الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة الأحقاف
تفسيرُ سورةِ الأحقاف كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 161 دقيقة قراءةسُورَةُ الأحْقافِ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ فَأطْلَقَ غَيْرُ واحِدٍ القَوْلَ بِمَكِّيَّتِها مِن غَيْرِ اسْتِثْناءٍ، واسْتَثْنى بَعْضُهم قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ الآيَةَ، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في قِصَّةِ إسْلامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ.
وفِي الدُّرِّ المَنثُورِ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقاصٍّ أنَّهُ قالَ: ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ لِأحَدٍ يَمْشِي عَلى وجْهِ الأرْضِ: إنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ إلّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وفِيهِ نَزَلَتْ ﴿ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ » وفي نُزُولِها فِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ، وظاهِرُ ذَلِكَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ إسْلامَهُ فِيها بَلْ في الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى مَدَنِيَّتِها مِن وجْهٍ آخَرَ، وعِكْرِمَةُ يُنْكِرُ نُزُولَها فِيهِ ويَقُولُ: هي مَكِّيَّةٌ كَما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ وكَذا مَسْرُوقٌ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: واللَّهِ ما نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ما نَزَلَتْ إلّا بِمَكَّةَ وإنَّما كانَ إسْلامُ ابْنِ سَلامٍ بِالمَدِينَةِ وإنَّما كانَتْ خُصُومَةً خاصَمَ بِها مُحَمَّدٌ ، واسْتَثْنى بَعْضُهم ﴿ والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ ﴾ الآيَتَيْنِ، «وزَعَمَ مَرْوانُ مِن لَعْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أباهُ وهو في صُلْبِهِ أنَّهُما نَزَلَتا في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَكَذَّبَتْهُ عائِشَةُ وقالَتْ: كَذَبَ مَرْوانُ مَرَّتَيْنِ واللَّهِ ما هو بِهِ ولَوْ شِئْتُ أنْ أُسَمِّيَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ لَسَمَّيْتُهُ ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَعَنَ أبا مَرْوانَ ومَرْوانُ في صُلْبِهِ فَمَرْوانُ فَضَضٌ أيْ قِطْعَةٌ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ تَعالى، وفي رِوايَةٍ أنَّها قالَتْ: إنَّما نَزَلَتْ في فُلانِ بْنِ فُلانٍ وسَمَّتْ رَجُلًا آخَرَ،» واسْتَثْنى آخَرُ ﴿ ووَصَّيْنا الإنْسانَ ﴾ الآياتِ الأرْبَعَ كَما حَكاهُ في جَمالِ القُرّاءِ، وحَكى أيْضًا اسْتِثْناءَ ﴿ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ ﴾ الآيَةَ ونَقَلَهُ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، وكَذا نُقِلَ فِيهِ عَنْهُما اسْتِثْناءُ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ﴾ إلَخْ، وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وآيُها خَمْسٌ وثَلاثُونَ في الكُوفِيِّ وأرْبَعٌ وثَلاثُونَ في غَيْرِهِ والِاخْتِلافُ في (حم) وتُسَمّى لِمُجاوَزَتِها الثَّلاثِينَ ثَلاثِينَ.
أخْرَجَ أحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ سُورَةً مِن آلِ حم وهي الأحْقافُ وكانَتِ السُّورَةُ إذا كانَتْ أكْثَرَ مِن ثَلاثِينَ آيَةً سُمِّيَتْ ثَلاثِينَ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَرَأها عَلى وجْهَيْنِ».
أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُورَةَ الأحْقافِ فَسَمِعْتُ رَجُلًا يَقْرَؤُها خِلافَ ذَلِكَ فَقُلْتُ: مَن أقْرَأكَها؟
قالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُلْتُ: واللَّهِ لَقَدْ أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَيْرَ ذا فَأتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا؟
قالَ: بَلى فَقالَ الآخَرُ: ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا؟
قالَ: بَلى فَتَمَعَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: (لِيَقْرَأْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما ما سَمِعَ فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِالِاخْتِلافِ)» .
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما تَواتَرَ هو القُرْآنُ.
ووَجْهُ اتِّصالِها أنَّهُ تَعالى لَمّا خَتَمَ السُّورَةَ الَّتِي قَبْلَها بِذِكْرِ التَّوْحِيدِ وذَمِّ أهْلِ الشِّرْكِ والوَعِيدِ افْتَتَحَ هَذِهِ بِالتَّوْحِيدِ ثُمَّ بِالتَّوْبِيخِ لِأهْلِ الكُفْرِ مِنَ العَبِيدِ فَقالَ عَزَّ وجَلَّ): ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ﴿ حم ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي تَقَدَّمَ في مَطْلَعِ السُّورَةِ السّابِقَةِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ بِما فِيهِما مِن حَيْثُ الجُزْئِيَّةُ مِنهُما ومِن حَيْثُ الِاسْتِقْرارُ فِيهِما ﴿ وما بَيْنَهُما ﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ ﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ أيْ إلّا خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ التَّكْوِينِيَّةُ والتَّشْرِيعِيَّةُ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِ كَمالِهِ وابْتِناءِ أفْعالِهِ عَلى حِكَمٍ بالِغَةٍ وانْتِهائِها إلى غاياتٍ جَلِيلَةٍ ما لا يَخْفى، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مُفَرَّغًا مِن أعَمِّ الأحْوالِ مِن فاعِلِ ( خَلَقْنا ) أوْ مِن مَفْعُولِهِ أيْ ما خَلَقْناها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ مُلابَسَتِنا بِالحَقِّ أوْ حالَ مُلابَسَتِها بِهِ ﴿ وأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ عَطْفٌ عَلى (الحَقِّ) بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى، وقُدِّرَ لِأنَّ الخَلْقَ إنَّما يَلْتَبِسُ بِهِ لا بِالأجَلِ نَفْسِهِ والمُرادُ بِهَذا الأجَلِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يَوْمُ القِيامَةِ فَإنَّهُ يَنْتَهِي إلَيْهِ أُمُورُ الكُلِّ وتُبَدَّلُ فِيهِ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ، وقِيلَ: مُدَّةُ البَقاءِ المُقَدَّرِ لِكُلِّ واحِدٍ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ﴾ فَإنَّ ما أُنْذَرُوهُ يَوْمُ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الطّامَّةِ التّامَّةِ والأهْوالِ العامَّةِ لا آخِرُ أعْمارِهِمْ.
وجُوِّزَ كَوْنُ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ عَنْ إنْذارِهِمْ بِذَلِكَ الوَقْتِ عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ الأوَّلِ القائِمِ مَقامَ الفاعِلِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أيْ ما خَلَقْنا الخَلْقَ إلّا بِالحَقِّ وتَقْدِيرُ الأجَلِ الَّذِي يُجازَوْنَ عِنْدَهُ والحالُ أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِهِ مُعْرِضُونَ عَنْهُ غَيْرُ مُسْتَعِدِّينَ لِحُلُولِهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ ﴾ تَوْبِيخًا لَهم وتَبْكِيتًا ﴿ أرَأيْتُمْ ﴾ أخْبِرُونِي وقُرِئَ (أرَأيْتَكُمْ) ﴿ ما تَدْعُونَ ﴾ ما تَعْبُدُونَ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ مِنَ الأصْنامِ أوْ جَمِيعِ المَعْبُوداتِ الباطِلَةِ ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ، والمَوْصُولُ مَفْعُولٌ أوَّلُ- لِأرَأيْتُمْ- وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرُونِي ﴾ تَأْكِيدٌ لَهُ فَإنَّهُ بِمَعْنى أخْبِرُونِي أيْضًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ماذا خَلَقُوا ﴾ جُوِّزَ فِيهِ أنْ تَكُونَ (ما) اسْمُ اسْتِفْهامٍ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا- لِخَلَقُوا- وذا زائِدَةً وأنْ تَكُونَ ماذا اسْمًا واحِدًا مَفْعُولًا مُقَدَّمًا أيْ أيَّ شَيْءٍ خَلَقُوا وأنْ تَكُونَ اسْمَ اسْتِفْهامٍ مُبْتَدَأً أوْ خَبَرًا مُقَدَّمًا وذا اسْمَ مَوْصُولٍ خَبَرًا أوْ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا وجُمْلَةُ ( خَلَقُوا ) صِلَةُ المَوْصُولِ أيْ ما الَّذِي خَلَقُوهُ، وعَلى الأوَّلَيْنِ جُمْلَةُ ( خَلَقُوا ) مَفْعُولٌ ثانٍ- لِأرَأيْتُمْ- وعَلى ما بَعْدَهُما جُمْلَةُ (ماذا خَلَقُوا) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن بابِ الإعْمالِ وقَدْ أُعْمِلَ الثّانِي وحُذِفَ مَفْعُولُ الأوَّلِ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ، وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ( أرُونِي ) بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن ( أرَأيْتُمْ ) وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ ( أرَأيْتُمْ ) وجْهَيْنِ: كَوْنُها مُتَعَدِّيَةً وما مَفْعُولًا لَها.
وكَوْنُها مُنَبِّهَةً لا تَتَعَدّى وما اسْتِفْهامِيَّةٌ عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ، وهَذا الثّانِي قالَهُ الأخْفَشُ في ﴿ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الأرْضِ ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْمُبْهَمِ في ﴿ ماذا خَلَقُوا ﴾ قِيلَ: والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن أجْزاءِ الأرْضِ وبُقَعِها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما عَلى وجْهِها مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ يُؤَدِّي ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأرْضِ السُّفْلِيّاتِ مُطْلَقًا ولَعَلَّهُ أوْلى ﴿ أمْ لَهم شِرْكٌ ﴾ أيْ شِرْكَةٌ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿ فِي السَّماواتِ ﴾ أيْ في خَلْقِها، ولَعَلَّ الأوْلى فِيها أيْضًا أنْ تُفَسَّرَ بِالعُلْوِيّاتِ.
( وأمْ ) جُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً وأنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً، والمُرادُ نَفْيُ اسْتِحْقاقِ آلِهَتِهِمْ لِلْمَعْبُودِيَّةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، فَقَدْ نَفى أوَّلًا مَدْخَلِيَّتَها في خَلْقِ شَيْءٍ مِن أجْزاءِ العالَمِ السُّفْلِيِّ حَقِيقَةً واسْتِقْلالًا، وثانِيًا مَدْخَلِيَّتَها عَلى سَبِيلِ الشِّرْكَةِ في خَلْقِ شَيْءٍ مِن أجْزاءِ العالَمِ العُلْوِيِّ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ نَفْيَ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ اسْتِحْقاقِ المَعْبُودِيَّةِ، وتَخْصِيصُ الشِّرْكَةِ في النَّظْمِ الجَلِيلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي السَّماواتِ ﴾ مَعَ أنَّهُ لا شِرْكَةَ فِيها وفي الأرْضِ أيْضًا لِأنَّ القَصْدَ إلْزامُهم بِما هو مُسَلَّمٌ لَهم ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ والشَّرِكَةُ في الحَوادِثِ السُّفْلِيَّةِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ لِتَمَلُّكِهِمْ وإيجادِهِمْ لِبَعْضِها بِحَسَبِ الصُّورَةِ الظّاهِرَةِ.
وقِيلَ: الأظْهَرُ أنْ تُجْعَلَ الآيَةُ مِن حَذْفِ مُعادِلِ ( أمِ ) المُتَّصِلَةِ لِوُجُودِ دَلِيلِهِ والتَّقْدِيرُ ألْهُمَ شِرْكٌ في الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ وهو كَما تَرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ائْتُونِي بِكِتابٍ ﴾ إلى آخِرِهِ تَبْكِيتٌ لَهم بِتَعْجِيزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِسَنَدٍ نَقْلِيٍّ بَعْدَ تَبْكِيتِهِمْ بِالتَّعْجِيزِ عَنِ الإتْيانِ بِسَنَدٍ عَقْلِيٍّ فَهو مِن جُمْلَةِ القَوْلِ أيِ ائْتُونِي بِكِتابٍ إلَهِيٍّ كائِنٍ ﴿ مِن قَبْلِ ﴾ هَذا الكِتابِ أيِ القُرْآنُ النّاطِقُ بِالتَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ دالٌّ عَلى صِحَّةِ دِينِكم ﴿ أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ ﴾ أيْ بَقِيَّةٍ مِن عِلْمٍ بَقِيَتْ عَلَيْكم مِن عُلُومِ الأوَّلِينَ شاهِدَةً بِاسْتِحْقاقِهِمُ العِبادَةَ، فالأثارَةُ مَصْدَرٌ كالضَّلالَةِ بِمَعْنى البَقِيَّةِ مِن قَوْلِهِمْ: سَمِنَتِ النّاقَةُ عَلى أثارَةٍ مِن لَحْمٍ أيْ بَقِيَّةٍ مِنهُ.
وقالَ القُرْطُبِيُّ: هي بِمَعْنى الإسْنادِ والرِّوايَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمارَيْتُما بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والآثِرِ وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ: المَعْنى أوْ خاصَّةٌ مِن عِلْمٍ فاشْتِقاقُها مِنَ الأثَرَةِ فَكَأنَّها قَدْ آثَرَ اللَّهُ تَعالى بِها مَن هي عِنْدَهُ، وقِيلَ: هي العَلامَةُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ ﴾ قالَ: الخَطُّ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا مَوْقُوفًا عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، وفُسِّرَ بِعِلْمِ الرَّمْلِ كَما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «(كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّ فَمَن صادَفَ مِثْلَ خَطِّهِ عَلِمَ)».
وفِي رِوايَةٍ عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ قالَ: ﴿ أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ ﴾ خَطٌّ كانَ يَخُطُّهُ العَرَبُ في الأرْضِ، وهَذا ظاهِرٌ في تَقْوِيَةِ أمْرِ عِلْمِ الرَّمْلِ وأنَّهُ شَيْءٌ لَهُ وجْهٌ ويُرْشِدُ إلى بَعْضِ الأُمُورِ، وفي ذَلِكَ كَلامٌ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ.
وفي البَحْرِ قِيلَ: إنْ صَحَّ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ الأثارَةَ بِالخَطِّ عَلى التُّرابِ كانَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ وبِأقْوالِهِمْ ودَلائِلِهِمْ، والتَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ ( ومِن عِلْمٍ ) صِفَةٌ أيْ أوِ ائْتُونِي بِأثارَةٍ قَلِيلَةٍ كائِنَةٍ مِن عِلْمٍ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ في دَعْواكم فَإنَّها لا تَكادُ تَصِحُّ ما لَمْ يَقُمْ عَلَيْها بُرْهانٌ عَقْلِيٌّ أوْ دَلِيلٌ نَقْلِيٌّ وحَيْثُ لَمْ يَقُمْ عَلَيْها شَيْءٌ مِنهُما وقَدْ قاما عَلى خِلافِها تَبَيَّنَ بُطْلانُها، وقُرِئَ (إثارَةٍ) بِكَسْرِ الهَمْزِ وفُسِّرَتْ بِالمُناظَرَةِ فَإنَّها تُثِيرُ المَعانِي، قِيلَ: وذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ عَلى تَشْبِيهِ ما يُبْرَزُ ويَتَحَقَّقُ بِالمُناظَرَةِ بِما يَثُورُ مِنَ الغُبارِ الثّائِرِ مِن حَرَكاتِ الفُرْسانِ.
وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِخِلافٍ عَنْهُما.
وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ والحَسَنُ والسُّلَمِيُّ والأعْمَشُ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ (أثَرَةٍ) بِغَيْرِ ألِفٍ وهي واحِدَةُ جَمْعُها أُثُرٌ كَقَتَرَةٍ وقُتُرٍ، وعَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والسُّلَمِيُّ وقَتادَةُ أيْضًا بِإسْكانِ الثّاءِ وهي الفِعْلَةُ الواحِدَةُ مِمّا يُؤْثَرُ أيْ قَدْ قَنِعَتْ مِنكم بِخَبَرٍ واحِدٍ أوْ أثَرٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِكم وعَنِ الكِسائِيِّ ضَمُّ الهَمْزَةِ وإسْكانُ الثّاءِ فَهي اسْمٌ لِلْمِقْدارِ كالغَرْفَةِ لِما يُغْرَفُ بِاليَدِ أيِ ائْتُونِي بِشَيْءٍ ما يُؤْثَرُ مِن عِلْمٍ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ (إثْرَةٍ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ وهي بِمَعْنى الأثَرَةِ بِفَتْحَتَيْنِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مِن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ ﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أضَلُّ مِنَ المُشْرِكِينَ، وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّ المُرادَ نَفْيُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ يُساوِيهِمْ في الضَّلالَةِ وإنْ كانَ سَبْكُ التَّرْكِيبِ لِنَفْيِ الأضَلِّ، وقَدْ مَرَّ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فَتَذَكَّرْ، أيْ هو أضَلُّ مِن كُلِّ ضالٍّ حَيْثُ تَرَكَ دُعاءَ المُجِيبِ القادِرِ المُسْتَجْمِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ الِاسْمُ الجَلِيلُ ودَعا مَن لَيْسَ شَأْنُهُ الِاسْتِجابَةَ لَهُ وإسْعافَهُ بِمَطْلُوبِهِ ﴿ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ أيْ ما دامَتِ الدُّنْيا، وظاهِرُهُ أنَّهُ بَعْدَها تَقَعُ الِاسْتِجابَةُ ولَيْسَ بِمُرادٍ لِتَحَقُّقِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ، فَهَذِهِ الغايَةُ عَلى ما في الِانْتِصافِ مِنَ الغاياتِ المُشْعِرَةِ بِأنَّ ما بَعْدَها وإنْ وافَقَ ما قَبْلَها إلّا أنَّهُ أزْيَدُ مِنهُ زِيادَةً بَيِّنَةً تُلْحِقُهُ بِالمُبايِنِ حَتّى كَأنَّ الحالَتَيْنِ وإنْ كانَتا نَوْعًا واحِدًا لِتَفاوُتِ ما بَيْنَهُما كالشَّيْءِ وضِدِّهِ، وذَلِكَ أنَّ الحالَةَ الأُولى الَّتِي جُعِلَتْ غايَتُها القِيامَةَ لا تَزِيدُ عَلى عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ، والحالَةَ الثّانِيَةَ الَّتِي في القِيامَةِ زادَتْ عَلى عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ بِالعَداوَةِ وبِالكُفْرِ بِعِبادَتِهِمْ إيّاهم كَما يَنْطِقُ بِهِ ما بَعْدُ فَهو مِن وادِي قَوْلِهِ تَعالى: في سُورَةِ الزُّخْرُفِ ﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ ﴾ الآيَةَ، ونَحْوَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في إبْلِيسَ: ﴿ وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ ﴾ وقَدْ يُقالُ: المُرادُ بِهَذِهِ الغايَةِ التَّأْبِيدُ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ ﴾ وقَوْلِهِمْ: ما دامَ ثَبِيرٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا إشْكالَ في الآيَةِ لِأنَّ الغايَةَ مَفْهُومٌ فَلا تُعارِضَ المَنطُوقَ، وفِيهِ بَحْثٌ، فَفي الدُّرَرِ واليَنْبُوعِ عَنِ البَدِيعِ أنَّ الغايَةَ عِنْدَنا مِن قَبِيلِ إشارَةِ النَّصِّ لا المَفْهُومِ.
وقالَ الزَّرْكَشِيُّ في شَرْحِ جَمْعِ الجَوامِعِ: ذَهَبَ القاضِي أبُو بَكْرٍ إلى أنَّ الحُكْمَ في الغايَةِ مَنطُوقٌ وادَّعى أنَّ أهْلَ اللُّغَةِ صَرَّحُوا بِأنَّ تَعْلِيقَ الحُكْمِ بِالغايَةِ مَوْضُوعٌ عَلى أنَّ ما بَعْدَها خِلافُ ما قَبْلَها لِأنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّها لَيْسَتْ كَلامًا مُسْتَقِلًّا فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ حَتّى يَطْهُرْنَ ﴾ لا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ لِضَرُورَةِ تَتْمِيمِ الكَلامِ وذَلِكَ أنَّ المُضْمَرَ إمّا ضِدُّ ما قَبْلَهُ أوْ لا والثّانِي لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فَيُقَدَّرُ حَتّى يَطْهُرْنَ فاقْرَبُوهُنَّ، حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَتَحِلَّ، قالَ: والمُضْمَرُ بِمَنزِلَةِ المَلْفُوظِ فَإنَّهُ إنَّما يُضْمَرُ لِسَبْقِهِ إلى ذِهْنِ العارِفِ بِاللِّسانِ، وعَلَيْهِ جَرى صاحِبُ البَدِيعِ مِنَ الحَنَفِيَّةِ فَقالَ: هو عِنْدَنا مِن دَلالَةِ الإشارَةِ لا مِنَ المَفْهُومِ، لَكِنَّ الجُمْهُورَ عَلى أنَّهُ مَفْهُومٌ ومَنَعُوا وضْعَ اللُّغَةِ لِذَلِكَ انْتَهى، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ قَوْلَهُ في التَّلْوِيحِ: إنَّ مَفْهُومَ الغايَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لا يَخْلُو مِنَ الخَلَلِ ﴿ وهم عَنْ دُعائِهِمْ ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِمَفْعُولِ ( يَدْعُوَ ) أعْنِي ﴿ مَن لا يَسْتَجِيبُ ﴾ والثّانِي لِفاعِلِهِ، والجَمْعُ فِيهِما بِاعْتِبارِ مَعْنى ( مَن ) كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما سَبَقَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها أيْ والَّذِينَ يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم عَنْ دُعائِهِمْ إيّاهم ﴿ غافِلُونَ ﴾ لا يَسْمَعُونَ ولا يَدْرُونَ، أمّا إنْ كانَ المَدْعُوُّ جَمادًا فَظاهِرٌ، وأمّا إنْ كانَ مِن ذَوِي العُقُولِ فَإنْ كانَ مِنَ المَقْبُولِينَ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَلِاشْتِغالِهِ عَنْ ذَلِكَ بِما هو فِيهِ مِنَ الخَيْرِ أوْ كَوْنُهُ في مَحَلٍّ لَيْسَ مِن شَأْنِ الَّذِي فِيهِ أنْ يَسْمَعَ دُعاءَ الدّاعِي لِلْبُعْدِ كَعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اليَوْمَ أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَصُونُ سَمْعَهُ عَنْ سَماعِ ذَلِكَ لِأنَّهُ لِكَوْنِهِ مِمّا لا يُرْضِي اللَّهَ تَعالى يُؤْلِمُهُ لَوْ سَمِعَهُ، وإنْ كانَ مِن أعْداءِ اللَّهِ تَعالى كَشَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ الَّذِينَ عُبِدُوا مَن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَإنْ كانَ مَيِّتًا فَلِاشْتِغالِهِ بِما هو فِيهِ مِنَ الشَّرِّ، وقِيلَ: لِأنَّ المَيِّتَ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ السَّماعُ ولا يَتَحَقَّقُ مِنهُ سَماعٌ إلّا مُعْجِزَةً كَسَماعِ أهْلِ القَلِيبِ، وفي هَذا كَلامٌ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ وإنْ كانَ حَيًّا فَإنْ كانَ بَعِيدًا مَثَلًا فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ قَرِيبًا سَلِيمَ الحاسَّةِ فَقِيلَ: الكَلامُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ بَعْدَ تَأْوِيلِ الغَفْلَةِ بِعَدَمِ السَّماعِ وعَلى التَّغْلِيبِ لِنُدْرَةِ هَذا الصِّنْفِ.
ومِنَ النّاسِ مَن أوَّلَ الغَفْلَةَ بِعَدَمِ الفائِدَةِ وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ لِوَصْفِهِمْ بِالغَفْلَةِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ كَثِيرُ فائِدَةٍ، واعْتَبَرَ بَعْضُهُمُ التَّغْلِيبَ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ بِمَعْنى أنَّهُ غَلَبَ مَن يُتَصَوَّرُ مِنهُ الغَفْلَةُ حَقِيقَةً عَلى غَيْرِهِ، وهَذا كالتَّغْلِيبِ في التَّعْبِيرِ عَنْ تِلْكَ الآلِهَةِ بِما هو مَوْضُوعٌ لِأنْ يُسْتَعْمَلَ في العُقَلاءِ، وإنْ كانَتِ الآيَةُ في عَبَدَةِ الأصْنامِ ونَحْوِها مِمّا لا يَعْقِلُ تَجُوزُ في الغَفْلَةِ وكانَ التَّعْبِيرُ بِما هو لِلْعاقِلِ لِإجْراءِ العَبَدَةِ إيّاها مَجْرى العُقَلاءِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: عَلى جَعْلِها في عَبَدَةِ الأصْنامِ.
إنْ وصَفَها بِما ذَكَرَ مِن تَرْكِ الِاسْتِجابَةِ والغَفْلَةِ مَعَ ظُهُورِ حالِها لِلتَّهَكُّمِ بِها فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفَلْ <div class="verse-tafsir"
﴿ وإذا حُشِرَ النّاسُ ﴾ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ ﴿ كانُوا ﴾ أيِ المَعْبُودُونَ ﴿ لَهُمْ ﴾ أيِ العابِدِينَ ﴿ أعْداءً ﴾ شَدِيدِي العَداوَةِ ﴿ وكانُوا ﴾ أيِ المَعْبُودُونَ أيْضًا ﴿ بِعِبادَتِهِمْ ﴾ أيْ بِعِبادَةِ الكَفَرَةِ إيّاهم ﴿ كافِرِينَ ﴾ مُكَذِّبِينَ، والأمْرُ ظاهِرٌ في ذَوِي العُقُولِ.
وأمّا في الأصْنامِ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ لَها إدْراكًا ويَنْطِقُها فَتَتَبَرَّأُ عَنْ عِبادَتِهِمْ وكَذا تَكُونُ أعْداءً لَهُمْ، وجُوِّزَ كَوْنُ تَكْذِيبِ الأصْنامِ بِلِسانِ الحالِ لِظُهُورِ أنَّهم لا يَصْلُحُونَ لِلْعِبادَةِ وأنَّهم لا نَفْعَ لَهم كَما تَوَهَّمُوهُ أوَّلًا حَيْثُ قالُوا: ﴿ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ ﴾ ورَجَوُا الشَّفاعَةَ مِنهم.
وفُسِّرَتِ العَداوَةُ بِالضُّرِّ عَلى أنَّها مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْهُ فَمَعْنى ﴿ كانُوا لَهم أعْداءً ﴾ كانُوا لَهم ضارِّينَ، وما ذَكَرْناهُ في بَيانِ الضَّمائِرِ هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ (هُمُ) المَرْفُوعُ البارِزُ والمُسْتَتِرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ ﴾ لِلْكَفَرَةِ الدّاعِينَ وضَمِيرُ ﴿ دُعائِهِمْ ﴾ لَهم أوْ لِلْمَعْبُودِينَ، والمَعْنى أنَّ الكُفّارَ عَنْ ضَلالِهِمْ بِأنَّهم يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهم غافِلُونَ لا يَتَأمَّلُونَ ما عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ، وفِيهِ مِنِ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ ما فِيهِ، وفي الضَّمائِرِ بَعْدَ نَحْوِ ذَلِكَ، والمَعْنى إذا حُشِرَ النّاسُ كانَ الكُفّارُ أعْداءً لِآلِهَتِهِمُ الباطِلَةِ لِما يَرَوْنَ مِن تَرَتُّبِ العَذابِ عَلى عِبادَتِهِمْ إيّاها وكانُوا لِذَلِكَ مُنْكِرِينَ أنَّهم عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ وتُعِقِّبَ بِأنَّ السِّياقَ لِبَيانِ حالِ الآلِهَةِ مَعَهم لا عَكْسِهِ، ولِأنَّ كُفْرَهم حِينَئِذٍ إنْكارٌ لِعِبادَتِهِمْ وتَسْمِيَتُهُ كُفْرًا خِلافُ الظّاهِرِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ﴾ أيْ واضِحاتٍ أوْ مُبَيِّناتٍ ما يَلْزَمُ بَيانُهُ ﴿ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ ﴾ أيِ الآياتِ المَتْلُوَّةِ، ووُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِها تَنْصِيصًا عَلى حَقِّيَّتِها ووُجُوبِ الإيمانِ بِها كَما وُضِعَ المَوْصُوفُ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِكَمالِ الكُفْرِ والضَّلالَةِ.
وجُوِّزَ كَوْنُ المُرادِ- بِالحَقِّ- النُّبُوَّةَ أوِ الإسْلامَ فَلَيْسَ فِيهِ مَوْضُوعًا مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقالَ عَلى أنَّها لامُ العِلَّةِ أيْ قالُوا لِأجْلِ الحَقِّ وفي شَأْنِهِ وما يُقالُ في شَأْنِ شَيْءٍ مَسُوقٍ لِأجْلِهِ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ- بِكَفَرُوا- عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الباءِ أوْ حُمِلَ الكُفْرُ عَلى نَقِيضِهِ وهو الإيمانُ فَإنَّهُ يَتَعَدّى بِاللّامِ نَحْوَ ﴿ أنُؤْمِنُ لَكَ ﴾ وهو خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى ﴿ لَمّا جاءَهُمْ ﴾ أيْ في وقْتِ مَجِيئِهِ إيّاهُمْ، ويُفْهَمُ مِنهُ في العُرْفِ المُبادَرَةُ وتَسْتَلْزِمُ عَدَمَ التَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: بادِرُوا أوَّلَ سَماعِ الحَقِّ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ إلى أنْ قالُوا: هَذا ﴿ سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ أيْ ظاهِرٌ كَوْنُهُ سِحْرًا، وحُكْمُهم بِذَلِكَ عَلى الآياتِ لِعَجْزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِها، وعَلى النُّبُوَّةِ لِما مَعَها مِنَ الخارِقِ لِلْعادَةِ، وعَلى الإسْلامِ لِتَفْرِيقِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ ووَلَدِهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن حِكايَةِ شَناعَتِهِمُ السّابِقَةِ إلى حِكايَةِ ما هو أشْنَعُ مِنها وهو الكَذِبُ عَمْدًا عَلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّ الكَذِبَ خُصُوصًا عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ مُتَّفَقٌ عَلى قُبْحِهِ حَتّى تَرى كُلَّ أحَدٍ يَشْمَئِزُّ مِن نِسْبَتِهِ إلَيْهِ بِخِلافِ السِّحْرِ فَإنَّهُ وإنْ قَبُحَ فَلَيْسَ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ حَتّى تَكادَ تُعَدُّ مَعْرِفَتُهُ مِنَ الأُمُورِ المَرْغُوبَةِ، وما في (أمِ) المُنْقَطِعَةِ مِنَ الهَمْزَةِ مَعْنًى لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ المُتَضَمِّنِ لِلتَّعَجُّبِ مِن نِسْبَتِهِ إلى الِافْتِراءِ مَعَ قَوْلِهِمْ: هو سِحْرٌ لِعَجْزِهِمْ عَنْهُ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ( افْتَراهُ ) كَما قالَ أبُو حَيّانَ ﴿ لِلْحَقِّ ﴾ الَّذِي هو الآياتُ المَتْلُوَّةُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لِلْقُرْآنِ الدّالِّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ أيْ بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ.
﴿ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ ﴾ عَلى الفَرْضِ ﴿ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ أيْ عاجَلَنِي اللَّهُ تَعالى بِعُقُوبَةِ الِافْتِراءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَلا تَقْدِرُونَ عَلى كَفِّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن مُعالَجَتِي ولا تُطِيقُونَ دَفْعَ شَيْءٍ مِن عِقابِهِ سُبْحانَهُ عَنِّي فَكَيْفَ أفْتَرِيهِ وأتَعَرَّضُ لِعِقابِهِ، فَجَوابُ ( إنْ ) في الحَقِيقَةِ مَحْذُوفٌ وهو عاجَلَنِي وما ذُكِرَ مُسَبَّبٌ عَنْهُ أُقِيمَ مَقامَهُ أوْ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْهُ ﴿ هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ بِالَّذِي تَأْخُذُونَ فِيهِ مِنَ القَدْحِ في وحْيِ اللَّهِ تَعالى والطَّعْنِ في آياتِهِ وتَسْمِيَتِهِ سِحْرًا تارَةً وافْتِراءً أُخْرى، واسْتِعْمالُ الإفاضَةِ في الأخْذِ في الشَّيْءِ والشُّرُوعُ فِيهِ قَوْلًا كانَ أوْ فِعْلًا مُجازٌ مَشْهُورٌ، وأصْلُها إسالَةُ الماءِ يُقالُ: أفاضَ الماءَ إذا أسالَهُ، وما أشَرْنا إلَيْهِ مِن كَوْنِ (ما) مَوْصُولَةً وضَمِيرُ (فِيهِ) عائِدٌ عَلَيْهِ هو الظّاهِرُ وجُوِّزَ كَوْنُ (ما) مَصْدَرِيَّةً وضَمِيرُ ( فِيهِ ) لِلْحَقِّ أوْ لِلْقُرْآنِ ﴿ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ حَيْثُ يَشْهَدُ لِي سُبْحانَهُ بِالصِّدْقِ والبَلاغِ وعَلَيْكم بِالكَذِبِ والجُحُودِ، وهو وعِيدٌ بِجَزاءِ إفاضَتِهِمْ في الطَّعْنِ في الآياتِ، واسْتُؤْنِفَ لِأنَّهُ في جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، و( بِهِ ) في مَوْضِعِ الفاعِلِ- بِكَفى- عَلى أصَحِّ الأقْوالِ، ( وشَهِيدًا ) حالٌ ( وبَيْنِي وبَيْنَكم ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِكَفى ﴿ وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وعَدَ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ لِمَن تابَ وآمَنَ وإشْعارٌ بِحِلْمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ إذْ لَمْ يُعاجِلْهم سُبْحانَهُ بِالعُقُوبَةِ وأمْهَلَهم جَلَّ شَأْنُهُ لِيَتَدارَكُوا أُمُورَهُمْ <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ﴾ أيْ بَدِيعًا مِنهم يَعْنِي لَسْتُ مُبْتَدِعًا لِأمْرٍ يُخالِفُ أُمُورَهم بَلْ جِئْتُ بِما جاؤُوا بِهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ أوْ فَعَلْتُ نَحْوَ ما فَعَلُوا مِن إظْهارِ ما آتانِي اللَّهُ تَعالى مِنَ المُعْجِزاتِ دُونَ الإتْيانِ بِالمُقْتَرَحاتِ كُلِّها، فَقَدْ قِيلَ: إنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ آياتٍ عَجِيبَةً ويَسْألُونَهُ عَنِ المُغَيَّباتِ عِنادًا ومُكابَرَةً فَأُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ، ونَظِيرُ بِدْعٍ الخِفُّ بِمَعْنى الخَفِيفِ والخِلُّ بِمَعْنى الخَلِيلِ فَهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ أوْ مَصْدَرٌ مُؤَوَّلٌ بِها، وجُوِّزَ إبْقاؤُهُ عَلى أصْلِهِ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (بِدَعًا) بِفَتْحِ الدّالِّ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ جَمْعُ بِدَعَةٍ كَسِدْرَةٍ وسَدَرٍ، والكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذا بِدَعٍ أوْ مَصْدَرٍ والإخْبارُ بِهِ مُبالَغَةً أوْ بِتَقْدِيرِ المُضافِ أيْضًا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً عَلى فِعْلٍ كَقَوْلِهِمْ: دِينٌ قَيِّمٌ ولَحْمٌ زَيْمٌ أيْ مُتَفَرِّقٌ.
قالَ في البَحْرِ: ولَمْ يُثْبِتْ سِيبَوَيْهِ صِفَةً عَلى هَذا الوَزْنِ إلّا عُدِّيَ حَيْثُ قالَ: ولا نَعْلَمُهُ جاءَ صِفَةً إلّا في حَرْفٍ مُعْتَلٍّ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ وهو قَوْمٌ عُدِّيَ، واسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ زَيْمٌ وهو اسْتِدْراكٌ صَحِيحٌ، وأمّا قَيِّمٌ فَمَقْصُورٌ مِن قِيامٍ ولَوْلا ذَلِكَ لَصَحَّتْ عَيْنُهُ كَما صَحَّتْ في حِوَلٍ وعِوَضٍ، وأمّا قَوْلُ العَرَبِ: مَكانٌ سَوِيٌّ وماءٌ رَوِيٌّ ورَجُلٌ رِضًا وماءٌ صَرًى فَمُتَأوِّلَةٌ عِنْدَ التَّصْرِيفِيِّينَ إمّا بِالمَصْدَرِ أوْ بِالقَصْرِ، وعَنْ مُجاهِدٍ وأبِي حَيْوَةَ (بَدِعًا) بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِّ وهو صِفَةٌ كَحَذِرٍ.
﴿ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ ﴾ أيْ في الدّارَيْنِ عَلى التَّفْصِيلِ كَما قِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: أمّا في الآخِرَةِ فَمَعاذَ اللَّهِ تَعالى قَدْ عَلِمَ أنَّهُ في الجَنَّةِ حِينَ أخَذَ مِيثاقَهُ في الرُّسُلِ ولَكِنْ ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي في الدُّنْيا أأُخْرَجُ كَما أُخْرِجَتِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن قَبْلِي أمْ أُقْتَلُ كَما قُتِلَتِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن قَبْلِي ولا بِكم أأُمَّتِي المُكَذِّبَةُ أمْ أُمَّتِي المُصَدِّقَةُ أمْ أُمَّتِي المَرْمِيَّةُ بِالحِجارَةِ مِنَ السَّماءِ قَذْفًا أمِ المَخْسُوفُ بِها خَسْفًا ثُمَّ أُوحِيَ إلَيْهِ ﴿ وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ ﴾ يَقُولُ سُبْحانَهُ: أحَطْتُ لَكَ بِالعَرَبِ أنْ لا يَقْتُلُوكَ فَعَرَفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ لا يُقْتُلُ ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ يَقُولُ: أشْهَدَ لَكَ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ سَيُظْهِرُ دِينَكَ عَلى الأدْيانِ ثُمَّ قالَ سُبْحانُهُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في أُمَّتِهِ: ﴿ وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ فَأخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِما صَنَعَ بِهِ وما يَصْنَعُ بِأُمَّتِهِ، وعَنِ الكَلْبِيِّ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ أصْحابُهُ وقَدْ ضَجِرُوا مِن أذى المُشْرِكِينَ: حَتّى مَتى نَكُونُ عَلى هَذا؟
فَقالَ: وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم أأُتْرَكُ بِمَكَّةَ أمْ أُؤْمَرُ بِالخُرُوجِ إلى أرْضٍ قَدْ رُفِعَتْ لِي ورَأيْتُها يَعْنِي في مَنامِهِ ذاتَ نَخْلٍ وشَجَرٍ».
وحُكِيَ في البَحْرِ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ أيْضًا وابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي في ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ فَخَرَجَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى النّاسِ فَبَشَّرَهم بِأنَّهُ غَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ فَقالَ رَجُلٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ: هَنِيئًا لَكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنا الآنَ ما يُفْعَلُ بِكَ فَماذا يُفْعَلُ بِنا؟
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الأحْزابِ ﴿ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى ما يُفْعَلُ بِهِ وبِهِمْ.
واسْتُشْكِلَ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ بِأنَّ النَّسْخَ لا يَجْرِي في الخَبَرِ فَلَعَلَّ المَنسُوخَ الأمْرُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( قُلْ ) إنْ قُلْنا: إنَّهُ هُنا لِلتَّكْرارِ أوِ المُرادُ بِالنَّسْخِ مُطْلَقُ التَّغْيِيرِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: هَذا القَوْلُ لَيْسَ بِظاهِرٍ بَلْ قَدْ أعْلَمُ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أوَّلِ الرِّسالَةِ بِحالِهِ وحالِ المُؤْمِنِ وحالِ الكافِرِ في الآخِرَةِ، وقالَ الإمامُ: أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ اسْتَبْعَدُوا هَذا القَوْلَ واحْتَجُّوا بِأنَّ النَّبِيَّ لا بُدَّ أنْ يَعْلَمَ مِن نَفْسِهِ كَوْنَهُ نَبِيًّا ومَتى عَلِمَ ذَلِكَ عَلِمَ أنَّهُ لا يَصْدُرُ عَنْهُ الكَبائِرُ وأنَّهُ مَغْفُورٌ وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُهُ شاكًّا في أنَّهُ هَلْ هو مَغْفُورٌ لَهُ أمْ لا، وبِأنَّهُ لا شَكَّ أنَّ الأنْبِياءَ أرْفَعُ حالًا مِنَ الأوْلِياءِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ فَكَيْفَ يُعْتَقَدُ بَقاءُ الرَّسُولِ وهو رَئِيسُ الأنْبِياءِ وقُدْوَةُ الأوْلِياءِ شاكًّا في أنَّهُ هَلْ هو مِنَ المَغْفُورِينَ أمْ لا، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ أيْضًا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما يَدْرِي ذَلِكَ عَلى التَّفْصِيلِ، وما ذُكِرَ لا يَتَعَيَّنُ فِيهِ حُصُولُ العِلْمِ التَّفْصِيلِيِّ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ أُعْلِمَ بِذَلِكَ في مَبْدَأِ الأمْرِ إجْمالًا بَلْ في إعْلامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بُعْدٌ بِحالِ كُلِّ شَخْصٍ شَخْصٍ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ بِأنْ يَكُونَ قَدْ أُعْلِمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأحْوالِ زَيْدٍ مَثَلًا في الآخِرَةِ عَلى التَّفْصِيلِ وبِأحْوالِ عَمْرٍو كَذَلِكَ وهَكَذا تَوَقَّفْ.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ وأخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أُمِّ العَلاءِ، وكانَتْ بايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّها قالَتْ لَمّا ماتَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ: رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ يا أبا السّائِبِ شَهادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ رَسُولُ اللَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (وما يُدْرِيكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أكْرَمَهُ؟
أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ وإنِّي لَأرْجُوَ لَهُ الخَيْرَ واللَّهِ ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللَّهِ ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ، قالَتْ أُمُّ العَلاءِ: فَواللَّهِ ما أُزَكِّي بَعْدَهُ أحَدًا» .
وفِي رِوايَةِ ابْنِ حَبّانَ والطَّبَرانِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ «أنَّها قالَتْ لَمّا قُبِضَ: طِبْ أبا السّائِبِ نَفْسًا إنَّكَ في الجَنَّةِ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: وما يُدْرِيكِ؟
قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ قالَ: أجَلٌ وما رَأيْنا إلّا خَيْرًا واللَّهِ ما أدْرِي ما يُصْنَعُ بِي».
وفِي رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّهُ لَمّا ماتَ قالَتِ امْرَأتُهُ أوِ امْرَأةٌ: هَنِيئًا لَكَ ابْنَ مَظْعُونٍ الجَنَّةَ فَنَظَرَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَظَرَ مُغْضَبٍ وقالَ: وما يُدْرِيكِ؟
واللَّهِ إنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ اللَّهُ بِي فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ صاحِبُكَ وفارِسُكَ وأنْتَ أعْلَمُ فَقالَ: أرْجُو لَهُ رَحْمَةَ رَبِّهِ تَعالى وأخافُ عَلَيْهِ ذَنْبَهُ».
لَكِنْ في هَذِهِ الرِّوايَةِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ وعَنِ الضَّحّاكِ المُرادُ لا أدْرِي ما أُومِرَ بِهِ ولا ما تُؤْمَرُونَ بِهِ في بابِ التَّكالِيفِ والشَّرائِعِ والجِهادِ ولا في الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ المَعْنى عَلى نَفْيِ الدِّرايَةِ مِن غَيْرِ جِهَةِ الوَحْيِ سَواءٌ كانَتِ الدِّرايَةُ تَفْصِيلِيَّةً أوْ إجْمالِيَّةً وسَواءٌ كانَ ذَلِكَ في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ أوِ الأُخْرَوِيَّةِ وأعْتَقِدُ أنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ مِنَ الدُّنْيا حَتّى أُوتِيَ مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ وشُؤُونِهِ والعِلْمُ بِأشْياءَ يُعَدُّ العِلْمَ بِها كَمالًا ما لَمْ يُؤْتِهِ أحَدٌ غَيْرُهُ مِنَ العالَمِينَ، ولا أعْتَقِدُ فَواتَ كَمالٍ بِعَدَمِ العِلْمِ بِحَوادِثَ دُنْيَوِيَّةٍ جُزْئِيَّةٍ كَعَدَمِ العِلْمِ بِما يَصْنَعُ زَيْدٌ مَثَلًا في بَيْتِهِ وما يَجْرِي عَلَيْهِ في يَوْمِهِ أوْ غَدِهِ، ولا أرى حَسَنًا قَوْلَ القائِلِ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْلَمُ الغَيْبَ وأسْتَحْسِنُ أنْ يُقالَ بَدَلَهُ: إنَّهُ أطْلَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الغَيْبِ أوْ عَلَّمَهُ سُبْحانَهُ إيّاهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وفي الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن يَنْسُبُ لِبَعْضِ الأوْلِياءِ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، وقَدْ سَمِعْتُ خَطِيبًا عَلى مِنبَرِ المَسْجِدِ الجامِعِ المَنسُوبِ لِلشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ الكِيلانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ قالَ بِأعْلى صَوْتٍ: يا بازُ أنْتَ أعْلَمُ بِي مِن نَفْسِي، وقالَ لِي بَعْضٌ: إنِّي لَأعْتَقِدُ أنَّ الشَّيْخَ قُدِّسَ سِرُّهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ مِنِّي حَتّى مَنابِتِ شَعْرِي، ومِثْلُ ذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُنْسَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَكَيْفَ يُنْسَبُ إلى مَن سِواهُ؟
فَلْيَتَّقِ العَبْدُ مَوْلاهُ، وفِيما تَقَدَّمَ مِنَ الأخْبارِ في شَأْنِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَدٌّ أيْضًا عَلى مَن يَقُولُ فِيمَن دُونَهُ في الفَضْلِ أوْ مَن لَمْ يُبَشِّرْهُ الصّادِقُ بِالجَنَّةِ والكَرامَةِ نَحْوَ ما قِيلَ فِيهِ.
نَعَمْ يَنْبَغِي الظَّنُ الحَسَنُ في المُؤْمِنِينَ أحْياءً وأمْواتًا ورَجاءُ الخَيْرِ لِكُلٍّ مِنهم فاللَّهُ تَعالى أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، هَذا والظّاهِرُ أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ بِالِابْتِداءِ والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرٌ وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مُعَلَّقٌ عَنْها الفِعْلُ القَلْبِيُّ وهو إمّا مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ أوِ اثْنَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ الدِّرايَةِ وهو حِينَئِذٍ مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ والجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَةٌ، وأنْ تَكُونَ حَرْفًا مَصْدَرِيًّا فالمَصْدَرُ مَفْعُولٌ ﴿ أدْرِي ﴾ والِاسْتِفْهامِيَّةُ أقَضى لِحَقِّ مَقامِ التَّبَرِّي عَنِ الدِّرايَةِ، و(لا) لِتَذْكِيرِ النَّفْيِ المُنْسِحِبِ عَلى ﴿ ما يُفْعَلُ ﴾ إلَخْ وتَأْكِيدِهِ، ولَوْلا اعْتِبارُ الِانْسِحابِ لَكانَ التَّرْكِيبُ ما يُفْعَلُ بِي وبِكم دُونَ (لا) لِأنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلنَّفْيِ ولا لِزِيادَةِ لا ونَظِيرُ ذَلِكَ زِيادَةُ ( مِنَ ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ ﴾ لِانْسِحابِ النَّفْسِ فَإنَّهُ إذا انْتَفَتْ وِدادَةُ التَّنْزِيلِ انْتَفى التَّنْزِيلُ، وزِيادَةُ الباءِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ ﴾ لِانْسِحابِ النَّفْيِ، عَلى أنَّ مَعَ ما في حَيِّزِها ولَوْلاهُ ما زِيدَتِ الباءُ في الخَبَرِ، وقِيلَ: الأصْلُ ولا ما يَفْعَلُ بِكم فاخْتُصِرَ، وقِيلَ: ولا بِكُمْ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (يَفْعَلُ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ ﴾ أيْ ما أفْعَلُ إلّا اتِّباعَ ما يُوحى إلَيَّ عَلى مَعْنى قَصْرِ أفْعالِهِ عَلى اتِّباعِ الوَحْيِ، والمُرادُ بِالفِعْلِ ما يَشْمَلُ القَوْلَ وغَيْرَهُ، وهَذا جَوابٌ عَنِ اقْتِراحِهِمُ الإخْبارَ عَمّا لَمَّ يُوحَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الغُيُوبِ، والخِطابُ السّابِقُ لِلْمُشْرِكِينَ.
وقِيلَ: عَنِ اسْتِعْجالِ المُسْلِمِينَ أنْ يَتَخَلَّصُوا عَنْ أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ والخِطابُ السّابِقُ لَهُمْ، والأوَّلُ أوْفَقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أنا إلا نَذِيرٌ ﴾ أُنْذِرُكم عِقابَ اللَّهِ تَعالى حَسْبَما يُوحى إلا ﴿ مُبِينٌ ﴾ بَيِّنُ الإنْذارِ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ، والحَصْرُ إضافِيٌّ.
وقَرَأ ابْنُ عُمَيْرٍ (يُوحِي) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ ﴾ أيْ ما يُوحى إلَيَّ مِنَ القُرْآنِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ أنَّ الظّاهِرَ لَوْ كانَ المَعْنى عَلَيْهِ كُنْتُ ﴿ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ لا سِحْرًا ولا مُفْتَرى كَما تَزْعُمُونَ ﴿ وكَفَرْتُمْ بِهِ ﴾ الواوُ لِلْحالِ والجُمْلَةُ حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ عَلى المَشْهُورِ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ وُسِّطَتْ بَيْنَ أجْزاءِ الشَّرْقِ اهْتِمامًا بِالتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ أوْ لِلْعَطْفِ عَلى ( كانَ ) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ ﴾ وكَذا الواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ إلّا أنَّها تَعْطِفُهُ بِما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى جُمْلَةِ ما قَبْلَهُ، فالجُمَلُ المَذْكُوراتُ بَعْدَ الواواتِ لَيْسَتْ مُتَعاطِفَةً عَلى نَسَقٍ واحِدٍ بَلْ مَجْمُوعُ ( شَهِدَ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ ) مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ ( كانَ ) وما مَعَهُ، مِثْلُهُ في المُفْرَداتِ ﴿ هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ ﴾ والمَعْنى إنِ اجْتَمَعَ كَوْنُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مَعَ كُفْرِكم واجْتَمَعَ شَهادَةُ الشّاهِدِ فَإيمانُهُ مَعَ اسْتِكْبارِكم عَنِ الإيمانِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في جَوابِ الشَّرْطِ وفي مَفْعُولَيْ ( أرَأيْتُمْ ) وضَمِيرُ (بِهِ) عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ اسْمُ كانَ وهو ما يُوحى مِنَ القُرْآنِ أوِ الرَّسُولِ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ لِلرَّسُولِ، ولَعَلَّهُ يَقُولُ في ضَمِيرِ ( كانَ ) أيْضًا كَذَلِكَ وكُنّا في ضَمِيرِ ﴿ عَلى مِثْلِهِ ﴾ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّفْكِيكُ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ رُجُوعُ الضَّمائِرِ كُلِّها لِلْقُرْآنِ، وتَنْوِينُ ﴿ شاهِدٌ ﴾ لِلتَّفْخِيمِ، وكَذا وصْفُهُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ أيْ وشَهِدَ شاهِدٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ الواقِفِينَ عَلى شُؤُونِ اللَّهِ تَعالى وأسْرارِ الوَحْيِ بِما أُوتُوا مِنَ التَّوْراةِ عَلى مِثْلِ القُرْآنِ مِنَ المَعانِي المُنْطَوِيَةِ في التَّوْراةِ مِنَ التَّوْحِيدِ والوَعْدِ والوَعِيدِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَإنَّها في الحَقِيقَةِ عَيْنُ ما فِيهِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ ﴾ عَلى وجْهٍ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى ﴾ والمِثْلِيَّةُ بِاعْتِبارِ تَأْدِيَتِها بِعِباراتٍ أُخْرى أوْ عَلى مِثْلِ ما ذُكِرَ مِن كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى والمِثْلِيَّةُ لِما ذُكِرَ، وقِيلَ: عَلى مِثْلِ شَهادَتِهِ أيْ لِنَفْسِهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى كَأنَّهُ لِإعْجازِهِ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ، وقِيلَ: مِثْلُ كِنايَةٍ عَنِ القُرْآنِ نَفْسِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الضَّمِيرِ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَّرَ المِثْلَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَآمَنَ ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ لِلسَّبَبِيَّةِ فَيَكُونُ إيمانُهُ مُتَرَتِّبًا عَلى شَهادَةٍ لَهُ بِمُطابَقَتِهِ لِلْوَحْيِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَفْصِيلِيَّةً فَيَكُونُ إيمانُهُ بِهِ هو الشَّهادَةَ لَهُ، والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ فَآمَنَ بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ظاهِرٌ بِأدْنى التِفاتٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ أيْ عَنِ الإيمانِ مَعْطُوفٌ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ عَلى ( شَهِدَ شاهِدٌ ) وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَعْطُوفًا عَلى ( آمَنَ ) لِأنَّهُ قَسِيمُهُ ويُجْعَلُ الكُلُّ مَعْطُوفًا عَلى الشَّرْطِ، ولا تَكْرارَ في ﴿ اسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ بَعْدَ الشَّهادَةِ والكُفْرَ قَبْلَها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ أيِ المَوْسُومِينَ بِهَذا الوَصْفِ، اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ في مَقامِ التَّعْلِيلِ لِلِاسْتِكْبارِ عَنِ الإيمانِ، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَتُشْعِرُ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِأنَّ كُفْرَهم بِهِ لِضَلالِهِمُ المُسَبَّبِ عَنْ ظُلْمِهِمْ وهو دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ ولِذا حُذِفَ ومَفْعُولا ( أرَأيْتُمْ ) مَحْذُوفانِ أيْضًا لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِما، والتَّقْدِيرُ أرَأيْتُمْ حالَكم إنْ كانَ كَذا فَقَدْ ظَلَمْتُمْ ألَسْتُمْ ظالِمِينَ، فالمَفْعُولُ الأوَّلُ حالُكم والثّانِي ألَسْتُمْ ظالِمِينَ، والجَوابُ فَقَدْ ظَلَمْتُمْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في ( أرَأيْتُمْ ) يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً فَهي لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلسُّؤالِ لا تَقْتَضِي مَفْعُولًا، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ إنْ كانَ ﴾ إلَخْ سادَةً مَسَدَّ مَفْعُولَيْها، وهو خِلافُ ما قَرَّرَهُ مُحَقِّقُو النُّحاةِ في ذَلِكَ.
وقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الجَوابَ ألَسْتُمْ ظالِمِينَ بِغَيْرِ فاءٍ.
ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ إذا وقَعَتْ جَوابًا لِلشَّرْطِ لَزِمَها الفاءُ فَإنْ كانَتِ الأداةُ الهَمْزَةَ تُقَدَّمُ عَلى الفاءِ وإلّا تَأخَّرَتْ، ولَعَلَّهُ تَقْدِيرُ مَعْنًى لا تَقْدِيرُ إعْرابٍ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم أفَتُؤْمِنُونَ لِدَلالَةِ ﴿ فَآمَنَ ﴾ وقَدَّرَهُ الحَسَنُ فَمَن أضَلُّ مِنكم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مِن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَمَنِ المُحِقُّ مِنّا ومِنكم ومَنِ المُبْطِلُ؟
وقِيلَ: تَهْلَكُونَ، وقِيلَ: هو ﴿ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ أيْ فَقَدْ آمَنَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهِ أوِ الشّاهِدُ واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ، وأكْثَرُها كَما تَرى.
والشّاهِدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِنْدَ الجُمْهُورِ وابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنِ سِيرِينَ والضَّحّاكِ وعِكْرِمَةَ في رِوايَةِ ابْنِ سَعْدٍ وابْنِ عَساكِرَ عَنْهُ.
وفي الكَشْفِ في جَعْلِهِ شاهِدًا والسُّورَةَ مَكِّيَّةً بَحْثٌ ولِهَذا اسْتَثْنَيْتُ هَذِهِ الآيَةَ، وتَحْقِيقُهُ أنَّهُ نَزَلَ ما سَيَكُونُ مَنزِلَةَ الواقِعِ ولِهَذا عُطِفَ ( شَهِدَ ) وما بَعْدَهُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ ﴾ لِيُعْلَمَ أنَّهُ مِثْلُهُ في التَّحْقِيقِ فَيَكُونَ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ ﴾ أيْ أنْذَرَ قُرَيْشًا مِثْلَ ما أنْزَلْناهُ عَلى يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ وقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ مِن نُزُولِ الآيَةِ، ومَصَبُّ الإلْزامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَآمَنَ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرُونِي إنْ يُؤْمِن بِهِ عالِمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أيْ عالِمٌ لِما تَحَقَّقَ عِنْدَهُ أنَّهُ مِثْلُ التَّوْراةِ ألَسْتُمْ تَكُونُونَ أضَلَّ النّاسِ، فَفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ مِثْلُ التَّوْراةِ يَجِبُ الإيمانُ بِهِ شَهِدَ ذَلِكَ الشّاهِدُ أوْ لَمْ يَشْهَدْ لِأنَّ تِلْكَ الشَّهادَةَ يَعْقُبُها الإيمانُ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ فَلَوْ لَمْ يُؤْمِن لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِما في التَّوْراةِ وهَذا يَصْلُحُ جَوابًا مُسْتَقِلًّا مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى الأوَّلِ فافْهَمْ، وقَوْلُ مَن قالَ: الشّاهِدُ عَبْدُ اللَّهِ عَلى هَذا بَيانٌ لِلْواقِعِ وأنَّهُ كانَ مِمَّنْ شَهِدَ وآمَنَ لا أنَّ المُرادَ بِلَفْظِ الآيَةِ عَبْدُ اللَّهِ خُصُوصًا، وعَلى الوَجْهَيْنِ لا بُدَّ مِن تَأْوِيلِ قَوْلِ سَعْدٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ وغَيْرِهِما وفِيهِ نَزَلَ ﴿ وشَهِدَ شاهِدٌ ﴾ بِأنَّ المُرادَ في شَأْنِهِ الَّذِي سَيَحْدُثُ عَلى الأوَّلِ أوْ فِيهِ وفِيمَن هو عَلى حالِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: هو مِنَ النّازِلِينَ فِيهِ لِأنَّهُ كانَ مِنَ الشّاهِدِينَ انْتَهى.
وتُعِقِّبَ قَوْلُهُ: إنَّهُ نَزَلَ ما سَيَكُونُ مَنزِلَةَ الواقِعِ بِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ التَّنْزِيلِ عَلى تَقْدِيرِ مَكِّيَّتِها، وكَوْنِ الشّاهِدِ ابْنَ سَلامٍ لِمَكانِ العَطْفِ عَلى الشَّرْطِ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ الماضِي مُسْتَقْبَلًا وحِينَئِذٍ لا ضَيْرَ في شَهادَةِ الشّاهِدِ بَعْدَ نُزُولِها، ومَعَ هَذا فالظّاهِرُ مِنَ الأخْبارِ أنَّ النُّزُولَ كانَ في المَدِينَةِ وأنَّهُ بَعْدَ شَهادَةِ ابْنِ سَلامٍ.
أخْرَجَ أبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ «عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ قالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنا مَعَهُ حَتّى دَخَلْنا كَنِيسَةَ اليَهُودِ يَوْمَ عِيدِهِمْ فَكَرِهُوا دُخُولَنا عَلَيْهِمْ فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أرُونِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنكم يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يُحْبِطُ اللَّهُ تَعالى عَنْ كُلِّ يَهُودِيٍّ تَحْتَ أدِيمِ السَّماءِ الغَضَبَ الَّذِي عَلَيْهِ فَسَكَتُوا فَما أجابَهُ مِنهم أحَدٌ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ فَثَلَّثَ فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ فَقالَ: أبَيْتُمْ فَواللَّهِ لَأنا الحاشِرُ وأنا العاقِبُ وأنا المُقَفّى آمَنتُمْ أوْ كَذَّبْتُمْ ثُمَّ انْصَرَفَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنا مَعَهُ حَتّى كِدْنا أنْ نَخْرُجَ فَإذا رَجُلٌ مِن خَلْفِهِ فَقالَ: كَما أنْتَ يا مُحَمَّدُ فَأقْبَلَ فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: أيُّ رَجُلٍ تَعْلَمُونِي فِيكم يا مَعْشَرَ اليَهُودِ؟
قالُوا: واللَّهِ ما نَعْلَمُ فِينا رَجُلًا أعْلَمَ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى ولا أفْقَهَ مِنكَ ولا مِن أبِيكَ ولا مِن جِدِّكِ قالَ: فَإنِّي أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي تَجِدُونَهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَقالُوا: كَذَبْتَ ثُمَّ رَدُّوا عَلَيْهِ وقالُوا شَرًّا فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنا وابْنُ سَلامٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ الآيَةَ».، ورُوِيَ حَدِيثُ شَهادَتِهِ وإيمانِهِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، ولا يَظْهَرُ لِي الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما ذُكِرَ، وهو أيْضًا ظاهِرٌ في كَوْنِ النُّزُولِ بَعْدَ الشَّهادَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «جاءَ مَيْمُونُ بْنُ يامِينَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانَ رَأْسَ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ فَأسْلَمَ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ابْعَثْ إلَيْهِمْ- يَعْنِي اليَهُودَ- فاجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَهم حَكَمًا مِن أنْفُسِهِمْ فَإنَّهم سَيَرْضُونِي فَبَعَثَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِمْ وأدْخَلَهُ الدّاخِلُ فَأتَوْهُ فَخاطَبُوهُ مَلِيًّا فَقالَ لَهُمُ: اخْتارُوا رَجُلًا مِن أنْفُسِكم يَكُونُ حَكَمًا بَيْنِي وبَيْنَكم قالُوا: فَإنّا قَدْ رَضِيَنا بِمَيْمُونِ بْنِ يامِينَ فَأخْرَجَهُ إلَيْهِمْ فَقالَ لَهم مَيْمُونُ: لَنَشْهَدُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وأنَّهُ عَلى الحَقِّ فَأبَوْا أنْ يُصَدِّقُوهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ﴾ الآيَةَ».
وهُوَ ظاهِرٌ في مَدَنِيَّةِ الآيَةِ وأنَّ نُزُولَها قَبْلَ شَهادَةِ الشّاهِدِ لَكِنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ الشّاهِدَ غَيْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وكَوْنُهُ كانَ يُسَمّى بِذَلِكَ قَبْلُ لَمْ أرَهُ، ولا يَظْهَرُ لِي وجْهُ التَّعْبِيرِ بِهِ دُونَ المَشْهُودِ إنْ كانَ، والَّذِي رَأيْتُهُ في الِاسْتِيعابِ في تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ ابْنُ سَلامِ بْنِ الحَرْثِ الإسْرائِيلِيِّ الأنْصارِيِّ يُكَنّى أبا يُوسُفَ وكانَ اسْمُهُ في الجاهِلِيَّةِ الحُصَيْنَ فَلَمّا أسْلَمَ سَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ومِن كَذِبِ اليَهُودِ وجَهْلِهِمْ بِالتّارِيخِ ما يَعْتَقِدُونَهُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ سافَرَ إلى الشّامِ في تِجارَةٍ لِخَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها اجْتَمَعَ بِأحْبارِ اليَهُودِ وقَصَّ عَلَيْهِمْ أحْلامَهُ فَعَلِمُوا أنَّهُ صاحِبُ دَوْلَةٍ فَأصْحَبُوهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ وبَقِيَ مَعَهُ مُدَّةً فَتَعَلَّمَ مِنهُ عِلْمَ الشَّرائِعِ والأُمَمِ السّالِفَةِ وأفْرَطُوا في الكَذِبِ إلى أنْ نَسَبُوا القُرْآنَ المُعْجِزَ إلى تَأْلِيفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وعَبْدُ اللَّهِ هَذا مِمّا لَيْسَ لَهُ إقامَةٌ بِمَكَّةَ ولا تَرَدُّدٌ إلَيْها، ولَمْ يَرَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا في المَدِينَةِ وأسْلَمَ إذْ قَدِمَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ قَبْلَ وفاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعامَيْنِ عَلى ما حَكاهُ في البَحْرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، فَما أكْذَبَ اليَهُودَ وأبْهَتَهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وناهِيكَ مِن طائِفَةٍ ما ذُمَّ في القُرْآنِ طائِفَةٌ مِثْلُها.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّ الشّاهِدَ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ كانَ يَدَّعِي مَكِّيَّةَ الآيَةِ ويُنْكِرُ نُزُولَها في ابْنِ سَلامٍ ويَقُولُ: إنَّما كانَتْ خُصُومَةً خاصَمَ بِها مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكَأنَّهُ عَلى هَذا لا يَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِأنَّها نَزَلَتْ بِخُصُوصِ شاهِدٍ، وأُيِّدَ عَدَمُ إرادَةِ الخُصُوصِ بِأنَّ ﴿ شاهِدٌ ﴾ في الآيَةِ نَكِرَةٌ والنَّكِرَةُ في سِياقِ الشَّرْطِ تَعُمُّ، وأنا أقُولُ: بِكَوْنِ التَّنْوِينِ في ﴿ شاهِدٌ ﴾ لِلتَّعْظِيمِ وبِمَدَنِيَّةِ الآيَةِ ونُزُولِها في ابْنِ سَلامٍ، والخِطاباتُ فِيها مُطْلَقًا لِكُفّارِ مَكَّةَ، ورُبَّما يُظَنُّ عَلى بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّها لِلْيَهُودِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، وهُمُ المَعْنِيُّونَ أيْضًا بِالَّذِينِ كَفَرُوا في قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلى آخِرِهِ، وهو حِكايَةٌ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن أقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ في حَقِّ القُرْآنِ العَظِيمِ والمُؤْمِنِينَ بِهِ.
وفِيهِ تَحْقِيقٌ لِاسْتِكْبارِهِمْ أيْ وقالَ كُفّارُ مَكَّةَ: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أيْ لِأجْلِهِمْ وفي شَأْنِهِمْ فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ كَما سَمِعْتَ في ﴿ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ ﴾ .
وقِيلَ: هي لامُ المُشافَهَةِ والتَّبْلِيغِ والتَفَتُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْ كانَ ﴾ أيْ ما جاءَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ القُرْآنِ، وقِيلَ: الإيمانُ ﴿ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ ولَوْلاهُ لَقالُوا: سَبَقْتُمُونا بِالخِطابِ أوْ لِما سَمِعُوا أنَّ جَماعَةً آمَنُوا خاطَبُوا جَماعَةً أُخْرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أيْ قالُوا لِلَّذِينِ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَنا إلَيْهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ بَلَغَنا إيمانُهم.
وتُعِقِّبَ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن مُواطِنِ الِالتِفاتِ، وكَوْنُهم قَصَدُوا تَحْقِيرَ المُؤْمِنِينَ بِالغِيبَةِ لا وجْهَ لَهُ، وكَوْنُ المُشافِهِينَ طائِفَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُخْبَرِ عَنْهم طائِفَةً أُخْرى خِلافُ الظّاهِرِ، فالأوْلى كَوْنُها لِلتَّعْلِيلِ وقالُوا ذَلِكَ لِما رَأوْا أنَّ أكْثَرَ المُؤْمِنِينَ كانُوا فُقَراءَ ضُعَفاءَ كَعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وبِلالٍ وكانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الخَيْرَ الدِّينِيَّ يَتْبَعُ الخَيْرَ الدُّنْيَوِيَّ وأنَّهُ لا يَتَأهَّلُ لِلْأوَّلِ إلّا مَن كانَ لَهُ القَدَحُ المُعَلّى مِنَ الثّانِي، ولِذا قالُوا: ﴿ لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ وخَطَؤُهم في ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَوْنِ بْنِ أبِي شَدّادٍ قالَ: كانَتْ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أمَةٌ أسْلَمَتْ قَبْلَهُ يُقالُ لَها زَنِيرَةُ فَكانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَضْرِبُها عَلى إسْلامِها وكانَ كَفّارُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ زَنِيرَةُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في شَأْنِها ﴿ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةَ، ولَعَلَّهم لَمْ يُرِيدُوا زَنِيرَةَ بِخُصُوصِها بَلْ مَن شابَهَها أيْضًا.
وفِي الآيَةِ تَغْلِيبُ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ، وقالَ أبُو المُتَوَكِّلِ: أسْلَمَ َبُو ذَرٍّ ثُمَّ أسْلَمَتْ غِفارُ فَقالَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ، وقالَ الكَلْبِيُّ والزَّجّاجُ: قالَ ذَلِكَ بَنُو عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وغَطَفانُ وأسَدٌ وأشْجَعُ لَمّا أسْلَمَ أسْلَمُ وجُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وغِفارُ وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هي مَقالَةُ اليَهُودِ حِينَ أسْلَمَ ابْنُ سَلامٍ، وأصْحابُهُ مِنهُمْ، ويَلْزَمُ عَلَيْهِ القَوْلُ بِأنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ وعَدَّها في المُسْتَثْنَياتِ أوْ كَوْنُ ( قالَ ) فِيها كَنادى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونادى أصْحابُ الأعْرافِ ﴾ وهَذا كَما تَرى والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ ﴿ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ، وقِيلَ: بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، و( إذْ ) عَلى ما اخْتارَهُ جارُ اللَّهِ ظَرْفٌ لِمُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ السّابِقُ واللّاحِقُ أيْ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ظَهَرَ عِنادُهم واسْتِكْبارُهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ أيْ يَتَحَقَّقُ مِنهم هَذا القَوْلُ والطَّعْنُ حِينًا فَحِينًا كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ صِيغَةُ المُضارِعِ مُسَبَّبٌ عَنِ العِنادِ والِاسْتِكْبارِ، وإذا جازَ مِثْلُ حِينَئِذٍ الآنَ أيْ كانَ ذَلِكَ حِينَئِذٍ واسْمَعِ الآنَ بِدَلِيلِ قَرِينَةِ الحالِ فَهَذا أجْوَزُ، والإشارَةُ إلى القُرْآنِ العَظِيمِ، وقَوْلُهُمْ: ذَلِكَ فِيهِ كَقَوْلِهِمْ: ( أساطِيرُ الأوَّلِينَ ) ولَمْ يُجَوَّزْ أنْ يَكُونَ ( فَسَيَقُولُونَ ) عامِلًا في الظَّرْفِ لِتَدافُعِ دَلالَتَيِ المُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ، وإنَّما لَمْ يَجْعَلْهُ مِن قَبِيلِ ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إذِ الأغْلالُ ﴾ نَظْمًا لِلْمُسْتَقْبَلِ في سِلْكِ المَقْطُوعِ كَما اخْتارَهُ ابْنُ الحاجِبِ في الأمالِي لِأنَّ المَعْنى هاهُنا- كَما في الكَشْفِ- عَلى أنَّ عَدَمَ الهِدايَةِ مُحَقَّقٌ واقِعٌ لا أنَّهُ سَيَقَعُ البَتَّةَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بَعْدَما بَيَّنَ اسْتِكْبارَهم وعِنادَهم كَيْفَ يَنُصُّ عَلى أنَّهم مُجادِلُونَ مُعْرِضُونَ عَنِ القُرْآنِ وتَدَبُّرِهِ غَيْرَ مُهْتَدِينَ بِبَشائِرِهِ ونُذُرِهِ.
وقالَ بَعْضُهُمُ: الظَّرْفُ مَعْمُولٌ- لِسَيَقُولُونَ- والفاءُ لا تَمْنَعُ عَنْ عَمَلِ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها كَما ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ، والتَّسَبُّبُ المُشْعِرَةُ بِهِ عَنْ كُفْرِهِمْ، و(سَيَقُولُونَ) بِمَعْنى قالُوا، والعُدُولُ إلَيْهِ لِلْإشْعارِ بِالِاسْتِمْرارِ وتُعِقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ مَعَ السِّينِ بَعِيدٌ، وقِيلَ: إذْ تَعْلِيلِيَّةٌ لِلْقَوْلِ.
وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ مُعَلَّلٌ بِكُفْرِهِمْ كَما آذَنَتْ بِهِ الفاءُ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ العامِلَ المَحْذُوفَ قالُوا ما قالُوا، ورَجَّحَهُ عَلى التَّقْدِيرِ السّابِقِ ولَيْسَ بِراجِحٍ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى عَلى راجِحٍ <div class="verse-tafsir"
﴿ ومِن قَبْلِهِ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ القُرْآنِ وهو خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كِتابُ مُوسى ﴾ قُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ، وجَوَّزَ الطَّبَرْسِيُّ كَوْنَ ( كِتابُ ) مَعْطُوفًا عَلى ﴿ شاهِدٌ ﴾ والظَّرْفُ فاصِلٌ بَيْنَ العاطِفِ والمَعْطُوفِ، والمَعْنى وشَهِدَ كِتابُ مُوسى مِن قَبْلِهِ، وجُعِلَ ضَمِيرُ ( قَبْلِهِ ) لِلْقُرْآنِ أيْضًا ولَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إمامًا ورَحْمَةً ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ أوْ مِن ( كِتابُ ) عِنْدَ مَن جَوَّزَ الحالَ مِنَ المُبْتَدَأِ، وقِيلَ: حالٌ مِن مَحْذُوفٍ والعامِلُ كَذَلِكَ أيْ أنْزَلْناهُ إمامًا وهو كَما تَرى.
والمَعْنى وكائِنٌ مِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى يُقْتَدى بِهِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعِهِ كَما يُقْتَدى بِالإمامِ ورَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِمَن آمَنَ بِهِ وعَمِلَ بِمُوجِبِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهَذا ﴾ أيِ القُرْآنُ الَّذِي يَقُولُونَ في شَأْنِهِ ما يَقُولُونَ ﴿ كِتابُ ﴾ مُبْتَدَأُ خَبَرٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مُصَدِّقٌ ﴾ نَعْتُ ( كِتابُ ) وهو مَصَبُّ الفائِدَةِ أيْ مُصَدِّقٌ لِكِتابِ مُوسى الَّذِي هو إمامٌ ورَحْمَةٌ أوْ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن جَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، وقَدْ قُرِئَ (مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها وهي حالِيَّةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ وإبْطالٌ لَهُ، والمَعْنى كَيْفَ يَصِحُّ كَوْنُهُ إفْكًا قَدِيمًا وقَدْ سَلَّمُوا كِتابَ مُوسى والقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لَهُ مُتَّحِدٌ مَعَهُ في المَعْنى أوْ لِجَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِسانًا عَرَبِيًّا ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( كِتابُ ) المُسْتَتِرِ في ( مُصَدِّقٌ ) أوْ مِنهُ نَفْسِهِ لِتَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ، وعامِلُهُ عَلى الأوَّلِ ( مُصَدِّقٌ ) وعَلى الثّانِي ما في هَذا مِن مَعْنى الفِعْلِ، وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ مَعَ أنَّ عَرَبِيَّتَهُ أمْرٌ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أحَدٍ الإشْعارُ بِالدَّلالَةِ عَلى أنَّ كَوْنَهُ مُصَدِّقًا كَما دَلَّ عَلى أنَّهُ حَقٌّ دَلَّ عَلى أنَّهُ وحْيٌ وتَوْقِيفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
هَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّ الكَلامَ مَعَ اليَهُودِ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ مَعَ كُفّارِ مَكَّةَ فَلِأنَّهم قَدْ يُسَلِّمُونَ التَّوْراةَ ونَحْوَها مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ السّابِقَةِ وإنْ كانُوا أحْيانًا يُنْكِرُونَ إنْزالَ الكُتُبِ وإرْسالَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُطْلَقًا.
وفي الكَشْفِ وجْهُ تَقْدِيمِ الخَبَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ﴾ أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ كائِنٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى فَمِن قَبْلِ إنْزالِ القُرْآنِ إمامًا ورَحْمَةً كانَ إنْزالُ التَّوْراةِ كَذَلِكَ، ولَيْسَ مِن تَقْدِيمِ الِاخْتِصاصِ بَلْ لِأنَّ العِنايَةَ والِاهْتِمامَ بِذِكْرِهِ، ولَمّا ألْزَمَ الكَفّارَ بِنُزُولِ مِثْلِهِ وشَهادَةِ أعْلَمِ بَنِي إسْرائِيلَ ذَكَرَ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ مِن حالِ كِتابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما يُؤَكِّدُ كَوْنَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وأنَّ ما يُطابِقُهُ يَكُونُ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ لا مَحالَةَ وتُوِصِّلَ مِنهُ إلى أنَّ القُرْآنَ لَمّا كانَ مُصَدِّقَهُ بَلْ مُصَدِّقَ سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ وجَبَ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ ويُتَلَقّى بِالقَبُولِ وهو بِالحَقِيقَةِ إعادَةٌ لِلدَّعْوى الأُولى عَلى وجْهٍ أخْصَرَ وأشْمَلَ إذْ دَلَّ فِيهِ عَلى أنَّ كَوْنَهُ مُصَدِّقًا كافٍ شَهِدَ شاهِدُ بَنِي إسْرائِيلَ أوْ لا، وإنْ قِيلَ: نَزَلُوا لِعِنادِهِمْ مَنزِلَةَ مَن لا يَعْرِفُ أنَّ كِتابَ مُوسى قَبْلَهُ إذْ لَوْ عَرَفُوا وقَدْ تَبَيَّنَ أنَّهُ مِثْلُهُ لَأذْعَنُوا فَقِيلَ: ( ومِن قَبْلِهِ ) لا مِن بَعْدِهِ لَكانَ وجْهًا مُوَفًّى فِيهِ حَقُّ الِاخْتِصاصِ كَما آثَرَهُ السَّكّاكِيُّ مِن أنَّهُ لازِمُ التَّقْدِيمِ انْتَهى.
وهو ظاهِرٌ في أنَّ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ حالِيَّةً.
وجُوِّزَ كَوْنُ ( لِسانًا ) مَفْعُولًا لِمُصَدِّقٌ.
والكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذا لِسانٍ عَرَبِيٍّ وهو النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَصْدِيقُهُ إيّاهُ بِمُوافَقَتِهِ كِتابَ مُوسى أوِ الكُتُبَ السَّماوِيَّةَ مُطْلَقًا وإعْجازُهُ، وجُوِّزَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ كَوْنُ ( هَذا ) إشارَةً إلى كِتابِ مُوسى فَلا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، ويُرادُ بِلَسانًا عَرَبِيًّا: القُرْآنُ، ووُضِعَتِ الإشارَةُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّعْظِيمِ، والأصْلُ وهو مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ مُصَدِّقٌ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ والكُلُّ كَما تَرى.
وقَرَأ الكَلْبِيُّ (ومَن قَبْلَهُ) بِفَتْحِ المِيمِ (كِتابَ مُوسى) بِالنَّصْبِ، وخَرَجَتْ عَلى أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ مَعْمُولَةٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وكَذا ( كِتابُ ) أيْ وآتَيْنا الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كِتابَ مُوسى.
﴿ لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُصَدِّقٌ.
وفِيهِ ضَمِيرٌ لِلْكِتابِ أوْ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُؤَيِّدُ الأخِيرَ قِراءَةُأبِي رَجاءٍ وشَيْبَةَ والأعْرَجِ وأبِي جَعْفَرٍ وابْنِ عامِرٍ ونافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ في رِوايَةِ (لِتُنْذِرَ) بِتاءِ الخِطابِ فَإنَّهُ لا يَصْلُحُ بِدُونِ تَكَلُّفٍ لِغَيْرِ الرَّسُولِ، والتَّعْلِيلُ صَحِيحٌ عَلى الكُلِّ، ولا يُتَوَهَّمُ لُزُومُ حَذْفِ اللّامِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْكِتابِ لِوُجُودِ شَرْطِ النَّصْبِ لِأنَّهُ شَرْطُ الجَوازِ ﴿ وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى المَصْدَرِ الحاصِلِ مِن أنْ والفِعْلِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ: هو في مَحَلِّ النَّصْبِ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ ( لِيُنْذِرَ ) لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ مِن مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ لِأنَّ المَحَلَّ لَيْسَ بِحَقِّ الأصالَةِ وهم يَشْتَرِطُونَ في الحَمْلِ عَلَيْهِ ذَلِكَ إذِ الأصْلُ في المَفْعُولِ لَهُ الجَرُّ، والنَّصْبُ ناشِئٌ مِن نَزْعِ الخافِضِ لَكِنَّهُ كَثُرَ بِشَرْطِهِ، وحَكى في إعْرابِهِ أوْجُهًا فَقالَ: قِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى ( مُصَدِّقٌ ) وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو بُشْرى، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى (يُنْذِرَ) أيْ ويُبَشِّرَ بُشْرى، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ ولِبُشْرى، والظّاهِرُ أنَّ المُحْسِنِينَ في مُقابَلَةِ ( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) والمُرادُ بِالأوَّلِ الكَفَرَةُ وبِالثّانِي المُؤْمِنُونَ.
وفي شَرْحِ الطَّيِّبِيِّ إنَّما عَدَلَ عَنِ العادِلِينَ إلى المُحْسِنِينَ لِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى البِشارَةِ بِنَفْيِ الخَوْفِ والحُزْنِ لِمَن قالُوا: رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا، وقِيلَ: المُحْسِنِينَ دُونَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ لِيَكُونَ المَعْنى لِيُنْذَرَ الَّذِينَ وجَدَ مِنهُمُ الظُّلْمَ ويُبَشِّرَ الَّذِينَ ثَبَتُوا واسْتَقامُوا عَلى الصِّراطِ السَّوِيِّ فَيُناسِبَ تَعْلِيلَ البِشارَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ إلى آخِرِهِ أيْ إنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو خُلاصَةُ العِلْمِ والِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ الَّتِي هي مُنْتَهى العَمَلِ، ( وثُمَّ ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ فالعَمَلُ مُتَراخِي الرُّتْبَةِ عَنِ التَّوْحِيدِ، وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ بِدُونِهِ ﴿ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ ﴿ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ مِن فَواتِ مَحْبُوبٍ، والمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ، والفاءُ لِتَضَمُّنِ الِاسْمِ مَعْنى الشَّرْطِ مَعَ بَقاءِ مَعْنى الِابْتِداءِ فَلا تَدْخُلُ في خَبَرِ لَيْتَ ولَعَلَّ وكانَ وإنْ كانَتْ أسْماؤُها مَوْصُولاتٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ السَّجْدَةِ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ وذَكَرْنا في تَفْسِيرِ ما ذَكَرْنا فَلْيُراجَعْ <div class="verse-tafsir"
﴿ أُولَئِكَ ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الوَصْفَيْنِ الجَلِيلَيْنِ ﴿ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في ( أصْحابُ ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَزاءً ﴾ مَنصُوبٌ إمّا بِعامِلٍ مُقَدَّرٍ أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ وإمّا بِمَعْنى ما تَقَدَّمَ عَلى ما قِيلَ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ في مَعْنى جازَيْناهم ﴿ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الحَسَناتِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا ﴾ نَزَلَتْ كَما أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ﴾ .
( وإحْسانًا ) قِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لَوَصَّيْنا عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى ألْزَمْنا، وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ عَلى تَضْمِينِ ( وصَّيْنا ) مَعْنى أحْسَنّا أيْ أحْسَنّا بِالوَصِيَّةِ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا، وقِيلَ: صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ إيصاءً ذا إحْسانٍ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ أيْ وصَّيْناهُ بِهِما لِإحْسانِنا إلَيْهِما، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ الصَّرِيحِ ( وبِوالِدَيْهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِوَصَّيْنا، أوْ بِهِ وكَأنَّهُ عَنى يُحْسِنُ إحْسانًا وهو حَسَنٌ، لَكِنْ تَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ تَجْوِيزَهُ تَعَلُّقَ الجارِّ بِإحْسانًا بِأنَّهُ لا يَصِحُّ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُقَدَّرٌ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ ولِأنَّ أحْسَنَ لا يَتَعَدّى بِالباءِ وإنَّما يَتَعَدّى بِاللّامِ تَقُولُ: أحْسَنْتُ لِزَيْدٍ ولا تَقُولُ: أحْسَنْتُ بِزَيْدٍ عَلى مَعْنى أنَّ الإحْسانَ يَصِلُ إلَيْهِ، وفِيهِ أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ المُقَدَّرَ بِشَيْءٍ يُشارِكُ ما قُدِّرَ بِهِ في جَمِيعِ الأحْكامِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ بَعْضُ أحْكامِهِ مُخْتَصًّا بِصَرِيحِ لَفْظِهِ مَعَ أنَّ الظَّرْفَ يَكْفِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ ولِذا يَعْمَلُ الِاسْمُ الجامِدُ فِيهِ بِاعْتِبارِ لَمْحِ المَعْنى المَصْدَرِيِّ، وقالَ قالُوا: إنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ ما لا يَتَصَرَّفُ في غَيْرِهِ لِاحْتِياجِ مُعْظَمِ الأشْياءِ إلَيْهِ.
والجارُّ والمَجْرُورُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ، وقَدْ كَثُرَ ما ظاهِرُهُ التَّعَلُّقُ بِالمَصْدَرِ المُتَأخِّرِ نَكِرَةً كَـ ﴿ ”ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ“ ﴾ ومَعْرِفَةً نَحْوَ ﴿ فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾ وتَأْوِيلُ كُلِّ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ، وأيْضًا قَوْلُهُ: لِأنَّ أحْسَنَ لا يَتَعَدّى بِالباءِ إلَخْ فِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ الفِعْلَ قَبْلَ الجارِّ فَقالَ: وصَّيْنا الإنْسانَ بِأنْ يُحْسِنَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا، ولَعَلَّ التَّنْوِينَ لِلتَّفْخِيمِ أيْ إحْسانًا عَظِيمًا، والإيصاءُ والوَصِيَّةُ التَّقَدُّمُ إلى الغَيْرِ بِما يَعْمَلُ بِهِ مُقْتَرِنًا بِوَعْظٍ مِن قَوْلِهِمْ: أرْضٌ واصِيَةٌ مُتَّصِلَةُ النَّباتِ، فَفي الآيَةِ إشْعارٌ بِأنَّ الإحْسانَ بِهِما أمْرٌ مُعْتَنًى بِهِ، وقَدْ عُدَّ في الحَدِيثِ ثانِي أفْضَلِ الأعْمالِ وهو الصَّلاةُ لِأوَّلِ وقْتِها، وعُدَّ عُقُوقُهُما ثانِي أكْبَرِ الكَبائِرِ وهو الإشْراكُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والأحادِيثُ في التَّرْغِيبِ في الأوَّلِ والتَّرْهِيبِ عَنِ الثّانِي كَثِيرَةٌ جِدًّا، وفي الآياتِ ما فِيهِ كِفايَةٌ لِمَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (حُسْنًا) بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ السِّينِ أيْ فِعْلًا ذا حُسْنٍ أوْ كَأنَّهُ في ذاتِهِ نَفْسُ الحُسْنِ لِفَرْطِ حُسْنِهِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ فِيهِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى ( إحْسانًا ) فالأقْوالُ السّابِقَةُ تَجْرِي فِيهِ.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
والسُّلَمِيُّ.
وعِيسى (حَسَنًا) بِفَتْحِ الحاءِ والسِّينِ، وعَنْ عِيسى (حُسُنًا) بِضَمِّهِما.
﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا ﴾ أيْ ذاتَ كُرْهٍ أوْ حَمْلًا ذا كُرْهٍ وهو المَشَقَّةُ كَما قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ، ولَيْسَ الكُرْهُ في أوَّلِ عُلُوقِها بَلْ بَعْدَ ذَلِكَ حِينَ تَجِدُ لَهُ ثِقَلًا.
وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والحَرَمِيّانِ (كَرْهًا) بِفَتْحِ الكافِ وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ كالفَقْرِ والفُقْرِ والضَّعْفِ والضُّعْفِ، وقِيلَ: المَضْمُومُ اسْمٌ والمَفْتُوحُ مَصْدَرٌ.
وقالَ الرّاغِبُ: قِيلَ الكَرْهُ أيْ بِالفَتْحِ المَشَقَّةُ الَّتِي تَنالُ الإنْسانَ مِن خارِجٍ مِمّا يُحْمَلُ عَلَيْهِ بِإكْراهٍ والكُرْهُ ما يَنالُهُ مِن ذاتِهِ وهو ما يَعافُّهُ مِن حَيْثُ الطَّبْعُ أوْ مِن حَيْثُ العَقْلُ أوِ الشَّرْعُ.
وطَعَنَ أبُو حاتِمٍ في هَذِهِ القِراءَةِ فَقالَ: لا تَحْسُنُ هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّ الكَرْهَ بِالفَتْحِ الغَصْبُ والغَلَبَةُ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّها في السَّبْعَةِ المُتَواتِرَةِ فَلا مَعْنى لِلطَّعْنِ فِيها، وقَدْ كانَ هَذا الرَّجُلُ يَطْعَنُ في بَعْضِ القِراءاتِ بِما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ جَسارَةً مِنهُ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ﴿ وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ﴾ أيْ مُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ، وبِتَقْدِيرِ هَذا المُضافِ يَصِحُّ حَمْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثَلاثُونَ شَهْرًا ﴾ عَلى المُبْتَدَأِ مِن غَيْرِ كُرْهٍ.
والفِصالُ الفِطامُ وهو مَصْدَرٌ فاصِلٌ فَكَأنَّ الوَلَدَ فاصِلُ أُمِّهِ وأُمَّهُ فاصِلَتُهُ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ ويَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ (وفَصْلُهُ) أيْ فَطْمُهُ فالفَصْلُ والفِصالُ كالفَطْمِ والفِطامِ بِناءً ومَعْنًى وقِيلَ: الفِصالُ بِمَعْنى وقْتِ الفَصْلِ أيِ الفَطْمِ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى مُدَّةِ الحَمْلِ، والمُرادُ بِالفِصالِ الرِّضاعُ التّامُّ المُنْتَهِي بِالفِطامِ ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِالفِصالِ عَنْهُ أوْ عَنْ وقْتِهِ دُونَ الرِّضاعِ المُطْلَقِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ ذَلِكَ، وفي الوَصْفِ تَطْوِيلٌ، والآيَةُ بَيانٌ لِما تُكابِدُهُ الأُمُّ وتُقاسِيهِ في تَرْبِيَةِ الوَلَدِ مُبالَغَةً في التَّوْصِيَةِ لَها، ولِذا اعْتَنى الشّارِعُ بِبِرِّها فَوْقَ الِاعْتِناءِ بِبَرِّ الأبِ، فَقَدْ رُوِيَ «(أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أبِرُّ؟
قالَ: أُمَّكُ قالَ: ثُمَّ مَن؟
قالَ: أُمَّكَ قالَ: ثُمَّ مَن؟
قالَ: أُمَّكَ قالَ: ثُمَّ مَن؟
قالَ: أباكَ)».
وقَدْ أُشِيرَ في الآيَةِ إلى ما يَقْتَضِي البِرَّ بِها عَلى الخُصُوصِ في ثَلاثِ مَراتِبَ فَتَكُونُ الأوامِرُ في الخَبَرِ كالمَأْخُوذَةِ مِن ذَلِكَ.
واسْتَدَلَّ بِها عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ لِما أنَّهُ إذا حَطَّ عَنِ الثَّلاثِينَ لِلْفِصالِ حَوْلانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ﴾ يَبْقى لِلْحَمْلِ ذَلِكَ وبِهِ قالَ الأطِبّاءُ، قالَ جالِينُوسُ: كُنْتُ شَدِيدَ الفَحْصِ عَنْ مِقْدارِ زَمَنِ الحَمْلِ فَرَأيْتُ امْرَأةً ولَدَتْ لِمِائَةٍ وأرْبَعٍ وثَمانِينَ لَيْلَةً.
وادَّعى ابْنُ سِينا أنَّهُ شاهَدَ ذَلِكَ.
وأمّا أكْثَرُ مُدَّةِ الحَمْلِ فَلَيْسَ في القُرْآنِ العَظِيمِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وقالَ ابْنُ سِينا في الشِّفاءِ: بَلَغَنِي مِن جِهَةِ مَن أثِقُ بِهِ كُلَّ الثِّقَةِ أنَّ امْرَأةً وضَعَتْ بَعْدَ الرّابِعِ مِن سِنَّيِ الحَمْلِ ولَدًا نَبَتَتْ أسْنانُهُ، وحُكِيَ عَنْ أرِسْطُو أنَّهُ قالَ: أزْمِنَةُ الحَمْلِ لِكُلِّ حَيَوانٍ مَضْبُوطَةٌ سِوى الإنْسانِ فَرُبَّما وضَعَتِ المَرْأةُ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ ورُبَّما وضَعَتْ لِثَمانِيَةٍ وقَلَّما يَعِيشُ الوَلَدُ في الثّامِنِ إلّا في بِلادٍ مُعَيَّنَةٍ مِثْلَ مِصْرَ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ أقَلِّ الحَمْلِ وأكْثَرِ الرِّضاعِ بِالبَيانِ في القُرْآنِ الكَرِيمِ بِطَرِيقِ الصَّراحَةِ والدَّلالَةِ دُونَ أكْثَرِ الحَمْلِ وأقَلِّ الرِّضاعِ وأوْسَطِهِما لِانْضِباطِهِما بِعَدَمِ النَّقْصِ والزِّيادَةِ بِخِلافِ ما ذُكِرَ، وتَحَقَّقُ ارْتِباطِ حُكْمِ النَّسَبِ بِأقَلِّ مُدَّةِ الحَمْلِ حَتّى لَوْ وضَعَتْهُ فِيما دُونَهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنهُ وبَعْدَهُ يَثْبُتُ وتَبْرَأُ مِنَ الزِّنا، ولَوْ أرْضَعَتْ مُرْضِعَةً بَعْدَ حَوْلَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ أحْكامُ الرِّضاعِ في التَّناكُحِ وغَيْرِهِ وفي هَذا خِلافٌ لا يُعْبَأُ بِهِ ﴿ حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ ﴾ غايَةٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ فَعاشَ أوِ اسْتَمَرَّتْ حَياتُهُ حَتّى إذا اكْتَهَلَ واسْتَحْكَمَ قُوَّتُهُ وعَقْلُهُ ﴿ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ غَيْرُ بُلُوغِ الأشُدِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ بُلُوغُ الأشُدِّ والعَطْفُ لِلتَّأْكِيدِ.
وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الإنْسانَ إذا بَلَغَ هَذا القَدْرَ يَتَقَوّى جِدًّا خُلُقُهُ الَّذِي هو عَلَيْهِ فَلا يَكادُ يُزايِلُهُ بَعْدُ، وفي الحَدِيثِ «(إنَّ الشَّيْطانَ يَجُرُّ يَدَهُ عَلى وجْهِ مَن زادَ عَلى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَتُبْ ويَقُولُ بِأبِي وجْهٌ لا يَفْلَحُ)» وأخْرَجَ أبُو الفَتْحِ الأزْدِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا «(مَن أتى عَلَيْهِ الأرْبَعُونَ سَنَةً فَلَمْ يَغْلِبْ خَيْرُهُ شَرَّهُ فَلْيَتَجَهَّزْ إلى النّارِ)» وعَلى ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: إذا المَرْءُ وافى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ دُونَ ما يَهْوى حَياءٌ ولا سِتْرُ فَدَعْهُ ولا تُنَفِّسْ عَلَيْهِ الَّذِي مَضى ∗∗∗ وإنْ جَرَّ أسْبابَ الحَياةِ لَهُ العُمْرُ وقِيلَ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا بَعْدَ الأرْبَعِينَ، وذَهَبَ الفَخْرُ إلى خِلافِهِ مُسْتَدِلًّا بِأنَّ عِيسى ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ أُرْسِلا صَبِيِّيْنِ لِظَواهِرِ ما حُكِيَ في الكِتابِ الجَلِيلِ عَنْهُما، وهو ظاهِرُ كَلامِ السَّعْدِ حَيْثُ قالَ: مِن شُرُوطِ النُّبُوَّةِ الذُّكُورَةُ وكَمالُ العَقْلِ والذَّكاءُ والفِطْنَةُ وقُوَّةُ الرَّأْيِ ولَوْ في الصِّبا كَعِيسى ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ إلى آخِرِ ما قالَ.
وذَهَبَ ابْنُ العَرَبِيِّ في آخَرِينَ إلى أنَّهُ يَجُوزُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بَعْثُ الصَّبِيِّ إلّا أنَّهُ لَمْ يَقَعْ وتَأوَّلُوا آيَتَيْ عِيسى ويَحْيى ﴿ قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴾ .
﴿ وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا ﴾ بِأنَّهُما إخْبارٌ عَمّا سَيَحْصُلُ لَهُما لا عَمّا حَصَلَ بِالفِعْلِ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الآياتِ وغَيْرِها، والواقِعُ عِنْدَ هَؤُلاءِ البَعْثُ بَعْدَ البُلُوغِ.
وحَكى اللَّقّانِيُّ عَنْ بَعْضِ اشْتِراطِهِ فِيهِ ويَتَرَجَّحُ عِنْدِي اشْتِراطُهُ فِيهِ دُونَ أصْلِ النُّبُوَّةِ لِما أنَّ النُّفُوسَ في الأغْلَبِ تَأْنَفُ عَنِ اتِّباعِ الصَّغِيرِ وإنْ كَبُرَ فَضْلًا كالرَّقِيقِ والأُنْثى، وصَرَّحَ جَمْعٌ بِأنَّ الأعَمَّ الأغْلَبَ كَوْنُ البَعْثَةِ عَلى رَأْسِ الأرْبَعِينَ كَما وقَعَ لِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي ﴾ أيْ رَغِّبْنِي ووَفِّقْنِي مِن أوْزَعْتُهُ بِكَذا أيْ جَعَلْتُهُ مُولَعًا بِهِ راغِبًا في تَحْصِيلِهِ.
وقَرَأ البَزِّيُّ (أوْزِعْنِيَ) بِفَتْحِ الياءِ ﴿ أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ ﴾ أيْ نِعْمَةَ الدِّينِ أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها، وذَلِكَ يُؤَيِّدُ ما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أسْلَمَ هو وأبَواهُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ سِواهُ كَذا قِيلَ، وإسْلامُ أبِيهِ بَعْدَ الفَتْحِ وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الدُّعاءَ بِالنِّسْبَةِ إلى أبَوَيْهِ دُعاءٌ بِتَوْفِيقِهِما لِلْإيمانِ وهو كَما تَرى.
واعْتُرِضَ عَلى التَّعْلِيلِ بِابْنِ عُمَرَ وأُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ وغَيْرِهِما، ونُقِلَ عَنِ الواحِدِيِّ أنَّهُ قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو ابْنُ ثَمانِ عَشْرَةَ سَنَةً ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً في سَفَرٍ لِلشّامِ في التِّجارَةِ فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَمُرَةٍ وقالَ لَهُ الرّاهِبُ: إنَّهُ لَمْ يَسْتَظِلَّ بِها أحَدٌ بَعْدَ عِيسى غَيْرُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَوَقَعَ في قَلْبِهِ تَصْدِيقُهُ فَلَمْ يَكُنْ يُفارِقُهُ في سِفْرٍ ولا حَضَرٍ فَلَمّا نُبِئَّ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ آمَنَ بِهِ وهو ابْنُ ثَمانِيَةٍ وثَلاثِينَ فَلَمّا بَلَغَ الأرْبَعِينَ قالَ: ﴿ رَبِّ أوْزِعْنِي ﴾ إلَخْ ﴿ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ ﴾ التَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ، والمُرادُ بِكَوْنِهِ مُرْضِيًا لَهُ تَعالى مَعَ أنَّ الرِّضا عَلى ما عَلَيْهِ جُمْهُورُ أهْلِ الحَقِّ الإرادَةُ مَعَ تَرْكِ الِاعْتِراضِ وكُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ كَذَلِكَ أنْ يَكُونَ سالِمًا مِن غَوائِلِ عَدَمِ القَبُولِ كالرِّياءِ والعُجْبِ وغَيْرِهِما، فَحاصِلُهُ اجْعَلْ عَمَلِي عَلى وفْقِ رِضاكَ: وقِيلَ المُرادُ بِالرِّضا هُنا ثَمَرَتُهُ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ ﴿ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي ﴾ أيِ اجْعَلِ الصَّلاحَ سارِيًا في ذُرِّيَّتِي راسِخًا فِيهِمْ كَما في قَوْلِهِ: فَإنْ تَعْتَذِرْ في المَحَلِّ مِن ذِي ضُرُوعِها ∗∗∗ لَدى المَحَلِّ يُجْرَحُ في عَراقِيبِها نَصْلِي عَلى أنَّ ( أصْلِحْ ) نَزَلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ثُمَّ عُدِّيَ بِفي لِيُفِيدَ ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن سَرَيانِ الصَّلاحِ فِيهِمْ وكَوْنِهِمْ كالظَّرْفِ لَهُ لِتَمَكُّنِهِ فِيهِمْ وإلّا فَكانَ الظّاهِرُ وأصْلِحْ لِي ذُرِّيَّتِي، وقِيلَ: عُدِّيَ بِفي لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى اللُّطْفِ أيِ الطُفْ بِي في ذُرِّيَّتِي، والأوَّلُ أحْسَنُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَ أبِي بَكْرٍ فَأعْتَقَ تِسْعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ مِنهم بِلالٌ وعامِرُ بْنُ فَهَيْرَةَ ولَمْ يُرِدْ شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ إلّا أعانَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، ودَعا أيْضًا فَقالَ ( أصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي ) فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ إلّا آمَنُوا جَمِيعًا فاجْتَمَعَ لَهُ إسْلامُ أبَوَيْهِ وأوْلادِهِ جَمِيعًا، وقَدْ أدْرَكَ أبُوهُ ووَلَدُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ووَلَدُهُ أبُو عَتِيقٍ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وآمَنُوا بِهِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ ﴿ إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ ﴾ عَمّا لا تَرْضاهُ أوْ يَشْغَلُ عَنْكَ ﴿ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ الَّذِينَ أخْلَصُوا أنْفُسَهم لَكَ <div class="verse-tafsir"
﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الإنْسانِ، والجَمْعُ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ المُتَّصِفُ بِالمَعْنى المَحْكِيِّ عَنْهُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِ أيْ أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ.
﴿ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا ﴾ مِنَ الطّاعاتِ فَإنَّ المُباحَ حَسَنٌ لا يُثابُ عَلَيْهِ ﴿ ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ ﴾ لِتَوْبَتِهِمُ المُشارِ إلَيْها بِأنِّي تُبْتُ وإلّا فَعِنْدَ أهْلِ الحَقِّ أنَّ مَغْفِرَةَ الذَّنْبِ مُطْلَقًا لا تَتَوَقَّفُ عَلى تَوْبَةِ ﴿ فِي أصْحابِ الجَنَّةِ ﴾ كائِنِينَ في عِدادِهِمْ مُنْتَظِمِينَ في سَلْكِهِمْ، وقِيلَ: ( في ) بِمَعْنى مَعَ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿ وعْدَ الصِّدْقِ ﴾ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وهو مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ، فَإنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( نَتَقَبَّلُ ونَتَجاوَزُ ) وعْدٌ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ بِالتَّقَبُّلِ والتَّجاوُزِ.
﴿ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ﴾ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقُرِئَ (يُتَقَبَّلُ) بِالياءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ و(أحْسَنُ) بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ مَنابَ الفاعِلِ وكَذا (يَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ) .
وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ وعِيسى بِالياءِ فِيهِما مَبْنِيَّيْنِ لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُهُ تَعالى شَأْنُهُ و(أحْسَنَ) بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ <div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ ﴾ عِنْدَ دَعْوَتِهِما إيّاهُ لِلْإيمانِ ﴿ أُفٍّ لَكُما ﴾ صَوْتٌ يَصْدُرُ عَنِ المَرْءِ عِنْدَ تَضَجُّرِهِ وفِيهِ قِراءاتٌ ولُغاتٌ نَحْوَ الأرْبَعِينَ، وقَدْ نَبَّهْنا عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ الإسْراءِ، واللّامُ لِبَيانِ المُؤَفَّفِ لَهُ كَما في ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ ﴾ والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ فَهو في مَعْنى الجَمْعِ، ولِذا قِيلَ: ( أُولَئِكَ ) وإلى ذَلِكَ أشارَ الحَسَنُ بِقَوْلِ: هو الكافِرُ العاقُّ لِوالِدَيْهِ المُنْكِرُ لِلْبَعْثِ، ونُزُولُ الآيَةِ في شَخْصٍ لا يُنافِي العُمُومَ كَما قُرِّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وزَعَمَ مَرْوانُ عَلَيْهِ ما يَسْتَحِقُّ أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ورَدَّتْ عَلَيْهِ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: إنِّي لَفي المَسْجِدِ حِينَ خَطَبَ مَرْوانُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أرى لِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ- يَعْنِي مُعاوِيَةَ - في يَزِيدَ رَأْيًا حَسَنًا أنْ يَسْتَخْلِفَهُ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: أهِرْقِلِيَّةٌ إنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ واللَّهِ ما جَعَلَها في أحَدٍ مِن ولَدِهِ ولا أحَدٍ مِن أهْلِ بَيْتِهِ ولا جَعَلَها مُعاوِيَةُ إلّا رَحْمَةً وكَرامَةً لِوَلَدِهِ، فَقالَ مَرْوانُ: ألَسْتَ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: ألَسْتَ ابْنَ اللَّعِينِ الَّذِي لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ أباكَ فَسَمِعَتْ عائِشَةُ فَقالَتْ: مَرْوانُ أنْتَ القائِلُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ كَذا وكَذا كَذَبْتَ واللَّهِ ما فِيهِ نَزَلَتْ نَزَلَتْ في فُلانِ بْنِ فُلانٍ.
وفِي رِوايَةٍ تَقَدَّمَتْ رَواها جَماعَةٌ وصَحَّحَها الحاكِمُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ أنَّها كَذَّبَتْهُ ثَلاثًا ثُمَّ قالَتْ: واللَّهِ ما هو بِهِ تَعْنِي أخاها ولَوْ شِئْتَ أنْ أُسَمِّيَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ لَسَمَّيْتُهُ إلى آخِرِ ما مَرَّ، وكانَ ذَلِكَ مِن فَضَضِ اللَّعْنَةِ إغاظَةً لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ وتَنْفِيرًا لِلنّاسِ عَنْهُ لِئَلّا يَلْتَفِتُوا إلى ما قالَهُ وما قالَ إلّا حَقًّا فَأيْنَ يَزِيدُ الَّذِي تَجِلُّ اللَّعْنَةُ عَنْهُ وأيْنَ الخِلافَةُ.
ووافَقَ بَعْضُهم كالسُّهَيْلِيِّ في الإعْلامِ مَرْوانَ في زَعْمِ نُزُولِها في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعَلى تَسْلِيمِ ذَلِكَ لا مَعْنى لِلتَّعْيِيرِ لا سِيَّما مِن مَرْوانَ فَإنَّ الرَّجُلَ أسْلَمَ وكانَ مِن أفاضِلِ الصَّحابَةِ وأبْطالِهِمْ وكانَ لَهُ في الإسْلامِ غِناءٌ يَوْمَ اليَمامَةِ وغَيْرِهِ والإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ فالكافِرُ إذا أسْلَمَ لا يَنْبَغِي أنْ يُعَيَّرَ بِما كانَ يَقُولُ ﴿ أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ ﴾ أُبْعَثَ مِنَ القَبْرِ بَعْدَ المَوْتِ وقَرَأ الحَسَنُ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ وهِشامٌ (أتَعِدانِّي) بِإدْغامِ نُونِ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةٍ وجَماعَةٌ بِنُونٍ واحِدَةٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو وهارُونُ بْنُ مُوسى عَنِ الجَحْدَرِيِّ، وبَسّامٌ عَنْ هِشامٍ (أتِعَدانَنِي) بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ إدْغامٍ ومَعَ فَتْحِ الأُولى كَأنَّهم فَرُّوا مِنِ اجْتِماعِ الكَسْرَتَيْنِ والياءِ فَفَتَحُوا لِلتَّخْفِيفِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: فَتْحُ النُّونِ باطِلٌ غَلَطٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: فَتْحُ نُونِ التَّثْنِيَةِ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ وهَوَّنَ الأمْرُ هُنا الِاجْتِماعَ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ يَعْمُرَ والأعْمَشُ وابْنُ مُصَرِّفٍ والضَّحّاكُ (أخْرَجَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مِنَ الخُرُوجِ ﴿ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي ﴾ أيْ مَضَتْ ولَمْ يَخْرُجْ مِنها أحَدٌ ولا بُعِثَ فالمُرادُ إنْكارُ البَعْثِ كَما قِيلَ: ما جاءَنا أحَدٌ يُخْبِرُ أنَّهُ في جَنَّةٍ لِما مَضى أوْ نارِ وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أرادَ: وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي مُكَذِّبَةً بِالبَعْثِ، فالكَلامُ كالِاسْتِدْلالِ عَلى نَفْيِ البَعْثِ.
﴿ وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ﴾ أيْ يَقُولانِ: الغِياثُ بِاللَّهِ تَعالى مِنكَ، والمُرادُ إنْكارُ قَوْلِهِ واسْتِعْظامِهِ كَأنَّهُما لَجَآ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في دَفْعِهِ كَما يُقالُ: العِياذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن كَذا أوْ يَطْلُبانِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُغِيثَهُ بِالتَّوْفِيقِ حَتّى يَرْجِعَ عَمّا هو عَلَيْهِ مِن إنْكارِ البَعْثِ ﴿ ويْلَكَ آمِن ﴾ أيْ قائِلِينَ أوْ يَقُولُونَ لَهُ ذَلِكَ، وأصْلُ (ويْلٍ) دُعاءٌ بِالثُّبُورِ يُقامُ مَقامَ الحَثِّ عَلى الفِعْلِ أوْ تَرْكِهِ إشْعارًا بِأنَّ ما هو مُتَرَكِّبٌ لَهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَهْلَكَ مُرْتَكِبُهُ وأنْ يُطْلَبَ لَهُ الهَلاكُ فَإذا أُسْمِعَ ذَلِكَ كانَ باعِثًا عَلى تَرْكِ ما هو فِيهِ والأخْذِ بِما يُنْجِيهِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِأنَّ فِيهِ إشْعارًا بِأنَّ الفِعْلَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ مِمّا يُحْسَدُ عَلَيْهِ فَيُدْعى عَلَيْهِ بِالثُّبُورِ فَإذا سَمِعَ ذَلِكَ رَغِبَ فِيهِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ هُنا الحَثُّ والتَّحْرِيضُ عَلى الإيمانِ لا حَقِيقَةُ الدُّعاءِ بِالهَلاكِ ﴿ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ أيِ البَعْثَ، وأضافَ الوَعْدَ إلَيْهِ تَعالى تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَنَبُّهًا عَلى خَطَئِهِ في إسْنادِ الوَعْدِ إلَيْهِما.
وقَرَأ الأعْرَجُ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ (أنَّ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى تَقْدِيرِ لِأنَّ أوْ آمَنُ بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّ فِيهِ تَوافُقَ القِراءَتَيْنِ ﴿ فَيَقُولُ ﴾ مُكَذِّبًا لَهُما ما هَذا الَّذِي تُسَمِّيانِهِ وعْدَ اللَّهِ تَعالى ﴿ إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ أباطِيلُهُمُ الَّتِي سَطَّرُوها في الكُتُبِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَها حَقِيقَةٌ <div class="verse-tafsir"
﴿ أُولَئِكَ ﴾ القائِلُونَ ذَلِكَ، وقِيلَ: أيْ صِنْفُ هَذا المَذْكُورِ بِناءً عَلى زَعْمِ خُصُوصِ ( الَّذِي ) ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ ﴾ وهو قَوْلُهُ تَعالى لِإبْلِيسَ: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ ﴾ وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ.
ورُدَّ بِهَذا عَلى مَن زَعَمَ أنَّ الآيَةَ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ لِأنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أسْلَمَ وُجَبَّ عَنْهُ ما قَبْلُ وكانَ مِن أفاضِلِ الصَّحابَةِ، ومَن حَقَّ عَلَيْهِ القَوْلُ هو مَن عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يُسْلِمُ أبَدًا.
وقِيلَ: الحُكْمُ هُنا عَلى الجِنْسِ فَلا يُنافِي خُرُوجَ البَعْضِ مِن أحْكامِهِ الأُخْرَوِيَّةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
﴿ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ في مُقابَلَةِ ﴿ فِي أصْحابِ الجَنَّةِ ﴾ فَهو مِثْلُهُ إعْرابًا ومُبالَغَةً ومَعْنًى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ بَيانٌ لِلْأُمَمِ ﴿ إنَّهُمْ ﴾ جَمِيعًا ﴿ كانُوا خاسِرِينَ ﴾ قَدْ ضَيَّعُوا فِطْرَتَهُمُ الأصْلِيَّةَ الجارِيَةَ مَجْرى رُؤُوسِ أمْوالِهِمْ بِاتِّباعِ الشَّيْطانِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ.
وقَرَأ العَبّاسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو (أنَّهُمْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى تَقْدِيرِ لِأنَّهم.
واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ ﴾ إلَخْ عَلى أنَّ الجِنَّ يَمُوتُونَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ كالإنْسِ.
وفي البَحْرِ قالَ الحَسَنُ في بَعْضِ مَجالِسِهِ: الجِنُّ لا يَمُوتُونَ فاعْتَرَضَهُ قَتادَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَسَكَتَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولِكُلٍّ ﴾ مِنَ الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ ﴾ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ ﴾ وإنْ شِئْتَ فَقُلْ في الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ ﴿ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ﴾ أيْ مِن جَزاءِ ما عَمِلُوا، فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ ( دَرَجاتٌ ) و( مِن) بَيانِيَّةٌ أوِ ابْتِدائِيَّةٌ و(ما) مَوْصُولَةٌ أيْ مِنَ الَّذِي عَمِلُوهُ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ مِن عَمَلِهِمُ الخَيْرَ والشَّرَّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) تَعْلِيلِيَّةً بِدُونِ تَقْدِيرِ مُضافٍ والجارِّ والمَجْرُورِ كَما تَقَدَّمَ.
والدَّرَجاتُ جَمْعُ دَرَجَةٍ وهي نَحْوُ المَنزِلَةِ لَكِنْ يُقالُ لِلْمَنزِلَةِ دَرَجَةٌ إذا اعْتُبِرَتْ بِالصُّعُودِ ودَرْكًا إذا اعْتُبِرَتْ بِالحُدُورِ، ولِهَذا قِيلَ: دَرَجاتُ الجَنَّةِ ودَرَكاتُ النّارِ.
والتَّعْبِيرُ بِالدَّرَجاتِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ عَلى وجْهِ التَّغْلِيبِ لِاشْتِمالِ (كُلٍّ) عَلى الفَرِيقَيْنِ أيْ لِكُلٍّ مَنازِلُ ومَراتِبُ سَواءٌ كانَتْ دَرَجاتٍ أوْ دَرَكاتٍ، وإنَّما غَلَبَ أصْحابُ الدَّرَجاتِ لِأنَّهُمُ الأحِقّاءُ بِهِ لا سِيَّما، وقَدْ ذُكِرَ جَزاؤُهم مِرارًا وجَزاءُ المُقابِلِ مَرَّةً ﴿ ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهُمْ ﴾ أيْ جَزاءَ أعْمالِهِمْ والفاعِلُ ضَمِيرُهُ تَعالى.
وقَرَأ الأعْمَشُ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأخَوانِ وابْنُ ذَكْوانَ ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ (لِنُوَفِّيَهُمْ) بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِتاءٍ فَوْقِيَّةٍ عَلى الإسْنادِ لِلدَّرَجاتِ مَجازًا ﴿ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ بِنَقْصِ ثَوابٍ وزِيادَةِ عِقابٍ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في مِثْلِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ.
والجُمْلَةُ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّوْفِيَةِ أوِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لَها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم ولا يَظْلِمَهم فِعْلَ ما فُعِلَ مِن تَقْدِيرِ الأجْزِيَةِ عَلى مَقادِيرِ أعْمالِهِمْ فَجُعِلَ الثَّوابُ دَرَجاتٍ والعِقابُ دِرْكاتٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ﴾ أيْ يُعَذَّبُونَ بِها مِن قَوْلِهِمْ: عَرَضَ بَنُو فُلانٍ عَلى السَّيْفِ إذا قُتِلُوا بِهِ وهو مَجازٌ شائِعٌ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّهُ مِن بابِ القَلْبِ المَعْنَوِيِّ والمَعْنى يَوْمَ تُعَرَضُ النّارُ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا نَحْوَ عَرَضَتِ النّاقَةُ عَلى الحَوْضِ فَإنَّ مَعْناهُ أيْضًا كَما قالُوا: عَرَضَ الحَوْضُ عَلى النّاقَةِ لِأنَّ المَعْرُوضَ عَلَيْهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ إدْراكٌ لِيَمِيلَ بِهِ إلى المَعْرُوضِ أوْ يَرْغَبَ عَنْهُ لَكِنَّ لَمّا كانَ المُناسِبُ هو أنْ يُؤْتى بِالمَعْرُوضِ عِنْدَ المَعْرُوضِ عَلَيْهِ ويُحَرَّكَ نَحْوَهُ وهاهُنا الأمْرُ بِالعَكْسِ لِأنَّ الحَوْضَ لَمْ يُؤْتَ بِهِ وكَذا النّارُ قُلِبَ الكَلامُ رِعايَةً لِهَذا الِاعْتِبارِ، وفي الِانْتِصافِ إنْ كانَ قَوْلُهُمْ: عَرَضَتِ النّاقَةُ عَلى الحَوْضِ مَقْلُوبًا فَلَيْسَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ﴾ كَذَلِكَ لِأنَّ المُلْجِئَ ثَمَّ إلى اعْتِقادِ القَلْبِ أنَّ الحَوْضَ جَمادٌ لا إدْراكَ لَهُ والنّاقَةُ هي المُدْرِكَةُ فَهي الَّتِي يَعْرِضُ عَلَيْها الحَوْضُ حَقِيقَةً، وأمّا النّارُ فَقَدْ ورَدَتِ النُّصُوصُ بِأنَّها حِينَئِذٍ مُدْرَكَةٌ إدْراكَ الحَيَواناتِ بَلْ إدْراكَ أُولِي العِلْمِ فالأمْرُ في الآيَةِ عَلى ظاهِرِهِ كَقَوْلِكَ عَرَضَتِ الأسْرى عَلى الأمِيرِ، ورُبَّما يُقالُ: لا مانِعَ مِن تَنْزِيلِها مَنزِلَةَ المُدْرَكَةِ إنْ لَمْ تَكُنْ حِينَئِذٍ مُدْرَكَةً وكَذا تَنْزِيلُ الحَوْضِ مَنزِلَتَهُ حَتّى كَأنَّهُ يَسْتَعْرِضُ النّاقَةَ كَما قالَ أبُو العَلاءِ المَعَرِّي: إذا اشْتاقَتِ الخَيْلُ المَناهِلَ أعْرَضَتْ عَنِ الماءِ فاشْتاقَتْ إلَيْها المَناهِلُ وبَعْدَ ذَلِكَ قَدْ لا يَحْتاجُ إلى اعْتِبارِ القَلْبِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: لا يَنْبَغِي حَمْلُ القُرْآنِ عَلى القَلْبِ إنَّ الصَّحِيحَ فِيهِ أنَّهُ مِمّا يُضْطَرُّ إلَيْهِ في الشِّعْرِ، وإذا كانَ المَعْنى صَحِيحًا واضِحًا بِدُونِهِ فَأيُّ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إلَيْهِ؟
والمِثالُ المَذْكُورُ لا قَلْبَ فِيهِ أيْضًا، فَإنَّ عَرْضَ النّاقَةِ عَلى الحَوْضِ وعَرْضَ الحَوْضِ عَلى النّاقَةِ كُلٌّ مِنهُما صَحِيحٌ إذِ العَرْضُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ يَصِحُّ إسْنادُهُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاقَةِ والحَوْضِ.
وابْنُ السِّكِّيتِ في كِتابِ التَّوْسِعَةِ ذَهَبَ إلى أنَّ عَرَضَتِ الحَوْضُ عَلى النّاقَةِ مَقْلُوبٌ والأصْلُ إنَّما هو عَرَضَتِ النّاقَةُ عَلى الحَوْضِ وهو مُخالِفٌ لِلْمَشْهُورِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ مِمّا ذَكَّرْنا أوَّلًا أنَّ سَبَبَ اعْتِبارِهِمُ القَلْبَ في المِثالِ كَوْنُ المُناسِبِ في العَرْضِ أنْ يُؤْتى بِالمَعْرُوضِ عِنْدَ المَعْرُوضِ عَلَيْهِ وإنَّ الأمْرَ في عَرَضَتِ الحَوْضُ عَلى النّاقَةِ بِالعَكْسِ، وتَفْصِيلُ الكَلامِ في ذَلِكَ عَلى وجْهٍ يُعْرَفُ مِنهُ مَنشَأُ الخِلافِ إنَّ العَرْضَ مُطْلَقًا لا يَقْتَضِي ذَلِكَ وإنَّما المُقْتَضِي لَهُ المَعْنى المَقْصُودُ مِنَ العَرْضِ في المِثالِ وهو المَيْلُ إلى المَعْرُوضِ، ومَن لَمْ يَنْظُرْ إلى هَذا المَعْنى ونَظَرَ إلى أنَّ المُعْرِضَ يَتَحَرَّكُ إلى المَعْرُوضِ عَلَيْهِ قالَ إنَّهُ الأصْلُ، ومَن لَمْ يَنْظُرْ إلى الِاعْتِبارَيْنِ وقالَ العَرْضَ إظْهارُ شَيْءٍ لِشَيْءٍ قالَ: إنَّ كُلًّا مِنَ القَوْلَيْنِ عَلى الأصْلِ، وهو كَما قالَ العَلّامَةُ السّالَكُوتِيُّ الحَقُّ لِأنَّ كِلا الِاعْتِبارَيْنِ خارِجٌ عَنْ مَفْهُومِ العَرْضِ فاحْفَظْهُ فَإنَّهُ نَفِيسٌ.
والظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ مَقُولُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ ﴾ إلى آخِرِهِ أيْ فَيُقالُ لَهم يَوْمَ يُعْرَضُونَ أذْهَبْتُمْ لَذّاتِكم ﴿ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا ﴾ بِاسْتِيفائِها ﴿ واسْتَمْتَعْتُمْ بِها ﴾ فَلَمْ يَبْقَ لَكم بَعْدُ شَيْءٌ مِنها، وهو عَطْفُ تَفْسِيرٍ لَأذْهَبْتُمْ، وقَرَأ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ وابْنُ وثّابٍ وأبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ والأعْرَجُ وابْنُ كَثِيرٍ (آذْهَبْتُمْ) بِهَمْزَةٍ بَعْدَها مَدَّةٌ مُطَوَّلَةٌ، وابْنُ عامِرٍ بِهَمْزَتَيْنِ حَقَّقَهُما ابْنُ ذَكْوانَ ولَيَّنَ الثّانِيَةَ ابْنُ هِشامٍ.
وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ، وعَنْ هِشامٍ الفَصْلُ بَيْنَ المُحَقَّقَةِ والمُلَيَّنَةِ بِألِفٍ، والِاسْتِفْهامُ عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ فَهو خَبَرٌ في المَعْنى ولَوْ كانَ اسْتِفْهامًا مَحْضًا لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ ﴾ أيِ الهَوانِ وكَذَلِكَ قُرِئَ ﴿ بِما كُنْتُمْ ﴾ في الدُّنْيا ﴿ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لِذَلِكَ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ سِرِّ ( في الأرْضِ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ) أيْ تَخْرُجُونَ مِن طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أيْ بِسَبَبِ اسْتِكْبارِكم وفِسْقِكُمُ المُسْتَمِرَّيْنِ، وفي البَحْرِ أُرِيدَ بِالِاسْتِكْبارِ التَّرَفُّعُ عَنِ الإيمانِ وبِالفِسْقِ مَعاصِي الجَوارِحِ وقُدِّمَ ذَنْبُ القَلْبِ عَلى ذَنْبِ الجَوارِحِ إذْ أعْمالُ الجَوارِحِ ناشِئَةٌ عَنْ مُرادِ القَلْبِ، وقُرِئَ (تَفْسِقُونَ) بِكَسْرِ السِّينِ وهَذِهِ الآيَةُ مُحَرِّضَةٌ عَلى التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيا وتَرْكِ التَّنَعُّمِ فِيها والأخْذِ بِالتَّقَشُّفِ، أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ رَأى في يَدِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ دِرْهَمًا فَقالَ ما هَذا الدِّرْهَمُ؟
قالَ: أُرِيدُ أنْ أشْتَرِيَ بِهِ لِأهْلِي لَحْمًا قَرَمُوا إلَيْهِ فَقالَ أكُلَّما اشْتَهَيْتُمْ شَيْئًا اشْتَرَيْتُمُوهُ أيْنَ تَذْهَبُ عَنْكم هَذِهِ الآيَةُ ﴿ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قَدِمَ وفْدُ أهْلِ البَصْرَةِ عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَعَ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ فَكانَ لَهُ في كُلِّ يَوْمٍ خُبْزٌ يُلَتُّ فَرُبَّما وافَقْناهُ مَأْدُومًا بِزَيْتٍ ورُبَّما وافَقْناهُ مَأْدُومًا بِسَمْنٍ ورُبَّما وافَقْناهُ مَأْدُومًا بِلَبَنٍ ورُبَّما وافَقْنا القَدائِدَ اليابِسَةَ قَدْ دُقَّتْ ثُمَّ أُغْلِيَ عَلَيْها ورُبَّما وافَقْنا اللَّحْمَ الغَرِيضَ- أيِ الطَّرِيَّ- وهو قَلِيلٌ قالَ وقالَ لَنا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنِّي واللَّهِ ما أجْهَلُ عَنْ كَراكِرَ وأسْنِمَةٍ وعَنْ صِلاءٍ وصِنابٍ وسَلائِقَ ولَكِنْ وجَدْتُ اللَّهَ تَعالى عَيَّرَ قَوْمًا بِأمْرٍ فَعَلُوهُ فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها ﴾ والكَراكِرُ جَمْعُ كِرْكِرَةٍ بِالكَسْرَةِ زَوْرُ البَعِيرِ الَّذِي إذا بَرَكَ أصابَ الأرْضَ وهو مِن أطْيَبِ ما يُؤْكَلُ مِنهُ والأسْنِمَةُ جَمْعُ سَنامٍ مَعْرُوفٌ.
والصِّلاءُ بِالكَسْرِ والمَدِّ الشِّواءُ، والصِّنابُ كَكِتابٍ صِباغٍ يُتَّخَذُ مِنَ الخَرْدَلِ والزَّبِيبِ، والسَّلائِقُ جَمْعُ سَلِيقَةٍ كَسَفِينَةٍ ما سُلِقَ مِنَ البُقُولِ وغَيْرِها ويُرْوى بِالصّادِّ الخُبْزُ الرُّقاقُ واحِدَتُها صَلِيقَةٌ كَسَفِينَةٍ أيْضًا، وقِيلَ: هي الحُمْلانُ المَشْوِيَّةُ، وقِيلَ: اللَّحْمُ المَشْوِيُّ المُنْضَجُ وأنْشَدُوا لِجَرِيرٍ: يُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالصَّلائِقِ والصِّنابِ وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ ثَوْبانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ «(كانَ رَسُولُ اللَّهِ إذا سافَرَ آخِرُ عَهْدِهِ مِن أهْلِهِ بِفاطِمَةَ وأوَّلُ مَن يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنهم فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَقَدِمَ مِن غَزاةٍ لَهُ فَأتاها فَإذا بِمِسْحٍ عَلى بابِها ورَأى عَلى الحَسَنِ والحُسَيْنِ قُلْبَيْنِ مِن فِضَّةٍ فَرَجَعَ ولَمْ يَدْخُلْ عَلَيْها فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ ظَنَّتْ أنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ مِن أجْلِ ما رَأى فَهَتَكَتِ السِّتْرَ ونَزَعَتِ القُلْبَيْنِ مِنَ الصَّبِيَّيْنِ فَقَطَعَتْهُما فَبَكَيا فَقَسَمَتْ ذَلِكَ بَيْنَهُما فانْطَلَقا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهُما يَبْكِيانِ فَأخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنهُما فَقالَ: يا ثَوْبانَ اذْهَبْ بِهَذا إلى بَنِي فُلانٍ أهْلِ بَيْتٍ بِالمَدِينَةِ واشْتَرِ لِفاطِمَةَ قِلادَةً مِن عَصْبٍ وسُوارَيْنِ مِن عاجٍ؛ فَإنَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي ولا أُحِبُّ أنْ يَأْكُلُوا طَيِّباتِهِمْ في حَياتِهِمُ الدُّنْيا)».
والمِسْحُ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ ثَوْبٌ مِن شَعْرٍ غَلِيظٍ، والقُلْبَيْنِ تَثْنِيَةُ قُلْبٍ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ السُّوارُ، والعَصْبُ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ قالَ الخَطّابِيُّ: إنْ لَمْ يَكُنِ الثِّيابَ اليَمانِيَةَ فَما أدْرِي ما هو وما أدْرِي أنَّ القَلائِدَ تَكُونُ مِنها، ويَحْتَمِلُ أنَّ الرِّوايَةَ بِفَتْحِ الصّادِ وهو أطْنابُ مَفاصِلِ الحَيَوانِ فَلَعَلَّهم كانُوا يَتَّخِذُونَ مِن طاهِرِهِ مِثْلَ الخَرَزِ.
قالَ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ اليَمَنِ أنَّ العَصْبَ سِنُّ دابَّةٍ بَحَرِّيَّةٍ تُسَمّى فَرَسَ فِرْعَوْنَ يُتَّخَذُ مِنها الخَرَزُ البِيضُ وغَيْرُها، وأحادِيثُ الزُّهْدِ في طَيِّباتِ الحَياةِ الدُّنْيا كَثِيرَةٌ وحالُ رَسُولِ اللَّهِ في ذَلِكَ مَعْرُوفَةٌ بَيْنَ الأُمَّةِ.
وفي البَحْرِ بَعْدَ حِكايَةِ حالِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى نَحْوٍ مِمّا ذَكَرْنا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: وهَذا مِن بابِ الزُّهْدِ وإلّا فالآيَةُ نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ، والمَعْنى أنَّهُ كانَتْ لَكم طَيِّباتُ الآخِرَةِ لَوْ آمَنتُمْ لَكِنَّكم لَمْ تُؤْمِنُوا فاسْتَعْجَلْتُمْ طَيِّباتِكم في الحَياةِ الدُّنْيا.
فَهَذِهِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإيمانِ ولِذَلِكَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ﴿ فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ ﴾ ولَوْ أُرِيدَ الظّاهِرُ ولَمْ يَكُنْ كِنايَةً عَمّا ذَكَرْنا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ الجَزاءُ بِالعَذابِ، <div class="verse-tafsir"
هَذا ولَمّا كانَ أهْلُ مَكَّةَ مُسْتَغْرِقِينَ في لَذّاتِ الدُّنْيا مُعْرِضِينَ عَنِ الإيمانِ وما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ناسِبَ تَذْكِيرَهم بِما جَرى لِلْعَرَبِ الأُولى مِمَّنْ كانُوا أكْثَرَ أمْوالًا وأشَدَّ قُوَّةً وأعْظَمَ جاهًا مِنهم فَسُلِّطَ عَلَيْهِمُ العَذابُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وبِضَرْبِ الأمْثالِ وقِصَصِ مَن تَقَدَّمَ يُعْرَفُ قُبْحُ الشَّيْءِ وحُسْنُهُ فَقالَ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ : ﴿ واذْكُرْ ﴾ لِكُفّارِ مَكَّةَ ﴿ أخا عادٍ ﴾ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ أيْ وقْتَ إنْذارِهِ إيّاهم ﴿ بِالأحْقافِ ﴾ جَمْعُ حِقْفٍ رَمْلٌ مُسْتَطِيلٌ فِيهِ اعْوِجاجٌ وانْحِناءٌ ويُقالُ احْقَوْقَفَ الشَّيْءُ اعْوَجَّ وكانُوا بَدَوِيِّينَ أصْحابَ خِباءٍ وعُمَدٍ يَسْكُنُونَ بَيْنَ رِمالٍ مُشْرِفِينَ عَلى البَحْرِ بِأرْضٍ يُقالُ لَها الشَّجَرُ مِن بِلادِ اليَمَنِ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بَيْنَ عَمّانَ ومُهْرَةَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ الأحْقافُ جَبَلٌ بِالشّامِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مَساكِنُهم مِن عَمّانَ إلى حَضْرَمَوْتَ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّحِيحِ أنَّ بِلادَ عادٍ كانَتْ بِاليَمَنِ ولَهم كانَتْ إرَمُ ذاتُ العِمادِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في إرَمَ وبَيانُ الحَقِّ فِيها.
﴿ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ ﴾ أيِ الرُّسُلُ كَما هو المَشْهُورُ، وقِيلَ مَن يَعُمُّهم والنُّوّابُ عَنْهم جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى مُنْذِرٍ.
وجُوِّزَ كَوْنُ ( النُّذُرُ ) جَمْعَ نَذِيرٍ بِمَعْنى الإنْذارِ فَيَكُونُ مَصْدَرًا وجُمِعَ لِأنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ المُنْذَرِ بِهِ.
وتُعِقِّبَ بِأنَّ جَمْعَهُ عَلى خِلافِ القِياسِ ولا حاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ أيْ مِن قَبْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ ومِن خَلْفِهِ ﴾ أيْ مِن بَعْدِهِ وقُرِئَ بِهِ ولَوْلا ذَلِكَ لَجازَ العَكْسُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ النُّذُرُ المُتَقَدِّمُونَ عَلَيْهِ والمُتَأخِّرُونَ عَنْهُ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَعْنِي الرُّسُلَ الَّذِينَ بُعِثُوا قَبْلَهُ والَّذِينَ بُعِثُوا في زَمانِهِ، فَمَعْنى ﴿ مِن خَلْفِهِ ﴾ مِن بَعْدِ إنْذارِهِ، وعَطْفُ ﴿ مِن خَلْفِهِ ﴾ أيْ مِن بَعْدِهِ عَلى ما قَبْلَهُ إمّا مِن بابِ عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا وفِيهِ أقْوالٌ، فَقِيلَ: عامِلُ الثّانِي مُقَدَّرٌ أيْ وسَقَيْتُها ماءً ويُقالُ في الآيَةِ أيْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وتَأْتِي مَن خَلْفِهِ وقِيلَ إنَّهُ مُشاكَلَةٌ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ، وإمّا لِادِّخالِ الآتِي في سِلْكِ الماضِي قَطْعًا بِالوُقُوعِ وفِيهِ شائِبَةُ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: المُضِيُّ بِاعْتِبارِ الثُّبُوتِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أيْ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى يَعْنِي ثَبَتَ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ خُلُوُّ الماضِينَ مِنهم والآتِينَ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ ( أنْذَرَ ) أيْ إذْ أنْذَرَ مُعَلِّمًا إيّاهم بِخُلُوِّ النُّذُرِ أوْ مَفْعُولِهِ أيْ وهم عالِمُونَ بِإعْلامِهِ إيّاهُمْ، وهو قَرِيبٌ مِن أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا ﴾ الآيَةَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنْذَرَهم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وهي حالٌ أيْضًا عَلى تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِلْمُ القَوْمِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن إعْلامِهِ ومِن مُشاهَدَتِهِمْ أحْوالَ مَن كانُوا في زَمانِهِ وسَماعِهِمْ أحْوالَ مَن قَبْلَهُ، وإمّا اعْتِراضٌ بَيْنَ المُفَسِّرِ أعْنِي ﴿ أنْذَرَ قَوْمَهُ ﴾ وبَيْنَ المُفَسَّرِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ ﴾ فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ إنْذارٌ عَنْ مَضَرَّتِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: واذْكُرْ زَمانَ إنْذارِ هُودٍ قَوْمَهُ بِما أنْذَرَ بِهِ الرُّسُلُ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ وهو أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إنْذارٌ ثابِتٌ قَدِيمًا وحَدِيثًا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنْ آخِرِهِمْ فَهو يُؤَكِّدُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ ﴾ ويُؤَكِّدُ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أنْذَرَ قَوْمَهُ ﴾ ولِذَلِكَ تَوَسَّطَ، وهو أيْضًا مَقْصُودٌ بِالذِّكْرِ بِخِلافِ ما إذا جُعِلَ حالًا فَإنَّهُ حِينَئِذٍ قَيْدٌ تابِعٌ، وهَذا الوَجْهُ أوْلى مِمّا قَبْلَهُ عَلى ما قَرَّرَهُ في الكَشْفِ، وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ العَطْفَ عَلى ( أنْذَرَ ) أيْ وأعْلِمْهم بِذَلِكَ وهو كَما تَرى، وجُعِلَتْ (أنْ) مُفَسِّرَةً لِتَقَدُّمِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ وهو الإنْذارُ والمُفَسَّرُ مَعْمُولُهُ المُقَدَّرُ، وجُوِّزَ كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً وكَوْنُها مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ فَقَبْلَها حَرْفُ جَرٍّ مُقَدَّرٌ مُتَعَلِّقٌ بِأنْذِرْ أيْ أنْذِرْهم بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ.
﴿ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ صِفَةُ ( يَوْمٍ ) وعِظَمُهُ مَجازٌ عَنْ كَوْنِهِ مُهَوَّلًا لِأنَّهُ لازِمٌ لَهُ، وكَوْنُ اليَوْمِ مُهَوَّلًا بِاعْتِبارِ هَوْلِ ما فِيهِ مِنَ العَذابِ فالإسْنادُ فِيهِ مَجازِيٌّ، ولا حاجَةَ إلى جَعْلِهِ صِفَةً لِلْعَذابِ والجَرُّ لِلْجِوارِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافُ تَعْلِيلٍ لِلنَّهْيِ، ويُفْهَمُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم ذَلِكَ بِسَبَبِ شِرْكِكُمْ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا أجِئْتَنا ﴾ اسْتِفْهامٌ تَوْبِيخِيٌّ ﴿ لِتَأْفِكَنا ﴾ أيْ لِتَصْرِفْنا- كَما قالَ الضَّحّاكُ - مِنَ الإفْكِ بِمَعْنى الصَّرْفِ، وقِيلَ: أيْ لِتُنْزِيلَنا بِالإفْكِ وهو الكَذِبُ ﴿ عَنْ آلِهَتِنا ﴾ أيْ عَنْ عِبادَتِها ﴿ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ﴾ مِن مُعاجَلَةِ العَذابِ عَلى الشِّرْكِ في الدُّنْيا ﴿ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ ﴾ في وعْدِكَ بِنُزُولِهِ بِنا <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ إنَّما العِلْمُ ﴾ أيْ بِوَقْتِ نُزُولِهِ أوِ العِلْمُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ذَلِكَ ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ وحْدَهُ لا عِلْمَ لِي بِوَقْتِ نُزُولِهِ، والكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ولا عَلى تَعْجِيلِهِ لِأنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ وأرادَهُ كانَ لَهُ عِلْمٌ بِهِ في الجُمْلَةِ فَنَفْيُ عِلْمِهِ بِهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالحَصْرِ نَفْيٌ لِمَدْخَلِيَّتِهِ فِيهِ حَتّى يَطْلُبَ تَعْجِيلَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ويَدْعُو بِهِ.
وبِهَذا التَّقْرِيرِ عُلِمَ مُطابَقَةُ جَوابِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْلِهِمْ: (ائْتِنا فَيَأْتِيكم بِهِ في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ ﴿ وأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ ﴾ مِن مُواجِبِ الرِّسالَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها بَيانُ نُزُولِ العَذابِ إذْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنِ الشِّرْكِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (أُبْلِغُكُمْ) مِنَ الإبْلاغِ.
﴿ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾ شَأْنُكُمُ الجَهْلُ ومِن آثارِ ذَلِكَ أنَّكم تَقْتَرِحُونَ عَلى ما لَيْسَ مِن وظائِفِ الرُّسُلِ مِنَ الإتْيانِ بِالعَذابِ، <div class="verse-tafsir"
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا ﴾ فَصِيحَةٌ أيْ فَأتاهم فَلَمّا رَأوْهُ، وضَمِيرُ النَّصْبِ قِيلَ راجِعٌ إلى (ما) في ﴿ بِما تَعِدُنا ﴾ وكَوْنُ المَرْئِيِّ هو المَوْعُودَ بِاعْتِبارِ المَآلِ والسَّبَبِيَّةُ لَهُ وإلّا فَلَيْسَ هو المَرْئِيَّ حَقِيقَةً، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مُبْهَمًا يُفَسِّرُهُ ﴿ عارِضًا ﴾ وهو إمّا تَمْيِيزٌ وإمّا حالٌ، ثُمَّ قالَ: وهَذا الوَجْهُ أعْرَبُ أيْ أبْيَنُ وأظْهَرُ لِما أشَرْنا إلَيْهِ في الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ الخَفاءِ وأفْصَحُ لِما فِيهِ مِنَ البَيانِ بَعْدَ الإبْهامِ والإيضاحُ غَبَّ التَّعْمِيَةَ.
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ المُبْهَمَ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ويُوَضِّحُهُ التَّمْيِيزُ لا يَكُونُ إلّا في بابِ رُبَّ نَحْوَ رُبَّهُ رَجُلًا لَقِيتُهُ وفي بابِ نِعْمَ وبِئْسَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ نَحْوَ نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ وبِئْسَ غُلامًا عَمْرٌو، وأمّا أنَّ الحالَ تُوَضِّحُ المُبْهَمَ وتُفَسِّرُهُ فَلا نَعْلَمُ أحَدًا ذَهَبَ إلَيْهِ، وقَدْ حَصَرَ النُّحاةُ المُضْمَرَ الَّذِي يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ مَفْعُولَ رَأى إذا كانَ ضَمِيرًا ولا أنَّ الحالَ يُفَسِّرُ الضَّمِيرَ ويُوَضِّحَهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ جَلالَةَ جارِ اللَّهِ وإمامَتَهُ في العَرَبِيَّةِ، والعارِضُ السَّحابُ الَّذِي يَعْرِضُ في أُفُقِ السَّماءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: يا مَن رَأى عارِضًا أرَّقَتْ لَهُ بَيْنَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأسَدِ وقَوْلُ الأعْشى: يا مَن رَأى عارِضًا قَدْ بِتُّ أرْمُقُهُ ∗∗∗ كَأنَّما البَرْقُ في حافاتِهِ الشَّعْلُ ﴿ مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ ﴾ أيْ مُتَوَجِّهَ أوْدِيَتِهِمْ وفي مُقابَلَتِها وهي جَمْعُ وادٍ وأفْعِلَةٌ في جَمْعِ فاعِلٍ الِاسْمُ شاذٌّ نَحْوَ نادٍ وأنْدِيَةٍ وجائِزٍ لِلْخَشَبَةِ المُمْتَدَّةِ في أعْلى السَّقْفِ وأجْوِزَةٍ والإضافَةُ لَفْظِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ﴾ ولِذَلِكَ وقَعا صِفَتَيْنِ لِلنَّكِرَةِ وأطْلَقَ عَلَيْها الزَّمَخْشَرِيُّ مَجازِيَّةً ووَجْهُ التَّجَوُّزِ أنَّ هَذِهِ الإضافَةَ لِلتَّوَسُّعِ والتَّخْفِيفِ حَيْثُ لَمْ تَفِدْ فائِدَةً زائِدَةً عَلى ما كانَ قَبْلُ فَكَما أنَّ إجْراءَ الظَّرْفِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ مَجازٌ كَذَلِكَ إجْراءُ المَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ مَجْرى المُضافِ إلَيْهِ في الِاخْتِصاصِ ولَمْ يَرِدْ أنَّها مِن بابِ الإضافَةِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ.
﴿ بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ ﴾ أيْ مِنَ العَذابِ والكَلامُ عَلى إضْمارِ القَوْلِ قَبْلَهُ أيْ قالَ هُودٌ بَلْ هو إلَخْ لِأنَّ الخِطابَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم فِيما سَبَقَ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ كَذَلِكَ وقَدَّرَهُ بَعْضُهم قُلْ بَلْ هو إلَخْ لِلْقِراءَةِ بِهِ أيْضًا والِاحْتِياجِ إلى ذَلِكَ لِأنَّهُ إضْرابٌ ولا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مِن مَقُولِ مَن قالَ هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا وقَدَّرَ البَغَوِيُّ قالَ اللَّهُ بَلْ هو إلَخْ ويَنْفَكُّ النَّظْمُ الجَلِيلُ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى.
وقُرِئَ (بَلْ ما اسْتَعْجَلْتُمْ) أيْ بَلْ هُوَ، وقَرَأ قَوْمٌ (ما اسْتُعْجِلْتُمْ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ ﴿ رِيحٌ ﴾ بَدَلٌ مِن ( ما ) أوْ مِن ( هو ) أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي أوْ هو رِيحٌ ﴿ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ صِفَةُ ( رِيحٌ ) لِكَوْنِهِ جُمْلَةً بَعْدَ نَكِرَةٍ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى <div class="verse-tafsir"
﴿ تُدَمِّرُ ﴾ أيْ تُهْلِكُ ﴿ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ مِن نُفُوسِهِمْ وأمْوالِهِمْ أوْ مِمّا أُمِرَتْ بِتَدْمِيرِهِ ﴿ بِأمْرِ رَبِّها ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنِفًا، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (تَدْمُرُ) بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الدّالِ وضَمِّ المِيمِ، وقُرِئَ كَذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّهُ بِالياءِ ورُفِعَ ( كُلٌّ ) عَلى أنَّهُ فاعِلُ ( يُدَمِّرُ ) وهو مِن دَمَّرَ دَمارًا أيْ هَلَكَ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أيْضًا والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ بِها أوِ الضَّمِيرُ مِن ( رَبِّها ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ وأرادَ البَيانَ أنَّ لِكُلِّ مُمْكِنٍ وقْتًا مُقَيَّضًا مَنُوطًا بِأمْرِ بارِئِهِ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ ويَكُونُ الضَّمِيرُ مِن ( رَبِّها ) لِكُلِّ شَيْءٍ فَإنَّهُ بِمَعْنى الأشْياءِ وفي ذِكْرِ الأمْرِ والرَّبِّ والإضافَةِ إلى الرِّيحِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عَظَمَةِ شَأْنِهِ ( عَزَّ وجَلَّ ) ما لا يَخْفى والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهُمْ ﴾ فَصِيحَةٌ أيْ فَجَأتْهُمُ الرِّيحُ فَدَمَّرَتْهم فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم وجَعَلَها بَعْضُهم فاءَ التَّعْقِيبِ عَلى القَوْلِ بِإضْمارِ القَوْلِ مُسْنَدًا إلَيْهِ تَعالى وادَّعى أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ قَوْلٌ حَقِيقَةً بَلْ هو عِبارَةٌ عَنْ سُرْعَةِ اسْتِئْصالِهِمْ وحُصُولِ دَمارِهِمْ مِن غَيْرِ رَيْثٍ وهو كَما تَرى، وقَرَأ الجُمْهُورُ (لا تَرى) بِتاءِ الخِطابِ ( إلّا مَساكِنَهُمْ) بِالنَّصْبِ، والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حالَهم بِحَيْثُ لَوْ حَضَرَ كُلُّ أحَدٍ بِلادَهم لا يَرى إلّا مَساكِنَهم أوْ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ بِخِلافٍ عَنْهُما والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والسُّلَمِيُّ (لا تُرى) بِالتّاءِ مِن فَوْقُ مَضْمُومَةً ( إلّا مَساكِنُهم ) بِالرَّفْعِ وجُمْهُورُ النُّحاةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّأْنِيثُ مَعَ الفَصْلِ بِإلّا إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: كَأنَّهُ جَمَلٌ هَمَّ وما بَقِيَتْ إلّا النَّحِيزَةُ والألْواحُ والعَصَبُ وقَوْلِ الآخَرِ وعَزاهُ ابْنُ جِنِّيٍّ لِذِي الرُّمَّةِ أيْضًا: بَرى النَّحْزَ والأجْرالَ ما في غُرُوضِها ∗∗∗ وما بَقِيَتْ إلّا الضُّلُوعُ الجَراشِعُ وبَعْضُهم يُجِيزُهُ مُطْلَقًا وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ في مَحَلِّهِ، وقَرَأ عِيسى الهَمْدانِيُّ (لا يُرى) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ ( إلّا مَسْكَنُهُمْ) بِالتَّوْحِيدِ والرَّفْعِ ورُوِيَ هَذا عَنِ الأعْمَشِ ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، وقُرِئَ (لا تَرى) بِتاءٍ فَوْقِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ ( إلّا مَسْكَنَهُمْ) مُفْرَدًا مَنصُوبًا وهو الواحِدُ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ أوْ مَصْدَرٌ حُذِفَ مُضافُهُ أيْ آثارَ سُكُونِهِمْ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ ﴿ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ السَّحابِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَلَمّا رَأوْهُ ﴾ الآيَةَ أوَّلُ ما عَرَفُوا أنَّهُ عَذابٌ ما رَأوْا ما كانَ خَراجًا مِن رِحالِهِمْ ومَواشِيهِمْ يَطِيرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِثْلَ الرِّيشِ فَدَخَلُوا بُيُوتَهم وأغْلَقُوا أبْوابَهم فَجاءَتِ الرِّيحُ فَفَتَحَتْ أبْوابَهم ومالَتْ عَلَيْهِمْ بِالرَّمْلِ فَكانُوا تَحْتَ الرَّمْلِ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا لَهم أنِينٌ فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى الرِّيحَ فَكَشَفَتْ عَنْهُمُ الرَّمْلَ وطَرَحَتْهم في البَحْرِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهُمْ ﴾ .
ورُوِيَ أنَّ أوَّلَ مَن أبْصَرَ العَذابَ امْرَأةٌ مِنهم رَأتْ رِيحًا فِيها كَشُهُبِ النّارِ، ورُوِيَ أنَّ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أحَسَّ بِالرِّيحِ خَطَّ عَلى نَفْسِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ خَطًّا إلى جَنْبِ عَيْنٍ تَنْبُعُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَزَلَ ومَن مَعَهُ في حَظِيرَةٍ ما يُصِيبُهم مِنَ الرِّيحِ إلّا ما يَلِينُ بِهِ الجُلُودُ وتَلَذُّهُ الأنْفُسُ، وأنَّها لَتَمُرُّ مِن عادٍ بِالظَّعْنِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وتَدْمَغُهم بِالحِجارَةِ، وكانَتْ كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ تَجِيءُ بِالرَّجُلِ الغائِبِ، ومَرَّ في سُورَةِ الأعْرافِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ ما مَرَّ فارْجِعْ إلَيْهِمْ إنْ أرَدْتَهُ، ولِما أصابَهم مِنَ الرِّيحِ ما أصابَهم كانَ يَدْعُو إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ.
أخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «(كانَ رَسُولُ اللَّهِ إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَيْرَها وخَيْرَ ما فِيها وخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ وأعُوذُ مِن شَرِّها وشَرِّ ما فِيها وشَرِّ ما أُرْسِلَتْ بِهِ فَإذا أخْيَلَتِ السَّماءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وخَرَجَ ودَخَلَ وأقْبَلَ وأدْبَرَ فَإذا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ فَسَألَتْهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا أدْرِي لَعَلَّهُ كَما قالَ قَوْمُ عادٍ هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا)».
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدْ مَكَّنّاهُمْ ﴾ أيْ قَرَّرْنا عادًا وأقْدَرْناهُمْ، و(ما) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ ﴾ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ ( وإنْ ) نافِيَةٌ أيْ في الَّذِي أوْ في شَيْءٍ ما مَكَّنّاكم فِيهِ مِنَ السِّعَةِ والبَسْطَةِ وطُولِ الأعْمارِ وسائِرِ مَبادِي التَّصَرُّفاتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ﴾ ولَمْ يَكُنِ النَّفْيُ بِلَفْظِ ( ما ) كَراهَةً لِتَكْرِيرِ اللَّفْظِ وإنِ اخْتَلَفَ المَعْنى، ولِذا قالَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ أصْلَ مَهْما ما ما عَلى أنَّ ما الشَّرْطِيَّةَ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّأْكِيدِ قُلِبَتِ الألِفُ الأُولى هاءً فِرارًا مِن كَراهَةِ التَّكْرارِ، وعابُوا عَلى المُتَنَبِّي قَوْلَهُ: لَعَمْرُكَ ما ما بانَ مِنكَ لَضارِبُ بِأقْتَلَ مِمّا بانَ مِنكَ لَعائِبُ أيْ ما الَّذِي بانَ إلَخْ، يُرِيدُ لِسانَهُ لا يَتَقاعَدُ عَنْ سِنانِهِ هَذا لِلْعائِبِ وذَلِكَ لِلضّارِبِ، وكانَ يَسَعُهُ أنْ يَقُولَ: إنَّ ما بانَ، وإدْخالُ الباءِ لِلنَّفْيِ لا لِلْعَمَلِ عَلى أنَّ إعْمالَ إنْ قَدْ جاءَ عَنِ المُبَرِّدِ، وقِيلَ: (إنْ) شَرْطِيَّةٌ مَحْذُوفَةُ الجَوابِ والتَّقْدِيرُ إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ طَغَيْتُمْ، وقِيلَ: إنَّها صِلَةٌ بَعْدَ ما المَوْصُولَةِ تَشْبِيهًا بِما النّافِيَةِ وما التَّوْقِيتِيَّةِ، فَهي في الآيَةِ مِثْلُها في قَوْلِهِ: يُرَجِّي المَرْءُ ما أنْ لا يَراهُ ∗∗∗ وتَعْرِضُ دُونَ أدْناهُ الخُطُوبُ أيْ مَكَّنّاهم في مِثْلِ الَّذِي مَكَّنّاكم فِيهِ، وكَوْنُها نافِيَةً هو الوَجْهُ لِأنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ يَدُلُّ عَلَيْهِ في مَواضِعَ وهو أبْلُغُ في التَّوْبِيخِ وأدْخَلُ في الحَثِّ عَلى الِاعْتِبارِ ﴿ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً ﴾ لِيَسْتَعْمِلُوها فِيما خُلِقَتْ لَهُ ويَعْرِفُوا بِكُلٍّ مِنها ما نِيطَتْ بِهِ مَعْرِفَتَهُ مِن فُنُونِ النِّعَمِ ويَسْتَدِلُّوا بِها عَلى شُؤُونِ مُنْعِمِها عَزَّ وجَلَّ ويُداوِمُوا عَلى شُكْرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهُمْ ﴾ حَيْثُ لَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ في اسْتِماعِ الوَحْيِ ومَواعِظِ الرُّسُلِ ﴿ ولا أبْصارُهُمْ ﴾ حَيْثُ لَمْ يَجْتَلُوا بِها الآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ المَرْسُومَةَ في صَحائِفِ العالَمِ ﴿ ولا أفْئِدَتُهُمْ ﴾ حَيْثُ لَمْ يَسْتَعْمِلُوها في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ، ( ومِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ والتَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً أيْ ما أغْنى بَعْضَ الإغْناءِ وهو القَلِيلُ، و(ما) في ﴿ فَما أغْنى ﴾ نافِيَةٌ وجُوِّزَ كَوْنُها اسْتِفْهامِيَّةً.
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ زِيادَةُ ( مِن ) في الواجِبِ وهو لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ.
ورُدَّ بِأنَّهم قالُوا: تُزادُ في غَيْرِ المُوجَبِ وفَسَّرُوهُ بِالنَّفْيِ والنَّهْيِ والِاسْتِفْهامِ، وإفْرادُ السَّمْعِ في النَّظْمِ الجَلِيلِ وجَمْعُ غَيْرِهِ لِاتِّحادِ المُدْرِكِ بِهِ وهو الأصْواتُ وتَعَدُّدِ مُدْرِكاتِ غَيْرِهِ أوْ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، وأيْضًا مَسْمُوعُهم مِنَ الرُّسُلِ مُتَّحِدٌ.
﴿ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّفْيِ الصَّرِيحِ أوِ الضِّمْنِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما أغْنى ﴾ وهو ظَرْفٌ أُرِيدَ بِهِ التَّعْلِيلُ كِنايَةً أوْ مَجازًا لِاسْتِواءِ مُؤَدّى الظَّرْفِ والتَّعْلِيلُ في قَوْلِكَ: ضَرْبَتُهُ لِإساءَتِهِ وضَرَبْتُهُ إذْ أساءَ لِأنَّكَ إنَّما ضَرَبْتَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِوُجُودِ الإساءَةِ فِيهِ، وهَذا مِمّا غَلَبَ في إذْ وحَيْثُ مِن بَيْنِ سائِرِ الظُّرُوفِ حَتّى كادَ يُلْحَقُ بِمَعانِيهِما الوَضْعِيَّةِ ﴿ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ مِنَ العَذابِ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ ويَقُولُونَ: ﴿ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ ﴾ يا أهْلَ مَكَّةَ ﴿ مِنَ القُرى ﴾ كَحِجْرِ ثَمُودَ وقُرى قَوْمِ صالِحٍ، والكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ تَجَوَّزَ بِالقُرى عَنْ أهْلِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وصَرَّفْنا الآياتِ ﴾ أيْ كَرَّرْناها ﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ وأمْرُ (ما) سَهْلٌ، والتَّرَجِّي مَصْرُوفٌ لِغَيْرِهِ تَعالى أوْ (لَعَلَّ) لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِكَيْ يَرْجِعُوا عَمّا هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي إلى الإيمانِ والطّاعَةِ <div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَوْلا نَصَرَهُمُ ﴾ فَهَلّا مَنَعَهم مِنَ الهَلاكِ الَّذِي وقَعُوا فِيهِ ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا ﴾ أيْ آلِهَتَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم.
﴿ مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً ﴾ والضَّمِيرُ الَّذِي قَدَّرْناهُ عائِدًا هو المَفْعُولُ الأوَّلُ لاتَّخَذُوا.
( وآلِهَةً ) هو المَفْعُولُ الثّانِي ( وقُرْبانًا ) بِمَعْنى مُتَقَرَّبًا بِها حالٌ أيِ اتَّخَذُوهم آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ حالَ كَوْنِها مُتَقَرَّبًا بِها إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَيْثُ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى ﴾ و ﴿ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ وفي الكَلامِ تَهَكَّمٌ بِهِمْ.
وأجازَ الحَوْفِيُّ كَوْنَ ( قُرْبانًا ) مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، وأجازَ هو أيْضًا وابْنُ عَطِيَّةَ ومَكِّيٌّ وأبُو البَقاءِ كَوْنَهُ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِاتَّخَذُوا.
وجَعَلَ ( آلِهَةً ) بَدَلًا مِنهُ، وقالَ في الكَشّافِ: لا يَصِحُّ ذَلِكَ لِفَسادِ المَعْنى، ونُقِلَ عَنْهُ في بَيانِهِ أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: تَقَرَّبُوا بِها مِن دُونِ اللَّهِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَتَقَرَّبُ بِهِ، وأرادَ كَما في الكَشْفِ أنَّهُ إذا جَعَلَ مَفْعُولًا ثانِيًا يَكُونُ المَعْنى فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم قُرْبانًا بَدَلَ اللَّهِ تَعالى أوْ مُتَجاوِزِينَ عَنْ أخْذِهِ تَعالى قُرْبانًا إلَيْهِمْ وهو مَعْنًى فاسِدٌ.
واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِجَعْلِ ( دُونِ ) بِمَعْنى قُدّامَ كَما قِيلَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ وبِأنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ قُرْبانًا مَفْعُولٌ لَهُ فَهو غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالمُتَقَرَّبِ بِهِ، وجازَ أنْ يُطْلَقَ عَلى المُتَقَرَّبِ إلَيْهِ وحِينَئِذٍ يَلْتَئِمُ الكَلامُ.
وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ غَيْرُ قادِحٍ لِأنَّهُ مَعَ نَزارَةِ اسْتِعْمالِ دُونَ بِمَعْنى قُدّامَ لا يَصْلُحُ ظَرْفُ الِاتِّخاذِ لِأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى وإنَّما التَّقَرُّبُ بَيْنَ يَدَيْهِ تَعالى ولِأجْلِهِ سُبْحانَهُ، واتِّخاذُهم قُرْبانًا لَيْسَ التَّقَرُّبُ بِهِ لِأنَّ مَعْناهُ تَعْظِيمُهم بِالعِبادَةِ لِيَشْفَعُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ويُقَرِّبُوهم إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَزَمانُ الِاتِّخاذِ لَيْسَ زَمانَ التَّقَرُّبِ البَتَّةَ، وحِينَئِذٍ إنْ كانَ مُسْتَقِرًّا حالًا لَزِمَ ما لَزِمَ في الأوَّلِ.
ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولُ ( قُرْبانًا ) لِأنَّهُ اسْمٌ جامِدٌ بِمَعْنى ما يُتَقَرَّبُ بِهِ فَلا يَصْلُحُ عامِلًا كالقارُورَةِ وإنْ كانَ فِيها مَعْنى القَرارِ، وفِيهِ نَظَرٌ.
وأُجِيبَ عَنِ الثّانِي بِأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ بَعْدَ أنْ فَسَّرَ القُرْبانَ بِما يُتَقَرَّبُ بِهِ ذَكَرَ هَذا الِامْتِناعَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ ﴿ بَلْ ضَلُّوا ﴾ إلَخْ يُنادِي عَلى فَسادِ ذَلِكَ أرْفَعَ النِّداءِ، وقالَ بَعْضُهم في امْتِناعِ كَوْنِ ( قُرْبانًا ) مَفْعُولًا ثانِيًا ( وآلِهَةً ) بَدَلًا مِنهُ: إنَّ البَدَلَ وإنْ كانَ هو المَقْصُودَ لَكِنْ لا بُدَّ في غَيْرِ بَدَلِ الغَلَطِ مِن صِحَّةِ المَعْنى بِدُونِهِ ولا صِحَّةَ لِقَوْلِهِمْ: اتَّخَذُوهم مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا أيْ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَتَقَرَّبُ بِهِ بَلْ يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ فَلا يَصِحُّ أنَّهُمُ اتَّخَذُوهم قُرْبانًا مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى في ذَلِكَ، وجَنَحَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: اللَّهُ تَعالى يُتَقَرَّبُ بِهِ أيْ بِرِضاهُ تَعالى والتَّوَسُّلِ بِهِ جَلَّ وعَلا.
وقالَ الطَّيِّبِيُّ: إنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لَمْ يُرِدْ بِفَسادِ المَعْنى إلّا خِلافَ المَعْنى المَقْصُودِ إذْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهم في اتِّخاذِهِمُ الأصْنامِ آلِهَةً عَلى زَعْمِهِمْ إلّا أنْ يَتَقَرَّبُوا بِها إلى اللَّهِ تَعالى كَما نَطَقَتْ بِهِ الآياتُ فَتَأمَّلْ.
وقُرِئَ (قُرُبانًا) بِضَمِّ الرّاءِ ﴿ بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ ﴾ أيْ غابُوا عَنْهُمْ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ أيْضًا كَأنَّ عَدَمَ نَصْرِهِمْ لِغَيْبَتِهِمْ أوْ ضاعُوا عَنْهم أيْ ظَهَرَ ضَياعُهم عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ وقَدِ امْتَنَعَ نَصْرُهُمُ الَّذِي كانُوا يُؤَمِّلُونَهُ امْتِناعَ نَصْرِ الغائِبِ عَنِ المَنصُورِ ﴿ وذَلِكَ ﴾ أيْ ضَلالُ آلِهَتِهِمْ عَنْهم ﴿ إفْكُهُمْ ﴾ أيْ أثَرُ إفْكِهِمْ أيْ صَرْفُهم عَنِ الحَقِّ واتِّخاذُهم إيّاها آلِهَةً ونَتِيجَةُ شِرْكِهِمْ ﴿ وما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ أيْ وأثَرُ افْتِرائِهِمْ وكَذِبِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى أوْ أثَرُ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى اتِّخاذِ الأصْنامِ آلِهَةً أيْ ذَلِكَ الِاتِّخاذُ الَّذِي أثَرُهُ ضَلالُ آلِهَتِهِمْ عَنْهم كَذِبُهم وافْتِراؤُهم أوْ والَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ ولَيْسَ بِذاكَ وإنْ لَمْ يُحَوِّجْ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ (أفْكُهُمْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، والإفْكُ والأفْكُ مَصْدَرانِ كالحَذْرِ والحَذَرِ وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ والصَّباحُ بْنُ العَلاءِ الأنْصارِيُّ وأبُو عِياضٍ وعِكْرِمَةُ وحَنْطَلَةُ بْنُ النُّعْمانِ بْنِ مُرَّةَ ومُجاهِدٌ وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا (أفَكَهُمْ) بِثَلاثِ فَتَحاتٍ عَلى أنَّ أفَكَ فِعْلٌ ماضٍ وحِينَئِذٍ الإشارَةُ إلى الِاتِّخاذِ أيْ ذَلِكَ الِاتِّخاذُ صَرَفَهم عَنِ الحَقِّ، ﴿ وما كانُوا ﴾ قِيلَ عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ أوْ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ وحَسُنَ لِلْفَصْلِ أوْ هو مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ كَذَلِكَ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها.
وأبُو عِياضٍ وعِكْرِمَةُ أيْضًا كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما شَدَّدا الفاءَ لِلتَّكْثِيرِ، وابْنُ الزُّبَيْرِ أيْضًا وابْنُ عَبّاسٍ فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ (آفَكُهُمْ) بِالمَدِّ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ فاعَلَ فالهَمْزَةُ أصْلِيَّةٌ وأنْ يَكُونَ أفْعَلَ والهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ جَعَلَهم يَأْفِكُونَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْوِجْدانِ كَأحْمَدْتُهُ وأنْ يَكُونَ أفْعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ، وحُكِيَ في البَحْرِ أنَّهُ قُرِئَ (أفَكُهُمْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والفاءِ وضَمِّ الكافِ وهي لُغَةٌ في الإفْكِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى قُطْرُبٌ وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ (آفَكَهُمْ) اسْمُ فاعِلٍ مِن أفَكَ أيْ وذَلِكَ الِاتِّخاذُ صارِفُهم عَنِ الحَقِّ.
وقُرِئَ (وذَلِكَ إفْكٌ مِمّا كانُوا يَفْتَرُونَ) والمَعْنى ذَلِكَ بَعْضُ ما يَفْتَرُونَ مِنَ الإفْكِ أيْ بَعْضُ أكاذِيبِهِمُ المُفْتَرِياتِ فالإفْكُ بِمَعْنى الِاخْتِلافِ فَلا تَغْفَلْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ ﴾ أيْ أمَّلْناهم إلَيْكَ ووَجَّهْناهم لَكَ، والنَّفَرُ عَلى المَشْهُورِ ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ والعَشَرَةِ مِنَ الرِّجالِ لِأنَّهُ مِنَ النَّفِيرِ والرِّجالُ هُمُ الَّذِينَ إذا حَزَبَهم أمْرٌ نَفَرُوا لِكِفايَتِهِ، والحَقُّ أنَّ هَذا بِاعْتِبارِ الأغْلَبِ فَإنَّهُ يُطْلَقُ عَلى ما فَوْقَ العَشْرَةِ في الفَصِيحِ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ جَمْعٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، وفي المُجْمَلِ الرَّهْطُ والنَّفَرُ يُسْتَعْمَلُ إلى الأرْبَعِينَ، وفي كَلامِ الشَّعْبِيِّ حَدَّثَنِي بِضْعَةَ عَشَرَ نَفَرًا، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَفْسِيرُهُ هُنا بِما زادَ عَلى العَشْرَةِ ولا يَخْتَصُّ بِالرِّجالِ، والأخْذُ مِنَ النَّفِيرِ لا يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ بِهِمْ بَلْ ولا بِالنّاسِ لِإطْلاقِهِ عَلى الجِنِّ هُنا.
والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ ( نَفَرًا ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنهُ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ أوْ صِفَةٌ لَهُ أُخْرى وضَمِيرُ الجَمْعِ لِأنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ فَهو في المَعْنى جَمْعٌ، ولِذا قُرِئَ (( صَرَّفْنا)) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ، ( وإذْ ) مَعْمُولَةٌ لِمُقَدَّرٍ لا عَطْفٌ عَلى ﴿ أخا عادٍ ﴾ أيْ واذْكُرْ لِقَوْمِكَ وقْتَ صَرْفَنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ مُقَدِّرًا اسْتِماعَهُمُ القُرْآنَ لَعَلَّهم يَتَنَبَّهُونَ لِجَهْلِهِمْ وغَلَطِهِمْ وقُبْحِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِالقُرْآنِ والإعْراضِ عَنْهُ حَيْثُ إنَّهم كَفَرُوا بِهِ وجَهِلُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وهم أهْلُ اللِّسانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ومِن جِنْسِ الرَّسُولِ الَّذِي جاءَ بِهِ وأُولَئِكَ اسْتَمَعُوهُ وعَلِمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِهِ تَعالى وآمَنُوا بِهِ ولَيْسُوا مِن أهْلِ لِسانِهِ ولا مِن جِنْسِ رَسُولِهِ فَفي ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ تَوْبِيخٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبٍ، ووُقُوعُها إثْرَ قِصَّةِ هُودٍ وقَوْمِهِ وإهْلاكِ مَن أُهْلِكَ مِن أهْلِ القُرى لِأنَّ أُولَئِكَ كانُوا ذَوِي شِدَّةٍ وقُوَّةٍ كَما حُكِيَ عَنْهم في غَيْرِ آيَةٍ والجِنُّ تُوصَفُ بِذَلِكَ أيْضًا كَما قالَ تَعالى: ﴿ قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنَ مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ ﴾ ووَصْفُهم بِذَلِكَ مَعْرُوفٌ بَيْنَ العَرَبِ فَناسَبَتْ ما قَبْلَها لِذَلِكَ مَعَ ما قِيلَ أنَّ قِصَّةَ عادٍ مُتَضَمِّنَةٌ ذِكْرَ الرِّيحِ وهَذِهِ مُتَضَمِّنَةٌ ذِكْرَ الجِنِّ وكِلاهُما مِنَ العالَمِ الَّذِي لا يُشاهَدُ، وسَيَأْتِي الكَلامُ في حَقِيقَتِهِمْ.
﴿ فَلَمّا حَضَرُوهُ ﴾ أيِ القُرْآنَ عِنْدَ تِلاوَتِهِ، وهو الظّاهِرُ وإنْ كانَ فِيهِ تَجَوُّزٌ، وقِيلَ: الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِنْدَ تِلاوَتِهِ لَهُ فَفِيهِ التِفاتٌ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿ أنْصِتُوا ﴾ اسْكُتُوا لِنَسْمَعَهُ، وفِيهِ تَأدُّبٌ مَعَ العِلْمِ وكَيْفَ يُتَعَلَّمُ ﴿ فَلَمّا قُضِيَ ﴾ أتَمَّ وفَرَغَ عَنْ تِلاوَتِهِ.
وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ وحَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (قَضى) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأيَّدَ بِذَلِكَ عَوْدَ ضَمِيرِ ﴿ حَضَرُوهُ ﴾ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴾ مُقَدِّرِينَ إنْذارَهم عِنْدَ وُصُولِهِمْ إلَيْهِمْ، قِيلَ: إنَّهم تَفَرَّقُوا في البِلادِ فَأنْذَرُوا مَن رَأوْهُ مِنَ الجِنِّ، وكانَ هَؤُلاءِ كَما جاءَ في عِدَّةِ رِواياتٍ مِن جِنِّ نَصِيبِينَ وهي مِن دِيارِ بِكْرٍ قَرِيبَةٌ مِنَ الشّامِ، وقِيلَ: مِن نِينَوى وهي أيْضًا مِن دِيارِ بَكْرٍ لَكِنَّها قَرِيبَةٌ مِنَ المُوصِلِ، وذُكِرَ أنَّهم كانُوا مِنَ الشِّيصْبانِ وهم أكْثَرُ الجِنِّ عَدَدًا وعامَّةُ جُنُودِ إبْلِيسَ مِنهُمْ، وكانَ الحُضُورُ بِوادِي نَخْلَةَ عَلى نَحْوِ لَيْلَةٍ مِن مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ.
فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وجَماعَةٌ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ إلى سُوقِ عُكاظَ وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشَّياطِينُ إلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا ما لَكُمْ؟
فَقالُوا: حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ وأُرْسِلَتْ عَلَيْنا الشُّهُبُ قالُوا ما حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ إلّا شَيْءٌ حَدَثَ فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها فانْظُرُوا ما هَذا الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ فانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهامَةَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو وأصْحابُهُ بِنَخْلَةَ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظَ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمِعُوا لَهُ فَقالُوا: هَذا واللَّهِ الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ فَهُناكَ حِينَ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ».
وفِي رِوايَةِ ابْنِ المُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ أنَّهم لَمّا حَضَرُوهُ قالُوا: أنْصِتُوا فَلَمّا قَضى وفَرَغَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن صَلاةِ الصُّبْحِ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ مُؤْمِنِينَ لَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ حَتّى نَزَلَ ﴿ قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ ﴾ .
وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ آذَنَتْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهِمْ شَجَرَةٌ وكانُوا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ سَبْعَةً وكَذا قالَ زِرٌّ وذَكَرَ مِنهم زَوْبَعَةَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم كانُوا سَبْعَةً.
ثَلاثَةٌ مِن أهْلِ حِرانَ، وأرْبَعَةٌ مِن نَصِيبِينَ وكانَتْ أسْماؤُهم حَسى ومَسى وشاصِرَ وماصِرَ والأُرْدُوانِيّانِ وسَرْقَ والأحْقَمَ.
بِمِيمٍ آخِرَهُ، وفي رِوايَةٍ عَنْ كَعْبٍ الأحْقَبُ بِالباءِ، وذَكَرَ صاحِبُ الرَّوْضِ بَدَلَ حَسى ومَسى مُنْشِئٌ وناشِئٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في هَؤُلاءِ النَّفَرِ: كانُوا تِسْعَةَ عَشَرَ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ فَجَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ، والخَبَرُ السّابِقُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ حِينَ حَضَرَ الجِنُّ مَعَ طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأحْمَدُ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ «عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ مَسْعُودٍ: هَلْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ الجِنِّ مِنكم أحَدٌ؟
قالَ: ما صَحِبَهُ مِنّا أحَدٌ ولَكُنّا كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذاتَ لَيْلَةٍ فَفَقَدْناهُ فالتَمَسْناهُ في الأوْدِيَةِ والشِّعابِ فَقُلْنا: اسْتُطِيرَ أوِ اغْتِيلَ فَبِتْنا بِشَرِّ لَيْلَةٍ باتَ بِها قَوْمٌ فَلَمّا أصْبَحْنا إذا هو جاءَ مِن قِبَلِ حِراءَ فَأخْبَرْناهُ فَقالَ أتانِي داعِي الجِنِّ فَأتَيْتُهم فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ فانْطَلَقَ بِنا فَأرانا آثارَهم وآثارَ نِيرانِهِمْ» فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ ولَمْ يَشْعُرْ بِهِ أحَدٌ مِنهم.
وأخْرَجَ أحْمَدُ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: قُمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ لَيْلَةَ الجِنِّ وأخَذْتُ إداوَةً ولا أحْسَبُها إلّا ماءً حَتّى إذا كُنّا بِأعْلى مَكَّةَ رَأيْتُ أسْوِدَةً مُجْتَمِعَةً قالَ: فَخَطَّ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قالَ: قُمْ هاهُنا حَتّى آتِيَكَ ومَضى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلَيْهِمْ فَرَأيْتُهم يَتَثَوَّرُونَ إلَيْهِ فَسَمَّرَ مَعَهم لَيْلًا طَوِيلًا حَتّى جاءَنِي مَعَ الفَجْرِ فَقالَ لِي: هَلْ مَعَكَ مِن وضُوءٍ قُلْتُ: نَعَمْ فَفَتَحْتُ الإداوَةَ فَإذا هو نَبِيذٌ فَقُلْتُ: ما كُنْتُ أحْسَبُها إلّا ماءً فَإذا هو نَبِيذٌ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ وماءٌ طَهُورٌ فَتَوَضَّأ مِنها ثُمَّ قامَ يُصَلِّي فَأدْرَكَهُ شَخْصانِ مِنهم فَصَفَّهُما خَلْفَهُ ثُمَّ صَلّى بِنا فَقُلْتُ: مَن هَؤُلاءِ يا رَسُولَ اللَّهِ؟
قالَ: جِنُّ نَصِيبِينَ».
فَهَذا يَدُلُّ عَلى خِلافِ ما تَقَدَّمَ والجَمْعِ بِتَعَدُّدِ واقِعَةِ الجِنِّ، وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ قالَ: صُرِفَتِ الجِنُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّهُ قَدْ دَلَّتِ الأحادِيثُ عَلى أنَّ وِفادَةَ الجِنِّ كانَتْ سِتَّ مَرّاتٍ ويَجْمَعُ بِذَلِكَ اخْتِلافُ الرِّواياتِ في عَدَدِهِمْ وفي غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والواقِدِيُّ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: انْصَرَفَ النَّفَرُ التِّسْعَةُ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ مِن بَطْنِ نَخْلَةَ وهم فُلانٌ وفُلانٌ وفُلانٌ والأرْدُوانِيّانِ والأحْقَبُ جاؤُوا قَوْمَهم مُنْذِرِينَ فَخَرَجُوا بَعْدُ وافِدِينَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهم ثَلاثُمِائَةٍ فانْتَهَوْا إلى الحَجُونِ فَجاءَ الأحْقَبُ فَسَلَّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنَّ قَوْمَنا قَدْ حَضَرُوا الحَجُونَ يُلْقُونَكَ فَواعَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِساعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ بِالحَجُونِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هُمُ اثْنا عَشَرَ ألْفًا مِن جَزِيرَةِ المُوصِلِ، وفي الكَشّافِ حِكايَةُ هَذا العَدَدِ أيْضًا وأنَّ السُّورَةَ الَّتِي قَرَأها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ ، ونُقِلَ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ فَكانَ إذا قالَ: ( فَبِأيِ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) قالُوا: لا بِشَيْءٍ مِن آياتِ رَبِّنا نُكَذِّبُ رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ، وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والواقِدِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الجِنُّ في رَبِيعِ الأوَّلِ سَنَةَ إحْدى عَشْرَةَ مِنَ النُّبُوَّةِ وفي مَعْناهُ ما قِيلَ: كانَتِ القِصَّةُ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ بِناءً عَلى ما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَكَثَ بِمَكَّةَ يُوحى إلَيْهِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وفي المَسْألَةِ خِلافٌ والمَشْهُورُ ما ذُكِرَ.
وقِيلَ: كانَ اسْتِماعُ الجِنِّ في ابْتِداءِ الإيحاءِ ﴿ قالُوا ﴾ أيْ عِنْدَ رُجُوعِهِمْ إلى قَوْمِهِمْ ﴿ يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا ﴾ جَلِيلَ الشَّأْنِ ﴿ أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى ﴾ ذَكَرُوهُ دُونَ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ لِأنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابَيْنِ ولِأنَّ الكِتابَ المُنَزَّلَ عَلَيْهِ أجَلُّ الكُتُبِ قَبْلَ القُرْآنِ وكانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَأْمُورًا بِالعَمَلِ بِمُعْظَمِ ما فِيهِ أوْ بِكُلِّهِ، وقالَ عَطاءٌ: لِأنَّهم كانُوا عَلى اليَهُودِيَّةِ ويَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الجِنَّ لَمْ تَكُنْ سَمِعْتَ بِأمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلِذا قالُوا ذَلِكَ، وفِيهِ بُعْدٌ فَإنَّ اشْتِهارَ أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وانْتِشارَ أمْرِ دِينِهِ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى لا سِيَّما عَلى الجِنِّ، ومِن هُنا قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ هَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ مِنَ التَّوْراةِ أوْ جَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ السّابِقَةِ ﴿ يَهْدِي إلى الحَقِّ ﴾ مِنَ العَقائِدِ الصَّحِيحَةِ ﴿ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ مِنَ الأحْكامِ الفَرْعِيَّةِ أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرِها مِنَ العَقائِدِ عَلى أنَّهُ مِن ذِكْرِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ ﴾ أرادُوا بِهِ ما سَمِعُوهُ مِنَ الكِتابِ ووَصَفُوهُ بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى بَعْدَ ما وصَفُوهُ بِالهِدايَةِ إلى الحَقِّ والطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ لِتَلازُمِهِما، وفي الجَمْعِ بَيْنَهُما تَرْغِيبٌ لَهم في الإجابَةِ أيَّ تَرْغِيبٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أرادُوا بِهِ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ وآمِنُوا بِهِ ﴾ أيْ بِداعِي اللَّهِ تَعالى أوْ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ أيْ بَعْضَ ذُنُوبِكم قِيلَ: وهو ما كانَ خالِصَ حَقِّهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّ حُقُوقَ العِبادِ لا تُغْفَرُ بِالإيمانِ.
وتَعَقَّبَهُ ابْنُ المُنِيرِ بِأنَّ الحَرْبِيَّ إذا نَهَبَ الأمْوالَ وسَفَكَ الدِّماءَ ثُمَّ حَسُنَ إسْلامُهُ جَبَّ إسْلامُهُ إثْمَ ما تَقَدَّمَ بِلا إشْكالٍ ثُمَّ قالَ ويُقالُ: إنَّهُ لَمْ يَرِدْ وعْدُ المَغْفِرَةِ لِلْكافِرِينَ عَلى تَقْدِيرِ الإيمانِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى إلّا مُبَعَّضَةً وهَذا مِنهُ فَإنْ لَمْ يَكُنْ لِاطِّرادِهِ كَذَلِكَ سِرٌّ فَما هو إلّا أنَّ مَقامَ الكافِرِينَ قَبْضٌ لا بَسْطٌ فَلِذَلِكَ لَمْ يُبْسَطْ رَجاؤُهُ في مَغْفِرَةِ جُمْلَةِ الذُّنُوبِ، وقَدْ ورَدَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ كَثِيرًا، ورَدَّهُ صاحِبُ الإنْصافِ بِأنَّ مَقامَ تَرْغِيبِ الكافِرِ في الإسْلامِ بَسْطٌ لا قَبْضٌ وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لِفِرْعَوْنَ: ﴿ قَوْلا لَيِّنًا ﴾ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ ﴾ وهي غَيْرُ مُبَعَّضَةٍ و( ما ) لِلْعُمُومِ لا سِيَّما وقَدْ وقَعَتْ في الشَّرْطِ.
وقالَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُحَقِّقِينَ: إنَّ الحَرْبِيَّ وإنْ كانَ إذا أسْلَمَ لا تَبْقى عَلَيْهِ تَبِعَةٌ أصْلًا لَكِنَّ الذِّمِّيَّ إذا أسْلَمَ تَبْقى عَلَيْهِ حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ، والقَوْمُ- كَما نُقِلَ عَنْ عَطاءٍ - كانُوا يَهُودًا فَتَبْقى عَلَيْهِمْ تَبِعاتُهم فِيما بَيْنَهم إذا أسْلَمُوا جَمِيعًا مِن غَيْرِ حَرْبٍ فَلَمّا كانَ الخِطابُ مَعَهم جِيءَ بِما يَدُلُّ عَلى التَّبْعِيضِ، وقِيلَ: جِيءَ بِهِ لِعَدَمِ عِلْمِ الجِنِّ بَعْدُ بِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ إثْمَ ما قَبْلَهُ مُطْلَقًا وفِيهِ تَوَقُّفٌ، وقَدْ يُقالُ: أرادُوا بِالبَعْضِ الذُّنُوبَ السّالِفَةَ ولَوْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ لَتَوَهَّمَ المُخاطَبُونَ أنَّهم إنْ أجابُوا داعِيَ اللَّهِ تَعالى وآمَنُوا بِهِ يُغْفَرُ لَهم ما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِهِمْ وما تَأخَّرَ، وقِيلَ: مِن زائِدَةٌ أيْ يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ﴿ ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ ﴾ مُعَدٍّ لِلْكَفَرَةِ، وهَذا ونَحْوُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجِنَّ مُكَلَّفُونَ، ولَمْ يَنُصَّ هاهُنا عَلى ثَوابِهِمْ إذا أطاعُوا، وعُمُوماتُ الآياتِ تَدُلُّ عَلى الثَّوابِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَهم ثَوابٌ وعَلَيْهِمْ عِقابٌ يَلْتَقُونَ في الجَنَّةِ ويَزْدَحِمُونَ عَلى أبْوابِها، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ هُنا عَلى ما ذُكِرَ لِما فِيهِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالذُّنُوبِ والمَقامُ مَقامُ الإنْذارِ فَلِذا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الثَّوابِ، وقِيلَ: لا ثَوابَ لِمُطِيعِيهِمْ إلّا النَّجاةُ مِنَ النّارِ فَيُقالُ لَهُمْ: كُونُوا تُرابًا فَيَكُونُونَ تُرابًا، وهَذا مَذْهَبُ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ وجَماعَةٍ ونُسِبَ إلى الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقالَ النَّسَفِيُّ في التَّيْسِيرِ: تَوَقَّفَ أبُو حَنِيفَةَ في ثَوابِ الجِنِّ في الجَنَّةِ ونَعِيمِهِمْ لِأنَّهُ لا اسْتِحْقاقَ لِلْعَبْدِ عَلى اللَّهِ تَعالى ولَمْ يَقُلْ بِطَرِيقِ الوَعْدِ في حَقِّهِمْ إلّا المَغْفِرَةَ والإجارَةَ مِنَ العَذابِ، وأمّا نَعِيمُ الجَنَّةِ فَمَوْقُوفٌ عَلى الدَّلِيلِ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إنَّ مُؤْمِنِي الجِنِّ حَوْلَ الجَنَّةِ في رَبَضٍ ولَيْسُوا فِيها، وقِيلَ: يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ويُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ والذِّكْرَ فَيُصِيبُونَ مِن لَذَّةِ ذَلِكَ ما يُصِيبُهُ بَنُو آدَمَ مِن لَذائِذِهِمْ، قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: والصَّحِيحُ أنَّهم يَدْخُلُونَها ويَتَنَعَّمُونَ فِيها بِالأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِهِما، وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ البَصَرِيِّ ومالِكِ بْنِ أنَسٍ والضَّحّاكِ وابْنِ أبِي لَيْلى وغَيْرِهِمْ <div class="verse-tafsir"
﴿ ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ﴾ إيجابٌ لِلْإجابَةِ بِطَرِيقِ التَّرْهِيبِ إثْرَ إيجابِها بِطَرِيقِ التَّرْغِيبِ وتَحْقِيقٌ لِكَوْنِهِمْ مُنْذَرِينَ وإظْهارُ داعِي اللَّهِ مِن غَيْرِ اكْتِفاءٍ بِأحَدِ الضَّمِيرَيْنِ بِأنْ يُقالَ: يَجِبْهُ أوْ يُجِبْ داعِيَهُ لِلْمُبالَغَةِ في الإيجابِ بِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ.
وتَقْيِيدُ الإعْجازِ بِكَوْنِهِ في الأرْضِ لِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ أيْ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ لَهُ تَعالى بِالهَرَبِ وإنْ هَرَبَ كُلَّ مَهْرَبٍ مِن أقْطارِها أوْ دَخَلَ في أعْماقِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ ﴾ بَيانٌ لِاسْتِحالَةِ نَجاتِهِ بِواسِطَةِ الغَيْرِ إثْرَ بَيانِ اسْتِحالَةِ نَجاتِهِ بِنَفْسِهِ، وجَمْعُ الأوْلِياءِ بِاعْتِبارِ مَعْنى ( مِن ) فَيَكُونُ مِن بابِ مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ لِانْقِسامِ الآحادِ عَلى الآحادِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ ولَيْسَ لَهم بِضَمِيرِ الجَمْعِ فَإنَّهُ لِمِن بِاعْتِبارِ مَعْناها، وكَذا الجَمْعُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ أيْ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِعَدَمِ إجابَةِ داعِيَ اللَّهِ ﴿ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ أيْ ظاهِرٌ كَوْنُهُ ضَلالًا بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ حَيْثُ أعْرَضُوا عَنْ إجابَةِ مَن هَذا شَأْنُهُ <div class="verse-tafsir"
﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والواوُ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ دَخَلَهُ الِاسْتِفْهامُ يَسْتَدْعِيهِ المَقامُ، والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ أيْ ألَمْ يَتَفَكَّرُوا ولَمْ يَعْلَمُوا ﴿ أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ ﴾ أيْ لَمْ يَتْعَبْ بِذَلِكَ أصْلًا مِن عَيِيَ كَفَعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ، ويَجُوزُ فِيهِ الإدْغامُ بِمَعْنى تَعِبَ كَأعْيا، وقالَ الكِسائِيُّ: أعْيَيْتُ مِنَ التَّعَبِ وعَيِيتُ مِنِ انْقِطاعِ الحِيلَةِ والعَجْزِ والتَّحَيُّرِ في الأمْرِ وأنْشَدُوا: عُيُّوا بِأمْرِهِمْ كَما عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَةُ أيْ لَمْ يَعْجِزْ عَنْ خَلْقِهِنَّ ولَمْ يَتَحَيَّرْ فِيهِ، واخْتارَ بَعْضُهم عَدَمَ الفَرْقِ، وقَرَأ الحَسَنُ (ولَمْ يَعِيَ) بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ، ووَجَّهَهُ أنَّهُ في الماضِي فُتِحَ عَيْنُ الكَلِمَةِ كَما قالُوا في بَقِيَ بَقى بِفَتْحِ القافِ وألِفٍ بَعْدَها وهي لُغَةُ طَيِّئٍ، ولَمّا بُنِيَ الماضِي عَلى فِعْلٍ مَفْتُوحِ العَيْنِ بُنِيَ مُضارِعُهُ عَلى يَفْعِلُ مَكْسُورُها فَجاءَ يَعِي فَلَمّا دَخَلَ الجازِمُ حَذَفَ الياءَ فَبَقِيَ يَعِي بِنَقْلِ حَرَكَةِ الياءِ إلى العَيْنِ فَسَكَنَتِ الياءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِقادِرٍ ﴾ في حَيِّزِ الرَّفْعِ لِأنَّهُ خَبَرٌ أنْ والباءُ زائِدَةٌ فِيهِ، وحَسَّنَ زِيادَتَها كَوْنُ ما قَبْلَها في حَيِّزِ النَّفْيِ، وقَدْ أجازَ الزَّجّاجُ ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا بِقائِمٍ قِياسًا عَلى هَذا، قالَ أبُو حَيّانَ: والصَّحِيحُ قَصْرُ ذَلِكَ عَلى السَّماعِ فَكَأنَّهُ قِيلَ هُنا: أوَلَيْسَ اللَّهُ بِقادِرٍ ﴿ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى ﴾ ولِذَلِكَ أُجِيبَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ تَقْرِيرًا لِلْقُدْرَةِ عَلى وجْهٍ عامٍّ يَكُونُ كالبُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ، ولِذا قِيلَ: إنَّ هَذا مُشِيرٌ إلى كُبْرى لِصُغْرى سَهْلَةِ الحُصُولِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إحْياءُ المَوْتى شَيْءٌ وكُلُّ شَيْءٍ مَقْدُورٌ لَهُ فَيَنْتِجُ أنَّ إحْياءَ المَوْتى مَقْدُورٌ لَهُ، ويَلْزَمُهُ أنَّهُ تَعالى ( قادِرٌ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى.
) وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وعِيسى والأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ ويَعْقُوبُ (يَقْدِرُ) بَدَلَ ( بِقادِرٍ ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ الدّالِّ عَلى الِاسْتِمْرارِ وهَذِهِ القِراءَةُ عَلى ما قِيلَ مُوافِقَةٌ أيْضًا لِلرَّسْمِ العُثْمانِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ﴾ ظَرْفٌ عامِلُهُ قَوْلٌ مُضْمَرٌ مَقُولُهُ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ ﴾ أيْ ويُقالُ: (يَوْمَ يُعْرَضُ) إلَخْ، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ مُعْتَرَضَةٌ، وقِيلَ: هي حالٌ، والتَّقْدِيرُ وقَدْ قِيلَ، وفِيهِ نَظَرٌ، وقَدْ مَرَّ آنِفًا الكَلامُ في العَرْضِ بِطُولِهِ، والإشارَةُ إلى ما يُشاهِدُونَهُ حِينَ العَرَضِ مِن حَيْثُ هو مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ بِالبالِ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ تَذْكِيرِهِ وتَأْنِيثِهِ إذْ هو اللّائِقُ بِتَهْوِيلِهِ وتَفْخِيمِهِ، وقِيلَ: هي إلى العَذابِ بِقَرِينَةِ التَّصْرِيحِ بِهِ بُعْدٌ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم عَلى اسْتِهْزائِهِمْ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى ووَعِيدِهِ، وقَوْلِهِمْ: ﴿ وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ .
﴿ قالُوا بَلى ورَبِّنا ﴾ تَصْدِيقٌ بِحَقِّيَّتِهِ وأكَّدُوا بِالقَسَمِ كَأنَّهم يَطْمَعُونَ في الخَلاصِ بِالِاعْتِرافِ بِحَقِّيَّةِ ذَلِكَ كَما في الدُّنْيا وأنّى لَهم.
وعَنِ الحَسَنِ أنَّهم لَيُعَذَّبُونِ في النّارِ وهم راضُونَ بِذَلِكَ لِأنْفُسِهِمْ يَعْتَرِفُونَ أنَّهُ العَدْلُ.
﴿ قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ بِسَبَبِ اسْتِمْرارِكم عَلى الكُفْرِ في الدُّنْيا، ومَعْنى الأمْرِ الإهانَةُ بِهِمْ فَهو تَهَكُّمٌ وتَوْبِيخٌ وإلّا لَكانَ تَحْصِيلًا لِلْحاصِلِ، وقِيلَ: هو أمْرٌ تَكْوِينِيٌّ والمُرادُ إيجابُ عَذابٍ غَيْرِ ما هم فِيهِ ولَيْسَ بِذاكَ، <div class="verse-tafsir"
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ إذا كانَ عاقِبَةُ أمْرِ الكَفَرَةِ ما ذُكِرَ فاصْبِرْ عَلى ما يُصِيبُكَ مِن جِهَتِهِمْ أوْ إذا كانَ الأمْرُ عَلى ما تَحَقَّقْتَهُ مِن قُدْرَتِهِ تَعالى الباهِرَةِ (فاصْبِرْ) وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَها عاطِفَةً لِهَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ، والسَّبَبِيَّةُ فِيها ظاهِرَةٌ واقْتَصَرَ في البَحْرِ عَلى كَوْنِها لِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى إخْبارِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ وقالَ: المَعْنى بَيْنَهُما مُرْتَبِطٌ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذِهِ حالُهم فَلا تَسْتَعْجِلْ أنْتَ واصْبِرْ ولا تَخَفْ إلّا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، والعَزْمُ يُطْلَقُ عَلى الجِدِّ والِاجْتِهادِ في الشَّيْءِ وعَلى الصَّبْرِ عَلَيْهِ، ( ومِنَ ) بَيانِيَّةٌ كَما في ﴿ فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ ﴾ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ ( الرُّسُلِ ) فَيَكُونُ أُولُو العَزْمِ صِفَةَ جَمِيعِهِمْ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ والجُبّائِيُّ وجَماعَةٌ أيْ ﴿ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ ﴾ الرُّسُلُ المُجِدُّونَ المُجْتَهِدُونَ في تَبْلِيغِ الوَحْيِ الَّذِينَ لا يَصْرِفُهم عَنْهُ صارِفٌ ولا يَعْطِفُهم عَنْهُ عاطِفٌ والصّابِرُونَ عَلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى فِيما عَهِدَهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِمْ أوْ قَضاهُ وقَدَّرَهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ بِواسِطَةٍ أوْ بِدُونِها.
وعَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ والحَسَنِ بْنِ الفَضْلِ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ وأبِي العالِيَةِ وابْنِ جُرَيْجٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّ ( مِنَ ) لِلتَّبْعِيضِ فَأُولُو العَزْمِ بَعْضُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، واخْتُلِفَ في عِدَّتِهِمْ وتَعْيِينِهِمْ عَلى أقْوالٍ، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ وهُمُ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ الأنْعامِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ: ﴿ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ وقِيلَ: تِسْعَةٌ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ صَبَرَ عَلى أذى قَوْمِهِ طَوِيلًا.
وإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَبَرَ عَلى الإلْقاءِ في النّارِ.
والذَّبِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَبَرَ عَلى ما أُرِيدَ بِهِ مِنَ الذَّبْحِ.
ويَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَبَرَ عَلى فَقْدِ ولَدِهِ.
ويُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَبَرَ عَلى البِئْرِ والسِّجْنِ وأيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَبَرَ عَلى البَلاءِ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ قَوْمُهُ: ﴿ إنّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ فَقالَ: ﴿ إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ وداوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَكى عَلى خَطِيئَتِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلى لَبِنَةٍ وقالَ: إنَّها يَعْنِي الدُّنْيا مَعْبَرَةٌ فاعْبُرُوها ولا تُعَمِّرُوها، وقِيلَ: سَبْعَةٌ آدَمُ ونُوحٌ وإبْراهِيمُ ومُوسى وداوُدُ وسُلَيْمانُ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: سِتَّةٌ وهُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالقِتالِ وهم نُوحٌ وهُودٌ وصالِحٌ ومُوسى وداوُدُ وسُلَيْمانُ، وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهم سِتَّةٌ ولَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ الأمْرِ بِالقِتالِ وقالَ: هم نُوحٌ وإبْراهِيمُ وإسْحاقُ ويَعْقُوبُ ويُوسُفُ وأيُّوبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهم نُوحٌ وهُودٌ وإبْراهِيمُ وشُعَيْبٌ ومُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ وظاهِرُهُ القَوْلُ بِأنَّهم خَمْسَةٌ وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهم نُوحٌ وإبْراهِيمُ ومُوسى وعِيسى وظاهِرُهُ القَوْلُ بِأنَّهم أرْبَعَةٌ وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ.
وقَوْلُ الجَلالِ السُّيُوطِيِّ: إنَّ أصَحَّها القَوْلُ بِأنَّهم خَمْسَةٌ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةُ ونَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ مِن أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ونَظَمَهم بَعْضُ الأجِلَّةِ فَقالَ: أُولُو العَزْمِ نُوحٌ والخَلِيلُ المُمَجَّدُ ومُوسى وعِيسى والحَبِيبُ مُحَمَّدُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهم كَذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ وتَأسِّي نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَن أُمِرَ بِالتَّأسِّي بِهِ ولَمْ يَرِدْ أنَّ أصَحَّ الأقْوالِ أنَّ المُرادَ بِهِمْ في الآيَةِ أُولَئِكَ الخَمْسَةُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ إذْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ يَصْبِرَ كَصَبْرِهِ نَفْسِهِ ولا يَكادُ يَصِحُّ ذَلِكَ، وعَلى هَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ فِيما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ أنَّهم ثَلاثَةٌ نُوحٌ وإبْراهِيمُ وهُودٌ ورَسُولُ اللَّهِ رابِعٌ لَهُمْ، ولَعَلَّ الأوْلى في الآيَةِ القَوْلُ الأوَّلُ وإنْ صارَ أُولُو العَزْمِ بَعْدُ مُخْتَصًّا بِأُولَئِكَ الخَمْسَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ الإطْلاقِ لِاشْتِهارِهِمْ بِذَلِكَ كَما في الأعْلامِ الغالِبَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فاصْبِرْ عَلى الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ ومُكابَدَةِ الشَّدائِدِ مُطْلَقًا كَما صَبَرَ إخْوانُكَ الرُّسُلُ قَبْلَكَ ﴿ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ﴾ أيْ لِكَفّارِ مَكَّةَ بِالعَذابِ أيْ لا تَدْعُ بِتَعْجِيلِهِ فَإنَّهُ عَلى شَرَفِ النُّزُولِ بِهِمْ ﴿ كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿ لَمْ يَلْبَثُوا ﴾ في الدُّنْيا ﴿ إلا ساعَةً ﴾ يَسِيرَةً ﴿ مِن نَهارٍ ﴾ لِما يُشاهِدُونَ مِن شِدَّةِ العَذابِ وطُولِ مُدَّتِهِ.
وقَرَأ أُبَيٌّ (مِنَ النَّهارِ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلاغٌ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذا الَّذِي وعَظْتُمْ بِهِ كِفايَةٌ في المَوْعِظَةِ أوْ تَبْلِيغٌ مِنَ الرَّسُولِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الإشارَةَ إلى القُرْآنِ أوْ ما ذُكِرَ مِنَ السُّورَةِ.
وأُيِّدَ تَفْسِيرُ ﴿ بَلاغٌ ﴾ بِتَبْلِيغٍ بِقِراءَةِ أبِي مِجْلَزٍ وأبِي سِراجٍ الهُذَلِيِّ (بَلِّغْ) بِصِيغَةِ الأمْرِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وبِقِراءَةِ أبِي مِجْلَزٍ أيْضًا في رِوايَةٍ (بَلَّغَ) بِصِيغَةِ الماضِي مِنَ التَّفْعِيلِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ الإشارَةِ إلى ما ذُكِرَ مِنَ المُدَّةِ الَّتِي لَبِثُوا فِيها كَأنَّهُ قِيلَ: تِلْكَ السّاعَةُ بَلاغُهم كَما قالَ تَعالى: ﴿ مَتاعٌ قَلِيلٌ ﴾ وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: ( بَلاغٌ ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( لَهم ) السّابِقُ فَيُوقَفُ عَلى ﴿ ولا تَسْتَعْجِلْ ﴾ ويُبْتَدَأُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( لَهم ) وتَكُونُ الجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ مُعْتَرَضَةً بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ والمَعْنى لَهُمُ انْتِهاءً وبُلُوغٌ إلى وقْتٍ فَيَنْزِلُ بِهِمُ العَذابُ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا لِما فِيهِ مِنَ الفَصْلِ ومُخالَفَةِ الظّاهِرِ إذِ الظّاهِرُ تَعَلُّقُ ( لَهم ) بِتَسْتَعْجِلْ.
وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِيسى (بَلاغًا) بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ بَلِّغْ بَلاغًا أوْ بَلِّغْنا بَلاغًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا (بَلاغٍ) بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِنَهارٍ.
﴿ فَهَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ ﴾ الخارِجُونَ عَنِ الِاتِّعاظِ أوْ عَنِ الطّاعَةِ، وفي الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ والإنْذارِ ما فِيها.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ فِيما حَكى عَنْهُ ابْنُ خالَوَيْهِ ( يَهْلِكُ ) بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ اللّامِ.
وعَنْهُ أيْضًا ( يَهْلَكُ ) بِفَتْحِ الياءِ واللّامِ وماضِيهِ هَلِكَ بِكَسْرِ اللّامِ وهي لُغَةٌ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: هي مَرْغُوبٌ عَنْها.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ (نُهْلِكُ) بِنُونِ العَظَمَةِ مِنَ الإهْلاكِ ( القَوْمَ الفاسِقِينَ ) بِالنَّصْبِ، وهَذِهِ الآيَةُ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُمْ ﴾ إلى الآخَرِ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ ما يُشْعِرُ بِأنَّ لَها خاصِّيَّةً مِن بَيْنِ آيِ هَذِهِ السُّورَةِ.
أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الدُّعاءِ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(إذا طَلَبْتَ حاجَةً وأحْبَبْتَ أنْ تَنْجَحَ فَقُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ العَلِيُّ العَظِيمُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ الحَلِيمُ سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها.
كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بِلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ وعَزائِمَ مُغْفِرَتِكَ والسَّلامَةَ مِن كُلِّ إثْمٍ والغَنِيمَةَ مِن كُلِّ بِرٍّ والفَوْزَ بِالجَنَّةِ والنَّجاةَ مِنَ النّارِ اللَّهُمَّ لا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إلّا غَفَرْتَهُ ولا هَمًّا إلّا فَرَّجْتَهُ ولا دَيْنًا إلّا قَضَيْتَهُ ولا حاجَةً مِن حَوائِجِ الدُّنْيا والآخِرَةِ إلّا قَضَيْتَها بِرَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ)».