الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > سورة 5 المائدة > الآية ٥٠
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةوقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ، وتَوْبِيخٌ لَهُمْ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أيَتَوَلَّوْنَ عَنْ قَبُولِ حُكْمِكَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى إلَيْكَ فَيَبْغُونَ حُكْمَ الجاهِلِيَّةِ؟!
وقِيلَ: مَحَلُّ الهَمْزَةِ بَعْدَ الفاءِ وقُدِّمَتْ لِأنَّ لَها الصَّدارَةَ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلتَّخْصِيصِ المُفِيدِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ لِأنَّ التَّوَلِّيَ عَنْ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وطَلَبَ حُكْمٍ آخَرَ مُنْكَرٌ عَجِيبٌ، وطَلَبَ حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ أقْبَحُ وأعْجَبُ.
والمُرادُ بِالجاهِلِيَّةِ المِلَّةُ الجاهِلِيَّةِ، الَّتِي هي مُتابَعَةُ الهَوى، المُوجِبَةُ لِلْمَيْلِ والمُداهَنَةِ في الأحْكامِ، أوِ الأُمَّةُ الجاهِلِيَّةُ، وحُكْمُهُمْ: ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّفاضُلِ فِيما بَيْنَ القَتْلى، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ، وحُكْمُهم ما ذُكِرَ.
فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ بَنِي النَّضِيرِ لَمّا تَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في خُصُومَةِ قَتِيلٍ وقَعَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ طَلَبَ بَعْضُهم مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم بِما كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّفاضُلِ، فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «القَتْلى بِواءٌ» فَقالَ بَنُو النَّضِيرِ: نَحْنُ لا نَرْضى بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ».
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( تَبْغُونَ ) بِالتّاءِ، وهي إمّا عَلى الِالتِفاتِ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ، وإمّا بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: ( قُلْ لَهم أفَحُكْمَ ) إلَخْ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْرَجُ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وغَيْرُهُمْ: ( أفَحُكْمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و( يَبْغُونَ ) خَبَرُهُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والمَذْكُورُ صِفَتُهُ، أيْ: حُكْمٌ يَبْغُونَ، واسْتُضْعِفَ حَذْفُ العائِدِ مِنَ الخَبَرِ، وذَكَرَ ابْنُ جِنِّيٍّ أنَّهُ جاءَ الحَذْفُ مِنهُ كَما جاءَ الحَذْفُ مِنَ الصِّلَةِ والصِّفَةِ، كَقَوْلِهِ: قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي عَلَيَّ ذَنْبًا كُلَّهُ لَمْ أصْنَعِ وقالَ أبُو حَيّانَ: وحُسْنُ الحَذْفِ في الآيَةِ شِبْهُ ( يَبْغُونَ ) بِرَأْسِ الفاصِلَةِ فَصارَ كالمُشارَكَةِ، وزَعْمُ أنَّ القِراءَةَ المَذْكُورَةَ خَطَأٌ خَطَأٌ كَما لا يَخْفى.
وقَرَأ قَتادَةُ: ( أفَحَكَمَ ) بِفَتْحِ الفاءِ والحاءِ والكافِ، أيْ: أفَحاكِمًا كَحُكّامِ الجاهِلِيَّةِ ( يَبْغُونَ ) وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ تُسَمّى مِن قَبْلُ - كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ - عالَمِيَّةً، حَتّى جاءَتِ امْرَأةٌ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كانَ في الجاهِلِيَّةِ كَذا وكَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ الجاهِلِيَّةِ، وحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِهَذا العُنْوانِ.
﴿ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا ﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ حُكْمُهُ أحْسَنُ مِن حُكْمِ اللَّهِ تَعالى، أوْ مُساوٍ لَهُ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمالُ، وإنْ كانَ ظاهِرُ السَّبْكِ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِنَفْيِ المُساواةِ وإنْكارِها ﴿ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ أيْ عِنْدَ قَوْمٍ، فاللّامُ بِمَعْنى عِنْدَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، وضَعَّفَهُ في الدُّرِّ المَصُونِ، وصَحَّحَ أنَّها لِلْبَيانِ، مُتَعَلِّقَهٌ بِمَحْذُوفٍ، كَما في ( هَيْتَ لَكَ ) و( سَقْيًا لَكَ ) أيْ تَبَيَّنَ وظَهَرَ مَضْمُونُ هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ لِقَوْمٍ يَتَدَبَّرُونَ الأُمُورَ، ويَتَحَقَّقُونَ الأشْياءَ بِأنْظارِهِمْ، وأمّا غَيْرُهم فَلا يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا أحْسَنَ حُكْمًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَعَلَّ مَن فَسَّرَ بِـ( عِنْدَ ) أرادَ بَيانَ مُحَصِّلِ المَعْنى، وقِيلَ: إنَّ اللّامَ عَلى أصْلِها، وأنَّها صِلَةٌ، أيْ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ أحْسَنُ الأحْكامِ وأعْدَلُها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنى الإنْكارِ السّابِقِ.
<div class="verse-tafsir"