الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٥٠ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 81 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٠ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير ، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات ، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله ، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات ، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم ، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان الذي وضع لهم اليساق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى ، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية ، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه ، فصارت في بنيه شرعا متبعا ، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله ، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله [ صلى الله عليه وسلم ] فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير ، قال الله تعالى : ( أفحكم الجاهلية يبغون ) أي : يبتغون ويريدون ، وعن حكم الله يعدلون .
( ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) أي : ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه ، وآمن به وأيقن وعلم أنه تعالى أحكم الحاكمين ، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها ، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء ، القادر على كل شيء ، العادل في كل شيء .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هلال بن فياض حدثنا أبو عبيدة الناجي قال : سمعت الحسن يقول : من حكم بغير حكم الله ، فحكم الجاهلية [ هو ] وأخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة ، حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح قال : كان طاوس إذا سأله رجل : أفضل بين ولدي في النحل؟
قرأ : ( أفحكم الجاهلية يبغون [ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ] ) وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الخوطي حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع أخبرنا شعيب بن أبي حمزة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن نافع بن جبير عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أبغض الناس إلى الله عز وجل من يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية وطالب دم امرئ بغير حق ليريق دمه" وروى البخاري عن أبي اليمان بإسناده نحوه بزيادة.
القول في تأويل قوله عز ذكره : أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أيبغي هؤلاء اليهود الذين احتكموا إليك، فلم يرضوا بحكمك، (40) إذ حكمت فيهم بالقسط (41) =" حكم الجاهلية "، يعني: أحكام عبَدة الأوثان من أهل الشرك، وعندهم كتاب الله فيه بيان حقيقة الحكم الذي حكمت به فيهم، وأنه الحق الذي لا يجوزُ خلافه.
ثم قال تعالى ذكره= موبِّخا لهؤلاء الذين أبوا قَبُول حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ولهم من اليهود، ومستجهلا فعلَهم ذلك منهم=: ومَنْ هذا الذي هو أحسن حكمًا، أيها اليهود، من الله تعالى ذكره عند من كان يوقن بوحدانية الله، ويقرُّ بربوبيته؟
يقول تعالى ذكره: أيّ حكم أحسن من حكم الله، إن كنتم موقنين أن لكم ربًّا، وكنتم أهل توحيدٍ وإقرار به؟
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال مجاهد.
12153 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " أفحكم الجاهلية يبغون "، قال: يهود.
12154 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " أفحكم الجاهلية يبغون "، يهود.
12155 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا شيخ، عن مجاهد: " أفحكم الجاهلية يبغون "، قال: يهود.
* * * --------------- الهوامش: (40) انظر تفسير"بغى" و"ابتغى" فيما سلف 10: 290 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(41) في المطبوعة: "وقد حكمت" ، وفي المخطوطة: "أو حكمت" ، وصوابها ما أثبت.
قوله تعالى : أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنونفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : أفحكم الجاهلية يبغون أفحكم نصب ب يبغون والمعنى : أن الجاهلية كانوا يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع ; كما تقدم في غير موضع ، وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء الفقراء ، ولا يقيمونها على الأقوياء الأغنياء ; فضارعوا الجاهلية في هذا الفعل .الثانية : روى سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن طاوس قال : كان إذا سألوه عن [ ص: 156 ] الرجل يفضل بعض ولده على بعض يقرأ هذه الآية أفحكم الجاهلية يبغون فكان طاوس يقول : ليس لأحد أن يفضل بعض ولده على بعض ، فإن فعل لم ينفذ وفسخ ; وبه قال أهل الظاهر ، وروي عن أحمد بن حنبل مثله ، وكرهه الثوري وابن المبارك وإسحاق ; فإن فعل ذلك أحد نفذ ولم يرد ، وأجاز ذلك مالك والثوري والليث والشافعي وأصحاب الرأي ; واستدلوا بفعل الصديق في نحله عائشة دون سائر ولده ، وبقوله عليه السلام : فارجعه وقوله : فأشهد على هذا غيري ، واحتج الأولون بقوله عليه السلام لبشير : ألك ولد سوى هذا قال نعم ، فقال : أكلهم وهبت له مثل هذا فقال لا ، قال : فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور في رواية وإني لا أشهد إلا على حق .
قالوا : وما كان جورا وغير حق فهو باطل لا يجوز .
وقوله : أشهد على هذا غيري ليس إذنا في الشهادة وإنما هو زجر عنها ; لأنه عليه السلام قد سماه جورا وامتنع من الشهادة فيه ; فلا يمكن أن يشهد أحد من المسلمين في ذلك بوجه ، وأما فعل أبي بكر فلا يعارض به قول النبي صلى الله عليه وسلم ، ولعله قد كان نحل أولاده نحلا يعادل ذلك .فإن قيل : الأصل تصرف الإنسان في ماله مطلقا ، قيل له : الأصل الكلي والواقعة المعينة المخالفة لذلك الأصل لا تعارض بينهما كالعموم والخصوص ، وفي الأصول أن الصحيح بناء العام على الخاص ، ثم إنه ينشأ عن ذلك العقوق الذي هو أكبر الكبائر ، وذلك محرم ، وما يؤدي إلى المحرم فهو ممنوع ; ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم .
قال النعمان : فرجع أبي فرد تلك الصدقة ، والصدقة لا يعتصرها الأب بالإنفاق وقوله : ( فارجعه ) محمول على معنى فاردده ، والرد ظاهر في الفسخ ; كما قال عليه السلام : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد أي : مردود مفسوخ .
وهذا كله ظاهر قوي ، وترجيح جلي في المنع .الثالثة : قرأ ابن وثاب والنخعي " أفحكم " بالرفع على معنى يبغونه ; فحذف الهاء كما حذفها أبو النجم في قوله :قد أصبحت أم الخيار تدعي علي ذنبا كله لم أصنعفيمن روى " كله " بالرفع .
ويجوز أن يكون التقدير : أفحكم الجاهلية حكم يبغونه ؟
[ ص: 157 ] فحذف الموصوف ، وقرأ الحسن وقتادة والأعرج والأعمش " أفحكم " بنصب الحاء والكاف وفتح الميم ; وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة إذ ليس المراد نفس الحكم ، وإنما المراد الحكم ; فكأنه قال : أفحكم حكم الجاهلية يبغون ، وقد يكون الحكم والحاكم في اللغة واحدا وكأنهم يريدون الكاهن وما أشبهه من حكام الجاهلية ; فيكون المراد بالحكم الشيوع والجنس ، إذ لا يراد به حاكم بعينه ; وجاز وقوع المضاف جنسا كما جاز في قولهم : منعت مصر إردبها ، وشبهه ، وقرأ ابن عامر " تبغون " بالتاء ، الباقون بالياء .قوله تعالى : ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون هذا استفهام على جهة الإنكار بمعنى : لا أحد أحسن ; فهذا ابتداء وخبر .
وحكما نصب على البيان .
لقوله لقوم يوقنون أي : عند قوم يوقنون .
{ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ْ} أي: أفيطلبون بتوليهم وإعراضهم عنك حكم الجاهلية، وهو كل حكم خالف ما أنزل الله على رسوله.
فلا ثم إلا حكم الله ورسوله أو حكم الجاهلية.
فمن أعرض عن الأول ابتلي بالثاني المبني على الجهل والظلم والغي، ولهذا أضافه الله للجاهلية، وأما حكم الله تعالى فمبني على العلم، والعدل والقسط، والنور والهدى.
{ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ْ} فالموقن هو الذي يعرف الفرق بين الحكمين ويميز -بإيقانه- ما في حكم الله من الحسن والبهاء، وأنه يتعين -عقلا وشرعا- اتباعه.
واليقين، هو العلم التام الموجب للعمل.
( أفحكم الجاهلية يبغون ) قرأ ابن عامر " تبغون " بالتاء وقرأ الآخرون بالياء ، أي : يطلبون ( ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) .
«أفحكم الجاهلية يبغون» بالياء والتاء يطلبون من المداهنة والميل إذا تولَّوا إستفهام إنكاري «ومن» أي لا أحد «أحسن من الله حُكما لقوم» عند قوم «يوقنون» به خصوا بالذكر لأنهم الذين يتدبرون.
أيريد هؤلاء اليهود أن تحكم بينهم بما تعارف عليه المشركون عبدةُ الأوثان من الضلالات والجهالات؟!
لا يكون ذلك ولا يليق أبدًا ومَن أعدل مِن الله في حكمه لمن عقل عن الله شَرْعه، وآمن به، وأيقن أن حكم الله هو الحق؟
ثم ختم - سبحانه - هذه الآية الكريمة بتوبيخ أولئك الذين يرغبون عن حكم الله إلى حكم غيره فقال : ( أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ ) .فالهمزة هنا للاستفهام الإِنكاري التوبيخي .
والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام .والمعنى : أينصرفون عن حكمك بما أنزل الله ويعرضون عنه فيبغون حكم الجاهلية مع أن ما أنزله الله إليك من قرآن فيه الأحكام العادلة التي ترضى كل ذي عقل سليم ، ومنطق قويم .وقدم - سبحانه - المفعول " أفحكم " لإِفادة التخصيص المفيد لتأكيد الأنكار والتعجيب من أحوال أولئك اليهود الذين يريدون حكم الجاهلية .إذ أن التولي عن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حكم آخر منكر عجيب ، وطلب حكم الجاهلية أقبح وأعجب .والمراد بالجاهلية : الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى ، والمداهنة في الأحكام ، فيكون ذلك توبيخاً لليهود بأنهم مع كونهم أهل كتاب؛ يبغون حكم الملة الجاهلية .
وعدم الأخذ بشريعة المساواة .
فيكون ذلك - أيضاً - تعييراً لهم لاقتدائهم بأهل الجاهلية .قال الآلوسي : فقد روى أن بني النضير لما تحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خصومة قتيل وقعت بينهم وبين بني قريظة ، طلب بعضهم من رسول الله أن يحكم بينهم بما كان عليه أهل الجاهلية من التفاضل ، فقال صلى الله عليه وسلم : " القتلى سواء " - أي : متساوون - فقال بنو النضير : نحن لا نرضى بحكمك ، فنزلت هذه الآية .وقوله - تعالى - ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) إنكار منه - سبحانه - لأن يكون هناك حكم أحسن من حكمه أو مساو له .أي : لا أحد أحسن حكما من حكم الله - تعالى - عند قوم يوقنون بصحة دينه ، ويذعنون لتكاليف شريعته ، ويقرون بوحدانيته ، ويتبعون أنبياءه ورسله .فاللام في قوله : ( لقوم ) بمعنى عند ، وهي متعلقة بأحسن ، ومفعول ( يوقنون ) محذوف أي لقوم يوقنون بحكمه وأن أعدل الأحكام .
والجملة حالية متضمنة لمعى الإِنكار السابق .وخص - سبحانه - الموقنين بالذكر ، لأنهم هم الذين يحسنون التدبر فيما شرعه الله من أحكام ، وينتفعون بما اشتملت عليه من عدل ومساواة .هذا ، وقد شدد الإِمام ابن كثير النكير على الذي يرغبون عن حكم الله إلى أحكام من عند البشر ، ووصف من يفعل ذلك بالكفر ، وأفتى بوجوب مقاتلته حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فقال - رحمه الله - :" ينكر - تعالى - على من خرج عن حكم الله - المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر - وعدل عنه إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله ، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات .مما يضعونهاه بآرائهم وأهوائهم ، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم " جنكزخان " الذي وضع لهم " الباسق " وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى .
فصارت في بنية شرعا متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله ، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير .قال - تعالى - ( أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) أي : ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه وآمن به وأيقن .وعلم أنه - سبحانه - أحكم الحاكمين ، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها؟
فإنه - تعالى - هو العالم بكل شيء ، والقادر على كل شيء ، والعادل في كل شيء .روى الطبراني عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبغض الناس إلى الله - تعالى - من يبتغي في الإِسلام سنة الجاهلين ومن طلب دم امرئ بغير حق ليريق دمه " .وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد كشفت " باستفاضة " عن المسالك الخبيثة التي سلكها اليهود وأشباهم لكيد الإِسلام والمسلمين .فأنت تراها في مطلعها قد نادت الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا النداء بعدم المبالاة بما يصدر عن أولئك الذين يسارعون في الكفر من مكر وخداع ووصفهم بجملة من الصفات القبيحة التي تجعل كل عاقل ينفر من الاقتراب منهم ، وخيرات الرسول صلى الله عليه وسلم بين الحكم بينهم أو الإِعراض عنهم إذا ما تحاكموا إليه .ووبخت اليهود على إعراضهم عن الأحكام العادلة التي أنزلها الله - تعالى - ووصفت المعرضين عن حكمه سبحانه بالكفر تارة وبالظلم تارة وبالفسق تارة أخرى .وبعد أن مدحت التوراة والإِنجيل ، وبينت بعض ما اشتملا عليه من هدايات .
.
.
عقبت ذلك ببيان منزلة القرآن الكريم وأنه الكتاب الجامع في هدايته وفضله وتشريعاته لكل ما جاء في الكتب السابقة .ثم ختمت بتكرير الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يلتزم في أحكامه بما أنزله الله ، وبتحذيره وتحذير أتباعه من خداع أعدائهم ومكرهم ، وتتوعد كل من يرغب عن حكم الله إلى حكم غيره ، بسوء العاقبة ، وشديد العذاب .وبعد هذا الحديث المستفيض عن الكتب السماوية : وعن وجوب الحكم بما أنزل الله ، وعن المسالك الخبيثة التي استعملها اليهود ومن على شاكلتهم لكيد الدعوة الإِسلامية بعد كل ذلك وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين حذرهم فيه من موالاة أعدائهم فقال - تعالى - :( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ .
.
.
)
ثم قال تعالى: ﴿ أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر ﴿ تبغون ﴾ بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء على المغايبة، وقرأ المسلمي ﴿ لفاسقون أَفَحُكْمَ الجاهلية ﴾ برفع الحكم على الابتداء، وإيقاع ﴿ يَبْغُونَ ﴾ خبراً وإسقاط الراجع عنه لظهوره، وقرأ قتادة ﴿ أبحكم الجاهلية ﴾ والمراد أن هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به حكام بالجاهلية، فأرادوا بشهيتهم أن يكون محمد خاتم النبيّيين حكماً كأولئك الحكام.
المسألة الثانية: في الآية وجهان: الأول: قال مقاتل: كانت بين قريظة والنضير دماء قبل أن يبعث الله محمداً عليه الصلاة والسلام، فلما بعث تحاكموا إليه، فقالت بنو قريظة: بنو النضير إخواننا، أبونا واحد، وديننا واحد، وكتابنا واحد، فإن قتل بنو النضير منا قتيلاً أعطونا سبعين وسقاً من تمر، وإن قتلنا منهم واحداً أخذوا منا مائة وأربعين وسقاً من تمر، وأروش جراحاتنا على النصف من أروش جراحاتهم، فاقض بيننا وبينهم، فقال عليه السلام: «فإني أحكم أن دم القرظي وفاء من دم النضري، ودم النضري وفاء من دم القرظي، ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم ولا عقل، ولا جراحة»، فغضب بنو النضير وقالوا: لا نرضى بحكمك فإنك عدو لنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿ أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ ﴾ يعني حكمهم الأول.
وقيل: إنهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم إياه، وإذا وجب على أقويائهم لم يأخذوهم به، فمنعهم الله تعالى منه بهذه الآية.
الثاني: أن المراد بهذه الآية أن يكون تعييراً لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم مع أنهم يبغون حكم الجاهلية التي هي محض الجهل وصريح الهوى.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ اللام في قوله: ﴿ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ للبيان كاللام في ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون، فإنهم هم الذين يعرفون أنه لا أحد أعدل من الله حكماً، ولا أحسن منه بياناً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنّ قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى.
وروي: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: «القتلى بواء» فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك فنزلت: والثاني: أن يكون تعبيراً لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم، وهم يبغون حكم الملة الجاهلية التي هي هوى وجهل، لا تصدر عن كتاب ولا ترجع إلى وحي من الله تعالى: وعن الحسن: هو عامّ في كل من يبغي غير حكم الله: والحكم حكمان: حكم بعلم فهو حكم الله، وحكم بجهل فهو حكم الشيطان.
وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض، فقرأ هذه الآية: وقرئ: ﴿ تبغون ﴾ ، بالتاء والياء: وقرأ السلمي: ﴿ أفحكمُ الجاهلية يبغون ﴾ ، برفع الحكم على الابتداء، وإيقاع يبغون خبراً وإسقاط الراجع عنه كإسقاطه عن الصلة في ﴿ أهذا الذى بَعَثَ الله رَسُولاً ﴾ [الفرقان: 31] وعن الصفة في: الناس رجلان: رجل أهنت، ورجل أكرمت.
وعن الحال في (مررت بهند يضرب زيد) وقرأ قتادة: ﴿ أَفَحُكْمَ الجاهلية ﴾ على أنّ هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به أفعى نجران، أو نظيره من حكام الجاهلية، فأرادوا بسفههم أن يكون محمد خاتم النبيين حكماً كأولئك الحكام.
اللام في قوله: ﴿ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ للبيان كاللام في (هيت لك) أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون، فإنهم الذين يتيقنون أن لا أعدل من الله ولا أحسن حكماً منه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ الَّذِي هو المَيْلُ والمُداهَنَةُ في الحُكْمِ، والمُرادُ بِالجاهِلِيَّةِ المِلَّةُ الجاهِلِيَّةُ الَّتِي هي مُتابَعَةُ الهَوى.
وقِيلَ نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ طَلَبُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ أنْ يَحْكُمَ بِما كانَ يَحْكُمُ بِهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّفاضُلِ بَيْنَ القَتْلى.
وقُرِئَ بِرَفْعِ الحُكْمِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، ويَبْغُونَ خَبَرُهُ، والرّاجِعُ مَحْذُوفٌ حَذَفَهُ في الصِّلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا ﴾ واسْتُضْعِفَ ذَلِكَ في غَيْرِ الشِّعْرِ وقُرِئَ «أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ» أيْ يَبْغُونَ حاكِمًا كَحُكّامِ الجاهِلِيَّةِ يَحْكُمُ بِحَسَبِ شَهِيَّتِهِمْ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «تَبْغُونَ» بِالتّاءِ عَلى قُلْ لَهم أفَحُكَمَ الجاهِلِيَّةِ تَبْغُونَ.
﴿ وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ أيْ عِنْدَهُمْ، واللّامُ لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ أيْ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ فَإنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَتَدَبَّرُونَ الأُمُورَ ويَتَحَقَّقُونَ الأشْياءَ بِأنْظارِهِمْ فَيَعْلَمُونَ أنْ لا أحْسَنَ حُكْمًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
<div class="verse-tafsir"
{أفحكم الجاهلية يبغون} يطلبون وبالتالى شامى يخاطب
المائدة (٥٠ _ ٥٣)
بني النضير في تفاضلهم على بني قريظة وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القتلى سواء فقال بنو النضير نحن لا نرضى بذلك فنزلت وسئل طاوس عن الجرل بفضل بعض ولده على بعض فقرأ هذه الآية وناصب أفحكم الجاهلية يبغون {وَمَنْ أَحْسَنُ} مبتدأ وخبره وهو استفهام في معنى النفي أي لا أحد أحسن {مِنَ الله حُكْماً} هو تمييز واللام في {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} للبيان كاللام فى هيت لك أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون فإنهم هم الذين يتبينون أن لا أعدل من الله ولا أحسن حكماً منه وقال أبو علي معنى لقوم عند قوم لأن اللام وعند يتقاربان في المعنى
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ، وتَوْبِيخٌ لَهُمْ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أيَتَوَلَّوْنَ عَنْ قَبُولِ حُكْمِكَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى إلَيْكَ فَيَبْغُونَ حُكْمَ الجاهِلِيَّةِ؟!
وقِيلَ: مَحَلُّ الهَمْزَةِ بَعْدَ الفاءِ وقُدِّمَتْ لِأنَّ لَها الصَّدارَةَ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلتَّخْصِيصِ المُفِيدِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ؛ لِأنَّ التَّوَلِّيَ عَنْ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وطَلَبَ حُكْمٍ آخَرَ مُنْكَرٌ عَجِيبٌ، وطَلَبَ حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ أقْبَحُ وأعْجَبُ.
والمُرادُ بِالجاهِلِيَّةِ المِلَّةُ الجاهِلِيَّةِ، الَّتِي هي مُتابَعَةُ الهَوى، المُوجِبَةُ لِلْمَيْلِ والمُداهَنَةِ في الأحْكامِ، أوِ الأُمَّةُ الجاهِلِيَّةُ، وحُكْمُهُمْ: ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّفاضُلِ فِيما بَيْنَ القَتْلى، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ، وحُكْمُهم ما ذُكِرَ.
فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ بَنِي النَّضِيرِ لَمّا تَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في خُصُومَةِ قَتِيلٍ وقَعَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ طَلَبَ بَعْضُهم مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم بِما كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّفاضُلِ، فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «القَتْلى بِواءٌ» فَقالَ بَنُو النَّضِيرِ: نَحْنُ لا نَرْضى بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ».
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( تَبْغُونَ ) بِالتّاءِ، وهي إمّا عَلى الِالتِفاتِ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ، وإمّا بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: ( قُلْ لَهم أفَحُكْمَ ) إلَخْ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْرَجُ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وغَيْرُهُمْ: ( أفَحُكْمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و( يَبْغُونَ ) خَبَرُهُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والمَذْكُورُ صِفَتُهُ، أيْ: حُكْمٌ يَبْغُونَ، واسْتُضْعِفَ حَذْفُ العائِدِ مِنَ الخَبَرِ، وذَكَرَ ابْنُ جِنِّيٍّ أنَّهُ جاءَ الحَذْفُ مِنهُ كَما جاءَ الحَذْفُ مِنَ الصِّلَةِ والصِّفَةِ، كَقَوْلِهِ: قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي عَلَيَّ ذَنْبًا كُلَّهُ لَمْ أصْنَعِ وقالَ أبُو حَيّانَ: وحُسْنُ الحَذْفِ في الآيَةِ شِبْهُ ( يَبْغُونَ ) بِرَأْسِ الفاصِلَةِ فَصارَ كالمُشارَكَةِ، وزَعْمُ أنَّ القِراءَةَ المَذْكُورَةَ خَطَأٌ خَطَأٌ كَما لا يَخْفى.
وقَرَأ قَتادَةُ: ( أفَحَكَمَ ) بِفَتْحِ الفاءِ والحاءِ والكافِ، أيْ: أفَحاكِمًا كَحُكّامِ الجاهِلِيَّةِ ( يَبْغُونَ ) وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ تُسَمّى مِن قَبْلُ - كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ - عالَمِيَّةً، حَتّى جاءَتِ امْرَأةٌ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كانَ في الجاهِلِيَّةِ كَذا وكَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ الجاهِلِيَّةِ، وحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِهَذا العُنْوانِ.
﴿ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا ﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ حُكْمُهُ أحْسَنُ مِن حُكْمِ اللَّهِ تَعالى، أوْ مُساوٍ لَهُ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمالُ، وإنْ كانَ ظاهِرُ السَّبْكِ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِنَفْيِ المُساواةِ وإنْكارِها ﴿ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ أيْ عِنْدَ قَوْمٍ، فاللّامُ بِمَعْنى عِنْدَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، وضَعَّفَهُ في الدُّرِّ المَصُونِ، وصَحَّحَ أنَّها لِلْبَيانِ، مُتَعَلِّقَهٌ بِمَحْذُوفٍ، كَما في ( هَيْتَ لَكَ ) و( سَقْيًا لَكَ ) أيْ تَبَيَّنَ وظَهَرَ مَضْمُونُ هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ لِقَوْمٍ يَتَدَبَّرُونَ الأُمُورَ، ويَتَحَقَّقُونَ الأشْياءَ بِأنْظارِهِمْ، وأمّا غَيْرُهم فَلا يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا أحْسَنَ حُكْمًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَعَلَّ مَن فَسَّرَ بِـ( عِنْدَ ) أرادَ بَيانَ مُحَصِّلِ المَعْنى، وقِيلَ: إنَّ اللّامَ عَلى أصْلِها، وأنَّها صِلَةٌ، أيْ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ أحْسَنُ الأحْكامِ وأعْدَلُها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنى الإنْكارِ السّابِقِ.
<div class="verse-tafsir"
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ يعني: أنزلنا إليك يا محمد الكتاب بالحق، يعني: بيان الحق.
ويقال: بالعرض والحجة، ولم ينزله بغير شيء، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ يعني: موافقاً للتوراة، والإنجيل، والزبور، في التوحيد وفي بعض الشرائع.
ثم قال تعالى: وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ يقول شاهداً على سائر الكتب، بأن الكتاب الأول من الله تعالى ويقال: مُهَيْمِناً عَلَيْهِ يعني: قاضياً عليه، ويقال: ناسخاً لسائر الكتب.
وروي عن ابن عباس أنه قال: مؤتمناً على ما قبله.
وقال القتبي: أميناً عليه.
ويقال: ومهيمناً عليه، في معنى مؤتمن، إلا أن الهاء أبدلت من الهمزة كما يقال: هَرَقْتُ الماء، وأرَقْتُه، وإياك، وهياك.
ثم قال: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني: فاحكم بين الناس بما أنزل الله تعالى في القرآن، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ يعني: لا تعمل بأهوائهم ومرادهم، عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ يعني: لا تترك الحكم بما بيّن الله تعالى في القرآن من بيان الحق وبيان الأحكام.
ثم قال: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً يقول: جعلنا لكل نبي شريعة، والإيمان واحد، ولم يختلف الرسل في الإيمان، وإنما اختلفوا في الشرائع.
قال القتبي: الشرعة والشريعة واحد، يعني: السنة والمنهاج الطريق الواضح.
وقال الزجاج: الشرعة الدين، والمنهاج الطريق، وقد قيل: هما شيء واحد، وهو الطريق، ويقال: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً معناه: فرضت على كل أمة ما علمت أن صلاحهم فيه.
ثم قال: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً يعني: جعلكم على شريعة واحدة، وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ ليخبركم، فِي ما آتاكُمْ يعني: أمركم من السنن، والشرائع المختلفة، ليتبين من يطيع الله فيما أمره ونهاه، ومن يعصيه.
ثم قال: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ يعني: بادروا بالطاعات، وبالأعمال الصالحة، وإلى الصف المقدم، والتكبيرة الأولى.
ثم قال: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من الدين والسنن يوم القيامة، فهذا وعيد وتهديد، لتستبقوا الخيرات، ولا تتّبعوا البدعة، ولا تخالفوا الكتاب.
ثم قال: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وذلك أن يهود بني النضير قالوا فيما بينهم: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه.
وإنما هو بشر فأتَوْه.
فقالوا: يا محمد إنك قد عرفت أنّا أحبار اليهود، وأشرافهم، وسادتهم، وأنّا إن اتبعناك اتبعك اليهود، ولن يخالفونا.
وإنّ بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، فنؤمن بك، فأبى النبي ذلك.
فنزلت هذه الآية وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني: اقضِ بينهم بما في القرآن، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ في الحكم، وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ يعني: يصرفوك، عَنْ بَعْضِ مآ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ.
وقال في رواية الضحاك: تزوج مجوسي ابنته، فجاءت إلى النبيّ وطلبت نفقتها، فأمر الله تعالى رسوله أن يفرق بينهما بقوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ.
وقال في رواية الكلبي: طلبوا منه بأن يحكم بينهم في الدماء على ما كانوا عليه في الجاهلية فنزل وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ.
قال القتبي: أصل الفتنة الاختبار.
ثم يستعمل في أشياء يستعمل في التعذيب كقوله: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [البروج: 10] ، وكقوله: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات: 13] وتكون الفتنة الشرك، كقوله: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة: 193] وتكون الفتنة العبرة، كقوله: لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [يونس: 85] وتكون الفتنة الصد عن السبيل، كقوله: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مآ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ.
ثم قال: فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني: أبَوْا أن يرضوا بحكمك، فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ يعني: يعذبهم في الدنيا.
قال الكلبي: يعني: بالجلاء إلى الشام، والإخراج من دورهم.
وقال الضحاك: يعني: يريد الله أن يأمر بهم إلى النار بذنوبهم.
ثم قال وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يعني: رؤساء اليهود، لَفاسِقُونَ يعني: لكافرون.
والفاسق هو الذي يخرج عن الطاعة.
ثم قال: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ يعني: يطلبون منك شيئاً لم ينزله الله إليك في حكم الزنى والقصاص كما يفعل أهل الجاهلية.
قرأ ابن عامر ومن تابعه من أهل الشام (تبغون) على معنى المخاطبة، وقرأ الباقون بالياء على معنى المغايبة.
ثم قال: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً يقول: ومن أعدل من الله قضاءً، لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ يعني: يصدقون بالقرآن.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
يراد به الخصوصُ فيما لا يخافُ منها على النفْسِ، وكُتُبُ الفقْهِ محَلُّ استيعابِ الكلامِ على هذه المعانيِ.
قال ص: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ، أيْ: ذاتُ قصاصٍ.
انتهى.
وقوله سبحانه: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، المعنى: أنَّ من تصدَّق بجُرْحه أو دمِ وليه، وعفا، فإنَّ ذلك العَفْوَ كفَّارة لذنوبه يعظم اللَّه أجره بذلك، قال ابن عمر وغيره «١» ، وفي معناه حديثٌ مرويٌّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قلت: وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُصَابُ بِشَيْءٍ فِي جَسَدِهِ فَتَصَدَّقَ بِهِ إلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهِ خَطِيئَةً» ، رواه الترمذيُّ «٢» .
انتهى.
وقيل: المعنى: فذلك العفو كفَّارة للجارحِ عن ذلك الذنْبِ كما أن القِصَاص كفَّارة، فكذلك العفو كفَّارة وأما أجر العافي، فعلى اللَّه تعالى قاله ابن عبَّاس وغيره «٣» .
وقيل: المعنى: إذَا جنى جانٍ، فجُهِلَ، وخَفِيَ أمره، فتصدَّق هذا الجاني بأن اعترفَ بذلك، ومكَّنَ من نفسه فذلك الفعل كفّارة لذنبه.
وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧) وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)
وقوله سبحانه: وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ...
الآية: الضمير في آثارِهِمْ للنبيِّين.
وقوله: وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ: خُصَّ المتقون بالذِّكْر لأنهم المقصودُ به في عِلْمِ اللَّه وإنْ كان الجميعُ يدعى إلى توحيدِ اللَّه، ويوعَظُ، ولكنَّ ذلك على غَيْرِ المتَّقين عَمًى وحَيْرةٌ.
وقرأ حمزة «١» وحده: «وَلِيَحْكُمَ» - بكسرِ اللامِ، وفتحِ الميمِ- على «لام كَيْ» ، ونصبِ الفعلِ بها، والمعنى: وآتيناه الإِنجيل ليتضمَّن الهدى والنور والتصديق، ولِيَحْكُمَ أهله بما أنزل اللَّه فيه، وقرأ باقي السبْعَةِ: «وَلْيَحْكُمْ» - بسكون لامِ الأمرِ، وجزمِ الفعلِ-، ومعنى أمره لهم بالحكم: أي: هكذا يجبُ عليهم.
قُلْتُ: وإذْ من لازم حكمهم بما أنزلَ اللَّه فيه اتباعهم لنبيِّنا محمد- عليه السلام- والإيمانُ به كما يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيلِ، قال الفَخْر «٢» : قيل: المرادُ:
ولْيحكُمْ أهل الإنجيل بما أنزل اللَّه فيه من الدلائلِ الدالَّة على نبوَّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم قيل:
والمرادُ بالفاسقين: مَنْ لم يَمْتَثِلْ من النصارَى.
انتهى، وحَسُن عَقِبَ ذلك التوقيفُ على وعيدِ/ مَنْ خالف ما أنزل اللَّه.
وقوله سبحانه: وَمُهَيْمِناً، أي: جعل اللَّه القُرآن مهيمناً على الكُتُب، يشهد بما فيها من الحقائقِ، وعلى ما نسبه المحرِّفون إليها، فيصحِّح الحقائق، ويُبْطِلُ التحريفَ، وهذا هو معنى مُهَيْمِناً، أي: شاهدٌ، ومصدِّقٌ، ومؤتَمَنٌ، وأمينٌ حسَبَ اختلافِ عبارة المفسِّرين في اللفظة، وقال المبرِّد: «مهَيْمِن» : أصله «مؤيمن» بني من «أمين» أبدلت
همزتُهُ هاءً كما قالوا: أَرَقْتُ المَاءَ، وَهَرَقْتُهُ واستحسنه الزَّجَّاج.
وقوله سبحانه: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ: المعنى عند الجمهور: إن اخترت أنْ تحكم، فاحكم بينهم بما أنْزَلَ اللَّه، وليسَتْ هذه الآيةُ بناسخةٍ لقوله: أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [المائدة: ٤٢] .
ثم حذَّر اللَّه تعالى نبيَّه- عليه السلام- من اتباع أهوائهم.
وقوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً، أي: لكلِّ أمة قاله الجمهور، وهذا عندهم في الأحكامِ، وأما في المعتَقَدَاتِ، فالدِّين واحدٌ لجميع العالَمِ، ويحتملُ أنْ يكون المرادُ الأنبياءَ، لا سيَّما وقد تقدَّم ذكرهم، وذكر ما أُنْزِلَ عليهم، وتجيء الآيةُ، معَ هذا الاحتمال تنبيهاً لنبيِّنا محمَّد- عليه السلام-، أيْ: فاحفظ شرعتك ومنهاجَكَ لئلاَ تستزلَّك اليهودُ، أو غيرُهم في شيء منْه، وأكثرُ المتأوِّلين على أن الشِّرْعَة والمِنْهَاجَ بمعنًى واحدٍ، وهي الطريقُ، وقال ابن عباس وغيره: شِرْعَةً وَمِنْهاجاً: سبيلاً وسُنَّة «١» ، ثم أخبر سبحانه أنه لَوْ شاء، لَجَعَل النَّاس أُمَّةً واحدةً، ولكنه لم يشأْ لأنه أراد اختبارهم وابتلاءهم فيما آتاهم مِنَ الكُتُب والشرائع كذا قال ابنُ جُرَيْج «٢» وغيره.
ثم أمر سبحانه باستباق الخيراتِ في امتثال الأوامر، وخَتَمَ سبحانه بالموعظةِ والتَّذْكير بالمعادِ، فقال: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً، والمعنى: فالبِدَار البِدَارَ.
وقوله سبحانه: فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، معناه: في الثَّوَاب والعقَاب، فتُخْبَرُونَ به إخبار إيقاعٍ، وهذه الآية بارعةُ الفَصَاحة، جَمَعتِ المعانِيَ الكثيرةَ في الألفاظِ اليسيرة، وكُلُّ كتابِ اللَّه كذلك، إلاَّ أنَّا بقصورِ أفهامنا يَبِينُ لنا في بَعْضٍ أكثرُ ممَّا يبينُ لنا في بعض.
وقوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ ...
الآية: الهوى مقصورٌ يجمعُ على أهْوَاء، والهَوَاء ممدودٌ يُجْمع على أَهْوِيَةٍ، ثم حذَّر تعالى نبيَّه- عليه السلام- من اليهودِ أنْ يفتنوه بأنْ يَصْرِفُوه عن شيء ممَّا أنزل الله عليه من الأحكام
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ "يَبْغُونَ" بِالياءِ، لِأنَّ قَبْلَهُ غَيْبَةٌ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "تَبْغُونَ" بِالتّاءِ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم.
وسَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ النَّبِيَّ لَمّا حَكَمَ بِالرَّجْمِ عَلى اليَهُودِيَّيْنِ تَعَلَّقَ بَنُو قُرَيْظَةَ بِبَنِي النَّضِيرِ، وقالُوا: يا مُحَمَّدُ هَؤُلاءِ إخْوانُنا، أبُونا واحِدٌ، ودِينُنا واحِدٌ، إذا قَتَلُوا مِنّا قَتِيلًا أعْطَوْنا سَبْعِينَ وسْقًا مِن تَمْرٍ، وإنْ قَتْلَنا مِنهم واحِدًا أخَذُوا مِنّا أرْبَعِينَ ومِائَةَ وسْقٍ، وإنْ قَتْلَنا مِنهم رَجُلًا قَتَلُوا بِهِ رَجُلَيْنِ، وإنْ قَتْلَنا امْرَأةً قَتَلُوا بِها رَجُلًا، فاقْضِ بَيْنَنا بِالعَدْلِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : "لَيْسَ لِبَنِي النَّضِيرِ عَلى بَنِي قُرَيْظَةَ فَضْلٌ في عَقْلٍ ولا دَمٍ" فَقالَ بَنُو النَّضِيرِ: واللَّهِ لا نَرْضى بِقَضائِكَ، ولا نُطِيعُ أمْرَكَ، ولَنَأْخُذَنَّ بِأمْرِنا الأوَّلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الآيَةِ: أتَطْلُبُ اليَهُودُ حُكْمًا لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِهِ، وهم أهْلُ كِتابِ اللَّهِ، كَما تَفْعَلُ الجاهِلِيَّةُ؟!
.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومَن أعْدَلُ؟!
.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يُوقِنُونَ بِالقُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يُوقِنُونَ بِاللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَن أيْقَنَ تَبَيَّنَ عَدْلَ اللَّهِ في حُكْمِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عن بَعْضِ ما أنْزَلَ اللهُ إلَيْكَ فَإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الناسِ لَفاسِقُونَ ﴾ ﴿ أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ "وَأنِ احْكُمْ"؛ مَعْطُوفٌ عَلى "اَلْكِتابَ"؛ في قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ ﴾ ؛ وقالَ مَكِّيٌّ: هو مَعْطُوفٌ عَلى "بِالحَقِّ"؛ في قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴾ ؛ والوَجْهانِ حَسَنانِ؛ ويُقْرَأُ بِضَمِّ النُونِ مِن "أنُ احْكُمْ"؛ مُراعاةً لِلضَّمَّةِ في عَيْنِ الفِعْلِ المُضارِعِ؛ ويُقْرَأُ بِكَسْرِها عَلى القانُونِ في التِقاءِ الساكِنَيْنِ.
وهَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ لِلتَّخْيِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ أو أعْرِضْ عنهُمْ ﴾ ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ؛ ثُمَّ نَهاهُ تَعالى عَنِ اتِّباعِ أهْواءِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ إذْ هي مُضِلَّةٌ؛ والهَوى في الأغْلَبِ إنَّما يَجِيءُ عِبارَةً عَمًّا لا خَيْرَ فِيهِ؛ وقَدْ يَجِيءُ أحْيانًا مُقَيَّدًا بِما فِيهِ خَيْرٌ؛ مِن ذَلِكَ «قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قِصَّةِ رَأْيِهِ ورَأْيِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - في أسْرى بَدْرٍ: "فَهَوى رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رَأْيَ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ"؛» ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ - وقَدْ قِيلَ لَهُ: ما ألَذُّ الأشْياءِ عِنْدَكَ؟
- قالَ: "حَقٌّ وافَقَ هَوًى"؛ و"اَلْهَوى"؛ مَقْصُورٌ؛ ووَزْنُهُ "فَعَلٌ"؛ ويُجْمَعُ عَلى "أهْواءَ"؛ و"اَلْهَواءُ"؛ مَمْدُودٌ؛ ويُجْمَعُ عَلى "أهْوِيَةٌ".
ثُمَّ حَذَّرَ - تَبارَكَ وتَعالى- مِن جِهَتِهِمْ أنْ يَفْتِنُوهُ؛ أيْ: يَصْرِفُوهُ بِامْتِحانِهِمْ؛ وابْتِلائِهِمْ؛ عن شَيْءٍ مِمّا أنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الأحْكامِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُرِيدُونَ أنْ يَخْدَعُوا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالُوا لَهُ مِرارًا: اُحْكم لَنا في نازِلَةِ كَذا بِكَذا؛ نَتَّبِعْكَ عَلى دِينِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ ؛ قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ مِنَ الكَلامِ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ؛ تَقْدِيرُهُ: "لا تَتَّبِعْ؛ واحْذَرْ؛ فَإنْ حَكَّمُوكَ مَعَ ذَلِكَ واسْتَقامُوا فَنِعِمّا ذَلِكَ؛ وإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ..."؛ ويَحْسُنُ أنْ يُقَدَّرَ هَذا المَحْذُوفُ المُعادِلُ بَعْدَ قَوْلِهِ: "لَفاسِقُونَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فاعْلَمْ"؛ اَلْآيَةَ؛ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيهِمْ؛ وقَدْ أنْجَزَهُ بِقِصَّةِ بَنِي قَيْنُقاعَ؛ وقِصَّةِ قُرَيْظَةَ؛ والنَضِيرِ؛ وإجْلاءِ عُمَرَ أهْلَ خَيْبَرَ؛ وفَدَكَ؛ وغَيْرَهُمْ؛ وخَصَّصَ تَعالى إصابَتَهم بِبَعْضِ الذُنُوبِ؛ دُونَ كُلِّها؛ لِأنَّ هَذا الوَعِيدَ إنَّما هو في الدُنْيا؛ وذُنُوبُهم فِيها نَوْعانِ: نَوْعٌ يَخُصُّهُمْ؛ كَشُرْبِ الخَمْرِ؛ ورِباهُمْ؛ ورِشاهُمْ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ونَوْعٌ يَتَعَدّى إلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنِينَ؛ كَمُعامَلاتِهِمْ لِلْكُفّارِ؛ وأقْوالِهِمْ في الدِينِ؛ فَهَذا النَوْعُ هو الَّذِي يُوجِدُ إلَيْهِمُ السَبِيلَ؛ وبِهِ هَلَكُوا؛ وبِهِ تَوَعَّدَهُمُ اللهُ في الدُنْيا؛ فَلِذَلِكَ خَصَّصَ البَعْضَ؛ دُونَ الكُلِّ؛ وإنَّما يُعَذِّبُونَ بِالكُلِّ في الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الناسِ لَفاسِقُونَ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلَيْهِمْ؛ لَكِنْ جاءَتِ العِبارَةُ تَعُمُّهُمْ؛ وغَيْرَهُمْ؛ لِيَتَنَبَّهَ سِواهم مِمَّنْ كانَ عَلى فِسْقٍ؛ ونِفاقٍ؛ وتَوَلٍّ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَيَرى أنَّهُ تَحْتَ الوَعِيدِ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ ؛ فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ المِيمِ؛ عَلى إعْمالِ فِعْلٍ ما؛ يَلِي ألِفَ الِاسْتِفْهامِ؛ بَيَّنَهُ هَذا الظاهِرُ بَعْدُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ والسُلَمِيُّ ؛ وأبُو رَجاءٍ ؛ والأعْرَجُ: "أفَحُكْمُ"؛ بِرَفْعِ المِيمِ؛ قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهي خَطَأٌ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ ولَكِنَّهُ وجْهٌ غَيْرُهُ أقْوى مِنهُ؛ وقَدْ جاءَ في الشِعْرِ؛ قالَ أبُو النَجْمِ: قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي ∗∗∗ عَلَيَّ ذَنْبًا كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ بِرَفْعِ "كُلُّ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَكَذا الرِوايَةُ؛ وبِها يَتِمُّ المَعْنى الصَحِيحُ؛ لِأنَّهُ أرادَ التَبَرُّؤَ مِن جَمِيعِ الذَنْبِ؛ ولَوْ نَصَبَ "كُلَّ"؛ لَكانَ ظاهِرُ قَوْلِهِ أنَّهُ صَنَعَ بَعْضَهُ؛ وهَذا هو حَذْفُ الضَمِيرِ مِنَ الخَبَرِ؛ وَهُوَ قَبِيحٌ؛ اَلتَّقْدِيرُ: "يَبْغُونَهُ"؛ و"لَمْ أصْنَعْهُ"؛ وإنَّما يُحْذَفُ الضَمِيرُ كَثِيرًا مِنَ الصِلَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا ﴾ ؛ وكَما تَقُولُ: "مَرَرْتُ بِالَّذِي أكْرَمْتَ"؛ ويُحْذَفُ أقَلَّ مِن ذَلِكَ مِنَ الصِفَةِ؛ وحَذْفُهُ مِنَ الخَبَرِ قَبِيحٌ؛ كَما جاءَ في بَيْتِ أبِي النَجْمِ ؛ ويُتَّجَهُ بَيْتُهُ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ لَيْسَ في صَدْرِ قَوْلِهِ ألِفُ اسْتِفْهامٍ يَطْلُبُ الفِعْلَ؛ كَما هي في قَوْلِهِ تَعالى: "أفَحُكْمَ"؛ والثانِي أنَّ في البَيْتِ عِوَضًا مِنَ الهاءِ المَحْذُوفَةِ؛ وذَلِكَ حَرْفُ الإطْلاقِ؛ أعْنِي الياءَ في "أصْنَعِي"؛ فَتَضْعُفُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "أفَحُكْمُ"؛ بِالرَفْعِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ بَعْدَهُ لا ضَمِيرَ فِيهِ؛ ولا عِوَضَ مِنَ الضَمِيرِ؛ وألِفُ الِاسْتِفْهامِ - الَّتِي تَطْلُبُ الفِعْلَ؛ ويُخْتارُ مَعَها النَصْبَ؛ وإنْ لُفِظَ بِالضَمِيرِ - حاضِرَةٌ؛ وإنَّما تُتَّجَهُ القِراءَةُ عَلى أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: "أفَحُكْمُ الجاهِلِيَّةِ حُكْمٌ يَبْغُونَ؟"؛ فَلا تَجْعَلَ "يَبْغُونَ"؛ خَبَرًا؛ بَلْ تَجْعَلَهُ صِفَةَ خَبَرٍ مَحْذُوفٍ؛ ومَوْصُوفٍ؛ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ ﴾ ؛ تَقْدِيرُهُ: قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ؛ فَحَذَفَ المَوْصُوفَ؛ وأقامَ الصِفَةَ مَقامَهُ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وما الدَهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما ∗∗∗ ∗∗∗ أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ مَهْرانَ: "أفَحَكَمَ"؛ بِفَتْحِ الحاءِ؛ والكافِ؛ والمِيمِ؛ وهو اسْمُ جِنْسٍ؛ وجازَ إضافَةُ اسْمِ الجِنْسِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: "مُنِعْتُ العِراقَ قَفِيزَها ودِرْهَمَها؛ ومِصْرَ أرْدَبَّها"؛ ولَهُ نَظائِرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَكَأنَّهُ قالَ: "أفَحُكّامَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ؟"؛ إشارَةً إلى الكُهّانِ الَّذِينَ كانُوا يَأْخُذُونَ الحُلْوانَ؛ ويَحْكُمُونَ بِحَسَبِهِ؛ وبِحَسَبِ الشَهَواتِ؛ ثُمَّ تَرْجِعُ هَذِهِ القِراءَةُ بِالمَعْنى إلى الأُولى؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: "أفَحُكْمَ حُكّامِ الجاهِلِيَّةِ؟"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "تَبْغُونَ"؛ بِالتاءِ؛ عَلى الخِطابِ لَهُمْ؛ أيْ؛ "قُلْ لَهُمْ"؛ وباقِي السَبْعَةِ: "يَبْغُونَ"؛ بِالياءِ مِن تَحْتُ؛ ويَبْغُونَ مَعْناهُ: يَطْلُبُونَ؛ ويُرِيدُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا ﴾ ؛ تَقْرِيرٌ: أيْ: لا أحَدَ أحْسَنُ مِنهُ حُكْمًا - تَبارَكَ وتَعالى-؛ وحَسُنَ دُخُولُ اللامِ في قَوْلِهِ: "لِقَوْمٍ"؛ مِن حَيْثُ المَعْنى: "يَبِينُ ذَلِكَ ويَظْهَرُ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ".
<div class="verse-tafsir"
فَرّعت الفاء على مضمون قوله: ﴿ فإن تولّوا فاعلم ﴾ [المائدة: 49] الخ استفهاماً عن مرادهم من ذلك التولّي، والاستفهام إنكاري، لأنّهم طلبوا حكم الجاهليّة.
وحكم الجاهليّة هو ما تقرّر بين اليهود من تكايُل الدّماء الّذي سرى إليهم من أحكام أهل يثرب، وهم أهلُ جاهلية، فإنّ بني النضير لم يرضوا بالتساوي مع قريظة كما تقدّم؛ وما وضعوه من الأحكام بين أهل الجاهلية، وهو العدول عن الرجم الّذي هو حكم التّوراة.
وقرأ الجمهور ﴿ يَبغون ﴾ بياء الغائب، والضمير عائد ل ﴿ مَن ﴾ من قوله: ﴿ ومَنْ لم يحكم بما أنزل الله ﴾ [المائدة: 47].
وقرأ ابن عامر بتاء الخطاب على أنّه خطاب لليهود على طريقة الالتفات.
والواو في قوله: ﴿ ومن أحسن من الله حكماً ﴾ واو الحال، وهو اعتراض، والاستفهام إنكاري في معنى النفي، أي لا أحسن منه حكماً.
وهو خطاب للمسلمين، إذ لا فائدة في خطاب اليهود بهذا.
وقوله: ﴿ لقوم يوقنون ﴾ اللام فيه ليست متعلّقة ب ﴿ حكماً ﴾ إذ ليس المراد بمدخولها المحكومَ لهم، ولا هي لام التّقوية لأنّ ﴿ لقوم يوقنون ﴾ ليس مفعولاً ل ﴿ حُكماً ﴾ في المعنى.
فهذه اللامُ تُسمّى لام البيان ولام التبيين، وهي الّتي تدخل على المقصود من الكلام سواء كان خبراً أم إنشاء، وهي الواقعة في نحو قولهم: سَقْيَاً لك، وَجَدْعاً له، وفي الحديث «تبّاً وسُحقاً لمن بَدّل بَعْدي»، وقوله تعالى: ﴿ هيهات هيهات لِما توعدون ﴾ [المؤمنون: 36] ﴿ حاش لله ﴾ [يوسف: 51].
وذلك أنّ المقصود التّنبيه على المراد من الكلام.
ومنه قول تعالى عن زليخا ﴿ وقالت هيتَ لك ﴾ [يوسف: 23] لأنّ تهيّؤَها له غريب لا يخطر ببال يوسف فلا يدري ما أرادت فقالت له ﴿ هيت لك ﴾ [يوسف: 23]، إذا كان (هيت) اسمَ فِعْللِ مُضي بمعنى تهيّأتُ، ومثل قوله تعالى هنا: ﴿ ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ﴾ .
وقد يكون المقصود معلوماً فيخشى خفاؤه فيؤتى باللام لزيادة البيان نحو ﴿ حاشَ لله ﴾ [يوسف: 51]، وهي حينئذٍ جديرة باسم لام التبيين، كالداخلة إلى المواجه بالخطاب في قولهم: سَقياً لك ورعياً، ونحوهما، وفي قوله: ﴿ هِيتَ ﴾ [يوسف: 23] اسمَ فعل أمر بمعنى تَعالَ.
وإنّما لم تجعل في بعض هذه المواضع لام تقوية، لأنّ لام التّقوية يصحّ الاستغناء عنها مع ذكر مدخولها، وَفي هذه المواضع لا يذكر مدخول اللام إلاّ معها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.
﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي لِما قَبْلَهُ مِنَ الكِتابِ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُصَدِّقًا بِها، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ.
والثّانِي: مُوافِقًا لَها، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي أمِينًا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَعْنِي شاهِدًا عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.
والثّالِثُ: حَفِيظًا عَلَيْهِ.
﴿ فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الحُكْمِ بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ إذا تَحاكَمُوا إلَيْنا، وألّا نَحْكُمَ بَيْنَهم بِتَوْراتِهِمْ ولا بِإنْجِيلِهِمْ.
﴿ وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكُمْ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أُمَّةُ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ .
والثّانِي: أُمَمُ جَمِيعِ الأنْبِياءِ.
﴿ شِرْعَةً ومِنهاجًا ﴾ أمّا الشِّرْعَةُ فَهي الشَّرِيعَةُ وهي الطَّرِيقَةُ الظّاهِرَةُ، وكُلُّ ما شَرَعْتَ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَهو شَرِيعَةٌ ومِن ذَلِكَ قِيلَ لِشَرِيعَةِ الماءِ شَرِيعَةٌ لِأنَّها أظْهَرُ طُرُقِهِ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: أُشْرِعَتِ الأسِنَّةُ إذا ظَهَرَتْ.
وَأمّا المِنهاجُ فَهو الطَّرِيقُ الواضِحُ، يُقالُ طَرِيقُ نَهْجٍ ومَنهَجٍ، قالَ الزّاجِرُ مَن يَكُ ذا شَكٍّ فَهَذا فَلْجُ ماءٌ رُواءٌ وطَرِيقٌ نَهْجُ فَيَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ شِرْعَةً ومِنهاجًا أيْ سَبِيلًا وسُنَّةً، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.
﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِجَعْلِكم عَلى مِلَّةٍ واحِدَةٍ.
الثّانِي: لِجَمْعِكم عَلى الحَقِّ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ قال: يهود.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ قال: هذا في قتيل اليهود، إن أهل الجاهلية كان يأكل شديدهم ضعيفهم وعزيزهم ذليلهم.
قال: ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ .
وأخرج البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبغض الناس إلى الله مبتغ في الإسلام سنة جاهلية، وطالب امرئ بغير حق ليريق دمه» .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال: الحكم حكمان: حكم الله، وحكم الجاهلية، ثم تلا هذه الآية ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة قال: كانت تسمى الجاهلية العالمية حتى جاءت امرأة فقالت: يا رسول الله، كان في الجاهلية كذا وكذا.
فأنزل الله ذكر الجاهلية.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ .
قال المفسرون: أي أتطلب اليهود في الزانيين حكما لم يأمر الله عز وجل به وهم أهل الكتاب، كما يفعل أهل الجاهلية (١) قال ابن عباس: يعني بحكم الجاهلية ما كانوا من الضلالة والجور في الأحكام، وتحريفهم إياها عما كانت عليه (٢) وقال بعضهم: إنهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم إياه، وإذا وجب على أقويائهم لم يأخذوهم به، فقيل لهم: أفحكم عبدة الأوثان تبغون وأنتم أهل كتاب؟
وكفى بذلك خزيًا أن يحكم بما يوجبه الجهل دون ما يوجبه العلم (٣) وقال مقاتل: كانت بين قريظة والنضير دماء قبل أن يبعث الله محمدًا، فلما بعث تحاكموا إليه، فقالت بنو قريظة: إخواننا بنو النضير أبُونا واحد، وديننا وكتابنا واحد، فإن قتل أهل النضير منا قتيلًا أعطونا سبعين وسقا من تمر، وإن قتلنا منهم واحداً أخذوا منا مائة وأربعين وسقًا، وأرش جراحاتنا على النصف من أرش جراحاتهم، فاقض بيننا وبينهم، قال رسول الله : "فإني أحكم دم القُرَظي وفاءٌ من دم النُضَيري، ودم النُّضَيري وفاءٌ من دم القُرَظي، ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم ولا عقل ولا جراحة"، فغضب بنو النضير وقالوا: لا نرضى بحكمك، فإنك لنا عدو، وإنك ما تألو في وضعنا وتصغيرنا، فأنزل الله تعالى: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ يعني حكمهم الأول (٤) وقرأ ابن عامر (تَبغُون (٥) (٦) (٧) والقراءة بالياء أظهر، لجري الكلام على ظاهره واستقامته عليه من غير تقدير إضمار، على أن نحو هذا الإضمار لا ينكر لكثرته (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ .
قال الزجاج: أي من أيقن تبين عدل الله في حكمه (٩) وقال (١٠) (١١) فإذا قيل: الحكم لهم فلأنهم يستحسونه، فكأنه إنما جعل لهم خاصة، وإذا قيل: عندهم؛ فلأن عندهم العلم بصحته.
(١) "معاني الزجاج" 2/ 180، وانظر: "زاد المسير" 2/ 376، "التفسير الكبير" 12/ 15.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 274، "التفسير الكبير" 12/ 15، القرطبي في "تفسيره" 6/ 214.
(٤) "تفسير مقاتل" 1/ 479، 480 بنحوه، وانظر: "التفسير الكبير" 12/ 15.
وقد جاء نحو ذلك عن ابن عباس من طريق أبي صالح -وهي ضعيفة- عنه ذكر ذلك ابن الجوزي "زاد المسير" 2/ 376، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 274.
(٥) ساقط من (ج).
(٦) "الحجة" 3/ 228، "التيسير" ص 99.
(٧) "الحجة" 3/ 228.
(٨) "الحجة" 3/ 228، 229 بتصرف.
(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 181، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 321، "زاد المسير" 2/ 376.
(١٠) في (ش): (قال).
(١١) ذكر هذا القول أبو حيان في "البحر المحيط" 3/ 505، لكنه قال: وهذا ضعيف، وانظر "الدر المصون" 4/ 229.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ ﴾ عطف على الكتاب في قوله: وأنزلنا إليك الكتاب، أو على الحق في قوله: بالحق، وقال قوم: إن هذا وقوله قبله فاحكم بينهم ناسخ لقوله: فاحكم بينهم أو أعرض عنهم: أي ناسخ للتخيير الذي في الآية: وقيل: إنه ناسخ للحكم بينهم فأبى من ذلك، ونزلت الآية تقضي أن يحكم بينهم ﴿ أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ ﴾ توبيخ لليهود، وقرئ بالياء إخباراً عنهم، وبالتاء خطاباً لهم ﴿ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ قال الزمخشري اللام للبيان: أي هذا الخطاب لقوم يوقنون، فإنهم الذين يتبين لهم أنه لا أحسن من الله حكماً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تبغون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر والخراز عن هبيرة.
الباقون بالياء.
﴿ ويقول ﴾ بالواو وبالرفع: عاصم وحمزة وعلي وخلف، وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب بالنصب.
عياش: مخير.
الباقون ﴿ يقول ﴾ بدون واو العطف.
﴿ من يرتد ﴾ بالإظهار: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون بالإدغام.
﴿ والكفار ﴾ بالجر: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي.
الباقون بالنصب عطفاً على محل ﴿ الذين اتخذوا ﴾ وقرأ أبو عمرو وعلي غير ليث وأبي حمدون وحمدوية وابن رستم الطبري عن نصير طريق ابن مهران بالإمالة.
الوقوف: ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ ومنهاجاً ﴾ ط ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ تختلفون ﴾ ه لا لعطف ﴿ وأن احكم ﴾ على ما قبله.
ومن وقف فلأنه رأس آية.
﴿ أنزل الله إليك ﴾ ط ﴿ ذنوبهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ يبغون ﴾ ط ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ه ليلزم النهي عن اتخاذ الأولياء مطلقاً ﴿ أولياء بعض ﴾ ط ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ دائرة ﴾ ط لتمام المقول.
﴿ نادمين ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ ويقول ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ أن يأتي ﴾ .
﴿ جهد أيمانهم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ إنهم ﴾ جواب القسم ﴿ لمعكم ﴾ ط ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ ويحبونه ﴾ لا لأن ما بعده صفة قوم ﴿ الكافرين ﴾ ه لشبه الآية.
﴿ لائم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ راكعون ﴾ ه ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ج للعطف ولطول الكلام.
﴿ مؤمنين ﴾ ﴿ ولعباً ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه.
/التفسير: منّ الله على نبينا بإنزال القرآن إليه مصدقاً لما بين يديه من الكتاب أي جنسه وهو كل كتاب سوى القرآن نازل من السماء.
وفي المهيمن قولان: قال الخليل وأبو عبيدة: هيمن على الشيء يهيمن إذا كان رقيباً على الشيء وشاهداً ومصدقاً.
وقال الجوهري: أصله أأمن بهمزتين قلبت الثانية ياء لكراهة اجتماع الهمزتين، ثم الأولى هاء كما في هرقت وهياك.
والمعنى إنه أمين على الكتب التي قبله لأنه لا ينسخ ألبتة ولا يحرف لقوله: ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ ومن هنا قرىء: ﴿ ومهيمناً عليه ﴾ فتح الميم أي هو من عليه بأن حوفظ من التغيير والتبديل، والذي هيمن عليه عز وجل كما قلنا، أو الحفاظ في كل بلد والقراء المشهود لهم بالإجادة ﴿ فاحكم بينهم ﴾ بين اليهود بالقرآن ﴿ ولا تتبع أهواءهم ﴾ منحرفاً ﴿ عما جاءك من الحق ﴾ أو ضمن لا تتبع معنى لا تحزن.
قيل: لولا جواز المعصية على الأنبياء لم يجز هذا النهي.
والجواب أن ذلك مقدور له ولكن لا يفعله لمكان النهي.
أو الخطاب له والمراد غيره ﴿ لكل جعلنا منكم ﴾ أيها الناس أو الأمم أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد لتقدم ذكر الثلاث ﴿ شرعة ومنهاجاً ﴾ قال ابن السكيت: الشرع مصدر شرعت الإهاب إذا شققته وملحته.
وقيل: إنه من الشروع في الشيء الدخول فيه، والشرعة مصدر للهيئة بمعنى الشريعة "فعيلة" بمعنى "مفعولة" وهي الأمور التي أوجب الله على المكلفين أن يشرعوا فيها والمنهاج الطريق الواضح وهما عبارتان عن معبر واحد هو الدين والتكرير للتأكيد.
ويحتمل أن يقال: الشريعة عامة والمنهاج مكارم الشريعة، فالأولى أقدم وهذه تتلوها وهي الطريقة.
وقال المبرد: الشريعة ابتداء الطريق والطريقة المنهاج المستمر ﴿ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ﴾ جماعة متفقة على شريعة واحدة أو ذوي أمة واحدة أي دين واحد لا خلاف فيه.
وفيه دليل على أن الكل بمشيئة الله تعالى.
والمعتزلة حملوه على مشيئته الإلجاء ﴿ ولكن ليبلوكم ﴾ أي جعلكم مختلفين متخالفين ليعاملكم معاملة المختبر هل تعملون بالنواميس الإلهية وتذعنون للعقائد الحقة أم تقصرون في العمل وتتبعون الشبه ولذلك قال ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ سارعوا إليها وتسابقوا نحوها.
ويعني بالخيرات ههنا ما هو الحق من الاعتقادات والمحقق من التكاليف.
ثم علّل الاستئناف بقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم ﴾ فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين المحق والمبطل والعام والمقصر.
والمراد أن الأمر سيؤل إلى ما يحصل معه اليقين من مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ﴿ وأن احكم ﴾ قيل معطوف على ﴿ الكتاب ﴾ أي وأنزلنا إليك أن احكم على أن "أن" المصدرية وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الأفعال، أو على قوله: ﴿ بالحق ﴾ أي أنزلناه بالحق وبأن احكم.
وأقول: يحتمل أن تكون "أن" مفسرة وفعل الأمر محذوف أي وأمرناك أن احكم.
وتكرار الأمر بالحكم إما للتأكيد/ وإما لأنهما حكمان لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصنين ثم احتكموا في قتل كان بينهم.
وزعم بعض الأئمة أن هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله: ﴿ فاحكم بينهم أو أعرض ﴾ وعن ابن عباس أن جماعة من اليهود منهم كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشماس بن قيس من أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه.
فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قوم خصومة ونحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله وأنزل فيهم: ﴿ واحذرهم أن يفتنوك ﴾ محله نصب على أنه مفعول له أي مخافة أن يفتنوك، أو على أنه بدل اشتمال من مفعول احذر.
والمراد بالفتنة رده إلى أهوائهم فكل من صرف من الحق إلى الباطل فقد فتن.
قال بعض أهل العلم: في الآية دليل على أن الخطأ والنسيان جائزان على النبي ، لأن التعمد في مثل هذا غير جائز فلم يبق إلاّ الخطأ والنسيان فلو لم يكونا جائزين أيضاً لم يكن للحذر فائدة، ﴿ فإن تولوا ﴾ عن الحكم المنزل أي فإن لم يقبلوا حكمك ﴿ فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ﴾ أما الإصابة فالمراد بها قتلهم وإجلاؤهم، وأما ذكر بعض الذنوب فلأن مجازاتهم ببعض الذنوب كافية في إهلاكهم وتدميرهم، أو أراد بالبعض ذنب التولي عن حكم الله.
وفيه أن لهم ذنوباً جمة وأن هذا الذنب عظيم جداً كقول لبيد: تراك أمكنة إذا لم أرضها *** أو يرتبط بعض النفوس حمامها أراد نفسه وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام فكأنه قال نفساً كبيرة لأن التنكير في معنى البعضية أيضاً.
﴿ لفاسقون ﴾ لمتمردون في الكفر.
وفيه أن التولي عن حكم الله فسق مؤكد جداً.
ثم استفهم منكراً لرأيهم فقال: ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ وفيه تعيير لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم ومع ذلك يطلبون حكم الملّة الجاهلية التي هي محض الجهل وصريح الهوى.
وقال مقاتل: إن قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى.
فقال رسول الله : القتلى بواء أي سواء.
فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك فنزلت.
وعن الحسن هو عام في كل من يبتغي غير حكم الله.
وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض فتلا هذه الآية.
واللام في قوله: ﴿ لقوم يوقنون ﴾ للبيان كاللام في: ﴿ هيت لك ﴾ أي هذا لخطاب وهذا الاستفهام لهم لأنهم الذين يعرفون أنه لا أحد أعدل من الله حكماً ولا أحسن منه بياناً.
قال عطية العوفي: "جاء عبادة بن الصامت فقال: يا رسول الله إن لي موالي من اليهود كثيراً عددهم حاضراً نصرهم/ وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولاية اليهود، أو إلى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية اليهود.
فقال رسول الله : يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه.
قال: قد قبلت فأنزل الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ﴾ " تعاشرونهم معاشرة المؤمنين.
ثم علل النهي بقوله: ﴿ بعضهم أولياء بعض ﴾ لأن الجنسية علة الضم.
ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ ومن يتولهم منكم فإنه منهم ﴾ من جملتهم وحكمه حكمهم ولذلك قال ابن عباس: يريد أنه كافر مثلهم وفيه من التغليظ والتشديد ما فيه.
﴿ إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفرة فوضعوا الولاء في غير موضعه.
عن أبي موسى الأشعري قال: قلت لعمر بن الخطاب: إن لي كاتباً نصرانياً فقال: ما لك قاتلك الله ألا اتخذت حنيفاً؟
أما سمعت هذه الآية؟
قلت: له دينه ولي كتابته.
فقال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذا أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله.
قلت: لا قوام بالبصرة إلاّ به.
قال: مات النصراني والسلام يعني هب أنه قد مات فما كنت تكون صانعاً حينئذٍ فاصنعه الآن.
﴿ فترى الذين في قلوبهم مرض ﴾ يعني أمثال عبدالله بن أبي ﴿ يسارعون فيهم ﴾ في موالاة اليهود والنصارى يهود بني قينقاع ونصارى نجران لأنهم كانوا أهل ثروة وكانوا يعينونهم على مهامهم ويقرضونهم ﴿ يقولون ﴾ يعتذرون عن الموالاة بقولهم: ﴿ نخشى أن تصيبنا دائرة ﴾ قال الواحدي: هي الدولة ومثلها صروف الزمان ونوائبه.
وقال الزجاج: نخشى أن لا يتم الأمر لمحمد فيدور الأمر كما كان قبل ذلك.
ثم سلى رسوله والمؤمنين بقوله: ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ﴾ فعسى من الله الكريم إطماع واجب.
والفتح إما فتح مكة أو مطلق دولة الإسلام وغلبة ذويه.
وقوله: ﴿ أو أمر من عنده ﴾ المراد به فعل لا يكون للناس فيه مدخل ألبتة كقذف الرعب في قلوب بني النضير وغيرهم من الكفار.
وقيل: هو أن يؤمر النبي بإظهار المنافقين وقتلهم.
﴿ فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم ﴾ من النفاق والشك في أن أمر الرسول يتم ﴿ نادمين ويقول الذين آمنوا ﴾ قال الواحدي: حذف الواو ههنا كإثباتها فلهذا جاء في مصاحف أهل الحجاز والشام بغير واو، وفي مصاحف أهل العراق بالواو، وذلك أن في الجملة المعطوفة ذكراً من المعطوف عليها، فإنقوله: ﴿ أهؤلاء ﴾ إشارة إلى الذين يسارعون، فلما حصل في كل من الجملتين ذكر من الأخرى حسن الوجهان.
ووجه العطف مع النصب ظاهر ووجه ذلك مع الرفع على أنه كلام مبتدأ أي ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت.
ووجه الفصل هو أن يكون جواب سائل يسأل فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ وإنما يقولون هذا القول فيما بينهم تعجباً من حالهم وفرحاً بما/ منّ الله عليهم من التوفيق في الإخلاص، أو يقولونه لليهود الذين كانوا يحلفون لهم بالمعاضدة والنصرة كما حكى الله عنهم: ﴿ وإن قوتلتم لننصرنكم ﴾ وقوله: ﴿ جهد أيمانهم ﴾ أي بإغلاظ الأيمان نصب على الحال أي يجتهدون جهد أيمانهم أو على المصدر من غير لفظه.
﴿ حبطت أعمالهم ﴾ من قول الله أو من جملة قول المؤمنين أي بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها رياء.
وفيه معنى التعجب أي ما أحبط أعمالهم فما أخسرهم حيث بقي عليهم التعب في الدنيا والعذاب في العقبى ﴿ من يرتدّ منكم عن دينه ﴾ أي من يتولّ الكفار منكم فيرتد فليعلم أن الله يأتي بقوم آخرين ينصرون هذا الدين على أبلغ الوجوه.
وقال الحسن: علم الله أن قوماً يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم فأخبرهم أنه سيأتي ﴿ بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ فتكون الآية إخباراً عن الغيب وقد وقع فيكون معجزاً.
روي في الكشاف أن أهل الردّة كانوا إحدى عشرة فرقة، ثلاث في عهد رسول الله بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار الأسود العنسي وكان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلاده وأخرج عمال رسول الله فكتب رسول الله إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن فأهلكه الله على يدي فيروز الديلمي، بيته فقتله وأخبر رسول الله بقتله ليلة قتل فسر المسلمون وقبض رسول الله من الغد وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول.
وبنو حنيفة قوم مسليمة تنبأ وكتب إلى رسول الله : من مسليمة رسول الله إلى محمد رسول الله وأما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك.
فأجاب : من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب.
أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
فحاربه أبو بكر بجنود المسلمين وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة وكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام.
أراد في جاهليتي وإسلامي.
وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه رسول الله خالداً فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه.
وسبع في عهد أبي بكر: فزارة قوم عيينة بن حصن وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض بني تميم قوم سجاج بنت المنذر المتنبئة التي زوّجت نفسها مسيلمة الكذاب، وكندة قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد وحاربهم أبو بكر وكفى الله أمرهم على يديه.
وفرقة واحدة في عهد عمر غسان قوم جبلة بن الأيهم كان يطوف بالبيت ذات يوم بعد أن كان أسلم على يد عمر فرأى رجلاً جارّاً رداءه فلطمه فتظلم الرجل إلى عمر فقضى بالقصاص عليه.
فقال: أنا أشتريها بألف فأبى الرجل فلم يزل يزيد في الفداء إلى أن بلغ عشرة آلاف فأبى الرجل إلاّ القصاص فاستنظره فأنظره عمر فهرب إلى/ الروم وتنصر.
وتفسير المحبة قد مر في سورة البقرة في قوله: ﴿ يحبونهم كحب الله ﴾ وإنما قدم محبته على محبتهم لأن محبتهم إياه نتيجة محبته الأزلية إياهم فتلك أصل وهذه فرع.
والراجع من الجزاء إلى الاسم المتضمن للشرط محذوف معناه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم غيرهم ﴿ أذلة ﴾ جمع ذليل لأن ذلولاً من الذل نقيض الصعوبة لا يجمع على أذلة وإنما يجمع على ذلل.
وليس المراد أنهم مهانون عند المؤمنين بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق ولين الجانب، فإن من كان ذليلاً عند إنسان فإنه لا يظهر الكبر والترفع ألبتة.
ولتضمين الذل معنى الحنو العطف عدّي بعلى دون اللام كأنه قيل: عاطفين عليهم.
أو المراد أنهم مع شرفهم واستعلاء حالهم واستيلائهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم ليضموا إلى منصبهم فضيلة التواضع ﴿ أعزة على الكافرين ﴾ يظهرون الغلظة والترفع عليهم من عزه يعزه إذا غلبه ونحو هذه الآية قوله: ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم ﴾ أما الواو في قوله: ﴿ ولا يخافون ﴾ فإما أن تكون للحال أي يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين حيث يخافون لومة أوليائهم اليهود، وإما أن تكون للعطف كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام *** أي هم الجامعون بين المجاهدة لله وبين الصلابة في الدين إذا شرعوا في أمر من أمور الدين، لا يرعبهم اعتراض معترض.
وفي وحدة اللوم وتنكير اللائم مبالغتان كأنه قيل: لا يخافون شيئاً قط من لوم أحد من اللوام ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من نعوت الكمال من المحبة والذلة وغيرها ﴿ فضل الله ﴾ إحسانه وتوفيقه.
قالت الأشاعرة: إنه صريح في أن الأعمال مخلوقة لله .
والمعتزلة حملوه على فعل الألطاف.
وضعف بأن اللطف عام في حق الكل فلا بد للتخصيص من فائدة ﴿ والله واسع عليم ﴾ تام القدرة كامل العلم يعلم أهل الفضل فيؤتيهم الفضل.
واعلم أن للمفسرين خلافاً في أن القوم المذكورين في الآية من هم.
قال الحسن وقتادة والضحاك وابن جريج: هم أبو بكر وأصحابه لأنهم الذين قاتلوا أهل الردة.
وقال السدي: نزلت في الأنصار.
وقال مجاهد: هم أهل اليمن لأنها لما نزلت أشار النبي إلى أبي موسى الأشعري, وقال: هم قوم هذا.
وقال آخرون: هم الفرس لما روي "أنه سئل عن هذه الآية فضرب يده على عاتق سلمان وقال: هذا وذووه ثم قال: لو كان الدين معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس" .
وقالت الشيعة: نزلت في علي وكرّم الله وجهه لما روي أنه دفع الراية إلى علي يوم خيبر وكان قد قال: لأدفعن الراية إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ولأن ما بعد هذه الآية نازلة فيه باتفاق أكثر المفسرين قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهب الإمامية لأن الذين اتفقوا على إمامة أبي بكر، لو كانوا أنكروا نصاً جلياً على إمامة علي لكان كلهم مرتدين ثم لجاء الله بقوم تحاربهم وتردهم إلى الحق.
ولما لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضد فإن فرقة الشيعة مقهورون أبداً حصل الجزم بعدم النص.
ولناصر مذهب الشيعة أن يقول: ما يدريك أنه لا يجيء بقوم تحاربهم، ولعل المراد بخروج المهدي هو ذلك فإن محاربة من دان بدين الأوائل هي محاربة الأوائل وهذا إنما ذكرته بطريق المنع لا لأجل العصبية والميل فإن اعتقاد ارتداد الصحابة الكرام أمر فظيع والله أعلم.
ثم إنه لما نهى في الآي المتقدمة عن موالاة الكفار أمر بعد ذلك بموالاة من يحق موالاته فقال: ﴿ إنما وليكم ﴾ ولم يقل أولياؤكم ليعلم أن ولاية الله أصل والباقي تبع ﴿ الله ورسوله والذين آمنوا ﴾ وفيه قولان: الأول أن المراد عامة المؤمنين لأنّ الآية نزلت على وفق ما مر من قصة عبادة من الصامت.
وروي أيضاً أن عبد الله بن سلام قال: يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل فنزلت هذه الآية.
فقالوا: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء.
ثم قال: ﴿ الذين يقيمون الصلاة ﴾ ومحله رفع على البدل أو على هم الذين يقيمون، أو نصب بمعنى أخص أو أعني وفي الكل مدح والغرض تميز المؤمن المخلص عمن يدعي الإيمان نفاقاً ومعنى ﴿ وهم راكعون ﴾ قال أبو مسلم: أي منقادون خاضعون لأوامر الله ونواهيه.
وقيل: المراد ومن شأنهم إقامة الصلاة وخص الركوع بالذكر لشرفه.
وقيل: إنّ الصحابة كانوا عند نزول الآية مختلفين في هذه الصفات منهم من قد أتم الصلاة ومنهم من دفع المال إلى الفقير ومنهم من كان بعد الصلاة راكعاً فنزلت الآية على وفق أحوالهم.
القول الثاني أن المراد شخص معين وجيء به على لفظ الجمع ليرغب الناس في مثل فعله.
ثم إن ذلك الشخص من هو؟
روى عكرمة أنه أبو بكر وروى عطاء عن ابن عباس أنه علي .
روي أن عبد الله بن سلام قال: "لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله أنا رأيت علياً تصدق بخاتمه على محتاج وهو راكع فنحن نتولاه" .
وروي عن أبي ذر أنه قال: " صليت مع رسول الله يوماً صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء.
وقال: اللهم أشهد أني سألت في مسجد الرسول فما أعطاني أحد شيئاً وعليّ كان راكعاً فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم فرآه النبي فقال: اللهم إن أخي موسى سألك فقال: ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ إلى قوله: ﴿ وأشركه في أمري ﴾ فأنزلت قرآناً ناطقاً ﴿ سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً ﴾ اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي علياً اشدد به أزري.
قال أبو ذر: فوالله ما أتم رسول الله هذه الكلمة حتى نزل جبريل فقال: يا محمد اقرأ ﴿ إنما وليكم الله ﴾ الآية" .
فاستدلت الشيعة بها على أن الإمام بعد رسول الله هو علي بن أبي طالب لأن الولي هو الوالي المتصرف في أمور الأمة، وأنه علي برواية أبي ذر وغيره.
وأجيب بالمنع من أن الولي ههنا هو المتصرف بل المراد به الناصر والمحب لأن الولاية المنهي عنها فيما قبل هذه الآية، وفيما بعدها هي بهذا المعنى فكذا الولاية المأمور بها.
وأيضاً إن علياً لم يكن نافذ التصرف حال نزول الآية وإنها تقتضي ظاهراً أن تكون الولاية حاصلة في الحال.
وأيضاً إطلاق لفظ الجمع على الواحد لأجل التعظيم مجاز والأصل في الإطلاق الحقيقة، فالمراد بالذين آمنوا عامة المؤمنين وأن بعضهم يجب أن يكون ناصراً لبعض كقوله: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ﴾ وأيضاً الآية المتقدمة نزلت في أبي بكر كما مر من أنه هو الذي حارب المرتدين فالمناسب أن تكون هذه أيضاً فيه.
ثم إن علي بن أبي طالب كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الإمامية فلو كانت الآية دالة على إمامة عليّ لاحتج بها كما احتج بما ينقلون عنه أنه تمسك يوم الشورى بخبر الغدير وخبر المباهلة وجميع مناقبه وفضائله.
وهب أنها دالة على إمامته لكنه ما كان نافذ التصرف في حياة رسول الله فلم يبق إلا أنه سيصير إماماً ونحن نقول بموجبه ولكنه بعد الشيوخ الثلاثة.
ومن أين قلتم إنها تدل على إمامته بعد رسول الله من غير فصل؟
وأيضاً إنهم كانوا قاطعين بأن المتصرف فيهم هو الله ورسوله فلا حاجة بهم إلى ذكر ذلك.
فالمراد بقوله: ﴿ إنما وليكم الله ورسوله ﴾ أن من كان الله ورسوله ناصرين له فأي حاجة به إلى طلب النصرة والمحبة عن غيره، وإذا كان الولي مستعملاً بمعنى النصرة مرة امتنع أن يراد به معنى المتصرف لأنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه معاً فكأنه قسم المؤمنين قسمين وجعل أحدهما أنصاراً للآخر.
وأيضاً الزكاة اسم للواجب لا للمندوب، ومن المشهور أن علياً ما كان يجب عليه الزكاة، ولو سلم فاللائق بحاله أن يكون في الصلاة مستغرق القلب بالله فلا يتفرغ لاستماع كلام السائل ولا إلى دفع الخاتم إليه لأنه عمل كثير، اللهم إلا أن يكون الخاتم سهل المأخذ أو كان قد أومأ به إلى السائل فأخذه السائل.
والحق أنه إن صحت الرواية فللآية دلالة قوية على عظم شأن/ علي ، والمناقشة في أمثال ذلك تطويل بلا طائل إلا أن أصحاب المذاهب لما تكلموا فيها أوردنا حاصل كلامهم على سبيل الاختصار ﴿ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله ﴾ من إقامة المظهر مقام المضمر تشريفاً.
والمراد فإنهم هم الغالبون.
حزب الرجل أصحابه المجتمعون لأمر حزبهم.
وقال الحسن: جند الله.
أبو روق: أولياء الله.
أبو العالية: شيعة الله.
وقيل: أنصار الله.
الأخفش: هم الذين يدينون بدينه ويطيعونه فينصرهم.
صاحب الكشاف: يحتمل أن يراد بحزب الله الرسول والمؤمنون أي ومن يتولهم فقد تولى حزب الله واعتضد بمن لا يغالب.
ثم عمم النهي عن موالاة جميع الكفار فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ﴾ عن ابن عباس: كان رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، فكان رجال من المسلمين يوادّونهما فنزلت، يعني أن اتخاذهم دينكم هزواً ولعباً ينافي اتخاذكم إياهم أولياء بل يجب أن يقابل ذلك بالشنآن والبغضاء.
وإنما عطف الكفار على أهل الكتاب مع أن أهل الكتاب أيضاً كفار والعطف يقتضي المغايرة، لأنه أراد بالكفار المشركين الوثنيين خاصة لما أن كفرهم أغلظ فكانوا أحق باسم الكفر.
ومعنى تلاعبهم بالدين واستهزائهم به إظهارهم ذلك باللسان دون مواطأة الجنان.
﴿ واتقوا الله ﴾ في موالاة الكفار ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ حقاً لأن الإيمان الحقيقي يأبى موالاة أعداء الدين.
قال الكلبي: "كان منادي رسول الله إذا نادى إلى الصلاة فقام المسلمون إليها قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا صلوا لا صلوا ركعوا لا ركعوا على طريق الاستهزاء والضحك فنزل ﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها ﴾ " أي الصلاة والمناداة.
وهذا بعض ما اتخذوه من هذا الدين هزواًَ ولعباً، فلهذا أردفه بالآية المقدمة الكلية.
وقال السدي: "نزلت في رجل من النصارى بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله.
قال: حرق الكاذب.فدخل خادمه بنار ذات ليلة وهو نائم وأهله نيام فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله" .
وقال آخرون: "إن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا رسول الله والمسلمين على ذلك فدخلوا على رسول الله فقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئاً لم نسمع به فيما مضى من الأمم الخالية.
فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت من هذا الأذان الأنبياء قبلك، ولو كان في هذا الأمر خير كان أولى الناس به الأنبياء والرسل قبلك، فمن أين لك صياح كصياح العنز؟
فما أقبح من صوت وما أسمج من أمر.
فأنزل الله هذه الآية" ، وأنزل: ﴿ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ﴾ قال بعض العلماء: فيه دليل على ثبوت الآذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده.
وأقول: لو قيل إن أصل الأذان بالمنام والتقرير بنص الكتاب كان اصوب ذلك الاتخاذ.
﴿ بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ ما في الصلاة من المنافع لأنها التوجه إلى الخالق والاشتغال بخدمة المعبود، أو لا يفهمون ما في اللعب والهزء من السفه/ والجهل.
قال بعض الحكماء: أشرف الحركات الصلاة وأنفع السكنات الصيام.
التأويل: ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ﴾ أي بالحقيقة لأنه أنزل على قلبه وأنزل سائر الكتب في الألواح والصحف فلهذا كان خلقه القرآن.
وكان مهيمناً على جميع الكتب تصديقاً عيانياً لا بيانياً بحيث يشاهد قلب المنزل عليه بنوره حقائق جميع الكتب وأسرارها بخلاف ما أنزل في الألواح فإن الألواح لا تشهد ولا تشاهد حقائق الكتب ومعانيها ﴿ لكل جعلنا منكم ﴾ معاشر الأنبياء ﴿ شرعة ﴾ يشرع فيها بالبيان ﴿ ومنهاجاً ﴾ يسلك فيه بالعيان ﴿ ولكن ليبلوكم ﴾ أيها الأمم ﴿ فيما آتاكم ﴾ من البيات والتبيان والحجج والبرهان والعزة والسلطان، فابتلاكم بزينة الدنيا واتباع الهوى ونيل المنى والرفعة بين الورى والنجاة في العقبى ليهتدي التائبون بالبيان، ويستفيد العاملون بالبرهان، ويحكم العارفون بالسلطان بل يقصد الزاهدون برفض الدنيا ويقدم العابدون بنهي الهوى، ويسلك المشتاقون بنفي المنى، ويجذب العارفون بترك الورى، ويسلب الواصلون بالسلو عن الدنيا والعقبى ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ من هذه المقامات ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ اختياراً بقدم الصدق أو اضطراراً بحلول الأجل ﴿ فإن تولوا ﴾ عن قبول الحق ﴿ فاعلم ﴾ بمطالعة القضاء ﴿ أنما يريد الله ﴾ في حكم القدر ﴿ أن يصيبهم ﴾ مصيبة الإعراض ﴿ ببعض ذنوبهم ﴾ وهو الاعتراض، فإن الحق يلزم بشرط التكاليف ويقدمهم ويؤخرهم بعين التصريف.
فالتكليف فيما أوجب والتصريف فيما أوجدوا العبرة بالإيجاد لا بالإيجاب ﴿ لفاسقون ﴾ لخارجون عن جذبات العناية ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ أيطلبون منك أن تحيد عن المحجة المثلى بعد ما طلعت شموس الدنيا وسطعت براهين اليقين وانهتكت أستار الريب واستنار القلب بأنوار الغيب ﴿ يسارعون فيهم ﴾ لأن شبيه الشيء منجذب إليه ﴿ أن يأتي بالفتح ﴾ فتح عيون القلوب ﴿ أو أمر من عنده ﴾ وهو الجذبة التي توازي عمل الثقلين ﴿ ويقول الذين آمنوا ﴾ بأنوار الغيوب في أستار القلوب ﴿ فأصبحوا خاسرين ﴾ بإبطال الاستعداد الفطري.
﴿ بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ هم أرباب السلوك أفناهم عنهم بسطوات يحبهم ثم أبقاهم به عند هبوب نفحات يحبونه، فإن محبة الله للعبد إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية، ومحبة العبد بصفته ذاته أزلاً وهي الإرادة القديمة الناسوتية.
والشيخ نجم الدين الرازي المعروف بداية قد عكس القضية، فلعله فهم غير ما فهمنا.
ثم قال إنه يحب العبد بصفته ذاته أزلاً وهي الإرادة القديمة المخصوصة بالغاية، والعبد يحب الله بذات تلك الصفة أبداً ﴿ أذلة على المؤمنين ﴾ لارتفاع الأنانية ﴿ أعزه على الكافرين ﴾ ببقاء اللاهوتية وإثبات الوحدانية ﴿ يجاهدون في سبيل الله ﴾ في طلب الحق في البداية ببذل الوجود ﴿ ولا يخافون لومة لائم ﴾ عند غلبات الوجد في/ الوسط لدوام الشهود ذلك يعني صدق الطلب في البداية وغلبات الوجد في الوسط والاختصاص بالمحبة في النهاية ﴿ والله واسع ﴾ كرمه قادر على أن يتفضل على كل أحد لكنه ﴿ عليم ﴾ بحال كل أحد فلا يتفضل إلا على من يستأهله.
﴿ يقيمون الصلاة ﴾ يديمونها مراقبين حقوقها في الباطن بمراعاة السر ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ ما زكى من وجودهم وهو الفناء في الله ﴿ وهم راكعون ﴾ راجعون إلى الله بانحطاط.
فمن قيام البشرية إلى قيام القيومية هم الغالبون على أهوائهم وأنفسهم والدنيا والشيطان ﴿ الذين اتخذوا دينكم ﴾ يعني أهل الغفلة والسلو المستهزئين بأهل المحبة والقرب ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ أي العلوم الظاهرة والكفار يعني الفلاسفة ومقلديهم لأنهم بمعزل عن العلوم اللدنية والكشفية ﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة ﴾ دعوتموهم إلى محل القرب والنجوى ولا يعقلون بالوهم والخيال لذاذة شهود ذلك الجمال.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .
قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ .
قد ذكرناه، أيضاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ .
عن ابن عباس - - قال: مؤتمنا عليه.
والكسائي قال: المهيمن: الشهيد، وقيل: الرقيب على الشيء، قال: هيمن فلان على هذا الأمر؛ فهو مهيمن، إذا كان كالحافظ له والرقيب عليه.
وعن الحسن قال: ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ مصدقاً بهذه الكتب، وأميناً عليها.
والقتبي قال: أميناً عليه.
وأبو عوسجة قال: مسلطاً عليه.
وقيل: مفسراً يفسر التفسير.
وقال أبو بكر الكيساني: قوله: ﴿ وَمُهَيْمِناً ﴾ هي كلمة مأخوذة من كتبهم معربة، غير مأخوذة من لسان العرب.
وفيه إثبات رسالته ، وتأويله: هو شاهد وحافظ على غيره من الكتب، ومصدقاً لها أنها من عند الله نزلت سوى ما غيروا فيها وحرفوا؛ ليميز المغير منها والمحرف من غير المغير والمحرف.
قال ابن عباس - - ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ ، يعني: القرآن شاهد على الكتب كلها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ﴾ من الرجم في الزاني الثيب، على ما ذكر في بعض القصة: أنهم رفعوا إلى رسول الله في الزاني والزانية منهم، فطلبوا منه الجلد، وكان في كتبهم الرجم.
﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ قولهم: ﴿ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ .
أو أن يقال: احكم بينهم بما أنزل الله من القتل؛ لأنه ذكر في بعض القصة أن بني قريظة كانوا يرون لأنفسهم فضيلة على بني النضير، وكانوا إذا قتلوا منهم أحداً لم يعطوهم القود ولكن يعطوهم الدية، وإذا قتلوا هم أحداً منهم لم يرضوا إلا القود؛ فأنزل الله - -: ﴿ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ﴾ وهو القتل، ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ في تركهم القود، وإعطائهم الدية، والله أعلم بالقصة أن كيف كانت، وليس بنا إلى معرفة القصة ومائيتها حاجة، بعد أن نعرف ما أودع فيه وأدرج من المعاني.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً...
﴾ \[الآية\].
فإن قيل: كيف نهاه عن اتباع أهوائهم، وقد أخبر - عز وجل -: أنه جعل لكل شرعة ومنهاجا، وقد يجوز أن يكون ما هو هواهم شريعة لهم؟!: قيل: يحتمل النهي عن اتباع هواهم؛ لما يجوز أن يهووا الحكم بشريعة قد نسخ الحكم بها لما اعتادوا العمل بها؛ فالعمل بالمعتاد من الحكم أيسر فهووا ذلك.
أو كان ما نسخ أخف؛ فيهوون ذلك؛ فنهاه عن اتباع هواهم؛ لأنه العمل بالمنسوخ والعمل بالمنسوخ حرام.
أو أن هووا في بعضٍ على غير ما شرع، وفي بعضٍ: ما شرع، فإنما نهي عن اتباع هواهم بما لم يشرع، والله أعلم.
وقوله - -: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾ ، وليس في نسخ شريعة بشريعة خروج عن الحكمة [عند] من عرف النسخ؛ لأن النسخ بيان منتهي الحكم إلى وقت ليس على ما فهمت اليهود من البداء والرجوع عما كان، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم ما فيه مقنع بحمد الله وَمَنِّهِ.
[وقوله - عز وجل -: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾ ].
قال ابن عباس - -: "الشرعة: هي السبيل، وهي الشريعة، وجمعها: شرائع، وبها سميت شرائع الإسلام، وكل شيء شرعت فيه فهو شريعة.
وقال: "المنهاج: السنة، [والشرعة: هي السبيل"].
وقيل: الشرعة: السنة، والمنهاج: السبيل، يعني: الطريق الواضح الذي يتضح لكل سالك فيه إلا المعاند والمكابر؛ فإنه يترك السلوك فيه مكابرة، يخبر - عز وجل، والله أعلم - أنه لم يترك الناس حيارى لم يبين لهم الطريق الواضح يسلكون فيه؛ بل بيَّن لهم ما يتضح لهم إن لم يعاندوا؛ ليقطع عليهم العذر والحجاج، وإن لم يكن لهم حجاج، وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ .
اختلف فيه، قيل: لو شاء الله، لجعلكم جميعا على شريعة واحدة، لا تنسخ بشريعة أخرى، لكن نسخ شريعة بشريعة أخرى؛ لفضل امتحان، ولله أن يمتحن عباده بمحن مختلفة، كيف شاء بما شاء.
وقيل: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ، أي: على دين واحد، وهو دين الإسلام، لم يجعل كافراً ولا مشركاً، ولكن امتحنكم بأديان مختلفة على ما تختارون وتؤثرون، ثم اختلف في المشيئة: قالت المعتزلة: هي مشيئة الجبر والقسر.
وقال أصحابنا: المشيئة مشيئة الاختيار، وقد ذكرناها في غير موضع.
وقوله: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ﴾ .
قيل: سابقوا يا أمة محمد الأمم كلها بالخيرات.
ويحتمل قوله: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ﴾ .
أي: سابقوا إلى ما به تستوجبون المغفرة؛ كقوله: ﴿ سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
وأصل قوله: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ﴾ ، أي: اعملوا الخيرات؛ كقوله: ﴿ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً...
﴾ الآية [سبأ: 11].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ .
نهى رسوله - - أن يتبع أهواءهم - على العلم: أنه لا يتبع أهواءهم - والوجه فيما ما ذكرنا: أن العصمة لا تمنع النهي؛ بل تؤيد، وقد ذكرنا فيما تقدم.
ويحتمل أن يرجع النهي إلى غيره، ويراد بالنهي والأمر: غير المخاطب به؛ على ما ذكرنا من عادة الملوك: أنهم إذا خاطبوا، خاطبوا من هو أجل عندهم وأعظم قدراً، وأرفع منزلة؛ فعلى ذلك هذا.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ فيما غيروا وبدلوا؛ هذا يحتمل.
ويحتمل ألا تتبع أهواءهم: فيما طلبوا منك من الجلد مكان الرجم، أو الدية مكان القصاص؛ لما رأى بنو النضير لأنفسهم من الفضل على بني قريظة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ .
قوله: ﴿ أَن يَفْتِنُوكَ ﴾ ، أي: يصدوك عن الحكم ببعض ما أنزل الله إليك، والفتنة هي المحنة، وهي تتوجه إلى وجوه، وقد ذكرنا الوجوه فيه فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾ .
[قوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ : فإن أعرضوا] عن الحكم الذي تحكم بما أنزل الله؛ ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: إنما يعذبهم الله ببعض ذنوبهم، لا يعذبهم بجميع ذنوبهم.
وقال آخرون: عذاب الدنيا عذاب ببعض الذنوب، ليس هو عذاباً بكل الذنوب؛ لأنه لا يدوم، وأما في الآخرة: فإنهم يعذبون بجميع ذنوبهم؛ لأن عذاب الآخرة دائم؛ فهو عذاب بجميع الذنوب، وعذاب الدنيا زائل؛ فهو عذاب ببعض الذنوب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ .
قال بعضهم: هذا صلة قوله: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ ؛ فقال الله - عز وجل -: ﴿ أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ .
وقال آخرون: روي عن ابن عباس - - يقول: فحكمهم في الجاهلية يبغون عندك يا محمد في القرآن.
يعني: بني النضير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً ﴾ .
أي: لا أحد أحسن من الله حكماً، على إقرارهم أن الله إذا حكم لا يحكم إلا بالعدل.
<div class="verse-tafsir"
أَيُعْرضون عن حكمك طالبين حكم أهل الجاهلية من عبدة الأوثان الذين يحكمون تبعًا لأهوائهم؟!
فلا أحد أحسن حكمًا من الله عند أهل اليقين الذين يعقلون عن الله ما أنزل على رسوله، لا أهل الجهل والأهواء الذين لا يقبلون إلا ما يوافق أهواءهم وإن كان باطلًا.
من فوائد الآيات الأنبياء متفقون في أصول الدين مع وجود بعض الفروق بين شرائعهم في الفروع.
وجوب تحكيم شرع الله والإعراض عمّا عداه من الأهواء.
ذم التحاكم إلى أحكام أهل الجاهلية وأعرافهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.LeMW2"