تفسير الألوسي سورة الجاثية

الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة الجاثية

تفسيرُ سورةِ الجاثية كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 112 دقيقة قراءة

تفسير سورة الجاثية كاملةً (شهاب الدين الألوسي)

حمٓ ١ تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ٢

سُورَةُ اَلْجاثِيَةِ وتُسَمّى سُورَةَ اَلشَّرِيعَةِ وسُورَةَ اَلدَّهْرِ كَما حَكاهُ اَلْكَرْمانِيُّ في اَلْعَجائِبِ لِذِكْرِهِما فِيها، وهي مَكِّيَّةٌ قالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: بِلا خِلافٍ، وذَكَرَ اَلْماوَرْدِيُّ إلّا ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا ﴾ اَلْآيَةَ فَمَدَنِيَّةٌ، وحَكى هَذا اَلِاسْتِثْناءَ في جَمالِ اَلْقُرّاءِ عَنْ قَتادَةَ، وسَيَأْتِي اَلْكَلامُ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى.

وهي سَبْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً في اَلْكُوفِيِّ وسِتٌّ وثَلاثُونَ في اَلْباقِيَةِ لِاخْتِلافِهِمْ في (حم) هَلْ هي آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ أوْ لا، ومُناسِبَةُ أوَّلِها لِآخِرِ ما قَبْلَها في غايَةِ اَلْوُضُوحِ.

(بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ) ﴿ حم ﴾ إنْ جُعِلَ اِسْمًا لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّهُ اَلرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذا مُسَمًّى بِحم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى اَلْمَفْعُولِ مُبالَغَةً، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ صِلَتُهُ أوْ خَبَرٌ ثالِثٌ أوْ حالٌ مِن ﴿ تَنْزِيلُ ﴾ عامِلُها مَعْنى اَلْإشارَةِ أوْ مِنَ ﴿ الكِتابِ ﴾ اَلَّذِي هو مَفْعُولُ مَعْنى عامِلِها اَلْمُضافِ، وقِيلَ: حم مُبْتَدَأٌ وهَذا خَبَرُهُ والكَلامُ عَلى اَلْمُبالَغَةِ أيْضًا أوْ تَأْوِيلِ ﴿ تَنْزِيلُ ﴾ بِمَنَزَّلٍ، والإضافَةُ مِن إضافَةِ اَلصِّفَةِ لِمَوْصُوفِها، واعْتِبارُ اَلْمُبالَغَةِ أوْلى أيِ اَلْمُسَمّى بِهِ تَنْزِيلُ إلَخْ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ اَلَّذِي يُجْعَلُ عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ ذَلِكَ مَعْلُومَ اَلِانْتِسابِ إلَيْهِ وإذْ لا عَهْدَ بِالتَّسْمِيَةِ بَعْدُ فَحَقُّها اَلْإخْبارُ بِها، وجَوَّزَ جارُ اَللَّهِ جَعْلَ ﴿ حم ﴾ مُبْتَدَأً بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ تَنْزِيلُ حم و ﴿ تَنْزِيلُ ﴾ اَلْمَذْكُورُ خَبَرُهُ و ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ صِلَتُهُ، وفِيهِ إقامَةُ اَلظّاهِرِ مَقامَ اَلْمُضْمَرِ إيذانًا بِأنَّهُ اَلْكِتابُ اَلْكامِلُ إنْ أُرِيدَ بِالكِتابِ اَلسُّورَةُ، وفِيهِ تَفْخِيمٌ لَيْسَ في تَنْزِيلِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ اَللَّهِ، ولِهَذا لَمّا لَمْ يُراعَ في حم اَلسَّجْدَةِ هَذِهِ اَلنُّكْتَةُ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كِتابٌ فُصِّلَتْ ﴾ لِيُفِيدَ هَذِهِ اَلْفائِدَةَ مَعَ اَلتَّفَنُّنِ في اَلْعِبارَةِ، وإنْ أُرِيدَ اَلْكِتابُ كُلُّهُ فَلِلْإشْعارِ بِأنَّ تَنْزِيلَهُ كَإنْزالِ اَلْكُلِّ في حُصُولِ اَلْغَرَضِ مِنَ اَلتَّحَدِّي والتَّهَدِّي، فَدَعْوى عَراءِ هَذا اَلْوَجْهِ عَنْ فائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها عَراءٌ عَنْ إنْصافٍ يُعْتَدُّ بِهِ، وإنْ جُعِلَ تَعْدِيدًا لِلْحُرُوفِ فَلا حَظَّ لَهُ مِنَ اَلْإعْرابِ وكانَ ﴿ تَنْزِيلٌ ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ يُلَوِّحُ بِهِ ما قَبْلَهُ أيِ اَلْمُؤَلَّفُ مِن جِنْسِ ما ذُكِرَ تَنْزِيلُ اَلْكِتابِ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ اَلظَّرْفُ بَعْدَهُ عَلى ما قالَهُ جارُ اَللَّهِ، وقِيلَ: حم مُقْسَمٌ بِهِ فَفِيهِ حَرْفُ جَرِّ مُقَدَّرٌ وهو في مَحَلِّ جَرٍّ أوْ نَصْبٍ عَلى اَلْخِلافِ اَلْمَعْرُوفِ فِيهِ و(تَنْزِيلُ) نَعْتٌ مَقْطُوعٌ فَهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ وجَوابُ اَلْقَسَمِ <div class="verse-tafsir"

إِنَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّلْمُؤْمِنِينَ ٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ وهو عَلى ما تَقَدَّمَ اِسْتِئْنافٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اَلْآياتِ اَلتَّكْوِينِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ”تَنْزِيلُ اَلْكِتابِ مِنَ اَللَّهِ“ مُبْتَدَأً وخَبَرًا والجُمْلَةُ جَوابَ اَلْقَسَمِ، وهو خِلافُ اَلظّاهِرِ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ حم عَلى كَوْنِهِ مُقْسَمًا بِهِ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ اَلْخَبَرِ أيْ حم قَسَمِي ويَكُونُ (تَنْزِيلُ) نَعْتًا لَهُ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، وعَلى سائِرِ اَلْأوْجُهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ نَعْتٌ لِلِاسْمِ اَلْجَلِيلِ.

وجَوَّزَ اَلْإمامُ كَوْنَهُ صِفَةً لِلْكِتابِ إلّا أنَّهُ رَجَّحَ اَلْأوَّلَ بَعْدَ اِحْتِياجِهِ إلى اِرْتِكابِ اَلْمَجازِ مَعَ زِيادَةِ قُرْبِ اَلصِّفَةِ مِنَ اَلْمَوْصُوفِ فِيهِ، وأوْجَبَهُ أبُو حَيّانَ لِما في اَلثّانِي مِنَ اَلْفَصْلِ بَيْنَ اَلصِّفَةِ والمَوْصُوفِ اَلْغَيْرِ اَلْجائِزِ.

وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ في السَّماواتِ ﴾ إلَخْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ إنَّ في خَلْقِ اَلسَّمَواتِ كَما رَواهُ اَلْواحِدِيُّ عَنِ اَلزَّجّاجِ لِما أنَّهُ قَدْ صُرِّحَ بِهِ في آيَةٍ أُخْرى والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُناسِبُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: <div class="verse-tafsir"

وَفِى خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَـٰتٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ ٤

﴿ وفِي خَلْقِكُمْ ﴾ إلى آخِرِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى ظاهِرِهِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما إنَّ فِيهِما لَآياتٍ أيْ ما فِيهِما مِنَ اَلْمَخْلُوقاتِ كالجِبالِ والمَعادِنِ والكَواكِبِ والنَّيِّرَيْنِ وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ وفِي خَلْقِكُمْ ﴾ مِن عَطْفِ اَلْخاصِّ عَلى اَلْعامِّ.

والثّانِي أنَّ أنْفُسَهُما لَآياتٍ لِما فِيها مِن فُنُونِ اَلدَّلالَةِ عَلى اَلْقادِرِ اَلْحَكِيمِ جَلَّ شَأْنُهُ، وهَذا أظْهَرُ وهو أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: إنَّ في خَلْقِهِما لَآياتٍ وإنْ كانَ اَلْمَعْنى آيِلًا إلَيْهِ، ﴿ وفِي خَلْقِكُمْ ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى خَلْقِ، وجُوِّزَ في ما كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً وكَوْنُها مَوْصُولَةً إمّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ وفي خَلْقِ ما يَنْشُرُهُ ويُفَرِّقُهُ مِن دابَّةٍ أوْ بِدُونِهِ.

وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى اَلضَّمِيرِ اَلْمُتَّصِلِ اَلْمَجْرُورِ بِالإضافَةِ وما مَوْصُولَةٌ لا غَيْرُ عَلى اَلظّاهِرِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ اَلْعَطْفِ عَلى اَلضَّمِيرِ اَلْمُتَّصِلِ اَلْمَجْرُورِ مِن غَيْرِ إعادَةِ اَلْجارِّ وذَلِكَ مَذْهَبُ اَلْكُوفِيِّينَ.

ويُونُسَ.

والأخْفَشِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وهو اَلصَّحِيحُ، واخْتارَهُ اَلْأُسْتاذُ أبُو عَلِيٍّ اَلشَّلُوبِينُ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وجُمْهُورِ اَلْبَصْرِيِّينَ مَنعُ اَلْعَطْفِ اَلْمَذْكُورِ سَواءٌ كانَ اَلضَّمِيرُ مَجْرُورًا بِالحَرْفِ أوْ بِالإضافَةِ لِشِدَّةِ اَلِاتِّصالِ فَأشْبَهَ اَلْعَطْفَ عَلى بَعْضِ اَلْكَلِمَةِ.

وذَكَرَ اِبْنُ اَلْحاجِبِ في شَرْحِ اَلْمُفَصَّلِ في بابِ اَلْوَقْفِ مِنهُ أنَّ بَعْضَ اَلنَّحْوِيِّينَ يُجَوِّزُونَ اَلْعَطْفَ في اَلْمَجْرُورِ بِالإضافَةِ دُونَ اَلْمَجْرُورِ بِالحَرْفِ لِأنَّ اِتِّصالَ اَلْمَجْرُورِ بِالمُضافِ لَيْسَ كاتِّصالِهِ بِالجارِّ لِاسْتِقْلالِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِمَعْناهُ فَلَمْ يَشْتَدَّ اِتِّصالُهُ فِيهِ اِشْتِدادَهُ مَعَ اَلْحَرْفِ وأجازَ اَلْجِرْمِيُّ والزِّيادِيُّ اَلْعَطْفَ إذا أُكِّدَ اَلضَّمِيرُ اَلْمُتَّصِلُ بِمُنْفَصِلٍ نَحْوُ مَرَرْتُ بِكَ أنْتَ وزَيْدٍ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ آياتٌ ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ إنَّ في السَّماواتِ ﴾ إلَخْ.

وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اَللَّهِ (لَآياتٌ) بِاللّامِ كَذا في اَلْبَحْرِ ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّ آياتٍ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ، فَإنْ كانَ مَنصُوبًا فاللّامُ زائِدَةٌ في اِسْمِ إنَّ اَلْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ خَبَرُها وهو أحَدُ مَواضِعِ زِيادَتِهِ اَلْمُطَّرِدَةِ اَلْكَثِيرَةِ، وإنْ كانَ مَرْفُوعًا فَهي زائِدَةٌ في اَلْمُبْتَدَأِ ويَقِلُّ زِيادَتُها فِيهِ، وحُسْنُ زِيادَتِها هُنا تَقَدُّمُ إنَّ في اَلْجُمْلَةِ اَلْمَعْطُوفِ عَلَيْها فَهو كَقَوْلِهِ: إنَّ اَلْخِلافَةَ بَعْدَهم لَذَمِيمَةٌ وخَلائِفٌ ظُرْفٌ لَمِمّا أحْقَرُ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (آيَةٌ) بِالإفْرادِ.

وقَرَأ اَلْأعْمَشُ.

والجَحْدَرِيُّ.

وحَمْزَةُ.

والكِسائِيُّ.

ويَعْقُوبُ (آياتٍ) بِالجَمْعِ والنَّصْبِ عَلى أنَّها عَطْفٌ عَلى (آياتٍ) اَلسّابِقِ اَلْواقِعِ اِسْمًا لِأنَّ ﴿ وفِي خَلْقِكُمْ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ فِي السَّماواتِ ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ في خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٍ ﴿ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يُوقِنُوا بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ ﴿ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ بِالجَرِّ عَلى إضْمارِ فِي، وقَدْ قَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ بِذِكْرِهِ.

وجاءَ حَذْفُ اَلْجارِّ مَعَ إبْقاءِ عَمَلِهِ كَما في قَوْلِهِ: إذا قِيلَ أيُّ اَلنّاسِ شَرُّ قَبِيلَةٍ ∗∗∗ أشارَتْ كُلَيْبٌ بِالأكُفِّ اَلْأصابِعِ وحَسَّنَ ما هُنا ذِكْرُ اَلْجارِّ في اَلْآيَتَيْنِ قَبْلُ.

وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (آياتٌ) بَعْدُ والمُرادُ بِاخْتِلافِهِما تَعاقُبُهُما أوْ تَفاوُتُهُما طُولًا وقِصَرًا، وقِيلَ: اِخْتِلافُهُما في أنَّ أحَدَهُما نُورٌ والآخِرَةَ ظُلْمَةٌ <div class="verse-tafsir"

وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزْقٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ ءَايَـٰتٌۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ٥

﴿ وما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى (اِخْتِلافِ ﴿ مِنَ السَّماءِ ﴾ جِهَةِ اَلْعُلُوِّ، وقِيلَ: اَلسَّحابِ، وقِيلَ: اَلْجِرْمِ اَلْمَعْرُوفِ بِضَرْبٍ مِنَ اَلتَّأْوِيلِ.

﴿ مِن رِزْقٍ ﴾ مِن مَطَرِ، وسُمِّيَ رِزْقًا لِأنَّهُ سَبَبُهُ فَهو مَجازٌ، ولَوْ لَمْ يُؤَوَّلْ صَحَّ لِأنَّهُ في نَفْسِهِ رِزْقٌ أيْضًا.

﴿ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ ﴾ بِأنْ أخْرَجَ مِنها أصْنافَ اَلزَّرْعِ والثَّمَراتِ والنَّباتِ، والسَّبَبِيَّةُ عادِيَّةٌ اِقْتَضَتْها اَلْحِكْمَةُ ﴿ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ يُبْسِها وعَرائِها عَنْ آثارِ اَلْحَياةِ وانْتِفاءِ قُوَّةِ اَلتَّنْمِيَةِ عَنْها ﴿ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ ﴾ مِن جِهَةٍ إلى أُخْرى ومِن حالٍ إلى حالٍ، وتَأْخِيرُهُ عَنْ إنْزالِ اَلْمَطَرِ مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ في اَلْوُجُودِ إمّا لِلْإيذانِ بِأنَّهُ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ حَيْثُ لَوْ رُوعِيَ اَلتَّرْتِيبُ اَلْوُجُودِيُّ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ مَجْمُوعَ تَصْرِيفِ اَلرِّياحِ وإنْزالِ اَلْمَطَرِ آيَةٌ واحِدَةٌ، وإمّا لِأنَّ كَوْنَ اَلتَّصْرِيفِ آيَةً لَيْسَ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مَبْدَأً لِإنْشاءِ اَلْمَطَرِ بَلْ لَهُ ولِسائِرِ اَلْمَنافِعِ اَلَّتِي مِن جُمْلَتِها سَوْقُ اَلسُّفُنِ في اَلْبِحارِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.

وطِلْحَةُ.

وعِيسى (وتَصْرِيفِ اَلرِّيحِ) بِالإفْرادِ ﴿ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما تَقَدَّمَ مِنَ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ أعْنِي ﴿ فِي اخْتِلافِ ﴾ عَلى ما سَمِعْتَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها.

وقِيلَ: إنَّ (اِخْتِلافِ) بِالجَرِّ عَطْفٌ عَلى ﴿ خَلْقِكُمْ ﴾ اَلْمَجْرُورِ بِفي قَبْلَهُ و ﴿ آياتٌ ﴾ عَطْفٌ عَلى آياتٌ اَلسّابِقِ اَلْمَرْفُوعِ بِالِابْتِداءِ، وفِيهِ اَلْعَطْفُ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، ومِنَ اَلنّاسِ مِن يَمْنَعُهُ وهم أكْثَرُ اَلْبَصْرِيِّينَ، ومِنهم مَن يُجِيزُهُ وهم أكْثَرُ اَلْكُوفِيِّينَ، ومِنهم مَن يَفْصِلُ فَيَقُولُ: وهو جائِزٌ في نَحْوِ قَوْلِكَ: في اَلدّارِ زَيْدٌ والحُجْرَةِ عَمْرٌو وغَيْرُ جائِزٍ في نَحْوِ قَوْلِكَ: زَيْدٌ في اَلدّارِ وعَمْرٌو اَلْحُجْرَةِ لِأنَّ اَلْأوَّلَ يَلِي اَلْمَجْرُورُ فِيهِ اَلْعاطِفَ فَقامَ اَلْعاطِفُ مَقامَ اَلْجارِّ، والثّانِي لَمْ يَلِ فِيهِ اَلْمَجْرُورُ اَلْعاطِفَ فَكانَ فِيهِ إضْمارُ اَلْجارِّ مِن غَيْرِ عِوَضٍ، وتَمامُ اَلْكَلامِ في هَذِهِ اَلْمَسْألَةِ في مَحَلِّهِ وقِيلَ: إنَّ (اِخْتِلافِ) عَطْفٌ عَلى اَلْمَجْرُورِ قَبْلَهُ و ﴿ آياتٌ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي آياتٌ واخْتارَهُ مَن لَمْ يُجَوِّزِ اَلْعَطْفَ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ ويَقُولُ بِضَعْفِ حَذْفِ اَلْجارِّ مَعَ بَقاءِ عَمَلِهِ وإنْ تَقَدَّمَهُ ذِكْرُ جارٍّ.

وقالَ أبُو اَلْبَقاءِ: ﴿ آياتٌ ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى اَلتَّأْكِيدِ لِآياتٌ اَلسّابِقِ وهم يُعِيدُونَ اَلشَّيْءَ إذا طالَ اَلْكَلامُ في اَلْجُمْلَةِ لِلتَّأْكِيدِ والتَّذْكِيرِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِعَيْنِ ما تَقَدَّمَ واخْتِلافُ اَلصِّفاتِ يَدُلُّ عَلى تَغايُرِ اَلْمَوْصُوفاتِ فَلا وجْهَ لِلتَّأْكِيدِ، وأيْضًا فِيهِ اَلْفَصْلُ بَيْنَ اَلْمَعْطُوفِ اَلْمَجْرُورِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وبَيْنَ اَلْمُؤَكِّدِ والمُؤَكَّدِ وهو إنْ جازَ يُورِثُ تَعْقِيدًا يُنافى فَصاحَةَ اَلْقُرْآنِ اَلْعَظِيمِ.

وقَرَأ (آياتٍ) هُنا بِالنَّصْبِ مَن قَرَأها هُناكَ بِهِ فَهي مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ أعْنِي آياتٍ، وقِيلَ: اَلْعاطِفُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ واخْتِلافِ ﴾ عَطَفَ اِخْتِلافُ عَلى اَلْمَجْرُورِ بِفي قَبْلُ وعَطْفُها عَلى اِسْمِ إنَّ وهو مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ اَلْعَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ، وقالَ أبُو اَلْبَقاءِ: هي مَنصُوبَةٌ عَلى اَلتَّأْكِيدِ والتَّكْرِيرِ لِاسْمِ إنَّ نَحْوُ إنَّ بِثَوْبِكَ دَمًا وبِثَوْبِ زِيدٍ دَمًا، ومَرَّ آنِفًا ما فِيهِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّها اِسْمُ إنَّ مُضْمَرَةٍ وهي قَدْ تُضْمَرُ ويَبْقى عَمَلُها، ذَكَرَ أبُو حَيّانَ في اَلِارْتِشافِ في اَلْكَلامِ عَلى إنَّ مِن خَيْرِ اَلنّاسِ أوْ خَيْرُهم زِيدٌ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيى بْنِ اَلْمُبارَكِ اَلْيَزِيدِيَّ ذَهَبَ إلى نَصْبِ خَيْرِهِمْ ورَفْعِ زَيْدٍ فاسْمُ إنَّ مَحْذُوفٌ وأوْ خَيْرُهم مَنصُوبٌ بِإضْمارِ إنَّ لِدَلالَةِ إنَّ اَلْمَذْكُورَةِ تَقْدِيرُهُ إنَّ مِن خَيْرِ اَلنّاسِ زَيْدًا وإنَّ خَيْرَهم زِيدٌ.

وقَدْ أقَرَّ اَلشّاطِبِيُّ تَخْرِيجَ اَلنَّصْبِ في اَلْآيَةِ عَلى ذَلِكَ لَكِنْ نَقَلَهُ اَلسَّفاقِسِيُّ عَنْ أبِي اَلْبَقاءِ ورَدَّهُ بِأنَّ إنَّ لا تُضْمَرُ.

وقالَ اِبْنُ هِشامٍ في آخِرِ اَلْبابِ اَلرّابِعِ مِنَ اَلْمُغْنِي: إنَّهُ بَعِيدٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا بُدَّ عَلَيْهِ مِن إضْمارِ اَلْجارِّ في (اِخْتِلافِ) وحِينَئِذٍ لا يَخْفى حالُهُ، وسائِرُ اَلْقِراءاتِ مَرْوِيَّةٌ هُنا عَمَّنْ رُوِيَتْ عَنْهُ فِيما تَقَدَّمَ، وتَنْكِيرُ (آياتٌ) في اَلْآياتِ لِلتَّفْخِيمِ كَمًّا وكَيْفًا، والمَعْنى إنَّ اَلْمُنْصِفِينَ مِنَ اَلْعِبادِ إذا نَظَرُوا في اَلسَّمَواتِ والأرْضِ اَلنَّظَرَ اَلصَّحِيحَ عَلِمُوا أنَّها مَصْنُوعَةٌ وأنَّها لا بُدَّ لَها مِن صانِعٍ فَآمَنُوا بِاَللَّهِ تَعالى وأقَرُّوا، وإذا نَظَرُوا في خَلْقِ أنْفُسِهِمْ وتَنَقُّلِها مِن حالٍ إلى حالٍ وهَيْئَةٍ إلى أُخْرى وفي خَلْقِ ما عَلى ظَهْرِ اَلْأرْضِ مِن صُنُوفِ اَلْحَيَوانِ اِزْدادُوا إيمانًا وأيْقَنُوا وانْتَفى عَنْهُمُ اَللَّبْسُ فَإذا نَظَرُوا في سائِرِ اَلْحَوادِثِ اَلَّتِي تَتَجَدَّدُ في كُلِّ وقْتٍ كاخْتِلافِ اَللَّيْلِ والنَّهارِ ونُزُولِ اَلْأمْطارِ وحَياةِ اَلْأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها وتَصْرِيفِ اَلرِّياحِ جَنُوبًا وشَمالًا وقَبُولًا ودَبُورًا وشِدَّةً وضَعْفًا وحَرارَةً وبُرُودَةً عَقَلُوا واسْتَحْكَمَ عِلْمُهم وخَلَصَ يَقِينُهم كَذا في اَلْكَشّافِ ومِنهُ يُعْلَمُ نُكْتَةُ اِخْتِلافِ اَلْفَواصِلِ.

وفِي اَلْكَشْفِ أنَّهُ ذَكَرَ ما حاصِلُهُ أنَّهُ عَلى سَبِيلِ اَلتَّرَقِّي وهو يُوافِقُ ما عَلَيْهِ اَلصُّوفِيَّةُ وغَيْرُهم مِن أنَّ اَلْإيقانَ مَرْتَبَةٌ خاصَّةٌ في اَلْإيمانِ، ثُمَّ اَلْعَقْلُ لِما كانَ مَدارَهُما أيِ اَلْإيمانِ والإيقانِ ونَعْنِي بِهِ اَلْعَقْلَ اَلْمُؤَيَّدَ بِنُورِ اَلْبَصِيرَةِ جَعَلَهُ لِخُلُوصِ اَلْإيقانِ مِنَ اِعْتِراءِ اَلشُّكُوكِ مِن كُلِّ وجْهٍ فَفي اِسْتِحْكامِهِ كُلُّ خَيْرٍ، ورُوعِيَ في تَرْتِيبِ اَلْآياتِ ما رُوعِيَ في تَرْتِيبِ اَلْمَراتِبِ اَلثَّلاثِ مِن تَقْدِيمِ ما هو أقْدَمُ وُجُودًا، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ اَلْآيَةُ اَلثّانِيَةُ أعْظَمَ مِنَ اَلْأُولى ولا اَلثّالِثَةُ مِنَ اَلثّانِيَةِ لِما ذَكَرَهُ مِن أنَّ اَلْجامِعَ بَيْنَ اَلنَّظَرَيْنِ مُوقِنٌ وبَيْنَ اَلثَّلاثَةِ عاقِلٌ عَلى أنَّها كَذَلِكَ في تَحْصِيلِ هَذا اَلْغَرَضِ فَإنْ كانَتْ أعْظَمَ مِن وجْهٍ آخَرَ فَلا بَأْسَ فَإنَّ اَلنَّظَرَ إلى حالِ نَفْسِهِ وما هو مِن نَوْعِهِ ثُمَّ جِنْسِهِ مِن سائِرِ اَلْأناسِيِّ والحَيَوانِ لِلْقُرْبِ والتَّكَرُّرِ وكَثْرَةِ اَلْعَدَدِ أدْخَلُ في اِنْتِفاءِ اَلشَّكِّ وحُصُولِ اَلْيَقِينِ وإنْ كانَ اَلنَّظَرُ في اَلسَّماءِ والأرْضِ أتَمَّ دَلالَةً عَلى كَمالِ اَلْقُدْرَةِ والعِلْمِ فَذَلِكَ لا يَضُرُّ ولا هو اَلْمَطْلُوبُ هَهُنا ثُمَّ اَلنَّظَرُ إلى اَلِاخْتِلافِ اَلْمَذْكُورِ أدَلُّ عَلى اِسْتِحْكامِ ذَلِكَ اَلْيَقِينِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَتَجَدَّدُ حِينًا فَحِينًا ويَبْعَثُ عَلى اَلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ كُلَّما تَجَدَّدَ هَذا، والتَّحْقِيقُ أنَّ تَمامَ اَلنَّظَرِ في اَلثّانِي يَضْطَرُّ إلى اَلنَّظَرِ في اَلْأوَّلِ لِأنَّ اَلسَّمَواتِ والأرْضَ مِن أسْبابِ تَكَوُّنِ اَلْحَيَوانِ بِوَجْهٍ، وكَذَلِكَ اَلنَّظَرُ في اَلثّالِثِ يَضْطَرُّ إلى اَلنَّظَرِ في اَلْأوَّلَيْنِ، أمّا عَلى اَلْأوَّلِ فَظاهِرٌ وأمّا عَلى اَلثّانِي فَلِأنَّهُ اَلْعِلَّةُ اَلْغائِيَّةُ فَلا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ جامِعًا اِنْتَهى، وهو كَلامٌ نَفِيسٌ جِدًّا.

وقالَ اَلْإمامُ في تَرْتِيبِ هَذِهِ اَلْفَواصِلِ: أظُنُّ أنَّ سَبَبَهُ أنَّهُ قِيلَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فافْهَمُوا هَذِهِ اَلدَّلائِلَ وإنْ كُنْتُمْ لَسْتُمْ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ بَلْ كُنْتُمْ مِن طُلّابِ اَلْجَزْمِ واليَقِينِ فافْهَمُوا هَذِهِ اَلدَّلائِلَ وإنْ كُنْتُمْ لَسْتُمْ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ ولا مِنَ اَلْمُوقِنِينَ فَلا أقَلَّ مِن أنْ تَكُونُوا مِن زُمْرَةِ اَلْعاقِلِينَ فاجْتَهِدُوا في مَعْرِفَةِ هَذِهِ اَلدَّلائِلِ، ولا يَخْفى أنَّهُ فاتَهُ ذَلِكَ اَلتَّحْقِيقُ ولَمْ يَخْتَرِ اَلتَّرَقِّيَ وهو بِالِاخْتِيارِ حَقِيقٌ، والمُغايَرَةُ بَيْنَ ما هُنا وما في سُورَةِ اَلْبَقَرَةِ أعْنِي ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ ﴾ اَلْآيَةَ لِلتَّفَنُّنِ والكَلامِ اَلْمُعْجِزِ مَمْلُوءٌ مِنهُ، وذَكَرَ اَلْإمامُ في ذَلِكَ ما لا يَهُشُّ لَهُ اَلسّامِعُ فَتَأمَّلْ <div class="verse-tafsir"

تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِۦ يُؤْمِنُونَ ٦

﴿ تِلْكَ آياتُ اللَّهِ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَتْلُوها عَلَيْكَ ﴾ حالٌ عامِلُها مَعْنى اَلْإشارَةِ نَحْوُ ﴿ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا ﴾ عَلى اَلْمَشْهُورِ، وقِيلَ: هو اَلْخَبَرُ و”آياتُ اَللَّهِ“ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بِالحَقِّ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ نَتْلُوها ﴾ أوْ مِن مَفْعُولِهِ أيْ نَتْلُوها مُحِقِّينَ أوْ مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ اَلْغائِيَّةِ، والمُرادُ بِالآياتِ اَلْمُشارِ إلَيْها إمّا آياتُ اَلْقُرْآنِ أوِ اَلسُّورَةُ أوْ ما ذُكِرَ قَبْلُ مِنَ اَلسَّمَواتِ والأرْضِ وغَيْرِهِما فَتِلاوَتُها بِتِلاوَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْها، وفُسِّرَتْ بِالسَّرْدِ أيْ نَسْرُدُها عَلَيْكَ.

وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: اَلْكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ نَتْلُو شَأْنَها وشَأْنَ اَلْعِبْرَةِ بِها.

وقُرِئَ (يَتْلُوها) بِالياءِ عَلى أنَّ اَلْفاعِلَ ضَمِيرُهُ تَعالى والمُرادُ عَلى اَلْقِراءَتَيْنِ تِلاوَتُها عَلَيْهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِواسِطَةِ اَلْمَلَكِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ﴿ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ هو مِن بابِ قَوْلِهِمْ: أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرْمُهُ يُرِيدُونَ أعْجَبَنِي كَرَمُ زَيْدٍ إلّا أنَّهم عَدَلُوا عَنْهُ لِلْمُبالَغَةِ في اَلْإعْجابِ أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ هَذِهِ اَلْآياتِ اَلْمَتْلُوَّةِ بِالحَقِّ يُؤْمِنُونَ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا بَيانَ أزْيَدُ مِن هَذا اَلْبَيانِ ولا آيَةَ أدُلُّ مِن هَذِهِ اَلْآيَةِ، وتَفْخِيمُ شَأْنِ اَلْآياتِ مِنَ اِسْمِ اَلْإشارَةِ وإضافَتِها إلى اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وجَعْلِ ﴿ نَتْلُوها ﴾ حالًا مَعَ ضَمِيرِ اَلتَّعْظِيمِ ثُمَّ تَكْرِيرِ اَلِاسْمِ اَلْجَلِيلِ لِلنُّكْتَةِ اَلْمَذْكُورَةِ وإضافَتِها إلَيْهِ بِواسِطَةِ اَلضَّمِيرِ مَرَّةً أُخْرى، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ فِيهِ مِن حَيْثُ اَلْمَعْنى إقْحامُ اَلْأسْماءِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ والعَطْفُ، والمُرادُ غَيْرُ اَلْعَطْفِ مِن إخْراجِهِ إلى بابِ اَلْبَدَلِ لِأنَّ تَقْدِيرَ كَرَمِ زَيْدٍ إنَّما يَكُونُ في أعْجَبَنِي زَيْدٌ كَرَمُهُ بِغَيْرِ واوٍ عَلى اَلْبَدَلِ وهَذا قَلْبٌ لِحَقائِقِ اَلنَّحْوِ، وإنَّما اَلْمَعْنى في اَلْمِثالِ إنَّ ذاتَ زَيْدٍ أعْجَبَتْهُ وأعْجَبَهُ كَرَمُهُ فَهُما إعْجابانِ لا إعْجابٌ واحِدٌ وهو مَبْنِيٌّ عَلى عَدَمِ اَلتَّعَمُّقِ في فَهْمِ كَلامِ جارِ اَللَّهِ.

ومَن تَعَمَّقَ فِيهِ لا يَرى أنَّهُ قائِلٌ بِالإقْحامِ وإنَّما بَيانٌ حاصِلُ اَلْمَعْنى يُوهِمُهُ، وبَيْنَ هَذِهِ اَلطَّرِيقَةِ وطَرِيقَةِ اَلْبَدَلِ مُغايَرَةٌ تامَّةٌ، فَقَدْ ذُكِرَ أنَّ فائِدَةَ هَذِهِ اَلطَّرِيقَةِ وهي طَرِيقَةُ إسْنادِ اَلْفِعْلِ إلى شَيْءٍ والمَقْصُودُ إسْنادُهُ إلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ قُوَّةُ اِخْتِصاصِ اَلْمَعْطُوفِ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ اَلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ صارَ مِنَ اَلتَّلَبُّسِ بِحَيْثُ يَصِحُّ أنْ يُسْنِدَ أوْصافَهُ وأفْعالَهُ وأحْوالَهُ إلى اَلْأوَّلِ قَصْدًا لِأنَّهُ بِمَنزِلَتِهِ ولا كَذَلِكَ اَلْبَدَلُ لِأنَّ اَلْمَقْصُودَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ هو اَلثّانِي فَقَطْ وهُنا هُما مَقْصُودانِ، فَإنْ قُلْتَ: إذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ اَلْوَصْفُ مَنسُوبًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لَزِمَ إقْحامُهُ كَما قالَ أبُو حَيّانَ، وما يُذْكَرُ مِنَ اَلْمُبالَغَةِ لا يَدْفَعُ اَلْمَحْذُورَ، وعَلى فَرْضِ تَسْلِيمِهِ فَدَلالَتُهُ عَلى ما ذُكِرَ بِأيِّ طَرِيقٍ مِن طُرُقِ اَلدَّلالَةِ اَلْمَشْهُورَةِ.

أُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ مَنسُوبٍ إلَيْهِ في اَلْواقِعِ لَكِنْ لَمّا كانَ بَيْنَهُما مُلابَسَةٌ تامَّةٌ مِن جِهَةٍ ما كَكَوْنِ اَلْآياتِ هَهُنا بِإذْنِهِ تَعالى أوْ مُرْضِيَةً لَهُ عَزَّ وجَلَّ جُعِلَ كَأنَّهُ اَلْمَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ وكُنِّيَ بِها عَنْ ذَلِكَ اَلِاخْتِصاصِ كِنايَةً إيمائِيَّةً ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ اَلْمَنسُوبُ إلَيْهِ وجُعِلَ تابِعًا فِيها وبِهَذا غايَرَ اَلْبَدَلَ مُغايِرَةً تامَّةً غَفَلَ عَنْها اَلْمُعْتَرِضُ فالنِّسْبَةِ بِتَمامِها مَجازِيَّةٌ كَذا قَرَّرَهُ بَعْضُ اَلْمُحَقِّقِينَ.

وقالَ اَلْواحِدِيُّ: أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ حَدِيثِ اَللَّهِ أيِ اَلْقُرْآنِ وقَدْ جاءَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ ﴾ وحَسُنَ اَلْإضْمارُ لِقَرِينَةِ تَقَدُّمِ اَلْحَدِيثِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وآياتِهِ ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ لِتَغايُرِهِما إجْمالًا وتَفْصِيلًا لِأنَّ اَلْآياتِ هي ذَلِكَ اَلْحَدِيثُ مَلْحُوظُ اَلْأجْزاءِ، وإنْ أُرِيدَ ما بَيَّنَ فِيهِ مِنَ اَلْآياتِ والدَّلائِلِ فَلَيْسَ مِن عَطْفِ اَلْخاصِّ عَلى اَلْعامِّ لِأنَّ اَلْآياتِ لَيْسَتْ مِنَ اَلْقُرْآنِ وإنَّما وجْهُ دَلالَتِها وإيرادِها مِنهُ فَيَكُونُ في هَذا اَلْوَجْهِ اَلدَّلالَةُ أيْضًا عَلى حالِ اَلْبَيانِ والمُبَيَّنِ كَما في اَلْوَجْهِ اَلْأوَّلِ، وقالَ اَلضَّحّاكُ: أيْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ تَوْحِيدِ اَللَّهِ ولا يَخْفى أنَّهُ بِظاهِرِهِ مِمّا لا مَعْنى لَهُ فَلَعَلَّهُ أرادَ بَعْدَ حَدِيثِ تَوْحِيدِهِ تَعالى أيِ اَلْحَدِيثِ اَلْمُتَضَمِّنِ ذَلِكَ أوْ هو بَعْدَ تَقْدِيرِ اَلْمُضافِ مِن بابِ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرْمُهُ، وأيًّا ما كانَ فالفاءُ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ والظَّرْفُ صِفَةُ (حَدِيثٍ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِيُؤْمِنُونَ قُدِّمَ لِلْفاصِلَةِ.

وقَرَأ اِبْنُ عامِرٍ.

وأبُو بَكْرٍ.

وحَمْزَةُ.

والكِسائِيُّ (تُؤْمِنُونَ) بِالتّاءِ اَلْفَوْقانِيَّةِ وهو مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وفِي خَلْقِكُمْ ﴾ بِحَسَبِ اَلظّاهِرِ والصُّورَةِ وإلّا فالمُرادُ هُنا اَلْكَفّارُ بِخِلافِ ذَلِكَ.

وقَرَأ طَلْحَةُ (تُوقِنُونَ) بِالتّاءِ اَلْفَوْقانِيَّةِ والقافِ مِنَ اَلْإيقانِ <div class="verse-tafsir"

وَيْلٌۭ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍۢ ٧

﴿ ويْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ ﴾ كَثِيرِ اَلْإفْكِ أيِ اَلْكَذِبِ ﴿ أثِيمٍ ﴾ كَثِيرِ اَلْإثْمِ، والآيَةُ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، وقِيلَ: في اَلنَّضْرِ بْنِ اَلْحارِثِ وكانَ يَشْتَرِي حَدِيثَ اَلْأعاجِمِ ويَشْغَلُ بِهِ اَلنّاسَ عَنِ اِسْتِماعِ اَلْقُرْآنِ لَكِنَّها عامَّةٌ كَما هو مُقْتَضى كُلٍّ ويَدْخُلُ مَن نَزَلَتْ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، و(أثِيمٍ) صِفَةُ (أفّاكٍ) <div class="verse-tafsir"

يَسْمَعُ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًۭا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ ٨

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لَهُ، وقِيلَ اِسْتِئْنافٌ، وقِيلَ حالٌ مِنَ اَلضَّمِيرِ في ﴿ أثِيمٍ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ تُتْلى عَلَيْهِ ﴾ حالٌ مِن ﴿ آياتِ اللَّهِ ﴾ ولَمْ يُجَوَّزْ جَعْلُهُ مَفْعُولًا ثانِيًا لِيَسْمَعُ لِأنَّ شَرْطَهُ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَهُ مِمّا لا يُسْمَعُ كَسَمِعْتُ زَيْدًا يَقْرَأُ، والظّاهِرُ أنَّ اَلْمُرادَ بِتُتْلى اَلِاسْتِمْرارُ لِأنَّهُ اَلْمُناسِبُ لِلِاسْتِبْعادِ اَلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ ثُمَّ يُصِرُّ ﴾ فَإنَّ ثُمَّ لِاسْتِبْعادِ اَلْإصْرارِ بَعْدَ سَماعِ اَلْآياتِ وهي لِلتَّراخِي اَلرُّتْبِيِّ ويُمْكِنُ إبْقاؤُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ إلّا أنَّ اَلْأوَّلَ أبْلَغُ وأنْسَبُ بِالمَقامِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ في اَلِاسْتِبْعادِ قَوْلُ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيَّةَ: لا يَكْشِفُ اَلْغَمّاءَ إلّا اِبْنُ حُرَّةٍ يَرى غَمَراتِ اَلْمَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها والإصْرارُ عَلى اَلشَّيْءِ مُلازَمَتُهُ وعَدَمُ اَلِانْفِكاكِ عَنْهُ مِنَ اَلصَّرِّ وهو اَلشَّدُّ ومِنهُ صُرَّةُ اَلدَّراهِمِ، ويُقالُ: صَرَّ اَلْحِمارُ أُذُنَيْهِ ضَمَّهُما صَرًّا وأصَرَّ اَلْحِمارُ ولا يُقالُ أُذُنَيْهِ عَلى ما في اَلصِّحاحِ وكَأنَّ مَعْناهُ حِينَئِذٍ صارَ صارًّا أُذُنَيْهِ.

والمُرادُ هُنا ثُمَّ يُقِيمُ عَلى كُفْرِهِ وضَلالِهِ ﴿ مُسْتَكْبِرًا ﴾ عَنِ اَلْإيمانِ بِالآياتِ وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ يُصِرُّ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها ﴾ حالٌ بَعْدَ حالٍ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ مُسْتَكْبِرًا ﴾ وجُوِّزَ اَلِاسْتِئْنافُ، و(كَأنْ) مُخَفَّفَةٌ مِن كَأنَّ بِحَذْفِ إحْدى اَلنُّونَيْنِ واسْمُها ضَمِيرُ اَلشَّأْنِ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِهِ كَما في أنَّ اَلْمَفْتُوحَةَ، والمَعْنى يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا مِثْلَ غَيْرِ اَلسّامِعِ لَها ﴿ فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ عَلى إصْرارِهِ ذَلِكَ، والبِشارَةُ في اَلْأصْلِ اَلْخَبَرُ اَلْمُغَيِّرُ لِلْبَشَرَةِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا، وخَصَّها اَلْعُرْفُ بِالخَبَرِ اَلسّارِّ فَإنْ أُرِيدَ اَلْمَعْنى اَلْعُرْفِيُّ فَهو اِسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ أوْ هو مِن قَبِيلِ: ؎تَحِيَّةَ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ <div class="verse-tafsir"

وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا شَيْـًٔا ٱتَّخَذَهَا هُزُوًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ٩

﴿ وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا ﴾ وإذا بَلَغَهُ شَيْءٌ مِن آياتِنا وعَلِمَ أنَّهُ مِنها.

﴿ اتَّخَذَها هُزُوًا ﴾ بادَرَ إلى اَلِاسْتِهْزاءِ بِالآياتِ كُلِّها ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى اَلِاسْتِهْزاءِ بِما بَلَغَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلْمَعْنى وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا يُمْكِنُ أنْ يَتَشَبَّثَ بِهِ اَلْمُعانِدُ ويَجِدَ لَهُ مَحْمَلًا يَتَسَلَّقُ بِهِ عَلى اَلطَّعْنِ والغَمِيزَةِ اِفْتَرَصَهُ واِتَّخَذَ آياتِ اَللَّهِ تَعالى هُزُوًا وذَلِكَ نَحْوُ اِعْتِراضِ اِبْنِ اَلزِّبَعْرى في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ ومُغالَطَتِهِ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَوْلُهُ عَلى ما بَعْضِ اَلرِّواياتِ: خَصَمْتُكَ فَضَمِيرُ ﴿ اتَّخَذَها ﴾ عَلى اَلْوَجْهَيْنِ لِلْآياتِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ ﴿ شَيْئًا ﴾ عَلى اَلثّانِي فِيهِ تَخْصِيصٌ لِقَرِينَةِ ﴿ اتَّخَذَها هُزُوًا ﴾ إذْ لا يَحْتَمِلُ إلّا ما يَحْسُنُ أنْ يُخَيَّلَ فِيهِ ذَلِكَ ثُمَّ يَجْعَلُهُ دُسْتُورًا لِلْباقِي فَيَقُولُ: اَلْكُلُّ مِن هَذا اَلْقَبِيلِ، وفَرْقٌ بَيْنَ اَلْوَجْهَيْنِ أيْضًا بِأنَّ في اَلْأوَّلِ اَلِاتِّخاذَ قَبْلَ اَلتَّأمُّلِ وفي اَلثّانِي بَعْدَهُ وبَعْدَ تَمْيِيزِ آيَةٍ عَنْ أُخْرى، وقِيلَ: اَلِاسْتِهْزاءُ بِما عَلِمَهُ مِنَ اَلْآياتِ إلّا أنَّهُ أرْجَعَ اَلضَّمِيرَ إلى اَلْآياتِ لِأنَّ اَلِاسْتِهْزاءَ بِواحِدَةٍ مِنها اِسْتِهْزاءٌ بِكُلِّها لِما بَيْنَها مِنَ اَلتَّماثُلِ، وجُوِّزَ أنْ يَرْجِعَ اَلضَّمِيرُ إلى شَيْءٍ والتَّأْنِيثُ لِأنَّهُ بِمَعْنى اَلْآيَةِ كَقَوْلِ أبِي اَلْعَتاهِيَةِ: نَفْسِي بِشَيْءٍ مِنَ اَلدُّنْيا مُعَلَّقَةٌ اَللَّهُ والقائِمُ اَلْمَهْدِيُّ يَكْفِيها يَعْنِي اَلشَّيْءَ وأرادَ بِهِ عَتَبَةَ جارِيَةٍ لِلْمَهْدِيِّ مِن حَظاياهُ وكانَ أبُو اَلْعَتاهِيَةِ يَهْواها فَقالَ ما قالَ.

وقَرَأ قَتادَةُ.

ومَطَرٌ اَلْوَرّاقُ (عُلِّمَ) بِضَمِّ اَلْعَيْنِ وشَدِّ اَللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ أفّاكٍ مِن حَيْثُ اَلِاتِّصافِ بِما ذُكِرَ مِنَ اَلْقَبائِحِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ اَلشُّمُولِ لِلْكُلِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ كَما أنَّ اَلْإفْرادَ فِيما سَبَقَ مِنَ اَلضَّمائِرِ بِاعْتِبارِ كُلٍّ واحِدٍ واحِدٍ، وأداةُ اَلْبُعْدِ لِلْإشارَةِ إلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في اَلشَّرِّ.

﴿ لَهُمْ ﴾ بِسَبَبِ جِناياتِهِمُ اَلْمَذْكُورَةِ ﴿ عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ وصَفَ اَلْعَذابَ بِالإهانَةِ تَوْفِيَةً لِحَقِّ اِسْتِكْبارِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ بِآياتِ اَللَّهِ عَزَّ وجُلَّ <div class="verse-tafsir"

مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ ۖ وَلَا يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُوا۟ شَيْـًۭٔا وَلَا مَا ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٠

﴿ مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ ﴾ أيْ مِن قُدّامِهِمْ لِأنَّهم مُتَوَجِّهُونَ إلَيْها أوْ مِن خَلْفِهِمْ لِأنَّهم مُعْرِضُونَ عَنِ اَلِالتِفاتِ إلَيْها والِاشْتِغالِ عَمّا يُنْجِيهِمْ مِنها مُقْبِلُونَ عَلى اَلدُّنْيا والِانْهِماكِ في شَهَواتِها، والوَراءُ تُسْتَعْمَلُ في هَذَيْنِ اَلْمَعْنَيَيْنِ لِأنَّها اِسْمٌ لِلْجِهَةِ اَلَّتِي يُوارِيها اَلشَّخْصُ فَتَعُمُّ اَلْخَلْفَ والقُدّامَ، وقِيلَ في تَوْجِيهِ اَلْخَلْفِيَّةِ: إنَّ جَهَنَّمَ لَمّا كانَتْ تَتَحَقَّقُ لَهم بَعْدَ اَلْأجَلِ جُعِلَتْ كَأنَّها خَلْفَهم ﴿ ولا يُغْنِي عَنْهُمْ ﴾ ولا يَدْفَعُ ﴿ ما كَسَبُوا ﴾ أيِ اَلَّذِي كَسَبُوهُ مِنَ اَلْأمْوالِ والأوْلادِ ﴿ شَيْئًا ﴾ مِن عَذابِ اَللَّهِ تَعالى أوْ شَيْئًا مِنَ اَلْإغْناءِ عَلى أنَّ (شَيْئًا) مَفْعُولٌ بِهِ أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ ﴿ ولا ما اتَّخَذُوا ﴾ أيِ اَلَّذِي اِتَّخَذُوهُ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ﴾ أيِ اَلْأصْنامَ.

وجُوِّزَ أنْ تُفَسَّرَ ما بِما تَعُمُّها وسائِرِ اَلْمَعْبُوداتِ اَلْباطِلَةِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وجُوِّزَ في ما في اَلْمَوْضِعَيْنِ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وتَوْسِيطُ حَرْفَيِ اَلنَّفْيِ بَيْنَ اَلْمَعْطُوفَيْنِ مَعَ أنَّ عَدَمَ إغْناءِ اَلْأصْنامِ أظْهَرُ وأجْلى مِن عَدَمِ إغْناءِ اَلْأمْوالِ والأوْلادِ قَطْعًا مَبْنِيٌّ عَلى زَعْمِهِمُ اَلْفاسِدِ حَيْثُ كانُوا يَطْمَعُونَ في شَفاعَتِهِمْ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ ﴿ ولَهُمْ ﴾ فِيما وراءَهم مِن جَهَنَّمَ ﴿ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ <div class="verse-tafsir"

هَـٰذَا هُدًۭى ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌۭ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ١١

﴿ هَذا ﴾ أيِ اَلْقُرْآنُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ وكَذا ما قَبْلُ كَ ﴿ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ.

﴾ وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا.

﴿ تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها ﴾ ﴿ هُدًى ﴾ في غايَةِ اَلْكَمالِ مِنَ اَلْهِدايَةِ كَأنَّهُ نَفْسُها ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ﴾ يَعْنِي اَلْقُرْآنَ أيْضًا عَلى أنَّ اَلْإضافَةَ لِلْعَهْدِ، وكانَ اَلظّاهِرُ اَلْإضْمارَ لَكِنْ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما في اَلنَّظْمِ اَلْجَلِيلِ لِزِيادَةِ تَشْنِيعِ كُفْرِهِمْ بِهِ وتَفْظِيعِ حالِهِمْ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالآياتِ ما يَشْمَلُهُ وغَيْرَهُ.

﴿ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ﴾ مِن أشَدِّ اَلْعَذابِ ﴿ ألِيمٌ ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةُ ﴿ عَذابٌ ﴾ أُخِّرَ لِلْفاصِلَةِ.

وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلسَّبْعَةِ ألِيمٍ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةُ ﴿ رِجْزٍ ﴾ ، وجَعْلُهُ صِفَةَ ﴿ عَذابٌ ﴾ أيْضًا والجَرُّ لِلْمُجاوَرَةِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، وقِيلَ: عَلى قِراءَةِ اَلرَّفْعِ إنَّ اَلرِّجْزَ بِمَعْنى اَلرِّجْسِ اَلَّذِي هو اَلنَّجاسَةُ، والمَعْنى لَهم عَذابٌ ألِيمٌ مِن تَجَرُّعِ رِجْسٍ أوْ شُرْبِ رِجْسٍ والمُرادُ بِهِ اَلصَّدِيدُ اَلَّذِي يَتَجَرَّعُهُ اَلْكافِرُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ولا داعِيَ لِذَلِكَ كَما لا يَخْفى، وتَنْوِينُ ﴿ عَذابٌ ﴾ في اَلْمَواقِعِ اَلثَّلاثَةِ لِلتَّفْخِيمِ، ورَفْعُهُ إمّا عَلى اَلِابْتِداءِ وإمّا عَلى اَلْفاعِلِيَّةِ لِلظَّرْفِ <div class="verse-tafsir"

۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِۦ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ١٢

﴿ اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ ﴾ بِأنْ جَعَلَهُ أمْلَسَ اَلسَّطْحِ يَطْفُو عَلَيْهِ ما يَتَخَلْخَلُ كالأخْشابِ ولا يَمْنَعُ اَلْغَوْصَ فِيهِ ﴿ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ ﴾ بِتَسْخِيرِهِ تَعالى إيّاهُ وتَسْهِيلِ اِسْتِعْمالِها فِيما يُرادُ بِها، وقِيلَ: بِتَكْوِينِهِ تَعالى أوْ بِإذْنِهِ عَزَّ وجَلَّ، وسِياقُ اَلِامْتِنانِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ اَلْمَعْنى لِتَجْرِيَ اَلْفُلْكُ فِيهِ وأنْتُمْ راكِبُوها.

﴿ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ بِالتِّجارَةِ والغَوْصِ والصَّيْدِ وغَيْرِها ﴿ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ولِكَيْ تَشْكُرُوا اَلنِّعَمَ اَلْمُتَرَتِّبَةَ عَلى ذَلِكَ، وهَذا أعْنِي ﴿ اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ ﴾ إلَخْ ذُكِرَ تَتْمِيمًا لِلتَّقْرِيعِ ولِهَذا رُتِّبَ عَلَيْهِ اَلْأغْراضُ اَلْعاجِلَةُ فَإنَّهُ مِمّا يَسْتَوْجِبُ اَلشُّكْرَ غالِبًا لِلْكافِرِ أيْضًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: تِلْكَ اَلْآياتُ أوْلى بِالشُّكْرِ ولِهَذا عَقَّبَ بِما يَعُمُّ اَلْقِسْمَيْنِ أعْنِي <div class="verse-tafsir"

وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ١٣

قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ أيْ مِنَ اَلْمَوْجُوداتِ بِأنْ جَعَلَ فِيها مَنافِعَ لَكم مِنها ظاهِرَةٌ ومِنها خَفِيَّةٌ، وعَقَّبَ بِالتَّفَكُّرِ لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّ اَلتَّفَكُّرَ هو اَلَّذِي يُؤَدِّي إلى ما ذُكِرَ مِنَ اَلْأوْلَوِيَّةِ ويَدُلَّ بِهِ عَلى أنَّ اَلتَّفَكُّرَ مِلاكُ اَلْأمْرِ في تَرْتِيبِ اَلْغَرَضِ عَلى ما جُعِلَ آيَةً مِنَ اَلْإيمانِ والإيقانِ والشُّكْرِ ﴿ جَمِيعًا ﴾ حالٌ مِن ﴿ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ أوْ تَوْكِيدٌ لَهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنهُ ﴾ حالٌ مِن ذَلِكَ أيْضًا، والمَعْنى سَخَّرَ هَذِهِ اَلْأشْياءَ جَمِيعًا كائِنَةً مِنهُ وحاصِلَةً مِن عِنْدِهِ يَعْنِي أنَّهُ سُبْحانَهُ مُكَوِّنُها ومُوجِدُها بِقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ ثُمَّ مُسَخِّرُها لِخَلْقِهِ.

وجُوِّزَ فِيهِ أوْجُهٌ أُخَرُ.

اَلْأوَّلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَقِيلَ (جَمِيعًا) حِينَئِذٍ حالٌ مِنَ اَلضَّمِيرِ اَلْمُسْتَتِرِ في اَلْجارِّ والمَجْرُورِ بِناءً عَلى جَوازِ تَقَدُّمِ اَلْحالِ عَلى مِثْلِ هَذا اَلْعامِلِ أوْ مِنَ اَلْمُبْتَدَأِ بِناءً عَلى تَجْوِيزِ اَلْحالِ مِنهُ أيْ هي جَمِيعًا مِنهُ تَعالى وقِيلَ: جَمِيعًا عَلى ما كانَ ويُلاحَظُ في تَصْوِيرِ اَلْمَعْنى فالضَّمِيرُ اَلْمُبْتَدَأُ يُقَدَّرُ بَعْدَهُ ويُعْتَبَرُ رُجُوعُهُ إلى ما تَقَدَّمَ بِقَيْدِ جَمِيعًا، والجُمْلَةُ عَلى اَلْقَوْلَيْنِ اِسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَخَّرَ ﴾ أيْ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أوْجَدَها ثُمَّ سَخَّرَها لا أنَّها حَصَلَتْ لَهُ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِهِ كالمُلُوكِ، اَلثّانِي أنْ يُجْعَلَ ﴿ ما في السَّماواتِ ﴾ مُبْتَدَأً ويَكُونَ هو خَبَرُهُ و ﴿ جَمِيعًا ﴾ حالٌ مِنَ اَلضَّمِيرِ اَلْمُسْتَتِرِ في اَلْجارِّ والمَجْرُورِ اَلْواقِعِ صِلَةً ويَكُونُ ﴿ وسَخَّرَ لَكُمْ ﴾ تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ أيْ سَخَّرَ وسَخَّرَ، وفي اَلْعَطْفِ إيماءٌ إلى أنَّ اَلتَّسْخِيرَ اَلثّانِيَ كَأنَّهُ غَيْرُ اَلْأوَّلِ دَلالَةً عَلى أنَّ اَلْمُتَفَكِّرَ كُلَّما فَكَّرَ يَزْدادُ إيمانًا بِكَمالِ اَلتَّسْخِيرِ والمِنَّةِ عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ ﴿ ما في السَّماواتِ ﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِمَزِيدِ بَيانِ اَلْقُدْرَةِ والحِكْمَةِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ اَلتَّأْكِيدُ اَللُّغَوِيُّ فَهو لا يَخْلُو مِنَ اَلضَّعْفِ لِأنَّ عَطْفَ مِثْلِهِ في اَلْجُمَلِ غَيْرُ مَعْهُودٍ، وإنْ أُرِيدَ اَلتَّأْكِيدُ اَلِاصْطِلاحِيُّ كَما قِيلَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ فَهو مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ اِبْنُ مالِكٍ في اَلتَّسْهِيلِ مِن أنَّ عَطْفَ اَلتَّأْكِيدِ يَخْتَصُّ بِثُمَّ، وقالَ اَلرَّضِيُّ: يَكُونُ بِالفاءِ أيْضًا وهو هَهُنا بِالواوِ ولَمْ يُجَوِّزْهُ أحَدٌ مِنهم وإنْ لَمْ يَذْكُرُوا وجْهَ اَلْفَرْقِ عَلى أنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في اَلْمَعانِي أنَّهُ لا يَجْرِي في اَلتَّأْكِيدِ اَلْعَطْفُ مُطْلَقًا لِشِدَّةِ اَلِاتِّصالِ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ فِيهِ حَذْفُ مَفْعُولِ ﴿ سَخَّرَ ﴾ مِن غَيْرِ قَرِينَةٍ وهَذا كَما تَرى، اَلثّالِثُ أنْ يَكُونَ (ما في اَلْأرْضِ) مُبْتَدَأً و ﴿ مِنهُ ﴾ خَبَرُهُ ولا يَخْفى أنَّهُ ضَعِيفٌ بِحَسْبِ اَلْمَساقِ.

وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ أنَّ اِبْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَمْ يَكُنْ يُفَسِّرُ هَذِهِ اَلْآيَةَ، ولَعَلَّهُ إنْ صَحَّ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَبْسُطِ اَلْكَلامَ فِيها، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ فِيها كُلُّ شَيْءٍ هو مِنَ اَللَّهِ تَعالى.

وأخْرَجَ عَبْدُ اَلرَّزّاقِ.

وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ.

وابْنُ اَلْمُنْذِرِ.

والحاكِمُ وصَحَّحَهُ.

والبَيْهَقِيُّ في اَلْأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ طاوُسٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ اَلْعاصِ فَسَألَهُ مِمَّ خُلِقَ اَلْخَلْقُ؟

قالَ: مِنَ اَلْماءِ والنُّورِ والظُّلْمَةِ والرِّيحِ والتُّرابِ قالَ: فَمِمَّ خُلِقَ هَؤُلاءِ؟

قالَ: لا أدْرِي ثُمَّ أتى اَلرَّجُلُ عَبْدَ اَللَّهِ بْنَ اَلزُّبَيْرِ فَسَألَهُ فَقالَ مِثْلَ قَوْلِ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأتى اِبْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَسَألَهُ مِمَّ خُلِقَ اَلْخَلْقُ؟

قالَ: مِنَ اَلْماءِ والنُّورِ والظُّلْمَةِ والرِّيحِ والتُّرابِ قالَ: فَمِمَّ خُلِقَ هَؤُلاءِ؟

فَقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ ﴿ وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ ﴾ فَقالَ اَلرَّجُلُ: ما كانَ لِيَأْتِيَ بِهَذا إلّا رَجُلٌ مِن أهْلِ بَيْتِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

واخْتَلَفَ أهْلُ اَلْعِلْمِ فِيما أرادَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِذَلِكَ فَقالَ اَلْبَيْهَقِيُّ: أرادَ أنَّ مَصْدَرَ اَلْجَمِيعِ مِنهُ تَعالى أيْ مِن خَلْقِهِ وإبْداعِهِ واخْتِراعِهِ خَلَقَ اَلْماءَ أوَّلًا أوِ اَلْماءَ وما شاءَ عَزَّ وجَلَّ مِن خُلْقِهِ لا عَنْ أصْلٍ ولا عَنْ مِثالٍ سَبَقَ ثُمَّ جَعَلَهُ تَعالى أصْلًا لِما خَلَقَ بَعْدَهُ فَهو جَلَّ شَأْنُهُ اَلْمُبْدِعُ وهو سُبْحانَهُ اَلْبارِئُ لا إلَهَ غَيْرُهُ ولا خالِقَ سِواهُ اهـ، وعَلَيْهِ جَمِيعُ اَلْمُحَدِّثِينَ والمُفَسِّرِينَ ومَن حَذا حَذْوَهُمْ، وقالَ اَلشَّيْخُ إبْراهِيمُ اَلْكُورانِيُّ مِنَ اَلصُّوفِيَّةِ: إنَّ اَلْمَخْلُوقاتِ تَعَيُّناتُ اَلْوُجُودِ اَلْمُفاضِ اَلَّذِي هو صُورَةُ اَلنَّفْسِ اَلرَّحْمانِيِّ اَلْمُسَمّى بِالعَماءِ وذَلِكَ أنَّ اَلْعَماءَ قَدِ اِنْبَسَطَ عَلى اَلْحَقائِقِ اَلَّتِي هي أُمُورٌ عَدَمِيَّةٌ مُتَمَيِّزَةٌ في نَفْسِ اَلْأمْرِ والِانْبِساطُ حادِثٌ والعَماءُ مِن حَيْثُ اِقْتِرانِهِ بِالماهِيّاتِ غَيْرُ ذاتِ اَلْحَقِّ تَعالى فَإنَّهُ سُبْحانَهُ اَلْوُجُودُ اَلْمَحْضُ اَلْغَيْرُ اَلْمُقْتَرِنِ بِها فالمَوْجُوداتُ صُوَرٌ حادِثَةٌ في اَلْعَماءِ قائِمَةٌ بِهِ واَللَّهُ تَعالى قَيُّومُها لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا اَلْأوَّلُ اَلْباطِنُ اَلْمُمِدُّ لِتِلْكَ اَلصُّوَرِ بِالبَقاءِ ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ قِيامُ اَلْحَوادِثِ بِذاتِ اَلْحَقِّ تَعالى ولا كَوْنُهُ سُبْحانَهُ مادَّةً لَها لِأنَّ وُجُودَهُ تَعالى مُجَرَّدٌ عَنِ اَلْماهِيّاتِ غَيْرُ مُقْتَرِنٍ بِها والمُتَعَيِّنُ بِحَسْبِها هو اَلْعَماءُ اَلَّذِي هو اَلْوُجُودُ اَلْمُفاضُ مِنهُ تَعالى بِإيجادِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وبِهَذا يَنْطَبِقُ اَلْجَوابُ عَلى اَلسُّؤالِ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ ولا مَحْذُورٍ، ولَوْ كانَ مُرادُ اِبْنِ عَبّاسٍ مُجَرَّدَ ما ذَكَرَهُ اَلْبَيْهَقِيُّ مِن أنَّ مَصْدَرَ اَلْجَمِيعِ مِن خَلْقِهِ تَعالى كانَ يَكْفِي في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ لَكِنَّ اَلسُّؤالَ إنَّما وقَعَ بِمِمَّ ووَقَعَ اَلْجَوابُ بِمِنهُ في تِلاوَتِهِ اَلْآيَةَ فالظّاهِرُ أنَّ ما فَهِمَهُ اَلسّائِلُ مِن تِلاوَتِهِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ ما ذَكَرَهُ بِقَرِينَةِ مَدْحِهِ بِقَوْلِهِ: ما كانَ لِيَأْتِيَ بِهَذا إلَخْ فَإنَّ ما ذَكَرَهُ اَلْبَيْهَقِيُّ يَعْرِفُهُ كُلُّ مَن آمَنَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ فَلا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ وجْهٌ لِقَوْلِ كُلٍّ مِنِ اِبْنِ عَمْرٍو وابْنِ اَلزُّبَيْرٍ لا أدْرِي فَإنَّهُما مِن أفْضَلِ اَلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّ اَللَّهَ تَعالى خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ بَلْ ما فَهِمَهُ هو ما أشَرْنا إلَيْهِ اهـ، وعَلَيْهِ عامَّةُ أهْلِ اَلْوَحْدَةِ (وأجابَ اَلْأوَّلُونَ) بِأنَّ مُرادَ اِبْنِ عَبّاسٍ قَطْعُ اَلتَّسَلْسُلِ في اَلسُّؤالِ بَعْدَ ذِكْرِ مادَّةٍ لِبَعْضِها بِأنَّ مَرْجِعَ اَلْأمْرِ أنَّ اَلْأشْياءَ كُلَّها خُلِقَتْ بِقُدْرَتِهِ تَعالى لا مِن شَيْءٍ وهو كَلامٌ حَكِيمٌ يُمْدَحُ قائِلُهُ لَمْ يَهْتَدِ إلَيْهِ اِبْنُ اَلزُّبَيْرِ.

وابْنُ عَمْرٍو، ولا يُعَكِّرُ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ ﴾ لِما قالَهُ اَلْمُفَسِّرُونَ فِيهِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى في مَحَلِّهِ فَتَأمَّلْ ذاكَ واَللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، وقَدْ أوْرَدَ اَلْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ واقِدٍ في مَجْلِسِ اَلرَّشِيدِ هَذِهِ اَلْآيَةَ رَدًّا عَلى بَعْضِ اَلنَّصارى في زَعْمِهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿ ورُوحٌ مِنهُ ﴾ يَدُلُّ عَلى ما يَزْعُمُهُ فِيهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ مِن أنَّهُ اِبْنُ اَللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ.

وحَكى أبُو اَلْفَتْحِ.

وصاحِبُ اَللَّوامِحِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ.

وعَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.

والجَحْدَرِيِّ.

وعَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّهم قَرَأُوا (مِنَّةً) بِكَسْرِ اَلْمِيمِ وشَدِّ اَلنُّونِ ونَصْبِ اَلتّاءِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ سَخَّرَ لَكم ذَلِكَ نِعْمَةً عَلَيْكُمْ، وحَكاها عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أيْضًا اِبْنُ خالَوَيْهِ.

لَكِنْ قالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّ سَنَدَ هَذِهِ اَلْقِراءَةِ إلَيْهِ مُظْلِمٌ فَإذا صَحَّ اَلسَّنَدُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ طاوُسٍ: إنَّهُ ذَكَرَ اَلْآيَةَ عَلى قِراءَةِ اَلْجُمْهُورِ ويُحْتَمَلُ أنْ لَهُ قِراءَتَيْنِ فِيها.

وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ ضَمَّ اَلتّاءَ عَلى تَقْدِيرِ هو أوْ هي مِنَّةٌ، وعَنْهُ أيْضًا فَتْحُ اَلْمِيمِ وشَدُّ اَلنُّونِ وهاءُ اَلْكِتابَةِ عائِدَةٌ عَلى اَللَّهِ تَعالى أيْ إنْعامُهُ وهو فاعِلُ ﴿ سَخَّرَ ﴾ عَلى اَلْإسْنادِ اَلْمَجازِيِّ كَما تَقُولُ: كَرَمُ اَلْمَلِكِ أنْعَشَنِي أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذا أوْ هو مِنهُ تَعالى، وجُوِّزَتِ اَلْفاعِلِيَّةُ في قِراءَتِهِ اَلْأُولى، وتَذْكِيرُ اَلْفِعْلِ لِأنَّ اَلْفاعِلَ لَيْسَ مُؤَنَّثًا حَقِيقِيًّا مَعَ وُجُودِ اَلْفاصِلِ، والوَجْهُ اَلْأوَّلَ أوْلى وإنْ كانَ فِيهِ تَقْدِيرٌ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ ﴿ لآياتٍ ﴾ عَظِيمَةَ اَلشَّأْنِ كَثِيرَةَ اَلْعَدَدِ ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في بَدائِعِ صُنْعِهِ تَعالى وعَظائِمِ شَأْنِهِ جَلَّ شَأْنُهُ فَإنَّ ذَلِكَ يَجُرُّهم إلى اَلْإيمانِ والإيقانِ والشُّكْرِ.

<div class="verse-tafsir"

قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَغْفِرُوا۟ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ لِيَجْزِىَ قَوْمًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ١٤

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا ﴾ حَذَفَ اَلْمَقُولَ لِدَلالَةِ ﴿ يَغْفِرُوا ﴾ عَلَيْهِ فَإنَّهُ جَوابٌ لِلْأمْرِ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِهِ لا بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ فَقَطْ أيْ قُلْ لَهُمُ اِغْفِرُوا يَغْفِرُوا ﴿ لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ ﴾ أيْ يَعْفُوا ويَصْفَحُوا عَنِ اَلَّذِينَ لا يَتَوَقَّعُونَ وقائِعَهُ تَعالى بِأعْدائِهِ ونِقْمَتَهُ فِيهِمْ فالرَّجاءُ مَجازٌ عَنِ اَلتَّوَقُّعِ وكَذا اَلْأيّامُ مَجازٌ عَنِ اَلْوَقائِعِ مِن قَوْلِهِمْ: أيّامُ اَلْعَرَبِ لِوَقائِعِها وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ أوْ لا يَأْمُلُونَ اَلْأوْقاتِ اَلَّتِي وقَّتَها اَللَّهُ تَعالى لِثَوابِ اَلْمُؤْمِنِينَ ووَعَدَهُمُ اَلْفَوْزَ فِيها، والآيَةُ قِيلَ نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ اَلْقِتالِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِها.

وقالَ بَعْضُهُمْ: لا نَسْخَ لِأنَّ اَلْمُرادَ هَنا تَرْكُ اَلنِّزاعِ في اَلْمُحَقَّراتِ والتَّجاوُزُ عَنْ بَعْضِ ما يُؤْذِي ويُوحِشُ، وحَكى اَلنَّحّاسُ.

والمَهْدَوِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ شَتَمَهُ مُشْرِكٌ بِمَكَّةَ قَبْلَ اَلْهِجْرَةِ فَهَمَّ أنْ يَبْطِشَ بِهِ فَنَزَلَتْ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُقاتِلٍ وهَذا ظاهِرٌ في كَوْنِها مَكِّيَّةً كَأخَواتِها.

وإرادَةُ فَهَمَّ أنْ يَبْطِشَ بِهِ بَعْدَ اَلْهِجْرَةِ لِأنَّ اَلْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ قَبْلَها عاجِزُونَ مَقْهُورُونَ لا يُمْكِنُهُمُ اَلِانْتِصارُ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ والعاجِزُ لا يُؤْمَرُ بِالعَفْوِ والصَّفْحُ غَيْرُ ظاهِرٍ مُحْتاجٌ إلى نَقْلِ، ودَوامُ عَجْزِ كُلٍّ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ غَيْرُ مَعْلُومٍ بَلْ مَن وقَفَ عَلى أحْوالِ أبِي حَفْصٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يَتَوَقَّفُ في أنَّهُ قادِرٌ عَلى ما هَمَّ بِهِ لا يُبالِي بِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.

وهَذا أوْلى في اَلْجَوابِ مِن أنْ يُقالَ: إنَّ اَلْأمْرَ بِفِعْلِ ذَلِكَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اَللَّهِ تَعالى بِقَلْبِهِ لِيُثابَ عَلَيْهِ، نَعَمْ قِيلَ: إنَّ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابَهُ نَزَلُوا في غَزْوَةِ بَنِي اَلْمُصْطَلِقِ عَلى بِئْرٍ يُقالُ لَهُ اَلْمُرَيْسِيعُ فَأرْسَلَ اِبْنُ أُبَيٍّ غُلامَهُ لِيَسْتَقِيَ فَأبْطَأ عَلَيْهِ فَلَمّا أتاهُ قالَ لَهُ: ما حَبَسَكَ؟

قالَ: غُلامُ عَمَرَ قَعَدَ عَلى طَرَفِ اَلْبِئْرِ فَما تَرَكَ أحَدًا يَسْتَقِي حَتّى مَلَأ قِرْبَ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقِرْبَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ اِبْنُ أُبَيٍّ: ما مِثْلُنا ومِثْلُ هَؤُلاءِ إلّا كَما قِيلَ سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ فاشْتَمَلَ سَيْفَهُ يُرِيدُ اَلتَّوَجُّهَ إلَيْهِ فَأنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى اَلْآيَةَ وحَكاهُ اَلْإمامُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وكَذا ما رُوِيَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: إنَّ فِنْحاصًا اَلْيَهُودِيَّ قالَ: لِمّا أنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ اِحْتاجَ رَبُّ مُحَمَّدٍ فَسَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ فاشْتَمَلَ سَيْفَهُ وخَرَجَ فَبَعَثَ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في طَلَبِهِ حَتّى رَدَّهُ ونَزَلَتِ اَلْآيَةُ ﴿ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالمَغْفِرَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالقَوْلِ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِامْتِثالِهِمُ اَلْمُجازى عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالقَوْمِ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْغافِرُونَ والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، ولَفْظُ اَلْقَوْمِ في نَفْسِهِ اِسْمُ مَدْحٍ عَلى ما يُرْشِدُ إلَيْهِ اَلِاشْتِقاقُ والِاسْتِعْمالُ في نَحْوِ يا اِبْنَ اَلْقَوْمِ.

وفِي هَذا اَلتَّنْكِيرِ كَمالُ اَلتَّعْرِيفِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم لا يَخْفَوْنَ نُكِّرُوا أوْ عُرِّفُوا مَعَ اَلْعِلْمِ بِأنَّ اَلْمَجْزِيَّ لا يَكُونُ إلّا اَلْعامِلُ وهو اَلْغافِرُ هَهُنا أيْ أُمِرُوا بِذَلِكَ لِيَجْزِيَ اَللَّهُ تَعالى يَوْمَ اَلْقِيامَةِ قَوْمًا أيَّما قَوْمٍ وقَوْمًا مَخْصُوصِينَ بِما كَسَبُوا في اَلدُّنْيا مِنَ اَلْأعْمالِ اَلْحَسَنَةِ اَلَّتِي مِن جُمْلَتِها اَلصَّبْرُ عَلى أذِيَّةِ اَلْكُفّارِ والإغْضاءُ عَنْهم بِكَظْمِ اَلْغَيْظِ واحْتِمالِ اَلْمَكْرُوهِ.

ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ اَلْبَيانِ مِنَ اَلثَّوابِ اَلْعَظِيمِ، ومِنهم مَن خَصَّ ما كَسَبُوهُ بِالمَغْفِرَةِ والصَّبْرِ عَلى اَلْأذِيَّةِ، وما في اَلْوَجْهَيْنِ مَوْصُولَةٌ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْمُقابَلَةِ أوْ صِلَةُ يَجْزِي، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالقَوْمِ اَلْكَفَرَةُ وبِما كَسَبُوا سَيِّئاتُهُمُ اَلَّتِي مِن جُمْلَتِها إيذاؤُهُمُ اَلْمُؤْمِنِينَ والتَّنْكِيرُ لِلتَّحْقِيرِ: وتُعُقِّبَ بِأنَّ مُطْلَقَ اَلْجَزاءِ لا يَصْلُحُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالمَغْفِرَةِ لِتَحَقُّقِهِ عَلى تَقْدِيرَيِ اَلْمَغْفِرَةِ وعَدَمِها فَلا بُدَّ مِن تَخْصِيصِهِ بِالكُلِّ بِأنْ لا يَتَحَقَّقَ بَعْضٌ مِنهُ في اَلدُّنْيا أوْ بِما يَصْدُرُ عَنْهُ تَعالى بِالذّاتِ، وفي ذَلِكَ مِنَ اَلتَّكَلُّفِ ما لا يَخْفى، وأنْ يُرادَ كِلا اَلْفَرِيقَيْنِ والتَّنْكِيرُ لِلشُّيُوعِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ أكْثَرُ تَكَلُّفًا وأشَدُّ تَمَحُّلًا، واَلَّذِي يَشْهَدُ لِلْوَجْهِ اَلسّابِقِ ما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ اَلْمُسَيَّبِ قالَ: كُنّا بَيْنَ يَدَيْ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَرَأ قارِئٌ هَذِهِ اَلْآيَةَ فَقالَ: لِيَجْزِيَ عُمَرَ بِما صَنَعَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.

وأبُو عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ.

والأعْمَشُ.

وأبُو خُلَيْدٍ.

وابْنُ عامِرٍ.

وحَمْزَةُ.

والكِسائِيُّ (لِنَجْزِيَ) بِنُونِ اَلْعَظَمَةِ، وقُرِئَ (لِيُجْزى) بِالياءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ (قَوْمٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ نائِبُ اَلْفاعِلِ، وقَرَأ شَيْبَةُ.

وأبُو جَعْفَرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما نَصَبا (قَوْمًا) ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ، واحْتَجَّ بِهِ مَن يُجَوِّزُ نِيابَةَ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ عَنِ اَلْفاعِلِ مَعَ وُجُودِ اَلْمَفْعُولِ اَلصَّرِيحِ فَيَقُولُ: ضُرِبَ بِسَوْطٍ زَيْدًا فَبِما كَسَبُوا نائِبُ اَلْفاعِلِ هَهُنا ولا يُجِيزُ ذَلِكَ اَلْجُمْهُورُ، وخُرِّجَتْ هَذِهِ اَلْقِراءَةُ عَلى أنَّ اَلْقائِمَ مَقامَ اَلْفاعِلِ ضَمِيرُ اَلْمَصْدَرِ أيْ لِيُجْزى هو أيِ اَلْجَزاءُ، ورُدَّ بِأنَّهُ لا يُقامُ مَقامَهُ عِنْدَ وُجُودِ اَلْمَفْعُولِ بِهِ أيْضًا عَلى اَلصَّحِيحِ، وأجازَهُ اَلْكُوفِيُّونَ عَلى خِلافٍ في اَلْإطْلاقِ والِاسْتِحْسانِ أوْ عَلى أنَّهُ ضَمِيرُ اَلْمَفْعُولِ اَلثّانِي وهو اَلْجَزاءُ بِمَعْنى اَلْمُجْزِيِّ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ ﴾ وأُضْمِرَ لِدَلالَةِ اَلسِّياقِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولأبَوَيْهِ ﴾ والمَفْعُولُ اَلثّانِي في بابِ أعْطى يَقُومُ مَقامَ اَلْفاعِلِ بِلا خِلافٍ وهَذا مِن ذاكَ، وأبُو اَلْبَقاءِ اِعْتَبَرَ اَلْخَيْرَ بَدَلَ اَلْجَزاءِ اَلْمَذْكُورِ أوْ عَلى أنَّ (قَوْمًا) مَنصُوبٌ بِأعْنِي أوْ جَزى مُضْمَرًا لِدَلالَةِ اَلْمَجْهُولِ عَلى أنَّ ثَمَّ جازِيًا واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ و(لِيَجْزِيَ) حِينَئِذٍ مِن بابٍ يُعْطِي ويَمْنَعُ وحِيلَ بَيْنَ اَلْعِيرِ والنَّزَوانِ فَمَعْناهُ لِيَفْعَلَ اَلْجَزاءَ ويَكُونُ هُناكَ جُمْلَتانِ.

<div class="verse-tafsir"

مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ١٥

﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها ﴾ لا يَكادُ يَسْرِي عَمَلٌ إلى غَيْرِ عامِلِهِ ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ ﴾ مالِكِ أُمُورِكم ﴿ تُرْجَعُونَ ﴾ فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكم حَسْبَما تَقْتَضِيهِ اَلْحِكْمَةُ خَيْرًا عَلى اَلْخَيْرِ وشَرًّا عَلى اَلشَّرِّ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ اَلْجَزاءِ <div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٦

﴿ ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ ﴾ وهو اَلتَّوْراةُ عَلى أنَّ اَلتَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ لِلْجِنْسِ لِيَشْمَلَ اَلزَّبُورَ والإنْجِيلَ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُ اَلزَّبُورِ أدْعِيَةً ومُناجاةً والإنْجِيلُ أحْكامُهُ قَلِيلَةٌ جِدًّا ومُعْظَمُ أحْكامِ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ مِنَ اَلتَّوْراةِ لِأنَّ إيتاءَ اَلْكِتابِ مُطْلَقًا مِنَّةٌ ﴿ والحُكْمَ ﴾ اَلْقَضاءَ وفَصْلَ اَلْأُمُورِ بَيْنَ اَلنّاسِ لِأنَّ اَلْمُلْكَ كانَ فِيهِمْ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ، أوِ اَلْفِقْهَ في اَلدِّينِ ويُقالُ: لَمْ يَتَّسِعْ فِقْهُ اَلْأحْكامِ عَلى نَبِيٍّ ما اِتَّسَعَ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، أوِ اَلْحِكَمَ اَلنَّظَرِيَّةَ اَلْأصْلِيَّةَ والعَمَلِيَّةَ اَلْفَرْعِيَّةَ ﴿ والنُّبُوَّةَ ﴾ حَيْثُ كَثُرَ فِيهِمُ اَلْأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ ما لَمْ يَكْثُرْ في غَيْرِهِمْ ﴿ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ اَلْمُسْتَلَذّاتِ اَلْحَلالِ وبِذَلِكَ تَتِمُّ اَلنِّعْمَةُ وذَلِكَ كالمَنِّ والسَّلْوى ﴿ وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ ﴾ حَيْثُ آتَيْناهم ما لَمْ نُؤْتِ غَيْرَهم مِن فَلْقِ اَلْبَحْرِ وإظْلالِ اَلْغَمامِ ونَظائِرِهِما فالمُرادُ تَفْضِيلُهم عَلى اَلْعالَمِينَ مُطْلَقًا مِن بَعْضِ اَلْوُجُوهِ لا مِن كُلِّها ولا مِن جِهَةِ اَلْمَرْتَبَةِ والثَّوابِ فَلا يُنافِي ذَلِكَ تَفْضِيلَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ مِن وجْهٍ آخَرَ ومِن جِهَةِ اَلْمَرْتَبَةِ والثَّوابِ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِالعالَمِينَ عالَمُو زَمانِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

وَءَاتَيْنَـٰهُم بَيِّنَـٰتٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ ۖ فَمَا ٱخْتَلَفُوٓا۟ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ١٧

﴿ وآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ ﴾ دَلائِلَ ظاهِرَةً في أمْرِ اَلدِّينِ فَمِن بِمَعْنى في والبَيِّناتُ اَلدَّلائِلُ ويَنْدَرِجُ فِيها مُعْجِزاتُ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ وبَعْضُهم فَسَّرَها بِها، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ آياتٌ مِن أمْرِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَلاماتٌ مُبَيِّنَةٌ لِصِدْقِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ كَكَوْنِهِ يُهاجِرُ مِن مَكَّةَ إلى يَثْرِبَ ويَكُونُ أنْصارَهُ أهْلُها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذُكِرَ في كُتُبِهِمْ ﴿ فَما اخْتَلَفُوا ﴾ في ذَلِكَ اَلْأمْرِ ﴿ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ بِحَقِيقَةِ اَلْحالِ فَجَعَلُوا ما يُوجِبُ زَوالَ اَلْخِلافِ مُوجِبًا لِرُسُوخِهِ ﴿ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ عَداوَةً وحَسَدًا لا شَكًّا فِيهِ ﴿ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ بِالمُؤاخَذَةِ والجَزاءِ ﴿ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ مِن أمْرِ اَلدِّينِ <div class="verse-tafsir"

ثُمَّ جَعَلْنَـٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ١٨

﴿ ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ ﴾ أيْ سُنَّةٍ وطَرِيقَةٍ مِن شَرَعَهُ إذا سَنَّهُ لِيُسْلَكَ، وفي اَلْبَحْرِ اَلشَّرِيعَةُ في كَلامِ اَلْعَرَبِ اَلْمَوْضِعُ اَلَّذِي يَرِدُ مِنهُ اَلنّاسُ في اَلْأنْهارِ ونَحْوِها فَشَرِيعَةُ اَلدِّينِ مِن ذَلِكَ مِن حَيْثُ يَرِدُ اَلنّاسُ مِنها أمْرَ اَللَّهِ تَعالى ورَحِمَتَهُ والقُرْبَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ اَلرّاغِبُ: اَلشَّرْعُ مَصْدَرٌ ثُمَّ جُعِلَ اِسْمًا لِلطَّرِيقِ اَلنَّهْجِ فَقِيلَ لَهُ شَرْعٌ وشِرْعَةٌ وشَرِيعَةٌ واسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِلطَّرِيقَةِ اَلْإلَهِيَّةِ مِنَ اَلدِّينِ ثُمَّ قالَ: قالَ بَعْضُهم سُمِّيَتِ اَلشَّرِيعَةُ شَرِيعَةً تَشْبِيهًا بِشَرِيعَةِ اَلْماءِ مِن حَيْثُ إنَّ مَن شَرَعَ فِيها عَلى اَلْحَقِيقَةِ والصِّدْقِ رُوِيَ وتَطَهَّرَ، وأعْنِي بِالرِّيِّ ما قالَ بَعْضُ اَلْحُكَماءِ: كُنْتُ أشْرَبُ فَلا أُرْوى فَلَمّا عَرَفْتُ اَللَّهَ تَعالى رُوِيتُ بِلا شُرْبٍ، وبِالتَّطَهُّرِ ما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا ﴾ والظّاهِرُ هُنا اَلْمَعْنى اَللُّغَوِيُّ، والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ شَرِيعَةٍ عَظِيمَةِ اَلشَّأْنِ ﴿ مِنَ الأمْرِ ﴾ أيْ أمْرِ اَلدِّينِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ مَصْدَرَ أمْرٍ، والمُرادُ مِنَ اَلْأمْرِ والنَّهْيِ وهو كَما تَرى ﴿ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ آراءَ اَلْجُهّالِ اَلتّابِعَةَ لِلشَّهَواتِ، والمُرادُ بِهِمْ ما يَعُمُّ كُلَّ ضالٍّ، وقِيلَ: هم جُهّالُ قُرَيْظَةَ.

والنَّضِيرِ، وقِيلَ: رُؤَساءُ قُرَيْشٍ كانُوا يَقُولُونَ لَهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: اِرْجِعْ إلى دِينِ آبائِكَ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا۟ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۚ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۖ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُتَّقِينَ ١٩

﴿ إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ مِنَ اَلْأشْياءِ أوْ شَيْئًا مِنَ اَلْإغْناءِ أنِ اِتَّبَعَتْهم والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِعِلَّةِ اَلنَّهْيِ ﴿ وإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ ﴾ لا يُوالِيهِمْ ولا يَتَّبِعُ أهْواءَهم إلّا مَن كانَ ظالِمًا مِثْلَهم.

﴿ واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ ﴾ اَلَّذِينَ أنْتَ قُدْوَتُهم فَدُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن تُوَلِّيهِ سُبْحانَهُ خاصَّةً والإعْراضِ عَمّا سِواهُ عَزَّ وجَلَّ بِالكُلِّيَّةِ <div class="verse-tafsir"

هَـٰذَا بَصَـٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ ٢٠

﴿ هَذا ﴾ أيِ اَلْقُرْآنُ ﴿ بَصائِرُ لِلنّاسِ ﴾ فَإنَّ ما فِيهِ مِن مَعالِمِ اَلدِّينِ وشَعائِرِ اَلشَّرائِعِ بِمَنزِلَةِ اَلْبَصائِرِ في اَلْقُلُوبِ، وقِيلَ: اَلْإشارَةُ إلى اِتِّباعِ اَلشَّرِيعَةِ والكَلامُ مِن بابِ اَلتَّشْبِيهِ اَلْبَلِيغِ، وجَمْعُ اَلْخَبَرِ عَلى اَلْوَجْهَيْنِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ ما تَضَمَّنَهُ اَلْمُبْتَدَأُ واتِّباعُ مَصْدَرٍ مُضافٍ فَيَعُمُّ ويُخْبِرُ عَنْهُ بِمُتَعَدِّدٍ أيْضًا، وقُرِئَ (هَذِهِ) أيِ اَلْآياتُ ﴿ وهُدًى ﴾ جَلِيلٌ مِن ورْطَةِ اَلضَّلالَةِ ﴿ ورَحْمَةٌ ﴾ عَظِيمَةٌ ﴿ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ مِن شَأْنِهِمُ اَلْإيقانُ بِالأُمُورِ <div class="verse-tafsir"

أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَآءًۭ مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ٢١

﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ ﴾ إلى آخِرِهِ اِسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حالِ اَلْمُسِيئِينَ والمُحْسِنِينَ إثْرَ بَيانِ حالِ اَلظّالِمِينَ والمُتَّقِينَ،و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ مِنَ اَلْبَيانِ اَلْأوَّلِ إلى اَلثّانِي، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ اَلْحُسْبانِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَلِيقُ ولا يَنْبَغِي لِظُهُورِ خِلافِهِ، والِاجْتِراحِ اَلِاكْتِسابُ ومِنهُ اَلْجارِحَةُ لِلْأعْضاءِ اَلَّتِي يُكْتَسَبُ بِها كالأيْدِي، وجاءَ: هو جارِحَةُ أهْلِهِ أيْ كاسِبُهُمْ، وقالَ اَلرّاغِبُ: اَلِاجْتِراحُ اِكْتِسابُ اَلْإثْمِ وأصْلُهُ مِنَ اَلْجِراحَةِ كَما أنَّ اَلِاقْتِرافَ مِن قَرَفِ اَلْقُرْحَةِ، والظّاهِرُ تَفْسِيرُهُ هَهُنا بِالِاكْتِسابِ لِمَكانِ (اَلسَّيِّئاتِ) والمُرادُ بِها عَلى ما في اَلْبَحْرِ سَيِّئاتُ اَلْكُفْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ نَجْعَلَهُمْ ﴾ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيِ اَلْحُسْبانِ، والجَعْلُ بِمَعْنى اَلتَّصْيِيرِ وهم مَفْعُولُهُ اَلْأوَّلُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ مَفْعُولُهُ اَلثّانِي، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ سَواءً ﴾ بَدَلٌ مِنَ اَلْكافِ بِناءً عَلى أنَّها اِسْمٌ بِمَعْنى مِثْلَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَحْياهم ومَماتُهُمْ ﴾ فاعِلُ سَواءٍ أُجْرِيَ مَجْرى مُسْتَوٍ كَما قالُوا: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ سَواءٍ هو والعَدَمُ، وضَمِيرُ اَلْجَمْعِ لِلْمُجْتَرِحِينَ، والمَعْنى عَلى إنْكارِ حُسْبانِ جَعْلِ مَحْيا اَلْمُجْتَرِحِينَ ومَماتِهِمْ مُسْتَوِيَيْنِ مِثْلُهُما لِلْمُؤْمِنِينَ، ومَصَبُّ اَلْإنْكارِ اِسْتِواءُ ذَلِكَ فَإنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ تَتَوافَقُ حالاهم لِأنَّهم مَرْحُومُونَ في اَلْمَحْيا والمَماتِ وأُولَئِكَ تَتَضادُّ حالاهم فَإنَّهم مَرْحُومُونَ حَياةً لا مَوْتًا؛ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (سَواءً) حالًا مِنَ اَلضَّمِيرِ في اَلْكافِ بِناءً عَلى ما سَمِعْتَ مِن مَعْناها.

وتُعُقِّبَ بِأنَّها اِسْمٌ جامِدٌ عَلى صُورَةِ اَلْحَرْفِ فَلا يَصِحُّ اِسْتِتارُ اَلضَّمِيرِ فِيها وقَدْ صَرَّحَ اَلْفارِسِيُّ بِمَنعِ ذَلِكَ، نَعَمْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كالَّذِينَ) جارًّا ومَجْرُورًا في مَوْضِعِ اَلْمَفْعُولِ اَلثّانِي و(سَواءً) حالًا مِنَ اَلضَّمِيرِ اَلْمُسْتَتِرِ فِيهِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أيْضًا كَوْنُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ نَجْعَلَهم وكَذا يَجُوزُ كَوْنُهُ اَلْمَفْعُولَ اَلثّانِيَ، وكَوْنُ اَلْكافِ أوِ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ حالًا مِن هَذا اَلضَّمِيرِ، وما ذُكِرَ أوَّلًا أظْهَرُ وأوْلى، وجُوِّزَ كَوْنُ ضَمِيرِ اَلْجَمْعِ في ﴿ مَحْياهم ومَماتُهُمْ ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ فَسَواءً حالٌ مِنَ اَلْمَوْصُولِ اَلثّانِي ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ اَلضَّمِيرِ في (كالَّذِينَ) لِفَسادِ اَلْمَعْنى وكَوْنِ اَلضَّمِيرِ لِلْفَرِيقَيْنِ فَسَواءً حالٌ مِن مَجْمُوعِ اَلْمَوْصُولِ اَلثّانِي وضَمِيرِ اَلْأوَّلِ، والمَعْنى عَلى إنْكارِ حُسْبانِ أنْ يَسْتَوِيَ اَلْفَرِيقانِ بَعْدَ اَلْمَماتِ في اَلْكَرامَةِ أوْ تَرْكِ اَلْمُؤاخَذَةِ كَما اِسْتَوَيا ظاهِرًا في اَلرِّزْقِ والصِّحَّةِ في اَلْحَياةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلْمَعْنى عَلى إنْكارِ حُسْبانِ جَعْلِ اَلْحَياتَيْنِ مُسْتَوِيَتَيْنِ لِأنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلى اَلطّاعَةِ وأُولَئِكَ عَلى اَلْمَعاصِي وكَذَلِكَ اَلْمَوْتانِ لِأنَّهم مُلَقَّوْنَ بِالبُشْرى والرِّضْوانِ وأُولَئِكَ بِالسُّوءِ والخِذْلانِ، وقِيلَ بِهِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ اَلضَّمِيرِ لِلْمُجْتَرِحِينَ أيْضًا.

ولِمَ يُجَوِّزِ اَلْمُدَقِّقُ اَلْإبْدالَ مِنَ اَلْكافِ عَلى تَقْدِيرِ اِشْتِراكِ اَلضَّمِيرِ إذِ اَلْمِثْلُ هو اَلْمُشَبَّهُ و ﴿ سَواءً ﴾ جارٍ عَلى اَلْمُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ اَلْقُرّاءِ (سَواءٌ مَحْياهم ومَماتُهُمْ) بِرَفْعِ سَواءٌ وما بَعْدَهُ عَلى أنَّ سَواءٌ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وما بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ لا اَلْعَكْسُ لِأنَّ سَواءٌ نَكِرَةٌ ولا مُسَوِّغَ لِلِابْتِداءِ بِها والضَّمِيرُ لِلْمُجْتَرِحِينَ، والجُمْلَةُ قِيلَ: بَدَلٌ مِنَ اَلْمَفْعُولِ اَلثّانِي لِنَجْعَلَ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ أوْ بَدَلَ اِشْتِمالٍ أوْ بَدَلَ بَعْضٍ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ إبْدالُ اَلْجُمْلَةِ مِنَ اَلْمُفْرَدِ وقَدْ أجازَهُ أبُو اَلْفَتْحِ واخْتارَهُ اِبْنُ مالِكٍ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ شَواهِدَ، قالَ أبُو حَيّانَ: لا يَتَعَيَّنُ فِيها اَلْبَدَلُ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ اَلْأشْبِيلِيُّ اَلْمَعْرُوفُ بِابْنِ اَلْعِلْجِ في كِتابِهِ اَلْبَسِيطِ في اَلنَّحْوِ: لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مَعْمُولَةً لِلْأوَّلِ في مَوْضِعِ اَلْبَدَلِ فَإنْ كانَتْ غَيْرَ مَعْمُولَةٍ فَهَلْ تَكُونُ جُمْلَةً بَدَلًا مِن جُمْلَةٍ لا يَبْعُدُ عِنْدِي جَوازُ ذَلِكَ كالعَطْفِ والتَّأْكِيدِ اَللَّفْظِيِّ.

وظاهِرُهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ اَلْإبْدالُ هَهُنا، وفي اَلْبَحْرِ يَظْهَرُ لِي أنَّهُ لا يَجُوزُ إبْدالُ هَذِهِ اَلْجُمْلَةِ مِن ذَلِكَ اَلْمَفْعُولِ لِأنَّ اَلْجَعْلَ بِمَعْنى اَلتَّصْيِيرِ ولا يَجُوزُ صَيَّرْتُ زَيْدًا أبَوْهُ قائِمٌ ولا صَيَّرْتُ زَيْدًا غُلامُهُ مُنْطَلِقٌ لِأنَّ في ذَلِكَ اِنْتِقالًا مِن ذاتٍ إلى ذاتٍ أوْ مِن وصْفٍ في اَلذّاتِ إلى وصْفٍ آخَرَ فِيها ولَيْسَ في تِلْكَ اَلْجُمْلَةِ اَلْمُقَدَّرَةِ مَفْعُولًا ثانِيًا اِنْتِقالٌ مِمّا ذَكَرْنا وفِيهِ بَحْثٌ لا يَخْفى، واَلزَّمَخْشَرِيُّ قَدْ نَصَّ عَلى جَعْلِ اَلْجُمْلَةِ بَدَلًا مِنَ اَلْكافِ وهو إمامٌ في اَلْعَرَبِيَّةِ، لَكِنْ أفادَ صاحِبُ اَلْكَشْفِ أنَّهُ أرادَ أنَّهُ بَدَلٌ مِن حَيْثُ اَلْمَعْنى لا أنَّهُ بَدَلٌ مِن ذاكَ لَفْظًا قالَ: لِأنَّهُ مُفْرَدٌ دالٌّ عَلى اَلذّاتِ بِاعْتِبارِ اَلْمَعْنى وهَذا دالٌّ عَلى اَلْمَعْنى وإنْ كانَ اَلذّاتُ يَلْزَمُ مِن طَرِيقِ اَلضَّرُورَةِ إلّا أنْ يُقَدَّرَ لَهُ مَوْصُوفٌ مَحْذُوفٌ بِأنْ يُقْدَّرَ رِجالًا سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم مَثَلًا، والمَعْنى عَلى اَلْبَدَلِيَّةِ كَما سَمِعْتَ في قِراءَةِ اَلنَّصْبِ، وجُوِّزَ كَوْنُ اَلْجُمْلَةِ مَفْعُولًا ثانِيًا و ﴿ كالَّذِينَ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ نَجْعَلَهُمْ ﴾ ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما عَلَيْهِ وما لَهُ، وإذا كانَ اَلضَّمِيرُ لِلْمُؤْمِنِينَ فالجُمْلَةُ قِيلَ: حالٌ مِنَ اَلْمَوْصُولِ اَلثّانِي لا مِنَ اَلضَّمِيرِ في اَلْمَفْعُولِ اَلثّانِي لِلْفَسادِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ اِكْتِفاءَ اَلِاسْمِيَّةِ اَلْحالِيَّةِ بِالضَّمِيرِ وهو غَيْرُ فَصِيحٍ عَلى ما قِيلَ: وقِيلَ: اِسْتِئْنافٌ يُبَيِّنُ اَلْمُقْتَضِي لِلْإنْكارِ عَلى حُسْبانِ اَلتَّماثُلِ وهو أنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ سَواءٌ حالُهم عِنْدَ اَللَّهِ تَعالى في اَلدّارَيْنِ بَهْجَةً وكَرامَةً فَكَيْفَ يُماثِلُهُمُ اَلْمُجْتَرِحُونَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِوَجْهِ اَلشَّبَهِ اَلْمُجْمَلِ، وإذا كانَ اَلضَّمِيرُ لِلْفَرِيقَيْنِ فالظّاهِرُ أنَّ اَلْجُمْلَةَ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ داخِلٍ في حُكْمِ اَلْإنْكارِ والتَّساوِي حِينَئِذٍ بَيْنَ حالِ اَلْمُؤْمِنِينَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ خاصَّةً وحالِ اَلْمُجْتَرِحِينَ كَذَلِكَ وتَكُونُ اَلْجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِلْإنْكارِ في اَلْمَعْنى دالًّا عَلى عَدَمِ اَلْمُماثَلَةِ لا في اَلدُّنْيا ولا في اَلْآخِرَةِ لِأنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ مُتَساوُو اَلْمَحْيا والمَماتِ في اَلرَّحْمَةِ وأُولَئِكَ مُتَساوُو اَلْمَحْيا والمَماتِ في اَلنِّقْمَةِ إذِ اَلْمَعْنى كَما يَعِيشُونَ يَمُوتُونَ فَلَمّا اِفْتَرَقَ حالُ هَؤُلاءِ وحالُ هَؤُلاءِ حَياةً فَكَذَلِكَ مَوْتًا، وأمّا اَلْإبْدالُ فَقَدْ عُلِمَ حالُهُ فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ اَلْأعْمَشُ (سَواءً) بِالنَّصْبِ (مَحْياهم ومَماتَهُمْ) بِهِ أيْضًا، وخُرِّجَ اَلْأوَّلُ عَلى ما سَمِعْتَ ونَصْبُ مَحْياهم ومَماتَهم عَلى اَلظَّرْفِيَّةِ لِأنَّهُما اِسْما زَمانٍ أوْ مَصْدَرانِ أُقِيما مَقامَ اَلزَّمانِ والعامِلُ إمّا ﴿ سَواءً ﴾ أوْ ﴿ نَجْعَلَهُمْ)، ﴾ هَذا والآيَةُ وإنْ كانَتْ في اَلْكُفّارِ عَلى ما نُقِلَ عَنِ اَلْبَحْرِ وهو ظاهِرُ ما رُوِيَ عَنِ اَلْكَلْبِيِّ مِن أنَّ عُتْبَةَ.

وشَيْبَةَ.

والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ قالُوا لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.

وحَمْزَةَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

والمُؤْمِنِينَ: واَللَّهِ ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ ولَئِنْ كانَ ما تَقُولُونَ حَقًّا لَحالُنا أفْضَلُ مِن حالِكم في اَلْآخِرَةِ كَما هو أفْضَلُ في اَلدُّنْيا فَنَزَلَتِ اَلْآيَةُ ﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ ﴾ إلَخْ.

وهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ عَلى جَمِيعِ أوْجُهِها كَما يُعْرَفُ بِأدْنى تَدَبُّرٍ يُسْتَنْبَطُ مِنها تَبايُنُ حالَيِ اَلْمُؤْمِنِ اَلْعاصِي والمُؤْمِنِ اَلطّائِعِ ولِهَذا كانَ كَثِيرٌ مِنَ اَلْعُبّادِ يَبْكُونَ عِنْدَ تِلاوَتِها حَتّى أنَّها تُسَمّى مَبْكاةَ اَلْعابِدِينَ لِذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ اَلزُّهْدِ والطَّبَرانِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي اَلضُّحى قالَ: قَرَأ تَمِيمٌ اَلدّارِيُّ سُورَةَ اَلْجاثِيَةِ فَلَمّا أتى عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ ﴾ اَلْآيَةَ لَمْ يَزَلْ يُكَرِّرُها ويَبْكِي حَتّى أصْبَحَ وهو عِنْدَ اَلْمَقامِ.

وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ بَشِيرٍ مَوْلى اَلرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ أنَّ اَلرَّبِيعَ كانَ يُصَلِّي فَمَرَّ بِهَذِهِ اَلْآيَةِ ﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ ﴾ إلَخْ فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُها حَتّى أصْبَحَ، وكانَ اَلْفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ يَقُولُ لِنَفْسِهِ إذا قَرَأها: لَيْتَ شِعْرِي مِن أيِّ اَلْفَرِيقَيْنِ أنْتَ.

وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ لَفْظَها يُعْطِي أنَّ اِجْتِراحَ اَلسَّيِّئاتِ هو اِجْتِراحُ اَلْكُفْرِ لِمُعادَلَتِهِ بِالإيمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اَلْمُعادَلَةُ بِالِاجْتِراحِ وعَمَلِ اَلصّالِحاتِ ويَكُونُ اَلْإيمانُ في اَلْفَرِيقَيْنِ ولِهَذا بَكى اَلْخائِفُونَ عِنْدَ تِلاوَتِها.

ورَأيْتُ كَثِيرًا مِنَ اَلْمَغْرُورِينَ اَلْمُسْتَغْرِقِينَ لَيْلَهم ونَهارَهم بِالفِسْقِ والفُجُورِ يَقُولُونَ بِلِسانِ اَلْقالِ والحالِ: نَحْنُ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ أفْضَلُ حالًا مِن كَثِيرٍ مِنَ اَلْعابِدِينَ وهَذا مِنهم والعِياذُ بِاَللَّهِ تَعالى ضَلالٌ بَعِيدٌ وغُرُورٌ ما عَلَيْهِ مَزِيدٌ ﴿ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ أيْ ساءَ حُكْمُهم هَذا وهو اَلْحُكْمُ بِالتَّساوِي فَما مَصْدَرِيَّةٌ والكَلامُ إخْبارٌ عَنْ قُبْحِ حُكْمِهِمُ اَلْمَعْهُودِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِإنْشاءِ ذَمِّهِمْ عَلى أنَّ (ساءَ) بِمَعْنى بِئْسَ فَما فِيهِ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وقَعَتْ تَمْيِيزًا مُفَسِّرًا لِضَمِيرِ اَلْفاعِلِ اَلْمُبْهَمِ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ بِئْسَ شَيْئًا حَكَمُوا بِهِ ذَلِكَ <div class="verse-tafsir"

وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ٢٢

﴿ وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ﴾ كَأنَّهُ دَلِيلٌ عَلى إنْكارِ حُسْبانِهِمُ اَلسّابِقِ أوْ دَلِيلٌ عَلى تَساوِي مَحْيا كُلِّ فَرِيقٍ ومَماتِهِ وبَيانٌ لِحِكْمَتِهِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ ﴾ اِسْتِئْنافًا وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ خَلْقَ اَلْعالَمِ بِالحَقِّ اَلْمُقْتَضِي لِلْعَدْلِ يَسْتَدْعِي اِنْتِصافَ اَلْمَظْلُومِ مِنَ اَلظّالِمِ والتَّفاوُتَ بَيْنَ اَلْمُسِيءِ والمُحْسِنِ وإذا لَمْ يَكُنْ في اَلْمَحْيا كانَ بَعْدَ اَلْمَماتِ حَتْمًا ﴿ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ بِالحَقِّ ﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى اَلْعِلَّةِ سَواءٌ كانَتِ اَلْباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ اَلْغائِيَّةِ أوِ اَلْمُلابَسَةِ، أمّا عَلى اَلْأوَّلِ فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى اَلثّانِي فَلِأنَّ اَلْمَعْنى خَلَقَها مُلْتَبِسَةً ومَقْرُونَةً بِالحِكْمَةِ والصَّوابِ دُونَ اَلْعَبَثِ والباطِلِ وحاصِلُهُ خَلَقَها لِأجْلِ ذَلِكَ أوْ عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ مِثْلَ لِيَدُلَّ سُبْحانَهُ بِها عَلى قُدْرَتِهِ أوْ لِيَعْدِلَ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ لِيَجْزِيَ كُلَّ نَفْسٍ بِاَلَّذِي كَسَبَتْهُ أوْ بِكَسْبِها ﴿ وهُمْ ﴾ أيِ اَلنُّفُوسُ اَلْمَدْلُولُ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ ﴿ لا يُظْلَمُونَ ﴾ بِنَقْصِ ثَوابٍ وتَضْعِيفِ عَذابٍ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ اَلْحالِ، وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ ظُلْمًا مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ مِنهُ سُبْحانَهُ تَصَرُّفٌ في مُلْكِهِ والظُّلْمُ صَرْفٌ في مُلْكِ اَلْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِأنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ كانَ ظُلْمًا فالكَلامُ عَلى اَلِاسْتِعارَةِ اَلتَّمْثِيلِيَّةِ أوْ أنَّهُ لَمّا كانَ مُخالِفًا لِوَعْدِهِ سُبْحانَهُ اَلْحَقِّ سَمّاهُ تَعالى ظُلْمًا.

<div class="verse-tafsir"

أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍۢ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةًۭ فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٣

﴿ أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ ﴾ تَعْجِيبٌ مِن حالِ مَن تَرَكَ مُتابَعَةَ اَلْهُدى إلى مُطاوَعَةِ اَلْهَوى فَكَأنَّهُ يَعْبُدُهُ فالكَلامُ عَلى اَلتَّشْبِيهِ اَلْبَلِيغِ أوِ اَلِاسْتِعارَةِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ اَلْهَمْزَةُ أيْ أنَظَرْتَ مَن هَذِهِ حالُهُ فَرَأيْتَهُ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُقْضى مِنهُ اَلْعَجَبُ، وأبُو حَيّانَ جَعَلَ أرَأيْتَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي وقالَ: اَلْمَفْعُولُ اَلْأوَّلُ مَنِ ﴿ اتَّخَذَ ﴾ والثّانِي مَحْذُوفٌ يُقَدَّرُ بَعْدَ اَلصِّلاتِ أيْ أيَهْتَدِي بِدَلِيلِ ﴿ فَمَن يَهْدِيهِ ﴾ والآيَةُ نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ في اَلْحارِثِ بْنِ قَيْسٍ اَلسَّهْمِيِّ كانَ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا رَكِبَهُ، وحُكْمُها عامٌّ وفِيها مِن ذَمِّ اِتِّباعِ هَوى اَلنَّفْسِ ما فِيها، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ ما ذَكَرَ اَللَّهُ تَعالى هَوًى إلّا ذَمَّهُ.

وقالَ وهْبٌ: إذا شَكَكْتَ في خَيْرِ أمْرَيْنِ فانْظُرْ أبْعَدَهُما مِن هَواكَ فَأْتِهِ، وقالَ سَهْلٌ اَلتَّسْتُرِيُّ: هَواكَ داؤُكَ فَإنْ خالَفْتَهُ فَدَواؤُكَ، وفي اَلْحَدِيثِ «(اَلْعاجِزُ مَنِ أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اَللَّهِ تَعالى)» .

وقالَ أبُو عِمْرانَ مُوسى بْنُ عِمْرانَ اَلْأشْبِيلِيُّ اَلزّاهِدُ: فَخالِفْ هَواها واعْصِها إنَّ مَن يُطِعْ هَوى نَفْسِهِ يَنْزِعْ بِهِ شَرَّ مَنزَعِ ومِن يُطِعِ اَلنَّفْسَ اَللَّجُوجَةَ تَرْدِهِ ∗∗∗ وتَرْمِ بِهِ في مَصْرَعٍ أيِّ مَصْرَعِ وقَدْ ذَمَّ ذَلِكَ جاهِلِيَّةٌ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: إنِّي اِمْرُؤٌ سَمْحُ اَلْخَلِيقَةِ ماجِدٌ ∗∗∗ لا أتْبَعُ اَلنَّفْسَ اَللَّجُوجَ هَواها ولَعَلَّ اَلْأمْرَ غَنِيٌّ عَنْ تَكْثِيرِ اَلنَّقْلِ.

وقَرَأ اَلْأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ (إلَهَةً) بِتاءِ اَلتَّأْنِيثِ بَدَلَ هاءِ اَلضَّمِيرِ، وعَنِ اَلْأعْرَجِ أنَّهُ قَرَأ (آلِهَةً) بِصِيغَةِ اَلْجَمْعِ.

قالَ اِبْنُ خالَوَيْهِ: كانَ أحَدُهم يَسْتَحْسِنُ حَجَرًا فَيَعْبُدُهُ فَإذا رَأى أحْسَنَ مِنهُ رَفَضَهُ مائِلًا إلَيْهِ، فالظّاهِرُ أنَّ آلِهَةً بِمَعْناها مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ أوْ تَشْبِيهٍ والهَوى بِمَعْنى اَلْمَهْوِيِّ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: هَوايَ مَعَ اَلرَّكْبِ اَلْيَمانِينِ مِصْعَدُ ﴿ وأضَلَّهُ اللَّهُ ﴾ أيْ خَلَقَهُ ضالًّا أوْ خَلَقَ فِيهِ اَلضَّلالَ أوْ خَذَلَهُ وصَرَفَهُ عَنِ اَللُّطْفِ عَلى ما قِيلَ ﴿ عَلى عِلْمٍ ﴾ حالٌ مِنَ اَلْفاعِلِ أيْ أضَلَّهُ اَللَّهُ تَعالى عالِمًا سُبْحانَهُ بِأنَّهُ أهْلٌ لِذَلِكَ لِفَسادِ جَوْهَرِ رُوحِهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ اَلْمَفْعُولِ أيْ أضِلَّهُ عالِمًا بِطَرِيقِ اَلْهُدى فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما اخْتَلَفُوا إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ ﴿ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ ﴾ بِحَيْثُ لا يَتَأثَّرُ بِالمَواعِظِ ولا يَتَفَكَّرُ في اَلْآياتِ.

﴿ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً ﴾ مانِعَةً عَنِ اَلِاسْتِبْصارِ والِاعْتِبارِ والكَلامُ عَلى اَلتَّمْثِيلِ، وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ.

والأعْمَشُ (غَشاوَةً) بِفَتْحِ اَلْغَيْنِ وهي لُغَةُ رَبِيعَةَ، والحَسَنُ.

وعِكْرِمَةُ.

وعَبْدُ اَللَّهِ أيْضًا بِضَمِّها وهي لُغَةٌ عُكَّلِيَّةٌ، وأبُو حَنِيفَةَ.

وحَمْزَةُ.

والكِسائِيُّ.

وطَلْحَةُ.

ومَسْعُودُ بْنُ صالِحٍ.

والأعْمَشُ أيْضًا (غَشْوَةً) بِفَتْحِ اَلْغَيْنِ وسُكُونِ اَلشِّينِ، وابْنُ مُصَرِّفٍ.

والأعْمَشُ أيْضًا كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما كَسَرا اَلْغَيْنَ ﴿ فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ﴾ أيْ مَن بَعْدَ إضْلالِهِ تَعالى إيّاهُ، وقِيلَ: اَلْمَعْنى فَمَن يَهْدِيهِ غَيْرُ اَللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ ألا تُلاحِظُونَ فَلا تَذَكَّرُونَ، وقَرَأ اَلْجَحْدَرِيُّ (تَذْكُرُونَ) بِالتَّخْفِيفِ، والأعْمَشُ (تَتَذَكَّرُونَ) بِتاءَيْنِ عَلى اَلْأصْلِ <div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ٢٤

﴿ وقالُوا ﴾ بَيانٌ لِإحْكامِ إضْلالِهِمْ والخَتْمِ عَلى سَمْعِهِمْ وقُلُوبِهِمْ وجَعْلِ غِشاوَةٍ عَلى أبْصارِهِمْ فالضَّمِيرُ لِمَن بِاعْتِبارِ مَعْناهُ أوْ لِلْكَفَرَةِ ﴿ ما هِيَ ﴾ أيْ ما اَلْحَياةُ ﴿ إلا حَياتُنا الدُّنْيا ﴾ اَلَّتِي نَحْنُ فِيها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلضَّمِيرُ لِلْحالِ والحَياةُ اَلدُّنْيا مِن جُمْلَةِ اَلْأحْوالِ فَيَكُونُ اَلْمُسْتَثْنى مِن جِنْسِ اَلْمُسْتَثْنى مِنهُ أيْضًا لِاسْتِثْناءِ حالِ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا مِن أعَمِّ اَلْأحْوالِ ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ حالٍ مُضافًا بَعْدَ أداةِ اَلِاسْتِثْناءِ أيْ ما اَلْحالُ إلّا حالُ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا ﴿ نَمُوتُ ونَحْيا ﴾ حُكْمٌ عَلى اَلنَّوْعِ بِجُمْلَتِهِ مِن غَيْرِ اِعْتِبارِ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ إلّا أنَّ تَأْخِيرَ نَحْيى في اَلنَّظْمِ اَلْجَلِيلِ لِلْفاصِلَةِ أيْ تَمُوتُ طائِفَةٌ وتَحْيا طائِفَةٌ ولا حَشْرَ أصْلًا، وقِيلَ: في اَلْكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ نَحْيا ونَمُوتُ ولَيْسَ بِذاكَ، وقِيلَ: أرادُوا بِالمَوْتِ عَدَمَ اَلْحَياةِ اَلسّابِقِ عَلى نَفْخِ اَلرُّوحِ فِيهِمْ أيْ نَكُونُ نُطَفًا وما قَبْلَها وما بَعْدَها ونَحْيا بَعْدَ ذَلِكَ، وقِيلَ: أرادُوا بِالحَياةِ بَقاءَ اَلنَّسْلِ والذُّرِّيَّةِ مَجازًا كَأنَّهم قالُوا: نَمُوتُ بِأنْفُسِنا ونَحْيا بِبَقاءِ أوْلادِنا وذَرّارِيِّنا، وقِيلَ: أرادُوا يَمُوتُ بَعْضُنا ويَحْيا بَعْضٌ عَلى أنَّ اَلتَّجَوُّزَ في اَلْإسْنادِ، وجُوِّزَ أنْ يُرِيدُوا بِالحَياةِ عَلى سَبِيلِ اَلْمَجازِ إعادَةَ اَلرُّوحِ لِبَدَنٍ آخَرَ بِطَرِيقِ اَلتَّناسُخِ وهو اِعْتِقادُ كَثِيرٍ مِن عَبَدَةِ اَلْأصْنامِ ولا يَخْفى بُعْدَ ذَلِكَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما (ونُحْيا) بِضَمِّ اَلنُّونِ ﴿ وما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ ﴾ أيْ طُولُ اَلزَّمانِ فالدَّهْرُ أخَصُّ مِنَ اَلزَّمانِ وهو اَلَّذِي اِرْتَضاهُ اَلسَّعْدُ، ولَهم في ذَلِكَ كَلامٌ طَوِيلٌ، وقالَ اَلرّاغِبُ: اَلدَّهْرُ في اَلْأصْلِ اِسْمٌ لِمُدَّةِ اَلْعالَمِ مِن مَبْدَأِ وُجُودِهِ إلى اِنْقِضائِهِ ثُمَّ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ كُلِّ مُدَّةٍ كَثِيرَةٍ، وهو خِلافُ اَلزَّمانِ فَإنَّهُ يَقَعُ عَلى اَلْمُدَّةِ اَلْقَلِيلَةِ والكَثِيرَةِ، ودَهْرُ فُلانٍ مُدَّةُ حَياتِهِ، ويُقالُ: دَهَرَ فُلانًا نائِبَةٌ دَهْرًا أيْ نَزَلَتْ بِهِ حَكاهُ اَلْخَلِيلُ فالدَّهْرُ هَهُنا مَصْدَرٌ.

وذَكَرَ بَعْضُ اَلْأجِلَّةِ أنَّ اَلدَّهْرَ بِالمَعْنى اَلسّابِقِ مَنقُولٌ مِنَ اَلْمَصْدَرِ وأنَّهُ يُقالُ: دَهَرَهُ دَهْرًا أيْ غَلَبَهُ وإسْنادُهُمُ اَلْإهْلاكَ إلى اَلدَّهْرِ إنْكارٌ مِنهم لِمَلَكِ اَلْمَوْتِ وقَبْضِهِ اَلْأرْواحَ بِأمْرِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وكانُوا يُسْنِدُونَ اَلْحَوادِثَ مُطْلَقًا إلَيْهِ لِجَهْلِهِمْ أنَّها مُقَدَّرَةٌ مِن عِنْدِ اَللَّهِ تَعالى، وأشْعارُهم لِذَلِكَ مَمْلُوءَةٌ مِن شَكْوى اَلدَّهْرِ وهَؤُلاءِ مُعْتَرِفُونَ بِوُجُودِ اَللَّهِ تَعالى فَهم غَيْرُ اَلدَّهْرِيَّةِ فَإنَّهم مَعَ إسْنادِهِمُ اَلْحَوادِثَ إلى اَلدَّهْرِ لا يَقُولُونَ بِوُجُودِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾ والكُلُّ يَقُولُ بِاسْتِقْلالِ اَلدَّهْرِ بِالتَّأْثِيرِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ اَلزَّمانُ عِنْدَهم مِقْدارُ حَرَكَةِ اَلْفَلَكِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ مُعْظَمُ اَلْفَلاسِفَةِ.

وقَدْ جاءَ اَلنَّهْيُ عَنْ سَبِّ اَلدَّهْرِ.

أخْرَجَ مُسْلِمٌ «(لا يَسُبُّ أحَدُكُمُ اَلدَّهْرَ فَإنَّ اَللَّهَ هو اَلدَّهْرُ)» وأبُو داوُدَ.

والحاكِمُ وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ قالَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: «(يُؤْذِينِي اِبْنُ آدَمَ يَقُولُ يا خَيْبَةَ اَلدَّهْرِ فَلا يَقُلْ أحَدُكم يا خَيْبَةَ اَلدَّهْرِ أنا اَلدَّهْرُ أُقَلِّبُ لَيْلَهُ ونَهارَهُ)» والحاكِمُ وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ أيْضًا يَقُولُ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: «(اِسْتَقْرَضْتُ عَبْدِي فَلَمْ يُقْرِضْنِي وشَتَمَنِي عَبْدِي وهو لا يَدْرِي يَقُولُ وا دَهْراهُ وأنا اَلدَّهْرُ)» والبَيْهَقِيُّ «(لا تَسُبُّوا اَلدَّهْرَ قالَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا اَلْأيّامُ واللَّيالِي أُجَدِّدُها وأبْلِيها وآتِي بِمُلُوكٍ بَعْدَ مُلُوكٍ)» ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ اَللَّهَ تَعالى هو اَلْآتِي بِالحَوادِثِ فَإذا سَبَبْتُمُ اَلدَّهْرَ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ وقَعَ اَلسَّبُّ عَلى اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وعَدَّ بَعْضُهم سَبَّهُ كَبِيرَةً لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى سَبِّهِ تَعالى وهو كُفْرٌ، وما أدّى إلَيْهِ فَأدْنى مَراتِبِهِ أنْ يَكُونَ كُفْرًا.

وكَلامُ اَلشّافِعِيَّةِ صَرِيحٌ بِأنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لا حَرامٌ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ كَبِيرَةً، واَلَّذِي يَتَّجِهُ في ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وهو أنَّ مَن سَبَّهُ فَإنْ أرادَ بِهِ اَلزَّمَنَ فَلا كَلامَ في اَلْكَراهَةِ، أوِ اَللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَلا كَلامَ في اَلْكُفْرِ، ومِثْلُهُ إذا أرادَ اَلْمُؤَثِّرَ اَلْحَقِيقِيَّ فَإنَّهُ لَيْسَ إلّا اَللَّهُ سُبْحانَهُ؛ وإنْ أُطْلِقَ فَهَذا مَحَلُّ اَلتَّرَدُّدِ لِاحْتِمالِ اَلْكُفْرِ وغَيْرِهِ وظاهِرُ كَلامِهِمْ هُنا أيْضًا اَلْكَراهَةُ لِأنَّ اَلْمُتَبادِرَ مِنهُ اَلزَّمَنُ وإطْلاقُهُ عَلى اَللَّهِ تَعالى كَما قالَ بَعْضُ اَلْأجِلَّةِ إنَّما هو بِطْرِيقِ اَلتَّجَوُّزِ.

ومِنَ اَلنّاسِ مَن قالَ: إنَّ سَبَّهُ كَبِيرَةٌ إنِ اِعْتُقِدَ أنَّ لَهُ تَأْثِيرًا فِيما نَزَلَ بِهِ كَما كانَ يَعْتَقِدُ جَهَلَةُ اَلْعَرَبِ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ اِعْتِقادَ ذَلِكَ كُفْرٌ ولَيْسَ اَلْكَلامُ فِيهِ، وأنْكَرَ بَعْضُهم كَوْنَ ما في حَدِيثِ أبِي داوُدَ.

والحاكِمِ «(فَإنِّي أنا اَلدَّهْرُ)» بِضَمِّ اَلرّاءِ وقالَ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ كانَ اَلدَّهْرُ مِن أسْمائِهِ تَعالى وكانَ يَرْوِيهِ (فَإنِّي أنا اَلدَّهْرَ) بِفَتْحِ اَلرّاءِ ظَرْفًا لِأُقَلِّبُ أيْ فَإنِّي أنا أُقَلِّبُ اَللَّيْلَ والنَّهارَ اَلدَّهْرَ أيْ عَلى طُولِ اَلزَّمانِ ومَمَرِّهِ، وفِيهِ أنَّ رِوايَةَ مُسْلِمٍ فَإنَّ اَللَّهَ هو اَلدَّهْرُ تُبْطِلُ ما زَعَمَهُ، ومِن ثَمَّ كانَ اَلْجُمْهُورُ عَلى ضَمِّ اَلرّاءِ.

ولا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مِن أسْمائِهِ تَعالى لِما سَبَقَ أنَّ ذَلِكَ عَلى اَلتَّجَوُّزِ، وحَكى اَلرّاغِبُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ اَلدَّهْرَ اَلثّانِيَ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ غَيْرُ اَلْأوَّلِ وأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اَلْفاعِلِ، والمَعْنى أنَّ اَللَّهَ تَعالى هو اَلدَّهْرُ أيِ اَلْمُصَرِّفُ اَلْمُدَبِّرُ اَلْمُفِيضُ لِما يَحْدُثُ، وفِيهِ بَعْدٌ.

وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ (إلّا دَهْرٌ) وتَأْوِيلُهُ إلّا دَهْرٌ يَمُرُّ ﴿ وما لَهم بِذَلِكَ ﴾ أيْ بِما ذُكِرَ مِن قِصَرِ اَلْحَياةِ عَلى ما في اَلدُّنْيا ونِسْبَةِ اَلْإهْلاكِ إلى اَلدَّهْرِ ﴿ مِن عِلْمٍ ﴾ مُسْتَنِدٍ إلى عَقْلٍ أوْ نَقْلٍ ﴿ إنْ هم إلا يَظُنُّونَ ﴾ ما هم إلّا قَوْمٌ قُصارى أمْرِهِمُ اَلظَّنُّ والتَّقْلِيدُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم ما يَصِحُّ أنْ يُتَمَسَّكَ بِهِ في اَلْجُمْلَةِ، هَذا مُعْتَقَدُهُمُ اَلْفاسِدُ في أنْفُسِهِمْ <div class="verse-tafsir"

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱئْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٢٥

﴿ وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا ﴾ اَلنّاطِقَةُ بِالحَقِّ اَلَّذِي مِن جُمْلَتِهِ اَلْبَعْثُ ﴿ بَيِّناتٍ ﴾ واضِحاتِ اَلدَّلالَةِ عَلى ما نَطَقَتْ بِهِ مِمّا يُخالِفُ مُعْتَقَدَهم أوْ مُبَيِّناتٍ لَهُ ﴿ ما كانَ حُجَّتَهُمْ ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ واسْمُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أيْ في أنّا نُبْعَثُ بَعْدَ اَلْمَوْتِ أيْ ما كانَ مُتَمَسَّكًا لَهم شَيْءٌ مِنَ اَلْأشْياءِ إلّا هَذا اَلْقَوْلُ اَلْباطِلُ اَلَّذِي يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ حُجَّةً، وتَسْمِيَتُهُ حَجَّةً لِسَوْقِهِمْ إيّاهُ مَساقَ اَلْحُجَّةِ عَلى سَبِيلِ اَلتَّهَكُّمِ بِهِمْ أوْ أنَّهُ مِن قَبِيلِ: تَحِيَّةَ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ أيْ ما كانَ حُجَّتَهم إلّا ما لَيْسَ بِحُجَّةٍ، والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهم حُجَّةً فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ حُصُولِ اَلشَّيْءِ حالًا كَإعادَةِ آبائِهِمُ اَلَّتِي طَلَبُوها في اَلدُّنْيا اِمْتِناعُهُ بَعْدُ لِتَمْتَنِعَ اَلْإعادَةُ إذا قامَتِ اَلْقِيامَةُ، والخِطابُ في (اِئْتُوا.

وكُنْتُمْ) لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ إذْ هم قائِلُونَ بِمَقالَتِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ اَلْبَعْثِ طالِبُونَ مِنَ اَلْكَفَرَةِ اَلْإقْرارَ بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ ولِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ اَلْجائِينَ بِالبَعْثِ وغَلَبَ اَلْخِطابُ عَلى اَلْغَيْبَةِ.

وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: (اِئْتُوا.

وكُنْتُمْ) مِن حَيْثُ اَلْمُخاطَبَةِ لَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُرادُ هو وإلَهُهُ والمَلَكُ اَلَّذِي يَذْكُرُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ نُزُولَهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، وهو كَما تَرى.

وقَرَأ اَلْحَسَنُ.

وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ.

وابْنُ عامِرٍ فِيما رَوى عَنْهُ عَبْدُ اَلْحَمِيدِ.

وعاصِمٌ فِيما رَوى هارُونُ.

وحُسَيْنٌ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ (حُجَّتُهُمْ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ اِسْمُ كانَ وما بَعْدُ خَبَرٌ أيْ ما كانَ حُجَّتُهم شَيْئًا مِنَ اَلْأشْياءِ إلّا هَذا اَلْقَوْلَ اَلْباطِلَ، وجَوابُ (إذا) ما كانَ إلَخْ، ولَمْ تَقْتَرِنْ بِالفاءِ وإنْ كانَتْ لازِمَةً في اَلْمَنفِيِّ بِما إذا وقَعَتْ جَوابَ اَلشَّرْطِ لِأنَّها غَيْرُ جازِمَةٍ ولا أصْلِيَّةٍ في اَلشَّرْطِيَّةِ، وهو سِرُّ قَوْلِ أبِي حَيّانَ: إنْ إذا خالَفَتْ أدَواتِ اَلشَّرْطِ بِأنَّ جَوابَها إذا كانَ مَنفِيًّا بِما لَمْ تَدْخُلِ اَلْفاءُ بِخِلافِ أدَواتِ اَلشَّرْطِ فَلا بُدَّ مَعَها مِنَ اَلْفاءِ نَحْوُ إنْ تَزُرْنا فَما جَفَوْتَنا فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ جَوابٍ لَها كَعَمَدُوا إلى اَلْحُجَجِ اَلْباطِلَةِ خِلافًا لِابْنِ هِشامٍ.

واسْتُدِلَّ بِوُقُوعِ ما ذُكِرَ جَوابًا عَلى أنَّ اَلْعَمَلَ في إذا لَيْسَ لِلْجَوابِ لِصَدارَةِ ما اَلْمانِعَةِ مِنهُ ولا قائِلَ بِالفَرْقِ، ولَعَلَّ مَن قالَ بِالعَمَلِ يَقُولُ يُتَوَسَّعُ في اَلظَّرْفِ ما لَمْ يُتَوَسَّعْ في غَيْرِهِ، ثُمَّ إنَّ اَلْمَعْنى عَلى اَلِاسْتِقْبالِ لِمَكانِ (إذا) أيْ ما تَكُونُ حُجَّتُهم إلّا أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٢٦

﴿ قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ﴾ اِبْتِداءً ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ عِنْدَ اِنْقِضاءِ آجالِكم عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ اَلْحُجَجُ لا اَلدَّهْرُ كَما تَزْعُمُونَ ﴿ ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ أيْ فِيهِ وجُوِّزَ كَوْنُ اَلْفِعْلُ مُضَمَّنًا مَعْنى مَبْعُوثِينَ أوْ مُنْتَهِينَ ونَحْوِهِ ومَعْنى في أظْهَرُ أيْ يَجْمَعُكم في يَوْمِ اَلْقِيامَةِ ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ أيْ في جَمْعِكم فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى اَلْبَدْءِ قَدَرَ عَلى اَلْإعادَةِ والحِكْمَةُ اِقْتَضَتِ اَلْجَمْعَ لِلْجَزاءِ لا مَحالَةَ في ذَلِكَ اَلْيَوْمِ والوَعْدُ اَلصِّدْقُ بِالآياتِ دَلَّ عَلى قَرْعِها، وحاصِلُهُ أنَّ اَلْبَعْثَ أمْرٌ مُمْكِنٌ أخْبَرَ بِهِ اَلصّادِقُ وتَقْتَضِيهِ اَلْحِكْمَةُ وكُلُّ ما هو كَذَلِكَ لا مَحالَةَ واقِعٌ والإتْيانُ بِالآباءِ حَيْثُ كانَ مُنافِيًا لِلْحِكْمَةِ اَلتَّشْرِيعِيَّةِ اِمْتَنَعَ إيقاعُهُ ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ اِسْتِدْراكٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ وهو مِن تَمامِ اَلْكَلامِ اَلْمَأْمُورِ بِهِ أوْ كَلامٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ اِرْتِيابَهم لِجَهْلِهِمْ وقُصُورِهِمْ في اَلنَّظَرِ والتَّفَكُّرِ لا لِأنَّ فِيهِ شائِبَةَ رَيْبٍ ما <div class="verse-tafsir"

وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍۢ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ ٢٧

﴿ ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ بَيانٌ لِلِاخْتِصاصِ اَلْمُطْلَقِ والتَّصَرُّفِ اَلْكُلِّيِّ فِيهِما وفِيما بَيْنَهُما بِاَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إثْرَ بَيانِ تَصَرُّفِهِ تَعالى بِالإحْياءِ والإماتَةِ والبَعْثِ والجَمْعِ لِلْمُجازاةِ فَهو تَعْمِيمٌ لِلْقُدْرَةِ بَعْدَ تَخْصِيصٍ.

﴿ ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ ﴾ قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: اَلْعامِلُ في (يَوْمَ تَقُومُ) يَخْسَرُ ويَوْمَئِذَ بَدَلٌ مِن يَوْمَ تَقُومُ وحَكاهُ اِبْنُ عَطِيَّةَ عَنْ جَماعَةٍ، وتَقْدِيمُ اَلظَّرْفِ عَلى اَلْفِعْلِ لِلْحَصْرِ لِأنَّ كُلَّ خُسْرانٍ عِنْدَ اَلْخُسْرانِ في ذَلِكَ اَلْيَوْمِ كُلًّا خُسْرانٌ، وفِيهِ أيْضًا رِعايَةُ اَلْفَواصِلِ عَلى ما قِيلَ، وتُعُقِّبَ حَدِيثُ اَلْإبْدالِ بِأنَّ اَلتَّنْوِينَ في ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ عِوَضٌ عَنِ اَلْجُمْلَةِ اَلْمُضافِ إلَيْها، والظّاهِرُ أنَّها تُقَدَّرُ بِقَرِينَةِ ما قَبْلَ (تَقُومُ اَلسّاعَةُ) فَيُقالُ ويَوْمَ تَقُومُ اَلسّاعَةُ يَوْمَ إذْ تَقُومُ اَلسّاعَةُ يَخْسَرُ اَلْمُبْطِلُونَ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لا بَدَلًا إذْ لا وجْهَ لَهُ.

ولِذا قِيلَ: إنَّهُ بِالتَّأْكِيدِ أشْبَهُ، وقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنْ كانَ بَدَلًا تَوْكِيدِيًّا وهو قَلِيلٌ جازَ وإلّا فَلا لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي؛ وتَكَلَّفَ بَعْضُهم فَزَعَمَ أنَّ اَلْيَوْمَ اَلثّانِيَ بِمَعْنى اَلْوَقْتِ اَلَّذِي هو جُزْءٌ مِن يَوْمِ قِيامِ اَلسّاعَةِ فَهو بَدَلُ بَعْضٍ مَعَهُ عائِدٌ مُقَدَّرٌ ولَمّا كانَ فِيهِ ظُهُورُ خُسْرانِهِمْ كانَ هو اَلْمَقْصُودَ بِالنِّسْبَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْعامِلُ في (يَوْمَ تَقُومُ) ما يَدُلُّ عَلَيْهِ اَلْمُلْكُ قالُوا: وذَلِكَ أنَّ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ أمْرٌ ثالِثٌ لَيْسَ بِالسَّماءِ ولا بِالأرْضِ لِتَبَدُّلِهِما فَكَأنَّهُ قِيلَ.

ولِلَّهِ مُلْكُ اَلسَّمَواتِ والأرْضِ والمُلْكُ يَوْمَ تَقُومُ اَلسّاعَةُ، و(يَوْمَئِذٍ) مَنصُوبٌ بِيَخْسَرُ والجُمْلَةُ اِسْتِئْنافٌ وإنْ كانَ لَها تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ تَنْوِينِ اَلْعِوَضِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ظَرْفٍ مَعْمُولٍ لِمُلْكُ اَلْمَذْكُورِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِلَّهِ مُلْكُ اَلسَّمَواتِ والأرْضِ اَلْيَوْمَ ويَوْمَ تَقُومُ اَلسّاعَةُ وهو كَما تَرى، و(المُبْطِلُونَ) اَلدّاخِلُونَ في اَلْباطِلِ، ولَعَلَّ اَلْمُرادَ بِهِ أعْظَمُ أنْواعِهِ وهو اَلْكُفْرُ <div class="verse-tafsir"

وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍۢ جَاثِيَةًۭ ۚ كُلُّ أُمَّةٍۢ تُدْعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٢٨

﴿ وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ ﴾ مِنَ اَلْأُمَمِ اَلْمَجْمُوعَةِ ﴿ جاثِيَةً ﴾ بارِكَةً عَلى اَلرُّكَبِ مُسْتَوْفِزَةً وهي هَيْئَةُ اَلْمُذْنِبِ اَلْخائِفِ اَلْمُنْتَظِرِ لِما يَكْرَهُ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ جاثِيَةً مُجْتَمِعَةً، وعَنْ قَتادَةَ جَماعاتٍ مِنَ اَلْجَثْوَةِ مُثَلَّثَةَ اَلْجِيمِ وهي اَلْجَماعَةُ تَجْتَمِعُ عَلى جُثًى أيْ تُرابٍ مُجْتَمِعٍ، وعَنْ مُؤَرِّجٍ اَلسَّدُوسِيِّ جاثِيَةً خاضِعَةً بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، والخِطابُ في (تَرى) لِمَن يَصِحُّ مِنهُ اَلرُّؤْيَةُ أوْ لِسَيِّدِ اَلْمُخاطَبِينَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ وهي بَصَرِيَّةٌ، و(جاثِيَةً) حالٌ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةً ولَوْ كانَتْ عِلْمِيَّةً كانَتْ مَفْعُولًا ثانِيًا، وقُرِئَ (جاذِيَةً) بِالذّالِ والجَذْوُ أشَدُّ اِسْتِيفازًا مِنَ اَلْجَثْوِ لِأنَّ اَلْجاذِيَ هو اَلَّذِي يَجْلِسُ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلْجاذِيَ بِمَعْنى اَلْجاثِي أُبْدِلَتْ ثاؤُهُ ذالًا فَإنَّ اَلثّاءَ والذّالَ مُتَقارِضانِ كَما قِيلَ شَحّاثٌ وشَحّاذٌ ﴿ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها ﴾ إلى صَحِيفَةِ أعْمالِها اَلَّتِي كَتَبَتْها اَلْحَفَظَةُ لِتَحاسَبَ، وأفْرَدَ عَلى إرادَةِ اَلْجِنْسِ وإلّا فَلِكُلِّ واحِدٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ صَحِيفَةٌ فِيها أعْمالُهُ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ كِتابُ نَبِيِّها تُدْعى إلَيْهِ لِيُنْظَرَ هَلْ عَمِلَتْ بِهِ أوْ لا وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ يَحْيى بْنِ سَلامٍ إلّا أنَّهُ حَمَلَ كُلُّ أُمَّةٍ عَلى كُلِّ أُمَّةٍ كافِرَةٍ والظّاهِرُ اَلْعُمُومُ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِذَلِكَ اَللَّوْحُ اَلْمَحْفُوظُ أيْ تُدْعى إلى ما سَبَقَ لَها فِيهِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ (كَلَّ) بِالنَّصْبِ وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن كُلِّ اَلْأوَّلِ، وجُمْلَةُ (تُدْعى) صِفَةٌ، وإبْدالُ اَلْأُمَّةِ اَلْمَدْعُوَّةِ إلى كِتابِها مِنَ اَلْأُمَّةِ اَلْجاثِيَةِ حَسَنٌ وجاءَ ذَلِكَ مِنَ اَلْوَصْفِ، ويُقالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِيما إذا كانَتِ اَلْجُمْلَةُ حالًا، وإذا كانَتِ اَلرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةً وجُمْلَةُ ﴿ تُدْعى ﴾ مَفْعُولًا ثانِيًا فالظّاهِرُ أنَّهُ تَأْكِيدٌ، وجَعْلُهُ تَأْكِيدًا مَعَ كَوْنِ اَلْجُمْلَةِ صِفَةً فِيهِ تَخَلُّلُ اَلتَّأْكِيدِ بَيْنَ اَلْوَصْفَيْنِ وهو كَما في اَلْكَشْفِ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ ﴿ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ وهو حالٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.

وفِي اَلْكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ جَزاءَ ما كُنْتُمْ إلَخْ أوْ هو مِنَ اَلْمَجازِ، <div class="verse-tafsir"

هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٢٩

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا كِتابُنا ﴾ إلى آخِرِهِ مِن تَمامِ ما يُقالُ حِينَئِذٍ، والإشارَةُ إلى اَلْكِتابِ اَلَّذِي تُدْعى إلَيْهِ اَلْأُمَّةُ اَلْمَقُولُ لَها ذَلِكَ، وهو إذا كانَ صَحِيفَةَ اَلْأعْمالِ فَإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ عَلى اَلتَّجَوُّزِ في اَلنِّسْبَةِ اَلْإضافِيَّةِ فَإنَّهُ تَعالى اَلَّذِي أمَرَ اَلْكَتَبَةَ أنْ يَكْتُبُوا فِيهِ أعْمالَهُمْ، وإنْ كانَ اَلْكِتابُ اَلْمُنَزَّلَ عَلى نَبِيِّ تِلْكَ اَلْأُمَّةِ أوِ اَللَّوْحَ اَلْمَحْفُوظَ فَأمْرُ اَلْإضافَةِ ظاهِرٌ، وضَمِيرُ اَلْعَظَمَةِ عَلى سائِرِ اَلْأوْجُهِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ اَلْكِتابِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلضَّمِيرُ لِلْكَتَبَةِ والإضافَةُ فِيهِ حَقِيقِيَّةٌ قِيلَ: ويَأْباهُ ﴿ نَسْتَنْسِخُ ﴾ إلّا أنْ يُجْعَلَ بِمَعْنى نَنْسَخُ ونَكْتُبُ وسَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى ما فِيهِ، والأظْهَرُ عِنْدِي حَمْلُ اَلْكِتابِ في اَلْمَوْضِعَيْنِ عَلى صَحِيفَةِ اَلْأعْمالِ واسْمُ اَلْإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ يَشْهَدُ عَلَيْكم ﴿ بِالحَقِّ ﴾ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نَقْصٍ خَبَرٌ آخَرُ أوْ حالٌ أوْ مُسْتَأْنَفٌ، و(بِالحَقِّ) حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ يَنْطِقُ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ﴾ إلى آخِرِهِ تَعْلِيلٌ لِنُطْقِهِ عَلَيْهِمْ بِأعْمالِهِمْ مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِنها أيْ إنّا كُنّا فِيما قَبْلُ نَسْتَنْسِخُ اَلْمَلائِكَةَ أيْ نَجْعَلُها تَنْسَخُ وتَكْتُبُ ﴿ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ في اَلدُّنْيا مِنَ اَلْأعْمالِ حَسَنَةً كانَتْ أوْ سَيِّئَةً، وحَقِيقَةُ اَلنَّسْخِ كِتابَةٌ مِن أصْلٍ يُنْظَرُ فِيهِ فَكَأنَّ أفْعالَ اَلْعِبادِ هي اَلْأصْلُ عَلى ما في اَلْبَحْرِ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اَللَّهَ تَعالى خَلَقَ اَلنُّونَ وهي اَلدَّواةُ وخَلَقَ اَلْقَلَمَ فَقالَ: اُكْتُبْ قالَ: ما أكْتُبُ؟

قالَ: اُكْتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ اَلْقِيامَةِ مِن عَمَلٍ مَعْمُولٍ بَرٍّ أوْ فاجِرٍ ورِزْقٍ مَقْسُومٍ حَلالٍ أوْ حَرامٍ ثُمَّ ألْزِمْ كُلَّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بَيانَهُ دُخُولَهُ في اَلدُّنْيا مَتى ومَقامَهُ فِيها كَمْ وخُرُوجَهُ مِنها كَيْفَ ثُمَّ جَعَلَ عَلى اَلْعِبادِ حَفَظَةً وعَلى اَلْكِتابِ خَزّانًا فالحَفَظَةُ يَسْتَنْسِخُونَ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ اَلْخَزّانِ عَمَلَ ذَلِكَ اَلْيَوْمِ فَإذا فَنِيَ اَلرِّزْقُ وانْقَطَعَ اَلْأمْرُ وانْقَضى اَلْأجَلُ أتَتِ اَلْحَفَظَةُ اَلْخَزَنَةَ يَطْلُبُونَ عَمَلَ ذَلِكَ اَلْيَوْمِ فَتَقُولُ اَلْخَزَنَةُ ما نَجِدُ لِصاحِبِكم عِنْدَنا شَيْئًا فَتَرْجِعُ فَيَجِدُونَهُ قَدْ ماتَ.

ثُمَّ قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: ألَسْتُمْ قَوْمًا عَرَبًا تَسْمَعُونَ اَلْحَفَظَةَ يَقُولُونَ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وهَلْ يَكُونُ اَلِاسْتِنْساخُ إلّا مِن أصْلٍ؟

وفي رِوايَةِ اِبْنِ اَلْمُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ اَلْآيَةِ فَذَكَرَ نَحْوَ ما سَمِعْتَ ثُمَّ قالَ: هَلْ يُسْتَنْسَخُ اَلشَّيْءُ إلّا مِن كِتابٍ، وكَوْنُ اَلِاسْتِنْساخِ مِنَ اَللَّوْحِ قَدْ رَواهُ جَماعَةٌ عَنْهُ، وما ذَكَرْناهُ يُصَحِّحُ أنْ يَكُونَ هَذا اَلْقَوْلُ مِنَ اَلْمَلائِكَةِ بِدُونِ تَأْوِيلِ ﴿ نَسْتَنْسِخُ ﴾ بِنَنْسَخُ كَما لا يَخْفى، <div class="verse-tafsir"

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ ٣٠

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ﴾ إلى آخِرِهِ تَفْصِيلٌ لِلْمُجْمَلِ اَلْمَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ ﴾ أوْ يُجْزَوْنَ مِنَ اَلْوَعْدِ والوَعِيدِ، والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ اَلْجَنَّةُ مَجازًا والظَّرْفِيَّةُ عَلى ظاهِرِها، وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِالرَّحْمَةِ ما يَشْمَلُ اَلْجَنَّةَ وغَيْرَها والأوَّلُ أظْهَرُ ﴿ ذَلِكَ ﴾ اَلَّذِي ذُكِرَ مِنَ اَلْإدْخالِ في رَحْمَتِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الفَوْزُ المُبِينُ ﴾ اَلظّاهِرُ كَوْنُهُ فَوْزًا لا فَوْزَ وراءَهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ ٣١

﴿ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ فَيُقالُ لَهم بِطَرِيقِ اَلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: ألَمْ تَكُنْ تَأْتِيكم رُسُلِي فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَجَوابُ أمّا اَلْقَوْلُ اَلْمُقَدَّرُ، وحُذِفَ اِكْتِفاءً بِالمَقْصُودِ وهو اَلْمَقُولُ وحَذْفُهُ كَثِيرٌ مَقِيسٌ حَتّى قِيلَ هو اَلْبَحْرُ حَدِّثْ عَنْهُ، وحُذِفَ اَلْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ لِقَرِينَةِ اَلْفاءِ اَلْعاطِفَةِ وأنَّ تِلاوَةَ اَلْآياتِ تَسْتَلْزِمُ إتْيانَ اَلرُّسُلِ مَعْنًى، وهَذا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ اَلزَّمَخْشَرِيُّ والجُمْهُورُ عَلى أنَّ اَلْهَمْزَةَ مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ لِصَدارَتِها والفاءُ عَلى نِيَّةِ اَلتَّقْدِيرِ، والتَّقْدِيرُ فَيُقالُ لَهُمْ: ألَمْ تَكُنْ إلَخْ فَلَيْسَ هُناكَ سِوى حَذْفِ اَلْقَوْلِ، وفي اَلْكَشْفِ لَوْ حُمِلَ عَلى أنَّ اَلْمَحْذُوفَ فَيُوَبَّخُونَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وفائِدَةُ هَذا اَلْأُسْلُوبِ مَعَ أنَّ اَلْأصْلَ فَيُدْخِلُهم في عَذابِهِ اَلدَّلالَةُ عَلى أنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ والكافِرُونَ بَعْدُ في اَلْمَوْقِفِ مُعَذَّبُونَ بِالتَّوْبِيخِ لَكانَ وجْهًا ﴿ فاسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ عَنِ اَلْإيمانِ بِها ﴿ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ قَوْمًا عادَتُهُمُ اَلْإجْرامُ ﴿ وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ وما وعَدَهُ سُبْحانَهُ مِنَ اَلْأُمُورِ اَلْآتِيَةِ أوْ وعَدَهُ تَعالى بِذَلِكَ ﴿ حَقٌّ ﴾ أيْ كائِنٍ هو أوْ مُتَعَلِّقُهُ لا مَحالَةَ فَفي اَلْكَلامِ تَجَوُّزٌ إمّا في اَلطَّرَفِ أوْ في اَلنِّسْبَةِ.

وقَرَأ اَلْأعْرَجُ.

وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ <div class="verse-tafsir"

وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّۭا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ٣٢

(وإذا قِيلَ أنَّ) بِفَتْحِ اَلْهَمْزَةِ عَلى لُغَةِ سَلِيمٍ ﴿ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها ﴾ بِرَفْعِ (اَلسّاعَةِ) في قِراءَةِ اَلْجُمْهُورِ عَلى اَلْعَطْفِ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ وتَبِعَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ، ومَن زَعَمَ أنَّ لِاسْمِ إنَّ مَوْضِعًا جَوَّزَ اَلْعَطْفَ عَلَيْهِ هُنا، وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ اَلصَّحِيحَ أنَّهُ لا يَجُوزُ كِلا اَلْوَجْهَيْنِ وعَلَيْهِ فَجُمْلَةُ ﴿ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها ﴾ عَطْفٌ عَلى اَلْجُمْلَةِ اَلسّابِقَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ (والسّاعَةَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اِسْمِ إنَّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اَلْأعْمَشِ.

وأبِي عَمْرٍو.

وأبِي حَيْوَةَ.

وعِيسى.

والعَبْسِيِّ.

والمُفَضَّلِ، وذِكْرُ أمْرِ اَلسّاعَةِ وإنَّها لا رَيْبَ في وُقُوعِها مَعَ أنَّها مِن جُمْلَةِ ما وعَدَ اَللَّهُ تَعالى اِعْتِناءً بِأمْرِ اَلْبَعْثِ اَلْمَقْصُودِ بِالمَقامِ ﴿ قُلْتُمْ ﴾ لِغايَةِ عُتُوِّكُمْ: ﴿ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ هي اِسْتِغْرابًا لَها جِدًّا كَما يُؤْذِنُ بِهِ جَمْعُ (ما نَدْرِي) مَعَ اَلِاسْتِفْهامِ.

﴿ إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا ﴾ اِسْتُشْكِلَ ذَلِكَ لِما أنَّهُ اِسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ وقَدْ قالُوا: لا يَجُوزُ تَفْرِيغُ اَلْعامِلِ إلى اَلْمَفْعُولِ اَلْمُطْلَقِ اَلْمُؤَكَّدِ فَلا يُقالُ: ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرَبْتُ، وقالَ اَلرَّضِيُّ: إنَّ اَلِاسْتِثْناءَ اَلْمُفَرَّغَ يَجِبُ أنْ يُسْتَثْنى مِن مُتَعَدِّدٍ مُقَدَّرٍ مُعْرَبٍ بِإعْرابِ اَلْمُسْتَثْنى مُسْتَغْرِقٍ لِذَلِكَ اَلْجِنْسِ حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ اَلْمُسْتَثْنى بِيَقِينٍ ثُمَّ يَخْرُجُ بِالِاسْتِثْناءِ ولَيْسَ مَصْدَرُ نَظُنُّ مُحْتَمَلًا مَعَ اَلظَّنِّ غَيْرُهُ حَتّى يَخْرُجَ اَلظَّنُّ مِنهُ، وكَذا يُقالُ في ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا ونَحْوِهِ وهَذا مُرادُ مَن قالَ: إنَّهُ مِن قَبِيلِ اِسْتِثْناءِ اَلشَّيْءِ مِن نَفْسِهِ.

واخْتَلَفُوا في حَلِّهِ فَقِيلَ: إنَّ مَعْنى ما نَظُنُّ ما نَفْعَلُ اَلظَّنَّ كَما في نَحْوِ قِيمَ وقُعِدَ وحِينَئِذٍ يَصِحُّ اَلِاسْتِثْناءُ ويَتَغايَرُ مَوْرِدُ اَلنَّفْيِ والإيجابِ مِن حَيْثُ اَلتَّقْدِيرِ والتَّجَوُّزِ في اَلِاسْتِثْناءِ مِنَ اَلْعامِّ اَلْمُقَدَّرِ وجَعْلُ (نَظُنُّ) في مَعْنى نَفْعَلُ اَلْفِعْلَ لا نَفْعَلُ اَلظَّنَّ كَأنَّهُ قِيلَ: ما نَفْعَلُ فِعْلًا إلّا اَلظَّنَّ، وكَذا يُقالُ في أمْثالِهِ ومِنها قَوْلُ اَلْأعْشى: وحَلَّ بِهِ اَلشَّيْبُ أثْقالَهُ وما اِغْتَرَّهُ اَلشَّيْبُ إلّا اِغْتِرارا وارْتَضاهُ صاحِبُ اَلْكَشْفِ، وقِيلَ: ما نَظُنُّ بِتَأْوِيلِ ما نَعْتَقِدُ ويَكُونُ (ظَنًّا) مَفْعُولًا بِهِ أيْ ما نَعْتَقِدُ شَيْئًا إلّا ظَنًّا، وارْتَضاهُ أبُو حَيّانَ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ ظاهِرَ حالِهِمْ أنَّهم مُتَرَدِّدُونَ لا مُعْتَقِدُونَ.

وأُجِيبَ بِأنَّ اَلِاعْتِقادَ اَلْمَنفِيَّ لا يُنافِي ظاهِرَ حالِهِمْ بَلْ يُقَرِّرُها عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وقِيلَ اَلْمُسْتَثْنى ظَنُّ أمْرِ اَلسّاعَةِ والمُسْتَثْنى مِنهُ مُطْلَقُ اَلظَّنِّ كَأنَّهُ قِيلَ لا ظَنَّ ولا تَرَدُّدَ لَنا إلّا ظَنُّ أمْرِ اَلسّاعَةِ والتَّرَدُّدُ فِيهِ فالكَلامُ لِنَفْيِ ظَنِّهِمْ فِيما سِوى ذَلِكَ مُبالَغَةً، وقالَ اَلرَّضِيُّ: إنَّ ما ضَرَبْتُ إلّا ضَرْبًا يَحْتَمِلُ اَلتَّعَدُّدَ مِن حَيْثُ تَوَهُّمِ اَلْمُخاطَبِ إذْ رُبَّما تَقُولُ ضَرَبْتُ وقَدْ فَعَلْتَ غَيْرَ اَلضَّرْبِ مِمّا يَجْرِي مَجْراهُ مِن مُقَدِّماتِهِ كالتَّهْدِيدِ فَتَدْفَعُ ذَلِكَ وتَقُولُ ضَرَبْتُ ضَرْبًا فَهو نَظِيرُ جاءَ زَيْدٌ زَيْدٌ فَلَمّا كانَ ضَرَبْتُ مُحْتَمِلًا لِلضَّرْبِ وغَيْرِهِ مِن حَيْثُ اَلتَّوَهُّمِ صارَ كالمُتَعَدِّدِ اَلشّامِلِ لِلضَّرْبِ وغَيْرِهِ، وحاصِلُهُ أنَّ اَلضَّرْبَ لَمّا احْتَمَلَ قَبْلَ اَلتَّأْكِيدِ والِاسْتِثْناءِ فِعْلًا آخَرَ حُمِلَ عَلى اَلْعُمُومِ بِقَرِينَةِ اَلِاسْتِثْناءِ فَيَكُونُ اَلْمَعْنى ما فَعَلْتُ شَيْئًا إلّا ضَرْبًا، وهَكَذا ﴿ إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا ﴾ وهَذا كالمُتَّحِدِ مَعَ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا، ورُدَّ بِأنَّ اَلِاسْتِثْناءَ يَقْتَضِي اَلشُّمُولَ اَلْمُحَقَّقَ ولا يَكْفِي فِيهِ اَلِاحْتِمالُ اَلْمُحَقَّقُ فَضْلًا عَنِ اَلْمُتَوَهَّمِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ إذا تَجَرَّدَ اَلْفِعْلُ لِمَعْنًى عامٍّ صارَ اَلشُّمُولُ مُحَقَّقًا عَلى أنَّ عَدَمَ كِفايَةِ اَلشُّمُولِ اَلْفَرْضِيِّ غَيْرُ مُسَلَّمٍ كَما يَعْرِفُهُ مَن يَتَتَبَّعُ مَوارِدَهُ، وذَهَبَ اِبْنُ يَعِيشَ.

وأبُو اَلْبَقاءِ إلى أنَّهُ عَلى اَلْقَلْبِ والتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ والأصْلُ إنْ نَحْنُ إلّا نَظُنُّ ظَنًّا وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ اَلْمُبَرِّدِ، وقَدْ حُمِلَ عَلَيْهِ ما حَكاهُ أبُو عَمْرِو بْنُ اَلْعَلاءِ وسِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِ اَلْعَرَبِ: لَيْسَ اَلطِّيبُ إلّا اَلْمِسْكُ بِالرَّفْعِ فَقالَ: اَلْأصْلُ لَيْسَ إلّا اَلطِّيبَ اَلْمِسْكُ لِيَكُونَ اِسْمُ لَيْسَ ضَمِيرَ اَلشَّأْنِ وما بَعْدَ إلّا مُبْتَدَأً وخَبَرًا في مَوْضِعِ اَلْخَبَرِ لَها، ورَدَّهُ اَلرَّضِيُّ وقالَ: إنَّهُ تَكَلُّفٌ لِما فِيهِ مِنَ اَلتَّعْقِيدِ اَلْمُخِلِّ بِالفَصاحَةِ.

والمِثالُ اَلْمَحْكِيُّ وارِدٌ عَلى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ فَإنَّهم عامَلُوا لَيْسَ مُعامَلَةَ ما فَأهْمَلُوها لِانْتِقاضِ اَلنَّفْيِ بِإلّا، وقِيلَ (ظَنًّا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والمُسْتَثْنى مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ إنْ نَظُنُّ إلّا أنَّكم تَظُنُّونَ ظَنًّا.

وحُكِيَ عَنِ اَلْمِبْرَدِ أيْضًا وفِيهِ حَذْفُ إنَّ واسْمِها وخَبَرِها وإبْقاءُ اَلْمَصْدَرِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وفِيهِ أيْضًا مِنَ اَلتَّعْقِيدِ اَلْمُخِلِّ بِالفَصاحَةِ ما فِيهِ، ولا أظُنُّ صِحَّةَ حِكايَتِهِ عَنِ اَلْمُبَرِّدِ لِغايَةِ بُرُودَتِهِ، وجَوَّزَ صاحِبُ اَلتَّقْرِيبِ أنْ يَكُونَ اَلْمُرادُ إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا فَهو مَصْدَرٌ مُبَيِّنٌ لِلنَّوْعِ حُذِفَتْ صِفَتُهُ كَما صَرَّحَ بِهِ في اَلْبَحْرِ لا مُؤَكِّدٌ، وهَذا يُوافِقُ ما ذَكَرَهُ اَلْإمامُ اَلسَّكّاكِيُّ في بَحْثٍ أنَّ اَلتَّنْكِيرَ قَدْ يَكُونُ لِلتَّحْقِيرِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴾ يَأْباهُ فَإنَّ مُقابِلَ اَلِاسْتِيقانِ مُطْلَقُ اَلظَّنِّ لا اَلضَّعِيفُ مِنهُ، وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّ هَذِهِ اَلْجُمْلَةَ كالتَّأْكِيدِ لِما قَبْلَها والمُرادُ بِها اِسْتِمْرارُ اَلنَّفْيِ وتَأْكِيدُهُ، قِيلَ: والمَعْنى وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ إمْكانَ اَلسّاعَةِ أيْ لا نَتَيَقَّنُ إمْكانَها أصْلًا فَضْلًا عَنْ تَحَقُّقِ وُقُوعِها اَلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها ﴾ فَقَوْلُهم ذَلِكَ رَدٌّ لِهَذا، ولَعَلَّ اَلْمُثْبِتِينَ لِأنْفُسِهِمُ اَلظَّنَّ مِن غَيْرِ إيقانٍ بِأمْرِ اَلسّاعَةِ غَيْرُ اَلْقائِلِينَ إنْ هي إلّا حَياتُنا اَلدُّنْيا فَإنَّ ذَلِكَ ظاهِرٌ في أنَّهم مُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ جازِمُونَ بِنَفْيِ اَلسّاعَةِ فَيَكُونُ اَلْكَفَرَةُ صِنْفَيْنِ صِنْفٌ جازِمُونَ بِنَفْيِها كَأئِمَّتِهِمْ وصِنْفٌ مُتَرَدِّدُونَ مُتَحَيِّرُونَ فِيها فَإذا سَمِعُوا ما يُؤْثَرُ عَنْ آبائِهِمْ أنْكَرُوها وإذا سَمِعُوا اَلْآياتِ اَلْمَتْلُوَّةَ تَقَهْقَرَ إنْكارُهم فَتَرَدَّدُوا.

ويُحْتَمَلُ اِتِّحادُ قائِلِ ذاكَ وقائِلِ هَذا إلّا أنَّ كُلَّ قَوْلٍ في وقْتٍ وحالٍ فَهو مُضْطَرِبٌ مُخْتَلِفُ اَلْحالاتِ تارَةً يَجْزِمُ بِالنَّفْيِ فَيَقُولُ: إنْ هي إلّا حَياتُنا اَلدُّنْيا وأُخْرى يَظُنُّ فَيَقُولُ إنَّ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا، وقِيلَ: اَلْجَزْمُ هُناكَ بِنَفْيِ وُقُوعِها والظَّنُّ مِن غَيْرِ إيقانٍ هُنا بِمُجَرَّدِ إمْكانِها فَهم مُتَرَدِّدُونَ بِإمْكانِها اَلذّاتِيِّ جازِمُونَ بِعَدَمِ وُقُوعِها بِالفِعْلِ فَتَأمَّلْ.

(تَمَّ اَلْجُزْءُ اَلْخامِسُ والعِشْرُونَ ويَلِيهِ إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى اَلْجُزْءُ اَلسّادِسُ والعِشْرُونَ وأوَّلُهُ (وبَدا لَهم ) .

<div class="verse-tafsir"

وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٣٣

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ وبَدا لَهُمْ ﴾ أيْ ظَهَرَ لَهم حِينَئِذٍ ﴿ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا ﴾ أيْ قَبائِحُ أعْمالِهِمْ أيْ عُقُوباتُها فَإنَّ العُقُوبَةَ تَسُوءُ صاحِبَها وتُقَبِّحُ عِنْدَهُ أوْ سَيِّئاتُ أعْمالِهِمْ أيْ أعْمالُهُمُ السَّيِّئاتُ عَلى أنْ تَكُونَ الإضافَةُ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ظَهَرَ لَهم جَزاءُ ذَلِكَ أوْ أنْ يُرادَ بِالسَّيِّئاتِ جَزاؤُها مِن بابِ إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، وقِيلَ: المُرادُ ظَهَرَ لَهُمُ الجِهاتُ السَّيِّئَةُ الغَيْرُ الحَسَنَةِ عَقْلًا لِأعْمالِهِمْ أيْ جِهاتُ قُبْحِها العَقْلِيِّ الَّتِي خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا بِتَزْيِينِ الشَّيْطانِ وهو قَوْلٌ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيِّينَ في الأفْعالِ، وما مَوْصُولَةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونُ مَصْدَرِيَّةً فَلا تُغْفَلُ ﴿ وحاقَ ﴾ أيْ حَلَّ ﴿ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ مِنَ الجَزاءِ والعِقابِ.

<div class="verse-tafsir"

وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَىٰكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ ٣٤

﴿ وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكُمْ ﴾ نَتْرُكُكم في العَذابِ مِن بابِ إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ لِأنَّ مَن نَسِيَ شَيْئًا تَرَكَهُ أوْ نَجْعَلُكم بِمَنزِلَةِ الشَّيْءِ المَنسِيِّ غَيْرِ المُبالى بِهِ عَلى أنَّ ثَمَّ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ في ضَمِيرِ الخِطابِ.

﴿ كَما نَسِيتُمْ ﴾ في الدُّنْيا ﴿ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ﴾ أيْ كَما تَرَكْتُمْ عُدَّتَهُ وهي التَّقْوى والإيمانُ بِهِ أوْ كَما لَمْ تُبالُوا أنْتُمْ بِلِقائِهِ ولَمْ تَخْطُرُوهُ بِبالٍ كالشَّيْءِ الَّذِي يُطْرَحُ نَسْيًا مَنسِيًّا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ بِنِسْيانِهِ لِأنَّ عِلْمَهُ مَرْكُوزٌ في فِطْرَتِهِمْ أوْ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنهُ بِظُهُورِ دَلائِلِهِ فَفي النِّسْيانِ الأوَّلِ مُشاكَلَةٌ، وإضافَةُ ( لِقاءَ ) إلى- يَوْمٍ- مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى ظَرْفِهِ فَهي عَلى مَعْنى في والمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ أيْ لِقاءَكُمُ اللَّهَ تَعالى وجَزاءَهُ سُبْحانَهُ في يَوْمِكم هَذا، وقالَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ: ﴿ لِقاءَ يَوْمِكُمْ ﴾ كَ ﴿ مَكْرُ اللَّيْلِ ﴾ مِن بابِ المَجازِ الحُكْمِيِّ فَلِذا أُجْرِي المُضافُ إلَيْهِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ، وإنَّما لَمْ يُجْعَلْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ بِهِ حَقِيقَةً لِأنَّ التَّوْبِيخَ لَيْسَ عَلى نِسْيانِ لِقاءِ اليَوْمِ نَفْسِهِ بَلْ نِسْيانِ ما فِيهِ مِنَ الجَزاءِ.

وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لا يَخْفى أنَّ لِقاءَ اليَوْمِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ لِقاءِ جَمِيعِ ما فِيهِ وهو أنْسَبُ بِالمَقامِ لِأنَّ السِّياقَ لِإنْكارِ البَعْثِ ﴿ ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ ﴾ ما لِأحَدٍ مِنكم ناصِرٌ واحِدٌ يُخَلِّصُكم مِنها.

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًۭا وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ٣٥

﴿ ذَلِكُمْ ﴾ العَذابُ ﴿ بِأنَّكُمُ ﴾ بِسَبَبِ أنَّكُمُ ﴿ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾ أيْ مَهْزُوءًا بِها ولَمْ تَرْفَعُوا لَها رَأْسًا ﴿ وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ فَحَسِبْتُمْ أنْ لا حَياةَ سِواها ﴿ فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ﴾ أيِ النّارَ.

وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (لا يَخْرُجُونَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِإسْقاطِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ اسْتِهانَةً بِهِمْ أوْ بِنَقْلِهِمْ مِن مَقامِ الخَطابَةِ إلى غَيابَةِ النّارِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا ابْتِداءَ كَلامٍ فَلا التِفاتَ.

﴿ ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ أيْ يُطْلَبُ مِنهم أنْ يَعْتِبُوا رَبَّهم سُبْحانَهُ أيْ يُزِيلُوا عَتَبَهُ جَلَّ وعَلا، وهو كِنايَةٌ عَنْ إرْضائِهِ تَعالى أيْ لا يُطْلَبُ مِنهم إرْضاؤُهُ عَزَّ وجَلَّ لِفَواتِ أوانِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الرُّومِ.

والسَّجْدَةِ أوْجُهٌ أُخَرُ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ <div class="verse-tafsir"

فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلْأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٣٦

﴿ فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما احْتَوَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ، وقَدِ احْتَوَتْ عَلى آلاءِ اللَّهِ تَعالى وأفْضالِهِ عَزَّ وجَلَّ واشْتَمَلَتْ عَلى الدَّلائِلِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ وانْطَوَتْ عَلى البَراهِينِ السّاطِعَةِ والنُّصُوصِ اللّامِعَةِ في المَبْدَأِ والمَعادِ، واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِتَأْكِيدِهِ، وتَعْرِيفُ الحَمْدِ لِلِاسْتِغْراقِ أوِ الجِنْسِ، والجُمْلَةُ إخْبارٌ عَنِ اسْتِحْقاقِهِ تَعالى لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ الإنْشاءُ، وتَمامُ الكَلامِ قَدْ تَقَدَّمَ في الفاتِحَةِ، وفي التَّفْرِيعِ المَذْكُورِ عَلى ما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ إشارَةٌ إلى أنَّ كُفْرَهم لا يُؤَثِّرُ شَيْئًا في رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى ولا يَسُدُّ طَرِيقَ إحْسانِهِ ورَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ.

ومَن يَسُدُّ طَرِيقَ العارِضِ الهَطْلِ.

وإنَّما هم ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، وإجْراءُ ما جَرى مِنَ الصِّفاتِ الدّالَّةِ عَلى إنْعامِهِ تَعالى عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ كالدَّلِيلِ عَلى اسْتِحْقاقِهِ تَعالى الحَمْدَ واخْتِصاصِهِ بِهِ جَلَّ وعَلا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ بَدَلٌ مِمّا قَبْلُ وفي تَكْرِيرِ لَفْظِ الرَّبِّ تَأْكِيدٌ وإيذانٌ بِأنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى لِكُلٍّ بِطْرِيقِ الأصالَةِ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِرَفْعِهِ عَلى المَدْحِ بِإضْمارٍ هو <div class="verse-tafsir"

وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٣٧

﴿ ولَهُ الكِبْرِياءُ ﴾ فِيهِ مِنَ الِاخْتِصاصِ ما في ﴿ فَلِلَّهِ الحَمْدُ ﴾ والكِبْرِياءُ قالَ ابْنُ الأثِيرِ: العَظْمَةُ والمُلْكُ، وقالَ الرّاغِبُ: التَّرَفُّعُ عَنِ الِانْقِيادِ، وقِيلَ: هي عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ الذّاتِ وكَمالِ الوُجُودِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ مُتَعَلِّقٌ- بِالكِبْرِياءِ- والتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لِظُهُورِ آثارِ الكِبْرِياءِ وأحْكامِها فِيهِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ الكِبْرِياءِ، وفي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ «(الكِبْرِياءُ رِدائِي والعَظْمَةُ إزارِي فَمَن نازَعَنِي واحِدًا مِنهُما قَذَفْتُهُ في النّارِ)» أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وهو ظاهِرٌ في عَدَمِ اتِّحادِ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ فَلا تَغْفَلْ ﴿ وهُوَ العَزِيزُ ﴾ الَّذِي لا يُغْلَبُ ﴿ الحَكِيمُ ﴾ في كُلِّ ما قَضى وقَدَّرَ، وفي هَذِهِ الجُمَلِ إرْشادٌ- عَلى ما قِيلَ- إلى أوامِرَ جَلِيلَةٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لَهُ الحَمْدُ فاحْمَدُوهُ تَعالى ولَهُ الكِبْرِياءُ فَكَبِّرُوهُ سُبْحانَهُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ فَأطِيعُوهُ عَزَّ وجَلَّ، وجَعَلَها بَعْضُهم مَجازًا أوْ كِنايَةً عَنِ الأوامِرِ المَذْكُورَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، هَذا ولَمْ أظْفَرْ مِن بابِ الإشارَةِ بِما يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِن آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ يَفِي بِمُؤْنَةِ نَقْلِهِ غَيْرَ ما يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ ﴾ مِن جَعْلِهِ إشارَةً إلى وحْدَةِ الوُجُودِ، وقَدْ مَرَّ ما يُغْنِي عَنْ نَقْلِهِ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ولِيُّ التَّوْفِيقِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل