِ وما فِيهِما مِنَ النِّعَمِ والمَنافِعِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَتْمِيمٌ وتَكْمِيلٌ لِلتَّمْثِيلِ لِتَفْضِيلِ المُشَبَّهِ بِهِ عَلى المُشَبَّهِ، ولَيْسَ مِن تَرْشِيحِ الِاسْتِعارَةِ كَما زَعَمَ الطِّيبِيُّ في شَيْءٍ، بَلْ إنَّما هو اِسْتِدْراكٌ لِدَعْوى الِاشْتِراكِ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ المُشَبَّهُ أقْوى، وهَذا الِاسْتِدْراكُ مَخْصُوصٌ بِالمِلْحِ، وإيضاحُهُ أنَّهُ شَبَّهَ المُؤْمِنَ والكافِرَ بِالبَحْرَيْنِ ثُمَّ فَضَّلَ الأُجاجَ عَلى الكافِرِ بِأنَّهُ قَدْ شارَكَ الفُراتَ في مَنافِعَ، والكافِرُ يَخْلُو مِنَ النَّفْعِ فَهو عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً  ﴾ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِنَ خَشْيَةِ اللَّهِ  ﴾ .

والثّالِثُ: أنَّهُ مِن تَتِمَّةِ التَّمْثِيلِ عَلى مَعْنى أنَّ البَحْرَيْنِ وإنِ اِشْتَرَكا في بَعْضِ الفَوائِدِ تَفاوَتا فِيما هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ لِأنَّ أحَدَهُما خالَطَهُ ما لَمْ يُبْقِهِ عَلى صَفاءِ فِطْرَتِهِ كَذَلِكَ المُؤْمِنُ والكافِرُ، وإنِ اِتَّفَقَ اِتِّفاقُهُما في بَعْضِ المَكارِمِ كالشَّجاعَةِ والسَّخاوَةِ مُتَفاوِتانِ فِيما هو الأصْلُ لِبَقاءِ أحَدِهِما عَلى الفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ دُونَ الآخَرِ، فَجُمْلَةُ ﴿ ومِن كُلٍّ ﴾ إلخ حالِيَّةٌ.

وعِنْدِي خَيْرُ الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ أوْسَطُها، وعَلى كُلٍّ يَحْصُلُ الجَوابُ عَمّا قِيلَ كَيْفَ يُناسِبُ ذِكْرُ مَنافِعِ البَحْرِ المِلْحِ وقَدْ شُبِّهَ بِهِ الكافِرُ؟

وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وما يَسْتَوِي البَحْرانِ ﴾ إلخ لِبَيانِ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ كُلُّ عاقِلٍ عَلى أنَّهُ مِمّا لا مَدْخَلَ لِصَنَمٍ فِيهِ.

وقالَ الإمامُ: الأظْهَرُ أنَّهُ دَلِيلٌ لِكَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وما ذَكَرْنا أوَّلًا مِن أنَّهُ تَمْثِيلٌ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ هو المَشْهُورُ رِوايَةً ودِرايَةً وفِيهِ مِن مَحاسِنِ البَلاغَةِ ما فِيهِ.

﴿ وتَرى الفُلْكَ ﴾ السُّفُنَ ﴿ فِيهِ ﴾ أيْ في كُلٍّ مِنهُما، وانْظُرْ هَلْ يَحْسُنُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِلْبَحْرِ المِلْحِ لِانْسِياقِ الذِّهْنِ إلَيْهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ﴾ بِناءً عَلى أنَّ المَعْرُوفَ اِسْتِخْراجُها مِنهُ خاصَّةً، وأمْرُ الفُلْكِ فِيهِ أعْظَمُ مِن أمْرِها في البَحْرِ العَذْبِ، ولِذا اِقْتَصَرَ عَلى رُؤْيَةِ الفُلْكِ فِيهِ عَلى الحالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى، وأُفْرِدَ ضَمِيرُ الخِطابِ مَعَ جَمْعِهِ فِيما سَبَقَ وما لَحِقَ، لِأنَّ الخِطابَ لِكُلِّ أحَدٍ تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ دُونَ المُنْتَفِعِينَ بِالبَحْرَيْنِ فَقَطْ.

﴿ مَواخِرَ ﴾ شَواقَّ لِلْماءِ يُجْرِيها مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً بِرِيحٍ واحِدَةٍ فالمَخْرُ الشِّقُّ، قالَ الرّاغِبُ: يُقالُ مَخَرَتُ السَّفِينَةُ مَخْرًا ومُخُورًا إذا شَقَّتِ الماءَ بِجُؤْجُئِها، وفي الكَشّافِ يُقالُ: مَخَرَتِ السَّفِينَةُ الماءَ، ويُقالُ لِلسَّحابِ بَناتُ مَخْرٍ لِأنَّها تَمْخُرُ الهَواءَ، والسَّفْنُ الَّذِي اُشْتُقَّتْ مِنهُ السَّفِينَةُ قَرِيبٌ مِنَ المَخْرِ لِأنَّها تَسْفِنُ الماءَ كَأنَّها تُقَشِّرُهُ كَما تَمْخُرُهُ، وقِيلَ المَخْرُ صَوْتُ جَرْيِ الفُلْكِ، وجاءَ في سُورَةِ: ﴿ وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ  ﴾ بِتَقْدِيمِ ﴿ مَواخِرَ ﴾ وتَأْخِيرِ ( فِيهِ ) وعُكِسَ هاهُنا فَقِيلَ في وجْهِهِ لِأنَّهُ عُلِّقَ ( فِيهِ ) هُنا بِ تَرى وثَمَّتْ بِمَواخِرَ، ولا يَحْسِمُ مادَّةَ السُّؤالِ.

واَلَّذِي يَظْهَرُ لِي في ذَلِكَ أنَّ آيَةَ النَّحْلِ سِيقَتْ لِتَعْدادِ النِّعَمِ كَما يُؤْذِنُ بِذاكَ سَوابِقُها ولَواحِقُها، وتَعْقِيبُ الآياتِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها  ﴾ فَكانَ الأهَمُّ هُناكَ تَقْدِيمَ ما هو نِعْمَةٌ وهو مَخْرُ الفُلْكِ لِلْماءِ بِخِلافِ ما هُنا فَإنَّهُ إنَّما سِيقَ اِسْتِطْرادًا أوْ تَتِمَّةً لِلتَّمْثِيلِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا فَقُدِّمَ فِيهِ ( فِيهِ ) إيذانًا بِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ بِالذّاتِ ذَلِكَ، وكَأنَّ الِاهْتِمامَ بِما هُناكَ اِقْتَضى أنْ يُقالَ في تِلْكَ الآيَةِ ( ولِتَبْتَغُوا ) بِالواوِ، ومُخالَفَةُ ما هُنا لِذَلِكَ اِقْتَضَتْ تَرْكَ الواوِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ أيْ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى بِالنَّقْلَةِ فِيها، وهو سُبْحانُهُ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ في الآيَةِ فَقَدْ جَرى لَهُ تَعالى ذِكْرٌ فِيما قَبْلَها ولَوْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يُشْكِلْ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ.

واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَواخِرَ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُها بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الأفْعالُ المَذْكُورَةُ كَ سَخَّرَ البَحْرَيْنِ وهَيَّأهُما أوْ فَعَلَ ذَلِكَ ﴿ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ تَعْرِفُونَ حُقُوقَهُ تَعالى فَتَقُومُونَ بِطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ.

ولَعَلَّ لِلتَّعْلِيلِ عَلى ما عَلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ الأجِلَّةِ وقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ، وقالَ كَثِيرٌ: هي لِلتَّرَجِّي، ولَمّا كانَ مُحالًا عَلَيْهِ تَعالى كانَ المُرادُ اِقْتِضاءَ ما ذَكَرَ مِنَ النِّعَمِ لِلشُّكْرِ حَتّى كَأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَتَرَجّاهُ مِنَ المُنْعِمِ عَلَيْهِ بِها فَهو تَمْثِيلٌ يَؤُولُ إلى أمْرِهِ تَعالى بِالشُّكْرِ لِلْمُخاطَبِينَ.

<div class="verse-tafsir"

يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ ۚ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ١٣

﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ ﴾ بِزِيادَةِ أحَدِهِما ونَقْصِ الآخَرِ بِإضافَةِ بَعْضِ أجْزاءِ كُلٍّ مِنهُما إلى الآخَرِ ﴿ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ يُولِجُ ﴾ واخْتِلافُهُما صِيغَةً لِما أنَّ إيلاجَ أحَدِهِما في الآخَرِ مُتَجَدِّدٌ حِينًا فَحِينًا، وأمّا تَسْخِيرُ النَّيِّرَيْنِ فَأمْرٌ لا تَعَدُّدَ فِيهِ وإنَّما المُتَعَدِّدُ والمُتَجَدِّدُ آثارُهُ، وقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ كُلٌّ ﴾ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ ﴿ يَجْرِي ﴾ أيْ بِحَسَبِ حَرَكَتِهِ عَلى المَداراتِ اليَوْمِيَّةِ المُتَعَدِّدَةِ حَسَبَ تَعَدُّدِ أيّامِ السَّنَةِ أوْ بِحَسَبِ حَرَكَتَيْهِ الخاصَّةِ وهي مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ، والقَسْرِيَّةِ الَّتِي هي مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ جَرَيانًا مُسْتَمِرًّا ﴿ لأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِجَرَيانِهِما وهو يَوْمُ القِيامَةِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ.

وقِيلَ جَرَيانُهُما عِبارَةٌ عَنْ حَرَكَتَيْهِما الخاصَّتَيْنِ بِهِما، والأجَلُ المُسَمّى عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ مُدَّةِ دَوْرَتَيْهِما أوْ مُنْتَهاها وهي لِلشَّمْسِ سَنَةٌ ولِلْقَمَرِ شَهْرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ مُفَصَّلًا.

﴿ ذَلِكُمُ ﴾ إشارَةٌ إلى فاعِلِ الأفاعِيلِ المَذْكُورَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ العَظَمَةِ وهو مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ أيْ ذَلِكُمُ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي أبْدَعَ هَذِهِ الصَّنائِعَ البَدِيعَةَ ﴿ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ ﴾ وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ إبْداعَهُ تَعالى لِتِلْكَ البَدائِعِ مِمّا يُوجِبُ ثُبُوتَ تِلْكَ الأخْبارِ لَهُ تَعالى.

وفِي الكَشّافِ: ويَجُوزُ في حُكْمِ الإعْرابِ إيقاعُ اِسْمِ اللَّهِ تَعالى صِفَةً لِاسْمِ الإشارَةِ أوْ عَطْفَ بَيانٍ ورَبُّكم خَبَرًا لَوْلا أنَّ المَعْنى يَأْباهُ اه.

قالَ في الكَشْفِ: فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الِاسْمَ الجَلِيلَ جارٍ مَجْرى العِلْمِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ وصْفًا لِاسْمِ الإشارَةِ البَتَّةَ لا لَفْظًا ولا مَعْنًى، وكَأنَّهُ فَرَضَ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الغَلَبَةِ، وأمّا إباءُ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ تَجْوِيزِ الوَصْفِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ المَقْصُودَ أنَّهُ تَعالى المُنْفَرِدُ بِالإلَهِيَّةِ لا أنَّ المُنْفَرِدَ بِالإلَهِيَّةِ هو رَبُّكم لِأنَّ المُشْرِكِينَ ما كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالمُنْفَرِدِ عَلى الإطْلاقِ، وأمّا عَطْفُ البَيانِ فَقِيلَ لِأنَّهُ يُوهِمُ تَخْيِيلَ الشَّرِكَةِ، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ سَيِّدُكَ عِنْدِي فَفِيهِ نَوْعُ شَرِكَةٍ لِأنَّ ذا اِسْمٌ مُبْهَمٌ، وكَأنَّهُ أرادَ أنَّ البَيانَ حَيْثُ يَذْهَبُ الوَهْمُ إلى غَيْرِهِ ويَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ مُناسِبٌ لا في مِثْلِ هَذا المَقامِ.

وأفادَ الطِّيبِيُّ أنَّ ذَلِكَ يُشارُ بِهِ إلى ما سَبَقَ لِلدَّلالَةِ عَلى جَدارَةِ ما بَعْدَهُ بِسَبَبِ الأوْصافِ السّابِقَةِ ولَوْ كانَ وصْفًا أوْ بَيانًا لَكانَ المُشارُ إلَيْهِ ما بَعْدَهُ، وهَذا في الأوَّلِ حَسَنٌ دُونَ الثّانِي، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أوْ عَطْفَ بَيانٍ إشارَةٌ إلى المَذْهَبِ الَّذِي يَجْعَلُ الجِنْسَ الجارِيَ عَلى المُبْهَمِ غَيْرَ وصْفٍ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الوَصْفِ إذْ ذاكَ، وبَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ أنَّ المَقامَ لِلْإشارَةِ إلى السّابِقِ فاسْمُ الإشارَةِ قَدْ يُجاءُ بِهِ لِأغْراضٍ أُخَرَ، اه.

وأبُو حَيّانَ مَنَعَ صِحَّةَ الوَصْفِيَّةِ لِلْعَلَمِيَّةِ، ثُمَّ قالَ: لا يُظْهِرُ إباءُ المَعْنى ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ المُلْكُ ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ واقِعَةٌ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴾ ويَكُونُ ذَلِكَ مُقَرِّرًا لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّفَرُّدِ بِالإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ واسْتِدْلالًا عَلَيْهِ، إذْ حاصِلُهُ جَمِيعُ المُلْكِ والتَّصَرُّفِ في المَبْدَأِ والمُنْتَهى لَهُ تَعالى ولَيْسَ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ مِنهُ شَيْءٌ، ولِذا قِيلَ إنَّ فِيهِ قِياسًا مَنطِقِيًّا مَطْوِيًّا.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُقَرِّرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ خَلَقَكُمْ ﴾ إلخ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُولِجُ ﴾ إلخ فَجُمْلَةُ ( الَّذِينَ تَدْعُونَ ) إلخ عَلَيْهِ إمّا اِسْتِئْنافِيَّةٌ أيْضًا وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ لَهُ المُلْكُ ﴾ وإمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَقِرِّ في الظَّرْفِ أعْنِي لَهُ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ هي مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ ﴾ إلخ أوْ حالٌ أيْضًا.

والقِطْمِيرُ عَلى ما أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ لِفافَةُ النَّواةِ وهي القِشْرُ الأبْيَضُ الرَّقِيقُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ التَّمْرِ والنَّواةِ، وهو المَعْنى المَشْهُورُ.

أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ أنَّهُ القِمْعُ الَّذِي هو عَلى رَأْسِ التَّمْرَةِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ القِشْرَةُ عَلى رَأْسِ النَّواةِ وهو ما بَيْنَ القِمْعِ والنَّواةِ، وقالَ الرّاغِبُ: إنَّهُ الأثَرُ عَلى ظَهْرِ النَّواةِ، وقِيلَ هو قِشْرُ الثُّومِ، وأيًّا ما كانَ فَهو مَثَلٌ لِلشَّيْءِ الدَّنِيءِ الطَّفِيفِ، قالَ الشّاعِرُ: وأبُوكَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ مُتَوَرِّكًا ما يَمْلِكُ المِسْكِينُ مِن قِطْمِيرِ وقَرَأ عِيسى وسَلامٌ ويَعْقُوبُ (يَدْعُونَ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا۟ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا۟ مَا ٱسْتَجَابُوا۟ لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍۢ ١٤

﴿ إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ كاشِفٌ عَنْ جَلِيَّةِ حالِ ما يَدْعُونَهُ بِأنَّهُ جَمادٌ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ السَّماعُ، هَذا إذا كانَ الكَلامُ مَعَ عَبَدَةِ الأصْنامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَ عَبَدَتِها وعَبَدَةِ المَلائِكَةِ وعِيسى وغَيْرِهِمْ مِنَ المُقَرَّبِينَ، وعَدَمُ السَّماعِ حِينَئِذٍ إمّا لِأنَّ المَعْبُودَ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ كالأصْنامِ، وإمّا لِأنَّهُ في شُغْلٍ شاغِلٍ وبُعْدٍ بَعِيدٍ عَنْ عابِدِهِ كَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ هَذا عَنِ البَلْخِيِّ، أوْ لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَفِظَ سَمْعَهُ مِن أنْ يَصِلَ إلَيْهِ مِثْلُ هَذا الدُّعاءِ لِغايَةِ قُبْحِهِ وثِقَلِهِ عَلى سَمْعِ مَن هو في غايَةِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، فَلا يُرَدُّ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَسْمَعُونَ، وهم في السَّماءِ كَما ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ دُعاءُ المُؤْمِنِينَ رَبَّهم سُبْحانَهُ، وفي نَظْمِ ذِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ في سِلْكِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن حَيْثِيَّةِ السَّماعِ وهم في مَقارِّ نَعِيمِهِمْ تَوَقُّفٌ عِنْدِي، بَلْ في سَماعِ كُلٍّ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهم في السَّماءِ وذَوِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ وهم في مَقارِّ نَعِيمِهِمْ نِداءَ مَن ناداهم غَيْرَ مُعْتَقِدٍ فِيهِمُ الإلَهِيَّةَ تَوَقُّفٌ عِنْدِي أيْضًا، إذْ لَمْ أظْفَرْ بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ عَلى ذَلِكَ، والعَقْلُ يُجَوِّزُهُ لَكِنْ لا يُكْتَفى بِمُجَرَّدِ تَجْوِيزِهِ في القَوْلِ بِهِ.

﴿ ولَوْ سَمِعُوا ﴾ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ ﴿ ما اسْتَجابُوا لَكُمْ ﴾ لِأنَّهم لَمْ يُرْزَقُوا قُوَّةَ التَّكَلُّمِ، والسَّماعُ لا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، فالمُرادُ بِالِاسْتِجابَةِ الِاسْتِجابَةُ بِالقَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الِاسْتِجابَةُ بِالفِعْلِ، أيْ ولَوْ سَمِعُوا ما نَفَعُوكم لِعَجْزِهِمْ عَنِ الأفْعالِ بِالمَرَّةِ، هَذا إذا كانَ المُدَّعُونَ الأصْنامَ وأمّا إذا كانُوا المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْ نَحْوَهم مِنَ المُقَرَّبِينَ فَعَدَمُ الِاسْتِجابَةِ القَوْلِيَّةِ لِأنَّ دُعاءَهم مِن حَيْثُ زَعَمَ أنَّهم آلِهَةٌ وهم بِمَعْزِلٍ عَنِ الإلَهِيَّةِ فَكَيْفَ يُجِيبُونَ زاعِمَ ذَلِكَ فِيهِمْ وفِيهِ مِنَ التُّهْمَةِ ما فِيهِ، وعَدَمُ الِاسْتِجابَةِ الفِعْلِيَّةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِهَذا أيْضًا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأنَّ نَفْعَ مَن دَعاهم لَيْسَ مِن وظائِفِهِمْ، وقِيلَ لِأنَّهم يَرَوْنَ ذَلِكَ نَقْصًا في العُبُودِيَّةِ والخُضُوعِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا تَعْلِيلًا لِلْأوَّلِ أيْضًا فَتَأمَّلْ.

﴿ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَجِيبُوا لَكم إذا دَعَوْتُمُوهُمْ، وشِرْكٌ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ أيْ ويَوْمَ القِيامَةِ يَجْحَدُونَ إشْراكَكم إيّاهم وعِبادَتَكم إيّاهُمْ، وذَلِكَ بِأنْ يُقَدِّرَ اللَّهُ تَعالى الأصْنامَ عَلى الكَلامِ فَيَقُولُونَ لَهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ، أوْ يَظْهَرُ مِن حالِها ظُهُورُ نارِ القُرى لَيْلًا عَلى عِلْمِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ولِسانُ الحالِ أفْصَحُ مِن لِسانِ المَقالِ، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: وقَفْتُ عَلى رَبْعٍ لِمَيَّةَ ناطِقٍ يُخاطِبُنِي آثارُهُ وأُخاطِبُهْ وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ وإنْ كانَ المَدْعُوُّونَ المَلائِكَةَ ونَحْوَهم فَأمْرُ التَّكَلُّمِ ظاهِرٌ، وقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى قَوْلَ المَلائِكَةِ لِلْمُشْرِكِينَ في السُّورَةِ السّابِقَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ  ﴾ .

﴿ ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ أيْ لا يُخْبِرُكَ بِالأمْرِ مُخْبِرٌ مِثْلُ مُخْبِرٍ خَبِيرٍ أخْبَرَكَ بِهِ، يَعْنِي بِهِ تَعالى نَفْسَهُ، كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ الخَبِيرُ بِكُنْهِ الأُمُورِ، وهو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ  ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُخْتَصٍّ، أيْ لا يُخْبِرُكَ أيُّها السّامِعُ كائِنًا مَن كُنْتَ مُخْبِرٌ هو مِثْلُ الخَبِيرِ العالَمِ الَّذِي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، والمُرادُ تَحْقِيقُ ما أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِهِ مِن حالِ آلِهَتِهِمْ ونَفْيِ ما يَدَّعُونَ لَهم مِنَ الإلَهِيَّةِ.

وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن تَمامِ ذِكْرِ الأصْنامِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولا يُخْبِرُكَ مُخْبِرٌ مِثْلُ مَن يُخْبِرُكَ عَنْ نَفْسِهِ، وهي قَدْ أخْبَرَتْ عَنْ أنْفُسِها بِأنَّها لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ ١٥

﴿ يا أيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ ﴾ في أنْفُسِكم وفِيما يَعِنُّ لَكم مِن أمْرٍ مُهِمٍّ أوْ خَطْبٍ مُلِمٍّ، وتَعْرِيفُ ﴿ الفُقَراءُ ﴾ لِلْجِنْسِ أوْ لِلِاسْتِغْراقِ إذْ لا عَهْدَ، وعُرِّفَ كَذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في فَقْرِهِمْ كَأنَّهم لِكَثْرَةِ اِفْتِقارِهِمْ وشِدَّةِ اِحْتِياجِهِمْ هُمُ الفُقَراءُ فَحَسْبُ وأنَّ اِفْتِقارَ سائِرِ الخَلائِقِ بِالنِّسْبَةِ إلى فَقْرِهِمْ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا  ﴾ ولا يَرِدُ الجِنُّ إذْ هم لا يَحْتاجُونَ في المَطْعَمِ والمَلْبَسِ وغَيْرِهِما كَما يَحْتاجُ الإنْسانُ، وضَعْفُهم لَيْسَ كَضَعْفِهِ فَلا حاجَةَ إلى إدْخالِهِمْ في النّاسِ تَغْلِيبًا عَلى أنَّهُ قِيلَ لا يَضُرُّ ذَلِكَ إذِ الكَلامُ مَعَ مَن يُظْهِرُ القُوَّةَ والعِنادَ مِنَ النّاسِ، والقَوْلُ إنَّ القَصْرَ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى لا يَخْفى ما فِيهِ.

وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: الوَجْهُ أنْ يُقالَ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ المُرادُ النّاسُ وغَيْرُهم وهو عَلى طَرِيقَةِ تَغْلِيبِ الحاضِرِ عَلى الغائِبِ وأُولِي العِلْمِ عَلى غَيْرِهِمْ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا.

وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ الجَلِيلُ أنْ يُحْمَلَ التَّعْرِيفُ في النّاسِ عَلى العَهْدِ وفي الفُقَراءِ عَلى الجِنْسِ لِأنَّ المُخاطَبِينَ هُمُ الَّذِي خُوطِبُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ ﴾ الآيَةَ، أيْ ذَلِكُمُ المَعْبُودُ هو الَّذِي وُصِفَ بِصِفاتِ الجَلالِ لا الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، وأنْتُمْ أشَدُّ الخَلائِقِ اِحْتِياجًا إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ.

﴿ واللَّهُ هو الغَنِيُّ ﴾ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ لا غَيْرُهُ ﴿ الحَمِيدُ ﴾ المُنْعِمُ عَلى جَمِيعِ المَوْجُوداتِ المُسْتَحِقُّ بِإنْعامِهِ سُبْحانَهُ لِلْحَمْدِ، وأصْلُهُ المَحْمُودُ وأُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ لِيُناسِبَ ذِكْرَهُ بَعْدَ فَقْرِهِمْ، إذِ الغَنِيُّ لا يَنْفَعُ الفَقِيرَ إلّا إذا كانَ جَوادًا مُنْعِمًا، ومِثْلُهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ، وهَذا كالتَّكْمِيلِ لِما قَبْلَهُ كَما في قَوْلِ كَعْبٍ الغَنَوِيِّ: حَلِيمٌ إذا ما الحِلْمُ زَيَّنَ أهْلَهُ مَعَ الحِلْمِ في عَيْنِ العَدُوِّ مَهِيبُ ويَدْخُلُ في عُمُومِ المُسْتَغْنى عَنْهُ المُخاطَبُونَ وعِبادَتُهُمْ، وفي كَلامِ الطِّيبِيِّ رائِحَةُ التَّخْصِيصِ حَيْثُ قالَ: ما سَمِعْتُ نَقْلَهُ وهو سُبْحانُهُ غَنِيٌّ عَنْكم وعَنْ عِبادَتِكم لِأنَّهُ تَعالى حَمِيدٌ لَهُ عِبادٌ يَحْمَدُونَهُ وإنْ لَمْ تَحْمَدُوهُ أنْتُمْ، والأوْلى التَّعْمِيمُ.

وما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ مِن أنَّهُ لَمّا كَثُرَ مِنَ النَّبِيِّ  الدُّعاءُ وكَثُرَ الإصْرارُ مِنَ الكُفّارِ قالُوا لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى مُحْتاجٌ لِعِبادَتِنا فَنَزَلَتْ لا يَقْتَضِي شَيْئًا مِنَ التَّخْصِيصِ في الآيَةِ كَما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ ١٦

﴿ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ أيْ إنْ يَشَأْ سُبْحانَهُ إذْهابَكم أيُّها النّاسُ والإتْيانَ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ يُذْهِبْكم ﴿ ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ بِعالَمٍ غَيْرِ النّاسِ لا تَعْرِفُونَهُ، هَذا إذا كانَ الخِطابُ عامًّا، أوْ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها المُشْرِكُونَ أوِ العَرَبُ ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ لَيْسُوا عَلى صِفَتِكم بَلْ مُسْتَمِرُّونَ عَلى طاعَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، وهَذا إذا كانَ الخِطابُ خاصًّا، وتَفْسِيرُ الجَدِيدِ بِما سَمِعْتَ مَرْوِيٌّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِاسْتِغْنائِهِ عَزَّ وجَلَّ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍۢ ١٧

﴿ وما ذَلِكَ ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِن إذْهابِهِمْ والإتْيانِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴾ أيْ بِصَعْبٍ فَإنَّ أمْرَهُ تَعالى إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.

وإنْ كانَ في النّاسِ تَغْلِيبُ الحاضِرِ عَلى الغائِبِ وأُولِي العِلْمِ عَلى غَيْرِهِمْ، وكانَ الخِطابُ هُنا عَلى ذَلِكَ الطُّرُزِ، وقُلْنا إنَّ الآيَةَ تُشْعِرُ بِأنَّ ما يَأْتِي بِهِ سُبْحانَهُ مِنَ العالَمِ أبْدَعُ، أُشْكِلَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ قَوْلُ حُجَّةِ الإسْلامِ لَيْسَ في الإمْكانِ أبْدَعُ مِمّا كانَ.

وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى فَرْضِ وُقُوعِهِ داخِلًا في حَيِّزِ ما كانَ، وهو مَعَ هَذا العالَمِ كَبَعْضِ أجْزاءِ هَذا العالَمِ مَعَ بَعْضٍ أوْ بِأنَّ الأبْدَعِيَّةَ المَشْعُورَ بِها بِمَعْنًى والأبْدَعِيَّةَ في كَلامِ حُجَّةِ الإسْلامِ بِمَعْنًى آخَرَ، فَتَدَبَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌۭ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰٓ ۗ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِۦ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ١٨

﴿ ولا تَزِرُ وازِرَةٌ ﴾ أيْ لا تَحْمِلُ نَفْسٌ آثِمَةٌ ﴿ وِزْرَ أُخْرى ﴾ أيْ إثْمَ نَفْسٍ أُخْرى، بَلْ تَحْمِلُ كُلُّ نَفْسٍ وِزْرَها، ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ ﴿ ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالَهُمْ  ﴾ فَإنَّهُ في الضّالِّينَ المُضِلِّينَ وهم يَحْمِلُونَ إثْمَ إضْلالِهِمْ مَعَ إثْمِ ضَلالِهِمْ، وكُلُّ ذَلِكَ آثامُهم لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِن آثامِ غَيْرِهِمْ، ولا يُنافِيهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مَعَ أثْقالِهِمْ ﴾ لِأنَّ المُرادَ بِأثْقالِهِمْ ما كانَ بِمُباشَرَتِهِمْ وبِما مَعَها ما كانَ بِسَوْقِهِمْ وتَسَبُّبِهِمْ، فَهو لِلْمُضِلِّينَ مِن وجْهٍ ولِلْآخَرِينَ مِن آخَرَ.

﴿ وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ ﴾ أيْ نَفْسٌ أثْقَلَتْها الأوْزارُ ﴿ إلى حِمْلِها ﴾ الَّذِي أثْقَلَها ووِزْرِها الَّذِي بَهَظَها لِيُحْمَلَ شَيْءٌ مِنهُ ويُخَفَّفَ عَنْها، وقِيلَ: أيْ إلى حَمْلِ حَمْلِها ﴿ لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ﴾ لَمْ تُجِبْ بِحَمْلِ شَيْءٍ مِنهُ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿ ولا تَزِرُ ﴾ إلخ نَفْيٌ لِلْحَمْلِ الِاخْتِيارِيِّ تَكَرُّمًا مِن نَفْسِ الحامِلِ رَدًّا لِقَوْلِ المُضِلِّينَ ﴿ ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ ﴾ ويُؤَيِّدُهُ سَبَبُ النُّزُولِ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ لِقَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ اُكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ  وعَلَيَّ وِزْرُكُمْ، فَنَزَلَتْ.

وهَذا نَفْيٌ لِلْحَمْلِ بَعْدَ الطَّلَبِ مِنَ الوازِرَةِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ اِخْتِيارًا أوْ جَبْرًا، وإذا لَمْ يُجْبَرْ أحَدٌ عَلى الحَمْلِ بَعْدَ الطَّلَبِ والِاسْتِعانَةِ عُلِمَ عَدَمُ الجَبْرِ بِدُونِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى فَيَعُمُّ النَّفْيُ أقْسامَ الحَمْلِ كُلَّها، وكَذا الحامِلُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ وازِرًا أمْ لا، وجاءَ العُمُومُ مِن عَدَمِ ذِكْرِ المَدْعُوِّ ظاهِرًا، وقَدْ يُقالُ مَعَ ذَلِكَ: إنَّ في الأُولى نَفْيَ حَمْلِ جَمِيعِ الوِزْرِ بِحَيْثُ يَتَعَرّى مِنهُ المَحْمُولُ عَنْهُ، وفي الثّانِي نَفْيَ التَّخْفِيفِ فَلا اِتِّخاذَ بَيْنَ مَضْمُونَيِ الجُمْلَتَيْنِ كَما لا يَخْفى.

وقِيلَ في الفَرْقِ بَيْنَهُما: إنَّ الأوَّلَ نَفْيُ الحَمْلِ إجْبارًا، والثّانِيَ نَفْيٌ لَهُ اِخْتِيارًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المُناسِبَ عَلى هَذا ولا يُوزَرُ عَلى وازِرَةٍ وِزْرُ أُخْرى، وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حَمْلِها أحَدًا لا يَحْمِلْ مِنهُ شَيْئًا، وأيْضًا حَقُّ نَفْيِ الإجْبارِ أنْ يُتَعَرَّضَ لَهُ بَعْدَ نَفْيِ الِاخْتِيارِ.

وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ الأُولى كَما دَلَّتْ عَلى أنَّ المُثْقَلَ بِالذُّنُوبِ لا يَحْمِلُ أحَدٌ مِن ذُنُوبِهِ شَيْئًا دَلَّتْ عَلى عَدْلِهِ تَعالى الكامِلِ، والجُمْلَةَ الثّانِيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لا مُسْتَغاثَ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ أيْضًا، وهُما المَقْصُودانِ مِنَ الآيَتَيْنِ فالفَرْقُ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا أوْلى.

وذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ في الجُمْلَةِ الأُولى ثَلاثَةَ أسْئِلَةٍ، قالَ في الأخِيرَيْنِ مِنها: لَمْ أرَ مَن تَفْطَنُ لَهُما، وقَدْ أجابَ عَنْ كُلٍّ: الأوَّلُ: أنَّ عَدَمَ حَمْلِ الغَيْرِ عَلى الغَيْرِ عامٌّ في النَّفْسِ الآثِمَةِ وغَيْرِ الآثِمَةِ، فَلِمَ خُصَّ بِالآثِمَةِ مَعَ أنَّ التَّصْرِيحَ بِالعُمُومِ أتَمُّ في العَدْلِ وأبْلَغُ في البِشارَةِ وأخْصَرُ في اللَّفْظِ، وذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: ولا تَحْمِلُ نَفْسٌ حِمْلَ أُخْرى؟

وجَوابُهُ: أنَّ الكَلامَ في أرْبابِ الأوْزارِ المُعَذَّبِينَ لِبَيانِ أنَّ عَذابَهم إنَّما هو بِما اِقْتَرَفُوهُ مِنَ الأوْزارِ لا بِما اِقْتَرَفَهُ غَيْرُهم.

الثّانِي: أنَّ مَعْنى وِزْرٍ حَمْلُ الوِزْرِ لا مُطْلَقُ الحَمْلِ، عَلى ما في النِّهايَةِ الأثِيرِيَّةِ حَيْثُ قالَ: يُقالُ: وزَرَ يَزِرُ فَهو وازِرٌ إذا حَمَلَ ما يُثْقِلُ ظَهْرَهُ مِنَ الأشْياءِ المُثْقَلَةِ ومِنَ الذُّنُوبِ، فَكَيْفَ صَحَّ ذِكْرُ وِزْرٍ مَعَ يَزَرُ؟

وجَوابُهُ: أنَّهُ مِن بابِ التَّجْرِيدِ.

الثّالِثُ: أنَّ وازِرَةً يُفْهَمُ مِن تَزِرُ كَما يُفْهَمُ ضارِبٌ مِن يَضْرِبُ مَثَلًا فَأيُّ فائِدَةٍ في ذِكْرِهِ؟

وجَوابُهُ: أنَّهُ إذا قِيلَ ضَرَبَ ضارِبٌ زَيْدًا، فاَلَّذِي يُسْتَفادُ مِن ضَرَبَ إنَّما هو ذاتٌ قامَ بِها ضَرْبُ حَدَثٍ مِن تَعَلُّقِ هَذا الفِعْلِ بِتِلْكَ الذّاتِ، ولِما عَبَّرَ عَنْ شَيْءٍ بِما فِيهِ مَعْنى الوَصْفِيَّةِ وعُلِّقَ بِهِ مَعْنًى مَصْدَرِيٌّ في صِيغَةِ فَعَلَ أوْ غَيْرِها فُهِمَ مِنهُ في عُرْفِ اللُّغَةِ أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ مَوْصُوفٌ بِتِلْكَ الصِّفَةِ حالَ تَعَلُّقِ ذَلِكَ المَعْنى بِهِ لا بِسَبَبِهِ كَما حَقَّقَهُ بَعْضُ أجِلَّةِ شُرّاحِ الكَشّافِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ضارِبٍ في المِثالِ مُتَّصِفًا بِضَرْبٍ سابِقٍ عَلى تَعَلُّقِ ضَرَبَ بِهِ، وكَذا يُقالُ في ﴿ ولا تَزِرُ وازِرَةٌ ﴾ .

وهَذِهِ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ ويَزِيدُها جَلالَةً اِسْتِفادَةُ العُمُومِ إذا أُورِدَ اِسْمُ الفاعِلِ نَكِرَةً في حَيِّزِ نَفْيٍ، وبِذَلِكَ يَسْقُطُ قَوْلُ العَلّامَةِ التَّفْتازانِيُّ إنَّ ذِكْرَ فاعِلِ الفِعْلِ بِلَفْظِ اِسْمِ فاعِلِهِ نَكِرَةً قَلِيلُ الجَدْوى جِدًّا، اِنْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ مِن مَجْمُوعِ الجُمْلَتَيْنِ يُسْتَفادُ ما ذَكَرَهُ في السُّؤالِ الأوَّلِ مِنَ العُمُومِ، وفي خُصُوصِ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ وذِكْرِهِما مَعًا ما لا يَخْفى مِنَ الفائِدَةِ، وفي القامُوسِ وزَرَهُ كَوَعَدَهُ وِزْرًا بِالكَسْرِ حَمَلَهُ، وفي الكَشّافِ وزَرَ الشَّيْءَ إذا حَمَلَهُ، ونَحْوُهُ في البَحْرِ، وعَلى ذَلِكَ لا حاجَةَ إلى التَّجْرِيدِ فَلا تَغْفُلْ.

وأصْلُ الحَمْلِ ما كانَ عَلى الظَّهْرِ مِن ثَقِيلٍ فاسْتُعِيرَ لِلْمَعانِي مِنَ الذُّنُوبِ والآثامِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ عَنْ طَلْحَةَ وإبْراهِيمَ عَنِ الكِسائِيِّ «لا تَحْمِلْ» بِفَتْحِ التّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقٍ وكَسْرِ المِيمِ، وتَقْتَضِي هَذِهِ القِراءَةُ نَصْبَ شَيْءٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِ (تَحْمِلْ) وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى مَفْعُولِ تَدْعُو المَحْذُوفِ، أيْ وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ نَفْسًا إلى حِمْلِها لَمْ تَحْمِلْ مِنهُ شَيْئًا ﴿ ولَوْ كانَ ﴾ أيِ المَدْعُوُّ المَفْهُومُ مِنَ الدَّعْوَةِ ﴿ ذا قُرْبى ﴾ ذا قَرابَةٍ مِنَ الدّاعِي، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: اِسْمُ كانَ ضَمِيرُ الدّاعِي، أيْ ولَوْ كانَ الدّاعِي ذا قَرابَةٍ مِنَ المَدْعُوِّ، والأوَّلُ أحْسَنُ لِأنَّ الدّاعِيَ هو المُثْقَلَةُ بِعَيْنِهِ فَيَكُونُ الظّاهِرُ عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ وتَأْنِيثُهُ.

وقَوْلُ أبِي حَيّانَ ذُكِرَ الضَّمِيرُ حَمْلًا عَلى المَعْنى لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مُثْقَلَةٌ ﴾ لا يُرادُ بِها مُؤَنَّثُ المَعْنى فَقَطْ بَلْ كُلُّ شَخْصٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ يَدْعُ شَخْصٌ مُثْقَلٌ، لا يَخْفى ما فِيهِ.

وقُرِئَ ولَوْ كانَ «ذُو قُرْبى» بِالرَّفْعِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّ ( كانَ ) ناقِصَةٌ أيْضًا و«ذُو قُرْبى» اِسْمُها، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ ولَوْ كانَ ذُو قُرْبى مَدْعُوًّا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تامَّةً، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَلْتَئِمُ مَعَها النَّظْمُ الجَلِيلُ لِأنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ كالتَّتْمِيمِ والمُبالَغَةِ في أنَّ لا غِياثَ أصْلًا فَيَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ المُثْقَلَةَ إنْ دَعَتْ أحَدًا إلى حَمْلِها لا يُجِبْها إلى ما دَعَتْهُ إلَيْهِ ولَوْ كانَ ذُو القُرْبى مَدْعُوًّا، ولَوْ قُلْنا إنَّ المُثْقَلَةَ إنْ دَعَتْ أحَدًا إلى حِمْلِها لا يَحْمِلْ مَدْعُوُّها شَيْئًا ولَوْ حَضَرَ ذُو قُرْبى لَمْ يَحْسُنْ ذَلِكَ الحُسْنُ، ومُلاحَظَةُ كَوْنِ ذِي القُرْبى مَدْعُوًّا بِقَرِينَةِ السِّياقَ أوْ تَقْدِيرِ فَدَعَتْهُ كَما فَعَلَ أبُو حَيّانَ خِلافُ الظّاهِرِ، فَيَخْفى عَلَيْهِ أمْرُ الِانْتِظامِ.

﴿ إنَّما تُنْذِرُ ﴾ إلخ اِسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ مَن يَتَّعِظُ بِما ذُكِرَ، أيْ إنَّما تُنْذِرُ بِهَذِهِ الإنْذاراتِ ونَحْوِها ﴿ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ ﴾ أيْ يَخْشَوْنَهُ تَعالى غائِبِينَ عَنْ عَذابِهِ سُبْحانَهُ أوْ عَنِ النّاسِ في خَلَواتِهِمْ أوْ يَخْشَوْنَ عَذابَ رَبِّهِمْ غائِبًا عَنْهم فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ أوْ مِنَ المَفْعُولِ.

﴿ وأقامُوا الصَّلاةَ ﴾ أيْ راعَوْها كَما يَنْبَغِي وجَعَلُوها مَنارًا مَنصُوبًا وعَلَمًا مَرْفُوعًا، أيْ إنَّما يَنْفَعُ إنْذارُكَ وتَحْذِيرُكَ هَؤُلاءِ مِن قَوْمِكَ دُونَ مَن عَداهم مِن أهْلِ التَّمَرُّدِ والعِنادِ، ونُكْتَةُ اِخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ تُعْلَمُ مِمّا مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا ﴾ فَتَذَكَّرْ ما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ.

﴿ ومَن تَزَكّى ﴾ تَطَهَّرَ مِن أدْناسِ الأوْزارِ والمَعاصِي بِالتَّأثُّرِ مِن هَذا الإنْذاراتِ ﴿ فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ ﴾ لِاقْتِصارِ نَفْعِهِ عَلَيْها كَما أنَّ مَن تَدَنَّسَ بِها لا يَتَدَنَّسُ إلّا عَلَيْها، والتَّزَكِّي شامِلٌ لِلْخَشْيَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، فَهَذا تَقْرِيرٌ وحَثٌّ عَلَيْهِما.

وقَرَأ العَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «ومَن يَزَّكّى فَإنَّما يَزَّكّى» بِالياءِ مِن تَحْتٍ وشَدِّ الزّايِ فِيهِما وهُما مُضارِعانِ أصْلُهُما ومَن يَتَزَكّى فَإنَّما يَتَزَكّى فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ كَما أُدْغِمَتْ في يَذَّكَّرُونَ، وقَرَأ اِبْنُ مَسْعُودٍ وطَلْحَةُ «ومَن اِزَّكّى» بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ واجْتِلابِ هَمْزَةِ الوَصْلِ في الِابْتِداءِ، وطَلْحَةُ أيْضًا «فَإنَّما تَزَّكّى» بِإدْغامِ التّاءِ في الزّايِ.

﴿ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ ﴾ لا إلى أحَدٍ غَيْرَهُ اِسْتِقْلالًا أوِ اِشْتِراكًا فَيُجازِيهِمْ عَلى تَزَكِّيهِمْ أحْسَنَ الجَزاءِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ١٩

﴿ وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما يَسْتَوِي البَحْرانِ ﴾ والأعْمى والبَصِيرُ مَثَلانِ لِلْكافِرِ والمُؤْمِنِ كَما قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما، وقِيلَ: هُما مَثَلانِ لِلصَّنَمِ ولِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَهو مِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ ﴾ والمَعْنى لا يَسْتَوِي اللَّهُ تَعالى مَعَ ما عَبَدْتُمْ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا ٱلظُّلُمَـٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ ٢٠ وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلْحَرُورُ ٢١

﴿ ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ ﴾ أيْ ولا الباطِلُ ولا الحَقُّ ﴿ ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ ﴾ ولا الثَّوابُ ولا العِقابُ، وقِيلَ: ولا الجَنَّةُ ولا النّارُ، والحَرُورُ فَعُولٌ مِنَ الحَرِّ، وأُطْلَقَ كَما حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ عَلى شِدَّةِ الحَرِّ لَيْلًا أوْ نَهارًا، وقالَ أبُو البَقاءِ: هو شِدَّةُ حَرِّ الشَّمْسِ، وفي الكَشّافِ الحَرُورُ السَّمُومُ إلّا أنَّ السَّمُومَ يَكُونُ بِالنَّهارِ والحَرُورَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، وقِيلَ: بِاللَّيْلِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَحْيَآءُ وَلَا ٱلْأَمْوَٰتُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍۢ مَّن فِى ٱلْقُبُورِ ٢٢

﴿ وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ ﴾ تَمْثِيلٌ آخَرُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ دَخَلُوا في الدِّينِ بَعْدَ البَعْثَةِ والكافِرِينَ الَّذِينَ أصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا، فالتَّعْرِيفُ كَما قالَ الطِّيبِيُّ لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: لِلْعُلَماءِ والجُهَلاءِ.

والثَّعالِبِيُّ جَعَلَ الأعْمى والبَصِيرَ مَثَلَيْنِ لَهُما ولَيْسَ بِذاكَ.

﴿ إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ ﴾ أيْ يُسْمِعُهُ ويَجْعَلُهُ مُدْرِكًا لِلْأصْواتِ، وقالَ الخَفاجِيُّ وغَيْرُهُ: ولَعَلَّ في الآيَةِ ما يَقْتَضِي أنَّ المُرادَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ سَماعَ تَدَبُّرٍ وقَبُولٍ لِآياتِهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ ﴾ تَرْشِيحٌ لِتَمْثِيلِ المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ بِالأمْواتِ وإشْباعٌ في إقْناطِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إيمانِهِمْ، والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ وما أنْتَ مُسْمِعٌ، والمُرادُ بِالسَّماعِ هُنا ما أُرِيدَ بِهِ في سابِقِهِ، ولا يَأْبى إرادَةُ السَّماعِ المَعْرُوفِ ما ورَدَ في حَدِيثِ القَلِيبِ لِأنَّ المُرادَ نَفِيُ الإسْماعِ بِطَرِيقِ العادَةِ، وما في الحَدِيثِ مِن بابِ ﴿ وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى  ﴾ وإلى هَذا ذَهَبَ البَعْضُ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ، فَلا تَغْفُلْ.

وما ألْطَفَ نَظْمَ هَذِهِ التَّمْثِيلاتِ فَقَدْ شَبَّهَ المُؤْمِنَ والكافِرَ أوَّلًا بِالبَحْرَيْنِ وفَضَّلَ البَحْرَ الأُجاجَ عَلى الكافِرِ لِخُلُوِّهِ مِنَ النَّفْعِ، ثُمَّ بِالأعْمى والبَصِيرِ مُسْتَتْبِعًا بِالظُّلُماتِ والنُّورِ والظِّلِّ والحَرُورِ، فَلَمْ يَكْتَفِ بِفِقْدانِ نُورِ البَصَرِ حَتّى ضَمَّ إلَيْهِ فِقْدانَ ما يَمُدُّهُ مِنَ النُّورِ الخارِجِيِّ، وقَرَنَ إلَيْهِ نَتِيجَةَ ذَلِكَ العَمى والفِقْدانِ فَكانَ فِيهِ تَرَقٍّ مِنَ التَّشْبِيهِ الأوَّلِ إلَيْهِ ثُمَّ بِالأحْياءِ والأمْواتِ تَرَقِّيًا ثانِيًا، وأرْدَفَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ ﴾ .

وذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّ إخْلاءَ الثّانِي مِن لا المُؤَكِّدَةِ لِأنَّهُ كالتَّمْهِيدِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ ﴾ ولِهَذا كَرَّرَ ( وما يَسْتَوِي ) وأمّا ذِكْرُها في التَّمْثِيلَيْنِ بَعْدَهُ فَلِأنَّهُما مَقْصُودانِ في أنْفُسِهِما إذْ ما فِيهِما مَثَلانِ لِلْحَقِّ والباطِلِ وما يُؤَدِّيانِ إلَيْهِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ دُونَ المُؤْمِنِ والكافِرِ كَما في غَيْرِهِما، وإنَّما حُمِلَتْ عَلى أنَّها زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ إذْ لَيْسَ المُرادُ أنَّ الظُّلُماتِ في نَفْسِها لا تَسْتَوِي بَلْ تَتَفاوَتُ فَمِن ظُلْمَةٍ هي أشَدُّ مِن أُخْرى مَثَلًا، وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ بَلِ المُرادُ أنَّ الظُّلُماتِ لا تُساوِي النُّورَ والظِّلَّ لا يُساوِي الحَرُورَ والأحْياءَ لا تُساوِي الأمْواتَ.

وزَعَمَ اِبْنُ عَطِيَّةَ أنَّ دُخُولَ لا عَلى نِيَّةِ التَّكْرارِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولا الظُّلُماتُ والنُّورُ ولا النُّورُ والظُّلُماتُ، وهَكَذا فاسْتَغْنى بِذِكْرِ الأوائِلِ عَنِ الثَّوانِي، ودَلَّ مَذْكُورُ الكَلامِ عَلى مَتْرُوكِهِ، والقَوْلُ بِأنَّها مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ يُغْنِي عَنِ اِعْتِبارِ هَذا الحَذْفِ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ.

وقالَ الإمامُ: كُرِّرَتْ لا فِيما كُرِّرَتْ لِتَأْكِيدِ المُنافاةِ فالظُّلُماتُ تُنافِي النُّورَ وتُضادُّهُ والظِّلُّ والحَرُورُ كَذَلِكَ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الظِّلِّ عَدَمُ الحَرِّ والبَرْدِ، بِخِلافِ الأعْمى والبَصِيرِ فَإنَّ الشَّخْصَ الواحِدَ قَدْ يَكُونُ بَصِيرًا ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُ العَمى، فَلا مُنافاةَ إلّا مِن حَيْثُ الوَصْفُ، وأمّا الأحْياءُ والأمْواتُ فِيهِما وإنْ كانا كالأعْمى والبَصِيرِ مِن حَيْثُ إنَّ الجِسْمَ الواحِدَ قَدْ يَكُونُ حَيًّا ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُ المَوْتُ، لَكِنَّ المُنافاةَ بَيْنَ الحَيِّ والمَيِّتِ أتَمُّ مِنَ المُنافاةِ بَيْنَ الأعْمى والبَصِيرِ فَإنَّهُما قَدْ يَشْتَرِكانِ في إدْراكِ أشْياءَ ولا كَذَلِكَ الحَيُّ والمَيِّتُ كَيْفَ والمَيِّتُ مُخالِفُ الحَيِّ في الحَقِيقَةِ عَلى ما تَبَيَّنَ في الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ.

وقِيلَ: لَمْ تُكَرَّرْ، قِيلَ: وكُرِّرَتْ بَعْدُ لِأنَّ المُخاطَبَ في أوَّلِ الكَلامِ لا يُقَصِّرُ في فَهْمِ المُرادِ، وقِيلَ: كُرِّرَتْ فِيما عَدا الأخِيرَ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ولا الظُّلُماتُ والنُّورُ مَثَلًا لَتُوُهِّمَ نَفْيُ الِاسْتِواءِ بَيْنَ مَجْمُوعِ الأعْمى والبَصِيرِ ومَجْمُوعِ الظُّلُماتِ والنُّورِ، وفي الأخِيرِ لِلِاعْتِناءِ، وإدْخالُ (لا) عَلى المُتَقابِلَيْنِ لِتَذْكِيرِ نَفْيِ الِاسْتِواءِ.

وقُدِّمَ الأعْمى عَلى البَصِيرِ مَعَ أنَّ البَصِيرَ أشْرَفُ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى الكافِرِ وهو مَوْجُودٌ قَبْلَ البَعْثَةِ والدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، ولِنَحْوِ هَذا قُدِّمَ الظُّلُماتُ عَلى النُّورِ، فَإنَّ الباطِلَ كانَ مَوْجُودًا فَدَمَغَهُ الحَقُّ بِبَعْثَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَمْ يُقَدَّمِ الحَرُورُ عَلى الظِّلِّ لِيَكُونَ عَلى طُرُزِ ما سَبَقَ مِن تَقْدِيمِ غَيْرِ الأشْرَفِ بَلْ قُدِّمَ الظِّلُّ رِعايَةً لِمُناسَبَتِهِ لِلْعَمى والظُّلْمَةِ مِن وجْهٍ أوْ لِسَبْقِ الرَّحْمَةِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن رِعايَةِ الفاصِلَةِ.

وقُدِّمَ الأحْياءُ عَلى الأمْواتِ ولَمْ يُعْكَسِ الأمْرُ لِيُوافِقَ الأوَّلَيْنِ في تَقْدِيمِ غَيْرِ الأشْرَفِ لِأنَّ الأحْياءَ إشارَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ بَعْدَ الدَّعْوَةِ والأمْواتَ إشارَةٌ إلى المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ بَعْدَها ولِذا قِيلَ بَعْدُ ﴿ إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ ﴾ الخ، ووُجُودُ المُصِرِّينَ بِوَصْفِ الإصْرارِ بَعْدَ وُجُودِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ قُدِّمَ ما قُدِّمَ فِيما عَدا الأخِيرَ لِأنَّهُ عَدَمٌ ولَهُ مَرْتَبَةُ السَّبْقِ، وفي الأخِيرِ لِأنَّ المُرادَ بِالأمْواتِ فاقِدُو الحَياةِ بَعْدَ الِاتِّصافِ بِها كَما يُشْعِرُ بِهِ أرْدافُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ ﴾ فَيَكُونُ لِلْحَياةِ مَعَ أنَّها وُجُودِيَّةُ رُتْبَةِ السَّبْقِ أيْضًا، وقِيلَ إنَّ تَقْدِيمَ غَيْرِ الأشْرَفِ مَعَ اِنْفِهامِ أنَّهُ غَيْرُ أشْرَفَ عَلى الأشْرَفِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ التَّقْدِيمَ صُورَةٌ لا يُخِلُّ بِشَرَفِ الأشْرَفِ: فالنّارُ يَعْلُوها الدُّخانُ ورُبَّما يَعْلُو الغُبارُ عَمائِمَ الفُرْسانِ وجَمْعُ الظُّلُماتِ مَعَ إفْرادِ النُّورِ لِتَعَدُّدِ فُنُونِ الباطِلِ واتِّحادِ الحَقِّ، وقِيلَ لِأنَّ الظُّلْمَةَ قَدْ تَتَعَدَّدُ فَتَكُونُ في مَحالَّ قَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُما نُورٌ، والنُّورُ في هَذا العالَمِ وإنْ تَعَدَّدَ إلّا أنَّهُ يَتَّحِدُ وراءَ مَحَلِّ تَعَدُّدِهِ، وجُمِعَ الأحْياءُ والأمْواتُ عَلى بابِهِ لِتَعَدُّدِ المُشَبَّهِ بِهِما ولَمْ يُجْمَعِ الأعْمى والبَصِيرُ لِذَلِكَ لِأنَّ القَصْدَ إلى الجِنْسِ، والمُفْرَدُ أظْهَرُ فِيهِ مَعَ أنَّ في البُصَراءِ تَرْكَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ، وهو عَلى الذَّوْقِ السَّلِيمِ دُونَ البَصِيرِ، فَتَدَبَّرْ جَمِيعَ ذَلِكَ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ وهو العَلِيمُ الخَبِيرُ.

وقَرَأ الأشْهَبُ والحَسَنُ «بِمُسْمِعِ مَن» بِالإضافَةِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ ٢٣ إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا ۚ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌۭ ٢٤

﴿ إنْ أنْتَ إلا نَذِيرٌ ﴾ أيْ ما عَلَيْكَ إلّا أنْ تَبْلُغَ وتُنْذِرَ، فَإنْ كانَ المُنْذِرُ مِمَّنْ أرادَ اللَّهُ تَعالى هِدايَتَهُ سَمِعَ واهْتَدى، وإنْ كانَ مِمَّنْ أرادَ سُبْحانَهُ ضَلالَهُ وطَبَعَ عَلى قَلْبِهِ فَما عَلَيْكَ مِنهُ تَبِعَةٌ.

﴿ إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ ﴾ أيْ مُحِقِّينَ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوْ مُحِقًّا عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ أوْ إرْسالًا مَصْحُوبًا بِالحَقِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعَلُّقَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ بَشِيرًا ﴾ ومُتَعَلِّقُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونَذِيرًا ﴾ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المُقابِلِ عَلى مُقابِلِهِ، أيْ بَشِيرًا بِالوَعْدِ الحَقِّ ونَذِيرًا بِالوَعِيدِ الحَقِّ.

﴿ وإنْ مِن أُمَّةٍ ﴾ أيْ ما مِن جَماعَةٍ كَثِيرَةِ أهْلِ عَصْرٍ وأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ الدّارِجَةِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ ﴿ إلا خَلا ﴾ مَضى ﴿ فِيها نَذِيرٌ ﴾ مِن نَبِيٍّ أوْ عالِمٍ يُنْذِرُها، والِاكْتِفاءُ بِذِكْرِهِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ النِّذارَةَ قَرِيبَةُ البِشارَةِ لا سِيَّما وقَدِ اِقْتَرَنا آنِفًا مَعَ أنَّ الإنْذارَ أنْسَبُ بِالمَقامِ، وقِيلَ خَصَّ النَّذِيرَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ البِشارَةَ لا تَكُونُ إلّا بِالسَّمْعِ فَهو مِن خَصائِصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فالبَشِيرُ نَبِيٌّ أوْ ناقِلٌ عَنْهُ بِخِلافِ النِّذارَةِ فَإنَّهُ تَكُونُ سَمْعًا وعَقْلًا، فَلِذا وُجِّهَ النَّذِيرُ في كُلِّ أُمَّةٍ، وفِيهِ بَحْثٌ.

واسْتَدَلَّ بَعْضُ النّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ  ﴾ عَلى في البَهائِمِ وسائِرِ الحَيَواناتِ أنْبِياءُ أوْ عُلَماءُ يُنْذِرُونَ، والِاسْتِدْلالُ بِذَلِكَ باطِلٌ لا يَكادُ نَفْيُ بُطْلانِهِ عَلى أحَدٍ حَتّى عَلى البَهائِمِ، ولَمْ نَسْمَعِ القَوْلَ بِنُبُوَّةٍ فَرْدٍ مِنَ البَهائِمِ ونَحْوِها إلّا عَنِ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ ومَن تابَعَهُ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ القَوْلَ بِذَلِكَ كُفْرٌ والعِياذُ بِاَللَّهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ ٢٥

﴿ وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ مِنَ الأُمَمِ العاتِيَةِ فَلا تَحْزَنْ مِن تَكْذِيبِ هَؤُلاءِ إيّاكَ.

﴿ جاءَتْهم رُسُلُهُمْ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ إمّا بِدُونِ تَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِتَقْدِيرِها، أيْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم ﴿ بِالبَيِّناتِ ﴾ أيْ بِالمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ فِيما يَدَّعُونَ ﴿ وبِالزُّبُرِ ﴾ كَصُحُفِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ وبِالكِتابِ المُنِيرِ ﴾ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى إرادَةِ التَّفْصِيلِ يَعْنِي أنَّ بَعْضَهم جاءَ بِهَذا وبَعْضَهم جاءَ بِهَذا لا عَلى إرادَةِ الجَمْعِ، وأنَّ كُلَّ رَسُولٍ جاءَ بِجَمِيعِ ما ذُكِرَ حَتّى يَلْزَمَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ رَسُولٍ كِتابٌ، وعَدَدُ الرُّسُلِ أكْثَرُ بِكَثِيرٍ مِن عَدَدِ الكُتُبِ كَما هو مَعْرُوفٌ، ومَآلُ هَذا إلى مَنعِ الخُلُوِّ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالزُّبُرِ والكِتابِ واحِدٌ، والعَطْفُ لِتُغايِرِ العُنْوانَيْنِ لَكِنْ فِيهِ بُعْدٌ.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ٢٦

﴿ ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِذَمِّهِمْ بِما حَيِّزُ الصِّلَةِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الأخْذِ ﴿ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ أيْ إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِالعُقُوبَةِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَشْدِيدٍ وتَهْوِيلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِ هَذا في سَبَأٍ، فَتَذَكَّرْ.

وفِي الآيَةِ مِن تَسْلِيَتِهِ  ما فِيها <div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٍۢ مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهَا ۚ وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌۢ بِيضٌۭ وَحُمْرٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌۭ ٢٧

﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ﴾ ماءً إلخ، اِسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ عَلى ما يَخْطُرُ بِالبالِ لِتَقْرِيرِ ما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: هو لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِنَ اِخْتِلافِ النّاسِ بِبَيانِ أنَّ الِاخْتِلافَ والتَّفاوُتَ أمْرٌ مُطَّرِدٌ في جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ مِنَ النَّباتِ والجَمادِ والحَيَوانِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: تَقْرِيرٌ لِوَحْدانِيَّتِهِ تَعالى بِأدِلَّةٍ سَماوِيَّةٍ وأرْضِيَّةٍ إثْرَ تَقْرِيرِها بِأمْثالٍ ضَرَبَها جَلَّ شَأْنُهُ، وهَذا كَما تَرى، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ لِأنَّ إنْزالَ المَطَرِ وإنْ كانَ مُدْرَكًا بِالبَصَرِ لَكِنَّ إنْزالَ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، والخِطابُ عامٌّ، أيْ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ مِن جِهَةِ العُلُوِّ ماءً ﴿ فَأخْرَجْنا بِهِ ﴾ أيْ بِذَلِكَ الماءِ عَلى أنَّهُ سَبَبٌ عادِيٌّ لِلْإخْراجِ، وقِيلَ: أيْ أخْرَجْنا عِنْدَهُ، والِالتِفاتُ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِالفِعْلِ لِما فِيهِ مِنَ الصُّنْعِ البَدِيعِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ.

﴿ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها ﴾ أيْ أنْواعُها مِنَ التُّفّاحِ والرُّمّانِ والعِنَبِ والتِّينِ وغَيْرِها مِمّا لا يُحْصَرُ، وهَذا كَما يُقالُ فُلانٌ أتى بِألْوانٍ مِنَ الأحادِيثِ وقَدَّمَ كَذا لَوْنًا مِنَ الطَّعامِ، واخْتِلافُ كُلِّ نَوْعٍ بِتَعَدُّدِ أصْنافِهِ كَما في التُّفّاحِ فَإنَّ لَهُ أصْنافًا مُتَغايِرَةً لَذَّةً وهَيْئَةً، وكَذا في سائِرِ الثَّمَراتِ ولا يَكادُ يُوجَدُ نَوْعٌ مِنها إلّا وهو ذُو أصْنافٍ مُتَغايِرَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ اِخْتِلافُ كُلِّ نَوْعٍ بِاخْتِلافِ أفْرادِهِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ حَمْلُ الألْوانِ عَلى مَعْناها المَعْرُوفِ واخْتِلافُها بِالصُّفْرَةِ والحُمْرَةِ والخُضْرَةِ وغَيْرِها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وهو الأوْفَقُ لِما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ ﴾ وهو إمّا عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ بِحَسَبِ المَعْنى أوْ حالٌ وكَوْنُهُ اِسْتِئْنافًا مَعَ اِرْتِباطِهِ بِما قَبْلَهُ غَيْرُ ظاهِرٍ، و ﴿ جُدَدٌ ﴾ جُمَعُ جُدَّةٍ بِالضَّمِّ وهي الطَّرِيقَةُ مِن جَدَّهُ إذا قَطَعَهُ، وقالَ أبُو الفَضْلِ: هي مِنَ الطَّرائِقِ ما يُخالِفُ لَوْنُهُ لَوْنَ ما يَلِيهِ ومِنهُ جُدَّةُ الحِمارِ لِلْخَطِّ الَّذِي في وسَطِ ظَهْرِهِ يُخالِفُ لَوْنَهُ، وسَألَ اِبْنُ الأزْرَقِ اِبْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ الجُدَدِ فَقالَ: طَرائِقُ طَرِيقَةٌ بَيْضاءُ وطَرِيقَةٌ خَضْراءُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: قَدْ غادَرَ السَّبُعُ في صَفَحاتِها جُدَدًا كَأنَّها طُرُقٌ لاحَتْ عَلى أكَمِ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ إنْ لَمْ تُقْصَدِ المُبالَغَةُ، لِأنَّ الجِبالَ لَيْسَتْ نَفْسَ الطَّرائِقِ، أيْ ذُو جُدَدٍ.

وقَرَأ الزُّهْرِيُّ «جُدُدٌ» بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ جَدِيدَةٍ كَسَفِينَةٍ وسُفُنٍ وهي بِمَعْنى جِدَّةٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ هو جَمْعُ جَدِيدٍ بِمَعْنى آثارٍ جَدِيدَةٍ واضِحَةِ الألْوانِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا مَدْخَلَ لِمَعْنى الجَدِيدَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، ولَعَلَّ مَن يَقُولُ بِتَجَدُّدِ حُدُوثِ الجِبالِ وتَكَوُّنِها مِن مِياهٍ تَنْبُعُ مِنَ الأرْضِ وتَتَحَجَّرُ أوَّلًا فَأوَّلًا ثُمَّ تَنْبُعُ مِن مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِمّا تَحَجَّرَ فَتَتَحَجَّرُ أيْضًا، وهَكَذا حَتّى يَحْصُلَ جَبَلٌ لا يَأْبى حَمْلَ الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى ما ذُكِرَ.

والظّاهِرُ مِنَ الآياتِ والأخْبارِ أنَّ الجِبالَ أحْدَثَها اللَّهُ تَعالى بُعَيْدَ خَلْقِ الأرْضِ لِئَلّا تَمِيدُ بِسُكّانِها، والفَلاسِفَةُ يَزْعُمُونَ أنَّها كانَتْ طِينًا في بِحارٍ اِنْحَسَرَتْ ثُمَّ تَحَجَّرَتْ، وقَدْ أطالَ الإمامُ الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في كِتابِهِ (اَلْمَباحِثِ المَشْرِقِيَّةِ) واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ، بِوُجُودِ أشْياءَ بَحْرِيَّةٍ كالصَّدَفِ بَيْنَ أجْزائِها، وهَذا عِنْدَ تَدْقِيقِ النَّظَرِ هَباءٌ وأكْثَرُ الأدِلَّةِ مُثْلَةً، ومَن أرادَ الِاطِّلاعَ عَلى ما قالُوا فَلْيَرْجِعْ إلى كُتُبِهِمْ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ «جَدَدٌ» بِفَتْحَتَيْنِ ولَمْ يُجِزْ ذَلِكَ أبُو حاتِمٍ، وقالَ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لا تَصِحُّ مِن حَيْثُ المَعْنى وصَحَّحَها غَيْرُهُ وقالَ: الجَدَدُ الطَّرِيقُ الواضِحُ المُبِينُ، إلّا أنَّهُ وُضِعَ المُفْرِدُ مَوْضِعَ الجَمْعِ، ولِذا وُصِفَ بِالجَمْعِ، وقِيلَ هو مِن بابِ نُطْفَةٍ أمْشاجٍ وثَوْبٍ أخْلاقٍ لِاشْتِمالِ الطَّرِيقِ عَلى قَطْعٍ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ ظاهِرٍ ولا مُناسِبٍ لِجَمْعِ الجِبالِ ﴿ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها ﴾ أيْ أصْنافُها بِالشِّدَّةِ والضَّعْفِ لِأنَّها مَقُولَةٌ بِالتَّشْكِيكِ، فَمُخْتَلِفٌ صِفَةُ بَيْضٍ وحُمْرٍ، و ﴿ ألْوانُها ﴾ فاعِلُ لَهُ ولَيْسَ بِمُبْتَدَأٍ، و ﴿ مُخْتَلِفٌ ﴾ خَبَرُهُ لِوُجُوبِ مُخْتَلِفَةٍ حِينَئِذٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةُ ﴿ جُدَدٌ ﴾ و( غَرابِيبُ ) عَطْفٌ عَلى ﴿ بِيضٌ ﴾ فَهو مِن تَفاصِيلِ الجُدُدِ والصِّفاتِ القائِمَةِ بِها، أيْ ومِنَ الجِبالِ ذُو جُدُدٍ بِيضٍ وحُمْرٍ، وغَرابِيبُ والغِرْبِيبُ هو الَّذِي أبْعَدَ في السَّوادِ وأغْرَبَ فِيهِ ومِنهُ الغُرابُ، وكَثُرَ في كَلامِهِمُ إتْباعُهُ لِلْأسْوَدِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لَهُ أوْ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ فَقالُوا أسْوَدُ غِرْبِيبٌ، كَما قالُوا: أبْيَضُ يَقَقٌ وأصْفَرُ فاقِعٌ وأحْمَرُ قانٍ.

وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ ( غَرابِيبُ ) هُنا تَأْكِيدٌ لِمَحْذُوفٍ والأصْلُ وسُودٌ غَرابِيبُ أيْ شَدِيدَةُ السَّوادِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ إلّا عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ حَذْفَ المُؤَكَّدِ، ومِنَ النُّحاةِ مَن مَنَعَ ذَلِكَ وهو اِخْتِيارُ اِبْنِ مالِكٍ لِأنَّ التَّأْكِيدَ يَقْتَضِي الِاعْتِناءَ والتَّقْوِيَةَ وقَصْدَ التَّطْوِيلِ والحَذْفَ يَقْتَضِي خِلافَهُ، ورَدَّهُ الصَّفّارُ كَما في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) لِأنَّ المَحْذُوفَ لِدَلِيلٍ كالمَذْكُورِ فَلا يُنافِي تَأْكِيدَهُ، وفي بَعْضِ شُرُوحِ (اَلْمُفَصَّلِ) أنَّهُ صِفَةٌ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ أُقِيمَ مَقامَهُ بَعْدَ حَذْفِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سُودٌ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، وهو مُفَسِّرٌ لِلْمَحْذُوفِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ النّابِغَةِ: والمُؤْمِنِ العائِذاتِ الطَّيْرِ يَمْسَحُها ∗∗∗ رُكْبانُ مَكَّةَ بَيْنَ الغَيْلِ والسَّنَدِ وفِيهِ التَّفْسِيرُ بَعْدَ الإبْهامِ ومَزِيدُ الِاعْتِناءِ بِوَصْفِ السَّوادِ حَيْثُ دَلَّ عَلَيْهِ مِن طَرِيقِ الإضْمارِ والإظْهارِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ﴿ جُدَدٌ ﴾ عَلى مَعْنى: ومِنَ الجِبالِ ذُو جُدُدٍ مُخْتَلِفِ اللَّوْنِ ومِنها غَرابِيبُ مُتَّحِدَةُ اللَّوْنِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ المُقابَلَةُ، وإخْراجُ التَّرْكِيبِ عَلى الأُسْلُوبِ الَّذِي سَمِعْتَهُ، وكَأنَّهُ لَمّا اِعْتَنى بِأمْرِ السَّوادِ بِإفادَةِ أنَّهُ في غايَةِ الشِّدَّةِ لَمْ يَذْكُرْ بَعْدَهُ الِاخْتِلافَ بِالشِّدَّةِ والضَّعْفِ.

وقالَ الفَرّاءُ: الكَلامُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ سُودٌ غَرابِيبُ، وقِيلَ لَيْسَ هُناكَ مُؤَكَّدٌ ولا مَوْصُوفٌ مَحْذُوفٌ، وإنَّما ( غَرابِيبُ ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ جُدَدٌ ﴾ أوْ عَلى ﴿ بِيضٌ ﴾ مِن أوَّلِ الأمْرِ و ﴿ سُودٌ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ.

قالَ في البَحْرِ: وهَذا حَسَنٌ ويُحَسِّنُهُ كَوْنُ غِرْبِيبٍ لَمْ يَلْزَمْ فِيهِ أنْ يُسْتَعْمَلَ تَأْكِيدًا، ومِنهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُبْغِضُ الشَّيْخَ الغِرْبِيبَ وهو الَّذِي يُخَضِّبُ بِالسَّوادِ، وفَسَّرَهُ اِبْنُ الأثِيرِ بِاَلَّذِي لا يَشِيبُ أيْ لِسَفاهَتِهِ أوْ لِعَدَمِ اِهْتِمامِهِ بِأمْرِ آخِرَتِهِ، وحُكِيَ ما في البَحْرِ بِصِيغَةِ قِيلَ، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎العَيْنُ طامِحَةٌ واليَدُ شامِخَةٌ ∗∗∗ والرِّجْلُ لائِحَةٌ والوَجْهُ غِرْبِيبُ <div class="verse-tafsir"

وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلْأَنْعَـٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا۟ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ٢٨

﴿ ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ ﴾ أيْ ومِنهم بَعْضٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ أوْ بَعْضُهم مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ عَلى ما ذَكَرُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ  ﴾ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها وحُكْمُها حُكْمُها.

وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ إيرادَ الجُمْلَتَيْنِ اِسْمِيَّتَيْنِ مَعَ مُشارَكَتِهِما لِما قَبْلَهُما مِنَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ في الِاسْتِشْهادِ بِمَضْمُونِها عَلى تَبايُنِ النّاسِ في الأحْوالِ الباطِنَةِ لِما أنَّ اِخْتِلافَ الجِبالِ والنّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ فِيما ذُكِرَ مِنَ الألْوانِ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ فَعُبِّرَ عَنْهُ بِما يَدُلُّ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وأمّا إخْراجُ الثَّمَراتِ المُخْتَلِفَةِ فَحَيْثُ كانَ أمْرًا حادِثًا عُبِّرَ عَنْهُ بِما يَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ، ثُمَّ لَمّا كانَ فِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ عُلِّقَ بِهِ الرُّؤْيَةُ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ المُنْبِئِ عَنِ الحَمْلِ عَلَيْها والتَّرْغِيبِ فِيها بِخِلافِ أحْوالِ الجِبالِ والنّاسِ وغَيْرِهِما فَإنَّها مُشاهَدَةٌ غَنِيَّةٌ عَنِ التَّأمُّلِ، فَلِذَلِكَ جُرِّدَتْ عَنِ التَّعْلِيقِ بِالرُّؤْيَةِ، فَتَدَبَّرْ اه.

وما ذَكَرَهُ مِن أمْرِ تَعْلِيقِ الرُّؤْيَةِ مُخالِفٌ لِما في البَحْرِ حَيْثُ قالَ: وهَذا اِسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ ولا يَكُونُ إلّا في الشَّيْءِ الظّاهِرِ جِدًّا فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ الزُّهْرِيُّ «والدَّوابُ» بِتَخْفِيفِ الباءِ مُبالَغَةً في الهَرَبِ مِنَ اِلْتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما هَمَزَ بَعْضُهم ﴿ ولا الضّالِّينَ ﴾ لِذَلِكَ.

وقَرَأ اِبْنُ السَّمَيْقَعِ «ألْوانُها»، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَذَلِكَ ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ مُخْتَلِفٍ المُؤَكَّدِ والتَّقْدِيرُ مُخْتَلِفٌ اِخْتِلافًا كائِنًا كَذَلِكَ، أيْ كاخْتِلافِ الثَّمَراتِ والجِبالِ فَهو مِن تَمامِ الكَلامِ قَبْلَهُ والوَقْفُ عَلَيْهِ حَسَنٌ بِإجْماعِ أهْلِ الأداءِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ ﴾ تَكْمِلَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ  ﴾ بِتَعْيِينِ مَن يَخْشاهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ النّاسِ بَعْدَ الإيماءِ إلى بَيانِ شَرَفِ الخَشْيَةِ ورَداءَةِ ضِدِّها وتَوَعُّدِ المُتَّصِفِينَ بِهِ وتَقْرِيرِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ المُسْتَدْعِي لِلْخَشْيَةِ عَلى ما نَقُولُ أوْ بَعْدَ بَيانِ اِخْتِلافِ طَبَقاتِ النّاسِ وتَبايُنِ مَراتِبِهِمْ، إمّا في الأوْصافِ المَعْنَوِيَّةِ فَبِطْرِيقِ التَّمْثِيلِ وإمّا في الأوْصافِ الصُّورِيَّةِ فَبِطْرِيقِ التَّصْرِيحِ تَوْفِيَةً لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما حَقَّها اللّائِقَ بِها مِنَ البَيانِ، وقِيلَ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ، أيْ كَما بُيِّنَ ولُخِّصَ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿ إنَّما يَخْشى اللَّهَ ﴾ إلخ وسُلِكَ بِهِ مَسْلَكَ الكِنايَةِ مِن بابِ العَرَبِ لا تَخْفِرُ الذِّمَمَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ العِلْمَ يَقْتَضِي الخَشْيَةَ ويُناسِبُها، وهو تَخَلُّصٌ إلى ذِكْرِ أوْلِيائِهِ تَعالى مَعَ إفادَةِ أنَّهُمُ الَّذِينَ نَفَعَ فِيهِمُ الإنْذارُ وأنَّ لَكَ بِهِمْ غُنْيَةٌ عَنْ هَؤُلاءِ المُصِرِّينَ، قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: والرَّفْعُ أظْهَرُ لِيَكُونَ مِن فَصْلِ الخِطابِ.

وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَهُ خارِجًا مَخْرَجَ السَّبَبِ، أيْ كَذَلِكَ الِاعْتِبارُ والنَّظَرُ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى واخْتِلافِ ألْوانِها يَخْشى اللَّهَ العُلَماءُ، ورَدَّهُ السَّمِينُ بِأنَّ إنَّما لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها وبِأنَّ الوَقْفَ عَلى كَذَلِكَ عِنْدَ أهْلِ الأداءِ جَمِيعًا، وارْتَضاهُ الخَفاجِيُّ وقالَ: وبِهِ ظَهَرَ ضَعْفُ ما قِيلَ: إنَّ المَعْنى الأمْرُ كَذَلِكَ أيْ كَما بُيِّنَ ولُخِّصَ عَلى أنَّهُ تَخَلُّصٌ لِذِكْرِ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ أنَّهُ لَيْسَ في هَذا المَعْنى عَمَلُ ما بَعْدَ إنَّما فِيما قَبْلَها وإجْماعُ أهْلِ الأداءِ عَلى الوَقْفِ عَلى ﴿ كَذَلِكَ ﴾ إنْ سُلِّمَ لا يَظْهَرُ بِهِ ضَعْفُ ذَلِكَ، وفي بَعْضِ التَّفاسِيرِ المَأْثُورَةِ عَنِ السَّلَفِ ما يُشْعِرُ بِتَعَلُّقِ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ بِما بَعْدَهُ.

أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ كَما اِخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأنْعامُ تَخْتَلِفُ النّاسُ في خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى كَذَلِكَ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ والأظْهَرُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وما قِيلَ أدَقُّ وألْطَفُ.

والمُرادُ بِالعُلَماءِ العالِمُونَ بِاَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبِما يَلِيقُ بِهِ مِن صِفاتِهِ الجَلِيلَةِ وأفْعالِهِ الحَمِيدَةِ وسائِرِ شُؤُونِهِ الجَمِيلَةِ لا العارِفُونَ بِالنَّحْوِ والصَّرْفِ مَثَلًا، فَمَدارُ الخَشْيَةِ ذَلِكَ العِلْمُ لا هَذِهِ المَعْرِفَةُ فَكُلُّ مَن كانَ أعْلَمَ بِهِ تَعالى كانَ أخْشى.

رَوى الدّارِمِيُّ عَنْ عَطاءٍ قالَ: قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يا رَبِّ أيُّ عِبادِكَ أحْكَمُ؟

قالَ الَّذِي يَحْكُمُ لِلنّاسِ كَما يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ، قالَ: يا رَبِّ أيُّ عِبادِكَ أغْنى؟

قالَ: أرْضاهم بِما قَسَّمْتُ لَهُ، قالَ: يا رَبِّ أيْ عِبادِكَ أخْشى؟

قالَ: أعْلَمَهم بِي، وصَحَّ عَنْهُ  أنَّهُ قالَ: ««أنا أخْشاكم لِلَّهِ وأتْقاكم لَهُ»».

ولِكَوْنِهِ المَدارَ ذُكِرَتِ الخَشْيَةُ بَعْدَ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، ولِهَذِهِ المُناسَبَةِ فَسَّرَ اِبْنُ عَبّاسٍ كَما أخْرَجَ عَنْهُ اِبْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ ﴿ العُلَماءُ ﴾ في الآيَةِ بِاَلَّذِينِ يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ الخاشِينَ والإخْبارُ بِأنَّهُمُ العُلَماءُ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ ولَوْ أُخِّرَ لَكانَ المَقْصُودُ بَيانَ المَخْشِيِّ والإخْبارَ بِأنَّهُ اللَّهُ تَعالى دُونَ غَيْرِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهَ  ﴾ والمَقامُ لا يَقْتَضِيهِ بَلْ يَقْتَضِي الأوَّلَ لِيَكُونَ تَعْرِيضًا بِالمُنْذِرِينَ المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ والعِنادِ وأنَّهم جُهَلاءُ بِاَللَّهِ تَعالى وبِصِفاتِهِ ولِذَلِكَ لا يَخْشَوْنَ اللَّهَ تَعالى ولا يَخافُونَ عِقابَهُ.

وأنْكَرَ بَعْضُهم إفادَةَ ( إنَّما ) هُنا لِلْحَصْرِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وأبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُما قُرِآ «إنَّما يَخْشى اللَّهُ» بِالرَّفْعِ «اَلْعُلَماءَ» بِالنَّصْبِ وطَعَنَ صاحِبُ النَّشْرِ في هَذِهِ القِراءَةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: لَعَلَّها لا تَصِحُّ عَنْهُما، وقَدْ رَأيْنا كُتُبًا في الشَّواذِّ ولَمْ يَذْكُرُوا هَذِهِ القِراءَةَ وإنَّما ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ وذَكَرَها عَنْ أبِي حَيْوَةَ أبُو القاسِمِ يُوسُفُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جُنادَةَ في كِتابِهِ الكامِلِ وخُرِّجَتْ عَلى أنَّ الخَشْيَةَ مَجازٌ عَنِ التَّعْظِيمِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ فَإنَّ المُعَظَّمَ يَكُونُ مَهِيبًا، وقِيلَ الخَشْيَةُ تَرِدُ بِمَعْنى الِاخْتِيارِ كَقَوْلِهِ: خَشِيتُ بَنِي عَمِّي فَلَمْ أرَ مِثْلَهُمْ ﴿ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الخَشْيَةِ لِأنَّ العِزَّةَ دالَّةٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقامِ، ولا يُوصَفُ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ إلّا القادِرُ عَلى العُقُوبَةِ، وقِيلَ ذُكِرَ ( غَفُورٌ ) مِن بابِ التَّكْمِيلِ نَظِيرَ ما في بَيْتِ الغَنَوِيِّ المَذْكُورِ آنِفًا.

والآيَةُ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقَدْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ الخَشْيَةُ حَتّى عُرِفَتْ فِيهِ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ﴾ أيْ يُداوِمُونَ عَلى قِراءَتِهِ حَتّى صارَتْ سِمَةً لَهم وعُنْوانًا كَما يُشْعِرُ بِهِ صِيغَةُ المُضارِعِ ووُقُوعُهُ صِلَةً واخْتِلافُ الفِعْلَيْنِ، والمُرادُ بِكِتابِ اللَّهِ القُرْآنُ فَقَدْ قالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ: هَذِهِ آيَةُ القُرّاءِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في حُصَيْنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ القُرَشِيِّ، ثُمَّ إنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فَلِذا قالَ السُّدِّيُّ في التّالِينَ: هم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  ، وقالَ عَطاءٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ أيْ عامَّةً وهو الأرْجَحُ، ويَدْخُلُ الأصْحابُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقِيلَ: مَعْنى يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ يَتَّبِعُونَهُ فَيَعْمَلُونَ بِما فِيهِ، وكَأنَّهُ جَعَلَ يَتْلُو مِن تَلاهُ إذا تَبِعَهُ أوْ حَمَلَ التِّلاوَةَ المَعْرُوفَةَ عَلى العَمَلِ لِأنَّها لَيْسَ فِيها كَثِيرُ نَفْعٍ دُونَهُ، وقَدْ ورَدَ: ««رُبَّ قارِئٍ لِلْقُرْآنِ والقُرْآنُ يَلْعَنَهُ»».

ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِهِمْ بِاخْتِيارِ المَعْنى المُتَبادَرِ حَيْثُ قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الخَشْيَةَ وهي عَمَلُ القَلْبِ ذَكَرَ بَعْدَها عِلْمَ اللِّسانِ والجَوارِحِ والعِبادَةِ المالِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى جِنْسُ كُتُبِهِ عَزَّ وجَلَّ الصّادِقُ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وغَيْرِهِما فَيَكُونُ ثَناءً عَلى المُصَدِّقِينَ مِنَ الأُمَمِ بَعْدَ اِقْتِصاصِ حالِ المُكَذِّبِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ يُكَذِّبُوكَ ﴾ إلخ والمُضارِعُ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، والمَقْصُودُ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ وبَيانِ ما لَهم حَثُّ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى اِتِّباعِهِمْ وأنْ يَفْعَلُوا نَحْوَ ما فَعَلُوا، والوَجْهُ الأوَّلُ أوْجَهُ كَما لا يَخْفى، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ يَرْجُونَ تِجَـٰرَةًۭ لَّن تَبُورَ ٢٩

﴿ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ﴾ أيْ مُسِرِّينَ ومُعْلِنِينَ أوْ في سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، والمُرادُ يُنْفِقُونَ كَيْفَما اِتَّفَقَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْهِما، وقِيلَ السِّرُّ في الإنْفاقِ المَسْنُونِ والعَلانِيَةُ في الإنْفاقِ المَفْرُوضِ، وفي كَوْنِ الإنْفاقِ مِمّا رُزِقُوا إشارَةٌ إلى أنَّهم لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَبْسُطُوا أيْدِيَهم كُلَّ البَسْطِ، ومَقامُ التَّمَدُّحِ مُشْعِرٌ بِأنَّهم تَحَرَّوُا الحَلالَ الطَّيِّبَ، وقِيلَ جِيءَ بِمِن لِذَلِكَ، والمُعْتَزِلَةُ يَخُصُّونَ الرِّزْقَ بِالحَلالِ وهو أنْسَبُ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ، ومَن لا يَخُصُّهُ بِالحَلالِ يَقُولُ هو التَّعْظِيمُ والحَثُّ عَلى الإنْفاقِ.

﴿ يَرْجُونَ ﴾ بِما آتَوْا مِنَ الطّاعاتِ ﴿ تِجارَةً ﴾ أيْ مُعامَلَةً مَعَ اللَّهِ تَعالى لِنَيْلِ رِبْحِ الثَّوابِ عَلى أنَّ التِّجارَةَ مَجازٌ عَمّا ذُكِرَ، والقَرِينَةُ حالِيَّةٌ كَما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَنْ تَبُورَ ﴾ أيْ لَنْ تَكْسُدَ، وقِيلَ لَنْ تَهْلَكَ بِالخُسْرانِ صِفَةُ تِجارَةٍ وتَرْشِيحٌ لِلْمَجازِ، وجُمْلَةُ ﴿ يَرْجُونَ ﴾ إلخ عَلى ما قالَ الفَّرّاءُ وأبُو البَقاءِ خَبَرُ إنَّ، وفي إخْبارِهِ تَعالى عَنْهم بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم لا يَقْطَعُونَ بِنِفاقِ تِجارَتِهِمْ بَلْ يَأْتُونَ ما آتَوْا مِنَ الطّاعاتِ وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُمْ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ التِّجارَةَ مَجازًا عَنْ تَحْصِيلِ الثَّوابِ بِالطّاعَةِ وأمْرُ التَّرْشِيحِ عَلى حالِهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو السُّعُودِ، ثُمَّ قالَ: والإخْبارُ بِرَجائِهِمْ مِن أكْرَمِ الأكْرَمِينَ عِدَّةٌ قَطْعِيَّةٌ بِحُصُولِ مَرْجُوِّهِمْ.

وظاهِرُ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ مِن تَفْسِيرِهِ التِّجارَةَ بِالجَنَّةِ أنَّها مَجازٌ عَنِ الرِّبْحِ، وفَسَّرَ ﴿ لَنْ تَبُورَ ﴾ بِلَنْ تَبِيدَ وهو كَما تَرى.

<div class="verse-tafsir"

لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ غَفُورٌۭ شَكُورٌۭ ٣٠

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ عِنْدَ بَعْضٍ بِما دَلَّ عَلَيْهِ لَنْ تُعَلَّقَ ( بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ) في قَوْلِهِ تَعالى: ما ﴿ أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ  ﴾ بِما دَلَّ عَلَيْهِ (ما) لا بِالحَرْفِ إذْ لا يَتَعَلَّقُ الجارُّ بِهِ عَلى المَشْهُورِ أيْ يَنْتَفِي الكَسادُ عَنْها وتُنْفَقُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لِيُوَفِّيَهم أُجُورَ أعْمالِهِمْ.

﴿ ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ ﴾ عَلى ذَلِكَ مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ ما يَشاءُ، وعَنْ أبِي وائِلٍ زِيادَتُهُ تَعالى إيّاهم بِتَشْفِيعِهِمْ فِيمَن أحْسَنَ إلَيْهِمْ، وقالَ الضَّحّاكُ: بِتَفْسِيحِ القُلُوبِ، وفي الحَدِيثِ بِتَضْعِيفِ حَسَناتِهِمْ، وقِيلَ بِالنَّظَرِ إلى وجْهِهِ تَعالى الكَرِيمِ.

والظّاهِرُ أنَّ ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ راجِعٌ لِما عِنْدَهُ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَوْفِيَةَ أُجُورِهِمْ كالواجِبِ لِكَوْنِهِ جَزاءً لَهم بِوَعْدِهِ سُبْحانَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلَيْهِما أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ وهو ما عُدَّ مِن أفْعالِهِمُ المَرْضِيَّةِ، أيْ فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم الخ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِما قَبْلَهُ عَلى التَّنازُعِ، وصَنِيعُ أبِي البَقاءِ يُشْعِرُ بِاخْتِيارِ تَعَلُّقِهِ بِ (يَرْجُونَ) وجَعْلِ اللّامِ عَلَيْهِ لامَ الصَّيْرُورَةِ، ويُعَقَّبُ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن جَعْلِها لامَ العِلَّةِ كَما هو الشّائِعُ الكَثِيرُ ولا يَظْهَرُ لِلْعُدُولِ عَنْهُ وجْهٌ.

ووَجَّهَ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ بِأنَّ غَرَضَهم فِيما فَعَلُوا لَمْ يَكُنْ سِوى تِجارَةٍ غَيْرِ كاسِدَةٍ لِأنَّ صِلَةَ المَوْصُولِ هُنا عِلَّةٌ وإيذانٌ بِتَحَقُّقِ الخَبَرِ، ولَمّا أدّى ذَلِكَ إلى أنْ وفّاهُمُ اللَّهُ تَعالى أُجُورَهم أتى بِاللّامِ، وإنَّما لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ كاَلزَّمَخْشَرِيِّ لِأنَّ هَذِهِ اللّامَ لا تُوجَدُ إلّا فِيما يَتَرَتَّبُ الثّانِي الَّذِي هو مُدْخُولُها عَلى الأوَّلِ ولا يَكُونُ مَطْلُوبًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّوْفِيَةِ والزِّيادَةِ عِنْدَ الكَثِيرِ أيْ غَفُورٌ لِفُرُطاتِ المُطِيعِينَ شَكُورٌ لِطاعاتِهِمْ، أيْ مُجازِيهِمْ عَلَيْها أكْمَلَ الجَزاءِ فَيُوَفِّي هَؤُلاءِ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ لَهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو الخَبَرُ بِتَقْدِيرِ العائِدِ وجُمْلَةُ ( يَرْجُونَ ) حالٌ مِن ضَمِيرِ ( أنْفَقُوا ) بِناءً عَلى أنَّ القَيْدَ المُتَعَقَّبَ لِأُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ يَخْتَصُّ بِالأخِيرِ كَما هو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أوْ عَلى أنَّ رَجاءَ التِّجارَةِ النّافِقَةِ أوْفَقُ بِالإنْفاقِ أوْ مِن مُقَدَّرٍ أيْ فَعَلُوا جَمِيعَ ذَلِكَ راجِينَ.

واسْتَظْهَرَهُ الطِّيبِيُّ، والجُمْلَةُ عَلَيْهِ مُعْتَرِضَةٌ فَلا يَرِدُ أنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ بِأجْنَبِيٍّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( الَّذِينَ ) عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ، ولَمْ يَشْتَهِرِ التَّنازُعُ في الحالِ وأنا لا أرى فِيهِ بَأْسًا، واسْتَظْهَرَ بَعْضُ المُعاصِرِينَ جَعْلَ الجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ حالًا مِن ضَمِيرِ ( أنْفَقُوا ) لِقُرْبِهِ وشَدَّةِ المُلاءَمَةِ بَيْنَ الإنْفاقِ ورَجاءِ تِجارَةٍ لَها نِفاقٌ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قَدْ حُذِفَ فِيما تَقَدَّمَ نَظِيرُها لِدَلالَتِها عَلَيْهِ، وجَعْلَ ﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ ﴾ مُتَنازِعًا فِيهِ لِلْأفْعالِ الثَّلاثَةِ المُتَعاطِفَةِ أوْ جَعْلَ الجُمْلَةِ حالًا مِن مُقَدَّرٍ كَما سَمِعْتَ آنِفًا ﴿ ولِيُوَفِّيَهُمْ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِ (يَرْجُونَ)، وجُمْلَةُ ﴿ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ والرَّبْطُ مَحْذُوفٌ، وفي جُمْلَةِ ﴿ يَرْجُونَ ﴾ إلخ اِحْتِمالُ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ ولَوْ عَلى بُعْدٍ ولَمْ أرَ مَن أشارَ إلَيْهِ، فَتَدَبَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِۦ لَخَبِيرٌۢ بَصِيرٌۭ ٣١

﴿ والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ ﴾ وهو القُرْآنُ، ومِن لِلتَّبْيِينِ إذِ القُرْآنُ أخَصُّ مِنَ الَّذِي أوْحَيْنا مَفْهُومًا وإنِ اِتَّحَدا ذاتًا أوْ، جِنْسُ الكِتابِ ومِن لِلتَّبْعِيضِ إذِ المُرادُ مِن ( الَّذِي أوْحَيْنا ) هو القُرْآنُ وهو بَعْضُ جِنْسِ الكِتابِ، وقِيلَ هو اللَّوْحُ ومِن لِلِابْتِداءِ.

﴿ هُوَ الحَقُّ ﴾ إذا كانَ المُرادُ الحَصْرَ فَهو مِن قَصْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ لا العَكْسُ لِعَدَمِ اِسْتِقامَةِ المَعْنى إلّا أنْ يُقْصَدَ المُبالَغَةَ، قالَهُ الخَفاجِيُّ، والمُتَبادِرُ الشّائِعُ في أمْثالِهِ قَصْرُ المُسْنَدُ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو هاهُنا إنْ لَمْ تُقْصَدِ المُبالَغَةُ قَصْرٌ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَفْتَرِيهِ أهْلُ الكِتابِ ويَنْسُبُونَهُ إلى اللَّهِ تَعالى.

﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أيْ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، ونَصْبُ ﴿ مُصَدِّقًا ﴾ عَلى الحالِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِ مُقَدَّرٌ يُفْهَمُ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ أيْ أُحَقِّقُهُ مُصَدِّقًا وهو حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ حَقِّيَّتَهُ تَسْتَلْزِمُ مُوافَقَتَهُ الكُتُبَ الإلَهِيَّةَ المُتَقَدِّمَةَ عَلَيْهِ بِالزَّمانِ في العَقائِدِ وأُصُولِ الأحْكامِ، واللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ مُحِيطٌ بِبَواطِنِ أُمُورِهِمْ وظَواهِرِها فَلَوْ كانَ في أحْوالِكَ ما يُنافِي النُّبُوَّةَ لَمْ يُوحَ إلَيْكَ مِثْلُ هَذا الحَقِّ المُعْجِزِ الَّذِي هو عِيارٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ، وتَقْدِيمُ ﴿ لَخَبِيرٌ ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العُمْدَةَ هي الأُمُورُ الرُّوحانِيَّةُ، وإلى ذَلِكَ أشارَ  بِقَوْلِهِ: ««إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى أعْمالِكم وإنَّما يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ»».

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌۭ وَمِنْهُمْ سَابِقٌۢ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ٣٢

﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ ﴾ أيِ القُرْآنَ كَما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، والعَطْفُ قِيلَ عَلى ( الَّذِي أوْحَيْنا ) وقِيلَ عَلى ( أوْحَيْنا ) بِإقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المَوْصُولِ، واسْتُظْهِرَ ذَلِكَ بِالقُرْبِ وتَوافُقِ الجُمْلَتَيْنِ، أيْ ثُمَّ أعْطَيْناهُ مِن غَيْرِ كَدٍّ وتَعَبٍ في طَلَبِهِ ﴿ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا ﴾ وهم كَما قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  فَإنَّ اللَّهَ تَعالى اِصْطَفاهم عَلى سائِرِ الأُمَمِ وجَعَلَهم أُمَّةً وسَطًا لِيَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وخَصَّهم بِالِانْتِماءِ إلى أكْرَمِ رُسُلِهِ وأفْضَلِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَإنَّ إيحاءَ الكِتابِ إلَيْهِ  أشْرَفُ مِنَ الإيراثِ المَذْكُورِ كَأنَّهُ كالعِلَّةِ لَهُ، وبِهِ تَحَقَّقَتْ نُبُوَّتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّتِي هي مَنبَعُ كُلِّ خَيْرٍ ولَيْسَتْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ إذْ زَمانُ إيحائِهِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو زَمانُ إيراثِهِ، وإعْطاؤُهُ أُمَّتَهُ بِمَعْنى تَخْصِيصِهِ بِهِمْ وجَعْلِهِ كِتابَهُمُ الَّذِي إلَيْهِ يَرْجِعُونَ وبِالعَمَلِ بِما فِيهِ يَنْتَفِعُونَ، وإذا أُرِيدَ بِإيراثِهِ إيّاهم إيراثُهُ مِنهُ  وجَعْلُهم مُنْتَفِعِينَ بِهِ فاهِمِينَ ما فِيهِ بِالذّاتِ كالعُلَماءِ أوْ بِالواسِطَةِ كَغَيْرِهِمْ بَعْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهي لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالماضِي لِتَحَقُّقِهِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿ أوْرَثْنا الكِتابَ ﴾ حَكَمْنا بِإيراثِهِ وقَدَّرْناهُ عَلى أنَّهُ مَجازٌ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ فَتَكُونُ ثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ وإلّا فَزَمانُ الحُكْمِ سابِقٌ عَلى زَمانِ الإيحاءِ، ووَجْهُ التَّعْبِيرِ بِالماضِي عَلَيْهِ ظاهِرٌ.

وفِي شَرْحِ الرَّضِيِّ أنَّ ثُمَّ قَدْ تَجِيءُ في عَطْفِ الجُمَلِ خاصَّةً لِاسْتِبْعادِ مَضْمُونِ ما بَعْدَها عَنْ مَضْمُونِ ما قَبْلَها وعَدَمِ مُناسَبَتِهِ لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ ) [هُودٍ: 3، 90] فَإنَّ بَيْنَ تَوْبَةِ العِبادِ وهي اِنْقِطاعُ العَبْدِ إلَيْهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ وبَيْنَ طَلَبِ المَغْفِرَةِ بَوْنًا بَعِيدًا، وهَذا المَعْنى فَرْعُ التَّراخِي ومَجازُهُ اه.

وابْنُ الشَّيْخِ جَعَلَ ما هُنا كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا ﴾ إلخ مُتَّصِلًا بِما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا  ﴾ ﴿ وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ  ﴾ والمُرادُ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ وأعْطَيْناهُ بَعْدَهُمُ الَّذِينَ اِصْطَفَيْناهم مِنَ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، والكِتابُ القُرْآنُ كَما قِيلَ.

﴿ وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ  ﴾ وقِيلَ لا يُحْتاجُ إلى اِعْتِبارِ ذَلِكَ ويُجْعَلُ المَعْنى ثُمَّ أخَّرْنا القُرْآنَ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ وأعْطَيْناهُ هَذِهِ الأُمَّةَ، ووَجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ إرْسالَهُ في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا وعَقَّبَهُ بِما يُنْبِئُ أنَّ تِلْكَ الأُمَمَ تَفَرَّقَتْ حِزْبَيْنِ، حِزْبٌ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وما أُنْزِلَ مَعَهم وهُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ  ﴾ وحِزْبٌ صَدَّقُوهم وتَلَوْا كِتابَ اللَّهِ تَعالى وعَمِلُوا بِمُقْتَضاهُ وهُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وأقامُوا الصَّلاةَ ﴾ إلخ وبَعْدَ أنْ أثْنى سُبْحانَهُ عَلى التّالِينَ لِكُتُبِهِ العامِلِينَ بِشَرائِعِهِ مِن بَيْنِ المُكَذِّبِينَ بِها مِن سائِرِ الأُمَمِ جاءَ بِما يَخْتَصُّ بِرَسُولِهِ  مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ ﴾ إلخ اِسْتِطْرادًا مُعْتَرِضًا ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإيراثِهِ هَذا الكِتابَ الكَرِيمَ هَذِهِ الأُمَّةَ بَعْدَ إعْطاءِ تِلْكَ الأُمَمِ الزُّبُرَ والكِتابَ المُنِيرَ، وعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى في ﴿ أوْرَثْنا ﴾ عَلى ظاهِرِهِ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الأخْبارِ أوْ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ إيذانًا بِفَضْلِ هَذا الكِتابِ عَلى سائِرِ الكُتُبِ، وفَضْلِ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، وفي هَذا الوَجْهِ حَمْلُ الكِتابِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ﴾ عَلى الجِنْسِ وجَعْلُ الآيَةِ ثَناءً عَلى الأُمَمِ المُصَدِّقِينَ بَعْدَ اِقْتِصاصِ حالِ المُكَذِّبِينَ مِنهُمْ، فَإنْ دُفِعَ ما فِيهِ فَهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ﴾ وإذا كانَ إيراثُ الكِتابِ سابِقًا عَلى تِلاوَتِهِ فالمَعْنى عَلى ظاهِرِهِ وثُمَّ لِلتَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ أوْ لِلتَّراخِي في الأخْبارِ.

﴿ والَّذِي أوْحَيْنا ﴾ إلخ اِعْتِراضٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الإيراثِ لِأنَّهُ إذا صَدَّقَها بِمُطابَقَتِهِ لَها في العَقائِدِ والأُصُولِ كانَ كَأنَّهُ هي وكَأنَّهُ اِنْتَقَلَ إلَيْهِمْ مِمَّنْ سَلَفَ، وهو كَما تَرى، وجُوِّزَ عَلى هَذا وما قَبْلَهُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ الجِنْسُ، ولا يَخْفى أنَّ إرادَةَ القُرْآنِ هو الظّاهِرُ.

وقِيلَ المُرادُ بِالمُصْطَفَيْنَ عُلَماءُ الأُمَّةِ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم مِمَّنْ يَسِيرُ بِسِيرَتِهِمْ وِإيراثُهُمُ القُرْآنَ جَعَلَهم فاهِمِينَ مَعْناهُ واقِفِينَ عَلى حَقائِقِهِ ودَقائِقِهِ أُمَناءَ عَلى أسْرارِهِ.

ورَوى الإمامِيَّةُ عَنِ الصّادِقِ والباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُما قالا: هي لَنا خاصَّةً وإيّانا عَنى، أرادا أنَّ أهْلَ البَيْتِ أوِ الأئِمَّةَ مِنهم هُمُ المُصْطَفَوْنَ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ، واخْتارَ هَذا الطَّبَرْسِيُّ الإمامِيُّ قالَ في تَفْسِيرِهِ (مَجْمَعِ البَيانِ): وهَذا أقْرَبُ الأقْوالِ لِأنَّهم أحَقُّ النّاسِ بِوَصْفِ الِاصْطِفاءِ والِاجْتِباءِ وإيراثِ عِلْمِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

ورُبَّما يُسْتَأْنَسُ لَهُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتابَ اللَّهِ تَعالى وعِتْرَتِي، لَنْ يَفْتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوْضَ»».

وحَمْلُهم عَلى عُلَماءِ الأُمَّةِ أوْلى مِن هَذا التَّخْصِيصِ، ويَدْخُلُ فِيهِمْ عُلَماءُ أهْلِ البَيْتِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَفي بَيْتِهِمْ نَزَلَ الكِتابُ ولَنْ يَفْتَرِقا حَتّى يَرِدا الحَوْضَ يَوْمَ الحِسابِ، وإذا كانَتِ الإضافَةُ في ﴿ عِبادِنا ﴾ لِلتَّشْرِيفِ واخْتُصَّ العِبادُ بِمُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ وكانَتْ مِن لِلتَّبْعِيضِ كانَ حَمْلُ المُصْطَفَيْنَ عَلى العُلَماءِ كالمُتَعَيِّنِ.

وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ اِخْتارَهُمُ اللَّهُ تَعالى وحَباهم رِسالَتَهُ وكُتُبَهُ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَعْرِيفُ الكِتابِ لِلْجِنْسِ، والعَطْفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ ﴾ وثُمَّ لِلتَّراخِي في الأخْبارِ، أخْبَرَ سُبْحانَهُ أوَّلًا عَمّا أُوتِيَهُ نَبِيُّنا  وهو مُتَضَمِّنٌ لِلْأخْبارِ بِإيتائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الكِتابَ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِتَوْرِيثِ إخْوانِهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإيتائِهِمُ الكُتُبَ، ومِمّا يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ إيتاءَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الكُتُبَ قَدْ عُلِمَ قَبْلُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ  ﴾ .

وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُمُ المُصْطَفَوْنَ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ  ﴾ وهو دُونُ ما قَبْلَهُ، وأيًّا ما كانَ فالمَوْصُولُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِ ﴿ أوْرَثْنا ﴾ ، والكِتابَ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ قُدِّمَ لِشَرَفِهِ والِاعْتِناءِ بِهِ وعَدَمِ اللَّبْسِ، ومِن لِلْبَيانِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ.

﴿ فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ﴾ الفاءُ لِلتَّفْصِيلِ لا لِلتَّعْلِيلِ كَما قِيلَ، وضَمِيرُ الجَمْعِ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا في تَفْسِيرِ المَوْصُولِ لِلْمَوْصُولِ، والظّالِمُ لِنَفْسِهِ مَن قَصَّرَ في العَمَلِ بِالكِتابِ وأسْرَفَ عَلى نَفْسِهِ وهو صادِقٌ عَلى مَن ظَلَمَ غَيْرَهُ لِأنَّهُ بِذَلِكَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، والمَشْهُورُ مُقابَلَتُهُ بِالظّالِمِ لِغَيْرِهِ، واللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ.

﴿ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ﴾ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ العَمَلِ بِهِ ومُخالَفَتِهِ فَيَعْمَلُ تارَةً ويُخالِفُ أُخْرى، وأصْلُ مَعْنى الِاقْتِصادِ التَّوَسُّطُ فِي الأمْرِ.

﴿ ومِنهم سابِقٌ ﴾ مُتَقَدِّمٌ إلى ثَوابِ اللَّهِ تَعالى وجَنَّتِهِ ﴿ بِالخَيْراتِ ﴾ أيْ بِسَبَبِ الخَيْراتِ أيِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقِيلَ: سابِقٌ عَلى الظّالِمِ لِنَفْسِهِ والمُقْتَصِدِ في الدَّرَجاتِ بِسَبَبِ الخَيْراتِ، وقِيلَ: أيْ مُحْرِزُ الفَضْلِ بِسَبَبِها ﴿ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ أيْ بِتَيْسِيرِهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عَزَّةِ مَنالِ هَذِهِ الرُّتْبَةِ وصُعُوبَةِ مَأْخَذِها، وفُسِّرَ بِمَن غَلَبَتْ طاعَتُهُ مَعاصِيَهُ وكَثُرَ عَمَلُهُ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى، وما ذُكِرَ في تَفْسِيرِ الثَّلاثَةِ مِمّا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الحَسَنِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الظّالِمُ مَن خَفَّتْ حَسَناتُهُ والمُقْتَصِدُ مَنِ اِسْتَوَتْ والسّابِقُ مَن رَجَحَتْ.

ووَراءَ ذَلِكَ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ: فَقالَ مُعاذٌ: الظّالِمُ لِنَفَسِهِ الَّذِي ماتَ عَلى كَبِيرَةٍ لَمْ يَتُبْ مِنها، والمُقْتَصِدُ مَن ماتَ عَلى صَغِيرَةٍ ولَمْ يُصِبْ كَبِيرَةً لَمْ يَتُبْ مِنها، والسّابِقُ مَن ماتَ تائِبًا مِن كَبِيرَةٍ أوْ صَغِيرَةٍ أوْ لَمْ يُصِبْ ذَلِكَ.

وقِيلَ: الظّالِمُ لِنَفَسِهِ العاصِي المُسْرِفُ، والمُقْتَصِدُ مُتَّقِي الكَبائِرِ، والسّابِقُ المُتَّقِي عَلى الإطْلاقِ.

وقِيلَ: الأوَّلُ المُقَصِّرُ في العَمَلِ، والثّانِي العامِلُ بِالكِتابِ في أغْلَبِ الأوْقاتِ ولَمْ يَخْلُ عَنْ تَخْلِيطٍ، والثّالِثُ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ.

وقِيلَ: الأوَّلانِ كَما ذُكِرَ، والثّالِثُ المُداوِمُ عَلى إقامَةِ مَواجِبِ الكِتابِ عِلْمًا وعَمَلًا وتَعْلِيمًا، وقِيلَ: الأوَّلُ مَن أسْلَمَ بَعْدَ الفَتْحِ والثّانِي مَن أسْلَمَ قَبْلَهُ والثّالِثُ مَن أسْلَمَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.

وقِيلَ: هم مَن لا يُبالِي مِن أيْنَ يَنالُ، ومَن قُوتُهُ مِنَ الحَلالِ، ومَن يَكْتَفِي مِنَ الدُّنْيا بِالبَلاغِ.

وقِيلَ: مَن هَمُّهُ الدُّنْيا، ومَن هَمُّهُ العُقْبى، ومَن هَمُّهُ المَوْلى.

وقِيلَ: طالِبُ النَّجاةِ، وطالِبُ الدَّرَجاتِ، وطالِبُ المُناجاةِ.

وقِيلَ: تارِكُ الزَّلَّةِ، وتارِكُ الغَفْلَةِ، وتارِكُ العَلاقَةِ.

وقِيلَ: مَن شَغَلَهُ مَعاشُهُ عَنْ مَعادِهِ، ومَن شَغَلَهُ بِهِما، ومَن شَغَلَهُ مَعادُهُ عَنْ مَعاشِهِ.

وقِيلَ: مَن يَأْتِي بِالفَرائِضِ خَوْفًا مِنَ النّارِ، ومَن يَأْتِي بِها خَوْفًا مِنها ورِضًا واحْتِسابًا، ومَن يَأْتِي بِها رِضًا واحْتِسابًا فَقَطْ.

وقِيلَ: الغافِلُ عَنِ الوَقْتِ والجَماعَةِ، والمُحافِظُ عَلى الوَقْتِ دُونَ الجَماعَةِ، والمُحافِظُ عَلَيْهِما.

وقِيلَ: مَن غَلَبَتْ شَهْوَتُهُ عَقْلَهُ، ومَن تَساوَيا، ومَن غَلَبَ عَقْلُهُ شَهْوَتَهُ.

وقِيلَ: مَن لا يَنْهى عَنِ المُنْكَرِ ويَأْتِيهِ، ومَن يَنْهى عَنِ المُنْكَرِ ويَأْتِيهِ، ومَن يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَأْتِيهِ.

وقِيلَ: ذُو الجَوْرِ، وذُو العَدْلِ، وذُو الفَضْلِ.

وقِيلَ: ساكِنُ البادِيَةِ، والحاضِرَةِ، والمُجاهِدُ.

وقِيلَ: مَن كانَ ظاهِرُهُ خَيْرًا مِن باطِنِهِ، ومَنِ اِسْتَوى باطِنُهُ وظاهِرُهُ، ومَن باطِنُهُ خَيْرٌ مِن ظاهِرِهُ.

وقِيلَ: التّالِي لِلْقُرْآنِ غَيْرُ العالِمِ بِهِ ولا العامِلِ بِمُوجِبِهِ، والتّالِي العالِمُ غَيْرُ العامِلِ، والتّالِي العالِمُ العامِلُ.

وقِيلَ: الجاهِلُ، والمُتَعَلِّمُ، والعالِمُ.

وقِيلَ: مَن خالَفَ الأوامِرَ وارْتَكَبَ المَناهِيَ، ومَنِ اِجْتَهَدَ في أداءِ التَّكالِيفِ وإنْ لَمْ يُوَفَّقْ لِذَلِكَ، ومَن لَمْ يُخالِفْ تَكالِيفَ اللَّهِ تَعالى.

ورَوى بَعْضُ الإمامِيَّةِ عَنْ مُيَسِّرِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: الظّالِمُ لِنَفْسِهِ مِنّا مَن لا يَعْرِفُ حَقَّ الإمامِ، والمُقْتَصِدُ العارِفُ بِحَقِّ الإمامِ، والسّابِقُ هو الإمامُ.

وعَنْ زِيادِ بْنِ المُنْذِرِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: الظّالِمُ لِنَفْسِهِ مِنّا مَن عَمِلَ صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا، والمُقْتَصِدُ المُتَعَبِّدُ المُجْتَهِدُ، والسّابِقُ بِالخَيْراتِ عَلِيٌّ والحَسَنُ والحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ومَن قُتِلَ مِن آلِ مُحَمَّدٍ شَهِيدًا.

وقِيلَ: هُمُ المُوَحِّدُ بِلِسانِهِ الَّذِي تُخالِفُهُ جَوارِحُهُ، والمُوَحِّدُ الَّذِي يَمْنَعُ جَوارِحَهُ بِالتَّكْلِيفِ، والمُوَحِّدُ الَّذِي يُنْسِيهِ التَّوْحِيدُ غَيْرَ التَّوْحِيدِ.

وقِيلَ: مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِالشَّفاعَةِ، ومَن يَدْخُلُها بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، ومَن يَدْخُلُها بِغَيْرِ حِسابٍ.

وقِيلَ: مَن أُوتِيَ كِتابَهُ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، ومَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ، ومَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ.

وقِيلَ: الكافِرُ مُطْلَقًا، والفاسِقُ، والمُؤْمِنُ التَّقِيُّ.

وفِي مَعْناهُ ما جاءَ في رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ: الظّالِمُ لِنَفْسِهِ أصْحابُ المَشْأمَةِ، والمُقْتَصِدُ أصْحابُ المَيْمَنَةِ، والسّابِقُ بِالخَيْراتِ السّابِقُونَ المُقَرَّبُونَ.

والظّاهِرُ أنَّ هَؤُلاءِ ومَن قالَ نَحْوَ قَوْلِهِمْ يَجْعَلُونَ ضَمِيرَ ( مِنهم ) لِلْعِبادِ لا لِلْمَوْصُولِ ولا شَكَّ أنَّ مِنهُمُ الكافِرَ وغَيْرَهُ، وكَوْنُ العِبادِ المُضافِ إلى اللَّهِ تَعالى مَخْصُوصًا بِالمُؤْمِنِينَ لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ إذا قُصِدَ بِالإضافَةِ التَّشْرِيفُ، والقَوْلُ بِرُجُوعِ الضَّمِيرِ لِلْمَوْصُولِ والتِزامِ كَوْنِ الِاصْطِفاءِ بِحَسَبِ الفِطْرَةِ تَعَسُّفٌ كَما لا يَخْفى.

وقِيلَ في تَفْسِيرِ الثَّلاثَةِ غَيْرُ ما ذُكِرَ، وذَكَرَ في التَّحْرِيرِ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ قَوْلًا في ذَلِكَ، ومَن تَتَبَّعَ التَّفاسِيرَ وجَدَها أكْثَرَ مِن ذَلِكَ لَكِنْ لا يَجِدُ في أكْثَرِها كَثِيرَ تَفاوُتٍ، واَلَّذِي يُعَضِّدُهُ مُعْظَمُ الرِّواياتِ والآثارِ أنَّ الأصْنافَ الثَّلاثَةَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلى تَفْسِيرِ الظّالِمِ بِالكافِرِ إلّا بِتَأْوِيلِ كافِرِ النِّعْمَةِ وإرادَةِ العاصِي مِنهُ.

أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والطَّيالِسِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ واَلتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ ﴾ إلى ﴿ بِالخَيْراتِ ﴾ هَؤُلاءِ كُلُّهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ وكُلُّهم في الجَنَّةِ».

وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكُلُّهم إلخ عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في البَعْثِ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ  كُلُّهم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ وكُلُّهم في الجَنَّةِ»».

وأخْرَجَ اِبْنُ النَّجّارِ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ ««سابِقُنا سابِقٌ ومُقْتَصَدُنا ناجٍ وظالِمُنا مَغْفُورٌ لَهُ»».

وأخْرَجَ العُقَيْلِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.

وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: ««سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ فَأمّا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، وأمّا الَّذِينَ اِقْتَصَدُوا فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُحاسَبُونَ حِسابًا يَسِيرًا، وأمّا الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأُولَئِكَ يُحْبَسُونَ في طُولِ المَحْشَرِ ثُمَّ هُمُ الَّذِينَ يَتَلَقّاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ فَهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبُ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ»» الآيَةَ.

قالَ البَيْهَقِيُّ: إذا كَثُرَتِ الرِّواياتُ في حَدِيثٍ ظَهَرَ أنَّ لِلْحَدِيثِ أصْلًا، والأخْبارُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ وفِيما ذُكِرَ كِفايَةٌ.

وقُدِّمَ الظّالِمُ لِنَفْسِهِ لِكَثْرَةِ الظّالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ وعُقِّبَ بِالمُقْتَصِدِ لِقِلَّةِ المُقْتَصِدِينَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ وأُخِّرَ السّابِقُ لِأنَّ السّابِقِينَ أقَلُّ مِنَ القَلِيلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وحَكى الطَّبَرْسِيُّ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ عَلى مَقاماتِ النّاسِ فَإنَّ أحْوالَ العِبادِ ثَلاثٌ؛ مَعْصِيَةٌ ثُمَّ تَوْبَةٌ ثُمَّ قُرْبَةٌ، فَإذا عَصى العَبْدُ فَهو ظالِمٌ فَإذا تابَ فَهو مُقْتَصِدٌ فَإذا صَحَّتْ تَوْبَتُهُ وكَثُرَتْ مُجاهَدَتُهُ فَهو سابِقٌ، وقِيلَ: قُدِّمَ الظّالِمُ لِئَلّا يَيْأسَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وأُخِّرَ السّابِقُ لِئَلّا يُعْجَبَ بِعَمَلِهِ فَتَعَيَّنَ تَوْسِيطُ المُقْتَصِدِ، وقالَ قُطْبُ الدِّينِ: النُّكْتَةُ في تَقْدِيمِ الظّالِمِ أنَّهُ أقْرَبُ الثَّلاثَةِ إلى بِدايَةِ حالِ العَبْدِ قَبْلَ اِصْطِفائِهِ بِإيراثِ الكِتابِ فَإذا باشَرَهُ الِاصْطِفاءُ فَمِنَ العِبادِ مَن يَتَأثَّرُ قَلِيلًا وهو الظّالِمُ لِنَفْسِهِ ومِنهم مَن يَتَأثَّرُ تَأثُّرًا وسَطًا وهو المُقْتَصِدُ ومِنهم مَن يَتَأثَّرُ تَأثُّرًا تامًّا وهو السّابِقُ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ الِاصْطِفاءَ مُشَكَّكٌ تَتَفاوَتُ مَراتِبُهُ وأوَّلُها ما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِ الظّالِمِ لِنَفْسِهِ وفَوْقَهُ ما يَكُونُ لِلْمُقْتَصِدِ وفَوْقَ الفَوْقِ ما يَكُونُ لِلسّابِقِ بِالخَيْراتِ، فَجاءَ التَّرْتِيبُ كالتَّرَقِّي في المَراتِبِ، وقِيلَ: أُخِّرَ السّابِقُ لِتَعَدُّدِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ فَلَوْ قُدِّمَ أوْ وُسِّطَ لِبُعْدٍ في الجُمْلَةِ ما بَيْنَ الأقْسامِ المُتَعاطِفَةِ ولَمّا كانَ الِاقْتِصادُ كالنِّسْبَةِ بَيْنَ الظُّلْمِ والسَّبْقِ اِقْتَضى ذَلِكَ تَقْدِيمَ الظّالِمِ وتَأْخِيرَ المُقْتَصِدِ لِيَكُونَ المُقْتَصِدُ بَيْنَ الظّالِمِ والسّابِقِ لَفْظًا كَما هو بَيْنَهُما مَعْنًى.

وقَدْ يُقالُ: رُتِّبَ هَذِهِ الثَّلاثَةُ هَذا التَّرْتِيبَ لِيُوافِقَ حالُهم في الذَّكَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ الجَنّاتِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ ﴾ الآيَةَ - حالَهم في الحَشْرِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الوَعْدِ فَأُخِّرَ السّابِقُ الدّاخِلُ في الجِنانِ أوَّلًا لِيَتَّصِلَ ذِكْرُهُ بِذِكْرِ الجَنّاتِ المَوْعُودِ بِها، وذُكِرَ قَبْلَهُ المُقْتَصِدُ وجُعِلَ السّابِقُ فاصِلًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَنّاتِ لِأنَّهُ إنَّما يَدْخُلُها بَعْدَهُ فَيَكُونُ فاصِلًا بَيْنَهُ وبَيْنَها في الدُّخُولِ، وذُكِرَ قَبْلَهُما الظّالِمُ لِنَفْسِهِ لِأنَّهُ إنَّما يَدْخُلُها ويَتَّصِلُ بِها بَعْدَ دُخُولِهِما، فَتَأْخِيرُ السّابِقِ في المَعْنى تَقْدِيمٌ، وتَقْدِيمُ الظّالِمِ في المَعْنى تَأْخِيرٌ، ويَحْتَمِلُ ذَلِكَ أوْجُهًا أُخْرى تَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ، فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وعُمَرُ بْنُ أبِي شُجاعٍ ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ والقَزّازُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «سَبّاقٌ» بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ ما تَقَدَّمَ مِنَ الإيراثِ والِاصْطِفاءِ ﴿ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لا دَخْلَ لِلْكَسْبِ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍۢ وَلُؤْلُؤًۭا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌۭ ٣٣

﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَدْخُلُونَها ﴾ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الجَحْدَرِيِّ وهارُونَ عَنْ عاصِمٍ «جَنّاتِ» بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ أيْ يَدْخُلُونَ جَنّاتِ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، واحْتِمالُ جَرِّهِ بَدَلًا مِنَ الخَيْراتِ بِعِيدٌ، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِأجْنَبِيٍّ فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.

وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلَّذِينَ اِصْطَفَيْنا أوْ لِلثَّلاثَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى السَّبْقِ بِالخَيْراتِ و ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الفَضْلِ الَّذِي هو السَّبْقُ، ولَمّا كانَ السَّبْقُ بِالخَيْراتِ سَبَبًا لِنَيْلِ الثَّوابِ جُعِلَ نَفْسُ الثَّوابِ إقامَةً لِلسَّبَبِ مَقامَ المُسَبَّبِ، ثُمَّ أُبْدِلَ مِنهُ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلسّابِقِ لِأنَّ القَصْدَ إلى الجِنْسِ، فَخُصَّ الوَعْدُ بِالقِسْمِ الأخِيرِ مُراعاةً لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، وهو عَلى ما سَمِعْتَ لِلْأقْسامِ الثَّلاثَةِ، وذَلِكَ هو الأظْهَرُ في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِيُطابِقَهُ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ ﴾ ولِيُناسِبَ حَدِيثَ التَّعْظِيمِ والِاخْتِصاصَ المُدْمَجَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ ﴾ وإلّا فَأيُّ تَعْظِيمٍ في ذَلِكَ الذِّكْرِ بَعْدَ أنْ لَزِمَ أكْثَرُ المُصْطَفَيْنَ في قِرْنِ الكافِرِينَ ولِيُناسِبَ ذِكْرُ الغَفُورِ بَعْدَ حالِ الظّالِمِ والمُقْتَصِدِ والشَّكُورِ حالَ السّابِقِ، ولِتَعَسُّفِ ما ذَكَرَهُ مِنَ الإعْرابِ وبُعْدِهِ عَنِ الذَّوْقِ وكَيْفَ لا يَكُونُ الأظْهَرَ وقَدْ فَسَّرَهُ كَذَلِكَ أفْضَلُ الرُّسُلِ ومَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ هَذا الكِتابُ المُبِينُ عَلى ما مَرَّ آنِفًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ الكَثِيرُ مِن أصْحابِهِ الفِخامِ ونُجُومِ الهِدايَةِ بَيْنَ الأنامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وعَدَّ مِنهم في البَحْرِ عُمَرَ وعُثْمانَ وابْنَ مَسْعُودٍ وأبا الدَّرْداءِ وأبا سَعِيدٍ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.

وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّهُ قالَ بَعْدَ أنْ قَرَأ الآيَةَ: أشْهَدُ عَلى اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ جَمِيعًا، وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأ الآيَةَ إلى ﴿ لُغُوبٌ ﴾ فَقالَ دَخَلُوها ورَبِّ الكَعْبَةِ، وفي لَفْظٍ: كُلُّهم في الجَنَّةِ، ألا تَرى عَلى أثَرِهِ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ ﴾ نَعَمْ إنْ أُرِيدَ بِالظّالِمِ لِنَفَسِهِ الكافِرُ يَتَعَذَّرُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى ما ذُكِرَ ويَتَعَيَّنُ رُجُوعُهُ إلى السّابِقِ وإلَيْهِ وإلى المُقْتَصِدِ، لِأنَّ المُرادَ بِهِما الجِنْسُ لَكِنْ لا يَنْبَغِي أنْ يُرادَ بَعْدَ هاتِيكَ الأخْبارِ.

وقَرَأ زَرُّ بْنُ حُبَيْشٍ والزُّهْرِيُّ «جَنَّةُ عَدْنٍ» بِالأفْرادِ والرَّفْعِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «يُدْخَلُونَها» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَتْ عَنِ اِبْنِ كَثِيرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيها ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِجَنّاتٍ أوْ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وقِيلَ: إنَّها لِقُرْبِ الوُقُوعِ بَعْدَ الدُّخُولِ تُعَدُّ مُقارَنَةً، وقُرِئَ «يَحْلُوْنَ» بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الحاءِ وتَخْفِيفِ اللّامِ مِن حَلِيَتِ المَرْأةُ فَهي حالِيَةٌ إذا لَبِسَتِ الحُلِيَّ، ويُقالُ جِيدٌ حالٍ إذا كانَ عَلَيْهِ الحُلِيُّ.

﴿ مِن أساوِرَ ﴾ جَمْعُ سِوارٍ عَلى ما في الإرْشادِ، وفي القامُوسِ السِّوارُ كَكِتابٍ وغُرابٍ القَلْبُ كالأسْوارِ بِالضَّمِّ جَمْعُهُ أسْوِرَةٌ وأساوِرُ وأساوِرَةُ وسُورٌ وسُؤُورٌ اه، وإطْلاقُ الجَمْعِ عَلى جَمْعِ الجَمْعِ كَثِيرٌ فَلا مُخالَفَةَ، وسِوارُ المَرْأةِ مُعَرَّبٌ كَما قالَ الرّاغِبُ وأصْلُهُ دستواره، ومِن لِلتَّبْعِيضِ أيْ يُحَلَّوْنَ بَعْضَ أساوِرَ كَأنَّهُ بَعْضٌ لَهُ اِمْتِيازٌ وتَفَوُّقٌ عَلى سائِرِ الأبْعاضِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْبَيانِ لِما أنَّ ذِكْرَ التَّحْلِيَةِ مِمّا يُنْبِئُ عَنِ الحُلِيِّ المُبْهَمِ، وقِيلَ: زائِدَةٌ بِناءً عَلى ما يَرى الأخْفَشُ مِن جَوازِ زِيادَتِها في الإثْباتِ، وقِيلَ: نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ لِ ﴿ يُحَلَّوْنَ ﴾ وأنَّهُ بِمَعْنى يَلْبَسُونَ ومِن في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن ذَهَبٍ ﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿ ولُؤْلُؤًا ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ ﴿ مِن أساوِرَ ﴾ أيْ ويُحَلَّوْنَ فِيها لُؤْلُؤًا.

أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «أنَّ النَّبِيَّ  تَلا الآيَةَ فَقالَ: إنَّ عَلَيْهِمُ التِّيجانَ إنَّ أدْنى لُؤْلُؤَةٍ مِنها لَتُضِيءُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ».

وقِيلَ: عُطِفَ عَلى المَفْعُولِ المَحْذُوفِ أوْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ يُحَلَّوْنَ ﴾ أيْ ويُؤْتَوْنَ لُؤْلُؤًا.

وقَرَأ جَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ «لُؤْلُؤٍ» بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ﴿ ذَهَبٍ ﴾ أيْ يُحَلَّوْنَ فِيها بَعْضَ أساوِرَ مِن مَجْمُوعِ ذَهَبٍ ولُؤْلُؤٍ بِأنْ تُنَظَّمَ حَبّاتِ ذَهَبٍ مَعَ حَبّاتِ لُؤْلُؤٍ ويُتَّخَذَ مِن ذَلِكَ سِوارٌ كَما هو مَعْهُودٌ اليَوْمَ في بِلادِنا أوْ بِأنْ يُرَصَّعَ الذَّهَبُ بِاللُّؤْلُؤِ كَما يُرَصَّعُ بِبَعْضِ الأحْجارِ، وقِيلَ: أيْ مِن ذَهَبٍ في صَفاءِ اللُّؤْلُؤِ، وفِيهِ ما فِيهِ مِنَ الكَدَرِ.

ولَعَلَّ مَن يَقُولُ بِأنَّهُ لا اِشْتِراكَ بَيْنَ ذَهَبِ الدُّنْيا ولُؤْلُؤِها وذَهَبِ الآخِرَةِ ولُؤْلُؤِها إلّا بِالِاسْمِ لا يَلْتَزِمُ النَّظْمَ ولا التَّرْصِيعَ كَما لا يَخْفى، وقُرِئَ «لُؤْلُؤًا» بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ الأُولى.

﴿ ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ ﴾ أيْ إبْرَيْسِمٌ مَحْضٌ كَما في (مَجْمَعِ البَيانِ)، وقالَ الرّاغِبُ: مارِقٌ مِنَ الثِّيابِ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ ويَلْبَسُونَ فِيها حَرِيرًا قِيلَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ثُبُوتَ اللِّباسِ لَهم أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ إذْ لا يُمْكِنُ عَراؤُهم عَنْهُ، وإنَّما المُحْتاجُ إلى البَيانِ أنْ لِباسَهم ماذا بِخِلافِ الأساوِرِ واللُّؤْلُؤِ فَإنَّها لَيْسَتْ مِنَ اللَّوازِمِ الضَّرُورِيَّةِ، ولِذا لا يَلْزَمُ العَدْلُ بَيْنَ الزَّوْجاتِ فِيها، فَجُعِلَ بَيانُ تَحْلِيَتِهِمْ مَقْصُورًا بِالذّاتِ، ولَعَلَّ هَذا هو الباعِثُ عَلى تَقْدِيمِ التَّحْلِيَةِ عَلى بَيانِ حالِ اللِّباسِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَرِيرَ ثِيابُهُمِ المُعْتادَةُ مَعَ المُحافَظَةِ عَلى هَيْئَةِ الفَواصِلِ، ولَيْسَ بِذاكَ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌۭ شَكُورٌ ٣٤

﴿ وقالُوا ﴾ أيْ ويَقُولُونَ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ ﴾ حَزَنَ تَقَلُّبِ القَلْبِ وخَوْفِ العاقِبَةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: حَزَنُ أهْوالِ القِيامَةِ وما يُصِيبُ مِن ظُلْمِ نَفْسِهِ هُنالِكَ، وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُما عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: حَزَنُ النّارِ، وقالَ الضَّحّاكُ: حَزَنُ المَوْتِ، يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا ذَبَحَ المَوْتُ، وقالَ مُقاتِلٌ: حَزَنُ الِانْتِقالِ، يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا اِسْتَقَرُّوا فِيها، وقالَ قَتادَةُ: حَزَنُ أنْ لا تُتَقَبَّلَ أعْمالُهُمْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: خَوْفُ الشَّيْطانِ، وقالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ: حَزَنُ مَعِيشَةِ الدُّنْيا الخُبْزِ ونَحْوِهِ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: حَزَنُ الآفاتِ والأعْراضِ، وقِيلَ: حَزَنُ كِراءِ الدّارِ، والأوْلى أنْ يُرادَ جِنْسُ الحَزَنِ المُنْتَظِمِ لِجَمِيعِ أحْزانِ الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ، وكُلُّ ما سَمِعْتَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ: «إنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ» أيْ بَعْدَ أنْ يَتَلَقّاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ ﴾ الخ، فَلا تَغْفُلْ.

وقُرِئَ «اَلْحُزْنَ» بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزّايِ، ذَكَرَهُ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ.

﴿ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ ﴾ لِلْمُذْنِبِينَ ﴿ شَكُورٌ ﴾ لِلْمُطِيعِينَ، وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: غَفَرَ لَنا العَظِيمَ مِن ذُنُوبِنا وشَكَرَ لَنا القَلِيلَ مِن أعْمالِنا، وفي الكَشّافِ ذِكْرُ الشَّكُورِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَوْمَ كَثِيرُو الحَسَناتِ، وكانَ عَلَيْهِ أنْ يَقُولَ: وذِكْرُ الغَفُورِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم كَثِيرُو الفُرُطاتِ، فَيَنْطَبِقُ عَلى الفَرْقِ ولا يَنْفَكَّ النَّظْمُ، ولَكِنْ مَنعَهُ المَذْهَبُ <div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِىٓ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِۦ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌۭ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌۭ ٣٥

﴿ الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ ﴾ أيْ دارَ الإقامَةِ الَّتِي لا اِنْتِقالَ عَنْها أبَدًا وهي الجَنَّةُ.

﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ مِن إنْعامِهِ سُبْحانَهُ وتَفَضُّلِهِ وكَرَمِهِ، فَإنَّ العَمَلَ وإنْ كانَ سَبَبًا لِدُخُولِ الجَنَّةِ في الجُمْلَةِ لَكِنَّ سَبَبِيَّتَهُ بِفَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أيْضًا إذْ لَيْسَ هُناكَ اِسْتِحْقاقٌ ذاتِيٌّ، ومَن عَلِمَ أنَّ العَمَلَ مُتَناهٍ زائِلٌ وثَوابَ الجَنَّةِ دائِمٌ لا يَزُولُ لَمْ يَشُكَّ في أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أحَلَّ مَن أحَلَّ دارَ الإقامَةِ إلّا مِن مَحْضِ فَضْلِهِ سُبْحانَهُ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مِن إعْطائِهِ تَعالى وإفْضالِهِ مِن قَوْلِهِمْ لِفُلانٍ فُضُولٌ عَلى قَوْمِهِ وفَواضِلُ، ولَيْسَ مِنَ الفَضْلِ الَّذِي هو التَّفَضُّلُ لِأنَّ الثَّوابَ بِمَنزِلَةِ الأجْرِ المُسْتَحَقِّ، والتَّفَضُّلُ كالتَّبَرُّعِ وفِيهِ مِنَ الِاعْتِزالِ ما فِيهِ.

﴿ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ﴾ أيْ تَعَبٌ ﴿ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ ﴾ كَلالٌ وفُتُورٌ وهو نَتِيجَةُ النَّصَبِ، وضَمُّهُ إلَيْهِ وتَكْرِيرُ الفِعْلِ المَنفِيِّ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ اِنْتِفاءِ كُلٍّ مِنهُما، كَذا قالَ جَمْعٌ مِنَ الأجِلَّةِ، وقالَ بَعْضُهُمُ: النَّصَبُ التَّعَبُ الجُسْمانِيُّ واللُّغُوبُ التَّعَبُ النَّفْسانِيُّ، وأخْرُجُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ فَسَّرَ النَّصَبَ بِالوَجَعِ والكَلامُ مِن بابِ: لا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ والجُمْلَةُ حالٌ مِن أحَدِ مَفْعُولَيْ أحَلَّ.

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والسَّلَمِيُّ «لَغُوبٌ» بِفَتْحِ اللّامِ، قالَ الفَرّاءُ: هو ما يُغَبُّ بِهِ كالفَطُورِ والسَّحُورِ، وجازَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ لا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبُ لَغُوبٍ نَحْوَ شِعْرِ شاعِرٍ، كَأنَّهُ وصَفَ اللَّغُوبَ بِأنَّهُ قَدْ لَغَبَ أيْ أُعْيِيَ وتَعِبَ.

وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالقَبُولِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ صِفَةً لِمُضْمَرٍ أيْ أمْرٌ لَغُوبٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا۟ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍۢ ٣٦

﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ بِمَوْتٍ ثانٍ ﴿ فَيَمُوتُوا ﴾ لِيَسْتَرِيحُوا بِذَلِكَ مِن عَذابِها بِالكُلِّيَّةِ، وإنَّما فُسِّرَ لا يُقْضى بِما ذُكِرَ دُونَ لا يَمُوتُونَ لِئَلّا يَلْغُوا فَيَمُوتُوا، ويُحْتاجُ إلى تَأْوِيلِهِ بِ يَسْتَرِيحُوا.

ونَصْبُ يَمُوتُوا في جَوابِ النَّفْيِ بِإضْمارِ أنْ، والمُرادُ اِنْتِفاءُ المُسَبَّبِ لِانْتِفاءِ السَّبَبِ أيْ ما يَكُونُ حُكْمٌ بِالمَوْتِ فَكَيْفَ يَكُونُ المَوْتُ.

وقَرَأ عِيسى والحَسَنُ «فَيَمُوتُونَ» بِالنُّونِ عَطْفًا كَما قالَ أبُو عُثْمانَ المازِنِيُّ عَلى ﴿ يُقْضى ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ أيْ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ ولا يَمُوتُونَ ﴿ ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها ﴾ المَعْهُودِ لَهم بَلْ كُلَّما خَبَتْ زِيدَ إسْعارُها، والمُرادُ دَوامُ العَذابِ فَلا يُنافِي تَعْذِيبَهم بِالزَّمْهَرِيرِ ونَحْوِهِ، ونائِبُ فاعِلِ يُخَفَّفُ ﴿ عَنْهُمْ ﴾ و ﴿ مِن عَذابِها ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ ويَجُوزُ العَكْسُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِن زائِدَةً فَيَتَعَيَّنُ رَفْعُ مَجْرُورِها عَلى أنَّهُ النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو «ولا يُخَفَّفْ» بِإسْكانِ الفاءِ، شَبَّهَ المُنْفَصِلَ بِالمُتَّصِلِ كَقَوْلِهِ: فاليَوْمَ أشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ ﴿ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴾ مُبالِغٍ في الكُفْرِ أوِ الكُفْرانِ لا جَزاءَ أخَفُّ وأدْنى مِنهُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو حاتِمٍ عَنِ نافِعٍ «يُجْزى» بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ و«كُلُّ» بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ وقُرِئَ «نُجازِي» بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وألِفٍ بَعْدَ الجِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحًا غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا۟ فَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ٣٧

﴿ وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها ﴾ اِفْتِعالٌ مِنَ الصُّراخِ وهو شَدَّةُ الصِّياحِ والأصْلُ يَصْتَرِخُونَ فَأُبْدِلَتِ التّاءُ طاءً ويُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في الِاسْتِغاثَةِ لِأنَّ المُسْتَغِيثَ يَصِيحُ غالِبًا، وبِهِ فَسَّرَهُ هُنا قَتادَةُ فَقالَ: يَسْتَغِيثُونَ فِيها، واسْتِغاثَتُهم بِاَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وقِيلَ بِبَعْضِهِمْ لِحَيْرَتِهِمْ ولَيْسَ بِذاكَ.

﴿ رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلْ ﴾ بِإضْمارِ القَوْلِ، أيْ ويَقُولُونَ بِالعَطْفِ أوْ يَقُولُونَ بِدُونِهِ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ أوْ قائِلِينَ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِهِمْ، وتَقْيِيدُ العَمَلِ الصّالِحِ بِالوَصْفِ المَذْكُورِ لِلتَّحَسُّرِ عَلى ما عَمِلُوهُ مِن غَيْرِ الصّالِحِ مَعَ الِاعْتِرافِ بِهِ والأشْعارِ بِأنَّ اِسْتِخْراجَهم لِتَلافِيهِ فَهو وصْفٌ مُؤَكِّدٌ، ولِأنَّهم كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا فَكَأنَّهم قالُوا: نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَحْسَبُهُ صالِحًا فَنَعْمَلْهُ، فالوَصْفُ مُقَيَّدٌ.

وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّ ﴿ صالِحًا ﴾ و ﴿ غَيْرَ الَّذِي ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ وأنْ يَكُونَ ﴿ صالِحًا ﴾ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ و ﴿ غَيْرَ الَّذِي ﴾ مَفْعُولُ ﴿ نَعْمَلْ ﴾ .

وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ أخْرِجْنا مِنَ النّارِ ورُدَّنا إلى الدُّنْيا نَعْمَلْ صالِحًا، وكَأنَّهم أرادُوا بِالعَمَلِ الصّالِحِ التَّوْحِيدَ وامْتِثالَ أمْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والِانْقِيادَ لَهُ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ﴿ نَعْمَلْ صالِحًا ﴾ نَقُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

﴿ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ﴾ جَوابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى وتَوْبِيخٌ لَهم في الآخِرَةِ حِينَ يَقُولُونَ ﴿ رَبَّنا ﴾ إلخ فَهو بِتَقْدِيرِ فَنَقُولُ لَهم أوْ فَيُقالُ لَهم ﴿ أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ﴾ الخ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم يُجابُونَ بِذَلِكَ بَعْدَ مِقْدارِ الدُّنْيا، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ أيْ ألَمْ نُمْهِلْكم ونُعَمِّرْكُمُ الَّذِي أيِ العُمْرَ الَّذِي أوْ عُمْرًا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ أيْ يَتَمَكَّنَ فِيهِ مَن أرادَ التَّذَكُّرَ وتَحَقَّقَتْ مِنهُ تِلْكَ الإرادَةُ مِنَ التَّذَكُّرِ والتَّفَكُّرِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ أيْ ألَمْ نُعَمِّرْكم في مُدَّةِ تَذَكُّرٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ضَمِيرَ (فِيهِ) يَأْباهُ لِأنَّها لا يَعُودُ عَلَيْها ضَمِيرٌ إلّا عَلى نَظَرِ الأخْفَشِ فَإنَّهُ يَرى اِسْمِيَّتَها وهو ضَعِيفٌ، ولَعَلَّهُ يَجْعَلُ الضَّمِيرَ لِلْعُمْرِ المَفْهُومِ مِن (نُعَمِّرُ) وفِيهِ بُعْدٌ.

وجَعْلُ ما نافِيَةً لا يَصِحُّ كَما قالَ اِبْنُ الحاجِبِ لَفْظًا ومَعْنًى، وهَذا العُمْرُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأخْرَجَهُ جَماعَةٌ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ سِتُّونَ سَنَةً.

وقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : أعْذَرَ اللَّهُ تَعالى إلى اِمْرِئٍ أخَّرَ عُمْرَهُ حَتّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً»».

وقِيلَ: هو خَمْسُونَ سَنَةً، وفي رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سِتٌّ وأرْبَعُونَ سَنَةً، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ سِنُّ البُلُوغِ، وقِيلَ: سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وعَنْ قَتادَةَ ثَمانِ عَشْرَةَ سَنَةً، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ عِشْرُونَ سَنَةً، وعَنْ مُجاهِدٍ ما بَيْنَ العِشْرِينَ إلى السِّتِّينَ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: «ما يَذَّكَّرُ فِيهِ» مِنِ اِذَّكَّرَ بِالإدْغامِ واجْتِلابِ هَمْزَةِ الوَصْلِ مَلْفُوظًا بِها في الدَّرَجِ.

﴿ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾ عَطْفٌ عَلى مَعْنى الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَمَّرْناكم وجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَلَيْسَ مِن عَطْفِ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ ﴿ ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ  ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿ نُعَمِّرْكُمْ ﴾ ودُخُولُ الهَمْزَةِ عَلَيْهِما فَلا تَغْفُلْ.

والمُرادُ بِالنَّذِيرِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ زَيْدٍ رَسُولُ اللَّهِ  ، وقِيلَ: ما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: المُرادُ جِنْسُ النَّذِيرِ وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَكُلُّ نَبِيٍّ نَذِيرُ أُمَّتِهِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «اَلنُّذُرُ» جَمْعًا، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ووَكِيعٍ والحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ والفَرّاءِ والطَّبَرِيِّ هو الشَّيْبُ وفي الأثَرِ ما مِن شَعْرَةٍ تَبِيضُ إلّا قالَتْ لِأُخْتِها اِسْتَعِدِّي فَقَدْ قَرُبَ المَوْتُ، ومِن هُنا قِيلَ: رَأيْتُ الشَّيْبَ مِن نُذُرِ المَنايا لِصاحِبِهِ وحَسْبُكَ مِن نَذِيرِ وقائِلَةً تَخَضَّبْ يا حَبِيبِي ∗∗∗ وسَوِّدْ شَعْرَ شَيْبِكَ بِالعَبِيرِ فَقُلْتُ لَها المَشِيبُ نَذِيرُ عُمْرِي ∗∗∗ ولَسْتُ مُسَوِّدًا وجْهَ النَّذِيرِ وقِيلَ: الحُمّى، وقِيلَ: مَوْتُ الأهْلِ والأقارِبِ، وقِيلَ: كَمالُ العَقْلِ، والِاقْتِصارُ عَلى النَّذِيرِ لِأنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَذُوقُوا ﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالذَّوْقِ عَلى ما قَبْلَها مِنَ التَّعْمِيرِ ومَجِيءِ النَّذِيرِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ ﴾ لِلتَّعْلِيلِ، والمُرادُ بِالظُّلْمِ هُنا الكُفْرُ، قِيلَ كانَ الظّاهِرُ فَما لَكَمَ، لَكِنْ عَدَلَ إلى المُظْهَرِ لِتَقْرِيعِهِمْ، والمُرادُ اِسْتِمْرارُ نَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيرٌ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱللَّهَ عَـٰلِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٣٨

﴿ إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ كُلَّ غَيْبٍ فِيهِما أيْ لا يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ خافِيَةٌ فِيهِما، فَلا تَخْفى عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ أحْوالُهُمُ الَّتِي اِقْتَضَتِ الحِكْمَةَ أنْ يُعامَلُوا بِها هَذِهِ المُعامَلَةَ ولا يُخْرَجُوا مِنَ النّارِ، وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ «عالِمٌ» بِالتَّنْوِينِ «غَيْبَ» بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِعالِمٍ.

﴿ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ قِيلَ: إنَّهُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ لِأنَّهُ تَعالى إذا عَلِمَ مُضْمَراتِ الصُّدُورِ وهي أخْفى ما يَكُونُ كانَ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمَ بِغَيْرِها، وفِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ.

وقالَ الإمامُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ ﴾ إلخ تَقْرِيرٌ لِدَوامِهِمْ في العَذابِ مَعَ أنَّهم ما كَفَرُوا إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً فَكَأنَّ سائِلًا يَسْألُ عَنْ وجْهِ ذَلِكَ فَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ما في الصُّدُورِ، فَكانَ يَعْلَمُ سُبْحانَهُ مِنَ الكافِرِ أنَّ الكُفْرَ قَدْ تَمَكَّنَ في قَلْبِهِ بِحَيْثُ لَوْ دامَ إلى الأبَدِ لَما أطاعَ اللَّهَ تَعالى ولا عَبَدَهُ اِنْتَهى.

وظاهِرُهُ أنَّ الجُمْلَةَ الأُولى تَعْلِيلٌ لِلثّانِيَةِ عَلى عَكْسِ ما قِيلَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ ﴾ مُتَضَمِّنٌ نَفْيَ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيرٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ومُسْتَدْعٍ خُلُودَهم في العَذابِ، فَكانَ مَظِنَّةً أنْ يُقالَ: كَيْفَ يُنْفى ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ والعادَةُ في الشّاهِدِ قاضِيَةٌ بِوُجُودِ نَصِيرٍ لِمَن تَطُولُ أيّامِ عَذابِهِ، فَأُجِيبَ بِأنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى مُحِيطٌ بِالأشْياءِ عِلْمًا فَلَوْ كانَ لَهم نَصِيرٌ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ لَعَلِمَهُ ولَما نَفى ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ، وكَذا مَظِنَّةُ أنْ يُقالَ: كَيْفَ يُخَلَّدُونَ في العَذابِ وهم قَدْ ظَلَمُوا في أيّامٍ مَعْدُودَةٍ؟

فَأُجِيبَ بِأنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما اِنْطَوَتْ عَلَيْهِ ضَمائِرُهم فَيَعْلَمُ أنَّهم صَمَّمُوا عَلى ما هم فِيهِ مِنَ الضَّلالِ والكُفْرِ إلى الأبَدِ، فَكُلٌّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ مُسْتَأْنَفٌ اِسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُۥ ۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًۭا ۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًۭا ٣٩

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ ﴾ مُلْقًى إلَيْكم مَقالِيدُ التَّصَرُّفِ والِانْتِفاعِ بِما فِيها أوْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِمَّنْ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ وأوْرَثَكم ما بِأيْدِيكم مِن مَتاعِ الدُّنْيا لِتَشْكُرُوهُ بِالتَّوْحِيدِ والطّاعَةِ أوْ جَعَلَكم بَدَلَ مَن كانَ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ فَهَلَكُوا فَلَمْ تَتَّعِظُوا بِحالِهِمْ وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الهَلاكِ.

والخِطابُ قِيلَ عامٌّ، واسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ، وقِيلَ: لِأهْلِ مَكَّةَ، والخَلائِفُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ وقَدِ اِطَّرَدَ جَمْعُ فَعِيلَةٍ عَلى فَعائِلَ، وأمّا الخُلَفاءُ فَجَمْعُ خَلِيفٍ كَكَرِيمٍ وكُرَماءَ، وجَوَّزَ الواحِدِيُّ كَوْنَهُ جَمْعَ خَلِيفَةٍ أيْضًا وهو خِلافُ المَشْهُورِ.

﴿ فَمَن كَفَرَ ﴾ مِنكم مِثْلَ هَذِهِ النِّعْمَةِ السَّنِيَّةِ وغَمَطَها أوْ فَمَنِ اِسْتَمَرَّ عَلى الكُفْرِ وتَرَكَ الإيمانَ بَعْدَ أنْ لَطَفَ بِهِ وجَعَلَ لَهُ ما يُنَبِّهُهُ عَلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ ﴿ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ﴾ أيْ وبالُ كُفْرِهِ وجَزاؤُهُ لا عَلى غَيْرِهِ.

﴿ ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلا مَقْتًا ﴾ أشَدَّ الِاحْتِقارِ والبُغْضِ والغَضَبِ.

﴿ ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلا خَسارًا ﴾ في الآخِرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿ ولا يَزِيدُ ﴾ إلخ بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ﴾ ولِزِيادَةِ تَفْصِيلِهِ نَزَلَ مَنزِلَةَ المُغايِرِ لَهُ ولَوْلا ذَلِكَ لَفُصِلَ عَنْهُ، والتَّكْرِيرُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اِقْتِضاءَ الكُفْرِ لِكُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ الأمَرَّيْنِ المَقْتِ والخَسارَةِ مُسْتَقِلٌّ بِاقْتِضاءِ قُبْحِهِ ووُجُوبِ التَّجَنُّبِ عَنْهُ، بِمَعْنى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الكُفْرُ مُسْتَوْجِبًا لِشَيْءٍ سِوى مَقْتِ اللَّهِ تَعالى لَكَفى ذَلِكَ في قُبْحِهِ، وكَذا لَوْ لَمْ يَسْتَوْجِبْ شَيْئًا سِوى الخَسارِ لَكَفى.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌۭ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰبًۭا فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَتٍۢ مِّنْهُ ۚ بَلْ إِن يَعِدُ ٱلظَّـٰلِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا ٤٠

﴿ قُلْ ﴾ تَبْكِيتًا لَهم ﴿ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أيْ آلِهَتَكُمْ، والإضافَةُ إلَيْهِمْ لِأدْنى مُلابَسَةٍ حَيْثُ إنَّهم هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ اللَّهِ تَعالى واعْتَقَدُوهم كَذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أصْلٌ ما أصْلًا.

وقِيلَ: الإضافَةُ حَقِيقِيَّةٌ مِن حَيْثُ إنَّهم جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِأنْفُسِهِمْ فِيما يَمْلِكُونَهُ أوْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى شُرَكاءَ لَهم في النّارِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ والصِّفَةُ عَلَيْهِما مُقَيِّدَةٌ لا مُؤَكِّدَةٌ، وسِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِباقُهُ ظاهِرانِ فِيما تَقَدَّمَ.

﴿ أرُونِي ﴾ ماذا ﴿ خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ ﴾ بَدَلُ اِشْتِمالٍ مِن ﴿ أرَأيْتُمْ ﴾ لِأنَّهُ بِمَعْنى أخْبِرُونِي كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرُونِي عَنْ شُرَكائِكُمْ، أرُونِي أيَّ جُزْءٍ خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ حَتّى يَسْتَحِقُّوا الإلَهِيَّةَ والشَّرِكَةَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلَ كُلٍّ، وقالَ أبُو حَيّانَ: لا تَجُوزُ البَدَلِيَّةُ لِأنَّهُ إذا أُبْدِلَ مِمّا دَخَلَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ فَلا بُدَّ مِن دُخُولِ الأداةِ عَلى البَدَلِ، وأيْضًا إبْدالُ الجُمْلَةِ مِنَ الجُمْلَةِ لَمْ يُعْهَدْ في لِسانِهِمْ ثُمَّ البَدَلُ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ ولا يَتَأتّى ذَلِكَ هاهُنا لِأنَّهُ لا عامِلَ لِ ﴿ أرَأيْتُمْ ﴾ ثُمَّ قالَ: واَلَّذِي أذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ ﴿ أرَأيْتُمْ ﴾ بِمَعْنى أخْبِرُونِي وهي تَطْلُبُ مَفْعُولَيْنِ أحَدُهُما مَنصُوبٌ والآخِرُ مُشْتَمِلٌ عَلى الِاسْتِفْهامِ كَقَوْلِ العَرَبِ أرَأيْتَ زَيْدًا ما صَنَعَ، فالأوَّلُ هُنا ﴿ شُرَكاءَكُمُ ﴾ والثّانِي ﴿ ماذا خَلَقُوا ﴾ و ﴿ أرُونِي ﴾ جُمْلَةٌ اِعْتِراضِيَّةٌ فِيها تَأْكِيدٌ لِلْكَلامِ وتَسْدِيدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أيْضًا مِن بابِ الإعْمالِ لِأنَّهُ تَوارَدَ عَلى ﴿ ماذا خَلَقُوا ﴾ أرَأيْتُمْ وأرُونِي، لِأنَّ أرُونِي قَدْ تَعَلَّقَ عَنْ مَفْعُولِها الثّانِي كَما عُلِّقَتْ رَأى الَّتِي لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْها هَمْزَةُ النَّقْلِ عَنْ مَفْعُولِها في قَوْلِهِمْ: أما تَرى أيَّ بَرْقٍ هاهُنا، ويَكُونُ قَدْ أُعْمِلَ الثّانِي عَلى المُخْتارِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ فانْتَهى، وما ذَكَرَهُ اِحْتِمالٌ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ كَما أنَّ ما ذُكِرَ أوَّلًا اِحْتِمالٌ، وما قالَهُ في رَدِّهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ لُزُومَ دُخُولِ الأداةِ عَلى البَدَلِ فِيما إذا كانَ الِاسْتِفْهامُ باقٍ عَلى مَعْناهُ، أمّا إذا نُسِخَ عَنْهُ كَما هُنا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِلازِمٍ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ أهْلَ العَرَبِيَّةِ والمَعانِي نَصُّوا عَلى خِلافِهِ وقَدْ ورَدَ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِهِ: أقُولُ لَهُ اِرْحَلْ لا تُقِيمَنَّ عِنْدَنا وإلّا فَكُنْ في السِّرِّ والجَهْرِ مُسْلِمًا وأمّا الثّالِثُ فَلِأنَّ كَوْنَ البَدَلِ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ إنَّما هو كَما نَقَلَ الخَفاجِيُّ عَنْهم في بَدَلِ المُفْرَداتِ، ولَيْسَ لَكَ أنْ تَقُولَ العامِلُ هُنا مَوْجُودٌ، وهو ﴿ قُلْ ﴾ لِأنَّ العِبْرَةَ بِالمَقُولِ ولا عامِلَ فِيهِ إذْ يُقالُ وهو ظاهِرٌ.

وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ ﴿ أرَأيْتُمْ ﴾ بِمَعْنى أخْبِرُونِي بَلِ المُرادُ حَقِيقَةُ الِاسْتِفْهامِ عَنِ الرُّؤْيَةِ، وأرُونِي أمْرُ تَعْجِيزٍ لِلتَّبْيِينِ، أيْ أعَلِمْتُمْ هَذِهِ الَّتِي تَدْعُونَها ما هي وعَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ العَجْزِ أوْ تَتَوَهَّمُونَ فِيها قُدْرَةً، فَإنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَها عاجِزَةً فَكَيْفَ تَعْبُدُونَها أوْ كُنْتُمْ تَوَهَّمْتُمْ فِيها قُدْرَةً فَأرُونِي أثَرَها، وما تَقَدَّمَ أظْهَرُ.

﴿ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ ﴾ أيْ بَلْ ألَهم شَرِكَةٌ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في خَلْقِ السَّماواتِ حَتّى يَسْتَحِقُّوا ما زَعَمْتُمْ فِيهِمْ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الأوْلى أنْ لا يُقَدَّرَ مُضافٌ عَلى أنَّ المَعْنى أمْ لَهم شَرِكَةٌ مَعَهُ سُبْحانَهُ في السَّماواتِ خَلْقًا وإبْقاءً وتَصَرُّفًا لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ آياتِ الإلَهِيَّةِ عَنِ الشُّرَكاءِ ولَيْسَتْ مَحْصُورَةً في الخَلْقِ، والتَّقْدِيرُ أوْفَقُ بِما قَبْلَهُ، والكَلامُ قِيلَ مِن بابِ التَّدَرُّجِ مِنَ الِاسْتِقْلالِ إلى الشَّرِكَةِ ثُمَّ مِنها إلى حُجَّةٍ وبَيِّنَةٍ مَكْتُوبَةٍ بِالشَّرِكَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبَرُونِي عَنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ هَلِ اِسْتَبَدُّوا بِخَلْقِ شَيْءٍ مِنَ الأرْضِ حَتّى يَكُونُوا مَعْبُودِينَ مِثْلَ اللَّهِ تَعالى، بَلْ ألَهم شَرِكَةٌ مَعَهُ سُبْحانَهُ في خَلْقِ السَّماواتِ.

﴿ أمْ آتَيْناهم كِتابًا ﴾ أيْ بَلْ آتَيْناهم كِتابًا يَنْطِقُ بِأنّا اِتَّخَذْناهم شُرَكاءَ ﴿ فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ ﴾ أيْ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ مِن ذَلِكَ الكِتابِ بِأنَّ لَهم شَرِكَةً مَعَنا.

وقالَ في الكَشْفِ: الظّاهِرُ أنَّ الكَلامَ مَبْنِيٌّ عَلى التَّرَقِّي في إثْباتِ الشَّرِكَةِ لِأنَّ الِاسْتِبْدادَ بِخَلْقِ جُزْءٍ مِنَ الأرْضِ شَرِكَةُ ما مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ، والِاشْتِراكُ مَعَهُ سُبْحانَهُ في خَلْقِ السَّماواتِ أدَلُّ عَلى إثْباتِها، ثُمَّ إيتاءُ كِتابٍ مِنهُ تَعالى عَلى أنَّهم شُرَكاؤُهُ أدَلُّ وأدَلُّ، وقِيلَ: هم في ﴿ آتَيْناهُمْ ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ، وكَذا في (فَهُمْ) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا  ﴾ إلخ فَفي الكَلامِ اِلْتِفاتٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنِ المُشْرِكِينَ وتَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ الغَيْبِ.

والمَعْنى أنَّ عِبادَةَ هَؤُلاءِ إمّا بِالعَقْلِ ولا عَقْلَ يَحْكُمُ بِصِحَّةِ عِبادَةِ مَن لا يَخْلُقُ جُزْءًا ما مِنَ الأرْضِ دَلالَةُ شِرْكٍ في السَّماءِ، وإمّا بِالنَّقْلِ ولَمْ نُؤْتِ المُشْرِكِينَ كِتابًا فِيهِ الأمْرُ بِعِبادَةِ هَؤُلاءِ، وفِيهِ تَفْكِيكٌ لِلضَّمائِرِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: ضَمِيرُ ﴿ آتَيْناهُمْ ﴾ لِلشُّرَكاءِ كالضَّمائِرِ السّابِقَةِ وضَمِيرُ ﴿ فَهم عَلى بَيِّنَتٍ ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ وأمْ مُنْقَطِعَةٌ لِلْإضْرابِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ، وزَعَمَ أنْ لا اِلْتِفاتَ حِينَئِذٍ ولا تَفْكِيكَ فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ «عَلى بَيِّناتٍ» بِالجَمْعِ فَيَكُونُ إيماءً إلى أنَّ الشِّرْكَ خَطِيرٌ لا بُدَّ فِيهِ مِن تَعاضُدِ الدَّلائِلِ وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ.

﴿ بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلا غُرُورًا ﴾ لَمّا نَفِي سُبْحانَهُ ما نَفى مِنَ الحُجَجِ في ذَلِكَ أضْرَبَ عَزَّ وجَلَّ عَنْهُ بِذِكْرِ ما حَمَلَهم عَلى الشِّرْكِ وهو تَقْرِيرُ الأسْلافِ لِلْأخْلافِ وإضْلالُ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ بِأنَّهم شُفَعاءُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى يَشْفَعُونَ لَهم بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِمْ، والآيَةُ عِنْدَ الكَثِيرِ في عَبَدَةِ الأصْنامِ وحُكْمُها عامٌّ، وقِيلَ: في عَبَدَةِ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ صَنَمًا كانَ أوْ مَلِكًا أوْ غَيْرَهُما.

<div class="verse-tafsir"

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍۢ مِّنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًۭا ٤١

﴿ إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِغايَةِ قُبْحِ الشِّرْكِ وهو لَهُ، أيْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْفَظُ السَّماواتِ والأرْضَ كَراهَةَ زَوالِهِما أوْ لِئَلّا تَزُولا وتَضْمَحِلّا فَإنَّ المُمْكِنَ كَما يُحْتاجُ إلى الواجِبِ سُبْحانَهُ حالَ إيجادِهِ يُحْتاجُ إلَيْهِ حالَ بَقائِهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿ يُمْسِكُ ﴾ بِمَعْنى يَمْنَعُ و ﴿ أنْ تَزُولا ﴾ مَفْعُولُهُ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ لِأنَّهُ يَتَعَدّى بِمِن أيْ يَمْنَعُهُما مِن ﴿ أنْ تَزُولا ﴾ ، وفي البَحْرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ أنْ تَزُولا ﴾ بَدَلَ اِشْتِمالٍ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ أيْ يَمْنَعُ سُبْحانَهُ زَوالَ السَّماواتِ والأرْضَ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الزَّوالَ بِالِانْتِقالِ عَنِ المَكانِ، أيْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَمْنَعُ السَّماواتِ مِن أنْ تَنْتَقِلَ عَنْ مَكانِها فَتَرْتَفِعُ أوْ تَنْخَفِضُ ويَمْنَعُ الأرْضَ أيْضًا مِن أنْ تَنْتَقِلَ كَذَلِكَ، وفي أثَرٍ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وجَماعَةٌ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِيهِ.

وقِيلَ: زَوالُهُما دَوَرانُهُما فَهُما ساكِنَتانِ والدّائِرَةُ بِالنُّجُومِ أفْلاكُها وهي غَيْرُ السَّماواتِ، فَقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ شَقِيقٍ قالَ: قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ إنَّ كَعْبًا يَقُولُ: إنَّ السَّماءَ تَدُورُ في قُطْبَةٍ مِثْلَ قُطْبَةِ الرَّحى في عَمُودٍ عَلى مَنكِبِ مَلِكٍ، فَقالَ: كَذَبَ كَعْبٌ، إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ﴾ وكَفى بِها زَوالًا أنْ تَدُورَ، والمَنصُورُ عِنْدَ السَّلَفِ أنَّ السَّماواتِ لا تَدُورُ وأنَّها غَيْرُ الأفْلاكِ، وكَثِيرٌ مِنَ الإسْلامِيِّينَ ذَهَبُوا إلى أنَّها تَدُورُ وأنَّها لَيْسَتْ غَيْرَ الأفْلاكِ، وأمّا الأرْضُ فَلا خِلافَ بَيْنِ المُسْلِمِينَ في سُكُونِها، والفَلاسِفَةُ مُخْتَلِفُونَ والمُعْظَمُ عَلى السُّكُونِ، ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّها مُتَحَرِّكَةٌ وأنَّ الطُّلُوعَ والغُرُوبَ بِحَرَكَتِها، ورُدَّ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ، والأوْلى في تَفْسِيرِ الآيَةِ ما سَمِعْتَ أوَّلًا وكَذا كَوْنُها مَسُوقَةً لِما ذَكَرْنا، وقِيلَ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَسادَ أمْرِ الشُّرَكاءِ ووَقَفَ عَلى الحُجَّةِ في بُطْلانِها عَقَّبَ بِذَلِكَ عَظَمَتَهُ عَزَّ وجَلَّ وقُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ لِيَتَبَيَّنَ الشَّيْءُ بِضِدِّهِ وتَتَأكَّدَ حَقارَةُ الأصْنامِ بِذِكْرِ عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ ولَئِنْ زالَتا ﴾ أيْ إنْ أشْرَفَتا عَلى الزَّوالِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ اِبْنُ أبِي عَبْلَةَ «ولَوْ زالَتا» وقِيلَ إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن طَيِّ السَّماواتِ ونَسْفِ الجِبالِ.

﴿ إنْ أمْسَكَهُما ﴾ أيْ ما أمْسَكَهُما ﴿ مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إمْساكِهِ تَعالى أوْ مِن بَعْدِ الزَّوالِ، والجُمْلَةُ جَوابُ القِسْمِ المُقَدَّرِ قَبْلَ لامِ التَّوْطِئَةِ في «لَئِنْ» وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ، وأمْسَكَ بِمَعْنى يُمْسِكُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ  ﴾ ومِنَ الأُولى مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ والثّانِيَةُ لِلِابْتِداءِ.

﴿ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ فَلِذا حَلَمَ عَلى المُشْرِكِينَ وغَفَرَ لِمَن تابَ مِنهم مَعَ عِظَمِ جُرْمِهِمِ المُقْتَضِي لِتَعْجِيلِ العُقُوبَةِ وعَدَمِ إمْساكِ السَّماواتِ والأرْضِ وتَخْرِيبِ العالَمِ الَّذِي هم فِيهِ فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّ المَقامَ يَقْتَضِي ذِكْرَ القُدْرَةِ لا الحِلْمَ والمَغْفِرَةَ <div class="verse-tafsir"

وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌۭ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلْأُمَمِ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌۭ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا ٤٢

﴿ وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ أيْ حَلَفُوا واجْتَهَدُوا في الحَلِفِ أنْ يَأْتُوا بِهِ عَلى أبْلَغِ ما في وُسْعِهِمْ.

﴿ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ ﴾ الضَّمائِرُ لِقُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّهم بَلَغَهم قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ  أنَّ طائِفَةً مِن أهْلِ الكِتابِ كَذَّبُوا رُسُلَهم فَقالُوا: لَعَنَ اللَّهُ تَعالى اليَهُودَ والنَّصارى أتَتْهُمُ الرُّسُلُ فَكَذَّبُوهم فَواَللَّهِ لَئِنْ جاءَنا رَسُولٌ لَنَكُونَنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ فَكانَ مِنهم بَعْدَ ما كانَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ ﴿ لَئِنْ جاءَهُمْ ﴾ جاءَ عَلى المَعْنى وإلّا فَهم قالُوا: «جاءَنا» وكَذا «لَيَكُونُنَّ» وإحْدى بِمَعْنى واحِدَةٍ، والظّاهِرُ أنَّها عامَّةٌ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً في الإثْباتِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ العُمُومَ، وتَعْرِيفُ ﴿ الأُمَمِ ﴾ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ الأُمَمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم أيْ لَئِنْ جاءَنا نَذِيرٌ لَنَكُونَنَّ أهْدى مَن كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الأُمَمِ اليَهُودِ والنَّصارى وغَيْرِهِمْ فَنُؤْمِنُ جَمِيعًا ولا يُكَذِّبُ أحَدٌ مِنّا، أوِ المَعْنى لَنَكُونَنَّ أهْدى مِن أُمَّةٍ يُقالُ فِيها إحْدى الأُمَمِ تَفْضِيلًا لَها عَلى غَيْرِها مِنَ الأُمَمِ كَما يُقالُ هو واحِدُ القَوْمِ وواحِدُ عَصْرِهِ، وكَما قالُوا هو أحَدُ الأحَدَيْنِ وهي إحْدى الإحَدِ يُرِيدُونَ التَّفْضِيلَ في الدُّعاءِ والعَقْلِ، قالَ الشّاعِرُ: حَتّى اِسْتَشارُوا بِي إحْدى الإحَدِ لَيْثًا هِزَبْرًا ذا سِلاحٍ مُعْتَدٍ وقَدْ نَصَّ اِبْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ عَلى أنَّهُ قَدْ يُقالُ لِما يُسْتَعْظَمُ مِمّا لا نَظِيرَ لَهُ هو إحْدى الإحَدِ، لَكِنْ قالَ الدَّمامِينِيُّ في شَرْحِهِ: إنَّما ثَبَتَ اِسْتِعْمالُهُ في إحْدى ونَحْوِهِ المُضافِ إلى جَمْعٍ مَأْخُوذٍ مِن لَفْظِهِ كَإحْدى الإحَدِ وأحَدِ الأحَدَيْنِ أوِ المُضافِ إلى وصْفٍ كَأحَدِ العُلَماءِ وإحْدى الكِبَرِ، أمّا في المُضافِ إلى أسْماءِ الأجْناسِ كالأُمَمِ فَيَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، وبُحِثَ فِيهِ بِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ اِسْتِعْمالُ إحْدى في الِاسْتِعْظامِ مِن دُونِ إضافَةٍ أصْلًا فَإنَّهم يَقُولُونَ لِلدّاهِيَةِ العَظِيمَةِ هي إحْدى مِن سَبْعٍ أيْ إحْدى اللَّيالِي عادَ في الشِّدَّةِ وشاعَ واحِدُ قَوْمِهِ وأوْحَدُهم وأوْحَدُ أُمِّهِ، ولَمْ يَظْهَرْ فارِقٌ بَيْنَ المُضافِ إلى الجَمْعِ المَأْخُوذِ مِنَ اللَّفْظِ والمُضافِ إلى الوَصْفِ وبَيْنَ المُضافِ إلى أسْماءِ الأجْناسِ ولا أظُنُّ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، فَلْيُتَدَبَّرْ.

وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّ دَلالَةَ ﴿ إحْدى الأُمَمِ ﴾ عَلى التَّفْضِيلِ لَيْسَتْ بِواضِحَةٍ بِخِلافِ واحِدِ القَوْمِ ونَحْوِهِ ثُمَّ وجَّهَها أنَّهُ عَلى أُسْلُوبِ: أوْ يَرْتَبِطُ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها يَعْنِي أنَّ البَعْضَ المُبْهَمَ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ كالتَّنْكِيرِ فَإحْدى مِثْلُهُ، وفِيهِ أنَّهُ مَتى ثَبَتَ اِسْتِعْمالُهُ لِلِاسْتِعْظامِ كانَتْ دَلالَتُهُ عَلى التَّفْضِيلِ في غايَةِ الوُضُوحِ.

﴿ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ﴾ وأيُّ نَذِيرٍ وهو أشْرَفُ الرُّسُلِ مُحَمَّدٍ  كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وهو الظّاهِرُ، وعَنْ مُقاتِلٍ هو اِنْشِقاقُ القَمَرِ وهو أخْفى مِنَ السُّها والمَقامُ عَنْهُ يَأْبى ﴿ ما زادَهُمْ ﴾ أيِ النَّذِيرُ أوْ مَجِيئُهُ ﴿ إلا نُفُورًا ﴾ تَباعُدًا عَنِ الحَقِّ وهَرَبًا مِنهُ، وإسْنادُ الزِّيادَةِ إلى ذَلِكَ مَجازٌ لِأنَّهُ هو السَّبَبُ لَها، والجُمْلَةُ جَوابٌ لَها.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى حَرْفِيَّتِها لِمَكانِ النَّفْيِ المانِعِ عَنْ عَمَلِ ما بَعْدَهُ فِيها، وفِيهِ بَحْثٌ.

<div class="verse-tafsir"

ٱسْتِكْبَارًۭا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَكْرَ ٱلسَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِۦ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ ٱلْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًۭا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا ٤٣

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتِكْبارًا في الأرْضِ ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ نُفُورًا ﴾ وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، ونُقِلَ الأوَّلُ عَنِ الأخْفَشِ، وقِيلَ: هو حالٌ، أيْ مُسْتَكْبِرِينَ.

﴿ ومَكْرَ السَّيِّئِ ﴾ هو الخِداعُ الَّذِي يَرُومُونَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ  والكَيْدُ لَهُ، وقالَ قَتادَةُ هو الشِّرْكُ، ورَوى ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ، وهو عَطْفٌ عَلى ﴿ اسْتِكْبارًا ﴾ وأصْلُ التَّرْكِيبِ وإنْ مَكَرُوا السَّيِّئَ عَلى أنَّ ﴿ السَّيِّئِ ﴾ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ أيِ المَكْرِ المُسِيءِ، ثُمَّ أُقِيمَ المَصْدَرُ مَقامَ أنْ والفِعْلِ وأُضِيفَ إلى ما كانَ صِفَةً، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿ نُفُورًا ﴾ وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ «اَلسَّيِّئ» بِإسْكانِ الهَمْزَةِ في الوَصْلِ إجْراءً لَهُ مَجْرى الوَقْفِ أوْ لِتَوالِي الحَرَكاتِ وإجْراءِ المُنْفَصِلِ مَجْرى المُتَّصِلِ، وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لَحْنٌ لِما فِيها مِن حَذْفِ الإعْرابِ كَما قالَ أبُو جَعْفَرٍ، وزَعَمَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ أنَّ الحَذْفَ لا يَجُوزُ في نَثْرٍ ولا شِعْرٍ لِأنَّ حَرَكاتِ الإعْرابِ دَخَلَتْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ المَعانِي، وقَدْ أعْظَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنْ يَكُونَ الأعْمَشُ قَرَأ بِها، وقالَ: إنَّما كانَ يَقِفُ عَلى هَذِهِ الكَلِمَةِ فَغَلِطَ مَن أدّى عَنْهُ، والدَّلِيلُ عَلى هَذا أنَّها تَمامُ الكَلامِ ولِذا لَمْ يَقْرَأْ في نَظِيرِها كَذَلِكَ مَعَ أنَّ الحَرَكَةَ فِيهِ أثْقَلُ لِأنَّها ضَمَّةٌ بَيْنَ كَسْرَتَيْنِ، والحَقُّ أنَّها لَيْسَتْ بِلَحْنٍ، وقَدْ أكْثَرَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ مِنَ الِاسْتِشْهادِ والِاحْتِجاجِ لِلْإسْكانِ مِن أجْلِ تَوالِي الحَرَكاتِ والوَصْلِ بِنِيَّةِ الوَقْفِ، وقالَ اِبْنُ القُشَيْرِيِّ: ما ثَبَتَ بِالِاسْتِفاضَةِ أوِ التَّواتُرِ أنَّهُ قُرِئَ بِهِ فَلا بُدَّ مِن جَوازِهِ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لَحْنٌ، ولَعَمْرِي أنَّ الإسْكانَ هاهُنا أحْسَنُ مِنَ الإسْكانِ في ﴿ بارِئِكُمْ  ﴾ كَما في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ كَثِيرٍ «ومَكْرُ السَّأْيِ» بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ وياءٍ بَعْدَها مَكْسُورَةٍ وهو مَقْلُوبُ (اَلسَّيْئِ) المُخَفَّفِ مِن ﴿ السَّيِّئِ ﴾ كَما قالَ الشّاعِرُ: ولا يَجْزُونَ مِن حَسَنٍ بِسَيْءٍ ولا يَجْزُونَ مِن غِلَظٍ بِلِينِ وقَرَأ اِبْنُ مَسْعُودٍ «مَكْرًا سَيِّئًا» عَطَفَ نَكِرَةً عَلى نَكِرَةٍ.

﴿ ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ ﴾ أيْ لا يُحِيطُ ﴿ إلا بِأهْلِهِ ﴾ وقالَ الرّاغِبُ: أيْ لا يُصِيبُ ولا يَنْزِلُ، وأيًّا ما كانَ فَهو إنَّما ورَدَ فِيما يُكْرَهُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ أصْلَ حاقَ حَقَّ فَجِيءَ بَدَلَ أحَدِ المِثْلَيْنِ بِالألِفِ نَحْوَ ذَمَّ وذامَ وزَلَّ وزالَ، وهَذا مِن إرْسالِ المَثَلِ ومِن أمْثالِ العَرَبِ: مَن حَفَرَ لِأخِيهِ جُبًّا وقَعَ فِيهِ مُنْكَبًّا، وعَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: قَرَأْتُ في التَّوْراةِ مَن حَفَرَ مُغَوّاةً وقَعَ فِيها، قالَ: أنا وجَدْتُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَقَرَأ الآيَةَ، وفي الخَبَرِ: ««لا تَمْكُرُوا ولا تُعِينُوا ماكِرًا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ ﴿ ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ ﴾ ولا تَبْغُوا ولا تُعِينُوا باغِيًا فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ ﴿ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ »» وقَدْ حاقَ مَكْرُ هَؤُلاءِ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.

والآيَةُ عامَّةٌ عَلى الصَّحِيحِ والأُمُورُ بِعَواقِبِها، واَللَّهُ تَعالى يُمْهِلُ ولا يُهْمِلُ، ووَراءَ الدُّنْيا الآخِرَةُ، وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيْ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ، وبِالجُمْلَةِ مَن مَكَرَ بِهِ غَيْرُهُ ونَفَذَ فِيهِ المَكْرُ عاجِلًا في الظّاهِرِ، فَفي الحَقِيقَةِ هو الفائِزُ والماكِرُ هو الهالِكُ، أسْألُ اللَّهَ تَعالى بِحُرْمَةِ حَبِيبِهِ الأعْظَمِ  أنْ يَدْفَعَ ويَرْفَعَ عَنّا مَكْرَ الماكِرِينَ وأنْ يُعامِلَهم في الدّارَيْنِ بِعَدْلِهِ إنَّهُ سُبْحانَهُ القَوِيُّ المَتِينُ.

وقُرِئَ «ولا يُحِيقُ» بِضَمِّ الياءِ «اَلْمَكْرَ السَّيِّئَ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ يُحِيقُ مِن أحاقَ المُتَعَدِّي وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ راجِعٌ إلَيْهِ تَعالى والمَكْرُ مَفْعُولُهُ.

﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ أيْ ما يَنْتَظِرُونَ، وهو مَجازٌ بِجَعْلِ ما يُسْتَقْبَلُ بِمَنزِلَةِ ما يُنْتَظَرُ ويُتَوَقَّعُ ﴿ إلا سُنَّتَ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ إلّا سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ بِتَعْذِيبِ مُكَذِّبِيهِمْ.

﴿ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا ﴾ بِأنْ يَضَعَ سُبْحانَهُ مَوْضِعَ العَذابِ ﴿ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا ﴾ بِأنْ يَنْقُلَ عَذابَهُ مِنَ المُكَذِّبِينَ إلى غَيْرِهِمْ، والفاءُ لِتَعْلِيلِ ما يُفِيدُهُ الحُكْمُ بِانْتِظارِهِمُ العَذابَ مِن مَجِيئِهِ، ونَفْيُ وِجْدانِ التَّبْدِيلِ والتَّحْوِيلِ عِبارَةٌ عَنْ نَفْيِ وجُودِهِما بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، وتَخْصِيصُ كُلٍّ مِنهُما بِنَفْيٍ مُسْتَقِلٍّ لِتَأْكِيدِ اِنْتِفائِهِما، والخِطابُ عامٌّ أوْ خاصٌّ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةًۭ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعْجِزَهُۥ مِن شَىْءٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَلِيمًۭا قَدِيرًۭا ٤٤

﴿ أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ اِسْتِشْهادٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن جَرَيانِ سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلى تَعْذِيبِ المُكَذِّبِينَ بِما يُشاهِدُونَهُ في مَسايِرِهِمْ ومَتاجِرِهِمْ في رِحْلَتِهِمْ إلى الشّامِ واليَمَنِ والعِراقِ مِن آثارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ وعَلاماتِ هَلاكِهِمْ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَلِيقُ بِالمَقامِ عَلى رَأْيٍ، أيْ أُقْعِدُوا ولَمْ يَسِيرُوا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِها.

﴿ وما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ ﴾ أيْ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ أنْ يَسْبِقَهُ ويَفُوتَهُ ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ أيِّ شَيْءٍ، ومِن لِاسْتِغْراقِ الأشْياءِ ﴿ فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ﴾ هو نَظِيرُ ﴿ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً  ﴾ والواوُ حالِيَّةٌ أوْ عاطِفَةٌ، وفي الإرْشادِ الجُمْلَةُ اِعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما يُفْهَمُ مِمّا قَبْلَهُ مِنَ اِسْتِئْصالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وظاهِرُهُ أنَّ الواوَ اِعْتِراضِيَّةٌ.

﴿ إنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴾ مُبالِغًا في العِلْمِ والقُدْرَةِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ الإعْجازِ <div class="verse-tafsir"

وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍۢ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِۦ بَصِيرًۢا ٤٥

﴿ ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ ﴾ جَمِيعًا ﴿ بِما كَسَبُوا ﴾ فَعَلُوا مِنَ السَّيِّئاتِ كَما وأخَذَ أُولَئِكَ ﴿ ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها ﴾ أيْ ظَهْرِ الأرْضِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ﴾ فَلَيْسَ مِنَ الإضْمارِ قَبْلَ الذِّكْرِ كَما زَعَمَهُ الرَّضِيُّ، وظَهْرُ الأرْضِ مَجازٌ عَنْ ظاهِرِها كَما قالَ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: في الكَلامِ اِسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، والمُرادُ ما تَرَكَ عَلَيْها ﴿ مِن دابَّةٍ ﴾ أيْ مِن حَيَوانٍ يَدِبُّ عَلى الأرْضِ لِشُؤْمِ المَعاصِي، وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً  ﴾ وهو المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالدّابَّةِ الإنْسُ وحْدَهم وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ فَإنَّ الضَّمِيرَ لِلنّاسِ لِأنَّهُ ضَمِيرُ العُقَلاءِ ويَوْمُ القِيامَةِ الأجَلُ المَضْرُوبُ لِبَقاءِ نَوْعِهِمْ، وقِيلَ: هو لِجَمِيعِ مَن ذُكِرَ تَغْلِيبًا ويَوْمُ القِيامَةِ الأجَلُ المَضْرُوبُ لِبَقاءِ جِنْسِ المَخْلُوقاتِ.

﴿ فَإذا جاءَ أجَلُهم فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا ﴾ فَيُجازِي المُكَلَّفِينَ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ بِأعْمالِهِمْ إنْ شَرًّا فَشَرٌّ وإنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وجُمْلَةُ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ ﴾ إلخ مَوْضُوعَةٌ مَوْضِعَ الجَزاءِ، والجَزاءُ في الحَقِيقَةِ يُجازى كَما أشَرْنا إلَيْهِ، هَذا واَللَّهُ تَعالى هو المُوَفِّقُ لِلْخَيْرِ ولا اِعْتِمادَ إلّا عَلَيْهِ.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ إشارَةٌ إلى إيجادِ عالَمَيِ اللَّطافَةِ والكَثافَةِ، وإلى أنَّ إيجادَ عالَمِ اللَّطافَةِ مُقَدَّمٌ عَلى إيجادِ عالَمِ الكَثافَةِ، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ ما شاعَ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْواحَ قَبْلَ الأبْدانَ بِأرْبَعَةِ آلافِ سَنَةٍ.

﴿ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا ﴾ في إيصالِ أوامِرِهِ إلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، أوْ وسائِطَ تَجْرِي إرادَتُهُ سُبْحانَهُ في مَخْلُوقاتِهِ عَلى أيْدِيهِمْ.

﴿ أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ إشارَةٌ إلى اِخْتِلافِهِمْ في الِاسْتِعْدادِ.

﴿ يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ ﴾ عامٌّ في المُلْكِ وغَيْرِهِ، وفُسِّرَتِ الزِّيادَةُ بِهِبَةِ اِسْتِعْدادِ رُؤْيَتِهِ عَزَّ وجَلَّ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ.

﴿ ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ ﴾ الزِّيادَةُ المُشارُ إلَيْها وغَيْرُها.

﴿ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ رَحْمَتَهُ سُبْحانَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ ﴾ تَسْلِيَةٌ لِحَبِيبِهِ  وإرْشادٌ لِوَرَثَتِهِ إلى الصَّبْرِ عَلى إيذاءِ أعْدائِهِمْ لَهم وتَكْذِيبِهِمْ إيّاهم وإنْكارِهِمْ عَلَيْهِمْ.

﴿ واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ جَرَتْ سُنَّتُهُ تَعالى في إحْياءِ الأرْضِ بِهَذِهِ الكَيْفِيَّةِ كَذَلِكَ إذا أرادَ سُبْحانَهُ إحْياءَ أرْضِ القَلْبِ فَيُرْسِلُ أوَّلًا رِياحَ الإرادَةِ فَتُثِيرُ سَحابَ المُحِبَّةِ ثُمَّ يَأْتِي مَطَرُ الجُودِ والعِنايَةِ فَيُنْبِتُ في القَلْبِ رَياحِينَ الرُّوحِ وأزْهارَ البَسْطِ ونُوارَ الأنْوارِ ويَطِيبُ العَيْشُ.

﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةَ جَمِيعًا ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ العِزَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لا تَحْصُلُ بِدُونِ الفَناءِ، ولا تَغْفُلْ عَنْ حَدِيثِ: ««لا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ»» الخ.

﴿ واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ﴾ وهو أبْعَدُ المَخْلُوقاتِ مِنَ الحَضْرَةِ وأسْفَلُها وأكْثَفُها.

﴿ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ﴾ وفِيها نَوْعٌ ما مِنَ اللَّطافَةِ ﴿ ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا ﴾ إشارَةٌ إلى ما حَصَلَ لَهم مِنَ اِزْدِواجِ الرُّوحِ اللَّطِيفِ العُلْوِيِّ والقالَبِ الكَثِيفِ السُّفْلِيِّ وهو مَبْدَأُ اِسْتِعْدادٍ لِوُقُوفٍ عَلى عَوالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ.

﴿ وما يَسْتَوِي البَحْرانِ ﴾ قِيلَ أيْ بَحْرُ العِلْمِ الوَهْبِيِّ وبَحْرُ العِلْمِ الكَسْبِيِّ هَذا أيْ بَحْرُ العِلْمِ الوَهْبِيِّ ﴿ عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ ﴾ لِخُلُوِّهِ عَنْ عَوارِضِ الشُّكُوكِ والأوْهامِ ﴿ وهَذا ﴾ أيْ بَحْرُ العِلْمِ الكَسْبِيِّ ﴿ مِلْحٌ أُجاجٌ ﴾ لِما فِيهِ مِن مَشَقَّةِ الفِكْرِ ومَرارَةِ الكَسْبِ وعُرُوضِ الشُّكُوكِ والتَّرَدُّدِ والِاضْطِرابِ.

﴿ ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا ﴾ إشاراتٌ لَطِيفَةٌ تَتَغَذَّوْنَ بِها وتَتَقَوَّوْنَ عَلى الأعْمالِ ﴿ وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ﴾ وهي الأخْلاقُ الفاضِلَةُ والآدابُ الجَمِيلَةُ والأحْوالُ المُسْتَحْسَنَةُ الَّتِي تُكْسِبُ صاحِبَها زِينَةً.

﴿ وتَرى الفُلْكَ ﴾ سُفُنَ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ ﴿ فِيهِ مَواخِرَ ﴾ جارِيَةً.

﴿ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ بِالوُصُولِ إلى حَضْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فِعْلُ ذَلِكَ.

﴿ يا أيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ ﴾ في سائِرِ شُؤُونِكُمْ، ومَراتِبُ الفَقْرِ مُتَفاوِتَةٌ، وكُلَّما اِزْدادَ الإنْسانُ قُرْبًا مِنهُ عَزَّ وجَلَّ اِزْدادَ فَقْرُهُ إلَيْهِ لِازْدِيادِ المَحَبَّةِ حِينَئِذٍ، وكُلَّما زادَ العِشْقُ زادَ فَقْرُ العاشِقِ إلى المَعْشُوقِ حَتّى يَفْنى.

﴿ واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ ﴾ فِيهِ مِنَ البِشارَةِ ما فِيهِ.

﴿ إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ ﴾ أيِ العُلَماءُ بِهِ تَعالى وبِشُؤُونِهِ فَهم كُلَّما اِزْدادُوا عِلْمًا اِزْدادُوا خَشْيَةً لِما يَظْهَرْ لَهم مِن عَظَمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهم بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى شَأْنُهُ لا شَيْءَ.

﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ قِيلَ: الظّالِمُ لِنَفَسِهِ السّالِكُ، والمُقْتَصِدُ السّالِكُ المَجْذُوبُ، والسّابِقُ المَجْذُوبُ السّالِكُ، والسّالِكُ هو المُتَقَرِّبُ، والمَجْذُوبُ هو المُقَرَّبُ، والمَجْذُوبُ السّالِكُ هو المُسْتَهْلَكُ في كِمالاتِ القُرْبِ الفانِي عَنْ نَفْسِهِ الباقِي بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ ﴾ حَزَنَ تَخَيُّلِ الهَجْرِ فَلا حُزْنَ لِلْعاشِقِ أعْظَمَ مِن حُزْنِ تَخَيُّلِ هَجْرِ مَعْشُوقِهِ لَهُ وجَفْوَتِهِ إيّاهُ.

﴿ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ فَلا بِدَعَ إذا أذْهَبَ عَنّا ذَلِكَ وآمَنَنا مِنَ القَطِيعَةِ والهِجْرانِ.

﴿ الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ﴾ هو نَصَبُ الأبْدانِ وتَعَبُها مِن أعْمالِ الطّاعَةِ لِلتَّقَرُّبِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ.

﴿ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ ﴾ هو لُغُوبُ القُلُوبِ واضْطِرابُها مِن تَخَيُّلِ القَطِيعَةِ والرَّدِّ وهَجْرِ الحَبِيبِ، وقِيلَ: لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبُ السَّعْيِ في تَحْصِيلِ أيْ أمْرٍ أرَدْناهُ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبُ تَخَيُّلِ ذَهابِ أيِّ مَطْلُوبٍ حَصَّلْناهُ.

وقَدْ أشارُوا إلى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى واَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ، هَذا ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى مِن فَضْلِهِ الحُلْوِ ما تَنْشَقُّ مِنهُ مَرارَةُ الحَسُودِ ويَنْفَطِرُ بِهِ قَلْبُ كُلِّ عَدُوٍّ ويَنْتَعِشُ فُؤادُ كُلِّ مُحِبٍّ ودُودٍ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل