تفسير الألوسي سورة الدخان

الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة الدخان

تفسيرُ سورةِ الدخان كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 138 دقيقة قراءة

تفسير سورة الدخان كاملةً (شهاب الدين الألوسي)

حمٓ ١ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ ٢

سُورَةُ اَلدُّخانِ مَكِّيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ.

وابْنِ اَلزُّبَيْرِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهم واسْتَثْنى بَعْضَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ ﴾ وآيُها كَما قالَ اَلدّانِي تِسْعٌ وخَمْسُونَ في اَلْكُوفِيِّ وسَبْعٌ في اَلْبَصَرِيِّ وسِتٌّ في عَدَدِ اَلْباقِينَ.

واخْتِلافُها عَلى ما في مَجْمَعِ اَلْبَيانِ أرْبَعُ آياتٍ (حم وإنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ) كُوفِيٌّ (شَجَرَةَ اَلزَّقُّومِ) عِراقِيٌّ شامِيٌّ والمَدَنِيُّ اَلْأوَّلُ في (اَلْبُطُونِ) عِراقِيٌّ مَكِّيٌّ والمَدَنِيُّ اَلْأخِيرُ.

ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ خَتَمَ ما قَبْلُ بِالوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ وافْتَتَحَ هَذِهِ بِشَيْءٍ مِنَ اَلْإنْذارِ اَلشَّدِيدِ وذَكَرَ سُبْحانَهُ هُناكَ قَوْلَ اَلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ وهُنا نَظِيرَهُ فِيما حُكِيَ عَنْ أخِيهِ مُوسى عَلَيْهِما اَلصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ﴾ وأيْضًا ذَكَرَ فِيما تَقَدَّمَ ﴿ فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ ﴾ وحَكى سُبْحانَهُ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ﴿ وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ ﴾ ﴿ وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ ﴾ وهو قَرِيبٌ مِن قَرِيبٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وهي إحْدى اَلنَّظائِرِ اَلَّتِي كانَ يُصَلِّي بِهِنَّ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما أخْرَجَ اَلطَّبَرانِيُّ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ اَلذّارِياتِ والطَّوْرِ والنَّجْمِ واقْتَرَبَتْ والرَّحْمَنِ والواقِعَةِ ونُونٍ والحاقَّةِ والمُزَّمِّلِ ولا أُقْسِمُ بِيَوْمِ اَلْقِيامَةِ وهَلْ أتى عَلى اَلْإنْسانِ والمُرْسَلاتِ وعَمَّ يَتَساءَلُونَ والنّازِعاتِ وعَبَسَ ووَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ وإذا اَلشَّمْسُ كُوِّرَتْ والدُّخانِ، ووَرَدَ بِفَضْلِها أخْبارٌ.

أخْرَجَ اَلتِّرْمِذِيُّ.

ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ.

وابْنُ مَرْدُوَيْهِ.

والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(مَن قَرَأ حم اَلدُّخانِ في لَيْلَةٍ أصْبَحَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ سَبْعُونَ ألِفَ مَلَكٍ)» وأخْرَجَ اَلْمَذْكُورُونَ عَنْهُ أيْضًا يَرْفَعُهُ «(مَن قَرَأ حم اَلدُّخانِ في لَيْلَةِ جُمُعَةٍ أصْبَحَ مَغْفُورًا لَهُ)» وفي رِوايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ وابْنِ اَلضُّرَيْسِ عَنْهُ مَرْفُوعًا (مَن قَرَأ لَيْلَةَ اَلْجُمُعَةِ حم اَلدُّخانِ ويس أصْبَحَ مَغْفُورًا لَهُ) وأخْرَجَ اِبْنُ اَلضُّرَيْسِ عَنِ اَلْحَسَنِ أنَّ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ «(مَن قَرَأ سُورَةَ اَلدُّخانِ في لَيْلَةٍ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ)» وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «(مَن قَرَأ حم اَلدُّخانِ في لَيْلَةِ جُمُعَةٍ أوْ يَوْمِ جُمُعَةٍ بَنى اَللَّهُ تَعالى لَهُ بَيْتًا في اَلْجَنَّةِ)» .

(بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ) ﴿ حم ﴾ ﴿ والكِتابِ المُبِينِ ﴾ اَلْكَلامُ فِيهِ كاَلَّذِي سَلَفَ في اَلسُّورَةِ اَلسّابِقَةِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍۢ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ٣

﴿ إنّا أنْزَلْناهُ ﴾ أيِ اَلْكِتابَ اَلْمُبِينَ اَلَّذِي هو اَلْقُرْآنُ عَلى اَلْقَوْلِ اَلْمُعَوَّلِ عَلَيْهِ ﴿ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ﴾ هي لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ.

وقَتادَةَ.

وابْنِ جُبَيْرٍ.

ومُجاهِدٍ.

وابْنِ زَيْدٍ.

والحَسَنِ.

وعَلَيْهِ أكْثَرُ اَلْمُفَسِّرِينَ والظَّواهِرُ مَعَهُمْ، وقالَ عِكْرِمَةُ.

وجَماعَةٌ: هي لَيْلَةُ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ.

وتُسَمّى لَيْلَةَ اَلرَّحْمَةِ واللَّيْلَةَ اَلْمُبارَكَةَ ولَيْلَةَ اَلصَّكِّ ولَيْلَةَ اَلْبَراءَةِ، ووَجْهُ تَسْمِيَتِها بِالأخِيرَيْنِ أنَّ اَلْبُنْدارَ إذا اِسْتَوْفى اَلْخَراجَ مِن أهْلِهِ كَتَبَ لَهُمُ اَلْبَراءَةَ والصَّكِّ كَذَلِكَ أنَّ اَللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَكْتُبُ لِعِبادِهِ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْبَراءَةَ والصَّكَّ في هَذِهِ اَللَّيْلَةِ.

وظاهِرُ كَلامِهِمْ هُنا أنَّ اَلْبَراءَةَ وهي مَصْدَرُ بَرِئَ بَراءَةً إذا تَخَلَّصَ تُطْلَقُ عَلى صَكِّ اَلْأعْمالِ والدُّيُونِ وما ضاهاها وأنَّهُ ورَدَ في اَلْآثارِ ذَلِكَ وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ وصارَ بِذَلِكَ كالمُشْتَرِكِ، وفي اَلْمَغْرِبِ بَرِئَ مِنَ اَلدَّيْنِ والعَيْبِ بَراءَةً، ومِنهُ اَلْبَراءَةُ لِخَطِّ اَلْإبْراءِ والجَمْعُ بَراءاتٌ وبَرَواتٌ عامِّيَّةٌ اهـ.

وأكْثَرُ أهْلِ اَللُّغَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ مِنَ اَلْعَرَبِ وأنَّهُ عامِيٌّ صِرْفٌ وإنْ كانَ مِن بابِ اَلْمَجازِ اَلْواسِعِ.

قالَ اِبْنُ اَلسَّيِّدِ في اَلْمُقْتَضَبِ اَلْبَراءَةُ في اَلْأصْلِ مَصْدَرُ بَرِئَ بَراءَةً، وأمّا اَلْبَراءَةُ اَلْمُسْتَعْمَلَةُ في صِناعَةِ اَلْكِتابِ فَتَسْمِيَتُها بِذَلِكَ إمّا عَلى أنَّها مِن بَرِئَ مِن دَيْنِهِ إذا أدّاهُ وبَرِئْتُ مِنَ اَلْأمْرِ إذا تَخَلَّيْتَ مِنهُ فَكَأنَّ اَلْمَطْلُوبَ مِنهُ أمْرٌ تَبَرَّأ إلى اَلطّالِبِ أوْ تَخَلّى، وقِيلَ: أصْلُهُ أنَّ اَلْجانِيَ كانَ إذا جَنى وعَفا عَنْهُ اَلْمَلِكُ كَتَبَ لَهُ كِتابَ أمانٍ مِمّا خافَهُ فَكانَ يُقالُ: كَتَبَ اَلسُّلْطانُ لِفُلانٍ بَراءَةً ثُمَّ عُمِّمَ ذَلِكَ فِيما كُتِبَ مِن أُولِي اَلْأمْرِ وأمْثالِهِمْ اهـ.

وذَكَرُوا في فَضْلِ هَذِهِ اَللَّيْلَةِ أخْبارًا كَثِيرَةً، مِنها ما أخْرَجَهُ اِبْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ اَلْإيمانِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ وجْهَهُ قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «إذا كانَتْ لَيْلَةُ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ فَقُومُوا لَيْلَها وصُومُوا نَهارَها فَإنَّ اَللَّهَ تَعالى يَنْزِلُ فِيها لِغُرُوبِ اَلشَّمْسِ إلى اَلسَّماءِ اَلدُّنْيا فَيَقُولُ: ألا مُسْتَغْفِرٌ فَأغْفِرُ لَهُ ألا مُسْتَرْزِقٌ فَأرْزُقُهُ ألا مُبْتَلًى فَأُعافِيهِ ألا كَذا ألا كَذا حَتّى يَطْلُعَ اَلْفَجْرُ)» وما أخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ.

وابْنُ أبِي شَيْبَةَ.

والبَيْهَقِيُّ.

وابْنُ ماجَهْ.

«عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: (فَقَدْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذاتَ لَيْلَةٍ فَخَرَجْتُ أطْلُبُهُ فَإذا هو بِالبَقِيعِ رافِعًا رَأْسَهُ إلى اَلسَّماءِ فَقالَ يا عائِشَةُ: أكُنْتِ تَخافِينَ أنْ يَحِيفَ اَللَّهُ تَعالى عَلَيْكِ ورَسُولُهُ؟

قُلْتُ: ما بِي مِن ذَلِكَ ولَكِنِّي ظَنَنْتُ أنَّكَ أتَيْتَ بَعْضَ نِسائِكَ، فَقالَ: إنَّ اَللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَنْزِلُ لَيْلَةَ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ إلى اَلسَّماءِ اَلدُّنْيا فَيَغْفِرُ لِأكْثَرِ مِن عَدَدِ شَعْرِ غَنَمٍ كَلْبٍ)» وما أخْرَجَهُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ في اَلْمُسْنَدِ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ اَلْعاصِ أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(يَطَّلِعُ اَللَّهُ تَعالى إلى خَلْقِهِ لَيْلَةَ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ فَيَغْفِرُ لِعِبادِهِ إلّا اِثْنَيْنِ مُشاحِنٍ وقاتِلِ نَفْسٍ)» وذَكَرَ بَعْضُهم فِيها صَلاةً مَخْصُوصَةً وأنَّها تَعْدِلُ عِشْرِينَ حَجَّةً مَبْرُورَةً وصِيامَ عِشْرِينَ سَنَةً مَقْبُولًا، ورَوى في ذَلِكَ حَدِيثًا طَوِيلًا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهُهُ، وقَدْ أخْرَجَهُ اَلْبَيْهَقِيُّ ثُمَّ قالَ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا اَلْحَدِيثُ مَوْضُوعًا وهو مُنْكَرٌ وفي رُواتِهِ مَجْهُولُونَ وأطالَ اَلْوُعّاظُ اَلْكَلامَ في هَذِهِ اَللَّيْلَةِ وذِكْرِ فَضائِلِها وخَواصِّها، وذَكَرُوا عِدَّةَ أخْبارٍ في أنَّ اَلْآجالَ تُنْسَخُ فِيها.

وفي اَلدَّرِّ اَلْمَنثُورِ طَرَفٌ غَيْرُ يَسِيرٍ مِن ذَلِكَ وسَنَذْكُرُ بَعْضًا مِنهُ إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى.

وفي اَلْبَحْرِ قالَ اَلْحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ اَلْعَرَبِيِّ: لا يَصِحُّ فِيها شَيْءٌ ولا نَسْخُ اَلْآجالِ فِيها ولا يَخْلُو مِن مُجازَفَةٍ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

والمُرادُ بِإنْزالِهِ في تِلْكَ اَللَّيْلَةِ إنْزالُهُ فِيها جُمْلَةً إلى اَلسَّماءِ اَلدُّنْيا مِنَ اَللَّوْحِ فالإنْزالُ اَلْمُنَجَّمُ في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً أوْ أقَلَّ كانَ مِنَ اَلسَّماءِ اَلدُّنْيا ورُوِيَ هَذا عَنِ اِبْنِ جَرِيرٍ وغَيْرِهِ، وذَكَرَ أنَّ اَلْمَحَلَّ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ مِن تِلْكَ اَلسَّماءِ اَلْبَيْتُ اَلْمَعْمُورُ وهو مُسامِتٌ لِلْكَعْبَةِ بِحَيْثُ لَوْ نَزَلَ لَنَزَلَ عَلَيْها.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ «عَنْ إبْراهِيمَ اَلنَّخْعِيِّ أنَّهُ قالَ: نَزَلَ اَلْقُرْآنُ جُمْلَةً عَلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ وكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ يَجِيءُ بِهِ بَعْدُ إلى اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ».

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: اَلْمُرادُ اِبْتِداءُ إنْزالِهِ في تِلْكَ اَللَّيْلَةِ عَلى اَلتَّجَوُّزِ في اَلطَّرَفِ أوِ اَلنِّسْبَةِ واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّ اِبْتِداءَ اَلسَّنَةِ اَلْمُحَرَّمُ أوْ شَهْرُ رَبِيعٍ اَلْأوَّلِ لِأنَّهُ وُلِدَ فِيهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومِنهُ اِعْتُبِرَ اَلتّارِيخُ في حَيّاتِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ إلى خِلافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو اَلْأصَحُّ، وقَدْ كانَ اَلْوَحْيُ إلَيْهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى رَأْسِ اَلْأرْبَعِينَ سَنَةً مِن مُدَّةِ عُمُرِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى اَلْمَشْهُورِ مِن عِدَّةِ أقْوالٍ فَكَيْفَ يَكُونُ اِبْتِداءُ اَلْإنْزالِ في لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ مِن شَهْرِ رَمَضانَ أوْ في لَيْلَةِ اَلْبَراءَةِ مِن شَعْبانَ.

وأُجِيبَ بِأنَّ اِبْتِداءَ اَلْوَحْيِ كانَ مَنامًا في شَهْرِ رَبِيعٍ اَلْأوَّلِ ولَمْ يَكُنْ بِإنْزالِ شَيْءٍ مِنَ اَلْقُرْآنِ والوَحْيِ يَقَظَةً مَعَ اَلْإنْزالِ كانَ في يَوْمِ اَلْإثْنَيْنِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، وقِيلَ لِسَبْعٍ مِنهُ، وقِيلَ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً مِنهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ كَثْرَةَ اِخْتِلافِ اَلْأقْوالِ في هَذا اَلْمَقامِ فَمَن يَقُولُ بِابْتِداءِ إنْزالِهِ في شَهْرٍ يَلْتَزِمُ مِنها ما لا يَأْباهُ.

واخْتُلِفَ في أوَّلِ ما نَزَلَ مِنهُ، فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّهُ ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ وتَعَقَّبَهُ اَلنَّوَوِيُّ في شَرْحِهِ فَقالَ: إنَّهُ ضَعِيفٌ بَلْ باطِلٌ والصَّوابُ أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ عَلى اَلْإطْلاقِ ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ كَما صُرِّحَ بِهِ في حَدِيثِ عائِشَةَ، وأمّا ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ فَكانَ نُزُولُها بَعْدَ فَتْرَةِ اَلْوَحْيِ كَما صُرِّحَ بِهِ في رِوايَةِ اَلزُّهْرِيِّ عَنْ أبِي سَلَمَةَ.

عَنْ جابِرٍ.

وأمّا قَوْلُ مَن قالَ مِنَ اَلْمُفَسِّرِينَ أوَّلُ ما نَزَلَ اَلْفاتِحَةُ فَبُطْلانُهُ أظْهَرُ مِن أنْ يُذْكَرَ اهـ والكَلامُ في ذَلِكَ مُسْتَوْفًى في اَلْإتْقانِ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ مَن أرادَهُ.

ووَصْفُ اَللَّيْلَةِ بِالبَرَكَةِ لِما أنَّ إنْزالَ اَلْقُرْآنِ مُسْتَتْبِعٌ لِلْمَنافِعِ اَلدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ بِأجْمَعِها أوْ لِما فِيها مَن تَنَزُّلِ اَلْمَلائِكَةِ والرَّحْمَةِ وإجابَةِ اَلدَّعْوَةِ وفَضِيلَةِ اَلْعِبادَةِ أوْ لِما فِيها مِن ذَلِكَ وتَقْدِيرِ اَلْأرْزاقِ وفَصْلِ اَلْأقْضِيَةِ كالآجالِ وغَيْرِها وإعْطاءِ تَمامِ اَلشَّفاعَةِ لَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذا بِناءً عَلى أنَّها لَيْلَةُ اَلْبَراءَةِ، فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَألَ لَيْلَةَ اَلثّالِثَ عَشَرَ مِن شَعْبانَ في أُمَّتِهِ فَأُعْطِيَ اَلثُّلُثَ مِنها ثُمَّ سَألَ لَيْلَةَ اَلرّابِعَ عَشَرَ فَأُعْطِيَ اَلثُّلُثَيْنِ ثُمَّ سَألَ لَيْلَةَ اَلْخامِسَ عَشَرَ فَأُعْطِيَ اَلْجَمِيعَ إلّا مَن شَرَدَ عَلى اَللَّهِ تَعالى شِرادَ اَلْبَعِيرِ،» وأيًّا ما كانَ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ اَلتَّعْلِيلَ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ بِناءً عَلى اَلْقَوْلِ بِما اِخْتارَهُ اَلْعِزُّ بْنُ عَبْدِ اَلسَّلامِ مِن أنَّ اَلْأمْكِنَةَ والأزْمِنَةَ كُلَّها مُتَساوِيَةٌ في حَدِّ ذاتِها لا يَفْضُلُ بَعْضُها بَعْضًا إلّا بِما يَقَعُ فِيها مِنَ اَلْأعْمالِ ونَحْوِها، وزادَ بَعْضُهم أوْ يَحِلُّ لِتَدْخُلَ اَلْبُقْعَةُ اَلَّتِي ضَمَّتْهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّها أفْضَلُ اَلْبِقاعِ اَلْأرْضِيَّةِ والسَّماوِيَّةِ حَتّى قِيلَ وبِهِ أقُولُ إنَّها أفْضَلُ مِنَ اَلْعَرْشِ.

والحُقُّ أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَخُصَّ اَللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْضَها بِمَزِيدِ تَشْرِيفٍ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا إلى إقْدامِ اَلْمُكَلَّفِ عَلى اَلْأعْمالِ فِيها أوْ لِحِكْمَةٍ أُخْرى، وجُمْلَةُ ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ ﴾ جَوابُ اَلْقِسْمِ، وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ نَحْوُ ما في قَوْلِهِ: وثناياكَ إنَّها إغْرِيضُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ ﴾ اِسْتِئْنافٌ يُبَيِّنُ اَلْمُقْتَضِي لِلْإنْزالِ، <div class="verse-tafsir"

فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ٤ أَمْرًۭا مِّنْ عِندِنَآ ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ٥

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ اِسْتِئْنافٌ أيْضًا لِبَيانِ اَلتَّخْصِيصِ بِاللَّيْلَةِ اَلْمُبارَكَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْناهُ لِأنَّ مِن شَأْنِنا اَلْإنْذارَ والتَّحْذِيرَ مِنَ اَلْعِقابِ وكانَ إنْزالُهُ في تِلْكَ اَللَّيْلَةِ اَلْمُبارَكَةِ لِأنَّهُ مِنَ اَلْأُمُورِ اَلدّالَّةِ عَلى اَلْحِكَمِ اَلْبالِغَةِ وهي لَيْلَةٌ يُفْرَقُ فِيها كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ فَفي اَلْكَلامِ لَفٌّ ونَشْرٌ، واشْتِراطُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما بِجُمْلَتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ مِمّا لا داعِيَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ ﴿ فِيها يُفْرَقُ ﴾ إلَخْ صِفَةٌ أُخْرى لِلَّيْلَةِ وما بَيْنَهُما اِعْتِراضٌ لا يَضُرُّ اَلْفَصْلُ بِهِ بَلْ لا يُعَدُّ اَلْفَصْلُ بِهِ فَصْلًا، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ ﴾ هو جَوابُ اَلْقَسَمِ وما بَيْنَهُما اِعْتِراضٌ وإلَيْهِ ذَهَبَ اِبْنُ عَطِيَّةَ زاعِمًا أنَّهُ لا يَجُوزُ جَعْلُ ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ ﴾ جَوابًا لَهُ لِما فِيهِ مِنَ اَلْقَسَمِ بِالشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ يَكُونُ حِينَئِذٍ مِن تَتِمَّةِ اَلِاعْتِراضِ فَلا يَحْسُنُ تَأخُّرُهُ عَنِ اَلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ ولا يَدْفَعُهُ أنَّ هَذِهِ اَلْجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ لا صِفَةٌ أُخْرى لِأنَّهُ اِسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلُ كَما سَمِعْتَ آنِفًا فَلا يَلِيقُ اَلْفَصْلُ أيْضًا كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ ذَوْقٌ سَلِيمٌ، وما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ اَلْقَسَمِ بِالشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ فَقَدْ أشَرْنا إلى جَوابِهِ، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ ﴾ جَوابٌ آخَرٌ لِلْقَسَمِ وفِيهِ تَعَدُّدُ اَلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ عَطْفٍ ولَمْ نَرَ مَن تَعَرَّضُ لَهُ، ومَعْنى يُفْرَقُ يُفَصَّلُ ويُلَخَّصُ، والحَكِيمُ بِمَعْنى اَلْمُحْكَمِ لِأنَّهُ لا يُبَدَّلُ ولا يُغَيَّرُ بَعْدَ إبْرازِهِ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ بِخِلافِهِ قَبْلَهُ وهو في اَللَّوْحِ فَإنَّ اَللَّهَ تَعالى يَمْحُو مِنهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى اَلْمَحْكُومِ بِهِ ونِسْبَتُهُ إلى اَلْأمْرِ عَلَيْها حَقِيقَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلْمَعْنى كُلُّ أمْرٍ مُلْتَبِسٍ بِالحِكْمَةِ والأصْلُ حَكِيمٌ صاحِبُهُ فَتَجَوَّزَ في اَلنِّسْبَةِ، وقِيلَ: إنَّ حَكِيمٍ لِلنِّسْبَةِ كَتامِرٍ ولابِنٍ وقَدْ أبْهَمَ سُبْحانَهُ هَذا اَلْأمْرَ.

وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ.

وابْنُ اَلْمُنْذِرِ.

وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: يُكْتَبُ مِن أُمِّ اَلْكِتابِ في لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ ما يَكُونُ في اَلسَّنَةِ مَن رِزْقٍ أوْ مَوْتٍ أوْ حَياةٍ أوْ مَطَرٍ حَتّى يُكْتَبَ اَلْحاجُّ يَحُجُّ فُلانُ ويَحُجُّ فُلانٌ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ.

وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كُلْثُومٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ اَلْحَسَنِ فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا أبا سَعِيدٍ لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ في كُلِّ رَمَضانَ هِيَ؟

قالَ: إي واَللَّهِ إنَّها لَفي كُلِّ رَمَضانَ وإنَّها لَلَيْلَةٌ يُفْرَقُ فِيها كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ فِيها يَقْضِي اَللَّهُ تَعالى كُلَّ أجَلٍ وعَمَلٍ ورِزْقٍ إلى مِثْلِها، ورُوِيَ هَذا اَلتَّعْمِيمُ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ اَلسَّلَفِ.

وأخْرَجَ اَلْبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي اَلْجَوْزاءِ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ هي لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ يُجاءُ بِالدِّيوانِ اَلْأعْظَمِ اَلسَّنَةَ إلى اَلسَّنَةِ فَيَغْفِرُ اَللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لِمَن يَشاءُ ألا تَرى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قالَ ﴿ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ﴾ وفِيهِ بَحْثٌ، وإلى مِثْلِ ذَلِكَ اَلتَّعْمِيمِ ذَهَبَ بَعْضُ مَن قالَ: إنَّ اَللَّيْلَةَ اَلْمُبارَكَةَ هي لَيْلَةُ اَلْبَراءَةِ، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ.

وابْنُ اَلْمُنْذِرِ.

وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ في اَلْآيَةِ: في لَيْلَةِ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ يُبْرَمُ أمْرُ اَلسَّنَةِ ويُنْسَخُ اَلْأحْياءُ مِنَ اَلْأمْواتِ ويُكْتَبُ اَلْحاجُّ فَلا يُزادُ فِيهِمْ ولا يُنْقَصُ مِنهم أحَدٌ، وفي كَثِيرٍ مِنَ اَلْأخْبارِ اَلِاقْتِصارُ عَلى قَطْعِ اَلْآجالِ، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ.

والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ اَلْإيمانِ عَنِ اَلزُّهْرِيِّ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْمُغِيرَةِ بْنِ اَلْأخْفَشِ قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «تُقْطَعُ اَلْآجالُ مِن شَعْبانَ إلى شَعْبانَ حَتّى أنَّ اَلرَّجُلَ لَيَنْكِحُ ويُولَدُ لَهُ وقَدْ خَرَجَ اِسْمُهُ في اَلْمَوْتى)» وأخْرَجَ اَلدِّينَوَرِيُّ في اَلْمُجالَسَةِ عَنْ راشِدِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(فِي لَيْلَةِ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ يُوحِي اَللَّهُ تَعالى إلى مَلَكِ اَلْمَوْتِ بِقَبْضِ كُلِّ نَفْسٍ يُرِيدُ قَبْضَها في تِلْكَ اَلسَّنَةِ)» ونَحْوُهُ كَثِيرٌ، وقِيلَ: يَبْدَأْنَ في اِسْتِنْساخِ كُلِّ أمْرٍ حَكِيمٍ مِنَ اَللَّوْحِ اَلْمَحْفُوظِ في لَيْلَةِ اَلْبَراءَةِ ويَقَعُ اَلْفَراغُ في لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ فَتُدْفَعُ نُسْخَةُ اَلْأرْزاقِ إلى مِيكائِيلَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ونُسْخَةُ اَلْحُرُوبِ إلى جِبْرائِيلَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ وكَذَلِكَ اَلزَّلازِلُ والصَّواعِقُ والخَسْفُ ونُسْخَةُ اَلْأعْمالِ إلى إسْماعِيلَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ صاحِبِ سَماءِ اَلدُّنْيا وهو مَلَكٌ عَظِيمٌ ونُسْخَةُ اَلْمَصائِبِ إلى مَلَكِ اَلْمَوْتِ.

ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما تُقْضى اَلْأقْضِيَةُ كُلُّها لَيْلَةَ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ وتُسَلَّمُ إلى أرْبابِها لَيْلَةَ اَلسّابِعِ والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ رَمَضانَ.

واعْتُرِضَ بِما ذُكِرَ عَلى اَلِاسْتِدْلالِ بِالظَّواهِرِ عَلى أنَّ اَللَّيْلَةَ اَلْمَذْكُورَةَ هي لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ لا لَيْلَةَ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ ومَن تَدَبَّرَ عَلِمَ أنَّهُ لا يَخْدِشُ اَلظَّواهِرَ، نَعَمْ حُكِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ لَيْلَةَ اَلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ هي لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ ويَلْزَمُهُ تَأْوِيلُ ما يَأْبى ظاهِرُهُ ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ اَلْكَلامُ في هَذا اَلْمَقامِ مُسْتَوْفًى عَلى أتَمِّ وجْهٍ في تَفْسِيرِ سُورَةِ اَلْقَدْرِ وهو سُبْحانَهُ اَلْمُوَفِّقُ.

وقَرَأ اَلْحَسَنُ.

والأعْرَجُ.

والأعْمَشُ (يَفْرُقُ) بِفَتْحِ اَلْياءِ وضَمِّ اَلرّاءِ (كُلَّ) بِالنَّصْبِ أيْ يَفْرُقُ اَللَّهُ تَعالى، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ فِيما ذَكَرَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ (نَفْرُقُ) بِالنُّونِ (كُلَّ) بِالنَّصْبِ وفِيما ذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ اَلْأهْوازِيُّ عَنْهُ بِفَتْحِ اَلْياءِ وكَسْرِ اَلرّاءِ ونَصْبِ (كَلَّ) ورَفْعِ (حَكِيمٌ) عَلى أنَّهُ اَلْفاعِلُ بِيَفْرِقُ، وقَرَأ اَلْحَسَنُ.

وزائِدَةُ عَنِ اَلْأعْمَشِ (يُفَرَّقُ) بِالتَّشْدِيدِ وصِيغَةِ اَلْمَفْعُولِ وهو لِلتَّكْثِيرِ وفِيهِ رَدٌّ عَلى قَوْلِ بَعْضِ اَللُّغَوِيِّينَ كالحَرِيرِيِّ أنَّ اَلْفَرْقَ مُخْتَصٌّ بِالمَعانِي والتَّفْرِيقَ بِالأجْسامِ.

﴿ أمْرًا مِن عِنْدِنا ﴾ نُصِبَ عَلى اَلِاخْتِصاصِ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ اَلصِّفَةِ لَهُ وتَعَلُّقُهُ بِيُفْرَقُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والمُرادُ بِالعِنْدِيَّةِ أنَّهُ عَلى وفْقِ اَلْحِكْمَةِ والتَّدْبِيرِ أيْ أعْنِي بِهَذا اَلْأمْرِ أمْرًا فَخِيمًا حاصِلًا عَلى مُقْتَضى حِكْمَتِنا وتَدْبِيرِنا وهو بَيانٌ لِزِيادَةِ فَخامَتِهِ ومَدْحِهِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ أمْرٍ اَلسّابِقِ اَلْمُسْتَتِرِ في حَكِيمٍ اَلْواقِعِ صِفَةً لَهُ أوْ مِن (أمْرٍ) نَفْسِهِ، وصَحَّ مَجِيءُ اَلْحالِ مِنهُ مَعَ أنَّهُ نَكِرَةٌ لِتَخَصُّصِهِ بِالوَصْفِ عَلى أنَّ عُمُومَ اَلنَّكِرَةِ اَلْمُضافِ إلَيْها كُلُّ مُسَوِّغٍ لِلْحالِيَّةِ مِن غَيْرِ اِحْتِياجِ اَلْوَصْفِ، وقَوْلُ اَلسَّمِينِ: إنَّ فِيهِ اَلْقَوْلَ بِالحالِ مِنَ اَلْمُضافِ إلَيْهِ في غَيْرِ اَلْمَواضِعِ اَلْمَذْكُورَةِ في اَلنَّحْوِ صادِرٌ عَنْ نَظَرٍ ضَعِيفٍ لِأنَّهُ كالجُزْءِ في جَوازِ اَلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِأنْ يُقالَ: يُفْرَقُ أمْرٌ حَكِيمٌ عَلى إرادَةِ عُمُومِ اَلنَّكِرَةِ في اَلْإثْباتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ ﴾ وقِيلَ: حالٌ مِن (كُلُّ) وأيًّا ما كانَ فَهو مُغايِرٌ لِذِي اَلْحالِ لِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن عِنْدِنا ﴾ فَيَصِحُّ وُقُوعُهُ حالًا مِن غَيْرِ لُغَوِيَّةٍ فِيهِ.

وكَوْنُها مُؤَكِّدَةً غَيْرُ مُتَأتٍّ مَعَ اَلْوَصْفِيَّةِ كَما لا يَخْفى عَلى ذِي اَلذِّهْنِ اَلسَّلِيمِ، وهو عَلى هَذِهِ اَلْأوْجُهِ واحِدُ اَلْأُمُورِ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ اَلْأمْرُ اَلَّذِي هو ضِدُّ اَلنَّهْيِ عَلى أنَّهُ واحِدُ اَلْأوامِرِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَنصُوبًا عَلى اَلْمَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِهِ أيْ أمَرْنا أمْرًا مِن عِنْدِنا، والجُمْلَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يُفْرَقُ ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: إمّا أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى اَلْمَصْدَرِيَّةِ لِيُفْرَقُ لِأنَّ كَتْبَ اَللَّهِ تَعالى لِلشَّيْءِ إيجابُهُ وكَذَلِكَ أمْرُهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: يُؤْمَرُ بِكُلِّ شَأْنٍ مَطْلُوبٍ عَلى وجْهِ اَلْحِكْمَةِ أمْرًا فالأمْرُ وُضِعَ مَوْضِعَ اَلْفُرْقانِ اَلْمُسْتَعْمَلِ بِمَعْنى اَلْأمْرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ عَلى اَلْحالِيَّةِ مِن فاعِلِ (أنْزَلْنا) أوْ مَفْعُولِهِ أيْ إنّا أنْزَلْناهُ آمِرِينَ أمْرًا أوْ حالَ كَوْنِ اَلْكِتابِ أمْرًا يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ؛ وفي جَعْلِ اَلْكِتابِ نَفْسَ اَلْأمْرِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ أيْضًا تَجَوُّزٌ فِيهِ فَخامَةٌ، وتُعُقِّبَ ذَلِكَ في اَلْكَشْفِ فَقالَ: فِيهِ ضَعْفٌ لِلْفَصْلِ بِالجُمْلَتَيْنِ بَيْنَ اَلْحالِ وصاحِبِها عَلى اَلثّانِي ولِعَدَمِ اِخْتِصاصِ اَلْأوامِرِ اَلصّادِرَةِ مِنهُ تَعالى بِتِلْكَ اَللَّيْلَةِ عَلى اَلْأوَّلِ.

ووَجْهُهُ أنْ تُخَصَّ بِالقُرْآنِ ولا يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيها يُفْرَقُ ﴾ عِلَّةً لِلْإنْزالِ في اَللَّيْلَةِ بَلْ هو تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ﴾ عَلى مَعْنى فِيها أُنْزِلَ اَلْكِتابُ اَلْمُبِينُ اَلَّذِي هو اَلْمُشْتَمِلُ عَلى كُلِّ مَأْمُورٍ بِهِ حَكِيمٍ كَأنَّهُ جَعَلَ اَلْكِتابَ كُلَّهُ أمْرًا أوْ ما أمَرَ بِهِ كُلَّ اَلْمَأْمُوراتِ وفِيهِ مُبالَغَةٌ حَسَنَةٌ، ولا يَخْفى أنَّ في فَهْمِهِ مِنَ اَلْآيَةِ تَكَلُّفًا.

وقالَ اَلْخَفاجِيُّ في أمْرِ اَلْفَصْلِ: إنَّهُ لا يَضُرُّ ذَلِكَ اَلْفاصِلُ عَلى اَلِاعْتِراضِ وكَذا عَلى اَلتَّعْلِيلِ لِأنَّهُ غَيْرُ أجْنَبِيٍّ.

وجَوَّزَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالأمْرِ ضِدَّ اَلنَّهْيِ كَوْنُهُ مَفْعُولًا لَهُ والعامِلُ فِيهِ ﴿ يُفْرَقُ ﴾ أوْ ”أنْزَلْنا“ أوْ ﴿ مُنْذِرِينَ).

﴾ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما (أمْرٌ) بِالرَّفْعِ وهي تَنْصُرُ كَوْنَ اِنْتِصابِهِ في قِراءَةِ اَلْجُمْهُورِ عَلى اَلِاخْتِصاصِ لِأنَّ اَلرَّفْعَ عَلَيْهِ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ ﴾ <div class="verse-tafsir"

رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٦

﴿ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِيُفْرَقُ أوْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْرًا مِن عِنْدِنا ﴾ ورَحْمَةً مَفْعُولٌ بِهِ لِمُرْسَلِينَ وتَنْوِينُها لِلتَّفْخِيمِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ اَلصِّفَةِ لَها، وإيقاعُ اَلْإرْسالِ عَلَيْها هُنا كَإيقاعِهِ عَلَيْها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ﴾ والمَعْنى عَلى ما في اَلْكَشّافِ يُفْصَلُ في هَذِهِ اَللَّيْلَةِ كُلُّ أمْرٍ لِأنَّ مِن عادَتِنا أنْ نُرْسِلَ رَحْمَتَنا وفَصْلُ كُلِّ أمْرٍ مِن قِسْمَةِ اَلْأرْزاقِ وغَيْرِها مِن بابِ اَلرَّحْمَةِ أيْ أنَّ اَلْمَقْصُودَ اَلْأصْلِيَّ بِالذّاتِ مِن ذَلِكَ اَلرَّحْمَةُ أوْ تَصْدُرُ اَلْأوامِرُ مِن عِنْدِنا لِأنَّ مِن عادَتِنا ذَلِكَ والأوامِرُ اَلصّادِرَةُ مِن جِهَتِهِ تَعالى مِن بابِ اَلرَّحْمَةِ أيْضًا لِأنَّ اَلْغايَةَ لِتَكْلِيفِ اَلْعِبادِ تَعْرِيضُهم لِلْمَنافِعِ، وفِيهِ كَما قِيلَ إشارَةٌ إلى أنَّ جَعْلَهُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أمْرًا مِن عِنْدِنا ﴾ إنَّما هو عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالأمْرِ مُقابِلُ اَلنَّهْيِ وهو يَجْرِي عَلى تَقْدِيرَيِ اَلْمَصْدَرِيَّةِ والحالِيَّةِ.

وفِي اَلْكَشْفِ أنَّ قَوْلَهُ: يَفْصِلُ إلَخْ أوْ تَصْدُرُ اَلْأوامِرُ إلَخْ تَبْيِينٌ لِمَعْنى اَلتَّعْلِيلِ عَلى اَلتَّفْسِيرَيْنِ في (يُفْرَقُ) لِأنَّهُ إمّا بِمَعْنى اَلْفَصْلِ عَلى اَلْحَقِيقَةِ مِن قِسْمَةِ اَلْأرْزاقِ وغَيْرِها أوْ بِمَعْنى يُؤْمَرُ والشَّأْنُ اَلْمَطْلُوبُ يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ لا مَحالَةَ فَحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ: أوْ تَصْدُرُ اَلْأوامِرُ مِن عِنْدِنا لا لِوَجْهَيِ اَلتَّعْلِيلِ مِن تَعَلُّقِهِ بِيُفْرَقُ أوْ بِأمْرًا فَإنَّ تَعَلُّقَهُ بِأمْرًا إنَّما يَصِحُّ إذا نُصِبَ عَلى اَلِاخْتِصاصِ وإذْ ذاكَ لَيْسَ اَلْأمْرُ ما يُقابِلُ اَلنَّهْيَ لِأنَّ اَلْأمْرَ إذا كانَ اَلْمُقابِلَ فَهو إمّا مَصْدَرٌ وإنَّما يُعَلِّلُ فِعْلَهُ وإمّا حالٌ مُؤَكِّدَةٌ فَيَكُونُ راجِعًا إلى تَعْلِيلِ اَلْإنْزالِ اَلْمَخْصُوصِ ولَيْسَ اَلْمَقْصُودَ وإنَّما لَمْ يُذْكَرِ اَلْمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِأمْرًا لِأنَّ اَلْمَعْنى اَلْأوَّلَ يَصْلُحُ تَفْسِيرًا لَهُ أيْضًا اِنْتَهى.

والظّاهِرُ كَوْنُ ذَلِكَ تَبْيِينًا لِوَجْهَيِ اَلتَّعْلِيلِ، وما ذُكِرَ في نَفْيِهِ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ كَما يُعْرَفُ بِالتَّأمُّلِ، واعْتِبارُ اَلْعادَةِ في بَيانِ اَلْمَعْنى جاءَ مِن كُنّا فَإنَّهُ يُقالُ: كانَ يَفْعَلُ كَذا لِما تَكَرَّرَ وُقُوعُهُ وصارَ عادَةً كَما صَرَّحُوا بِهِ في اَلْكُتُبِ اَلْحَدِيثِيَّةِ وغَيْرِها ولِإفادَةِ ذَلِكَ عَدَلَ عَنْ إنّا مُرْسَلُونَ اَلْأخْصَرِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن رَبِّكَ ﴾ وُضِعَ فِيهِ اَلظّاهِرُ مَوْضِعَ اَلضَّمِيرِ والأصْلُ مِنّا فَجِيءَ بِلَفْظِ اَلرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى وجْهِ تَخْصِيصِ اَلْخِطابِ بِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَشْرِيفًا لَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ ودَلالَةً عَلى أنَّ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ رَبَّكَ وأنْتَ مَبْعُوثٌ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ مِمّا يَقْتَضِي أنْ يُرْسِلَ اَلرَّحْمَةَ.

وقالَ اَلطَّيِّبِيُّ: خَصَّ اَلْخِطابَ بِرَسُولِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ والمُرادُ اَلْعُمُومُ، والأصْلُ مِن رَبِّكم وجِيءَ بِلَفْظِ اَلرَّبِّ لِيُؤْذِنَ بِأنَّ اَلْمَرْبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي اَلرَّحْمَةَ عَلى اَلْمَرْبُوبِينَ ولِيَكُونَ تَمْهِيدَهُ يَبْتَنِي عَلَيْهِ اَلتَّعْلِيلَ اَلْآتِي اَلْمُتَضَمِّنَ لِلتَّعْرِيضِ بِواسِطَةِ اَلْحَصْرِ بِأنَّ آلِهَتَهم لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تُغْنِي شَيْئًا وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ اَلْعُمُومُ لَفاتَتِ اَلنُّكْتَةُ اَلْمَذْكُورَةُ ولَزِمَ أنْ يَدْخُلَ اَلْمُؤْمِنُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ﴾ وما بَعْدَهُ ولَيْسَ اَلْمَعْنى عَلَيْهِ وفي اَلْقَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ اَلرَّحْمَةَ اَلْمُرْسَلَةَ بِنَبِيِّنا صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا يَخْفى أنَّ صِحَّةَ اَلتَّعْلِيلِ تَأْبى ذَلِكَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ ﴾ اَلْواقِعِ تَعْلِيلًا لِإنْزالِ اَلْكِتابِ بَدَلَ كُلٍّ أوِ اِشْتِمالٍ بِاعْتِبارِ اَلْإرْسالِ والإنْذارِ، ويَكُونُ (رَحْمَةً) حِينَئِذٍ مَفْعُولًا لَهُ أيْ أنْزَلْنا اَلْقُرْآنَ لِأنَّ عادَتَنا إرْسالُ اَلرُّسُلِ والكُتُبِ إلى اَلْعِبادِ لِأجْلِ اَلرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ واخْتِيارُ كَوْنِ اَلرَّحْمَةِ مَفْعُولًا لَهُ لِيَتَطابَقَ اَلْبَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ إذْ مَعْنى اَلْمُبْدَلِ مِنهُ فاعِلِينَ اَلْإنْذارَ ويُطابِقُهُ فاعِلِينَ اَلْإرْسالَ ولَمْ يُجَوِّزْ كَوْنَها كَذَلِكَ عَلى وجْهِ اَلتَّعْلِيلِ بَلْ أوْجَبَ كَوْنَها مَفْعُولًا بِهِ لِيَصِحَّ إذْ لَوْ قِيلَ: فِيها تَفْصِيلُ كُلِّ شَأْنٍ حَكِيمٍ لِأنّا فاعِلُونَ اَلْإرْسالَ لِأجْلِ اَلرَّحْمَةِ لَمْ يُفِدْ أنَّ اَلْفَصْلَ رَحْمَةٌ ولا أنَّهُ سُبْحانَهُ مُرْسِلٌ فَلا يَسْتَقِيمُ اَلتَّعْلِيلُ قِيلَ ويَنْصُرُ نَصْبَ رَحْمَةٍ عَلى اَلْمَفْعُولِ قِراءَةُ اَلْحَسَنِ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ بِرَفْعِها لِأنَّ اَلْكَلامَ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْ هي (رَحْمَةٌ) تَعْلِيلًا لِلْإرْسالِ فَيُلائِمُ اَلْقَوْلَ بِأنَّها في قِراءَةِ اَلنَّصْبِ مَفْعُولٌ لَهُ ولِيُطابِقَ قِراءَتَهُما في كَوْنِ مَعْنى ﴿ إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ ﴾ إنّا كُنّا فاعِلِينَ اَلْإرْسالَ، وقالَ بَعْضُ أجِلَّةِ اَلْمُحَقِّقِينَ: إنَّ اَلْقَوْلَ بِأنَّهُ تَعْلِيلٌ أظْهَرُ مِنَ اَلْقَوْلِ بِأنَّهُ بَدَلٌ لِيَكُونَ اَلْكَلامُ عَلى نَسَقِ في اَلتَّعْلِيلِ غَبُّ اَلتَّعْلِيلِ، ولِما ذُكِرَ في اَلْحالَةِ اَلْمُقْتَضِيَةِ لِلْإبْدالِ ولِوُقُوعِ اَلْفَصْلِ، وأشارَ عَلى ما قِيلَ بِما ذُكِرَ في اَلْحالَةِ اَلْمُقْتَضِيَةِ لِلْإبْدالِ بِأنَّ اَلْمُبْدَلَ مِنهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ وأنَّهُ في حُكْمِ اَلسُّقُوطُ وهَهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، وتُعُقِّبَ هَذا بِأنَّهُ أغْلَبِيٌّ لا مُطَّرِدٌ وقَوْلُهُ: لِوُقُوعِ اَلْفَصْلِ أيْ بَيْنَ اَلْبَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِأنَّ اَلْفاصِلَ غَيْرُ أجْنَبِيٍّ فَلا يَضُرُّ اَلْفَصْلُ بِهِ فَتَدَبَّرْ، وجُوِّزَ كَوْنُ رَحْمَةً مَصْدَرًا لِرَحِمْنا مُقَدَّرٍ وكَوْنُها حالًا مِن ضَمِيرِ (مُرْسِلِينَ) وكَوْنُها بَدَلًا مِن (أمْرًا) فَلا تَغْفُلْ ﴿ إنَّهُ هو السَّمِيعُ ﴾ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ فَيَسْمَعُ أقْوالَ اَلْعِبادِ ﴿ العَلِيمُ ﴾ لِكُلِّ مَعْلُومٍ فَيَعْلَمُ أحْوالَهُمْ، وتَوْسِيطُ اَلضَّمِيرِ مَعَ تَعْرِيفِ اَلطَّرَفَيْنِ لِإفادَةِ اَلْحَصْرِ، والجُمْلَةُ تَحْقِيقٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ وأنَّها لا تَحِقُّ إلّا لِمَن هَذِهِ نُعُوتُهُ، وفي تَخْصِيصِ ﴿ السَّمِيعُ العَلِيمُ ﴾ عَلى ما قالَ اَلطَّيِّبِيُّ إدْماجٌ لِوَعِيدِ اَلْكُفّارِ ووَعْدِ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلَّذِينَ تَلَقَّوُا اَلرَّحْمَةَ بِأنْواعِ اَلشُّكْرِ <div class="verse-tafsir"

رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٧

﴿ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ رَبِّكَ ﴾ أوْ بَيانٌ أوْ نَعْتٌ.

وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلسَّبْعَةِ والأعْرَجُ.

وابْنُ أبِي إسْحاقَ.

وأبُو جَعْفَرٍ.

وشَيْبَةُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لَإنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو رَبُّ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِإثْباتِ ما قَبْلَها وتَعْلِيلِهِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ اَلْإيقانِ وطَرَفٌ مِنَ اَلْعُلُومِ اَلْيَقِينِيَّةِ عَلى أنَّ اَلْوَصْفَ اَلْمُتَعَدِّيَ مَنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اَللّازِمِ لِعَدَمِ اَلْقَصْدِ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، وجَوابُ اَلشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ اَلْإيقانِ عَلِمْتُمْ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ رَبَّ اَلسَّمَواتِ والأرْضِ لِأنَّهُ مِن أظْهَرِ اَلْيَقِينِيّاتِ دَلِيلًا وحِينَئِذٍ يَلْزَمُكُمُ اَلْقَوْلُ بِما يَقْتَضِيهِ مِمّا ذُكِرَ أوَّلًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُهُ مُقَدَّرًا أيْ إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ في إقْرارِكم إذا سُئِلْتُمْ عَمَّنْ خَلَقَ اَلسَّمَواتِ والأرْضَ فَقُلْتُمُ اَللَّهُ تَعالى خَلَقَهُنَّ، والجَوابُ أيْضًا مَحْذُوفٌ أيْ إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ في إقْرارِكم بِذَلِكَ عَلِمْتُمْ ما يَقْتَضِيهِ مِمّا تَقَدَّمَ لِظُهُورِ اِقْتِضائِهِ إيّاهُ، وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ اَلْجَوابَ عَلى اَلْوَجْهَيْنِ تَحَقَّقَ عِنْدِكم ما قُلْناهُ، ولَمْ يُجَوِّزُوا جَعْلَهُ مَضْمُونَ ﴿ رَبِّ السَّماواتِ ﴾ إلَخْ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ كَذَلِكَ أيْقَنُوا أمْ لَمْ يُوقِنُوا فَلا مَعْنى لِجَعْلِهِ دالًّا عَلَيْهِ، وكَذا جَعْلُهُ مَضْمُونُ ما بَعْدُ بَلْ هَذا مِمّا لا يَحْسُنُ بِاعْتِبارِ اَلْعِلْمِ أيْضًا.

وفِي هَذا اَلشَّرْطِ تَنْزِيلُ إيقانِهِمْ مَنزِلَةَ عَدَمِهِ لِظُهُورِ خِلافِهِ عَلَيْهِمْ، وهو مُرادُ مَن قالَ: إنَّهُ مِن بابِ تَنْزِيلِ اَلْعالِمِ مَنزِلَةَ اَلْجاهِلِ لِعَدَمِ جَرْيِهِ عَلى مُوجَبِ اَلْعِلْمِ، قِيلَ: ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهم نُزِّلُوا مَنزِلَةَ اَلشّاكِّينَ لِمَكانِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ بَعْدُ: ﴿ بَلْ هم في شَكٍّ ﴾ ولا أرى بَأْسًا في أنْ يُقالَ: إنَّهم نُزِّلُوا أوَّلًا كَذَلِكَ ثُمَّ سُجِّلَ عَلَيْهِمْ بِالشَّكِّ لِأنَّهم وإنْ أقَرُّوا بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ رَبُّ اَلسَّمَواتِ والأرْضِ لَمْ يَنْفَكُّوا عَنِ اَلشَّكِّ لِإلْحادِهِمْ في صِفاتِهِ سُبْحانَهُ وإشْراكِهِمْ بِهِ تَعالى شَأْنُهُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ مُوقِنِينَ ﴾ مَجازًا عَنْ مُرِيدِينَ اَلْإيقانَ والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْضًا أيْ إنْ كُنْتُمْ مُرِيدِينَ اَلْإيقانَ فاعْلَمُوا ذَلِكَ، وفِيهِ بُعْدٌ، وأمّا جَعْلُ ﴿ إنْ ﴾ نافِيَةً كَما حَكاهُ اَلنَّيْسابُورِيُّ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"

لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ٨

﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، وقِيلَ: خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو وجُمْلَةُ اَلْمُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِذَلِكَ، وقِيلَ: خَبَرٌ آخَرُ لَإنَّ عَلى قِراءَةِ (رَبُّ اَلسَّمَواتِ) بِالرَّفْعِ وجَعْلِهِ خَبَرًا، وقِيلَ: خَبَرٌ لَهُ عَلى تِلْكَ اَلْقِراءَةِ وما بَيْنَهُما اِعْتِراضٌ ”يُحْيِي ويُمِيتُ“مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قَبْلَها، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ ﴾ بِإضْمارِ مُبْتَدَأٍ أوْ بَدَلٍ مِن ”رَبِ اَلسَّماواتِ“ عَلى تِلْكَ اَلْقِراءَةِ أوْ بَيانٍ أوْ نَعْتٍ لَهُ، وقِيلَ: فاعِلٌ لِيُمِيتُ، وفي ﴿ يُحْيِي ﴾ ضَمِيرٌ راجِعٌ إلَيْهِ والكَلامُ مِن بابِ اَلتَّنازُعِ أوْ إلى ﴿ رَبِّ السَّماواتِ ﴾ ، وقِيلَ: ﴿ يُحْيِي ويُمِيتُ ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِرَبُّ اَلسَّمَواتِ وكَذا ﴿ رَبُّكُمْ ﴾ وقِيلَ: هُما خَبِرانِ آخَرانِ لَإنَّ، وقَرَأ اِبْنُ أبِي إسْحَقَ.

وابْنُ مُحَيْصِنٍ.

وأبُو حَيْوَةَ.

والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مُقْسِمٍ.

والحَسَنُ.

وأبُو مُوسى.

وعِيسى بْنُ سُلَيْمانَ.

وصالِحٌ كِلاهُما عَنِ اَلْكِسائِيِّ بِالجَرِّ بَدَلًا مِن ﴿ رَبِّ السَّماواتِ ﴾ عَلى قِراءَةِ اَلْجَرِّ، وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ اَلْأنْطاكِيُّ بِالنَّصْبِ عَلى اَلْمَدْحِ.

<div class="verse-tafsir"

بَلْ هُمْ فِى شَكٍّۢ يَلْعَبُونَ ٩

﴿ بَلْ هم في شَكٍّ ﴾ إضْرابٌ إبْطالِيٌّ أُبْطِلَ بِهِ إيقانُهم لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُوجِبِهِ، وتَنْوِينُ (شَكٍّ) لِلتَّعْظِيمِ أيْ فِي شَكٍّ عَظِيمٍ ﴿ يَلْعَبُونَ ﴾ لا يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ مِمّا هو مُطابِقٌ لِنَفْيِ اَلْأمْرِ عَنْ جَدٍّ وإذْعانٍ بَلْ يَقُولُونَهُ مَخْلُوطًا بِهُزُءٍ ولَعِبِ وهَذِهِ اَلْجُمْلَةُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لَهم.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ هي اَلْخَبَرُ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قُدِّمَ لِلْفاصِلَةِ، والِالتِفاتُ عَنْ خِطابِهِمْ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ وعَدَمِ اِلْتِفاتِهِمْ، <div class="verse-tafsir"

فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍۢ مُّبِينٍۢ ١٠

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فارْتَقِبْ ﴾ لِتَرْتِيبِ اَلِارْتِقابِ أوِ اَلْأمْرِ بِهِ عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ كَوْنَهم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ مِمّا يُوجِبُ ذَلِكَ حَتْمًا أيْ فانْتَظِرْ لَهم ﴿ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ ﴾ أيْ يَوْمَ تَأْتِي بِجَدْبٍ ومَجاعَةٍ فَإنَّ اَلْجائِعَ جِدًّا يَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ اَلسَّماءِ كَهَيْئَةِ اَلدُّخانَ وهي ظُلْمَةٌ تَعْرِضُ لِلْبَصَرِ لِضَعْفِهِ فَيَتَوَهَّمُ ذَلِكَ فَإطْلاقُ اَلدُّخانِ عَلى ذَلِكَ اَلْمَرْئِيِّ بِاعْتِبارِ أنَّ اَلرّائِيَ يَتَوَهَّمُهُ دُخانًا، ولا يَأْباهُ وصْفُهُ بِمُبِينٍ وإرادَةُ اَلْجَدْبِ والمَجاعَةِ مِنهُ مَجازٌ مِن بابِ ذِكْرِ اَلْمُسَبَّبِ وإرادَةِ اَلسَّبَبِ أوْ لِأنَّ اَلْهَواءَ يَتَكَدَّرُ سَنَةَ اَلْجَدْبِ بِكَثْرَةِ اَلْغُبارِ لِقِلَّةِ اَلْأمْطارِ اَلْمُسَكِّنَةِ لَهُ فَهو كِنايَةٌ عَنِ اَلْجَدْبِ وقَدْ فَسَّرَ أبُو عُبَيْدَةَ اَلدُّخانَ بِهِ، وقالَ اَلْقَتْبِيُّ: يُسَمّى دُخانًا لِيَبَسِ اَلْأرْضِ حَتّى يَرْتَفِعَ مِنها ما هو كالدُّخانِ، وقالَ بَعْضُ اَلْعَرَبِ: نُسَمِّي اَلشَّرَّ اَلْغالِبَ دُخانًا، ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّ اَلدُّخانَ مِمّا يُتَأذّى بِهِ فَأُطْلِقُ عَلى كُلِّ مُؤْذٍ يُشْبِهُهُ، وأُرِيدَ بِهِ هُنا اَلْجَدْبُ ومَعْناهُ اَلْحَقِيقِيُّ مَعْرُوفٌ، وقِياسُ جَمْعِهِ في اَلْقِلَّةِ أدْخِنَةٌ وفي اَلْكَثْرَةِ دِخْنانٌ نَحْوُ غُرابٍ وأغْرِبَةٍ وغِرْبانٍ، وشَذُّوا في جَمْعِهِ عَلى فَواعِلَ فَقالُوا: دَواخِنُ كَأنَّهُ جَمْعُ داخِنَةٍ تَقْدِيرًا، وقَرِينَةُ اَلتَّجَوُّزِ فِيهِ هُنا حالِيَّةٌ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى مِنَ اَلْخَبَرِ، والمُرادُ بِاليَوْمِ مُطْلَقُ اَلزَّمانِ وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِارْتَقِبْ أوْ ظَرْفٌ لَهُ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيِ اِرْتَقِبْ وعْدَ اَللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ اَلْيَوْمِ وبِالسَّماءِ جِهَةُ اَلْعُلُوِّ، وإسْنادُ اَلْإتْيانِ بِذَلِكَ إلَيْهِما مِن قَبِيلِ اَلْإسْنادِ إلى اَلسَّبَبِ لِأنَّهُ يَحْصُلُ بِعَدَمِ إمْطارِها ولَمْ يُسْنَدْ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ اَلْفاعِلُ حَقِيقَةً لِيَكُونَ اَلْكَلامُ مَعَ سابِقِهِ اَلْمُتَضَمِّنِ إسْنادَ ما هو رَحْمَةٌ إلَيْهِ تَعالى شَأْنُهُ عَلى وِزانِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ وتَفْسِيرُ اَلدُّخانِ بِما فَسَّرْناهُ بِهِ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ.

وأبِي اَلْعالِيَةِ.

والنَّخْعِيِّ.

والضَّحّاكِ.

ومُجاهِدٍ.

ومُقاتِلٍ وهو اِخْتِيارُ اَلْفَرّاءِ والزَّجّاجِ.

وقَدْ رُوِيَ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أخْرَجَ أحْمَدُ.

والبُخارِيُّ.

وجَماعَةٌ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ اَللَّهِ فَقالَ: إنِّي تَرَكْتُ رَجُلًا في اَلْمَسْجِدِ يَقُولُ في هَذِهِ اَلْآيَةِ ﴿ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ ﴾ إلَخْ: يَغْشى اَلنّاسَ قَبْلَ يَوْمِ اَلْقِيامَةِ دُخانٌ، فَيَأْخُذُ بِأسْماعِ اَلْمُنافِقِينَ وأبْصارِهِمْ ويَأْخُذُ اَلْمُؤْمِنَ مِنهُ كَهَيْئَةِ اَلزُّكامِ فَغَضِبَ وكانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ ثُمَّ قالَ: مَن عَلِمَ مِنكم عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، ومَن لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ فَلْيَقُلِ اَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

فَإنَّ مِنَ اَلْعِلْمِ أنْ يَقُولَ لِما لا يَعْلَمُ اَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وسَأُحَدِّثُكم عَنِ اَلدُّخانِ إنَّ قُرَيْشًا لَمّا اِسْتَصْعَبَتْ عَلى رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأبْطَؤُوا عَنِ اَلْإسْلامِ قالَ: اَللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ فَأصابَهم قَحْطٌ وجَهْدٌ حَتّى أكَلُوا اَلْعِظامَ، فَجَعَلَ اَلرَّجُلُ يَنْظُرُ إلى اَلسَّماءِ فَيَرى ما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ كَهَيْئَةِ اَلدُّخانِ مِنَ اَلْجُوعِ، فَأنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى ”(فارْتَقِبْ إلى ألِيمٌ)“ فَأتى اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقِيلَ: يا رَسُولَ اَللَّهِ اِسْتَسْقِ اَللَّهَ تَعالى لِمُضَرَ فاسْتَسْقى لَهم عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، فَسُقُوا فَأنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى ﴿ إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ ﴾ اَلْخَبَرَ.

وفي رِوايَةٍ أُخْرى صَحِيحَةٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا رَأى رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ اَلنّاسِ إدْبارًا قالَ: اَللَّهُمَّ سَبْعًا كَسَبْعِ يُوسُفَ فَأخَذَتْهم سَنَةٌ حَتّى أكَلُوا اَلْمَيْتَةَ والجُلُودَ والعِظامَ، فَجاءَهُ أبُو سُفْيانَ وناسٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ إنَّكَ تَزْعُمُ أنَّكَ قَدْ بُعِثْتَ رَحْمَةً وإنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا، فادْعُ اَللَّهَ تَعالى فَدَعا رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسُقُوا اَلْغَيْثَ فَأطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعًا فَشَكا اَلنّاسُ كَثْرَةَ اَلْمَطَرِ فَقالَ: اَللَّهُمَّ حَوالَيْنا ولا عَلَيْنا فانْحَدَرَتِ اَلسَّحابَةُ عَنْ رَأْسِهِ فَسُقِيَ اَلنّاسُ حَوْلَهم قالَ: فَقَدْ مَضَتْ آيَةُ اَلدُّخانِ وهو اَلْجُوعُ اَلَّذِي أصابَهُمُ اَلْحَدِيثَ،» وظاهِرُهُ يَدُلُّ كَما في تارِيخِ اِبْنِ كَثِيرٍ عَلى أنَّ اَلْقِصَّةَ كانَتْ بِمَكَّةَ فالآيَةُ مَكِّيَّةٌ.

وفِي بَعْضِ اَلرِّواياتِ أنَّ قِصَّةَ أبِي سُفْيانَ كانَتْ بَعْدَ اَلْهِجْرَةِ فَلَعَلَّها وقَعَتْ مَرَّتَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ في سُورَةِ اَلْمُؤْمِنُونَ.

وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ أبِي لَهِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ اَلْأعْرَجِ أنَّهُ قالَ في هَذا اَلدُّخانِ: كانَ في يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ وفي اَلْبَحْرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ ﴿ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ ﴾ وهو يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ لَمّا حَجَبَتِ اَلسَّماءَ اَلْغَبَرَةُ، وفي رِوايَةِ اِبْنِ سَعِيدٍ أنَّ اَلْأعْرَجَ يَرْوِي عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: كانَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ دُخانٌ، وهو قَوْلُ اَللَّهِ تَعالى ﴿ فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ ﴾ ويَحْسُنُ عَلى هَذا اَلْقَوْلِ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَمّا حَلَّ بِأهْلِ مَكَّةَ في ذَلِكَ اَلْيَوْمِ مِنَ اَلْخَوْفِ والذُّلِّ ونَحْوِهِما، وقالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.

وابْنُ عُمَرَ.

وابْنُ عَبّاسٍ.

وأبُو سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيُّ.

وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.

والحَسَنُ: إنَّهُ دُخانٌ يَأْتِي مِنَ اَلسَّماءِ قَبْلَ يَوْمِ اَلْقِيامَةِ يَدْخُلُ في أسْماعِ اَلْكَفَرَةِ حَتّى يَكُونَ رَأْسُ اَلْواحِدِ كالرَّأْسِ اَلْحَنِيذِ ويَعْتَرِي اَلْمُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ اَلزُّكامِ وتَكُونُ اَلْأرْضُ كُلُّها كَبَيْتٍ أُوقِدَ فِيهِ لَيْسَ فِيهِ خَصاصٌ.

وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اَلْيَمانِ مَرْفُوعًا «أوَّلُ اَلْآياتِ اَلدَّجّالُ ونُزُولُ عِيسى ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنَ أبِينُ تَسُوقُ اَلنّاسَ إلى اَلْمَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهم إذا قالُوا والدُّخانُ، قالَ حُذَيْفَةُ: يا رَسُولَ اَللَّهِ وما اَلدُّخانُ؟

فَتَلا رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ ﴾ وقالَ: يَمْلَأُ ما بَيْنَ اَلْمَشْرِقِ والمَغْرِبِ يَمْكُثُ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً، أمّا اَلْمُؤْمِنُ فَيُصِيبُهُ مِنهُ كَهَيْئَةِ اَلزُّكْمَةِ، وأمّا اَلْكافِرُ فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ اَلسَّكْرانِ يَخْرُجُ مِن مَنخَرَيْهِ وأُذُنَيْهِ ودُبُرِهِ، فالدُّخانُ عَلى ظاهِرِهِ والمَعْنى فارْتَقِبْ يَوْمَ ظُهُورِ اَلدُّخانِ».

وحَكى اَلسَّفارِينِيُّ في اَلْبُحُورِ اَلزّاخِرَةِ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: هُما دُخانانِ مَضى واحِدٌ واَلَّذِي بَقِيَ يَمْلَأُ ما بَيْنَ اَلسَّماءِ والأرْضِ ولا يُصِيبُ اَلْمُؤْمِنُ إلّا بِالزُّكْمَةِ وأمّا اَلْكافِرُ فَيَشُقُّ مَسامِعَهُ فَيَبْعَثُ اَللَّهُ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ اَلرِّيحَ اَلْجَنُوبَ مِنَ اَلْيَمَنِ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ ويَبْقى شِرارُ اَلنّاسِ، ولا أظُنُّ صِحَّةَ هَذِهِ اَلرِّوايَةِ عَنْهُ.

وحَمْلُ ما في اَلْآيَةِ عَلى ما يَعُمُّ اَلدُّخانَيْنِ لا يَخْفى حالُهُ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِيَوْمَ تَأْتِي اَلسَّماءُ إلَخْ يَوْمُ اَلْقِيامَةِ فالدُّخانُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ اَلشِّدَّةُ والشَّرُّ مَجازًا وأنْ يُرادَ بِهِ حَقِيقَتُهُ.

وقالَ اَلْخَفاجِيُّ: اَلظّاهِرُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَأْتِي السَّماءُ ﴾ إلى آخِرِهِ اِسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً إذْ لا سَماءَ لِأنَّهُ يَوْمٌ تَشَقَّقُ فِيهِ اَلسَّماءُ فَمُفْرَداتُهُ عَلى حَقِيقَتِها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِنَ اَلْقَوْلِ بِأنَّ اَلسَّماءَ كَما سَمِعْتَ أوَّلًا بِمَعْنى جِهَةِ اَلْعُلُوِّ سَلَّمْنا أنَّها بِمَعْنى اَلْجِرْمِ اَلْمَعْرُوفِ لَكِنْ لا مانِعَ مِن كَوْنِ اَلدُّخانِ قَبْلَ تَشَقُّقِها بِأنْ يَكُونَ حِينَ يَخْرُجُ اَلنّاسُ مِنَ اَلْقُبُورِ مَثَلًا بَلْ لا مانِعَ مِنَ اَلْقَوْلِ بِأنَّ اَلْمُرادَ مِن إتْيانِ اَلسَّماءِ بِدُخانٍ اِسْتِحالَتُها إلَيْهِ بَعْدَ تَشَقُّقِها وعَوْدُها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ أوَّلًا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ ﴾ ويَكُونُ فَناؤُها بَعْدَ صَيْرُورَتِها دُخانًا.

هَذا والأظْهَرُ حَمْلُ اَلدُّخانِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ أوَّلًا لِأنَّهُ أنْسَبُ بِالسِّياقِ لِما أنَّهُ في كُفّارِ قُرَيْشٍ وبَيانِ سُوءِ حالِهِمْ مَعَ أنَّ في اَلْآياتِ بَعْدُ ما هو أوْفَقُ بِهِ، فَوَجْهُ اَلرَّبْطِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ مِن حالِهِمْ مُقابَلَتَهُمُ اَلرَّحْمَةَ بِالكُفْرانِ وأنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالمُنَزَّلِ والمُنَزَّلِ عَلَيْهِ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ ﴿ فارْتَقِبْ يَوْمَ ﴾ إلَخْ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أهْلُ اَلْعَذابِ والخِذْلانِ لا أهْلَ اَلْإكْرامِ والغُفْرانِ <div class="verse-tafsir"

يَغْشَى ٱلنَّاسَ ۖ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١١ رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ١٢

﴿ يَغْشى النّاسَ ﴾ أيْ يُحِيطُ بِهِمْ والمُرادُ بِهِمْ كُفّارُ قُرَيْشٍ ومَن جَعَلَ اَلدُّخانَ ما هو مِن أشْراطِ اَلسّاعَةِ حَمَلَ اَلنّاسَ عَلى مَن أدْرَكَهُ ذَلِكَ اَلْوَقْتُ، ومَن جَعَلَ ذَلِكَ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ حَمَلَ اَلنّاسَ عَلى اَلْعُمُومِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِلدُّخانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ وقَعَ حالًا أيْ قائِلِينَ أوْ يَقُولُونَ هَذا إلَخْ.

والإشارَةُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ إخْبارًا مِنهُ عَزَّ وجَلَّ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى في قِصَّةِ اَلذَّبِيحِ ﴿ إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ ﴾ فَهو اِسْتِئْنافٌ أوِ اِعْتِراضُ والإشارَةُ بِهَذا لِلدَّلالَةِ عَلى قُرْبِ وُقُوعِهِ وتَحَقُّقِهِ، وما تَقَدَّمَ أوْلى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ رَبَّنا ﴾ إلى آخِرِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلْمُفَسِّرِينَ وعْدٌ مِنهم بِالإيمانِ إنْ كَشَفَ جَلَّ وعَلا عَنْهُمُ اَلْعَذابَ، فَكَأنَّهم قالُوا: رَبَّنا إنْ كَشَفْتَ عَنّا اَلْعَذابَ آمَنّا لَكِنْ عَدَلُوا عَنْهُ إلى ما في اَلْمُنَزَّلِ إظْهارًا لِمَزِيدِ اَلرَّغْبَةِ وحَمَلُوهُ عَلى ذَلِكَ لِما في بَعْضِ اَلرِّواياتِ أنَّهُ لَمّا اِشْتَدَّ اَلْقَحْطُ بِقُرَيْشٍ مَشى أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وناشَدَهُ اَلرَّحِمَ وواعَدَهُ إنْ دَعا لَهم وزالَ ما بِهِمْ آمَنُوا والمُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: <div class="verse-tafsir"

أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مُّبِينٌۭ ١٣

﴿ أنّى لَهُمُ الذِّكْرى ﴾ نَفْيُ صِدْقِهِمْ في اَلْوَعْدِ وأنَّ غَرَضَهم إنَّما هو كَشْفُ اَلْعَذابِ والخَلاصُ أيْ كَيْفَ يَتَذَكَّرُونَ أوْ مِن أيْنَ يَتَذَكَّرُونَ بِذَلِكَ ويَفُونَ بِما وعَدُوهُ مِنَ اَلْإيمانِ عِنْدَ كَشْفِ اَلْعَذابِ عَنْهم.

﴿ وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم شاهَدُوا مِن دَواعِي اَلتَّذَكُّرِ ومُوجِباتِ اَلِاتِّعاظِ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ في إيجابِهِما حَيْثُ جاءَهم رَسُولٌ عَظِيمُ اَلشَّأْنِ ظاهِرٌ أمْرُ رِسالَتِهِ بِالآياتِ والمُعْجِزاتِ اَلَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ اَلْجِبالِ أوْ مُظْهِرٌ لَهم مَناهِجَ اَلْحَقِّ بِذَلِكَ <div class="verse-tafsir"

ثُمَّ تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَقَالُوا۟ مُعَلَّمٌۭ مَّجْنُونٌ ١٤

﴿ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ ﴾ أيْ عَنْ ذَلِكَ اَلرَّسُولِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ وهو هو والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وقَدْ جاءَهُمْ ﴾ إلى آخِرِهِ، وعَطْفُها عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ رَبَّنا ﴾ إلَخْ لِأنَّهُ عَلى مَعْنى قالُوا: ﴿ رَبَّنا ﴾ إلَخْ لَيْسَ بِذاكَ، وثُمَّ لِلِاسْتِبْعادِ والتَّراخِي اَلرُّتْبِيِّ وإلّا فَهم قَدْ تَوَلَّوْا رَيْثَما جاءَهم وشاهَدُوا مِنهُ ما شاهَدُوا مِمّا يُوجِبُ اَلْإقْبالَ إلَيْهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ وقالُوا ﴾ مَعَ ذَلِكَ في حَقِّهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ﴾ أيْ قالُوا تارَةً: يُعَلِّمُهُ عَدّاسٌ غُلامٌ رُومِيٌّ لِبَعْضِ ثَقِيفٍ وأُخْرى مَجْنُونٌ أوْ يَقُولُ بَعْضُهم كَذا وآخَرُونَ كَذا ولَمْ يَقُلْ ومَجْنُونٌ بِالعَطْفِ لِأنَّ اَلْمَقْصُودَ تَعْدِيدُ قَبائِحِهِمْ وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ مُعَلِّمٌ بِكَسْرِ اَللّامِ فَمَجْنُونٌ صِفَةٌ لَهُ وكَأنَّهم أرادُوا رَسُولٌ مَجْنُونٌ وحاشاهُ ثُمَّ حاشاهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّا كَاشِفُوا۟ ٱلْعَذَابِ قَلِيلًا ۚ إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ ١٥

﴿ إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ ﴾ جَوابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ وإخْبارٌ بِالعَوْدِ عَلى تَقْدِيرِ اَلْكَشْفِ أيْ إنْ كَشَفْنا عَنْكُمُ اَلْعَذابَ كَشْفًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا عُدْتُمْ، والمُرادُ عَلى ما قِيلَ عائِدُونَ إلى اَلْكُفْرِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ عَوْدَهم إلَيْهِ يَقْتَضِي إيمانَهم وقَدْ مَرَّ أنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا وإنَّما وعَدُوا اَلْإيمانَ فَإمّا أنْ يَكُونَ وعْدُهم مَنَزَّلًا مَنزِلَةَ إيمانِهِمْ أوِ اَلْمُرادُ عائِدُونَ إلى اَلثَّباتِ عَلى اَلْكُفْرِ أوْ عَلى اَلْإقْرارِ والتَّصْرِيحِ بِهِ وقالَ قَتادَةُ: هَذا تَوَعُّدٌ بِمَعادِ اَلْآخِرَةِ وهو خِلافُ اَلظّاهِرِ جِدًّا ومَن قالَ: إنَّ اَلدُّخانَ يَوْمُ اَلْقِيامَةِ قالَ إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا كاشِفُو ﴾ إلى آخِرِهِ وعْدٌ بِالكَشْفِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ﴾ ومَن قالَ اَلْمُرادُ بِهِ ما هو مِن أشْراطِ اَلسّاعَةِ قالَ بِإمْكانِ اَلْكَشْفِ وعَدَمِ اِنْقِطاعِ اَلتَّكْلِيفِ عِنْدَ ظُهُورِهِ وإنْ كانَ مِنَ اَلْأشْراطِ بَلْ جاءَ في بَعْضِ اَلْآثارِ أنَّهُ يَمْكُثُ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً فَيُكْشَفُ عَنْهم فَيَعُودُونَ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ اَلضَّلالِ، وحَمْلُهُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ ظاهِرُ اَلِاسْتِقامَةِ لا قِيلَ فِيهِ ولا قالَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وقَدْ جاءَهُمْ ﴾ إلَخْ قَوِيُّ اَلْمُلاءَمَةِ لَهُ وهو بَعِيدُ اَلْمُلاءَمَةِ لِلْقَوْلِ اَلْمَرْوِيِّ عَنِ اَلْأمِيرِ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ومَن مَعَهُ فَقَدِ اُحْتِيجَ في تَحْصِيلِها إلى جَعْلِ اَلْإسْنادِ مِن بابِ إسْنادِ حالِ اَلْبَعْضِ إلى اَلْكُلِّ أوْ حَمْلِ اَلنّاسِ عَلى اَلْكُفّارِ اَلْمَوْجُودِينَ في ذَلِكَ اَلْوَقْتِ والأمْرُ عَلى اَلْقَوْلِ بِأنَّهُ ما كانَ في فَتْحِ مَكَّةَ أهْوَنُ إلّا أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَ كَقَوْلِ اِبْنِ مَسْعُودٍ فَتَأمَّلْ <div class="verse-tafsir"

يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ١٦

﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى ﴾ هو يَوْمُ بَدْرٍ عِنْدَ اِبْنِ مَسْعُودٍ وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ.

وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

ومُجاهِدٍ.

والحَسَنِ.

وأبِي اَلْعالِيَةِ.

وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ.

وقَتادَةَ.

وعَطِيَّةَ، وأخْرَجَهُ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ.

وأخْرُجُ اِبْنُ جَرِيرٍ.

وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عِكْرِمَةَ.

قالَ: قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: قالَ اِبْنُ مَسْعُودٍ: اَلْبَطْشَةُ اَلْكُبْرى يَوْمُ بَدْرٍ، وأنا أقُولُ: هي يَوْمُ اَلْقِيامَةِ ونَقَلَ في اَلْبَحْرِ حِكايَةً أنَّهُ يَوْمُ اَلْقِيامَةِ عَنِ اَلْحَسَنِ.

وقَتادَةَ أيْضًا.

والظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا مُنْتَقِمُونَ ﴾ أيْ إنّا نَنْتَقِمُ يَوْمَ إذْ إنّا مُنْتَقِمُونَ، وقِيلَ لَمُنْتَقِمُونَ ورَدَّهُ اَلزَّجّاجُ وغَيْرُهُ بِأنَّ ما بَعْدَ أنْ لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيما قَبْلَها، وقِيلَ لَعائِدُونَ عَلى مَعْنى إنَّكم لَعائِدُونَ إلى اَلْعَذابِ يَوْمَ نَبْطِشُ.

وقِيلَ بِكاشِفُو اَلْعَذابِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ وقِيلَ لِذِكْرِهِمْ أوِ اُذْكُرْ مُقَدَّرًا، وقِيلَ هو بَدَلٌ مِن ﴿ يَوْمَ تَأْتِي ﴾ إلَخْ.

وقُرِئَ (نَبْطُشُ) بِضَمِّ اَلطّاءِ وقَرَأ اَلْحَسَنُ.

وأبُو رَجاءٍ وطَلْحَةُ بِخِلافٍ عَنْهُ (نُبْطِشُ) بِضَمِّ اَلنُّونِ مِن بابِ اَلْإفْعالِ عَلى مَعْنى نُحْمِلُ اَلْمَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ عَلى أنْ يَبْطِشُوا بِهِمْ أوْ نُمَكِّنُهم مِن ذَلِكَ فالمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ وزِيادَةِ اَلتَّهْوِيلِ، وجَعْلُ اَلْبَطْشَةِ عَلى هَذا مَفْعُولًا مُطْلَقًا عَلى طَرِيقَةِ أنْبَتَكم نَباتًا، وقالَ اِبْنُ جِنِّي، وأبُو حَيّانَ: هي مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ اَلظّاهِرُ أيْ يَوْمَ نَبْطِشُ مَن نَبْطِشُهُ فَيُبْطَشُ اَلْبَطْشَةَ اَلْكُبْرى، وقالَ اِبْنُ جِنِّي: ولَكَ أنْ تَنْصِبَها عَلى أنَّها مَفْعُولٌ كَأنَّهُ بِهِ قِيلَ: يَوْمَ نُقَوِّي اَلْبَطْشَةَ اَلْكُبْرى عَلَيْهِمْ ونُمَكِّنُها مِنهم كَقَوْلِكَ: يَوْمَ نُسَلِّطُ اَلْقَتْلَ عَلَيْهِمْ ونُوَسِّعُ اَلْأخْذَ مِنهُمْ، وفي اَلْقامُوسِ بَطَشَ بِهِ ويَبْطِشُ ويَبْطُشُ أخَذَهُ بِالعُنْفِ والسَّطْوَةِ كَأبْطُشُهُ والبَطْشُ اَلْأخْذُ اَلشَّدِيدُ في كُلِّ شَيْءٍ والبَأْسُ اهـ فَلا تَغْفُلْ <div class="verse-tafsir"

۞ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌۭ كَرِيمٌ ١٧

﴿ ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ ﴾ أيِ اِمْتَحَنّاهم بِإرْسالِ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ إلَيْهِمْ عَلى أنَّهُ مِن فَتَنَ اَلْفِضَّةَ عَرَضَها عَلى اَلنّارِ فَيَكُونُ بِمَعْنى اَلِامْتِحانِ وهو اِسْتِعارَةٌ والمُرادُ عامَلْناهم مُعامَلَةَ اَلْمُمْتَحَنِ لِيَظْهَرَ حالُهم لِغَيْرِهِمْ أوْ أوْقَعْناهم في اَلْفِتْنَةِ عَلى أنَّهُ بِمَعْناهُ اَلْمَعْرُوفِ والمُرادُ بِالفِتْنَةِ حِينَئِذٍ ما يُفْتَنُ بِهِ اَلشَّخْصُ أيْ يَغْتَرُّ ويَغْفُلُ عَمّا فِيهِ صَلاحُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ ﴾ وفُسِّرَتْ هُنا بِالإمْهالِ وتَوْسِيعِ اَلرِّزْقِ.

وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ اَلْفِتْنَةَ بِالعَذابِ ثُمَّ تَجَوَّزَ بِهِ عَنِ اَلْمَعاصِي اَلَّتِي هي سَبَبٌ وهو تَكَلُّفُ ما لا داعِيَ لَهُ.

وقُرِئَ (فَتَّنّا) بِتَشْدِيدِ اَلتّاءِ إمّا لِتَأْكِيدِ مَعْناهُ اَلْمَصْدَرِيِّ أوْ لِتَكْثِيرِ اَلْمَفْعُولِ أوِ اَلْفِعْلِ.

﴿ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ ﴾ أيْ مُكَرَّمٌ مُعَظَّمٌ عِنْدِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ عِنْدَ اَلْمُؤْمِنِينَ أوْ عِنْدَهُ تَعالى وعِنْدَهم أوْ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ مُتَّصِفٌ بِالخِصالِ اَلْحَمِيدَةِ والصِّفاتِ اَلْجَلِيلَةِ حَسَبًا ونَسَبًا، وقالَ اَلرّاغِبُ: اَلْكَرَمُ إذا وُصِفَ بِهِ اَلْإنْسانُ فَهو اِسْمٌ لِلْأخْلاقِ والأفْعالِ اَلْمَحْمُودَةِ اَلَّتِي تَظْهَرُ مِنهُ ولا يُقالُ هو كَرِيمٌ حَتّى يَظْهَرَ ذَلِكَ مِنهُ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ اَلْعُلَماءِ أنَّ اَلْكَرَمَ كالحَرِيَّةِ إلّا أنَّ اَلْحُرِّيَّةَ قَدْ تُقالُ في اَلْمَحاسِنِ اَلصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ والكَرَمُ لا يُقالُ إلّا في اَلْمَحاسِنِ اَلْكَبِيرَةِ.

وقالَ اَلْخَفاجِيُّ: أصْلُ مَعْنى اَلْكَرِيمِ جامِعُ اَلْمَحامِدِ والمَنافِعِ وادَّعى لِذَلِكَ أنَّ تَفْسِيرَهُ بِهِ أحْسَنُ مِن تَفْسِيرِهِ بِالتَّفْسِيرَيْنِ اَلسّابِقَيْنِ <div class="verse-tafsir"

أَنْ أَدُّوٓا۟ إِلَىَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ۖ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌۭ ١٨ وَأَن لَّا تَعْلُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنِّىٓ ءَاتِيكُم بِسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍۢ ١٩

﴿ أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ ﴾ أطْلِقُوهم وسَلِّمُوهم إلَيَّ، والمُرادُ بِهِمْ بَنُو إسْرائِيلَ اَلَّذِينَ كانَ فِرْعَوْنُ مُسْتَعْبِدَهُمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِعِبادِ اَللَّهِ تَعالى لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اِسْتِعْبادَهُ إيّاهم ظُلْمٌ مِنهُ، والأداءُ مَجازٌ عَمّا ذُكِرَ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ ومُجاهِدٍ.

وقَتادَةَ أوْ أدُّوا إلَيَّ حَقَّ اَللَّهِ تَعالى مِنَ اَلْإيمانِ وقَبُولِ اَلدَّعْوى يا عِبادَ اَللَّهِ عَلى أنَّ مَفْعُولَ (أدُّوا) مَحْذُوفٌ وعِبادَ مُنادى وهو عامٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ والقِبْطِ، والأداءُ بِمَعْنى اَلْفِعْلِ لِلطّاعَةِ وقَبُولِ اَلدَّعْوى ورُوِيَ هَذا عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وأنْ عَلَيْهِما قِيلَ مَصْدَرِيَّةٌ قَبْلَها حَرْفُ جَرٍّ مُقَدَّرٌ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَهم أيْ بِأنْ أدُّوا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِقَوْلِكَ: جاءَهم بِالتَّأْدِيَةِ إلَيَّ، وحَمْلُهُ عَلى طَلَبِ اَلتَّأْدِيَةِ إلَيَّ لا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ ورُدَّ بِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ اَلْقَوْلِ وهو شائِعٌ مُطَّرِدٌ فَتَقْدِيرُهُ بِأنْ قالَ أدُّوا إلَيَّ ولا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ ما ومَعَ هَذا اَلْأمْرُ مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ وصْلِ اَلْمَصْدَرِيَّةِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ وهو غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، نَعَمِ اَلْأصَحُّ اَلْجَوازُ.

وقِيلَ: هي مُخَفَّفَةٌ مِنَ اَلثَّقِيلَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّها حِينَئِذٍ يُقَدَّرُ مَعَها ضَمِيرُ اَلشَّأْنِ ومُفَسِّرُهُ لا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً خَبَرِيَّةً وأيْضًا لا بُدَّ أنْ يَقَعَ بَعْدَها اَلنَّفْيُ أوْ قَدْ أوِ اَلسِّينُ أوْ سَوْفَ أوْ لَوْ وأنْ يَتَقَدَّمَها فِعْلٌ قَلْبِيٌّ ونَحْوُهُ وأُجِيبَ بِأنَّ مَجِيءَ اَلرَّسُولِ يَتَضَمَّنُ مَعْنى فِعْلِ اَلتَّحْقِيقِ كالإعْلامِ والفَصْلُ اَلْمَذْكُورُ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، فَقَدْ ذَهَبَ اَلْمُبَرِّدُ تَبَعًا لِلْبَغادِدَةِ إلى عَدَمِ اِشْتِراطِهِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ شاذٌّ يُصانُ اَلْقُرْآنُ عَنْ مِثْلِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ واشْتِراطُ كَوْنِ مُفَسِّرِ ضَمِيرِ اَلشَّأْنِ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً فِيهِ خِلافٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ، ولَمْ يُذْكَرْ في اَلْمُغْنِي في اَلْبابِ اَلرّابِعِ في اَلْكَلامِ عَلى ضَمِيرِ اَلشَّأْنِ إلّا اِشْتِراطُ كَوْنِ مُفَسِّرِهِ جُمْلَةً ولَمْ يَشْتَرِطْ فِيها اَلْخَبَرِيَّةَ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِخِلافٍ، نَعَمْ قالَ في اَلْبابِ اَلْخامِسِ: اَلنَّوْعُ اَلثّامِنُ اِشْتِراطُهم في بَعْضِ اَلْجُمْلَةِ اَلْخَبَرِيَّةَ وفي بَعْضِها اَلْإنْشائِيَّةَ وعُدَّ مِنَ اَلْأوَّلِ خَبَرانِ وضَمِيرُ اَلشَّأْنِ لَكِنَّهُ قالَ بَعْدُ: ويَنْبَغِي أنْ يُسْتَثْنى مِن ذَلِكَ في خَبَرَيْ أنْ وضَمِيرِ اَلشَّأْنِ خَبَرُ أنَّ اَلْمَفْتُوحَةِ إذا خُفِّفَتْ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً دُعائِيَّةً كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها ﴾ في قِراءَةِ مَن قَرَأ أنْ وغَضِبَ بِالفِعْلِ والِاسْمُ اَلْجَلِيلُ فاعِلٌ.

وحَقَّقَ بَعْضُ اَلْأجِلَّةِ أنَّ اَلْإخْبارَ عَنْ ضَمِيرِ اَلشَّأْنِ بِجُمْلَةٍ إنْشائِيَّةٍ جائِزٌ عِنْدَ اَلزَّمَخْشَرِيِّ أوْ هي مُفَسِّرَةٌ وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى اَلْقَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ لِأنَّ مَجِيءَ اَلرَّسُولِ يَكُونُ بِرِسالَةٍ ودَعْوَةٍ وكَأنَّ اَلتَّفْسِيرَ لِمُتَعَلِّقِهِ اَلْمُقَدَّرِ أيْ جاءَهم بِالدَّعْوَةِ وهي أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اَللَّهِ ﴿ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ ﴿ وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ ﴾ ولا تَسْتَكْبِرُوا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالِاسْتِهانَةِ بِوَحْيِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ورَسُولِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ و ﴿ أنْ ﴾ كاَلَّتِي قَبْلَها، والمَعْنى عَلى اَلْمَصْدَرِيَّةِ بِكَفِّكم عَنِ اَلْعُلُوِّ عَلى اَللَّهِ تَعالى ﴿ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أيْ آتِيكم بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ لا سَبِيلَ إلى إنْكارِها أوْ مُوَضَّحَةٍ صِدْقَ دَعْوايَ و(آتِيكُمْ) عَلى صِيغَةِ اَلْفاعِلِ أوِ اَلْمُضارِعِ، ولا يَخْفى حُسْنُ ذِكْرِ اَلْأمِينِ مَعَ اَلْأداءِ والسُّلْطانِ مَعَ اَلْعَلاءِ، وذُكِرَ أنَّ في اَلْأوَّلِ تَرْشِيحًا لِلِاسْتِعارَةِ اَلْمُصَرِّحَةِ أوِ اَلْمَكْنِيَّةِ بِجَعْلِهِمْ كَأنَّهم مالٌ لِلْغَيْرِ في يَدِهِ أمَرَهُ بِدَفْعِهِ لِمَن يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ وفي اَلثّانِي تَوْرِيَةٌ عَنْ مَعْنى اَلْمَلِكَ مُرَشَّحَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿ لا تَعْلُوا ﴾ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ”(أنِّي)“ بِفَتْحِ اَلْهَمْزَةِ فَقِيلَ هو أيْضًا عَلى تَعْلِيلِ اَلنَّهْيِ بِتَقْدِيرِ اَللّامِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِما دَخَلَهُ اَلنَّهْيُ نَظِيرُ قَوْلِكَ لِمَن غَضِبَ مِن قَوْلِ اَلْحَقِّ لَهُ لا تَغْضَبْ لِأنْ قِيلَ لَكَ اَلْحَقُّ <div class="verse-tafsir"

وَإِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ ٢٠

﴿ وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ ﴾ أيِ اِلْتَجَأْتُ إلَيْهِ تَعالى وتَوَكَّلْتُ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ أنْ تَرْجُمُونِ ﴾ مِن أنْ تَرْجُمُونِي أيْ تُؤْذُونِي ضَرْبًا أوْ شَتْمًا أوْ أنْ تَقْتُلُونِي، ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ وجَماعَةٍ قِيلَ: لَمّا قالَ: ﴿ وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ ﴾ تَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ فَقالَ ذَلِكَ، وفي اَلْبَحْرِ أنَّ هَذا كانَ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَهُ عَزَّ وجَلَّ بِعَجْزِهِمْ عَنْ رَجْمِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى اَلْجُمْلَةِ اَلْمُسْتَأْنَفَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو.

والأخَوانِ عُتُّ بِإدْغامِ اَلذّالِ في اَلتّاءِ <div class="verse-tafsir"

وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ لِى فَٱعْتَزِلُونِ ٢١

﴿ وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ ﴾ فَكُونُوا بِمَعْزِلِ مِنِّي لا عَلَيَّ ولا لِي ولا تَتَعَرَّضُوا لِي بِسُوءٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ جَزاءَ مَن يَدْعُوكم إلى ما فِيهِ فَلاحُكُمْ، وقِيلَ: اَلْمَعْنى وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَلا مُوالاةَ بَيْنِي وبَيْنَ مَن لا يُؤْمِنُ فَتَنَحَّوْا واقْطَعُوا أسْبابَ اَلْوَصْلَةِ عَنِّي، فَفي اَلْكَلامِ حَذْفُ اَلْجَوابِ وإقامَةُ اَلْمُسَبَّبِ عَنْهُ مَقامَهُ والأوَّلُ أوْفَقُ بِالمَقامِ، والِاعْتِزالُ عَلَيْهِ عِبارَةٌ عَنِ اَلتَّرْكِ وإنْ لَمْ تَكُنْ مُفارَقَةً بِالأبْدانِ <div class="verse-tafsir"

فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ قَوْمٌۭ مُّجْرِمُونَ ٢٢

﴿ فَدَعا رَبَّهُ ﴾ بَعْدَ أنْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ﴿ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ﴾ أيْ بِأنَّ هَؤُلاءِ إلَخْ فَهو بِتَقْدِيرِ اَلْباءِ صِلَةَ اَلدُّعاءِ كَما يُقالُ دَعا بِهَذا اَلدُّعاءِ، وفِيهِ اِخْتِصارٌ كَأنَّهُ قِيلَ: أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ تَناهى أمْرُهم في اَلْكُفْرِ وأنْتَ أعْلَمُ بِهِمْ فافْعَلْ بِهِمْ ما يَسْتَحِقُّونَهُ قِيلَ كانَ دُعاؤُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ اَللَّهُمَّ عَجِّلْ لَهم ما يَسْتَحِقُّونَ بِإجْرامِهِمْ، وقِيلَ: قَوْلُهُ ﴿ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ ﴾ وإنَّما ذَكَرَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ اَلسَّبَبَ اَلَّذِي اِسْتَوْجَبُوا بِهِ اَلْهَلاكَ لِيُعْلَمَ مِنهُ دُعاؤُهُ والإجابَةُ مَعًا وأنَّ دُعاءَهُ كانَ عَلى يَأْسٍ مِن إيمانِهِمْ وهَذا مِن بَلِيغِ اِخْتِصاراتِ اَلْكِتابِ اَلْمُعْجِزِ.

وقَرَأ اِبْنُ أبِي إسْحاقَ.

وعِيسى.

والحَسَنُ في رِوايَةٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِكَسْرِ هَمْزَةِ أنَّ وخُرِّجَ عَلى إضْمارِ اَلْقَوْلِ أيْ قائِلًا إنَّ هَؤُلاءِ إلَخْ <div class="verse-tafsir"

فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٢٣

﴿ فَأسْرِ بِعِبادِي ﴾ وهم بَنُو إسْرائِيلَ ومَن آمَنَ بِهِ مِنَ اَلْقِبْطِ ﴿ لَيْلا ﴾ بِقِطْعٍ مِنَ اَللَّيْلِ، والكَلامُ بِإضْمارِ اَلْقَوْلِ إمّا بَعْدَ اَلْفاءِ أيْ فَقالَ أسْرِ إلَخْ فالفاءُ لِلتَّعْقِيبِ والتَّرْتِيبِ والقَوْلُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ أوْ قَبْلَها كَأنَّهُ قِيلَ قالَ: أوْ فَقالَ إنْ كانَ اَلْأمْرُ كَما تَقُولُ: فَأسْرِ إلَخْ، فالفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ وهو وجَوابُهُ مَقُولُ اَلْقَوْلِ اَلْمُقَدَّرِ مَعَ اَلْفاءِ أوْ بِدُونِها عَلى أنَّهُ اِسْتِئْنافٌ والإضْمارُ اَلْأوَّلُ أوْلى لِقِلَّةِ اَلتَّقْدِيرِ مَعَ أنَّ تَقْدِيرَ أنْ لا يُناسِبُ إذْ لا شَكَّ فِيهِ تَحْقِيقًا ولا تَنْزِيلًا وجَعْلُها بِمَعْنى إذا تَكَلُّفٌ عَلى تَكَلُّفٍ وأبُو حَيّانَ لا يُجِيزُ حَذْفَ اَلشَّرْطِ وإبْقاءَ جَوابِهِ في مِثْلِ هَذا اَلْمَوْضِعِ وقَدْ شَنَّعَ عَلى اَلزَّمَخْشَرِيِّ في تَجْوِيزِهِ، وقَرَأ نافِعٌ.

وابْنُ كَثِيرٍ (فاسْرِ) بِوَصْلِ اَلْهَمْزَةِ مِن سَرى.

﴿ إنَّكم مُتَّبَعُونَ ﴾ يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ إذا عَلِمُوا بِخُرُوجِكم فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ اَلْأمْرِ بِالسَّرى لَيْلًا لِيَتَأخَّرَ اَلْعِلْمُ بِهِ فَلا يُدْرِكُونَ والتَّأْكِيدُ لِتَقَدُّمِ ما يَلُوحُ بِالخَبَرِ <div class="verse-tafsir"

وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْوًا ۖ إِنَّهُمْ جُندٌۭ مُّغْرَقُونَ ٢٤

﴿ واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا ﴾ أيْ ساكِنًا كَما قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ يُقالُ رَها اَلْبَحْرُ يَرْهُو رَهْوًا سَكَنَ ويُقالُ: جاءَتِ اَلْخَيْلُ رَهْوًا أيْ ساكِنَةً، قالَ اَلشّاعِرُ: والخَيْلُ تَمْزَعُ رَهْوًا في أعِنَّتِها كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ اَلشُّؤْبُوبِ ذِي اَلْبَرَدِ ويُقالُ اِفْعَلْ ذَلِكَ رَهْوًا أيْ ساكِنًا عَلى هَيْنَةٍ وأنْشَدَ غَيْرُ واحِدٍ لِلْقُطامِيِّ في نَعْتِ اَلرِّكابِ: يَمْشِينَ رَهْوًا فَلا اَلْأعْجازُ خاذِلَةً ∗∗∗ ولا اَلصُّدُورُ عَلى اَلْأعْجازِ تَتَّكِلُ والظّاهِرُ أنَّهُ مَصْدَرٌ في اَلْأصْلِ يُؤَوَّلُ بِاسْمِ اَلْفاعِلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى اَلسّاكِنِ حَقِيقَةً وعَنْ مُجاهِدٍ رَهْوًا أيْ مُنْفَرِجًا مَفْتُوحًا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ رَها اَلرَّجُلُ يَرْهُو رَهْوًا فَتَحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، وعَنْ بَعْضِ اَلْعَرَبِ أنَّهُ رَأى جَمَلًا فالِجًا أيْ ذا سَنامَيْنِ فَقالَ: سُبْحانَ اَللَّهِ تَعالى رَهْوٌ بَيْنَ سَنامَيْنِ قالُوا: أرادَ فُرْجَةً واسِعَةً، والظّاهِرُ أيْضًا أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَوَّلٌ أوْ فِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ ذا فُرْجَةٍ قالَ قَتادَةُ: أرادَ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ بَعْدَ أنْ جاوَزَ اَلْبَحْرَ هو ومَن مَعَهُ أنْ يَضْرِبَهُ بِعَصاهُ حَتّى يَلْتَئِمَ كَما ضَرَبَهُ أوَّلًا فانْفَلَقَ لِئَلّا يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ فَأُمِرَ بِأنْ يَتْرُكَهُ رَهْوًا أيْ مَفْتُوحًا مُنْفَرِجًا أوْ ساكِنًا عَلى هَيْئَتِهِ قارًّا عَلى حالِهِ مِنَ اِنْتِصابِ اَلْماءِ وكَوْنِ اَلطَّرِيقِ يَبَسًا ولا يَضْرِبْهُ بِعَصاهُ ولا يُغَيِّرْ مِنهُ شَيْئًا لِيَدْخُلَهُ اَلْقِبْطُ فَإذا حَصَلُوا فِيهِ أطْبَقَهُ اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ﴾ فَهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِتَرْكِهِ رَهْوًا، وقِيلَ: رَهْوًا سَهْلًا، وقِيلَ: يابِسًا، وقِيلَ: جُدُدًا، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ والكُلُّ بَيانٌ لِحاصِلِ اَلْمَعْنى، وزَعَمَ اَلرّاغِبُ أنَّ اَلصَّحِيحَ أنَّ اَلرَّهْوَ اَلسَّعَةُ مِنَ اَلطَّرِيقِ ثُمَّ قالَ: ومِنهُ اَلرَّهاءُ اَلْمَفازَةُ اَلْمُسْتَوِيَةُ ويُقالُ لِكُلِّ جَوْبَةٍ مُسْتَوِيَةٍ يَجْتَمِعُ فِيها اَلْماءُ رَهْوٌ ومِنهُ قِيلَ: لا شُفْعَةَ في رَهْوٍ.

والحَقُّ أنَّ ما ذَكَرَهُ مِن جُمْلَةِ إطْلاقاتِهِ وأمّا أنَّهُ اَلصَّحِيحُ فَلا وقُرِئَ (أنَّهُمْ) بِالفَتْحِ أيْ لِأنَّهُمْ <div class="verse-tafsir"

كَمْ تَرَكُوا۟ مِن جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍۢ ٢٥ وَزُرُوعٍۢ وَمَقَامٍۢ كَرِيمٍۢ ٢٦

﴿ كَمْ تَرَكُوا ﴾ أيْ كَثِيرًا تَرَكُوا بِمِصْرَ ﴿ مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ ﴿ وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ ﴾ حَسَنٍ شَرِيفٍ في بابِهِ، وأُرِيدَ بِذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ اَلْمَواضِعُ اَلْحِسانُ مِنَ اَلْمَجالِسِ والمَساكِنِ وغَيْرِها.

وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ.

وابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنْ جابِرٍ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ اَلْمَنابِرُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا، وقِيلَ: اَلسُّرُرُ في اَلْحِجالِ والأوَّلُ أوْلى، وقَرَأ اِبْنُ هُرْمُزٍ.

وقَتادَةُ.

وابْنُ اَلسَّمَيْقَعِ.

ونافِعٌ في رِوايَةِ خارِجَةَ (مُقامٍ) بِضَمِّ اَلْمِيمِ <div class="verse-tafsir"

وَنَعْمَةٍۢ كَانُوا۟ فِيهَا فَـٰكِهِينَ ٢٧

﴿ ونَعْمَةٍ ﴾ أيْ تَنَعُّمٍ، قالَ اَلرّاغِبُ: اَلنَّعْمَةُ بِالفَتْحِ اَلتَّنَعُّمُ وبِناؤُها بِناءُ اَلْمَرَّةِ مِنَ اَلْفِعْلِ كالضَّرْبَةِ والشَّتْمَةِ والنِّعْمَةُ بِالكَسْرِ اَلْحالَةُ اَلْحَسَنَةُ وبِناؤُها بِناءُ اَلَّتِي يَكُونُ عَلَيْها اَلْإنْسانُ كالجِلْسَةِ والرِّكْبَةِ وتُقالُ لِلْجِنْسِ اَلصّادِقِ بِالقَلِيلِ والكَثِيرِ واخْتِيرَ هَهُنا تَفْسِيرُ اَلنَّعْمَةِ بِالشَّيْءِ اَلْمُنْعَمِ بِهِ لِأنَّهُ أنْسَبُ لِلتَّرْكِ وهي كَثِيرًا ما تَكُونُ بِهَذا اَلْمَعْنى.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ (ونَعْمَةً) بِالنَّصْبِ وخُرِّجَ بِالعَطْفِ عَلى ﴿ كَمْ ﴾ ، وقِيلَ: هي مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحَلٍّ ما قَبْلَها كَأنَّهُ قِيلَ: كَمْ تَرَكُوا جَنّاتٍ وعُيُونًا وزُرُوعًا ومَقامًا كَرِيمًا ونَعْمَةً ﴿ كانُوا فِيها فاكِهِينَ ﴾ طَيِّبِي اَلْأنْفُسِ وأصْحابَ فاكِهَةٍ فَفاكِهُ كَلابِنٍ وتامِرٍ، وقالَ اَلْقُشَيْرِيُّ: لاهِينَ، وقَرَأ اَلْحَسَنُ.

وأبُو رَجاءٍ (فَكِهِينَ) بِغَيْرِ ألِفٍ والفَكِهُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في اَلْمُسْتَخِفِّ اَلْمُسْتَهْزِئِ فالمَعْنى مُسْتَخِفِّينَ بِشُكْرِ اَلنِّعْمَةِ اَلَّتِي كانُوا فِيها.

وقالَ اَلْجَوْهَرِيُّ: فَكِهَ اَلرَّجُلُ بِالكَسْرِ فَهو فَكِهٌ إذا كانَ مَزّاحًا والفَكِهُ أيْضًا اَلْأشِرُ <div class="verse-tafsir"

كَذَٰلِكَ ۖ وَأَوْرَثْنَـٰهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ ٢٨

﴿ كَذَلِكَ ﴾ قالَ اَلزَّجّاجُ: اَلْمَعْنى اَلْأمْرُ كَذَلِكَ، والمُرادُ اَلتَّأْكِيدُ والتَّقْرِيرُ فَيُوقَفُ عَلى ذَلِكَ فالكافُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوِ اَلْجارُّ والمَجْرُورُ كَذَلِكَ، وقِيلَ: اَلْكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ نَفْعَلُ فِعْلًا كَذَلِكَ لِمَن نُرِيدُ إهْلاكَهُ، وقَوْلُ اَلْكَلْبِيِّ: أيْ كَذَلِكَ أفْعَلُ بِمَن عَصانِي ظاهِرٌ فِيما ذُكِرَ، وقالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: اَلْكافُ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى مِثْلَ ذَلِكَ اَلْإخْراجِ أيِ اَلْمَفْهُومُ مِمّا تَقَدَّمَ أخْرَجْناهم مِنها ﴿ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى تَرَكُوا والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ فِيما عَدا اَلْقَوْلَ اَلْأخِيرَ وعَلى أخْرَجْناهم فِيهِ، وقِيلَ: اَلْكافُ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى تَرَكُوا تَرْكًا مِثْلَ ذَلِكَ فالعَطْفُ عَلى ﴿ تَرَكُوا ﴾ بِدُونِ اِعْتِراضٍ وهو كَما تَرى، والمُرادُ بِالقَوْمِ اَلْآخَرِينَ بَنُو إسْرائِيلَ وهم مُغايِرُونَ لِلْقِبْطِ جِنْسًا ودِينًا.

ويُفَسِّرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ اَلشُّعَراءِ: ﴿ كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ وهو ظاهِرٌ في أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ ومَلَكُوها وبِهِ قالَ اَلْحَسَنُ.

وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِهِمْ غَيْرُ بَنِي إسْرائِيلَ مِمَّنْ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ اَلْقِبْطِ وإلَيْهِ ذَهَبَ قَتادَةُ قالَ: لَمْ يَرِدْ في مَشْهُورِ اَلتَّوارِيخِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ ولا أنَّهم مَلَكُوها قَطُّ وأوَّلَ ما في سُورَةِ اَلشُّعَراءِ بِأنَّهُ مِن بابِ ﴿ وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ ﴾ وقَوْلِكَ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ فَلَيْسَ اَلْمُرادُ خُصُوصَ ما تَرَكُوهُ بَلْ نَوْعُهُ وما يُشْبِهُهُ، والإيراثُ اَلْإعْطاءُ.

وقِيلَ: اَلْمُرادُ مِن إيراثِها إيّاهم تَمْكِينُهم مِنَ اَلتَّصَرُّفِ فِيها ولا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلى رُجُوعِهِمْ إلى مِصْرَ كَما كانُوا فِيها أوَّلًا، وأخَذَ جَمْعٌ بِقَوْلِ اَلْحَسَنِ وقالُوا لا اِعْتِبارَ بِالتَّوارِيخِ وكَذا اَلْكُتُبِ اَلَّتِي بِيَدِ اَلْيَهُودِ اَلْيَوْمَ لِما أنَّ اَلْكَذِبَ فِيها كَثِيرٌ وحَسْبُنا كِتابُ اَللَّهِ تَعالى وهو سُبْحانَهُ أصْدَقُ اَلْقائِلِينَ وكِتابُهُ جَلَّ وعَلا مَأْمُونٌ مِن تَحْرِيفِ اَلْمُحَرِّفِينَ <div class="verse-tafsir"

فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلْأَرْضُ وَمَا كَانُوا۟ مُنظَرِينَ ٢٩

﴿ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ ﴾ مَجازٌ عَنْ عَدَمِ اَلِاكْتِراثِ بِهَلاكِهِمْ والِاعْتِدادِ بِوُجُودِهِمْ، وهو اِسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ شَبَّهَ حالَ مَوْتِهِمْ لِشِدَّتِهِ وعَظَمَتِهِ بِحالِ مَن تَبْكِي عَلَيْهِ اَلسَّماءُ والأجْرامُ اَلْعِظامُ وأثْبَتَ لَهُ ذَلِكَ والنَّفْيُ تابِعٌ لِلْإثْباتِ في اَلتَّجَوُّزِ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ، وقِيلَ: هي اِسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ بِأنْ شَبَّهَ اَلسَّماءَ والأرْضَ بِالإنْسانِ وأسْنَدَ إلَيْهِما اَلْبُكاءَ أوْ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ شَبَّهَ حالَهُما في عَدَمِ تَغَيُّرِ حالِهِما وبَقائِهِما عَلى ما كانا عَلَيْهِ بِحالِ مَن لَمْ يَبْكِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كَلامَهُمْ، وقَدْ كَثُرَ في اَلتَّعْظِيمِ لِمَهْلِكِ اَلشَّخْصِ بَكَتْ عَلَيْهِ اَلسَّماءُ والأرْضُ وبَكَتْهُ اَلرِّيحُ ونَحْوُ ذَلِكَ، قالَ يَزِيدُ بْنُ مُفَرَّغٍ: اَلرِّيحُ يَبْكِي شَجْوَهُ والبَرْقُ يَلْمَعُ في غَمامِهْ وقالَ اَلنّابِغَةُ: بَكى حارِثُ اَلْجُولانِ مِن فَقْدِ رَبِّهِ ∗∗∗ وحُورانُ مِنهُ خاشِعٌ مُتَضائِلُ أرادَ بِهِما مَكانَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ، وقالَ جَرِيرٌ: لَمّا أتى خَبَرُ اَلزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ اَلْمَدِينَةِ والجِبالُ اَلْخُشَّعُ وقالَ اَلْفَرَزْدَقُ يَرْثِي أمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ اَلْعَزِيزِ: اَلشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ ∗∗∗ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اَللَّيْلِ والقَمَرا يَتَعَجَّبُ مِن طُلُوعِ اَلشَّمْسِ وكانَ مِن حَقِّها أنْ لا تَطْلُعَ أوْ تَطْلُعَ كاسِفَةً، والنُّجُومُ تُرْوى مَنصُوبَةً ومَرْفُوعَةً فالنَّصْبُ عَلى اَلْمُغالَبَةِ أيْ تَغْلِبُ اَلشَّمْسُ اَلنُّجُومَ في اَلْبُكاءِ نَحْوَ باكَيْتُهُ فَبَكَيْتُهُ، قالَ جارُ اَللَّهِ: كانَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَتَهَجَّدُ بِاللَّيْلِ فَتَبْكِيهِ اَلنُّجُومُ ويَعْدِلُ بِالنَّهارِ فَتَبْكِيهِ اَلشَّمْسُ والشَّمْسُ غالِبَةٌ في اَلْبُكاءِ لِأنَّ اَلْعَدْلَ أفْضَلُ مِن صَلاةِ اَللَّيْلِ، والجَوْهَرِيُّ جَعَلَها مَنصُوبَةً بِكاسِفَةٍ أيْ لا تَكْسِفُ ضَوْءَ اَلنُّجُومِ لِكَثْرَةِ بُكائِها وكَأنَّهُ جَعَلَ خَفاءَ اَلنُّجُومِ تَحْتَ ضَوْءِ اَلشَّمْسِ كَسْفًا لَها مَجازًا، وفِيهِ أنَّ اَلْكَسْفَ بِالمَعْنى اَلْمَذْكُورِ غَيْرُ واضِحٍ وتَخَلُّلُ تَبْكِي غَيْرُ مُسْتَفْصَحٍ وفي حَواشِي اَلصِّحاحِ اَلشَّمْسُ كاسِفَةٌ لَيْسَتْ بِطالِعَةٍ.

وفِيها أنَّ نُجُومَ اَللَّيْلِ ظَرْفٌ أيْ طُولَ اَلدَّهْرِ كَأنَّهُ مِن بابِ آتِيكَ اَلشَّمْسَ والقَمَرَ أيْ وقْتَهُما كَأنَّهُ قِيلَ: تَبْكِي ما يَطْلُعُ اَلنُّجُومُ والقَمَرُ، وفِيهِ أنَّ مِثْلَ هَذا اَلظَّرْفِ مَسْمُوعٌ لا يَثْبُتُ إلّا بِثَبْتٍ فَكَيْفَ يُعْدَلُ إلَيْهِ مَعَ اَلْمَعْنى اَلْواضِحِ، وقِيلَ: اَلتَّقْدِيرُ تَبْكِي بُكاءَ اَلنُّجُومِ فَحُذِفَ اَلْمُضافُ، وفِيهِ أنَّهُ مِمّا لا يَكادُ يُفْهَمُ، والرَّفْعُ واضِحٌ والقَمَرُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ وهَذا اِسْتِطْرادٌ دَعانا إلَيْهِ شُهْرَةُ اَلْبَيْتِ مَعَ كَثْرَةِ اَلْخَبْطِ فِيهِ.

وأخْرَجَ اَلتِّرْمِذِيُّ.

وجَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ قالَ قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «(ما مِن عَبْدٍ إلّا ولَهُ في اَلسَّماءِ بابانِ بابٌ يَصْعَدُ مِنهُ عَمَلُهُ وبابٌ يَنْزِلُ مِنهُ رِزْقُهُ فالمُؤْمِنُ إذا ماتَ فَقَداهُ وبَكَيا عَلَيْهِ وتَلا هَذِهِ اَلْآيَةَ ﴿ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ ﴾ وذَكَرَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ عَلى وجْهِ اَلْأرْضِ عَمَلًا صالِحًا فَتَفْقِدُهم فَتَبْكِي عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَصْعَدْ لَهم إلى اَلسَّماءِ مِن كَلامِهِمْ ولا مِن عَمَلِهِمْ كَلامٌ طَيِّبٌ ولا عَمَلٌ صالِحٌ فَتَفْقِدُهم فَتَبْكِي عَلَيْهِمْ».

وأخْرَجَ اَلْبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ اَلْإيمانِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهُما عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: (إنَّ اَلْأرْضَ لَتَبْكِي عَلى اَلْمُؤْمِنِ أرْبَعِينَ صَباحًا ثُمَّ قَرَأ اَلْآيَةَ) وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ اَلْمُؤْمِنَ إذا ماتَ بَكى عَلَيْهِ مُصَلّاهُ مِنَ اَلْأرْضِ ومَصْعِدَ عَمَلِهِ مِنَ اَلسَّماءِ ثُمَّ تَلا ﴿ فَما بَكَتْ ﴾ إلَخْ وجَعَلُوا كُلَّ ذَلِكَ مِن بابِ اَلتَّمْثِيلِ.

ومَن أثْبَتَ كالصُّوفِيَّةِ لِلْأجْرامِ اَلسَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ وسائِرِ اَلْجَماداتِ شُعُورًا لائِقًا بِحالِها لَمْ يَحْتَجْ إلى اِعْتِبارِ اَلتَّمْثِيلِ وأثْبَتَ بُكاءً حَقِيقِيًّا لَها حَسْبَما تَقْتَضِيهِ ذاتُها ويَلِيقُ بِها أوْ أوَّلَهُ بِالحُزْنِ أوْ نَحْوِهِ وأثْبَتَهُ لَها حَسْبَ ذَلِكَ أيْضًا.

وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ.

وابْنُ اَلْمُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ بُكاءُ اَلسَّماءِ حُمْرَةُ أطْرافِها.

وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي اَلدُّنْيا عَنِ اَلْحَسَنِ نَحْوَهُ، وأخْرَجَ عَنْ سُفْيانَ اَلثَّوْرِيِّ قالَ: كانَ يُقالُ هَذِهِ اَلْحُمْرَةُ اَلَّتِي تَكُونُ في اَلسَّماءِ بُكاءُ اَلسَّماءِ عَلى اَلْمُؤْمِنِ ولَعَمْرِي يَنْبَغِي لِمَن لَمْ يَضْحَكْ مِن ذَلِكَ أنْ يَبْكِيَ عَلى عَقْلِهِ، وأنا لا أعْتَقِدُ أنَّ مَن ذُكِرَ مِنَ اَلْأجِلَةِ كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ، وقِيلَ: إنَّ اَلْآيَةَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمْ سُكّانُ اَلسَّماءِ وهُمُ اَلْمَلائِكَةُ وسُكّانُ اَلْأرْضِ وهُمُ اَلْمُؤْمِنُونَ بَلْ كانُوا بِهَلاكِهِمْ مَسْرُورِينَ.

ورُوِيَ هَذا عَنِ اَلْحَسَنِ والأحْسَنُ ما تَقَدَّمَ ﴿ وما كانُوا ﴾ لَمّا جاءَ وقْتُ هَلاكِهِمْ ﴿ مُنْظَرِينَ ﴾ مُمْهَلِينَ إلى وقْتٍ آخَرَ أوْ إلى يَوْمِ اَلْقِيامَةِ بَلْ عُجِّلَ لَهم في اَلدُّنْيا <div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ٣٠ مِن فِرْعَوْنَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيًۭا مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ ٣١

﴿ ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ بِما فَعَلْنا بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ما فَعَلْنا ﴿ مِنَ العَذابِ المُهِينِ ﴾ مِنَ اِسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ وقَتْلِهِ أبْناءَهم واسْتِحْيائِهِ نِساءَهم عَلى اَلْخَسْفِ والضَّيْمِ ﴿ مِن فِرْعَوْنَ ﴾ بَدَلٌ مِنَ اَلْعَذابِ عَلى حَذْفِ اَلْمُضافِ والتَّقْدِيرُ مِن عَذابِ فِرْعَوْنَ أوْ جَعَلَهُ عَلَيْهِ اَللَّعْنَةُ عَيْنَ اَلْعَذابِ مُبالَغَةً، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ يَقَعُ حالًا أيْ كائِنًا مِن جِهَةِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ واقِعٍ صِفَةً أيْ كائِنًا أوِ اَلْكائِنَ مِن فِرْعَوْنَ ولا بَأْسَ بِهَذا إذا لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ مِن حَذْفِ اَلْمَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ.

وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ (مِن عَذابِ اَلْمُهِينِ) عَلى إضافَةِ اَلْمَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ كَبَقْلَةِ اَلْحَمْقاءِ.

وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ مَن (فِرْعَوْنُ) عَلى اَلِاسْتِفْهامِ لِتَهْوِيلِ اَلْعَذابِ أيْ هَلْ تَعْرِفُونَ مَن فِرْعَوْنُ في عُتُوِّهِ وشَيْطَنَتِهِ فَما ظَنُّكم بِعَذابِهِ، وقِيلَ: لِتَحْقِيرِ فِرْعَوْنَ بِجَعْلِهِ غَيْرَ مَعْلُومٍ يُسْتَفْهَمُ عَنْهُ كالنَّكِرَةِ لِما فِيهِ في اَلْقَبائِحِ اَلَّتِي لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُها وما بَعْدُ يُناسِبُ ما قَبْلُ كَما لا يَخْفى.

وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ اَلْجُمْلَةَ اِسْتِئْنافٌ، وقِيلَ: إنَّها مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو صِفَةٌ لِلْعَذابِ، وقُدِّرَ اَلْمَقُولُ عِنْدَهُ إنْ كانَ تَعْرِيفُ اَلْعَذابِ لِلْعَهْدِ ومَقُولٌ إنْ كانَ لِلْجِنْسِ فَلا تَغْفُلْ ﴿ إنَّهُ كانَ عالِيًا ﴾ مُتَكَبِّرًا ﴿ مِنَ المُسْرِفِينَ ﴾ في اَلشَّرِّ والفَسادِ، والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا خَبَرٌ ثانٍ لَكانَ أيْ كانَ مُتَكَبِّرًا مُغْرِقًا في اَلْإسْرافِ، وإمّا حالٌ مِنَ اَلضَّمِيرِ اَلْمُسْتَتِرِ في عالِيًا أيْ كانَ مُتَكَبِّرًا في حالِ إغْراقِهِ في اَلْإسْرافِ <div class="verse-tafsir"

وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَـٰهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ٣٢

﴿ ولَقَدِ اخْتَرْناهُمْ ﴾ أيِ اِصْطَفَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ وشَرَّفْناهم ﴿ عَلى عِلْمٍ ﴾ أيْ عالِمِينَ بِاسْتِحْقاقِهِمْ ذَلِكَ أوْ مَعَ عِلْمٍ مِنّا بِما يَفْرُطُ مِنهم في بَعْضِ اَلْأحْوالِ، وقِيلَ: عالِمِينَ بِما يَصْدُرُ مِنهم مِنَ اَلْعَدْلِ والإحْسانِ والعِلْمِ والإيمانِ، ويَرْجِعُ هَذا إلى ما قِيلَ أوَّلًا فَإنَّ اَلْعَدْلَ وما مَعَهُ مِن أسْبابِ اَلِاسْتِحْقاقِ، وقِيلَ: لِأجْلِ عِلْمٍ فِيهِمْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ رَكِيكٌ لِأنَّ تَنْكِيرَ اَلْعِلْمِ لا يُصادَقُ مِحَزُّهُ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ لِلتَّعْظِيمِ ويَحْسُنُ اِعْتِبارُهُ عِلَّةً لِلِاخْتِيارِ ﴿ عَلى العالَمِينَ ﴾ أيْ عالَمِي زَمانِهِمْ كَما قالَ مُجاهِدٌ.

وقَتادَةُ فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ أوِ اَلِاسْتِغْراقِ اَلْعُرْفِيِّ فَلا يَلْزَمُ تَفْضِيلُهم عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلَّذِينَ هم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ عَلى اَلْإطْلاقِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلِاسْتِغْراقِ اَلْحَقِيقِيِّ والتَّفْضِيلِ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ فِيهِمْ لا مِن كُلِّ اَلْوُجُوهِ حَتّى يَلْزَمَ تَفْضِيلُهم عَلى هَذِهِ اَلْأُمَّةِ اَلْمُحَمَّدِيَّةِ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ اِخْتَرْناهم لِلْإيحاءِ عَلى اَلْوَجْهِ اَلَّذِي وقَعَ وخَصَصْناهم بِهِ دُونَ اَلْعالَمِينَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ في اَلْآيَةِ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ بِمَعْنًى بِمُتَعَلِّقٍ واحِدٍ لِأنَّ اَلْأوَّلَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا والثّانِيَ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ كَقَوْلِهِ: ويَوْمًا عَلى ظَهْرِ اَلْكَثِيبِ تَعَذَّرَتْ عَلَيَّ وآلَتْ حَلْفَةٌ لَمْ تُحَلَّلِ وقِيلَ: لِأنَّ كُلَّ حَرْفٍ بِمَعْنًى <div class="verse-tafsir"

وَءَاتَيْنَـٰهُم مِّنَ ٱلْـَٔايَـٰتِ مَا فِيهِ بَلَـٰٓؤٌۭا۟ مُّبِينٌ ٣٣

﴿ وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ﴾ كَفَلْقِ اَلْبَحْرِ وتَظْلِيلِ اَلْغَمامِ وإنْزالِ اَلْمَنِّ والسَّلْوى وغَيْرِها مِن عَظائِمِ اَلْآياتِ اَلَّتِي لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُها في غَيْرِهِمْ، وبَعْضُها وإنْ أُوتِيَها مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ أنَّهم أُوتُوهُ لِأنَّ ما لِلنَّبِيِّ لِأُمَّتِهِ ﴿ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ ﴾ أيْ نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ أوِ اِخْتِبارٌ ظاهِرٌ لِنَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُونَ، وفي (فِيهِ) إشارَةٌ إلى أنَّ هُناكَ أُمُورًا أُخْرى كَكَوْنِهِ مُعْجِزَةً <div class="verse-tafsir"

إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ ٣٤ إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ٣٥

﴿ إنَّ هَؤُلاءِ ﴾ كُفّارَ قُرَيْشٍ لِأنَّ اَلْكَلامَ فِيهِمْ، وذِكْرُ قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ اِسْتِطْرادِيٌّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مِثْلُهم في اَلْإصْرارِ عَلى اَلضَّلالَةِ والإنْذارِ عَنْ مَثَلِ ما حَلَّ بِهِمْ، وفي اِسْمِ اَلْإشارَةِ تَحْقِيرٌ لَهم ﴿ لَيَقُولُونَ ﴾ ﴿ إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى ﴾ أيْ ما اَلْعاقِبَةُ ونِهايَةُ اَلْأمْرِ إلّا اَلْمَوْتَةُ اَلْأُولى اَلْمُزِيلَةُ لِلْحَياةِ اَلدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ﴾ أيْ بِمَبْعُوثِينَ بَعْدَها، وتَوْصِيفُها بِالأُولى لَيْسَ لِقَصْدِ مُقابَلَةِ اَلثّانِيَةِ كَما في قَوْلِكَ: حَجَّ زَيْدٌ اَلْحُجَّةَ اَلْأُولى، وماتَ.

قالَ اَلْإسْنَوِيُّ في اَلتَّمْهِيدِ: اَلْأوَّلُ في اَللُّغَةِ اِبْتِداءُ اَلشَّيْءِ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ لَهُ ثانٍ وقَدْ لا يَكُونُ، كَما تَقُولُ: هَذا أوَّلُ ما اِكْتَسَبْتُهُ فَقَدْ تَكْتَسِبُ بَعْدَهُ شَيْئًا وقَدْ لا تَكْتَسِبُ كَذا ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ اَلْواحِدِيُّ في تَفْسِيرِهِ والزَّجّاجُ.

ومِن فُرُوعِ اَلْمَسْألَةِ ما لَوْ قالَ: إنْ كانَ أوَّلُ ولَدٍ تَلِدِينَهُ ذَكَرًا فَأنْتِ طالِقٌ تُطَلَّقُ إذا ولَدَتْهُ، وإنْ لَمْ تَلِدْ غَيْرَهُ بِالِاتِّفاقِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: اِتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ كَوْنِهِ أوَّلًا أنْ يَكُونَ بَعْدَهُ آخَرُ، وإنَّما اَلشَّرْطُ أنْ لا يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ اهـ، ومِنهُ يُعْلَمُ ما في قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ اَلْأوَّلَ يُضايِفُ اَلْآخَرَ والثّانِي ويَقْتَضِي وُجُودَهُ بِلا شُبْهَةٍ، والمِثالُ إنْ صَحَّ فَإنَّما هو فِيمَن نَوى تَعَدُّدَ اَلْحَجِّ فاخْتَرَمَتْهُ اَلْمَنِيَّةُ فَلِحَجِّهِ ثانٍ بِاعْتِبارِ اَلْعَزْمِ مِن قُصُورِ اَلِاطِّلاعِ وأنَّهُ لا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ: إنَّها أوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى ما بَعْدَها مِن حَياةِ اَلْآخِرَةِ بَلْ هو في حَدِّ ذاتِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ لِما قالَ اِبْنُ اَلْمُنِيرِ مِن أنَّ اَلْأُولى إنَّما يُقابِلُها أُخْرى تُشارِكُها في أخَصِّ مَعانِيها، فَكَما لا يَصِحُّ أوْ لا يَحْسُنُ أنْ يَقُولَ: جاءَنِي رَجُلٌ واِمْرَأةٌ أُخْرى لا يُقالُ اَلْمَوْتَةُ اَلْأُولى بِالنِّسْبَةِ لِحَياةِ اَلْآخِرَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ قِيلَ لَهم إنَّكم تَمُوتُونَ مَوْتَةً تَتَعَقَّبُها حَياةٌ كَما تَقَدَّمَتْكم مَوْتَةٌ قَدْ تَعَقَّبَتْها حَياةٌ، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ فَقالُوا ﴿ إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى ﴾ يُرِيدُونَ ما اَلْمَوْتَةُ اَلَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَتَعَقَّبَها حَياةٌ، إلّا اَلْمَوْتَةَ اَلْأُولى دُونَ اَلثّانِيَةِ وما هَذِهِ اَلصِّفَةُ اَلَّتِي تَصِفُونَ بِها اَلْمَوْتَةَ مِن تَعَقُّبِ اَلْحَياةِ لَها إلّا لِلْمَوْتَةِ اَلْأُولى خاصَّةً، وهَذا ما اِرْتَضاهُ جارُ اَللَّهِ وأرادَ أنَّ اَلنَّفْيَ والإثْباتَ لَمّا كانَ لِرَدِّ اَلْمُنْكِرِ اَلْمُصِرِّ إلى اَلصَّوابِ كانَ مُنَزَّلًا عَلى إنْكارِهِمْ، لا سِيَّما والتَّعْرِيفُ في اَلْأُولى تَعْرِيفُ عَهْدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ المَوْتَةَ الأُولى ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْمُبْهَمِ وهي عَلى نَحْوِ هي اَلْعَرَبُ تَقُولُ كَذا فَيَتَطابَقانِ والمَعْهُودُ اَلْمَوْتَةُ اَلَّتِي تَعَقَّبَتْها اَلْحَياةُ اَلدُّنْيَوِيَّةُ، ولِذَلِكَ اِسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكُنْتُمْ أمْواتًا ﴾ إلَخْ فَلَيْسَ اِعْتِبارُ اَلْوَصْفِ عُدُولًا عَنِ اَلظّاهِرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ كَما قالَ اِبْنُ اَلْمُنِيرِ.

وقَوْلُهُ في اَلِاعْتِراضِ أيْضًا: إنَّ اَلْمَوْتَ اَلسّابِقَ عَلى اَلْحَياةِ اَلدُّنْيَوِيَّةِ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالمَوْتَةِ لِأنَّ (فِيها) لِمَكانِ بِناءِ اَلْمَرَّةِ إشْعارًا بِالتَّجَدُّدِ والمَوْتُ اَلسّابِقُ مُسْتَصْحِبٌ لَمْ تَتَقَدَّمْهُ حَياةٌ مَدْفُوعٌ كَما قالَ صاحِبُ اَلْكَشْفِ، ثُمَّ إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَفْسِيرِ اَلْمَوْتَةِ اَلْأُولى بِما بَعْدَ اَلْحَياةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى ﴾ تَفْسِيرُها بِذَلِكَ هُنا لِأنَّ إيقاعَ اَلذَّوْقِ عَلَيْها هُناكَ قَرِينَةٌ أنَّها اَلَّتِي بَعْدَ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا لِأنَّ ما قَبْلَ اَلْحَياةِ غَيْرُ مَذُوقٍ، ومَعَ هَذا كُلِّهِ اَلْإنْصافُ أنَّ حَمْلَ اَلْمَوْتَةِ اَلْأُولى هُنا أيْضًا عَلى اَلَّتِي بَعْدَ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا أظْهَرُ مِن حَمْلِها عَلى ما قَبْلَ اَلْحَياةِ مِنَ اَلْعَدَمِ بَلْ هي اَلْمُتَبادِرَةُ إلى اَلْفَهْمِ عِنْدَ اَلْإطْلاقِ اَلْمَعْرُوفَةُ بَيْنَهُمْ، وأمْرُ اَلْوَصْفِ بِالأُولى عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا.

وقِيلَ: إنَّهم وُعِدُوا بَعْدَ هَذِهِ اَلْمَوْتَةِ مَوْتَةَ اَلْقَبْرِ وحَياةَ اَلْبَعْثِ فَقَوْلُهُ تَعالى عَنْهم ﴿ إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى ﴾ رَدٌّ لِلْمَوْتَةِ اَلثّانِيَةِ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ﴾ نَفْيٌ لِحَياةِ اَلْقَبْرِ ضِمْنًا إذْ لَوْ كانَتْ بِدُونِ اَلْمَوْتَةِ اَلثّانِيَةِ لَثَبَتَ اَلنَّشْرُ ضَرُورَةً <div class="verse-tafsir"

فَأْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٣٦

﴿ فَأْتُوا بِآبائِنا ﴾ خِطابٌ لِمَن وعَدَهم بِالنُّشُورِ مِنَ اَلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ أيْ فَأتَوْا لَنا بِمَن ماتَ مِن آبائِنا ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ في وعْدِكم لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى صِدْقِكم ودَلالَةُ اَلْإيقانِ إمّا لِمُجَرَّدِ اَلْإحْياءِ بَعْدَ اَلْمَوْتِ وإمّا بِأنْ يَسْألُوا عَنْهُ، قِيلَ: طَلَبُوا مِنَ اَلرَّسُولِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَدْعُوَ اَللَّهَ تَعالى فَيُحْيِيَ لَهم قُصَيَّ بْنَ كِلابٍ لِيُشاوِرُوهُ في صِحَّةِ اَلنُّبُوَّةِ والبَعْثِ إذْ كانَ كَبِيرَهم ومُسْتَشارَهم في اَلنَّوازِلِ <div class="verse-tafsir"

أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍۢ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ أَهْلَكْنَـٰهُمْ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ مُجْرِمِينَ ٣٧

﴿ أهم خَيْرٌ ﴾ في اَلْقُوَّةِ والمَنَعَةِ ﴿ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ هو تُبَّعُ اَلْأكْبَرُ اَلْحِمْيَرِيُّ واسْمُهُ أسْعَدُ بِهَمْزَةٍ، وفي بَعْضِ اَلْكُتُبِ سَعْدٌ بِدُونِها وكُنْيَتُهُ أبُو كَرْبٍ وكانَ رَجُلًا صالِحًا.

أخْرَجَ اَلْحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ تُبَّعُ رَجُلًا صالِحًا ألا تَرى أنَّ اَللَّهَ تَعالى ذَمَّ قَوْمَهُ ولَمْ يَذُمَّهُ، وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ لا يَشْتَبِهَنَّ عَلَيْكم أمْرُ تُبَّعٍ فَإنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، وأخْرَجَ أحْمَدُ.

والطَّبَرانِيُّ.

وابْنُ أبِي حاتِمٍ.

وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ اَلسّاعِدِيِّ قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإنَّهُ كانَ قَدْ أسْلَمَ)» وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ.

وابْنُ اَلْمُنْذِرِ.

عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألْتُ كَعْبًا عَنْ تُبَّعٍ فَإنِّي أسْمَعُ اَللَّهَ تَعالى يَذْكُرُ في اَلْقُرْآنِ قَوْمَ تُبَّعٍ ولا يَذْكُرُ تُبَّعًا فَقالَ: إنَّ تُبَّعًا كانَ رَجُلًا مِن أهْلِ اَلْيَمَنِ مَلِكًا مَنصُورًا فَسارَ بِالجُيُوشِ حَتّى اِنْتَهى إلى سَمَرْقَنْدَ فَرَجَعَ فَأخَذَ طَرِيقَ اَلشّامِ فَأسَرَ بِها أحْبارًا فانْطَلَقَ بِهِمْ نَحْوَ اَلْيَمَنِ حَتّى إذا دَنا مِن مُلْكِهِ طارَ في اَلنّاسِ أنَّهُ هادِمُ اَلْكَعْبَةِ فَقالَ لَهُ: اَلْأحْبارُ: ما هَذا اَلَّذِي تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ فَإنَّ هَذا اَلْبَيْتَ لِلَّهِ تَعالى وإنَّكَ لَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ فَقالَ: إنَّ هَذا لِلَّهِ تَعالى وأنا أحَقُّ مَن حَرَّمَهُ فَأسْلَمُ مِن مَكانِهِ وأحْرَمَ فَدَخَلَها مُحْرِمًا فَقَضى نُسُكَهُ ثُمَّ اِنْصَرَفَ نَحْوَ اَلْيَمَنِ راجِعًا حَتّى قَدِمَ عَلى قَوْمِهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أشْرافُهم فَقالُوا: يا تُبَّعُ أنْتَ سَيِّدُنا وابْنُ سَيِّدِنا خَرَجْتَ مِن عِنْدِنا عَلى دِينٍ وجِئْتَ عَلى غَيْرِهِ فاخْتَرْ مِنّا أحَدَ أمْرَيْنِ إمّا أنْ تُخَلِّيَنا ومُلْكَنا وتَعْبُدَ ما شِئْتَ وإمّا أنْ تَذَرَ دِينَكَ اَلَّذِي أحْدَثْتَ وبَيْنَهم يَوْمَئِذٍ نارٌ تَنْزِلُ مِنَ اَلسَّماءِ فَقالَ اَلْأحْبارُ عِنْدَ ذَلِكَ: اِجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُمُ اَلنّارَ فَتَواعَدَ اَلْقَوْمُ جَمِيعًا عَلى أنْ يَجْعَلُوها بَيْنَهم فَجِيءَ بِالأحْبارِ وكُتُبِهِمْ وجِيءَ بِالأصْنامِ وعُمّارِها وقُدِّمُوا جَمِيعًا إلى اَلنّارِ وقامَتِ اَلرِّجالُ خَلْفَهم بِالسُّيُوفِ فَهَدَرَتِ اَلنّارُ هَدِيرَ اَلرَّعْدِ ورَمَتْ شُعاعًا لَها فَنَكَصَ أصْحابُ اَلْأصْنامِ وأقْبَلَتِ اَلنّارُ وأحْرَقَتِ اَلْأصْنامَ وعُمّارَها وسَلِمَ اَلْآخَرُونَ فَأسْلَمَ قَوْمٌ واسْتَسْلَمَ قَوْمٌ فَلَبِثُوا بَعْدَ ذَلِكَ عُمْرَ تُبَّعٍ حَتّى إذا نَزَلَ بِتُبَّعٍ اَلْمَوْتُ اِسْتَخْلَفَ أخاهُ وهَلَكَ فَقَتَلُوا أخاهُ وكَفَرُوا صَفْقَةً واحِدَةً، وفي رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ تُبَّعًا لَمّا أقْبَلَ مِنَ اَلشَّرْقِ بَعْدَ أنْ حَبَرَ اَلْحِيرَةَ أيْ بَناها ونَظَمَ أمْرَها.

وهي بِكَسْرِ اَلْحاءِ اَلْمُهْمَلَةِ وياءٍ ساكِنَةٍ مَدِينَةٌ بِقُرْبِ اَلْكُوفَةِ.

وبَنى سَمَرْقَنْدَ وهي مَدِينَةٌ بِالعَجَمِ مَعْرُوفَةٌ، وقِيلَ: إنَّهُ هَدَمَها وقَصَدَ اَلْمَدِينَةَ وكانَ قَدْ خَلَّفَ بِها حِينَ سافَرَ اِبْنًا لَهُ فَقُتِلَ غِيلَةً فَأجْمَعَ عَلى خَرابِها واسْتِئْصالِ أهْلِها فَجَمَعَ لَهُ اَلْأنْصارُ وخَرَجُوا لِقِتالِهِ وكانُوا يُقاتِلُونَهُ بِالنَّهارِ ويُقْرُونَهُ بِاللَّيْلِ فَأعْجَبَهُ ذَلِكَ وقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ لَكِرامٌ فَبَيْنَما هو عَلى ذَلِكَ إذْ جاءَهُ كَعْبٌ.

وأسَدٌ اِبْنا عَمٍّ مِن قُرَيْظَةَ حَبْرانِ وأخْبَراهُ أنَّهُ يُحالُ بَيْنَكَ وبَيْنَ ما تُرِيدُ فَإنَّها مُهاجَرُ نَبِيٍّ مِن قُرَيْشٍ اِسْمُهُ مُحَمَّدٌ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ فَثَناهُ قَوْلُهُما عَمّا يُرِيدُ ثُمَّ دَعَواهُ إلى دِينِهِما فاتَّبَعَهُما وأكْرَمَهُما فانْصَرَفُوا عَنِ اَلْمَدِينَةِ ومَعَهم نَفَرٌ مِنَ اَلْيَهُودِ فَقالَ لَهُ في اَلطَّرِيقِ نَفَرٌ مِن هُذَيْلٍ: نَدُلُّكَ عَلى بَيْتٍ فِيهِ كَنْزٌ مِن لُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَدٍ وذَهَبٍ وفِضَّةٍ بِمَكَّةَ وأرادَتْ هُذَيْلٌ هَلاكَهُ لِأنَّهم عَرَفُوا أنَّهُ ما أرادَهُ أحَدٌ بِسُوءٍ إلّا هَلَكَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلْحِبْرَيْنِ فَقالا: ما نَعْلَمُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ بَيْتًا في اَلْأرْضِ اِتَّخَذَهُ لِنَفْسِهِ غَيْرَ هَذا فاِتَّخِذْهُ مَسْجِدًا وانْسُكْ عِنْدَهُ واحْلِقْ رَأْسَكَ وما أرادَ اَلْقَوْمُ إلّا هَلاكَكَ فَأكْرَمَهُ وكَساهُ وهو أوَّلُ مَن كَسى اَلْبَيْتَ وقَطَعَ أيْدِيَ أُولَئِكَ اَلنَّفَرِ مِن هُذَيْلٍ وأرْجُلَهم وسَمَلَ أعْيُنَهم وصَلَبَهم.

وفي رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ لِلْحِبْرَيْنِ حِينَ قالا لَهُ ما قالا: وأنْتُما ما يَمْنَعُكُما مِن ذَلِكَ؟

فَقالا: أما واَللَّهِ إنَّهُ لَبَيْتُ أبِينا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ وإنَّهُ لَكَما أخْبَرْناكَ ولَكِنَّ أهْلَهُ حالُوا بَيْنَنا وبَيْنَهُ بِالأوْثانِ اَلَّتِي نَصَبُوها حَوْلَهُ وبِالدِّماءِ اَلَّتِي يُرِيقُونَها عِنْدَهُ وهم نَجَسٌ أهْلُ شِرْكٍ فَعَرَفَ صِدْقَهُما ونَصَحَهُما فَطافَ بِالبَيْتِ ونَحَرَ وحَلَقَ رَأسَهُ وأقامَ بِمَكَّةَ سِتَّةَ أيّامٍ فِيما يَذْكُرُونَ يَنْحَرُ لِلنّاسِ ويُطْعِمُ أهْلَها ويَسْقِيهِمُ اَلْعَسَلَ، وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ تَخْرِيبَ اَلْبَيْتِ فَرُمِيَ بِداءٍ عَظِيمٍ فَكَفَّ عَنْهُ وكَساهُ.

وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنِ اِبْنِ إسْحاقَ أنَّ تُبَّعًا أُرِيَ في مَنامِهِ أنْ يَكْسُوَ اَلْبَيْتَ فَكَساهُ اَلْخَصْفَ ثُمَّ أُرِيَ أنْ يَكْسُوَهُ أحْسَنَ مِن ذَلِكَ فَكَساهُ اَلْمَعافِرَ ثُمَّ أُرِيَ أنْ يَكْسُوَهُ أحْسَنَ مِن ذَلِكَ فَكَساهُ اَلْوَصائِلَ وصائِلَ اَلْيَمَنِ فَكانَ فِيما ذُكِرَ لِي أوَّلَ مَن كَساهُ وأوْصى بِها وُلاتَهُ مِن جُرْهُمٍ وأمَرَ بِتَطْهِيرِهِ وجَعَلَ لَهُ بابًا ومِفْتاحًا.

وفي رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ أيْضًا: «ولا تُقَرِّبُوهُ دَمًا ولا مَيِّتًا ولا تَقْرَبُهُ حائِضٌ،» وفي نِهايَةِ اِبْنِ اَلْأثِيرِ في اَلْحَدِيثِ أنَّ تُبَّعًا كَسى اَلْبَيْتَ اَلْمُسُوحَ فانْتَفَضَ اَلْبَيْتُ مِنهُ ومَزَّقَهُ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ كَساهُ اَلْخَصْفَ فَلَمْ يَقْبَلْهُ ثُمَّ كَساهُ اَلْأنْطاعَ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنها أنَّ أوَّلَ مَن كَسى اَلْكَعْبَةَ كُسْوَةً كامِلَةً تُبَّعٌ كَساها اَلْأنْطاعَ ثُمَّ كَساها اَلْوَصائِلَ والخَصْفَ فَعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِنَ اَلْخَصْفِ وهو ضَمُّ اَلشَّيْءِ إلى اَلشَّيْءِ والمُرادُ شَيْءٌ مَنسُوجٌ مِنَ اَلْخُوصِ عَلى ما هو اَلظّاهِرُ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ هَهُنا اَلثِّيابُ اَلْغِلاظُ جِدًّا تَشْبِيهًا بِالخَصْفِ اَلْمَذْكُورِ، والمُعافِرُ بُرُودٌ مِنَ اَلْيَمَنِ مَنسُوبَةٌ إلى مُعافِرَ قَبِيلَةٍ بِها، والمِيمُ زائِدَةٌ، والوَصائِلُ ثِيابٌ حُمْرٌ مُخَطَّطَةٌ يَمانِيَةٌ، والمُسُوحُ جَمْعُ مِسْحٍ بِكَسْرِ اَلْمِيمِ وسُكُونِ اَلْمُهْمَلَةِ أثْوابٌ مِن شَعَرٍ غَلِيظَةٌ، والأنْطاعُ جَمْعُ نِطَعٍ بِالكَسْرِ وبِالفَتْحِ وبِالتَّحْرِيكِ بُسُطٌ مِن أدِيمٍ.

وأخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ.

وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لَمّا قَدِمَ تُبَّعُ اَلْمَدِينَةَ ونَزَلَ بِفِنائِها بَعَثَ إلى أحْبارِ يَهُودَ فَقالَ: إنِّي مُخَرِّبٌ هَذا اَلْبَلَدَ حَتّى لا تَقُومَ بِهِ يَهُودِيَّةٌ ويَرْجِعَ اَلْأمْرُ إلى دِينِ اَلْعَرَبِ فَقالَ لَهُ شامُولُ اَلْيَهُودِيُّ وهو يَوْمَئِذٍ أعْلَمُهُمْ: أيُّها اَلْمَلِكُ إنَّ هَذا بَلَدٌ يَكُونُ إلَيْهِ مُهاجَرُ نَبِيٍّ مِن بَنِي إسْماعِيلَ مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ اِسْمُهُ أحْمَدُ وهَذِهِ دارُ هِجْرَتِهِ إلى أنْ قالَ: قالَ وما صِفَتُهُ؟

قالَ: رَجُلٌ لَيْسَ بِالقَصِيرِ ولا بِالطَّوِيلِ في عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ يَرْكَبُ اَلْبَعِيرَ ويَلْبَسُ اَلشَّمْلَةَ سَيْفُهُ عَلى عاتِقِهِ لا يُبالِي مَن لاقى حَتّى يَظْهَرَ أمْرُهُ فَقالَ تُبَّعٌ: ما إلى هَذا اَلْبَلَدِ مِن سَبِيلٍ وما كانَ لِيَكُونَ خَرابُها عَلى يَدَيَّ.

وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ اَلرِّياشِيُّ أنَّهُ آمَنَ بِالنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ بِسَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ، وقِيلَ: بَيْنَهُ وبَيْنَ مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ ألْفُ سَنَةٍ، والقَوْلانِ يَدُلّانِ عَلى أنَّهُ قَبْلَ مَبْعَثِ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ.

وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَقُولُوا في تُبَّعٍ إلّا خَيْرًا فَإنَّهُ قَدْ حَجَّ اَلْبَيْتَ وآمَنَ بِما جاءَ بِهِ عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَعْدَ مَبْعَثِ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، والأوَّلُ أشْهَرُ.

ومِن حَدِيثِ عَبّادِ بْنِ زِيادٍ اَلْمُرِّيِّ أنَّهُ لَمّا أخْبَرَهُ اَلْيَهُودُ أنَّهُ سَيَخْرُجُ نَبِيٌّ بِمَكَّةَ يَكُونُ قَرارُهُ بِهَذا اَلْبَلَدِ.

يَعْنِي اَلْمَدِينَةَ اِسْمُهُ أحْمَدُ وأخْبَرُوهُ أنَّهُ لا يُدْرِكُهُ قالَ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ: أقِيمُوا بِهَذا اَلْبَلَدِ فَإنْ خَرَجَ فِيكم فَوازِرُوهُ وإنْ لَمْ يَخْرُجْ فَأوْصُوا بِذَلِكَ أوْلادَكُمْ، وقالَ في شِعْرِهِ: حُدِّثْتُ أنَّ رَسُولَ اَلْمَلِي كِ يَخْرُجُ حَقًّا بِأرْضِ اَلْحَرَمْ ولَوْ مُدَّ دَهْرِي إلى دَهْرِهِ ∗∗∗ لَكُنْتُ وزِيرًا لَهُ وابْنَ عَمْ وفِي اَلْبَحْرِ بَدَلَ اَلْبَيْتِ اَلْأوَّلِ: شَهِدْتُ عَلى أحْمَدَ أنَّهُ ∗∗∗ رَسُولٌ مِنَ اَللَّهِ بارِي اَلنِّسَمْ وفِيهِ أيْضًا رِوايَةٌ عَنِ اِبْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ أنَّهُ كَتَبَ أيْضًا كِتابًا وكانَ فِيهِ: أمّا بَعْدُ فَإنِّي آمَنتُ بِكَ وبِكِتابِكَ اَلَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكَ وأنا عَلى دِينِكَ وسُنَّتِكَ وآمَنتُ بِرَبِّكَ ورَبِّ كُلِّ شَيْءٍ وآمَنتُ بِكُلِّ ما جاءَ مِن رَبِّكَ مِن شَرائِعِ اَلْإسْلامِ فَإنْ أدْرَكْتُكَ فَبِها ونِعْمَتْ وإنْ لَمْ أُدْرِكْكَ فاشْفَعْ لِي ولا تَنْسَنِي يَوْمَ اَلْقِيامَةِ فَإنِّي مِن أُمَّتِكَ اَلْأوَّلِينَ وتابِعِيكَ قَبْلَ مَجِيئِكَ وأنا عَلى مِلَّتِكَ ومِلَّةِ أبِيكَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، ثُمَّ خَتَمَ اَلْكِتابَ ونَقَشَ عَلَيْهِ لِلَّهِ اَلْأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ، وكَتَبَ عُنْوانَهُ إلى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ نَبِيِّ اَللَّهِ ورَسُولِهِ خاتَمِ اَلنَّبِيِّينَ ورَسُولِ رَبِّ اَلْعالَمِينَ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن تُبَّعٍ اَلْأوَّلِ ودَفَعَهُ إلى عَظِيمٍ مِنَ اَلْأوْسِ والخَزْرَجِ وأمَرَهُ أنْ يَدْفَعَهُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ إنْ أدْرَكَهُ.

ويُقالُ: إنَّهُ بَنى لَهُ دارًا في اَلْمَدِينَةِ يَسْكُنُها إذا أدْرَكَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدِمَ إلَيْها وأنَّ تِلْكَ اَلدّارَ دارُ أبِي أيُّوبَ خالِدِ بْنِ زَيْدٍ وأنَّ اَلشِّعْرَ والكِتابَ وصَلا إلَيْهِ وأنَّهُ مِن ولَدِ ذَلِكَ اَلرَّجُلِ اَلَّذِي دُفِعا إلَيْهِ أوَّلًا، ولَمّا ظَهَرَ اَلنَّبِيُّ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ دَفَعُوا اَلْكِتابَ إلَيْهِ فَلَمّا قُرِئَ عَلَيْهِ قالَ: «مَرْحَبًا بِتُبَّعٍ اَلْأخِ اَلصّالِحِ ثَلاثَ مَرّاتٍ».

وجاءَ أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَلّى عَلَيْهِ صَلاةَ اَلْجِنازَةِ وكَذا عَلى اَلْبَراءِ بْنِ مَعْرُورٍ بَعْدَ وفاتِهِ بِشَهْرٍ يَوْمَ قُدُومِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ اَلْمَدِينَةَ كَما قالَ اَلنَّجْمُ اَلْغَيْطِيُّ وكانَتْ صَلاةُ اَلْجِنازَةِ قَدْ فُرِضَتْ تِلْكَ اَلسَّنَةَ، وكَوْنُ هَذا هو تُبَّعًا اَلْأوَّلَ ويُقالُ لَهُ اَلْأكْبَرُ هو اَلْمَذْكُورُ في غَيْرِ ما كِتابٍ، وذَكَرَ عَبْدُ اَلْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ بَدْرُونَ في شَرْحِهِ لِقَصِيدَةِ اِبْنِ عَبْدُونَ أنَّ أسْعَدَ هَذا هو تُبَّعٌ اَلْأوْسَطُ وذَكَرَ أيْضًا أنَّ مُلْكَهُ ثَلاثُمِائَةٍ وعِشْرُونَ سَنَةً ومَلَكَ بَعْدَهُ عَمْرٌو أرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وقالَ اِبْنُ قُتَيْبَةَ حَسّانُ وهو اَلَّذِي قَتَلَ زَرْقاءَ اَلْيَمامَةِ وأبادَ جُدَيْسًا وكانَ مُلْكُهُ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً والتَّوارِيخُ ناطِقَةٌ بِتَقَدُّمُ تَبابِعَةٍ عَلَيْهِ فَإنَّ تُبَّعًا يُقالُ لِمَن مَلَكَ اَلْيَمَنَ مُطْلَقًا كَما يُقالُ لِمَلِكِ اَلتُّرْكِ خاقانُ، والرُّومِ قَيْصَرُ، والفُرْسِ كِسْرى أوْ لا يُسَمّى بِهِ إلّا إذا كانَتْ لَهُ حِمْيَرُ وحَضْرَمَوْتُ كَما في اَلْقامُوسِ أوْ إلّا إذا كانَتْ لَهُ حِمْيَرُ وسَبَأٌ وحَضْرَمَوْتُ كَما ذَكَرَهُ اَلطَّيِّبِيُّ، والمُتَّصِفُ بِذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ خَبَرًا بِالتَّوارِيخِ.

وما تَقَدَّمَ مِن حِكايَةِ أنَّهُ هَدَمَ سَمَرْقَنْدَ ذَكَرَ عَبْدُ اَلْمَلِكِ خِلافَهُ ونَسَبَ هَدْمَها إلى شَمَرَ بْنِ إفْرِيقِيسَ بْنِ أبَرْهَةَ أحَدِ اَلتَّبابِعَةِ أيْضًا كانَ قَبْلَ تُبَّعٍ اَلْمَذْكُورِ بِكَثِيرٍ قالَ: إنَّ شَمَرَ خَرَجَ نَحْوَ اَلْعِراقِ ثُمَّ تَوَجَّهَ يُرِيدُ اَلصِّينَ ودَخَلَ مَدِينَةَ اَلصَّغْدِ فَهَدَمَها وسُمِّيَتْ شَمَرَ كَنْدَ أيْ شَمَرَ خَرَّبَها وعُرِّبَتْ بَعْدُ فَقِيلَ سَمَرْقَنْدُ اهـ.

وحِكايَةُ اَلْبِناءِ يُمْكِنُ نِسْبَتُها إلى شَمَرَ هَذا فَإنَّ كَنْدَ في لُغَةِ أهْلِ أذَرَبِيجانَ ونَواحِيها عَلى ما قِيلَ بِمَعْنى اَلْقَرْيَةِ فَسَمَرْقَنْدُ بِمَعْنى قَرْيَةِ شَمَرَ وهو أوْفَقُ بِالبِناءِ، وذَكَرَ عَلّامَةُ عَصْرِهِ اَلْمُلّا أمِينُ أفَنْدِي اَلْعُمَرِيُّ اَلْمَوْصِلِيُّ تَغَمَّدَهُ اَللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ في كِتابِهِ شَرْحِ ذاتِ اَلشِّفاءِ أنَّ تُبَّعًا اَلَّذِي ذُكِرَ سابِقًا هو اِبْنُ حَسّانَ وأنَّهُ مَلَكَ اَلدُّنْيا كُلَّها وأنَّهُ يُقالُ لَهُ اَلرّائِشُ لِأنَّهُ راشَ اَلنّاسَ بِالعَطاءِ، ولَعَلَّ ما قالَهُ قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ وإلّا فَقَدَ قالَ اِبْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهُ اِبْنُ كَلِيكَرْبَ.

وفِي شَرْحِ قَصِيدَةِ اِبْنِ عَبْدُونَ أنَّ اَلرّائِشَ لَقَبُ اَلْحارِثِ بْنِ بَدْرٍ أحَدِ اَلتَّبابِعَةِ، وهو قَبْلَ أسْعَدَ اَلْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ بِزَمانٍ طَوِيلٍ جِدًّا، وهو أيْضًا مِمَّنْ ذَكَرَ نَبِيَّنا صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في شِعْرِهِ فَقالَ: ويَمْلُكُ بَعْدَهم رَجُلٌ عَظِيمٌ ∗∗∗ نَبِيٌّ لا يُرَخِّصُ في اَلْحَرامِ يُسَمّى أحَمَدًا يا لَيْتَ أنِّي ∗∗∗ أعَمَّرُ بَعْدَ مَخْرَجِهِ بِعامِ ثُمَّ إنَّ مُلْكَهُ اَلدُّنْيا كُلِّها غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وبِالجُمْلَةِ اَلْأخْبارُ مُضْطَرِبَةٌ في أمْرِ اَلتَّبابِعَةِ وأحْوالِهِمْ وتَرْتِيبِ مُلُوكِهِمْ بَلْ قالَ صاحِبُ تَوارِيخِ اَلْأُمَمِ: لَيْسَ في اَلتَّوارِيخِ أسْقَمُ مِن تارِيخِ مُلُوكِ حِمْيَرَ لِما يُذْكَرُ مِن كَثْرَةِ عَدَدِ سِنِينِهِمْ مَعَ قِلَّةِ عَدَدِ مُلُوكِهِمْ فَإنَّ مُلُوكَهم سِتَّةٌ وعِشْرُونَ ومُدَّتَهم ألِفانِ وعِشْرُونَ سَنَةً.

وقالَ بَعْضٌ: إنَّ مُدَّتَهم ثَلاثَةُ آلافٍ واثْنانِ وثَمانُونَ سَنَةً ثُمَّ مَلَكَ مِن بَعْدِهِمُ اَلْيَمَنَ اَلْحَبَشَةُ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ اَلْحالِ، والقَدْرُ اَلْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هَهُنا أنَّ تُبَّعًا اَلْمَذْكُورَ هو أسْعَدُ أبُو كَرْبٍ وأنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا بِنَبِيِّنا صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وحِكايَةُ نُبُوَّتِهِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما لا تَصِحُّ، وإخْبارُهُ بِمَبْعَثِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَقْتَضِيها لِأنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ مِن أحْبارِ اَلْيَهُودِ وهم عَرَفُوهُ مِنَ اَلْكُتُبِ اَلسَّماوِيَّةِ.

وما رُوِيَ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ما أدْرِي أكانَ تُبَّعٌ نَبِيًّا أوْ غَيْرَ نَبِيٍّ لَمْ يَثْبُتْ، نَعَمْ رَوى أبُو داوُدَ.

والحاكِمُ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «(ما أدْرِي أذُو اَلْقَرْنَيْنِ هو أمْ لا)» ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى اَلتَّرَدُّدِ في نَبُّوتِهِ وعَدَمِها فَإنَّ ذا اَلْقَرْنَيْنِ لَيْسَ بِنَبِيٍّ عَلى اَلصَّحِيحِ، ثُمَّ إنَّ اَلظّاهِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ دَرى بَعْدُ أنَّهُ لَيْسَ ذا اَلْقَرْنَيْنِ.

وقالَ قَوْمٌ: لَيْسَ اَلْمُرادُ بِتُبَّعٍ هَهُنا رَجُلًا واحِدًا إنَّما اَلْمُرادُ مُلُوكُ اَلْيَمَنِ، وهو خِلافُ اَلظّاهِرِ والأخْبارُ تُكَذِّبُهُ، ومَعْنى تُبَّعٍ مَتْبُوعٌ فَهو فُعَّلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وقَدْ يَجِيءُ هَذا اَللَّفْظُ بِمَعْنى فاعِلٍ كَما قِيلَ لِلظِّلِّ تُبَّعٌ لِأنَّهُ يَتْبَعُ اَلشَّمْسَ، ويُقالُ لِمُلُوكِ اَلْيَمَنِ أقْيالُ مِن يَقِيلُ فُلانٌ أباهُ إذا اِقْتَدى بِهِ لِأنَّهم يُقْتَدى بِهِمْ، وقِيلَ: سُمِّيَ مَلِكُهم قِيلًا لِنُفُوذِ أقْوالِهِ وهو مُخَفَّفُ قَيِّلٍ كَمَيِّتٍ.

﴿ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أيْ قَبْلَ قَوْمِ تُبَّعٍ كَعادٍ وثَمُودَ أوْ قَبْلَ قُرَيْشٍ فَهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ ﴿ أهْلَكْناهُمْ ﴾ اِسْتِئْنافٌ لِبَيانِ عاقِبَةِ أمْرِهِمْ هَدَّدَ بِهِ كُفّارَ قُرَيْشٍ أوْ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ مِنَ اَلضَّمِيرِ اَلْمُسْتَتِرِ في اَلصِّلَةِ أوْ خَبَرٌ عَنِ اَلْمَوْصُولِ إنْ جُعِلَ مُبْتَدَأً ولَمْ يُعْطَفْ عَلى ما قَبْلَهُ ﴿ إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِإهْلاكِهِمْ أيْ أهْلَكْناهم بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ فَلْيَحْذَرْ كُفّارُ قُرَيْشٍ اَلْإهْلاكَ لِإجْرامِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ ٣٨

﴿ وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما ﴾ أيْ ما بَيْنَ اَلْجِنْسَيْنِ وهو شامِلٌ لِما بَيْنَ اَلطَّبَقاتِ.

وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ (وما بَيْنَهُنَّ) فالضَّمِيرُ لِمَجْمُوعِ اَلسَّمَواتِ والأرْضِ ﴿ لاعِبِينَ ﴾ أيْ عابِثِينَ وهو دَلِيلٌ عَلى وُقُوعِ اَلْحَشْرِ كَما مَرَّ في اَلْأنْبِياءِ وغَيْرِها <div class="verse-tafsir"

مَا خَلَقْنَـٰهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٣٩

﴿ ما خَلَقْناهُما ﴾ أيْ وما بَيْنَهُما ﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ اِسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ اَلْأحْوالِ أيْ ما خَلَقْناهُما مُلْتَبِسِينَ بِشَيْءٍ مِنَ اَلْأشْياءِ إلّا مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ اَلْحالِ مِنَ اَلْفاعِلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ اَلْحالِ مِنَ اَلْمَفْعُولِ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ فِيهِما، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ اَلْأسْبابِ أيْ ما خَلَقْناهُما بِسَبَبٍ مِنَ اَلْأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ اَلْحَقِّ اَلَّذِي هو اَلْإيمانُ والطّاعَةُ والبَعْثُ والجَزاءُ والمُلابَسَةُ أظْهَرُ ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ تَذْيِيلٌ وتَجْهِيلٌ فَخِيمٌ لِمُنْكِرِي اَلْحَشْرِ وتَوْكِيدٌ لِأنَّ إنْكارَهم يُؤَدِّي إلى إبْطالِ اَلْكائِناتِ بِأسْرِها ﴿ وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وهو عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ ولِهَذا قالَ اَلْمُؤْمِنُونَ: ﴿ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ ﴾ <div class="verse-tafsir"

إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَـٰتُهُمْ أَجْمَعِينَ ٤٠

﴿ إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ ﴾ أيْ فَصْلِ اَلْحَقِّ عَنِ اَلْباطِلِ والمُحِقِّ عَنِ اَلْمُبْطِلِ بِالجَزاءِ أوْ فَصْلِ اَلشَّخْصِ عَنْ أحْبابِهِ وذَوِي قَرابَتِهِ ﴿ مِيقاتُهُمْ ﴾ وقْتُ وعْدِهِمْ ﴿ أجْمَعِينَ ﴾ وقُرِئَ (مِيقاتَهُمْ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ اِسْمُ إنَّ والخَبَرُ (يَوْمُ اَلْفَصْلِ) أيْ إنَّ مِيعادَ حِسابِهِمْ وجَزائِهِمْ في يَوْمِ اَلْفَصْلِ ولَيْسَ مِثْلَ إنَّ حُرّاسُنا أسَدًا <div class="verse-tafsir"

يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلًى عَن مَّوْلًۭى شَيْـًۭٔا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ٤١

﴿ يَوْمَ لا يُغْنِي ﴾ بَدَلٌ مِن (يَوْمَ اَلْفَصْلِ) أوْ عَطْفُ بَيانٍ عِنْدَ مَن لا يَشْتَرِطُ اَلْمُطابَقَةَ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا، وجُوِّزَ نَصْبُهُ بِأعْنِي مُقَدَّرًا وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ اَلْفَصْلُ لا لَهُ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ بِأجْنَبِيٍّ، وهو مَصْدَرٌ لا يَعْمَلُ إذا فُصِلَ لِضَعْفِهِ أوْ لَهُ عَلى قَوْلِ مَنِ اِغْتَفَرَ اَلْفَصْلَ إذا كانَ اَلْمَعْمُولُ ظَرْفًا كابْنِ اَلْحاجِبِ، والرَّضِيِّ، وجَوَّزَ أبُو اَلْبَقاءِ كَوْنَهُ صِفَةً لِمِيقاتِهِمْ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ جامِدٌ نَكِرَةٌ لِإضافَتِهِ لِلْجُمْلَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ مَعَ أنَّهُ لا يَصِحُّ بِناؤُهُ عِنْدَ اَلْبَصْرِيِّينَ إذا أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ صَدْرُها مُعْرَبٌ وهو اَلْمُضارِعُ أيْ يَوْمَ لا يَجْزِي ﴿ مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ﴾ مِنَ اَلْأغْنِياءِ أيَّ اَلْإجْزاءِ، فَشَيْئًا مَنصُوبٌ عَلى اَلْمَصْدَرِيَّةِ ويَجُوزُ كَوْنُهُ مَفْعُولًا بِهِ، ويُغْنِي بِمَعْنى يَدْفَعُ ويَنْفَعُ.

وتَنْكِيرُ (شَيْئًا) لِلتَّقْلِيلِ، والمَوْلى اَلصّاحِبُ اَلَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَوَلّى مَعُونَةَ صاحِبِهِ عَلى أُمُورِهِ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ اِبْنُ اَلْعَمِّ والحِلْفُ والعَتِيقُ والمُعْتِقُ وغَيْرُهُ، وذَكَرَ اَلْخَفاجِيُّ أنَّهُ مِنَ اَلْوِلايَةِ وهي اَلتَّصَرُّفُ فَيَشْمَلُ كُلَّ مَن يَتَصَرَّفُ في آخَرَ لِأمْرٍ ما كَقَرابَةٍ وصَداقَةٍ وهو قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرْنا.

وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ اِسْتِعْمالِ اَلْمُشْتَرِكِ في أكْثَرَ مِن مَعْنًى واحِدٍ، ولَوْ سُلِّمَ أنْ هُناكَ مُشْتَرِكًا اِسْتُعْمِلَ في أكْثَرَ مِن مَعْنًى كانَتِ اَلْآيَةُ دَلِيلًا لِابْنِ اَلْهُمامِ عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ في جَوازِ ذَلِكَ في اَلنَّفْيِ فَيُقالُ عِنْدَهُ: ما رَأيْتُ عَيْنًا ويُرادُ اَلْعَيْنُ اَلْباصِرَةُ وعَيْنُ اَلذَّهَبِ وغَيْرُها ويُعْلَمُ مِن نَفْيِ إغْناءِ اَلْمَوْلى نَفْيُ إغْناءِ غَيْرِهِ مِن بابٍ أوْلى.

﴿ ولا هم يُنْصَرُونَ ﴾ اَلضَّمِيرُ عِنْدَ جَمْعٍ لِلْمَوْلى اَلْأوَّلِ؛ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ اَلْمَعْنى لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ اَلنَّفْيِ وهي تَعُمُّ دُونَ اَلثّانِي لِأنَّهُ أفْيَدُ وأبْلَغُ لِأنَّ حالَ اَلْمَوْلى اَلثّانِي نُصْرَتُهُ مَعْلُومٌ مِن نَفْيِ اَلْإغْناءِ اَلسّابِقِ، ولِأنَّهُ إذا لَمْ يَنْصُرُ مَنِ اِسْتَنَدَ إلَيْهِ فَكَيْفَ هُوَ، وأيْضًا وجْهُ جَمْعِ اَلضَّمِيرِ فِيهِ أظْهَرُ، وجُوِّزَ عَوْدُهُ عَلى اَلثّانِي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَنْصُرُهُ غَيْرُ مَوْلاهُ وهو في سِياقِ اَلنَّفْيِ أيْضًا وإنْ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ بِمَرْتَبَةِ اَلْأوَّلِ.

نَعَمْ قِيلَ في وجْهِ اَلْجَمْعِ عَلَيْهِما: إنَّ اَلنَّكِرَةَ في سِياقِ اَلنَّفْيِ تَدُلُّ عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ فَلا يَرْجِعُ اَلضَّمِيرُ لَها جَمْعًا.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَطَّرِدُ لِأنَّها قَدْ تُحْمَلُ عَلى اَلْمَجْمُوعِ بِقَرِينَةِ عَوْدِ ضَمِيرِ اَلْجَمْعِ عَلَيْها، ولَعَلَّ اَلْأوْلى عَوْدُ اَلضَّمِيرِ عَلى اَلْمَوْلى اَلْمَفْهُومِ مِنَ اَلنَّكِرَةِ اَلْمَنفِيَّةِ، وقالَ بَعْضٌ: لَوْ جُعِلَ اَلضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ كَضَمِيرِ (مِيقاتُهُمْ) كَثُرَتِ اَلْفائِدَةُ وقَلَّتِ اَلْمَئُونَةُ فَتَأمَّلْ <div class="verse-tafsir"

إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٤٢

﴿ إلا مَن رَحِمَ اللَّهُ ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ (يُنْصَرُونَ) أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى اَلِاسْتِثْناءِ مِنهُ أيْ لا يُمْنَعُ مِنَ اَلْعَذابِ إلّا مَن رَحِمَهُ اَللَّهُ تَعالى وذَلِكَ بِالعَفْوِ عَنْهُ وقَبُولِ اَلشَّفاعَةِ فِيهِ.

وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلًا أوِ اِسْتِثْناءً مِن (مَوْلًى) وفِيهِ كَما في اَلْأوَّلِ دَلِيلٌ عَلى ثُبُوتِ اَلشَّفاعَةِ لَكِنَّ اَلرُّجْحانَ لِلْأوَّلِ لَفْظًا ومَعْنًى؛ والِاسْتِثْناءُ مِن أيٍّ كانَ مُتَّصِلٌ، وقالَ اَلْكِسائِيُّ: إنَّهُ مُنْقَطِعٌ أيْ لَكِنْ مَن رَحِمَهُ اَللَّهُ تَعالى فَإنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى قَرِيبٍ يَنْفَعُهُ ولا إلى ناصِرٍ يَنْصُرُهُ، ولا وجْهَ لَهُ مَعَ ظُهُورِ اَلِاتِّصالِ، نَعَمْ إنَّهُ لا يَتَأتّى عَلى كَوْنِ اَلِاسْتِثْناءِ مِنَ اَلضَّمِيرِ وكَوْنِهِ راجِعًا لِلْكُفّارِ فَلا تَغْفُلْ.

﴿ إنَّهُ هو العَزِيزُ ﴾ اَلْغالِبُ اَلَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ سُبْحانَهُ تَعْذِيبَهُ ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ لِمَن أرادَ أنْ يَرْحَمَهُ عَزَّ وجَلَّ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ ٤٣ طَعَامُ ٱلْأَثِيمِ ٤٤

﴿ إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ﴾ مَرَّ مَعْنى اَلزَّقُّومِ في اَلصّافّاتِ وقُرِئَ (شِجَرَةَ) بِكَسْرِ اَلشِّينِ ﴿ طَعامُ الأثِيمِ ﴾ أيِ اَلْكَثِيرِ اَلْآثامِ والمُرادُ بِهِ اَلْكافِرُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ عَلَيْهِ دُونَ ما يَعُمُّهُ والعاصِي اَلْمُكْثِرِ مِنَ اَلْمَعاصِي ثُمَّ إنَّ اَلْمُرادَ بِهِ جِنْسُ اَلْكافِرِ لا واحِدَ بِعَيْنِهِ، وقالَ اِبْنُ زَيْدٍ.

وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ هَنا أبُو جَهْلٍ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ ولا دَلِيلَ عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ أبِي مالِكٍ مِن أنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَأْتِي بِالتَّمْرِ والزُّبْدِ فَيَقُولُ: تَزَقَّمُوا فَهَذا اَلزَّقُّومُ اَلَّذِي يَعِدُكم بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ ﴿ إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ﴾ ﴿ طَعامُ الأثِيمِ ﴾ لِما لا يَخْفى، ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّهُ اَلْوَلِيدُ.

وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ اَلْأنْبارِيِّ.

وابْنُ اَلْمُنْذِرِ عَنْ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ أنَّ اِبْنَ مَسْعُودٍ أقْرَأ رَجُلًا ﴿ إنَّ شَجَرَتَ اَلزَّقُّومِ ﴾ ﴿ طَعامُ الأثِيمِ ﴾ فَقالَ اَلرَّجُلُ طَعامُ اَلْيَثِيمِ فَرَدَّدَها عَلَيْهِ فَلَمْ يَسْتَقِمْ بِها لِسانُهُ فَقالَ أتَسْتَطِيعُ أنْ تَقُولَ طَعامُ اَلْفاجِرِ؟

قالَ: نَعَمْ قالَ: فافْعَلْ، وأخْرَجَ اَلْحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي اَلدَّرْداءِ أنَّهُ وقَعَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فَلَمّا رَأى اَلرَّجُلَ أنَّهُ لا يَفْهَمُ قالَ: إنَّ شَجَرَةَ اَلزَّقُّومِ طَعامُ اَلْفاجِرِ.

واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ إبْدالَ كَلِمَةٍ مَكانَ كَلِمَةٍ جائِزٌ إذا كانَتْ مُؤَدِّيَةً مَعْناها.

وتَعَقَّبَهُ اَلْقاضِي أبُو بَكْرٍ في اَلِانْتِصارِ بِأنَّهُ أرادَ أنْ يُنَبِّهَهُ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُ اَلْيَتِيمَ بَلِ اَلْفاجِرَ فَيَنْبَغِي أنْ يَقْرَأ (اَلْأثِيمِ) وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا اَلتَّأْوِيلَ لا يَكادُ يَتَأتّى فِيما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ فَإنَّهُ كالنَّصِّ في تَجْوِيزِ اَلْإبْدالِ لِذَلِكَ اَلرَّجُلِ وأبْعَدُ مِنهُ عَنِ اَلتَّأْوِيلِ ما أخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ كانَ يُقْرِئُ رَجُلًا فارِسِيًّا فَكانَ إذا قَرَأ عَلَيْهِ ﴿ إنَّ شَجَرَتَ اَلزَّقُّومِ ﴾ ﴿ طَعامُ الأثِيمِ ﴾ قالَ: طَعامُ اَلْيَتِيمِ فَمَرَّ بِهِ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «(قُلْ لَهُ طَعامُ اَلظَّلّامِ)» فَقالَها فَفَصَحَ بِها لِسانُهُ، وفي اَلْبابِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ جِيادُ اَلْأسانِيدِ كَخَبَرِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «(أُنْزِلَ اَلْقُرْآنُ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ عَلِيمًا حَكِيمًا غَفُورًا رَحِيمًا)» .

وكَخَبَرِهِ مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ كُلُّهُ أيِ اَلْقُرْآنُ شافٍ كافٍ ما لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذابٍ بِرَحْمَةٍ أوْ رَحْمَةٍ بِعَذابٍ نَحْوُ قَوْلِكَ تَعالَ وأقْبِلْ وأسْرِعْ وعَجِّلْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنْ قالَ اَلطَّحاوِيُّ: إنَّما كانَ ذَلِكَ رُخْصَةً لَمّا كانَ يَتَعَسَّرُ عَلى كَثِيرٍ مِنهُمُ اَلتِّلاوَةُ بِلَفْظٍ واحِدٍ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالكِتابَةِ والضَّبْطِ وإتْقانِ اَلْحِفْظِ ثُمَّ نُسِخَ بِزَوالِ اَلْعُذْرِ وتَيَسُّرِ اَلْكِتابَةِ والحِفْظِ، وكَذا قالَ اِبْنُ عَبْدِ اَلْبَرِّ والباقِلّانِيُّ وآخَرُونَ، ولَعَلَّهُ إنْ تَحَقَّقَ إبْدالٌ مِن أحَدٍ مِنَ اَلصَّحابَةِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهم بَعْدَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ يُقالُ: إنَّهُ كانَ مِنهُ قَبْلَ اَلِاطِّلاعِ عَلى اَلنَّسْخِ ومَتى لَمْ يَجُزْ إبْدالُ كَلِمَةٍ مَكانَ كَلِمَةٍ مُؤَدِّيَةٍ مَعْناها مَعَ اَلِاتِّحادِ عَرَبِيَّةً فَعَدَمُ جَوازِ ذَلِكَ مَعَ اَلِاخْتِلافِ عَرَبِيَّةً وفارِسِيَّةً مَثَلًا أظْهَرُ، وما رُوِيَ عَنِ اَلْإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أنَّهُ يَرى جَوازَ قِراءَةِ اَلْقُرْآنِ بِالفارِسِيَّةِ بِشَرْطِ أداءِ اَلْمَعانِي عَلى كَمالِها فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ خِلافُهُ، وقَدْ حَقَّقَ اَلشَّرْنَبْلالِيُّ عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ هَذِهِ اَلْمَسْألَةَ في رِسالَةٍ مُفْرَدَةٍ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذا اَلْكِتابِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ، والطَّعامُ ما يُتَناوَلُ مِنهُ مِنَ اَلْغِذاءِ وأصْلُهُ مَصْدَرٌ فَلِذا وقَعَ خَبَرًا عَنِ اَلْمُؤَنَّثِ ولَمْ يُطابِقْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ قَوْلِهِ: إنارَةُ اَلْعَقْلِ مَكْسُوفٌ بِطَوْعِ هَوى وعَقْلُ عاصِي اَلْهَوى يَزْدادُ تَنْوِيرًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اَلزَّقُّومَ طَعامُ اَلْأثِيمِ <div class="verse-tafsir"

كَٱلْمُهْلِ يَغْلِى فِى ٱلْبُطُونِ ٤٥

﴿ كالمُهْلِ ﴾ عَكَرُ اَلزَّيْتِ كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما وجاءَ في حَدِيثٍ رَواهُ اَلْحاكِمُ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا وفِيهِ «(فَإذا قُرِّبَ إلى وجْهِهِ- يَعْنِي اَلْجَهَنَّمِيَّ- سَقَطَتْ فَرْوَةُ وجْهِهِ)» ورُبَّما يُؤَيَّدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ ﴾ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ ﴾ وقالَ بَعْضٌ: عَكَرُ اَلْقَطِرانِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما اَلصَّدِيدُ، ومِنهُ ما في حَدِيثِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ «اِدْفِنُونِي في ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ فَإنَّما هُما لِلْمُهْلِ والتُّرابِ.

وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ ما أُذِيبَ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ أوْ حَدِيدٍ أوْ رَصاصٍ،» ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ، قِيلَ: وسُمِّيَ ذَلِكَ مُهْلًا لِأنَّهُ يُمْهَلُ في اَلنّارِ حَتّى يَذُوبَ فَهو مِنَ اَلْمَهَلِ بِمَعْنى اَلسُّكُونِ، وادَّعى بَعْضُهُمُ اَلِاشْتِراكَ وقَدْ جاءَ اِسْتِعْمالُهُ في كُلِّ ما سَمِعْتَ، وقَرَأ اَلْحَسَنُ (كالمَهْلِ) بِفَتْحِ اَلْمِيمِ وهو لُغَةٌ فِيهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ أوِ اَلْكافُ في مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ اِسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِ اَلطَّعامِ أيْ هو كالمُهْلِ أوْ مِثْلُ اَلْمُهْلِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ يَغْلِي في البُطُونِ ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِذَلِكَ اَلْمُبْتَدَأِ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ اَلضَّمِيرِ اَلْمُسْتَتِرِ في اَلْجارِّ والمَجْرُورِ فَيَكُونُ وصْفًا لِلطَّعامِ أيْضًا؛ وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: هو حالٌ مِنَ اَلْمُهْلِ، وقِيلَ: صِفَةٌ لَهُ لِأنَّ ألْ فِيهِ لِلْجِنْسِ نَحْوُ: أمُرُّ عَلى اَللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ويُعْتَبَرُ داخِلًا في اَلتَّشْبِيهِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ غَلَيانَ اَلطَّعامِ في اَلْبَطْنِ فِيهِ مُبالَغَةٌ أمّا اَلتَّشْبِيهُ بِمُهْلٍ يَغْلِي في اَلْبَطْنِ فَلا، وقِيلَ كالمُهْلِ أوِ اَلْكافُ خَبَرٌ ثانٍ لَإنَّ وجُمْلَةُ ﴿ يَغْلِي في البُطُونِ ﴾ حالٌ مِنَ اَلزَّقُّومِ أوِ اَلطَّعامِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مُنِعَ مَجِيءُ اَلْحالِ مِنَ اَلْمُضافِ إلَيْهِ في غَيْرِ صُوَرٍ مَخْصُوصَةٍ لَيْسَ هَذا مِنها ومُنِعَ مَجِيئُهُ مِنَ اَلْخَبَرِ ومِنَ اَلْمُبْتَدَأِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا بِناءً عَلى جَوازِ مَجِيءِ اَلْحالِ مِنَ اَلْخَبَرِ ومِنَ اَلْمُبْتَدَأِ والمُضافُ إلَيْهِ اَلْمُبْتَدَأُ في حُكْمِهِ وأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ اَلصُّوَرِ اَلَّتِي يَجِيءُ اَلْحالُ فِيها مِنَ اَلْمُضافِ إلَيْهِ لِأنَّ اَلْمُضافَ كالجُزْءِ في جَوازِ إسْقاطِهِ، ولا يَخْفى أنَّهُ بِناءٌ عَلى ضَعِيفٍ، وقِيلَ: كالمُهْلِ خَبَرٌ ثانٍ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ اَلشَّجَرَةِ اَلْمُسْتَتِرِ فِيهِ، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ كَوْنِها طَعامَ اَلْأثِيمِ أوْ لِاكْتِسابِها إيّاهُ مِمّا أُضِيفَتْ إلَيْهِ نَظِيرُ ما سَمِعْتَ في اَلْبَيْتِ آنِفًا وهو تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وقِيلَ: اَلْجُمْلَةُ عَلى ذَلِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرُ اَلطَّعامِ أوِ اَلزَّقُّومِ فَإنْ كانَتِ اَلْجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مُسْتَأْنَفَةً فالبَحْثُ هَيِّنٌ وإنْ كانَتْ حالِيَّةً عادَ ما مَرَّ آنِفًا ولا أراكَ تَظُنُّهُ هَيِّنًا، وقِيلَ: كالمُهْلِ حالٌ مِن طَعامٍ وحالُهُ مَعْلُومٌ، وبِالجُمْلَةِ اَلْوُجُوهُ في إعْرابِ اَلْآيَةِ كَثِيرَةٌ وأنا أخْتارُ مِنها ما ذَكَرْتُهُ أوَّلًا.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ.

وأبُو رَزِينٍ.

والأعْرَجُ.

وأبُو جَعْفَرٍ.

وشَيْبَةُ.

وابْنُ مُحَيْصِنٍ.

وطَلْحَةُ.

والحَسَنُ في رِوايَةٍ.

وأكْثَرُ اَلسَّبْعَةِ (تَغْلِي) بِالتّاءِ اَلْفَوْقِيَّةِ فَكالمُهْلِ خَبَرٌ ثانٍ لِإنَّ وجُمْلَةُ (تَغْلِي) خَبَرٌ ثالِثٌ واتِّحادُ اَلْمُبْتَدَأِ والخَبَرِ مُتَكَفِّلٌ بِاتِّحادِ اَلْقِراءَتَيْنِ مَعْنًى فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ.

<div class="verse-tafsir"

كَغَلْىِ ٱلْحَمِيمِ ٤٦

﴿ كَغَلْيِ الحَمِيمِ ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ غَلْيًا كَغَلْيِ اَلْحَمِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا، والحَمِيمُ ما هو في غايَةِ اَلْحَرارَةِ <div class="verse-tafsir"

خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ٤٧

﴿ خُذُوهُ ﴾ عَلى إرادَةِ اَلْقَوْلِ والمَقُولُ لَهُ اَلزَّبانِيَةُ أيْ ويُقالُ لَهم خُذُوهُ ﴿ فاعْتِلُوهُ ﴾ فَجُرُّوهُ بِقَهْرٍ.

قالَ اَلرّاغِبُ: اَلْعَتْلُ اَلْأخْذُ بِمَجامِعِ اَلشَّيْءِ وجَرُّهُ بِقَهْرٍ، وبَعْضُهم يُعَبِّرُ بِالثَّوْبِ بَدَلَ اَلشَّيْءِ ولَيْسَ ذاكَ بِلازِمٍ والمَدارُ عَلى اَلْجَرِّ مَعَ اَلْإمْساكِ بِعُنْفٍ.

وقالَ اَلْأعْمَشُ.

ومُجاهِدٌ: مَعْنى (اِعْتَلَوْهُ) اِقْصِفُوهُ كَما يُقْصَفُ اَلْحَطَبُ، والظّاهِرُ عَلَيْهِ اَلتَّضْمِينُ أوْ تَعَلُّقُ اَلْجارِّ بِخَذْوِهِ، والمَعْنى اَلْأوَّلُ هو اَلْمَشْهُورُ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.

والحِجازِيّانِ.

وابْنُ عامِرٍ.

ويَعْقُوبُ (فاعْتُلُوهُ) بِضَمِّ اَلتّاءِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اَلْحَسَنِ.

وقَتادَةَ.

والأعْرَجِ.

عَلى أنَّهُ مِن بابِ قَعَدَ، وعَلى قِراءَةِ اَلْجُمْهُورِ مِن بابِ نَصَرَ وهُما لُغَتانِ ﴿ إلى سَواءِ الجَحِيمِ ﴾ أيْ وسَطِهِ، وسُمِّيَ سَواءً لِاسْتِواءِ بُعْدِ جَمِيعِ أطْرافِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ صُبُّوا۟ فَوْقَ رَأْسِهِۦ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ ٤٨

﴿ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ ﴾ كَأنَّ أصْلَهُ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ اَلْحَمِيمَ، ثُمَّ قِيلَ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ عَذابًا هو اَلْحَمِيمُ لِلْمُبالَغَةِ بِجَعْلِ اَلْعَذابِ عَيْنَ اَلْحَمِيمِ، وهو مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ ولِجَعْلِهِ مَصْبُوبًا كالمَحْسُوسِ ثُمَّ أُضِيفَ اَلْعَذابُ إلى اَلْحَمِيمِ لِلتَّخْفِيفِ، وزِيدَ (مِن) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اَلْمَصْبُوبَ بَعْضُ هَذا اَلنَّوْعِ فَهُناكَ إمّا تَمْثِيلٌ أوِ اِسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ أوْ مَكْنِيَّةٌ أوْ تَخْيِيلِيَّةٌ <div class="verse-tafsir"

ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ ٤٩

﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ ﴾ أيْ ويُقالُ: أوْ قُولُوا لَهُ ذَلِكَ اِسْتِهْزاءً وتَقْرِيعًا عَلى ما كانَ يَزْعُمُهُ.

أخْرَجَ عَبْدُ اَلرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ ﴾ قالَ أبُو جَهْلٍ: ما بَيْنَ جَبَلَيْها رَجُلٌ أعَزُّ ولا أكْرَمُ مِنِّي، فَقالَ اَللَّهُ تَعالى: (ذُقْ) إلَخْ.

وأخْرَجَ اَلْأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ لَقَدْ عَلِمْتَ أنَّنِي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ وأنا اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ» فَقَتَلَهُ اَللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ ﴾ ورُوِيَ أنَّ اَللَّعِينَ قالَ يَوْمًا: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أخْبِرُونِي ما اِسْمِي فَذُكِرَتْ لَهُ ثَلاثَةُ أسْماءَ عَمْرٌو.

والجَلّاسُ.

وأبُو اَلْحَكَمِ فَقالَ: ما أصَبْتُمُ اِسْمِي ألا أُخْبِرُكم بِهِ؟

قالُوا: بَلى قالَ: اِسْمِي اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ فَنَزَلَتْ ﴿ إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ﴾ اَلْآياتِ، وهَذا ونَحْوُهُ لا يَدُلُّ أيْضًا عَلى تَخْصِيصِ حُكْمِ اَلْآيَةِ بِهِ فَكُلُّ أثِيمٍ يُدْعى دَعْواهُ كَذَلِكَ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ، وقِيلَ: اَلْمَعْنى ذُقْ إنَّكَ أنْتَ اَلْعَزِيزُ في قَوْمِكَ اَلْكَرِيمُ عَلَيْهِمْ فَما أغْنى ذَلِكَ عَنْكَ ولَمْ يُفِدْكَ شَيْئًا، والذَّوْقُ مُسْتَعارٌ لِلْإدْراكِ.

وقَرَأ اَلْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى اَلْمِنبَرِ، والكِسائِيُّ (أنَّكَ) بِفَتْحِ اَلْهَمْزَةِ عَلى مَعْنى لِأنَّكَ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُم بِهِۦ تَمْتَرُونَ ٥٠

﴿ إنَّ هَذا ﴾ أيِ اَلْعَذابَ أوِ اَلْأمْرَ اَلَّذِي أنْتُمْ فِيهِ ﴿ ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ﴾ تَشُكُّونَ وتُمارُونَ فِيهِ، وهَذا اِبْتِداءُ كَلامٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ أوْ مِن مَقُولِ اَلْقَوْلِ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ اَلْمَعْنى لِما سَمِعْتَ أنَّ اَلْمُرادَ جِنْسُ اَلْأثِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍۢ ٥١ فِى جَنَّـٰتٍۢ وَعُيُونٍۢ ٥٢

﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ ﴾ في مَوْضِعِ قِيامٍ، والمُرادُ بِالقِيامِ اَلثَّباتُ والمُلازَمَةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ﴾ ويُكَنّى بِهِ عَنِ اَلْإقامَةِ لِأنَّ اَلْمُقِيمَ مُلازِمٌ لِمَكانِهِ، وهو مُرادُ مَن قالَ: في مَقامٍ أيْ مَوْضِعِ إقامَةٍ.

وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.

وأبُو جَعْفَرٍ.

وشَيْبَةُ.

والأعْرَجُ.

والحَسَنُ.

وقَتادَةُ.

ونافِعٌ.

وابْنُ عامِرٍ (مُقامٍ) بِضَمِّ اَلْمِيمِ ومَعْناهُ مَوْضِعُ إقامَةٍ، وعَلى ما قَرَّرْنا تَرْجِعُ اَلْقِراءَتانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ.

﴿ أمِينٍ ﴾ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِمّا يَكْرَهُ فَهو صِفَةٌ مِنَ اَلْأمْنِ وهو عَدَمُ اَلْخَوْفِ عَمّا هو مِن شَأْنِهِ، ووَصْفُ اَلْمَقامِ بِهِ بِاعْتِبارِ أمْنِ مَن آمَنَ بِهِ فَهو إسْنادٌ مَجازِيٌّ كَما في نَهْرٍ جارٍ، وظاهِرُ كَلامِ اَلزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ ذَلِكَ اِسْتِعارَةٌ مِنَ اَلْأمانَةِ كَأنَّ اَلْمَكانَ مُؤْتَمَنٌ وُضِعَ عِنْدَهُ ما يَحْفَظُهُ مِنَ اَلْمَكارِهِ فَفِيهِ اِسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَأْمُونٍ فِيهِ ولَيْسَ بِذاكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلنِّسْبَةِ أيْ ذِي أمْنٍ ﴿ فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ بَدَلٌ مِن (مَقامٍ) بِإعادَةِ اَلْجارِّ أوِ اَلْجارُّ والمَجْرُورُ بَدَلٌ مِنَ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ، وظَرْفِيَّةُ اَلْعُيُونِ لِلْمُجاوَرَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ بَدَلُ اِشْتِمالٍ لا كُلٍّ وبَعْضٍ، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى نَزاهَةِ مَكانِهِمْ واشْتِمالِهِ عَلى ما يُسْتَلَذُّ مِنَ اَلْمَآكِلِ والمَشارِبِ.

<div class="verse-tafsir"

يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍۢ وَإِسْتَبْرَقٍۢ مُّتَقَـٰبِلِينَ ٥٣

﴿ يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ ﴾ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ مِنَ اَلضَّمِيرِ في اَلْجارِّ والمَجْرُورِ أوِ اِسْتِئْنافٌ، والسُّنْدُسُ قالَ ثَعْلَبٌ: اَلرَّقِيقُ مِنَ اَلدِّيباجِ والواحِدَةُ سُنْدُسَةٌ، والإسْتَبْرَقُ غَلِيظُهُ، وقالَ اَللَّيْثُ: هو ضَرْبٌ مِن اَلْبُزْيُونِ يُتَّخَذُ مِنَ اَلْمَرْعَزِ، ولَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ اَللُّغَةِ في أنَّهُما مُعَرَّبانِ كَذا ذَكَرَهُ بَعْضُهم.

وفِي اَلْكَشّافِ اَلْإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنَ اَلدِّيباجِ وهو تَعْرِيبُ اِسْتَبَرَ، قالَ اَلْخَفاجِيُّ: ومَعْنى اِسْتَبَرَ في لُغَةِ اَلْفُرْسِ اَلْغَلِيظُ مُطْلَقًا ثُمَّ خُصَّ بِغَلِيظِ اَلدِّيباجُ وعُرِّبَ، وقِيلَ: إنَّهُ عَرَبِيٌّ مِنَ اَلْبَراقَةِ، وأُيِّدَ بِقِراءَتِهِ بِوَصْلِ اَلْهَمْزَةِ وهو كَما تَرى.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ اَلسُّنْدُسَ أصْلُهُ سِنْدِيٌّ ومَعْناهُ مَنسُوبٌ إلى اَلسِّنْدِ اَلْمَكانِ اَلْمَعْرُوفِ لِأنَّ اَلسُّنْدُسَ كانَ يُجْلَبُ مِنهُ فَأُبْدِلَتْ ياءُ اَلنِّسْبَةِ سِينًا، وقَدْ مَرَّ اَلْكَلامُ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ، ثُمَّ إنَّ وُقُوعَ اَلْمُعَرَّبِ في اَلْقُرْآنِ اَلْعَظِيمِ لا يُنافِي كَوْنَهُ عَرَبِيًّا مُبِينًا.

ونَقَلَ صاحِبُ اَلْكَشْفِ عَنْ جارِ اَللَّهِ أنَّهُ قالَ: اَلْكَلامُ اَلْمَنظُومُ مُرَكَّبٌ مِنَ اَلْحُرُوفِ اَلْمَبْسُوطَةِ في أيِّ لِسانٍ كانَ تُرْكِيٍّ أوْ فارِسِيٍّ أوْ عَرَبِيٍّ ثُمَّ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ اَلْعَرَبِيَّ أعْجَمِيٌّ فَكَذا هَهُنا، ثُمَّ قالَ صاحِبُ اَلْكَشْفِ: يُرِيدُ أنَّ كَوْنَ اِسْتَبَرَ أعْجَمِيًّا لا يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ إسْتَبْرَقُ كَذَلِكَ.

وقَرَأ اِبْنُ مُحَيْصِنٍ (واسْتَبْرَقَ) فِعْلًا ماضِيًا كَما في اَلْبَحْرِ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ قِيلَ مُعْتَرِضَةٌ، وقِيلَ: حالٌ مِن (سُنْدُسٍ) والمَعْنى يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وقَدْ بَرَقَ لِصِقالَتِهِ ومَزِيدِ حُسْنِهِ ﴿ مُتَقابِلِينَ ﴾ في مَجالِسِهِمْ لِيَسْتَأْنِسَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ <div class="verse-tafsir"

كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَـٰهُم بِحُورٍ عِينٍۢ ٥٤

﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيِ اَلْأمْرُ كَذَلِكَ فالكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى اَلْخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والمُرادُ تَقْرِيرُ ما مَرَّ وتَحْقِيقُهُ.

ونُقِلَ عَنْ جارِ اَللَّهِ أنَّهُ قالَ: والمَعْنى فِيهِ أنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ اَلْوَصْفَ وأنَّهُ بِمَثابَةِ ما لا يُحِيطُ بِهِ اَلْوَصْفُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اَلْأمْرُ نَحْوَ ذَلِكَ وما أشْبَهَهُ.

وأرادَ عَلى ما قالَ اَلْمُدَقِّقُ أنَّ اَلْكافَ مُقْحَمٌ لِلْمُبالَغَةِ وذَلِكَ مُطَّرِدٌ في عُرْفَيِ اَلْعَرَبِ والعَجَمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى مَعْنى أثَبْناهم مِثْلَ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وزَوَّجْناهُمْ ﴾ عَلى هَذا عَطْفٌ عَلى اَلْفِعْلِ اَلْمُقَدَّرِ وعَلى ما قَبْلُ عَلى (يَلْبَسُونَ) والمُرادُ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ وقَرَنّاهم ﴿ بِحُورٍ عِينٍ ﴾ وفُسِّرَ بِذَلِكَ قِيلَ لِأنَّ اَلْجَنَّةَ لَيْسَ فِيها تَكْلِيفٌ فَلا عَقْدَ ولا تَزْوِيجَ بِالمَعْنى اَلْمَشْهُورِ، وقِيلَ: لِمَكانِ اَلْباءِ، وزَوَّجَهُ اَلْمَرْأةَ بِمَعْنى أنْكَحَهُ إيّاها مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وفِيهِ بَحْثٌ فَإنَّ اَلْأخْفَشَ جَوَّزَ اَلْباءَ فِيهِ فَيُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِاِمْرَأةٍ فَتَزَوَّجَ بِها، وأزْدُ شَنُوءَةَ يَعُدُّونَهُ بِالباءِ أيْضًا، وفي اَلْقامُوسِ زَوَّجْتُهُ اِمْرَأةً وتَزَوَّجْتُ اِمْرَأةً وبِها أوْ هي قَلِيلَةٌ، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ قَوْلَ بَعْضِ اَلْفُقَهاءِ زَوَّجْتُهُ بِها خَطَأٌ لا وجْهَ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنْ ذَلِكَ اَلتَّفْسِيرُ لِأنَّ اَلْحُورَ اَلْعَيْنَ في اَلْجَنَّةِ مِلْكُ يَمِينٍ كالسِّرارِيِّ في اَلدُّنْيا فَلا يَحْتاجُ اَلْأمْرُ إلى اَلْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في اَلْجَنَّةِ عَقْدٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها تَكْلِيفٌ.

وقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ.

وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: زَوَّجْناهم أنَكَحْناهم.

ومِنَ اَلنّاسِ مَن قالَ بِالتَّكْلِيفِ فِيها بِمَعْنى اَلْأمْرِ والنَّهْيِ لَكِنْ لا يَجِدُونَ في اَلْفِعْلِ والتَّرْكِ كُلْفَةً، نَعَمِ اَلْمَشْهُورُ أنْ لا تَكْلِيفَ فِيها، وبَعْضُ ما حُرِّمَ في اَلدُّنْيا كَنِكاحِ اِمْرَأةِ اَلْغَيْرِ ونِكاحِ اَلْمَحارِمِ لا يَفْعَلُونَهُ لِعَدَمِ خُطُورِهِ لَهم بِبالٍ أصْلًا، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ وهي اَلْبَيْضاءُ كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وغَيْرِهِما، وقِيلَ: اَلشَّدِيدَةُ سَوادِ اَلْعَيْنِ وبَياضِها، وقِيلَ: اَلْحَوْراءُ ذاتُ اَلْحَوَرِ وهو سَوادُ اَلْمُقْلَةِ كُلِّها كَما في اَلظِّباءِ فَلا يَكُونُ في اَلْإنْسانِ إلّا مَجازًا.

وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُنْذِرِ.

وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ اَلْحَوْراءَ اَلَّتِي يَحارُ فِيها اَلطَّرْفُ.

والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ وهي عَظِيمَةُ اَلْعَيْنَيْنِ وأكْثَرُ اَلْأخْبارِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُنَّ لَسْنَ نِساءَ اَلدُّنْيا، أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ.

والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «خُلِقَ اَلْحُورُ اَلْعِينُ مِن زَعْفَرانَ)» وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ.

والخَطِيبُ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.

وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُبارَكِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: «إنَّ اَللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ اَلْحُورَ اَلْعِينَ مِن تُرابٍ إنَّما خَلَقَهُنَّ مِن مِسْكٍ وكافُورٍ وزَعْفَرانَ».

وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ.

والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «حُورُ اَلْعِينِ خَلَقَهُنَّ مِن تَسْبِيحِ اَلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ)» وهَذا إنْ صَحَّ لا يُعارِضُ ما قَبْلَهُ إذْ لا بُدَّ عَلَيْهِ مِن أنْ يُقالَ بِتَجَسُّدِ اَلْمَعانِي فَيَجُوزُ تَجَسُّدُ اَلتَّسْبِيحِ وجَعْلُهُ جُزْءًا مِمّا خُلِقْنَ مِنهُ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِهِنَّ هُنا نِساءُ اَلدُّنْيا وهُنَّ في اَلْجَنَّةِ حُورٌ عِينٌ بِالمَعْنى اَلَّذِي سَمِعْتَ بَلْ هُنَّ أجْمَلُ مِنَ اَلْحُورِ اَلْعِينِ أعْنِي اَلنِّساءَ اَلْمَخْلُوقاتِ في اَلْجَنَّةِ مِن زَعْفَرانَ أوْ غَيْرِهِ ويُعْطى اَلرَّجُلُ هُناكَ ما كانَ لَهُ في اَلدُّنْيا مِنَ اَلزَّوْجاتِ، وقَدْ يَضُمُّ إلى ذَلِكَ ما شاءَ اَللَّهُ تَعالى مِن نِساءٍ مُتْنَ ولَمْ يَتَزَوَّجْنَ، ومَن تَزَوَّجَتْ بِأكْثَرَ مِن واحِدٍ فَهي لِآخِرِ أزْواجِها أوْ لِأوَّلِهِمْ إنْ لَمْ يَكُنْ طَلَّقَها في اَلدُّنْيا أوْ تُخَيَّرَ فَتَخْتارُ مَن كانَ أحْسَنَهم خُلُقًا مَعَها، أقْوالٌ صَحَّحَ جَمْعٌ مِنها اَلْأوَّلَ، وتُعْطى زَوْجَةُ كافِرٍ دَخَلَتِ اَلْجَنَّةَ لِمَن شاءَ اَللَّهُ تَعالى.

وقَدْ ورَدَ أنَّ آسِيَةَ اِمْرَأةَ فِرْعَوْنَ تَكُونُ زَوْجَةَ نَبِيِّنا صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ (بِحُورِ عِينٍ) بِالإضافَةِ وهي عَلى مَعْنى مِن أيْ بِالحُورِ مِنَ اَلْعِينِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اَللَّهِ (بِعِيسٍ عِينٍ) والعَيْساءُ اَلْبَيْضاءُ تَعْلُوها حُمْرَةٌ <div class="verse-tafsir"

يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَـٰكِهَةٍ ءَامِنِينَ ٥٥

﴿ يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ ﴾ يَطْلُبُونَ ويَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ اَلْفَواكِهِ ولا يَتَخَصَّصُ شَيْءٌ مِنها بِمَكانٍ ولا زَمانٍ ﴿ آمِنِينَ ﴾ مِنَ اَلضَّرَرِ أيِّ ضَرَرٍ كانَ، وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ يَدْعُونَ ﴾ وكَوْنُهُ حالًا مِنَ اَلضَّمِيرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي جَنّاتٍ ﴾ بَعِيدٌ، وأبْعَدُ مِنهُ جَعْلُ (يَدْعُونَ) حِينَئِذٍ صِفَةَ اَلْحُورِ والنُّونُ فِيهِ ضَمِيرُ اَلنِّسْوَةِ وزْنُهُ يَفْعَلْنَ لِما فِيهِ مِنَ اِرْتِكابِ خِلافِ اَلظّاهِرِ مَعَ عَدَمِ اَلْمُناسَبَةِ لِلسِّياقِ.

<div class="verse-tafsir"

لَا يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلَّا ٱلْمَوْتَةَ ٱلْأُولَىٰ ۖ وَوَقَىٰهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ ٥٦

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ وكَأنَّهُ أُرِيدَ أنْ يُقالَ: لا يَذُوقُونَ فِيها اَلْمَوْتَ اَلْبَتَّةَ فَوَضَعَ اَلْمَوْتَةَ اَلْأُولى مَوْضِعَ ذَلِكَ لِأنَّ اَلْمَوْتَةَ اَلْماضِيَةَ مُحالٌ ذَوْقُها في اَلْمُسْتَقْبَلِ فَهو مِن بابِ اَلتَّعْلِيقِ بِالمُحالِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كانَتِ اَلْمَوْتَةُ اَلْأُولى يَسْتَقِيمُ ذَوْقُها في اَلْمُسْتَقْبَلِ فَإنَّهم يَذُوقُونَها، ونَظِيرُهُ قَوْلُ اَلْقائِلِ لِمَن يَسْتَسْقِيهِ: لا أسْقِيكَ إلّا اَلْجَمْرَ وقَدْ عُلِمَ أنَّ اَلْجَمْرَ لا يُسْقى، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ والدُّخُولُ فَرْضِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ، وضَمِيرُ (فِيها) لِلْجَنّاتِ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ والمُؤْمِنُ عِنْدَ مَوْتِهِ لِمُعايَنَةِ ما يُعْطاهُ في اَلْجَنَّةِ كَأنَّهُ فِيها فَكَأنَّهُ ذاقَ اَلْمَوْتَةَ اَلْأُولى في اَلْجَنَّةِ، وقِيلَ مُتَّصِلٌ وضَمِيرُ (فِيها) لِلْآخِرَةِ والمَوْتُ أوَّلُ أحْوالِها، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ اَلتَّفْكِيكِ مَعَ اِرْتِكابِ اَلتَّجَوُّزِ، وقِيلَ: اَلِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ والضَّمِيرُ لِلْجَنّاتِ أيْ لَكِنَّ اَلْمَوْتَةَ اَلْأُولى قَدْ ذاقُوها في اَلدُّنْيا، والأصْلُ اِتِّصالُ اَلِاسْتِثْناءِ، وقالَ اَلطَّبَرِيُّ: إلّا بِمَعْنى بَعْدَ، والجُمْهُورُ لَمْ يُثْبِتُوا هَذا اَلْمَعْنى لَها، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ إلّا بِمَعْنى سِوى وضَعَّفَهُ اَلطَّبَرِيُّ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: لَيْسَ تَضْعِيفُهُ بِصَحِيحٍ بَلْ يَصِحُّ اَلْمَعْنى بِسِوى ويَتَّسِقُ.

وفائِدَةُ اَلْوَصْفِ تَذْكِيرُ حالِ اَلدُّنْيا.

والدّاعِي لِما سَمِعْتَ مِنَ اَلْأوْجُهِ دَفْعُ سُؤالٍ يُورِدُ هَهُنا مِن أنَّ اَلْمَوْتَةَ اَلْأُولى مِمّا مَضى لَهم في اَلدُّنْيا وما هو كَذَلِكَ لا يُمْكِنُ أنْ يَذُوقُوهُ في اَلْجَنَّةِ فَكَيْفَ اِسْتُثْنِيَتْ؟

وقِيلَ: إنَّ اَلسُّؤالَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ اَلِاسْتِثْناءَ مِنَ اَلنَّفْيِ إثْباتٌ فَيَثْبُتُ لِلْمُسْتَثْنى اَلْحُكْمُ اَلْمَنفِيُّ عَنِ اَلْمُسْتَثْنى مِنهُ ومُحالٌ أنْ يَثْبُتَ لِلْمَوْتَةِ اَلْأُولى اَلْماضِيَةِ اَلذَّوْقَ في اَلْجَنَّةِ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَهُ تَكَلُّمًا بِالباقِي بَعْدَ اَلثُّنْيا، والمَعْنى لا يَذُوقُونَ سِوى اَلْمَوْتَةِ اَلْأوَّلِ مِنَ اَلْمَوْتِ فَلا إشْكالَ فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ (لا يُذاقُونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ (لا يَذُوقُونَ فِيها طَعْمَ اَلْمَوْتِ) وجاءَ في اَلْحَدِيثِ اَلنَّوْمُ لِأنَّهُ أخُو اَلْمَوْتِ، أخْرَجَ اَلْبَزّارُ.

والطَّبَرانِيُّ في اَلْأوْسَطِ.

وابْنُ مَرْدُوَيْهِ.

والبَيْهَقِيُّ في اَلْبَعْثِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ قالَ: «(قِيلَ يا رَسُولَ اَللَّهِ أيَنامُ أهْلُ اَلْجَنَّةِ؟

قالَ: لا اَلنَّوْمُ أخُو اَلْمَوْتِ وأهْلُ اَلْجَنَّةِ لا يَمُوتُونَ ولا يَنامُونَ)» .

<div class="verse-tafsir"

فَضْلًۭا مِّن رَّبِّكَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ٥٧

﴿ ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ ﴾ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ (ووَقّاهُمْ) مُشَدَّدَ اَلْقافِ عَلى اَلْمُبالَغَةِ في اَلتَّكْثِيرِ في اَلْوِقايَةِ لِأنَّ اَلتَّفْعِيلَ لِزِيادَةِ اَلْمَعْنى لا لِلتَّعْدِيَةِ لِأنَّ اَلْفِعْلَ مُتَعَدٍّ قَبْلَهُ ﴿ فَضْلا مِن رَبِّكَ ﴾ أيْ أُعْطُوا كُلَّ ذَلِكَ عَطاءً وتَفَضُّلًا مِنهُ تَعالى فَهو نُصِبَ عَلى اَلْمَصْدَرِيَّةِ، وجُوِّزَ فِيهِ أنْ يَكُونَ حالًا ومَفْعُولًا لَهُ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى نَفْيِ إيجابِ أعْمالِهِمُ اَلْإثابَةَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

وقُرِئَ (فَضْلٌ) بِالرَّفْعِ أيْ ذَلِكَ فَضْلٌ ﴿ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ لِأنَّهُ فَوْزٌ بِالمَطالَبِ وخَلاصٌ مِنَ اَلْمَكارِهِ <div class="verse-tafsir"

فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ٥٨

﴿ فَإنَّما يَسَّرْناهُ ﴾ أيْ فَإنَّما سَهَّلْنا اَلْقُرْآنَ ﴿ بِلِسانِكَ ﴾ أيْ بِلُغَتِكَ، وقِيلَ: اَلْمَعْنى أنْزَلْناهُ عَلى لِسانِكَ بِلا كِتابَةٍ لِكَوْنِهِ أُمِّيًّا، وهَذا فَذْلَكَةٌ وإجْمالٌ لِما في اَلسُّورَةِ بَعْدَ تَفْصِيلٍ تَذْكِيرًا لِما سَلَفَ مَشْرُوحًا فِيها، فالمَعْنى ذَكِّرْهم بِالكِتابِ اَلْمُبِينِ فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ ﴿ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ كَيْ يَفْهَمُوهُ ويَتَذَكَّرُوا بِهِ ويَعْمَلُوا بِمُوجِبِهِ <div class="verse-tafsir"

فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ ٥٩

﴿ فارْتَقِبْ ﴾ أيْ وإنْ لَمْ يَتَذَكَّرُوا فانْتَظِرْ ما يَحِلُّ بِهِمْ وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ ﴾ إلَخْ ﴿ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ ﴾ مُنْتَظِرُونَ ما يَحِلُّ بِكَ كَما قالُوا: ﴿ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ ﴾ وقِيلَ: مَعْناهُ مُرْتَقَبُونَ ما يَحِلُّ بِهِمْ تَهَكُّمًا، وقِيلَ: هو مُشاكَلَةٌ، والمَعْنى أنَّهم صائِرُونَ لِلْعَذابِ، وفي اَلْآيَةِ مِنَ اَلْوَعْدِ لَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما لا يَخْفى، وقِيلَ: فِيها اَلْأمْرُ بِالمُتارَكَةِ وهو مَنسُوخٌ بِآيَةِ اَلسَّيْفِ فَلا تَغْفُلْ.

* * * ومِن بابِ اَلْإشارَةِ في اَلْآياتِ: ما ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ ﴾ إلى آخِرِ اَلْقِصَّةِ مِن تَطْبِيقِ ذَلِكَ عَلى ما في اَلْأنْفُسِ، وهو مِمّا يُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْناهُ في بابِ اَلْإشارَةِ مِن هَذا اَلْكِتابِ غَيْرَ مَرَّةٍ فَلا نُطِيلُ بِهِ، وقالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ﴾ ﴿ ما خَلَقْناهُما إلا بِالحَقِّ ﴾ إنَّهُ إشارَةٌ إلى اَلْوَحْدَةِ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ ﴾ وأفْصَحَ بَعْضُهم فَقالَ: اَلْحَقُّ هو عَزَّ وجَلَّ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ ما خَلَقْناهُما إلّا بِسَبَبِ أنْ تَكُونَ مَرايا لِظُهُورِ اَلْحَقِّ جَلَّ وعَلا، ومَن جَعَلَ مِنهُمُ اَلْباءَ لِلْمُلابَسَةِ أنْشَدَ: رَقَّ اَلزُّجاجُ وراقَتِ اَلْخَمْرُ فَتَشاكَلا وتَشابَهَ اَلْأمْرُ فَكَأنَّما خَمْرٌ ولا قَدَحٌ ∗∗∗ وكَأنَّما قَدَحٌ ولا خَمْرُ والعِبارَةُ ضَيِّقَةٌ والأمْرُ طَوْرَ ما وراءَ اَلْعَقْلِ والسُّكُوتُ أسْلَمُ، وقالُوا في شَجَرَةِ اَلزَّقُّومِ: هي شَجَرَةُ اَلْحِرْصِ وحَبِّ اَلدُّنْيا تَظْهَرُ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ عَلى أسْوَأِ حالٍ وأخْبَثِ طَعْمٍ، وقالُوا ﴿ المَوْتَةَ الأُولى ﴾ ما كانَ في اَلدُّنْيا بِقَتْلِ اَلنَّفْسِ بِسَيْفِ اَلصِّدْقِ في اَلْجِهادِ اَلْأكْبَرِ وهو اَلْمُشارُ إلَيْهِ بِمُوتُوا قَبْلَ أنْ تَمُوتُوا فَمَن ماتَ ذَلِكَ اَلْمَوْتَ حَيِيَ أبَدًا اَلْحَياةَ اَلطَّيِّبَةَ اَلَّتِي لا يُمازِجُها شَيْءٌ مِن ماءِ اَلْألَمِ اَلْجُسْمانِيِّ والرُّوحانِيِّ وذَلِكَ هو اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ، واَللَّهُ تَعالى يَقُولُ اَلْحَقَّ وهو سُبْحانَهُ يَهْدِي اَلسَّبِيلَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر