الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة الحجرات
تفسيرُ سورةِ الحجرات كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 194 دقيقة قراءةسُورَةُ الحُجُراتِ مَدَنِيَّةٌ كَما قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهم وفي مَجْمَعِ البَيانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إلّا آيَةً وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى ﴾ ولَعَلَّ مَن يُعْتَبَرُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والبَزّارُ في مُسْنَدِهِ مِن طَرِيقِ الأعْمَشِ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: ما كانَ ( يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ) أُنْزِلَ بِالمَدِينَةِ وما كانَ ( يا أيُّها النّاسُ ) فَبِمَكَّةَ يَقُولُ بِمَكِّيَّةٍ ما اسْتَثْنى، والحَقُّ أنَّ هَذا لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ.
وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّها في قَوْلٍ شاذٍّ مَكِّيَّةٌ، وهي ثَمانِي عَشْرَةَ آيَةً بِالإجْماعِ، ولا يَخْفى تَواخِيها مَعَ ما قَبْلَها لِكَوْنِهِما مَدَنِيَّتَيْنِ ومُشْتَمِلَتَيْنِ عَلى أحْكامٍ وتِلْكَ فِيها قِتالُ الكُفّارِ وهَذِهِ فِيها قِتالُ البُغاةِ، وتِلْكَ خُتِمَتْ بِالَّذِينِ آمَنُوا وهَذِهِ افْتُتِحَتْ بِالَّذِينِ آمَنُوا، وتِلْكَ تَضَمَّنَتْ تَشْرِيفاتٍ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خُصُوصًا مَطْلَعُها وهَذِهِ أيْضًا في مَطْلَعِها أنْواعٌ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي البَحْرِ مُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرٌ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابَهُ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ ﴿ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ إلَخْ فَرُبَّما صَدَرَ مِنَ المُؤْمِنِ عامِلِ الصّالِحاتِ بَعْضُ شَيْءٍ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يَنْهى عَنْهُ فَقالَ جَلَّ وعَلا تَعْلِيمًا لِلْمُؤْمِنِينَ وتَهْذِيبًا لَهم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ وتَصْدِيرُ الخِطابِ بِالنِّداءِ لِتَنْبِيهِ المُخاطَبِينَ عَلى أنَّ ما في حَيِّزِهِ أمْرٌ خَطِيرٌ يَسْتَدْعِي مَزِيدَ اعْتِنائِهِمْ وفَرْطَ اهْتِمامِهِمْ بِتَلَقِّيهِ ومُراعاتِهِ، ووَصْفِهِمْ بِالإيمانِ لِتَنْشِيطِهِمْ والإيذانِ بِأنَّهُ داعٍ لِلْمُحافَظَةِ عَلَيْهِ ورادِعٌ عَنِ الإخْلالِ بِهِ.
و( تُقَدِّمُوا ) مِن قَدَّمَ المُتَعَدِّي، ومَعْناهُ جَعَلَ الشَّيْءَ قادِمًا أيْ مُتَقَدِّمًا عَلى غَيْرِهِ، وكانَ مُقْتَضاهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ لَكِنَّ الأكْثَرَ في الِاسْتِعْمالِ تَعْدِيَتُهُ إلى الثّانِي بِعَلى تَقُولُ: قَدَّمْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ، وهو هُنا مُحْتَمِلُ احْتِمالَيْنِ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُهُ نَسْيًا والقَصْدُ فِيهِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ وهو التَّقْدِيمُ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ولا نَظَرٍ إلى أنَّ المُقَدَّمَ ماذا هو عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ﴾ وقَوْلُهُمْ: يُعْطِي ويَمْنَعُ، فالمَعْنى لا تَفْعَلُوا التَّقْدِيمَ ولا تَتَلَبَّسُوا بِهِ ولا تَجْعَلُوهُ مِنكم بِسَبِيلٍ.
والثّانِي أنْ يَكُونَ قَدْ حُذِفَ مَفْعُولُهُ قَصْدًا إلى تَعْمِيمِهِ لِأنَّهُ لِاحْتِمالِهِ لِأُمُورٍ لَوْ قُدِّرَ أحَدُها كانَ تَرْجِيحًا بِلا مُرَجِّحٍ يُقَدِّرُ أمْرًا عامًّا لِأنَّهُ أفْيَدُ مَعَ الِاخْتِصارِ، فالمَعْنى لا تُقَدِّمُوا أمْرًا مِنَ الأُمُورِ، والأوَّلُ قِيلَ أوْفى بِحَقِّ المَقامِ لِإفادَتِهِ النَّهْيَ عَنِ التَّلَبُّسِ بِنَفْسِ الفِعْلِ المُوجِبِ لِانْتِفائِهِ بِالكُلِّيَّةِ المُسْتَلْزِمِ لِانْتِفاءِ تَعَلُّقِهِ بِمَفْعُولِهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، ورُجِّحَ الثّانِي بِأنَّهُ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، وبِأنَّ في الأوَّلِ تَنْزِيلَ المُتَعَدِّي مَنزِلَةَ اللّازِمِ وهو خِلافُ الأصْلِ والثّانِي سالِمٌ مِنهُ، والحَذْفُ وإنْ كانَ خِلافَ الأصْلِ أيْضًا أهْوَنُ مِنَ التَّنْزِيلِ المَذْكُورِ لِكَثْرَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وبَعْضُهم لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما لِتَعارُضِ التَّرْجِيحِ عِنْدَهُ وكَوْنِ مَآلِ المَعْنى عَلَيْهِما العُمُومَ المُناسِبَ لِلْمَقامِ، وذُكِرَ أنَّ في الكَلامِ تَجَوُّزَيْنِ، أحَدُهُما في (بَيْنَ) إلَخْ فَإنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ بَيْنَ يَدَيْ فُلانٍ ما بَيْنَ العُضْوَيْنِ فَتُجُوِّزَ بِذَلِكَ عَنِ الجِهَتَيْنِ المُسامَّتَتَيْنِ لِيَمِينِهِ وشِمالِهِ قَرِيبًا مِنهُ بِإطْلاقِ اليَدَيْنِ عَلى ما يُجاوِرُهُما ويُحاذِيهِما فَهو مِنَ المَجازِ المُرْسَلِ.
ثانِيهِما اسْتِعارَةُ الجُمْلَةِ وهي التَّقَدُّمُ بَيْنَ اليَدَيْنِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِلْقَطْعِ بِالحُكْمِ بِلا اقْتِداءٍ ومُتابَعَةٍ لِمَن يَلْزَمُ مُتابَعَتَهُ تَصْوِيرًا لِهَجْنَتِهِ وشَناعَتِهِ بِصُورَةِ المَحْسُوسِ فِيما نَهَوْا عَنْهُ كَتَقَدُّمِ الخادِمِ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ في سَيْرِهِ حَيْثُ لا مَصْلَحَةَ، فالمُرادُ مِن ﴿ لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ لا تَقْطَعُوا أمْرًا وتَجْزِمُوا بِهِ وتَجْتَرِؤُوا عَلى ارْتِكابِهِ قَبْلَ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ويَأْذَنا فِيهِ، وحاصِلُهُ النَّهْيُ عَنِ الإقْدامِ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ دُونَ الِاحْتِذاءِ عَلى أمْثِلَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( تُقَدِّمُوا ) مِن قَدِمَ اللّازِمِ بِمَعْنى تَقَدَّمَ كَوَجَّهَ وبَيَّنَ، ومِنهُ مُقَدِّمَةُ الجَيْشِ خِلافُ ساقَتِهِ وهي الجَماعَةُ المُتَقَدِّمَةُ مِنهُ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي حَيْوَةَ والضَّحّاكِ ويَعْقُوبَ وابْنِ مِقْسَمٍ (لا تَقَدَّمُوا) بِفَتْحِ التّاءِ والقافِ والدّالِ، وأصْلُهُ تَتَقَدَّمُوا فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا لِأنَّهُ مِنَ التَّفَعُّلِ وهو المُطاوِعُ اللّازِمُ، ورُجِّحَ ما تَقَدَّمَ بِما سَمِعْتَ وبِأنَّ فِيهِ اسْتِعْمالَ أعْرَفِ اللُّغَتَيْنِ وأشْهَرِهِما، لا يُقالُ: الظَّرْفُ إذا تَعَلَّقَ بِهِ العامِلُ قَدْ يَنْزِلُ مَنزِلَةَ المَفْعُولِ فَيُفِيدُ العُمُومَ كَما قَرَّرُوهُ في ﴿ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ فَلْيَكُنِ الظَّرْفُ هاهُنا بِمَنزِلَةِ مَفْعُولِ التَّقَدُّمِ مُغْنِيًا غَناءَهُ، والتَّقَدُّمُ بَيْنَ يَدَيِ المَرْءِ خُرُوجٌ عَنْ صِفَةِ المُتابَعَةِ حِسًّا فَهو أوْفَقُ لِلِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ المَقْصُودِ مِنها تَصْوِيرُ هُجْنَةِ الحُكْمِ بِلا اقْتِداءٍ ومُتابَعَةٍ لِمَن يَلْزَمُ مُتابَعَتُهُ بِصُورَةِ المَحْسُوسِ، فَتَخْرِيجُ ﴿ لا تُقَدِّمُوا ﴾ عَلى اللُّزُومِ أبْلَغُ ولا يَضُرُّهُ عَدَمُ الشُّهْرَةِ فَإنَّهُ لا يُقاوِمُ الأبْلَغِيَّةَ المُطابِقَةَ لِلْمَقامِ لِما أشارَ إلَيْهِ في الكَشْفِ مِن أنَّ المُرادَ النَّهْيُ عَنْ مُخالَفَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، والتَّعْدِيَةُ تُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ بِجَعْلٍ وقَصْدٍ مِنهُ لِلْمُخالَفَةِ لِأنَّ التَّقْدِيمَ بَيْنَ يَدَيِ المَرْءِ أنْ تَجْعَلَ أحَدًا إمّا نَفْسَكَ أوْ غَيْرَكَ مُتَقَدِّمًا بَيْنَ يَدَيْهِ وذَلِكَ أقْوى في الذَّمِّ وأكْثَرُ اسْتِهْجانًا لِلدَّلالَةِ عَلى تَعَمُّدِ عَدَمِ المُتابَعَةِ لا صُدُورُها عَنْهُ كَيْفَما اتَّفَقَ فافْهَمْ ولا تَغْفَلْ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ مِن بابِ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ فالنَّهْيُ عَنِ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ، وذِكْرُ اللَّهِ تَعالى لِتَعْظِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والإيذانِ بِجَلالَةِ مَحَلِّهِ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ ومَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِهِ سُبْحانَهُ، وأمْرُ التَّجَوُّزِ عَلَيْهِ عَلى حالِهِ، وهو كَما قالَ في الكَشْفِ أوْفَقُ لِما يَجِيءُ بَعْدَهُ، فَإنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِإجْلالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإذا كانَ اسْتِحْقاقُ هَذا الإجْلالِ لِاخْتِصاصِهِ بِاللَّهِ جَلَّ وعَلا ومَنزِلَتِهِ مِنهُ سُبْحانَهُ فالتَّقَدُّمُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ أدْخَلُ في النَّهْيِ وأدْخَلُ، وإنْ جُعِلَ مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ عَلى ما مَرَّ فالنَّهْيُ عَنِ الِاسْتِبْدادِ بِالعَمَلِ في أمْرٍ دِينِيٍّ لا مُطْلَقًا مِن غَيْرِ مُراجَعَةٍ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، وعَلَيْهِ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أيْ لا تَقُولُوا خِلافَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وكَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: نُهُوا أنْ يَتَكَلَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ كَلامِهِ بَلْ عَلَيْهِمْ أنْ يُصْغُوا ولا يَتَكَلَّمُوا.
ووَجْهُ الدَّلالَةِ عَلى هَذا أنَّ كَلامَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُرِيدَ بِهِ ما يَنْقُلُهُ عَنْهُ تَعالى ولَفْظُهُ أيْضًا، وما اللَّفْظُ مِنَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنْ كانَ المَعْنى مِنَ الوَحْيِ أوْ أرادَ كَلامَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى والرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: لا تَفْتاتُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِشَيْءٍ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِهِ يَخْرُجُ عَلى نَحْوِ التَّخْرِيجِ الأوَّلِ لِكَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ ويَكُونُ مُؤَيِّدًا لَهُ، وبَعْضُهم يَرْوِي أنَّهُ قالَ: لا تَفْتاتُوا عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْئًا حَتّى يَقُصَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجُعِلَ مُؤَيِّدًا لِكَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وفَسَّرَ التَّقَدُّمَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ التَّقَدُّمَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَكْشُوفُ المَعْنى، ثُمَّ إنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن بابِ بَيانِ حاصِلِ المَعْنى في الجُمْلَةِ.
وفِي الدُّرِّ المَنثُورِ بَعْدَ ذِكْرِ المَرْوِيِّ عَنْ مُجاهِدٍ حَسْبَما ذَكَرْنا قالَ الحُفّاظُ: هَذا التَّفْسِيرُ عَلى قِراءَةِ (تَقَدَّمُوا) بِفَتْحِ التّاءِ والدّالِ وهي قِراءَةٌ لِبَعْضِهِمْ حَكاها الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو حَيّانَ وغَيْرُهُما، وكَأنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ ( تُقَدِّمُوا ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مِن قَدِمَ كَعَلِمَ إذا مَضى في الحَرْبِ ويَأْتِي مِن بابِ نَصَرَ أيْضًا إذِ الِافْتِياتُ وهو السَّبْقُ دُونَ ائْتِمارِ مَن يُؤْتَمَرُ أنْسَبُ بِذَلِكَ.
واخْتارَ بَعْضُ الأجِلَّةِ جَعْلَهُ مِن قَدِمَ مِن سَفَرِهِ مِن بابِ عَلِمَ لا غَيْرَ كَما يَقْتَضِيهِ عِبارَةُ القامُوسِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ قَدْ شُبِّهَ تَعْجِيلُهم في قَطْعِ الحُكْمِ في أمْرٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ بِقُدُومِ المُسافِرِ مِن سَفَرِهِ إيذانًا بِشِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِيهِ نَحْوَ ﴿ وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا ﴾ واخْتُلِفَ في سَبَبِ النُّزُولِ، فَأخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: (قَدِمَ رَكْبٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أمِّرِ القَعْقاعَ بْنَ مَعْبَدٍ، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: بَلْ أمِّرِ الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ما أرَدْتَ إلّا خِلافِي، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ما أرَدْتُ خِلافَكَ فَتَمارَيا حَتّى ارْتَفَعَتْ أصْواتُهُما فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ حَتّى انْقَضَتِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ «عَنِ الحَسَنِ أنَّ أُناسًا ذَبَحُوا قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ فَأمَرَهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُعِيدُوا ذَبْحًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلَخْ،» وفي الكَشّافِ عَنْهُ أنَّ أُناسًا ذَبَحُوا يَوْمَ الأضْحى قَبْلَ الصَّلاةِ فَنَزَلَتْ وأمَرَهم أنْ يُعِيدُوا ذَبْحًا آخَرَ، والأوَّلُ ظاهِرٌ في أنَّ النُّزُولَ بَعْدَ الأمْرِ والذَّبْحِ قَبْلَ الصَّلاةِ يَسْتَلْزِمُ الذَّبْحَ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ كانَ يَنْحَرُ بَعْدَها كَما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ، وإلى عَدَمِ الإجْزاءِ قَبْلُ ذَهَبَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ والأخْبارُ تُؤَيِّدُهُ، أخْرَجَ الشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنِ البَراءِ قالَ: «(ذَبَحَ أبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيارٍ قَبْلَ الصَّلاةِ فَقالَ النَّبِيُّ : أبْدِلْها فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ عِنْدِي إلّا جَذَعَةٌ فَقالَ : اجْعَلْها مَكانُها ولَنْ تُجْزِيَ عَنْ أحَدٍ بَعْدَكَ)».
وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(أوَّلُ ما نَبْدَأُ بِهِ في يَوْمِنا هَذا نُصَلِّي ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَنْحَرُ فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أصابَ سُنَّتَنا ومَن ذَبَحَ قَبْلُ فَإنَّما هو لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ في شَيْءٍ)».
وكانَ أبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيارٍ قَدْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ الحَدِيثَ، وفي المَسْألَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ مَحَلُّهُ كُتُبِ الفُرُوعِ فَراجِعْهُ إنْ أرَدْتَهُ، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا لَمّا اسْتَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ بِالمَدِينَةِ أتَتْهُ الوُفُودُ مِنَ الآفاقِ فَأكْثَرُوا عَلَيْهِ بِالمَسائِلِ فَنُهُوا أنْ يَبْتَدِئُوهُ بِالمَسْألَةِ حَتّى يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو المُبْتَدِئُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ ناسًا كانُوا يَقُولُونَ: لَوْ أُنْزِلَ في كَذا وكَذا لَكانَ كَذا وكَذا فَكَرِهَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وقَدَّمَ فِيهِ.
وقِيلَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى تِهامَةَ سَرِيَّةً سَبْعَةً وعِشْرِينَ رَجُلًا عَلَيْهِمُ المُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو السّاعِدِيُّ فَقَتَلَهم بَنُو عامِرٍ وعَلَيْهِمْ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ إلّا ثَلاثَةَ نَفَرٍ نَجَوْا فَلَقُوا رَجُلَيْنِ مِن بَنِي سُلَيْمٍ قُرْبَ المَدِينَةِ فاعْتَزَيا لَهم إلى بَنِي عامِرٍ لِأنَّهم أعَزُّ مِن سُلَيْمٍ فَقَتَلُوهُما وسَلَبُوهُما ثُمَّ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: بِئْسَما صَنَعْتُمْ كانا مِن سُلَيْمٍ أيْ كانا مِن أهْلِ العَهْدِ لِأنَّهم كانُوا مُعاهَدِينَ والسَّلَبُ ما كَسَوْتُهُما فَوَداهُما رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: ونَزَلَتْ أيْ لا تَعْمَلُوا شَيْئًا مِن ذاتِ أنْفُسِكم حَتّى تَسْتَأْمِرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ».
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: إنَّ ناسًا كانُوا يَتَقَدَّمُونَ الشَّهْرَ فَيَصُومُونَ قَبْلَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ وفي رِوايَةٍ عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الأجْدَعِ بْنِ مالِكٍ الهَمْدانِيِّ الكُوفِيِّ دَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وكانَتْ قَدْ تَبَنَّتْهُ في اليَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقالَتْ لِلْجارِيَةِ: اسْقِيهِ عَسَلًا فَقُلْتُ: إنِّي صائِمٌ فَقالَتْ: قَدْ نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْ صَوْمِ هَذا اليَوْمِ وفِيهِ نَزَلَتْ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا ﴾ إلَخْ، فالمَعْنى كَما في المَعالِمِ لا تَصُومُوا قَبْلَ صَوْمِ نَبِيِّكُمْ، وأوَّلَ هَذا صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: الظّاهِرُ عِنْدِي أنَّها اسْتَدَلَّتْ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُمْتَثَلَ أمْرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونَهْيُهُ، وقَدْ نَهى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفِيهِ نَزَلَتْ أيْ في مِثْلِ هَذا لِدَلالَتِها عَلى وُجُوبِ الِاتِّباعِ والنَّهْيِ عَنِ الِاسْتِبْدادِ إذْ لا يُلَوِّحُ ذَلِكَ التَّفْسِيرُ عَلى وجْهٍ يَنْطَبِقُ عَلى يَوْمِ الشَّكِّ وحْدَهُ إلّا بِتَكَلُّفٍ، وهَذا نَظِيرُ ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في جَوابِ المَرْأةِ الَّتِي اعْتَرَضَتْ عَلَيْهِ أنَّها قَرَأتْ كِتابَ اللَّهِ وما وجَدَتِ اللَّعْنَ عَلى الواشِمَةِ كَما ادَّعاهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن قَوْلِهِ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وجَدْتِيهِ أما رَأيْتِ ﴿ وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا ﴾ قالَتْ: بَلى قالَ: فَإنَّهُ نَهى عَنْهُ.
وأنْتَ تَعْلَمُ بَعْدَ الرِّوايَةِ الأُولى عَنْ هَذا التَّأْوِيلِ، ويُعْلَمُ مِن هَذِهِ الرِّواياتِ وغَيْرِها أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا أيْضًا في تَفْسِيرِ التَّقَدُّمِ، وفي كَثِيرٍ مِنها تَفْسِيرُهُ بِخاصٍّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في كُلِّ قَوْلٍ وفِعْلٍ ويَدْخُلُ فِيها أنَّهُ إذا جَرَتْ مَسْألَةٌ في مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَسْبِقُوهُ في الجَوابِ، وأنْ لا يَمْشِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ إلّا لِلْحاجَةِ، وأنْ يَسْتَأْتِيَ في الِافْتِتاحِ بِالطَّعامِ، ورُجِّحَ بِأنَّهُ المُوافِقُ لِلسِّياقِ ولِما عُرِفَ في الأُصُولِ مِن أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وفي الكَلامِ عَلَيْهِ بِناءً عَلى ما قالَهُ الطَّيِّبِيُّ مَجازٌ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرِكِ الصّادِقِ عَلى الحَقِيقَةِ أيْضًا دُونَ التَّمْثِيلِ وتَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ ويُسَمّى في الأُصُولِ بِعُمُومِ المَجازِ وفي الصِّناعَةِ بِالكِنايَةِ لِأنَّها لا تُنافِي إرادَةَ الحَقِيقَةِ أيْضًا ومِن هُنا يَجُوزُ إرادَةُ لا تَمْشُوا بَيْنَ يَدَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَكَرَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى هَذا القَوْلِ مَفْعُولٌ بَلْ يَتَوَجَّهُ النَّهْيُ إلى نَفْسِ الفِعْلِ فَتَأمَّلْ، ويُحْتَجُّ بِالآيَةِ عَلى اتِّباعِ الشَّرْعِ في كُلِّ شَيْءٍ وهو ظاهِرٌ مِمّا تَقَدَّمَ، ورُبَّما احْتَجَّ بِها نُفاةُ القِياسِ وهو كَما قالَ الكَيا باطِلٌ مِنهم.
نَعَمْ قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: يُحْتَجُّ بِها عَلى تَقْدِيمِ النَّصِّ عَلى القِياسِ، ولَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ العَمَلَ بِالنَّصِّ أبْعَدُ مِنَ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أيْ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وتَذَرُوَنَ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما نَحْنُ فِيهِ ﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ ومِنهُ أقْوالُكم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ ومِنها أفْعالُكم فَمِن حَقِّهِ أنْ يُتَّقى ويُراقَبَ <div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﴾ شُرُوعٌ في النَّهْيِ عَنِ التَّجاوُزِ في كَيْفِيَّةِ القَوْلِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ التَّجاوُزِ في نَفْسِ القَوْلِ والفِعْلِ، وإعادَةُ النِّداءِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ في الإيقاظِ والتَّنْبِيهِ والإشْعارِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الكَلامَيْنِ بِاسْتِدْعاءِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ أيْ لا تَبْلُغُوا بِأصْواتِكم وراءَ حَدٍّ يَبْلُغُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِصَوْتِهِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ لا تَرَفَّعُوا بِأصْواتِكم بِتَشْدِيدِ ( تَرَفَّعُوا) وزِيادَةِ الباءِ وقَدْ شَدَّدَ الأعْلَمُ الهُذَلِيُّ في قَوْلِهِ: رَفَّعْتُ عَيْنِي بِالحِجا زِ إلى أُناسٍ بِالمَناقِبِ والتَّشْدِيدُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ كَزِيادَةِ الباءِ في القِراءَةِ إلّا أنَّ لَيْسَ المَعْنى فِيها أنَّهم نُهُوا عَنِ الرَّفْعِ الشَّدِيدِ تَخَيُّلًا أنْ يَكُونَ ما دُونَ الشَّدِيدِ مُسَوِّغًا لَهُمْ، ولَكِنَّ المَعْنى نَهْيُهم عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الجَلَبَةِ واسْتِجْفاؤُهم فِيما كانُوا يَفْعَلُونَ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً ﴾ .
﴿ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ ﴾ أيْ جَهْرًا كائِنًا كالجَهْرِ الجارِي فِيما بَيْنَكُمْ، فالأوَّلُ نَهْيٌ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فَوْقَ صَوْتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهَذا نَهْيٌ عَنْ مُساواةِ جَهْرِهِمْ لِجَهْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ المُعْتادُ في مُخاطَبَةِ الأقْرانِ والنُّظَراءِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ويُفْهَمُ مِن ذَلِكَ وُجُوبُ الغَضِّ حَتّى تَكُونَ أصْواتُهم دُونَ صَوْتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: الأوَّلُ مَخْصُوصٌ بِمُكالَمَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهم وهَذا بَصْمَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِهِ إذا نَطَقَ ونَطَقْتُمْ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ إذا سَكَتَ وتَكَلَّمْتُمْ، ويُفْهَمُ أيْضًا وُجُوبُ كَوْنِ أصْواتِهِمْ دُونَ صَوْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأيًّا ما كانَ يَكُونُ المَآلُ اجْعَلُوا أصْواتِكِمْ أخْفَضَ مِن صَوْتِهِ وتَعَهَّدُوا في مُخاطَبَتِهِ اللِّينَ القَرِيبَ مِنَ الهَمْسِ كَما هو الدَّأْبُ عِنْدَ مُخاطَبَةِ المَهِيبِ المُعَظَّمِ وحافِظُوا عَلى مُراعاةِ أُبَّهَةِ النُّبُوَّةِ وجَلالَةِ مِقْدارِها، ومِن هُنا قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ كَما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: (والَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ يا رَسُولَ اللَّهِ لا أُكَلِّمُكَ إلّا كَأخِي السِّرارِ حَتّى ألْقى اللَّهَ تَعالى) .
وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ واللَّهِ لا أُكَلِّمُكَ إلّا السِّرارَ أوْ أخا السِّرارِ حَتّى ألْقى اللَّهَ تَعالى، وكانَ إذا قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الوُفُودُ أرْسَلَ إلَيْهِمْ مَن يُعَلِّمُهم كَيْفَ يُسَلِّمُونَ ويَأْمُرُهم بِالسَّكِينَةِ والوَقارِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ إذا تَكَلَّمَ عِنْدَ النَّبِيِّ لَمْ يُسْمَعْ كَلامُهُ حَتّى يَسْتَفْهِمَهُ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ ﴾ إلَخْ ولا تُخاطِبُوهُ بِاسْمِهِ وكُنْيَتِهِ كَما يُخاطِبُ بَعْضُكم بَعْضًا وخاطِبُوهُ بِالنَّبِيِّ والرَّسُولِ، والكَلامُ عَلَيْهِ أبْعَدُ عَنْ تَوَهُّمِ التَّكْرارِ لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ لِأنَّ ذِكْرَ الجَهْرِ عَلَيْهِ لا يَظْهَرُ لَهُ وجْهٌ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ مَثَلًا: ولا تَجْعَلُوا خِطابَهُ كَخِطابِ بَعْضِكم بَعْضًا.
﴿ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ النَّهْيَيْنِ عَلى طَرِيقِ التَّنازُعِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ كَراهَةَ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ، والمَعْنى إنِّي أنْهاكم عَمّا ذُكِرَ لِكَراهَةِ حُبُوطِ أعْمالِكم بِارْتِكابِهِ، أوْ تَعْلِيلٌ لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ، وهو الرَّفْعُ والجَهْرُ بِتَقْدِيرِ اللّامِ أيْ لِأنْ تَحْبَطَ، والمَعْنى فِعْلُكم ما ذُكِرَ لِأجْلِ الحُبُوطِ مَنهِيٌّ عَنْهُ، ولامُ التَّعْلِيلِ المُقَدَّرَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْعاقِبَةِ الَّتِي يُؤَدِّي إلَيْها الفِعْلُ لِأنَّ الرَّفْعَ والجَهْرَ لَيْسَ لِأجْلِ الحُبُوطِ لَكِنَّهُما يُؤَدِّيانِ إلَيْهِ عَلى ما تَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وفُرِّقَ بَيْنَهُما بِما حاصِلُهُ أنَّ الفِعْلَ المَنهِيَّ مُعَلِّلٌ في الأوَّلِ والفِعْلَ المُعَلِّلَ مَنهِيٌّ في الثّانِي وأيُّهُما كانَ فَمَرْجِعُ المَعْنى إلى أنَّ الرَّفْعَ والجَهْرَ كِلاهُما مَنصُوصُ الأداءِ إلى حُبُوطِ العَمَلِ، وقِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ (فَتَحْبَطَ) بِالفاءِ أظْهَرُ في التَّنْصِيصِ عَلى أدائِهِ إلى الإحْباطِ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَكُونُ إلّا مُسَبِّبًا عَمّا قَبْلَها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ تَحْبَطَ ﴾ ومَفْعُولٌ ( تَشْعُرُونَ ) مَحْذُوفٌ بِقَرِينَةِ ما قَبْلَهُ أيْ والحالُ أنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أنَّها مُحْبِطَةٌ، وظاهِرُ الآيَةِ مُشْعِرٌ بِأنَّ الذُّنُوبَ مُطْلَقًا قَدْ تُحْبِطُ الأعْمالَ الصّالِحَةَ، ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ المُحْبَطَ مِنها الكُفْرُ لا غَيْرَ، والأوَّلُ مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أمْرَيْنِ هائِلَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ فِيما يُرْتَكَبُ مِنَ الآثامِ يَحْبَطُ عَمَلُ المُؤْمِنِ، والثّانِي أنَّ في أعْمالِهِ ما لا يُدْرى أنَّهُ مُحْبَطٌ ولَعَلَّهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مُحْبَطٌ.
وأجابَ عَنْ ذَلِكَ ابْنُ المُنِيرِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بِأنَّ المُرادَ في الآيَةِ النَّهْيُ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ عَلى الإطْلاقِ، ومَعْلُومٌ أنَّ حُكْمَ النَّهْيِ الحَذَرُ مِمّا يُتَوَقَّعُ في ذَلِكَ مِن إيذاءِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والقاعِدَةُ المُخْتارَةُ أنَّ إيذاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَبْلُغُ مَبْلَغَ الكُفْرِ المُحْبِطِ لِلْعَمَلِ بِاتِّفاقٍ فَوَرَدَ النَّهْيُ عَمّا هو مَظِنَّةٌ لِأذى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَواءٌ وُجِدَ هَذا المَعْنى أوْ لا حِمايَةَ لِلذَّرِيعَةِ وحَسْمًا لِلْمادَّةِ، ثُمَّ لَمّا كانَ هَذا النَّهْيُ عَنْهُ مُنْقَسِمًا إلى ما يَبْلُغُ مَبْلَغَ الكُفْرِ وهو المُؤْذِي لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإلى ما لا يَبْلُغُ ذَلِكَ المَبْلَغَ ولا دَلِيلَ يُمَيِّزُ أحَدَ القِسْمَيْنِ عَنِ الآخَرِ لَزِمَ المُكَلَّفُ أنْ يَكُفَّ عَنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا خَوْفَ أنْ يَقَعَ فِيما هو مُحْبِطٌ لِلْعَمَلِ وهو البالِغُ حَدَّ الأذى إذْ لا دَلِيلَ ظاهِرًا يُمَيِّزُهُ، وإنْ كانَ فَلا يَتَّفِقُ تَمْيِيزُهُ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْيانِ، وإلى التِباسِ أحَدِ القِسْمَيْنِ بِالآخَرِ وقَعَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ وإلّا فَلَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما يَعْتَقِدُهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ مُوقِعٌ إذِ الأمْرُ مُنْحَصِرٌ بَيْنَ أنْ يَكُونَ رَفْعُ الصَّوْتِ مُؤْذِيًا فَيَكُونُ كُفْرًا مُحْبِطًا قَطْعًا وبَيْنَ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُؤْذٍ فَيَكُونُ كَبِيرَةً مُحْبَطَةً عَلى رَأْيِهِ قَطْعًا، فَعَلى كِلا حالَيْهِ الإحْباطُ بِهِ مُحَقَّقٌ إذَنْ فَلا مَوْقِعَ لِإدْعامِ الكَلامِ بِعَدَمِ الشُّعُورِ مَعَ أنَّ الشُّعُورَ ثابِتٌ مُطْلَقًا، ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: وهَذا التَّقْدِيرُ يَدُورُ عَلى مُقَدِّمَتَيْنِ كِلْتاهُما صَحِيحَةٌ: إحْداهُما أنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ مِن جِنْسِ ما يَحْصُلُ بِهِ الأذى وهَذا أمْرٌ يَشْهَدُ بِهِ النَّقْلُ والمُشاهَدَةُ حَتّى أنَّ الشَّيْخَ لَيَتَأذّى بِرَفْعِ التِّلْمِيذِ صَوْتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَكَيْفَ بِرُتْبَةِ النُّبُوَّةِ وما تَسْتَحِقُّهُ مِنَ الإجْلالِ والإعْظامِ.
ثانِيَتُهُما أنَّ إيذاءَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كُفْرٌ وهَذا ثابِتٌ قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أئِمَّتُنا وأفْتَوْا بِقَتْلِ مَن تَعَرَّضَ لِذَلِكَ كُفْرًا ولا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فَما أتاهُ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وأكْبَرُ انْتَهى.
وحاصِلُ الجَوابِ أنَّهُ لا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ لِأنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي إلى الإحْباطِ إذا كانَ عَلى وجْهِ الإيذاءِ أوِ الِاسْتِهانَةِ فَنَهاهم عَزَّ وجَلَّ عَنْهُ وعَلَّلَهُ بِأنَّهُ قَدْ يُحْبَطُ وهم لا يَشْعُرُونَ، وقِيلَ: يُمْكِنُ نَظَرًا لِلْمَقامِ أنْ يَنْزِلَ إذا هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ مَنزِلَةَ الكُفْرِ تَغْلِيظًا إجْلالًا لِمَجْلِسِهِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وسَلامُهُ ثُمَّ يُرَتَّبُ عَلَيْهِ ما يُرَتَّبُ عَلى الكُفْرِ الحَقِيقِيِّ مِنَ الإحْباطِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ ومَعْنى ﴿ وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ عَلَيْهِ وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أنَّ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الكُفْرِ المُحْبِطِ ولَيْسَ كَسائِرِ المَعاصِي، ولا يَتِمُّ بِدُونِ الأوَّلِ، وجازَ كَما في الكَشْفِ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما فِيهِ اسْتِهانَةٌ ويَكُونُ مِن بابِ ﴿ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ ﴾ مِمّا الغَرَضُ مِنهُ التَّعْرِيضُ كَيْفَ وهو قَوْلٌ مَنقُولٌ عَنِ الحَسَنِ كَما حَكاهُ في الكَشّافِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنْ كانَتِ الآيَةُ بِمَن يَفْعَلُ ذَلِكَ اسْتِخْفافًا فَذَلِكَ كُفْرٌ يُحْبَطُ مَعَهُ العَمَلُ حَقِيقَةً، وإنْ كانَتْ لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي يَفْعَلُهُ غَلَبَةً وجَرْيًا عَلى عادَتِهِ فَإنَّما يُحْبِطُ عَمَلَهُ البِرَّ في تَوْقِيرِ النَّبِيِّ وغَضِّ الصَّوْتِ عِنْدَهُ أنْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: مَخافَةَ أنْ تُحْبَطَ الأعْمالُ الَّتِي هي مُعَدَّةٌ أنْ تَعْمَلُوها فَتُؤْجَرُوا عَلَيْها، ولا يَخْفى ما في الشِّقِّ الثّانِي مِنَ التَّكَلُّفِ البارِدِ، ثُمَّ إنَّ مِنَ الجَهْرِ ما لَمْ يَتَناوَلْهُ النَّهْيُ بِالِاتِّفاقِ وهو ما كانَ مِنهم في حَرْبٍ أوْ مُجادَلَةِ مُعانِدٍ أوْ إرْهابِ عَدُوٍّ أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ مِمّا لا يُتَخَيَّلُ مِنهُ تَأذٍّ أوِ اسْتِهانَةٌ، فَفي الحَدِيثِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِلْعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ لَمّا ولّى المُسْلِمُونَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: نادِ أصْحابَ السَّمُرَةِ فَنادى بِأعْلى صَوْتِهِ أيْنَ أصْحابُ السَّمُرَةِ، وكانَ رَجُلًا صَيِّتًا.
يُرْوى أنَّ غارَةً أتَتْهم يَوْمًا فَصاحَ العَبّاسُ يا صَباحاهُ فَأُسْقِطَتِ الحَوامِلُ لِشِدَّةِ صَوْتِهِ، وفِيهِ يَقُولُ نابِغَةُ بَنِي جَعْدَةَ: زَجْرُ أبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا ∗∗∗ أشْفَقَ أنْ يَخْتَلِطْنَ بِالغَنَمِ زَعَمَتِ الرُّواةُ أنَّهُ كانَ يَزْجُرُ السِّباعَ عَنِ الغَنَمِ فَيَفْتُقُ مَرارَةَ السَّبْعِ في جَوْفِهِ، وذَكَرُوا أنَّهُ سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَكَيْفَ لا تَفْتُقُ مَرارَةَ الغَنَمِ؟
فَقالَ: لِأنَّها ألِفَتْ صَوْتَهُ، /ورَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ «جَلَسَ ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ في بَيْتِهِ وقالَ: أنا مِن أهْلِ النّارِ واحْتَبَسَ فَسَألَ النَّبِيُّ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ فَقالَ: يا أبا عَمْرٍو ما شَأْنُ ثابِتٍ اشْتَكى؟
قالَ سَعْدٌ: إنَّهُ جارِي وما عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوى فَأتاهُ سَعْدٌ فَقالَ: أنْزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ولَقَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي أرْفَعُكم صَوْتًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأنا مِن أهْلِ النّارِ.
فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : بَلْ هو مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ دَخَلَ بَيْتَهُ وأغْلَقَ عَلَيْهِ بابَهُ وطَفِقَ يَبْكِي فافْتَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ فَقالَ: ما شَأْنُ ثابِتٍ؟
قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما نَدْرِي ما شَأْنُهُ غَيْرَ أنَّهُ أغْلَقَ بابَ بَيْتِهِ فَهو يَبْكِي فِيهِ فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلَيْهِ فَسَألَهُ ما شَأْنُكَ؟
قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةَ وأنا شَدِيدُ الصَّوْتِ فَأخافُ أنْ أكُونَ قَدْ حَبِطَ عَمَلِي فَقالَ : لَسْتَ مِنهم بَلْ تَعِيشُ بِخَيْرٍ وتَمُوتُ بِخَيْرٍ».
والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ مِنهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ مِن غَلَبَةِ الخَوْفِ عَلَيْهِ وإلّا فَلا حُرْمَةَ قَبْلَ النَّهْيِ، وهو أيْضًا أجَلُّ مِن أنْ يَكُونَ مِمَّنْ كانَ يَقْصِدُ الِاسْتِهانَةَ والإيذاءَ لِرَسُولِ اللَّهِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ وهُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وإنَّما كانَ الرَّفْعُ مِنهُ طَبِيعَةً لِما أنَّهُ كانَ في أُذُنِهِ صَمَمٌ وعادَةُ كَثِيرٍ مِمَّنْ بِهِ ذَلِكَ رَفْعُ الصَّوْتِ، والظّاهِرُ أنَّهُ بَعْدَ نُزُولِها تَرَكَ هَذِهِ العادَةَ، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «أنَّ عاصِمَ بْنَ عَدِيِّ ابْنِ العَجْلانِ أخْبَرَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِحالِهِ فَأرْسَلَهُ إلَيْهِ فَلَمّا جاءَ قالَ: ما يُبْكِيكَ يا ثابِتُ؟
فَقالَ: أنا صَيِّتٌ وأتَخَوَّفُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِيَّ فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أما تَرْضى أنْ تَعِيشَ حَمِيدًا وتُقْتَلَ شَهِيدًا وتَدْخُلَ الجَنَّةَ؟
قالَ: رَضِيتُ ولا أرْفَعُ صَوْتِي أبَدًا عَلى صَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ».
واسْتَدَلَّ العُلَماءُ بِالآيَةِ عَلى المَنعِ مِن رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَ قَبْرِهِ الشَّرِيفِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعِنْدَ قِراءَةِ حَدِيثِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ حُرْمَتَهُ مَيِّتًا كَحُرْمَتِهِ حَيًّا.
وذَكَرَ أبُو حَيّانَ كَراهَةَ الرَّفْعِ أيْضًا بِحَضْرَةِ العالِمِ، وغَيْرُ بَعِيدٍ حُرْمَتُهُ بِقَصْدِ الإيذاءِ والِاسْتِهانَةِ لِمَن يَحْرُمُ إيذاؤُهُ والِاسْتِهانَةُ بِهِ مُطْلَقًا لَكِنْ لِلْحُرْمَةِ مَراتِبُ مُتَفاوِتَةٌ كَما لا يَخْفى.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ إلَخْ تَرْغِيبٌ في الِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ بَعْدَ التَّرْهِيبِ عَنِ الإخْلالِ بِهِ أيْ يَحْفَظُونَها مُراعاةً لِلْأدَبِ أوْ خَشْيَةً مِن مُخالَفَةِ النَّهْيِ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِما مَرَّ مِرارًا مِن تَفْخِيمِ شَأْنِهِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وأصْلُ مَعْنى الِامْتِحانِ التَّجْرِبَةُ والِاخْتِبارُ، والمُرادُ بِهِ هُنا لِاسْتِحالَةِ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ تَعالى التَّمْرِينُ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ أيْ أنَّهم مَرَّنَ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَهم لِلتَّقْوى.
وفي الكَشْفِ الِامْتِحانُ كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ عَنْ صَبْرِهِمْ عَلى التَّقْوى وثَباتِهِمْ عَلَيْها وعَلى احْتِمالِ مَشاقِّها لِأنَّ المُمْتَحَنَ جَرَّبَ وعُوِّدَ مِنهُ الفِعْلُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى فَهو دالٌّ عَلى التَّمَرُّنِ المُوجِبِ لِلِاضْطِلاعِ، والإسْنادِ إلَيْهِ تَعالى لِلدَّلالَةِ عَلى التَّمْكِينِ، فَفِيهِ عَلى ما قِيلَ مَعَ الكِنايَةِ تَجَوُّزٌ في الإسْنادِ والأصْلُ امْتَحَنُوا قُلُوبَهم لِلتَّقْوى بِتَمْكِينِ اللَّهِ تَعالى لَهُمْ، وكَأنَّهُ إنَّما اعْتَبَرَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ إرادَةُ المَعْنى المَوْضُوعِ لَهُ هُنا فَلا يَصِحُّ كَوْنُهُ كِنايَةً عِنْدَ مَن يَشْتَرِطُ فِيها إرادَةَ الحَقِيقَةِ، ومَنِ اكْتَفى فِيها بِجَوازِ الإرادَةِ وإنِ امْتَنَعَتْ في مَحَلِّ الِاسْتِعْمالِ لَمْ يَحْتَجْ إلى ذَلِكَ الِاعْتِبارِ.
واخْتارَ الشِّهابُ كَوْنَ الِامْتِحانِ مَجازًا عَنِ الصَّبْرِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، وحاصِلُ المَعْنى عَلَيْهِ كَحاصِلِهِ عَلى الكِنايَةِ أيْ إنَّهم صُبْرٌ عَلى التَّقْوى أقْوِياءُ عَلى مَشاقِّها أوِ المُرادُ بِالِامْتِحانِ المَعْرِفَةُ كَما حُكِيَ عَنِ الجِبائِيِّ مَجازًا مِن بابِ إطْلاقِ السَّبَبِ وإرادَةِ المُسَبِّبِ، والمَعْنى عَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى، وإسْنادُ المَعْرِفَةِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِغَيْرِ لَفْظِها غَيْرُ مُمْتَنِعٍ وهو في القُرْآنِ الكَرِيمِ شائِعٌ، عَلى أنَّ الصَّحِيحَ جَوازُ الإسْنادِ مُطْلَقًا لِما في نَهْجِ البَلاغَةِ مِن إطْلاقِ العارِفِ عَلَيْهِ تَعالى، وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ أيْضًا عَلى ما ادَّعاهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ، واللّامُ صِلَةٌ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( قُلُوبَهم ) أيْ كائِنَةً لِلتَّقْوى مُخْتَصَّةً بِها، فَهو نَحْوُ اللّامِ في قَوْلِهِ: وقَصِيدَةٍ رائِقَةٍ ضَوَّعْتُها أنْتَ لَها أحْمَدُ مِن بَيْنِ البَشَرِ وقَوْلِهِ: أعْداءٌ مَن لِلْيَعْمُلاتِ عَلى الوَجى ∗∗∗ وأضْيافُ لَيْلٍ بَيَّتُوا لِلنُّزُولِ أوْ هي صِلَةٌ لِامْتَحَنَ، بِاعْتِبارِ مَعْنى الِاعْتِيادِ أوِ المُرادُ ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَهم بِأنْواعِ المِحَنِ والتَّكالِيفِ الشّاقَّةِ لِأجْلِ التَّقْوى أيْ لِتَظْهَرَ ويُعْلَمَ أنَّهم مُتَّقُونَ إذْ لا تُعْلَمُ حَقِيقَةُ التَّقْوى إلّا عِنْدَ المِحَنِ والِاصْطِبارِ عَلَيْها، وعَلى هَذا فالِامْتِحانُ هو الضَّرْبُ بِالمِحَنِ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ عَلى مَعْنى أنَّ ظُهُورَ التَّقْوى هو الغَرَضُ والعِلَّةُ وإلّا فالصَّبْرُ عَلى المِحْنَةِ مُسْتَفادٌ مِنَ التَّقْوى لا العَكْسُ، أوِ المُرادُ أخْلَصَها لِلتَّقْوى أيْ جَعَلَها خالِصَةً لِأجْلِ التَّقْوى أوْ أخْلَصَها لَها فَلَمْ يَبْقَ لِغَيْرِ التَّقْوى فِيها حَقٌّ كَأنَّ القُلُوبَ خَلُصَتْ مِلْكًا لِلتَّقْوى، وهَذا أبْلَغُ وهو اسْتِعارَةٌ مِنِ امْتِحانِ الذَّهَبِ وإذابَتِهِ لِيَخْلُصَ إبْرِيزُهُ مِن خَبَثِهِ ويُنَقّى أوْ تَمْثِيلٌ، وتَفْسِيرُ ﴿ امْتَحَنَ ﴾ بِأخْلَصَ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ الكَعْبِيِّ وأبِي مُسْلِمٍ، وقالَ الواحِدِيُّ: تَقْدِيرُ الكَلامِ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم فَأخْلَصَها لِلتَّقْوى فَحُذِفَ الإخْلاصُ لِدَلالَةِ الِامْتِحانِ عَلَيْهِ ولَيْسَ بِذاكَ.
واخْتارَ صاحِبُ الكَشْفِ ما نُقِلَ عَنْهُ أوَّلًا فَقالَ: الأوَّلُ أرْجَحُ الوُجُوهِ لِكَثْرَةِ فائِدَتِهِ مِنَ الكِنايَةِ والإسْنادِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ مِثْلَ هَذا الغَضِّ لا يَتَأتّى إلّا مِمَّنْ هو مُدَرَّبٌ لِلتَّقْوى صَبُورٌ عَلَيْها فَتَأمَّلْ ﴿ لَهُمْ ﴾ في الآخِرَةِ ﴿ مَغْفِرَةٌ ﴾ لِذُنُوبِهِمْ ﴿ وأجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ لِغَضِّهِمْ أصْواتَهم عِنْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِسائِرِ طاعاتِهِمْ، وتَنْكِيرُ ( مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ ) لِلتَّعْظِيمِ، فَفي وصْفِ أجْرٍ بِعَظِيمٍ مُبالَغَةٌ في عِظَمِهِ فَإنَّهُ مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، وجُمْلَةُ ( لَهم ) إلَخْ مُسْتَأْنِفَةٌ لِبَيانِ جَزاءِ الغاضِّينَ إحْمادًا لِحالِهِمْ كَما أُخْبِرَ عَنْهم بِجُمْلَةٍ مُؤَلَّفَةٍ مِن مَعْرِفَتَيْنِ، والمُبْتَدَأُ اسْمُ الإشارَةِ المُتَضَمِّنُ لِما جُعِلَ عُنْوانًا لَهُمْ، والخَبَرُ المَوْصُولُ بِصِلَةٍ دَلَّتْ عَلى بُلُوغِهِمْ أقْصى الكَمالِ مُبالَغَةً في الِاعْتِدادِ بِغَضِّهِمْ والِارْتِضاءِ لَهُ وتَعْرِيضًا بِشَناعَةِ الرَّفْعِ والجَهْرِ وأنَّ حالَ المُرْتَكِبِ لَهُما عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ لَإنَّ ولَيْسَ بِذاكَ، والآيَةُ قِيلَ: أُنْزِلَتْ في الشَّيْخَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لِما كانَ مِنهُما مِن غَضِّ الصَّوْتِ والبُلُوغِ بِهِ أخا السِّرارِ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ السّابِقَةِ وفي حَدِيثِ الحاكِمِ وغَيْرِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ أنَّهُ قالَ بَعْدَ حِكايَةِ قِصَّةِ أبِيهِ وقَوْلِهِ: لا أرْفَعُ صَوْتِي أبَدًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ الآيَةَ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حُكْمَها عامٌّ ويَدْخُلُ الشَّيْخانِ في عُمُومِها وكَذا ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: مِنهم ثابِتُ بْنُ قَيْسِ ابْنِ شَمّاسٍ».
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ ﴾ مِن خارِجِها خَلْفَها أوْ قُدّامَها عَلى أنَّ ( وراءِ ) مِنَ المُواراةِ والِاسْتِتارِ فَما اسْتَتَرَ عَنْكَ فَهو وراءٌ خَلَفًا كانَ أوْ قُدّامًا إذا لَمْ تَرَهُ فَإذا رَأيْتَهُ لا يَكُونُ وراءَكَ، فالوَراءُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن في الحُجُراتِ ما كانَ خارِجَها لِتَوارِيهِ عَمَّنْ فِيها، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: إنْ وراءَ مِنَ الأضْدادِ فَهو مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ عَلَيْهِ ومُشْتَرَكٌ مَعْنَوِيٌّ عَلى الأوَّلِ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الآمِدِيُّ وجَماعَةٌ.
و ﴿ الحُجُراتِ ﴾ جَمْعُ حُجْرَةٍ عَلى وزْنِ فُعْلَةٍ بِضَمِّ الفاءِ وسُكُونِ العَيْنِ وهي القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ المَحْجُورَةِ أيِ المَمْنُوعَةِ عَنِ الدُّخُولِ فِيها بِحائِطٍ، وتُسَمّى حَظِيرَةَ الإبِلِ وهي ما تَجْمَعُ فِيهِ وتَكُونُ مَحْجُورَةً بِحَطَبٍ ونَحْوِهِ حُجْرَةً أيْضًا فَهي بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ كالغُرْفَةِ لِما يُغْرَفُ بِاليَدِ مِنَ الماءِ، وفي جَمْعِها هُنا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، ضَمُّ العَيْنِ اتِّباعًا لِلْفاءِ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، وفَتْحُها وبِهِ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ.
وشَيْبَةُ وتَسْكِينُها لِلتَّخْفِيفِ وبِهِ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ.
وهَذِهِ الأوْجَهِ جائِزَةٌ في جَمْعِ كُلِّ اسْمٍ جامِدٍ جاءَ عَلى هَذا الوَزْنِ، والمُرادُ حُجُراتِ نِسائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانَتْ تِسْعَةً لِكُلٍّ مِنهُنَّ حُجْرَةٌ، وكانَتْ كَما أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ مِن جَرِيدِ النَّخْلِ عَلى أبْوابِها المُسُوحُ مِن شَعْرٍ أسْوَدَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ وابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ عَنْ داوُدَ بْنِ قَيْسٍ قالَ: رَأيْتُ الحُجُراتِ مِن جَرِيدِ النَّخْلِ مُغَشًّى مِن خارِجٍ بِمُسُوحِ الشَّعْرِ، وأظُنُّ عَرْضُ البَيْتِ مِن بابِ الحُجْرَةِ إلى بابِ البَيْتِ سِتٌّ أوْ سَبْعُ أذْرُعٍ، وأحْزُرٍ البَيْتِ الدّاخِلِ عَشَرَةُ أذْرُعٍ، وأظُنُّ السُّمْكَ بَيْنَ الثَّمانِ والسَّبْعِ.
وأخْرَجُوا عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ أدْخُلُ بُيُوتَ أزْواجِ النَّبِيِّ في خِلافَةِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ فَأتَناوَلُ سَقْفَها بِيَدِي، وقَدْ أُدْخِلَتْ في عَهْدِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ بِأمْرِهِ في مَسْجِدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَكى النّاسُ لِذَلِكَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ يَوْمَئِذٍ: واللَّهِ لَوَدِدْتُ أنَّهم تَرَكُوها عَلى حالِها لِيَنْشُوَ أُناسٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ ويَقْدَمُ القادِمُ مِن أهْلِ الآفاقِ فَيَرى ما اكْتَفى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حَياتِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِمّا يُزْهِدُ النّاسَ في التَّكاثُرِ والتَّفاخُرِ فِيها، وقالَ نَحْوَ ذَلِكَ أبُو أُمامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ، وفي ذِكْرِ ﴿ الحُجُراتِ ﴾ كِنايَةٌ عَنْ خَلْوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِنِسائِهِ لِأنَّها مُعَدَّةٌ لَها، ولَمْ يَقُلْ: حُجُراتِ نِسائِكَ ولا حُجُراتِكَ تَوْقِيرًا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَحاشِيًا عَمّا يُوحِشُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومُناداتُهم مِن ورائِها إمّا بِأنَّهم أتَوْها حُجْرَةً حُجْرَةً فَنادَوْهُ مِن ورائِها فَيَكُونُ القَصْدُ إلى الِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ أيْ جَمِيعُ حُجُراتِ نِسائِهِ أوْ بِأنَّهم تَفَرَّقُوا عَلى الحُجُراتِ مُتَطَلِّبِينَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنَّ الِاسْتِغْراقَ إفْرادِيٌّ لا شُمُولِيٌّ مَجْمُوعِيٌّ ولا أنَّهُ مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ المُقْتَضِيَةِ لِانْقِسامِ الآحادِ عَلى الآحادِ لِأنَّ مَن ناداهُ مِن وراءِ حُجْرَةٍ مِنها فَقَدْ ناداهُ مِن وراءِ الجَمِيعِ عَلى ما قِيلَ، وعَلى هَذا يَكُونُ إسْنادُ النِّداءِ مِن إسْنادِ فِعْلِ الأبْعاضِ إلى الكُلِّ، وقِيلَ: إنَّ الَّذِي نادى رَجُلٌ واحِدٌ كَما هو ظاهِرُ خَبَرٍ أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ.
وجَماعَةٌ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، وما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «عَنِ الأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ أنَّهُ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ اخْرُجْ إلَيْنا فَلَمْ يُجِبْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ حَمْدِي زَيْنٌ وإنَّ ذَمِّي شَيْنٌ فَقالَ: ذاكَ اللَّهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ ﴾ إلَخْ،» وعَلَيْهِ يَكُونُ الإسْنادُ إلى الكُلِّ لِأنَّهم رَضُوا بِذَلِكَ وأمَرُوا بِهِ أوْ لِأنَّهُ وُجِدَ فِيما بَيْنَهُمْ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ المُنادى جَمْعٌ وكَذا جَمْعٌ مِنَ الأخْبارِ، وسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَعْضًا مِنها، وحَمْلُ ﴿ الحُجُراتِ ﴾ عَلى الجَمْعِ الحَقِيقِيِّ هو الظّاهِرُ الَّذِي عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وجُوِّزَ كَوْنُ الحُجْرَةِ واحِدَةً وهي الَّتِي كانَ فِيها الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجُمِعَتْ إجْلالًا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أُسْلُوبِ حُرِّمَتِ النِّساءُ سِواكُمْ، وأيْضًا لِأنَّ حُجْرَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّها أُمُّ الحُجُراتِ وأشْرَفُها بِمَنزِلَةِ الكُلِّ عَلى نَحْوِ أحَدِ الوَجْهَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ ﴾ .
وفَرَّقَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَ ﴿ مِن وراءِ الحُجُراتِ ﴾ بِإثْباتِ ( مِن ) وراءَ الحُجُراتِ بِإسْقاطِها بِأنَّهُ عَلى الثّانِي يَجُوزُ أنْ يَجْمَعَ المُنادِي والمُنادى الوَراءَ، وعَلى الأوَّلِ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، وعَلَّلَهُ بِأنَّ الوَراءَ يَصِيرُ بِدُخُولِ مِن مُبْتَدَأ الغايَةِ ولا يَجْتَمِعُ عَلى الجِهَةِ الواحِدَةِ أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً ومُنْتَهًى لِفِعْلٍ واحِدٍ.
واعْتَرَضَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ الأصْحابُ في مَعانِي ( مِن ) أنَّها تَكُونُ لِابْتِداءِ الغايَةِ وانْتِهائِها في فِعْلٍ واحِدٍ وأنَّ الشَّيْءَ الواحِدَ يَكُونُ مَحَلًّا لَهُما ونَسَبُوا ذَلِكَ إلى سِيبَوَيْهِ وقالُوا: إنَّ مِنهُ قَوْلَهُمْ: أخَذْتُ الدِّرْهَمَ مِن زَيْدٍ فَزَيْدٌ مَحَلٌّ لِابْتِداءِ الأخْذِ مِنهُ وانْتِهائِهِ مَعًا قالُوا: فَمِن، تَكُونُ في أكْثَرِ المَواضِعِ لِابْتِداءِ الغايَةِ فَقَطْ، وفي بَعْضِ المَواضِعِ لِابْتِداءِ الغايَةِ وانْتِهائِها مَعًا.
وصاحِبُ التَّقْرِيبِ بِقَوْلِهِ فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ المَبْدَأ والمُنْتَهى إمّا المُنادِي والمُنادى عَلى ما هو التَّحْقِيقُ أوِ الجِهَةُ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ جازَ أنْ يَجْمَعَها الوَراءُ في إثْباتِ ( مِن ) وفي إسْقاطِها لِتَغايُرِ المَبْدَأِ والمُنْتَهى، وإنْ كانَ الثّانِي فالجِهَةُ إمّا ذاتَ أجْزاءٍ أوْ عَدِيمَتُها، فَإنْ كانَ الأوَّلُ جازَ أنْ يَجْمَعَهُما في إثْباتٍ مِن أيْضًا بِاعْتِبارِ أجْزاءِ الجِهَةِ، وإنْ كانَ الثّانِي لَمْ يَجُزْ أنْ يَجْمَعَهُما لا في إثْباتِ مِن ولا في إسْقاطِها لِاتِّحادِ المَوْرِدِ.
ورَدُّ الأوَّلِ بِأنَّ مَحَلَّ الِانْتِهاءِ هو المُتَكَلِّمُ لَيْسَ إلّا كَما ذَكَرَهُ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي، وذُكِرَ أنَّ ابْنَ مالِكٍ قالَ: إنَّ ( مِن ) في المِثالِ لِلْمُجاوَزَةِ، والثّانِي غَيْرُ قادِحٍ في الفَرْقِ عَلى ما ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشْفِ قالَ: الحاصِلُ أنَّ المَبْدَأ الجِهَةُ بِاعْتِبارِ تَلَبُّسِها بِالفاعِلِ لِأنَّ حَرْفَ الِابْتِداءِ دَخَلَ عَلى الجِهَةِ والفِعْلِ مِمّا لَيْسَتِ المَسافَةُ داخِلَةً في مَفْهُومِهِ فَيَعُتَبَرُ الأمْرانِ تَحْقِيقًا لِمُقْتَضى الفِعْلِ والحَرْفِ، ولَمّا أوْقَعَ جَمِيعَ الجِهَةِ مَبْدَأً لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ مُنْتَهًى سَواءٌ كانَ مُنْقَسِمًا أوْ لا، ثُمَّ لَمّا كانَ الوَراءُ مُبْهَمًا لَمْ يَكُنْ مِثْلُ سِرْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى جامِعِها إذْ لا يَتَعَيَّنُ بَعْضُها مَبْدَأً وبَعْضُها مُنْتَهًى، عَلى أنَّ ذَلِكَ أيْضًا إذا أُطْلِقَ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّ المُنْتَهى غَيْرُ البَصْرَةِ، أمّا إذا عُيِّنَتْ فَيَجُوزُ مَعَ تَجَوُّزٍ والأصْلُ عَدَمُهُ إلّا بِدَلِيلٍ، ثُمَّ هَذا الجَوازُ فِيما كانَتِ النِّهايَةُ مَكانًا أيْضًا أمّا إذا اعْتُبِرَتْ بِاعْتِبارِ التَّلَبُّسِ بِالمَفْعُولِ فَلا، وإذا لَمْ يَذْكُرْ حَرْفَ الِابْتِداءِ لَمْ يُؤَدِّ هَذا المَعْنى.
فَهَذا فَرْقٌ مُحَقَّقٌ ومِنهُ يَظْهَرُ أنَّ المَذْكُورَ في التَّقْرِيبِ مِنَ النَّظَرِ غَيْرُ قادِحٍ، وما ذُكِرَ مِن أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ الفِعْلَ يَبْتَدِئُ مِنَ الفاعِلِ ويَنْتَهِي إلى المَفْعُولِ ويَقَعُ في الظَّرْفِ وأنَّ ﴿ مِن وراءِ الحُجُراتِ ﴾ ووَراءَها كِلاهُما ظَرْفٌ كَصَلَّيْتُ مِن خَلْفِ الإمامِ وخَلْفَهُ ومِن قَبْلِ اليَوْمِ وقَبْلَهُ ومَعْنى الِابْتِداءِ غَيْرُ مُحَقَّقٍ، والفَرْقُ تَعَسُّفٌ ظاهِرٌ في أنَّ مِن زائِدَةٌ لا فَرْقَ بَيْنَ دُخُولِها وخُرُوجِها وهو خِلافُ الظّاهِرِ وإلّا لَما اخْتَلَفُوا في زِيادَتِها في الإثْباتِ لِشُيُوعِ نَحْوِ هَذا الكَلامِ فِيما بَيْنَهُمْ، ومَتى لَمْ تَكُنْ زائِدَةً فَلا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ لا سِيَّما إذا كانا مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ فَتَدَبَّرْ.
والتَّعْبِيرُ عَنِ النِّداءِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلى النُّزُولِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الماضِيَةِ لِغَرابَتِها.
والمَوْصُولُ اسْمُ إنَّ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ خَبَرُها وتَكْرارُ الإسْنادِ لِلْمُبالِغَةِ، والمُرادُ أنَّهم لا يَجْرُونَ عَلى مُقْتَضى العَقْلِ مِن مُراعاةِ الأدَبِ لا سِيَّما مَعَ أجَلِّ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى وأعْظَمِهِمْ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ وكَثِيرًا ما يَنْزِلُ وُجُودُ الشَّيْءِ مَنزِلَةَ عَدَمِهِ لِمُقْتَضٍ، والحُكْمُ عَلى الأكْثَرِ دُونَ الكُلِّ بِذَلِكَ لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يَقْصِدْ تَرْكَ الأدَبِ بَلْ نادى لِأمْرٍ ما عَلى ما قِيلَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالقِلَّةِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْها نَفْيُ الكَثْرَةِ العَدَمَ فَإنَّهُ يُكَنّى بِها عَنْهُ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ ذَلِكَ في صَرِيحِ القِلَّةِ لا في المَفْهُومِ مِن نَفْيِ الكَثْرَةِ، وكانَ هَؤُلاءِ مِن بَنِي تَمِيمٍ كَما صَرَّحَ بِهِ أكْثَرُ أهْلِ السِّيَرِ.
أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قَدِمَ وفْدُ بَنِي تَمِيمٍ وهم سَبْعُونَ رَجُلًا أوْ ثَمانُونَ رَجُلًا مِنهُمُ الزِّبْرِقانُ بْنُ بَدْرٍ وعُطارِدُ بْنُ حاجِبِ بْنِ زُرارَةَ وقَيْسُ بْنُ عاصِمٍ وقَيْسُ بْنُ الحارِثِ وعَمْرُو بْنُ الأهْتَمِ المَدِينَةَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فانْطَلَقَ مَعَهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ بَدْرٍ الفَزارِيُّ وكانَ يَكُونُ في كُلِّ سَوْأةٍ حَتّى أتَوْا مَنزِلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنادَوْهُ مِن وراءِ الحُجُراتِ بِصَوْتٍ جافٍ يا مُحَمَّدُ اخْرُجْ إلَيْنا ثَلاثًا فَخَرَجَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ إنَّ مَدَحْنا زَيْنٌ وإنَّ شَتْمَنا شَيْنٌ نَحْنُ أكْرَمُ العَرَبِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: كَذَبْتُمْ بَلْ مَدْحُ اللَّهِ تَعالى الزَّيْنُ وشَتْمُهُ الشَّيْنُ وأكْرَمُ مِنكم يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ فَقالُوا: إنّا أتَيْناكَ لِنُفاخِرَكَ فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ وقالَ في آخِرِهِ: فَقالَ التَّمِيمِيُّونَ واللَّهِ إنَّ هَذا الرَّجُلَ لَمَصْنُوعٌ لَهُ لَقَدْ قامَ خَطِيبُهُ فَكانَ أخْطَبَ مِن خَطِيبِنا وفّاهُ شاعِرُهُ فَكانَ أشْعَرَ مِن شاعِرِنا وفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ ﴾ مِن بَنِي تَمِيمٍ ﴿ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ » هَذا في القِراءَةِ الأُولى.
وذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ في سِيرَتِهِ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ الخَبَرَ بِطُولِهِ وعَدَّ مِنهُمُ الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ وذَكَرَ أنَّهُ وعُيَيْنَةُ شَهِدا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَتْحَ مَكَّةَ وحُنَيْنًا والطّائِفَ، وأنَّ عَمْرَو بْنَ الأهْتَمِ خَلْفَهُ القَوْمُ في ظَهْرِهِمْ وأنَّ خَطِيبَهم عُطارِدُ بْنُ حاجِبٍ وخَطِيبَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ وشاعِرَهُمُ الزِّبْرِقانُ بْنُ بَدْرٍ وشاعِرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ وذَكَرَ الخُطْبَتَيْنِ وما قِيلَ مِنَ الشِّعْرِ وأنَّهُ لَمّا فَرَغَ حَسّانُ قالَ الأقْرَعُ: وأبِي إنَّ هَذا الرَّجُلَ لِمُؤْتى لَهُ لَخَطِيبُهُ أخْطَبُ مِن خَطِيبِنا ولَشاعِرُهُ أشْعَرُ مِن شاعِرِنا ولَأصْواتُهم أعْلى مِن أصْواتِنا، وأنَّهُ لَمّا فَرَغُوا أسْلَمُوا وجَوَّزَهم رَسُولُ اللَّهِ فَأحْسَنَ جَوائِزَهم وأرْسَلَ لِعَمْرٍو جائِزَتَهُ كالقَوْمِ، وتَعَقَّبَ ابْنُ هِشامٍ الشِّعْرَ بَعْضَ التَّعَقُّبِ.
وفِي البَحْرِ أيْضًا ذِكْرُ الخَبَرِ بِطُولِهِ مَعَ مُخالَفَةٍ كُلِّيَّةٍ لِما ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وفِيهِ «أنَّ الأقْرَعَ قامَ بَعْدَ أنْ أنْشَدَ الزِّبْرِقانُ ما أنْشَدَ وأجابَهُ حَسّانُ بِما أجابَ فَقالَ: إنِّي واللَّهِ لَقَدْ جِئْتُ لِأمْرٍ وقَدْ قُلْتُ شِعْرًا فاسْمَعْهُ فَقالَ: أتَيْناكَ كَيْما يَعْرِفُ النّاسُ فَضْلَنا إذا خالَفُونا عِنْدَ ذِكْرِ المَكارِمِ وأنّا رُؤُوسُ النّاسِ مِن كُلِّ مَعْشَرٍ وأنْ لَيْسَ في أرْضِ الحِجازِ كَدارِمِ وأنَّ لَنا المِرْباعَ في كُلِّ غارَةٍ تَكُونُ بِنَجْدٍ أوْ بِأرْضِ التَّهائِمِ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِحَسّانَ: قُمْ فَأجِبْهُ فَقالَ: بَنِي دارِمٍ لا تَفْخَرُونَ إنَّ فَخْرَكم يَصِيرُ وبالًا عِنْدَ ذِكْرِ المَكارِمِ هَبُلْتُمْ عَلَيْنا تَفْخَرُونَ وأنْتُمْ لَنا خَوَّلٌ مِن بَيْنِ ظِئْرٍ وخادِمِ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لَقَدْ كُنْتَ يا أخا دارِمٍ غَنِيًّا أنْ يُذْكُرَ مِنكَ ما ظَنَنْتَ أنَّ النّاسَ قَدْ نَسُوهُ فَكانَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشَدَّ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ ما قالَ حَسّانُ ثُمَّ رَجَعَ حَسّانُ إلى شِعْرِهِ فَقالَ: فَإنْ كُنْتُمْ جِئْتُمْ لِحَقْنِ دِمائِكم وأمْوالِكم أنْ يُقَسَّمُوا في المَقاسِمِ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ نِدًّا وأسْلِمُوا ولا تَفْخَرُوا عِنْدَ النَّبِيِّ بِدارِمِ وإلّا ورَبِّ البَيْتِ قَدْ مالَتِ القَنا عَلى هامِكم بِالمُرْهِفاتِ الصَّوارِمِ فَقالَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ: واللَّهِ ما أدْرِي ما هَذا الأمْرُ تَكَلَّمَ خَطِيبُنا فَكانَ خَطِيبُهم أحْسَنَ قَوْلًا وتَكَلَّمَ شاعِرُنا فَكانَ شاعِرُهم أشْعَرَ وأحْسَنَ قَوْلًا، ثُمَّ دَنا مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما يَضُرُّكَ ما كانَ قَبْلَ هَذا».
انْتَهى، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ إسْلامَ الأقْرَعِ يَوْمَئِذٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ سَنَةَ الوُفُودِ سَنَةُ تِسْعٍ والطّائِفُ وحُنَيْنٌ كانَتا قَبْلَ ذَلِكَ، وتَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ الأقْرَعَ شَهِدَهُما مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ويُتَوَهَّمُ مِنهُ أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا إذْ ذاكَ فَيَتَناقَضُ مَعَ هَذا بَلْ في أوَّلِ كَلامِ ابْنِ إسْحاقَ وآخِرِهِ ما يُوهِمُ التَّناقُضَ، والمَذْكُورُ في الصِّحاحِ أنَّهُ وكَذا عُيَيْنَةُ كانَ إذْ ذاكَ مِنَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم.
وقَدْ رَوى ابْنُ إسْحاقَ نَفْسُهُ «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ أنَّ قائِلًا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أصْحابِهِ يَوْمَ قِسْمَةِ ما أفاءَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ أعْطَيْتَ عُيَيْنَةَ والأقْرَعَ مِائَةً وتَرَكْتَ جُعَيْلَ بْنَ سُراقَةَ الضَّمْرِيَّ فَقالَ: أما والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَجُعَيْلٌ خَيْرٌ مِن طِلاعِ الأرْضِ كُلِّهِمْ مِثْلَ عُيَيَنْةَ والأقْرَعِ ولَكِنْ تَألَّفْتُهُما لِيُسْلِما ووَكَّلْتُ جُعَيْلَ بْنَ سُراقَةَ إلى إسْلامِهِ»، وجاءَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم مِن بَنِي تَمِيمٍ مَرْفُوعًا.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ يَعْلى بْنِ الأشْدَقِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ ﴾ إلَخْ فَقالَ: هُمُ الجُفاةُ مِن بَنِي تَمِيمٍ لَوْلا أنَّهم مِن أشَدِّ النّاسِ قِتالًا لِلْأعْوَرِ الدَّجّالِ لَدَعَوْتُ اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِمْ أنْ يُهْلِكَهم».
وفِي الصَّحِيحَيْنِ ما يَشْهَدُ بِأنَّهم مِن أشَدِّ الأُمَّةِ عَلى الدَّجّالِ وجَعَلَهُ أبُو هُرَيْرَةَ أحَدَ أسْبابِ حُبِّهِمْ، وظاهِرُ كَثِيرٍ مِنَ الأخْبارِ أنَّ سَبَبَ وُفُودِهِمُ المُفاخَرَةُ، وقالَ الواقِدِيُّ وهو حاطِبُ لَيْلٍ: إنَّ سَبَبَهُ هو أنَّهم كانُوا قَدْ جَهَرُوا السِّلاحَ عَلى خُزاعَةَ فَبَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ عُيَيْنَةَ بْنَ بَدْرٍ في خَمْسِينَ لَيْسَ فِيهِمْ أنْصارِيٌّ ولا مُهاجِرِيٌّ فَأسَرَ مِنهم أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وإحْدى عَشْرَةَ امْرَأةً وثَلاثِينَ صَبِيًّا فُقِدَ رُؤَساؤُهم بِسَبَبِ أُسَرائِهِمْ ويُقالُ: قَدِمَ مِنهم سَبْعُونَ أوْ ثَمانُونَ رَجُلًا في ذَلِكَ مِنهم عُطارِدٌ والزِّبْرِقانُ وقَيْسُ بْنُ عاصِمٍ وقَيْسُ بْنُ الحارِثِ ونُعَيْمُ بْنُ سَعْدٍ والأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ ورِياحُ بْنُ الحارِثِ وعَمْرُو بْنُ الأهْتَمِ فَدَخَلُوا المَسْجِدَ وقَدْ أذَّنَ بِلالٌ الظُّهْرَ والنّاسُ يَنْتَظِرُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيَخْرُجَ إلَيْهِمْ فَعَجَلَ هَؤُلاءِ فَنادَوْهُ مِن وراءِ الحُجُراتِ فَنَزَلَ فِيهِمْ ما نَزَلَ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أجازَهم كُلُّ رَجُلٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وكِساءً ولِعَمْرِو بْنِ الأهْتَمِ خَمْسُ أواقٍ لِحَداثَةِ سِنِّهِ انْتَهى، ولَعَلَّ زِيادَةَ جائِزَتِهِ لِما نِيلَ مِنهُ أيْضًا فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ أنَّ عاصِمَ بْنَ قَيْسٍ كانَ يُبْغِضُ عَمْرًا فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ قَدْ كانَ رَجُلٌ مِنّا في رِحالِنا وهو غُلامٌ حَدَّثَ وأزْرى بِهِ فَقالَ لَمّا بَلَغَهُ ذَلِكَ يُخاطِبُ قَيْسًا: ظَلَلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْباءِ تَشْتُمُنِي عِنْدَ الرَّسُولِ فَلَمْ تُصَدَّقْ ولَمْ تُصِبِ سُدْناكم سُؤْدُدًا رَهْوًا وسُؤْدُدَكم ∗∗∗ بادٍ نَواجِذُهُ مُقْعٍ عَلى الذَّنْبِ ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم ناسٌ مِن بَنِي العَنْبَرِ أصابَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن ذَرّارِيهِمْ فَأقْبَلُوا في فِدائِهِمْ فَقَدِمُوا المَدِينَةَ ودَخَلُوا المَسْجِدَ وعَجَّلُوا أنْ يَخْرُجَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يا مُحَمَّدُ اخْرُجْ إلَيْنا، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعَثَ إلى قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ هم بَنُو العَنْبَرِ سَرِيَّةً أمِيرُها عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فَهَرَبُوا وتَرَكُوا النِّساءَ والذَّرارِيَّ فَسَباهم وقَدِمَ بِهِمْ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَجاءَ رِجالُهم راجِينَ إطْلاقَ الأسارى فَنادَوْا مِن وراءِ الحُجُراتِ فَخَرَجَ فَأطْلَقَ النِّصْفَ وفادى الباقِيَ، وظاهِرُ كَلامِهِ أنَّهم لَيْسُوا مِن بَنِي تَمِيمٍ وإنْ كانَتْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ مُتَّحِدَةً مَعَ السَّرِيَّةِ الَّتِي أشارَ إلَيْها الواقِدِيُّ فِيما تَقَدَّمَ، ويُقالُ: إنَّ عُيَيْنَةَ في الكَلامَيْنِ هو عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ بَدْرٍ إلّا أنَّهُ نُسِبَ هُناكَ إلى جَدِّهِ وهُنا إلى أبِيهِ كانَ ذَلِكَ الكَلامُ ظاهِرًا في أنَّ القَوْمَ كانُوا مِن بَنِي تَمِيمٍ لا أُناسًا آخَرِينَ، وفي القامُوسِ العَنْبَرُ أبُو حَيٍّ مِن تَمِيمٍ فَبَنُو العَنْبَرِ عَلَيْهِ مِنهم فَلَمْ يَخْرُجِ الأمْرُ عَنْهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ أيْ ولَوْ ثَبَتَ صَبْرُهم وانْتِظارُهم حَتّى تَخْرُجَ لَكانَ الصَّبْرُ خَيْرًا لَهم مِنَ الِاسْتِعْجالِ لِما فِيهِ مِن حِفْظِ الأدَبِ وتَعْظِيمِ النَّبِيِّ المُوُجِبَيْنِ لِلثَّناءِ والثَّوابِ أوْ لِذَلِكَ والإسْعافُ بِالمَسْؤُولِ عَلى أوْفَقِ وجْهٍ وأوْقَعِهِ عِنْدَهم بِناءً عَلى حَدِيثِ الأسارى بِأنْ يُطْلِقَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الجَمِيعَ مِن غَيْرِ فِداءٍ، فَأنَّ المَفْتُوحَةَ المُؤَوَّلَةَ بِالمَصْدَرِ هُنا فاعِلُ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ وهو ثَبَتَ كَما اخْتارَهُ المُبَرِّدُ والقَرِينَةُ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ، فَإنَّ أنْ تَدُلَّ عَلى الثُّبُوتِ وهو إنَّما يَكُونُ في الماضِي حَقِيقَةً ولِذا يُقَدَّرُ الفِعْلُ ماضِيًا.
وضَمِيرُ كانَ لِلْمَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ ( صَبَرُوا ) كَما في قَوْلِكَ: مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا لَهُ أيِ الكَذِبُ.
ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ المَصْدَرَ في مَوْضِعِ المُبْتَدَأِ فَقِيلَ: خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ أيْ لَوْ صَبْرُهم ثابِتٌ وقِيلَ: لا خَبَرَ لَهُ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في تَقْدِيرِ الفِعْلِ إبْقاءَ ( لَوْ ) عَلى ظاهِرِها مِن دُخُولِها عَلى الفِعْلِ فَإنَّها في الأصْلِ شَرْطِيَّةٌ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، وجُوِّزَ كَوْنُ ضَمِيرِ كانَ لِمَصْدَرِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ أيْ لَكانَ ثُبُوتُ صَبْرِهِمْ، وصَنِيعُ الزَّمَخْشَرِيِّ يَقْتَضِي أوْلَوِيَّتَهُ.
وأُوثِرَتْ ( حَتّى ) هُنا عَلى- إلى- لِأنَّها مَوْضُوعَةٌ لِما هو غايَةٌ في نَفْسِ الأمْرِ ويُقالُ لَهُ الغايَةُ المَضْرُوبَةُ أيِ المُعَيَّنَةُ وإلى لِما هو غايَةٌ في نَفْسِ الأمْرِ أوْ بِجَعْلِ الجاعِلِ، وإلَيْهِ يَرْجِعُ قَوْلُ المَغارِبَةِ وغَيْرِهِمْ: إنَّ مَجْرُورَ حَتّى دُونَ مَجْرُورِ إلى لا بُدَّ مِن كَوْنِهِ آخِرَ جُزْءٍ نَحْوُ أكَلْتُ السَّمَكَةَ حَتّى رَأْسِها أوْ مُلاقِيًا لَهُ نَحْوَ ﴿ سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ ﴾ ولا يَجُوزُ سَهِرْتُ البارِحَةَ حَتّى ثُلُثَيْها أوْ نِصْفِها فَيُفِيدُ الكَلامُ مَعَها أنَّ انْتِظارَهم إلى أنْ يَخْرُجَ أمْرٌ لازِمٌ لَيْسَ لَهم أنْ يَقْطَعُوا أمْرًا دُونَ الِانْتِهاءِ إلَيْهِ، فَإنَّ الخُرُوجَ لَمّا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى غايَةً كانَ كَذَلِكَ في الواقِعِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَوَهَّمَ ابْنُ مالِكٍ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ غَيْرُهُ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: عَيَّنْتُ لَيْلَةً فَما زِلْتُ حَتّى نِصْفِها راجِيًا فَعُدْتُ يَؤُوسا وأُجِيبَ بِأنَّهُ عَلى تَسْلِيمِ أنَّهُ مِن كَلامِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مَعَ أنَّهُ نادِرٌ شاذٌّ لا يَرِدُ مِثْلُهُ نَقْضًا مَدْفُوعٌ بِأنَّ مَعْنى عَيَّنْتُ لَيْلَةً عَيَّنْتُ وقْتًا لِلزِّيارَةِ وزِيارَةُ الأحْبابِ يُتَعارَفُ فِيها أنْ تَقَعَ في أوَّلِ اللَّيْلِ فَقَوْلُهُ: حَتّى نِصْفِها بَيانٌ لِغايَةِ الوَقْتِ المُتَعارَفِ لِلزِّيارَةِ الَّذِي هو أوَّلُ اللَّيْلِ والنِّصْفُ مُلاقٍ لَهُ، وهو أوْلى مِن قَوْلِ ابْنِ هِشامٍ في المُغْنِي: إنَّ هَذا لَيْسَ مَحَلَّ الِاشْتِراطِ إذْ لَمْ يَقُلْ: فَما زِلْتُ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ حَتّى نِصْفِها وإنْ كانَ المَعْنى عَلَيْهِ، وحاصِلُهُ أنَّ الِاشْتِراطَ مَخْصُوصٌ فِيما إذا صَرَّحَ بِذِي الغايَةِ إذْ لا دَلِيلَ عَلى هَذا التَّخْصِيصِ، وخَفاءُ عَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِتَقْدِيمِ لَيْلَةٍ في صَدْرِ البَيْتِ.
نَعَمْ ما ذُكِرَ مِن أصْلِهِ لا يَخْلُو عَنْ كَلامٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ صاحِبِ الكَشْفِ، ولِذا قالَ الأظْهَرُ: إنَّهُ أوْثَرُ حَتّى تَخْرُجَ اخْتِصارًا لِوُجُوبِ حَذْفِ أنْ ووُجُوبِ الإظْهارِ في إلى مَعَ أنَّ حَتّى أظْهَرُ دَلالَةً عَلى الغايَةِ المُناسِبَةِ لِلْحُكْمِ وتَخالُفِ ما بَعْدَها وما قَبْلَها ولِهَذا جاءَتْ لِلتَّعْلِيلِ دُونَ إلى، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ( إلَيْهِمْ ) إشْعارٌ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَوْ خَرَجَ لا لِأجْلِهِمْ يَنْبَغِي أنْ يَصْبِرُوا حَتّى يُفاتِحَهم بِالكَلامِ أوْ يَتَوَجَّهَ إلَيْهِمْ فَلَيْسَ زائِدًا بَلْ قَيْدٌ لا بُدَّ مِنهُ ﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ بَلِيغُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ فَلِذا اقْتَصَرَ سُبْحانَهُ عَلى النُّصْحِ والتَّقْرِيعِ لِهَؤُلاءِ المُسِيئِينَ الأدَبَ التّارِكِينَ تَعْظِيمَ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَدْ كانَ مُقْتَضى ذَلِكَ أنْ يُعَذِّبَهم أوْ يُهْلِكَهم أوْ فَلَمْ تَضِقْ ساحَةُ مَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْ هَؤُلاءِ إنْ تابُوا وأصْلَحُوا، ويُشِيرُ إلى هَذا قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْأقْرَعِ بَعْدَ أنْ دَنا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ: ما يَضُرُّكَ ما كانَ قَبْلَ هَذا، وفي الآياتِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قُبْحِ سُوءِ الأدَبِ مَعَ الرَّسُولِ ما لا يَخْفى، ومِن هَذا وأمْثالِهِ تُقْتَطَفُ ثَمَرُ الألْبابِ وتُقْتَبَسُ مَحاسِنُ الآدابِ كَما يُحْكى عَنْ أبِي عُبَيْدٍ وهو في الفَضْلِ هو أنَّهُ قالَ: ما دَقَقْتُ بابًا عَلى عالِمٍ حَتّى يَخْرُجَ في وقْتِ خُرُوجِهِ، ونَقَلَهُ بَعْضُهم عَنِ القاسِمِ بْنِ سَلّامٍ الكُوفِيِّ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ الحَبْرَ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَذْهَبُ إلى أُبَيٍّ في بَيْتِهِ لِأخْذِ القُرْآنِ العَظِيمِ عَنْهُ فَيَقِفُ عِنْدَ البابِ ولا يَدُقُّ البابَ عَلَيْهِ حَتّى يَخْرُجَ فاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ أُبَيٌّ مِنهُ فَقالَ لَهُ يَوْمًا: هَلّا دَقَقْتَ البابَ يا ابْنَ عَبّاسٍ ؟
فَقالَ: العالِمُ في قَوْمِهِ كالنَّبِيِّ في أُمَّتِهِ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّ نَبَيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ ولَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ وقَدْ رَأيْتُ هَذِهِ القِصَّةَ صَغِيرًا فَعَمِلْتُ بِمُوجِبِها مَعَ مَشايِخِي والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي الدُّنْيا والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مِندَهْ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ «عَنِ الحارِثِ بْنِ أبِي ضِرارٍ الخُزاعِيِّ قالَ: قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَدَعانِي إلى الإسْلامِ فَدَخَلْتُ فِيهِ وأقْرَرْتُ بِهِ ودَعانِي إلى الزَّكاةِ فَأقْرَرْتُ بِها وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرْجِعُ إلى قَوْمِي فَأدْعُوهم إلى الإسْلامِ وأداءِ الزَّكاةِ فَمَنِ اسْتَجابَ لِي جَمَعْتُ زَكاتَهُ وتُرْسِلُ إلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ رَسُولًا لِإبّانِ كَذا وكَذا لِيَأْتِيَكَ بِما جَمَعْتُ مِنَ الزَّكاةِ فَلَمّا جَمَعَ الحارِثُ الزَّكاةَ مِمَّنِ اسْتَجابَ لَهُ وبَلَغَ الإبّانَ الَّذِي أرادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِ احْتَبَسَ الرَّسُولُ فَلَمْ يَأْتِ فَظَنَّ الحارِثُ أنْ قَدْ حَدَثَ فِيهِ سَخْطَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَدَعا سَرَواتُ قَوْمِهِ فَقالَ لَهُمْ: رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ وقَّتَ لِي وقْتًا يُرْسِلُ إلَيَّ رَسُولَهُ لِيَقْبِضَ ما كانَ عِنْدَنا مِنَ الزَّكاةِ ولَيْسَ مِن رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الخُلْفُ ولا أرى حُبِسَ رَسُولُهُ إلّا مِن سَخْطَةٍ فانْطَلِقُوا بِنا نَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وهو أخُو عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِأُمِّهِ إلى الحارِثِ لِيَقْبِضَ ما كانَ عِنْدَهُ مِمّا جَمَعَ مِنَ الزَّكاةِ فَلَمّا أنَّ سارَ الوَلِيدُ إلى أنْ بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقِ فَرَقَّ فَرَجَعَ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنَّ الحارِثَ مَنَعَنِي الزَّكاةَ وأرادَ قَتْلِي فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ البَعْثَ إلى الحارِثِ فَأقْبَلَ الحارِثُ بِأصْحابِهِ حَتّى إذا اسْتَقْبَلَهُ الحارِثُ وقَدْ فَصَلَ عَنِ المَدِينَةِ قالُوا: هَذا الحارِثُ فَلَمّا غَشِيَهم قالَ لَهُمْ: إلى مَن بُعِثْتُمْ؟
قالُوا: إلَيْكَ قالَ: ولِمَ؟
قالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعَثَ إلَيْكَ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ فَزَعَمَ أنَّكَ مَنَعْتَهُ الزَّكاةَ وأرَدْتَ قَتْلَهُ قالَ: لا والَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ ما رَأيْتُهُ بَتَّةً ولا أتانِي فَلَمّا دَخَلَ الحارِثُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: مَنَعْتَ الزَّكاةَ وأرَدْتَ قَتْلَ رَسُولِي؟
قالَ: لا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما رَأيْتُهُ ولا رَآنِي ولا أقْبَلْتُ إلّا حِينَ احْتُبِسَ عَلَيَّ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ سَخْطَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ حَكِيمٌ ﴾ » وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّ بَنِي فُلانٍ حَيًّا مِن أحْياءِ العَرَبِ وكانَ في نَفْسِهِ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ وكانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالإسْلامِ قَدْ تَرَكُوا الصَّلاةَ وارْتَدُّوا وكَفَرُوا بِاللَّهِ تَعالى فَلَمْ يَعْجَلْ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ودَعا خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ فَبَعَثَهُ إلَيْهِمْ ثُمَّ قالَ: ارْمُقْهم عِنْدَ الصَّلَواتِ فَإنْ كانَ القَوْمُ قَدْ تَرَكُوا الصَّلاةَ فَشَأْنُكَ بِهِمْ وإلّا فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ فَدَنا مِنهم عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَكَمَنَ حَتّى يَسْمَعَ الصَّلاةَ فَرَمَقَهم فَإذا هو بِالمُؤَذِّنِ قَدْ قامَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأذَّنَ ثُمَّ أقامَ الصَّلاةَ فَصَلَّوْا صَلاةَ المَغْرِبِ فَقالَ خالِدٌ: ما أراهم إلّا يُصَلُّونَ فَلَعَلَّهم تَرَكُوا صَلاةً غَيْرَ هَذِهِ ثُمَّ كَمَنَ حَتّى إذا جَنَحَ اللَّيْلُ وغابَ الشَّفَقُ أذَّنَ مُؤَذِّنُهم فَصَلَّوْا فَقالَ: لَعَلَّهم تَرَكُوا صَلاةً أُخْرى فَكَمَنَ حَتّى إذا كانَ في جَوْفِ اللَّيْلِ تَقَدَّمَ حَتّى أطَلَّ الخَيْلُ بِدُورِهِمْ فَإذا القَوْمُ تَعَلَّمُوا شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ فَهم يَتَهَجَّدُونَ بِهِ مِنَ اللَّيْلِ ويَقْرَؤُونَهُ ثُمَّ أتاهم عِنْدَ الصُّبْحِ فَإذا المُؤَذِّنُ حِينَ طَلَعَ الفَجْرُ قَدْ أذَّنَ وأقامَ فَقامُوا وصَلَّوْا فَلَمّا انْصَرَفُوا وأضاءَ لَهُمُ النَّهارُ إذا هم بِنَواصِي الخَيْلِ في دِيارِهِمْ فَقالُوا: ما هَذا؟
قالُوا: خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ قالُوا: يا خالِدُ ما شَأْنُكَ؟
قالَ: أنْتُمْ واللَّهِ شَأْنِي أُتِيَ النَّبِيُّ فَقِيلَ لَهُ: إنَّكم تَرَكْتُمُ الصَّلاةَ وكَفَرْتُمْ بِاللَّهِ تَعالى فَجَثَوْا يَبْكُونَ فَقالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى أنْ نَكْفُرَ أبَدًا فَصَرَفَ الخَيْلَ ورَدَّها عَنْهم حَتّى أتى النَّبِيَّ وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةَ».
قالَ الحَسَنُ: فَوَ اللَّهِ لَئِنْ كانَتْ نَزَلَتْ في هَؤُلاءِ القَوْمِ خاصَّةً إنَّها لَمُرْسَلَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ما نَسَخَها شَيْءٌ، والرِّوايَةُ السّابِقَةُ أصَحُّ وأشْهَرُ، وكَلامُ صاحِبِ الكَشْفِ مُصَرِّحٌ بِأنَّ بَعْثَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ كانَ في قَضِيَّةِ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَهُ إلى أُولَئِكَ الحَيِّ مِن خُزاعَةَ بَعْدَ رُجُوعِ الوَلِيدِ وقَوْلِهِ ما قالَ، والقائِلُ بِذَلِكَ قالَ: إنَّهم سَلَّمُوا إلَيْهِ الصَّدَقاتِ فَرَجَعَ، والخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ) شامِلٌ لِلنَّبِيِّ والمُؤْمِنِينَ مِن أُمَّتِهِ الكامِلِينَ مِنهم مَحاسِنُ آدابٍ وغَيْرِهِمْ، وتَخْصِيصُ الخِطابِ بِحَسَبِ ما يَقَعُ مِنَ الأمْرِ بَعْدَهُ إذْ يَلِيقُ بِحالِ بَعْضِهِمْ لا يُخْرِجُهُ عَنِ العُمُومِ لِوُجُودِهِ فِيما بَيْنَهم فَلا تَغْفَلْ، والفاسِقُ الخارِجُ عَنْ حِجْرِ الشَّرْعِ مِن قَوْلِهِمْ: فَسَقَ الرَّطْبُ إذا خَرَجَ عَنْ قِشْرِهِ، قالَ الرّاغِبُ: والفِسْقُ أعَمُّ مِنَ الكُفْرِ ويَقَعُ بِالقَلِيلِ مِنَ الذُّنُوبِ والكَثِيرِ لَكِنْ تُعُورِفَ فِيما كانَتْ كَثِيرَةً، وأكْثَرُ ما يُقالُ الفاسِقُ لِمَنِ التَزَمَ حُكْمَ الشَّرْعِ وأقَرَّ بِهِ ثُمَّ أخَلَّ بِجَمِيعِ أحْكامِهِ أوْ بِبَعْضِها، وإذا قِيلَ لِلْكافِرِ الأصْلِيِّ فاسِقٌ فَلِأنَّهُ أخَلَّ بِحُكْمِ ما ألْزَمَهُ العَقْلُ واقْتَضَتْهُ الفِطْرَةُ.
ووَصْفُ الإنْسانِ بِهِ- عَلى ما قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ - لَمْ يُسْمَعْ في كَلامِ العَرَبِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا المُسْلِمُ المُخِلُّ بِشَيْءٍ مِن أحْكامِ الشَّرْعِ أوِ المَرُوءَةِ بِناءً عَلى مُقابَلَتِهِ بِالعَدْلِ وقَدِ اعْتُبِرَ في العَدالَةِ عَدَمُ الإخْلالِ بِالمُرُوءَةِ، والمَشْهُورُ الِاقْتِصارُ في تَعْرِيفِهِ عَلى الإخْلالِ بِشَيْءٍ مِن أحْكامِ الشَّرْعِ فَلا تَغْفَلْ، والتَّبَيُّنُ طَلَبُ البَيانِ والتَّعَرُّفِ وقَرِيبٌ مِنهُ التَّثَبُّتُ كَما في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ (فَتَثَبَّتُوا) وهو طَلَبُ الثَّباتِ والتَّأنِّي حَتّى يَتَّضِحَ الحالُ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ «(أنَّ النَّبِيَّ قالَ يَوْمَ نَزَلَتِ الآيَةُ: التَّثَبُّتُ مِنَ اللَّهِ تَعالى والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ)».
وتَنْكِيرُ ﴿ فاسِقٌ ﴾ لِلتَّعْمِيمِ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ الشَّرْطِ وهي كالنَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ تُفِيدُ العُمُومَ كَما قُرِّرَ في الأُصُولِ وكَذا نَبَأٌ، وهُوَ- كَما في القامُوسِ- الخَبَرُ، وقالَ الرّاغِبُ: لا يُقالُ لِلْخَبَرِ في الأصْلِ نَبَأٌ حَتّى يَكُونَ ذا فائِدَةٍ عَظِيمَةٍ يَحْصُلُ بِهِ عِلْمٌ أوْ غَلَبَةُ ظَنٍّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ إذا كانَ الخَبَرُ شَيْئًا عَظِيمًا وما لَهُ قَدْرٌ فَحَقُّهُ أنْ يُتَوَقَّفَ فِيهِ وإنْ عُلِمَ أوْ غَلَبَ صِحَّتُهُ عَلى الظَّنِّ حَتّى يُعادَ النَّظَرُ فِيهِ ويُتَبَيَّنُ فَضْلَ تَبَيُّنٍ، ولَمّا كانَ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ بِالمَنزِلَةِ الَّتِي لا يَجْسُرُ أحَدٌ أنْ يُخْبِرَهم بِكَذِبٍ وما كانَ يَقَعُ مِثْلَ ما فَرَطَ مِنَ الوَلِيدِ إلّا في النُّدْرَةِ قِيلَ: ﴿ إنْ جاءَكُمْ ﴾ بِحَرْفِ الشَّكِّ، وفي النِّداءِ بِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإيمانَ إذا اقْتَضى التَّثَبُّتَ في نَبَأِ الفاسِقِ فَأوْلى أنْ يَقْتَضِيَ عَدَمَ الفِسْقِ، وفي إخْراجِ الفاسِقِ عَنِ الخِطابِ ما يَدُلُّ عَلى تَشْدِيدِ الأمْرِ عَلَيْهِ مِن بابِ «(لا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ)» والمُؤْمِنُ لا يَكْذِبُ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الفاسِقَ أهْلٌ لِلشَّهادَةِ وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلْأمْرِ بِالتَّبَيُّنِ فائِدَةٌ، ألا تَرى أنَّ العَبْدَ إذا شَهِدَ تُرَدُّ شَهادَتُهُ ولا يُتَثَبَّتُ فِيها خِلافًا لِلشّافِعِيِّ.
وعَلى جَوازِ قَبُولِ خَبَرِ العَدْلِ الواحِدِ، وقَرَّرَهُ الأُصُولِيُّونَ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ لَما كانَ عَدَمُ قَبُولِهِ مُعَلَّلًا بِالفِسْقِ، وذَلِكَ لَأنَّ خَبَرَ الواحِدِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَقْتَضِي عَدَمَ القَبُولِ لِذاتِهِ وهو كَوْنُهُ خَبَرَ واحِدٍ فَيَمْتَنِعُ تَعْلِيلُ عَدَمِ قَبُولِهِ بِغَيْرِهِ لِأنَّ الحُكْمَ المُعَلَّلَ بِالذّاتِ لا يَكُونُ مُعَلَّلًا بِالغَيْرِ إذْ لَوْ كانَ مُعَلَّلًا بِهِ اقْتَضى حُصُولَهُ بِهِ مَعَ أنَّهُ حاصِلٌ قَبْلَهُ لِكَوْنِهِ مُعَلَّلًا بِالذّاتِ وهو باطِلٌ لِأنَّهُ تَحْصِيلٌ لِلْحاصِلِ أوْ يَلْزَمُ تَوارُدُ عِلَّتَيْنِ عَلى مَعْلُولٍ واحِدٍ في خَبَرِ الفاسِقِ، وامْتِناعُ تَعْلِيلِهِ بِالفِسْقِ باطِلٌ لِلْآيَةِ فَإنْ تَرَتَّبَ الحُكْمُ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ عِلَّةٌ لَهُ والظَّنُّ كافٍ هُنا لِأنَّ المَقْصُودَ هو العَمَلُ فَثَبَتَ أنَّ خَبَرَ الواحِدِ لَيْسَ مَرْدُودًا وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ مَقْبُولٌ يُعْمَلُ بِهِ.
ثانِيهِما أنَّ الأمْرَ بِالتَّبَيُّنِ مَشْرُوطٌ بِمَجِيءِ الفاسِقِ ومَفْهُومُ الشَّرْطِ مُعْتَبَرٌ عَلى الصَّحِيحِ فَيَجِبُ العَمَلُ بِهِ إذا لَمْ يَكُنْ فاسِقًا لِأنَّ الظَّنَّ يُعْمَلُ بِهِ هُنا، والقَوْلُ بِالواسِطَةِ مُنْتَفٍ والقَوْلُ بِأنَّهُ يَجُوزُ اشْتِراكُ أُمُورٍ في لازِمٍ واحِدٍ فَيُعَلَّقُ بِكُلٍّ مِنهُما بِكَلِمَةٍ إنْ مَعَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفاءِ ذَلِكَ المَلْزُومِ انْتِفاءُ اللّازِمِ غَيْرَ مُتَوَجِّهٍ لِأنَّ الشَّرْطَ مَجْمُوعُ تِلْكَ الأُمُورِ وكُلُّ واحِدٍ مِنها لا يُعَدُّ شَرْطًا عَلى ما قُرِّرَ في الأُصُولِ.
نَعَمْ قالَ ابْنُ الحاجِبِ وعَضُدُ الدِّينِ: قَدِ اسْتُدِلَّ مِن قَبْلِنا عَلى وُجُوبِ العَمَلِ بِخَبَرِ الواحِدِ بِظَواهِرَ لا تُفِيدُ إلّا الظَّنَّ ولا يَكْفِي في المَسائِلِ العِلْمِيَّةِ وذَكَرا مِن ذَلِكَ الآيَةَ المَذْكُورَةَ، ثُمَّ إنَّ لِلْقائِلِينَ بِوُجُوبِ العَمَلِ بِهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا مَذْكُورًا في مَحَلِّهِ.
واسْتَدَلَّ الحَنَفِيَّةُ بِها عَلى قَبُولِ خَبَرِ المَجْهُولِ الَّذِي لا تُعْلَمُ عَدالَتُهُ وعَدَمِ وُجُوبِ التَّثَبُّتِ لِأنَّها دَلَّتْ عَلى أنَّ الفِسْقَ شَرْطُ وُجُوبِ التَّثَبُّتِ فَإذا انْتَفى الفِسْقُ انْتَفى وُجُوبُهُ وهاهُنا قَدِ انْتَفى الفِسْقُ ظاهِرًا ونَحْنُ نَحْكُمُ بِهِ فَلا يَجِبُ التَّثَبُّتُ.
وتُعِقِّبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ هاهُنا انْتَفى الفِسْقُ بَلِ انْتَفى العِلْمُ بِهِ ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ العِلْمِ بِالشَّيْءِ عَدَمُهُ والمَطْلُوبُ العِلْمُ بِانْتِفائِهِ ولا يَحْصُلُ إلّا بِالخِبْرَةِ بِهِ أوْ بِتَزْكِيَةِ خَبِيرٍ بِهِ لَهُ، قالَ العَضُدُ: إنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الأصْلَ الفِسْقُ أوِ العَدالَةُ والظّاهِرُ أنَّهُ الفِسْقُ لِأنَّ العَدالَةَ طارِئَةٌ ولِأنَّهُ أكْثَرُ.
واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَن لَيْسَ بِعَدْلٍ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أطْلَقَ الفاسِقَ عَلى الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فِيها، فَإنَّ سَبَبَ النُّزُولِ قَطْعِيُّ الدُّخُولِ وهو صَحابِيٌّ بِالِاتِّفاقِ فَيُرَدُّ بِها عَلى مَن قالَ: إنَّهم كُلُّهم عُدُولٌ ولا يُبْحَثُ عَنْ عَدالَتِهِمْ في رِوايَةٍ ولا شَهادَةٍ، وهَذا أحَدُ أقْوالٍ في المَسْألَةِ وقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ مِنَ العُلَماءِ السَّلَفِ والخَلْفِ.
وثانِيها أنَّهم كَغَيْرِهِمْ فَيُبْحَثُ عَنِ العَدالَةِ فِيهِمْ في الرِّوايَةِ والشَّهادَةِ إلّا مَن يَكُونُ ظاهِرُها أوْ مَقْطُوعُها كالشَّيْخَيْنِ.
وثالِثُها أنَّهم عُدُولٌ إلى قَتْلِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ويُبْحَثُ عَنْ عَدالَتِهِمْ مِن حَيْثُ قَتْلِهِ لِوُقُوعِ الفِتَنِ مِن حِينَئِذٍ وفِيهِمُ المُمْسِكُ عَنْ خَوْضِها.
ورابِعُها أنَّهم عُدُولٌ إلّا مِن قاتِلِ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لِفِسْقِهِ بِالخُرُوجِ عَلى الإمامِ الحَقِّ وإلى هَذا ذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ.
والحَقُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ وهم يَقُولُونَ: إنَّ مَن طَرَأ لَهُ مِنهم قادِحٌ كَكَذِبٍ أوْ سَرِقَةٍ أوْ زِنًا عَمّا بِمُقْتَضاهُ في حَقِّهِ إلّا أنَّهُ لا يُصِرُّ عَلى ما يُخِلُّ بِالعَدالَةِ بِناءً عَلى ما جاءَ في مَدْحِهِمْ مِنَ الآياتِ والأخْبارِ وتَواتُرٍ مِن مَحاسِنِ الآثارِ، فَلا يُسَوِّغُ لَنا الحُكْمَ عَلى مَنِ ارْتَكَبَ مِنهم مُفَسَّقًا بِأنَّهُ ماتَ عَلى الفِسْقِ.
ولا نُنْكِرُ أنَّ مِنهم مَنِ ارْتَكَبَ في حَياتِهِ مُفَسَّقًا لِعَدَمِ القَوْلِ بِعِصْمَتِهِمْ وأنَّهُ كانَ يُقالُ لَهُ قَبْلَ تَوْبَتِهِ فاسِقٌ لَكِنْ لا يُقالُ بِاسْتِمْرارِ هَذا الوَصْفِ فِيهِ ثِقَةً بِبَرَكَةِ صُحْبَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَزِيدِ ثَناءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ أيْ عُدُولًا وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ إنْ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ: إنَّ مِنَ الصَّحابَةِ مَن لَيْسَ بِعَدْلٍ أنَّ مِنهم مَنِ ارْتَكَبَ في وقْتٍ ما ما يُنافِي العَدالَةَ فَدَلالَةُ الآيَةِ عَلَيْهِ مُسَلَّمَةٌ لَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَحَلَّ النِّزاعِ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ أنَّ مِنهم مَنِ اسْتَمَرَّ عَلى ما يُنافِي العَدالَةَ فَدَلالَةُ الآيَةِ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ كَما لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ فالمَسْألَةُ بَعْدُ تَتَحَمَّلُ الكَلامَ ورُبَّما تَقْبَلُ زِيادَةَ قَوْلٍ خامِسٍ فِيها.
هَذا ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ الفاسِقَ قِسْمانِ: فاسِقٌ غَيْرُ مُتَأوِّلٍ وهو ظاهِرٌ ولا خِلافَ في أنَّهُ لا يُقْبَلُ خَبَرُهُ وفاسِقٌ مُتَأوِّلٌ كالجَبْرِيِّ والقَدَرِيِّ ويُقالُ لَهُ المُبْتَدِعُ بِدْعَةً واضِحَةً، فَمِنَ الأُصُولِيِّينَ مَن رَدَّ شَهادَتَهُ ورِوايَتَهُ لِلْآيَةِ ومِنهُمُ الشّافِعِيُّ والقاضِي، ومِنهم مَن قَبِلَهُما، أمّا الشَّهادَةُ فَلِأنَّ رَدَّها لِتُهْمَةِ الكَذِبِ والفِسْقُ مِن حَيْثُ الِاعْتِقادُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ هو إمارَةُ الصِّدْقِ لِأنَّ مَوْقِعَهُ فِيهِ تَعَمُّقُهُ في الدِّينِ، والكَذِبُ حَرامٌ في كُلِّ الأدْيانِ لا سِيَّما عِنْدَ مَن يَقُولُ بِكُفْرِ الكاذِبِ أوْ خُرُوجِهِ مِنَ الإيمانِ وذَلِكَ يَصُدُّهُ عَنْهُ إلّا مَن يَدِينُ بِتَصْدِيقِ المُدَّعِي المُتَحَلِّي بِحِلْيَتِهِ كالخَطابِيَّةِ، وكَذا مَنِ اعْتَقَدَ بِحُجِّيَّةِ الإلْهامِ.
وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ».
وأُمًّا الرِّوايَةُ فَلِأنَّ مَنِ احْتَرَزَ عَنِ الكَذِبِ عَلى غَيْرِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فاحْتِرازُهُ مِنَ الكَذِبِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْلى إلّا مَن يَعْتَقِدُ حَلَّ وضْعِ الأحادِيثِ تَرْغِيبًا أوْ تَرْهِيبًا كالكَرامِيَّةِ أوْ تَرْوِيجًا لِمَذْهَبِهِ كابْنِ الرّاوَنْدِيِّ، وأصْحابُنا الحَنَفِيَّةِ قَبِلُوا شَهادَتَهم لِما مَرَّ دُونَ رِوايَتِهِمْ إذا دَعَوُا النّاسَ إلى هَواهُمْ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ أئِمَّةِ الفِقْهِ والحَدِيثِ لِأنَّ الدَّعْوَةَ إلى ذَلِكَ داعِيَةٌ إلى النُّقُولِ فَلا يُؤْتَمَنُونَ عَلى الرِّوايَةِ ولا كَذَلِكَ الشَّهادَةُ.
ورَجَّحَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ والقاضِي بِأنَّ الآيَةَ تَقْتَضِيهِ والعَمَلَ بِها أوْلى مِنَ العَمَلِ بِالحَدِيثِ لِتَواتُرِها وخُصُوصِها، والعامُّ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ ولِأنَّها لَمْ تُخَصَّصْ إذْ كُلُّ فاسِقٍ مَرْدُودٌ، والحَدِيثُ خُصَّ مِنهُ خَبَرُ الكافِرِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ مَفْهُومَها أنَّ الفِسْقَ هو المُقْتَضِي لِلتَّثَبُّتِ فَيُرادُ بِهِ ما هو إمارَةُ الكَذِبِ لا ما هو إمارَةُ الصِّدْقِ فافْهَمْ، ولَيْسَ مِنَ الفِسْقِ نَحْوُ اللَّعِبِ بِالشَّطْرَنْجِ مِن مُجْتَهِدٍ يُحِلُّهُ أوْ مُقَلِّدٍ لَهُ صَوَّبْنا أوْ خَطَّأْنا لِوُجُوبِ العَمَلِ بِمُوجِبِ الظَّنِّ ولا تَفْسِيقٍ بِالواجِبِ.
وحَدَّ الشّافِعِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ شارِبَ النَّبِيذِ لَيْسَ لِأنَّهُ فاسِقٌ بَلْ لِزَجْرِهِ لِظُهُورِ التَّحْرِيمِ عِنْدَهُ، ولِذا قالَ: أحُدُّهُ وأقْبَلُ شَهادَتَهُ، وكَذا الحَدُّ في شَهادَةِ الزِّنا لِعَدَمِ تَمامِ النِّصابِ لا يَدُلُّ عَلى الفِسْقِ بِخِلافِهِ في مَقامِ القَذْفِ فَلْيُحْفَظْ.
﴿ أنْ تُصِيبُوا ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالتَّبَيُّنِ أيْ فَتَبَيَّنُوا كَراهَةَ أنْ تُصِيبُوا أوْ لِئَلّا تُصِيبُوا ﴿ قَوْمًا ﴾ أيَّ قَوْمٍ كانُوا ﴿ بِجَهالَةٍ ﴾ مُلْتَبِسِينَ بِجَهالَةٍ لِحالِهِمْ، ومَآلُهُ جاهِلِينَ حالَهُمْ، ﴿ فَتُصْبِحُوا ﴾ فَتَصِيرُوا بَعْدَ ظُهُورِ بَراءَتِهِمْ عَمّا رُمُوا بِهِ ﴿ عَلى ما فَعَلْتُمْ ﴾ في حَقِّهِمْ ﴿ نادِمِينَ ﴾ مُغْتَمِّينَ غَمًّا لازِمًا مُتَمَنِّينَ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ، فَإنَّ النَّدَمَ الغَمُّ عَلى وُقُوعِ شَيْءٍ مَعَ تَمَنِّي عَدَمِ وُقُوعِهِ، ويُشْعِرُ بِاللُّزُومِ وكَذا سائِرُ تَصارِيفِ حُرُوفِهِ وتَقالِيبِها كَمَدَنَ بِمَعْنى لَزِمَ الإقامَةَ ومِنهُ المَدِينَةُ وأدْمَنَ الشَّيْءَ أدامَ فِعْلَهُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في الآيَةِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى الإنْسانِ تَجْدِيدُ النَّدَمِ كُلَّما ذَكَرَ الذَّنْبَ ونُسِبَ إلى الزَّمَخْشَرِيِّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وفي الكَشْفِ التَّحْقِيقُ أنَّ النَّدَمَ غَمٌّ خاصٌّ ولُزُومُهُ قَدْ يَقَعُ لِقُوَّتِهِ في أوَّلِ الأمْرِ وقَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ غَيْبَةِ مُوجِبِهِ عَنِ الخاطِرِ، وقَدْ يَكُونُ لِكَثْرَةِ تَذَكُّرِهِ ولِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ، وإنَّ تَجْدِيدَ النَّدَمِ لا يَجِبُ في التَّوْبَةِ لَكِنَّ التّائِبَ الصّادِقَ لا بُدَّ لَهُ مِن ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، ( وأنَّ ) بِما في حَيِّزِها سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيِ ( اعْلَمُوا ) بِاعْتِبارِ ما قُيِّدَ بِهِ مِنَ الحالِ وهو قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ﴾ أيْ لَوَقَعْتُمْ في الجُهْدِ والهَلاكِ فَإنَّهُ حالٌ مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ في ( فِيكم ) الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ المَرْفُوعُ وهو ضَمِيرُ الرَّسُولِ أوِ البارِزُ المَجْرُورُ وهو ضَمِيرُ المُخاطَبِينَ، وتَقْدِيمُ خَبَرِ أنَّ لِلْحَضَرِ المُسْتَتْبَعِ زِيادَةَ التَّوْبِيخِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلِاسْتِمْرارِ- فَلَوْ- لِامْتِناعِ اسْتِمْرارِ طاعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم في كَثِيرٍ مِمّا يَعِنُّ لَهم مِنَ الأُمُورِ، وكَوْنُ المُرادِ اسْتِمْرارَ الِامْتِناعِ نَظِيرُ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ولا هم يَحْزَنُونَ ) مِن أنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لَيْسَ بِذاكَ، وفي الكَلامِ إشْعارٌ بِأنَّهم زَيَّنُوا بَيْنَ يَدَيِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الإيقاعَ بِالحَرْثِ وقَوْمِهِ وقَدْ أُرِيدَ أنْ يَنْعى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن لا يَعْلَمُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيْنَ أظْهُرِهم فَقِيلَ: واعْلَمُوا أنَّهُ فِيكم لا في غَيْرِكم كَأنَّهم حَسِبُوهُ لِعَدَمِ تَأدُّبِهِمْ وما بَدَرَ مِنهُمُ الفُرُطَةَ بَيْنَ أظْهُرِ أقْوامٍ آخَرِينَ كائِنًا عَلى حالٍ يَجِبُ عَلَيْكم تَغْيِيرُها أوْ وأنْتُمْ عَلى كَذَلِكَ وهو ما تُرِيدُونَ مِنِ اسْتِتْباعِ رَأْيِهِ لِرَأْيِكم وطاعَتِهِ لَكم مَعَ أنَّ ذَلِكَ تَعْكِيسٌ ومُوجِبٌ لِوُقُوعِكم في العَنَتِ، وفِيهِ مُبالَغاتٌ مِن أوْجُهٍ: أحَدُها إيثارُ ( لَوْ ) لِيَدُلَّ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرُ وأنَّ ما بَدَرَ مِن مِنَ التَّزْيِينِ كانَ مِن حَقِّهِ أنْ يُفْرَضَ كَما يَفْرُضُ المُمْتَنِعاتُ، والثّانِي ما في العُدُولِ إلى المُضارِعِ مِن تَصْوِيرِ ما كانُوا عَلَيْهِ وتَهْجِينِهِ مِنَ التَّوْبِيخِ بِإرادَةِ اسْتِمْرارِ ما حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مَفْرُوضًا فَضْلًا عَنِ الوُقُوعِ، والثّالِثُ ما في العَنَتِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أشَدِّ المَحْذُورِ فَإنَّهُ الكَسْرُ بَعْدَ الجَبْرِ والرَّمْزُ الخَفِيُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِأوَّلِ بادِرَةٍ.
والرّابِعُ ما في تَعْمِيمِ الخِطابِ والحَرِيِّ بِهِ غَيْرُ الكَمَلِ مِنَ التَّمْرِيضِ لِيَكُونَ أرْدَعَ لِمُرْتَكِبِهِ وأزْجَرَ لِغَيْرِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تَبَيَّنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ ولا تَكُونُوا أمْثالَ هَؤُلاءِ مِمَّنِ اسْتَفَزَّهُ النَّبَأُ قَبْلَ تَعَرُّفِ صِدْقِهِ ثُمَّ لا يُقْنِعُهُ ذَلِكَ حَتّى يُرِيدَ أنْ يَسْتَتْبِعَ رَأْيَ مَن هو المَتْبُوعُ عَلى الإطْلاقِ فَيَقَعُ هو ويَقَعُ غَيْرُهُ في العَنَتِ والإرْهاقِ واعْلَمُوا جَلالَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَفادَوْا عَنْ أشْباهِ هَذِهِ الهَنّاتِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ ﴾ اسْتِدْراكٌ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الكَلامُ فَإنَّ ﴿ لَوْ يُطِيعُكُمْ ﴾ خِطابٌ كَما سَمِعْتَ لِلْبَعْضِ الغَيْرِ الكَمَلِ عُمِّمَ لِلْفَوائِدِ المَذْكُورَةِ والمُحَبَّبُ إلَيْهِمُ الإيمانُ هُمُ الكَمَلُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلى بَعْضِكُمُ الإيمانَ وعَدَلَ عَنْهُ لِنِداءِ الصِّفَةِ بِهِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ هُمُ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ ﴾ إلَيْهِمْ، وفِيهِ نَوْعٌ مِنَ الِالتِفاتِ، والخِطابُ فِيهِ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَأنَّهُ تَعالى يُبَصِّرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما هم فِيهِ مِن سَبْقِ القَدَمِ في الرَّشادِ أيْ إصابَةِ الطَّرِيقِ السَّوِيِّ، فَحاصِلُ المَعْنى أنْتُمْ عَلى الحالِ الَّتِي يَنْبَغِي لَكم تَغْيِيرُها وقَدْ بَدَرَ مِنكم ما بَدَرَ ولَكِنْ ثَمَّ جَمْعًا عَمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن تَصْدِيقِ الكاذِبِ وتَزْيِينِ الإيقاعِ بِالبَرِيءِ وإرادَةِ أنْ يَتَّبِعَ الحَقُّ أهْواءَكم بُرَآءَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَبَّبَ إلَيْهِمُ الإيمانَ إلَخْ، وهَذا أوْلى مِن جَعْلِ ﴿ لَوْ يُطِيعُكُمْ ﴾ إلَخْ في مَعْنى ما حُبِّبَ إلَيْهِمُ الإيمانُ تَغْلِيظًا لِأنَّ مَن تَصَدّى لِلْإيقاعِ بِالبَرِيءِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجَسَرَ عَلى ارْتِكابِ تِلْكَ العَظِيمَةِ لَمْ يَكُنْ مَحْبُوبًا إلَيْهِ الإيمانُ وإنْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا سَدِيدًا لِشُيُوعِ التَّصَرُّفِ في الأواخِرِ في مِثْلِهِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهُمُ اسْتِدْراكًا بِبَيانِ عُذْرِهِمْ فِيما بَدَرَ مِنهُمْ، ومَآلُ المَعْنى لَمْ يَحْمِلْكم عَلى ما كانَ مِنكُمُ اتِّباعُ الهَوى ومَحَبَّةُ مُتابَعَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِآرائِكم بَلْ مَحَبَّةُ الإيمانِ وكَراهَةُ الكُفْرِ هي الدّاعِيَةُ لِذَلِكَ، والمُناسِبُ لِما بَعْدَ ما ذَكَرْناهُ.
وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُعَرِّبِينَ أنَّ ﴿ لَوْ يُطِيعُكُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ عَلى مَعْنى أنَّهُ لَمّا قِيلَ ﴿ واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ ﴾ دالًّا عَلى أنَّهم جاهِلُونَ بِمَكانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُفَرِّطُونَ فِيما يَجِبُ مِن تَعْظِيمِ شَأْنِهِ أعْلى اللَّهُ شَأْنَهُ اتَّجَهَ لَهم أنْ يَسْألُوا ماذا فَعَلُوا حَتّى نُسِبُوا إلى التَّفْرِيطِ وماذا يَنْتِجُ مِنَ المَضَرَّةِ؟
فَأُجِيبُوا بِما يُصَرِّحُ بِالنَّتِيجَةِ لِخَفائِها ويُومِئُ إلى ما فِيها مِنَ المَعَرَّةِ مِن وُقُوعِهِمْ في العَنَتِ بِسَبَبِ اسْتِتْباعِ مَن هو في عُلُوِّ المَنصِبِ اقْتِداءً يَتَخَطّى أعْلى المَجَرَّةِ، وهو حَسَنٌ لَوْلا أنَّ ( واعْلَمُوا ) كَلامٌ مِن تَتِمَّةِ الأوَّلِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ العَطْفُ لا وارِدٌ تَقْرِيعًا عَلى الِاسْتِقْلالِ فَيَأْبى التَّقْدِيرَ المَذْكُورَ لِتَعَيُّنِ مُوجِبِ التَّفْرِيطِ، وأيْضًا يَفُوتُ التَّعْرِيضُ وإنَّ ذَلِكَ بادِرَةٌ مِن بَعْضِهِمْ في قِصَّةِ ابْنِ عُقْبَةَ ويَتَنافَرُ الكَلامُ، هَذا ﴿ وكَرَّهَ ﴾ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى واحِدٍ وإذا شُدِّدَ زادَ لَهُ آخَرُ لَكِنَّهُ ضُمِّنَ في الآيَةِ مَعْنى التَّبْغِيضِ فَعُومِلَ مُعامَلَتَهُ وحَسَّنَهُ مُقابَلَتُهُ لِحَبَّبَ أوْ نَزَلَ ﴿ إلَيْكُمُ ﴾ مَنزِلَةَ مَفْعُولٍ آخَرَ، و ﴿ الكُفْرَ ﴾ تَغْطِيَةُ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى بِالجُحُودِ، و ﴿ الفُسُوقُ ﴾ الخُرُوجُ عَنِ القَصْدِ ومَأْخَذُهُ ما تَقَدَّمَ، ﴿ والعِصْيانَ ﴾ الِامْتِناعُ عَنِ الِانْقِيادِ، وأصْلُهُ مِن عَصَتِ النَّواةُ صَلَبَتْ واشْتَدَّتْ، والكَلامُ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولَكِنَّ اللَّهَ ﴾ إلَخْ ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِما يُرْدِفُ التَّحْبِيبَ المَذْكُورَ والتَّكْرِيهَ مِن فِعْلِ الأعْمالِ المَرَضِيَّةِ والطّاعاتِ والتَّجَنُّبَ عَنِ الأفْعالِ القَبِيحَةِ والسَّيِّئاتِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ لِيَقَعَ التَّقابُلُ مَوْقِعَهُ عَلى ما سَلَفَ آنِفًا، وقِيلَ: الدّاعِي لِذَلِكَ ما يَلْزَمُ عَلى الظّاهِرِ مِنَ المَدْحِ بِفِعْلِ الغَيْرِ مَعَ أنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ وهو في إيثارِهِمُ الإيمانَ وإعْراضِهِمْ عَنِ الكُفْرِ وأخَوَيْهِ لا في تَحْبِيبِ اللَّهِ تَعالى الإيمانَ لَهم وتَكْرِيهِهِ سُبْحانَهُ الكُفْرَ وما مَعَهُ إلَيْهِمْ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الثَّناءَ عَلى صِفَةِ الكَمالِ اخْتِيارِيَّةٌ كانَتْ أوَّلًا شائِعٌ في عُرْفِ العَرَبِ والعَجَمِ، والمُنْكِرُ مُعانِدٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ واقِعٌ عَلى الجَمادِ أيْضًا، والمُسَلَّمُ الضَّرُورِيُّ أنَّهُ لا يَمْدَحُ الرَّجُلَ بِما لَمْ يَفْعَلْهُ عَلى أنَّهُ فَعَلَهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ﴾ أمّا أنَّهُ لا يُمْدَحُ بِهِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لَهُ فَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ فَلا تَغْفَلْ <div class="verse-tafsir"
﴿ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأفْعالِ المُسْتَنِدَةِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ ﴾ إلَخْ وما في البَيْنِ اعْتِراضٌ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ تَعْلِيلًا لِلرّاشِدِينَ، وصَحَّ النَّصْبُ عَلى القَوْلِ بِاشْتِراطِ اتِّحادِ الفاعِلِ أيْ مِن قامَ بِهِ الفِعْلُ وصَدَرَ عَنْهُ مُوجِدًا لَهُ أوَّلًا لِما أنَّ الرُّشْدَ وقَعَ عِبارَةً عَنِ التَّحْبِيبِ والتَّزْيِينِ والتَّكْرِيهِ مُسْنَدَةً إلى اسْمِهِ تَبارَكَ اسْمُهُ فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ مَثَلًا حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ فَضْلًا مِنهُ وجُعِلَ كِنايَةً عَنِ الرُّشْدِ لَصَحَّ فَيَحْسُنُ أنْ يُقالَ: أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ فَضْلًا ويَكُونُ في قُوَّةٍ أُولَئِكَ هُمُ المُحَبَّبُونَ فَضْلًا أوْ لِأنَّ الرُّشْدَ هاهُنا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ تَعالى شَأْنُهُ مُرْشِدًا إذْ هو مُطاوِعٌ أرْشَدَ، وهَذا نَظِيرُ ما قالُوا مِن أنَّ الإراءَةَ تَسْتَلْزِمُ رُؤْيَةً في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ﴾ فَيَتَّحِدُ الفاعِلُ ويَصِحُّ النَّصْبُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَصْدَرًا لِغَيْرِ فِعْلِهِ فَهو مَنصُوبٌ إمّا بِحَبَّبَ أوِ بِالرّاشِدِينَ فَإنَّ التَّحْبِيبَ والرُّشْدَ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى وإنْعامِهِ).
وقِيلَ: مَفْعُولٌ بِهِ لِمَحْذُوفٍ أيْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ مُبالَغٌ في العِلْمِ فَيَعْلَمُ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ وما بَيْنَهم مِنَ التَّفاضُلِ ﴿ حَكِيمٌ ﴾ يَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُ مِن أفْضالٍ وإنْعامٍ وغَيْرِهِما بِمُوجِبِ الحِكْمَةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ﴾ أيْ تَقاتَلُوا، وكانَ الظّاهِرُ اقْتَتَلَتا بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما ﴾ أيْ بِالنُّصْحِ وإزالَةِ الشُّبْهَةِ إنْ كانَتْ والدُّعاءِ إلى حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والعُدُولُ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ لِرِعايَةِ المَعْنى فَإنَّ كُلَّ طائِفَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ جَماعَةٌ فَقَدْ رُوعِيَ في الطّائِفَتَيْنِ مَعْناهُما أوَّلًا ولَفْظُهُما ثانِيًا عَلى عَكْسِ المَشْهُورِ في الِاسْتِعْمالِ، والنُّكْتَةُ في ذَلِكَ ما قِيلَ: إنَّهم أوَّلًا في حالِ القِتالِ مُخْتَلِطُونَ فَلِذا جُمِعَ أوَّلًا ضَمِيرُهم وفي حالِ الصُّلْحِ مُتَمَيِّزُونَ مُتَفارِقُونَ فَلِذا ثُنِّيَ الضَّمِيرُ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (اقْتَتَلَتا) بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ والتَّأْنِيثِ كَما هو الظّاهِرُ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ (اقْتَتَلا) بِالتَّثْنِيَةِ والتَّذْكِيرِ بِاعْتِبارِ أنَّ الطّائِفَتَيْنِ فَرِيقانِ ﴿ فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما ﴾ تَعَدَّتْ وطَلَبَتِ العُلُوَّ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴿ عَلى الأُخْرى ﴾ ولَمْ تَتَأثَّرْ بِالنَّصِيحَةِ ﴿ فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ ﴾ أيْ تَرْجِعَ ﴿ إلى أمْرِ اللَّهِ ﴾ أيْ إلى حُكْمِهِ أوْ إلى ما أمَرَ سُبْحانَهُ بِهِ وقَرَأ الزُّهْرِيُّ حَتّى (تَفِيَ) بِغَيْرِ هَمْزٍ وفَتْحِ الياءِ وهو شاذٌّ كَما قالُوا في مُضارِعِ جاءَ يَجِيءُ بِغَيْرِ هَمْزٍ فَإذا أدْخَلُوا النّاصِبَ فَتَحُوا الياءَ أجْرَوْهُ مَجْرى يَفِيَ مُضارِعِ وفِيَ شُذُوذًا، وفي تَعْلِيقِ القِتالِ بِالمَوْصُولِ لِلْإشارَةِ إلى عِلْيَةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ أيْ فَقاتِلُوها لِبَغْيِها ﴿ فَإنْ فاءَتْ ﴾ أيْ رَجَعَتْ إلى أمْرِهِ تَعالى وأقْلَعَتْ عَنِ القِتالِ حَذَرًا مِن قِتالِكم ﴿ فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ ﴾ بِفَصْلِ ما بَيْنَهُما عَلى حُكْمِ اللَّهِ تَعالى ولا تَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ مُتارَكَتِهِما عَسى أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما قِتالٌ في وقْتٍ آخَرَ، وتَقْيِيدُ الإصْلاحِ هُنا بِالعَدْلِ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ الحَيْفِ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ المُقاتِلَةِ وقَدْ أُكِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأقْسِطُوا ﴾ أيِ اعْدِلُوا في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ ﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ﴾ فَيُجازِيهِمْ أحْسَنَ الجَزاءِ.
وفي الكَشّافِ في الإصْلاحِ بِالعَدْلِ والقِسْطِ تَفاصِيلُ، إنْ كانَتِ الباغِيَةَ مِن قِلَّةِ العَدَدِ بِحَيْثُ لا مَنعَةَ لَها ضَمِنَتْ بَعْدَ الفَيْئَةِ ما جَنَتْ، وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً ذاتَ مَنعَةٍ وشَوْكَةٍ لَمْ تَضْمَن إلّا عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ فَإنَّهُ كانَ يُفْتِي بِأنَّ الضَّمانَ يَلْزُمُها إذا فاءَتْ، وأمّا قَبْلَ التَّجَمُّعِ والتَّجَنُّدِ أوْ حِينَ تَتَفَرَّقُ عِنْدَ وضْعِ الحَرْبِ أوْزارَها فَما جَنَتْهُ ضَمِنَتْهُ عِنْدَ الجَمِيعِ فَمَحْمَلُ الإصْلاحِ بِالعَدْلِ عَلى مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ واضِحٌ مُنْطَبِقٌ عَلى لَفْظِ التَّنْزِيلِ، وعَلى قَوْلِ غَيْرِهِ وجْهُهُ أنْ يُحْمَلَ عَلى كَوْنِ الفِئَةِ قَلِيلَةَ العَدَدِ، والَّذِي ذَكَرُوا مِن أنَّ الفَرْضَ إماتَةُ الضَّغائِنِ وسَلُّ الأحْقادِ دُونَ ضَمانِ الجِناياتِ لَيْسَ بِحَسَنِ الطِّباقِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ مِن أعْمالِ العَدْلِ ومُراعاةِ القِسْطِ.
قالَ في الكَشْفِ، لِأنَّ ما ذَكَرُوهُ مِن إماتَةِ الأضْغانِ داخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ فاءَتْ ﴾ لِأنَّهُ مِن ضَرُوراتِ التَّوْبَةِ، فَأعْمالُ العَدْلِ والقِسْطِ إنَّما يَكُونُ في تَدارُكِ الفُرُطاتِ ثُمَّ قالَ: والأوْلى عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ أنْ يُقالَ: الإصْلاحُ بِالعَدْلِ أنَّهُ لا يَضْمَنُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ فَإنَّ الباغِيَ مَعْصُومُ الدَّمِ والمالِ مِثَلَ العادِلِ لا سِيَّما وقَدْ تابَ فَكَما لا يَضْمَنُ العادِلُ المُتْلِفُ لا يَضْمَنُهُ الباغِي الفائِيُّ، هَذا مُقْتَضى العَدْلِ لا تَخْصِيصَ الضَّمانِ بِطَرَفٍ دُونَ آخَرَ.
والآيَةُ نَزَلَتْ في قِتالٍ وقَعَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ.
أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ «عَنْ أنَسٍ قالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَوْ أتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ فانْطَلَقَ إلَيْهِ ورَكِبَ حِمارًا وانْطَلَقَ المُسْلِمُونَ يَمْشُونَ وهي أرْضٌ سَبْخَةٌ فَلَمّا انْطَلَقَ إلَيْهِ قالَ: إلَيْكَ عَنِّي فَوَ اللَّهِ لَقَدْ آذانِي رِيحُ حِمارِكَ فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: واللَّهِ لَحِمارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أطْيَبُ رِيحًا مِنكَ فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ رِجالٌ مِن قَوْمِهِ فَغَضِبَ لِكُلٍّ مِنهُما أصْحابُهُ فَكانَ بَيْنَهم ضَرْبٌ بِالجَرِيدِ والأيْدِي والنِّعالِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ ﴿ وإنْ طائِفَتانِ ﴾ الآيَةَ» .
وفِي رِوايَةٍ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مُتَوَجِّهًا إلى زِيارَةِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ في مَرَضِهِ فَمَرَّ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ فَقالَ ما قالَ فَرَدَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ نَغْضَبُ لِكُلِّ أصْحابِهِ فَتَقاتَلُوا فَنَزَلَتْ فَقَرَأها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فاصْطَلَحُوا وكانَ ابْنُ رَواحَةَ خَزْرَجِيًّا وابْنُ أُبَيٍّ أوْسِيًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ عُمْرانُ تَحْتَهُ امْرَأةٌ يُقالُ لَها أُمُّ زَيْدٍ وأنَّها أرادَتْ أنْ تَزُورَ أهْلَها فَحَبَسَها زَوْجُها وجَعَلَها في عِلْيَةٍ لَهُ لا يَدْخُلُ عَلَيْها أحَدٌ مِن أهْلِها وأنَّ المَرْأةَ بَعَثَتْ إلى أهْلِها فَجاءَ قَوْمُها فَأنْزَلُوها لِيَنْطَلِقُوا بِها وكانَ الرَّجُلُ قَدْ خَرَجَ فاسْتَعانَ أهْلَهُ فَجاءَ بَنُو عَمِّهِ لِيَحُولُوا بَيْنَ المَرْأةِ وأهْلِها فَتَدافَعُوا واجْتَلَدُوا بِالنِّعالِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ﴾ فَبَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ فَأصْلَحَ بَيْنَهم وقامُوا إلى أمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والخِطابُ فِيها عَلى ما في البَحْرِ لِمَن لَهُ الأمْرُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو لِلْوُجُوبِ فَيَجِبُ الإصْلاحُ ويَجِبُ قِتالُ الباغِيَةِ ما قاتَلَتْ وإذا كَفَّتْ وقَبَضَتْ عَنِ الحَرْبِ تُرِكَتْ.
وجاءَ في حَدِيثٍ رَواهُ الحاكِمُ وغَيْرُهُ حُكْمُها إذا تَوَلَّتْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(يا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ هَلْ تَدْرِي كَيْفَ حُكْمُ اللَّهِ فِيمَن بَغى مِن هَذِهِ الأُمَّةِ؟
قالَ: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: لا يُجْهَزُ عَلى جَرِيحِها ولا يُقْتَلُ أسِيرُها ولا يُطْلَبُ هارِبُها ولا يُقْسَمُ فَيْؤُها)».
وذَكَرُوا أنَّ الفِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ إذا اقْتَتَلا عَلى سَبِيلِ البَغْيِ مِنهُما جَمِيعًا فالواجِبُ أنْ يَمْشِيَ بَيْنَهُما بِما يُصْلِحُ ذاتَ البَيْنِ ويُثْمِرُ المُكافَةَ والمُوادَعَةَ فَإنْ لَمْ يَتَحاجَزا ولَمْ يَصْطَلِحا وأقاما عَلى البَغْيِ صَيَّرا إلى مُقاتَلَتِهِما، وأنَّهُما إذا التَحَمَ بَيْنَهُما القِتالُ لِشُبْهَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِما وكِلْتاهُما عِنْدَ أنْفُسِهِما مُحِقَّةٌ فالواجِبُ إزالَةُ الشُّبْهَةِ بِالحُجَجِ النَّيِّرَةِ والبَراهِينِ القاطِعَةِ واطِّلاعِهِما عَلى مَراشِدِ الحَقِّ فَإنْ رَكِبَتا مَتْنَ اللَّجاجِ ولَمْ تَعْمَلا عَلى شاكِلَةٍ ما هَدَيَتا إلَيْهِ ونَصَحَتا بِهِ مِنِ اتِّباعِ الحَقِّ بَعْدَ وُضُوحِهِ فَقَدْ لَحِقَتا بِاللَّتَيْنِ اقْتَتَلا عَلى سَبِيلِ البَغْيِ مِنهُما جَمِيعًا، والتَّصَدِّي لِإزالَةِ الشُّبْهَةِ في الفِئَةِ الباغِيَةِ إنْ كانَتْ لازِمٌ قَبْلَ المُقاتَلَةِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِمَن يَتَأتّى مِنهُ الإصْلاحُ ومُقاتَلَةُ الباغِي فَمَتى تَحَقَّقَ البَغْيُ مِن طائِفَةٍ كانَ حُكْمُ إعانَةِ المَبْغِيَّ عَلَيْهِ حُكْمَ الجِهادِ، فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ما وجَدْتُ في نَفْسِي مِن شَيْءٍ ما وجَدْتُ في نَفْسِي مِن هَذِهِ الآيَةِ يَعْنِي ﴿ وإنْ طائِفَتانِ ﴾ إلَخْ إنِّي لَمْ أُقاتِلْ هَذِهِ الفِئَةَ الباغِيَةَ كَما أمَرَنِي اللَّهُ تَعالى- يَعْنِي بِها مُعاوِيَةَ ومَن مَعَهُ الباغِينَ- عَلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وصَرَّحَ بَعْضُ الحَنابِلَةِ بِأنَّ قِتالَ الباغِينَ أفْضَلُ مِنَ الجِهادِ احْتِجاجًا بِأنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ اشْتَغَلَ في زَمانِ خِلافَتِهِ بِقِتالِهِمْ دُونَ الجِهادِ، والحَقُّ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ بَلْ إذا خَشِيَ مِن تَرْكِ قِتالِهِمْ مَفْسَدَةً عَظِيمَةً دَفْعُها أعْظَمُ مِن مَصْلَحَةِ الجِهادِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الباغِيَ مُؤْمِنٌ لِجَهْلِ الطّائِفَتَيْنِ الباغِيَةِ والمَبْغِيِّ عَلَيْها مِنَ المُؤْمِنِينَ.
نَعَمِ الباغِي عَلى الإمامِ ولَوْ جائِرًا فاسِقٌ مُرْتَكِبٌ لِكَبِيرَةٍ إنْ كانَ بوالإضافَةُ لِمَعْنى الجِنْسِ نَحْوَ لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، ويَغْلِبُ الأخَوانِ في الصَّداقَةِ والأُخُوَّةُ في النَّسَبِ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الإصْلاحِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا عَطْفٌ عَلى ( فَأصْلِحُوا ) وقالَ الطَّيِّبِيُّ: هو تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الإصْلاحُ مِن جُمْلَةِ التَّقْوى فَإذا فَعَلْتُمُ التَّقْوى دَخَلَ فِيهِ هَذا التَّواصُلُ، َغْيُهُ بِلا تَأْوِيلٍ أوْ بِتَأْوِيلٍ قَطْعِيِّ البُطَلانِ.
والمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ في مِثْلِهِ: إنَّهُ فاسِقٌ مُخَلَّدٌ في النّارِ إنْ ماتَ بِلا تَوْبَةٍ، والخَوارِجُ يَقُولُونَ: إنَّهُ كافِرٌ، والإمامِيَّةُ أكْفَرُوا الباغِيَ عَلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ المُقاتِلَ لَهُ واحْتَجُّوا بِما رُوِيَ مِن قَوْلِهِ لَهُ: «(حَرْبُكَ حَرْبِي)» وفِيهِ بَحْثٌ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (حَتّى يَفِيئُوا إلى أمْرِ اللَّهِ فَإنْ فاؤُوا فَخُذُوا بَيْنَهم بِالقِسْطِ).
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرِ بِالإصْلاحِ، وإطْلاقُ الأُخُوَّةُ عَلى المُؤْمِنِينَ مِن بابِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ وشُبِّهُوا بِالأُخُوَّةِ مِن حَيْثُ انْتِسابِهِمْ إلى أصْلٍ واحِدٍ وهو الإيمانُ المُوجِبُ لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ وتَشَبُّهُ المُشارَكَةِ في الإيمانِ بِالمُشارَكَةِ في أصْلِ التَّوالُدِ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما أصْلٌ لِلْبَقاءِ إذِ التَّوالُدُ مَنشَأُ الحَياةِ والإيمانُ مَنشَأُ البَقاءِ الأبَدِيِّ في الجِنانِ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ ﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّ الأُخُوَّةَ الدِّينِيَّةَ مُوجِبَةٌ لِلْإصْلاحِ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ مُضافًا لِلْمَأْمُورِينَ لِلْمُبالَغَةِ في تَأْكِيدِ وُجُوبِ الإصْلاحِ والتَّحْضِيضِ عَلَيْهِ، وتَخْصِيصُ الِاثْنَيْنِ بِالذِّكْرِ لِإثْباتِ وُجُوبِ الإصْلاحِ فِيما فَوْقَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ لِتَضاعُفِ الفِتْنَةِ والفَسادِ فِيهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأخَوَيْنِ الأوْسُ والخَزْرَجُ اللَّتانِ نَزَلَتْ فِيهِما الآيَةُ سُمِّيَ كُلًّا مِنهُما أخًا لِاجْتِماعِهِمْ في الجَدِّ الأعْلى.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ (إخْوانُكُمْ) جَمْعًا عَلى وزْنِ غِلْمانٍ.
وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ (إخْوَتَكُمْ) جَمْعًا عَلى وزْنِ غِلْمَةٍ، ورَوى عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو القِراءاتِ الثَّلاثَ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وقِراءَةُ الجَمْعِ تَدُلُّ عَلى أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ لَفْظُها لَفْظُ التَّثْنِيَةِ ومَعْناها الجَماعَةُ أيْ كُلُّ اثْنَيْنِ فَصاعِدًا مِنَ المُسْلِمِينَ اقْتَتَلا، والإضافَةُ لِمَعْنى الجِنْسِ نَحْوَ لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، ويَغْلِبُ الأخَوانِ في الصَّداقَةِ والأُخُوَّةُ في النَّسَبِ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الإصْلاحِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا عَطْفٌ عَلى ( فَأصْلِحُوا ) وقالَ الطَّيِّبِيُّ: هو تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الإصْلاحُ مِن جُمْلَةِ التَّقْوى فَإذا فَعَلْتُمُ التَّقْوى دَخَلَ فِيهِ هَذا التَّواصُلُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ( فَأصْلِحُوا ) أيْ واصِلُوا بَيْنَ أخَوَيْكم بِالصُّلْحِ واحْذَرُوا اللَّهَ تَعالى مِن أنْ تَتَهاوَنُوا فِيهِ ﴿ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ تُرْحَمُوا عَلى تَقْواكم أوْ راجِينَ أنْ تُرْحَمُوا عَلَيْها <div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ ﴾ أيْ مِنكم ﴿ مِن قَوْمٍ ﴾ آخَرِينَ مِنكم أيْضًا، فالتَّنْكِيرُ في المَوْضِعِيَّةِ لِلتَّبْعِيضِ، والسَّخْرُ الهُزُؤُ كَما في القامُوسِ، وفي الزَّواجِرِ النَّظَرُ إلى المَسْخُورِ مِنهُ بِعَيْنِ النَّقْصِ، وقالَ القُرْطُبِيُّ: السُّخْرِيَةُ الِاسْتِحْقارُ والِاسْتِهانَةُ والتَّنْبِيهُ عَلى العُيُوبِ والنَّقائِصِ بِوَجْهٍ يُضْحَكُ مِنهُ وقَدْ تَكُونُ بِالمُحاكاةِ بِالفِعْلِ والقَوْلِ أوِ الإشارَةِ أوِ الإيماءِ أوِ الضَّحِكِ عَلى كَلامِ المَسْخُورِ مِنهُ إذا تَخَبَّطَ فِيهِ أوْ غَلِطَ أوْ عَلى صَنْعَتِهِ أوْ قُبْحِ صُورَتِهِ، وقالَ بَعْضٌ: هو ذِكْرُ الشَّخْصِ بِما يَكْرَهُ عَلى وجْهٍ مُضْحِكٍ بِحَضْرَتِهِ، واخْتِيرَ أنَّهُ احْتِقارُهُ قَوْلًا أوْ فِعْلًا بِحَضْرَتِهِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، وعَلَيْهِ ما قِيلَ المَعْنى: لا يَحْتَقِرُ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ بَعْضًا.
والآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن بَنِي تَمِيمٍ سَخِرُوا مِن بِلالٍ وسَلْمانَ وعَمّارٍ وخَبّابٍ وصُهَيْبٍ وابْنِ نُهَيْرَةَ وسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ولا يَضُرُّ فِيهِ اشْتِمالُها عَلى نَهْيِ النِّساءِ عَنِ السُّخْرِيَةِ كَما لا يَضُرُّ اشْتِمالُها عَلى نَهْيِ الرِّجالِ عَنْها فِيما رُوِيَ أنَّ عائِشَةَ وحَفْصَةَ رَأتا أُمَّ سَلَمَةَ رَبَطَتْ حَقْوَيْها بِثَوْبٍ أبْيَضَ وسَدَلَتْ طَرَفَهُ خَلْفَها فَقالَتْ عائِشَةُ لِحَفْصَةَ تُشِيرُ إلى ما تَجُرُّ خَلْفَها: كَأنَّهُ لِسانُ كَلْبٍ فَنَزَلَتْ، وما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها كانَتْ تَسْخَرُ مِن زَيْنَبَ بِنْتِ خُزَيْمَةَ الهِلالِيَّةِ وكانَتْ قَصِيرَةً فَنَزَلَتْ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي جَهْلٍ كانَ يَمْشِي بِالمَدِينَةِ فَقالَ لَهُ قَوْمٌ: هَذا ابْنُ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ فَعَزَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وشَكاهم إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهُمْ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أوْ لِمُوجِبِهِ أيْ عَسى أنْ يَكُونَ المَسْخُورُ مِنهم خَيْرًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ السّاخِرِينَ فَرُبَّ أشْعَثَ أغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أقْسَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى لَأبَرَّهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا يَحْتَقِرُ بَعْضٌ بَعْضًا عَسى أنْ يَصِيرَ المُحْتَقَرُ- اسْمُ مَفْعُولٍ- عَزِيزًا ويَصِيرَ المُحْتَقِرُ ذَلِيلًا فَيَنْتَقِمُ مِنهُ، فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: لا تُهِينُ الفَقِيرَ عَلَّكَ أنْ تَرْكَعَ يَوْمًا والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهُ والقَوْمُ جَماعَةُ الرِّجالِ ولِذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا نِساءٌ ﴾ أيْ ولا يَسْخَرُ نِساءٌ مِنَ المُؤْمِناتِ ﴿ مِن نِساءٍ ﴾ مِنهُنَّ ﴿ عَسى أنْ يَكُنَّ ﴾ أيِ المَسْخُوراتِ ﴿ خَيْرًا مِنهُنَّ ﴾ أيْ مِنَ السّاخِراتِ، وعَلى هَذا جاءَ قَوْلُ زُهَيْرٍ: وما أدْرِي وسَوْفَ إخالُ أدْرِي ∗∗∗ أقَوْمُ آلِ حِصْنٍ أمْ نِساءُ وهُوَ إمّا مَصْدَرٌ كَما في قَوْلِ بَعْضِ العَرَبِ: إذا أكَلْتُ طَعامًا أحْبَبْتُ نَوْمًا وأبْغَضْتُ قَوْمًا أيْ قِيامًا نُعِتَ بِهِ فَشاعَ في جَماعَةِ الرِّجالِ، وإمّا اسْمُ جَمْعٍ لِقائِمٍ كَصَوْمٍ لِصائِمٍ وزُورٍ لِزائِرٍ، وأطْلَقَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمُ الجَمْعَ مُرِيدًا بِهِ المَعْنى اللُّغَوِيَّ وإلّا فَفَعْلَ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ الجُمُوعِ لِغَلَبَتِهِ في المُفْرَداتِ، ووَجْهُ الِاخْتِصاصِ بِالرِّجالِ أنَّ القِيامَ بِالأُمُورِ وظِيفَتُهم كَما قالَ تَعالى: ﴿ الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ ﴾ وقَدْ يُرادُ بِهِ الرِّجالُ والنِّساءُ تَغْلِيبًا كَما قِيلَ في قَوْمِ عادٍ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ أنَّ المُرادَ بِهِمُ الذُّكُورُ والإناثُ وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ الذُّكُورُ أيْضًا ودَلَّ عَلَيْهِنَّ بِالِالتِزامِ العادِيِّ لِعَدَمِ الِانْفِكاكِ عادَةً، والنِّساءُ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ وكَذا النِّسْوانِ والنِّسْوَةُ جَمْعُ المَرْأةِ مِن غَيْرِ لَفْظِها، وجِيءَ بِما يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ في المَوْضِعَيْنِ دُونَ المُفْرَدِ كَأنْ يُقالَ: لا يَسْخَرْ رَجُلٌ مِن رَجُلٍ ولا امْرَأةٌ مِنِ امْرَأةٍ مَعَ أنَّهُ الأصْلُ الأشْمَلُ الأعَمُّ قِيلَ جَرْيًا عَلى الأغْلَبِ مِن وُقُوعِ السُّخْرِيَةِ في مَجامِعِ النّاسِ فَكَمْ مِن مُتَلَذِّذٍ بِها وكَمْ مِن مُتَألِّمٍ مِنها فَجُعِلَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ تَعَدُّدِ السّاخِرِ والمَسْخُورِ مِنهُ، وقِيلَ: لِأنَّ النَّهْيَ ورَدَ عَلى الحالَةِ الواقِعَةِ بَيْنَ الجَماعَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً ﴾ وعُمُومُ الحُكْمِ لِعُمُومِ عِلَّتِهِ، ﴿ وعَسى ﴾ في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ مِن كُلِّ ما أُسْنِدَتْ فِيهِ إلى أنْ والفِعْلِ قِيلَ تامَّةٌ لا تَحْتاجُ إلى خَبَرٍ وأنْ وما بَعْدَها في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّها ناقِصَةٌ وسَدَّ ما بَعْدَها مَسَدَّ الجُزْأيْنِ ولَهُ مَحَلّانِ بِاعْتِبارَيْنِ أوْ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ، والتَّحَكُّمُ مُنْدَفِعٌ بِأنَّهُ الأصْلُ في مَنصُوبِها بِناءً عَلى أنَّها مِن نَواسِخِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأُبَيٌّ (عَسَوْا أنْ يَكُونُوا) .
(وعَسَيْنَ عَنْ أنْ يَكُنَّ) فَعَسى عَلَيْها ذاتَ خَبَرٍ عَلى المَشْهُورِ مِن أقْوالِ النُّحاةِ، وفِيهِ الإخْبارُ عَنِ الذّاتِ بِالمَصْدَرِ أوْ يُقْدَّرُ مُضافٌ مَعَ الِاسْمِ أوِ الخَبَرِ، وقِيلَ: هو في مِثْلِ ذَلِكَ بِمَعْنى قارَبَ وأنْ وما مَعَها مَفْعُولٌ أوْ قَرُبَ وهو مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ الجارِّ ﴿ ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ لا يَعِبْ بَعْضُكم بَعْضًا بِقَوْلٍ أوْ إشارَةٍ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ فَمَتى عابَ المُؤْمِنُ المُؤْمِنَ فَكَأنَّهُ عابَ نَفْسَهُ، فَضَمِيرُ ﴿ تَلْمِزُوا ﴾ لِلْجَمِيعِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، ( وأنْفُسَكم ) عِبارَةٌ عَنْ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِنْسِ المُخاطَبِينَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ جُعِلَ ما هو مِن جِنْسِهِمْ بِمَنزِلَةِ أنْفُسِهِمْ وأُطْلِقَ الأنْفُسُ عَلى الجِنْسِ اسْتِعارَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ وهَذا غَيْرُ النَّهْيِ السّابِقِ وإنْ كانَ كُلٌّ مِنهُما مَخْصُوصًا بِالمُؤْمِنِينَ بِناءً عَلى أنَّ السُّخْرِيَةَ احْتِقارُ الشَّخْصِ مُطْلَقًا عَلى وجْهٍ مُضْحِكٍ بِحَضْرَتِهِ، واللَّمْزُ التَّنْبِيهُ عَلى مَعايِبِهِ سَواءٌ كانَ عَلى مُضْحِكٍ أمْ لا؟
وسَواءٌ كانَ بِحَضْرَتِهِ أمْ لا كَما قِيلَ في تَفْسِيرِهِ، وجُعِلَ عَطْفُهُ عَلَيْهِ مِن قَبِيلِ عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ لِإفادَةِ الشُّمُولِ كَشارِبِ الخَمْرِ وكُلُّ فاسِقٍ مَذْمُومٌ، ولا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ التَّنْبِيهُ المَذْكُورُ احْتِقارًا، ومِنهم مَن يَقُولُ: السُّخْرِيَةُ الِاحْتِقارُ واللَّمْزُ التَّنْبِيهُ عَلى المَعايِبِ أوْ تَتَبُّعُها والعَطْفُ مِن قَبِيلِ عَطْفِ العِلَّةِ عَلى المَعْلُولِ وقِيلَ: اللَّمْزُ مَخْصُوصٌ بِما كانَ مِنَ السُّخْرِيَةِ عَلى وجْهِ الخُفْيَةِ كالإشارَةِ فَهو مِن قَبِيلِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِجَعْلِ الخاصِّ كَجِنْسٍ آخَرَ مُبالَغَةً، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ المَعْنى وخُصُّوا أنْفُسَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ بِالِانْتِهاءِ عَنْ عَيْبِها والطَّعْنِ فِيها ولا عَلَيْكم أنْ تَعِيبُوا غَيْرَكم مِمَّنْ لا يَدِينُ بِدِينِكم ولا يَسِيرُ بِسِيرَتِكُمْ، فَفي الحَدِيثِ «(اذْكُرُوا الفاجِرَ بِما فِيهِ يَحْذَرَهُ النّاسُ)» وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى الِاخْتِصاصِ.
وقالَ الطَّيِّبِيُّ: هو مِن دَلِيلِ الخِطابِ لَكِنْ إنَّ في هَذا الوَجْهِ تَعَسُّفًا.
والوَجْهُ الآخَرُ يَعْنِي ما تَقَدَّمَ أوْجَهُ لِمُوافَقَتِهِ ﴿ لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ ﴾ و ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ ﴾ و ﴿ ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا ﴾ وفي الكَشْفِ أخْذُ الِاخْتِصاصِ مِنَ العُدُولِ عَنِ الأصْلِ وهو لا يَلْمِزْ بَعْضُكم بَعْضًا كَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَلْمِزُوا مَن هو عَلى صِفَتِكم مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ فَيَكُونُ مِن بابِ تَرَتُّبِ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ، وتُعِقِّبَ قَوْلُ الطَّيِّبِيِّ بِأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ يُفِيدُ العَلِيَّةَ والِاخْتِصاصَ مَعًا فَيُوافِقُ ما سَبَقَ ويُؤْذِنُ بِالفَرْقِ بَيْنَ السُّخْرِيَةِ واللَّمْزِ وهو مَطْلُوبٌ في نَفْسِهِ وكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَلْمِزُوا المُؤْمِنِينَ لِأنَّهم أنْفُسُكم ولا تَعَسُّفَ فِيهِ بِوَجْهٍ إلى آخِرِ ما قالَ فَلْيُتَأمَّلْ.
والإنْصافُ أنَّ المُتَبادِرَ ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: المَعْنى لا تَفْعَلُوا ما تَلْمِزُونَ بِهِ فَإنَّ مَن فَعَلَ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ اللَّمْزَ فَقَدَ لَمَزَ نَفْسَهُ فَأنْفُسَكم عَلى ظاهِرِهِ والتَّجَوُّزُ في ﴿ تَلْمِزُوا ﴾ أُطْلِقَ فِيهِ المُسَبِّبُ عَلى السَّبَبِ والمُرادُ لا تَرْتَكِبُوا أمْرًا تُعابُونَ بِهِ، وهو بَعِيدٌ عَنِ السِّياقِ وغَيْرُ مُناسِبٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَنابَزُوا ﴾ وكَوْنُهُ مِنَ التَّجَوُّزِ في الإسْنادِ إذْ أُسْنِدَ فِيهِ ما لِلْمُسَبِّبِ إلى السَّبَبِ تَكَلُّفٌ ظاهِرٌ، وكَذا كَوْنُهُ كالتَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ السّابِقِ لا يَدْفَعُ كَوْنَهُ مُخالِفًا لِلظّاهِرِ، وكَذا كَوْنُ المُرادِ بِهِ لا تَتَسَبَّبُوا إلى الطَّعْنِ فِيكم بِالطَّعْنِ عَلى غَيْرِكم كَما في الحَدِيثِ «(مِنَ الكَبائِرِ أنْ يَشْتُمَ الرَّجُلُ والِدَيْهِ)».
وفُسِّرَ بِأنَّهُ إنْ شَتَمَ والِدِي غَيْرَهُ شَتَمَ الغَيْرُ والِدَيْهِ أيْضًا.
وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وعُبَيْدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو (لا تَلْمُزُوا) بِضَمِّ المِيمِ ﴿ ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ ﴾ أيْ لا يَدْعُ بَعْضُكم بَعْضًا بِاللَّقَبِ، قالَ في القامُوسِ: التَّنابُزُ التَّعايُرُ والتَّداعِي بِالألْقابِ ويُقالُ نَبَزَهُ يَنْبِزُهُ نَبْزًا بِالفَتْحِ والسُّكُونِ لَقَّبَهُ كَنَبَزَهُ والنَّبَزُ بِالتَّحْرِيكِ وكَذا النَّزَبُ اللَّقَبُ وخُصَّ عُرْفًا بِما يَكْرَهُهُ الشَّخْصُ مِنَ الألْقابِ.
وعَنِ الرَّضِيِّ أنَّ لَفْظَ اللَّقَبِ في القَدِيمِ كانَ في الذَّمِّ أشْهَرُ مِنهُ في المَدْحِ، والنَّبْزُ في الذَّمِّ خاصَّةٌ، وظاهِرُ تَفْسِيرِ التَّنابُزِ بِالتَّداعِي بِالألْقابِ اعْتِبارُ التَّجْرِيدِ في الآيَةِ لِئَلّا يُسْتَدْرَكَ ذِكْرُ الألْقابِ، ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ: التَّنابُزُ التَّرامِي أيْ لا تَتَرامُوا بِالألْقابِ ويُرادُ بِهِ ما تَقَدَّمَ، والمَنهِيُّ عَنْهُ هو التَّلْقِيبُ بِما يَتَداخَلُ المَدْعُوُّ بِهِ كَراهَةً لِكَوْنِهِ تَقْصِيرًا بِهِ وذَمًّا لَهُ وشَيْنًا.
قالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى تَحْرِيمِ تَلْقِيبِ الإنْسانِ بِما يَكْرَهُ سَواءٌ كانَ صِفَةً لَهُ أوْ لِأبِيهِ أوْ لِأُمِّهِ أوْ غَيْرِهِما فَقَدْ رُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ وكانَ بِهِ وقْرٌ فَكانُوا يُوَسِّعُونَ لَهُ في مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيَسْمَعَ فَأتى يَوْمًا وهو يَقُولُ: تَفَسَّحُوا حَتّى انْتَهى إلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ لِرَجُلٍ: تَنَحَّ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقالَ: مَن هَذا؟
فَقالَ الرَّجُلُ: أنا فُلانٌ فَقالَ: بَلْ أنْتَ ابْنُ فُلانَةَ يُرِيدُ أُمًّا كانَ يُعَيَّرُ بِها في الجاهِلِيَّةِ فَخَجِلَ الرَّجُلُ فَنَزَلَتْ فَقالَ ثابِتٌ: لا أفْخَرُ عَلى أحَدٍ في الحَسَبِ بَعْدَها أبَدًا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ الضَّحّاكِ قالَ: فِينا نَزَلَتْ في بَنِي سَلَمَةَ ﴿ ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ ﴾ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ ولَيْسَ فِينا رَجُلٌ إلّا ولَهُ اسْمانِ أوْ ثَلاثَةٌ فَكانَ إذا دَعا أحَدًا مِنهم بِاسْمٍ مِن تِلْكَ الأسْماءِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ يَكْرَهُهُ فَنَزَلَتْ ﴿ ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: التَّنابُزُ بِالألْقابِ أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ عَمِلَ السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابَ مِنها وراجَعَ الحَقَّ فَنَهى اللَّهُ تَعالى أنْ يُعَيَّرَ بِما سَلَفَ مِن عَمَلِهِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ هو أنْ يُقالَ اليَهُودِيُّ أوِ النَّصْرانِيُّ أوِ المَجُوسِيُّ إذا أسْلَمَ يا يَهُودِيُّ أوْ يا نَصْرانِيُّ أوْ يا مَجُوسِيُّ، وعَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ، ولَعَلَّ مَأْخَذَهُ ما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في صَفِيَّةَ بِنْتِ حَيِيٍّ أتَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَتْ: إنَّ النِّساءَ يَقُلْنَ لِي يا يَهُودِيَّةُ بِنْتَ يَهُودِيِّينَ فَقالَ لَها: هَلّا قُلْتِ: إنَّ أبِي هارُونُ وعَمِّي مُوسى وزَوْجِي مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ النَّهْيَ عَمّا ذُكِرَ داخِلٌ في عُمُومِ ( لا تَنابَزُوا بِالألْقابِ ) عَلى ما سَمِعْتَ فَلا يَخْتَصُّ التَّنابُزُ بِقَوْلِ يا يَهُودِيُّ ويا فاسِقُ ونَحْوَهُما، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ ﴾ بِئْسَ الذِّكْرُ المُرْتَفِعُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ ارْتِكابِ التَّنابُزِ أنْ يُذْكَرُوا بِالفِسْقِ بَعْدَ اتِّصافِهِمْ بِالإيمانِ، وهو ذَمٌّ عَلى اجْتِماعِ الفِسْقِ وهو ارْتِكابُ التَّنابُزِ والإيمانِ عَلى مَعْنًى لا يَنْبَغِي أنْ يَجْتَمِعا فَإنَّ الإيمانَ يَأْبى الفِسْقَ كَقَوْلِهِمْ: بِئْسَ الشَّأْنُ بَعْدَ الكَبْرَةِ الصَّبْوَةُ يُرِيدُونَ اسْتِقْباحَ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّبْوَةِ وما يَكُونُ في حالِ الشَّبابِ مِنَ المَيْلِ إلى الجَهْلِ وكِبَرِ السِّنِّ.
( والِاسْمُ ) هُنا بِمَعْنى الذِّكْرِ مِن قَوْلِهِمْ: طارَ اسْمُهُ في النّاسِ بِالكَرَمِ أوِ اللُّؤْمِ فَلا تَأْبى هَذِهِ الآيَةُ حَمْلَ ما تَقَدَّمَ عَلى النَّهْيِ عَنِ التَّنابُزِ مُطْلَقًا، وفِيها تَسْمِيَتُهُ فُسُوقًا، وقِيلَ: ﴿ بَعْدَ الإيمانِ ﴾ أيْ بَدَلَهُ كَما في قَوْلِكَ لِلْمُتَحَوِّلِ عَنِ التِّجارَةِ إلى الفِلاحَةِ: بِئْسَتِ الحِرْفَةُ الفِلاحَةُ بَعْدَ التِّجارَةِ، وفِيهِ تَغْلِيظٌ بِجَعْلِ التَّنابُزِ فِسْقًا مُخْرِجًا عَنِ الإيمانِ، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ.
وذِكْرُ الزَّمَخْشَرِيِّ لَهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِهِ مِن أنَّ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ فاسِقٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ حَقِيقَةً، وقِيلَ: مَعْنى النَّهْيِ السّابِقِ لا يَنْسِبَنَّ أحَدُكم غَيْرَهُ إلى فِسْقٍ كانَ فِيهِ بَعْدَ اتِّصافِهِ بِضِدِّهِ، ومَعْنى هَذا بِئْسَ تَشْهِيرُ النّاسِ وذِكْرُهم بِفِسْقٍ كانُوا فِيهِ بَعْدَ ما اتَّصَفُوا بِضِدِّهِ، فَيَكُونُ الكَلامُ نَهْيًا عَنْ أنْ يُقالَ لِيَهُودِيٍّ أسْلَمَ يا يَهُودِيُّ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، والأوَّلُ أظْهَرُ لَفْظًا وسِياقًا ومُبالَغَةً، والجُمْلَةُ عَلى كُلٍّ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّنابُزِ عَلى ما هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: هي عَلى الوَجْهِ السّابِقِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ أوْ بِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ النَّهْيِ، وعَلى هَذا اقْتَصَرَ ابْنُ حَجَرٍ في الزَّواجِرِ.
ويُسْتَثْنى مِنَ النَّهْيِ الأخِيرِ دُعاءُ الرَّجُلِ الرَّجُلَ بِلَقَبٍ قَبِيحٍ في نَفْسِهِ لا عَلى قَصْدِ الِاسْتِخْفافِ بِهِ والإيذاءِ لَهُ كَما إذا دَعَتْ لَهُ الضَّرُورَةُ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَتِهِ كَقَوْلِ المُحَدِّثِينَ: سُلَيْمانُ الأعْمَشُ وواصِلٌ الأحْدَبُ، وما نُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ لِعَلْقَمَةَ: تَقُولُ أنْتَ ذَلِكَ يا أعْوَرُ ظاهِرٌ في أنَّ الِاسْتِثْناءَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى دُعاءِ الضَّرُورَةِ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا ضَرُورَةَ في حالِ مُخاطَبَتِهِ عَلْقَمَةَ لِقَوْلِهِ يا أعْوَرُ، ولَعَلَّ الشُّهْرَةَ مَعَ عَدَمِ التَّأذِّي وعَدَمِ قَصْدِ الِاسْتِخْفافِ كافِيَةٌ في الجَوازِ، ويُقالُ ما كانَ مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِن ذَلِكَ، والأوْلى أنْ يُقالَ في الرِّوايَةِ عَمَّنِ اشْتُهِرَ بِذَلِكَ كَسُلَيْمانَ المُتَقَدِّمِ رُوِيَ عَنْ سُلَيْمانَ الَّذِي يُقالُ لَهُ الأعْمَشُ، هَذا وغُويِرَ بَيْنَ صِيغَتَيْ ( تَلْمِزُوا وتَنابَزُوا ) لِأنَّ المَلْمُوزَ قَدْ لا يَقْدِرُ في الحالِ عَلى عَيْبٍ يَلْمِزُ بِهِ لامِزَهُ فَيَحْتاجُ إلى تَتَبُّعِ أحْوالِهِ حَتّى يَظْفَرَ بِبَعْضِ عُيُوبِهِ بِخِلافِ النَّبْزِ فَإنَّ مَن لُقِّبَ بِما يَكْرَهُ قادِرٌ عَلى تَلْقِيبِ الآخَرِ بِنَظِيرِ ذَلِكَ حالًا فَوَقَعَ التَّفاعُلُ كَذا في الزَّواجِرِ، وقِيلَ: قِيلَ ﴿ تَنابَزُوا ﴾ لِأنَّ النَّهْيَ ورَدَ عَلى الحالَةِ الواقِعَةِ بَيْنَ القَوْمِ، ويُعْلَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ التَّلْقِيبَ لَيْسَ مُحَرَّمًا عَلى الإطْلاقِ بَلِ المُحَرَّمُ ما كانَ بِلَقَبِ السُّوءِ، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ التَّلْقِيبَ بِالألْقابِ الحَسَنَةِ مِمّا لا خِلافَ في جَوازِهِ، وقَدْ لُقِّبَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِالعَتِيقِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ: «(أنْتَ عَتِيقُ اللَّهِ مِنَ النّارِ)» وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِالفارُوقِ لِظُهُورِ الإسْلامِ يَوْمَ إسْلامِهِ، وحَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأسَدِ اللَّهِ لِما أنَّ إسْلامَهُ كانَ حَمِيَّةً فاعْتَزَّ الإسْلامُ بِهِ، وخالِدٍ بِسَيْفِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ : «(نِعْمَ عَبْدُ اللَّهِ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ سَيْفٌ مِن سُيُوفٍ اللَّهِ)».
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الألْقابِ الحَسَنَةِ، وألْقابُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أشْهَرُ مِن أنْ تُذْكَرَ وما زالَتِ الألْقابُ الحَسَنَةُ في الأُمَمِ كُلِّها مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ تَجْرِي في مُخاطَباتِهِمْ ومُكاتَباتِهِمْ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، ولا فَرْقَ بَيْنَ اللَّقَبِ والكُنْيَةِ في أنَّ الدُّعاءَ بِالقَبِيحِ المَكْرُوهِ مِنها حَرامٌ ورُبَّما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُ الرّاغِبِ: اللَّقَبُ اسْمٌ يُسَمّى بِهِ الإنْسانُ سِوى اسْمِهِ الأوَّلِ ويُراعى فِيها المَعْنى بِخِلافِ العِلْمِ، ولِذَلِكَ قالَ الشّاعِرُ: وقَلَّما أبْصَرَتْ عَيْناكَ ذا لَقَبٍ.
إلّا ومَعْناهُ أنْ فَتَّشْتَ في لَقَبِهِ بِدُخُولِهِ في مَفْهُومِهِ لَكِنَّ الشّائِعَ غَيْرُ ذَلِكَ، وفي الحَدِيثِ «( كَنُّوا أوْلادَكُمْ)».
قالَ عَطاءٌ: مَخافَةُ الألْقابِ.
وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أشِيعُوا الكُنى فَإنَّها سُنَّةٌ.
ولَنا في الكُنى كَلامٌ نَفِيسٌ ذَكَرْناهُ في الطِّرازِ المُذَهَّبِ فَمَن أرادَهُ فَلْيَرْجِعْ ﴿ ومَن لَمْ يَتُبْ ﴾ عَمّا نُهى عَنْهُ مِنَ التَّنابُزِ أوْ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ السّابِقَةِ أوْ مُطْلَقًا ويَدْخُلُ ما ذُكِرَ ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾ بِوَضْعِ العِصْيانِ مَوْضِعَ الطّاعَةِ وتَعْرِيضِ النَّفْسِ لِلْعَذابِ، والإفْرادُ أوَّلًا والجَمْعُ ثانِيًا مُراعاةً لِلَّفْظِ ومُراعاةً لِلْمَعْنى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ﴾ أيْ تَباعَدُوا مِنهُ، وأصْلُ اجْتَنِبْهُ كانَ عَلى جانِبٍ مِنهُ ثُمَّ شاعَ في التَّباعُدِ اللّازِمِ لَهُ، وتَنْكِيرُ ( كَثِيرًا ) لِيُحْتاطَ في كُلِّ ظَنٍّ ويُتَأمَّلَ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ مِن أيِّ القَبِيلِ، فَإنَّ مِنَ الظَّنِّ ما يُباحُ اتِّباعُهُ كالظَّنِّ في الأُمُورِ المَعاشِيَّةِ، ومِنهُ ما يَجِبُ كالظَّنِّ حَيْثُ لا قاطِعَ فِيهِ مِنَ العَمَلِيّاتِ كالواجِباتِ الثّابِتَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومِنهُ ما يَحْرُمُ كالظَّنِّ في الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ وحَيْثُ يُخالِفُهُ قاطِعٌ وظَنِّ السَّوْءِ بِالمُؤْمِنِينَ، فَفي الحَدِيثِ «(أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ مِنَ المُسْلِمِ دَمَهُ وعِرْضَهُ وأنْ يُظَنَّ بِهِ ظَنُّ السَّوْءِ)».
وعَنْ عائِشَةَ مَرْفُوعًا «مَن أساءَ بِأخِيهِ الظَّنَّ فَقَدْ أساءَ بِرَبِّهِ الظَّنَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ﴾ » ويُشْتَرَطُ في حُرْمَةِ هَذا أنْ يَكُونَ المَظْنُونُ بِهِ مِمَّنْ شُوهِدَ مِنهُ التَّسَتُّرُ والصَّلاحُ وأُونِسَتْ مِنهُ الأمانَةُ، وأمّا مَن يَتَعاطى الرَّيْبَ والمُجاهَرَةَ بِالخَبائِثِ كالدُّخُولِ والخُرُوجِ إلى حاناتِ الخَمْرِ وصُحْبَةِ الغَوانِي الفاجِراتِ وإدْمانِ النَّظَرِ إلى المُرَدِ فَلا يَحْرُمُ ظَنُّ السَّوْءِ فِيهِ وإنْ كانَ الظّانُّ لَمْ يَرَهُ يَشْرَبُ الخَمْرَ ولا يَزْنِي ولا يَعْبَثُ بِالشَّبابِ.
أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: كَتَبَ إلَيَّ بَعْضُ إخْوانِي مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ أنْ ضَعْ أمْرَ أخِيكَ عَلى أحْسَنِهِ ما لَمْ يَأْتِكَ ما يَغْلِبُكَ، ولا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ شَرًّا وأنْتَ تَجِدُ لَها في الخَيْرِ مَحْمَلًا، ومَن عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتُّهَمِ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ، ومَن كَتَمَ سِرَّهُ كانَتِ الخِيَرَةُ في يَدِهِ، وما كافَيْتَ مَن عَصى اللَّهَ تَعالى فِيكَ بِمِثْلِ أنْ تُطِيعَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ، وعَلَيْكَ بِإخْوانِ الصِّدْقِ فَكُنْ في اكْتِسابِهِمْ فَإنَّهم زِينَةٌ في الرَّخاءِ وعُدَّةٌ عِنْدَ عَظِيمِ البَلاءِ ولا تَهاوَنْ بِالحَلِفِ فَيُهِينْكَ اللَّهُ تَعالى، ولا تَسْألَنَّ عَمّا لَمْ يَكُنْ حَتّى يَكُونَ ولا تَضَعْ حَدِيثَكَ إلّا عِنْدَ مَن تَشْتَهِيهِ، وعَلَيْكَ بِالصِّدْقِ وإنْ قَتَلَكَ، واعْتَزِلْ عَدُوَّكَ واحْذَرْ صَدِيقَكَ إلّا الأمِينَ ولا أمِينَ إلّا مَن خَشِيَ اللَّهَ تَعالى، وشاوِرْ في أمْرِكَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ.
وعَنِ الحَسَنِ كُنّا في زَمانٍ الظَّنُّ بِالنّاسِ حَرامٌ وأنْتَ اليَوْمَ في زَمانٍ اعْمَلْ واسْكُتْ وظُنَّ بِالنّاسِ ما شِئْتَ، واعْلَمْ أنَّ ظَنَّ السَّوْءِ إنْ كانَ اخْتِيارِيًّا فالأمْرُ واضِحٌ، وإذا لَمْ يَكُنِ اخْتِيارِيًّا فالمَنهِيُّ عَنْهُ العَمَلُ بِمُوجِبِهِ مِنِ احْتِقارِ المَظْنُونِ بِهِ وتَنْقِيصِهِ وذِكْرِهِ بِما ظُنَّ فِيهِ، وقَدْ قِيلَ: نَظِيرُ ذَلِكَ في الحَسَدِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ غَيْرَ اخْتِيارِيٍّ، ولا يَضُرُّ العَمَلُ بِمُوجِبِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الظّانِّ نَفْسِهِ كَما إذا ظَنَّ بِشَخْصٍ أنَّهُ يُرِيدُ بِهِ سُوءًا فَتَحَفَّظَ مِن أنْ يَلْحَقَهُ مِنهُ أذًى عَلى وجْهٍ لا يَلْحَقُ ذَلِكَ الشَّخْصَ بِهِ نَقْصٌ، وهو مَحْمَلُ خَبَرِ «(إنَّ مِنَ الحَزْمِ سُوءَ الظَّنِّ)،» وخَبَرِ الطَّبَرانِيِّ «(احْتَرِسُوا مِنَ النّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ)»، وقِيلَ: المَنهِيُّ عَنْهُ الِاسْتِرْسالُ مَعَهُ وتَرْكُ إزالَتِهِ بِنَحْوِ تَأْوِيلِ سَبَبِهِ مِن خَبَرٍ ونَحْوَهُ، وإلّا فالأمْرُ الغَيْرُ الِاخْتِيارِيِّ نَفْسُهُ لا يَكُونُ مَوْرِدَ التَّكْلِيفِ، وفي الحَدِيثِ (قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «ثَلاثٌ لازِماتٌ أُمَّتِي الطِّيَرَةُ والحَسَدُ وسُوءُ الظَّنِّ فَقالَ رَجُلٌ: ما يُذْهِبُهُنَّ يا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّنْ هُنَّ فِيهِ؟
قالَ: إذا حَسَدْتَ فاسْتَغْفِرِ اللَّهَ وإذا ظَنَنْتَ فَلا تُحَقِّقْ وإذا تَطَيَّرْتَ فامْضِ)».
أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ حارِثَةَ بْنِ النُّعْمانِ ﴿ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ ﴾ تَعْلِيلٌ بِالأمْرِ بِالِاجْتِنابِ أوْ لِمُوجِبِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ التَّحْقِيقِيِّ، والإثْمُ الذَّنْبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قِيلَ لِعُقُوبَتِهِ الأثامُ فَعالٌ مِنهُ كالنَّكالِ، قالَ الشّاعِرُ: لَقَدْ فَعَلَتْ هَذِي النَّوى بِي فِعْلَةً أصابَ النَّوى قَبْلَ المَماتِ أثامُها والهَمْزَةُ فِيهِ عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَدَلٌ مِنَ الواوِ كَأنَّهُ يَثِمُ الأعْمالَ أيْ يَكْسِرُها لِكَوْنِهِ يَضْرِبُها في الجُمْلَةِ وإنْ لَمْ يُحْبِطْها قَطْعًا.
وتُعِقِّبَ بِأنَّ الهَمْزَةَ مُلْتَزَمَةٌ في تَصارِيفِهِ تَقُولُ: أثِمَ يَأْثَمُ فَهو آثِمٌ وهَذا إثْمٌ وتِلْكَ آثامٌ، وإنَّ أثِمَ مِن بابِ عَلِمَ، ووَثَمَ مِن بابِ ضَرَبَ، وإنَّهُ ذَكَرَهُ في بابِ الهَمْزَةِ في الأساسِ، والواوِيُّ مُتَعَدٍّ وهَذا لازِمٌ.
﴿ ولا تَجَسَّسُوا ﴾ ولا تَبْحَثُوا عَنْ عَوْراتِ المُسْلِمِينَ ومَعايِبِهِمْ وتَسْتَكْشِفُوا عَمّا سَتَرُوهُ، تَفَعَّلٌ مِنَ الجَسِّ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِن مَعْنى الطَّلَبِ كاللَّمْسِ فَإنَّ مَن يَطْلُبُ الشَّيْءَ يَجُسُّهُ ويَلْمِسُهُ فَأُرِيدَ بِهِ ما يَلْزَمُهُ، واسْتِعْمالُ التَّفَعُّلِ لِلْمُبالَغَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ سِيرِينَ (ولا تَحَسَّسُوا) بِالحاءِ مِنَ الحَسِّ الَّذِي هو أثَرُ الجَسِّ وغايَتُهُ، ولِهَذا يُقالُ لِمَشاعِرِ الإنْسانِ الحَواسُّ والجَواسُّ بِالحاءِ والجِيمِ، وقِيلَ التَّجَسُّسُ والتَّحَسُّسُ مُتَّحِدانِ ومَعْناهُما مَعْرِفَةُ الأخْبارِ، وقِيلَ: التَّجَسُّسُ بِالجِيمِ تَتَبُّعُ الظَّواهِرِ وبِالحاءِ تَتَبُّعُ البَواطِنِ، وقِيلَ: الأوَّلُ أنْ تَفَحَّصَ بِغَيْرِكَ والثّانِي أنْ تَفَحَّصَ بِنَفْسِكَ، وقِيلَ: الأوَّلُ في الشَّرِّ والثّانِي في الخَيْرِ، وهَذا بِفَرْضِ صِحَّتِهِ غَيْرُ مُرادٍ هُنا والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّ المُرادَ عَلى القِراءَتَيْنِ النَّهْيُ عَنْ تَتَبُّعِ العَوْراتِ مُطْلَقًا وعَدُّوهُ مِنَ الكَبائِرِ.
أخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: (يا مَعْشَرَ مَن آمَنَ بِلِسانِهِ ولَمْ يَدْخُلِ الإيمانُ قَلْبَهُ لا تَتَّبِعُوا عَوْراتِ المُسْلِمِينَ فَإنَّ مَن تَتَبَّعَ عَوْراتِ المُسْلِمِينَ فَضَحَهُ اللَّهُ تَعالى في قَعْرِ بَيْتِهِ)».
وفِي رِوايَةِ البَيْهَقِيِّ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نادى بِذَلِكَ حَتّى أسْمَعَ العَواتِقَ في الخِدْرِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وجَماعَةٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ وهْبٍ قُلْنا لِابْنِ مَسْعُودٍ: هَلْ لَكَ في الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ مُعَيْطٍ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا؟
فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: قَدْ نُهِينا عَنِ التَّجَسُّسِ فَإنْ ظَهَرَ لَنا شَيْءٌ أخَذَنا بِهِ.
وقَدْ يُحْمَلُ مَزِيدُ حُبِّ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلى التَّجَسُّسِ ويُنْسِي النَّهْيَ فَيُعْذَرُ مُرْتَكِبُهُ كَما وقَعَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
أخْرَجَ الخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ عَنْ ثَوْرٍ الكِنْدِيِّ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يَعِسُ بِالمَدِينَةِ فَسَمِعَ صَوْتَ رَجُلٍ في بَيْتٍ يَتَغَنّى فَتَسَوَّرَ عَلَيْهِ فَوَجَدَ عِنْدَهُ امْرَأةً وعِنْدَهُ خَمْرٌ فَقالَ: يا عَدُوَّ اللَّهِ أظْنَنْتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَسْتُرُكَ وأنْتَ عَلى مَعْصِيَةٍ؟
فَقالَ: وأنْتَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ لا تَعْجَلْ عَلَيَّ إنْ كُنْتُ عَصَيْتُ اللَّهَ تَعالى واحِدَةً فَقَدْ عَصَيْتَ اللَّهَ تَعالى في ثَلاثٍ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَجَسَّسُوا ﴾ وقَدْ تَجَسَّسْتَ وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها ﴾ وقَدْ تَسَوَّرْتَ وقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها ﴾ ودَخَلْتَ عَلَيَّ بِغَيْرِ إذَنٍ قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: فَهَلْ عِنْدَكم مِن خَيْرٍ إنْ عَفَوْتُ عَنْكَ؟
قالَ: نَعَمْ فَعَفا عَنْهُ وخَرَجَ وتَرَكَهُ.
وفي رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنصُورٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ رَجُلٌ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّ فُلانًا لا يَصْحُو فَقالَ: انْظُرْ إلى السّاعَةِ الَّتِي يَضَعُ فِيها شَرابَهُ فَأْتِنِي فَأتاهُ فَقالَ: قَدْ وضَعَ شَرابَهُ فانْطَلَقا حَتّى اسْتَأْذَنا عَلَيْهِ فَعَزَلَ شَرابَهُ ثُمَّ دَخَلا فَقالَ عُمَرُ: واللَّهِ إنِّي لَأجِدُ رِيحَ شَرابٍ يا فُلانُ أنْتَ بِهَذا فَقالَ: يا ابْنَ الخَطّابِ وأنْتَ بِهَذا ألَمْ يَنْهَكَ اللَّهُ تَعالى أنْ تَتَجَسَّسَ؟
فَعَرَفَها عُمَرُ فانْطَلَقَ وتَرَكَهُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ انْزِجارَ شَرَبَةِ الخَمْرِ ونَحْوِهِمْ إذا تَوَقَّفَ عَلى التَّسَوُّرِ عَلَيْهِمْ جازَ احْتِجاجًا بِفِعْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ السّابِقِ وفِيهِ نَظَرٌ، وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْهُ ما يُخالِفُ ذَلِكَ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والخَرائِطِيُّ أيْضًا عَنْ زُرارَةَ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أنَّهُ حَرَسَ مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَيْلَةً المَدِينَةَ فَبَيْنَما هم يَمْشُونَ شَبَّ لَهم سِراجٌ في بَيْتٍ فانْطَلَقُوا يَؤُمُّونَهُ فَلَمّا دَنَوْا مِنهُ إذا بابٌ مُجافٍ عَلى قَوْمٍ لَهم فِيهِ أصْواتٌ مُرْتَفِعَةٌ ولَغَطٌ فَقالَ عُمَرُ: وأخَذَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أتَدْرِي بَيْتُ مَن هَذا؟
هَذا بَيْتُ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الآنَ شَرِبَ قالَ: أرى أنْ قَدْ أتَيْنا ما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ولا تَجَسَّسُوا ﴾ فَقَدْ تَجَسَّسْنا فانْصَرَفَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْهم وتَرَكَهُمْ، ولَعَلَّ القِصَّةَ إنْ صَحَّتْ غَيْرُ واحِدَةٍ، ومِنَ التَّجَسُّسِ عَلى ما قالَ الأوْزاعِيُّ الِاسْتِماعُ إلى حَدِيثِ القَوْمِ وهم لَهُ كارِهُونَ فَهو حَرامٌ أيْضًا.
﴿ ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا ﴾ أيْ لا يَذْكُرْ بَعْضُكم بَعْضًا بِما يَكْرَهُ في غَيْبَتِهِ فَقَدْ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(أتَدْرُونَ ما الغِيبَةُ؟
قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: ذِكْرُكَ أخاكَ بِما يَكْرَهُ قِيلَ: أفَرَأيْتَ لَوْ كانَ في أخِي ما أقُولُ قالَ: إنْ كانَ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ)» رَواهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم.
والمُرادُ بِالذِّكْرِ الذِّكْرُ صَرِيحًا أوْ كِنايَةً ويَدْخُلُ في الأخِيرِ الرَّمْزُ والإشارَةُ ونَحْوَهُما إذا أدَّتْ مُؤَدّى النُّطْقِ فَإنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ عَنِ الغِيبَةِ الإيذاءُ بِتَفْهِيمِ الغَيْرِ نُقْصانَ المُغْتابِ وهو مَوْجُودٌ حَيْثُ أفْهَمَتِ الغَيْرَ ما يَكْرَهُهُ المُغْتابُ بِأيِّ وجْهٍ كانَ مِن طُرُقِ الإفْهامِ، وهي بِالفِعْلِ كَأنْ تَمْشِيَ مِشْيَةَ أعْظَمِ الأنْواعِ كَما قالَهُ الغَزالِيُّ، والمُرادُ بِما يَكْرَهُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ في دِينِهِ أوْ دُنْياهُ أوْ خَلْقِهِ أوْ خُلُقِهِ أوْ مالِهِ أوْ ولَدِهِ أوْ زَوْجَتِهِ أوْ مَمْلُوكِهِ أوْ خادِمِهِ أوْ لِباسِهِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وخَصَّهُ القَفّالُ بِالصِّفاتِ الَّتِي لا تَذُمُّ شَرْعًا فَذِكْرُ الشَّخْصِ بِما يَكْرَهُ مِمّا يُذَمُّ شَرْعًا لَيْسَ بِغَيْبَةٍ عِنْدَهُ ولا يَحْرُمُ، واحْتَجَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : «(اذْكُرُوا الفاجِرَ بِما فِيهِ يَحْذَرْهُ النّاسُ)».
وما ذَكَرَهُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ والحَدِيثُ ضَعِيفٌ وقالَ أحْمَدُ: مُنْكَرٌ، وقالَ البَيْهَقِيُّ: لَيْسَ بِشَيْءٍ ولَوْ صَحَّ فَهو مَحْمُولٌ عَلى فاجِرٍ مُعْلِنٍ بِفُجُورِهِ.
والمُرادُ بِقَوْلِنا: غَيْبَتُهُ غَيْبَتُهُ عَنْ ذَلِكَ الذِّكْرِ سَواءٌ كانَ حاضِرًا في مَجْلِسِ الذِّكْرِ أوْ لا، وفي الزَّواجِرِ لا فَرْقَ في الغِيبَةِ بَيْنَ أنْ تَكُونَ في غَيْبَةِ المُغْتابِ أوْ بِحَضْرَتِهِ هو المُعْتَمَدُ، وقَدْ يُقالُ شُمُولُ الغِيبَةِ لِلذِّكْرِ بِالحُضُورِ عَلى نَحْوِ شُمُولِ سُجُودِ السَّهْوِ لِما كانَ عَنْ تَرْكِ ما يَسْجُدُ لَهُ عَمْدًا ﴿ أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا ﴾ تَمْثِيلٌ لِما يَصْدُرُ عَنِ المُغْتابِ مِن حَيْثُ صُدُورُهُ عَنْهُ ومِن حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِصاحِبِهِ عَلى أفْحَشِ وجْهٍ وأشْنَعِهِ طَبْعًا وعَقْلًا وشَرْعًا مَعَ مُبالَغاتٍ مِن فُنُونٍ شَتّى، الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَقَعُ إلّا في كَلامٍ هو مُسَلَّمٌ عِنْدَ كُلِّ سامِعٍ حَقِيقَةً أوِ ادِّعاءً، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى- أحَدٍ- إيذانًا بِأنَّ أحَدًا مِنَ الأحَدَيْنِ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ وتَعْلِيقُ المَحَبَّةِ بِما هو في غايَةِ الكَراهَةِ، وتَمْثِيلُ الِاغْتِيابِ بِأكْلِ لَحْمِ الإنْسانِ، وجَعْلُ المَأْكُولِ أخًا لِلْآكِلِ ومَيْتًا، وتَعْقِيبُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ حَمْلًا عَلى الإقْرارِ وتَحْقِيقًا لِعَدَمِ مَحَبَّةِ ذَلِكَ أوْ لِمَحَبَّتِهِ الَّتِي لا يَنْبَغِي مِثْلُها، وفي المَثَلِ السّائِرِ كُنِّيَ عَنِ الغِيبَةِ بِأكْلِ الإنْسانِ لِلَحْمِ مِثْلِهِ لِأنَّها ذِكْرُ المَثالِبِ وتَمْزِيقُ الأعْراضِ المُماثِلِ لَأكْلِ اللَّحْمِ بَعْدَ تَمْزِيقِهِ في اسْتِكْراهِ العَقْلِ والشَّرْعِ لَهُ، وجَعْلُهُ مَيْتًا لِأنَّ المُغْتابَ لا يَشْعُرُ بِغِيبَتِهِ، ووَصْلُهُ بِالمَحَبَّةِ لِما جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ المَيْلِ إلَيْها مَعَ العِلْمِ بِقُبْحِها، وقالَ أبُو زَيْدٍ السُّهَيْلِيُّ: ضُرِبَ المَثَلُ لِأخْذِ العِرْضِ بِأكْلِ اللَّحْمِ لِأنَّ اللَّحْمَ سَتْرٌ عَلى العَظْمِ والشّاتِمُ لِأخِيهِ كَأنَّهُ يُقَشِّرُ ويَكْشِفُ ما عَلَيْهِ وكَأنَّهُ أوْلى مِمّا في المَثَلِ، والفاءُ في ﴿ فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ فَصِيحَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ ويُقَدَّرُ مَعَهُ قَدْ أيْ إنْ صَحَّ ذَلِكَ أوْ عُرِضَ عَلَيْكم هَذا فَقَدَ كَرِهْتُمُوهُ ولا يُمْكِنُكم إنْكارُ كَراهَتِهِ، والجَزائِيَّةُ بِاعْتِبارِ التَّبَيُّنِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلْأكْلِ وقِيلَ: لِلَحْمِ، وقِيلَ: لِلْمَيِّتِ ولَيْسَ بِذاكَ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ لِلِاغْتِيابِ المَفْهُومِ مِمّا قَبْلُ، والمَعْنى فاكْرَهُوهُ كَراهِيَتَكم لِذَلِكَ الأكْلِ، وعُبِّرَ بِالماضِي لِلْمُبالَغَةِ، وإذا أُوِّلَ بِما ذُكِرَ يَكُونُ إنْشاءً غَيْرَ مُحْتاجٍ لِتَقْدِيرِ قَدْ، وانْتِصابُ ( مَيْتًا ) عَلى الحالِ مِنَ اللَّحْمِ أوِ الأخِ لِأنَّ المُضافَ جُزْءٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ والحالُ في مِثْلِ ذَلِكَ جائِزٌ خِلافًا لِأبِي حَيّانَ.
وقَرَأ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ ( فَكُرِّهْتُمُوهُ) بِضَمِّ الكافِ وشَدِّ الرّاءِ، ورَواها الخُدْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ قِيلَ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: امْتَثِلُوا ما قِيلَ لَكم واتَّقُوا اللَّهَ.
وقالَ الفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ إنْ صَحَّ ذَلِكَ فَقَدْ كَرِهْتُمُوهُ فَلا تَفْعَلُوهُ واتَّقُوا اللَّهَ فَهو عَطْفٌ عَلى النَّهْيِ المُقَدَّرِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَمّا قِيلَ لَهم ﴿ أيُحِبُّ أحَدُكُمْ ﴾ إلَخْ كانَ الجَوابُ لا مُتَعَيَّنًا فَكَأنَّهم قالُوا: لا نُحِبُّ فَقِيلَ لَهم ﴿ فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ ويُقَدَّرُ فَكَذَلِكَ فاكْرَهُوا الغَيِبَةَ الَّتِي هي نَظِيرُهُ واتَّقُوا اللَّهَ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى فاكْرَهُوا المُقَدَّرِ، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى فَكَرِهْتُمُوهُ بِناءً عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لَفْظًا أمْرٌ مَعْنًى كَما أُشِيرَ إلَيْهِ سابِقًا ولا يَخْفى الأوْلى مِن ذَلِكَ: وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ أيْ لِأنَّهُ تَعالى تَوّابٌ رَحِيمٌ لِمَنِ اتَّقى واجْتَنَبَ ما نُهِيَ عَنْهُ وتابَ مِمّا فَرَطَ مِنهُ، وتَوّابٌ أيْ مُبالَغَةٌ في قَبُولِ التَّوْبَةِ والمُبالَغَةُ إمّا بِاعْتِبارِ الكَيْفِ إذْ يَجْعَلُ سُبْحانَهُ التّائِبَ كَمَن لَمْ يُذْنِبْ أوْ بِاعْتِبارِ الكَمِّ لِكَثْرَةِ المَتُوبِ عَلَيْهِمْ أوْ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ «أنَّ سَلْمانَ الفارِسِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ مَعَ رَجُلَيْنِ في سَفَرٍ يَخْدِمُهُما ويَنالُ مِن طَعامِهِما وأنَّهُ نامَ يَوْمًا فَطَلَبَهُ صاحِباهُ فَلَمْ يَجِداهُ فَضَرَبا الخِباءَ وقالا: ما يُرِيدُ سَلْمانُ شَيْئًا غَيْرَ هَذا أنْ يَجِيءَ إلى طَعامٍ مَعْدُودٍ وخِباءٍ مَضْرُوبٍ فَلَمّا جاءَ سَلْمانُ أرْسَلاهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَطْلُبُ لَهُما إدامًا فانْطَلَقَ فَأتاهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بَعَثَنِي أصْحابِي لِتُؤْدِمَهم إنْ كانَ عِنْدَكَ قالَ: ما يَصْنَعُ أصْحابُكَ بِالإدامِ؟
لَقَدِ ائْتَدَمُوا فَرَجَعَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَخَبَّرَهُما فانْطَلَقا فَأتَيا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالا: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما أصَبْنا طَعامًا مُنْذُ نَزَلْنا قالَ: إنَّكُما قَدِ ائْتَدَمْتُما بِسَلْمانَ فَنَزَلَتْ».
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: زَعَمُوا أنَّها نَزَلَتْ في سَلْمانَ الفارِسِيِّ أكَلَ ثُمَّ رَقَدَ فَنُفِخَ فَذَكَرَ رَجُلانِ أكْلَهُ ورُقادَهُ فَنَزَلَتْ.
وأخْرَجَ الضِّياءُ المُقَدِّسِيُّ في المُخْتارَةِ «عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَتِ العَرَبُ تَخْدِمُ بَعْضُها بَعْضًا في الأسْفارِ وكانَ مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما رَجُلٌ يَخْدِمُهُما فَناما فاسْتَيْقَظا ولِمَ يُهَيِّئْ لَهُما طَعامًا فَقالا: إنَّ هَذا لَنَؤُومٌ فَأيْقَظاهُ فَقالا: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُلْ لَهُ إنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يُقْرِآنِكَ السَّلامَ ويَسْتَأْدِمانِكَ فَقالَ: إنَّهُما ائْتَدَما فَجاءا فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ بِأيِّ شَيْءٍ ائْتَدَمْنا قالَ بِلَحْمِ أخِيكُما والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأرى لَحْمَهُ بَيْنَ ثَناياكُما فَقالا: اسْتَغْفِرْ لَنا يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: مُراهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُما».
وهَذا خَبَرٌ صَحِيحٌ ولا طَعْنَ فِيهِ عَلى الشَّيْخَيْنِ سَواءٌ كانَ ما وقَعَ مِنهُما قَبْلَ النُّزُولِ أوْ بَعْدَهُ حَيْثُ لَمْ يَظُنّا بِناءً عَلى حُسْنِ الظَّنِّ فِيهِما أنَّ تِلْكَ الكَلِمَةَ مِمّا يَكْرَهُها ذَلِكَ الرَّجُلُ: هَذا والآيَةُ دالَّةٌ عَلى حُرْمَةِ الغِيبَةِ.
وقَدْ نَقَلَ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ الإجْماعَ عَلى أنَّها مِنَ الكَبائِرِ، وعَنِ الغَزالِيِّ وصاحِبِ العُدَّةِ أنَّهُما صَرَّحا بِأنَّها مِنَ الصَّغائِرِ وهو عَجِيبٌ مِنهُما لِكَثْرَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها مِنَ الكَبائِرِ، وقُصارى ما قِيلَ في وجْهِ القَوْلِ بِأنَّها صَغِيرَةٌ أنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ يَلْزَمُ فِسْقُ النّاسِ كُلِّهِمْ إلّا الفَذَّ النّادِرَ مِنهم وهَذا حَرَجٌ عَظِيمٌ.
وتُعِقِّبَ بِأنَّ فُشُوَّ المَعْصِيَةَ وارْتِكابَ جَمِيعِ النّاسِ لَها فَضْلًا عَنِ الأكْثَرِ لا يُوجِبُ أنْ تَكُونَ صَغِيرَةً، وهَذا الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِنِ ارْتِكابِ أكْثَرِ النّاسِ لَها لَمْ يَكُنْ قَبْلُ.
عَلى أنَّ الإصْرارَ عَلَيْها قَرِيبٌ مِنها في كَثْرَةِ الفُشُوِّ في النّاسِ وهو كَبِيرَةٌ بِالإجْماعِ ويَلْزَمُ عَلَيْهِ الحَرَجُ العَظِيمُ وإنْ لَمْ يَكُنْ في عِظَمِ الحَرَجِ السّابِقِ، مَعَ أنَّ هَذا الدَّلِيلَ لا يُقاوِمُ تِلْكَ الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ، ولَعَلَّ الأوْلى في الِاسْتِدْلالِ عَلى ذَلِكَ ما رَواهُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي بَكْرَةَ قالَ: «(بَيْنَما أنا أُماشِي رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو آخِذٌ بِيَدِي ورَجُلٌ عَنْ يَسارِي فَإذا نَحْنُ بِقَبْرَيْنِ أمامَنا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّهُما لَيُعَذَّبانِ وما يُعَذَّبانِ بِكَبِيرٍ وبَكى إلى أنْ قالَ: وما يُعَذَّبانِ إلّا في الغِيبَةِ والبَوْلِ)».
ولا يَتِمُّ أيْضًا، فَقَدْ قالَ ابْنُ الأثِيرِ: المَعْنى وما يُعَذَّبانِ في أمْرٍ كانَ يَكْبُرُ عَلَيْهِما ويَشُقُّ فِعْلُهُ لَوْ أراداهُ لا أنَّهُ في نَفْسِهِ غَيْرُ كَبِيرٍ، وكَيْفَ لا يَكُونُ كَبِيرًا وهُما يُعَذَّبانِ فِيهِ، فالحَقُّ أنَّها مِنَ الكَبائِرِ.
نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مِنها ما هو مِنَ الصَّغائِرِ كالغِيبَةِ الَّتِي لا يَتَأذّى بِها كَثِيرًا نَحْوَ عَيْبِ المَلْبُوسِ والدّابَّةِ، ومِنها ما لا يَنْبَغِي أنْ يَشُكَّ في أنَّهُ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ كَغِيبَةِ الأوْلِياءِ والعُلَماءِ بِألْفاظِ الفِسْقِ والفُجُورِ ونَحْوِها مِنَ الألْفاظِ الشَّدِيدَةِ الإيذاءِ، والأشْبَهُ أنْ يَكُونَ حُكْمُ السُّكُوتِ عَلَيْها مَعَ القُدْرَةِ عَلى دَفْعِها حُكْمَها، ويَجِبُ عَلى المُغْتابِ أنْ يُبادِرَ إلى التَّوْبَةِ بِشُرُوطِها فَيُقْلِعُ ويَنْدَمُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لِيَخْرُجَ مِن حَقِّهِ ثُمَّ يَسْتَحِلُّ المُغْتابُ خَوْفًا لِيَحِلَّهُ فَيَخْرُجُ عَنْ مَظْلِمَتِهِ، وقالَ الحَسَنُ: يَكْفِيهِ الِاسْتِغْفارُ عَنِ الِاسْتِحْلالِ، واحْتَجَّ بِخَبَرِ «(كَفّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَهُ أنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ)»، وأفْتى الخَيّاطِيُّ بِأنَّها إذا لَمْ تَبْلُغِ المُغْتابَ كَفاهُ النَّدَمُ والِاسْتِغْفارُ، وجَزَمَ ابْنُ الصَّبّاغِ بِذَلِكَ وقالَ: نَعَمْ إذا كانَ تَنَقُّصُهُ عِنْدَ قَوْمٍ رَجَعَ إلَيْهِمْ وأعْلَمَهم أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً وتَبِعَهُما كَثِيرُونَ مِنهُمُ النَّوَوِيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ الصَّلاحِ في فَتاوِيهِ وغَيْرِهِ، وقالَ الزَّرْكَشِيُّ: هو المُخْتارُ وحَكاهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنِ ابْنِ المُبارَكِ وأنَّهُ ناظَرَ سُفْيانَ فِيهِ، وما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى لُزُومِ التَّحْلِيلِ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ أمْرٌ بِالأفْضَلِ أوْ بِما يَمْحُو أثَرَ الذَّنْبِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى الفَوْرِ، وما ذُكِرَ في غَيْرِ الغائِبِ والمَيِّتِ أمّا فِيهِما فَيَنْبَغِي أنْ يُكْثِرَ لَهُما الِاسْتِغْفارَ، ولا اعْتِبارَ بِتَحْلِيلِ الوَرَثَةِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الخَيّاطِيُّ وغَيْرُهُ، وكَذا الصَّبِيُّ والمَجْنُونُ بِناءً عَلى الصَّحِيحِ مِنَ القَوْلِ بِحُرْمَةِ غِيبَتِهِما.
قالَ في الخادِمِ: الوَجْهُ أنْ يُقالَ يَبْقى حَقُّ مُطالَبَتِهِما إلى يَوْمِ القِيامَةِ أيْ إنْ تَعَذَّرَ الِاسْتِحْلالُ والتَّحْلِيلُ في الدُّنْيا بِأنْ ماتَ الصَّبِيُّ صَبِيًّا والمَجْنُونُ مَجْنُونًا ويَسْقُطُ مِن حَقِّ اللَّهِ تَعالى بِالنَّدَمِ، وهَلْ يَكْفِي الِاسْتِحْلالُ مِنَ الغِيبَةِ المَجْهُولَةِ أمْ لا؟
وجْهانِ، والَّذِي رَجَّحَهُ في الأذْكارِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن مَعْرِفَتِها لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَسْمَحُ عَنْ غِيبَةٍ دُونَ غِيبَةٍ، وكَلامُ الحَلِيمِيِّ وغَيْرِهِ يَقْتَضِي الجَزْمَ بِالصِّحَّةِ لِأنَّ مَن سَمَحَ بِالعَفْوِ مِن غَيْرِ كَشْفٍ فَقَدْ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ مَهْما كانَتِ الغِيبَةُ، ويَنْدُبُ لِمَن سُئِلَ التَّحْلِيلَ أنْ يُحَلِّلَ ولا يَلْزَمُهُ لِأنَّ ذَلِكَ تَبَرُّعٌ مِنهُ وفَضْلٌ، وكانَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ واقْتَدى بِهِمْ والِدِي عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ والرِّضْوانُ يَمْتَنِعُونَ مِنَ التَّحْلِيلِ مَخافَةَ التَّهاوُنِ بِأمْرِ الغِيبَةِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ خَبَرُ «(أيَعْجِزُ أحَدُكم أنْ يَكُونَ كَأبِي ضَمْضَمٍ كانَ إذا خَرَجَ مِن بَيْتِهِ قالَ: إنِّي تَصَدَّقْتُ بِعِرْضِي عَلى النّاسِ)».
ومَعْناهُ لا أطْلُبُ مَظْلِمَةً مِنهم ولا أُخاصِمُهم لا أنَّ الغِيبَةَ تَصِيرُ حَلّالًا لِأنَّ فِيها حَقًّا لِلَّهِ تَعالى ولِأنَّهُ عَفْوٌ وإباحَةٌ لِلشَّيْءِ قَبْلَ وُجُوبِهِ، وسُئِلَ الغَزالِيُّ عَنْ غِيبَةِ الكافِرِ فَقالَ: هي في حَقِّ المُسْلِمِ مَحْذُورَةٌ لِثَلاثِ عِلَلٍ: الإيذاءُ، وتَنْقِيصُ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وتَضْيِيعُ الوَقْتِ بِما لا يَعْنِي.
والأُولى تَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، والثّانِيَةُ الكَراهَةَ، والثّالِثَةُ خِلافُ الأُولى.
وأمّا الذِّمِّيُّ فَكالمُسْلِمِ فِيما يَرْجِعُ إلى المَنعِ عَنِ الإيذاءِ لِأنَّ الشَّرْعَ عَصَمَ عِرْضَهُ ودَمَهُ ومالَهُ.
وقَدْ رَوى ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(مَن سَمَّعَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا فَلَهُ النّارُ)».
ومَعْنى سَمَّعَهُ أسْمَعَهُ ما يُؤْذِيهِ ولا كَلامَ بَعْدَ هَذا في الحُرْمَةِ.
وأمّا الحَرْبِيُّ فَغِيبَتُهُ لَيْسَتْ بِحَرامٍ عَلى الأُولى وتُكْرَهُ عَلى الثّانِيَةِ وخِلافُ الأُولى عَلى الثّالِثَةِ، وأمّا المُبْتَدِعُ فَإنْ كَفَرَ فَكالحَرْبِيِّ وإلّا فَكالمُسْلِمِ وأمّا ذِكْرُهُ بِبِدْعَتِهِ فَلَيْسَ مَكْرُوهًا.
وقالَ ابْنُ المُنْذِرِ في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في تَفْسِيرِ الغِيبَةِ: «(ذِكْرُكَ أخاكَ بِما يَكْرَهُ)».
فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن لَيْسَ أخًا لَكَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وسائِرِ أهْلِ المِلَلِ ومَن أخْرَجَتْهُ بِدْعَتُهُ إلى غَيْرِ دِينِ الإسْلامِ لا غِيبَةَ لَهُ ويَجْرِي نَحْوُهُ في الآيَةِ، والوَجْهُ تَحْرِيمُ غِيبَةِ الذِّمِّيِّ كَما تَقَرَّرَ وهو وإنْ لَمْ يُعْلَمْ مِنَ الآيَةِ ولا مِنَ الخَبَرِ المَذْكُورِ مَعْلُومٌ بِدَلِيلٍ آخَرَ ولا مُعارَضَةَ بَيْنَ ما ذُكِرَ وذَلِكَ الدَّلِيلِ كَما لا يَخْفى، وقَدْ تَجِبُ الغِيبَةُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ شَرْعِيٍّ لا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلّا بِها وتَنْحَصِرُ في سِتَّةِ أسْبابٍ: الأوَّلُ: التَّظَلُّمُ فَلِمَن ظُلِمَ أنْ يَشْكُوَ لِمَن يَظُنُّ لَهُ قُدْرَةً عَلى إزالَةِ ظُلْمِهِ لا تَخْفِيفِهِ.
الثّانِي: الِاسْتِعانَةُ عَلى تَغْيِيرِ المُنْكَرِ بِذِكْرِهِ لِمَن يَظُنُّ قُدْرَتَهُ عَلى إزالَتِهِ.
الثّالِثُ الِاسْتِفْتاءُ فَيَجُوزُ لِلْمُسْتَفْتِي أنْ يَقُولَ لِلْمُفْتِي: ظَلَمَنِي فُلانٌ بِكَذا فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أوْ ما طَرِيقُ تَحْصِيلِ حَقِّي أوْ نَحْوَ ذَلِكَ والأفْضَلُ أنْ يُبْهِمَهُ.
الرّابِعُ تَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرِّ كَجَرْحِ الشُّهُودِ والرُّواةِ والمُصَنِّفِينَ والمُتَصَدِّينَ لِإفْتاءٍ أوْ إقْراءٍ مَعَ عَدَمِ أهْلِيَّةٍ فَتَجُوزُ إجْماعًا بَلْ تُحَبُّ، وكَأنْ يُشِيرَ وإنْ لَمْ يَسْتَشِرْ عَلى مُرِيدِ تَزَوُّجٍ أوْ مُخالَطَةٍ لِغَيْرِهِ في أمْرٍ دِينِيٍّ أوْ دُنْيَوِيٍّ ويَقْتَصِرُ عَلى ما يَكْفِي فَإنْ كَفى نَحْوَ لا يَصْلُحُ لَكَ فَذاكَ وإنِ احْتاجَ إلى ذِكْرِ عَيْبٍ ذَكَرَهُ أوْ عَيْبَيْنِ فَكَذَلِكَ وهَكَذا ولا يَجُوزُ الزِّيادَةُ عَلى ما يَكْفِي، ومِن ذَلِكَ أنْ يَعْلَمَ مِن ذِي وِلايَةٍ قادِحًا فِيها كَفِسْقٍ أوْ تَغَفُّلٍ فَيَجِبُ ذِكْرُ ذَلِكَ لِمَن لَهُ قُدْرَةٌ عَلى عَزْلِهِ وتَوْلِيَةِ غَيْرِهِ الخالِي مِن ذَلِكَ أوْ عَلى نُصْحِهِ وحَثِّهِ لِلِاسْتِقامَةِ، والخامِسُ أنْ يَتَجاهَرَ بِفِسْقِهِ كالمَكّاسِينَ وشَرَبَةِ الخَمْرِ ظاهِرًا فَيَجُوزُ ذِكْرُهُ بِما تَجاهَرُوا فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ إلّا أنْ يَكُونَ لَهُ سَبَبٌ آخَرُ مِمّا مَرَّ.
السّادِسُ لِلتَّعْرِيفِ بِنَحْوِ لَقَبٍ كالأعْوَرِ، والأعْمَشِ فَيَجُوزُ وإنْ أمْكَنَ تَعْرِيفُهُ بِغَيْرِهِ.
نَعَمِ الأوْلى ذَلِكَ إنْ سَهُلَ ويُقْصَدُ التَّعْرِيفُ لا التَّنْقِيصُ، وأكْثَرُ هَذِهِ السِّتَّةِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ويَدُلُّ لَها مِنَ السُّنَّةِ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ مَذْكُورَةٌ في مَحَلِّها كالأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى قُبْحِ الغِيبَةِ وعِظَمِ آثامِها وأكْثَرُ النّاسِ بِها مُولَعُونَ ويَقُولُونَ: هي صابُونُ القُلُوبِ وإنَّ لَها حَلاوَةً كَحَلاوَةِ التَّمْرِ وضَراوَةً كَضَراوَةِ الخَمْرِ وهي في الحَقِيقَةِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ: الغِيبَةُ إدامُ كِلابِ النّاسِ.
نَسْألُ اللَّهَ تَعالى التَّوْفِيقَ لِما يُحِبُّ ويَرْضى.
وما أحْسَنَ ما جاءَ التَّرْتِيبُ في هَذِهِ الآيَةِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ﴾ إلَخْ كَما قالَ أبُو حَيّانَ وفَصَّلَهُ بِقَوْلِهِ: جاءَ الأمْرُ أوَّلًا بِاجْتِنابِ الطَّرِيقِ الَّتِي لا تُؤَدِّي إلى العِلْمِ وهو الظَّنُّ ثُمَّ نَهى ثانِيًا عَنْ طَلَبِ تَحْقِيقِ ذَلِكَ الظَّنِّ لِيَصِيرَ عِلْمًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَجَسَّسُوا ﴾ ثُمَّ نَهى ثالِثًا عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ إذا عُلِمَ فَهَذِهِ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ ظَنٌّ فَعِلْمٌ بِالتَّجَسُّسِ فاغْتِيابٌ، وقالَ ابْنُ حَجْرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: إنَّهُ تَعالى خَتَمَ كُلًّا مِنَ الآيَتَيْنِ بِذِكْرِ التَّوْبَةِ رَحْمَةً بِعِبادِهِ وتَعَطُّفًا عَلَيْهِمْ لَكِنْ لَمّا بُدِئَتِ الأُولى بِالنَّهْيِ خُتِمَتْ بِالنَّفْيِ في ﴿ ومَن لَمْ يَتُبْ ﴾ لِتَقارُبِهِما ولَمّا بُدِئَتِ الثّانِيَةُ بِالأمْرِ في ( اجْتَنِبُوا ) خُتِمَتْ بِهِ في ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ إلى إلَخْ وكانَ حِكْمَةُ ذِكْرِ التَّهْدِيدِ الشَّدِيدِ في الأُولى فَقَطْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن لَمْ يَتُبْ ﴾ إلَخْ أنَّ ما فِيها أفْحَشُ لِأنَّهُ إيذاءٌ في الحَضْرَةِ بِالسُّخْرِيَةِ أوِ اللَّمْزِ أوِ النَّبْزِ بِخِلافِهِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ فَإنَّهُ أمْرٌ خَفِيٌّ إذْ كُلُّ مِنَ الظَّنِّ والتَّجَسُّسِ والغِيبَةِ يَقْتَضِي الإخْفاءَ وعَدَمَ العِلْمِ بِهِ غالِبًا انْتَهى فَلا تَغْفَلْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى ﴾ مِن آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ فالكُلُّ سَواءٌ في ذَلِكَ فَلا وجْهَ لِلتَّفاخُرِ بِالنَّسَبِ ومِن هَذا قَوْلُهُ: النّاسُ في عالَمِ التَّمْثِيلِ أكْفاءُ أبُوهم آدَمُ والأُمُّ حَوّاءُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُنا إنّا خَلَقْنا كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن أبٍ وأُمٍّ، ويُبْعِدُهُ عَدَمُ ظُهُورِ تَرَتُّبِ ذَمِّ التَّفاخُرِ بِالنَّسَبِ عَلَيْهِ والكَلامُ مُساقٌ لَهُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما بَعْدُ، وقِيلَ: هو تَقْرِيرٌ لِلْأُخُوَّةِ المانِعَةِ عَنِ الِاغْتِيابِ وعَدَمِ ظُهُورِ التَّرَتُّبِ عَلَيْهِ عَلى حالِهِ مَعَ أنَّ مُلاءَمَةَ ما بَعْدُ لَهُ دُونَ مُلاءَمَتِهِ لِلْوَجْهِ السّابِقِ لَكِنَّ وجْهَ تَقْرِيرِهِ لِلْأُخُوَّةِ ظاهِرٌ.
﴿ وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ ﴾ الشُّعُوبُ جَمْعُ شَعْبٍ بِفَتْحِ الشِّينِ وسُكُونِ العَيْنِ وهُمُ الجَمْعُ العَظِيمُ المُنْتَسِبُونَ إلى أصْلٍ واحِدٍ، وهو يَجْمَعُ القَبائِلَ، والقَبِيلَةُ تَجْمَعُ العَمائِرَ، والعَمارَةُ بِفَتْحِ العَيْنِ وقَدْ تُكْسَرُ تَجْمَعُ البُطُونَ، والبَطْنُ تَجْمَعُ الأفْخاذَ، والفَخْذُ تَجْمَعُ الفَصائِلَ، فَخُزَيْمَةُ شَعْبٌ وكِنانَةُ قَبِيلَةٌ وقُرَيْشٌ عَمارَةٌ وقُصِيٌّ بَطْنٌ وهاشِمٌ فَخْذٌ والعَبّاسُ فَصِيلَةٌ وسُمِّيَتِ الشُّعُوبَ لِأنَّ القَبائِلَ تَشَعَّبَتْ مِنها، وهَذا هو الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلِ النَّسَبِ واللُّغَةِ، ونَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُ الأُدَباءِ فَقالَ: قَبِيلَةٌ فَوْقَها شَعْبٌ وبَعْدَهُما ∗∗∗ عَمارَةٌ ثُمَّ بَطْنٌ تَلُوهُ فَخْذُ ولَيْسَ يَؤْوِي الفَتى إلّا فَصِيلَتُهُ ∗∗∗ ولا سِدادَ لِسَهْمٍ ما لَهُ قَذَذُ وذَكَرَ بَعْضُهُمُ العَشِيرَةَ بَعْدَ الفَصِيلَةِ فَقالَ: اقْصِدِ الشَّعْبَ فَهو أكْثَرُ حَيٍّ ∗∗∗ عَدَدًا في الحِسابِ ثُمَّ القَبِيلَهْ ثُمَّ يَتْلُوهُما العَمارَةُ ثُمَّ البَطْنُ ∗∗∗ ثُمَّ الفَخْذُ وبَعْدُ الفَصِيلَهْ ثُمَّ مِن بَعْدِها العَشِيرَةُ لَكِنْ ∗∗∗ هي في جَنْبِ ما ذَكَرْنا قَلِيلَهْ وحَكى أبُو عُبَيْدٍ عَنِ ابْنِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِيهِ تَقْدِيمَ الشَّعْبِ ثُمَّ القَبِيلَةِ ثُمَّ الفَصِيلَةِ ثُمَّ العِمارَةِ ثُمَّ الفَخْذِ فَأقامَ الفَصِيلَةَ مَقامَ العِمارَةِ والعِمارَةَ مَقامَ الفَصِيلَةِ في ذِكْرِها قَبْلَ الفَخْذِ ولَمْ يَذْكُرْ ما يُخالِفُهُ، وقِيلَ: الشُّعُوبُ في العَجَمِ والقَبائِلُ في العَرَبِ والأسْباطُ في بَنِي إسْرائِيلَ، وأيَّدَ كَوْنَ الشُّعُوبِ في العَجَمِ ما في حَدِيثِ مَسْرُوقٍ أنَّ رَجُلًا مِنَ الشُّعُوبِ أسْلَمَ فَكانَتْ تُؤْخَذُ مِنهُ الجِزْيَةُ فَإنَّ الشُّعُوبَ فِيهِ فُسِّرَتْ بِالعَجَمِ لَكِنْ قِيلَ: وجْهُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ أنَّ الشَّعْبَ ما تَشَعَّبَ مِنهُ قَبائِلُ العَرَبِ والعَجَمِ فَخُصَّ بِأحَدِهِما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ الشُّعُوبِيِّ وهو الَّذِي يَصْغُرُ شَأْنَ العَرَبِ ولا يَرى لَهم فَضْلًا عَلى غَيْرِهِمْ كَيَهُودَ ومَجُوسٍ في جَمْعِ المَجُوسِيِّ واليَهُودِيِّ، ومِنهم أبُو عُبَيْدَةَ وكانَ خارِجِيًّا وقَدْ ألَّفَ كِتابًا في مَثالِبِ العَرَبِ، وابْنُ غَرْسِيَّةَ ولَهُ رِسالَةٌ فَصِيحَةٌ في تَفْضِيلِ العَجَمِ عَلى العَرَبِ، وقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ عُلَماءُ الأنْدَلُسِ بِرَسائِلَ عَدِيدَةٍ.
وقِيلَ: الشُّعُوبُ عَرَبُ اليَمَنِ مِن قَحْطانَ والقَبائِلُ رَبِيعَةُ ومُضَرُ وسائِرُ عَدْنانَ، وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: الشَّعْبُ النَّسَبُ الأبْعَدُ والقَبِيلَةُ الأقْرَبُ، وقِيلَ: الشُّعُوبُ المَوالِي والقَبائِلُ العَرَبُ، وقالَ أبُو رَوْقٍ: الشُّعُوبُ الَّذِينَ يَنْتَسِبُونَ إلى المَدائِنِ والقُرى والقَبائِلُ العَرَبُ الَّذِينَ يَنْتَسِبُونَ إلى آبائِهِمْ ﴿ لِتَعارَفُوا ﴾ عِلَّةٌ لِلْجَعْلِ أيْ جَعَلْناكم كَذَلِكَ لِيَعْرِفَ بَعْضُكم بَعْضًا فَتَصِلُوا الأرْحامَ وتُبَيِّنُوا الأنْسابَ والتَّوارُثَ لا لِتَفاخَرُوا بِالآباءِ والقَبائِلِ، والحَصْرُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ والسُّكُوتِ في مَعْرِضِ البَيانِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ (لِتَتَعارَفُوا) بِتاءَيْنِ عَلى الأصْلِ، ومُجاهِدٌ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإدْغامِ التّاءِ في التّاءِ، وابْنُ عَبّاسٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ (لِتَعْرِفُوا) بِكَسْرِ الرّاءِ مُضارِعِ عَرَفَ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ لِتَعْرِفُوا ما أنْتُمْ مُحْتاجُونَ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: وما عَلَّمَ الإنْسانَ إلّا لِيَعْلَما أيْ لِيَعْلَمَ ما عَلَّمَهُ وما أعْذَبَ هَذا الحَذْفَ وما أغْرَبَهُ لِمَن يُعْرَفُ مَذْهَبُهُ.
واخْتِيرَ في المَفْعُولِ المُقَدَّرِ قَرابَةُ بَعْضِكم مِن بَعْضٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ التَّفاخُرِ بِالأنْسابِ المُسْتَفادِ مِنَ الكَلامِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ الحَقِيقِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى والأرْفَعَ مَنزِلَةً لَدَيْهِ عَزَّ وجَلَّ في الآخِرَةِ والدُّنْيا هو الأتْقى فَإنْ فاخَرْتُمْ فَفاخِرُوا بِالتَّقْوى.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (أنْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى حَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ لا تَتَفاخَرُوا بِالأنْسابِ؟
فَقِيلَ: لِأنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أتْقاكم لا أنْسَبُكم فَإنَّ مَدارَ كَمالِ النُّفُوسِ وتَفاوُتِ الأشْخاصِ هو التَّقْوى فَمَن رامَ نَيْلَ الدَّرَجاتِ العُلا فَعَلَيْهِ بِها.
وفِي البَحْرِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَرَأ (لِتَعْرِفُوا وأنَّ أكْرَمَكُمْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ (أنَّ أكْرَمَكُمْ) إلَخْ مَعْمُولًا لِتَعْرِفُوا وتَكُونُ اللّامُ في لِتَعْرِفُوا لامَ الأمْرِ وهو أجْوَدُ مِن حَيْثُ المَعْنى، وأمّا إنْ كانَتْ لامُ كَيْ فَلا يَظْهَرُ المَعْنى إذْ لَيْسَ جَعْلُهم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِأنْ يَعْرِفُوا أنَّ أكْرَمَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أتْقاهم فَإنْ جُعِلَتْ مَفْعُولًا لِتَعْرِفُوا مَحْذُوفًا أيْ لِتَعْرِفُوا الحَقَّ لِأنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم ساغَ في اللّامِ أنْ تَكُونَ لامَ كَيْ اهـ وهو كَما تَرى.
﴿ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ ﴾ بِكم وبِأعْمالِكم ﴿ خَبِيرٌ ﴾ بِباطِنِ أحْوالِكم.
رُوِيَ أنَّهُ لَمّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أذَّنَ بِلالٌ عَلى الكَعْبَةِ فَغَضِبَ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ وعَتّابُ بْنُ أُسَيْدٍ وقالا: أهَذا العَبْدُ الأسْوَدُ يُؤَذِّنُ عَلى ظَهْرِ الكَعْبَةِ فَنَزَلَتْ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ سَبَبُ نُزُولِها «قَوْلُ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ لِرَجُلٍ لَمْ يُفْسِحْ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يا ابْنَ فُلانَةَ فَوَبَّخَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ: إنَّكَ لا تَفْضُلُ أحَدًا إلّا في الدِّينِ والتَّقْوى ونَزَلَتْ».
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وعَنِ البَيْهَقِيِّ في سُنَنِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَنِيَ بَيّاضَةَ أنْ يُزَوِّجُوا أبا هِنْدٍ امْرَأةً مِنهم فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أنُزَوِّجُ بَناتِنا مَوالِينا؟
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى ﴾ الآيَةَ».
قالَ الزُّهْرِيُّ: نَزَلَتْ في أبِي هِنْدٍ خاصَّةً وكانَ حَجّامَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وفِي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ «عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: أنْكِحُوا أبا هِنْدٍ وأنْكِحُوا إلَيْهِ ونَزَلَتْ ﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ الآيَةَ» في ذَلِكَ، وعَنْ يَزِيدَ بْنِ شَجَرَةَ «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سُوقِ المَدِينَةِ فَرَأى غُلامًا أسْوَدَ يَقُولُ: مَنِ اشْتَرانِي فَعَلى شَرْطٍ لا يَمْنَعُنِي عَنِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فاشْتَراهُ رَجُلٌ فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ يَراهُ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ فَفَقَدَهُ فَسَألَ عَنْهُ صاحِبَهُ فَقالَ: مَحْمُومٌ فَعادَهُ ثُمَّ سَألَ عَنْهُ بَعْدَ أيّامٍ فَقالَ: هو لِما بِهِ فَجاءَهُ وهو في ذَمائِهِ فَتَوَلّى غُسْلَهُ ودَفَنَهُ فَدَخَلَ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أمْرٌ عَظِيمٌ» فَنَزَلَتْ، وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ هَذا شَيْءٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وقَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي التَّفاخُرُ بِالأنْسابِ وبِذَلِكَ نَطَقَتِ الأخْبارُ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ النَّبِيَّ طافَ يَوْمَ الفَتْحِ عَلى راحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الأرْكانَ بِمِحْجَنِهِ فَلَمّا خَرَجَ لَمْ يَجِدْ مُناخًا فَنَزَلَ عَلى أيْدِي الرِّجالِ فَخَطَبَهم فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ، وقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنْكم عَيْبَةَ الجاهِلِيَّةِ وتَكَبُّرَها يا أيُّها النّاسُ النّاسُ رَجُلانِ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ وفاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ النّاسُ كُلُّهم بَنُو آدَمَ وخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِن تُرابٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَبِيرٌ ﴾ ثُمَّ قالَ: أقُولُ قَوْلِي هَذا وأسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي ولَكم».
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ في وسَطِ أيّامِ التَّشْرِيقِ خُطْبَةَ الوَداعِ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ ألا إنَّ رَبَّكم واحِدٌ لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلى عَجَمِيٍّ ولا لِعَجَمِيٍّ عَلى عَرَبِيٍّ ولا لِأسْوَدَ عَلى أحْمَرَ ولا لِأحْمَرَ عَلى أسْوَدَ إلّا بِالتَّقْوى ﴿ إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ ﴾ ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟
قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: فَلْيُبْلِغِ الشّاهِدُ الغائِبَ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ (قالَ رَسُولُ اللَّهِ «إنَّ اللَّهَ أذْهَبَ نَخْوَةَ الجاهِلِيَّةِ وتَكَبُّرَها بِآبائِها كُلُّكم لِآدَمَ وحَوّاءَ كَطَفِّ الصّاعِ بِالصّاعِ وإنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم فَمَن أتاكم تَرْضَوْنَ دِينَهُ وأمانَتَهُ فَزَوِّجُوهُ)» وأخْرَجَ أحْمَدُ وجَماعَةٌ نَحْوَهُ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ (فَمَن أتاكُمْ) إلَخْ.
وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ «كُلُّكم بَنُو آدَمَ وآدَمُ خُلِقَ مِن تُرابٍ ولْيَنْتَهِيَنَّ قَوْمٌ يَفْخَرُونَ بِآبائِهِمْ أوْ لَيَكُونَنَّ أهْوَنَ عَلى اللَّهِ مِنَ الجُعْلانِ)».
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ قالَ: «(يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ أيُّها النّاسُ إنِّي جَعَلْتُ نَسَبًا وجَعَلْتُمْ نَسَبًا فَجَعَلْتُ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم فَأبَيْتُمْ إلّا أنْ تَقُولُوا: فُلانُ بْنُ فُلانٍ وفُلانٌ أكْرَمُ مِن فُلانٍ وإنِّي اليَوْمَ أرْفَعُ نَسَبِي وأضَعُ نَسَبَكم ألا إنَّ أوْلِيائِي المُتَّقُونَ)» وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وأبُو يَعْلى والبَغَوِيُّ وابْنُ قانِعٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي رَيْحانَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «(مَنِ انْتَسَبَ إلى تِسْعَةِ آباءٍ كُفّارٍ يُرِيدُ بِهِمْ عِزًّا وكِبَرًا فَهو عاشِرُهم في النّارِ)».
وأخْرَجَ البُخارِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «(سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ أيُّ النّاسِ أكْرَمُ؟
قالَ: أكْرَمُهم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاهم قالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ قالَ: فَأكْرَمُ النّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنُ خَلِيلِ اللَّهِ قالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ قالَ: فَعَنْ مَعادِنِ العَرَبِ تَسْألُونِي؟
قالُوا: نَعَمْ قالَ: خِيارُهم في الجاهِلِيَّةِ خِيارُهم في الإسْلامِ إذا فَقِهُوا)».
والأحادِيثُ في هَذا البابِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى.
وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى وجْهِ رَدِّ التَّفاخُرِ بِالنَّسَبِ حَيْثُ أفادَتْ أنَّ شَرَفَ النَّسَبِ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ ﴿ وأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى ﴾ وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ النَّسِيبِ وغَيْرِهِ مِن جِهَةِ المادَّةِ لِاتِّحادِ ما خُلِقا مِنهُ، ولا مِن جِهَةِ الفاعِلِ لِأنَّهُ هو اللَّهُ تَعالى الواحِدُ، فَلَيْسَ لِلنَّسَبِ شَرَفٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ويَكُونُ مَدارًا لِلثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولا أحَدَ أكْرَمُ مِن أحَدٍ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ إلّا بِالتَّقْوى وبِها تَكْمُلُ النَّفْسُ وتَتَفاضَلُ الأشْخاصُ، وهَذا لا يُنافِي كَوْنَ العَرَبِ أشْرَفَ مِنَ العَجَمِ وتَفاوُتَ كُلٍّ مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ في الشَّرَفِ، فَقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الفُرْسَ أشْرَفُ مِنَ النَّبْطِ، وبَنُو إسْرائِيلَ أفْضَلُ مِنَ القِبْطِ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ: (قالَ «إنَّ اللَّهَ اصْطَفى كِنانَةَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ واصْطَفى قُرَيْشًا مِن كِنانَةَ واصْطَفى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ)» لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا بِاعْتِبارِ الخِصالِ الحَمِيدَةِ، فَشَرَفُ العَرَبِ عَلى العَجَمِ مَثَلًا لَيْسَ إلّا بِاعْتِبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى امْتازَهم عَلى مَن سِواهم بِفَضائِلَ جَمَّةٍ وخِصالٍ حَمِيدَةٍ كَما صَحَّتْ بِهِ الأحادِيثُ، وقَدْ جَمَعَ الكَثِيرَ مِنها العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ في كِتابِهِ مَبْلَغِ الأرَبِ في فَضائِلِ العَرَبِ، ولا نَعْنِي بِذَلِكَ أنَّ كُلَّ عَرَبِيٍّ مُمْتازٌ عَلى كُلِّ عَجَمِيٍّ بِالخِصالِ الحَمِيدَةِ بَلْ إنَّ المَجْمُوعَ مُمْتازٌ عَلى المَجْمُوعِ، ثُمَّ إنَّ أشْرَفَ العَرَبِ نَسَبًا أوْلادُ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لِأنَّهم يُنْسَبُونَ إلى النَّبِيِّ كَما صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مِنَ الفُقَهاءِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَنْتَمُونَ إلى عُصْبَةٍ إلّا ولَدُ فاطِمَةَ فَأنا ولِيُّهم وأنا عَصَبَتُهُمْ)».
وفِي رِوايَةٍ لَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «(كُلُّ ابْنِ أُنْثى كانَ عَصَبَتُهم لِأبِيهِمْ ما خَلا ولَدِ فاطِمَةَ فَأنا عَصَبَتُهم وأنا أبُوهُمْ)» ونُوزِعَ في صِحَّةِ ذَلِكَ، ورَمَزَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ لِلْأوَّلِ بِأنَّهُ حَسَنٌ، وتُعِقِّبَ ولَيْسَ الأمْرُ مَوْقُوفًا عَلى ما ذُكِرَ لِظُهُورِ دَلِيلِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ولا كَلامَ فِيهِ.
قالَ: (قالَ «فاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي يَقْبِضُنِي ما يَقْبِضُها ويُبْسِطُنِي ما يُبْسِطُها وإنَّ الأنْسابَ كُلَّها تَنْقَطِعُ يَوْمَ القِيامَةِ غَيْرَ نَسَبِي وسَبَبِي وصِهْرِي)».
وحَدِيثُ بِضْعِيَّةِ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مُخَرَّجٌ في صَحِيحِ البُخارِيِّ أيْضًا، قالَ الشَّرِيفُ السَّمْهُودِيُّ: ومَعْلُومٌ أنَّ أوْلادَها بِضْعَةٌ مِنها فَيَكُونُونَ بِواسِطَتِها بِضْعَةً مِنهُ ، وهَذا غايَةُ الشَّرَفِ لِأوْلادِها، وعَدَمُ انْقِطاعِ نَسَبِهِ جاءَ أيْضًا في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ «(كُلُّ نَسَبٍ وصِهْرٍ يَنْقَطِعُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا نَسَبِي وصِهْرِي)».
والذَّهَبِيُّ وإنَّ تَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ فِيهِ ابْنُ وكِيعٍ لا يُعْتَمَدُ لَكِنِ اسْتَدْرَكَ ذَلِكَ بِأنَّهُ ورَدَ فِيهِ مُرْسَلٌ حَسَنٌ، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ ونَحْوَهُ كَما قالَ المَناوِيُّ عَظِيمُ نَفْعِ الِانْتِسابِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا يُعارِضُهُ ما في أخْبارٍ أُخَرَ مِن حَثِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأهْلِ بَيْتِهِ عَلى خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى واتِّقائِهِ سُبْحانُهُ وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا حِرْصًا عَلى إرْشادِهِمْ وتَحْذِيرًا لَهم مِن أنْ يَتَّكِلُوا عَلى النَّسَبِ فَتَقْصُرَ خُطاهم عَنِ اللُّحُوقِ بِالسّابِقِينَ مِنَ المُتَّقِينَ، ولِيَجْتَمِعَ لَهُمُ الشَّرَفانِ شَرَفُ التَّقْوى وشَرَفُ النَّسَبِ، ورِعايَةً لِمَقامِ التَّخْوِيفِ خاطَبَهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: «(لا أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)».
والمُرادُ لا أُغْنِي عَنْكم شَيْئًا بِمُجَرَّدِ نَفْسِي مِن غَيْرِ ما يُكْرِمُنِي اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن نَحْوِ شَفاعَةٍ فِيكم ومَغْفِرَةٍ مِنهُ تَعالى لَكُمْ، وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَمْلِكُ لِأحَدٍ نَفْعًا ولا ضُرًّا إلّا بِتَمْلِيكِ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ سُبْحانَهُ يُمَلِّكُهُ نَفْعَ أُمَّتِهِ والأقْرَبُونَ أوْلى بِالمَعْرُوفِ.
فَعَلى هَذا لا بَأْسَ بِقَوْلِ الرَّجُلِ: أنا مِن ذُرِّيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى وجْهِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المَقاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ.
وقَدْ نَقَلَ المَناوِيُّ عَنِ ابْنِ حَجَرٍ أنَّهُ قالَ نَهْيُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ التَّفاخُرِ بِالأنْسابِ مَوْضِعُهُ مُفاخَرَةٌ تَقْتَضِي تَكَبُّرًا واحْتِقارَ مُسْلِمٍ، وعَلى ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا جاءَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «(إنَّ اللَّهَ اصْطَفى كِنانَةَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ)» الحَدِيثَ.
وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ)» إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ومَعَ شَرَفِ الِانْتِسابِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَنْبَغِي لِمَن رَزَقَهُ أنْ يَجْعَلَهُ عاطِلًا عَنِ التَّقْوى ويُدَنِّسَهُ بِمُتابَعَةِ الهَوى، فالحَسَنَةُ في نَفْسِها حَسَنَةٌ وهي مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ أحْسَنُ، والسَّيِّئَةُ في نَفْسِها سَيِّئَةٌ وهي مِن أهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ أسْوَأُ، وقَدْ يَبْلُغُ اتِّباعُ الهَوى بِذَلِكَ النَّسِيبِ الشَّرِيفِ إلى حَيْثُ يَسْتَحِي أنْ يُنْسَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ورُبَّما يُنْكِرُ نَسَبَهُ.
وعَلَيْهِ قِيلَ لِشَرِيفٍ سَيِّئِ الأفْعالِ: قالَ النَّبِيُّ مَقالَ صِدْقٍ لَمْ يَزَلْ ∗∗∗ يَحْلُو لَدى الأسْماعِ والأفْواهِ إنْ فاتَكم أصْلُ امْرِئٍ فَفِعالُهُ ∗∗∗ تُنْبِيكم عَنْ أصْلِهِ المُتَناهِي وأراكَ تُسْفِرُ عَنْ فِعالٍ لَمْ تَزَلْ ∗∗∗ بَيْنَ الأنامِ عَدِيمَةَ الأشْباهِ وتَقُولُ إنِّي مِن سُلالَةِ أحْمَدَ ∗∗∗ أفَأنْتَ تَصْدُقُ أمْ رَسُولُ اللَّهِ ولا يَلُومَنَّ الشَّرِيفُ إلّا نَفْسَهُ إذا عُومِلَ حِينَئِذٍ بِما يَكْرَهُ وقُدِّمَ عَلَيْهِ مَن هو دُونَهُ في النَّسَبِ بِمَراحِلَ، كَما يُحْكى أنَّ بَعْضَ الشُّرَفاءِ في بِلادِ خُراسانَ كانَ أقْرَبَ النّاسِ إلى رَسُولِ اللَّهِ غَيْرَ أنَّهُ كانَ فاسِقًا ظاهِرَ الفِسْقِ وكانَ هُناكَ مَوْلًى أسْوَدُ تَقَدَّمَ في العِلْمِ والعَمَلِ فَأكَبَّ النّاسُ عَلى تَعْظِيمِهِ فاتَّفَقَ أنْ خَرَجَ يَوْمًا مِن بَيْتِهِ يَقْصِدُ المَسْجِدَ فاتَّبَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ فَلَقِيَهُ الشَّرِيفُ سَكْرانَ فَكانَ النّاسُ يَطْرُدُونَهُ عَنْ طَرِيقِهِ فَغَلَبَهم وتَعَلَّقَ بِأطْرافِ الشَّيْخِ وقالَ: يا أسْوَدَ الحَوافِرِ والمَشافِرِ يا كافِرُ ابْنُ كافِرٍ أنا ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ أُذَلُّ وأنْتَ تُجَلُّ وأُهانُ وأنْتَ تُعانُ فَهَمَّ النّاسُ بِضَرْبِهِ فَقالَ الشَّيْخُ: لا تَفْعَلُوا هَذا مُحْتَمِلٌ مِنهُ لِجَدِّهِ ومَعْفُوٌّ عَنْهُ وإنْ خَرَجَ عَنْ حَدِّهِ، ولَكِنْ أيُّها الشَّرِيفُ بَيَّضْتُ باطِنِي وسَوَّدْتَ باطِنَكَ فَرُؤِيَ بَياضُ قَلْبِي فَوْقَ سَوادِ وجْهِي فَحَسُنْتُ وسَوادُ قَلْبِكَ فَوْقَ بَياضِ وجْهِكَ فَقُبِّحْتَ وأخَذْتُ سِيرَةَ أبِيكَ وأخَذْتَ سِيرَةَ أبِي فَرَآنِي الخَلْقُ في سِيرَةِ أبِيكَ ورَأوْكَ فِي سِيرَةِ أبِي فَظَنُّونِي ابْنَ أبِيكَ وظَنُّوكَ ابْنَ أبِي فَعَمِلُوا مَعَكَ ما يُعْمَلُ مَعَ أبِي وعَمِلُوا مَعِي ما يُعْمَلُ مَعَ أبِيكَ، ولِهَذا ونَحْوِهِ قِيلَ: ولا يَنْفَعُ الأصْلُ مِن هاشِمٍ ∗∗∗ إذا كانَتِ النَّفْسُ مِن باهِلِهِ أيْ لا يَنْفَعُ في الِامْتِيازِ عَلى ذَوِي الخِصالِ السَّنِيَّةِ إذا كانَتِ النَّفْسُ في حَدِّ ذاتِها باهِلِيَّةً رَدِيَّةً ومِنَ الكِمالاتِ عَرِيَّةً، فَإنَّ باهِلَةَ في الأصْلِ اسْمُ امْرَأةٍ مِن هَمْدانَ كانَتْ تَحْتَ مَعْنِ بْنِ أعْصِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسٍ عَيْلانَ فَنُسِبَ ولَدُهُ إلَيْها، وقِيلَ: بَنُو باهِلَةٍ وهم قَوْمٌ مَعْرُوفُونَ بِالخَساسَةِ، قِيلَ: كانُوا يَأْكُلُونَ بَقِيَّةَ الطَّعامِ مَرَّةً ثانِيَةً وكانُوا يَأْخُذُونَ عِظامَ المَيْتَةِ يَطْبُخُونَها ويَأْخُذُونَ دُسُوماتِها فاسْتَنْقَصَتْهُمُ العَرَبُ جِدًّا حَتّى قِيلَ لِعَرَبِيٍّ أتَرْضى أنْ تَكُونَ باهِلِيًّا وتَدْخُلَ الجَنَّةَ فَقالَ: لا إلّا بِشَرْطِ أنْ لا يَعْلَمَ أهْلُ الجَنَّةِ أنِّي باهِلِيٌّ، وقِيلَ: إذا قِيلَ لِلْكَلْبِ يا باهِلِيُّ ∗∗∗ عَوى الكَلْبُ مِن شُؤْمٍ هَذا النَّسَبِ ولَمْ يَجْعَلْهُمُ الفُقَهاءُ لِذَلِكَ أكْفاءً لِغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ لَكِنْ لا يَخْلُو ذَلِكَ مِن نَظَرٍ، فَإنَّ النَّصَّ أعْنِي «(إنَّ العَرَبَ بَعْضُهم أكْفاءٌ لِبَعْضٍ)» لَمْ يُفْصَلَّ مَعَ أنَّهُ كانَ أعْلَمَ بِقَبائِلِ العَرَبِ وأخْلاقِهِمْ وقَدْ أُطْلِقَ ولَيْسَ كُلُّ باهِلِيٍّ كَما يَقُولُونَ بَلْ فِيهِمُ الأجْوادُ، وكَوْنُ فَصِيلَةٍ مِنهم أوْ بَطْنٍ صَعالِيكَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا لا يَسْرِي في حَقِّ الكُلِّ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: مَدارُ الكَفاءَةِ وعَدَمِها عَلى العارِ وعَدَمِهِ في المَعْرُوفِ بَيْنَ النّاسِ.
فَمَتى عَدُّوا الباهِلِيَّةَ عارًا وشاعَ اسْتِنْقاصُها فِيما بَيْنَهم وأبَتْها نُفُوسُهُمُ اعْتُبِرَ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ أصْلٍ أصِيلٍ، وهَذا نَظِيرُ ما ذَكَرُوا فِيما إذا اشْتَرى الشَّخْصُ دارًا فَتَبَيَّنَ أنَّ النّاسَ يَسْتَشْئِمُونَها أنَّهُ بِالخِيارِ مَعَ قَوْلِ الجُلِّ مِنَ العُلَماءِ بِنَفْيِ الشُّؤْمِ المُتَعارَفِ بَيْنَ النّاسِ اعْتِبارًا لِكَوْنِ ذَلِكَ مِمّا يُنْقِصُ الثَّمَنَ بَيْنَ النّاسِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أصْلٌ فَتَأمَّلْهُ، وبِالجُمْلَةِ شَرْفُ النَّسَبِ مِمّا اعْتُبِرَ جاهِلِيَّةً وإسْلامًا، أمّا جاهِلِيَّةٌ فَأظْهَرُ مِن أنْ يُبَرْهَنَ عَلَيْهِ، وأمّا إسْلامًا فَيَدُلُّ عَلَيْهِ اعْتِبارُ الكَفاءَةِ في النَّسَبِ في بابِ النِّكاحِ عَلى الوَجْهِ المُفَصَّلِ في كُتُبِ الفِقْهِ، ولَمْ يُخالِفْ في ذَلِكَ فِيما نَعْلَمُ إلّا الإمامُ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ والكَرْخِيُّ مِنَ الحَنَفِيَّةِ، وبَعْضُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأخْبارِ يُؤَيِّدُ كَلامَهم لَكِنْ أُجِيبُ عَنْهُ في مَحَلِّهِ، وكَذا يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرُوهُ في بَيانِ شَرائِطِ الإمامَةِ العُظْمى مِن أنَّهُ يَشْتَرِطُها فِيها كَوْنُ الإمامِ قُرَشِيًّا، وقَدْ أجْمَعُوا عَلى ذَلِكَ كَما قالَ الماوَرْدِيُّ، ولا اعْتِبارَ بِضِرارٍ.
وأبِي بَكْرٍ الباقِلّانِيِّ حَيْثُ شَذّا فَجَوَّزاها في جَمِيعِ النّاسِ، وقالَ الشّافِعِيَّةُ: فَإنْ لَمْ يُوجَدْ قُرَشِيٌّ أيْ مُسْتَجْمِعٌ لِشُرُوطِ الإمامَةِ اعْتُبِرَ كَوْنُ الإمامِ كِنانِيًّا مِن ولَدِ كِنانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ، فَإنْ تَعَذَّرَ اعْتُبِرَ كَوْنُهُ مَن بَنِي إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ تَعَذَّرَ اعْتُبِرَ كَوْنُهُ مِن جَرِّهِمْ لِشَرَفِهِمْ بِصَهارَةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ومَعَ هَذا كُلِّهِ فالتَّقْوى التَّقْوى فالِاتِّكالُ عَلى النَّسَبِ وتَرْكُ النَّفْسِ وهَواها مِن ضَعْفِ الرَّأْيِ وقِلَّةِ العَقْلِ، ويَكْفِي في هَذا الفَصْلِ قَوْلُهُ تَعالى لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في ابْنِهِ كَنْعانَ: ﴿ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ﴾ وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «( سَلْمانُ مِنّا أهْلِ البَيْتِ)».
فالحَزْمُ اللّائِقُ بِالنَّسِيبِ أنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ تَعالى ويَكْتَسِبَ مِنَ الخِصالِ الحَمِيدَةِ ما لَوْ كانَتْ في غَيْرِ نَسِيبٍ لَكَفَتْهُ لِيَكُونَ قَدْ زادَ عَلى الزُّبَدِ شَهْدًا وعَلَّقَ عَلى جِيدِ الحَسْناءِ عَقْدًا ولا يُكْتَفى بِمُجَرَّدِ الِانْتِسابِ إلى جُدُودٍ سَلَفُوا لِيُقالَ لَهُ: نِعْمَ الجُدُودُ ولَكِنْ بِئْسَ ما خَلَّفُوا، وقَدِ ابْتُلِيَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ بِذَلِكَ فَتَرى أحَدَهم يَفْتَخِرُ بِعَظْمٍ بالٍ وهو عَرِيٌّ كالإبْرَةِ مِن كُلِّ كَمالٍ.
ويَقُولُ: كانَ أبِي كَذا وكَذا وذاكَ وصْفُ أبِيهِ فافْتِخارُهُ بِهِ نَحْوَ افْتِخارِ الكَوْسَجِ بِلِحْيَةِ أخِيهِ، ومِن هُنا قِيلَ: وأعْجَبُ شَيْءٍ إلى عاقِلٍ ∗∗∗ أُناسٌ عَنِ الفَضْلِ مُسْتَأْخِرَهْ إذا سُئِلُوا ما لَهم مِن عُلا ∗∗∗ أشارُوا إلى أعْظُمٍ ناخِرَهْ وقالَ الفاضِلُ السَّرِيُّ عَبْدُ الباقِي أفَنْدِي العُمَرِيُّ: أقُولُ لِمَن غَدا في كُلِّ وقْتٍ ∗∗∗ يُباهِينا بِأسْلافٍ عِظامِ أتَقْنَعُ بِالعِظامِ وأنْتَ تَدْرِي ∗∗∗ بِأنَّ الكَلْبَ يَقْنَعُ بِالعِظامِ وما ألْطَفَ قَوْلَهُ: لَمْ يَجِدْكَ الحَسَبُ العالِي بِغَيْرِ تُقى ∗∗∗ مَوْلاكَ شَيْئًا فَحاذِرْ واتَّقِ اللَّهَ وابْغِ الكَرامَةَ في نَيْلِ الفَخارِ بِهِ ∗∗∗ فَأكْرَمُ النّاسِ عِنْدَ اللَّهِ أتْقاها وأكْثَرُ ما رَأيْنا ذَلِكَ الِافْتِخارَ البارِدَ عِنْدَ أوْلادِ مَشايِخِ الزَّوايا الصُّوفِيَّةِ فَإنَّهُمُ ارْتَكَبُوا كُلَّ رَذِيلَةٍ وتَعَرَّوْا عَنْ كُلِّ فَضِيلَةٍ ومَعَ ذَلِكَ اسْتَطالُوا بِآبائِهِمْ عَلى فُضَلاءِ البَرِيَّةِ واحْتَقَرُوا أُناسًا فاقُوهم حَسَبًا ونَسَبًا وشَرَفُوهم أُمًّا وأبًا وهَذا هو الضَّلالُ البَعِيدُ والحُمْقُ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ مَزِيدٌ، ولَوْلا خَشْيَةُ السَّأمِ لَأطْلَقْنا في هَذا المَيْدانِ عِنانَ كُمَيْتِ القَلَمِ عَلى أنَّ فِيما ذَكَرْنا كِفايَةً لِمَن أخَذَتْ بِيَدِهِ العِنايَةُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في بَنِي أسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ قَبِيلَةٌ تُجاوِرُ المَدِينَةَ أظْهَرُوا الإسْلامَ وقُلُوبُهم دَغَلَةٌ إنَّما يُحِبُّونَ المَغانِمَ وعَرَضَ الدُّنْيا، ويُرْوى أنَّهم قَدِمُوا المَدِينَةَ في سَنَةٍ جَدْبَةٍ فَأظْهَرُوا الشَّهادَتَيْنِ وكانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: جِئْناكَ بِالأثْقالِ والعِيالِ ولَمْ نُقاتِلْكَ كَما قاتَلَكَ بَنُو فُلانٍ يُرِيدُونَ بِذِكْرِ ذَلِكَ الصَّدَقَةَ ويَمُنُّونَ بِهِ عَلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: هم مُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ وأسْلَمُ وأشْجَعُ وغِفارُ قالُوا: آمَنّا فاسْتَحَقَّيْنا الكَرامَةَ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ بِالأعْرابِ العُمُومَ كَما قَدْ صَرَّحَ بِهِ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، وإلْحاقُ الفِعْلِ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ لِشُيُوعِ اعْتِبارِ التَّأْنِيثِ في الجُمُوعِ حَتّى قِيلَ: لا تُبالِي بِجَمْعِهِمْ كُلُّ جَمْعٍ مُؤَنَّثُ والنُّكْتَةُ في اعْتِبارِهِ هاهُنا الإشارَةُ عَلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ عَلى عَكْسِ ما رُوعِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالَ نِسْوَةٌ ﴾ .
﴿ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ﴾ إكْذابٌ لَهم بِدَعْوى الإيمانِ إذْ هو تَصْدِيقٌ مَعَ الثِّقَةِ وطُمَأْنِينَةُ القَلْبِ ولَمْ يَحْصُلْ لَهم وإلّا لَما مَنَّوْا عَلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَرْكِ المُقاتَلَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ آخِرُ السُّورَةِ ﴿ ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ﴾ فَإنَّ الإسْلامَ انْقِيادٌ ودُخُولٌ في السِّلْمِ وهو ضِدُّ الحَرْبِ وما كانَ مِن هَؤُلاءِ مُشْعِرٌ بِهِ، وكانَ الظّاهِرُ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ أوْ لا تَقُولُوا آمَنّا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا لِتَحْصُلَ المُطابَقَةُ لَكِنْ عُدِلَ عَنِ الظّاهِرِ اكْتِفاءً بِحُصُولِها مِن حَيْثُ المَعْنى مَعَ إدْماجِ فَوائِدَ زَوائِدَ، بَيانُ ذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ المَسُوقَ لَهُ الكَلامُ تَوْبِيخُ هَؤُلاءِ في مَنِّهِمْ بِإيمانِهِمْ بِأنَّهم خَلَوْا عَنْهُ أوَّلًا وبِأنَّهُمُ المُمْتَنُّونَ إنْ صَدَقُوا ثانِيًا، فالأصْلُ في الإرْشادِ إلى جَوابِهِمْ قُلْ كَذَبْتُمْ ولَكِنْ أُخْرِجَ إلى ما هو عَلَيْهِ المُنَزَّلُ لِيُفِيدَ عَدَمَ المُكافَحَةِ بِنِسْبَةِ الكَذِبِ، وفِيهِ حَمْلٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الأدَبِ في شَأْنِ الكُلِّ لِيَصِيرَ مِلْكَةً لِأتْباعِهِ وأنْ لا يَلْبَسُوا جِلْدَ النَّمِرِ لِمَن يُخاطِبُهم بِهِ وتَلْخِيصُ ما كَذَّبُوا فِيهِ.
ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ الأصْلُ قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ التّالِيَةِ: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ ﴾ تَعْرِيضًا بِأنَّ الكَذِبَ مُنْحَصِرٌ فِيهِمْ، وأُوثِرَ عَلى لا تَقُولُوا آمَنّا لِاسْتِهْجانِ ذَلِكَ لا سِيَّما مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَبْعُوثِ لِلدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ، عَلى أنَّ إفادَةَ ( لَمْ تُؤْمِنُوا ) لِمَعْنى كَذَّبْتُمْ أظْهَرُ مِن إفادَةِ لا تَقُولُوا آمَنّا كَما لا يَخْفى، ثُمَّ قُوبِلَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا فَلا تَكْذِبُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا لِتَفُوزُوا بِالصِّدْقِ إنْ فاتَكُمُ الإيمانُ والتَّصْدِيقُ ولَوْ قِيلَ: ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ لَمْ يُؤَدِّ هَذا المَعْنى، وفِيهِ تَلْوِيحٌ بِأنَّ إسْلامَهم وهو خُلُوٌّ عَنِ التَّصْدِيقِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ ولَوْ قِيلَ ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ لَكانَ ذَلِكَ مُوهِمًا أنَّ ذَلِكَ مُعْتَدٌّ بِهِ والمَطْلُوبُ كَمالُهُ بِالإيمانِ ولا يَحْتاجُ هَذا إلى أنْ يُقالَ: القَوْلُ في المَنزِلِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الزَّعْمِ، وقِيلَ: في الآيَةِ احْتِباكٌ.
والأصْلُ لَمْ تُؤْمِنُوا فَلا تَقُولُوا آمَنّا ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ فَقُولُوا أسْلَمْنا فَحُذِفَ مِن كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ ما أُثْبِتَ في الأُخْرى والأوَّلُ أبْلَغُ وألْطَفُ ﴿ ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( قُولُوا ) كَأنَّهُ قِيلَ: قُولُوا أسْلَمْنا ما دُمْتُمْ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَوَقُّعِ دُخُولِ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ بَعْدُ فَلَيْسَ هَذا النَّفْيُ مُكَرَّرًا مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ( لَمْ تُؤْمِنُوا ) وقِيلَ: الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ ولا تَكْرارَ أيْضًا لِأنَّ لَمّا تُفِيدُ النَّفْيَ الماضِيَ المُسْتَمِرَّ إلى زَمَنِ الحالِ بِالإجْماعِ وتُفِيدُ أنَّ مُنْفِيَها مُتَوَقَّعٌ خِلافًا لِأبِي حَيّانَ ولَمْ- لا تُفِيدُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ بِلا خِلافٍ فَلا حاجَةَ في دَفْعِ التَّكْرارِ إلى القَوْلِ بِالحالِيَّةِ وجَعْلِ الجُمْلَةِ تَوْقِيتًا لِلْقَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ ﴿ وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ بِالإخْلاصِ وتَرْكِ النِّفاقِ ﴿ لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكُمْ ﴾ لا يَنْقُصْكم ﴿ شَيْئًا ﴾ مِن أُجُورِها أوْ شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ يُقالُ لاتَهُ يَلِيتُهُ لَيْتًا إذا نَقَصَهُ، ومِنهُ ما حَكى الأصْمَعِيُّ عَنْ أُمِّ هِشامٍ السَّلُولِيَّةِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لا يُفاتُ ولا يُلاتُ ولا تَصُمُّهُ الأصْواتُ.
وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ وأبُو عَمْرٍو (لا يَأْلِتْكُمْ) مِن ألَتَ يَأْلُتُ بِضَمِّ اللّامِ وكَسْرِها ألَتًا وهي لُغَةُ أسَدٍ وغَطَفانَ، قالَ الحُطَيْئَةُ: أبْلِغْ سَراةَ بَنِي سَعْدٍ مُغَلْغَلَةً ∗∗∗ جَهْدَ الرِّسالَةِ لا ألَتًا ولا كَذِبا والأُولى لُغَةُ الحِجازِ والفِعْلُ عَلَيْها أجْوَفُ وعَلى الثّانِيَةِ مَهْمُوزُ الفاءِ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ ألاتَ يَلِيتُ ﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ لِما فَرَّطَ مِنَ المُطِيعِينَ ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بِالتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ <div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا ﴾ لَمْ يَشُكُّوا مِنِ ارْتابَ مُطاوِعِ رابَهُ إذا أوْقَعَهُ في الشَّكِّ مَعَ التُّهْمَةِ، وجَعْلُ عَدَمِ الِارْتِيابِ مُتَراخِيًا عَنِ الإيمانِ مَعَ أنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ لِإفادَةِ نَفْيِ الشَّكِّ فِيما بَعْدُ عِنْدَ اعْتِراءِ شُبْهَةٍ كَأنَّهُ قِيلَ: آمَنُوا ثُمَّ لَمْ يَعْتَرِهِمْ ما يَعْتَرِي الضُّعَفاءَ بَعْدَ حِينٍ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُرْتابِينَ أوَّلًا بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَما لَمْ يَرْتابُوا أوَّلًا لَمْ يَحْدُثْ لَهُمُ ارْتِيابٌ ثانِيًا، والحاصِلُ آمَنُوا ثُمَّ لَمْ يَحْدُثْ لَهم رِيبَةٌ فالتَّراخِي زَمانِيٌّ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: عَطْفُ عَدَمِ الِارْتِيابِ عَلى الإيمانِ مِن بابِ ( مَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ) تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ الأصْلُ في الإيمانِ فَكَأنَّهُ شَيْءٌ آخَرُ أعْلى مِنهُ كائِنٌ فِيهِ، وأُوثِرَ ثُمَّ عَلى الواوِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا الأصْلَ حَدِيثَهُ وقَدِيمَهُ سَواءٌ في القُوَّةِ والثَّباتِ فَهو أبَدًا عَلى طَراوَتِهِ لا أنَّهُ شَيْءٌ واحِدٌ مُسْتَمِرٌّ فَيَكُونُ كالشَّيْءِ الخَلِقِ بَلْ هو مُتَجَدِّدٌ طَرِيٌّ حِينًا بَعْدَ حِينٍ، ولا بَأْسَ بِأنْ يُجْعَلَ تَرْشِيحًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى العَطْفِ لَمّا جُعِلَ مُغايِرًا نُبِّهَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ تَغايُرُ ما بَيْنَ الِاسْتِمْرارِ والحُدُوثِ بَلْ تَغايُرُ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِيَدُلَّ عَلى المَعْنى المَذْكُورِ وأنَّهم في زِيادَةِ اليَقِينِ آنًا فَآنًا، أمّا عِنْدَ مَن يَقُولُ فِيهِ بِالقُوَّةِ والضَّعْفِ فَظاهِرٌ، وأمّا مَن لَمْ يَقُلْ بِهِ فَلِانْضِمامِ العِيانِ إلى البَيانِ، والفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِمْرارَيْنِ أنَّ الِاسْتِمْرارَ عَلى الأوَّلِ اسْتِمْرارُ المَجْمُوعِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ أيِ اسْتَمَرَّ بِذَلِكَ إيمانُهم مَعَ عَدَمِ الِارْتِيابِ، وعَلى الثّانِي الِاسْتِمْرارُ مُعْتَبَرٌ في الجُزْءِ الأخِيرِ، وهَذا الوَجْهُ أوْجَهُ، وأيًّا ما كانَ فَفي الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِأُولَئِكَ الأعْرابِ ﴿ وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ في طاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى تَكْثِيرِ فُنُونِها مِنَ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ المَحْضَةِ والمالِيَّةِ الصِّرْفَةِ والمُشْتَمِلَةِ عَلَيْهِما مَعًا كالحَجِّ والجِهادِ، وتَقْدِيمُ الأمْوالِ عَلى الأنْفُسِ مِن بابِ التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، ويَجُوزُ بِأنْ يُقالَ: قَدَّمَ الأمْوالَ لِحِرْصِ الكَثِيرِ عَلَيْها حَتّى أنَّهم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم بِسَبَبِها مَعَ أنَّهُ أوْفَقُ نَظَرًا إلى التَّعْرِيضِ بِأُولَئِكَ حَيْثُ إنَّهم لَمْ يَكْفِهِمْ أنَّهم لَمْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ حَتّى جاؤُوا أوْ أظْهَرُوا الإسْلامَ حُبًّا لِلْمَغانِمِ وعَرَضَ الدُّنْيا ومَعْنى ( جاهَدُوا ) بَذَلُوا الجُهْدَ أوْ مَفْعُولُهُ مُقَدَّرٌ أيِ العَدُوَّ أوِ النَّفْسَ والهَوى ﴿ أُولَئِكَ ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ الجَمِيلَةِ ﴿ هُمُ الصّادِقُونَ ﴾ أيِ الَّذِينَ صَدَقُوا في دَعْوى الإيمانِ لا أُولَئِكَ الأعْرابُ.
رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ جاؤُوا وحَلَفُوا أنَّهم مُؤْمِنُونَ صادِقُونَ فَنَزَلَ لِتَكْذِيبِهِمْ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ ﴾ أيْ أتُخْبِرُونَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِذَلِكَ بِقَوْلِكم آمَنّا -فَتُعَلِّمُونَ- مِن عَلِمْتُ بِهِ فَلِذا تَعَدّى بِالتَّضْعِيفِ لِواحِدٍ بِنَفْسِهِ وإلى الثّانِي بِحَرْفِ الجَرِّ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعَدّى بِهِ لِتَضْمِينِ مَعْنى الإحاطَةِ أوِ الشُّعُورِ فَيُفِيدُ مُبالَغَةً مِن حَيْثُ إنَّهُ جارٍ مَجْرى المَحْسُوسِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ ( تُعَلِّمُونَ ) وفِيهِ مِن تَجْهِيلِهِمْ ما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ أيْ مُبالِغٌ في العِلْمِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أخْفَوْهُ مِنَ الكُفْرِ عِنْدَ إظْهارِهِمُ الإيمانَ <div class="verse-tafsir"
﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا ﴾ أيْ يَعْتَدُونَ إسْلامَهم مِنَّةً عَلَيْكَ وهي النِّعْمَةُ الَّتِي لا يَطْلُبُ مُوَلِّيها ثَوابًا مِمَّنْ أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ مِنَ المَنِّ بِمَعْنى القَطْعِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِها قَطْعُ حاجَتِهِ، وقالَ الرّاغِبُ: هي النِّعْمَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ المَنِّ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ وثِقَلُها عِظَمُها أوِ المَشَقَّةُ في تَحَمُّلِها، و ﴿ أنْ أسْلَمُوا ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِيَمُنُّونَ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الِاعْتِدادِ أوْ هو بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ فَيَكُونُ المَصْدَرُ مَنصُوبًا بِنَزْعِ الخافِضِ أوْ مَجْرُورًا بِالحَرْفِ المُقَدَّرِ أيْ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ بِإسْلامِهِمْ، ويُقالُ نَحْوُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ ﴾ فَهو إمّا عَلى مَعْنى لا تَعْتَدُّوا إسْلامَكم مِنَّةً عَلَيَّ أوْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ بِإسْلامِكُمْ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ ﴿ أنْ أسْلَمُوا ﴾ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ يَتَفَضَّلُونَ عَلَيْكَ لِأجْلِ إسْلامِهِمْ ﴿ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ ﴾ أيْ ما زَعَمْتُمْ في قَوْلِكم آمَنّا فَلا يُنافِي هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ﴾ أوِ الهِدايَةُ مُطْلَقُ الدَّلالَةِ فَلا يَلْزَمُ إيمانُهم ويُنافِي نَفْيَ الإيمانِ السّابِقِ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (إذْ هَداكُمْ) بِإذِ التَّعْلِيلِيَّةِ، وقُرِئَ (إنْ هَداكُمْ) بِإنِ الشَّرْطِيَّةِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أيْ في ادِّعاءِ الإيمانِ فَهو مُتَعَلِّقُ الصِّدْقِ لا الهِدايَةُ فَلا تَغْفَلْ.
وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ أيْ فَلِلَّهِ المِنَّةُ عَلَيْكُمْ، ولا يَخْفى ما في سِياقِ الآيَةِ مِنَ اللُّطْفِ والرَّشاقَةِ، وذَلِكَ أنَّ الكائِنَ مِن أُولَئِكَ الأعْرابِ قَدْ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى إسْلامًا إظْهارًا لِكَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: آمَنّا أيْ أحْدَثَنا الإيمانَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ ونَفى سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ كَما زَعَمُوا إيمانًا فَلَمّا مَنَّوْا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما كانَ مِنهم قالَ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يَعْتَدُونَ عَلَيْكَ بِما لَيْسَ جَدِيرًا بِالِاعْتِدادِ بِهِ مِن حَدِيثِهِمُ الَّذِي حَقَّ تَسْمِيَتُهُ أنْ يُقالَ لَهُ إسْلامٌ فَقُلْ لَهُمْ: لا تَعْتَدُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم أيْ حَدِيثَكُمُ المُسَمّى إسْلامًا عِنْدِي لا إيمانًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: بَلِ اللَّهُ يَعْتَدُّ عَلَيْكم أنْ أمَدَّكم بِتَوْفِيقِهِ حَيْثُ هَداكم لِلْإيمانِ عَلى ما زَعَمْتُمْ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إسْلامَكُمْ ﴾ بِالإضافَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ وأنَّهُ شَيْءٌ يَلِيقُ بِأمْثالِهِمْ فَأنّى يَخْلُقُ بِالمِنَّةِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالإيمانِ الإيمانُ المُعْتَدُّ بِهِ لَمْ يُضِفْهُ عَزَّ وجَلَّ، ونَبَّهَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ عَلى أنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ مِنهُمْ، واللُّطْفُ في تَقْدِيمِ التَّكْذِيبِ <div class="verse-tafsir"
ثُمَّ الجَوابِ عَنِ المَنِّ مَعَ رِعايَةِ النُّكَتِ في كُلٍّ مِن ذَلِكَ، وتَمامُ الحُسْنِ في التَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ ما غابَ فِيهِما ﴿ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ في سِرِّكم وعَلانِيَتِكم فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ما في ضَمائِرِكُمْ، وذَلِكَ لِيَدُلَّ عَلى كَذِبِهِمْ وعَلى إطْلاعِهِ عَزَّ وجَلَّ خَواصَّ عِبادِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأتْباعِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبانُ، عَنْ عاصِمٍ (يَعْمَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في بَعْضِ الآيَةِ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى لُزُومِ العَمَلِ بِالشَّرْعِ ورِعايَةِ الأدَبِ وتَرْكِ مُقْتَضَياتِ الطَّبْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾ يُشِيرُ إلى أنَّهُ إنْ سَوَّلَتِ النَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ وجاءَتْ بِنَبَإ شَهْوَةٍ مِن شَهَواتِ الدُّنْيا يَنْبَغِي التَّثَبُّتُ لِلْوُقُوفِ عَلى رِبْحِها وخُسْرانِها ﴿ أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا ﴾ مِنَ القُلُوبِ وصِفاتِها ﴿ بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا ﴾ صَباحَ يَوْمِ القِيامَةِ ﴿ عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ﴾ فَإنَّ ما فِيهِ شِفاءُ النُّفُوسِ وحَياتَها فِيهِ مَرَضُ القُلُوبِ ومَماتُها ﴿ واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ ﴾ إلَخْ يُشِيرُ إلى رَسُولِ الإلْهامِ الرَّبّانِيِّ في الأنْفُسِ بِلَهم فُجُورَها وتَقْواها، ويُشِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ ﴾ إلى أنَّ النَّفْسَ إذا ظَلَمَتِ القَلْبَ بِاسْتِيلاءِ شَهَواتِها يَجِبُ أنْ تُقاتَلَ حَتّى تُثْخِنَ بِالجِراحَةِ بِسُيُوفِ المُجاهَدَةِ فَإنِ اسْتَجابَتِ بِالطّاعَةِ عُفِيَّ عَنْها لِأنَّها هي المَطِيَّةُ إلى بابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى رِعايَةِ حَقِّ الأُخُوَّةِ الدِّينِيَّةِ، ومَنشَأُ نُطُفِها صُلْبُ النُّبُوَّةِ وحَقِيقَتُها نُورُ اللَّهِ تَعالى فَإصْلاحُ ذاتِ بَيْنَهم بِرَفْعِ حُجُبِ أسْتارِ البَشَرِيَّةِ عَنْ وُجُوهِ القُلُوبِ لِيَتَّصِلَ النُّورُ بِالنُّورِ مِن رَوْزَنَةِ القَلْبِ فَيَصِيرُوا كَنَفْسِ واحِدَةٍ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهُمْ ﴾ يُشِيرُ إلى تَرْكِ الإعْجابِ بِالنَّفْسِ والنَّظَرِ إلى أحَدٍ بِعَيْنِ الِاحْتِقارِ فَإنَّ الظّاهِرَ لا يَعْبَأُ بِهِ والباطِنَ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ فَرُبَّ أشْعَثَ أغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَوْ أقْسَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى لَأبَرَّهُ ﴿ قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا ﴾ إلى آخِرِهِ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي تَرْكُ رُؤْيَةِ الأعْمالِ والعِلْمُ بِأنَّ المِنَّةَ في الهِدايَةِ لِلَّهِ المَلِكِ المُتَعالِ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى كَيْفِيَّةِ مُخاطَبَةِ الجاهِلِينَ والرَّدِّ عَلى المَحْجُوبِينَ كَما سَلَفَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، هَذا ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى التَّوْفِيقَ لِما يَرْضاهُ يَوْمَ العَرْضِ عَلَيْهِ.