الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة الفتح
تفسيرُ سورةِ الفتح كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 239 دقيقة قراءةسُورَةُ الفَتْحِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، والأخْبارُ تَدُلُّ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في السَّفَرِ لا في المَدِينَةِ نَفْسِها وهو الصَّحِيحُ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وجَماعَةٌ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: (أقْبَلْنا مِنَ الحُدَيْبِيَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ أيْ عامَ سِتٍّ بَعْدَ الهِجْرَةِ وكانَ قَدْ خَرَجَ إلَيْها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ هِلالَ ذِي القَعْدَةِ فَأقامَ بِها بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقِيلَ: عِشْرِينَ يَوْمًا ثُمَّ قَفَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَبَيْنَما نَحْنُ نَسِيرُ إذْ أتاهُ الوَحْيُ وكانَ إذا أتاهُ اشْتَدَّ عَلَيْهِ فَسُرِّيَ عَنْهُ وبِهِ مِنَ السُّرُورِ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى فَأخْبَرَنا أنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ » وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: (كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في سَفَرٍ فَسَألْتُهُ عَنْ شَيْءٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي ثُمَّ تَقَدَّمْتُ أمامَ النّاسِ وخَشِيتُ أنْ يَنْزِلَ فِيَّ القُرْآنُ فَما نَشِبْتُ إذْ سَمِعْتُ صارِخًا يَصْرُخُ بِي فَوَجَفْتُ وأنا أظُنُّ أنَّهُ نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ فَقالَ النَّبِيُّ : لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ » وفي حَدِيثٍ صَحِيحٍ أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وغَيْرُهُما عَنْ مَجْمَعِ بْنِ جارِيَةَ الأنْصارِيِّ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ أيْضًا وأنَّ ذَلِكَ عِنْدَ كُراعِ الغَمِيمِ فَقَرَأها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى النّاسِ وهو عَلى راحِلَتِهِ، وفي رِوايَةِ ابْنِ سَعْدٍ عَنْهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها بِضَجْنانَ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ البُقاعِيِّ، وضَجْنانُ بِضادٍ مُعْجَمَةٍ وجِيمٍ ونُونَيْنِ بَيْنَهُما ألِفٌ بِزِنَةِ سَكْرانَ كَما في القامُوسِ جَبَلٌ قُرْبَ مَكَّةَ، وهَذا ونَحْوُهُ قَوْلٌ بِنُزُولِها بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ يُعَدُّ مَدَنِيًّا عَلى المَشْهُورِ وهو أنَّ المَدَنِيَّ ما نَزَلَ بَعْدَ الهِجْرَةِ سَواءٌ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ أمْ بِمَكَّةَ أمْ بِسَفَرٍ مِنَ الأسْفارِ، والمَكِّيُّ ما نَزَلَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المَكِّيَّ ما نَزَلَ ولَوْ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِمَكَّةَ ويَدْخُلُ فِيها كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ نَواحِيها كَمِنى وعَرَفاتٍ والحُدَيْبِيَةِ بَلْ بَعْضُها عَلى ما في الهِدايَةِ وأكْثَرُها عَلى ما قالَ المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ مِن حَرَمِ مَكَّةَ والمَدَنِيُّ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ ويَدْخُلُ فِيها كَما قالَ أيْضًا نَواحِيَها كَأُحُدٍ وبَدْرٍ وسَلْعٍ فَلا بَلْ يُعَدُّ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ نَزَلَ قُرْبَ مَكَّةَ مَكِّيًّا، فالقَوْلُ بِأنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ بِلا خِلافٍ فِيهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ، وهي تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً بِالإجْماعِ، ولا يَخْفى حُسْنُ وضْعِها هُنا لِأنَّ الفَتْحَ بِمَعْنى النَّصْرِ مُرَتَّبٌ عَلى القِتالِ، وفي كُلٍّ مِن ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ والمُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ ما فِيهِ، وقَدْ ذُكِرَ أيْضًا في الأوَّلِ الأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ وذُكِرَ هُنا وُقُوعُ المَغْفِرَةِ، وذُكِرَتِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هُناكَ بِلَفْظِها الشَّرِيفِ وكُنِّيَ عَنْها بِكَلِمَةِ التَّقْوى بِناءً عَلى أشْهَرِ الأقْوالِ فِيها، وسَتَعْرِفُها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وفي البَحْرِ وجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ ﴿ وإنْ تَتَوَلَّوْا ﴾ الآيَةَ وهو خِطابٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ أخْبَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِالفَتْحِ العَظِيمِ وأنَّهُ بِهَذا الفَتْحِ حَصَلَ الِاسْتِبْدالُ وأمِنَ كُلُّ مَن كانَ بِمَكَّةَ وصارَتْ دارَ إيمانٍ وفِيهِ ما لا يَخْفى.
وفي الأخْبارِ السّابِقَةِ ما يَدُلُّ عَلى جَلالَةِ قَدْرِها.
وفِي حَدِيثِ مَجْمَعِ بْنِ جارِيَةَ الَّذِي أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ سَعْدٍ «لَمّا نَزَلَ بِها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: نُهَنِّيكَ يا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمّا هَنّاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَنّاهُ المُسْلِمُونَ،» ويُحْكى أنَّهُ مَن قَرَأها أوَّلَ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ حُفِظَ ذَلِكَ العامِ ولَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ في خَبَرٍ صَحِيحٍ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ ﴾ إخْبارٌ عَنْ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ والشَّعْبِيِّ والزُّهْرِيِّ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو الصَّحِيحُ، وأصْلُ الفَتْحِ إزالَةُ الإغْلاقِ، وفَتْحُ البَلَدِ كَما في الكَشّافِ الظَّفَرُ بِهِ عَنْوَةً أوْ صُلْحًا بِحَرْبٍ أوْ بِغَيْرِهِ لِأنَّهُ مُنْغَلِقٌ ما لَمْ يَظْفَرْ بِهِ فَإذا ظَفِرَ بِهِ وحَصَلَ في اليَدِ فَقَدْ فُتِحَ، وسُمِّيَ ذَلِكَ الصُّلْحُ فَتْحًا لِاشْتِراكِهِما في الظُّهُورِ والغَلَبَةِ عَلى المُشْرِكِينَ فَإنَّهم كَما قالَ الكَلْبِيُّ ما سَألُوا الصُّلْحَ إلّا بَعْدَ أنْ ظَهَرَ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُسْلِمِينَ رَمَوْهم أيْ بِسِهامٍ وحِجارَةٍ كَما قِيلَ حَتّى أدْخَلُوهم دِيارَهم أوْ لِأنَّ ذَلِكَ الصُّلْحَ صارَ سَبَبًا لِفَتْحِ مَكَّةَ، قالَ الزَّهْرِيُّ: لَمْ يَكُنْ فَتْحٌ أعْظَمَ مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ اخْتَلَطَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ وسَمِعُوا كَلامَهم وتَمَكَّنَ الإسْلامُ مِن قُلُوبِهِمْ وأسْلَمَ في ثَلاثِ سِنِينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ وكَثُرَ بِهِمْ سَوادُ الإسْلامِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: فَما مَضَتْ تِلْكَ السُّنُونَ إلّا والمُسْلِمُونَ قَدْ جاؤُوا إلى مَكَّةَ في عَشَرَةِ آلافٍ فَفَتَحُوها، والتَّسْمِيَةُ عَلى الأوَّلِ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ كَيْفَما قَرَّرْتُ، وعَلى الثّانِي مِن بابِ المَجازِ المُرْسَلِ سَواءٌ قُلْنا إنَّهُ في مِثْلِ ما ذُكِرَ تَبَعِيٌّ أمْ لا حَيْثُ سُمِّيَ السَّبَبُ باسِمِ المُسَبِّبِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ نَوْعانِ مِنَ العَلاقَةِ فَيَكُونُ اسْتِعْمالُ أحَدِهِما في الآخَرِ بِاعْتِبارِ كُلٍّ نَوْعًا مِنَ المَجازِ كَما في المِشْفَرِ والشَّفَةِ الغَلِيظَةِ لِإنْسانٍ، وإسْنادُ الفَتْحِ المُرادُ بِهِ الصُّلْحُ الَّذِي هو فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ مَجازٌ مِن إسْنادِ ما لِلْقابِلِ لِلْفاعِلِ المُوجِدِ، وفي ذَلِكَ مِن تَعْظِيمِ شَأْنِ الصُّلْحِ والرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما فِيهِ لا يُقالُ: قَدْ تُقَرِّرُ في الكَلامِ أنَّ الأفْعالَ كُلَّها مَخْلُوقَةٌ لَهُ تَعالى فَنِسْبَةُ الصُّلْحِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ إسْنادٌ إلى ما هو لَهُ فَلا مَجازَ لِأنّا نَقُولُ: ما هو لَهُ عِبارَةٌ عَمّا كانَ الفِعْلُ حَقَّهُ أنْ يُسْنَدَ إلَيْهِ في العُرْفِ سَواءٌ كانَ مَخْلُوقًا لَهُ تَعالى أوْ لِغَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ كَما صَرَّحَ بِهِ السَّعْدُ في المُطَوَّلِ وكَيْفَ لا ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ إسْنادُ جَمِيعِ الأفْعالِ إلى غَيْرِهِ تَعالى مَجازًا وإلَيْهِ تَعالى حَقِيقَةً كالصَّلاةِ والصِّيامِ وغَيْرِهِما.
وقالَ المُحَقِّقُ مِيرْزاجانَ: يُمْكِنُ تَوْجِيهُ ما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى أنَّهُ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أوْ عَلى أنْ يُرادَ خَلْقُ الصُّلْحِ وإيجادُهُ أوْ عَلى أنْ يَكُونَ المَجازُ في الهَيْئَةِ التَّرْكِيبِيَّةِ المَوْضُوعَةِ لِلْإسْنادِ إلى ما هو لَهُ فاسْتُعْمِلَتْ في الإسْنادِ إلى غَيْرِهِ أوْ عَلى أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، والأوْجُهُ الأرْبَعَةُ جارِيَةٌ في كُلِّ ما كانَ مِن قَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ كَأنْبَتَ الرَّبِيعُ البَقْلَ، وقَدْ صَرَّحَ القَوْمُ بِالثَّلاثَةِ الأُوَلِ مِنها، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ الصُّلْحَ مِمّا يُسْنَدُ إلَيْهِ تَعالى حَقِيقَةً فَلا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ وفِيهِ ما فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنْ جَعْلِ المُشْرِكِينَ في الحُدَيْبِيَةِ مَغْلُوبِينَ خائِفِينَ طالِبِينَ لِلصُّلْحِ ويَكُونُ الفَتْحُ مَجازًا عَنْ ذَلِكَ وإسْنادُهُ إلَيْهِ تَعالى حَقِيقَةً، وقَدْ خَفِيَ كَوْنُ ما كانَ في الحُدَيْبِيَةِ فَتْحًا عَلى بَعْضِ الصَّحابَةِ حَتّى بَيَّنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: «(أقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ راجِعًا فَقالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: واللَّهِ ما هَذا بِفَتْحٍ لَقَدْ صُدِدْنا عَنِ البَيْتِ وصُدَّ هَدْيُنا وعَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالحُدَيْبِيَةِ ورُدَّ رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ خَرَجا فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ فَقالَ: بِئْسَ الكَلامُ هَذا بَلْ هو أعْظَمُ الفَتْحِ لَقَدْ رَضِيَ المُشْرِكُونَ أنْ يَدْفَعُوكم بِالرّاحِ عَنْ بِلادِهِمْ ويَسْألُونَكُمُ القَضِيَّةَ ويَرْغَبُونَ إلَيْكم في الأمانِ وقَدْ كَرِهُوا مِنكم ما كَرِهُوا، وقَدْ أظْفَرَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَدَّكم سالِمِينَ غانِمِينَ مَأْجُورِينَ فَهَذا أعْظَمُ الفَتْحِ، أنَسِيتُمْ يَوْمَ أُحُدٍ إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُنَ عَلى أحَدٍ وأنا أدْعُوكم في أُخْراكُمْ؟
أنَسِيتُمْ يَوْمَ الأحْزابِ إذْ جاؤُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ؟
قالَ المُسْلِمُونَ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ هو أعْظَمُ الفُتُوحِ واللَّهِ يا نَبِيَّ اللَّهِ ما فَكَّرْنا فِيما ذَكَرْتَ ولَأنْتَ أعْلَمُ بِاللَّهِ وبِالأُمُورِ مِنّا».
وفائِدَةُ الخَبَرِ بِالفَتْحِ عَلى الوَجْهَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعْلَمُ ذَلِكَ وكَذا يَعْلَمُ لازِمَ الفائِدَةِ كَذا قِيلَ.
وحَمْلُ الغَيْرِ عَلى مَن لَمْ يَحْضُرِ الفَتْحَ مِنَ الصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ لِأنَّ الحاضِرِينَ عَلِمُوا ذَلِكَ قَبْلَ النُّزُولِ، وقِيلَ: الحاضِرُ إنَّما عَلِمَ وُقُوعَ الصُّلْحِ أوْ كَوْنَ المُشْرِكِينَ بِحَيْثُ طَلَبُوهُ ولَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهُ فَتْحًا كَما يُشْعِرُ بِهِ الخَبَرُ، وإنْ سُلِّمَ أنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ عِظَمَ شَأْنِهِ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ إسْنادُهُ إلى نُونِ العَظَمَةِ والإخْبارُ بِهِ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لَعَلَّ المَقْصُودَ بِالإفادَةِ كَوْنُ ذَلِكَ لِلْمَغْفِرَةِ وما عُطِفَ عَلَيْها فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفائِدَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْضًا، وأقُولُ: قَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهُ كَثِيرًا ما تُورَدُ الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ لِأغْراضٍ أُخَرَ سِوى إفادَةِ الحُكْمِ أوْ لازِمِهِ نَحْوَ ﴿ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى ﴾ ﴿ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي ﴾ ﴿ لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ الآيَةَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن إيرادِها هاهُنا الِامْتِنانَ دُونَ إفادَةِ الحُكْمِ أوْ لازِمِهِ ولا مَجازَ في ذَلِكَ ونَحْوِهِ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ العَلّامَةُ عَبْدُ الحَكِيمِ السّالَكُوتِيُّ في حَواشِيهِ عَلى المُطَوَّلِ.
وصَرَّحَ في الرِّسالَةِ الجُنْدِيَّةِ بِأنَّ الهَيْئَةَ التَّرْكِيبِيَّةَ الخَبَرِيَّةَ في نَحْوِ ذَلِكَ مَنقُولَةٌ إلى الإنْشائِيَّةِ وأنَّ المَجازَ في الهَيْئَةِ فَقَطْ لا في الأطْرافِ ولا في المَجْمُوعِ وهو مَجازٌ مُفْرَدٌ عِنْدَ صاحِبِ الرِّسالَةِ، والكَلِمَةُ أعْظَمُ مِنَ اللَّفْظِ الحَقِيقِيِّ والحُكْمِيِّ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو مَجازٌ مُرَكَّبٌ ولا يَنْحَصِرُ في التَّمْثِيلِيَّةِ، وتَحْقِيقُهُ في مَوْضِعِهِ.
والتَّأْكِيدُ بِأنَّ لِلِاعْتِناءِ لا لِرَدِّ الإنْكارِ وقِيلَ لِأنَّ الحُكْمَ لِعَظَمِ شَأْنِهِ مَظِنَّةٌ لِلْإنْكارِ.
وقِيلَ: لِأنَّ بَعْضَ السّامِعِينَ مُنْكِرٌ كَوْنَ ما وقَعَ فَتْحًا، ويُقالُ في تَكْرِيرِ الحُكْمِ نَحْوَ ذَلِكَ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِالفَتْحِ فَتْحُ خَيْبَرَ وهي مَدِينَةٌ كَبِيرَةٌ ذاتَ حُصُونِ ومَزارِعَ عَلى ثَمانِيَةِ بَرْدٍ مِنَ المَدِينَةِ إلى جِهَةِ الشّامِ، وكانَ خُرُوجُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما قالَ ابْنُ إسْحاقَ ورَجَّحَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في بَقِيَّةِ المُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ وأقامَ يُحاصِرُها بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً إلى أنْ فَتَحَها.
ونُقِلَ عَنْ مالِكٍ وجَزَمَ بِهِ ابْنُ حَزْمٍ أنَّهُ كانَ في آخِرِ سَنَةِ سِتٍّ، وجَمَعَ بِأنَّ مَن أطْلَقَ سَنَةَ سِتٍّ بَناهُ عَلى أنَّ ابْتِداءَ السَّنَةِ مِن شَهْرِ الهِجْرَةِ الحَقِيقِيِّ وهو شَهْرُ رَبِيعٍ الأوَّلِ، وقَوْلُ الشَّيْخِ أبِي حامِدٍ في التَّعْلِيقَةِ: إنَّ غَزْوَةَ خَيْبَرَ كانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ وهْمٌ، وقَوْلُ ابْنِ سَعْدٍ وابْنِ أبِي شَيْبَةَ رِوايَةً عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّها كانَتْ لِثَمانِ عَشْرَةَ مِن رَمَضانَ خَطَأٌ، ولَعَلَّ الأصْلَ كانَتْ حُنَيْنٌ فَحُرِّفَ ومَعَ هَذا يَحْتاجُ إلى تَوْجِيهٍ.
وقَدْ فُتِحَتْ عَلى أيْدِي أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ لَمْ يُشْرِكْهم أحَدٌ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ عَنْها فالفَتْحُ عَلى حَقِيقَةٍ وإسْنادُهُ إلَيْهِ تَعالى عَلى حَدِّ ما سَمِعْتَ فِيما تَقَدَّمَ، والتَّأْكِيدُ بِأنَّ وتَكْرِيرِ الحُكْمِ لِلِاعْتِناءِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالماضِي مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ واقِعًا يَوْمَ النُّزُولِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ مِن أنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ مِن بابِ مَجازِ المُشارَفَةِ نَحْوَ مَن قَتَلَ قَتِيلًا عَلى المَشْهُورِ أوِ الأوَّلِ نَحْوَ ﴿ إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا ﴾ ولا يَضُرُّ اخْتِلافُهُما في الفِعْلِيَّةِ والِاسْمِيَّةِ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ يُعْلَمُ مِمّا سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ وهو كَما في زادِ المَعادِ الفَتْحُ الأعْظَمُ الَّذِي أعَزَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ دِينَهُ واسْتَنْقَذَ بِهِ بَلَدَهُ وطَهَّرَ حَرَمَهُ واسْتَبْشَرَ بِهِ أهْلُ السَّماءِ وضُرِبَتْ أطْنابُ عِزِّهِ عَلى مَناكِبِ الجَوْزاءِ ودَخَلَ النّاسُ بَعْدَهُ في دِينِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أفْواجًا وأشْرَقَ وجْهُ الدَّهْرِ ضِياءً وابْتِهاجًا، وكانَ سَنَةَ ثَمانٍ وفي رِوايَةٍ ونِصْفٍ، وقَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتا مِن شَهْرِ رَمَضانَ، وفَتْحُ مَكَّةَ لِثَلاثِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنهُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، ورُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ أنَّهُ كانَ الفَتْحُ في عَشْرٍ بَقِيَتْ مِن شَهْرِ رَمَضانَ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وكانَ مَعَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المُسْلِمِينَ عَشَرَةُ آلافٍ وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ ألْفًا، والجَمْعُ مُمْكِنٌ، وكانَ الفَتْحُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ صُلْحًا وهي رِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ لِلتَّأْمِينِ في مَمَرِّ الظَّهْرانِ بِمَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ ومَن دَخَلَ المَسْجِدَ فَهو آمِنٌ، ولِعَدَمِ قِسْمَةِ الدُّورِ بَيْنَ الغانِمِينَ، وذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّهُ عَنْوَةٌ لِلتَّصْرِيحِ بِالأمْرِ بِالقِتالِ ووُقُوعِهِ مِن خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(أُحِلَّتْ لِي ساعَةٌ مِن نَهارٍ)».
ولا يُسَمّى ذَلِكَ التَّأْمِينُ صُلْحًا إلّا إذا التَزَمَ مَن أُشِيرَ إلَيْهِ بِهِ الكَفَّ عَنِ القِتالِ، والأخْبارُ الصَّحِيحَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ قُرَيْشًا لَمْ يَلْتَزِمُوا، وتَرْكُ القِسْمَةِ لا يَسْتَلْزِمُ عِدَّةَ العَنْوَةِ فَقَدْ تُفْتَحُ البَلْدَةُ عَنْوَةً ويُمَنُّ عَلى أهْلِها وتُتْرَكُ لَهم دُورُهم.
وأقامَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ الفَتْحِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً في رِوايَةِ البُخارِيِّ وسَبْعَ عَشْرَةَ في رِوايَةِ أبِي داوُدَ وثَمانِ عَشْرَةَ في رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وتِسْعَ عَشْرَةَ في رِوايَةِ بَعْضٍ، وتَمامُ الكَلامِ في كُتُبِ السِّيَرِ، واسْتَظْهَرَ هَذا القَوْلَ أبُو حَيّانَ وذَكَرَ أنَّهُ المُناسِبُ لِآخِرِ السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ لَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ ﴾ الآيَةَ فَبَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّهُ فَتَحَ لَهم مَكَّةَ وغَنِمُوا وحَصَلَ لَهم أضْعافُ ما أنْفَقُوا ولَوْ بَخِلُوا لَضاعَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ بُخْلُهم إلّا عَلى أنْفُسِهِمْ، وأيْضًا لَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكُمْ ﴾ بَيَّنَ تَعالى بُرْهانَهُ بِفَتْحِ مَكَّةَ فَإنَّهم كانُوا هُمُ الأعْلَيْنَ، وأيْضًا لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ ﴾ كانَ ذَلِكَ في فَتْحِ مَكَّةَ ظاهِرًا حَيْثُ لَمْ يَلْحَقْهم وهَنٌ ولا دَعَوْا إلى الصُّلْحِ بَلْ أتى صَنادِيدُ قُرَيْشٍ مُسْتَأْمِنِينَ مُسْتَسْلِمِينَ وهَذا ظاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِهِ فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِهِ فَتْحُ خَيْبَرَ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، ورَجَّحَ بَعْضُهُمُ القَوْلَ بِأنَّهُ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ بِأنَّ وعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ يَجِيءُ صَرِيحًا في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴾ الآيَةَ فَلَوْ حُمِلَ هَذا الفَتْحُ عَلَيْهِ لَكانَ تَأْكِيدًا بِخِلافِ ما إذا حُمِلَ عَلى صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ فَإنَّهُ يَكُونُ تَأْسِيسًا والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، ورَجَّحَهُ بَعْضٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ فَتْحُ خَيْبَرَ بِمِثْلِ هَذا لِأنَّ فَتْحَ خَيْبَرَ مَذْكُورٌ فِيما بَعْدُ أيْضًا، ولِلْبَحْثِ في ذَلِكَ مَجالٌ، وإنَّ التَّكْرِيرَ لِما تَقَدَّمَ، وكَذا الإسْنادُ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ بَلْ هَذا الفَتْحُ أوْلى بِالِاعْتِناءِ وتَعْظِيمِ الشَّأْنِ حَتّى قِيلَ: إنَّ إسْنادَهُ إلَيْهِ تَعالى لِكَوْنِهِ مِنَ الأُمُورِ الغَرِيبَةِ العَجِيبَةِ الَّتِي يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كالرَّمْيِ بِالحَصى المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ﴾ وهَذا خِلافٌ ظاهِرٌ، والمَشْهُورُ أنَّ في الكَلامِ مَجازًا عَقْلِيًّا وفِيهِ الِاحْتِمالاتُ السّابِقَةُ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَعَلَّ الإرادَةَ هاهُنا مُعْتَبَرَةٌ إمّا عَلى سَبِيلِ الحَذْفِ أوْ عَلى المَجازِ المُرْسَلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ ﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ عِنْدَ أكْثَرِ الأئِمَّةِ، ومِثْلُ هَذا التَّأْوِيلِ قِيلَ: مُطَّرِدٌ في الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الفَتْحَ مَجازٌ عَنْ تَيْسِيرِهِ، وذَكَرَ بَعْضُ الصُّدُورِ في تَوْجِيهِ التَّأْكِيدِ بِأنَّ هاهُنا أنَّهُ قَدْ يُجْعَلُ غَيْرُ السّائِلِ بِمَنزِلَةِ السّائِلِ إذا قُدِّمَ إلَيْهِ ما يُلَوِّحُ لَهُ بِالخَبَرِ، وصَرَّحُوا بِأنَّ المُلَوَّحَ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كَلامًا، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ وغَيْرِهِمْ أنَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى في المَنامِ أنَّهُ وأصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم دَخَلُوا مَكَّةَ آمِنِينَ فَصارَ المَقامُ مَقامَ أنْ يَتَرَدَّدَ في الفَتْحِ فَأُلْقِيَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الكَلامُ مُؤَكَّدًا كَما يُلْقى إلى السّائِلِ كَذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِرَدِّ الإنْكارِ بِناءً عَلى تَحَقُّقِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ فَإنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ تَعالى وسَلَّمَ لا يَسْتَوْلِي عَلى مَكَّةَ كَما لَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْها مَن أرادَ الِاسْتِيلاءَ عَلَيْها قَبْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو كَما تَرى، وذَكَرَ بَعْضُ أجِلَّةِ القائِلِينَ بِأنَّ المُرادَ بِهِ فَتْحُ مَكَّةَ أنَّ الكَلامَ وعْدٌ بِفَتْحِها فَقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ حِينَئِذٍ إخْبارٌ، وقِيلَ: إنَّها إنْشاءٌ، واسْتُشْكِلَ بِما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ مِن أنَّ الجُمَلَ الإنْشائِيَّةَ مُنْحَصِرَةٌ بِالِاسْتِقْراءِ في الطَّلَبِيَّةِ والإيقاعِيَّةِ والوَعْدُ لَيْسَ شَيْئًا مِنهُما، أمّا الأوَّلُ فَظاهِرٌ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِكَ لَأُكْرِمَنَّكَ مَثَلًا لا يَقَعُ بِهِ الإكْرامُ، وقالَ بَعْضُ الصُّدُورِ: إنَّ كَلامَهم مُضْطَرِبٌ في كَوْنِ الوَعْدِ إنْشاءً أوْ إخْبارًا، ويُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِأنْ يُقالَ: أصْلُ الوَعْدِ إنْشاءٌ لِأنَّهُ إظْهارُ أمْرٍ في النَّفْسِ يُوجِبُ سُرُورَ المُخاطَبِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ الوَعْدُ وهو المَوْعُودُ إخْبارُ نَظِيرُهُ قَوْلُ النُّحاةِ كَأنَّ لِإنْشاءِ التَّشْبِيهِ مَعَ أنَّ مَدْخُولَها جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ.
وقالَ الخَفاجِيُّ: هَذا ناشِئٌ مِن عَدَمِ فَهْمِ المُرادِ مِنهُ.
فَإنْ قِيلَ: المُرادُ مِن لَأُكْرِمَنَّكَ مَثَلًا إكْرامٌ في المُسْتَقْبَلِ فَهو خَبَرٌ بِلا مِرْيَةٍ، وإنْ قِيلَ: مَعْناهُ العَزْمُ عَلى إكْرامِهِ وتَعْجِيلُ المَسَرَّةِ لَهُ بِإعْلامِهِ فَهو إنْشاءٌ، وأقُولُ لا يَخْفى أنَّ الإخْبارَ أصْلٌ لِلْإنْشاءِ، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ العَلّامَةِ التَّفْتازانِيُّ في المُطَوَّلِ ولَيْسَتْ هَيْئَةُ المُرَكَّبِ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ إنْشاءٌ ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ بِمادَّتِهِ عَلى ذَلِكَ فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ إخْبارٌ قُصِدَ بِهِ تَعْجِيلُ المَسَرَّةِ وإنَّ ذَلِكَ لا يُخْرِجُهُ عَنِ الإخْبارِ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى ﴾ ونَحْوَهُ فَتَدَبَّرْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالماضِي لِتَحَقُّقِهِ، وفِيهِ مِن تَسْلِيَةِ قُلُوبِ الأصْحابِ وتَسْلِيَتِهِمْ حَيْثُ صارُوا مَحْزُونِينَ غايَةَ الحُزْنِ مِن تَأْخِيرِ الفَتْحِ ما فِيهِ، وهَذا التَّعْبِيرُ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ عَلى ما حَقَّقَهُ السَّيِّدُ السَّنَدُ في حَواشِي المُطَوَّلِ حَيْثُ قالَ: اعْلَمْ أنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ المُضارِعِ بِالماضِي وعَكْسَهُ يُعَدُّ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ بِأنْ يُشَبَّهَ غَيْرُ الحاصِلِ بِالحاصِلِ في تَحَقُّقِ الوُقُوعِ ويُشَبَّهُ الماضِي بِالحاضِرِ في كَوْنِهِ نُصْبَ العَيْنِ واجِبَ المُشاهِدَةِ ثُمَّ يُسْتَعارُ لَفْظُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ فَعَلى هَذا تَكُونُ اسْتِعارَةُ الفِعْلِ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُشَبَّهَ الضَّرْبُ الشَّدِيدُ مَثَلًا بِالقَتْلِ ويُسْتَعارَ لَهُ اسْمُهُ ثُمَّ يُشْتَقُّ مِنهُ قُتِلَ بِمَعْنى ضُرِبَ ضَرْبًا شَدِيدًا.
والثّانِي أنْ يُشَبَّهَ الضَّرْبُ المُسْتَقْبَلُ بِالضَّرْبِ في الماضِي مَثَلًا في تَحَقُّقِ الوُقُوعِ فَيُسْتَعْمَلُ فِيهِ ضُرِبَ فَيَكُونُ المَعْنى المَصْدَرِيِّ أعْنِي الضَّرْبَ مَوْجُودًا في كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ لَكِنَّهُ قُيِّدَ في كُلٍّ مِنهُما بِقَيْدٍ يُغايِرُ الآخَرَ فَصَحَّ التَّشْبِيهُ لِذَلِكَ.
وقالَ المُحَقِّقُ مِيرْزاجانَ: يُمْكِنُ تَوْجِيهُ الِاسْتِعارَةِ هاهُنا بِوَجْهٍ آخَرَ وهو أنْ يُشَبَّهَ الزَّمانُ المُسْتَقْبَلُ بِالزَّمانِ الماضِي ووَجْهُ الشَّبَهِ أنَّهُ كَما أنَّ الثّانِي ظَرْفُ أمْرٍ مُحَقَّقِ الوُقُوعِ كَذَلِكَ الزَّمانُ الأوَّلُ واللَّفْظُ الدّالُّ عَلى الزَّمانِ الثّانِي وهو لَفْظُ الفِعْلِ الماضِي مِن جِهَةِ الصِّيغَةِ جُعِلَ دالًّا عَلى الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ مُسْتَعْمَلًا فِيهِ، ومِنَ البَيِّنِ أنَّ المَصْدَرَ عَلى حالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مَعْناهُ فَكانَتِ الِاسْتِعارَةُ في الصِّيغَةِ والهَيْئَةِ أوْلى لِأنَّها الدّالَّةُ عَلى الزَّمانِ الماضِي وبِواسِطَتِها كانَتِ الِاسْتِعارَةُ في الفِعْلِ كَما كانَتِ الِاسْتِعارَةُ في الفِعْلِ بِواسِطَةِ المَصْدَرِ، والفَرْقُ أنَّ هَذِهِ الِاسْتِعارَةَ في الفِعْلِ بِواسِطَةِ جَوْهَرِهِ ومادَّتِهِ وفِيما نَحْنُ فِيهِ بِواسِطَةِ صُورَتِهِ، لا يُقالُ: الدّالُّ عَلى الزَّمانِ هو نَفْسُ اللَّفْظِ المُشْتَقِّ لا جُزْؤُهُ لِأنّا نَقُولُ: يَجْرِي هَذا الِاحْتِمالُ في الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ المَشْهُورَةِ بِأنْ يُقالَ: الدّالُّ عَلى المَعْنى الحَدَثِيِّ هو نَفْسُ اللَّفْظِ المُشْتَقِّ لا جُزْؤُهُ لِأنَّ المَصْدَرَ بِصِيغَتِهِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ في المُشْتَقِّ فَإنَّ الضَّرْبَ غَيْرُ مَوْجُودٍ في ضارَبَ وضَرَبَ.
فَإنْ قُلْتَ: المَصْدَرُ لَفْظٌ مُسْتَقِلٌّ يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْ مَعْناهُ بِخِلافِ الهَيْئَةِ قُلْتُ: لَفْظُ الزَّمانِ الماضِي أيْضًا، كَذَلِكَ فَلا فَرْقَ في كُلٍّ مِنهُما: نَسْتَعِيرُ المَعْنى المُطابَقِيِّ لِلَّفْظِ الفِعْلِ بِواسِطَةِ المَعْنى التَّضَمُّنِيِّ لَهُ، ولا يَبْعُدُ أنَّ يُسَمّى مِثْلُ هَذا اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً، والأمْرُ في التَّسْمِيَةِ هَيِّنٌ لا اعْتِدادَ بِشَأْنِهِ، ولَعَلَّهم إنَّما جَعَلُوا الِاسْتِعارَةَ في مِثْلِ ذَلِكَ بِواسِطَةِ المَصْدَرِ واعْتَبَرُوا التَّغايُرَ الِاعْتِبارِيَّ ولَمْ يَعْتَبِرُوا ما اعْتَبَرْنا مِن تَشْبِيهِ نَفْسِ الزَّمانِ بِالزَّمانِ حَتّى تَصِيرَ الِاسْتِعارَةُ في الفِعْلِ تَبَعِيَّةً بِلا تَكَلُّفٍ رِعايَةً لِطَيِّ النَّشْرِ بِقَدْرِ الإمْكانِ وأيْضًا في كَوْنِ الصِّيغَةِ والهَيْئَةِ جُزْءًا لِلَفْظٍ تَأمَّلْ، وأيْضًا الهَيْئَةُ لَيْسَتْ جُزْءًا مُسْتَقِلًّا كالمَصْدَرِ، وأيْضًا الهَيْئَةُ لَيْسَتْ لَفْظًا والِاسْتِعارَةٌ قِسْمٌ لِلَّفْظِ، ولَعَلَّ القَوْمَ لِهَذِهِ كُلِّها أوْ بَعْضِها لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ انْتَهى، وفِيهِ بَحْثٌ، ولِلْفاضِلِ مِيرِ صَدْرِ الدِّينِ رِسالَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَعَرَّضَ فِيها لِلْمُحَقَّقِ في هَذا المَقامِ، وتَعَقَّبَها الفاضِلُ يُوسُفُ القَرْباغِيُّ بِرِسالَةٍ أطالَ الكَلامَ فِيها وجَرَّحَ وعَدَّلَ وذَكَرَ عِدَّةَ احْتِمالاتٍ في الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، ومالَ إلى أنَّ الهَيْئَةَ لَفْظٌ مُحْتَجًّا بِما نَقَلَهُ مِن شَرْحِ المُخْتَصَرِ العَضُدِيِّ ومِن شَرْحِ الشَّرْحِ لِلْعَلّامَةِ التَّفْتازانِيِّ وأيَّدَهُ بِنُقُولٍ أُخَرَ فَلْيُراجَعْ ذَلِكَ فَإنَّهُ وإنْ كانَ في بَعْضِهِ نَظَرٌ لا يَخْلُو عَنْ فائِدَةٍ.
والَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي أنَّ الهَيْئَةَ لَيْسَتْ بِلَفْظٍ ولَكِنَّها في حُكْمِهِ وأنَّهُ قَدْ يُتَصَرَّفُ فِيها بِالتَّجَوُّزِ كَما في الخَبَرِ إذا اسْتُعْمِلَ في الإنْشاءِ وإنَّ المَجازَ المُرْسَلَ يَكُونُ تَبَعِيًّا بِناءً عَلى ما ذَكَرُوهُ في وجْهِ التَّبَعِيَّةِ في الِاسْتِعارَةِ، وقَوْلُ الصَّدْرِ في الفَرْقِ: إنَّ العَلاقَةَ في الِاسْتِعارَةِ مَلْحُوظَةٌ حِينَ الإطْلاقِ فَإنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ اسْمَ المُشَبَّهُ بِهِ لا يُطْلَقُ عَلى المُشَبَّهِ إلّا بَعْدَ دُخُولِهِ في جِنْسِ المُشَبَّهِ بِهِ بِخِلافِ المُرْسَلِ فَإنَّ العَلاقَةَ باعِثَةٌ لِلِانْتِقالِ ولَيْسَتْ مَلْحُوظَةً حِينَ الِاسْتِعْمالِ فَلا ضَرُورَةَ في القَوْلِ بِالتَّبَعِيَّةِ فِيهِ إنْ تَمَّ لا يُجْدِي نَفْعًا فافْهَمْ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ التَّعْبِيرَ بِالماضِي هاهُنا عَلى حَقِيقَتِهِ بِناءً عَلى أنَّ الفَتْحَ مَجازٌ عَنْ تَيْسِيرِهِ وتَسْهِيلِهِ وهو مِمّا لا يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الفَتْحِ ووُقُوعِهِ لِيَكُونَ مُسْتَقْبَلًا بِالنِّسْبَةِ إلى زَمَنِ النُّزُولِ مِثْلِهِ ألا تَرى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَألَ رَبَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ ويَسِّرْ لِي أمْرِي ﴾ أنْ يُسَهِّلَ أمْرَهُ وهو خِلافَتُهُ في أرْضِهِ وما يَصْحَبُها، وأُجِيبَ إلَيْهِ في مَوْقِفِ السُّؤالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ﴾ ولَمْ يُباشِرْ بَعْدُ شَيْئًا، وحَمْلُهُ عَلى الوَعْدِ بِإيتاءِ السُّؤالِ خِلافُ الظّاهِرِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ أظْهَرُ وأبْلَغُ، وفي مَجِيءِ المُسْتَقْبَلِ بِصِيغَةِ الماضِي لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ المُحَقِّقِ مِنَ الفَخامَةِ والدَّلالَةِ عَلى عُلُوِّ شَأْنِ المُخْبَرِ ما لا يَخْفى كَما في الكَشّافِ، وذَلِكَ عَلى ما قِيلَ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأزْمِنَةَ كُلَّها عِنْدَهُ تَعالى عَلى السَّواءِ وأنَّ مُنْتَظِرَهُ كَمُحَقِّقِ غَيْرِهِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا أرادَ أمْرًا تَحَقَّقَ لا مَحالَةَ وأنَّهُ لِجَلالَةِ شَأْنِهِ إذا أخْبَرَ عَنْ حادِثٍ فَهو كالكائِنِ لِما عِنْدَهُ مِن أسْبابِهِ القَرِيبَةِ والبَعِيدَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
واسْتُشْكِلَ أمْرُ المُضِيِّ في كَلامِهِ تَعالى بِناءً عَلى ثُبُوتِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ الأزَلِيِّ لِلُزُومِ الكَذِبِ لِأنَّ صِدْقَ الكَلامِ يَسْتَدْعِي سَبْقَ وُقُوعِ النِّسْبَةِ ولا يُتَصَوَّرُ السَّبْقُ عَلى الأزَلِ، وأُجِيبَ بِأنَّ كَلامَهُ تَعالى النَّفْسِيَّ الأزَلِيَّ لا يَتَّصِفُ بِالماضِي وغَيْرِهِ لِعَدَمِ الزَّمانِ.
وتُعِقِّبَ بِأنَّ تَحَقُّقَ هَذا مَعَ القَوْلِ بِأنَّ الأزَلِيَّ مَدْلُولُ اللَّفْظِيِّ عَسِيرٌ جِدًّا، وكَذا القَوْلُ بِأنَّ المُتَّصِفَ بِالمُضِيِّ وغَيْرِهِ إنَّما هو اللَّفْظُ الحادِثُ دُونَ المَعْنى القَدِيمِ.
وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ العُسْرَ لَوْ كانَ دَلالَةُ اللَّفْظِيِّ عَلَيْهِ دَلالَةَ المَوْضُوعِ عَلى المَوْضُوعِ لَهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَهم بَلْ هي دَلالَةُ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ، ولا يَلْزَمُ مِنِ اعْتِبارِ شَيْءٍ في الأثَرِ اعْتِبارُهُ في المُؤَثِّرِ، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ الدَّلالَةِ دَلالَةَ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ خِلافُ الظّاهِرِ، وقالَ ابْنُ الصَّدْرِ في ذَلِكَ: إنَّ اشْتِمالَ الكَلامِ اللَّفْظِيِّ عَلى المُضِيِّ والحُضُورِ والِاسْتِقْبالِ إنَّما هو بِالنَّظَرِ إلى زَمانِ المُخاطَبِ لا إلى زَمانِ المُتَكَلِّمِ كَما إذا أرْسَلْتَ زَيْدًا إلى عَمْرٍو تَكْتُبُ في مَكْتُوبِكَ إلَيْهِ إنِّي أرْسَلْتُ إلَيْكَ زَيْدًا مَعَ أنَّهُ حِينَ ما تَكْتُبُهُ لَمْ يَتَحَقَّقِ الإرْسالُ فَتُلاحِظُ حالَ المُخاطَبِ، وكَما تُقَدِّرُ في نَفْسِكَ مُخاطِبًا وتَقُولُ: لَمْ تَفْعَلِ الآنَ كَذا وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ كَذا، ولا شَكَّ أنَّ هَذا المُضِيَّ والحُضُورَ والِاسْتِقْبالَ بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ الوُجُودِ المُقَدَّرِ لِهَذا المُخاطَبِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ المُتَكَلِّمِ بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ لِكَوْنِهِ مُتَوَجِّهًا لِمُخاطَبٍ مُقَدَّرٍ لا يُلاحَظُ فِيهِ إلّا أزْمِنَةُ المُخاطَبِينَ المُقَدَّرِينَ، وما اعْتَبَرَهُ أئِمَّةُ العَرَبِيَّةِ مِن حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ واعْتِبارِ المُضِيِّ والحُضُورِ والِاسْتِقْبالِ في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ بِالقِياسِ إلى زَمانِ الفِعْلِ لا زَمانِ التَّكَلُّمِ قَرِيبٌ مِنهُ جِدًّا انْتَهى، ولِلْمُحَقِّقِ مِيرْزاجانَ كَلامٌ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِن حَواشِيهِ عَلى الشَّرْحِ العَضُدِيِّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالفَتْحِ فَتْحُ الرُّومِ عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفِعْلِ فَإنَّهم غُلِبُوا عَلى الفُرْسِ في عامِ النُّزُولِ، وكَوْنُهُ فَتْحًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الغَيْبِ فَتَحَقَّقَ ما أخْبَرَ بِهِ في ذَلِكَ العامِ ولِأنَّهُ تَفاءَلَ بِهِ لِغَلَبَةِ أهْلِ الكِتابِ المُؤْمِنِينَ، وفي ذَلِكَ مِن ظُهُورِ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما هو بِمَنزِلَةِ الفَتْحِ، قِيلَ: فَفي الفَتْحِ اسْتِعارَةٌ لِتَشْبِيهِ ظُهُورِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالفَتْحِ، وقِيلَ: لا تَجُوزُ فِيهِ وإنَّما التَّجَوُّزُ في تَعَلُّقِهِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: لا تَجُوزُ أصْلًا والمَعْنى فَتَحْنا عَلى الرُّومِ لِأجْلِكَ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَمْلَ الفَتْحِ عَلى ما ذَكَرَهُ في نَفْسِهِ بَعِيدٌ جِدًّا.
وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ فَتْحَ الرُّومِ لَمْ يَكُنْ مُسَبَّبًا عَلى الجِهادِ ونَحْوِهِ فَلا يَصِحُّ ما ذَكَرُوهُ في تَوْجِيهِ التَّعْلِيلِ الآتِي، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ ( فَتَحْنا ) مِنَ الفُتاحَةِ بِالضَّمِّ وهي الحُكُومَةُ أيْ إنّا قَضَيْنا لَكَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ أنْ تَدْخُلَها أنْتَ وأصْحابُكَ مِن قابِلٍ لِتَطُوفُوا بِالبَيْتِ وهو بَعِيدٌ أيْضًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ فَتَحَ اللَّهُ تَعالى لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالإسْلامِ والنُّبُوَّةِ والدَّعْوَةِ بِالحُجَّةِ والسَّيْفِ وقَرِيبٌ مِنهُ ما نَقَلَهُ الرّاغِبُ مِن أنَّهُ فَتَحَهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالعُلُومِ والهِداياتِ الَّتِي هي ذَرِيعَةٌ إلى الثَّوابِ والمَقاماتِ المَحْمُودَةِ، وأمْرُهُ في البُعْدِ كَما سَبَقَ، وأيًّا ما كانَ فَحَذْفُ المَفْعُولِ لِلْقَصْدِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ والإيذانِ بِأنَّ مَناطَ التَّبْشِيرِ نَفْسُ الفَتْحِ الصّادِرِ عَنْهُ سُبْحانَهُ لا خُصُوصِيَّةُ المَفْتُوحِ، وتَقْدِيمُ ( لَكَ ) عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ مَعَ أنَّ الأصْلَ تَقْدِيمُهُ عَلى سائِرِ المَفاعِيلِ كَما صَرَّحَ بِهِ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ لِلِاهْتِمامِ بِكَوْنِ ذَلِكَ لِنَفْعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَدارُ الفائِدَةِ، و(مُبِينٌ) مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ اللّازِمِ أيْ فَتْحًا بَيِّنًا ظاهِرَ الأمْرِ مَكْشُوفَ الحالِ أوْ فارِقًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ﴾ مَذْهَبُ الأشاعِرَةِ القائِلِينَ بِأنَّ أفْعالَهُ تَعالى لا تُعَلَّلُ بِالأغْراضِ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ اللّامِ لِلْعاقِبَةِ أوْ لِتَشْبِيهِ مَدْخُولِها بِالعِلَّةِ الغائِيَّةِ في تَرَتُّبِهِ عَلى مُتَعَلِّقِها وتَرَتُّبِ المَغْفَرَةِ عَلى الفَتْحِ مِن حَيْثُ إنَّ فِيهِ سَعْيًا مِنهُ في إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى بِمُكابَدَةِ مَشاقِّ الحُرُوبِ واقْتِحامِ مَوارِدِ الخُطُوبِ، والسَّلَفُ كَما قالَ ابْنُ القَيِّمِ وغَيْرُهُ يَقُولُونَ بِتَعْلِيلِ أفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ، وفي شَرْحِ المَقاصِدِ لِلْعَلّامَةِ التَّفْتازانِيِّ أنَّ مِن بَعْضِ أدِلَّتِهِمْ- أيِ الأشاعِرَةِ- ومَن وافَقَهم عَلى هَذا المَطْلَبِ يُفْهِمُ أنَّهم أرادُوا عُمُومَ السَّلْبِ ومِن بَعْضِها أنَّهم أرادُوا سَلْبَ العُمُومِ، ثُمَّ قالَ: الحَقُّ أنَّ بَعْضَ أفْعالِهِ تَعالى مُعَلَّلٌ بِالحِكَمِ والمَصالِحِ وذَلِكَ ظاهِرٌ والنُّصُوصُ شاهِدَةٌ بِهِ، وأمّا تَعْمِيمُ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا يَخْلُو فِعْلٌ مِن أفْعالِهِ سُبْحانَهُ مِن غَرَضٍ فَمَحَلُّ بَحْثٍ، وذَكَرَ الأصْفَهانِيُّ في شَرْحِ الطَّوالِعِ في هَذِهِ المَسْألَةِ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وأكْثَرِ الفُقَهاءِ، وأنا أقُولُ: بِما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّلَفُ لِوُجُودِ التَّعْلِيلِ فِيما يَزِيدُ عَلى عَشَرَةِ آلافِ آيَةٍ وحَدِيثٍ، والتِزامُ تَأْوِيلِ جَمِيعِها خُرُوجٌ عَنِ الإنْصافِ، وما يَذْكُرُهُ الحاضِرُونَ مِنَ الأدِلَّةِ يَدْفَعُ بِأدْنى تَأمُّلٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن طالَعَ كُتُبَ السَّلَفِيِّينَ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ.
وفي الكَشّافِ لَمْ يَجْعَلِ الفَتْحَ عِلَّةً لِلْمَغْفِرَةِ لَكِنْ لِاجْتِماعِ ما عَدَّدَ مِنَ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ وهي المَغْفِرَةُ وإتْمامُ النِّعْمَةِ وهِدايَةُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ والنَّصْرُ العَزِيزُ كَأنَّهُ قِيلَ: يَسَّرْنا لَكَ فَتْحَ مَكَّةَ ونَصَرْناكَ عَلى عَدُوِّكَ لِنَجْمَعَ لَكَ بَيْنَ عِزِّ الدّارَيْنِ وأغْراضَ العاجِلِ والآجِلِ، وحاصِلُهُ كَما قالَ العَلّامَةُ أنَّ الفَتْحَ لَمْ يُجْعَلْ عِلَّةً لِكُلٍّ مِنَ المُتَعاطِفاتِ بَعْدَ اللّامِ أعْنِي المَغْفِرَةَ وإتْمامَ النِّعْمَةِ والهِدايَةَ والنَّصْرَ بَلْ لِاجْتِماعِها، ويَكْفِي في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في حُصُولِ البَعْضِ كَإتْمامِ النِّعْمَةِ والنَّصْرِ العَزِيزِ، وتَحْقِيقُهُ كَما قالَ إنَّ العَطْفَ عَلى المَجْرُورِ بِاللّامِ قَدْ يَكُونُ لِلِاشْتِراكِ في مُتَعَلِّقِ اللّامِ مِثْلَ جِئْتُكَ لِأفُوزَ بِلُقْياكَ وأحُوزَ عَطاياكَ ويَكُونُ بِمَنزِلَةِ تَكْرِيرِ اللّامِ وعَطْفِ جارٍّ ومَجْرُورٍ عَلى جارٍّ ومَجْرُورٍ، وقَدْ يَكُونُ لِلِاشْتِراكِ في مَعْنى اللّامِ كَجِئْتُكَ لِتَسْتَقِرَّ في مَقامِكَ وتَفِيضَ عَلَيَّ مِن إنْعامِكَ أيْ لِاجْتِماعِ الأمْرَيْنِ، ويَكُونُ مِن قَبِيلِ جاءَنِي غُلامُ زَيْدٍ وعَمْرٍو أيِ الغُلامُ الَّذِي لَهُما.
واسْتُظْهِرَ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّهُ إذا كانَ المَقْصُودُ البَعْضَ فَذِكْرُ الباقِي لَغْوٌ أنْ يُقالَ: لا يَخْلُو كُلٌّ مِنهُما أنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ وهو ظاهِرٌ أوِ المَقْصُودُ البَعْضُ وحِينَئِذٍ فَذِكْرُ غَيْرِهِ إمّا لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ أوْ لِشَدَّةِ ارْتِباطِهِ بِهِ أوْ تَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ فَيُذْكَرُ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُما كَشَيْءٍ واحِدٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى ﴾ وقَوْلُكَ: أعْدَدْتُ الخَشَبَ لِيَمِيلَ الحائِطُ فَأُدَعِّمَهُ ولازَمْتُ غَرِيمِي لِأسْتَوْفِيَ حَقِّي وأُخَلِّيَهُ.
وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ المَقْصُودَ فِيما نَحْنُ فِيهِ تَعْلِيلُ الهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ فَحَسْبُ فَتَأمَّلْ لِتَعْرِفَ أنَّهُ مِن أيِّ الأقْسامِ هو.
واعْلَمْ أنَّ المَشْهُورَ كَوْنُ العِلَّةِ ما دَخَلَتْهُ اللّامُ لا ما تَعَلَّقَتْ بِهِ كَما هو ظاهِرُ عِبارَةِ الكَشّافِ لَكِنْ حُقِّقَ أنَّها إذا دَخَلَتْ عَلى الغايَةِ صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّ ما بَعْدَها عِلَّةٌ ويُرادُ بِحَسَبِ التَّعَقُّلِ وأنْ يُقالَ: ما تَعَلَّقَتْ بِهِ عِلَّةٌ ويُرادُ بِحَسَبِ الوُجُودِ فَلا تَغْفَلْ.
وزَعَمَ صاحِبُ الغَنِيّانِ أنَّ اللّامَ هاهُنا هي لامُ القَسَمِ وكُسِرَتْ وحُذِفَ النُّونُ مِنَ الفِعْلِ تَشْبِيهًا بِلامِ كَيْ.
ورُدَّ بِأنَّ لامَ القَسَمِ لا تُكْسَرُ ولا يُنْصَبُ بِها فَإنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ واللَّهِ لَيَقُومُ زَيْدٌ عَلى مَعْنى لَيَقُومَنَّ زَيْدٌ، وانْتَصَرَ لَهُ بِأنَّ الكَسْرَ قَدْ عُلِّلَ بِتَشْبِيهِها بِلامِ كَيْ.
وأمّا النِّصْفُ فَلَهُ أنْ يَقُولَ فِيهِ: بِأنَّهُ لَيْسَ نَصْبًا وإنَّما هو الحَرَكَةُ الَّتِي تَكُونُ مَعَ وُجُودِ النُّونِ بَقِيَتْ بَعْدَ حَذْفِها دَلالَةً عَلى الحَذْفِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يُجْدِي نَفْعًا مَعَ عَدَمِ السَّماعِ، هَذا والِالتِفاتُ إلى اسْمِ الذّاتِ المُسْتَتْبَعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِأنْ كُلَّ واحِدٍ مِمّا انْتَظَمَ في سِلْكِ الغايَةِ مِن أفْعالِهِ تَعالى صادِرٌ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ مِن حَيْثِيَّةٍ غَيْرِ حَيْثِيَّةِ الآخَرِ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ.
وقالَ الصَّدْرُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ تَعالى في مَقامِ المَغْفِرَةِ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ المُشْعِرِ بِصِفاتِ الجَمالِ والجَلالِ يُشْعِرُ بِسَبْقِ مَغْفِرَتِهِ تَعالى عَلى عَذابِهِ.
وفي البَحْرِ لَمّا كانَ الغُفْرانُ وما بَعْدَهُ يَشْتَرِكُ في إطْلاقِهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ( يَهْدِي مَن يَشاءُ ) وقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ ﴾ وكانَ الفَتْحُ مُخْتَصًّا بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أسْنَدَهُ اللَّهُ تَعالى إلى نُونِ العَظَمَةِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وأسْنَدَ تِلْكَ الأشْياءَ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ وضَمِيرِهِ وهُوَ كَما تَرى وإنْ قالَهُ الإمامُ أيْضًا، وأقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في إسْنادِ المَغْفِرَةِ إلَيْهِ تَعالى بِالِاسْمِ الأعْظَمِ بَعْدَ إسْنادِ الفَتْحِ إلَيْهِ تَعالى بِنُونِ العَظَمَةِ إيماءٌ إلى أنَّ المَغْفِرَةَ مِمّا يَتَوَلّاها سُبْحانَهُ بِذاتِهِ وأنَّ الفَتْحَ مِمّا يَتَوَلّاهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِالوَسائِطِ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُهم بِأنَّ عادَةَ العُظَماءِ أنْ يُعَبِّرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ لِأنَّ ما يَصْدُرُ عَنْهم في الأكْثَرِ بِاسْتِخْدامِ تَوابِعِهِمْ، ولا يُعْتَرَضُ بِأنَّ النَّصْرَ كالفَتْحِ وقَدْ أُسْنِدَ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِما لا يَخْفى عَلَيْكَ، وتَقْدِيمُ ( لَكَ ) عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وما لِلْعُمُومِ والمُتَقَدِّمُ والمُتَأخِّرُ لِلْإحاطَةِ كِنايَةً عَنِ الكُلِّ، والمُرادُ بِالذَّنْبِ ما فَرَّطَ مِن خِلافِ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو مِن قَبِيلِ حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ ما هو ذَنْبٌ في نَظَرِهِ العالِي صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَنْبًا ولا خِلافَ الأوْلى عِنْدَهُ تَعالى كَما يَرْمُزُ إلى ذَلِكَ الإضافَةُ.
وقالَ الصَّدْرُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ( لِيَغْفِرَ ) إلَخْ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ أوْ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ مِن غَيْرِ تَحَقُّقِ مَعانِي المُفْرَداتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عامِرٍ وأبِي جَعْفَرٍ أنَّهُما قالا: ما تَقَدَّمَ في الجاهِلِيَّةِ وما تَأخَّرَ في الإسْلامِ، وقِيلَ: ما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ مارِيَةَ وما تَأخَّرَ مِنِ امْرَأةِ زَيْدٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ مَعَ أنَّ العَكْسَ أوْلى لِأنَّ حَدِيثَ امْرَأةِ زَيْدٍ مُتَقَدِّمٌ.
وفي الآيَةِ مَعَ ما عُهِدَ مِن حالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن كَثْرَةِ العِبادَةِ ما يَدُلُّ عَلى شَرَفِ مَقامِهِ إلى حَيْثُ لا تُحِيطُ بِهِ عِبارَةٌ، وقَدٌّ صَحَّ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا نَزَلَتْ صامَ وصَلّى حَتّى انْتَفَخَتْ قَدَماهُ وتَعَبَّدَ حَتّى صارَ كالشَّنِّ البالِي فَقِيلَ لَهُ: أتَفْعَلُ هَذا بِنَفْسِكَ وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ أوْ ما تَأخَّرَ؟
فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا».
﴿ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ بِإعْلاءِ الدِّينِ وانْتِشارِهِ في البِلادِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أفاضَهُ تَعالى عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وإقامَةِ الحُدُودِ، قِيلَ: إنَّ أصْلَ الِاسْتِقامَةِ وإنْ كانَ حاصِلًا قَبْلَ الفَتْحِ لَكِنْ حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنِ اتِّضاحِ سُبُلِ الحَقِّ واسْتِقامَةِ مَناهِجِهِ ما لَمْ يَكُنْ حاصِلًا قَبْلُ <div class="verse-tafsir"
﴿ ويَنْصُرَكَ اللَّهُ ﴾ إظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَعَ النَّصْرِ قِيلَ: لِكَوْنِهِ خاتِمَةَ العِلَلِ أوِ الغاياتِ ولِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِهِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ إرْدافُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ وقالَ الصَّدْرُ: أظْهَرَ الِاسْمَ في الصَّدْرِ وهُنا لِأنَّ المَغْفِرَةَ تَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ والنَّصْرَ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا فَكَأنَّهُ أُشِيرَ بِإسْنادِ المَغْفِرَةِ والنَّصْرِ إلى صَرِيحِ اسْمِهِ تَعالى إلى أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ هو الَّذِي يَتَوَلّى أمْرَكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقالَ الإمامُ: أظُهِرَتِ الجَلالَةُ هَنا إشارَةً إلى أنَّ النَّصْرَ لا يَكُونُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ تَعالى: ﴿ وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ النَّصْرَ بِالصَّبْرِ والصَّبْرُ بِاللَّهِ قالَ تَعالى: ﴿ وما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ ﴾ لِأنَّهُ سُكُونُ القَلْبِ واطْمِئْنانُهُ وذَلِكَ بِذِكْرِ اللَّهِ ﴿ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ ﴾ والعَزِيزُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ هو المَنصُورُ، وحَيْثُ وصَفَ بِهِ النَّصْرَ فَهو إمّا لِلنِّسْبَةِ وإنْ كانَ المَعْرُوفُ فِيها فاعِلًا كَلابِنٍ وفَعّالًا كَبَزّازٍ أيْ نَصْرًا فِيهِ عِزٌّ ومَنَعَةٌ، أوْ فِيهِ تَجَوُّزٌ في الإسْنادِ مِن بابِ وصْفِ المَصْدَرِ بِصِيغَةِ المَفْعُولِ وهو المَنصُورُ هُنا نَحْوَ ( عَذابٌ ألِيمٌ ) في قَوْلٍ لا الفاعِلُ وهو النّاصِرُ لِما قِيلَ مِن عَدَمِ مُناسَبَتِهِ لِلْمَقامِ وقِلَّةِ فائِدَتِهِ إذِ الكَلامُ في شَأْنِ المُخاطَبِ المَنصُورِ، لا المُتَكَلِّمِ النّاصِرِ وفِيهِ شَيْءٌ، وقِيلَ: الكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عَزِيزٌ صاحِبُهُ وهو المَنصُورُ وفِيهِ تَكَلُّفُ الحَذْفِ والإيصالِ.
وقَدْ يُقالُ: يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ إذْ لا مانِعَ مِن وصْفِ النَّصْرِ بِالعَزِيزِ عَلى ما هو الظّاهِرُ بِناءً عَلى أحَدِ مَعانِي العِزَّةِ وهُوَ قِلَّةُ الوُجُودِ وصُعُوبَةُ المَنالِ، والمَعْنى يَنْصُرُكَ اللَّهُ نَصْرًا يَقِلُّ وُجُودُ مِثْلِهِ ويَصْعُبُ مَنالُهُ، وقَدْ قالَ الرّاغِبُ بِهَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ﴾ ورَأيْتُ ذَلِكَ لِلصَّدْرِ بَعْدَ أنْ كَتَبْتُهُ مِنَ الصَّدْرِ فَتَأمَّلْ ولا تَكُنْ ذا عَجْزٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ ﴾ بَيانٌ لِما أفاضَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ مِن مَبادِئِ الفَتْحِ، والمُرادُ بِالسَّكِينَةِ الطُّمَأْنِينَةُ والثَّباتُ مِنَ السُّكُونِ أيْ أنْزَلَها في قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ الصُّلْحِ والأمْنِ إظْهارًا لِفَضْلِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِتَيْسِيرِ الأمْنِ بَعْدَ الخَوْفِ، والمُرادُ بِإنْزالِها خَلْقُها وإيجادُها، وفي التَّعْبِيرِ عَنْ ذَلِكَ بِالإنْزالِ إيماءٌ إلى عُلُوِّ شَأْنِها.
وقالَ الرّاغِبُ: إنْزالُ اللَّهِ تَعالى نِعْمَتَهُ عَلى عَبْدٍ إعْطاؤُهُ تَعالى إيّاها وذَلِكَ إمّا بِإنْزالِ الشَّيْءِ نَفْسَهُ كَإنْزالِ القُرْآنِ أوْ بِإنْزالِ أسْبابِهِ والهِدايَةِ إلَيْهِ كَإنْزالِ الحَدِيدِ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: ( أنْزَلَ ) مِن نَزَلَ في مَكانِ كَذا حَطَّ رَحْلَهُ فِيهِ وأنْزَلَهُ غَيْرُهُ، فالمَعْنى حَطَّ السَّكِينَةَ في قُلُوبِهِمْ فَكانَ قُلُوبُهم مَنزِلًا لَها ومَأْوًى، وقِيلَ: السَّكِينَةُ مَلَكٌ يَسْكُنُ قَلْبَ المُؤْمِنِ ويُؤَمِّنُهُ كَما رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَرَّمَ وجْهَهُ قالَ: إنَّ السَّكِينَةَ لَتَنْطِقُ عَلى لِسانِ عُمَرَ، وأمْرُ الإنْزالِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ جِدًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ.
وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: السَّكِينَةُ هي الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: هي العَقْلُ ويُقالُ لَهُ سَكِينَةٌ إذا سَكَنَ عَنِ المَيْلِ إلى الشَّهَواتِ وعَنِ الرُّعْبِ، وقِيلَ: هي الوَقارُ والعَظَمَةُ لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: هي مِن سَكَنَ إلى كَذا مالَ إلَيْهِ أيْ أنْزَلَ في قُلُوبِهِمُ السُّكُونَ والمَيْلَ إلى ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الشَّرائِعِ، وأرْجَحُ التَّفاسِيرِ هُنا عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ: الأوَّلُ، وما ذَكَرَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ السَّكِينَةَ شَيْءٌ لَهُ رَأْسٌ كَرَأْسِ الهِرَّةِ فَما أراهُ قَوْلًا يَصِحُّ ﴿ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ﴾ أيْ يَقِينًا مَعَ يَقِينِهِمْ بِرُسُوخِ العَقِيدَةِ واطْمِئْنانِ النُّفُوسِ عَلَيْها عَلى أنَّ الإيمانَ لَمّا ثَبَتَ في الأزْمِنَةِ نَزَلَ تَجَدُّدُ أزْمانِهِ مَنزِلَةَ تَجَدُّدِهِ وازْدِيادِهِ فاسْتُعِيرَ لَهُ ذَلِكَ ورُشِّحَ بِكَلِمَةِ مَعَ، وقِيلَ: ازْدِيادُ الإيمانِ بِازْدِيادِ ما يُؤْمِنُ بِهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ أوَّلَ ما أتاهم بِهِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ التَّوْحِيدُ ثُمَّ الصَّلاةُ والزَّكاةُ ثُمَّ الحَجُّ والجِهادُ فازْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ، ومَن قالَ: الأعْمالُ مِنَ الإيمانِ قالَ بِأنَّهُ نَفْسُهُ أيِ الإيمانُ المُرَكَّبُ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ يَزِيدُ ويَنْقُصُ ولَمْ يَحْتَجْ في الآيَةِ إلى تَأْوِيلٍ بَلْ جَعَلَها دَلِيلًا لَهُ، وتَفْصِيلُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ أنَّهُ ذَهَبَ جُمْهُورُ الأشاعِرَةِ والقَلانِسِيُّ والفُقَهاءُ والمُحَدِّثُونَ والمُعْتَزِلَةُ إلى أنَّ الإيمانَ يَزِيدُ ويَنْقُصُ ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ، وقالَ البُخارِيُّ: لَقِيتُ أكْثَرَ مِن ألْفِ رَجُلٍ مِنَ العُلَماءِ بِالأمْصارِ فَما رَأيْتُ أحَدًا مِنهم يَخْتَلِفُ في أنَّ الإيمانَ قَوْلٌ وعَمَلٌ ويَزِيدُ ويَنْقُصُ، واحْتَجُّوا عَلى ذَلِكَ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَوْ لَمْ تَتَفاوَتْ حَقِيقَةُ الإيمانِ لَكانَ إيمانُ آحادِ الأُمَّةِ المُنْهَمِكِينَ في الفِسْقِ والمَعاصِي مُساوِيًا لِإيمانِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَثَلًا واللّازِمُ باطِلٌ فَكَذا المَلْزُومُ، وأمّا الثّانِي فَلِكَثْرَةِ النُّصُوصِ في هَذا المَعْنى، مِنها الآيَةُ المَذْكُورَةُ، ومِنها ما رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الإيمانَ يَزِيدُ ويَنْقُصُ قالَ: نَعَمْ يَزِيدُ حَتّى يُدْخِلَ صاحِبَهُ الجَنَّةَ ويَنْقُصَ حَتّى يُدْخِلَ صاحِبَهُ النّارَ».
ومِنها ما رَوِيَ عَنْ عُمَرَ وجابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا «(لَوْ وُزِنَ إيمانُ أبِي بَكْرٍ بِإيمانِ هَذِهِ الأُمَّةِ لَرَجَحَ بِهِ)».
واعْتُرِضَ بِأنَّ عَدَمَ قَبُولِ الإيمانِ الزِّيادَةُ والنَّقْصُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الطّاعاتِ داخِلَةً في مُسَمّاهُ أوْلى وأحَقُّ مِن عَدَمِ قَبُولِهِ ذَلِكَ إذا كانَ مُسَمّاهُ التَّصْدِيقَ وحْدَهُ.
أمّا أوَّلًا فَلِأنَّهُ لا مَرْتَبَةَ فَوْقَ كُلِّ الأعْمالِ لِتَكُونَ زِيادَةً ولا إيمانَ دُونَهُ لِيَكُونَ نَقْصًا، وأما ثانِيًا فَلِأنَّ أحَدًا لا يَسْتَكْمِلُ الإيمانَ حِينَئِذٍ والزِّيادَةُ عَلى ما لَمْ يَكْمُلْ بَعْدُ مُحالٌ.
وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى المُعْتَزِلَةِ والخَوارِجِ القائِلِينَ بِانْتِفاءِ الإيمانِ بِانْتِفاءِ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ، والجَماعَةُ إنَّما يَقُولُونَ: إنَّها شَرْطُ كَمالٍ في الإيمانِ فَلا يَلْزَمُ عِنْدَ الِانْتِفاءِ إلّا انْتِفاءُ الكَمالِ وهو غَيْرُ قادِحٍ في أصْلِ الإيمانِ.
وقالَ النَّوَوِيُّ وجَماعَةٌ مُحَقِّقُونَ مِن عُلَماءِ الكَلامِ: إنَّ الإيمانَ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ القَلْبِيِّ يَزِيدُ ويَنْقُصُ أيْضًا بِكَثْرَةِ النَّظَرِ ووُضُوحِ الأدِلَّةِ وعَدَمِ ذَلِكَ، ولِهَذا كانَ إيمانُ الصِّدِّيقِينَ أقْوى مِن إيمانِ غَيْرِهِمْ بِحَيْثُ لا تَعْتَرِيهِ الشُّبَهُ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يَعْلَمُ أنَّ ما في قَلْبِهِ يَتَفاضَلُ حَتّى يَكُونَ في بَعْضِ الأحْيانِ أعْظَمَ يَقِينًا وإخْلاصًا مِنهُ في بَعْضِها فَكَذَلِكَ التَّصْدِيقُ والمَعْرِفَةُ بِحَسَبِ ظُهُورِ البَراهِينِ وكَثْرَتِها.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مَتى قَبِلَ ذَلِكَ كانَ شَكًّا.
ودُفِعَ بِأنَّ مَراتِبَ اليَقِينِ مُتَفاوِتَةٌ إلى عِلْمِ اليَقِينِ وحَقِّ اليَقِينِ وعَيْنِ اليَقِينِ مَعَ أنَّها لا شَكَّ مَعَها ومِمَّنْ وافَقَ النَّوَوِيَّ عَلى ما جَزَمَ بِهِ السَّعْدُ في القِسْمِ الثّانِي مِن تَهْذِيبِهِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ أعْظَمُهُمُ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ وتَبِعَهُ أصْحابُهُ وكَثِيرٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: الإيمانُ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، واخْتارَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ، واحْتَجُّوا بِأنَّهُ اسْمٌ لِلتَّصْدِيقِ البالِغِ حَدَّ الجَزْمِ والإذْعانِ وهَذا لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانُ، فالمُصَدِّقُ إذا ضَمَّ إلَيْهِ الطّاعاتِ أوِ ارْتَكَبَ المَعاصِيَ فَتَصْدِيقُهُ بِحالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ أصْلًا وإنَّما يَتَفاوَتُ إذا كانَ اسْمًا لِلطّاعاتِ المُتَفاوِتَةِ قِلَّةً وكَثْرَةً.
وأجابُوا عَمّا تَمَسَّكَ بِهِ الأوَّلُونَ بِوُجُوهٍ، مِنها ما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا مِن أنَّ الزِّيادَةَ بِحَسَبِ الدَّوامِ والثَّباتِ وكَثْرَةِ الزَّمانِ والأوْقاتِ.
وإيضاحُهُ ما قالَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ: النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَفْضُلُ مَن عَداهُ بِاسْتِمْرارِ تَصْدِيقِهِ وعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مِن مُخامَرَةِ الشُّكُوكِ، والتَّصْدِيقُ عَرَضٌ لا يَبْقى بِشَخْصِهِ بَلْ بِتَجَدُّدِ أمْثالِهِ فَتَقَعُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَوالِيَةً ولِغَيْرِهِ عَلى الفَتَراتِ فَثَبَتَتْ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أعْدادٌ مِنَ الإيمانِ لا يَثْبُتُ لِغَيْرِهِ إلّا بَعْضُها فَيَكُونُ إيمانُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أكْثَرَ، والزِّيادَةُ بِهَذا المَعْنى قِيلَ مِمّا لا نِزاعَ فِيها.
واعْتُرِضَ بِأنَّ حُصُولَ المِثْلِ بَعْدَ انْعِدامِ الشَّيْءِ لا يَكُونُ زِيادَةً فِيهِ كَسَوادِ الجِسْمِ، ودُفِعَ بِأنَّ المُرادَ زِيادَةُ أعْدادٍ حَصَلَتْ وعَدَمُ البَقاءِ لا يُنافِي ذَلِكَ، ومِنها ما أشَرْنا إلَيْهِ ثانِيًا مِن أنَّ المُرادَ الزِّيادَةُ بِحَسَبِ زِيادَةِ ما يُؤْمِنُ بِهِ، والصَّحابَةُ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ آمَنُوا أوَّلًا بِما آمَنُوا بِهِ وكانَتِ الشَّرِيعَةُ لَمْ تَتِمَّ وكانَتِ الأحْكامُ تَنْزِلُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَكانُوا يُؤْمِنُونَ بِكُلِّ ما يَتَجَدَّدُ مِنها ولا شَكَّ في تَفاوُتِ إيمانِ النّاسِ بِمُلاحَظَةِ التَّفاصِيلِ كَثْرَةً وقِلَّةً ولا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِعَصْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِإمْكانِ الِاطِّلاعِ عَلى التَّفاصِيلِ في غَيْرِهِ مِنَ العُصُورِ أيْضًا، ومِنها أنَّ المُرادَ زِيادَةُ ثَمَرَتِهِ وإشْراقُ نُورِهِ في القَلْبِ فَإنَّ نُورَ الإيمانِ يَزِيدُ بِالطّاعاتِ ويَنْقُصُ بِالمَعاصِي، قِيلَ: وهَذا إنَّما يَحْتاجُ إلَيْهِ بَعْدَ إقامَةِ قاطِعٍ عَلى امْتِناعِ قَبُولِ التَّصْدِيقِ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ ومَتى لَمْ يَقُمْ قاطِعٌ عَلى ذَلِكَ كانَ الأوْلى إبْقاءَ الظَّواهِرِ عَلى حالِها، وقالَ الخَطّابِيُّ: الإيمانُ قَوْلٌ وهو لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ وعَمَلٌ وهو يَزِيدُ ويَنْقُصُ واعْتِقادٌ وهو يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ فَإذا نَقَصَ ذَهَبَ، واعْتُرِضَ أنَّهُ إذا زادَ ثُمَّ عادَ إلى ما كانَ فَقَدْ نَقَصَ ولَمْ يَذْهَبْ.
ودُفِعَ بِأنَّ مُرادَهُ أنَّ الِاعْتِقادَ بِاعْتِبارِ أوَّلِ مَراتِبِهِ يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ لا أنَّ الِاعْتِقادَ مُطْلَقًا كَذَلِكَ، وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الإمامُ الرّازِيُّ.
وإمامُ الحَرَمَيْنِ إلى أنَّ الخِلافَ لَفْظِيٌّ وذَلِكَ بِحَمْلِ قَوْلِ النَّفْيِ عَلى أصْلِ الإيمانِ وهو التَّصْدِيقُ فَلا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، وحَمْلُ قَوْلِ الأثْباتِ عَلى ما بِهِ كَمالُهُ وهو الأعْمالُ فَيَكُونُ الخِلافُ في هَذِهِ المَسْألَةِ فَرْعَ الخِلافِ في تَفْسِيرِ الإيمانِ، والحَقُّ أنَّهُ حَقِيقِيٌّ لِما سَمِعْتُ عَنِ الإمامِ النَّوَوِيِّ ومَن مَعَهُ مِن أنَّ التَّصْدِيقَ نَفْسَهُ يَزِيدُ ويَنْقُصُ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ مِن خَواصِّ الحُكْمِ، والتَّصْدِيقُ قِسْمٌ مِنَ العِلْمِ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِأنَّهُ مِن مَقُولَةِ الكَمِّ وإنَّما قِيلَ هو كَيْفٌ أوِ انْفِعالٌ أوْ إضافَةٌ وتَعَلُّقٌ بَيْنَ العالِمِ والمَعْلُومِ أوْ صِفَةٌ ذاتَ إضافَةٍ والأشْهُرُ أنَّهُ كَيْفٌ فَمَتى صَحَّ ذَلِكَ وقُلْنا بِمُغايَرَةِ الشِّدَّةِ والضَّعْفِ لِلزِّيادَةِ والنَّقْصِ فَلا بَأْسَ بِحَمْلِهِما في النُّصُوصِ وغَيْرِها عَلى الشِّدَّةِ والضَّعْفِ وذَلِكَ مَجازٌ مَشْهُورٌ، وإنْكارُ اتِّصافِ الإيمانِ بِهِما يَكادُ يَلْحَقُ بِالمُكابَرَةِ فَتَأمَّلْ، وذَكَرَ بَعْضُهم هُنا أنَّ الإيمانَ الَّذِي هو مَدْخُولٌ مَعَ هو الإيمانُ الفِطْرِيُّ والإيمانُ المَذْكُورُ قَبْلَهُ الإيمانُ الِاسْتِدْلالِيُّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِيَزْدادُوا إيمانًا اسْتِدْلالِيًّا مَعَ إيمانِهِمُ الفِطْرِيِّ، وفِيهِ مِنَ الخَفاءِ ما فِيهِ ﴿ ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يُدَبِّرُ أمْرَها كَيْفَما يُرِيدُ فَيُسَلِّطُ بَعْضَها عَلى بَعْضِ تارَةً ويُوقِعُ سُبْحانَهُ بَيْنَها السِّلْمَ أُخْرى حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ، ومِن قَضِيَّةِ ذَلِكَ ما وقَعَ في الحُدَيْبِيَةِ ﴿ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ مُبالِغًا في العِلْمِ بِجَمِيعِ الأُمُورِ ﴿ حَكِيمًا ﴾ في تَقْدِيرِهِ وتَدْبِيرِهِ عَزَّ وجَلَّ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ مِن كَوْنِ جُنُودِ السَّماواتِ والأرْضِ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ مِن مَعْنى التَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الأفاضِلِ بِأنَّهُ كِنايَةٌ عَنْهُ أيْ دَبَّرَ سُبْحانَهُ ما دَبَّرَ مِن تَسْلِيطِ المُؤْمِنِينَ لِيَعْرِفُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ ويَشْكُرُوها فَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ فالعِلَّةُ في الحَقِيقَةِ مَعْرِفَةُ النِّعْمَةِ وشُكْرُها لَكِنَّها لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِدُخُولِ الجَنَّةِ أُقِيمَ المُسَبِّبُ مَقامَ السَّبَبِ.
وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِفَتَحْنا، وقِيلَ: بِأنْزَلَ، وتَعَلُّقُهُ بِذَلِكَ مَعَ تَعَلُّقِ اللّامِ الأُخْرى بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى تَعَلُّقِ الأوَّلِ بِهِ مُطْلَقًا والثّانِي مُقَيَّدًا، وتَنْزِيلُ تَغايُرِ الوَصْفَيْنِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذّاتَيْنِ وإلّا فَلا يَتَعَلَّقُ بِعامِلٍ واحِدٍ حَرْفا جَرٍّ بِمَعْنًى واحِدٍ مِن غَيْرِ اتِّباعٍ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يَنْصُرْكَ“، وقِيلَ: بِـ ”يَزْدادَ“، وقِيلَ: بِجَمِيعِ ما ذُكِرَ إمّا عَلى التَّنازُعِ والتَّقْدِيرِ أوْ بِتَقْدِيرِ ما يَشْمَلُ ذَلِكَ كَفَعَلَ سُبْحانَهُ ما ذُكِرَ لِيُدْخِلَ إلَخْ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن لِيَزْدادَ بَدَلَ اشْتِمالٍ فَإنَّ إدْخالَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ الجَنَّةِ وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ مُسْتَلْزِمٌ لِزِيادَةِ الإيمانِ، وبَدَلُ الِاشْتِمالِ يَعْتَمِدُ عَلى مُلابَسَةِ ما بَيْنَ المُبْدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِحَيْثُ يُشْعِرُ أحَدُهُما بِالآخَرِ غَيْرَ الكُلِّيَّةِ والبَعْضِيَّةِ، ولَعَلَّ الأظْهَرَ الوَجْهُ الأوَّلُ، وضَمُّ المُؤْمِناتِ هاهُنا إلى المُؤْمِنِينَ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ اخْتِصاصِ الحُكْمِ بِالذُّكُورِ لِأجْلِ الجِهادِ والفَتْحِ عَلى أيْدِيهِمْ، وكَذا في كُلِّ مَوْضِعٍ يُوهِمُ الِاخْتِصاصَ يُصَرَّحُ بِذِكْرِ النِّساءِ، ويُقالُ نَحْوَ ذَلِكَ فِيما بَعْدُ كَذا قِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: «(أُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ في مَرْجِعِهِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ فَقالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هي أحَبُّ إلَيَّ مِمّا عَلى الأرْضِ ثُمَّ قَرَأها عَلَيْهِمْ فَقالُوا: هَنِيئًا مَرِيئًا يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى لَكَ ماذا يَفْعَلُ بِكَ فَماذا يَفْعَلُ بِنا فَنَزَلَتْ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ حَتّى بَلَغَ فَوْزًا عَظِيمًا)».
﴿ ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ أيْ يُغَطِّيها ولا يُظْهِرُها، والمُرادُ يَمْحُوها سُبْحانَهُ ولا يُؤاخِذُهم بِها، وتَقْدِيمُ الإدْخالِ في الذِّكْرِ عَلى التَّكْفِيرِ مَعَ أنَّ التَّرْتِيبَ في الوُجُودِ عَلى العَكْسِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ ما هو المَطْلُوبُ إلّا عَلى كَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ التَّكْفِيرُ في الجَنَّةِ عَلى أنَّ المَعْنى يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ ويُغَطِّي سَيِّئاتِهِمْ ويَسْتُرُها عَنْهم فَلا تَمُرُّ لَهم بِبالٍ ولا يَذْكُرُونَها أصْلًا لِئَلّا يَخْجَلُوا فَيَتَكَدَّرَ صَفْوُ عَيْشِهِمْ، وقَدْ مَرَّ مِثْلُ ذَلِكَ.
﴿ وكانَ ذَلِكَ ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ الإدْخالِ والتَّكْفِيرِ ﴿ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ لِأنَّهُ مُنْتَهى ما تَمْتَدُّ إلَيْهِ أعْناقُ الهِمَمِ مِن جَلْبِ نَفْعٍ ودَفْعِ ضُرٍّ، و( عِنْدَ اللَّهِ ) حالٌ مِن ( فَوْزًا ) لِأنَّ صِفَةَ النَّكِرَةِ إذا قُدِّمَتْ عَلَيْها أُعْرِبَتْ حالًا، وكَوْنُهُ يَجُوزُ فِيهِ الحالِيَّةُ إذا تَأخَّرَ عَنْ ( عَظِيمًا ) لا ضَيْرَ فِيهِ كَما تُوُهِّمَ أيْ كائِنًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أيْ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وقَضائِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ﴾ عُطِفَ عَلى يُدْخِلَ أيْ ولِيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إلَخْ لِيَغِيظَهم مِن ذَلِكَ، وهو ظاهِرٌ عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ في ﴿ لِيُدْخِلَ ﴾ حَتّى وجْهِ البَدَلِيَّةِ فَإنَّ بَدَلَ الِاشْتِمالِ تُصَحِّحُهُ المُلابَسَةُ كَما مَرَّ، وازْدِيادُ الإيمانِ عَلى ما ذَكَرْنا في تَفْسِيرِهِ مِمّا يَغِيظُهم بِلا رَيْبٍ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ عَطْفًا عَلى المُبْدَلِ مِنهُ، وتَقْدِيمُ المُنافِقِينَ عَلى المُشْرِكِينَ لِأنَّهم أكْثَرُ ضَرَرًا عَلى المُسْلِمِينَ فَكانَ في تَقْدِيمِ تَعْذِيبِهِمْ تَعْجِيلُ المَسَرَّةِ.
﴿ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ أيْ ظَنَّ الأمْرِ الفاسِدِ المَذْمُومِ وهو أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يَنْصُرُ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ما يَعُمُّ ذَلِكَ وسائِرَ ظُنُونِهِمُ الفاسِدَةِ مِنَ الشِّرْكِ أوْ غَيْرِهِ ﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ أيْ ما يَظُنُّونَهُ ويَتَرَبَّصُونَهُ بِالمُؤْمِنِينَ فَهو حائِقٌ بِهِمْ ودائِرٌ عَلَيْهِمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (دائِرَةُ السُّوءِ) بِالضَّمِّ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ( السَّوْءِ ) بِالفَتْحِ عَلى ما في الصِّحاحِ أنَّ المَفْتُوحَ مَصْدَرٌ والمَضْمُومَ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى المَساءَةِ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى كالكُرْهِ والكَرْهِ عِنْدَ الكِسائِيِّ وكِلاهُما في الأصْلِ مَصْدَرٌ غَيْرَ أنَّ المَفْتُوحَ غَلَبَ في أنْ يُضافَ إلَيْهِ ما يُرادُ ذَمُّهُ والمَضْمُومَ جَرى مَجْرى الشَّرِّ، ولَمّا كانَتِ الدّائِرَةُ هُنا مَحْمُودَةً وأُضِيفَتْ إلى المَفْتُوحِ في قِراءَةِ الأكْثَرِ تَعَيَّنَ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: إنَّ ذاكَ عَلى تَأْوِيلِ أنَّها مَذْمُومَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن دارَتْ عَلَيْهِ مِنَ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ، واسْتِعْمالُها في المَكْرُوهِ أكْثَرُ وهي مَصْدَرٌ بِزِنَةِ اسْمِ الفاعِلِ أوِ اسْمِ فاعِلٍ، وإضافَتُها عَلى ما قالَ الطَّيِّبِيُّ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ لِلْبَيانِ عَلى المُبالَغَةِ، وفي الكَشْفِ الإضافَةُ بِمَعْنى مِن عَلى نَحْوِ دائِرَةِ ذَهَبَ فَتَدَبَّرْ.
والكَلامُ إمّا إخْبارٌ عَنْ وُقُوعِ السُّوءِ بِهِمْ أوْ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ، وكانَ الظّاهِرُ فَلَعَنَهم فَأُعِدَّ بِالفاءِ في المَوْضِعَيْنِ لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ كُلًّا مِنَ الأمْرَيْنِ مُسْتَقِلٌّ في الوَعِيدِ بِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارٍ لِلسَّبَبِيَّةِ فِيهِ ﴿ وساءَتْ مَصِيرًا ﴾ جَهَنَّمُ <div class="verse-tafsir"
﴿ ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ ذُكِرَ سابِقًا عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ المُدَبِّرُ لِأمْرِ المَخْلُوقاتِ بِمُقْتَضى حِكْمَتِهِ فَلِذَلِكَ ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ وهاهُنا أُرِيدَ بِهِ التَّهْدِيدُ بِأنَّهم في قَبْضَةِ قُدْرَةِ المُنْتَقِمِ ولِذا ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ فَلا تَكْرارَ كَما قالَ الشِّهابُ، وقِيلَ: إنَّ الجُنُودَ جُنُودُ رَحْمَةٍ وجُنُودُ عَذابٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا الثّانِي كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِوَصْفِ العِزَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ﴾ أيْ عَلى أُمَّتِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا ﴾ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ شاهِدًا عَلى أُمَّتِكَ وشاهِدًا عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّهم قَدْ بَلَّغُوا ﴿ ومُبَشِّرًا ﴾ بِالثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ ﴿ ونَذِيرًا ﴾ بِالعَذابِ عَلى المَعْصِيَةِ <div class="verse-tafsir"
﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ وأُمَّتِهِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ﴾ وهو مِن بابِ التَّغْلِيبِ غُلِّبَ فِيهِ المُخاطَبُ عَلى الغَيْبِ فَيُفِيدُ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُخاطَبٌ بِالإيمانِ بِرِسالَتِهِ كالأُمَّةِ وهو كَذَلِكَ، وقالَ الواحِدِيُّ: الخِطابُ في ( أرْسَلْناكَ ) لِلنَّبِيِّ وفي ( لِتُؤْمِنُوا ) لِأُمَّتِهِ فَعَلى هَذا إنْ كانَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ يَكُونُ المُعَلَّلُ مَحْذُوفًا أيْ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وكَيْتَ وكَيْتَ فَعَلَ ذَلِكَ الإرْسالُ أوْ لِلْأمْرِ عَلى طَرِيقَةِ (فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا) عَلى قِراءَةِ التّاءِ الفَوْقانِيَّةِ فَقِيلَ هو عَلى مَعْنى قُلْ لَهُمْ: لِتُؤْمِنُوا إلَخْ، وقِيلَ: هو لِلْأُمَّةِ عَلى أنَّ خِطابَهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ خِطابِهِمْ فَهو عَيْنُهُ ادِّعاءٌ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأرْسَلْنا، ولا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِما قَرَّرَهُ الرَّضِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّهُ يُمْتَنَعُ أنْ يُخاطَبَ في كَلامٍ واحِدٍ اثْنانِ مِن غَيْرِ عَطْفٍ أوْ تَثْنِيَةٍ أوْ جَمْعٍ لِأنَّهُ بَعْدَ التَّنْزِيلِ لا تَعَدُّدَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّهم حِينَئِذٍ غَيْرُ مُخاطَبِينَ في الحَقِيقَةِ فَخِطابُهم في حُكْمِ الغَيْبَةِ، وقِيلَ: الِامْتِناعُ المَذْكُورُ مَشْرُوطٌ بِأنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ المُخاطَبِينَ مُسْتَقِلًّا، أمّا إذا كانَ أحَدُهُما داخِلًا في خِطابِ الآخَرِ بِرِسالَتِهِ فَلا امْتِناعَ كَما يُعْلَمُ مِن تَتَبُّعِ كَلامِهِمْ، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يُرادَ خِطابُ الأُمَّةِ أيْضًا مِن غَيْرِ تَغْلِيبٍ، والكَلامُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ وما ذُكِرَ سابِقًا سالِمٌ عَنِ القالِ والقِيلِ.
﴿ وتُعَزِّرُوهُ ﴾ أيْ تَنْصُرُوهُ كَما رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا، وأخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ونُصْرَتُهُ سُبْحانَهُ بِنُصْرَةِ دِينِهِ ورَسُولِهِ ﴿ وتُوَقِّرُوهُ ﴾ أيْ تُعَظِّمُوهُ كَما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، والضَّمِيرُ لَهُ تَعالى أيْضًا، وقِيلَ: كِلا الضَّمِيرَيْنِ لِلرَّسُولِ ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَتَعَيَّنُ كَوْنُ الضَّمِيرِ في ( تُعَزِّرُوهُ ) لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَوَهُّمِ أنَّ التَّعْزِيرَ لا يَكُونُ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما يَتَعَيَّنُ عِنْدَ الكُلِّ كَوْنُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتُسَبِّحُوهُ ﴾ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولا يَخْفى أنَّ الأوْلى كَوْنُ الضَّمِيرَيْنِ فِيما تَقَدَّمَ لِلَّهِ تَعالى أيْضًا لِئَلّا يَلْزَمَ فَكُّ الضَّمائِرِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ أيْ وتُنَزِّهُوا اللَّهَ تَعالى أوْ تُصَلُّوا لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ السُّبْحَةِ ﴿ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ غُدْوَةً وعَشِيًّا، والمُرادُ ظاهِرُهُما أوْ جَمِيعُ النَّهارِ ويُكَنّى عَنْ جَمِيعِ الشَّيْءِ بِطَرَفَيْهِ كَما يُقالُ شَرْقًا وغَرْبًا لِجَمِيعِ الدُّنْيا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ الظُّهْرِ وصَلاةُ العَصْرِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو الأفْعالَ الأرْبَعَةَ.
أعْنِي لِتُؤْمِنُوا وما بَعْدَهُ بِياءِ الغَيْبَةِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ جُبَيْرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما قَرَءا (ويُسَبِّحُوا اللَّهَ) بِالِاسْمِ الجَلِيلِ مَكانَ الضَّمِيرِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ (تَعْزُرُوهُ) بِفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ وضَمِّ الزّايِ مُخَفَّفًا، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ فَتْحُ التّاءِ وكَسْرُ الزّايِ مُخَفَّفًا ورُوِيَ هَذا عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وقُرِئَ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الزّايِ مُخَفَّفًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحَمَّدُ بْنُ اليَمانِيِّ ( تُعَزِّزُوهُ) بِزاءَيْنِ مِنَ العِزَّةِ أيْ تَجْعَلُوهُ عَزِيزًا وذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِجَعْلِ دِينِهِ ورَسُولِهِ كَذَلِكَ.
وقُرِئَ (وتُوَقِّرُوهُ) مِن أوْقَرَهُ بِمَعْنى وقَّرَهُ <div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ ﴾ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَلى المَوْتِ في نُصْرَتِكَ كَما رُوِيَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ وغَيْرِهِ أوْ عَلى أنْ لا يَفِرُّوا مِن قُرَيْشٍ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وجابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وسَيَأْتِي الكَلامُ في تَفْصِيلِ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والمُبايَعَةُ وقَعَتْ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ فالتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالِ الماضِيَةِ، وهي مُفاعَلَةٌ مِنَ البَيْعِ يُقالُ: بايَعَ السُّلْطانَ مُبايَعَةً إذا ضَمِنَ بِذَلِكَ الطّاعَةَ لَهُ بِما رَضَخَ لَهُ، وكَثِيرًا ما تُقالُ عَلى البَيْعَةِ المَعْرُوفَةِ لِلسَّلاطِينِ ونَحْوِهِمْ وإنْ لَمْ يَكُنْ رَضَخَ، وما وقَعَ لِلْمُؤْمِنِينَ قِيلَ يُشِيرُ إلى ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ ﴾ الآيَةَ ﴿ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ﴾ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن بَيْعَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإطاعَتِهِ إطاعَةُ اللَّهِ تَعالى وامْتِثالُ أوامِرِهِ سُبْحانَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ﴾ فَمُبايَعَةُ اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى طاعَتِهِ سُبْحانَهُ مُشاكَلَةٌ أوْ هو صِرْفُ مَجازٍ، وقُرِئَ (إنَّما يُبايِعُونَ لِلَّهِ) أيْ لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى ولِوَجْهِهِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ إنَّما يُبايِعُونَكَ لِلَّهِ ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ المُبايَعَةِ.
قالَ في الكَشّافِ لَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ﴾ أكَّدَهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّخْيِيلِ فَقالَ تَعالى: ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ ﴾ وأنَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الجَوارِحِ وصِفاتِ الأجْسامِ وإنَّما المَعْنى تَقْرِيرُ أنَّ عَقْدَ المِيثاقِ مَعَ الرَّسُولِ كَعَقْدِهِ مَعَ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنِهِما.
وفي المِفْتاحِ أمّا حُسْنُ الِاسْتِعارَةِ التَّخْيِيلِيَّةِ فَبِحَسَبِ حُسْنِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ مَتّى كانَتْ تابِعَةً لَها كَما في قَوْلِكَ: فُلانٌ بَيْنَ أنْيابِ المَنِيَّةِ ومَخالِبِها ثُمَّ إذا انْضَمَّ إلَيْها المُشاكَلَةُ كَما في ( يَدُ اللَّهِ ) إلَخْ كانَتْ أحْسَنَ وأحْسَنَ، يَعْنِي أنَّ في اسْمِ اللَّهِ تَعالى اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ تَشْبِيهًا لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالمُبايِعِ، واليَدُ اسْتِعارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ مَعَ أنَّ فِيها أيْضًا مُشاكَلَةً لِذِكْرِها مَعَ أيْدِي النّاسِ، وامْتِناعُ الِاسْتِعارَةِ في اسْمِ اللَّهِ تَعالى إنَّما هو في الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ دُونَ المَكْنِيَّةِ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ إطْلاقُ اسْمِهِ تَعالى عَلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ، ورَوى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ كَيْسانَ اليَدُ القُوَّةُ أيْ قُوَّةُ اللَّهِ تَعالى ونُصْرَتُهُ فَوْقَ قُوَّتِهِمْ ونُصْرَتِهِمْ أيْ ثِقْ بِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى لَكَ لا بِنُصْرَتِهِمْ وإنْ بايَعُوكَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى يَدُ اللَّهِ في الوَفاءِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ أوْ في الثَّوابِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ في الطّاعَةِ أوْ يَدُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في المِنَّةِ عَلَيْهِمْ في الهِدايَةِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ في الطّاعَةِ، وقِيلَ: المَعْنى نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِتَوْفِيقِهِمْ لِمُبايَعَتِكَ فَوْقَ نِعْمَتِهِمْ وهي مُبايَعَتُهم إيّاكَ وأعْظَمُ مِنها، وفِيهِ شَيْءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ تَأْوِيلاتٌ ارْتَكَبَها الخَلَفُ وأحْسَنُها ما ذُكِرَ أوَّلًا، والسَّلَفُ يَمُرُّونَ الآيَةَ كَما جاءَتْ مَعَ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ الجَوارِحِ وصِفاتِ الأجْسامِ وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ في جَمِيعِ المُتَشابِهاتِ ويَقُولُونَ: إنَّ مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ ذَلِكَ فَرْعُ مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الذّاتِ وأنّى ذَلِكَ وهَيْهاتَ هَيْهاتَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرِ لِإنَّ، وكَذا جُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في ( يُبايِعُونَكَ ) وفي جَوازِ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِها اسْمِيَّةً غَيْرَ مُقْتَرِنَةٍ بِالواوِ كَلامٌ ﴿ فَمَن نَكَثَ ﴾ نَقَضَ العَهْدَ ﴿ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ﴾ فَلا يَعُودُ ضَرَرُ نَكْثِهِ إلّا عَلَيْهِ، ورَوى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ ما نَكَثَ أحَدٌ البَيْعَةَ إلّا جَدَّ بْنَ قَيْسٍ وكانَ مُنافِقًا، والَّذِي نَقَلَهُ الطَّيِّبِيُّ عَنْ مُسْلِمٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّجُلَ لَمْ يُبايِعْ لا أنَّهُ بايَعَ ونَكَثَ قالَ: سُئِلَ جابِرٌ كَمْ كانُوا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ؟
قالَ: كُنّا أرْبَعَ عَشْرَ مِائَةٍ فَبايَعْناهُ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ آخِذٌ بِيَدِهِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وهي سَمُرَةٌ فَبايَعْناهُ غَيْرَ جَدِّ بْنِ قَيْسٍ الأنْصارِيِّ اخْتَفى تَحْتَ بَطْنِ بَعِيرِهِ ولَمْ يَسِرْ مَعَ القَوْمِ، ولَعَلَّ هَذا هو الأوْفَقُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ ﴾ .
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (يَنْكِثُ) بِكَسْرِ الكافِ ﴿ ومَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ هو الجَنَّةُ وما يَكُونُ فِيها مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ويُقالُ: وفى بِالعَهْدِ وأوْفى بِهِ إذا تَمَّمَهُ وأوْفى لُغَةُ تِهامَةَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْفُوا بِالعُقُودِ ﴾ .
﴿ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ ﴾ وقُرِئَ (بِما عَهِدَ) ثُلاثِيًّا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (عَلَيْهِ) بِكَسْرِ الهاءِ كَما هو الشّائِعُ وضَمَّها حَفْصٌ هُنا، قِيلَ: وجْهُ الضَّمِّ أنَّها هاءُ هو وهي مَضْمُومَةٌ فاسْتَصْحَبَ ذَلِكَ كَما في لَهُ وضَرَبَهُ، ووَجْهُ الكَسْرِ رِعايَةُ الياءِ وكَذا في إلَيْهِ وفِيهِ وكَذا فِيما إذا كانَ قَبْلَها كَسْرَةٌ نَحْوَ بِهِ ومَرَرْتُ بِغُلامِهِ لِثِقَلِ الِانْتِقالِ مِنَ الكَسْرِ إلى الضَّمِّ، وحَسَّنَ الضَّمَّ في الآيَةِ التَّوَصُّلُ بِهِ إلى تَفْخِيمِ لَفْظِ الجَلالَةِ المُلائِمِ لِتَفْخِيمِ أمْرِ العَهْدِ المُشْعِرِ بِهِ الكَلامُ، وأيْضًا إبْقاءُ ما كانَ عَلى ما كانَ مُلائِمٌ لِلْوَفاءِ بِالعَهْدِ وإبْقائِهِ وعَدَمِ نَقْضِهِ، وقَدْ سَألْتُ كَثِيرًا مِنَ الأجِلَّةِ وأنا قَرِيبُ عَهْدٍ بِفَتْحِ فَمِي لِلتَّكَلُّمِ عَنْ وجْهِ هَذا الضَّمِّ هُنا فَلَمْ أُجَبْ بِما يَسْكُنُ إلَيْهِ قَلْبِي ثُمَّ ظَفِرْتُ بِما سَمِعْتَ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى ما هو خَيْرٌ مِنهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ورَوْحٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (فَسَنُؤْتِيهِ) بِالنُّونِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ ودَخَلَ كَلامُ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعَرابِ هم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وغِفارٌ وأشْجَعُ والدِّيلُ وأسْلَمُ اسْتَنْفَرَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ أرادَ المَسِيرَ إلى مَكَّةَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ مُعْتَمِرًا لِيَخْرُجُوا مَعَهُ حَذِرًا مِن قُرَيْشٍ أنْ يَعْرِضُوا لَهُ بِحَرْبٍ أوْ يَصُدُّوهُ عَنِ البَيْتِ وأحْرَمَ هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وساقَ مَعَهُ الهَدْيَ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا يُرِيدُ حَرْبًا ورَأى أُولَئِكَ الأعْرابُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْتَقْبِلُ عَدَدًا عَظِيمًا مِن قُرَيْشٍ وثَقِيفٍ وكِنانَةَ والقَبائِلِ المُجاوِرِينَ مَكَّةَ وهُمُ الأحابِيشُ ولَمْ يَكُنِ الإيمانُ تَمَكَّنَ مِن قُلُوبِهِمْ فَقَعَدُوا عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَخَلَّفُوا وقالُوا: نَذْهَبُ إلى قَوْمٍ قَدْ غَزَوْهُ في عُقْرِ دارِهِ بِالمَدِينَةِ وقَتَلُوا أصْحابَهُ فَنُقاتِلُهم وقالُوا: لَنْ يَرْجِعَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا أصْحابُهُ مِن هَذِهِ السَّفْرَةِ فَفَضَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ وأعْلَمَ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِمْ واعْتِذارِهِمْ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ فَكانَ كَذَلِكَ ( والمُخَلَّفُونَ ) جَمْعُ مُخَلَّفٍ، قالَ الطَّبَرْسِيُّ: هو المَتْرُوكُ في المَكانِ خَلْفَ الخارِجِينَ مِنَ البَلَدِ مَأْخُوذٌ مِنَ الخَلْفِ وضِدُّهُ المُقَدَّمُ، ( والأعْرابِ ) في المَشْهُورِ سُكّانُ البادِيَةِ مِنَ العَرَبِ لا واحِدَ لَهُ أيْ سَيَقُولُ لَكَ المَتْرُوكُونَ الغَيْرُ الخارِجِينَ مَعَكَ مُعْتَذِرِينَ إلَيْكَ ﴿ شَغَلَتْنا ﴾ عَنِ الذَّهابِ مَعَكَ ﴿ أمْوالُنا وأهْلُونا ﴾ إذْ لَمْ يَكُنْ لَنا مَن يَقُومُ بِحِفْظِ ذَلِكَ ويَحْمِيهِ عَنِ الضَّياعِ، ولَعَلَّ ذِكْرَ الأهْلِ بَعْدَ الأمْوالِ مِن بابِ التَّرَقِّي لِأنَّ حِفْظَ الأهْلِ عِنْدَ ذَوِي الغَيْرَةِ أهَمُّ مِن حِفْظِ الأمْوالِ.
وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ نُوحِ بْنِ بازانَ (شَغَّلَتْنا) بِتَشْدِيدِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ لِلتَّكْثِيرِ ﴿ فاسْتَغْفِرْ لَنا ﴾ اللَّهَ تَعالى لِيَغْفِرَ لَنا تَخَلُّفَنا عَنْكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَنْ تَكاسُلٍ في طاعَتِكَ بَلْ لِذَلِكَ الدّاعِي ﴿ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ ﴾ أيْ أنَّ كَلامَهم مِن طَرَفِ اللِّسانِ غَيْرُ مُطابِقٍ لِما في الجِنانِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ كَذِبِهِمْ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَكْذِيبِهِمْ وكَوْنُها بَدَلًا مِن ( سَيَقُولُ ) غَيْرُ ظاهِرٍ، والكَذِبُ راجِعٌ لِما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ مِنَ الخَبَرِ عَنْ تَخَلُّفِهِمْ بِأنَّهُ لِضَرُورَةٍ داعِيَةٍ لَهُ وهو القِيامُ بِمَصالِحِهِمُ الَّتِي لا بُدَّ مِنها وعَدَمُ مَن يَقُومُ بِها لَوْ ذَهَبُوا مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَذا راجِعٌ لِما تَضَمَّنَهُ (اسْتَغْفِرْ) الإنْشاءَ مِنِ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهم مُذْنِبُونَ وأنَّ دُعاءَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهم يُفِيدُهم فائِدَةً لازِمَةً لَهُمْ، أوْ تَسْمِيَةُ ذَلِكَ كَذِبًا لَيْسَ لِعَدَمِ مُطابَقَةِ نِسْبَةِ الِاعْتِقادِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ النِّظامُ بَلْ لِعَدَمِ مُطابَقَتِهِ الواقِعَ بِحَسَبِ الِاعْتِقادِ وفُرِّقَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا ﴾ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ عِنْدَ اعْتِذارِهِمْ بِتِلْكَ الأباطِيلِ، والمِلْكُ إمْساكٌ بِقُوَّةٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى الضَّبْطِ وهو حِفْظٌ عَنْ حَزْمٍ، ومِنهُ لا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ ومَلَكْتُ العَجِينَ إذا شَدَدْتَ عَجْنَتَهُ، ومَلَكْتُ الشَّيْءَ إذا دَخَلَ تَحْتَ ضَبْطِكَ دُخُولًا تامًّا، وإذا قُلْتَ: لا أمْلِكُ كانَ نَفْيًا لِلِاسْتِطاعَةِ والطّاقَةِ إمْساكًا ومَنعًا، فَأصْلُ المَعْنى هُنا فَمَن يَسْتَطِيعُ لَكم إمْساكَ شَيْءٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى إنْ أرادَ بِكم إلَخْ، واللّامُ مِن ( لَكم ) إمّا لِلْبَيانِ أوْ مِن صِلَةِ الفِعْلِ لِأنَّ هَذِهِ الِاسْتِطاعَةَ مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ ولِأجْلِهِمْ، و( مِنَ اللَّهِ ) حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ أعْنِي شَيْئًا مُقَدَّمَةٌ، وتَفْسِيرُ المِلْكِ بِالمَنعِ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى لِأنَّهُ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ الإمْساكَ والدَّفْعَ فَلا يُمْكِنُهُ المَنعُ ولَيْسَ ذَلِكَ لِجَعْلِهِ مَجازًا عَنْهُ أوْ مُضَمَّنًا إيّاهُ واللّامُ زائِدَةٌ كَما في ﴿ رَدِفَ لَكُمْ ﴾ و( مِنَ ) مُتَعَلِّقَةٌ بِيَمْلِكُ كَما قِيلَ، والمُرادُ بِالضُّرِّ والنَّفْعِ ما يَضُرُّ وما يَنْفَعُ فَهُما مَصْدَرانِ مُرادٌ بِهِما الحاصِلُ بِالمَصْدَرِ أوْ مُؤَوَّلانِ بِالوَصْفِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (ضُرًّا) بِضَمِّ الضّادِ وهو لُغَةٌ فِيهِ، وحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ قُلْ لَهم إذْ لا أحَدٌ يَدْفَعُ ضُرَّهُ ولا نَفْعَهُ تَعالى فَلَيْسَ الشُّغْلُ بِالأهْلِ والمالِ عُذْرًا فَلا ذاكَ يَدْفَعُ الضُّرَّ إنْ أرادَهُ عَزَّ وجَلَّ ولا مُغافَصَةُ العَدُوِّ تَمْنَعُ النَّفْعَ إنْ أرادَ بِكم نَفْعًا، وهَذا كَلامٌ جامِعٌ في الجَوابِ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِمْ مِنَ المُبْطِلِينَ وبِجَلالَةِ مَحَلِّ المُحِقِّينَ ثُمَّ تَرَقّى سُبْحانَهُ مِنهُ إلى ما يَتَضَمَّنُ تَهْدِيدًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ بِكُلِّ ما تَعْمَلُونَهُ ﴿ خَبِيرًا ﴾ فَيَعْلَمُ سُبْحانَهُ تَخَلُّفَكم وقَصْدَكم فِيهِ ويُجازِيكم عَلى ذَلِكَ، <div class="verse-tafsir"
ثُمَّ خَتَمَ جَلَّ وعَلا بِمَكْنُونِ ضَمائِرِهِمْ ومَخْزُونِ ما أُعِدَّ لَهم عِنْدَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بُورًا ﴾ وفي الِانْتِصافِ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن يَمْلِكُ ﴾ إلَخْ لَفًّا ونَشْرًا والأصْلُ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضُرًّا أوْ مَن يَحْرِمُكُمُ النَّفْعَ إنْ أرادَ بِكم نَفْعًا لِأنَّ مَن يَمْلِكُ يُسْتَعْمَلُ في الضُّرِّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ﴾ ﴿ ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهُ شَيْئًا ﴾ ﴿ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ .
ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في بَعْضِ الحَدِيثِ: «(إنِّي لا أمْلِكُ لَكم شَيْئًا)».
يُخاطِبُ عَشِيرَتَهُ وأمْثالُهُ كَثِيرٌ، وسِرُّ اخْتِصاصِهِ بِدَفْعِ المَضَرَّةِ أنَّ المِلْكَ مُضافٌ في هَذِهِ المَواضِعِ بِاللّامِ، ودَفْعُ المَضَرَّةِ نَفْعٌ يُضافُ لِلْمَدْفُوعِ عَنْهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ حِرْمانُ المَنفَعَةِ فَإنَّهُ ضَرَرٌ عائِدٌ عَلَيْهِ لا لَهُ فَإذا ظَهَرَ ذَلِكَ فَإنَّما انْتَظَمَتِ الآيَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ كَذَلِكَ لِأنَّ القِسْمَيْنِ يَشْتَرِكانِ في أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما نَفْيٌ لِدَفْعِ المَقْدُورِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَلَمّا تَقارَبا أُدْرِجا في عِبارَةٍ واحِدَةٍ، وخُصَّ عِبارَةُ دَفْعِ الضُّرِّ لِأنَّهُ هو المُتَوَقَّعُ لِهَؤُلاءِ إذِ الآيَةُ في سِياقِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ وهي نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مَن اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ﴾ فَإنَّ العِصْمَةَ إنَّما تَكُونُ مِنَ السُّوءِ لا مِنَ الرَّحْمَةِ، فَهاتانِ الآيَتانِ تَوْأمَتانِ في التَّقْرِيرِ المَذْكُورِ انْتَهى، والوَجْهُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا في الآيَةِ، وفي تَسْمِيَةِ مِثْلِ هَذا لَفًّا ونَشْرًا نَظَرٌ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ عُمُومُ الضُّرِّ والنَّفْعِ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ أبُو السُّعُودِ: المُرادُ بِالضُّرِّ ما يَضُرُّ مِن هَلاكِ الأهْلِ والمالِ وضَياعِهِما وبِالنَّفْعِ ما يَنْفَعُ مِن حِفْظِ المالِ والأهْلِ وتَعْمِيمِهِما يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ فَإنَّهُ إضْرابٌ عَمّا قالُوهُ وبَيانٌ لِكَذِبِهِ بَعْدَ بَيانِ فَسادِهِ عَلى تَقْدِيرِ صِدْقِهِ انْتَهى، وهو كَلامٌ أوْهى مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ لِأنَّ في التَّعْمِيمِ إفادَةً لِما ذُكِرَ وزِيادَةً تُفِيدُ قُوَّةً وبَلاغَةً، والظّاهِرُ أنَّ كُلًّا مِنَ الإضْراباتِ الثَّلاثَةِ مَقْصُودٌ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ ﴾ إلَخْ بَدَلٌ مِن ( كانَ اللَّهُ ) إلَخْ مُفَسِّرٌ لِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ.
وفي البَحْرِ أنَّهُ بَيانٌ لِلْعِلَّةِ في تَخَلُّفِهِمْ أيْ بَلْ ظَنَنْتُمْ ﴿ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ ﴾ أيْ لَنْ يَرْجِعَ مِن ذَلِكَ السَّفَرِ ﴿ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ ﴾ أيْ عَشائِرِهِمْ وذَوِي قُرْباهم ﴿ أبَدًا ﴾ بِأنْ يَسْتَأْصِلَهُمُ المُشْرِكُونَ بِالمَرَّةِ فَحَسِبْتُمْ إنْ كُنْتُمْ مَعَهم أنْ يُصِيبَكم ما يُصِيبُهم فَلِأجْلِ ذَلِكَ تَخَلَّفْتُمْ لا لِما ذَكَرْتُمْ مِنَ المَعاذِيرِ الباطِلَةِ.
والأهْلُونَ جَمْعُ أهْلٍ وجَمْعُهُ جَمْعُ السَّلامَةِ عَلى خِلافِ القِياسِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِعَلَمٍ ولا صِفَةٍ مِن صِفاتِ مَن يَعْقِلُ ويُجْمَعُ عَلى إهَلاتٍ بِمُلاحَظَةِ تاءِ التَّأْنِيثِ في مُفْرَدِهِ تَقْدِيرًا فَيُجْمَعُ كَتَمْرَةٍ وتَمَراتٍ ونَحْوَهُ أرْضٌ وأرْضاتٌ، وقَدْ جاءَ عَلى ما في الكَشّافِ أهِلَّةٌ بِالتّاءِ ويَجُوزُ تَحْرِيكُ عَيْنِهِ أيْضًا فَيُقالُ: إهَلاتٌ بِفَتْحِ الهاءِ، وكَذا يُجْمَعُ عَلى أهالٍ كَلَيالٍ، وأطْلَقَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ اسْمَ الجَمْعِ وقِيلَ: وهو إطْلاقٌ مِنهُ في الجَمْعِ الوارِدِ عَلى خِلافِ القِياسِ وإلّا فاسْمُ الجَمْعِ شَرْطُهُ عِنْدَ النُّحاةِ أنْ يَكُونَ عَلى وزْنِ المُفْرَداتِ سَواءٌ كانَ لَهُ مُفْرَدٌ أمْ لا.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (إلى أهْلِهِمْ) بِغَيْرِ ياءِ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ ( لَنْ ) لَيْسَتْ لِلتَّأْبِيدِ ومَن زَعَمَ إفادَتَها إيّاهُ جَعَلَ ﴿ أبَدًا ﴾ لِلتَّأْكِيدِ ﴿ وزُيِّنَ ﴾ أيْ حَسَّنَ ﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ الظَّنُّ المَفْهُومُ مِن ظَنَنْتُمْ ﴿ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ فَلَمْ تَسْعَوْا في إزالَتِهِ فَتَمَكَّنَ فِيكم فاشْتَغَلْتُمْ بِشَأْنِ أنْفُسِكم غَيْرَ مُبالِينَ بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ وقِيلَ: الإشارَةُ إلى المَظْنُونِ وهو عَدَمُ انْقِلابِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا أيْ حُسِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِكم فَأحْبَبْتُمُوهُ والمُرادُ مِن ذَلِكَ تَقْرِيعُهم بِبُغْضِهِمُ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ، والمُناسِبُ لِلسِّياقِ ما تَقَدَّمَ.
وقُرِئَ: ( زَيَّنَ ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ بِإسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى أوْ إلى الشَّيْطانِ ﴿ وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ وهو ظَنُّهُمُ السّابِقُ فَتَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ الذِّكْرى وأُعِيدَ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِ بِالسَّوْءِ أوْ هو عامٌّ فَيَشْمَلُ ذَلِكَ الظَّنَّ وسائِرَ ظُنُونِهِمُ الفاسِدَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الظَّنُّ بِعَدَمِ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّ الجازِمَ بِصِحَّتِها لا يَحُومُ فِكْرُهُ حَوْلَ ما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِئْصالِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلتَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ.
﴿ وكُنْتُمْ ﴾ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى الأزَلِيِّ ﴿ قَوْمًا بُورًا ﴾ أيْ هالِكِينَ لِفَسادِ عَقِيدَتِكم وسُوءِ نِيَّتِكم مُسْتَوْجِبِينَ سَخَطَهُ تَعالى وعِقابَهُ جَلَّ شَأْنُهُ، وقِيلَ: أيْ فاسِدِينَ في أنْفُسِكم وقُلُوبِكم ونِيّاتِكم لا خَيْرَ فِيكُمْ، والظّاهِرُ عَلى ما في البَحْرِ أنَّ بُورًا في الأصْلِ مَصْدَرٌ كالهَلَكِ ولِذا وُصِفَ بِهِ المُفْرَدُ المُذَكَّرُ في قَوْلِ ابْنِ الزِّبَعْرى: يا رَسُولَ اللَّهِ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذْ أنا بُورُ والمُؤَنَّثُ حَكى أبُو عُبَيْدَةَ امْرَأةٌ بُورٌ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ بائِرٍ كَحائِلٍ وحُولٍ وعائِذٍ وعُوذٍ وبازِلٍ وبُزْلٍ، وعَلى المَصْدَرِيَّةِ هو مُؤَوَّلٌ بِاسْمِ الفاعِلِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ كانَ بِمَعْنى صارَ أيْ وصِرْتُمْ بِذَلِكَ الظَّنِّ قَوْمًا هالِكِينَ مُسْتَوْجِبِينَ السَّخَطَ والعِقابَ والظّاهِرُ إبْقاؤُها عَلى بابِها والمُضِيُّ بِاعْتِبارِ العِلْمِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقِيلَ: أيْ كُنْتُمْ قَبْلَ الظَّنِّ فاسِدِينَ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ إلَخْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ غَيْرُ داخِلٍ في الكَلامِ المُلَقَّنِ مُقَرِّرٌ لِبَوارِهِمْ ومُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّتِهِ أيْ ومَن لَمْ يُصَدِّقْ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ كَدَأْبِ هَؤُلاءِ المُخَلَّفِينَ ﴿ فَإنّا أعْتَدْنا ﴾ هَيَّأْنا ﴿ لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا ﴾ نارًا مَسْعُورَةً مُوقَدَةً مُلْتَهِبَةً وكانَ الظّاهِرُ - لَهم - فَعَدَلَ عَنْهُ إلى ما ذَكَرَ إيذانًا مَن لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو كافِرٌ وأنَّهُ مُسْتَوْجِبٌ لِلسَّعِيرِ بِكُفْرِهِ لِمَكانِ التَّعْلِيقِ بِالمُشْتَقِّ.
وتَنْكِيرُ سَعِيرٍ لِلتَّهْوِيلِ لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّها لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُها واكْتِناهُ كُنْهِها، وقِيلَ: لِأنَّها نارٌ مَخْصُوصَةٌ فالتَّنْكِيرُ لِلتَّنْوِيعِ ( ومَن ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وأنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً والعائِدُ مِنَ الخَبَرِ أوْ مِن جَوابِ الشَّرْطِ هو الظّاهِرُ القائِمُ مَقامَ المُضْمَرِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فَهو عَزَّ وجَلَّ المُتَصَرِّفُ في الكُلِّ كَما يَشاءُ ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ﴿ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ﴾ أنْ يُعَذِّبَهُ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِأحَدٍ في شَيْءٍ مِن غُفْرانِهِ تَعالى وتَعْذِيبِهِ جَلَّ وعَلا وُجُودًا وعَدَمًا ﴿ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ مُبالِغًا في المَغْفِرَةِ لِمَن يَشاءُ ولا يَشاءُ سُبْحانَهُ إلّا لِمَن تَقْتَضِي الحِكْمَةُ المَغْفِرَةَ لَهُ مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ سُبْحانَهُ ورَسُولِهِ وأمّا مَن عَداهُ مِنَ الكافِرِينَ المُجاهِرِينَ والمُنافِقِينَ فَهم بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ قَطْعًا وفي تَقْدِيمِ المَغْفِرَةِ والتَّذْيِيلِ بِكَوْنِهِ تَعالى غَفُورًا بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ وضَمِّ رَحِيمًا إلَيْهِ الدّالِّ عَلى المُبالَغَةِ أيْضًا دُونَ التَّذْيِيلِ بِما يُفِيدُ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ مُعَذِّبًا مِمّا يَدُلُّ عَلى سَبْقِ الرَّحْمَةِ ما فِيهِ.
وفِي الحَدِيثِ: «كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ بِيَدِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» وهَذا السَّبْقُ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ في أنْوارِ التَّنْزِيلِ ذاتِيٌّ وذَلِكَ لِأنَّ الغُفْرانَ والرَّحْمَةَ بِحَسَبِ الذّاتِ والتَّعْذِيبَ بِالعَرَضِ وتَبَعِيَّتِهِ لِلْقَضاءِ والعِصْيانِ المُقْتَضِي لِذَلِكَ، وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّ الخَيْرَ هو المَقْضِيُّ بِالذّاتِ والشَّرَّ بِالعَرَضِ إذْ لا يُوجَدُ شَرٌّ جُزْئِيٌّ إلّا وهو مُتَضَمِّنٌ لِخَيْرٍ كُلِّيٍّ، وفُصِّلَ ذَلِكَ في شَرْحِ الهَياكِلِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: المُرادُ بِالسَّبْقِ في الحَدِيثِ كَثْرَةُ الرَّحْمَةِ وشُمُولُها وكَذا المُرادُ بِالغَلَبَةِ الواقِعَةِ في بَعْضِ الرِّواياتِ، وذَلِكَ نَظِيرُ ما يُقالُ: غَلَبَ عَلى فُلانٍ الكَرَمُ، ومَن جَعَلَ الرَّحْمَةَ والغَضَبَ مِن صِفاتِ الأفْعالِ لَمْ يُشْكِلْ عَلَيْهِ أمْرُ السَّبْقِ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى جَعْلِهِ ذاتِيًّا كَما لا يَخْفى، والآيَةُ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ لِتَرْجِيَةِ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ بَعْضَ التَّرْجِيَةِ إذا آمَنُوا حَقِيقَةً، وقِيلَ: لِحَسْمِ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ في اسْتِغْفارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُمْ، وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ ( مَن يَشاءُ ) الأوَّلَ بِالتّائِبِ والثّانِيَ بِالمُصِرِّ، ثُمَّ قالَ: يُكَفِّرُ سُبْحانَهُ السَّيِّئاتِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ، ويَغْفِرُ الكَبائِرَ بِالتَّوْبَةِ وهو اعْتِزالٌ مِنهُ مُخالِفٌ لِظاهِرِ الآيَةِ، وقالَ الطِّيِّبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ ﴾ إلَخْ مَوْقِعُهُ مَوْقِعُ التَّذْيِيلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ الآيَةَ عَلى أنْ يُقَدِّرَ لَهُ ما يُقابِلُهُ مِن قَوْلِهِ ومَن آمَنَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإنّا أعَتَدْنا لِلْمُؤْمِنِينَ الجِنانَ مَثَلًا فَلا يُقَيَّدُ شَيْءٌ مِمّا قَيَّدَهُ لِيُؤْذِنَ بِالتَّصَرُّفِ التّامِّ والمَشِيئَةِ النّافِذَةِ والغُفْرانِ الكامِلِ والرَّحْمَةِ الشّامِلَةِ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ ﴾ المَذْكُورُونَ مِنَ الأعْرابِ فاللّامُ لِلْعَهْدِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ﴾ ظَرْفٌ لِما قَبْلَهُ لا شَرْطَ لِما بَعْدَهُ، والمُرادُ بِالمَغانِمِ مَغانِمُ خَيْبَرَ كَما عَلَيْهِ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، ولَمْ نَقِفْ عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ، وأُيِّدَ بِأنَّ السِّينَ تَدُلُّ عَلى القُرْبِ وخَيْبَرُ أقْرَبُ المَغانِمِ الَّتِي انْطَلَقُوا إلَيْها مِنَ الحُدَيْبِيَةِ كَما عَلِمْتَ، فَإرادَتُها كالمُتَعَيَّنَةِ، وقَدْ جاءَ في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ أنْ يُعَوِّضَهم مِن مَغانِمِ مَكَّةَ خَيْبَرَ إذا قَفَلُوا مُوادِعِينَ لا يُصِيبُونَ شَيْئًا، وخَصَّ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِهِمْ أيْ سَيَقُولُونَ عِنْدَ إطْلاقِكم إلى مَغانِمِ خَيْبَرَ لِتَأْخُذُوها حَسْبَما وعَدَكُمُ اللَّهُ تَعالى إيّاها وخَصَّكم بِها طَمَعًا في عَرَضِ الدُّنْيا لِما أنَّهم يَرَوْنَ ضَعْفَ العَدُوِّ ويَتَحَقَّقُونَ النُّصْرَةَ ﴿ ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ ﴾ إلى خَيْبَرَ ونَشْهَدْ مَعَكم قِتالَ أهْلِها ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ ﴾ بِأنْ يُشارِكُوا في الغَنائِمِ الَّتِي خَصَّها سُبْحانَهُ بِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ وحاصِلُهُ يُرِيدُونَ الشَّرِكَةَ الَّتِي لا تَحْصُلُ لَهم دُونَ نُصْرَةِ الدِّينِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ مُرادِهِمْ بِذَلِكَ القَوْلِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ المُخَلَّفِينَ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ ولا يُنافِي خَبَرَ التَّخْصِيصِ إعْطاؤُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْضَ مُهاجِرِي الحَبَشَةِ القادِمِينَ مَعَ جَعْفَرٍ وبَعْضَ الدَّوْسِيِّينَ والأشْعَرِيِّينَ مِن ذَلِكَ وهم أصْحابُ السَّفِينَةِ كَما في البُخارِيِّ، فَإنَّهُ كانَ اسْتِنْزالًا لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ بَعْضِ حُقُوقِهِمْ لَهم أوْ أنَّ بَعْضَها فُتِحَ صُلْحًا وما أعْطاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو بَعْضٌ مِمّا صالَحَ عَلَيْهِ، وكُلُّ هَذا مَذْكُورٌ في السِّيَرِ لَكِنَّ الَّذِي صَحَّحَهُ المُحَدِّثُونَ أنَّهُ لا صُلْحَ فِيها.
وقالَ الكِرْمانِيُّ: إنَّما أعْطاهم بِرِضا أصْحابِ الوَقْعَةِ أوْ أعْطاهم مِنَ الخُمُسِ الَّذِي هو حَقُّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَيْلُ البُخارِيِّ إلى الثّانِي وحَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى وعْدِهِ بِتِلْكَ الغَنائِمِ لَهم خاصَّةً هو الَّذِي عَلَيْهِ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعامَّةُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَلامُ اللَّهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ( قُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ) ووافَقَهُ الجِبائِيُّ عَلى ذَلِكَ وشَنَّعَ عَلَيْهِما غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّ ذَلِكَ نازِلٌ في المُخَلَّفِينَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنَ المُنافِقِينَ وكانَتْ تِلْكَ الغَزْوَةُ يَوْمَ الخَمِيسِ في رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ بِلا خِلافٍ كَما قالَ القَسْطَلانِيُّ والحُدَيْبِيَةُ في سَنَةِ سِتٍّ كَما قالَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ وغَيْرُهُ، وهَذِهِ إنَّما نَزَلَتْ بُعَيْدَ الِانْصِرافِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ كَما عَلِمْتَ، وأيْضًا قالَ في البَحْرِ: قَدْ غَزَتْ مُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ مِن هَؤُلاءِ المُخَلَّفِينَ بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفَضَّلَهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى تَمِيمٍ وغَطَفانَ وغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ، وفي الكَشْفِ لَعَلَّ القائِلَ بِذَلِكَ أرادَ أنَّ هَؤُلاءِ المُخَلَّفِينَ لَمّا كانُوا مُنافِقِينَ مِثْلَ المُخَلَّفِينَ عَنْ تَبُوكَ كانَ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ واحِدًا، ألا تَرى أنَّ المَعْنى المُوجِبَ مُشْتَرِكٌ وهو رِضاهم بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ، فَكَلامُ اللَّهِ تَعالى أُرِيدَ بِهِ حُكْمُهُ السّابِقُ وهو أنَّ المُنافِقَ لا يُسْتَصْحَبُ في الغَزْوِ، ولَمْ يُرِدْ أنَّ هَذا الحُكْمَ مُنْقاسٌ عَلى ذَلِكَ الأصْلِ أوِ الآيَةُ نازِلَةٌ فِيهِمْ أيْضًا فَهَذا ما يُمْكِنُ في تَصْحِيحِهِ انْتَهى، ويُقالُ عَمّا في البَحْرِ: إنَّ الَّذِينَ غَزَوْا بَعْدُ لَمْ يَغْزُوا حَتّى أخْلَصُوا ولَمْ يَبْقُوا مُنافِقِينَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (كَلَمَ اللَّهِ) وهو اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ واحِدُهُ كَلِمَةٌ ﴿ قُلْ ﴾ إقْناطًا لَهم ﴿ لَنْ تَتَّبِعُونا ﴾ أيْ لا تَتْبَعُونا فَإنَّهُ نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ لِلْمُبالَغَةِ، والمُرادُ نَهْيُهم عَنِ الِاتِّباعِ فِيما أرادُوا الِاتِّباعَ فِيهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ ﴾ وهو الِانْطِلاقُ إلى خَيْبَرَ كَما نُقِلَ عَنْ مُحْيِي السُّنَّةِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: المُرادُ ولا تَتَّبِعُونا ما دُمْتُمْ مَرْضى القُلُوبِ، وعَنْ مُجاهِدٍ: كانَ المَوْعِدُ أيِ المَوْعِدُ الَّذِي تَغْيِيرُهُ تَبْدِيلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وهو مَوْعِدُهُ سُبْحانَهُ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ أنَّهم لا يَتَّبِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ إلّا مُتَطَوِّعِينَ لا نَصِيبَ لَهم في المَغْنَمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَنْ تَتَّبِعُونا إلّا مُتَطَوِّعِينَ، وقِيلَ: المُرادُ التَّأْبِيدُ، وظاهِرُ السِّياقِ الأوَّلُ ﴿ كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ أنْ تَهَيَّأْتُمْ لِلْخُرُوجِ مَعَنا وذَلِكَ عِنْدَ الِانْصِرافِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ سَماعِ هَذا النَّهْيِ ﴿ بَلْ تَحْسُدُونَنا ﴾ أنْ نُشارِكَكم في الغَنائِمِ، وهو إضْرابٌ عَنْ كَوْنِهِ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى أيْ بَلْ إنَّما ذَلِكَ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم حَسَدًا.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ (تَحْسِدُونَنا) بِكَسْرِ السِّينِ ﴿ بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ ﴾ لا يَفْهَمُونَ ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ أيْ إلّا فَهْمًا قَلِيلًا وهو فَهْمُهم لِأُمُورِ الدُّنْيا، وهو رَدٌّ لِقَوْلِهِمُ الباطِلِ في المُؤْمِنِينَ ووَصْفٌ لَهم بِما هو أعْظَمُ مِنَ الحَسَدِ وأطَمُّ وهو الجَهْلُ المُفْرِطُ وسُوءُ الفَهْمِ في أُمُورِ الدِّينِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى رَدِّهِمْ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى وإثْباتِهِمُ الحَسَدَ لِأُولَئِكَ السّادَةِ مِنَ الجَهْلِ وقِلَّةِ التَّفَكُّرِ <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ ﴾ كَرَّرَ ذِكْرَهم بِهَذا العُنْوانِ مُبالَغَةً في الذَّمِّ وإشْعارًا بِشَناعَةِ التَّخَلُّفِ ﴿ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ ذَوِي نَجْدَةٍ وشِدَّةٍ قَوِيَّةٍ في الحَرْبِ، وهم عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ الزَّهْرِيِّ بَنُو حَنِيفَةَ مُسَيْلِمَةُ وقَوْمُهُ أهْلُ اليَمامَةِ، وعَلَيْهِ جَماعَةٌ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ زِيادَةُ أهْلِ الرِّدَّةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ، وعَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ إنّا كُنّا نَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ فِيما مَضى ولا نَعْلَمُ مَن هم حَتّى دَعا أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى قِتالِ بَنِي حَنِيفَةَ فَعَلِمْنا أنَّهم أُرِيدُوا بِها، وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ ومُجاهِدٍ في رِوايَةٍ وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ وابْنِ أبِي لَيْلى: هُمُ الفُرْسُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: دَعا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِقِتالِ فارِسِ أعْرابِ المَدِينَةِ جُهَيْنَةَ ومُزَيَّنَةَ الَّذِينَ كانَ النَّبِيُّ دَعاهم لِلْخُرُوجِ إلى مَكَّةَ، وقالَ عِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ: هم هَوازِنُ ومَن حارَبَ الرَّسُولَ في حُنَيْنٍ، وفي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ التَّصْرِيحُ بِثَقِيفٍ مَعَ هَوازِنَ، وفي رِوايَةِ الفِرْيابِيِّ وابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هم هَوازِنُ وبَنُو حَنِيفَةَ، وقالَ كَعْبٌ: هُمُ الرُّومُ الَّذِي خَرَجَ إلَيْهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عامَ تَبُوكَ والَّذِينَ بَعَثَ إلَيْهِمْ في غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحُسْنِ قالَ: هم فارِسُ والرُّومُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: البارِزُ يَعْنِي الأكْرادَ كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أعْرابُ فارِسَ وأكْرادُ العَجَمِ، وظاهِرُ العَطْفِ أنَّ أكْرادَ العَجَمِ لَيْسُوا مِن أعْرابِ فارِسَ، وظاهِرُ إضافَةِ أكْرادٍ إلى العَجَمِ يُشْعِرُ بِأنَّ مِنَ الأكْرادِ ما يُقالُ لَهم أكْرادُ العَرَبِ، ولا نَعْرِفُ هَذا التَّقْسِيمَ وإنَّما نَعْرِفُ جِيلًا مِنَ النّاسِ يُقالُ لَهُمْ: أكْرادٌ مِن غَيْرِ إضافَةٍ إلى عَرَبٍ أوْ عَجَمٍ، ولِلْعُلَماءِ اخْتِلافٌ في كَوْنِهِمْ في الأصْلِ عَرَبًا أوْ غَيْرَهم فَقِيلَ: لَيْسُوا مِنالعَرَبِ، وقِيلَ مِنهُمْ، قالَ القاضِي شَمْسُ الدِّينِ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خِلِّكانَ في تَرْجَمَةِ المُهَلَّبِ بْنِ أبِي صُفْرَةَ ما نَصَّهُ: حَكى أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ صاحِبُ كِتابِ (الِاسْتِيعابُ) في كِتابِهِ (القَصْدُ والأُمَمُ في أنْسابِ العَرَبِ والعَجَمِ) أنَّ الأكْرادَ مِن نَسْلِ عَمْرِو مَزِيقِيا بْنِ عامِرِ بْنِ ماءِ السَّماءِ وأنَّهم وقَعُوا إلى أرْضِ العَجَمِ فَتَناسَلُوا بِها وكَثُرَ ولَدُهم فَسُمُوُّا الأكْرادَ، وقالَ بَعْضُ الشُّعَراءِ في ذَلِكَ وهو يُعَضِّدُ ما قالَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: لَعُمْرُكَ ما الأكْرادُ أبْناءُ فارِسَ ولَكِنَّهُ كُرْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عامِرِ انْتَهى، وفي القامُوسِ: الكُرْدُ بِالضَّمِّ جِيلٌ مِنَ النّاسِ مَعْرُوفٌ والجَمْعُ أكْرادٌ وجَدُّهم كُرْدُ بْنُ عَمْرِو مَزِيقِيا بْنِ عامِرِ ماءِ السَّماءِ انْتَهى، وعامِرٌ هَذا مِنَ العَرَبِ بِلا شُبْهَةٍ فَإنَّهُ ابْنُ حارِثَةَ الغِطْرِيفِ بْنِ امْرِئِ القَيْسِ البِطْرِيقِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مازِنِ بْنِ الأزْدِ ويُقالُ لَهُ: الأسَدُ بْنُ الغَوْثِ بْنِ نَبْتِ بْنِ مالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلانَ بْنِ سَبا بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ ويُسَمّى عامِرًا وهو عِنْدَ الأكْثَرِ ابْنُ شالَخَ بْنِ أرْفَخْشَذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وقِيلَ: مِن ولَدِ هُودٍ، وقِيلَ: هو هُودٌ نَفْسُهُ، وقِيلَ: ابْنُ أخِيهِ، وذَهَبَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ إلى أنَّ قَحْطانَ مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ قَحْطانُ بْنُ الهَمَيْسَعِ بْنِ تَيْمِ بْنِ نَبْتِ بْنِ إسْماعِيلَ، والَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ حَجَرٍ أنَّ قَبائِلَ اليَمَنِ كُلَّها ومِنها قَبِيلَةُ عَمْرِو مَزِيقِيا مِن ولَدِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَدُلُّ لَهُ تَبْوِيبُ البُخارِيِّ بابَ نِسْبَةِ اليَمَنِ إلى إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ ذَلِكَ السَّيِّدُ نُورُ الدِّينِ عَلِيِّ السَّمْهُودِيِّ في تارِيخِ المَدِينَةِ، وفِيهِ أنَّ الأنْصارَ الأوْسُ والخَزْرَجَ مِنَ أوْلادِ ثَعْلَبَةِ العَنْقاءِ بْنِ عَمْرِو مَزِيقِيا المَذْكُورِ وكانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ ولَدًا ذُكُورًا مِنهم ثَعْلَبَةُ المَذْكُورُ، وحارِثَةُ والِدُ خُزاعَةَ، وجَفْنَةُ والِدُ غَسّانَ، ووَداعَةُ وأبُو حارِثَةَ وعَوْفٌ وكَعْبٌ ومالِكٌ وعِمْرانُ وكُرْدٌ كَما في القامُوسِ انْتَهى.
وفائِدَةُ الخِلافِ تَظْهَرُ في أُمُورٍ مِنها الكَفاءَةُ في النِّكاحِ، والعامَّةُ لا يَعُدُّونَهم مِنَ العَرَبِ فَلا تَغْفُلْ، والَّذِي يَغْلِبُ عَلى ظَنِّي أنَّ هَؤُلاءِ الجِيلَ الَّذِينَ يُقالُ لَهُمِ اليَوْمَ: أكْرادٌ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَن هو مِن أوْلادِ عَمْرِو مَزِيقِيا وكَذا لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَن هو مِنَ العَرَبِ ولَيْسَ مِن أوْلادِ عَمْرٍو المَذْكُورِ إلّا أنَّ الكَثِيرَ مِنهم لَيْسُوا مِنَ العَرَبِ أصْلًا، وقَدِ انْتَظَمَ في سِلْكِ هَذا الجِيلِ أُناسٌ يُقالُ: إنَّهم مِن ذُرِّيَّةِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وآخَرُونَ يُقالُ: إنَّهم مِن ذُرِّيَّةِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وآخَرُونَ يُقالُ: إنَّهم مِن ذُرِّيَّةِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وآخَرُونَ يُقالُ: إنَّهم مِن بَنِي أُمَيَّةَ ولا يَصِحُّ عِنْدِي مِن ذَلِكَ شَيْءٌ بَيْدَ أنَّهُ سَكَنَ مَعَ الأكْرادِ طائِفَةٌ مِنَ السّادَةِ أبْناءِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم يُقالُ لَهُمُ: البَرَزْنَجِيَّةُ لا شَكَّ في صِحَّةِ نَسَبِهِمْ وكَذا في جَلالَةِ حَسَبِهِمْ، وبِالجُمْلَةِ الأكْرادُ مَشْهُورُونَ بِاليَأْسِ وقَدْ كانَ مِنهم كَثِيرٌ مِن أهْلِ الفَضْلِ بَلْ ثَبَتَ لِبَعْضِهِمُ الصُّحْبَةُ، قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في الإصابَةِ في تَمْيِيزِ الصَّحابَةِ في حَرْفِ الجِيمِ: جابانُ والِدُ مَيْمُونٍ رَوى ابْنُ مَندَهْ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ مَوْلى بَنِي هاشِمٍ عَنْ أبِي خَلَدَةَ سَمِعْتُ مَيْمُونَ بْنَ جابانَ الكُرْدِيِّ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ غَيْرَ مَرَّةٍ حَتّى بَلَغَ عَشْرًا وذَكَرَ الحَدِيثَ.
وقَدْ أخْرَجَ نَحْوَهُ الطَّبَرانِيُّ في المُعْجَمِ الصَّغِيرِ عَنْ مَيْمُونٍ الكُرْدِيِّ عَنْ أبِيهِ أيْضًا وهو أتَمُّ مِنهُ ولَفْظُهُ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «أيُّما رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً عَلى ما قَلَّ مِنَ المَهْرِ أوْ كَثُرَ لَيْسَ في نَفْسِهِ أنْ يُؤَدِّيَ إلَيْها حَقَّها خَدَعَها فَماتَ ولَمْ يُؤَدِّ إلَيْها حَقَّها لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ القِيامَةِ وهو زانٍ، وأيُّما رَجُلٍ اسْتَدانَ دَيْنًا لا يُرِيدُ أنْ يُؤَدِّيَ إلى صاحِبِهِ حَقَّهُ خَدَعَهُ حَتّى أخَذَ مالَهُ فَماتَ ولَمْ يُؤَدِّ إلَيْهِ دَيْنَهُ لَقِيَ اللَّهَ وهو سارِقٌ)».
ويُكَنّى مَيْمُونٌ هَذا بِأبِي بَصِيرٍ بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ، وقِيلَ: بِالنُّونِ، وهو كَما في التَّقْرِيبِ مَقْبُولٌ، هَذا وأشْهَرُ الأقْوالِ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ القَوْمِ أنَّهم بَنُو حَنِيفَةَ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي أقُولُهُ إنَّ هَذِهِ الأقْوالَ تَمْثِيلاتٌ مِن قائِلِها لا تَعْيِينُ القَوْمِ، وهَذا وإنْ حَصَلَ بِهِ الجَمْعُ بَيْنَ تِلْكَ الأقْوالِ خِلافُ الظّاهِرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ عَلى مَعْنى يَكُونُ أحَدُ الأمْرَيْنِ إمّا المُقاتَلَةَ أوِ الإسْلامَ لا ثالِثَ لَهُما، فَأوْ لِلتَّنْوِيعِ والحَصْرِ لا لِلشَّكِّ وهو كَثِيرٌ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيٍّ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ (أوْ يُسْلِمُوا) بِحَذْفِ النُّونِ لِأنَّ ذَلِكَ لِلنّاصِبِ وهو يَقْتَضِي أنَّ أوْ بِمَعْنى إلّا أيْ إلّا أنْ يُسْلِمُوا فَيُفِيدُ الحَصْرَ أوْ بِمَعْنى إلى أيْ إلى أنْ يُسْلِمُوا، والغايَةُ تَقْتَضِي أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ القِتالُ بِغَيْرِ الإسْلامِ فَيُفِيدُهُ أيْضًا كَما قِيلَ: والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لِلتَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِكَ: سَيَدْعُوكَ الأمِيرُ يُكْرِمُكَ أوْ يَكْبِتُ عَدُوَّكَ، قالَ في الكَشْفِ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِقَوْمٍ لِأنَّهم دُعُوا إلى قِتالِ القَوْمِ لا أنَّهم دُعُوا إلى قَوْمٍ مَوْصُوفٍ بِالمُقاتَلَةِ أوِ الإسْلامِ.
وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَها حالِيَّةً وحالُهُ كَحالِ الوَصْفِيَّةِ، وأصْلُ الكَلامِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ لِتُقاتِلُوهم أوْ يُسْلِمُوا فَعَدَلَ إلى الِاسْتِئْنافِ لِأنَّهُ أعْظَمُ الوَصْلَيْنِ، ثُمَّ فِيهِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ وحَصَّلُوا الغَرَضَ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ واقِعًا.
والِاعْتِراضُ بِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ لا يَنْفَكَّ الوُجُودُ عَنْ أحَدِهِما لِصِدْقِ إخْبارِهِ تَعالى ونَحْنُ نَرى الِانْفِكاكَ بِأنْ يُتْرَكُوا سُدًى أوْ بِالهُدْنَةِ فَيَنْبَغِي أنْ يُؤَوَّلَ بِأنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ عَلى ما في أمالِيِّ ابْنِ الحاجِبِ غَيْرُ سَدِيدٍ لِأنَّ القَوْمَ مَخْصُوصُونَ لا عُمُومَ فِيهِمْ، وكانَ الواقِعُ أنَّهم قُوتِلُوا إلى أنْ أسْلَمُوا سَواءٌ فُسِّرَ القَوْمُ بِبَنِي حَنِيفَةَ أوْ بِثَقِيفٍ وهَوازِنَ أوْ فارِسَ والرُّومِ عَلى أنَّ الإسْلامَ الِانْقِيادُ فَما انْفَكَّ الوُجُودُ عَنْ أحَدِهِما وقَعا، وأمّا امْتِناعُ الِانْفِكاكِ فَلَيْسَ مِن مُقْتَضى الوَضْعِ ولا الِاسْتِعْمالِ بَلْ ذَلِكَ في الكَلامِ الِاسْتِدْلالِيِّ قَدْ يَتَّفِقُ.
وأطالَ الطَّيِّبِيُّ الكَلامَ في هَذا المَقامِ ثُمَّ قالَ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ التَّحْبِيرِ مِن أنَّ ﴿ يُسْلِمُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ تُقاتِلُونَهُمْ ﴾ إمّا عَلى الظّاهِرِ أوْ بِتَقْدِيرِهِمْ يُسْلِمُونَ لِيَكُونَ مِن عَطْفِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ وحِينَئِذٍ تَكُونُ المُناسَبَةُ أكْثَرَ إذْ تَخْرُجُ الجُمْلَةُ إلى بابِ الكِنايَةِ، والمَعْنى تُقاتِلُونَهم أوْ لا تُقاتِلُونَهم لِأنَّهم يُسْلِمُونَ، وقَدْ وُضِعَ فِيهِ ﴿ أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ مَوْضِعَ أوْ لا تُقاتِلُونَهم لِأنَّهُمِ اذا أسْلَمُوا سَقَطَ عَنْهم قِتالُهم ضَرُورَةً، والِاسْتِدْعاءُ عَلَيْهِ لَيْسَ إلّا لِلِاخْتِبارِ، و( أوْ ) لِلتَّرْدِيدِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ وفِيهِ ما فِيهِ، وشاعَ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى صِحَّةِ إمامَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ووَجَّهَ ذَلِكَ الإمامُ فَقالَ: الدّاعِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَتُدْعَوْنَ ﴾ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ أوِ الأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ أوْ مَن بَعْدَهم لا يَجُوزُ الأوَّلُ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا ﴾ إلَخْ ولا أنْ يَكُونَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَرَّمَ وجْهَهُ لِأنَّهُ إنَّما قاتَلَ البُغاةَ والخَوارِجَ وتِلْكَ المُقاتَلَةُ لِلْإسْلامِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ ولا مِن مَلَكَ بَعْدَهم لِأنَّهم عِنْدَنا عَلى الخَطَأِ وعِنْدَ الشِّيعَةِ عَلى الكُفْرِ ولَمّا بَطَلَتِ الأقْسامُ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالدّاعِي أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْجَبَ طاعَتَهُ وأوْعَدَ عَلى مُخالَفَتِهِ وذَلِكَ يَقْتَضِي إمامَتَهُ وأيَّ الثَّلاثَةِ كانَ ثَبْتَ المَطْلُوبِ، أمّا إذا كانَ أبا بَكْرٍ فَظاهِرٌ، وأمّا إذا كانَ عُمَرَ أوْ عُثْمانَ فَلِأنَّ إمامَتَهُ فَرْعُ إمامَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الدّاعِيَ كانَ رَسُولَ اللَّهِ ويُشْعِرُ بِذَلِكَ السِّينِ قَوْلُهُ: لا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَنْ تَتَّبِعُونا ﴾ إلَخْ فِيهِ أنَّ ( لَنْ ) لا تُفِيدُ التَّأْبِيدَ عَلى الصَّحِيحِ وظاهِرُ السِّياقِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ لَنْ تَتْبَعُونا في الِانْطِلاقِ إلى خَيْبَرَ كَما سَمِعْتَ عَنْ مُحْيِي السُّنَّةِ أوْ هو مُقَيَّدٌ بِما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أوْ بِما حُكِيَ عَنْ بَعْضٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: القَوْلُ بِأنَّهم لَمْ يَدْعُوا إلى حَرْبٍ في أيّامِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَقَدْ حَضَرَ كَثِيرٌ مِنهم مَعَ جَعْفَرٍ في مُؤْتَةَ وحَضَرُوا حَرْبَ هَوازِنَ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحَضَرُوا مَعَهُ أيْضًا في سَفْرَةِ تَبُوكَ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ هَذا إذا صَحَّ يَنْفِي حَمْلَ النَّفْيِ عَلى التَّأْيِيدِ.
ومِنَ الشِّيعَةِ مَنِ اقْتَصَرَ في رَدِّ الِاسْتِدْلالِ عَلى الدَّعْوَةِ في تَبُوكَ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِيها ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّ الدّاعِيَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وزَعَمَ كُفْرَ البُغاةِ والخَوارِجِ عَلَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأنَّهُ لَوْ سُلِّمَ إسْلامُهم يُرادُ بِالإسْلامِ في الآيَةِ الِانْقِيادُ إلى الطّاعَةِ ومُوالاةُ الأمِيرِ، وفِيهِ ما لا يَخْفى، والإنْصافُ أنَّ الآيَةَ لا تَكادُ تَصِحُّ دَلِيلًا عَلى إمامَةِ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلّا إنْ صَحَّ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ في كَوْنِ المُرادِ بِالقَوْمِ بَنِي حَنِيفَةَ ونَحْوَهم ودُونَ ذَلِكَ خَرْطَ القَتادِ، ونَفى بَعْضُهم صِحَّةَ كَوْنِ المُرادِ بِالقَوْمِ فارِسًا والرُّومَ لِأنَّ المُرادَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ عَلى ما سَمِعْتَ وفارِسُ مَجُوسٌ والرُّومُ نَصارى فَلا يَتَعَيَّنُ فِيهِمْ أحَدُ الأمْرَيْنِ مِنَ المُقاتَلَةِ والإسْلامِ إذْ يَقْبَلُ مِنهُمُ الجِزْيَةَ، وكَذا اليَهُودُ ومُشْرِكُوالعَجَمِ والصّابِئَةُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقالَ: يَتَعَيَّنُ كَوْنُهم مُرْتَدِّينَ أوْ مُشْرِكِي العَرَبِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ، ومِثْلُ مُشْرِكِي العَرَبِ مُشْرِكُو العَجَمِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَعِنْدَهُ لا تُقْبَلُ إلّا مِن أهْلِ الكِتابِ والمَجُوسِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَن فَسَّرَ القَوْمُ بِذَلِكَ يُفَسِّرُ الإسْلامَ بِالِانْقِيادِ وهو يَكُونُ بِقَبُولِ الجِزْيَةِ فَلا يَتِمُّ لَهُ أمْرُ النَّفْيِ فَلا تُغْفَلْ ﴿ فَإنْ تُطِيعُوا ﴾ الدَّعِيَّ فِيما دَعاكم إلَيْهِ ﴿ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا ﴾ هو عَلى ما قِيلَ الغَنِيمَةُ في الدُّنْيا والجَنَّةُ في الأُخْرى ﴿ وإنْ تَتَوَلَّوْا ﴾ عَنِ الدَّعْوَةِ ﴿ كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ ﴾ في الحُدَيْبِيَةِ ﴿ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ﴾ لِتَضاعُفِ جُرْمِكم، وهَذا التَّعْذِيبُ قالَ في البَحْرِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا وأنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي وهو الأوْفَقُ بِما قَبْلَهُ عَلى ما قِيلَ كَوْنُهُ فِيهِما ولا بَأْسَ بِكَوْنِ كُلٍّ مِنَ الإيتاءِ والتَّعْذِيبِ في الآخِرَةِ بَلْ لَعَلَّهُ المُتَبادَرُ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِما في ذَلِكَ، ولا يَحْسُنُ كَوْنُ الأمْرَيْنِ في الدُّنْيا ولا كَوْنُ الأوَّلِ في الآخِرَةِ أوْ فِيها وفي الدُّنْيا والثّانِي في الدُّنْيا فَقَطْ <div class="verse-tafsir"
﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ﴾ أيْ إثْمٌ ﴿ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ﴾ أيْ في التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ لِما بِهِمْ مِنَ العُذْرِ والعاهَةِ، وفي نَفْيِ الحَرَجِ عَنْ كُلٍّ مِنَ الطَّوائِفِ المَعْدُودَةِ مَزِيدُ اعْتِناءٍ بِأمْرِهِمْ وتَوْسِيعٌ لِدائِرَةِ الرُّخْصَةِ، ولَيْسَ في نَفْيِ ذَلِكَ عَنْهم نَهْيٌ لَهم عَنِ الغَزْوِ بَلْ قالُوا: إنَّ أجْرَهم مُضاعَفٌ في الغَزْوِ، وقَدْ غَزا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وكانَ أعْمى رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وحَضَرَ في بَعْضِ حُرُوبِ القادِسِيَّةِ وكانَ يَمْسِكُ الرّايَةَ.
وفي البَحْرِ لَوْ حُصِرَ المُسْلِمُونَ فالفَرْضُ مُتَوَجِّهٌ بِحَسَبِ الوُسْعِ في الجِهادِ ﴿ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ فِيما ذَكَرَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي.
﴿ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَن يَتَوَلَّ ﴾ عَنِ الطّاعَةِ ﴿ يُعَذِّبْهُ عَذابًا ألِيمًا ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ والمَعْنى بِالوَعْدِ والوَعِيدِ هُنا أعَمُّ مِنَ المَعْنى بِهِما فِيما سَبَقَ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ التَّعْبِيرُ بِمَن هُنا وبِضَمِيرِ الخِطابِ هُناكَ، وقِيلَ في الوَعِيدِ ﴿ يُعَذِّبْهُ ﴾ إلَخْ دُونَ يُدْخِلْهُ نارًا ونَحْوِهِ مِمّا هو أظْهَرُ في المُقابَلَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ ﴾ إلَخِ اعْتِناءً بِأمْرِهِ مِن حَيْثُ إنَّ التَّعْذِيبَ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابًا ألِيمًا يَسْتَلْزِمُ إدْخالَ النّارِ وإدْخالُها لا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، واعْتَنى بِهِ لِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِيهِ ولِذا جِيءَ بِهِ كالمُكَرَّرِ مَعَ الوَعِيدِ السّابِقِ، ويَكْفِي في الإشارَةِ إلى سَبْقِ الرَّحْمَةِ إخْراجُ الوَعْدِ هاهُنا كالتَّفْصِيلِ لِما تَقَدَّمَ والتَّعْبِيرِ هُناكَ بِإيتاءِ الأجْرِ الحَسَنِ الظّاهِرِ في الِاسْتِحْقاقِ مَعَ إسْنادِ الإيتاءِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ نَفْسِهِ فَتَأمَّلْ فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ (نُدْخِلْهُ) و(نُعَذِّبْهُ) بِالنُّونِ فِيهِما، <div class="verse-tafsir"
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ مَن تَخَلَّفَ عَنِ السَّفَرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ حالَ المُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ الَّذِينَ سافَرُوا مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ وهم أهْلُ الحُدَيْبِيَةِ إلّا جَدَّ بْنَ قَيْسٍ فَإنَّهُ كانَ مُنافِقًا ولَمْ يُبايِعْ.
وأصْلُ هَذِهِ البَيْعَةِ وتُسَمّى بَيْعَةَ الرِّضْوانِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى فِيها: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ ﴾ إلَخْ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا نَزَلَ الحُدَيْبِيَةَ بَعَثَ خِراشًا بِكَسْرِ الخاءِ المُعْجَمَةِ وفَتْحِ الرّاءِ المُهْمَلَةِ وألِفٍ بَعْدَها شِينٌ مُعْجَمَةٌ ابْنَ أُمَيَّةَ الخُزاعِيَّ رَسُولًا إلى أهْلِ مَكَّةَ وحَمَلَهُ عَلى جَمَلٍ لَهُ يُقالُ لَهُ: الثَّعْلَبُ يُعْلِمُهم أنَّهُ جاءَ مُعْتَمِرًا لا يُرِيدُ قِتالًا فَلَمّا أتاهم وكَلَّمَهم عَقَرُوا جَمَلَهُ وأرادُوا قَتْلَهُ فَمَنَعَهُ الأحابِيشُ فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ حَتّى أتى الرَّسُولَ فَدَعا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِيَبْعَثَهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ القَوْمَ قَدْ عَرَفُوا عَداوَتِي لَهم وغِلَظِي عَلَيْهِمْ وإنِّي لا آمَنُ ولَيْسَ بِمَكَّةَ أحَدٌ مِن بَنِي عَدِيٍّ يَغْضَبُ لِي إنْ أُوذِيتُ فَأرْسِلْ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ فَإنَّ عَشِيرَتَهُ بِها وهم يُحِبُّونَهُ وأنَّهُ يَبْلُغُ ما أرَدْتَ فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عُثْمانَ فَأرْسَلَهُ إلى قُرَيْشٍ وقالَ: أخْبِرْهم أنّا لَمْ نَأْتِ بِقِتالٍ وإنَّما جِئْنا عُمّارًا وادْعُهم إلى الإسْلامِ وأمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَأْتِيَ رِجالًا بِمَكَّةَ مُؤْمِنِينَ ونِساءٍ مُؤْمِناتٍ فَيُبَشِّرُهم بِالفَتْحِ ويُخْبِرُهم أنَّ اللَّهَ تَعالى قَرِيبًا يُظْهِرُ دِينَهُ بِمَكَّةَ فَذَهَبَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى قُرَيْشٍ وكانَ قَدْ لَقِيَهُ أبانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِ فَنَزَلَ عَنْ دابَّتِهِ وحَمَلَهُ عَلَيْها وأجارَهُ فَأتى قُرَيْشًا فَأخْبَرَهم فَقالُوا لَهُ: إنْ شِئْتَ فَطُفْ بِالبَيْتِ وأمّا دُخُولُكم عَلَيْنا فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ما كُنْتُ لِأطُوفَ بِهِ حَتّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ فاحْتَبَسُوهُ فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ والمُسْلِمِينَ أنَّ عُثْمانَ قَدْ قُتِلَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا نَبْرَحُ حَتّى نُناجِزَ القَوْمَ.
ونادى مُنادِيَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا أنَّ رُوحَ القُدُسِ قَدْ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأمَرَهُ بِالبَيْعَةِ فاخْرُجُوا عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى فَبايَعُوهُ فَثارَ المُسْلِمُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبايَعُوهُ»، قالَ جابِرٌ كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ: بايَعْناهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أنْ لا نَفِرَّ ولَمْ نُبايِعْهُ عَلى المَوْتِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: بايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قِيلَ: عَلى أيِّ شَيْءٍ تُبايِعُونَ يَوْمَئِذٍ؟
قالَ: عَلى المَوْتِ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ أنَّهُ كانَ آخِذًا بِأغْصانِ الشَّجَرَةِ عَنْ وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو يُبايِعُ النّاسَ وكانَ أوَّلُ مَن بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ أبا سِنانٍ وهو وهْبُ بْنُ مِحْصَنٍ أخُو عُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، وقِيلَ: سِنانُ بْنُ أبِي سِنانٍ، ورَوى الأوَّلَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الشَّعْبِيِّ وأنَّهُ «قالَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ابْسُطْ يَدَكَ أُبايِعْكَ.
فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: عَلامَ تُبايِعُنِي؟
قالَ: عَلى ما في نَفْسِكَ».
وفي حَدِيثِ جابِرٍ الَّذِي أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أنَّهُ قالَ: بايَعْناهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ آخِذٌ بِيَدِهِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لَيْسَ في مَبْدَأِ البَيْعَةِ وإلّا فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ نافِعٍ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أرْسَلَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ إلى فَرَسٍ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ أنْ يَأْتِيَ بِهِ لِيُقاتِلَ عَلَيْهِ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُبايِعُ عِنْدَ الشَّجَرَةِ وعُمَرُ لا يَدْرِي بِذَلِكَ فَبايَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ ذَهَبَ إلى الفَرَسِ فَجاءَ بِهِ إلى عُمَرُ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَسْتَلْئِمُ لِلْقِتالِ فَأخْبَرَهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُبايِعُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فانْطَلَقَ فَذَهَبَ مَعَهُ حَتّى بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وصَحَّ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ضَرَبَ بِيَدِهِ اليُمْنى عَلى يَدِهِ الأُخْرى وقالَ: هَذِهِ بَيْعَةُ عُثْمانَ ولَمّا سَمِعَ المُشْرِكُونَ بِالبَيْعَةِ خافُوا وبَعَثُوا عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وجَماعَةً مِنَ المُسْلِمِينَ وكانَتْ عِدَّةُ المُؤْمِنِينَ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ عَلى الأصَحِّ عِنْدَ أكْثَرِ المُحَدِّثِينَ» ورَواهُ البُخارِيُّ عَنْ جابِرٍ، ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ قَتادَةَ قالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ بَلَغَنِي أنَّ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كانَ يَقُولُ: كانُوا أرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً فَقالَ لِي سَعِيدٌ: حَدَّثَنِي جابِرٌ كانُوا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً الَّذِينَ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتابَعَهُ أبُو داوُدَ.
ورُوِيَ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أوْفى قالَ: كانَ أصْحابُ الشَّجَرَةِ ألْفًا وثَلاثَمِائَةٍ، وعِنْدَ أبِي شَيْبَةَ مِن حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ أنَّهم كانُوا ألْفًا وسَبْعَمِائَةٍ، وجَزَمَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ بِأنَّهم كانُوا ألْفًا وسِتَّمِائَةٍ، وحَكى ابْنُ سَعْدٍ أنَّهم ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ وخَمْسَةٌ وعِشْرُونَ، وجَمَعَ بَيْنَ الرِّواياتِ بِأنَّها بِناءً عَلى عَدِّ الجَمِيعِ أوْ تَرْكِ الأصاغِرِ والأتْباعِ والأوْساطِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ وأمّا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ: إنَّهم كانُوا سَبْعَمِائَةٍ فَلَمْ يُوافِقْهُ أحَدٌ عَلَيْهِ لِأنَّهُ قالَهُ اسْتِنْباطًا مِن قَوْلِ جابِرٍ: تُنْحَرُ البَدَنَةُ عَنْ عَشَرَةٍ وكانُوا نَحَرُوا سَبْعِينَ بَدَنَةً، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم ما كانُوا نَحَرُوا غَيْرَ البُدْنِ مَعَ أنَّ بَعْضَهم كَأبِي قَتادَةَ لَمْ يَكُنْ أحْرَمَ أصْلًا، والشَّجَرَةُ كانَتْ سَمُرَةً، والمَشْهُورُ أنَّ النّاسَ كانُوا يَأْتُونَها فَيُصَلُّونَ عِنْدَها فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَأمَرَ بِقَطْعِها خَشْيَةَ الفِتْنَةِ بِها لِقُرْبِ الجاهِلِيَّةِ وعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ طارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: انْطَلَقْتُ حاجًّا فَمَرَرْتُ بِقَوْمٍ يُصَلُّونَ قُلْتُ: ما هَذا المَسْجِدُ؟
قالُوا: هَذِهِ الشَّجَرَةُ حَيْثُ بايَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ فَأتَيْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبَ فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ: حَدَّثَنِي أبِي أنَّهُ كانَ مِمَّنْ بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قالَ: فَلَمّا كانَ مِنَ العامِ المُقْبِلِ نَسِيناها فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْها ثُمَّ قالَ سَعِيدٌ: إنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمُوها وعَلِمْتُمُوها أنْتُمْ فَأيُّكم أعْلَمُ، والرِّضا يُقابِلُ السَّخَطَ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِعَنْ والباءِ ويُعَدّى بِنَفْسِهِ وهو مَعَ عَنْ إنَّما يَدْخُلُ عَلى العَيْنِ لا المَعْنى ولَكِنْ بِاعْتِبارِ صُدُورِ مَعْنًى مِنهُ يُوجِبُ الرِّضا وما في الآيَةِ مِن هَذا القِسْمِ، والمَعْنى المُوجِبُ لِلرِّضا فِيها هو المُبايَعَةُ، وإذا ذُكِرَ مَعَ العَيْنِ مَعْنًى بِالباءِ فَقِيلَ رَضِيتُ عَنْ زَيْدٍ بِإحْسانِهِ كانَتِ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وجازَ أنْ تَكُونَ صِلَةً وتَتَعَيَّنُ لِلسَّبَبِيَّةِ مَعَ مُقابَلَةِ نَحْوِ سَخِطْتُ عَلَيْهِ بِإساءَتِهِ وهو مَعَ الباءِ نَحْوَ رَضِيتُ بِهِ يَجِبُ دُخُولُهُ عَلى المَعْنى إلّا إذا دَخَلَ عَلى الذّاتِ تَمْهِيدًا لِلْمَعْنى لِيَكُونَ أبْلَغَ فَتَقُولُ: رَضِيتُ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى ورَضِيتُ بِاللَّهِ تَعالى رَبًّا وقاضِيًا، وإذا عُدِّيَ بِنَفْسِهِ جازَ دُخُولُهُ عَلى الذّاتِ نَحْوَ رَضِيتُ زَيْدًا وإنْ كانَ بِاعْتِبارِ المَعْنى تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّهُ مَرْضِيٌّ بِتِلْكَ الخَصْلَةِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ، وجازَ دُخُولُهُ عَلى المَعْنى كَرَضِيتُ إمارَةَ فُلانٍ، والأوَّلُ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، وإذا اسْتُعْمِلَ مَعَ اللّامِ تَعَدّى بِنَفْسِهِ كَقَوْلِكَ: رَضِيتُ لَكَ التِّجارَةَ، وفِيهِ تَجَوُّزٌ إمّا لِجَعْلِ الرِّضا مَجازًا عَنِ الِاسْتِحْمادِ وإمّا لِأنَّكَ جَعَلْتَ كَوْنَهُ مُرْضِيًا لَهُ بِمَنزِلَةِ كَوْنِهِ مُرْضِيًا لَكَ مُبالَغَةً في أنَّهُ في نَفْسِهِ مَرْضِيٌّ مَحْمُودٌ وأنَّكَ تَخْتارُ لَهُ ما تَخْتارُ لِنَفْسِكَ وهَذا أبْلَغُ، ثُمَّ هو في حَقِّ الحَقِّ تَعالى شَأْنُهُ مُحالٌ عِنْدَ الخُلْفِ قالُوا: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا تَحْدُثُ لَهُ صِفَةٌ عَقِيبَ أمْرٍ البَتَّةَ، فَهو عِنْدَهم مَجازٌ إمّا مِن أسْماءِ الصِّفاتِ إذا فُسِّرَ بِإرادَةِ أنْ يُثِيبَهم إثابَةَ مَن رَضِيَ عَمَّنْ تَحْتَ يَدِهِ، وإمّا مِن أسْماءِ الأفْعالِ إذا فُسِّرَ بِالإثابَةِ وكَذا إذا أُرِيدَ الِاسْتِحْمادُ وفي البَحْرِ أنَّ العامِلَ بِإذْ في الآيَةِ هو رَضِيَ وهو هُنا بِمَعْنى إظْهارِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ فَهو صِفَةُ فِعْلٍ لا صِفَةُ ذاتٍ لِيَتَقَيَّدَ بِالزَّمانِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السَّلَفَ لا يُؤَوِّلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ ويُثْبِتُونَهُ لَهُ تَعالى عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِهِ سُبْحانَهُ ويَصْرِفُونَ الحُدُوثَ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ التَّقْيِيدُ بِالزَّمانِ إلى التَّعَلُّقِ، ثُمَّ إنَّ تَقْيِيدَ الرِّضا بِزَمانِ المُبايَعَةِ يُشْعِرُ بِعِلِّيَّتِها لَهُ فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِ إذْ لِلتَّعْلِيلِ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ المُبايَعَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِيُبايِعُونَكَ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ، وفي التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ وقْعِ تِلْكَ المُبايَعَةِ وأنَّها لَمْ تَكُنْ عَنْ خَوْفٍ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِذا اسْتَوْجَبَتْ رِضا اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا يُعادِلُهُ شَيْءٌ ويَسْتَتْبِعُ ما لا يَكادُ يَخْطِرُ عَلى بالٍ ويَكْفِي فِيما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ ما أخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ جابِرٍ.
ومُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ بَشَرٍ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(لا يَدْخُلُ النّارَ أحَدٌ مِمَّنْ بايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)».
وقَدْ «قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ عِنْدَ حَفْصَةَ فَقالَتْ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ فانْتَهَرَها فَقالَتْ: ﴿ وإنْ مِنكم إلا وارِدُها ﴾ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ﴾ ».
وصَحَّ بِرِوايَةِ الشَّيْخَيْنِ وغَيْرِهِما في أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهم: أنْتُمْ خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مَن يَدَّعِي الإسْلامَ حُبُّهم وتَعْظِيمُهم والرِّضا عَنْهم وإنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ لا يَضُرُّهم بَعْدَ رِضا اللَّهِ تَعالى عَنْهم، وعُثْمانُ مِنهم بَلْ كانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كَما قالَ أنَسٌ - خَيْرًا مِن أيْدِيهِمْ لِأنْفُسِهِمْ ﴿ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ ﴾ أيْ مِنَ الصِّدْقِ والإخْلاصِ في مُبايَعَتِهِمْ، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ وعَنِ الفَرّاءِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ، ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: مِنَ الإيمانِ وصِحَّتِهِ وحُبِّ الدِّينِ والحِرْصِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مِنَ الهَمِّ والأنَفَةِ مِن لِينِ الجانِبِ لِلْمُشْرِكِينَ وصُلْحِهِمْ، واسْتَحْسَنَهُ أبُو حَيّانَ والأوَّلُ عِنْدِي أحْسَنُ.
وهُوَ عَطْفٌ عَلى ( يُبايِعُونَكَ ) لِما عَرَفْتَ مِن أنَّهُ بِمَعْنى بايَعُوكَ، وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى ( رَضِيَ ) بِتَأْوِيلِهِ بِظَهْرِ عِلْمِهِ فَيَصِيرُ مُسَبَّبًا عَنِ الرِّضا مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ ﴿ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ﴾ أيِ الطُّمَأْنِينَةَ والأمْنَ وسُكُونَ النَّفْسِ والرَّبْطَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِالتَّشْجِيعِ، وقِيلَ: بِالصُّلْحِ ولَيْسَ بِذاكَ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ( فَعَلِمَ) .
وفِي الإرْشادِ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ( رَضِيَ ) وظاهِرُ كَلامِ أبِي حَيّانَ الأوَّلُ وحَيْثُ اسْتَحْسَنَ تَفْسِيرَ ما في القُلُوبِ بِما سَمِعْتَ آنِفًا قالَ: إنَّ السَّكِينَةَ هُنا تَقْرِيرُ قُلُوبِهِمْ وتَذْلِيلُها لِقَبُولِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ مُقاتِلٌ: فَعَلِمَ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ مِن كَراهَةِ البَيْعَةِ عَلى أنْ يُقاتِلُوا مَعَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى المَوْتِ فَأنْزَلَ السِّكِّينَةَ عَلَيْهِمْ حَتّى بايَعُوا وتُفَسَّرُ ( السَّكِينَةَ ) بِتَذْلِيلِ قُلُوبِهِمْ ورَفْعِ كَراهَةِ البَيْعَةِ عَنْها، ولَعَمْرِي إنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَعْرِفْ لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم حَقَّهم وحَمَلَ كَلامَ اللَّهِ تَعالى عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ ﴿ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وغَيْرُهم: هو فَتْحُ خَيْبَرَ وكانَ غَبَّ انْصِرافِهِمْ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ، وقالَ الحَسَنُ: فَتْحُ هَجَرَ، والمُرادُ هَجَرُ البَحْرَيْنِ وكانَ فُتِحَ في زَمانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِدَلِيلِ كِتابِهِ إلى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ في الصَّدَقاتِ والدِّياتِ.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صالَحَ أهْلَ البَحْرَيْنِ وأخَذَ الجِزْيَةَ مِن مَجُوسِ هَجَرَ والفَتْحُ لا يَسْتَدْعِي سابِقَةَ الغَزْوِ كَما عَلِمْتَ مِمّا سَبَقَ في تَفْسِيرِهِ فَسَقَطَ قَوْلُ الطَّيِّبِيِّ مُعْتَرِضًا عَلى الحَسَنِ: إنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِنَ الأئِمَّةِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَزا هَجَرًا.
نَعَمْ إطْلاقُ الفَتْحِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ قَلِيلٌ غَيْرُ شائِعٍ بَلْ قِيلَ هو مَعْنًى مَجازِيٌّ لَهُ، وقِيلَ: هو فَتْحُ مَكَّةَ والقُرْبُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ، وقَرَأ الحَسَنُ.
ونُوحٌ القارِّيُّ (وآتاهُمْ) أيْ أعْطاهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها ﴾ هي مَغانِمُ خَيْبَرَ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ وقَسَّمَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما فِي حَدِيثِ أحْمَدَ وأبِي داوُدَ والحاكِمِ وصَحَّحَهُ عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ جارِيَةَ الأنْصارِيِّ فَأعْطى لِلْفارِسِ سَهْمَيْنِ وكانَ مِنهم ثَلاثُمِائَةِ فارِسٍ ولِلرّاجِلِ سَهْمًا، وقِيلَ: مَغانِمُ هَجَرَ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ، ودُلْبَةُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ورْشٍ وأبُو دِحْيَةَ وسِقْلابٌ عَنْ نافِعٍ والأنْطاكِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ (تَأْخُذُونَها) بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِتَشْرِيفِهِمْ في الِامْتِنانِ ﴿ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا ﴾ غالِبًا ﴿ حَكِيمًا ﴾ مُراعِيًا لِمُقْتَضى الحِكْمَةِ في أحْكامِهِ تَعالى وقَضاياهُ جَلَّ شَأْنُهُ <div class="verse-tafsir"
﴿ وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً ﴾ هي عَلى ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ مِنَ المَغانِمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿ تَأْخُذُونَها ﴾ في أوْقاتِها المُقَدَّرَةِ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها ﴿ فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ ﴾ أيْ مَغانِمَ خَيْبَرَ ﴿ وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ ﴾ أيْدِيَ أهْلِ خَيْبَرَ وحُلَفائِهِمْ مَن بَنِي أسَدٍ وغَطَفانَ حِينَ جاءُوا لِنُصْرَتِهِمْ فَقَذَفَ اللَّهُ تَعالى في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَنَكَصُوا، وقالَ مُجاهِدٌ: كَفَّ أيْدِيَ أهْلِ مَكَّةَ بِالصُّلْحِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: كَفَّ اليَهُودَ عَنِ المَدِينَةِ بَعْدَ خُرُوجِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى الحُدَيْبِيَةِ وإلى خَيْبَرَ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ: المَغانِمُ الكَثِيرَةُ المَوْعُودَةُ مَغانِمُ خَيْبَرَ والمُعَجَّلَةُ البَيْعَةُ والتَّخَلُّصُ مِن أمْرِ قُرَيْشٍ بِالصُّلْحِ، والجُمْهُورُ عَلى ما قَدَّمْناهُ، والمُناسَبَةُ لِما مَرَّ مِن ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِطَرِيقِ الخِطابِ وغَيْرِهِ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ ﴾ تَقْتَضِي عَلى ما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الأفاضِلِ أنَّ هَذا جارٍ عَلى نَهْجِ التَّغْلِيبِ وإنِ احْتَمَلَ تَلْوِينَ الخِطابِ فِيهِ، وذَكَرَ الجَلْبِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ ﴾ إلَخْ أنَّهُ إنْ كانَ نُزُولُها بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ كَما هو الظّاهِرُ لا تَكُونُ السُّورَةُ بِتَمامِها نازِلَةً في مَرْجِعِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ وإنْ كانَ قَبْلَهُ عَلى أنَّها مِنَ الإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ فالإشارَةُ بِهَذِهِ لِتَنْزِيلِ المَغانِمِ مَنزِلَةَ الحاضِرَةِ المُشاهَدَةِ والتَّعْبِيرُ بِالمُضِيِّ لِلتَّحَقُّقِ انْتَهى، واخْتِيرَ الشِّقُّ الأوَّلُ، وقَوْلُهم: نَزَلَتْ في مَرْجِعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ بِاعْتِبارِ الأكْثَرِ أوْ عَلى ظاهِرِهِ لَكِنْ يُجْعَلُ المَرْجِعُ اسْمَ زَمانٍ مُمْتَدٍّ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ ظاهِرَ الأخْبارِ يَقْتَضِي عَدَمَ الِامْتِدادِ وأنَّها نَزَلَتْ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ فَلَعَلَّ الأوْلى اخْتِيارُ الشِّقِّ الثّانِي، والإشارَةُ بِهَذِهِ إلى المَغانِمِ الَّتِي أثابَهم إيّاها المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ ﴿ ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها ﴾ وهي مَغانِمُ خَيْبَرَ، وإذا جُعِلَتِ الإشارَةُ إلى البَيْعَةِ كَما سُمِعَتْ عَنْ زَيْدٍ وابْنِهِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمْ يُحْتَجْ إلى تَأْوِيلِ نُزُولِها في مَرْجِعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿ ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ، قِيلَ: لِلْكَفِّ المَفْهُومِ مِن ﴿ كَفَّ ﴾ والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ، وقِيلَ: لِلْكِفَّةِ فَأمْرُ التَّأْنِيثِ ظاهِرٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِمَغانِمِ خَيْبَرَ المُشارِ إلَيْها بِهَذِهِ والآيَةُ الأمارَةُ أيْ ولِتَكُونَ أمارَةً لِلْمُؤْمِنِينَ يَعْرِفُونَ بِها أنَّهم مِنَ اللَّهِ تَعالى بِمَكانٍ أوْ يَعْرِفُونَ بِها صِدْقَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في وعْدِهِ إيّاهم فَتْحَ خَيْبَرَ وما ذَكَرَ مِنَ المَغانِمِ وفَتْحَ مَكَّةَ ودُخُولَ المَسْجِدِ الحَرامِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ أيْ ولِتَكُونَ آيَةٌ لَهم فَعَلَ ما فَعَلَ أوْ بِما تُعَلِّقُ بِهِ عِلَّةٌ أُخْرى مَحْذُوفَةٌ مِن أحَدِ الفِعْلَيْنِ السّابِقَيْنِ أيْ فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ أوْ كَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم لِتَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ ولِتَكُونَ آيَةً، فالواوُ كَما في الإرْشادِ عَلى الأوَّلِ اعْتِراضِيَّةٌ وعَلى الثّانِي عاطِفَةٌ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ الواوُ زائِدَةٌ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَفَّ أوْ بِعَجَّلَ ﴿ ويَهْدِيَكُمْ ﴾ بِتِلْكَ الآيَةِ ﴿ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ هو الثِّقَةُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى والتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وأُخْرى ﴾ عَطْفٌ عَلى ( هَذِهِ ) في ﴿ فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ المَغانِمَ وعَجَّلَ لَكم مَغانِمَ أُخْرى وهي مَغانِمُ هَوازِنَ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، والتَّعْجِيلُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما بَعْدُ فَيَجُوزُ تَعَدُّدُ المُعَجَّلِ كالِابْتِداءِ بِشَيْئَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ ووَصَفَها بِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلَيْها لِما كانَ فِيها مِنَ الجَوْلَةِ قَبْلَ ذَلِكَ لِزِيادَةِ تَرْغِيبِهِمْ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها ﴾ في مَوْضِعِ صِفَةٍ أُخْرى - لِأُخْرى - مُفِيدَةٌ لِسُهُولَةِ تَأتِّيها بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ بَيانِ صُعُوبَةِ مَنالِها بِالنَّظَرِ إلى قُدْرَتِهِمْ، والإحاطَةُ مَجازٌ عَنِ الِاسْتِيلاءِ التّامِّ أيْ قَدْ قَدَرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها واسْتَوْلى فَهي في قَبْضِ قُدْرَتِهِ تَعالى يُظْهِرُ عَلَيْها مَن أرادَ، وقَدْ أظْهَرَكم جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيْها وأظْفَرَكم بِها، وقِيلَ: مَجازٌ عَنِ الحِفْظِ أيْ قَدْ حَفِظَها لَكم ومَنَعَها مِن غَيْرِكم، والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ﴾ أوْفَقُ بِالأوَّلِ، وعُمُومُ قُدْرَتِهِ تَعالى لِكَوْنِها مُقْتَضى الذّاتِ فَلا يُمْكِنُ أنْ تَتَغَيَّرَ ولا أنْ تَتَخَلَّفَ وتَزُولَ عَنِ الذّاتِ بِسَبَبٍ ما كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، فَتَكُونُ نِسْبَتُها إلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ عَلى سَواءٍ مِن غَيْرِ اخْتِصاصٍ بِبَعْضٍ مِنها دُونَ بَعْضٍ وإلّا كانَتْ مُتَغايِرَةً بَلْ مُخْتَلِفَةً، وجُوِّزَ كَوْنُ ( أُخْرى ) مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها مِثْلَ قَضى.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ الإخْبارَ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ انْدِراجِها في جُمْلَةِ الغَنائِمِ المَوْعُودِ بِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها ﴾ لَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ فائِدَةٍ وإنَّما الفائِدَةُ في بَيانِ تَعْجِيلِها، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ المَغانِمَ الكَثِيرَةَ المَوْعُودَةَ لَيْسَتْ مُعَيَّنَةً لِيَدْخُلَ فِيها الأُخْرى، ولَوْ سَلِمَ فَلَيْسَ المَقْصُودُ بِالإفادَةِ كَوْنَها مَقْضِيَّةً بَلْ ما بَعْدَهُ فَتَدَبَّرْ، وجُوِّزَ كَوْنُها مَرْفُوعَةً بِالِابْتِداءِ والجُمْلَةُ بَعْدَها صِفَةٌ وجُمْلَةُ قَدْ أحاطَ إلَخْ خَبَرُها، واسْتَظْهَرَ هَذا الوَجْهَ أبُو حَيّانَ، وقالَ بَعْضٌ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ثَمَّتْ أوْ نَحْوُهُ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَها مَجْرُورَةً بِإضْمارِ رُبَّ كَما في قَوْلِهِ: ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أرْخى سُدُولَهُ.
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ غَرابَةً لِأنَّ رُبَّ لَمْ تَأْتِ في القُرْآنِ العَظِيمِ جارَّةً مَعَ كَثْرَةِ وُرُودِ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ فَكَيْفَ تُضْمَرُ هُنا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الغَرابَةِ لا تَضُرُّ، هَذا وتَفْسِيرُ الأُخْرى بِمَغانِمِ هَوازِنَ قَدْ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: هي مَكَّةُ وقَدْ حاوَلُوها عامَ الحُدَيْبِيَةَ ولَمْ يُدْرِكُوها فَأُخْبِرُوا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُظْفِرُهم بِها ويُظْهِرُهم عَلَيْها، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ، ورُوِيَتْ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّها بِلادُ فارِسَ والرُّومِ وما فَتَحَهُ المُسْلِمُونَ، وهو غَيْرُ ظاهِرٍ عَلى تَفْسِيرِ المَغانِمِ الكَثِيرَةِ المَوْعُودَةِ فِيما سَبَقَ بِما وعَدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ المُسْلِمِينَ مِنَ المَغانِمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأيْضًا تَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنْ ﴿ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها ﴾ يُشْعِرُ بِتَقَدُّمِ مُحاوَلَةٍ لِتِلْكَ البِلادِ وفَواتِ دَرْكِها المَطْلُوبِ مَعَ أنَّهُ لَمْ تَتَقَدَّمْ مُحاوَلَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي خَيْبَرُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ وإسْحَقَ وابْنِ زَيْدٍ أيْضًا، وفِيهِ خَفاءٌ فَلا تَغْفُلْ <div class="verse-tafsir"
﴿ ولَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ مِن أهْلِ مَكَّةَ ولَمْ يُصالِحُوكم كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهم حَلِيفا أهْلِ خَيْبَرَ أسَدٌ: وغَطَفانُ، وقِيلَ: اليَهُودُ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿ لَوَلَّوُا الأدْبارَ ﴾ أيْ لانْهَزَمُوا فَتَوْلِيَةُ الدُّبُرِ كِنايَةٌ عَنِ الهَزِيمَةِ ﴿ ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا ﴾ يَحْرُسُهم، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّ الحارِسَ أحَدُ مَعانِي الوَلِيِّ، وتَفْسِيرُهُ هُنا بِذَلِكَ لِمُناسَبَتِهِ لِلْمُنْهَزِمِ، وقالَ الرّاغِبُ: كُلُّ مِن ولِيَ أمْرَ آخَرَ فَهو ولِيُّهُ، وعَلَيْهِ فالحارِسُ ولِيٌّ لِأنَّهُ يَلِي أمْرَ المَحْرُوسِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْمِيمِ أيْ لا يَجِدُونَ فَرْدًا ما مِنَ الأوْلِياءِ ﴿ ولا نَصِيرًا ﴾ ولا فَرْدًا ما مِنَ النّاصِرِينَ يَنْصُرُهم، وقالَ الإمامُ: أُرِيدَ بِالوَلِيِّ: مَن يَنْفَعُ بِاللُّطْفِ وبِالنَّصِيرِ مَن يَنْفَعُ بِالعُنْفِ <div class="verse-tafsir"
﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ سَنَّ سُبْحانَهُ غَلَبَةَ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمِ السَّلامُ سُنَّةً قَدِيمَةً فِيمَن مَضى مِنَ الأُمَمِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي ﴾ عَلى ما هو المُتَبادَرُ مِن مَعْناهُ، ولَعَلَّ المُرادَ أنَّ سُنَّتَهُ تَعالى أنْ تَكُونَ العاقِبَةُ لِأنْبِيائِهِ عَلَيْهِمِ السَّلامُ لا أنَّهم كُلَّما قاتَلُوا الكُفّارَ غَلَبُوهم وهَزَمُوهم ﴿ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا ﴾ تَغْيِيرًا <div class="verse-tafsir"
﴿ وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ ﴾ أيْ أيْدِيَ كُفّارِ مَكَّةَ، وفي التَّعْبِيرِ- بِكَفَّ- دُونَ مَنَعَ ونَحْوِهِ لُطْفٌ لا يَخْفى ﴿ وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ ﴾ يَعْنِي الحُدَيْبِيَةَ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ بَعْضَها مِن حَرَمِ مَكَّةَ، وإنْ لَمْ يَسْلَمْ فالقُرْبُ التّامُّ كافٍ ويَكُونُ إطْلاقُ (بَطْنِ مَكَّةَ) عَلَيْها مُبالَغَةً ﴿ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكُمْ ﴾ مُظْهِرًا لَكم ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ فَتَعْدِيَةُ الفِعْلِ بِعَلى لِتَضَمُّنِهِ ما يَتَعَدّى بِهِ وهو الإظْهارُ والإعْلاءُ أيْ جَعَلَكم ذَوِي غَلَبَةٍ تامَّةٍ.
أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حَمَيْدٍ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ في آخَرِينَ عَنْ أنَسٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ الحُدَيْبِيَةِ هَبَطَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ ثَمانُونَ رَجُلًا مِن أهْلِمَكَّةَ في السِّلاحِ مِن قِبَلِ جَبَلِ التَّنْعِيمِ يُرِيدُونَ غِرَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَدَعا عَلَيْهِمْ فَأُخِذُوا فَعَفا عَنْهم فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ وهُوَ الَّذِي كَفَّ ﴾ إلَخْ، وأخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قالَ: كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أصْلِ الشَّجَرَةِ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ إلى أنْ قالَ: فَبَيْنا نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ خَرَجَ عَلَيْنا ثَلاثُونَ شابًّا عَلَيْهِمِ السِّلاحُ فَثارُوا إلى وُجُوهِنا فَدَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخَذَ اللَّهُ تَعالى بِأسْماعِهِمْ - ولَفْظُ الحاكِمِ بِأبْصارِهِمْ - فَقُمْنا إلَيْهِمْ فَأخَذْناهم فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هَلْ جِئْتُمْ في عَهْدِ أحَدٍ أوْ هَلْ جَعَلَ لَكم أحَدٌ أمانًا؟
فَقالُوا: لا فَخَلّى سَبِيلَهم فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ ﴾ إلَخْ».
وأخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: «قَدِمْنا الحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونَحْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً ثُمَّ إنَّ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ راسَلُونا إلى الصُّلْحِ فَلَمّا اصْطَلَحْنا واخْتَلَطَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ أتَيْتُ شَجَرَةً فاضْطَجَعْتُ في ظِلِّها فَأتانِي أرْبَعَةٌ مِن مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ فَجَعَلُوا يَقَعُونَ في رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأبْغَضْتُهم وتَحَوَّلْتُ الى شَجَرَةٍ أُخْرى فَعَلَّقُوا سِلاحَهم واضْطَجَعُوا فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ نادى مُنادٍ مِن أسْفَلِ ما لِلْمُهاجِرِينَ قُتِلَ ابْنُ زَنِيمٍ فاخْتَرَطْتُ سَيْفِي فاشْتَدَّتْ عَلى أُولَئِكَ الأرْبَعَةِ وهم رُقُودٌ فَأخَذْتُ سِلاحَهم وجَعَلْتُهُ في يَدِي ثُمَّ قُلْتُ: والَّذِي كَرَّمَ وجْهَ مُحَمَّدٍ لا يَرْفَعُ أحَدٌ مِنكم رَأْسَهُ إلّا ضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْناهُ ثُمَّ جِئْتُ بِهِمْ أسُوقُهم إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجاءَ عَمِّي عامِرٌ بِرَجُلٍ يُقالُ لَهُ مُكَرَّزٌ مِنَ المُشْرِكِينَ يَقُودُهُ حَتّى وقَفْنا بِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سَبْعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَنَظَرَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالَ: دَعُوهم يَكُونُ لَهم بَدْءُ الفُجُورِ وثَناهُ فَعَفا عَنْهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وهُوَ الَّذِي كَفَّ ﴾ إلَخْ،» وهَذا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ ما قُلْناهُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ أبْزى قالَ: «لَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالهَدْيِ وانْتَهى إلى ذِي الحُلَيْفَةِ قالَ لَهُ عَمِّي: يا نَبِيَّ اللَّهِ تَدْخُلُ عَلى قَوْمٍ لَكَ حَرْبٌ بِغَيْرِ سِلاحٍ ولا كُراعٍ فَبَعَثَ إلى المَدِينَةِ فَلَمْ يَدَعْ فِيها كُراعًا ولا سِلاحًا إلّا حَمَلَهُ فَلَمّا دَنا مِن مَكَّةَ مَنَعُوهُ أنْ يَدْخُلَ فَسارَ حَتّى أتى مِنًى فَنَزَلَ بِها فَأتاهُ عَيْنُهُ أنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ قَدْ جَمَعَ عَلَيْكَ في خَمْسِمِائَةٍ فَقالَ لِخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ: يا خالِدُ هَذا ابْنُ عَمِّكَ قَدْ أتاكَ في الخَيْلِ فَقالَ خالِدٌ: أنا سَيْفُ اللَّهِ وسَيْفُ رَسُولِهِ فَيَوْمَئِذٍ سُمِّيَ سَيْفَ اللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ارْمِ بِي إنْ شِئْتَ فَبَعَثَهُ عَلى خَيْلٍ فَلَقِيَهُ عِكْرِمَةُ في الشِّعْبِ فَهَزَمَهُ حَتّى أدْخَلَهُ حِيطانَ مَكَّةَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وهُوَ الَّذِي ﴾ الآيَةَ».
وفي البَحْرِ أنَّ خالِدًا هَزَمَهم حَتّى دَخَلُوا بُيُوتَ مَكَّةَ وأسَرَ مِنهم جُمْلَةً فَسِيقُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَمَنَّ عَلَيْهِمْ وأطْلَقَهم، والخَبَرُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ إسْلامَ خالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ عُمْرَةِ القَضاءِ، وقِيلَ بَعْدَها وهي في السَّنَةِ السّابِعَةِ.
ورَوى ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ «أنَّ خالِدًا كانَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَلى خَيْلِ قُرَيْشٍ في مِائَتَيْ فارِسٍ قَدِمَ بِهِمْ إلى كُراعٍ الغَمِيمِ فَدَنا حَتّى نَظَرَ إلى أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَبّادَ بْنَ بِشْرٍ فَتَقَدَّمَ بِخَيْلِهِ فَقامَ بِإزائِهِ وصَفَّ أصْحابَهُ وحانَتْ صَلاةُ الظُّهْرِ فَصَلّى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأصْحابِهِ صَلاةَ الخَوْفِ»، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ أرْسَلُوا جُمْلَةً مِنَ الفَوارِسِ في الحُدَيْبِيَةَ يُرِيدُونَ الوَقِيعَةَ بِالمُسْلِمِينَ فَأظْهَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالحِجارَةِ حَتّى أدْخَلُوهُمُ البُيُوتَ، وأنْكَرَ بَعْضُهم ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ الخَبَرِ.
وقِيلَ: كانَ هَذا الكَفُّ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، واسْتَشْهَدَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ بِما في الآيَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكُمْ ﴾ بِناءً عَلى هَذا القَوْلِ لِفَتْحِ مَكَّةَ عَنْوَةً.
واعْتَرَضَ القَوْلُ المَذْكُورُ والِاسْتِشْهادُ بِالآيَةِ بِناءً عَلَيْهِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّها نَزَلَتْ بِتَمامِها قَبْلَهُ فَلَيْسَ بِثابِتٍ بَلْ بَعْضُ الآثارِ يُشْعِرُ بِخِلافِهِ وإلّا فَلا يُفِيدُ مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ كَما قِيلَ ذَلِكَ في غَيْرِهِ مِن بَعْضِ آياتِ السُّورَةِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ دَلالَتَها عَلى العَنْوَةِ مَمْنُوعَةٌ، فَقَدْ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفَتْحُ هو الظَّفَرُ بِالشَّيْءِ سَواءٌ كانَ عَنْوَةً أوْ صُلْحًا، والفَرْقُ بَيْنَ الظَّفَرِ عَلى الشَّيْءِ والظَّفَرِ بِهِ مِن حَيْثُ الِاسْتِعْلاءُ وهو كائِنٌ لِأنَّهُمُ اصْطَلَحُوا وهم مُضْطَرُّونَ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ مُخْتارُونَ، وفِيهِ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى وكَذا فِيما تُعُقِّبَ بِهِ الأوَّلُ.
وبِالجُمْلَةِ هَذا القَوْلُ وكَذا الِاسْتِشْهادُ بِما في الآيَةِ بِناءٌ غَيْرُ بَعِيدٍ إلّا أنَّ أكْثَرَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ وكَذا ما بَعْدُ يُؤَيِّدُ ما قُلْناهُ أوَّلًا في تَفْسِيرِ الآيَةِ ﴿ وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ بِعَمَلِكم أوْ بِجَمِيعِ ما تَعْمَلُونَهُ ومِنهُ العَفْوُ بَعْدَ الظَّفَرِ ﴿ بَصِيرًا ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (يَعْمَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ فالكَلامُ عَلَيْهِ تَهْدِيدٌ لِلْكُفّارِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ أنْ تَصِلُوا إلَيْهِ وتَطُوفُوا بِهِ ﴿ والهَدْيَ ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ﴿ صَدُّوكُمْ ﴾ أيْ وصَدُّوا الهَدْيَ وهو ما يُهْدى إلى البَيْتِ، قالَ الأخْفَشُ: الواحِدَةُ هَدْيَةٌ ويُقالُ لِلْأُنْثى هَدْيٌ كَأنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ.
وفي البَحْرِ إسْكانُ دالِهِ لُغَةُ قُرَيْشٍ وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ والحَسَنُ وعِصْمَةُ عَنْ عاصِمٍ واللُّؤْلُؤِيُّ وخارِجَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِكَسْرِ الدّالِ وتَشْدِيدِ الياءِ وذَلِكَ لُغَةٌ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ، وكانَ هَذا الهَدْيُ سَبْعِينَ بَدَنَةً عَلى ما هو المَشْهُورُ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ مِائَةَ بَدَنَةٍ.
وقَرَأ الجُعْفِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو (الهَدْيِ) بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ بِحَذْفِ المُضافِ أيْ ونَحْرَ الهَدْيِ.
وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ وصَدِّ الهَدْيِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مَعْكُوفًا ﴾ حالٌ مِنَ ( الهَدْيَ ) عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ، وقِيلَ: عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( الهَدْيُ ) مُبْتَدَأٌ والكَلامُ نَحْوَ حُكْمُكَ مَسْمَطًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ( ونَحْنُ عُصْبَةٌ ) عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ وهو كَما تَرى، والمَعْكُوفُ المَحْبُوسُ يُقالُ: عَكَفْتُ الرَّجُلَ عَنْ حاجَتِهِ حَبَسْتُهُ عَنْها، وأنْكَرَ أبُو عَلِيٍّ تَعْدِيَةَ عَكَفَ وحَكاها ابْنُ سِيدَهْ والأزْهَرِيُّ وغَيْرُهُما، وظاهِرُ ما في الآيَةِ مَعَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ ( الهَدْيَ ) كَأنَّهُ قِيلَ: وصَدُّوا بُلُوغَ الهَدْيِ مَحَلَّهُ أوْ صَدُّوا عَنْ بُلُوغِ الهَدْيِ أوْ وصَدَّ بُلُوغَ الهَدْيِ حَسَبَ اخْتِلافِ القِراءاتِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ لِلصَّدِّ أيْ كَراهَةَ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ مَجْرُورًا بِلامٍ مُقَدَّرَةٍ.
لِمَعْكُوفًا.
أيْ مَحْبُوسًا لِأجْلِ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ويَكُونُ الحَبْسُ مِنَ المُسْلِمِينَ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِنَزْعِ الخافِضِ وهو مِن أوْ عَنْ أيْ مَحْبُوسًا مِن أوْ عَنْ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ فَيَكُونُ الحَبْسُ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلى ما هو الظّاهِرُ، ومَحِلُّ الهَدْيِ مَكانٌ يَحِلُّ فِيهِ نَحْرُهُ أيْ يَسُوغُ أوْ مَكانُ حُلُولِهِ أيْ وُجُوبِهِ ووُقُوعِهِ كَما نُقِلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ، والمُرادُ مَكانُهُ المَعْهُودُ وهو مِنًى، أمّا عَلى رَأْيِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلِأنَّ مَكانَهُ لِمَن مَنَعَ حَيْثُ مَنَعَ فَيَكُونُ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ ولِذا نَحَرُوا هُناكَ أعْنِي في الحُدَيْبِيَةِ، وأمّا عَلى رَأْيِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلِأنَّ مَكانَهُ الحَرَمُ مُطْلَقًا وبَعْضُ الحُدَيْبِيَةِ حَرَمٌ عِنْدِهِ وقَدْ رَوَوْا أنَّ مَضارِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَتْ في الحِلِّ مِنها ومُصَلّاهُ في الحَرَمِ والنَّحْرُ قَدْ وقَعَ فِيما هو حَرَمٌ فَيَكُونُ الهَدْيُ بالِغًا مَحِلَّهُ غَيْرَ مَعْكُوفٍ عَنْ بُلُوغِهِ فَلا بُدَّ مِن إرادَةِ المَعْهُودِ لِيَتَسَنّى ذَلِكَ، وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الآيَةَ دَلِيلٌ لِأبِي حَنِيفَةَ عَلى أنَّ المَمْنُوعَ مَحِلُّ هَدْيِهِ الحَرَمُ ثُمَّ تَكَلَّمَ بِما لا يَخْفى حالُهُ عَلى مَن راجَعَهُ.
ومِنَ النّاسِ مَن قَرَّرَ الِاسْتِدْلالَ بِأنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ يَكُونُ بِمَعْنى الحَرَمِ وهَمَّ لَمّا صَدُّوهم عَنْهُ ومَنَعُوا هَدْيَهم أنْ يَدْخُلَهُ فَيَصِلَ إلى مَحِلِّهِ دَلَّ بِحَسَبِ الظّاهِرِ عَلى أنَّهُ مَحِلُّهُ، ثُمَّ قالَ: ولا يُنافِيهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَحَرَ في طَرَفٍ مِنهُ كَما لا يُنافى الصَّدُّ عَنْهُ كَوْنَ مُصَلّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِ لِأنَّهم مَنَعُوهم فَلَمْ يَمْتَنِعُوا بِالكُلِّيَّةِ وهو كَما تَرى.
والإنْصافُ أنَّهُ لا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى هَذا المَطْلَبِ أصْلًا.
وطَعَنَ بَعْضُ أجِلَّةِ الشّافِعِيَّةِ في كَوْنِ شَيْءٍ مِنَ الحُدَيْبِيَةَ مِنَ الحَرَمِ فَقالَ: إنَّهُ خِلافُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وحُدُودُ الحَرَمِ مَشْهُورَةٌ مِن زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا يُعْتَدُّ بِرِوايَةٍ شَذَّبَها الواقِدِيُّ كَيْفَ وقَدْ صَرَّحَ بِخِلافِها البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ الثِّقاتِ، والرِّوايَةُ عَنِ الزُّهْرِيِّ لَيْسَتْ بِثَبْتٍ انْتَهى، ولَعَلَّ مَن قالَ: بِأنَّ بَعْضَها مِنَ الحَرَمِ اسْتَنَدَ في ذَلِكَ إلى خَبَرٍ صَحِيحٍ.
ومِن قَواعِدِهِمْ أنَّ المُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ﴿ ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ صِفَةُ ( رِجالٌ ونِساءٌ ) عَلى تَغْلِيبِ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ.
وكانُوا عَلى ما أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ.
وغَيْرُهُ عَنْ أبِي جُمُعَةَ جُنْبُذِ بْنِ سَبُعٍ تِسْعَةَ نَفَرٍ سَبْعَةَ رِجالٍ وهو مِنهم وامْرَأتَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَطَئُوهُمْ ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهم وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ﴿ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ واسْتَبْعَدَهُ أبُو حَيّانَ، والوَطْءُ الدَّوْسُ واسْتُعِيرَ هُنا لِلْإهْلاكِ وهي اسْتِعارَةٌ حَسَنَةٌ وارِدَةٌ في كَلامِهِمْ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ وعْلَةَ الذُّهْلِيُّ: ووَطِئَتْنا وطْأً عَلى حَنَقٍ وطْءَ المُقَيَّدِ نابِتِ الهَرَمِ وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن حَدِيثِ: «(وإنَّ آخِرَ وطْأةٍ وطِئَها اللَّهُ تَعالى بِوَجٍّ)».
وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرَ)» ﴿ فَتُصِيبَكم مِنهُمْ ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِمْ ﴿ مَعَرَّةٌ ﴾ أيْ مَكْرُوهٌ ومَشَقَّةٌ مَأْخُوذٌ مِنَ العَرِّ والعَرَّةِ وهو الجَرَبُ الصَّعْبُ اللّازِمُ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي مَفْعَلَةٌ مِن عَرَّهُ إذا عَراهُ ودَهاهُ ما يَكْرَهُ، والمُرادُ بِها هُنا عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ تَعْيِيرُ الكُفّارِ وقَوْلُهم في المُؤْمِنِينَ: إنَّهم قَتَلُوا أهْلَ دِينِهِمْ، وقِيلَ: التَّأسُّفُ عَلَيْهِمْ وتَألُّمُ النَّفْسِ مِمّا أصابَهم.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَأْثَمُ بِقَتْلِهِمْ.
وقالَ ابْنُ إسْحَقَ: الدِّيَةُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكِلا القَوْلَيْنِ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا إثْمَ ولا دِيَةَ فِي قَتْلِ مُؤْمِنٍ مَسْتُورِ الإيمانِ بَيْنَ أهْلِ الحَرْبِ: وقالَ الطَّبَرِيُّ: هي الكَفّارَةُ.
وتَعَقَّبَ بَعْضُهم هَذا أيْضًا بِأنَّ في وُجُوبِ الكَفّارَةِ خِلافًا بَيْنَ الأئِمَّةِ.
وفي الفُصُولِ العِمادِيَّةِ ذِكْرٌ في تَأْسِيسِ النَّظائِرِ في الفِقْهِ قالَ أصْحابُنا: دارُ الحَرْبِ تَمْنَعُ وُجُوبَ ما يَنْدَرِئُ بِالشُّبَهاتِ لِأنَّ أحْكامَنا لا تَجْرِي في دارِهِمْ وحُكْمَ دارِهِمْ لا يَجْرِي في دارِنا.
وعِنْدَ الشّافِعِيِّ دارُ الحَرْبِ لا تَمْنَعُ وُجُوبَ ما يَنْدَرِئُ بِالشُّبَهاتِ، بَيانُ ذَلِكَ حَرْبِيٌّ أسْلَمَ في دارِ الحَرْبِ وقَتَلَ مُسْلِمًا دَخَلَ دارَهم بِأمانٍ لا قِصاصَ عَلَيْهِ عِنْدَنا ولا دِيَةَ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ القِصاصُ وعَلى هَذا لَوْ أنَّ مُسْلِمَيْنِ مُتَسامِنَيْنِ دَخَلا دارَ الحَرْبِ وقَتَلَ أحَدُهُما صاحِبَهُ لا قِصاصَ عَلَيْهِ عِنْدَنا وعِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَسْألَةً مُخْتَلَفًا فِيها بَيْنَ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ فَقالَ: إذا قَتَلَ أحَدُ الأسِيرَيْنِ صاحِبَهُ في دارِ الحَرْبِ لا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ إلّا الكَفّارَةَ لِأنَّهُ تَبَعٌ لَهم فَصارَ كَواحِدٍ مِن أهْلِ الحَرْبِ، وعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَجِبُ الدِّيَةُ لِأنَّ لَهُ حُكْمَ نَفْسِهِ فاعْتُبِرَ حُكْمُ نَفْسِهِ عَلى حِدَةٍ انْتَهى.
ونُقِلَ عَنِ الكافِي أنَّ مَن أسْلَمَ في دارِ الحَرْبِ ولَمْ يُهاجِرْ إلَيْنا وقَتَلَهُ مُسْلِمٌ عَمْدًا أوْ خَطَأً ولَهُ ورَثَةٌ مُسْلِمُونَ ثُمَّ لا يَضْمَنُ شَيْئًا إنْ كانَ عَمْدًا وإنْ كانَ خَطَأً ضَمِنَ الكَفّارَةَ دُونَ الدِّيَةِ انْتَهى وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ في مَحَلِّهِ، والزَّمَخْشَرِيُّ فَسَّرَ المَعَرَّةَ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ والكَفّارَةِ وسُوءِ قالَةِ المُشْرِكِينَ والمَأْثَمِ إذا جَرى مِنهم بَعْضُ التَّقْصِيرِ وهو كَما نَرى.
﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ في ﴿ تَطَئُوهُمْ ﴾ قِيلَ ولا تَكْرارَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ سَواءٌ كانَ ﴿ أنْ تَطَئُوهُمْ ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن ( رِجالٌ ونِساءٌ ) أوْ بَدَلًا مِنَ المَنصُوبِ في ﴿ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ أمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ حاصِلَ المَعْنى ولَوْلا مُؤْمِنُونَ لَمْ تَعْلَمُوا وطْأتَهم وإهْلاكَهم وأنْتُمْ غَيْرُ عالِمِينَ بِإيمانِهِمْ لِأنَّ احْتِمالَ أنَّهم يَهْلَكُونَ مِن غَيْرِ شُعُورٍ مَعَ إيمانِهِمْ سَبَبُ الكَفِّ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ العِلْمانِ فَمُتَعَلِّقُ العِلْمِ في الأوَّلِ الوَطْأةُ وفي الثّانِي أنْفُسُهم بِاعْتِبارِ الإيمانِ، وأمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) لِما كانَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿ تَطَئُوهُمْ ﴾ كانَ العِلْمُ بِهِمْ راجِعًا إلى العِلْمِ بِاعْتِبارِ الإهْلاكِ كَما تَقُولُ أهْلَكْتُهُ مِن غَيْرِ عِلْمٍ فَلا الإهْلاكُ مِن غَيْرِ شُعُورٍ ولا العِلْمُ بِإيمانِهِمْ حاصِلٌ والأمْرانِ لِكَوْنِهِما مَقْصُودَيْنِ بِالذّاتِ صَرَّحَ بِهِما وإنْ تَقارَبا أوْ تَلازَما في الجُمْلَةِ.
وجُوِّزَ أنْ يَجْعَلَ ﴿ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ﴾ كِنايَةً عَنِ الِاخْتِلاطِ كَما يُلَوِّحُ إلَيْهِ كَلامُ الكَشّافِ، وفِيهِ ما يَدْفَعُ التَّكْرارَ أيْضًا، وفي ذَلِكَ بَحْثٌ يُدْفَعُ بِالتَّأمُّلِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( مِنهم ) وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ( تُصِيبَكم )، أوْ صِفَةً لِمَعَرَّةٍ قِيلَ: وهو عَلى مَعْنى فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنَ الَّذِي يُعَيِّرُكم ويَعِيبُ عَلَيْكم، يَعْنِي إنْ وطِئْتُمُوهم غَيْرَ عالِمِينَ لَزِمَكم سُبَّةٌ مِنَ الكُفّارِ بِغَيْرِ عِلْمٍ أيْ لا يَعْلَمُونَ أنَّكم مَعْزُورُونَ فِيهِ أوْ عَلى مَعْنى لَمْ تَعْلَمُوا أنْ تطئوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنكم أيْ فَتَقْتُلُوهم بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنكم أوْ تُؤْذُوهم بِغَيْرِ عِلْمٍ فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ.
وجَوابُ ( لَوْلا ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، والمَعْنى عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا لَوْلا كَراهَةُ أنْ تُهْلِكُوا أُناسًا مُؤْمِنِينَ بَيْنَ ظَهَرانَيِ الكُفّارِ جاهِلِينَ بِهِمْ فَيُصِيبَكم بِإهْلاكِهِمْ مَكْرُوهٌ لَمّا كَفَّ أيْدِيَكم عَنْهم، وحاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى ولَوْ لَمْ يَكُفَّ أيْدِيَكم عَنْهم لانْجَرَّ الأمْرُ إلى إهْلاكِ مُؤْمِنِينَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ فَيُصِيبَكم مِن ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وهو عَزَّ وجَلَّ يَكْرَهُ ذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: دَفَعَ اللَّهُ تَعالى عَنِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ بِأُناسٍ مِنَ المُسْلِمِينَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، وظاهِرُ الأوَّلِ عَلى ما قِيلَ أنَّ عِلَّةَ الكَفِّ صَوْنُ المُخاطَبِينَ عَنْ إصابَةِ المَعَرَّةِ، وظاهِرُ هَذا أنَّ عِلَّتَهُ صَوْنُ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ عَنِ الوَطْءِ والأمْرُ فِيهِ سَهْلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ ﴾ عِلَّةٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الجَوابُ المَحْذُوفُ عَلى ما اخْتارَهُ في الإرْشادِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ كَفَّها عَنْهم لِيُدْخِلَ بِذَلِكَ الكَفِّ المُؤَدِّي إلى الفَتْحِ بِلا مَحْذُورٍ في رَحْمَتِهِ الواسِعَةِ ﴿ مَن يَشاءُ ﴾ وهم أُولَئِكَ المُؤْمِنُونَ وذَلِكَ بِأمْنِهِمْ وإزالَةِ اسْتِضْعافِهِمْ تَحْتَ أيْدِي المُشْرِكِينَ وبِتَوْفِيقِهِمْ لِإقامَةِ مَراسِمِ العِبادَةِ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِمَن يَشاءُ دُونَ الضَّمِيرِ بِأنْ يُقالَ: لِيُدْخِلَهُمُ اللَّهُ رَحْمَتَهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ عِلَّةَ الإدْخالِ المَشِيئَةُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ الجَمَّةِ والمَصالِحِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم عِلَّةً لِما يُفْهَمُ مِن صَوْنِ مَن بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والرَّحْمَةُ تَوْفِيقُهم لِزِيادَةِ الخَيْرِ والطّاعَةِ بِإبْقائِهِمْ عَلى عَمَلِهِمْ وطاعَتِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِمَن يَشاءُ، بَعْضُ المُشْرِكِينَ ويُرادُ بِالرَّحْمَةِ الإسْلامُ فَإنَّ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ إذا صانَهُمُ الكَفُّ المَذْكُورُ أظْهَرُوا إيمانَهم لِمُعايَنَةِ قُوَّةِ الدِّينِ فَيَقْتَدِي بِهِمُ الصّائِرُونَ لِلْإسْلامِ، واسْتَحْسَنَ بَعْضُهم كَوْنَهُ عِلَّةً لِلْكَفِّ المُعَلَّلِ بِالصَّوْنِ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِمَن يَشاءُ، المُؤْمِنُونَ فَيُرادُ بِالرَّحْمَةِ التَّوْفِيقُ لِزِيادَةِ الخَيْرِ، والمُشْرِكُونَ فَيُرادُ بِها الإسْلامُ، وبَيَّنَ وجْهَ التَّعْلِيلِ بِأنَّهم إذا شاهَدُوا مَنعَ تَعْذِيبِهِمْ بَعْدَ الظَّفَرِ عَلَيْهِمْ لِاخْتِلاطِ المُؤْمِنِينَ بِهِمِ اعْتِناءً بِشَأْنِهِمْ رَغِبُوا في الإسْلامِ والِانْخِراطِ في سِلْكِ المَرْحُومَيْنِ وأنَّ المُؤْمِنَيْنِ إذا عَلِمُوا مَنعَ تَعْذِيبِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ الظَّفَرِ عَلَيْهِمْ لِاخْتِلاطِهِمْ بِهِمْ أظْهَرُوا إيمانَهم فَيُقْتَدى بِهِمْ، وقالَ: لا وجْهَ لِجَعْلِ اللّامِ مُسْتَعارَةً مِن مَعْنى التَّعْلِيلِ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى الشَّيْءِ لِأنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الحَقِيقَةِ المُتَبادَرَةِ مِن غَيْرِ داعٍ، وما يُظَنُّ مِن أنَّ تَعْلِيلَ الكَفِّ بِما ذُكِرَ مَعَ أنَّهُ مُعَلَّلٌ بِالصَّوْنِ فاسِدٌ لِما فِيهِ مِنِ اجْتِماعِ عِلَّتَيْنِ عَلى مَعْلُولٍ واحِدٍ شَخْصِيٍّ فاسِدٍ لِأنَّ العِلَلَ إذا لَمْ تَكُنْ تامَّةً حَقِيقَةً لا يَضُرُّ تَعَدُّدُها وما هُنا كَذَلِكَ.
هَذا وجَعْلُ ذَلِكَ عِلَّةً لِما دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا أوْلى عِنْدِي لِما فِيهِ مِن شِدَّةِ التِحامِ النَّظْمِ الجَلِيلِ، وحَمْلُ ( مَن يَشاءُ ) عَلى المُؤْمِنِينَ المُسْتَضْعَفِينَ دُونَ بَعْضِ المُشْرِكِينَ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ والتَّزَيُّلُ التَّفَرُّقُ والتَّمَيُّزُ، وجُوِّزَ في ضَمِيرِ ﴿ تَزَيَّلُوا ﴾ كَوْنُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ فِيما سَبَقَ أيْ لَوْ تَفَرَّقَ أُولَئِكَ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ وتَمَيَّزُوا عَنِ الكُفّارِ وخَرَجُوا مِن مَكَّةَ ولَمْ يَبْقَوْا بَيْنَهم لَعَذَّبْنا إلَخْ، وكَوْنُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ والكُفّارِ أيْ لَوِ افْتَرَقَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ ولَمْ يَبْقَوْا مُخْتَلِطِينَ لَعَذَّبْنا إلَخْ.
واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ الأوَّلَ فَمِنهم لِلْبَيانِ، والمُرادُ تَعْذِيبُهم في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والسَّبْيِ كَما قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ وإلّا لَمْ يَكُنْ- لِـ لَوْ- مَوْقِعٌ.
والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ تَزَيَّلُوا ﴾ كالتَّكْرارِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( لَوْلا رِجالٌ ) لِأنَّ مَرْجِعَهُما في المَعْنى شَيْءٌ واحِدٌ ويَكُونُ لَعَذَّبْنا هو الجَوا - لِـ لَوْلا - السّابِقَةِ.
واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ التَّغايُرَ ظاهِرٌ فَلا يَكُونُ تَكْرارًا ولا مُشابِهًا.
وأُجِيبُ بِأنَّ كَراهَةَ وطْئِهِمْ لِعَدَمِ تَمَيُّزِهِمْ عَنِ الكَفّارِ الَّذِي هو مَدْلُولُ الثّانِي فَيَكُونُ كَبَدَلِ الِاشْتِمالِ ويَكْفِي ذَلِكَ في كَوْنِهِ كالتَّكْرارِ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّما كانَ مَرْجِعُهُما واحِدًا وإنْ كانَتْ ( لَوْلا ) تَدُلُّ عَلى امْتِناعٍ لِوُجُودٍ ( ولَوْ ) تَدُلُّ عَلى امْتِناعٍ لِامْتِناعٍ وبَيْنَ هَذَيْنِ تَنافٍ ظاهِرٌ لِأنَّ (لَوْلا) هاهُنا دَخَلَتْ عَلى وُجُودٍ ولَوْ دَخَلَتْ عَلى ﴿ تَزَيَّلُوا ﴾ وهو راجِعٌ إلى عَدَمِ وُجُودِهِمْ وامْتِناعُ عَدَمِ الوُجُودِ ثُبُوتٌ فَآلا إلى أمْرٍ واحِدٍ مِن هَذا الوَجْهِ قالَ: وكانَ جَدِّي يَخْتارُ هَذا الوَجْهَ ويُسَمِّيهِ تَطْرِيَةً وأكْثَرُ ما يَكُونُ إذا تَطاوَلَ الكَلامُ وبَعُدَ عَهْدُ أوَّلِهِ واحْتِيجَ إلى بِناءِ الآخِرِ عَلى الأوَّلِ فَمَرَّةً يَطْرى بِلَفْظِهِ ومَرَّةً بِلَفْظٍ آخَرَ يُؤَدِّي مُؤَدّاهُ انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في حَذْفِ الجَوابِ دَلِيلًا عَلى شِدَّةِ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لَوْلا حَقُّ المُؤْمِنِينَ لَفَعَلَ بِهِمْ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ ولا يُقاسُ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ الوَجْهَ أرْجَحُ مِن جَعْلِ ﴿ لَوْ تَزَيَّلُوا ﴾ بِمَنزِلَةِ التَّكْرارِ لِلتَّطْرِيَةِ فَتَطْرِيَةُ الجَوابِ وتَقْوِيَتُهُ أوْلى وأوْفَقُ لِمُقْتَضى المَقامِ، واخْتارَ الطِّيبِيُّ الأوَّلَ أيْضًا مُعَلِّلًا لَهُ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُقَرِّبُ مِن بابِ الطَّرْدِ والعَكْسُ لِأنَّ التَّقْدِيرَ لَوْلا وُجُودُ مُؤْمِنِينَ مُخْتَلِطِينَ بِالمُشْرِكِينَ غَيْرَ مُتَمَيِّزِينَ مِنهم لَوَقَعَ ما كانَ جَزاءً لِكُفْرِهِمْ وصَدِّهِمْ ولَوْ حَصَلَ التَّمْيِيزُ وارْتَفَعَ الِاخْتِلاطُ لَحَصَلَ التَّعْذِيبُ، ثُمَّ إنَّ تَقْدِيرَ الجَوابِ ما تَقَدَّمَ عِنْدَ القائِلِينَ بِالحَذْفِ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ، وجَوَّزَ بَعْضُهم تَقْدِيرَهُ لَعَجَّلَ لَهم ما يَسْتَحِقُّونَ وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلَخْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا واسْتَحَقُّوا التَّعْجِيلَ في إهْلاكِهِمْ ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ إلَخْ لَعَجَّلَ لَهم ذَلِكَ وهو أيْضًا أوْلى مِن حَدِيثِ التَّكْرارِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ عَوْنٍ (لَوْ تَزايَلُوا) عَلى وزْنِ تَفاعَلُوا.
وفِي الآيَةِ عَلى ما قالَ الكِيا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ خَرْقُ سَفِينَةِ الكُفّارِ إذا كانَ فِيها أسْرى مِنَ المُسْلِمِينَ وكَذَلِكَ رَمْيُ الحُصُونِ إذا كانُوا بِها والكُفّارُ إذا تَتَرَّسُوا بِهِمْ، وفِيهِ كَلامٌ في كُتُبِ الفُرُوعِ <div class="verse-tafsir"
﴿ إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ مَنصُوبٌ بِـ اذْكُرْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ أوْ- بِـ عَذَّبْنا- عَلى الظَّرْفِيَّةِ أوْ- بِـ صَدُّوكُمْ- كَذَلِكَ، وقِيلَ: بِمُضْمَرٍ هو أحْسَنَ اللَّهُ تَعالى إلَيْكم.
وأيًّا ما كانَ.
فالَّذِينَ.
فاعِلُ ( جَعَلَ ) ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وتَعْلِيلُ الحُكْمِ بِهِ، والجَعْلُ إمّا بِمَعْنى الإلْقاءِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ أيْ جَعَلُوا الحَمِيَّةَ راسِخَةً في قُلُوبِهِمْ ولِكَوْنِها مُكْتَسَبَةً لَهم مِن وجْهٍ نُسِبَ جَعْلُها إلَيْهِمْ، وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُ ( جَعَلَ ) ضَمِيرَ اللَّهِ تَعالى ( وفي قُلُوبِهِمُ ) بَيانٌ لِمَكانِ الجَعْلِ ومَآلُ المَعْنى إذْ جَعَلَ اللَّهُ في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الحَمِيَّةَ وهو كَما تَرى، والحَمِيَّةُ الأنَفَةُ يُقالُ: حَمَيْتُ عَنْ كَذا حَمِيَّةً إذا أنِفْتَ مِنهُ وداخَلَكَ عارٌ مِنهُ.
وقالَ الرّاغِبُ: عَبَّرَ عَنِ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ إذا ثارَتْ وكَثُرَتْ بِالحَمِيَّةِ فَقِيلَ: حَمَيْتُ عَلى فُلانٍ أيْ غَضِبْتُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الحَمِيَّةِ أيْ حَمِيَّةِ المِلَّةِ الجاهِلِيَّةِ أوِ الحَمِيَّةِ النّاشِئَةِ مِنَ الجاهِلِيَّةِ لِأنَّها بِغَيْرِ حُجَّةٍ وفي غَيْرِ مَوْضِعِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( جَعَلَ ) عَلى تَقْدِيرِ جَعَلَ ( إذْ ) مَعْمُولًا لِـ ﴿ اذْكُرْ ﴾ ، والمُرادُ تَذْكِيرُ حُسْنِ صَنِيعِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وسُوءِ صَنِيعِ المُشْرِكِينَ وعَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الِامْتِناعِيَّةُ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِها ظَرْفًا لِـ ( عَذَّبْنا ) .
كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمْ يَتَزَيَّلُوا فَلَمْ نُعَذِّبْ فَأنْزَلَ إلَخْ، وعَلى مُضْمَرٍ عامِلٍ فِيها عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ المَحْكِيِّ ويَكُونُ هَذا كالتَّفْسِيرِ لِذاكَ، وأمّا عَلى جَعْلِها ظَرْفًا - لِـ ﴿ صَدُّوكُمْ ﴾ - فَقِيلَ: العَطْفُ عَلى ( جَعَلَ ) وقِيلَ: عَلى ﴿ صَدُّوكُمْ ﴾ وهو نَظِيرُ الطّائِرِ فَيَغْضَبُ زَيْدُ الذُّبابِ والأوْلى مِن هَذِهِ الأوْجُهِ لا يَخْفى، والسَّكِينَةُ الِاطْمِئْنانُ والوَقارُ، رَوى غَيْرُ واحِدٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَرَجَ بِمَن مَعَهُ إلى الحُدَيْبِيَةِ حَتّى إذا كانَ بِذِي الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الهَدْيَ وأشْعَرَهُ وأحْرَمُ بِالعُمْرَةِ وبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَيْنًا مِن خُزاعَةَ يُخْبِرُهُ عَنْ قُرَيْشٍ وسارَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى كانَ بِغَدِيرِ الأشْطاطِ قَرِيبًا مِن عُسْفانَ أتاهُ عَيْنُهُ فَقالَ: إنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَكَ جُمُوعًا وقَدْ جَمَعُوا لَكَ الأحابِيشَ وهم مُقاتِلُوكَ وصادُّوكَ عَنِ البَيْتِ فاسْتَشارَ النّاسَ في الإغارَةِ عَلى ذَرارِيِّ مَن أعانَهم فَقالَ أبُو بَكْرٍ: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّما جِئْنا مُعْتَمِرِينَ ولَمْ نَجِئْ لِقِتالِ أحَدٍ ولَكِنْ مَن حالَ بَيْنَنا وبَيْنَ البَيْتِ قاتَلْناهُ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: امْضُوا عَلى اسْمِ اللَّهِ فَسارَ حَتّى نَزَلَ بِأقْصى الحُدَيْبِيَةِ فَجاءَهُ بَدِيلُ بْنُ ورْقاءَ الخُزاعِيُّ في نَفَرٍ مِن قَوْمِهِ فَقالَ لَهُ: إنِّي قَدْ تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ، وعامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ نَزَلُوا قَرِيبًا مَعَهُمُ العُوذُ المَطافِيلُ وهم مُقاتِلُوكَ وصادُّوكَ عَنِ البَيْتِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنّا لَمْ نَجِئْ لِقِتالِ أحَدٍ ولَكِنْ مُعْتَمِرِينَ وإنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهَكَتْهُمُ الحَرْبُ وأضَرَّتْ بِهِمْ فَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلُّوا بَيْنِي وبَيْنَ سائِرِ العَرَبِ فَإنْ هم أصابُونِي كانَ ذَلِكَ الَّذِي أرادُوا وإنْ أظْهَرْنِي اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ دَخَلُوا في الإسْلامِ وافِرِينَ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوا قاتَلْتُهم وبِهِمْ قُوَّةٌ فَما تَظُنُّ قُرَيْشٌ فَوَ اللَّهِ لا أزالُ أُجاهِدُهم عَلى الَّذِي بَعَثَنِي اللَّهُ تَعالى بِهِ حَتّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ تَعالى أوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السّالِفَةُ فَقالَ بَدِيلٌ: سَأُبَلِّغُهم ما تَقُولُ فَبَلَّغَهم فَقالَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ لَهم: دَعُونِي آتِهِ فَأتاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ لَهُ نَحْوَ ما قالَ لِبَدِيلٍ وجَرى مِنَ الكَلامِ ما جَرى ورَأى مِنِ احْتِرامِ الصَّحابَةِ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَعْظِيمِهِمْ إيّاهُ ما رَأى فَرَجَعَ إلى أصْحابِهِ فَأخْبَرَهم بِذَلِكَ وقالَ لَهم: إنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكم خُطَّةَ رُشْدٍ فاقْبَلُوها فَقالَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ: دَعُونِي آتِهِ فَلَمّا أشْرَفَ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَذا فُلانٌ وهو مِن قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ البُدْنَ فابْعَثُوها لَهُ فَبُعِثَتْ واسْتَقْبَلَهُ القَوْمُ يُلَبُّونَ فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ما يَنْبَغِي لِهَؤُلاءِ أنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ فَرَجَعَ وأخْبَرَ أصْحابَهُ فَقالَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: مُكَرَّزُ بْنُ حَفْصٍ: دَعُونِي آتِهِ فَلَمّا أشْرَفَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَذا مُكَرَّزٌ وهو رَجُلٌ فاجِرٌ فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَبَيْنَما هو يُكَلِّمُهُ إذْ جاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو أخُو بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: قَدْ سَهَّلَ لَكم مِن أمْرِكم وكانَ قَدْ بَعَثَهُ قُرَيْشٌ وقالُوا لَهُ: ائْتِ مُحَمَّدًا فَصالِحْهُ ولا يَكُنْ في صُلْحِهِ إلّا أنْ يَرْجِعَ عَنّا عامَهُ هَذا فَو اللَّهِ لا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أنَّهُ دَخَلَها عَلَيْنا عَنْوَةً أبَدًا فَلَمّا انْتَهى إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَكَلَّمَ فَأطالَ وانْتَهى الأمْرُ إلى الصُّلْحِ وكِتابَةِ كِتابٍ في ذَلِكَ فَدَعا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَقالَ: اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقالَ سُهَيْلٌ: لا أعْرِفُ هَذا ولَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ فَكَتَبَها ثُمَّ قالَ: اكْتُبْ هَذا ما صالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو فَقالَ سُهَيْلٌ: لَوْ كُنّا نَعْلَمُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ما صَدَدْناكَ عَنِ البَيْتِ ولا قاتَلْناكَ ولَكِنِ اكْتُبِ اسْمَكَ واسْمَ أبِيكَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: واللَّهِ إنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وإنْ كَذَّبْتُمُونِي اكْتُبْ هَذا ما صالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو صُلْحًا عَلى وضْعِ الحَرْبِ عَنِ النّاسِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهِنَّ النّاسُ ويَكُفُّ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ عَلى أنَّهُ مَن أتى مُحَمَّدًا مِن قُرَيْشٍ بِغَيْرِ إذْنِ ولِيِّهِ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ ومَن جاءَ قُرَيْشًا مِمَّنْ مَعَ مُحَمَّدٍ لَمْ يَرُدُّوهُ عَلَيْهِ وإنَّ بَيْنَنا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً وأنَّهُ لا إسْلالَ ولا إغْلالَ وأنَّهُ مَن أحَبَّ أنْ يَدْخُلَ في عَقْدِ مُحَمَّدٍ وعَهْدِهِ دَخَلَ فِيهِ ومَن أحَبَّ أنْ يَدْخُلَ في عَقْدِ قُرَيْشٍ وعَهْدِهِمْ دَخَلَ فِيهِ وأنَّ مُحَمَّدًا يَرْجِعُ عَنْ مَكَّةَ عامَهُ هَذا فَلا يَدْخُلُها وأنَّهُ إذا كانَ عامَ قابِلٍ خَرَجَ أهْلُ مَكَّةَ فَدَخَلَها بِأصْحابِهِ فَأقامَ بِها ثَلاثًا مَعَهُ سِلاحُ الرّاكِبِ السُّيُوفُ في القِرَبِ لا يَدْخُلُها بِغَيْرِها».
وظاهِرُ هَذا الخَبَرِ «أنَّ سُهَيْلًا لَمْ يَرْضَ أنْ يَكْتُبَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قَبْلَ أنْ يَكْتُبَ، وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّهُ كَتَبَ فَلَمْ يَرْضَ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: امْحُهُ فَقالَ: ما أنا بِالَّذِي أمَحاهُ،» وجاءَ هَذا في رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ، ولِمُسْلِمٍ وفي رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ في المَغازِي «فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الكِتابَ ولَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ فَكَتَبَ هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ»، وكَذا أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ وأحْمَدُ ولَفْظُهُ فَأخَذَ الكِتابَ ولَيْسَ يَحْسُنُ أنْ يَكْتُبَ فَكَتَبَ مَكانَ رَسُولِ اللَّهِ هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وتَمَسَّكَ بِظاهِرِ هَذِهِ الرِّوايَةِ كَما في فَتْحِ البارِي أبُو الوَلِيدِ الباجِيُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَتَبَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ يُحْسِنُ أنْ يَكْتُبَ ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ شَيْخُهُ أبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ.
وأبُو الفَتْحِ النَّيْسابُورِيُّ وآخَرُونَ مِن عُلَماءِ إفْرِيقِيَّةَ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكْتُبْ، وأنَّ قَوْلَهُ: وأخَذَ الكِتابَ ولَيْسَ يُحْسِنُ أنْ يَكْتُبَ لِبَيانِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ احْتاجَ لِأنَّ يُرِيَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَوْضِعَ الكَلِمَةِ الَّتِي امْتَنَعَ مِن مَحْوِها لِكَوْنِهِ كانَ لا يُحْسِنُ الكِتابَةَ، وقَوْلُهُ: فَكَتَبَ بِتَقْدِيرٍ فَمَحاها فَأعادَ الكِتابَ لِعَلِيٍّ فَكَتَبَ أوْ أطْلَقَ فِيهِ كَتَبَ عَلى أمْرٍ بِالكِتابَةِ، وتَمامُ الكَلامِ فِي مَحَلِّهِ فَكانَتْ حَمِيَّتُهم عَلى ما في الدُّرِّ المَنثُورِ عَنْ جَماعَةٍ أنَّهم لَمْ يُقِرُّوا أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَسُولٌ ولَمْ يُقِرُّوا بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وحالُوا بَيْنَ المُسْلِمِينَ والبَيْتِ وقَدْ هَمَّ المُؤْمِنُونَ لِذَلِكَ أنْ يَبْطِشُوا بِهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى سَكِينَتَهُ عَلَيْهِمْ فَتَوَقَّرُوا وحَلَمُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ في حَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ: حَمِتْ قُرَيْشٌ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالُوا: لا يَدْخُلُها عَلَيْنا أبَدًا، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ - كَما في البَحْرِ- حَمِيَّتُهم عَصَبِيَّتُهم لِآلِهَتِهِمْ والأنَفَةُ أنْ يَعْبُدُوا غَيْرَها، وفي تَوْسِيطِ عَلى بَيْنَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ إيماءٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أنْزَلَ عَلى كُلٍّ سَكِينَةً لائِقَةً بِهِ.
ووَجْهُ تَقْدِيمِ الإنْزالِ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَخْفى وقالَ الإمامُ: في هَذِهِ الآيَةِ لِطائِفُ مَعْنَوِيَّةٌ وهو أنَّهُ تَعالى أبانَ غايَةَ البَوْنِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ حَيْثُ بايَنَ بَيْنَ الفاعِلَيْنِ إذْ فاعِلُ ( جَعَلَ ) هو الكَفّارُ وفاعِلُ (أنْزَلَ) هو اللَّهُ تَعالى، وبَيْنَ المَفْعُولَيْنِ إذْ تِلْكَ حَمِيَّةٌ وهَذِهِ سَكِينَةٌ.
وبَيْنَ الإضافَتَيْنِ إضافَةُ الحَمِيَّةِ إلى الجاهِلِيَّةِ وإضافَةُ السَّكِينَةِ إلَيْهِ تَعالى، وبَيْنَ الفِعْلَيْنِ ( جَعَلَ ) و(أنْزَلَ) فالحَمِيَّةُ مَجْعُولَةٌ في الحالِ كالعَرَضِ الَّذِي لا يَبْقى والسَّكِينَةُ كالمَحْفُوظَةِ في خِزانَةِ الرَّحْمَةِ فَأنْزَلَها والحَمِيَّةُ قَبِيحَةٌ مَذْمُومَةٌ في نَفْسِها وازْدادَتْ قُبْحًا بِالإضافَةِ إلى الجاهِلِيَّةِ، والسَّكِينَةُ حَسَنَةٌ في نَفْسِها وازْدادَتْ حُسْنًا بِإضافَتِها إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والعَطْفُ في فَأنْزَلَ بِالفاءِ لا بِالواوِ يَدُلُّ عَلى المُقابَلَةِ والمُجازاةِ تَقُولُ: أكْرَمَنِي زَيْدٌ فَأكْرَمْتُهُ فَيَدُلُّ عَلى أنَّ إنْزالَ السَّكِينَةِ لِجَعْلِهِمُ الحَمِيَّةَ في قُلُوبِهِمْ حَتّى أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَغْضَبُوا ولَمْ يَنْهَزِمُوا بَلْ صَبَرُوا، وهو بَعِيدٌ في العادَةِ فَهو مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى انْتَهى وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ ﴿ وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى ﴾ هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ والدّارَقُطْنِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا وكَما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وسَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ كَذَلِكَ وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ عَنْ حُمْرانَ أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إنِّي لَأعْلَمُ كَلِمَةً لا يَقُولُها عَبْدٌ حَقًّا مِن قَلْبِهِ إلّا حُرِّمَ عَلى النّارِ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنا أُحَدِّثُكم ما هي كَلِمَةُ الإخْلاصِ الَّتِي ألْزَمَها اللَّهُ سُبْحانَهُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ وهي كَلِمَةُ التَّقْوى الَّتِي ألاصَ عَلَيْها نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمَّهُ أبا طالِبٍ عِنْدَ المَوْتِ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ)» ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلى ما نَقَلَ أبُو حَيّانَ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في آخَرِينَ، وأخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ بِزِيادَةِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وأُضِيفَتْ إلى التَّقْوى لِأنَّها بِها يُتَّقى الشِّرْكُ ومِن هُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ: هي رَأْسُ كُلِّ تَقْوى، وظاهِرُ كَلامِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ ضَمِيرَ- هُمْ- في ( ألْزَمَهم ) لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن مَعَهُ وإلْزامُهم إيّاها بِالحُكْمِ والأمْرِ بِها، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ.
والحاكِمُ وصَحَّحَهُ.
والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وجَماعَةٌ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا نَحْوُهُ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قالَ: هي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي رَباحٍ، ومُجاهِدٌ أيْضًا أنَّها لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: هي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وضَمَّ بَعْضُهم إلى هَذا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، والمُرادُ بِإلْزامِهِمْ إيّاها اخْتِيارُها لَهم دُونَ مَن عَدَلَ عَنْها إلى بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وقِيلَ: هي الثَّباتُ والوَفاءُ بِالعَهْدِ، ونَسَبَهُ الخَفاجِيُّ إلى الحَسَنِ، وإلْزامُهم إيّاهُ أمْرُهم بِهِ، وإطْلاقُ الكَلِمَةِ عَلى الثَّباتِ عَلى العَهْدِ والوَفاءِ بِهِ قِيلَ: لِما أنَّ كُلًّا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الغَرَضِ وهو نَظِيرُ ما قِيلَ في إطْلاقِ الكَلِمَةِ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أنَّ ذَلِكَ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يُهْتَدى بِهِ، وجُعِلَتِ الإضافَةُ عَلى كَوْنِها بِمَعْنى الثَّباتِ مِن بابِ إضافَةِ السَّبَبِ إلى المُسَبِّبِ فَهي إضافَةٌ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اخْتِصاصِيَّةً حَقِيقِيَّةً بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ كَلِمَةَ أهْلِ التَّقْوى، وأُرِيدَ بِالعَهْدِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ سَبَبِ النُّزُولِ عَهْدُ الصُّلْحِ الَّذِي وقَعَ بَيْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ وقِيلَ: ما يَعُمُّ ذَلِكَ وسائِرُ عُهُودِهِمْ مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الوَجْهَ المَذْكُورَ في نَفْسِهِ غَيْرُ ظاهِرٍ، ومِثْلُهُ ما قِيلَ: المُرادُ بِالكَلِمَةِ قَوْلُهم في الأصْلابِ: بَلى مُقِرِّينَ بِوَحْدانِيَّتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وبِالإلْزامِ الأمْرُ بِالثَّباتِ والوَفاءِ بِها، وقِيلَ: هي قَوْلُ المُؤْمِنِينَ سَمْعًا وطاعَةً حِينَ يُؤْمَرُونَ أوْ يُنْهَوْنَ، والظّاهِرُ عَلَيْهِ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأرْجَحُ الأقْوالِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ ما رُوِيَ مَرْفُوعًا وذَهَبَ إلَيْهِ الجَمُّ الغَفِيرُ، ولَعَلَّ ما ذُكِرَ في الأخْبارِ السّابِقَةِ مِن بابِ الِاكْتِفاءِ، والمُرادُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.
( وكانُوا ) عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ أوْ حالٌ مِنَ المَنصُوبِ في ( ألْزَمَهم ) بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ والظّاهِرُ في الضَّمِيرِ عَوْدُهُ كَسابِقِهِ كَما اقْتَضاهُ كَلامُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم عَوْدَهُ عَلى المُؤْمِنِينَ وكَأنَّهُ اعْتَبَرَ الأوَّلَ عائِدًا عَلَيْهِمْ أيْضًا وهو مِمّا لا بَأْسَ فِيهِ، ولَعَلَّهُ اعْتَبَرَ الأقْرَبِيَّةَ.
فالمَعْنى وكانَ المُؤْمِنُونَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى ﴿ أحَقَّ بِها ﴾ أيْ بِكَلِمَةِ التَّقْوى، وأفْعَلُ لِزِيادَةِ الحَقِّيَّةِ في نَفْسِها أيْ مُتَّصِفِينَ بِمَزِيدِ اسْتِحْقاقٍ لَها أوْ عَلى ما هو المَشْهُورُ فِيهِ والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ أيْ أحَقُّ بِها مِن كُفّارِ مَكَّةَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اخْتارَهم لِدِينِهِ وصُحْبَةِ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقِيلَ: مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وقِيلَ مِن جَمِيعِ الأُمَمِ لِأنَّهم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ.
وحَكى المُبَرِّدُ أنَّ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَنا لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنهم أنْ يَقُولَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ إلّا مَرَّةً واحِدَةً لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَقُولَها أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، وكانَ قائِلُها يَمُدُّ بِها صَوْتَهُ إلى أنْ يَنْقَطِعَ نَفَسُهُ تَبَرُّكًا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ أنْ يَقُولُوها مَتّى شاءُوا وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى ﴾ أيْ نَدَبَهم إلى ذِكْرِها ما اسْتَطاعُوا وكانُوا أحَقَّ بِها، وهَذا مِمّا لَمْ يَثْبُتْ، وجَوَّزَ الإمامُ كَوْنَ التَّفْضِيلِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ كَلِمَةِ التَّقْوى أيْ أحَقُّ بِها مِن كَلِمَةٍ غَيْرِ كَلِمَةِ تَقْوى وقالَ: وهَذا كَما تَقُولُ زَيْدٌ أحَقُّ بِالإكْرامِ مِنهُ بِالإهانَةِ، وقَوْلُكَ إذا سُئِلَ شَخْصٌ عَنْ زَيْدٍ بِالطِّبِّ أعْلَمُ أوْ بِالفِقْهِ: زَيْدٌ أعْلَمُ بِالفِقْهِ أيْ مِنَ الطِّبِّ، وفِيهِ غَفْلَةٌ لا تَخْفى ( وأهْلَها ) أيِ المُسْتَأْهِلَ لَها وهو أبْلَغُ مِنَ الأحَقِّ حَتّى قِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأحَقِّ كَما بَيْنَ الأحَقِّ والحَقِّ، وقِيلَ: إنَّ أحَقِّيَّتَهم بِها مِنَ الكُفّارِ تُفْهِمُ رُجْحانَهم رُجْحانًا ما عَلَيْهِمْ ولا تُثْبِتُ الأهْلِيَّةَ كَما إذا اخْتارَ المَلِكُ اثْنَيْنِ لِشُغْلٍ وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ صالِحٍ لَهُ لَكِنَّ أحَدَهُما أبْعَدُ عَنِ الِاسْتِحْقاقِ فَيُقالُ لِلْأقْرَبِ إلَيْهِ إذا كانَ ولا بُدَّ فَهَذا أحَقُّ كَما يُقالُ: الحَبْسُ أهْوَنُ مِنَ القَتْلِ، ولِدَفْعِ تَوَهُّمِ مِثْلِ هَذا فِيما نَحْنُ فِيهِ قالَ سُبْحانَهُ: ( وأهْلَها ) وقِيلَ: أُرِيدَ أنَّهم أحَقُّ بِها في الدُّنْيا وأهْلُها بِالثَّوابِ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ والأصْلُ وكانُوا أهْلَها وأحَقَّ بِها، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ صاحِبِ ابْنِ مَسْعُودٍ وهو الَّذِي دُفِنَ مُصْحَفُهُ لِمُخالَفَتِهِ الإمامَ أيّامَ الحَجّاجِ وكانَ مِن كِبارِ تابِعِي الكُوفَةِ وثِقاتِهِمْ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( كانُوا ) عائِدٌ عَلى كُفّارِ مَكَّةَ أيْ وكانَ أُولَئِكَ الكُفّارُ الَّذِينَ جَعَلُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ أحَقَّ بِكَلِمَةِ التَّقْوى لِأنَّهم أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ تَعالى ومِنهم رَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ تَقَدَّمَ إنْذارُهم لَوْلا ما سُلِبُوا مِنَ التَّوْفِيقِ، وفِيهِ ما فِيهِ سَواءٌ رُجِّحَ ضَمِيرُ ( ألْزَمَهم ) إلى كُفّارِ مَكَّةَ أيْضًا أمْ لا، وأظُنُّ في قائِلِهِ نَزْغَةٌ رافِضِيَّةٌ دَعَتْهُ إلى ذَلِكَ لَكِنَّهُ لا يَتِمُّ بِهِ غَرَضُهُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( كانُوا ) لِلْمُؤْمِنِينَ إلّا أنَّ ضَمِيرَيْ ﴿ بِها وأهْلَها ﴾ لِلسَّكِينَةِ، وفِيهِ ارْتِكابُ خِلافِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ داعٍ، وقِيلَ: هُما لِمَكَّةَ أيْ وكانُوا أحَقَّ بِمَكَّةَ أنْ يَدْخُلُوها وأهْلُها، وأشْعَرَ بِذِكْرِ مَكَّةَ ذِكْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ وكَذا مَحِلُّ الهَدْيِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ وفِيهِ ما لا يَخْفى ﴿ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ فَيَعْلَمُ سُبْحانَهُ حَقَّ كُلِّ شَيْءٍ واسْتِئْهالَهُ لِما يَسْتَأْهِلُهُ فَيَسُوقُ عَزَّ وجَلَّ الحَقَّ إلى مُسْتَحِقِّهِ والمُسْتَأْهِلَ إلى مُسْتَأْهِلِهِ أوْ فَيَعْلَمُ هَذا ويَعْلَمُ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ مِن إنْزالِ السَّكِينَةِ والرِّضا بِالصُّلْحِ فَيَكُونُ تَذْيِيلًا لِلْجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا ﴾ رَأى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في المَنامِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلى الحُدَيْبِيَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى وهو في الحُدَيْبِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ، أنَّهُ هو وأصْحابُهُ دَخَلُوا مَكَّةَ آمِنِينَ وقَدْ حَلَقُوا وقَصَّرُوا فَقَصَّ الرُّؤْيا عَلى أصْحابِهِ فَفَرِحُوا واسْتَبْشَرُوا وحَسِبُوا أنَّهم داخِلُوها في عامِهِمْ وقالُوا: إنَّ رُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ حَقٌّ فَلَمّا تَأخَّرَ ذَلِكَ قالَ عَلى طَرِيقِ الِاعْتِراضِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُفَيْلٍ ورِفاعَةُ بْنُ الحَرْثِ: واللَّهُ ما حَلَقْنا ولا قَصَّرْنا ولا رَأيْنا المَسْجِدَ الحَرامَ فَنَزَلَتْ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ نَحْوَهُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِكْشافِ لِيَزْدادَ يَقِينُهُ، وفي رِوايَةٍ أنَّ رُؤْياهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنَّما كانَتْ أنَّ مَلِكًا جاءَهُ فَقالَ لَهُ: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ﴾ إلَخْ، والمَعْنى لَقَدْ صَدَقَهُ سُبْحانَهُ في رُؤْياهُ عَلى أنَّهُ مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ كَما في قَوْلِهِمْ: صَدَقَنِي سِنُّ بَكْرِهِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّهُ تَعالى أراهُ الرُّؤْيا الصّادِقَةَ.
وقالَ الرّاغِبُ: الصِّدْقُ يَكُونُ بِالقَوْلِ ويَكُونُ بِالفِعْلِ وما في الآيَةِ صِدْقٌ بِالفِعْلِ وهو التَّحْقِيقُ أيْ حَقَّقَ سُبْحانَهُ رُؤْيَتَهُ.
وفي شَرْحِالكِرْمانِيِّ كَذِبٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ يُقالُ: كَذَبَنِي الحَدِيثَ وكَذا صَدَقَ كَما في الآيَةِ، وهو غَرِيبٌ لِتَعَدِّي المُثْقَلِ لِواحِدٍ والمُخَفَّفِ لِمَفْعُولَيْنِ انْتَهى.
وفي البَحْرِ صَدَقَ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ الثّانِي مِنهُما بِنَفْسِهِ وبِحَرْفِ الجَرِّ تَقُولُ صَدَقْتُ زَيْدًا الحَدِيثَ وصَدَقْتُهُ في الحَدِيثِ، وقَدْ عَدَّها بَعْضُهم في أخَواتِ اسْتَغْفَرْ وأمَرَ والمَشْهُورُ ما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا ( بِالحَقِّ ) صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ صِدْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ أيْ بِالفَرْضِ الصَّحِيحِ والحِكْمَةِ البالِغَةِ وهو ظُهُورُ حالِ المُتَزَلْزِلِ في الإيمانِ والرّاسِخِ فِيهِ، ولِأجْلِ ذَلِكَ أُخِّرَ وُقُوعُ الرُّؤْيا إلى العامِ القابِلِ أوْ حالٌ مِنَ الرُّؤْيا أيْ مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ لَيْسَتْ مِن قَبِيلِ أضْغاثِ الأحْلامِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ وكَوْنُهُ حالًا مِن ( رَسُولَهُ ) وكَوْنُهُ ظَرْفًا لَغْوًا لِصَدَقَ وكَوْنُهُ قَسَمًا بِالحَقِّ الَّذِي هو مِن أسْمائِهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ بِنَقِيضِ الباطِلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ ﴾ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ والوَقْفُ عَلى ( الرُّؤْيا ) وهو عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ والوَقْفُ عَلى ( بِالحَقِّ ) أيْ واللَّهِ لَتَدْخُلُنَّ إلَخْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴾ تَعْلِيقٌ لِلْعِدَّةِ بِالمَشِيئَةِ لِتَعْلِيمِ العِبادِ، وبِهِ يَنْحَلُّ ما يُقالُ: إنَّهُ تَعالى خالِقٌ لِلْأشْياءِ كُلِّها وعالِمٌ بِها قَبْلَ وُقُوعِها فَكَيْفَ وقَعَ التَّعْلِيقُ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالمَشِيئَةِ، وفي مَعْنى ما ذُكِرَ قَوْلُ ثَعْلَبٍ: اسْتَثْنى سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما يَعْلَمُ لِيُسْتَثْنى الخَلْقُ فِيما لا يَعْلَمُونَ.
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ وُقُوعَ الدُّخُولِ مِن مَشِيئَتِهِ تَعالى لا مِن جَلادَتِهِمْ وتَدْبِيرِهِمْ، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّهُ قَدْ وضَعَ فِيهِ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ وأصْلُهُ لَتَدْخُلُنَّهُ لا مَحالَةَ إلّا إنْ شاءَ عَدَمَ الدُّخُولِ فَهو وعْدٌ لَهم عَدَلَ بِهِ عَنْ ظاهِرِهِ لِأجْلِ التَّعْرِيضِ بِهِمْ والإنْكارِ عَلى المُعْتَرِضِينَ عَلى الرُّؤْيا فَيَكُونُ مِن بابِ الكِنايَةِ انْتَهى.
وقَدْ أُجِيبَ عَنِ السُّؤالِ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَقِيلَ: الشَّكُّ راجِعٌ إلى المُخاطَبِينَ، وفِيهِ شَيْءٌ سَتَعْلَمُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّ التَّعْلِيقَ راجِعٌ إلى دُخُولِهِمْ جَمِيعًا وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الجِبائِيِّ، وقِيلَ: إنَّهُ ناظِرٌ إلى الأمْنِ فَهو مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ أيْ لَتَدْخُلُنَّهُ حالَ كَوْنِكم ﴿ آمِنِينَ ﴾ مِنَ العَدُوِّ إنْ شاءَ اللَّهُ.
ورَدَّهُما في الكَشْفِ فَقالَ: أمّا جَعْلُهُ قَيْدَ دُخُولِهِمْ بِالأسْرِ أوِ الأمْنِ فَفِيهِ أنَّ السُّؤالَ بَعْدُ باقٍ لِأنَّ الدُّخُولَ المَخْصُوصَ أيْضًا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو يُنافِي الشَّكَّ، ولَيْسَ نَظِيرَ قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴾ إذْ لا يَبْعُدُ أنْ لا يَعْرِفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَقَرَّ الأمْرِ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ فَإمّا أنْ يُؤَوَّلَ بِأنَّ الشَّكَّ راجِعٌ إلى المُخاطَبِينَ أوْ بِأنَّهُ تَعْلِيمٌ، والثّانِي أوْلى لِأنَّ تَغْلِيبَ الشّاكِّينَ لا يُناسَبُ هَذا المَساقَ بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ.
ودَفْعُ وُرُودِهِ عَلى الحُسَيْنِ بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ في مَعْنى لَيَدْخُلُنَّهُ مَن شاءَ اللَّهُ دُخُولَهُ مِنكم فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ أنَّ مِنهم مَن لا يَدْخُلُهُ لِأنَّ أجَلَهُ يَمْنَعُهُ مِنهُ فَلا يَلْزَمُ الرُّجُوعُ لِما ذُكِرَ.
وقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِما قالَهُ مَلَكُ الرُّؤْيا لَهُ وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ كَيْسانَ أوْ لِما قالَهُ هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأصْحابِهِ.
ورَدَّهُ صاحِبُ التَّقْرِيبِ بِأنَّهُ كَيْفَ يَدْخُلُ في كَلامِهِ تَعالى ما لَيْسَ مِنهُ بِدُونِ حِكايَةٍ.
ودُفِعَ بِأنَّ المُرادَ أنَّ جَوابَ القَسَمِ بَيانٌ لِلرُّؤْيا وقائِلُها في المَنامِ المَلَكُ وفي اليَقَظَةِ الرَّسُولُ فَهي في حُكْمِ المَحْكِيِّ في دَقِيقِ النَّظَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: وهي قَوْلُ المَلَكِ أوِ الرَّسُولِ لَتَدْخُلُنَّ إلَخْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا وإنْ صَحَّحَ النَّظْمُ الكَرِيمُ لا يَدْفَعُ البُعْدَ، وقَدِ اعْتَرَضَ بِهِ عَلى ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ لَكِنَّهُ ادَّعى أنَّ كَوْنَهُ حِكايَةً ما قالَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أقَلُّ بُعْدًا مِن جَعْلِهِ مِن قَوْلِ المَلَكِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وقَوْمٌ مِنَ النُّحاةِ: ( إنْ ) بِمَعْنى إذْ وجَعَلُوا مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ وقَوْلُهُ في زِيارَةِ القُبُورِ: «(أنْتُمُ السّابِقُونَ وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ بِكم لاحِقُونَ)».
والبَصْرِيُّونَ لا يَرْتَضُونَ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ ﴾ حالٌ كَآمِنِينَ مِنَ الواوِ المَحْذُوفَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ﴾ إلّا أنَّ آمِنِينَ حالٌ مُقارَنَةٌ وهَذا حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّ الدُّخُولَ في حالِ الإحْرامِ لا في حالِ الحَلْقِ والتَّقْصِيرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( آمِنِينَ ) والمُرادُ مُحَلِّقًا بَعْضُكم رَأْسَ بَعْضٍ ومُقَصِّرًا آخَرُونَ فَفي الكَلامِ تَقْدِيرٌ أوْ فِيهِ نِسْبَةُ ما لِلْجُزْءِ إلى الكُلِّ، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ الحَلْقُ وهو مَعْرُوفٌ والتَّقْصِيرُ وهو أخْذُ بَعْضِ الشَّعْرِ فَلا بُدَّ مِن نِسْبَةِ كُلٍّ مِنهُما لِبَعْضٍ مِنهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَخافُونَ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ﴾ أيْضًا لِبَيانِ الأمْنِ بَعْدَ تَمامِ الحَجِّ ( وآمِنِينَ ) فِيما تَقَدَّمَ لِبَيانِ الأمْنِ وقْتَ الدُّخُولِ فَلا تَكْرارَ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ( آمِنِينَ ) فَإنْ أُرِيدَ بِهِ مَعْنى آمِنِينَ كانَ حالًا مُؤَكَّدَةً، وإنْ أُرِيدَ لا تَخافُونَ تَبِعَةً في الحَلْقِ أوِ التَّقْصِيرِ ولا نَقْصَ ثَوابٍ فَهو حالٌ مُؤَسِّسَةٌ، ولا يَخْفى الحالُ إذا جُعِلَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ مُحَلِّقِينَ ﴾ أوْ ( مُقَصِّرِينَ)، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا في جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ الحالُ بَعْدَ الدُّخُولِ؟
فَقِيلَ: لا تَخافُونَ أيْ بَعْدَ الدُّخُولِ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الحَلْقَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ في النُّسُكِ بَلْ يُجْزِئُ عَنْهُ التَّقْصِيرُ، وظاهِرُ تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ أنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ وهو الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ في غَيْرِ النِّساءِ.
أخْرَجَ الشَّيْخانِ وأحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ والمُقَصِّرِينَ قالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلاثًا قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ والمُقَصِّرِينَ قالَ: والمُقَصِّرِينَ)».
وأمّا في النِّساءِ فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(لَيْسَ عَلى النِّساءِ حَلْقٌ وإنَّما عَلى النِّساءِ التَّقْصِيرُ)».
والسُّنَّةُ في الحَلْقِ أنْ يُبْدَأ بِالجانِبِ الأيْمَنِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ «عَنْ أنَسٍ أنَّهُ رَأى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِلْحَلّاقِ هَكَذا وأشارَ بِيَدِهِ إلى جانِبِ الأيْمَنِ وإنْ يَبْلُغْ بِهِ إلى العَظْمَيْنِ» كَما قالَ عَطاءٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُما كانا يَقُولانِ لِلْحَلّاقِ ابْدَأْ بِالأيْمَنِ وابْلُغْ بِالحَلْقِ العَظْمَيْنِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ أيْضًا عَلى أنَّ التَّقْصِيرَ بِالرَّأْسِ دُونَ اللِّحْيَةِ وسائِرِ شَعْرِ البَدَنِ إذِ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ ومُقَصِّرِينَ رُؤُوسَكم أيْ شَعْرَها لِظُهُورِ أنَّ الرُّؤُوسَ أنْفُسَها لا تُقَصَّرُ ﴿ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا ﴾ الظّاهِرُ عَطْفُهُ عَلى ﴿ لَقَدْ صَدَقَ ﴾ فالتَّرْتِيبُ بِاعْتِبارِ التَّعَلُّقِ الفِعْلِيِّ بِالمَعْلُومِ أيْ فَعَلِمَ عَقِيبَ ما أراهُ الرُّؤْيا الصّادِقَةَ ما لَمْ تَعْلَمُوا مِنَ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ لِتَقْدِيمِ ما يَشْهَدُ لِلصِّدْقِ عِلْمًا فِعْلِيًّا، وقِيلَ: الفاءُ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ ﴿ فَجَعَلَ ﴾ لِأجْلِ هَذا العِلْمِ ﴿ مِن دُونِ ذَلِكَ ﴾ أيْ مِن دُونِ تَحَقُّقِ مِصْداقِ ما أراهُ مِن دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ آمِنِينَ إلَخْ، وقِيلَ: أيْ مِن دُونِ فَتْحِ مَكَّةَ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وهَذا أنْسَبُ بُقُولِهِ تَعالى: ﴿ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ وهو فَتْحُ خَيْبَرَ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ، والمُرادُ بِجَعْلِهِ وعْدَهُ تَعالى وإنْجازَهُ مِن غَيْرِ تَسْوِيفٍ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى صِدْقِ الرُّؤْيا وتَسْتَرْوِحَ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ إلى تَيَسُّرِ وُقُوعِها.
وقالَ في الكَشّافِ: ﴿ ما لَمْ تَعْلَمُوا ﴾ أيْ مِنَ الحِكْمَةِ في تَأْخِيرِ فَتْحِ مَكَّةَ إلى العامِ القابِلِ، وفِيهِ أمْرانِ: الأوَّلُ أنَّ فَتْحَ مَكَّةَ لَمْ يَقَعْ في العامِ الَّذِي قالَهُ بَلْ في السَّنَةِ الثّامِنَةِ، والتَّجَوُّزُ في العامِ القابِلِ أوْ تَأْوِيلُ الفَتْحِ بِدُخُولِ المُؤْمِنِينَ مَكَّةَ مُعْتَمِرِينَ لا يَخْفى حالُهُ.
الثّانِي إباءُ الفاءِ عَمّا ذُكِرَ لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِذَلِكَ مُتَقَدِّمٌ عَلى إراءَةِ الرُّؤْيا قَطْعًا.
وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِالتِزامِ كَوْنِ الفاءِ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ أوْ كَوْنُ المُرادِ فَأظْهَرَ مَعْلُومَهُ لَكم وهو الحِكْمَةُ فَتَدَبَّرْ.
ونُقِلَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ الفَتْحَ القَرِيبَ في الآيَةِ هو بَيْعَةُ الرِّضْوانِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ إسْحاقَ: هو فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ، ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهِ فَتْحُ مَكَّةَ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ دُخُولُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابُهُ دُونَ مَكَّةَ عَلى أنَّهُ مُنافٍ لِلسِّياقِ كَما لا يَخْفى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ﴾ أيْ مُلْتَبِسًا بِهِ عَلى أنَّ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ، والتِباسُهُ بِالهُدى بِمَعْنى أنَّهُ هادٍ، وقِيلَ: أيْ مُصاحِبًا لِلْهُدى، والمُرادُ بِهِ الدَّلِيلُ الواضِحُ والحُجَّةُ السّاطِعَةُ أوِ القُرْآنُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلتَّعْلِيلِ وهُما مُتَقارِبانِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأرْسَلَ أيْ أرْسَلَهُ بِسَبَبِ الهُدى أوْ لِأجْلِهِ ﴿ ودِينِ الحَقِّ ﴾ وبِدِينِ الإسْلامِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ ما يَعُمُّ الأُصُولَ والفُرُوعَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالهُدى الأُصُولُ وبِدِينِ الحَقِّ الفُرُوعُ فَإنَّ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَن لَمْ يُرْسَلْ بِالفُرُوعِ وإنَّما أُرْسِلَ بِالأُصُولِ وتِبْيانِها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالحَقِّ نَقِيضُ الباطِلِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ ما هو مِن أسْمائِهِ تَعالى أيْ ودِينُ اللَّهِ الحَقُّ، وجَوَّزَ الإمامُ غَيْرَ ذَلِكَ أيْضًا ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ لِيُعْلِيَهُ عَلى جِنْسِ الدِّينِ بِجَمِيعِ أفْرادِهِ أيْ ما يُدانُ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ والمِلَلِ فَيَشْمَلُ الحَقَّ والباطِلَ، وأصْلُ الإظْهارِ جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى الظَّهْرِ فَلِذا كُنِّيَ بِهِ عَنِ الإعْلاءِ وعَنْ جَعْلِهِ بادِيًا لِلرّائِي ثُمَّ شاعَ في ذَلِكَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، وإظْهارُهُ عَلى الحَقِّ بِنَسْخِ بَعْضِ أحْكامِهِ المُتَبَدِّلَةِ بِتَبَدُّلِ الأعْصارِ، وعَلى الباطِلِ بِبَيانِ بُطْلانِهِ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ، ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ بِحَسَبِ المَقامِ، أنْ يَكُونَ إظْهارُهُ عَلى الدِّينِ بِتَسْلِيطِ المُسْلِمِينَ عَلى جَمِيعِ أهْلِ الأدْيانِ وقالُوا: ما مِن أهْلِ دِينٍ حارَبُوا المُسْلِمِينَ إلّا وقَدْ قَهَرَهُمُ المُسْلِمُونَ، ويَكْفِي في ذَلِكَ اسْتِمْرارُ ما ذُكِرَ زَمانًا مُعْتَدًّا بِهِ كَما لا يَخْفى عَلى الواقِفِينَ عَلى كُتُبِ التَّوارِيخِ والوَقائِعِ، وقِيلَ: إنَّ تَمامَ هَذا الإعْلاءِ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وخُرُوجِ المَهْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ لا يَبْقى حِينَئِذٍ دِينٌ سِوى الإسْلامِ، ووُقُوعُ خِلافِ ذَلِكَ بَعْدُ لا يَضُرُّ إمّا لِنَحْوِ ما سَمِعْتَ وإمّا لِأنَّ الباقِيَ مِنَ الدُّنْيا إذْ ذاكَ كُلًّا شَيْءٌ، وفي الجُمْلَةِ فَضْلُ تَأْكِيدٍ لِما وعَدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الفَتْحِ وتَوْطِينٌ لِنُفُوسِ المُؤْمِنِينَ عَلى أنَّهُ تَعالى سَيَفْتَحُ لَهم مِنَ البِلادِ ويُتِيحُ لَهم مِنَ الغَلَبَةِ عَلى الأقالِيمِ ما يَسْتَقِلُّونَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَتْحَ مَكَّةَ ﴿ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ عَلى أنَّ ما عَدَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن إظْهارِ دِينِهِ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ أوِ الفَتْحِ كائِنٌ لا مَحالَةَ أوْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا عَلى رِسالَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ادَّعاها وأظْهَرَ اللَّهُ تَعالى المُعْجِزَةَ عَلى يَدِهِ وذَلِكَ شَهادَةٌ مِنهُ تَعالى عَلَيْها، واقْتَصَرَ عَلى هَذا الوَجْهِ الرّازِّيُّ وجَعَلَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً عَمّا وقَعَ مِن سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو إذْ لَمْ يَرْضَ بِكِتابَةِ ﴿ ”مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ“ ﴾ وقالَ ما قالَ.
وجَعَلَ بَعْضُ الأفاضِلِ إظْهارَ المُعْجِزَةِ شَهادَةً مِنهُ تَعالى عَلى تَحَقُّقِ وعْدِهِ عَزَّ وجَلَّ أيْضًا ولا يَظْهَرُ إلّا بِضَمِّ إخْبارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ أيْ هو أوْ ذَلِكَ الرَّسُولُ المُرْسَلُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ مُحَمَّدٌ عَلى أنَّ الِاسْمَ الشَّرِيفَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ و( رَسُولُ اللَّهِ ) عَطْفُ بَيانٍ أوْ نَعْتٌ أوْ بَدَلٌ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ ﴾ وهَذا هو الوَجْهُ الأرْجَحُ الأنْسَبُ بِالمَساقِ كَما في الكَشْفِ ويُؤَيِّدُهُ نَظَرًا إلى بَعْضِ ما يَأْتِي مِنَ الأوْجُهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ في رِوايَةِ ( رَسُولَ ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ مَعَهُ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ﴾ وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ عَلَيْهِ مُبَيِّنَةٌ لِلْمَشْهُودِ بِهِ، أمّا عَلى كَوْنِهِ الرِّسالَةَ فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى كَوْنِهِ مُحَقَّقَ الوَعْدِ فَقِيلَ: لِأنَّ كَيْنُونَةَ ما وعَدَهُ لازِمَةٌ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَسُولَ اللَّهِ إذْ هو لا يُوعِدُ إلّا بِما هو مُحَقَّقٌ ولا يُخْبِرُ إلّا عَنْ كُلِّ صِدْقٍ.
وجُوِّزَ كَوْنُ ( مُحَمَّدٌ ) مُبْتَدَأً ﴿ ورَسُولٌ ﴾ تابِعًا لَهُ ( والَّذِينَ مَعَهُ ) عَطْفًا عَلَيْهِ والخَبَرُ عَنْهُ وعَنْهم قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أشِدّاءُ ﴾ إلَخْ.
وقَرَأ الحَسَنُ ( أشِدّاءَ) (رُحَماءَ) بِنَصْبِهِما فَقِيلَ عَلى المَدْحِ وقِيلَ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِما العامِلُ في ( مَعَهُ ) فَيَكُونُ الخَبَرُ عَلى هَذا الوَجْهِ جُمْلَةَ ﴿ تَراهُمْ ﴾ الآتِي وكَذا خَبَرُ ( الَّذِينَ ) عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، والمُرادُ بِالَّذِينِ مَعَهُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ مَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ، وقالَ الجُمْهُورُ: جَمِيعُ أصْحابِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ورَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، و ﴿ أشِدّاءُ ﴾ جَمْعُ شَدِيدٍ و ﴿ رُحَماءُ ﴾ جَمْعُ رَحِيمٍ، والمَعْنى أنَّ فِيهِمْ غِلْظَةً وشِدَّةً عَلى أعْداءِ الدِّينِ ورَحْمَةً ورِقَّةً عَلى إخْوانِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وفي وصْفِهِمْ بِالرَّحْمَةِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالشِّدَّةِ تَكْمِيلٌ واحْتِراسٌ فَإنَّهُ لَوِ اكْتَفى بِالوَصْفِ الأوَّلِ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ مَفْهُومَ القَيْدِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَيُتَوَهَّمُ الفَظاظَةُ والغِلْظَةُ مُطْلَقًا فَدُفِعَ بِإرْدافِ الوَصْفِ الثّانِي، ومَآلُ ذَلِكَ أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ أشِدّاءَ عَلى الأعْداءِ رُحَماءَ عَلى الإخْوانِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ ﴾ وعَلى هَذا قَوْلُهُ: حَلِيمٌ إذا ما الحِلْمُ زَيَّنَ أهْلَهُ عَلى أنَّهُ عِنْدَ العَدُوِّ مَهِيبُ وقَدْ بَلَغَ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِن تَشَدُّدِهِمْ عَلى الكَفّارِ أنَّهم كانُوا يَتَحَرَّزُونَ مِن ثِيابِهِمْ أنْ تَلْزَقَ بِثِيابِهِمْ ومِن أبْدانِهِمْ أنْ تَمَسَّ أبْدانَهم وبَلَغَ مِن تَرَحُّمِهِمْ فِيما بَيْنَهم أنَّهُ كانَ لا يَرى مُؤْمِنٌ مُؤْمِنًا إلّا صافَحَهُ وعانَقَهُ.
والمُصافَحَةُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيها الفُقَهاءُ.
أخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنِ البَراءِ قالَ (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذا التَقى المُسْلِمانِ فَتَصافَحا وحَمِدا اللَّهَ واسْتَغْفَراهُ غَفَرَ لَهُما) وفِي رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ (ما مِن مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيانِ فَيَتَصافَحانِ إلّا غُفِرَ لَهُما قَبْلَ أنْ يَتَفَرَّقا)».
وفِي الأذْكارِ النَّوَوِيَّةِ أنَّها مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ كُلِّ لِقاءٍ وأمّا ما اعْتادَهُ النّاسُ بَعْدَ صَلاتَيِ الصُّبْحِ والعَصْرِ فَلا أصْلَ لَهُ ولَكِنْ لا بَأْسَ بِهِ، فَإنَّ أصْلَ المُصافَحَةِ سُنَّةٌ وكَوْنُهم مُحافِظِينَ عَلَيْها في بَعْضِ الأحْوالِ ومُفَرِّطِينَ في كَثِيرٍ مِنها لا يُخْرِجُ ذَلِكَ البَعْضَ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ المُصافَحَةِ الَّتِي ورَدَ الشَّرْعُ بِأصْلِها، وجَعَلَ ذَلِكَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في قَواعِدِهِ مِنَ البِدَعِ المُباحَةِ، وأطالَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ الكَلامَ في ذَلِكَ، وأمّا المُعانَقَةُ فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَرِهَها أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَذَلِكَ التَّقْبِيلُ قالَ: لا أُحِبُّ أنْ يُقَبِّلَ الرَّجُلُ مِنَ الرَّجُلِ وجْهَهُ ولا يَدَهُ ولا شَيْئًا مِن جَسَدِهِ، ورَخَّصَ أبُو يُوسُفَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ المُعانَقَةَ ويُؤَيِّدُ ما رُوِيَ عَنِ الإمامِ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ «عَنْ أنَسٍ قالَ: (سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ : يا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ مِنّا يَلْقى أخاهُ أيَنْحَنِي لَهُ؟
قالَ: لا قالَ: أفَيَلْتَزِمُهُ ويُقَبِّلُهُ؟
قالَ: لا قالَ: أيَأْخُذُ بِيَدِهِ ويُصافِحُهُ؟
قالَ: نَعَمْ)».
وفِي الأذْكارِ التَّقْبِيلُ وكَذا المُعانَقَةُ لا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ القُدُومِ مِن سَفَرٍ ونَحْوِهِ، ومَكْرُوهٌ كَراهَةَ تَنْزِيهٍ في غَيْرِهِ، ولِلْأمْرَدِ الحَسَنِ حَرامٌ بِكُلِّ حالٍ.
أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قَدِمَ زَيْدُ بْنُ خالِدِ بْنِ حارِثَةَ المَدِينَةَ ورَسُولُ اللَّهِ في بَيْتِي فَقَرَعَ البابَ فَقامَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ فاعْتَنَقَهُ وقَبَّلَهُ،» وزادَ رَزِينٌ في حَدِيثِ أنَسٍ السّابِقِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ويُقَبِّلُهُ قالَ: «(لا إلّا أنْ يَأْتِيَ مِن سَفَرِهِ)».
ورَوى أبُو داوُدَ «سُئِلَ أبُو ذَرٍّ هَلْ كانَ يُصافِحُكم إذا لَقِيتُمُوهُ؟
قالَ: ما لَقِيتُهُ قَطُّ إلّا صافَحَنِي وبَعَثَ إلَيَّ ذاتَ يَوْمٍ ولَمْ أكُنْ في أهْلِي فَجِئْتُ فَأُخْبِرْتُ أنَّهُ أرْسَلَ إلَيَّ فَأتَيْتُهُ وهو عَلى سَرِيرِهِ فالتَزَمَنِي فَكانَتْ أجْوَدَ أجْوَدَ».
وهَذا يُؤَيِّدُ الإطْلاقَ المَحْكِيَّ عَنْ أبِي يُوسُفَ ويَنْبَغِي التَّأسِّي بِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في التَّشَدُّدِ عَلى أعْداءِ الدِّينِ والرَّحْمَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «(مَن لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنا ويَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنا فَلَيْسَ مِنّا)» وأخْرَجاهُما وأحْمَدُ وابْنُ حِبّانَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إلّا مِن شَقِيٍّ)».
ولا بَأْسَ بِالبِرِّ والإحْسانِ عَلى عَدُوِّ الدِّينِ إذا تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً شَرْعِيَّةً كَما أفادَ ذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتاوِيهِ الحَدِيثِيَّةِ فَلْيُراجَعْ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ (أشِدّا) بِالقَصْرِ وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ لِأنَّ قَصْرَ المَمْدُودِ في الشِّعْرِ نَحْوَ قَوْلِهِ: لا بُدَّ مِن صُنْعا وإنْ طالَ السَّفَرُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا ﴾ خَبَرٌ آخَرُ- لِلَّذِينِ- أوِ اسْتِئْنافٌ ويَجُوزُ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ عَلى ما لا يَخْفى، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ، و( رُكَّعًا سُجَّدًا ) حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، والمُرادُ تَراهم مُصَلِّينَ، والتَّعْبِيرُ بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ عَنِ الصَّلاةِ مَجازٌ مُرْسَلٌ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِلِاسْتِمْرارِ وهو اسْتِمْرارٌ عُرْفِيٌّ، ومِن هُنا قالَ في البَحْرِ: هَذا دَلِيلٌ عَلى كَثْرَةِ الصَّلاةِ مِنهم ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ﴾ أيْ ثَوابًا ورِضًا، والجُمْلَةُ إمّا خَبَرٌ آخَرُ أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِ ﴿ تَراهُمْ ﴾ أوْ مِنَ المُسْتَتِرِ في ﴿ رُكَّعًا سُجَّدًا ﴾ أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن بَيانِ مُواظَبَتِهِمْ عَلى الرُّكُوعِ والسُّجُودِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ؟
فَقِيلَ: يَبْتَغُونَ فَضْلًا إلَخْ.
وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ (ورُضْوانًا) بِضَمِّ الرّاءِ ﴿ سِيماهُمْ ﴾ أيْ عَلامَتُهم وقُرِئَ (سِيمْياؤُهُمْ) بِزِيادَةِ ياءٍ بَعْدَ المِيمِ والمَدِّ وهي لُغَةٌ فَصِيحَةٌ كَثِيرَةٌ في الشِّعْرِ قالَ الشّاعِرُ: غُلامٍ رَماهُ اللَّهُ بِالحُسْنِ يافِعا ∗∗∗ لَهُ سِيمْياءُ لا تَشُقُّ عَلى البَصَرِ وجاءَ سِيماءُ بِالمَدِّ واشْتِقاقُها مِنَ السُّومَةِ بِالضَّمِّ العَلامَةُ تُجْعَلُ عَلى الشّاةِ والياءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ، وهي مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي وُجُوهِهِمْ ﴾ أيْ في جِباهِهِمْ أوْ هي عَلى ظاهِرِها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن أثَرِ السُّجُودِ ﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعُ خَبَرًا لِسِيماهم أوْ بَيانٌ لَها أيْ سِيماهُمُ الَّتِي هي أثَرُ السُّجُودِ، ووَجْهُ إضافَةِ الأثَرِ إلى السُّجُودِ أنَّهُ حادِثٌ مِنَ التَّأْثِيرِ الَّذِي يُؤَثِّرُهُ السُّجُودُ، وشاعَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِما يَحْدُثُ في جَبْهَةِ السُّجّادِ مِمّا يُشْبِهُ أثَرَ الكَيِّ وثَفِنَةَ البَعِيرِ وكانَ كُلٌّ مِنَ العَلِيَّيْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ زَيْنِ العابِدِينَ وعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ أبِي الأمْلاكِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يُقالُ لَهُ ذُو الثَّفِناتِ لِأنَّ كَثْرَةَ سُجُودِهِما أحْدَثَ في مَواقِعِهِ مِنهُما أشْباهَ ثَفِناتِ البَعِيرِ وهي ما يَقَعُ عَلى الأرْضِ مِن أعْضائِهِ إذا غَلُظَ، وما رُوِيَ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(لا تُعَلِّبُوا صُوَرَكُمْ)».
أيْ لا تَسِمُوها مِنَ العَلْبِ بِفَتْحِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ اللّامِ الأثَرِ، وقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وقَدْ رَأى رَجُلًا بِأنْفِهِ أثَرُ السُّجُودِ: إنَّ صُورَةَ وجْهِكَ أنْفُكَ فَلا تَعْلَبْ وجْهَكَ ولا تَشِنْ صُورَتَكَ فَذَلِكَ إنَّما هو إذا اعْتَمَدَ بِجَبْهَتِهِ وأنْفِهِ عَلى الأرْضِ لِتَحْدُثَ تِلْكَ السِّمَةُ وذاكَ مَحْضُ رِياءٍ ونِفاقٍ يُسْتَعاذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ، والكَلامُ فِيما حَدَثَ في وجْهِ السَّجّادِ الَّذِي لا يَسْجُدُ إلّا خالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنْكَرَ بَعْضُهم كَوْنَ المُرادِ بِالسِّيما ذَلِكَ.
أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ إذْ جاءَ رَجُلٌ وفي وجْهِهِ أثَرُ السُّجُودِ فَقالَ: لَقَدْ أفْسَدَ هَذا وجْهَهُ أما واللَّهِ ما هي السِّيما الَّتِي سَمّى اللَّهَ تَعالى ولَقَدْ صَلَّيْتُ عَلى وجْهِي مُنْذُ ثَمانِينَ سَنَةً ما أثَّرَ السُّجُودُ بَيْنَ عَيْنَيَّ، ورُبَّما يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ اسْتَشْعَرَ مِنَ الرَّجُلِ تَعَمُّدًا لِذَلِكَ فَنَفى أنْ يَكُونَ ما حَصَلَ بِهِ هو السِّيما الَّتِي سَمّى اللَّهُ تَعالى، ونَظِيرُهُ ما حُكِيَ عَنْ بَعْضِ المُتَقَدِّمِينَ قالَ: كُنّا نُصَلِّي فَلا يُرى بَيْنَ أعْيُنِنا شَيْءٌ ونَرى أحَدَنا الآنَ يُصَلِّي فَتَرى بَيْنَ عَيْنَيْهِ رُكْبَةَ البَعِيرِ فَما نَدْرِي أثَقُلَتِ الأرْؤُسُ أمْ خَشُنَتِ الأرْضُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ السِّيما نَدى الطَّهُورِ وتُرابُ الأرْضِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ لَهُ أثَرٌ في الوَجْهِ ولَكِنَّهُ الخُشُوعُ، وفي رِوايَةٍ هي الخُشُوعُ والتَّواضُعُ، وقالَ مَنصُورٌ: سَألْتُ مُجاهِدًا أهَذِهِ السِّيما هي الأثَرُ يَكُونُ بَيْنَ عَيْنَيِ الرَّجُلِ قالَ: لا وقَدْ يَكُونُ مِثْلَ رُكْبَةِ البَعِيرِ وهو أقْسى قَلْبًا مِنَ الحِجارَةِ، وقِيلَ: هي صُفْرَةُ الوَجْهِ مِن سَهَرِ اللَّيْلِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ، ورَوى السُّلَمِيُّ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ المَكِّيِّ لَيْسَ ذاكَ هو النُّحُولُ والصُّفْرَةُ ولَكِنَّهُ نُورٌ يَظْهَرُ عَلى وُجُوهِ العابِدِينَ يَبْدُو مِن باطِنِهِمْ عَلى ظاهِرِهِمْ يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ولَوْ كانَ في زِنْجِيٍّ أوْ حَبَشِيٍّ، وقالَ عَطاءٌ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو حُسْنٌ يَعْتَرِي وُجُوهَ المُصَلِّينَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السَّمْتُ الحَسَنُ، وعَنْ بَعْضِهِمْ تَرى عَلى وُجُوهِهِمْ هَيْبَةً لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِمُناجاةِ سَيِّدِهِمْ، والذّاهِبُونَ إلى هَذِهِ الأقْوالِ قائِلُونَ: إنَّ المُرادَ عَلامَتُهم في وُجُوهِهِمْ وهم في الدُّنْيا، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هَذِهِ السِّيما في الآخِرَةِ، أخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ.
وابْنُ نَصْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: بَياضٌ يَغْشى وُجُوهَهم يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ نَصْرٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ، وأخْرَجُوا عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ قالَ: مَوْضِعُ السُّجُودِ أشَدُّ وُجُوهِهِمْ بَياضًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والصَّغِيرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «(قالَ رَسُولُ اللَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ ﴾ النُّورُ يَوْمَ القِيامَةِ النُّورُ يَوْمَ القِيامَةِ».
ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ النُّورُ عَلامَةً في وُجُوهِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الآخِرَةِ أظْهَرَ وأتَمَّ خَصَّهُ النَّبِيُّ بِالذِّكْرِ، وإذا صَحَّ الحَدِيثُ فَهو مَذْهَبِي.
وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ (إثْرِ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ وهو لُغَةٌ في أثَرٍ.
وقَرَأ قَتادَةُ مِن (آثارِ) بِالجَمْعِ ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن نُعُوتِهِمُ الجَلِيلَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ، وقِيلَ: البُعْدُ بِاعْتِبارِ المُبْتَدَأِ أعْنِي ﴿ أشِدّاءُ ﴾ ولَوْ قِيلَ هَذا لَتُوُهِّمَ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ هو النَّعْتُ الأخِيرُ.
أعْنِي ﴿ سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ ﴾ .
وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( مَثَلُهم ) أيْ وصْفُهُمُ العَجِيبُ الشَّأْنِ الجارِي في الغَرابَةِ مَجْرى الأمْثالِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ( في التَّوْراةِ ) حالٌ مِن ( مَثَلُهم ) والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( مَثَلُهم ) الأوَّلِ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وتَكْرِيرُ ( مَثَلُهم ) لِتَأْكِيدِ غَرابَتِهِ وزِيادَةِ تَقْرِيرِها، وقُرِئَ (الأنْجِيلِ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ ﴾ إلَخْ تَمْثِيلٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ هم أوْ مَثَلُهم كَزَرْعٍ إلَخْ فالوَقْفُ عَلى ( الإنْجِيلِ ) وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، وقِيلَ: ( مَثَلُهم ) الثّانِي مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَزَرْعٍ ﴾ إلَخْ خَبَرُهُ فالوَقْفُ عَلى ( التَّوْراةِ ) وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الضَّحّاكِ وأبِي حاتِمٍ وقَتادَةَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً مُبْهَمَةً أُوضِحَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَزَرْعٍ ﴾ إلَخْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ﴾ فَعَلى الأوَّلِ والثّالِثِ ﴿ مَثَلُهم في التَّوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ ﴾ شَيْءٌ واحِدٌ إلّا أنَّهُ عَلى الأوَّلِ ﴿ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ﴾ إلَخْ، وعَلى الثّالِثِ ﴿ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ ﴾ إلَخْ وعَلى الثّانِي ﴿ مَثَلُهم في التَّوْراةِ ﴾ شَيْءٌ وهو ﴿ أشِدّاءُ ﴾ إلَخْ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ شَيْءٌ آخَرُ وهو ﴿ كَزَرْعٍ ﴾ إلَخْ.
واعْتُرِضَ الوَجْهُ الثّالِثُ بِأنَّ الأصْلَ في الإشارَةِ أنْ تَكُونَ لِمُتَقَدِّمٍ وإنَّما يُشارُ إلى المُتَأخِّرِ إذا كانَ نَعْتًا لِاسْمِ الإشارَةِ نَحْوَ ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ ﴾ ، وفِيهِ أنَّ الحَصْرَ مَمْنُوعٌ، والشَّطْءُ فُرُوخُ الزَّرْعِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ وهو ما خَرَجَ مِنهُ وتَفَرَّعَ في شاطِئَيْهِ أيْ في جانِبَيْهِ، وجَمْعُهُ كَما قالَ الرّاغِبُ أشْطاءُ، وقالَ قُطْرُبُ: شَوْكُ السُّنْبُلِ يَخْرُجُ مِنَ الحَبَّةِ عَشْرُ سُنْبُلاتٍ وتِسْعٌ وثَمانٍ، وقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: طَرَفُهُ، وأنْشَدُوا: اخْرُجِ الشَّطْءَ عَلى وجْهِ الثَّرى ∗∗∗ ومِنَ الأشْجارِ أفْنانُ الثَّمَرِ وزَعَمَ أبُو الفَتْحِ أنَّ الشَّطْءَ لا يَكُونُ إلّا في البُرِّ والشَّعِيرِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: شَطَأ الزَّرْعُ وأشْطَأ إذا أخْرَجَ فِراخَهُ وهو في الحِنْطَةِ والشَّعِيرِ وغَيْرِهِما، وفي البَحْرِ أشْطَأ الزَّرْعُ أفْرَخَ والشَّجَرَةُ أخْرَجَتْ غُصُونَها.
وفِي القامُوسِ الشَّطْءُ فَراخُ النَّخْلِ والزَّرْعِ أوْ ورَقِهِ جَمْعُهُ شُطُوءٌ، وشَطَأ كَمَنَعَ شَطَأً وشَطْوًا أخْرَجَها، ومِنَ الشَّجَرِ ما خَرَجَ حَوْلَ أصْلِهِ وجَمْعُهُ أشْطاءُ، وأشْطَأ أخْرَجَها اهـ، وفِيهِ ما يَرُدُّ بِهِ عَلى أبِي الفَتْحِ مَعَ زِيادَةٍ لا تَخْفى فائِدَتُها فَلا تَغْفَلْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ ذَكْوانَ (شَطَأهُ) بِفَتْحِ الطّاءِ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وعِيسى الكُوفِيُّ كَذَلِكَ وبِالمَدِّ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ أيْضًا وبِألِفٍ بَدَلَ الهَمْزَةِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا وأنْ يَكُونَ أصْلُهُ الهَمْزَ فَنَقَلَ الحَرَكَةَ وأبْدَلَ الهَمْزَةَ ألِفًا كَما قالُوا في المَرْأةِ والكَمْأةِ المَراةُ والكُماةُ، وهو تَخْفِيفٌ مَقِيسٌ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ شاذٌّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (شَطَهُ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى الطّاءِ، ورُوِيَتْ عَنْ شَيْبَةَ ونافِعٍ والجَحْدَرِيِّ، وعَنِ الجَحْدَرِيِّ أيْضًا (شَطْوَهُ) بِإسْكانِ الطّاءِ وواوٍ بَعْدَها، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي لُغَةٌ أوْ بَدَلٌ مِنَ الهَمْزَةِ ﴿ فَآزَرَهُ ﴾ أيْ أعانَهُ وقَوّاهُ قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، قالَ الرّاغِبُ: وأصْلُهُ مِن شَدِّ الإزارِ يُقالُ: أزَرْتُهُ أيْ شَدَدْتُ إزارَهُ ويُقالُ: آزَرْتُ البِناءَ وأزَرْتُهُ قَوَّيْتُ أسافِلَهُ، وتَأزَّرَ النَّباتُ طالَ وقَوِيَ.
وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ إمّا مِنَ المُؤازَرَةِ بِمَعْنى المُعاوَنَةِ أوْ مِنَ الإيزارِ وهي الإعانَةُ.
وفي البَحْرِ (آزَرَ) أفْعَلُ كَما حُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ، وقَوْلُ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ فاعَلَ خَطَأٌ لِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ في مُضارِعِهِ إلّا يُؤْزِرَ عَلى وزْنِ يُكْرِمُ دُونَ يُوازِرُ.
وتُعِقِّبَ بِأنَّ هَذِهِ الشَّهادَةَ نَفْيٌ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ورَدَ مِن بابَيْنِ واسْتَغْنى بِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ، مَعَ أنَّ السَّرَقُسْطِيَّ نَقَلَهُ عَنِ المازِنِيِّ لَكِنَّهُ قالَ: يُقالُ آزَرَ الشَّيْءُ غَيْرَهُ أيْ ساواهُ وحاذاهُ، وأنْشَدَ لِامْرِئِ القَيْسِ: بِمَحْنِيَّةٍ قَدْ آزَرَ الضّالُّ نَبْتَها ∗∗∗ بِجَرِّ جُيُوشٍ غانِمِينَ وخَيَّبَ وجُعِلَ ما في الآيَةِ مِن ذَلِكَ، وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: آزَرَهُ صارَ مِثْلَ الأصْلِ في الطُّولِ، والجُمْهُورُ عَلى ما نُقِلَ أوَّلًا، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في (آزَرَهُ لِلشَّطْءِ والمَنصُوبُ لِلزَّرْعِ أيْ فَقَوّى ذَلِكَ الشَّطْءُ الزَّرْعَ، والظّاهِرُ أنَّ الإسْنادَ في ( أخْرَجَ ) و(آزَرَ) مَجازِيٌّ وكَوْنُ ذَلِكَ مِنَ الإسْنادِ إلى المُوجَبِ، وهو حَقِيقَةٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ السّالَكُوتِيُّ في حَواشِيهِ عَلى المُطَوَّلِ حَيْثُ قالَ في قَوْلِهِمْ: سَرَّتْنِي رُؤْيَتُكَ.
هَذا القَوْلُ مَجازٌ إذا أُرِيدَ مِنهُ حُصُولُ السُّرُورِ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ أمّا إذا أُرِيدَ مِنهُ أنَّ الرُّؤْيَةَ مُوجِبَةٌ لِلسُّرُورِ فَهو حَقِيقَةٌ لا يَخْفى حالُهُ.
وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ (فَآزَرَهُ) ثُلاثِيًّا.
وقُرِئَ (( فَأزَّرَهُ)) بِشَدِّ الزّايِ أيْ فَشَدَّ أزْرَهُ وقَوّاهُ ﴿ فاسْتَغْلَظَ ﴾ فَصارَ مِنَ الدِّقَّةِ إلى الغِلَظِ وهو مِن بابِ اسْتَنْوَقَ الجَمَلُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ المُبالَغَةُ في الغِلَظِ كَما في اسْتَعْصَمَ ونَحْوَهُ، وأُوثِرُ الأوَّلَ لِأنَّ المَساقَ يُنْبِئُ عَنِ التَّدَرُّجِ ﴿ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ ﴾ فاسْتَقامَ عَلى قَصَبِهِ وأُصُولِهِ جَمْعُ ساقٍ نَحْوَ لابَةٍ ولُوبٍ وقارَّةٍ وقُورٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (سُوقِهِ) بِإبْدالِ الواوِ المَضْمُومِ ما قَبْلَها هَمْزَةً، قِيلَ: وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: أحَبُّ المُؤَقِّدِينَ إلَيَّ مُوسى ﴿ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ ﴾ بِقُوَّتِهِ وكَثافَتِهِ وغِلَظِهِ وحُسْنِ مَنظَرِهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُعْجَبًا لَهُمْ، وخَصَّهم تَعالى بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ إذا أعْجَبَ الزُّرّاعَ وهم يَعْرِفُونَ عُيُوبَ الزَّرْعِ فَهو أحْرى أنْ يُعْجِبَ غَيْرَهُمْ، وهُنا تَمَّ المَثَلُ وهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قَلُّوا في بَدْءِ الإسْلامِ ثُمَّ كَثُرُوا واسْتَحْكَمُوا فَتَرَقّى أمْرُهم يَوْمًا فَيَوْمًا بِحَيْثُ أعْجَبَ النّاسَ، وهَذا ما اخْتارَهُ بَعْضُهم وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ، وابْنُ جَرِيرٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ، وذَكَرا عَنْهُ أنَّهُ قالَ أيْضًا: مَكْتُوبٌ في الإنْجِيلِ سَيَخْرُجُ قَوْمٌ يَنْبُتُونَ نَباتَ الزَّرْعِ يَخْرُجُ مِنهم قَوْمٌ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ.
وفي الكَشّافِ هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِبَدْءِ مِلَّةِ الإسْلامِ وتَرَقِّيهِ في الزِّيادَةِ إلى أنْ قَوِيَ واسْتَحْكَمَ لِأنَّ النَّبِيَّ قامَ وحْدَهُ ثُمَّ قَوّاهُ اللَّهُ تَعالى بِمَن مَعَهُ كَما يُقَوِّي الطّاقَةَ الأُولى ما يَحْتَفُّ بِها مِمّا يَتَوَلَّدُ مِنها، وظاهِرُهُ أنَّ الزَّرْعَ هو النَّبِيُّ والشَّطْءَ أصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَيَكُونُ مَثَلًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابِهِ لا لِأصْحابِهِ فَقَطْ كَما في الأوَّلِ ولِكُلٍّ وُجْهَةٌ، ورُوِيَ الثّانِي عَنِ الواقِدِيِّ، وفي خَبَرٍ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ ﴾ عِلَّةٌ لِما يُعْرِبُ عَنْهُ الكَلامُ مِن إيجادِهِ تَعالى لَهم عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَضَمَّنُهُ التَّمْثِيلُ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ عِلَّةٌ لِلتَّمْثِيلِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقِيلَ: عِلَّةٌ لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا ﴾ فَإنَّ الكَفّارَ إذا سَمِعُوا بِما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ مَعَ ما لَهم في الدُّنْيا مِنَ العِزَّةِ غاظَهم ذَلِكَ، وهو مَعَ تَوَقُّفِ تَمامِيَّتِهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ عَلى كَوْنِ الكَفّارِ مُسْتَيْقِنِينَ بِالآخِرَةِ ومُتَحَقِّقِينَ كَوْنَ الوَعْدِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ بَعِيدٌ، وضَمِيرُ ( مِنهم ) لِمَن عادَ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ السّابِقَةُ، و(مِن) لِلْبَيانِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ ﴾ ولَيْسَ مَجِيئُها كَذَلِكَ مَخْصُوصًا بِما إذا كانَتْ داخِلَةً عَلى ظاهِرٍ كَما تَوَهَّمَ صاحِبُ التُّحْفَةِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةٍ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ ﴾ فَقالَ: حَمْلُ (مِن) لِلْبَيانِ إذا كانَ داخِلًا عَلى الضَّمِيرِ مُخالِفٌ لِاسْتِعْمالِ العَرَبِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ صاحِبُ التَّرْجَمَةِ لَكِنْ قالَ: لَوِ ادَّعى هَذا الخِلافَ في ضَمِيرَيِ الخِطابِ والتَّكَلُّمَ لَمْ يَبْعُدْ.
ومِن مَجِيئِها لِلْبَيانِ داخِلَةً عَلى ضَمِيرِ الغائِبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ ﴾ عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّ ضَمِيرَ ﴿ تَزَيَّلُوا ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ لا لِلتَّبْعِيضِ كَما يَقُولُهُ الشِّيعَةُ الزّاعِمُونَ ارْتِدادَ أكْثَرِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن أهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ وغَيْرِهِمْ، فَإنَّ مَدْحَهُمُ السّابِقَ بِما يَدُلُّ عَلى الِاسْتِمْرارِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا ﴾ ووَصْفُهم بِما يَدُلُّ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ ﴾ يَأْبى التَّبْعِيضَ والِارْتِدادَ الَّذِينَ زَعَمُوهُ عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى إنْصافٍ وشِمَّةٍ مِن دِينٍ، ويَزِيدُ زَعْمَهم هَذا سُقُوطًا عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ أنَّ مَدْحَهم ذاكَ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعالى في التَّوْراةِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ، ولا يَكادُ عاقِلٌ يَقْبَلُ أنَّهُ تَعالى أطْلَقَ المَدْحَ وكَتَبَهُ لِأُناسٍ لَمْ يَثْبُتْ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ، وإذا قُلْنا: إنَّ هَؤُلاءِ المَمْدُوحِينَ هم أهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ الَّذِينَ بايَعُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الحُدَيْبِيَةَ كَما يُشْعِرُ بِهِ ( والَّذِينَ مَعَهُ ) لا سِيَّما عَلى القَوْلِ بِأنَّ السُّورَةِ بِتَمامِها نَزَلَتْ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ أنْ يَتَفَرَّقُوا عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ سُقُوطُ ذَلِكَ الزَّعْمِ أبْيَنَ وأبْيَنَ لِأنَّ الِارْتِدادَ الَّذِي يَزْعُمُونَهُ كانَ لِتَرْكِ مُبايَعَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بَعْدَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ مَعَ العِلْمِ بِالنَّصِّ عَلى خِلافَتِهِ بِزَعْمِهِمْ ومُبايَعَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وكَيْفَ يَكُونُ ذاكَ ارْتِدادًا واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ حِينَ رَضِيَ عَنْهم عَلى أنَّهم يَفْعَلُونَهُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما رَضِيَ عَنْ مُبايَعَتِهِمْ أوْ عَنْهم مِن حَيْثُ المُبايَعَةُ ولَمْ يَرْضَ سُبْحانَهُ عَنْهم مُطْلَقًا لِأجْلِها خِلافُ ظاهِرِ الآيَةِ، والظّاهِرُ ما نُفِيَ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ صُدُورُ بَعْضِ المَعاصِي مِن بَعْضِهِمْ بَعْدُ وإنَّما يُعَكِّرُ صُدُورُ ما لا يُجامِعُ الرِّضا أصْلًا كالِارْتِدادِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وبِالجُمْلَةِ جَعْلُ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ لِيُتِمَّ لِلشِّيعَةِ ما زَعَمُوهُ مِمّا يَأْباهُ الكِتابُ والسُّنَّةُ وكَلامُ العِتْرَةِ.
وفي التُّحْفَةِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةٍ مِن ذَلِكَ ما تَنْشَرِحُ لَهُ الصُّدُورُ وتَزْدادُ بِهِ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ نُورًا عَلى نُورٍ، ويا سُبْحانَ اللَّهِ أيْنَ جَعْلُ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ مِن دَعْوى الِارْتِدادِ، ولَكِنْ مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ، وتَأْخِيرُ ( مِنهم ) هُنا عَنْ ( عَمِلُوا الصّالِحاتِ ) وتَقْدِيمُ ( مِنكم ) عَلَيْهِ في آيَةِ النُّورِ الَّتِي ذَكَرْناها آنِفًا لِأنَّ عَمَلَ الصّالِحاتِ لا يَنْفَكُّ عَنْهُمْ، وذَلِكَ ثَمَّتْ لِبَيانِ الخُلَفاءِ، والعَمَلُ الصّالِحُ لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ لِاسْتِمْرارِ صِحَّةِ خِلافَتِهِمْ حَتّى لا يَنْعَزِلُوا بِالفِسْقِ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ( مِنهم ) يَعْنِي مِنَ الشَّطْءِ الَّذِي أخْرَجَهُ الزَّرْعُ وهُمُ الدّاخِلُونَ في الإسْلامِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَأعادَ الضَّمِيرَ عَلى مَعْنى الشَّطْءِ وكَذَلِكَ فَعَلَ البَغَوِيُّ ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
وهَذا وفي المَواهِبِ أنَّ الإمامَ مالِكًا قَدِ اسْتَنْبَطَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَكْفِيرَ الرَّوافِضِ الَّذِينَ يُبْغِضُونَ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فَإنَّهم يَغِيظُونَهم ومَن غاظَهُ الصَّحابَةُ فَهو كافِرٌ، ووافَقَهُ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ انْتَهى.
وفي البَحْرِ ذُكِرَ عِنْدَ مالِكٍ رَجُلٌ يَنْتَقِصُ الصَّحابَةَ فَقَرَأ مالِكٌ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: مَن أصْبَحَ مِنَ النّاسِ في قَلْبِهِ غَيْظٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقَدْ أصابَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ، ويُعْلَمُ تَكْفِيرُ الرّافِضَةِ بِخُصُوصِهِمْ، وفي كَلامِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ما يُشِيرُ إلَيْهِ أيْضًا، فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ ﴾ قالَتْ: أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُمِرُوا بِالِاسْتِغْفارِ لَهم فَسَبُّوهُمْ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ جَعْلُ جُمَلِ الآيَةِ كُلَّ جُمْلَةٍ مُشِيرَةً إلى مُعَيَّنٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فَعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: ﴿ أخْرَجَ شَطْأهُ ﴾ بِأبِي بَكْرٍ ﴿ فَآزَرَهُ ﴾ بِعُمَرَ ﴿ فاسْتَغْلَظَ ﴾ بِعُثْمانَ ﴿ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ ﴾ بِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والقاضِي أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ في فَضائِلِ الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ.
والشِّيرازِيُّ في الألْقابِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ ﴾ أبُو بَكْرٍ ﴿ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ ﴾ عُمَرُ ﴿ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ﴾ عُثْمانُ ﴿ تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا ﴾ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ﴾ طَلْحَةُ والزُّبَيْرُ ﴿ سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ ﴾ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقاصٍّ وأبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ ﴿ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ ﴾ بِأبِي بَكْرٍ ﴿ فاسْتَغْلَظَ ﴾ بِعُمَرَ ﴿ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ ﴾ بِعُثْمانَ ﴿ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ ﴾ بِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ﴿ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ جَمِيعَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَزَرْعٍ ﴾ قالَ: أصْلُ الزَّرْعِ عَبْدُ المُطَّلِبِ ﴿ أخْرَجَ شَطْأهُ ﴾ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ فَآزَرَهُ ﴾ بِأبِي بَكْرٍ ﴿ فاسْتَغْلَظَ ﴾ بِعُمَرَ ﴿ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ ﴾ بِعُثْمانَ ﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ ﴾ بِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وكُلُّ هَذِهِ الأخْبارِ لَمْ تَصِحَّ فِيما أرى ولا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ ما في الآيَةِ عَلَيْها، وأعْتَقِدُ أنَّ لِكُلٍّ مِنَ الخُلَفاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ الحَظَّ الأوْفى مِمّا تَضَمَّنَتْهُ، ومَتى أُرِيدَ بِالزَّرْعِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ حَظُّ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مِن ”شَطْأهُ“ أوْفى مِن حَظِّ سائِرِ الخُلَفاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولَعَلَّ مُؤازَرَتَهُ ومُعاوَنَتَهُ البَدَنِيَّةَ بِقَتْلِ كَثِيرٍ مِنَ الكَفَرَةِ أعْدائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أكْثَرُ مِن مُؤازَرَةِ غَيْرِهِ مِنَ الخُلَفاءِ أيْضًا، ومَعَ هَذا لا يَنْخَدِشُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ مُحَقِّقُو أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ في مَسْألَةِ التَّفْضِيلِ كَما لا يَخْفى عَلى النَّبِيهِ النَّبِيلِ، فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في بَعْضِ الآياتِ: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ يُشِيرُ عِنْدَهم إلى فَتْحِ مَكَّةَ العَماءُ بِإدْخالِ الأعْيانِ الثّابِتَةِ ظاهِرَةٌ بِنُورِ الوُجُودِ فِيها أيْ إظْهارُها لِلْعِيانِ لِأجْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنَّ لامَ ( لَكَ ) لِلتَّعْلِيلِ، وحاصِلُهُ أظْهَرْنا العالَمَ لِأجْلِكَ وهو في مَعْنى ما يَرْوُونَهُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (لَوْلاكَ لَوْلاكَ ما خُلِقَتِ الأفْلاكُ).
وقِيلَ: يُشِيرُ إلى فَتْحِ بابِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى حَضْرَةِ رُبُوبِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ بِتَجَلِّي صِفاتِ جَمالِهِ وجَلالِهِ وفَتْحِ ما انْغَلَقَ عَلى جَمِيعِ القُلُوبِ مِنَ الأسْرارِ وتَفْصِيلِ شَرائِعِ الإسْلامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُتُوحاتِ قَلْبِهِ .
﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ لِيَسْتُرَ وُجُودَكَ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ بِوُجُودِهِ جَلَّ وعَلا ﴿ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ بِإثْباتِ جَمِيعِ حَسَناتِ العالَمِ في صَحِيفَتِكَ إذْ كُنْتَ العِلَّةَ في إظْهارِهِ ﴿ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ عَلى وجْهِ الجَمْعِ والفَرْقِ ﴿ ويَنْصُرَكَ اللَّهُ ﴾ عَلى النُّفُوسِ الأمّارَةِ مِمَّنْ تَدْعُوهم إلى الحَقِّ ﴿ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ قَلَّما يُشْبِهُهُ نَصْرٌ، ومِن هُنا كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أكْثَرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَبَعًا، وكانَ عُلَماءُ أُمَّتِهِ كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا حَصَلَ لِأُمَّتِهِ بِواسِطَةِ تَرْبِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم وإفاضَةِ الأنْوارِ والأسْرارِ عَلى نُفُوسِهِمْ وأرْواحِهِمْ، والمُرادُ لِيَجْمَعَ لَكَ هَذِهِ الأُمُورَ فَلا تَغْفَلْ ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ ﴾ فَسَّرُوها بِشَيْءٍ يَجْمَعُ نُورًا وقُوَّةً ورُوحًا بِحَيْثُ يَسْكُنُ إلَيْهِ ويَتَسَلّى بِهِ الحَزِينُ والضَّجِرُ ويَحْدُثُ عِنْدَهُ القِيامُ بِالخِدْمَةِ ومُحاسَبَةِ النَّفْسِ ومُلاطَفَةِ الخَلْقِ ومُراقَبَةِ الحَقِّ والرِّضا بِالقَسْمِ والمَنعِ مِنَ الشَّطْحِ الفاحِشِ، وقالُوا: لا تَنْزِلُ السَّكِينَةُ إلّا في قَلْبِ نَبِيٍّ أوْ ولِيٍّ ﴿ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ﴾ فَيَحْصُلُ لَهُمُ الإيمانُ العَيانِيُّ والإيمانُ الِاسْتِدْلالِيُّ البُرْهانِيُّ ﴿ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ﴾ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ إذْ كُنْتَ أوَّلَ مَخْلُوقٍ، ومِن هُنا أحاطَ عِلْمًا بِما لَمْ يُحِطْ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شاهَدَ خَلْقَ جَمِيعِها، ومِن هَذا المَقامِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(كُنْتُ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ)».
﴿ ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا ﴾ إذْ كُنْتُ أعْلَمُ الخَلْقِ بِصِفاتِ الجَمالِ والجَلالِ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ﴾ يُشِيرُ عِنْدَهم إلى كَمالِ فَناءِ وجُودِهِ وبَقائِهِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ ﴾ ﴿ سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ ﴾ المُتَخَلِّفُونَ عَنِ السَّيْرِ إلى قِتالِ الأنْفُسِ الأمارَةِ ﴿ مِنَ الأعْرابِ ﴾ مِن سُكّانِ بِوادِي الطَّبِيعَةِ ﴿ شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا ﴾ العَوائِقُ والعَلائِقُ ﴿ فاسْتَغْفِرْ لَنا ﴾ اطْلُبْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ سَتْرَ ذَلِكَ عَنّا لِيَتَأتّى لَنا السَّيْرُ ﴿ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ ﴾ لِتَمَكُّنِ حُبِّ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ وعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ لِدُخُولِ غَيْرِهِ فِيها: رَضُوا بِالأمانِي وابْتَلَوْا بِحُظُوظِهِمْ وخاضُوا بِحارَ الحُبِّ دَعْوى فَما ابْتُلُوا ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا ﴾ أيْ إنَّ هاتَيْكَ العَوائِقَ والعَلائِقَ لا تُجْدِيكم شَيْئًا ﴿ بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْها حَسْبَما تَقْتَضِي الحِكْمَةُ ﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ ﴾ بَلْ حَسِبْتُمْ أنْ لا يَرْجِعَ العَقْلُ والقُوى الرُّوحانِيَّةُ مِنَ السّالِكِينَ السّائِرِينَ إلى جِهادِ النَّفْسِ وطَلَبِ مَغانِمِ التَّجَلِّياتِ والأُنْسِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن إدْراكِ المَصالِحِ وتَدْبِيرِ حالِ المَعاشِ وما تَقْتَضِيهِ هَذِهِ النَّشْأةُ ﴿ وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ بِاللَّهِ تَعالى وشُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وكُنْتُمْ ﴾ في نَفْسِ الأمْرِ ﴿ قَوْمًا بُورًا ﴾ هالِكِينَ في مَهالِكِ الطَّبِيعَةِ وسُوءِ الِاسْتِعْدادِ ﴿ سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ﴾ وهي مَغانِمُ التَّجَلِّياتِ ومَواهِبُ الحَقِّ لِأرْبابِ الحَضْراتِ ﴿ ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ ﴾ دَعُونا نَسْلُكْ مَسْلَكَكم لِنَنالَ مَنالَكم ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ ﴾ في حَقِّهِمْ مِن حِرْمانِهِمُ المَغانِمَ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذَلِكم قالَ اللَّهُ ﴾ حَكَمَ وقَضى ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ إذْ كُنْتُمْ في عالَمِ الأعْيانَ الثّابِتَةِ ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ ﴿ بَلْ تَحْسُدُونَنا ﴾ ولِهَذا تَمْنَعُونَنا عَنِ الِاتِّباعِ ﴿ بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إلا قَلِيلا ﴾ ولِذَلِكَ نَسَبُوا الحَسَدَ وهو مِن أقْبَحِ الصِّفاتِ إلى ذَوِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ المُطَهَّرَةِ عَنْ جَمِيعِ الصِّفاتِ الرَّدِيَّةِ ﴿ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ ﴾ ولا تُتْرَكُونَ سُدًى ﴿ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ وهُمُ النَّفْسُ وقُواها ﴿ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ يَنْقادُونَ لِحُكْمِ رَسُولِ العَقْلِ المُنَزَّهِ عَنْ شَوائِبِ الوَهْمِ ﴿ فَإنْ تُطِيعُوا ﴾ الدّاعِيَ ﴿ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا ﴾ مِن أنْواعِ المَعارِفِ والتَّجَلِّياتِ ﴿ وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ﴾ وهو عَذابُ الحِرْمانِ والحِجابِ ﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى ﴾ وهو مَن لَمْ يَرَ في الدّارِ غَيْرَهُ دِيارًا ﴿ حَرَجٌ ﴾ في تَرْكِ السُّلُوكِ والجِهادِ المَطْلُوبِ مِنكم لِأنَّهُ وراءَ ذَلِكَ ﴿ ولا عَلى الأعْرَجِ ﴾ وهو مَن فَقَدَ شَيْخًا كامِلًا سالِمًا عَنْ عَيْبٍ في كَيْفِيَّةِ التَّسْلِيكِ والإيصالِ ﴿ حَرَجٌ ﴾ في تَرْكِ السُّلُوكِ أيْضًا، وهو إشارَةٌ إلى ما قالُوا مِن أنَّ تَرْكَ السُّلُوكِ خَيْرٌ مِنَ السُّلُوكِ عَلى يَدِ ناقِصٍ ﴿ ولا عَلى المَرِيضِ ﴾ بِمَرَضِ العِشْقِ والهَيامِ ﴿ حَرَجٌ ﴾ في ذاكَ أيْضًا لِأنَّهُ مَجْذُوبٌ والجَذْبَةُ خَيْرٌ مِنَ السُّلُوكِ ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ يُشِيرُ إلى المُعاهِدِينَ عَلى القَتْلِ بِسَيْفِ المُجاهَدَةِ تَحْتَ سَمُرَةِ الِانْفِرادِ عَنِ الأهْلِ والمالِ، ويُقالُ في أكْثَرِ الآياتِ الآتِيَةِ نَحْوُ هَذا ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ ﴾ أعْداءُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في مَقامِ الفَرْقِ ( رُحَماءُ فِيما بَيْنَهم ) لِقُوَّةٍ مُناسِبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فَهم جامِعُونَ لِصِفَتَيِ الجَلالِ والجَمالِ ﴿ سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ ﴾ لَهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَمِ السُّجُودِ لِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا والأُخْرى وتِلْكَ السِّيما خَلْعُ الأنْوارِ الإلَهِيَّةِ، قالَ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: كادَ وجْهُ المُؤْمِنِ يُخْبِرُ عَنْ مَكْنُونِ عَمَلِهِ وكَذَلِكَ وجْهُ الكافِرِ ﴿ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً ﴾ سَتْرًا لِصِفاتِهِمْ بِصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وأجْرًا عَظِيمًا ﴾ وهو أنْ يَتَجَلّى سُبْحانَهُ لَهم بِأعْظَمِ تَجَلِّياتِهِ وإلّا فَكُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ جَلَّ جَلالُهُ لَيْسَ بِعَظِيمٍ، وسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ رَحِيمٍ ومَلِكٍ كَرِيمٍ.