الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٤٩ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 101 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٩ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ) تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك ، والنهي عن خلافه .
ثم قال [ تعالى ] ( واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) أي : احذر أعداءك اليهود أن يدلسوا عليك الحق فيما ينهونه إليك من الأمور ، فلا تغتر بهم ، فإنهم كذبة كفرة خونة .
( فإن تولوا ) أي : عما تحكم به بينهم من الحق ، وخالفوا شرع الله ( فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ) أي : فاعلم أن ذلك كائن عن قدر الله وحكمته فيهم أن يصرفهم عن الهدى لما عليهم من الذنوب السالفة التي اقتضت إضلالهم ونكالهم .
( وإن كثيرا من الناس لفاسقون ) أي : أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم ، مخالفون للحق ناؤون عنه ، كما قال تعالى : ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) [ يوسف : 103 ] .
وقال تعالى : ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) [ الآية ] [ الأنعام : 116 ] .
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس قال : قال كعب بن أسد وابن صلوبا وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه!
فأتوه ، فقالوا : يا محمد ، إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم ، وإنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا ، وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك ، فتقضي لنا عليهم ، ونؤمن لك ، ونصدقك!
فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل فيهم : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) إلى قوله : ( لقوم يوقنون ) رواه ابن جرير وابن أبي حاتم .
القول في تأويل قوله عز ذكره : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وأن احكم بينهم بما أنـزل الله "، وأنـزلنا إليك، يا محمد، الكتابَ مصدقًا لما بين يديه من الكتاب، وأنِ احكم بينهم= فـ" أن " في موضع نصب بـ" التنـزيل ".
* * * ويعني بقوله: " بما أنـزل الله "، بحكم الله الذي أنـزله إليك في كتابه.
* * * وأما قوله: " ولا تتبع أهواءهم "، فإنه نهيٌ من الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يتّبع أهواء اليهود الذين احتكموا إليه في قتيلهم وفاجِرَيْهم، (33) وأمرٌ منه له بلزوم العمل بكتابه الذي أنـزله إليه.
* * * وقوله: " واحذرهم أن يفتِنُوك عن بعض ما أنـزل الله إليك "، يقول تعالى ذكره لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: واحذر، يا محمد، هؤلاء اليهود الذين جاءوك محتكمين إليك=" أن يفتنوك "، فيصدُّوك عن بعض ما أنـزل الله إليك من حكم كتابه، فيحملوك على ترك العمل به واتّباع أهوائهم.
(34) * * * وقوله: " فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم "، يقول تعالى ذكره: فإن تولى هؤلاء اليهود الذين اختصموا إليك عنك، فتركوا العمل بما حكمت به &; 10-393 &; عليهم وقضيت فيهم (35) " فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم "، يقول: فاعلم أنهم لم يتولوا عن الرضى بحكمك وقد قضيت بالحقّ، إلا من أجل أن الله يريد أن يتعجّل عقوبتهم في عاجل الدنيا ببعض ما قد سلف من ذنوبهم (36) =" وإن كثيرًا من الناس لفاسقون "، يقول: وإن كثيرًا من اليهود=" لفاسقون "، يقول: لتاركُو العمل بكتاب الله، ولخارجون عن طاعته إلى معصيته.
(37) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الروايةُ عن أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: 12150 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسد، وابن صوريا وشأس بن قيس، (38) بعضُهم لبعضٍ: اذهبوا بنا إلى محمد، لعلّنا نفتنه عن دينه!
فأتوه فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أنَّا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنَّا إن اتّبعناك اتّبعنا يهود ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين قومِنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدقك!
فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله فيهم: " وأنِ احكم بينهم بما أنـزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتِنُوك عن بعض ما أنـزل الله إليك "، إلى قوله: لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ .
(39) 12151 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنـزل الله إليك "، قال: أن يقولوا: " في التوراة كذا "، وقد بينَّا لك ما في التوراة.
وقرأ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [سورة المائدة: 45]، بعضُها ببعضٍ.
12152 - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: دخل المجوسُ مع أهل الكتاب في هذه الآية: " وأن احكم بينهم بما أنـزل الله ".
----------------- الهوامش : (33) قوله: "وفاجريهم" ، يعني اليهودي واليهودية اللذان زنيا ، فرجمها صلى الله عليه وسلم.
(34) انظر تفسير"الفتنة" فيما سلف 10: 317 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(35) انظر تفسير"تولى" فيما سلف 10: 336 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(36) انظر تفسير"الإصابة" فيما سلف 8: 514 ، 538 ، 540 ، 555.
(37) انظر تفسير"الفسق" فيما سلف 10: 393 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(38) في ابن هشام: "وابن صلوبا ، وعبد الله بن صوريا".
(39) الأثر: 12150- سيرة ابن هشام 2: 216 ، وهو تابع الأثر السالف رقم: 11974.
قوله تعالى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون[ ص: 154 ] قوله تعالى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله تقدم الكلام فيها ، وأنها ناسخة للتخيير .
قال ابن العربي : وهذه دعوى عريضة ; فإن شروط النسخ أربعة : منها معرفة التاريخ بتحصيل المتقدم والمتأخر ، وهذا مجهول من هاتين الآيتين ; فامتنع أن يدعى أن واحدة منهما ناسخة للأخرى ، وبقي الأمر على حاله .قلت : قد ذكرنا عن أبي جعفر النحاس أن هذه الآية متأخرة في النزول ; فتكون ناسخة إلا أن يقدر في الكلام وأن احكم بينهم بما أنزل الله إن شئت ; لأنه قد تقدم ذكر التخيير له ، فآخر الكلام حذف التخيير منه لدلالة الأول عليه ; لأنه معطوف عليه ، فحكم التخيير كحكم المعطوف عليه ، فهما شريكان وليس الآخر بمنقطع مما قبله ; إذ لا معنى لذلك ولا يصح ، فلا بد من أن يكون قوله : وأن احكم بينهم بما أنزل الله معطوفا على ما قبله من قوله : وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ومن قوله : فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم فمعنى وأن احكم بينهم بما أنزل الله أي احكم بذلك إن حكمت واخترت الحكم ; فهو كله محكم غير منسوخ ، لأن الناسخ لا يكون مرتبطا بالمنسوخ معطوفا عليه ، فالتخيير للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك محكم غير منسوخ ، قاله مكي رحمه الله .
وأن احكم في موضع نصب عطفا على الكتاب ; أي : وأنزلنا إليك أن احكم بينهم بما أنزل الله ، أي : بحكم الله الذي أنزله إليك في كتابه .
ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك أن بدل من الهاء والميم في واحذرهم وهو بدل اشتمال .
أو مفعول من أجله ; أي : من أجل أن يفتنوك ، وعن ابن إسحاق قال ابن عباس : اجتمع قوم من الأحبار منهم ابن صوريا وكعب بن أسد وابن صلوبا وشأس بن عدي وقالوا : اذهبوا بنا إلى محمد فلعلنا نفتنه عن دينه فإنما هو بشر ; فأتوه فقالوا : قد عرفت يا محمد أنا أحبار اليهود ، وإن اتبعناك لم يخالفنا أحد من اليهود ، وإن بيننا وبين قوم خصومة فنحاكمهم إليك ، فاقض لنا عليهم حتى نؤمن بك ; فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية ، وأصل الفتنة الاختبار حسبما تقدم ، ثم يختلف معناها ; فقوله تعالى هنا يفتنوك معناه يصدوك ويردوك ; وتكون الفتنة بمعنى الشرك ; ومنه قوله : والفتنة أكبر من القتل وقوله : [ ص: 155 ] وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ، وتكون الفتنة بمعنى العبرة ; كقوله : لا تجعلنا فتنة للذين كفروا .
و لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين : ، وتكون الفتنة الصد عن السبيل كما في هذه الآية ، وتكرير وأن احكم بينهم بما أنزل الله للتأكيد ، أو هي أحوال وأحكام أمره أن يحكم في كل واحد بما أنزل الله ، وفي الآية دليل على جواز النسيان على النبي صلى الله عليه وسلم ; لأنه قال : أن يفتنوك وإنما يكون ذلك عن نسيان لا عن تعمد .
وقيل : الخطاب له والمراد غيره ، وسيأتي بيان هذا في " الأنعام " إن شاء الله تعالى .
ومعنى عن بعض ما أنزل الله إليك عن كل ما أنزل الله إليك ، والبعض يستعمل بمعنى الكل قال الشاعر :أو يعتبط بعض النفوس حمامهاويروى أو يرتبط .
أراد كل النفوس ; وعليه حملوا قوله تعالى : ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه .
قال ابن العربي : والصحيح أن بعض على حالها في هذه الآية ، وأن المراد به الرجم أو الحكم الذي كانوا أرادوه ولم يقصدوا أن يفتنوه عن الكل ، والله أعلم .قوله تعالى : فإن تولوا أي : فإن أبوا حكمك وأعرضوا عنه .
فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم أي : يعذبهم بالجلاء والجزية والقتل ، وكذلك كان ، وإنما قال : ببعض لأن المجازاة بالبعض كانت كافية في التدمير عليهم .
وإن كثيرا من الناس لفاسقون يعني اليهود .
{ وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ْ} هذه الآية هي التي قيل: إنها ناسخة لقوله: { فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ْ} والصحيح: أنها ليست بناسخة، وأن تلك الآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم مخير بين الحكم بينهم وبين عدمه، وذلك لعدم قصدهم بالتحاكم للحق.
وهذه الآية تدل على أنه إذا حكم، فإنه يحكم بينهم بما أنزل الله من الكتاب والسنة، وهو القسط الذي تقدم أن الله قال: { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ْ} ودل هذا على بيان القسط، وأن مادته هو ما شرعه الله من الأحكام، فإنها المشتملة على غاية العدل والقسط، وما خالف ذلك فهو جور وظلم.
{ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ْ} كرر النهي عن اتباع أهوائهم لشدة التحذير منها.
ولأن ذلك في مقام الحكم والفتوى، وهو أوسع، وهذا في مقام الحكم وحده، وكلاهما يلزم فيه أن لا يتبع أهواءهم المخالفة للحق، ولهذا قال: { وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ْ} أي: إياك والاغترار بهم، وأن يفتنوك فيصدوك عن بعض ما أنزل [الله] إليك، فصار اتباع أهوائهم سببا موصلا إلى ترك الحق الواجب، والفرض اتباعه.
{ فَإِن تَوَلَّوْا ْ} عن اتباعك واتباع الحق { فَاعْلَمْ ْ} أن ذلك عقوبة عليهم وأن الله يريد { أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ْ} فإن للذنوب عقوبات عاجلة وآجلة، ومن أعظم العقوبات أن يبتلى العبد ويزين له ترك اتباع الرسول، وذلك لفسقه.
{ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ْ} أي: طبيعتهم الفسق والخروج عن طاعة الله واتباع رسوله.
قوله عز وجل : ) ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : قال كعب بن [ أسد ] وعبد الله بن [ صوريا ] وشاس بن قيس من رؤساء اليهود بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه ، فأتوه فقالوا يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وأنا إن اتبعناك لم يخالفنا اليهود ، وإن بيننا وبين الناس خصومات فنحاكمهم إليك فاقض لنا عليهم نؤمن بك ، ويتبعنا غيرنا ، ولم يكن قصدهم الإيمان ، وإنما كان قصدهم التلبيس ودعوته إلى الميل في الحكم فأنزل الله عز وجل الآية .
) ( فإن تولوا ) أي : أعرضوا عن الإيمان والحكم بالقرآن ، ( فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ) أي : فاعلم أن إعراضهم من أجل أن الله يريد أن يعجل لهم العقوبة في الدنيا ببعض ذنوبهم ، ( وإن كثيرا من الناس ) يعني اليهود ، ) ( لفاسقون )
«وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم» «أن» لا «يفتنوك» يضلوك «عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا» عن الحكم المنزل وأرادوا غيره «فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم» بالعقوبة في الدنيا «ببعض ذنوبهم» التي أتوها ومنها التولي ويجازيهم على جميعها في الأخرى «وإن كثيرا من الناس لفاسقون».
واحكم -أيها الرسول- بين اليهود بما أنزل الله إليك في القرآن، ولا تتبع أهواء الذين يحتكمون إليك، واحذرهم أن يصدُّوك عن بعض ما أنزل الله إليك فتترك العمل به، فإن أعرض هؤلاء عمَّا تحكم به فاعلم أن الله يريد أن يصرفهم عن الهدى بسبب ذنوبٍ اكتسبوها من قبل.
وإن كثيرًا من الناس لَخارجون عن طاعة ربهم.
وبعد أن تحدث - سبحانه - عن التوراة والإِنجيل وما فيهما من الهدى والنور ، وأمر باتباع تعاليمهما .
.
عقب ذلك بالحديث عن القرآن الكريم الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - :( وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق .
.
.
)قوله : ( وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب وَمُهَيْمِناً ) معطوف على قوله قبل ذلك ( إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة ) والمراد بالكتاب الأول : القرآن الكريم وأل فيه للعهد .والمراد بالكتاب الثاني : جنس الكتب السماوية المتقدمة فيشمل التوراة والإِنجيل وأل فيه للجنس وقوله ( وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ) أي : رقيبا على ما سبقه من الكتب السماوية المحفوظة من التغيير ، وأمينا وحاكما عليها؛ لأنه هو الذي يشهد لها بالصحة ويقرر أصول شرائعها .قال ابن جرير : وأصل الهيمنة الحفظ والارتقاب .
يقال : إذا رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده : قد هيمن فلان عليه .
فهو يهيمن هيمنة ، وهو عليه مهيمن .وقال صاحب الكشاف : وقرئ ( وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ) - بفتح الميم - أي هو من عليه بأن حفظ من التغيير والتبديل كما قال - تعالى - : ( لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ) والذي هيمن عليه هو الله - عز وجل .
أو الحفاظ في كل بلد ، لو حُرِّّف حرف منه أو حركة أو سكون لتنبه له كل أحد ، ولاشمأزوا ، رادين ومنكرين .والمعنى : لقد أنزلنا التوراة على موسى ، والإِنجيل على عيسى ، وأنزلنا إليك يا محمد الكتاب الجامع لكل ما اشتملت عليه الكتب السماوية من هدايات وقد أنزلناه ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل ، وجعلناه ( مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب ) أي : مؤيداً لما في تلك الكتب التي تقدمته : من دعوة إلى عبادة الله وحده ، و إلى التمسك بمكارم الأخلاق .
وجعلناه كذلك " مهيمنا عليها " أي : أمينا ورقيبا وحاكما عليها .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أشار إلى سمو مكانة القرآن من بين الكتب السماوية بإشارات من أهمها :أنه - سبحانه - لم يقل : وقفينا على آثارهم - أي على آثار الأنبياء السابقين - بمحمد صلى الله عليه وسلم وآتيناه القرآن .
كما قال في شأن عيسى ابن مريم ( وَقَفَّيْنَا على آثَارِهِم بِعَيسَى ابن مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة وَآتَيْنَاهُ الإنجيل ) إلخ .لم يقل ذلك في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وفي شأن القرآن الكريم ، وإنما قال : ( وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق ) للإِشارة إلى معنى استقلاله وعدم تبعيته لغيره من الكتب التي سبقته ، وللإِيذان بأن الشيعة التي هذا كتابها هي الشريعة الباقية الخالدة التي لا تقبل النسخ أو التغيير .وأنه - سبحانه - لم يزد في تعريف الكتاب الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم على تعريفه بلام العهد فقال : ( وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب ) للإِشارة إلى كماله وتفوقه على سائر الكتب .أي : أنه الكتاب الذي هو جدير بهذا الاسم ، بحيث إذا أطلق اسم الكتاب لا ينصرف إلا إليه لأنه الفرد الكامل من بين الكتب في هذا الوجود .وأنه - سبحانه - قد وصفه بأنه قد أنزله ملتبسا بالحق والصدق ، وأنه مؤيد ومقرر لما اشتملت عليه الكتب السماوية من الدعوة إلى الحق والخير ، وأنه - فضلا عن كل ذلك - أمين على تلك الكتب ، وحاكم عليها ، فما أيده من أحكامها وأقوالها فهو حق ، ومال مل يؤيده منها فهو باطل .قال ابن كثير : جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها ، جعله أشملها وأعظمها وأكملها ، لأنه - سبحانه - جمع فيه محاسن ما قبله من الكتب وزاد فيه من الكمالات ما ليس في غيره ، فلهذا جعله شاهداً وأمينا وحاكما عليها كلها ، وتكفل - سبحانه - بحفظه بنفسه فقال : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) وقوله : ( فاحكم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الحق ) أمر من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يتلزم في حكمه بين الناس الأحكام التي أنزلها - سبحانه - والفاء في قوله : ( فاحكم ) للإِفصاح عن شرط مقدر .أي : إذا كان شأن القرآن كما ذكرت لك يا محمد فاحكم بين هؤلاء اليهود وبين غيرهم من الناس بما أنزله الله من أحكام ، فإن ما أنزله هو الحق الذي لا باطل معه ، ولا تتبع في حكمك أهواء هؤلاء اليهود وأشباههم لأن أتباعك لأهواهئهم يجعلك منحرفا ومائلا عما جاءك من الحق الذي لا مرية فيه ولا ريب .
ولم يقل - سبحانه - " فاحكم بينهم به " بل ترك الضمير وعبر بالموصول فقال : ( فاحكم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ الله ) للتنبيه على عليه ما في حيز الصلة للحكم ، لأن الموصول إذا كان في ضمن حكم تكون الصلة هي علة الحكم .أي : التزم في حكمك بينهم بما يؤيده القرآن لأنه الكتاب الذي أنزله الله عليك .قال بعض العلماء : " وهذا يفيد أن اليهود الذين عاشروا النبي صلى الله عليه وسلم ومن جاءوا بعدهم مخاطبون بشريعة القرآن ، وأنه نسخ ما قبله من الشرائع إلا ما جاء النص بوجوب العمل به كالقصاص ، أو ما لم يثبت أنهن نسخ والمعول عليه في الحالين هو القرآن وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولقد روى أنه - عليه السلام - ذكر أن موسى لو كان حيا ما وسعه إلا الإِيمان به - عليه السلام .والضمير في قوله ، ( أهواءهم ) يعود إلى أولئك اليهود الذين كانوا يتحاكمون إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا بقصد الوصول إلى الحق ، وإنما بقصد الوصول إلى ما يسهل عليهم احتماله من أحكام .قال الآلوسي : والنهي يجوز أن يكون لمن لا يتصور منه وقوع المنهي عنه .
ولا يقال : كيف نهى صلى الله عليه وسلم عن اتباع أهوائهم ، وهو صلى الله عليه وسلم معصوم عن ارتكاب ما دون ذلك .وقيل الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد سائر الحكام .وقوله : ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ) استئناف جيء به لحمل أهل الكتاب على الانقياد لحكمه صلى الله عليه وسلم بما أنزل الله إليه من الحق .والشرعة والشريعة بمعنى واحد .
وهي في الأصل الطريق الظاهر الموصول للماء .
والمراد بها هنا ما اشتمل عليه الدين من أحكام تكليفية يجب العمل بها أمرا ونهيا وندبا وإباحة .
وسمي ما اشتمل عليه الدين من أحكام شريعة تشبيها بشريعة الماء .
من حيث إن كلا منهما سبب الحياة .
إذ أن الشريعة الدينية سبب في حياة الأرواح حياة معنوية .
كما أن الماء سبب في حياة الأرواح حياة مادية .والمنهاج : الطريق الواضح في الدين ، من نهج الأمر ينهج إذا وضح .
والعطف باعتبار جمع الأوصاف .قال بعضهم : هما كلمتان بمعنى واحد والتكرير للتأكيد .وقيل : ليستا بمعنى واحد .
فالشرعة ابتداء الطريق .
والمنهاج الطريق المستقيم .وقوله : ( منكم ) متعلق بمحذوف وقع صفة لما عوض عنه تنوين " كل " .أي : لكل أمة من الأمم الحاضرة والماضية وضعنا شرعة ومنهاجاً خاصين بها ، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى - عليهما السلام - كانت شرعتها ما في التوراة من أحكام .
والأمة التي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث محمد - عليهما الصلاة والسلام كانت شرعتها ما في الإِنجيل .
وأما هذه الأمة الإِسلامية فشريعتها ما في القرآن من أحكام ، لأنه مشتمل على ما جاء في الكتب السابقة عليه من أصول الدين وكلياته التي لا تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وزاد عليها ما يناسب العصر الذي نزل فيه ، والعصورا لتي تلت ذلك إلى يوم القيامة .وأهل الكتاب إنما أمروا بأن يتحاكموا إلى كتبهم قبل نسخها بالقرآن الكريم ، أما بعد نزوله ومجيء النبي صلى الله عليه وسلم خاتما للرسالات السماوية ، فقد أصبح من الواجب عليهم الدخول في الإِسلام ، واتباع رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم في كل ما أمر به أو نهى عنه ، وليس لأحد بعد بعثته صلى الله عليه وسلم إيمان مقبول إلا باتباعه وتصديقه في جميع أقواله وأعماله .والاختلاف في الشرائع إنما يكون فيما يتعلق ببعض الأوامر والنواهي ، وببعض وجوه الحلال والحرام ، وبغير ذلك من فروع الشريعة ، فقد يحرم الله شيئاً على قوم عقوبة لهم ، ويحله لقوم آخرين تخفيفا عنهم ، كما قال - تعالى - : ( وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الحوايآ أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ ذلك جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ ) وكما قال - تعالى - حكاية عن عيسى - عليه السلام - :( وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ) أما ما يتعلق بأصول الشريعة ، وجوهر الدين ، وأساس العقيدة كالأمر بعبادة الله وحده .والتحلي بمكارم الأخلاق ، فلا يتعلق به اختلاف في أي شريعة من الشرائع ، أو أي دين من الأديان .وقد تكلم عن هذا المعنى الإمام ابن كثير فقال : قوله : ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ) هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد .
كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات - أمهاتهم شتى - ودينهم واحد " يعني بذلك التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله ، وضمنه كل كتاب أنزله ، كما قال - تعالى - : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون ) وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراماً ثم يحل في الشريعة الأخرى .
كما قال - تعالى - في شأن شريعة عيسى : ( وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ) وبالعكس ، قد يكون الشيء حلالا في هذه الشريعة ثم يحرم فيي شريعة أخرى ، فيزداد في الشدة في هذه دون هذه ، وذلك لما له - تعالى - في ذلك من الحكمة البالغة ، والحجة الدامغة .وقال الآلوسي ما ملخصه : وقوله : ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ) الخطاب فيه - كما قال جماعة من المفسرين - للناس كافة الموجودين والماضين بطريق التغليب .
واستدل بالآية من ذهب إلى أننا غير متعبدين بشرائع من قبلنا ، لأن الخطاب يعم الأمم ، واللام للاختصاص فيكون لكل أمة دين يخصها .والتحقيق في هذا المقام أننا متعبدون بأحكام الشرائع السابقة من حيث إنها أحكام شريعتنا لا من حيث إنها شريعة للأولين .ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر قدرته ، وبالغ حكمته فقال : ( وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ولكن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم ) .ومفعول المشيئة هنا محذوف لدلالة الجزاء عليه .وقوله : ( ولكن لِّيَبْلُوَكُمْ ) متعلق بمحذوف يستدعيه المقام .والابتلاء : الاختبار والامتحان ليميز المطيع من المعاصي .والمعنى : لو شاء الله - تعالى - أن يجعل الأمم جميعا أمة واحدة تدين بدين واحد وبشريعة واحدة لفعل ، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك ، وإنما شاء أن يجعلكم أمما متعددة ليختبركم فيما آتاكم من شرائع مختلفة في بعض فروعها ولكنها متحدة في جوهرها وأصولها فيجازي من أطاعة بما يستحقه من ثواب؛ ويجازي من خالف أمره بما يستحقه من عذاب .وقوله : ( فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ) حض منه - سبحانه - لعباده على الاجتهاد في فعل الطاعات .أي إذا كان الأمر كماوصفت لكم .
فسارعوا إلى القيام بالأعمال الصالحة التي تسعدكم في الدنيا والآخرة ، وتنافسوا في تحصيلها بكل عزيمة ونشاط لتنالوا رضا الله - تعالى - وجزيل مثوبته .( فَاسْتَبِقُوا ) بمعنى فتسابقوا ، ولتضمنه معنى السبق والابتدار تعدي بنفسه من غير إلى كما في قوله - تعالى - ( واستبقا الباب ) أي : حاول كل واحد منهما الابتدار والوصول إلى الباب قبل الآخر .وقوله ( إلى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) استئناف مسوق مساق التعليل لاستباق الخيرات .وقوله ( فَيُنَبِّئُكُم ) أي فيخبركم والمراد بالإِنباء والإِخبار هنا المجازاة على الأعمال ، وإنا عبر عنها بالإِنباء لوقوعها موقع إزالة موقع إزالة الاختلاف التي هي وظيفة الأنبياء .أي : إلى الله وحده مصيركم ومرجعكم ، فيخبركم عند الحساب بما كنتم تختلفون فيه في الدنيا ، ويجازيكم بما تستحقون : فأما الذين آمنوا وعملوا الصلاحات فلهم منه - سبحانه - جزيل الثواب .
وأما الذين طغوا وآثروا الحياة الدنيا فلهم من شديد العقاب .ثم كرر - سبحانه - الأمر لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بين الهيود وغيرهم بما أنزله الله - تعالى - وحذره من مكرهم وكيدهم فقال : ( وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ الله إِلَيْكَ ) .أخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قال كعب بن أسد وابن صوريا وشاس بن قيس بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه : فأتوه فقالوا : يا محمد ، إنك قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وسادتهم ، وإنا إن اتبعناك اتبعك يهود ولم يخالفونا .
وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك فتقضى لنا عليهم ، ونؤمن لك ونصدق فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك .
فأنزل الله فيهم : ( وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ) .إلى قوله : ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) .وقوله : ( وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله ) في محل نصب عطفا على الكتاب في قوله : ( وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق ) .وقوله : ( أَن يَفْتِنُوكَ ) بدل اشتمال من المفعول في ( واحذرهم ) كأنه قيل : واحذر فتنتهم كما تقول : أعجبني زيد علمه .والمراد بالفتنة هنا محاولة إضلاله وصرفه عن الحكم بما أنزل الله .والمعنى : وأنزلنا إليك الكتاب يا محمد فيه حكم الله ، وأنزلنا إليك فيه أن أحكم بينهم بما أنزل الله ، ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ، واحذرهم أن يضلوك أو يصدوك عن بعض ما أنزلناه إليك ولو كان أقل قليل؛ بأن يصوروا لك الباطل في صورة الحق ، أو بأن يحاولوا حملك على الحكم الذي يناسب شهواتهم :وقد كرر - سبحانه - على نبيه صلى الله عليه وسلم وجوب التزامه في أحكامه بما أنزل الله ، لتأكيد هذا الأمر في مقام يستدعي التأكيد ، لأن اليهود كانوا لا يكفون عن محاولتهم فتنته صلى الله عليه وسلم وإغراءه بالميل إلى الأحكام التي تتفق مع أهوائهم ، ولأنه قد جاء في الآية السابقة ما قد يوهم بأن لكل قوم شريعة خاصة بهم ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ) وأن حكم القرآن ليس له صفة العموم فأراد - سبحانه - أن ينفي هذا الوهم نفيا واضحا وأن يؤكد أن شريعته القرآن هي الشريعة العامة الخالدة التي يجب أن يتحاكم إليها الناس في كل زمان ومكان ، لأنها نسخت ما سبقها من شرائع .وقوله - تعالى - ( واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ الله إِلَيْكَ ) تيئيس لأولئك اليهود الذين حاولوا إغراء الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقضي لهم بما يرضيهم لكي يرضيهم لكي يتبعوه ، ونهى له صلى الله عليه وسلم ولأتباعه عن الاستجابة لأهواء هؤلاء ولو في أقل القليل مما يتنافى مع الحق الذي أمره الله - تعالى - بالسير عليه في القضاء بين الناس .ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة كل من يعرض عن حكم الله - تعالى - فقال : ( فَإِن تَوَلَّوْاْ فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ) .أي : فإن توولا عن حكمك ، وأعرضوا عنك بعد تحاكمهم إليك وأرادوا الحكم بغير ما أنزل الله .
فاعلم أن حكمة الله قد اقتضت أن يعاقبهم بسبب بعض هذه الذنوب التي اقترفوها بتوليهم عن حكم الله ، وإعراضهم عنك ، وانصرافهم عن الهدى والرشاد إلى الغي والضلال ، لأن الأمة التي لا تخضع لحكم شرع الله ، وتسير وراء لذائذها ومتعها وشهواتها وأهوائها الباطلة ، لابد أن يصيبها العقاب الشديد بسبب ذلك .وعبر - سبحانه - عما يصيبهم من عقاب بأنه بسبب ارتكابهم لبعض الذنوب ، للإِشارة بأن لهم ذنوبا كثيرة بعضها كاف لإنزال العقوبة الشديدة بهم .وقوله : ( وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس لَفَاسِقُونَ ) اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله ، ومتضمن تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما لقيه من مخالفيه ولا سيما اليهود .أي : وإن كثيرا من الناس لخارجون عن طاعتنا ، ومتمردون على أحكامنا ، ومتبعون لخطوات الشيطان الذي استحوذ عليهم ، وإذا كان الأمر كذلك فلا تبتئس يا محمد عما لقيه من أصحاب النفوس المريضة ، بل اصبر حتى يحكم الله بينك وبينهم .
ثم قال تعالى: ﴿ وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله وَلاَ يَتَّبِعُ أَهْوَاءهُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: فإن قيل: قوله: ﴿ وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ ﴾ معطوف على ماذا؟
قلنا: على ﴿ الكتاب ﴾ في قوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب ﴾ كأنه قيل: وأنزلنا إليك أن أحكم و ﴿ أن ﴾ وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الأفعال، ويجوز أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ بالحق ﴾ أي أنزلناه بالحق وبأن أحكم، وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ ﴾ قد ذكرنا أن اليهود اجتمعوا وأرادوا إيقاعه في تحريف دينه فعصمه الله تعالى عن ذلك.
المسألة الثانية: قالوا: هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله: ﴿ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ .
المسألة الثالثة: أعيد ذكر الأمر بالحكم بعد ذكره في الآية الأولى إما للتأكيد، وإما لأنهما حكمان أمر بهما جميعاً، لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصن، ثم احتكموا في قتيل كان فيهم.
ثم قال تعالى: ﴿ واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ ﴾ .
قال ابن عباس: يريد به يردوك إلى أهوائهم، فإن كل من صرف من الحق إلى الباطل فقد فتن، ومنه قوله: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ ﴾ والفتنة هاهنا في كلامهم التي تميل عن الحق وتلقى في الباطل وكان صلى الله عليه وسلم يقول: أعوذ بك من فتنة المحيا قال هو أن يعدل عن الطريق.
قال أهل العلم: هذه الآية تدل على أن الخطأ والنسيان جائزان على الرسول، لأن الله تعالى قال: ﴿ واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ ﴾ والتعمد في مثل هذا غير جائز على الرسول، فلم يبق إلا الخطأ والنسيان.
ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ أي فإن لم يقبلوا حكمك ﴿ فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد يبتليهم بجزاء بعض ذنوبهم في الدنيا، وهو أن يسلطك عليهم، ويعذبهم في الدنيا بالقتل والجلاء، وإنما خصّ الله تعالى بعض الذنوب لأن القوم جوزوا في الدنيا ببعض ذنوبهم، وكان مجازاتهم بالبعض كافياً في إهلاكهم والتدمير عليهم، والله أعلم.
المسألة الثانية: دلت الآية على أن الكل بإرادة الله تعالى، لأنه لا يريد أن يصيبهم ببعض ذنوبهم إلا وقد أراد ذنوبهم، وذلك يدل على أنه تعالى مريد للخير والشر.
ثم قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الناس لفاسقون ﴾ لمتمردون في الكفر معتدون فيه، يعني أن التولي عن حكم الله تعالى من التمرد العظيم ولاعتداء في الكفر.
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: ﴿ وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ ﴾ معطوف على ماذا؟
قلت: على (الكتاب) في قوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب ﴾ كأنه قيل: وأنزلنا إليك أن احكم على أنّ (أن) وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الأفعال: ويجوز أن يكون معطوفاً على (بالحق) أي أنزلناه بالحق وبأن احكم ﴿ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ ﴾ أن يضلوك عنه ويستزلوك: وذلك: أن كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس من أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد نفتنه عن دينه، فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود، وأنا إن اتبعناك اتبعتنا اليهود كلهم ولم يخالفونا، وإنّ بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم، ونحن نؤمن بك ونصدّقك، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ عن الحكم بما أنزل الله إليك وأرادوا غيره ﴿ فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾ يعني بذنب التولي عن حكم الله وإرادة خلافه، فوضع ﴿ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾ موضع ذلك وأرادأنّ لهم ذنوباً جمة كثيرة العدد، وأنّ هذا الذنب مع عظمه بعضها وواحد منها، وهذا الإبهام لتعظيم التولي واستسرافهم في ارتكابه.
ونحو البعض في هذا الكلام ما في قول لبيد: أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا أراد نفسه: وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام، كأنه قال: نفساً كبيرة، ونفساً أيّ نفس، فكما أن التنكير يعطي معنى التكبير وهو معنى البعضية، فكذلك إذا صرح بالبعض ﴿ لفَاَسِقُونَ ﴾ لمتمرّدون في الكفر معتدون فيه، يعني أنّ التولي عن حكم الله من التمرّد العظيم والاعتداء في الكفر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى الكِتابِ أيْ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ والحُكْمَ، أوْ عَلى الحَقِّ أيْ أنْزَلْناهُ بِالحَقِّ وبِأنِ احْكُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً بِتَقْدِيرِ وأمَرْنا أنِ احْكُمَ.
﴿ وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهم واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ ﴾ أيْ أنَّ يُضِلُّوكَ ويَصْرِفُوكَ عَنْهُ، وأنْ بِصِلَتِهِ بَدَلٌ مِن هم بَدَلُ الِاشْتِمالِ أيِ احْذَرْ فِتْنَتَهُمْ، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ أيِ احْذَرْهم مَخافَةَ أنْ يَفْتِنُوكَ.
رُوِيَ « (أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ قالُوا: اذْهَبُوا بِنا إلى مُحَمَّدٍ لَعَلَّنا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ قَدْ عَرَفْتَ أنّا أحْبارُ اليَهُودِ وأنّا إنِ اتَّبَعْناكَ اتَّبَعَنا اليَهُودُ كُلُّهُمْ، إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا خُصُومَةً فَنَتَحاكَمُ إلَيْكَ فَتَقْضِي لَنا عَلَيْهِمْ ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ ونُصَدِّقُكَ، فَأبى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ فَنَزَلَتْ.» ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ عَنِ الحُكْمِ المُنَزَّلِ وأرادُوا غَيْرَهُ.
﴿ فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾ يَعْنِي ذَنْبَ التَّوَلِّي عَنْ حُكْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ لَهم ذُنُوبًا كَثِيرَةً وهَذا مَعَ عِظَمِهِ واحِدٌ مِنها مَعْدُودٌ مِن جُمْلَتِها، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى التَّعْظِيمِ كَما في التَّنْكِيرِ ونَظِيرُهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ جِمامُها ﴿ وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ ﴾ لَمُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ مُعْتَدُونَ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَأَنِ احكم} معطوف على بالحق أي وأنزلنا إليك الكتاب بالحق وبأن احكم {بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ واحذرهم أَن يفتنوك} أى يصرفوك وهو مفعلول له أي مخافة أن يفتنوك وإنما حذره وهو رسول مأمون لقطع أطماع القوم {عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ} عن الحكم بما أنزل الله اليكم وأرادوا غيره {فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} أي بذنب التولي عن حكم الله وإرادة خلافه فوضع ببعض ذنوبهم موضع ذلك وهذا الإبهام لتعظيم التولي وفيه تعظيم الذنوب فإن الذنوب بعضها مهلك
فكيف بكلها {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الناس لفاسقون} لخارجون عن أمر الله
﴿ وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى الكِتابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ، وقَوْلَنا: ( احْكم ) أيِ الأمْرُ بِالحُكْمِ لا الحُكْمُ؛ لِأنَّ المُنَزَّلَ الأمْرُ بِالحُكْمِ لا الحُكْمُ، ولِئَلّا يُلْزَمَ إبْطالُ الطَّلَبِ بِالكُلِّيَّةِ، ولَكَ أنْ تُقَدِّرَ الأمْرَ بِالحُكْمِ مِن أوَّلِ الأمْرِ مِن دُونِ إضْمارِ القَوْلِ، كَما حَقَّقَهُ في الكَشْفِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الحَقِّ، وفي المَحَلِّ وجْهانِ: الجَرُّ والنَّصْبُ، عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ وأمَرْنا أنِ احْكُمْ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ( أنْ ) هَذِهِ تَفْسِيرِيَّةٌ، ووَجَّهَهُ أبُو البَقاءِ بِأنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وأمَرْناكَ، ثُمَّ فُسِّرَ هَذا الأمْرُ بِالحُكْمِ، ومَنَعَ أبُو حَيّانَ مِن تَصْحِيحِهِ بِذَلِكَ بِأنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ مِن لِسانِهِمْ حَذْفُ المُفَسَّرِ بِـ( أنْ ) والأمْرُ كَما ذَكَرَ.
وقالَ الطِّيبِيُّ: ولَوْ جُعِلَ هَذا الكَلامُ عَطْفًا عَلى ( فاحْكم ) مِن حَيْثُ المَعْنى لِيَكُونَ التَّكْرِيرُ لِإناطَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ ﴾ كانَ أحْسَنَ، ورُدَّ بِأنَّ ( أنْ ) هي المانِعَةُ مِن ذَلِكَ العَطْفِ، وأمْرُ الإناطَةِ مُلْتَزَمٌ عَلى كُلِّ حالٍ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّما كُرِّرَ الأمْرُ بِالحُكْمِ؛ لِأنَّ الِاحْتِكامَ إلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً في زِنا المُحْصَنِ، ومَرَّةً في قَتِيلٍ كانَ بَيْنَهُمْ، فَجاءَ كُلُّ أمْرٍ في أمْرٍ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الجُبّائِيِّ، والقاضِي أبِي يَعْلى، ونُونُ ( أنْ ) فِيها الضَّمُّ والكَسْرُ، والمُنْسَبِكُ مِن ( أنْ يَفْتِنُوكَ ) بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، أيْ: واحْذَرْ فِتْنَتَهم لَكَ وأنْ يَصْرِفُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى إلَيْكَ، ولَوْ كانَ أقَلَّ قَلِيلٍ، بِتَصْوِيرِ الباطِلِ بِصُورَةِ الحَقِّ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بِالكَذِبِ عَلى التَّوْراةِ في أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ لَيْسَ فِيها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، أيِ: احْذَرْهم مَخافَةَ أنْ يَفْتِنُوكَ، وإعادَةُ ( ما أنْزَلَ اللَّهُ ) تَعالى ( إلَيْكَ ) لِتَأْكِيدِ التَّحْذِيرِ بِتَهْوِيلِ الخَطْبِ، ولَعَلَّ هَذا لِقَطْعِ أطْماعِهِمْ، قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ قالُوا: «اذْهَبُوا بِنا إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَعَلَّنا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، قَدْ عَرَفْتَ أنّا أحْبارُ اليَهُودِ، وأنّا إنِ اتَّبَعْناكَ اتَّبَعَتْنا اليَهُودُ كُلُّهُمْ، وأنَّ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا خُصُومَةً فَنَتَحاكَمُ إلَيْكَ، فَتَقْضِي لَنا عَلَيْهِمْ، ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ ونُصَدِّقُكَ فَأبى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ»».
﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى إلَيْكَ، وأرادُوا غَيْرَهُ ﴿ فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾ وهو ذَنْبُ التَّوَلِّي والإعْراضِ، فَهو بَعْضٌ مَخْصُوصٌ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِأنَّ لَهم ذُنُوبًا كَثِيرَةً، وهَذا - مَعَ كَمالِ عِظَمِهِ - واحِدٌ مِن جُمْلَتِها، وفي هَذا الإبْهامِ تَعْظِيمٌ لِلتَّوَلِّي، كَما في قَوْلِهِ: تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها يُرِيدُ بِالبَعْضِ نَفْسَهُ، أيْ نَفْسًا كَبِيرَةً، ونَفْسًا أيَّ نَفْسٍ، وقالَ الجُبّائِيُّ: ذُكِرَ البَعْضُ وأُرِيدَ الكُلُّ، كَما يُذْكَرُ العُمُومُ ويُرادُ بِهِ الخُصُوصُ، وقِيلَ: المُرادُ بَعْضٌ مُبْهَمٌ؛ تَغْلِيظًا لِلْعِقابِ، كَأنَّهُ أُشِيرَ إلى أنَّهُ يَكْفِي أنْ يُؤْخَذُوا بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ أيَّ بَعْضٍ كانَ، ويُهْلَكُوا ويُدَمَّرُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لا يَصِحُّ إرادَةُ الكُلِّ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الإصابَةِ عُقُوبَةُ الدُّنْيا، وهي تَخْتَصُّ بِبَعْضِ الذُّنُوبِ دُونَ بَعْضٍ، والَّذِي يَعُمُّ إنَّما هو عَذابُ الآخِرَةِ، وهَذِهِ الإصابَةُ - عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ - إجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ، وقِيلَ: قَتْلُ بَنِي قُرَيْظَةَ، وقِيلَ: هي أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وما عَرى بَنِي قَيْنُقاعَ، وأهْلَ خَيْبَرَ وفَدَكَ، ولَعَلَّهُ الأوْلى.
﴿ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ ﴾ أيْ مُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ، مُصِرُّونَ عَلَيْهِ، خارِجُونَ مِنَ الحُدُودِ المَعْهُودَةِ، وهو اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيُّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وفِيهِ مِنَ التَّسْلِيَةِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها ﴾ يَعْنِي كَتَبْنا حُكْمَ القِصاصِ في التَّوْراةِ، وقَرَّرْناهُ في الإنْجِيلِ، وأنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ مُصَدِّقًا لِما فِيهِما ( وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ ) مِنَ الأحْكامِ الإلَهِيَّةِ المُقَرَّرَةِ في الأدْيانِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ العُمُومُ، وقِيلَ: اليَهُودُ.
<div class="verse-tafsir"
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ يعني: أنزلنا إليك يا محمد الكتاب بالحق، يعني: بيان الحق.
ويقال: بالعرض والحجة، ولم ينزله بغير شيء، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ يعني: موافقاً للتوراة، والإنجيل، والزبور، في التوحيد وفي بعض الشرائع.
ثم قال تعالى: وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ يقول شاهداً على سائر الكتب، بأن الكتاب الأول من الله تعالى ويقال: مُهَيْمِناً عَلَيْهِ يعني: قاضياً عليه، ويقال: ناسخاً لسائر الكتب.
وروي عن ابن عباس أنه قال: مؤتمناً على ما قبله.
وقال القتبي: أميناً عليه.
ويقال: ومهيمناً عليه، في معنى مؤتمن، إلا أن الهاء أبدلت من الهمزة كما يقال: هَرَقْتُ الماء، وأرَقْتُه، وإياك، وهياك.
ثم قال: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني: فاحكم بين الناس بما أنزل الله تعالى في القرآن، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ يعني: لا تعمل بأهوائهم ومرادهم، عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ يعني: لا تترك الحكم بما بيّن الله تعالى في القرآن من بيان الحق وبيان الأحكام.
ثم قال: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً يقول: جعلنا لكل نبي شريعة، والإيمان واحد، ولم يختلف الرسل في الإيمان، وإنما اختلفوا في الشرائع.
قال القتبي: الشرعة والشريعة واحد، يعني: السنة والمنهاج الطريق الواضح.
وقال الزجاج: الشرعة الدين، والمنهاج الطريق، وقد قيل: هما شيء واحد، وهو الطريق، ويقال: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً معناه: فرضت على كل أمة ما علمت أن صلاحهم فيه.
ثم قال: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً يعني: جعلكم على شريعة واحدة، وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ ليخبركم، فِي ما آتاكُمْ يعني: أمركم من السنن، والشرائع المختلفة، ليتبين من يطيع الله فيما أمره ونهاه، ومن يعصيه.
ثم قال: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ يعني: بادروا بالطاعات، وبالأعمال الصالحة، وإلى الصف المقدم، والتكبيرة الأولى.
ثم قال: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من الدين والسنن يوم القيامة، فهذا وعيد وتهديد، لتستبقوا الخيرات، ولا تتّبعوا البدعة، ولا تخالفوا الكتاب.
ثم قال: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وذلك أن يهود بني النضير قالوا فيما بينهم: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه.
وإنما هو بشر فأتَوْه.
فقالوا: يا محمد إنك قد عرفت أنّا أحبار اليهود، وأشرافهم، وسادتهم، وأنّا إن اتبعناك اتبعك اليهود، ولن يخالفونا.
وإنّ بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، فنؤمن بك، فأبى النبي ذلك.
فنزلت هذه الآية وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني: اقضِ بينهم بما في القرآن، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ في الحكم، وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ يعني: يصرفوك، عَنْ بَعْضِ مآ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ.
وقال في رواية الضحاك: تزوج مجوسي ابنته، فجاءت إلى النبيّ وطلبت نفقتها، فأمر الله تعالى رسوله أن يفرق بينهما بقوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ.
وقال في رواية الكلبي: طلبوا منه بأن يحكم بينهم في الدماء على ما كانوا عليه في الجاهلية فنزل وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ.
قال القتبي: أصل الفتنة الاختبار.
ثم يستعمل في أشياء يستعمل في التعذيب كقوله: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [البروج: 10] ، وكقوله: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات: 13] وتكون الفتنة الشرك، كقوله: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة: 193] وتكون الفتنة العبرة، كقوله: لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [يونس: 85] وتكون الفتنة الصد عن السبيل، كقوله: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مآ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ.
ثم قال: فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني: أبَوْا أن يرضوا بحكمك، فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ يعني: يعذبهم في الدنيا.
قال الكلبي: يعني: بالجلاء إلى الشام، والإخراج من دورهم.
وقال الضحاك: يعني: يريد الله أن يأمر بهم إلى النار بذنوبهم.
ثم قال وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يعني: رؤساء اليهود، لَفاسِقُونَ يعني: لكافرون.
والفاسق هو الذي يخرج عن الطاعة.
ثم قال: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ يعني: يطلبون منك شيئاً لم ينزله الله إليك في حكم الزنى والقصاص كما يفعل أهل الجاهلية.
قرأ ابن عامر ومن تابعه من أهل الشام (تبغون) على معنى المخاطبة، وقرأ الباقون بالياء على معنى المغايبة.
ثم قال: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً يقول: ومن أعدل من الله قضاءً، لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ يعني: يصدقون بالقرآن.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
يراد به الخصوصُ فيما لا يخافُ منها على النفْسِ، وكُتُبُ الفقْهِ محَلُّ استيعابِ الكلامِ على هذه المعانيِ.
قال ص: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ، أيْ: ذاتُ قصاصٍ.
انتهى.
وقوله سبحانه: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، المعنى: أنَّ من تصدَّق بجُرْحه أو دمِ وليه، وعفا، فإنَّ ذلك العَفْوَ كفَّارة لذنوبه يعظم اللَّه أجره بذلك، قال ابن عمر وغيره «١» ، وفي معناه حديثٌ مرويٌّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قلت: وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُصَابُ بِشَيْءٍ فِي جَسَدِهِ فَتَصَدَّقَ بِهِ إلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهِ خَطِيئَةً» ، رواه الترمذيُّ «٢» .
انتهى.
وقيل: المعنى: فذلك العفو كفَّارة للجارحِ عن ذلك الذنْبِ كما أن القِصَاص كفَّارة، فكذلك العفو كفَّارة وأما أجر العافي، فعلى اللَّه تعالى قاله ابن عبَّاس وغيره «٣» .
وقيل: المعنى: إذَا جنى جانٍ، فجُهِلَ، وخَفِيَ أمره، فتصدَّق هذا الجاني بأن اعترفَ بذلك، ومكَّنَ من نفسه فذلك الفعل كفّارة لذنبه.
وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧) وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)
وقوله سبحانه: وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ...
الآية: الضمير في آثارِهِمْ للنبيِّين.
وقوله: وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ: خُصَّ المتقون بالذِّكْر لأنهم المقصودُ به في عِلْمِ اللَّه وإنْ كان الجميعُ يدعى إلى توحيدِ اللَّه، ويوعَظُ، ولكنَّ ذلك على غَيْرِ المتَّقين عَمًى وحَيْرةٌ.
وقرأ حمزة «١» وحده: «وَلِيَحْكُمَ» - بكسرِ اللامِ، وفتحِ الميمِ- على «لام كَيْ» ، ونصبِ الفعلِ بها، والمعنى: وآتيناه الإِنجيل ليتضمَّن الهدى والنور والتصديق، ولِيَحْكُمَ أهله بما أنزل اللَّه فيه، وقرأ باقي السبْعَةِ: «وَلْيَحْكُمْ» - بسكون لامِ الأمرِ، وجزمِ الفعلِ-، ومعنى أمره لهم بالحكم: أي: هكذا يجبُ عليهم.
قُلْتُ: وإذْ من لازم حكمهم بما أنزلَ اللَّه فيه اتباعهم لنبيِّنا محمد- عليه السلام- والإيمانُ به كما يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيلِ، قال الفَخْر «٢» : قيل: المرادُ:
ولْيحكُمْ أهل الإنجيل بما أنزل اللَّه فيه من الدلائلِ الدالَّة على نبوَّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم قيل:
والمرادُ بالفاسقين: مَنْ لم يَمْتَثِلْ من النصارَى.
انتهى، وحَسُن عَقِبَ ذلك التوقيفُ على وعيدِ/ مَنْ خالف ما أنزل اللَّه.
وقوله سبحانه: وَمُهَيْمِناً، أي: جعل اللَّه القُرآن مهيمناً على الكُتُب، يشهد بما فيها من الحقائقِ، وعلى ما نسبه المحرِّفون إليها، فيصحِّح الحقائق، ويُبْطِلُ التحريفَ، وهذا هو معنى مُهَيْمِناً، أي: شاهدٌ، ومصدِّقٌ، ومؤتَمَنٌ، وأمينٌ حسَبَ اختلافِ عبارة المفسِّرين في اللفظة، وقال المبرِّد: «مهَيْمِن» : أصله «مؤيمن» بني من «أمين» أبدلت
همزتُهُ هاءً كما قالوا: أَرَقْتُ المَاءَ، وَهَرَقْتُهُ واستحسنه الزَّجَّاج.
وقوله سبحانه: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ: المعنى عند الجمهور: إن اخترت أنْ تحكم، فاحكم بينهم بما أنْزَلَ اللَّه، وليسَتْ هذه الآيةُ بناسخةٍ لقوله: أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [المائدة: ٤٢] .
ثم حذَّر اللَّه تعالى نبيَّه- عليه السلام- من اتباع أهوائهم.
وقوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً، أي: لكلِّ أمة قاله الجمهور، وهذا عندهم في الأحكامِ، وأما في المعتَقَدَاتِ، فالدِّين واحدٌ لجميع العالَمِ، ويحتملُ أنْ يكون المرادُ الأنبياءَ، لا سيَّما وقد تقدَّم ذكرهم، وذكر ما أُنْزِلَ عليهم، وتجيء الآيةُ، معَ هذا الاحتمال تنبيهاً لنبيِّنا محمَّد- عليه السلام-، أيْ: فاحفظ شرعتك ومنهاجَكَ لئلاَ تستزلَّك اليهودُ، أو غيرُهم في شيء منْه، وأكثرُ المتأوِّلين على أن الشِّرْعَة والمِنْهَاجَ بمعنًى واحدٍ، وهي الطريقُ، وقال ابن عباس وغيره: شِرْعَةً وَمِنْهاجاً: سبيلاً وسُنَّة «١» ، ثم أخبر سبحانه أنه لَوْ شاء، لَجَعَل النَّاس أُمَّةً واحدةً، ولكنه لم يشأْ لأنه أراد اختبارهم وابتلاءهم فيما آتاهم مِنَ الكُتُب والشرائع كذا قال ابنُ جُرَيْج «٢» وغيره.
ثم أمر سبحانه باستباق الخيراتِ في امتثال الأوامر، وخَتَمَ سبحانه بالموعظةِ والتَّذْكير بالمعادِ، فقال: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً، والمعنى: فالبِدَار البِدَارَ.
وقوله سبحانه: فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، معناه: في الثَّوَاب والعقَاب، فتُخْبَرُونَ به إخبار إيقاعٍ، وهذه الآية بارعةُ الفَصَاحة، جَمَعتِ المعانِيَ الكثيرةَ في الألفاظِ اليسيرة، وكُلُّ كتابِ اللَّه كذلك، إلاَّ أنَّا بقصورِ أفهامنا يَبِينُ لنا في بَعْضٍ أكثرُ ممَّا يبينُ لنا في بعض.
وقوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ ...
الآية: الهوى مقصورٌ يجمعُ على أهْوَاء، والهَوَاء ممدودٌ يُجْمع على أَهْوِيَةٍ، ثم حذَّر تعالى نبيَّه- عليه السلام- من اليهودِ أنْ يفتنوه بأنْ يَصْرِفُوه عن شيء ممَّا أنزل الله عليه من الأحكام
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ مِنهم كَعْبُ بْنُ أُسِيدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيّا، وشَأْسُ بْنُ قَيْسٍ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنا إلى مُحَمَّدٍ، لَعَلَّنا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، فَأتَوْهُ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، قَدْ عَرَفْتَ أنّا أحْبارُ اليَهُودِ وأشْرافُهم، وأنّا إنْ تَبِعْناكَ، اتَّبَعَكَ اليَهُودُ، وإنَّ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمٍ خُصُومَةً، فَنُحاكِمُهم إلَيْكَ، فَتَقْضِي لَنا عَلَيْهِمْ، ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ، فَأبى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ جَماعَةً مِن بَنِي النَّضِيرِ قالُوا لَهُ: هَلْ لَكَ أنْ تَحْكُمَ لَنا عَلى أصْحابِنا أهْلِ قُرَيْظَةَ في أمْرِ الدِّماءِ كَما كُنّا عَلَيْهِ مِن قَبْلُ، ونُبايِعَكَ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: ولَيْسَ هَذِهِ الآيَةُ تَكْرارًا لِما تَقَدَّمُ، وإنَّما نَزَلَتا في شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، أحَدُهُما: في شَأْنِ الرَّجْمِ، والآخَرُ: في التَّسْوِيَةِ في الدِّياتِ حَتّى تَحاكَمُوا إلَيْهِ في الأمْرَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ ﴾ أيْ: يَصْرِفُوكَ ﴿ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الرَّجْمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: شَأْنُ القِصاصِ والدِّماءِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَنْ حُكْمِكَ.
والثّانِي: عَنِ الإيمانِ، فاعْلَمْ أنَّ إعْراضَهم مِن أجْلِ أنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أنْ يُعَذِّبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ.
وفي ذِكْرِ البَعْضِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، وإنَّما يُصِيبُهم بِبَعْضِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ الكُلُّ، كَما يُذْكَرُ لَفْظُ الواحِدِ، ويُرادُ بِهِ الجَماعَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ﴾ والمُرادُ: جَمِيعُ المُسْلِمِينَ.
وقالَ الحَسَنُ: أرادَ ما عَجَّلَهُ مِن إجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ وقَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادَ اليَهُودَ.
وَفِي المُرادِ بِالفِسْقِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحُدُها: الكُفْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الكَذِبُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: المَعاصِي، قالَهُ مُقاتِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عن بَعْضِ ما أنْزَلَ اللهُ إلَيْكَ فَإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الناسِ لَفاسِقُونَ ﴾ ﴿ أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ "وَأنِ احْكُمْ"؛ مَعْطُوفٌ عَلى "اَلْكِتابَ"؛ في قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ ﴾ ؛ وقالَ مَكِّيٌّ: هو مَعْطُوفٌ عَلى "بِالحَقِّ"؛ في قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴾ ؛ والوَجْهانِ حَسَنانِ؛ ويُقْرَأُ بِضَمِّ النُونِ مِن "أنُ احْكُمْ"؛ مُراعاةً لِلضَّمَّةِ في عَيْنِ الفِعْلِ المُضارِعِ؛ ويُقْرَأُ بِكَسْرِها عَلى القانُونِ في التِقاءِ الساكِنَيْنِ.
وهَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ لِلتَّخْيِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ أو أعْرِضْ عنهُمْ ﴾ ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ؛ ثُمَّ نَهاهُ تَعالى عَنِ اتِّباعِ أهْواءِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ إذْ هي مُضِلَّةٌ؛ والهَوى في الأغْلَبِ إنَّما يَجِيءُ عِبارَةً عَمًّا لا خَيْرَ فِيهِ؛ وقَدْ يَجِيءُ أحْيانًا مُقَيَّدًا بِما فِيهِ خَيْرٌ؛ مِن ذَلِكَ «قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قِصَّةِ رَأْيِهِ ورَأْيِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - في أسْرى بَدْرٍ: "فَهَوى رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رَأْيَ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ"؛» ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ - وقَدْ قِيلَ لَهُ: ما ألَذُّ الأشْياءِ عِنْدَكَ؟
- قالَ: "حَقٌّ وافَقَ هَوًى"؛ و"اَلْهَوى"؛ مَقْصُورٌ؛ ووَزْنُهُ "فَعَلٌ"؛ ويُجْمَعُ عَلى "أهْواءَ"؛ و"اَلْهَواءُ"؛ مَمْدُودٌ؛ ويُجْمَعُ عَلى "أهْوِيَةٌ".
ثُمَّ حَذَّرَ - تَبارَكَ وتَعالى- مِن جِهَتِهِمْ أنْ يَفْتِنُوهُ؛ أيْ: يَصْرِفُوهُ بِامْتِحانِهِمْ؛ وابْتِلائِهِمْ؛ عن شَيْءٍ مِمّا أنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الأحْكامِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُرِيدُونَ أنْ يَخْدَعُوا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالُوا لَهُ مِرارًا: اُحْكم لَنا في نازِلَةِ كَذا بِكَذا؛ نَتَّبِعْكَ عَلى دِينِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ ؛ قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ مِنَ الكَلامِ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ؛ تَقْدِيرُهُ: "لا تَتَّبِعْ؛ واحْذَرْ؛ فَإنْ حَكَّمُوكَ مَعَ ذَلِكَ واسْتَقامُوا فَنِعِمّا ذَلِكَ؛ وإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ..."؛ ويَحْسُنُ أنْ يُقَدَّرَ هَذا المَحْذُوفُ المُعادِلُ بَعْدَ قَوْلِهِ: "لَفاسِقُونَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فاعْلَمْ"؛ اَلْآيَةَ؛ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيهِمْ؛ وقَدْ أنْجَزَهُ بِقِصَّةِ بَنِي قَيْنُقاعَ؛ وقِصَّةِ قُرَيْظَةَ؛ والنَضِيرِ؛ وإجْلاءِ عُمَرَ أهْلَ خَيْبَرَ؛ وفَدَكَ؛ وغَيْرَهُمْ؛ وخَصَّصَ تَعالى إصابَتَهم بِبَعْضِ الذُنُوبِ؛ دُونَ كُلِّها؛ لِأنَّ هَذا الوَعِيدَ إنَّما هو في الدُنْيا؛ وذُنُوبُهم فِيها نَوْعانِ: نَوْعٌ يَخُصُّهُمْ؛ كَشُرْبِ الخَمْرِ؛ ورِباهُمْ؛ ورِشاهُمْ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ونَوْعٌ يَتَعَدّى إلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمُؤْمِنِينَ؛ كَمُعامَلاتِهِمْ لِلْكُفّارِ؛ وأقْوالِهِمْ في الدِينِ؛ فَهَذا النَوْعُ هو الَّذِي يُوجِدُ إلَيْهِمُ السَبِيلَ؛ وبِهِ هَلَكُوا؛ وبِهِ تَوَعَّدَهُمُ اللهُ في الدُنْيا؛ فَلِذَلِكَ خَصَّصَ البَعْضَ؛ دُونَ الكُلِّ؛ وإنَّما يُعَذِّبُونَ بِالكُلِّ في الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الناسِ لَفاسِقُونَ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلَيْهِمْ؛ لَكِنْ جاءَتِ العِبارَةُ تَعُمُّهُمْ؛ وغَيْرَهُمْ؛ لِيَتَنَبَّهَ سِواهم مِمَّنْ كانَ عَلى فِسْقٍ؛ ونِفاقٍ؛ وتَوَلٍّ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَيَرى أنَّهُ تَحْتَ الوَعِيدِ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ ؛ فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ المِيمِ؛ عَلى إعْمالِ فِعْلٍ ما؛ يَلِي ألِفَ الِاسْتِفْهامِ؛ بَيَّنَهُ هَذا الظاهِرُ بَعْدُ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ والسُلَمِيُّ ؛ وأبُو رَجاءٍ ؛ والأعْرَجُ: "أفَحُكْمُ"؛ بِرَفْعِ المِيمِ؛ قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهي خَطَأٌ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ ولَكِنَّهُ وجْهٌ غَيْرُهُ أقْوى مِنهُ؛ وقَدْ جاءَ في الشِعْرِ؛ قالَ أبُو النَجْمِ: قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي ∗∗∗ عَلَيَّ ذَنْبًا كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ بِرَفْعِ "كُلُّ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَكَذا الرِوايَةُ؛ وبِها يَتِمُّ المَعْنى الصَحِيحُ؛ لِأنَّهُ أرادَ التَبَرُّؤَ مِن جَمِيعِ الذَنْبِ؛ ولَوْ نَصَبَ "كُلَّ"؛ لَكانَ ظاهِرُ قَوْلِهِ أنَّهُ صَنَعَ بَعْضَهُ؛ وهَذا هو حَذْفُ الضَمِيرِ مِنَ الخَبَرِ؛ وَهُوَ قَبِيحٌ؛ اَلتَّقْدِيرُ: "يَبْغُونَهُ"؛ و"لَمْ أصْنَعْهُ"؛ وإنَّما يُحْذَفُ الضَمِيرُ كَثِيرًا مِنَ الصِلَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا ﴾ ؛ وكَما تَقُولُ: "مَرَرْتُ بِالَّذِي أكْرَمْتَ"؛ ويُحْذَفُ أقَلَّ مِن ذَلِكَ مِنَ الصِفَةِ؛ وحَذْفُهُ مِنَ الخَبَرِ قَبِيحٌ؛ كَما جاءَ في بَيْتِ أبِي النَجْمِ ؛ ويُتَّجَهُ بَيْتُهُ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ لَيْسَ في صَدْرِ قَوْلِهِ ألِفُ اسْتِفْهامٍ يَطْلُبُ الفِعْلَ؛ كَما هي في قَوْلِهِ تَعالى: "أفَحُكْمَ"؛ والثانِي أنَّ في البَيْتِ عِوَضًا مِنَ الهاءِ المَحْذُوفَةِ؛ وذَلِكَ حَرْفُ الإطْلاقِ؛ أعْنِي الياءَ في "أصْنَعِي"؛ فَتَضْعُفُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "أفَحُكْمُ"؛ بِالرَفْعِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ بَعْدَهُ لا ضَمِيرَ فِيهِ؛ ولا عِوَضَ مِنَ الضَمِيرِ؛ وألِفُ الِاسْتِفْهامِ - الَّتِي تَطْلُبُ الفِعْلَ؛ ويُخْتارُ مَعَها النَصْبَ؛ وإنْ لُفِظَ بِالضَمِيرِ - حاضِرَةٌ؛ وإنَّما تُتَّجَهُ القِراءَةُ عَلى أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: "أفَحُكْمُ الجاهِلِيَّةِ حُكْمٌ يَبْغُونَ؟"؛ فَلا تَجْعَلَ "يَبْغُونَ"؛ خَبَرًا؛ بَلْ تَجْعَلَهُ صِفَةَ خَبَرٍ مَحْذُوفٍ؛ ومَوْصُوفٍ؛ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ ﴾ ؛ تَقْدِيرُهُ: قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ؛ فَحَذَفَ المَوْصُوفَ؛ وأقامَ الصِفَةَ مَقامَهُ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وما الدَهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما ∗∗∗ ∗∗∗ أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ مَهْرانَ: "أفَحَكَمَ"؛ بِفَتْحِ الحاءِ؛ والكافِ؛ والمِيمِ؛ وهو اسْمُ جِنْسٍ؛ وجازَ إضافَةُ اسْمِ الجِنْسِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: "مُنِعْتُ العِراقَ قَفِيزَها ودِرْهَمَها؛ ومِصْرَ أرْدَبَّها"؛ ولَهُ نَظائِرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَكَأنَّهُ قالَ: "أفَحُكّامَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ؟"؛ إشارَةً إلى الكُهّانِ الَّذِينَ كانُوا يَأْخُذُونَ الحُلْوانَ؛ ويَحْكُمُونَ بِحَسَبِهِ؛ وبِحَسَبِ الشَهَواتِ؛ ثُمَّ تَرْجِعُ هَذِهِ القِراءَةُ بِالمَعْنى إلى الأُولى؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: "أفَحُكْمَ حُكّامِ الجاهِلِيَّةِ؟"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "تَبْغُونَ"؛ بِالتاءِ؛ عَلى الخِطابِ لَهُمْ؛ أيْ؛ "قُلْ لَهُمْ"؛ وباقِي السَبْعَةِ: "يَبْغُونَ"؛ بِالياءِ مِن تَحْتُ؛ ويَبْغُونَ مَعْناهُ: يَطْلُبُونَ؛ ويُرِيدُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا ﴾ ؛ تَقْرِيرٌ: أيْ: لا أحَدَ أحْسَنُ مِنهُ حُكْمًا - تَبارَكَ وتَعالى-؛ وحَسُنَ دُخُولُ اللامِ في قَوْلِهِ: "لِقَوْمٍ"؛ مِن حَيْثُ المَعْنى: "يَبِينُ ذَلِكَ ويَظْهَرُ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ".
<div class="verse-tafsir"
يجوز أن يكون قوله ﴿ وأن احكم ﴾ معطوفاً عطفَ جملة على جملة، بأن يجعل معطوفاً على جملة ﴿ فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتّبع أهواءهم ﴾ [المائدة: 48]، فيكون رجوعاً إلى ذلك الأمر لتأكيده، وليبنى عليه قوله: ﴿ واحْذَرْهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ﴾ كما بُني على نظيره قوله: ﴿ لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ﴾ [المائدة: 48] وتكُون (أنْ) تفسيرية.
و(أنْ) التفسيريّة تفيد تقويّة ارتباط التّفسير بالمفسَّر، لأنّها يمكن الاستغناء عنها، لصحّة أن تقول: أرسلتُ إليه افْعَل كذا، كما تقول: أرسلت إليه أنْ افعَلْ كذا.
فلمّا ذكر الله تعالى أنّه أنزل الكتاب إلى رسوله رتّب عليه الأمر بالحكم بما أنزل به بواسطة الفاء فقال: ﴿ فاحكم بينهم ﴾ [المائدة: 48]، فدلّ على أنّ الحكم بما فيه هو من آثار تنزيله.
وعطَف عليه ما يدلّ على أنّ الكتاب يأمر بالحكم بما فيه بما دلّت عليه (أنْ) التفسيرية في قوله: ﴿ وأنْ احكم بينهم بما أنزل الله ﴾ ، فتأكَّد الغرض بذِكْره مرّتين مع تفنّن الأسلوب وبداعته، فصار التّقدير: وأنزلنا إليك الكتاب بالحقّ أنْ احكم بينهم بما أنزل الله فاحكم بينهم به.
وممّا حسَّن عطفَ التّفسير هنا طولُ الكلام الفاصِل بين الفعل المفسَّر وبين تفسيره.
وجعله صاحب «الكشاف» من عطف المفردات.
فقال: عُطف ﴿ أن احكم ﴾ على ﴿ الكِتاب ﴾ في قوله: ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب ﴾ [المائدة: 48] كأنّه قيل: وأنزلنا إليك أنْ احْكُم.
فجعل (أنْ) مصدريّة داخلة على فعل الأمر، أي فيكون المعنى: وأنزلنا إليك الأمر بالحكم بما أنزل الله كما قال في قوله: ﴿ إنّا أرسلنا نُوحاً إلى قومه أن أنذر قومك ﴾ [نوح: 1]، أي أرسلناه بالأمر بالإنذار، وبيّن في سورة يونس (105) عند قوله تعالى: ﴿ وأن أقم وجهك للدّين حنيفاً ﴾ أنّ هذا قول سيبويه إذ سوّغ أن توصل (أنْ) المصدريّة بفعل الأمر والنّهي لأنّ الغرض وصلها بما يكون معه معنى المصدر، والأمرُ والنّهي يدلاّن على معنى المصدر، وعلّله هنا بقوله: لأنّ الأمر فعل كسائر الأفعال.
والحملُ على التفسيرية أوْلَى وأَعرب، وتكون (أنْ) مقحمة بين الجملتين مفسّرة لفعل أنْزَل } من قوله: ﴿ فاحكم بينهم بما أنزل الله ﴾ ؛ فإنّ ﴿ أنزل ﴾ يتضمّن معنى القول فكان لحرف التّفسير موقع.
وقوله: ﴿ ولا تتّبع أهواءهم ﴾ هو كقوله قبلَه ﴿ ولا تتّبع أهواءهم عمّا جاءك من الحقّ ﴾ [المائدة: 44].
وقولُه: ﴿ واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ﴾ المقصود منه افتضاح مكرهم وتأييسهم ممّا أمَّلوه، لأنّ حذر النّبيء صلى الله عليه وسلم من ذلك لا يحتاج فيه إلى الأمر لعصمته من أن يخالف حكم الله.
ويجوز أن يكون المقصود منه دحض ما يتراءى من المصلحة في الحكم بين المتحاكمين إليه من اليهود بعوائدهم إن صحّ ما روي من أنّ بعض أحبارهم وعدوا النّبيء بأنّه إن حكم لهم بذلك آمنوا به واتّبعتهم اليهود اقتداء بهم، فأراه الله أنّ مصلحة حرمة أحكام الدين ولو بينَ غير أتباعه مقدّمة على مصلحة إيمان فريق من اليهود، لأجل ذلك فإنّ شأن الإيمان أن لا يقاوِل النّاس على اتّباعه كما قدّمناه آنفاً.
والمقصود مع ذلك تحذير المسلمين من توهّم ذلك.
ولذلك فرّع عليه قوله: ﴿ فإن تولّوا ﴾ ، أي فإن حكمت بينهم بما أنزل الله ولم تتّبع أهواءهم وتولّوا فاعلم، أي فتلك أمارة أنّ الله أراد بهم الشّقاء والعذاب ببعض ذنوبهم وليس عليك في تولّيهم حرج.
وأراد ببعض الذنوب بعضاً غيرَ معين، أي أنّ بعض ذنوبهم كافية في إصابتهم وأنّ تولّيهم عن حكمك أمارة خذلان الله إيّاهم.
وقد ذيّله بقوله: ﴿ وإنّ كثيراً من النّاس لفاسقون ﴾ ليَهُونَ عنده بقاؤهم على ضلالهم إذ هو شنشنة أكثر النّاس، أي وهؤلاء منهم فالكلام كناية عن كونهم فاسقين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.
﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي لِما قَبْلَهُ مِنَ الكِتابِ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُصَدِّقًا بِها، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ.
والثّانِي: مُوافِقًا لَها، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي أمِينًا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَعْنِي شاهِدًا عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.
والثّالِثُ: حَفِيظًا عَلَيْهِ.
﴿ فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الحُكْمِ بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ إذا تَحاكَمُوا إلَيْنا، وألّا نَحْكُمَ بَيْنَهم بِتَوْراتِهِمْ ولا بِإنْجِيلِهِمْ.
﴿ وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكُمْ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أُمَّةُ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ .
والثّانِي: أُمَمُ جَمِيعِ الأنْبِياءِ.
﴿ شِرْعَةً ومِنهاجًا ﴾ أمّا الشِّرْعَةُ فَهي الشَّرِيعَةُ وهي الطَّرِيقَةُ الظّاهِرَةُ، وكُلُّ ما شَرَعْتَ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَهو شَرِيعَةٌ ومِن ذَلِكَ قِيلَ لِشَرِيعَةِ الماءِ شَرِيعَةٌ لِأنَّها أظْهَرُ طُرُقِهِ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: أُشْرِعَتِ الأسِنَّةُ إذا ظَهَرَتْ.
وَأمّا المِنهاجُ فَهو الطَّرِيقُ الواضِحُ، يُقالُ طَرِيقُ نَهْجٍ ومَنهَجٍ، قالَ الزّاجِرُ مَن يَكُ ذا شَكٍّ فَهَذا فَلْجُ ماءٌ رُواءٌ وطَرِيقٌ نَهْجُ فَيَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ شِرْعَةً ومِنهاجًا أيْ سَبِيلًا وسُنَّةً، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.
﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِجَعْلِكم عَلى مِلَّةٍ واحِدَةٍ.
الثّانِي: لِجَمْعِكم عَلى الحَقِّ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسد، وعبد الله بن صوريا، وشاس بن قيس، اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد، إنك عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وإنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم ونؤمن لك ونصدقك، فأبى ذلك، وأنزل الله عز وجل فيهم ﴿ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ﴾ إلى قوله: ﴿ لقوم يوقنون ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ﴾ قال: أمر الله نبيه أن يحكم بينهم بعدما كان رخص له أن يعرض عنهم إن شاء، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: نسخت من هذه السورة ﴿ فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ﴾ [ المائدة: 42] قال: فكان مخيراً حتى أنزل الله: ﴿ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ﴾ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما في كتاب الله.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ﴾ قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم قال: نسخت ما قبلها ﴿ فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ﴾ [ المائدة: 42] .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن مسروق.
أنه كان يحلف أهل الكتاب بالله، وكان يقول ﴿ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ .
قد ذكرنا أن هذا ناسخ للتخيير في قوله تعالى: ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ .
وموضع (أن) من الإعراب نصب، بمعنى: أنزلنا إليك (أن احكم بينهم) (١) وأعيد ذكر الأمر بالحكم بعد ذكره في الآية الأولى: إما للتأكيد، وإما لأنهما حُكمان أمر بهما جميعًا؛ لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصنين (٢) (٣) قال ابن عباس: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ قال: بحدود الله (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ .
قال ابن عباس: يريد يردوك إلى أهوائهم (٥) قال أبو عبيد: كل من صُرِف عن الحق إلى الباطل، وأميل عن القصد فقد فُتِن (٦) ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ﴾ .
وقال قطرب: واحذرهم أن يستزلوك (٧) قال ابن الأنباري: وقولهم (٨) (٩) (١٠) وقال النضر في قوله : "أعوذ بك من فتنة المحيا" (١١) (١٢) قال مقاتل: إن رؤساء اليهود قال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتنه ونرده عما هو عليه، فإنما هو بشر.
فأتوه وقالوا (١٣) ، وأنزل الله هذه الآية (١٤) فمعنى فتنتهم (إياه) (١٥) (١٦) قال أهل العلم: هذه الآية تدل على أن الخطأ والنسيان جائز على الرسل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ والتعمد في مثل هذا غير موهوم على رسول الله، فتحقيق تكليف الحذر عائد إلى النسيان والخطأ (١٧) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾ .
قال ابن عباس: يريد إن لم يقبلوا منك (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾ .
قال ابن عباس: يريد أن يبتليهم، ويسلطك عليهم (٢٠) وقال مقاتل: أي: يعذبهم في الدنيا بالقتل والجلاء (٢١) قال أهل المعاني: وخصص بعض الذنوب لأنهم جوزوا (٢٢) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ﴾ .
يعني: اليهود (٢٤) (١) انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 228.
(٢) في (ش): (المحصن).
(٣) احتكامهم إلى النبي في زنا المحصنين ظاهر، وقد تقدم.
أما احتكامهم إليه في قتيل كان فيهم فلم أقف عليه.
وقد خالف في الأمر الثاني ابن الجوزي فقال: == وإنما نزلتا في شيئين مختلفين، أحدهما في شأن الرجم، والآخر في التسوية في الديات، حتى تحاكموا إليه في الأمرين.
"زاد المسير" 2/ 275، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 504، وما ذكره ان الجوزي من التسوية في الديات سيأتي له ذكر عند المؤلف في الآية 50 من هذه السورة.
(٤) قال ابن عباس - ما- ذلك في تفسير الآية التي قبلها: ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ "تفسيره" ص 181، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 273.
(٥) أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 901، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 116.
(٦) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 901 ولم أقف عليه.
(٧) لم أقف عليه عن قطرب، وقد قال بذلك أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 168، وأبو حيان في "البحر المحيط" 3/ 504.
(٨) في (ش): (فقولهم).
(٩) في "تهذيب اللغة" 3/ 2738 (فتن): الفتينة.
(١٠) "تهذيب اللغة" 3/ 2738، وانظر: "اللسان" 6/ 3345 (فتن).
(١١) جزء من الحديث المشهور في الدعاء قبل السلام، وأخرجه البخاري (832) == كتاب الأذان، باب: الدعاء قبل السلام 1/ 202، ومسلم (589) كتاب المساجد، باب: ما يستعاذ منه في الصلاة (١٢) "تهذيب اللغة" 3/ 2738.
(١٣) في (ش): (فقالوا).
(١٤) انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" 1/ 482، 483، "الوسيط" 3/ 901.
(١٥) ساقط من (ش).
(١٦) قال ابن عباس بنحو قول مقاتل المتقدم فيما أخرجه عنه الطبري في "تفسيره" 6/ 273، وذكره المؤلف في "أسباب النزول" ص 200، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 66، "الدر المنثور" 2/ 514.
(١٧) انظر: "التفسير الكبير" 12/ 14، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 213.
(١٨) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 116.
(١٩) "تفسيره" 1/ 483.
(٢٠) لم أقف عليه.
(٢١) "تفسيره" 1/ 483 وفي: والجلاء من المدينة إلى الشام.
(٢٢) في (ش): (جوزيوا).
(٢٣) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 273، "التفسير الكبير" 12/ 14، القرطبي في "تفسيره" 6/ 214.
(٢٤) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 273، والبغوي في "تفسيره" 3/ 66، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 214.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ ﴾ عطف على الكتاب في قوله: وأنزلنا إليك الكتاب، أو على الحق في قوله: بالحق، وقال قوم: إن هذا وقوله قبله فاحكم بينهم ناسخ لقوله: فاحكم بينهم أو أعرض عنهم: أي ناسخ للتخيير الذي في الآية: وقيل: إنه ناسخ للحكم بينهم فأبى من ذلك، ونزلت الآية تقضي أن يحكم بينهم ﴿ أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ ﴾ توبيخ لليهود، وقرئ بالياء إخباراً عنهم، وبالتاء خطاباً لهم ﴿ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ قال الزمخشري اللام للبيان: أي هذا الخطاب لقوم يوقنون، فإنهم الذين يتبين لهم أنه لا أحسن من الله حكماً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تبغون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر والخراز عن هبيرة.
الباقون بالياء.
﴿ ويقول ﴾ بالواو وبالرفع: عاصم وحمزة وعلي وخلف، وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب بالنصب.
عياش: مخير.
الباقون ﴿ يقول ﴾ بدون واو العطف.
﴿ من يرتد ﴾ بالإظهار: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون بالإدغام.
﴿ والكفار ﴾ بالجر: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي.
الباقون بالنصب عطفاً على محل ﴿ الذين اتخذوا ﴾ وقرأ أبو عمرو وعلي غير ليث وأبي حمدون وحمدوية وابن رستم الطبري عن نصير طريق ابن مهران بالإمالة.
الوقوف: ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ ومنهاجاً ﴾ ط ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ تختلفون ﴾ ه لا لعطف ﴿ وأن احكم ﴾ على ما قبله.
ومن وقف فلأنه رأس آية.
﴿ أنزل الله إليك ﴾ ط ﴿ ذنوبهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ يبغون ﴾ ط ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ه ليلزم النهي عن اتخاذ الأولياء مطلقاً ﴿ أولياء بعض ﴾ ط ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ دائرة ﴾ ط لتمام المقول.
﴿ نادمين ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ ويقول ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ أن يأتي ﴾ .
﴿ جهد أيمانهم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ إنهم ﴾ جواب القسم ﴿ لمعكم ﴾ ط ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ ويحبونه ﴾ لا لأن ما بعده صفة قوم ﴿ الكافرين ﴾ ه لشبه الآية.
﴿ لائم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ راكعون ﴾ ه ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ج للعطف ولطول الكلام.
﴿ مؤمنين ﴾ ﴿ ولعباً ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه.
/التفسير: منّ الله على نبينا بإنزال القرآن إليه مصدقاً لما بين يديه من الكتاب أي جنسه وهو كل كتاب سوى القرآن نازل من السماء.
وفي المهيمن قولان: قال الخليل وأبو عبيدة: هيمن على الشيء يهيمن إذا كان رقيباً على الشيء وشاهداً ومصدقاً.
وقال الجوهري: أصله أأمن بهمزتين قلبت الثانية ياء لكراهة اجتماع الهمزتين، ثم الأولى هاء كما في هرقت وهياك.
والمعنى إنه أمين على الكتب التي قبله لأنه لا ينسخ ألبتة ولا يحرف لقوله: ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ ومن هنا قرىء: ﴿ ومهيمناً عليه ﴾ فتح الميم أي هو من عليه بأن حوفظ من التغيير والتبديل، والذي هيمن عليه عز وجل كما قلنا، أو الحفاظ في كل بلد والقراء المشهود لهم بالإجادة ﴿ فاحكم بينهم ﴾ بين اليهود بالقرآن ﴿ ولا تتبع أهواءهم ﴾ منحرفاً ﴿ عما جاءك من الحق ﴾ أو ضمن لا تتبع معنى لا تحزن.
قيل: لولا جواز المعصية على الأنبياء لم يجز هذا النهي.
والجواب أن ذلك مقدور له ولكن لا يفعله لمكان النهي.
أو الخطاب له والمراد غيره ﴿ لكل جعلنا منكم ﴾ أيها الناس أو الأمم أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد لتقدم ذكر الثلاث ﴿ شرعة ومنهاجاً ﴾ قال ابن السكيت: الشرع مصدر شرعت الإهاب إذا شققته وملحته.
وقيل: إنه من الشروع في الشيء الدخول فيه، والشرعة مصدر للهيئة بمعنى الشريعة "فعيلة" بمعنى "مفعولة" وهي الأمور التي أوجب الله على المكلفين أن يشرعوا فيها والمنهاج الطريق الواضح وهما عبارتان عن معبر واحد هو الدين والتكرير للتأكيد.
ويحتمل أن يقال: الشريعة عامة والمنهاج مكارم الشريعة، فالأولى أقدم وهذه تتلوها وهي الطريقة.
وقال المبرد: الشريعة ابتداء الطريق والطريقة المنهاج المستمر ﴿ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ﴾ جماعة متفقة على شريعة واحدة أو ذوي أمة واحدة أي دين واحد لا خلاف فيه.
وفيه دليل على أن الكل بمشيئة الله تعالى.
والمعتزلة حملوه على مشيئته الإلجاء ﴿ ولكن ليبلوكم ﴾ أي جعلكم مختلفين متخالفين ليعاملكم معاملة المختبر هل تعملون بالنواميس الإلهية وتذعنون للعقائد الحقة أم تقصرون في العمل وتتبعون الشبه ولذلك قال ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ سارعوا إليها وتسابقوا نحوها.
ويعني بالخيرات ههنا ما هو الحق من الاعتقادات والمحقق من التكاليف.
ثم علّل الاستئناف بقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم ﴾ فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين المحق والمبطل والعام والمقصر.
والمراد أن الأمر سيؤل إلى ما يحصل معه اليقين من مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ﴿ وأن احكم ﴾ قيل معطوف على ﴿ الكتاب ﴾ أي وأنزلنا إليك أن احكم على أن "أن" المصدرية وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الأفعال، أو على قوله: ﴿ بالحق ﴾ أي أنزلناه بالحق وبأن احكم.
وأقول: يحتمل أن تكون "أن" مفسرة وفعل الأمر محذوف أي وأمرناك أن احكم.
وتكرار الأمر بالحكم إما للتأكيد/ وإما لأنهما حكمان لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصنين ثم احتكموا في قتل كان بينهم.
وزعم بعض الأئمة أن هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله: ﴿ فاحكم بينهم أو أعرض ﴾ وعن ابن عباس أن جماعة من اليهود منهم كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشماس بن قيس من أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه.
فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قوم خصومة ونحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله وأنزل فيهم: ﴿ واحذرهم أن يفتنوك ﴾ محله نصب على أنه مفعول له أي مخافة أن يفتنوك، أو على أنه بدل اشتمال من مفعول احذر.
والمراد بالفتنة رده إلى أهوائهم فكل من صرف من الحق إلى الباطل فقد فتن.
قال بعض أهل العلم: في الآية دليل على أن الخطأ والنسيان جائزان على النبي ، لأن التعمد في مثل هذا غير جائز فلم يبق إلاّ الخطأ والنسيان فلو لم يكونا جائزين أيضاً لم يكن للحذر فائدة، ﴿ فإن تولوا ﴾ عن الحكم المنزل أي فإن لم يقبلوا حكمك ﴿ فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ﴾ أما الإصابة فالمراد بها قتلهم وإجلاؤهم، وأما ذكر بعض الذنوب فلأن مجازاتهم ببعض الذنوب كافية في إهلاكهم وتدميرهم، أو أراد بالبعض ذنب التولي عن حكم الله.
وفيه أن لهم ذنوباً جمة وأن هذا الذنب عظيم جداً كقول لبيد: تراك أمكنة إذا لم أرضها *** أو يرتبط بعض النفوس حمامها أراد نفسه وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام فكأنه قال نفساً كبيرة لأن التنكير في معنى البعضية أيضاً.
﴿ لفاسقون ﴾ لمتمردون في الكفر.
وفيه أن التولي عن حكم الله فسق مؤكد جداً.
ثم استفهم منكراً لرأيهم فقال: ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ وفيه تعيير لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم ومع ذلك يطلبون حكم الملّة الجاهلية التي هي محض الجهل وصريح الهوى.
وقال مقاتل: إن قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى.
فقال رسول الله : القتلى بواء أي سواء.
فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك فنزلت.
وعن الحسن هو عام في كل من يبتغي غير حكم الله.
وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض فتلا هذه الآية.
واللام في قوله: ﴿ لقوم يوقنون ﴾ للبيان كاللام في: ﴿ هيت لك ﴾ أي هذا لخطاب وهذا الاستفهام لهم لأنهم الذين يعرفون أنه لا أحد أعدل من الله حكماً ولا أحسن منه بياناً.
قال عطية العوفي: "جاء عبادة بن الصامت فقال: يا رسول الله إن لي موالي من اليهود كثيراً عددهم حاضراً نصرهم/ وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولاية اليهود، أو إلى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية اليهود.
فقال رسول الله : يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه.
قال: قد قبلت فأنزل الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ﴾ " تعاشرونهم معاشرة المؤمنين.
ثم علل النهي بقوله: ﴿ بعضهم أولياء بعض ﴾ لأن الجنسية علة الضم.
ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ ومن يتولهم منكم فإنه منهم ﴾ من جملتهم وحكمه حكمهم ولذلك قال ابن عباس: يريد أنه كافر مثلهم وفيه من التغليظ والتشديد ما فيه.
﴿ إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفرة فوضعوا الولاء في غير موضعه.
عن أبي موسى الأشعري قال: قلت لعمر بن الخطاب: إن لي كاتباً نصرانياً فقال: ما لك قاتلك الله ألا اتخذت حنيفاً؟
أما سمعت هذه الآية؟
قلت: له دينه ولي كتابته.
فقال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذا أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله.
قلت: لا قوام بالبصرة إلاّ به.
قال: مات النصراني والسلام يعني هب أنه قد مات فما كنت تكون صانعاً حينئذٍ فاصنعه الآن.
﴿ فترى الذين في قلوبهم مرض ﴾ يعني أمثال عبدالله بن أبي ﴿ يسارعون فيهم ﴾ في موالاة اليهود والنصارى يهود بني قينقاع ونصارى نجران لأنهم كانوا أهل ثروة وكانوا يعينونهم على مهامهم ويقرضونهم ﴿ يقولون ﴾ يعتذرون عن الموالاة بقولهم: ﴿ نخشى أن تصيبنا دائرة ﴾ قال الواحدي: هي الدولة ومثلها صروف الزمان ونوائبه.
وقال الزجاج: نخشى أن لا يتم الأمر لمحمد فيدور الأمر كما كان قبل ذلك.
ثم سلى رسوله والمؤمنين بقوله: ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ﴾ فعسى من الله الكريم إطماع واجب.
والفتح إما فتح مكة أو مطلق دولة الإسلام وغلبة ذويه.
وقوله: ﴿ أو أمر من عنده ﴾ المراد به فعل لا يكون للناس فيه مدخل ألبتة كقذف الرعب في قلوب بني النضير وغيرهم من الكفار.
وقيل: هو أن يؤمر النبي بإظهار المنافقين وقتلهم.
﴿ فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم ﴾ من النفاق والشك في أن أمر الرسول يتم ﴿ نادمين ويقول الذين آمنوا ﴾ قال الواحدي: حذف الواو ههنا كإثباتها فلهذا جاء في مصاحف أهل الحجاز والشام بغير واو، وفي مصاحف أهل العراق بالواو، وذلك أن في الجملة المعطوفة ذكراً من المعطوف عليها، فإنقوله: ﴿ أهؤلاء ﴾ إشارة إلى الذين يسارعون، فلما حصل في كل من الجملتين ذكر من الأخرى حسن الوجهان.
ووجه العطف مع النصب ظاهر ووجه ذلك مع الرفع على أنه كلام مبتدأ أي ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت.
ووجه الفصل هو أن يكون جواب سائل يسأل فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ وإنما يقولون هذا القول فيما بينهم تعجباً من حالهم وفرحاً بما/ منّ الله عليهم من التوفيق في الإخلاص، أو يقولونه لليهود الذين كانوا يحلفون لهم بالمعاضدة والنصرة كما حكى الله عنهم: ﴿ وإن قوتلتم لننصرنكم ﴾ وقوله: ﴿ جهد أيمانهم ﴾ أي بإغلاظ الأيمان نصب على الحال أي يجتهدون جهد أيمانهم أو على المصدر من غير لفظه.
﴿ حبطت أعمالهم ﴾ من قول الله أو من جملة قول المؤمنين أي بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها رياء.
وفيه معنى التعجب أي ما أحبط أعمالهم فما أخسرهم حيث بقي عليهم التعب في الدنيا والعذاب في العقبى ﴿ من يرتدّ منكم عن دينه ﴾ أي من يتولّ الكفار منكم فيرتد فليعلم أن الله يأتي بقوم آخرين ينصرون هذا الدين على أبلغ الوجوه.
وقال الحسن: علم الله أن قوماً يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم فأخبرهم أنه سيأتي ﴿ بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ فتكون الآية إخباراً عن الغيب وقد وقع فيكون معجزاً.
روي في الكشاف أن أهل الردّة كانوا إحدى عشرة فرقة، ثلاث في عهد رسول الله بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار الأسود العنسي وكان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلاده وأخرج عمال رسول الله فكتب رسول الله إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن فأهلكه الله على يدي فيروز الديلمي، بيته فقتله وأخبر رسول الله بقتله ليلة قتل فسر المسلمون وقبض رسول الله من الغد وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول.
وبنو حنيفة قوم مسليمة تنبأ وكتب إلى رسول الله : من مسليمة رسول الله إلى محمد رسول الله وأما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك.
فأجاب : من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب.
أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
فحاربه أبو بكر بجنود المسلمين وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة وكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام.
أراد في جاهليتي وإسلامي.
وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه رسول الله خالداً فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه.
وسبع في عهد أبي بكر: فزارة قوم عيينة بن حصن وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض بني تميم قوم سجاج بنت المنذر المتنبئة التي زوّجت نفسها مسيلمة الكذاب، وكندة قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد وحاربهم أبو بكر وكفى الله أمرهم على يديه.
وفرقة واحدة في عهد عمر غسان قوم جبلة بن الأيهم كان يطوف بالبيت ذات يوم بعد أن كان أسلم على يد عمر فرأى رجلاً جارّاً رداءه فلطمه فتظلم الرجل إلى عمر فقضى بالقصاص عليه.
فقال: أنا أشتريها بألف فأبى الرجل فلم يزل يزيد في الفداء إلى أن بلغ عشرة آلاف فأبى الرجل إلاّ القصاص فاستنظره فأنظره عمر فهرب إلى/ الروم وتنصر.
وتفسير المحبة قد مر في سورة البقرة في قوله: ﴿ يحبونهم كحب الله ﴾ وإنما قدم محبته على محبتهم لأن محبتهم إياه نتيجة محبته الأزلية إياهم فتلك أصل وهذه فرع.
والراجع من الجزاء إلى الاسم المتضمن للشرط محذوف معناه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم غيرهم ﴿ أذلة ﴾ جمع ذليل لأن ذلولاً من الذل نقيض الصعوبة لا يجمع على أذلة وإنما يجمع على ذلل.
وليس المراد أنهم مهانون عند المؤمنين بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق ولين الجانب، فإن من كان ذليلاً عند إنسان فإنه لا يظهر الكبر والترفع ألبتة.
ولتضمين الذل معنى الحنو العطف عدّي بعلى دون اللام كأنه قيل: عاطفين عليهم.
أو المراد أنهم مع شرفهم واستعلاء حالهم واستيلائهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم ليضموا إلى منصبهم فضيلة التواضع ﴿ أعزة على الكافرين ﴾ يظهرون الغلظة والترفع عليهم من عزه يعزه إذا غلبه ونحو هذه الآية قوله: ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم ﴾ أما الواو في قوله: ﴿ ولا يخافون ﴾ فإما أن تكون للحال أي يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين حيث يخافون لومة أوليائهم اليهود، وإما أن تكون للعطف كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام *** أي هم الجامعون بين المجاهدة لله وبين الصلابة في الدين إذا شرعوا في أمر من أمور الدين، لا يرعبهم اعتراض معترض.
وفي وحدة اللوم وتنكير اللائم مبالغتان كأنه قيل: لا يخافون شيئاً قط من لوم أحد من اللوام ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من نعوت الكمال من المحبة والذلة وغيرها ﴿ فضل الله ﴾ إحسانه وتوفيقه.
قالت الأشاعرة: إنه صريح في أن الأعمال مخلوقة لله .
والمعتزلة حملوه على فعل الألطاف.
وضعف بأن اللطف عام في حق الكل فلا بد للتخصيص من فائدة ﴿ والله واسع عليم ﴾ تام القدرة كامل العلم يعلم أهل الفضل فيؤتيهم الفضل.
واعلم أن للمفسرين خلافاً في أن القوم المذكورين في الآية من هم.
قال الحسن وقتادة والضحاك وابن جريج: هم أبو بكر وأصحابه لأنهم الذين قاتلوا أهل الردة.
وقال السدي: نزلت في الأنصار.
وقال مجاهد: هم أهل اليمن لأنها لما نزلت أشار النبي إلى أبي موسى الأشعري, وقال: هم قوم هذا.
وقال آخرون: هم الفرس لما روي "أنه سئل عن هذه الآية فضرب يده على عاتق سلمان وقال: هذا وذووه ثم قال: لو كان الدين معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس" .
وقالت الشيعة: نزلت في علي وكرّم الله وجهه لما روي أنه دفع الراية إلى علي يوم خيبر وكان قد قال: لأدفعن الراية إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ولأن ما بعد هذه الآية نازلة فيه باتفاق أكثر المفسرين قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهب الإمامية لأن الذين اتفقوا على إمامة أبي بكر، لو كانوا أنكروا نصاً جلياً على إمامة علي لكان كلهم مرتدين ثم لجاء الله بقوم تحاربهم وتردهم إلى الحق.
ولما لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضد فإن فرقة الشيعة مقهورون أبداً حصل الجزم بعدم النص.
ولناصر مذهب الشيعة أن يقول: ما يدريك أنه لا يجيء بقوم تحاربهم، ولعل المراد بخروج المهدي هو ذلك فإن محاربة من دان بدين الأوائل هي محاربة الأوائل وهذا إنما ذكرته بطريق المنع لا لأجل العصبية والميل فإن اعتقاد ارتداد الصحابة الكرام أمر فظيع والله أعلم.
ثم إنه لما نهى في الآي المتقدمة عن موالاة الكفار أمر بعد ذلك بموالاة من يحق موالاته فقال: ﴿ إنما وليكم ﴾ ولم يقل أولياؤكم ليعلم أن ولاية الله أصل والباقي تبع ﴿ الله ورسوله والذين آمنوا ﴾ وفيه قولان: الأول أن المراد عامة المؤمنين لأنّ الآية نزلت على وفق ما مر من قصة عبادة من الصامت.
وروي أيضاً أن عبد الله بن سلام قال: يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل فنزلت هذه الآية.
فقالوا: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء.
ثم قال: ﴿ الذين يقيمون الصلاة ﴾ ومحله رفع على البدل أو على هم الذين يقيمون، أو نصب بمعنى أخص أو أعني وفي الكل مدح والغرض تميز المؤمن المخلص عمن يدعي الإيمان نفاقاً ومعنى ﴿ وهم راكعون ﴾ قال أبو مسلم: أي منقادون خاضعون لأوامر الله ونواهيه.
وقيل: المراد ومن شأنهم إقامة الصلاة وخص الركوع بالذكر لشرفه.
وقيل: إنّ الصحابة كانوا عند نزول الآية مختلفين في هذه الصفات منهم من قد أتم الصلاة ومنهم من دفع المال إلى الفقير ومنهم من كان بعد الصلاة راكعاً فنزلت الآية على وفق أحوالهم.
القول الثاني أن المراد شخص معين وجيء به على لفظ الجمع ليرغب الناس في مثل فعله.
ثم إن ذلك الشخص من هو؟
روى عكرمة أنه أبو بكر وروى عطاء عن ابن عباس أنه علي .
روي أن عبد الله بن سلام قال: "لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله أنا رأيت علياً تصدق بخاتمه على محتاج وهو راكع فنحن نتولاه" .
وروي عن أبي ذر أنه قال: " صليت مع رسول الله يوماً صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء.
وقال: اللهم أشهد أني سألت في مسجد الرسول فما أعطاني أحد شيئاً وعليّ كان راكعاً فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم فرآه النبي فقال: اللهم إن أخي موسى سألك فقال: ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ إلى قوله: ﴿ وأشركه في أمري ﴾ فأنزلت قرآناً ناطقاً ﴿ سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً ﴾ اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي علياً اشدد به أزري.
قال أبو ذر: فوالله ما أتم رسول الله هذه الكلمة حتى نزل جبريل فقال: يا محمد اقرأ ﴿ إنما وليكم الله ﴾ الآية" .
فاستدلت الشيعة بها على أن الإمام بعد رسول الله هو علي بن أبي طالب لأن الولي هو الوالي المتصرف في أمور الأمة، وأنه علي برواية أبي ذر وغيره.
وأجيب بالمنع من أن الولي ههنا هو المتصرف بل المراد به الناصر والمحب لأن الولاية المنهي عنها فيما قبل هذه الآية، وفيما بعدها هي بهذا المعنى فكذا الولاية المأمور بها.
وأيضاً إن علياً لم يكن نافذ التصرف حال نزول الآية وإنها تقتضي ظاهراً أن تكون الولاية حاصلة في الحال.
وأيضاً إطلاق لفظ الجمع على الواحد لأجل التعظيم مجاز والأصل في الإطلاق الحقيقة، فالمراد بالذين آمنوا عامة المؤمنين وأن بعضهم يجب أن يكون ناصراً لبعض كقوله: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ﴾ وأيضاً الآية المتقدمة نزلت في أبي بكر كما مر من أنه هو الذي حارب المرتدين فالمناسب أن تكون هذه أيضاً فيه.
ثم إن علي بن أبي طالب كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الإمامية فلو كانت الآية دالة على إمامة عليّ لاحتج بها كما احتج بما ينقلون عنه أنه تمسك يوم الشورى بخبر الغدير وخبر المباهلة وجميع مناقبه وفضائله.
وهب أنها دالة على إمامته لكنه ما كان نافذ التصرف في حياة رسول الله فلم يبق إلا أنه سيصير إماماً ونحن نقول بموجبه ولكنه بعد الشيوخ الثلاثة.
ومن أين قلتم إنها تدل على إمامته بعد رسول الله من غير فصل؟
وأيضاً إنهم كانوا قاطعين بأن المتصرف فيهم هو الله ورسوله فلا حاجة بهم إلى ذكر ذلك.
فالمراد بقوله: ﴿ إنما وليكم الله ورسوله ﴾ أن من كان الله ورسوله ناصرين له فأي حاجة به إلى طلب النصرة والمحبة عن غيره، وإذا كان الولي مستعملاً بمعنى النصرة مرة امتنع أن يراد به معنى المتصرف لأنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه معاً فكأنه قسم المؤمنين قسمين وجعل أحدهما أنصاراً للآخر.
وأيضاً الزكاة اسم للواجب لا للمندوب، ومن المشهور أن علياً ما كان يجب عليه الزكاة، ولو سلم فاللائق بحاله أن يكون في الصلاة مستغرق القلب بالله فلا يتفرغ لاستماع كلام السائل ولا إلى دفع الخاتم إليه لأنه عمل كثير، اللهم إلا أن يكون الخاتم سهل المأخذ أو كان قد أومأ به إلى السائل فأخذه السائل.
والحق أنه إن صحت الرواية فللآية دلالة قوية على عظم شأن/ علي ، والمناقشة في أمثال ذلك تطويل بلا طائل إلا أن أصحاب المذاهب لما تكلموا فيها أوردنا حاصل كلامهم على سبيل الاختصار ﴿ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله ﴾ من إقامة المظهر مقام المضمر تشريفاً.
والمراد فإنهم هم الغالبون.
حزب الرجل أصحابه المجتمعون لأمر حزبهم.
وقال الحسن: جند الله.
أبو روق: أولياء الله.
أبو العالية: شيعة الله.
وقيل: أنصار الله.
الأخفش: هم الذين يدينون بدينه ويطيعونه فينصرهم.
صاحب الكشاف: يحتمل أن يراد بحزب الله الرسول والمؤمنون أي ومن يتولهم فقد تولى حزب الله واعتضد بمن لا يغالب.
ثم عمم النهي عن موالاة جميع الكفار فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ﴾ عن ابن عباس: كان رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، فكان رجال من المسلمين يوادّونهما فنزلت، يعني أن اتخاذهم دينكم هزواً ولعباً ينافي اتخاذكم إياهم أولياء بل يجب أن يقابل ذلك بالشنآن والبغضاء.
وإنما عطف الكفار على أهل الكتاب مع أن أهل الكتاب أيضاً كفار والعطف يقتضي المغايرة، لأنه أراد بالكفار المشركين الوثنيين خاصة لما أن كفرهم أغلظ فكانوا أحق باسم الكفر.
ومعنى تلاعبهم بالدين واستهزائهم به إظهارهم ذلك باللسان دون مواطأة الجنان.
﴿ واتقوا الله ﴾ في موالاة الكفار ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ حقاً لأن الإيمان الحقيقي يأبى موالاة أعداء الدين.
قال الكلبي: "كان منادي رسول الله إذا نادى إلى الصلاة فقام المسلمون إليها قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا صلوا لا صلوا ركعوا لا ركعوا على طريق الاستهزاء والضحك فنزل ﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها ﴾ " أي الصلاة والمناداة.
وهذا بعض ما اتخذوه من هذا الدين هزواًَ ولعباً، فلهذا أردفه بالآية المقدمة الكلية.
وقال السدي: "نزلت في رجل من النصارى بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله.
قال: حرق الكاذب.فدخل خادمه بنار ذات ليلة وهو نائم وأهله نيام فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله" .
وقال آخرون: "إن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا رسول الله والمسلمين على ذلك فدخلوا على رسول الله فقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئاً لم نسمع به فيما مضى من الأمم الخالية.
فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت من هذا الأذان الأنبياء قبلك، ولو كان في هذا الأمر خير كان أولى الناس به الأنبياء والرسل قبلك، فمن أين لك صياح كصياح العنز؟
فما أقبح من صوت وما أسمج من أمر.
فأنزل الله هذه الآية" ، وأنزل: ﴿ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ﴾ قال بعض العلماء: فيه دليل على ثبوت الآذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده.
وأقول: لو قيل إن أصل الأذان بالمنام والتقرير بنص الكتاب كان اصوب ذلك الاتخاذ.
﴿ بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ ما في الصلاة من المنافع لأنها التوجه إلى الخالق والاشتغال بخدمة المعبود، أو لا يفهمون ما في اللعب والهزء من السفه/ والجهل.
قال بعض الحكماء: أشرف الحركات الصلاة وأنفع السكنات الصيام.
التأويل: ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ﴾ أي بالحقيقة لأنه أنزل على قلبه وأنزل سائر الكتب في الألواح والصحف فلهذا كان خلقه القرآن.
وكان مهيمناً على جميع الكتب تصديقاً عيانياً لا بيانياً بحيث يشاهد قلب المنزل عليه بنوره حقائق جميع الكتب وأسرارها بخلاف ما أنزل في الألواح فإن الألواح لا تشهد ولا تشاهد حقائق الكتب ومعانيها ﴿ لكل جعلنا منكم ﴾ معاشر الأنبياء ﴿ شرعة ﴾ يشرع فيها بالبيان ﴿ ومنهاجاً ﴾ يسلك فيه بالعيان ﴿ ولكن ليبلوكم ﴾ أيها الأمم ﴿ فيما آتاكم ﴾ من البيات والتبيان والحجج والبرهان والعزة والسلطان، فابتلاكم بزينة الدنيا واتباع الهوى ونيل المنى والرفعة بين الورى والنجاة في العقبى ليهتدي التائبون بالبيان، ويستفيد العاملون بالبرهان، ويحكم العارفون بالسلطان بل يقصد الزاهدون برفض الدنيا ويقدم العابدون بنهي الهوى، ويسلك المشتاقون بنفي المنى، ويجذب العارفون بترك الورى، ويسلب الواصلون بالسلو عن الدنيا والعقبى ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ من هذه المقامات ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ اختياراً بقدم الصدق أو اضطراراً بحلول الأجل ﴿ فإن تولوا ﴾ عن قبول الحق ﴿ فاعلم ﴾ بمطالعة القضاء ﴿ أنما يريد الله ﴾ في حكم القدر ﴿ أن يصيبهم ﴾ مصيبة الإعراض ﴿ ببعض ذنوبهم ﴾ وهو الاعتراض، فإن الحق يلزم بشرط التكاليف ويقدمهم ويؤخرهم بعين التصريف.
فالتكليف فيما أوجب والتصريف فيما أوجدوا العبرة بالإيجاد لا بالإيجاب ﴿ لفاسقون ﴾ لخارجون عن جذبات العناية ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ أيطلبون منك أن تحيد عن المحجة المثلى بعد ما طلعت شموس الدنيا وسطعت براهين اليقين وانهتكت أستار الريب واستنار القلب بأنوار الغيب ﴿ يسارعون فيهم ﴾ لأن شبيه الشيء منجذب إليه ﴿ أن يأتي بالفتح ﴾ فتح عيون القلوب ﴿ أو أمر من عنده ﴾ وهو الجذبة التي توازي عمل الثقلين ﴿ ويقول الذين آمنوا ﴾ بأنوار الغيوب في أستار القلوب ﴿ فأصبحوا خاسرين ﴾ بإبطال الاستعداد الفطري.
﴿ بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ هم أرباب السلوك أفناهم عنهم بسطوات يحبهم ثم أبقاهم به عند هبوب نفحات يحبونه، فإن محبة الله للعبد إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية، ومحبة العبد بصفته ذاته أزلاً وهي الإرادة القديمة الناسوتية.
والشيخ نجم الدين الرازي المعروف بداية قد عكس القضية، فلعله فهم غير ما فهمنا.
ثم قال إنه يحب العبد بصفته ذاته أزلاً وهي الإرادة القديمة المخصوصة بالغاية، والعبد يحب الله بذات تلك الصفة أبداً ﴿ أذلة على المؤمنين ﴾ لارتفاع الأنانية ﴿ أعزه على الكافرين ﴾ ببقاء اللاهوتية وإثبات الوحدانية ﴿ يجاهدون في سبيل الله ﴾ في طلب الحق في البداية ببذل الوجود ﴿ ولا يخافون لومة لائم ﴾ عند غلبات الوجد في/ الوسط لدوام الشهود ذلك يعني صدق الطلب في البداية وغلبات الوجد في الوسط والاختصاص بالمحبة في النهاية ﴿ والله واسع ﴾ كرمه قادر على أن يتفضل على كل أحد لكنه ﴿ عليم ﴾ بحال كل أحد فلا يتفضل إلا على من يستأهله.
﴿ يقيمون الصلاة ﴾ يديمونها مراقبين حقوقها في الباطن بمراعاة السر ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ ما زكى من وجودهم وهو الفناء في الله ﴿ وهم راكعون ﴾ راجعون إلى الله بانحطاط.
فمن قيام البشرية إلى قيام القيومية هم الغالبون على أهوائهم وأنفسهم والدنيا والشيطان ﴿ الذين اتخذوا دينكم ﴾ يعني أهل الغفلة والسلو المستهزئين بأهل المحبة والقرب ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ أي العلوم الظاهرة والكفار يعني الفلاسفة ومقلديهم لأنهم بمعزل عن العلوم اللدنية والكشفية ﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة ﴾ دعوتموهم إلى محل القرب والنجوى ولا يعقلون بالوهم والخيال لذاذة شهود ذلك الجمال.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .
قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ .
قد ذكرناه، أيضاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ .
عن ابن عباس - - قال: مؤتمنا عليه.
والكسائي قال: المهيمن: الشهيد، وقيل: الرقيب على الشيء، قال: هيمن فلان على هذا الأمر؛ فهو مهيمن، إذا كان كالحافظ له والرقيب عليه.
وعن الحسن قال: ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ مصدقاً بهذه الكتب، وأميناً عليها.
والقتبي قال: أميناً عليه.
وأبو عوسجة قال: مسلطاً عليه.
وقيل: مفسراً يفسر التفسير.
وقال أبو بكر الكيساني: قوله: ﴿ وَمُهَيْمِناً ﴾ هي كلمة مأخوذة من كتبهم معربة، غير مأخوذة من لسان العرب.
وفيه إثبات رسالته ، وتأويله: هو شاهد وحافظ على غيره من الكتب، ومصدقاً لها أنها من عند الله نزلت سوى ما غيروا فيها وحرفوا؛ ليميز المغير منها والمحرف من غير المغير والمحرف.
قال ابن عباس - - ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ ، يعني: القرآن شاهد على الكتب كلها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ﴾ من الرجم في الزاني الثيب، على ما ذكر في بعض القصة: أنهم رفعوا إلى رسول الله في الزاني والزانية منهم، فطلبوا منه الجلد، وكان في كتبهم الرجم.
﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ قولهم: ﴿ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ .
أو أن يقال: احكم بينهم بما أنزل الله من القتل؛ لأنه ذكر في بعض القصة أن بني قريظة كانوا يرون لأنفسهم فضيلة على بني النضير، وكانوا إذا قتلوا منهم أحداً لم يعطوهم القود ولكن يعطوهم الدية، وإذا قتلوا هم أحداً منهم لم يرضوا إلا القود؛ فأنزل الله - -: ﴿ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ﴾ وهو القتل، ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ في تركهم القود، وإعطائهم الدية، والله أعلم بالقصة أن كيف كانت، وليس بنا إلى معرفة القصة ومائيتها حاجة، بعد أن نعرف ما أودع فيه وأدرج من المعاني.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً...
﴾ \[الآية\].
فإن قيل: كيف نهاه عن اتباع أهوائهم، وقد أخبر - عز وجل -: أنه جعل لكل شرعة ومنهاجا، وقد يجوز أن يكون ما هو هواهم شريعة لهم؟!: قيل: يحتمل النهي عن اتباع هواهم؛ لما يجوز أن يهووا الحكم بشريعة قد نسخ الحكم بها لما اعتادوا العمل بها؛ فالعمل بالمعتاد من الحكم أيسر فهووا ذلك.
أو كان ما نسخ أخف؛ فيهوون ذلك؛ فنهاه عن اتباع هواهم؛ لأنه العمل بالمنسوخ والعمل بالمنسوخ حرام.
أو أن هووا في بعضٍ على غير ما شرع، وفي بعضٍ: ما شرع، فإنما نهي عن اتباع هواهم بما لم يشرع، والله أعلم.
وقوله - -: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾ ، وليس في نسخ شريعة بشريعة خروج عن الحكمة [عند] من عرف النسخ؛ لأن النسخ بيان منتهي الحكم إلى وقت ليس على ما فهمت اليهود من البداء والرجوع عما كان، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم ما فيه مقنع بحمد الله وَمَنِّهِ.
[وقوله - عز وجل -: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾ ].
قال ابن عباس - -: "الشرعة: هي السبيل، وهي الشريعة، وجمعها: شرائع، وبها سميت شرائع الإسلام، وكل شيء شرعت فيه فهو شريعة.
وقال: "المنهاج: السنة، [والشرعة: هي السبيل"].
وقيل: الشرعة: السنة، والمنهاج: السبيل، يعني: الطريق الواضح الذي يتضح لكل سالك فيه إلا المعاند والمكابر؛ فإنه يترك السلوك فيه مكابرة، يخبر - عز وجل، والله أعلم - أنه لم يترك الناس حيارى لم يبين لهم الطريق الواضح يسلكون فيه؛ بل بيَّن لهم ما يتضح لهم إن لم يعاندوا؛ ليقطع عليهم العذر والحجاج، وإن لم يكن لهم حجاج، وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ .
اختلف فيه، قيل: لو شاء الله، لجعلكم جميعا على شريعة واحدة، لا تنسخ بشريعة أخرى، لكن نسخ شريعة بشريعة أخرى؛ لفضل امتحان، ولله أن يمتحن عباده بمحن مختلفة، كيف شاء بما شاء.
وقيل: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ، أي: على دين واحد، وهو دين الإسلام، لم يجعل كافراً ولا مشركاً، ولكن امتحنكم بأديان مختلفة على ما تختارون وتؤثرون، ثم اختلف في المشيئة: قالت المعتزلة: هي مشيئة الجبر والقسر.
وقال أصحابنا: المشيئة مشيئة الاختيار، وقد ذكرناها في غير موضع.
وقوله: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ﴾ .
قيل: سابقوا يا أمة محمد الأمم كلها بالخيرات.
ويحتمل قوله: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ﴾ .
أي: سابقوا إلى ما به تستوجبون المغفرة؛ كقوله: ﴿ سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
وأصل قوله: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ﴾ ، أي: اعملوا الخيرات؛ كقوله: ﴿ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً...
﴾ الآية [سبأ: 11].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ .
نهى رسوله - - أن يتبع أهواءهم - على العلم: أنه لا يتبع أهواءهم - والوجه فيما ما ذكرنا: أن العصمة لا تمنع النهي؛ بل تؤيد، وقد ذكرنا فيما تقدم.
ويحتمل أن يرجع النهي إلى غيره، ويراد بالنهي والأمر: غير المخاطب به؛ على ما ذكرنا من عادة الملوك: أنهم إذا خاطبوا، خاطبوا من هو أجل عندهم وأعظم قدراً، وأرفع منزلة؛ فعلى ذلك هذا.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ فيما غيروا وبدلوا؛ هذا يحتمل.
ويحتمل ألا تتبع أهواءهم: فيما طلبوا منك من الجلد مكان الرجم، أو الدية مكان القصاص؛ لما رأى بنو النضير لأنفسهم من الفضل على بني قريظة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ .
قوله: ﴿ أَن يَفْتِنُوكَ ﴾ ، أي: يصدوك عن الحكم ببعض ما أنزل الله إليك، والفتنة هي المحنة، وهي تتوجه إلى وجوه، وقد ذكرنا الوجوه فيه فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾ .
[قوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ : فإن أعرضوا] عن الحكم الذي تحكم بما أنزل الله؛ ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: إنما يعذبهم الله ببعض ذنوبهم، لا يعذبهم بجميع ذنوبهم.
وقال آخرون: عذاب الدنيا عذاب ببعض الذنوب، ليس هو عذاباً بكل الذنوب؛ لأنه لا يدوم، وأما في الآخرة: فإنهم يعذبون بجميع ذنوبهم؛ لأن عذاب الآخرة دائم؛ فهو عذاب بجميع الذنوب، وعذاب الدنيا زائل؛ فهو عذاب ببعض الذنوب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ .
قال بعضهم: هذا صلة قوله: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ ؛ فقال الله - عز وجل -: ﴿ أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ .
وقال آخرون: روي عن ابن عباس - - يقول: فحكمهم في الجاهلية يبغون عندك يا محمد في القرآن.
يعني: بني النضير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً ﴾ .
أي: لا أحد أحسن من الله حكماً، على إقرارهم أن الله إذا حكم لا يحكم إلا بالعدل.
<div class="verse-tafsir"
وأن احكم بينهم -أيها الرسول- بما أنزل الله إليك، ولا تتبع آراءهم النابعة من اتباع الهوى، واحذرهم أن يضلوك عن بعض ما أنزل الله عليك، فلن يألوا جهدًا في سبيل ذلك، فإن أعرضوا عن قبول الحكم بما أنزل الله إليك فاعلم أنما يريد الله أن يعاقبهم ببعض ذنوبهم عقوبة دنيوية، ويعاقبهم على جميعها في الآخرة، وإن كثيرًا من الناس لخارجون عن طاعة الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.BQqeX"