التفسير البسيط سورة المائدة

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > تفسير سورة المائدة

تفسيرُ سورةِ المائدة كاملةً من التفسير البسيط (الواحدي) (أبو الحسن الواحدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 542 دقيقة قراءة

تفسير سورة المائدة كاملةً (أبو الحسن الواحدي)

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَـٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ١

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾ .

العقد في اللغة معناه الجمع بين الشيئين بما يعسر انفصال أحدهما عن الآخر، كعقدة الحبل بالحبل، ثم يسمى العهد وما يؤكده الناس بينهم الأمانات والمواثيق عقدًا لإحكامه (١) قال أبو إسحاق: والعقود أوكد العهود، يقال: عقد فلان اليمين، إذا وَكّدها (٢) واختلفوا في معنى العقود ههنا: فقال ابن عباس في رواية عطاء (٣) (٤) قال ابن عباس: العقود: ما أحل الله، وما حرم الله، وما فرض الله، وما حدّ في القرآن كله (٥) فعلى هذا العقود جمع العقد بمعنى المَعْقُود، وهو الذي أحكم، وما فرضه الله علينا فقد أحكم ذلك ولا سبيل إلى نَقْضِه بِحَال.

وهذا رواية أبي الجوزاء (٦) (٧) وقال الكلبي: يقول: أتموا الفرائض ما افترض الله على العباد مما أحل لهم وحرم عليهم، والعهود التي بينكم وبين الناس (٨) والعهود تسمى عقودًا؛ لأنك تقول: عهدت إلى فلان كذا وكذا، تأويله ألزمته، كذا (٩) (١٠) والعقود التي بين الناس على ضربين: لازمة، وجائزة.

واللازمة كالنكاح والبيع والإجارة (١١) وما كان جائزًا: فالعاقد مندوب إلى الوفاء به، ولا يجب، لقوله  : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه" (١٢) فأباح له ترك ما حلف عليه بشرط التكفير إذا رأى غير ما حلف عليه خيرًا، ففي الذي له يحلف عليه أولى أن يَجُوز (١٣) وقوله تعالى: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ ﴾ .

الأكثرون على أن هذا ابتداء كلام آخر (١٤) وقال بعضهم: هذا متصل بالكلام الأول، على معنى: أوفوا بعقود من عاهدتم وتعففوا عن أموالهم بما أحل لكم من بهيمة الأنعام (١٥) والبهيمة اسم لكل ذي أربع من ذوات البَرّ والبَحر (١٦) قال ابن الأنباري: البهيمة معناها في اللغة: المُبهَمَة عن العقل والتمييز (١٧) وقال أبو إسحاق نحو هذا، فقال: كل حي لا يُمَيِّز فهو بهيمة، وإنما قيل له بهيمة لأنه أبهم عن أن يميز (١٨) والأنعام جمع النَّعَم، وهي الإبل والبقر والغنم وأجناسها، في قول جميع أهل اللغة والتأويل (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) واختلفوا في المَعْنِي بـ (بهيمة الأنعام)، فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الضأن والمعز والإبل والبقر (٢٣) وهذا قول الحسن وقتادة والربيع والضحاك والسدي، قالوا: هي الأنعام كلها (٢٤) وعلى هذا القول قال ابن الأنباري: إنما أضاف البهيمة إلى الأنعام على جهة التوكيد والإطناب في المعنى، ولو قال: أحلت لكم الأنعام لم يسقط بسقوط البهيمة إلا زيادة التوكيد، وهذا كما يقال: نفس الإنسان (٢٥) وقال الكلبي: بهيمة الأنعام وحشيها (٢٦) (٢٧) وهو اختيار الفراء (٢٨) (٢٩) وعلى هذا القول قال أبو بكر: أضاف البهيمة إلى الأنعام؛ لأنه (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ﴾ .

أي: إلا ما يُقرأ عليكم في القرآن مما حرم عليكم، وهو قوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ  ﴾ .

قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي (٣١) وقوله تعالى: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ .

انتصب (غيرَ) على الحال من قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ ﴾ (٣٢) وقال الفراء: هو مثل قولك: أحل لك هذا الشيء لا مفرطًا فيه ولا متعديًا، فإذا جعلت (غيرَ) مكان (لا)، صار النصب الذي بعد (لا) في (غير) (٣٣) والمعنى: أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا أن تحلوا الصيد في حال الإحرام، فإنه لا يحل لكم إذا كنتم محرمين.

ويقال: رجل حرام، وقوم حُرُم، أي: محرمون (٣٤) والإضافة في قوله تعالى: ﴿ مُحِلِّي الصَّيْدِ ﴾ على تقدير الانفصال؛ لأن ما كان من هذا الباب للاستقبال وللحال أثبتت فيه النون والتنوين، نحو: ضارب زيدًا، وضاربون زيدًا (٣٥) ﴿ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾ قال أبو إسحاق: أي الخلق له جل وعز يُحل منه ما يشاء لمن يشاء، ويُحرم ما يريد (٣٦) (١) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 46 - 47، و"تهذيب اللغة" 1/ 2511، و"الصحاح" 2/ 510 (عقد)، و"التعريفات" ص 153.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 139.

(٣) ثبت ذلك من طريق علي بن أبي طلحة كما في "تفسير ابن عباس" ص 165، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 47 (٤) أخرج الآثار عنهم الطبري في "تفسيره" 6/ 47.

(٥) "تفسير ابن عباس" ص 165، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 48.

(٦) هو أوْس بن عبد الله الربعي البصري، تابعي ثقة، يرسل كثيراً، وحديثه عند الجماعة، مات -رحمه الله- سنة 83 هـ.

انظر: "ميزان الاعتدال" 1/ 278، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 371، و"التقريب" ص 116 رقم (577).

(٧) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 786 دون نسبة ولم أقف عليه.

(٨) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 106.

(٩) في (ش): (ذلك).

(١٠) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2607 (عهد).

(١١) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 48 - 49.

(١٢) أخرجه البخاري بنحوه (6622) كتاب: الأيمان والنذور، باب: قول الله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ ومسلم بلفظه (1650) كتاب الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها.

(١٣) في (ش): (يكون)، والمعنى واحد.

(١٤) انظر: "بحر العلوم" 1/ 412، و"الكشاف" 1/ 320.

(١٥) لم أقف عليه.

(١٦) "تهذيب اللغة" 1/ 409 (بهم)، وانظر: "الدر المصون" 4/ 177، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 34.

(١٧) لم أقف عليه.

(١٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 141.

(١٩) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 139، والطبري في "تفسيره" 6/ 51، و"معاني القرآن" للنحاس 2/ 248، "تهذيب اللغة" 4/ 3616 - 3617 (نعم)، و"بحر العلوم" 1/ 412.

وابن قتيبة والسمرقندي زادا (الوحوش)، وهو غريب.

(٢٠) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 51.

(٢١) زيادة في (ش).

(٢٢) نَعمة الوطء، بفتح النون، ولعل المراد تشبيه غير ذات الحافر بمن يمشي حافيا من قولهم: تنعم الرجل: إذا مشى حافيًا.

انظر: "اللسان" 6/ 4484 (نعم).

(٢٣) لم أقف عليه.

(٢٤) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 248، و"زاد المسير" 2/ 268، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 34.

(٢٥) لم أقف عليه.

(٢٦) في (ج): (وحشها) بدون ياء.

(٢٧) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 106.

(٢٨) "معاني القرآن" 1/ 298.

(٢٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 140.

(٣٠) في (ج): (لأنها).

(٣١) "تفسير ابن عباس" ص 166، وأخرج الآثار عن الجميع إلا الحسن والطبري في "تفسيره" 9/ 458.

وانظر: "تفسير الهواري" 1/ 443 ن "زاد المسير" 2/ 269.

(٣٢) انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 217، و"الكشاف" 1/ 320، و"الدر المصون" 4/ 178.

(٣٣) "معاني القرآن" 1/ 298.

(٣٤) "معاني الزجاج" 2/ 141، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 794 (حرم)، و"زاد المسير" 2/ 269.

(٣٥) انظر: "معاني الفراء" 1/ 298، و"معاني الزجاج" 2/ 141.

(٣٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 142.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَـٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًۭا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا۟ ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا۟ ۘ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ٢

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ﴾ الآية.

الشعائر واحدتها: شعيرة، وهي فعيلة بمعنى مُفْعَلَة، والمُشْعَرة: المُعْلَمة، والإشعار: الإعلام من طريق الإحساس، والشعر: العلم من طريق الحس.

ذكرنا ذلك في أول البقرة.

وكل شيء أُعلِم فقد أشعر، ومنه السنّة في إشعار الهدي، هذا معنى الشعائر في اللغة (١) والهدي التي تهدى إلى مكة تسمى شعائر؛ لأنها مُشعَرةٌ بالدم (٢) نُقَتَّلهم جيلًا فجيلًا تراهم ...

شعائرَ قُربانٍ بهِم يُتَقَرَّبُ (٣) فأما التفسير فقال ابن عباس في رواية عطاء: أن (الحَطيم بن ضبيعة -واسمه شريح (٤) (٥)  - من اليمامة (٦)  الإسلام، فلم يسلم، فلما خرج مرّ بسّرح المدينة فاستاق الإبل، فطلبوه فعجزوا عنه، فلما خرج رسول الله  عام القضية سمع تلبية حجاج اليمامة، فقال لأصحابه: "هذا الحطيم وأصحابه، فدونكم" وكان قد قلّد ما نهب من سرح النبي  وأهداه إلى الكعبة، فلما توجّهوا في طلبه أنزل الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ﴾ يريد (ما) (٧) (٨) (٩) وهذا قول جماعة من أهل المعاني.

قال أبو عبيدة: الشعائر في كلام العرب: الهدايا المُشعرة (١٠) وقال الزجاج: هي ما أشعر، أي أُعلم ليهدى إلى بيت الله الحرام (١١) وقال جماعة: هي جميع متعبدات (الله) (١٢) (١٣) قال ابن عباس ومجاهد: هي مناسك الحج (١٤) وقال عبد الله بن مسلم: هي كل شيء جعل علمًا من أعلام طاعته (١٥) فالشعائر: العلامات والمعالم للحج نحو الصفا والمروة والمواقيت وعرفة وما أشبهها، فإن قلنا: المراد بالشعائر في هذه الآية الهدايا كان المعنى: لا تحلوها بإباحة نهبها والإغارة، وإن قلنا: إنها معالم الحج كان المعنى: لا تحلوها بتجاوز حدودها والتقصير فيها والتضييع لها.

وقال الفراء: كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من شعائر الحج، ولا يطوفون بينهما فأنزل الله: لا تستحلوا ترك ذلك (١٦) وروى أبو صالح عن ابن عباس: يقول: لا تستحلوا شيئًا من ترك المناسك كلها التي أمر الله بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، ومسح الركن، والإفاضتين، من عرفات ومن جَمْع ورمي الجمار؛ لأن عامة العرب كانوا لا يرون الصفا والمروة من شعائر الله والحُمس (١٧) (١٨) (١٩) لا يرون عرفات من شعائر الله (٢٠) وقال في رواية أخرى: كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، ويتّجرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فأنزل الله: ﴿ لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ﴾ (٢١) وقال الكلبي: أي لا تستحلوا ترك شيء من المناسك (٢٢) وزعم بعضهم أن هذا ورد في النهي عن مجاوزة الميقات بغير إحرام (٢٣) وهذا معنى يحتمله اللفظ؛ لأن تقدير الآية على القول الذي يقول: إن الشعائر المعالم: لا تحلوا شعائر الله بتركها على ما بينا، والمواقيت من شعائر الله.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ ﴾ .

بالقتال فيه.

عن ابن عباس (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا الْهَدْيَ ﴾ .

الهدي ما أُهدِي إلى بيت الله تعالى من ناقة وبقرة أو شاة (٢٦) (٢٧) حلفت بربَّ مكة والمُصَلَّى ...

وأعناق الهديَّ مُقلَّدَات (٢٨) وقد مضى الكلام فيه (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا الْقَلَائِدَ ﴾ .

هي جمع قلادة، وهي: ما جُعل في العنق، سواء جعل في عنق الإنسان أو البدنة أو الكلب (٣٠) واختلفوا في تفسير القلائد ههنا، فقال أكثر المفسرين: هي الهدايا المُقلَّدة (٣١) وعلى هذا المراد: ولا ذوات القلائد، ثم حذف المضاف، وذكر ذوات القلائد بعد ذكر الهدي؛ لأنهم نهوا عنها مقلدة وغير مقلدة، أو أراد المقلدة مما لا يكون هديًا، ولكنها قلدت ليأمنوا بها (٣٢) وقال ابن عباس: يقول لا تعترضوا الهدي ولا تُخيفوا من قلّد بعيره (٣٣) وهذا يدل على أن المراد بالقلائد أصحابها، وهو أيضًا من باب حذف المضاف.

قال المفسرون: كانت الحرب في الجاهلية قائمة بين العرب طول الدهر، يتغاورون ويتناهبون إلا في الأشهر الحرم، فمن وُجد في غير هذه الأشهر أصيب منه إلا أن يكون مشعرًا بدنة أو سائقًا هديًا أو مقلدًا نفسه وبعيره من لحاء شجر الحرم، أو مُحرِمًا بعمرة إلى البيت، فلا يُتعرض لهؤلاء، فأمر الله المسلمين بإقرار هذه الأَمَنَة على ما كانت في الجاهلية لضرب من المصلحة إلى أن نسخها (٣٤) وقال ابن الأنباري: إن الرجل من العرب كان إذا خاف على نفسه عدوا، أو مُطالبا بثأر، وأراد سفرًا تقلد بشيء من لحاء شجر الحرم، فلا يلقاه أحد فيعرض له، وكان إذا خاف على بعيره قلده أيضًا فلا يتعرض له من يراه من أعدائه، وإن تعرض له عُيَّر بذلك وسُبّ ولم يزل مأثورًا عليه، قال الشاعر يعيب رجلين [قتلا رجلين] (٣٥) أَلَم تَقْتُلا الحِرجَينِ إذ أعوَرَا لكم ...

يُمِرَّانِ بالأيدي اللِّحاءَ المُضَفَّرَا (٣٦) يريد باللحاء: شجر الحرم (٣٧) وقال مُطَرَّف بن الشخير (٣٨) (٣٩) والظاهر القول الأول، وهو اختيار الفراء والزجاج (٤٠) قال الفراء: كانت العرب إذا أرادت أن تسافر في غير الأشهر الحرم قلد أحدهم بعيره فيأمن بذلكن فقال لا تخيفوا من قلد، وكان أهل مكة يقلدون بلحاء الشجر، وسائر العرب تقلد بالوبر والشعر (٤١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ﴾ .

قال الفراء: يقول: ولا تمنعوا من أمّ البيت الحرام أو أراده من المشركين (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد التجارة (٤٣) وقال ابن عمر: الربح في التجارة (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ وَرِضْوَانًا ﴾ .

قال ابن عباس: يعني: أنهم يترضون الله بحجهم (٤٥) ﴿ وَرِضْوَانًا ﴾ : يريد وإن كانوا مشركين (٤٦) قال أهل العلم: إن المشركين كانوا يقصدون بحجهم ابتغاء رضوان الله، وإن كانوا لا ينالون ذلك فغير بعيد أن يثبت لهم بذلك القصد نوع من الحرمة (٤٧) وقال أهل المعاني: معنى قوله: ﴿ وَرِضْوَانًا ﴾ أىِ: على زعمهم وفيما يظنون؛ لأن الكافر لا ينال الرضوان (٤٨) ﴿ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ  ﴾ ، وذلك على حكاية قولهم: نطلب الرضوان (٤٩) وقد جاءت هذه الحكاية عن العرب مجيئًا متبعًا، قال زهرة اليمن (٥٠) أبلغ كُلَيبا وأبِلغ عنكَ شاعَرها ...

أني الأغرّ وأني زُهرةٌ اليمنِ (٥١) وقال جرير: ألم يَكنْ في وُسوم قَد وُسِمتَ بها ...

مَن حَان موعظةً يا زُهرةَ اليَمنِ (٥٢) قال أكثر (٥٣) (٥٤) ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ .

وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة (٥٥) وأكثر أهل العلم قالوا: نسخت هذه الآية قوله تعالى: ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا  ﴾ فلا يجوز أن يحج مشرك، ولا يأمن الكافر بالأشهر الحرم والهدي والقلائد والحج (٥٦) وقال الشعبي: لم ينسخ من المائدة إلا آية واحدة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ﴾ (٥٧) وذهب جماعة إلى أنه لا منسوخ في هذه السورة، وأن هذه الآية محكمة (٥٨) قال أبو بكر ابن الأنباري: فمن ذهب إلى أن هذه الآية محكمة قال: ما ندبنا الله تعالى إلى أن نُخيف من يقصد بيته من أهل شريعتنا في الشهر الحرام ولا في غيره، وفصل الشهر الحرام من غيره بالذكر تعظيمًا له وتفضيلاً، وحرم علينا أخذ الهدي من المهدين وصرفه عن بلوغ محله، وحرم علينا القلائد، أي إخافة المستجيرين بالبلد الحرام.

هذا كلامه (٥٩) وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ﴾ .

قال أبو إسحاق: هذا لفظ أمر، معناه الإباحة؛ لأن الله عز وجل حرم الصيد على المحرم وأباحه له إذا حل من إحرامه، ليس أنه واجب عليه إذا حلّ أن يصطاد، ومثله قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا  ﴾ تأويله: أنه قد أبيح لك ذلك بعد الفراغ من الصلاة، ومثل ذلك في الكلام: لا تدخلن هذه الدار حتى تؤدي ثمنها، فإذا أديت ثمنها فادخلها، تأويله: فإذا أديت فقد أبيح لك دخولها (٦٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ .

قال ابن الأعرابي: الجَرْم مصدر الجارم الذي يجرم نفسه وقومه شرًا (٦١) والمفسرون يقولون في هذا: لا يحملنكم بغض قوم (٦٢) وهو قول ابن عباس وقتادة (٦٣) (٦٤) قال أبو العباس: يقال: جرمني زيد على بغضك، أي: حملني عليه (¬6).

وأكثر أهل اللغة والمعاني يقولون: لا يُكْسِبَنَّكم (٦٥) قال الفراء: سمعت العرب تقول (٦٦) (٦٧) وقال في قول الشاعر: جَرَمَتْ فَزَارَةَ بعدَها أنْ يَغْضبُوا (٦٨) (فزارة) منصوبة في البيت، المعنى: جرمتهم الطعنة الغضب، أي: أكسبتهم (٦٩) ومثل ذلك قال ابن الأنباري في: ﴿ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ ، وأنشد: نصَبنا رأسه في رأس جِذْع ...

بما جَرَمَت يداه وما اعتَدَيْنَا (٧٠) وقال أبو علي: تأويل: ﴿ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ يكسبنكم، وهو فعل متعدًّ إلى مفعولين، كما أن (يكسبنكم) كذلك، وأما قول الشاعر في صفة عقاب: جَريمةُ ناهضٍ ....

البيت (٧١) يحتمل تأويلين: أحدهما: جريمة قوتِ ناهضٍ، أي: كاسبُ قوته، وجريم وجارم، كما قالوا: ضاربُ قداحٍ، وضريب قداح، وعريفٌ وعارفٌ.

والآخر: أن لا يقدر حذف المضاف، وتضيف جريمة إلى ناهض، والمعنى: كاسب ناهض، كما تقول: بديعٌ كاسبُ مولاهُ، أي يسعى له ويردّ عليه.

فَجَرمَ يستعمل في الكسب وما يُردُّ سعيُ الإنسان عليه، وأما أجرم فيقال في اكتساب الإثم (٧٢) ومعنى ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ لا تكتسبوا لبغض قوم عدوانًا ولا تقترفوه.

ولفظ النهي واقع على الشنآن، والمعنى بالنهي المخاطبون، كما قالوا: لا أرينك ههنا، ﴿ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  ﴾ ، وكذلك: ﴿ وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ  ﴾ (أن يصيبكم) المفعول الثاني، وأسماء المخاطبين المفعول الأول، ولفظ النهي واقع على الشقاق، والمعنيّ بالنهي المخاطبون.

كذلك في هذه الآية، المفعول الأول: المخاطبون، والثاني قوله ﴿ أَنْ تَعْتَدُوا ﴾ ، والمعني بالنهي المخاطبون، وإن كان لفظ النهي واقعًا على الشقاق، أي: لا تكتسبوا أنتم (٧٣) وقوله تعالى: ﴿ شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ .

قال أبو زيد: شنئت الرجل أشَنؤُه شنْأً، وشنآنًا، وشُنأً، ومشنأةً، إذا أبغضتَه (٧٤) وزاد الفراء وأبو عمرو: شنْأ، بالكسر (٧٥) (٧٦) (٧٧) وقال أبو زيد: رجل شنآنٌ، وامرأة شنآَنةٌ، مصروفان.

قال: وقد يقال: رجل شنآنُ بغير صرف، لأنك تقول: امرأة شَنْأى (٧٨) (٧٩) (٨٠) وإن عَابَ فيه ذُو الشنَانِ وفَنَّدا (٨١) قوله: (ذو الشنانِ) على التخفيف القياسي، كقولك في تخفيف ظمآن، وملآن: ظمان، وملان.

تحذف الهمزة وتلقي حركتها على ما قبلها.

وأما فعلان في الوصف فليس بالكثير إذا لم يكن له فعلى، ومن ذلك: شيحان (٨٢) وفعلان قد جاء أيضًا مصدرًا ووصفًا، فالمصدر كالنَّقَزان، والنّغَران، والغَلَيَان، والنَّفَيَان، والغَثَيَان.

والشنآن جاءت على ما جاءت عليه هذه المصادر.

والوصف نحو: الزَّفَيان، والصَّمَيان، والقَطَوان من (قولك (٨٣) (٨٤) وقبلك ما هاب الرجالُ ظلامَعي ...

وفقَّأت عَينَ الأشوسِ (الأبيان (٨٥) وقد يجيء الاسم الذي لا يكون صفة على فَعَلان نحو: الوَرَشَان، والعلَجَان، وهو شجر يستاك به (٨٦) واختلف القراء في هذا الحرف، فالأكثرون قرءوا على: فَعْلاَن (٨٧) ومن أسكن النون فإن المصدر قد جاء أيضًا على: فعلان، كما ذكرنا.

وإذا كان كذلك فالمعنى في القراءتين واحد وإن اختلف اللفظان، والمعنى: لا يجرمنكم بغض قوم -أي بغضكم قوما بصدهم إياكم ومن أجل صدهم أياكم- أن تعتدوا، فأضيف المصدر إلى المفعول وحذف الفاعل، كقوله تعالى: ﴿ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ  ﴾ ، و ﴿ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ  ﴾ ، ونحو ذلك (٨٨) واختلفوا في قوله: ﴿ أَنْ صَدُّوكُمْ ﴾ فقرأ أبو عمرو وابن كثير بكسر الهمزة، والباقون بفتحها (٨٩) وحجة من كسر الهمزة أنه جعل (أنْ) للجزاء وإن كان الصد ماضيًا؛ لأن المراد: بالصد ههنا: ما كان من المشركين من صدهم المسلمين عن البيت في الحديبية، والماضي لا يكون فيه الجزاء، غير أنه قد يقع في الجزاء لا على أن المراد بالماضي الجزاء، ولكن المراد بالماضي ما كان مثل هذا الفعل؛ كأنه يقول: إن وقع مثل هذا الفعل لا يقع منكم كذل، وعلى ذلك قول الشاعر: إذا ما انتَسَبنْا لم تَلِدني لَئِيمةٌ ...

ولم تَجِدِي مِنْ أَنْ تُقِرَّي بِه بُدّا (٩٠) فانتفاء الولادة أمر ماض وقد جعله جزاء، فكأن المعنى: إن (أنتسب (٩١) (٩٢) ﴿ لَا يَجْرِمَنَّكُم ﴾ المعنى: إن صدوكم (٩٣) وأما قول من فتح فبين لا مؤونة فيه، وهو أنه مفعول له، التقدير: لا يجرمنكم شنآن قوم؛ لأن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا.

فأنْ الثانية في موضع نصب لأنه المفعول الثاني، والأولى منصوبة لأنه مفعول له (٩٤) قال مقاتل في قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ ﴾ الآية: يقول لا يحملنكم بغض كفار مكة أن صدوكم يوم الحديبية عن المسجد الحرام أن تعتدوا على حجاج اليمامة فتستحلوا منهم محرمًا، وتمنعوهم عن المسجد الحرام كما منعكم كفار مكة، أو تعرضوا للهدي (٩٥) وقوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ .

قال الفراء: لِيعُن بعضكم بعضًا.

(قال): وهو في موضع جزم؛ لأنه أمر وليس بمعطوف على (تعتدوا) (٩٦) وقال الزجاج: ما مضى من هذه الآية: كله منسوخ إلا تعاون (المسلمين (٩٧) (٩٨) قال ابن عباس: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ وهو ما أمرت به، (والتقوى) ترك ما نهيت عنه (٩٩) (١٠٠) وقال عطاء في البر والتقوى: يريد كل ما كان لله فيه رضي (١٠١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ .

قال عطاء: يريد معاصي الله والتعدي في حدوده (١٠٢) قال مقاتل ثم حذرهم فقال: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ فلا تستحلوا مُحَرّمًا.

﴿ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ إذا عاقب (١٠٣) (١) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 137، والطبري في "تفسيره" 6/ 55، و"معاني الزجاج" 2/ 142، و"تهذيب اللغة" 2/ 1884 (شعر).

(٢) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1884 (شعر).

(٣) استشهد به في "مجاز القرآن" 1/ 146.

(٤) ما بين القوسين سقط من (ش).

(٥) لم أقف له على ترجمة.

(٦) اليمامة: مدينة من اليمن تقع على بعد مرحلتين من الطائف وأربع مراحل من مكة.

انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" الجزء الثالث، القسم الثاني ص 210.

(٧) ساقطة من (ش).

(٨) في (ج): (الله).

(٩) جاء ذلك مقطوعًا عن السدي وعكرمة كما في الطبري في "تفسيره" 6/ 58، و"أسباب النزول" للمؤلف ص 191، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 5، "لباب == النقول" ص 86.

ولم أقف على رواية عطاء.

وانظر: "الناسخ والمنسوخ في القرآن" لهبة الله بن سلامة ص 62.

(١٠) "مجاز القرآن" 1/ 146.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 142.

(١٢) ما بين القوسين ساقط من (ش).

(١٣) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 55، و"بحر العلوم" 1/ 413.

(١٤) "تفسير ابن عباس" ص 166، والطبري في "تفسيره" 6/ 54، و"تفسير مجاهد" 1/ 183.

(١٥) "غريب القرآن" ص 137.

(١٦) "معاني القرآن" 1/ 298.

(١٧) الحُمس بضم الحاء وسكون الميم: قبائل من العرب تشددوا في دينهم.

"الاشتقاق" ص 250.

(١٨) قبيلة من العرب وتعد من الحُمس وتضم بطونًا كثيرة، نسبة إلى جدهم الجاهلي عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر، من في علان من العدنانية.

انظر: "الاشتقاق" ص 293، و"جمهرة أنساب العرب" / 272، و"الأعلام" 3/ 251.

(١٩) عبارة عن قبائل من العرب منهم: بنو الحُطيط وبنو غاضره وغيرهم، وينتسبون إلى قسي بن منبه.

انظر: "الاشتقاق" ص 301 - 307، و"جمهرة أنساب العرب" / 266.

(٢٠) لم أقف عليه.

(٢١) "تفسير ابن عباس" ص 166، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 54 من طريق ابن أبي طلحة أيضاً.

(٢٢) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 106.

(٢٣) انظر: "النكت والعيون" 2/ 6، و"زاد المسير" 2/ 272 (٢٤) في "تفسيره" ص 166، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 55.

(٢٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 55.

(٢٦) الطبري في "تفسيره" 6/ 55، 56.

(٢٧) انظر: "الصحاح" 6/ 2533، و"اللسان" 8/ 4642 (هدى).

(٢٨) البيت للفرزدق في "ديوانه" 1/ 108، و"اللسان" 8/ 4642.

(٢٩) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ ل 120.

(٣٠) "تهذيب اللغة" 3/ 3029 (قلد).

(٣١) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 56.

(٣٢) انظر: "معاني الفراء" 1/ 299، و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 137 - 138، والطبري في "تفسيره" 6/ 57، و"معاني الزجاج" 2/ 142.

(٣٣) أخرج الطبري في "تفسيره" 6/ 56 من طريق العوفي عن ابن عباس قال: (القلائد مقلدات الهدي، وإذا زيد الرجل هديه فقد أحرم، فإن فعل ذلك وعليه قميصه فليخلعه).

هذا ما وجدته عن ابن عباس.

(٣٤) هذا معنى قول عطاء وقتادة ومجاهد.

انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 56 ، 57، و"زاد المسير" 1/ 441.

(٣٥) ساقط من (ج).

(٣٦) البيت لحذيفة بن أنس الهذلي كما في "ديوان الهذليين" 3/ 19، و"المعاني الكبير" 2/ 1120، و"اللسان" 2/ 823 (حرج)، وعند الطبري في "تفسيره" 6/ 57، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 7 دون نسبة.

والحرجان: رجلان أبيضان، وقد يكون ذلك لقبًا لهما.

ومعنى أعورا لكم: أمكناكم من عورتهما، ويمران من أمر الحبل إذا قتله واللحاء: قشر الشجر، والمضفر: المجدول ضفائر.

والشاهد منه عيب من قتل المتقلدين بلحاء شجر الحرم.

(٣٧) لم أقف عليه عن ابن الأنباري، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 57، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 7.

(٣٨) هو أبو عبد الله مطرف بن عبد الله بن الشخير العامري البصري، ثقة عابد فاضل، مات سنة 95 هـ انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 88، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 187، و"التقريب" 534 رقم (6706).

(٣٩) أخرج نحوه عن عطاء: الطبري في "تفسيره" 6/ 57، وذكره عن مطرف وعطاء ابن كثير في "تفسيره" 2/ 6.

(٤٠) انظر: "معاني الفراء" 1/ 299، و"معاني الزجاج" 2/ 142.

(٤١) "معاني القرآن" 1/ 299.

(٤٢) "معاني القرآن" 1/ 299.

(٤٣) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 106.

(٤٤) أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 62، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 7.

(٤٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 62.

(٤٦) لم أقف عليه.

(٤٧) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 62.

(٤٨) انظر: "زاد المسير" 2/ 274.

(٤٩) انظر: "الخصائص" 2/ 461، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 405.

(٥٠) لم أقف على ترجمة له.

(٥١) البيت في "الحجة" 2/ 183، و"المسائل الحلبيات" ص 82، 161، و"الخصائص" 2/ 461.

(٥٢) "ديوان جرير" ص 467، وفيه: (يا حارث اليمن)، و"الحجة" 3/ 183، و"المسائل الحلبيات" ص 82، و"الخصائص" 2/ 461.

والشاهد من البيتين أن جريرًا دعا هذا الرجل بزهرة اليمن بناء على زعمه وقوله، الوسوم: جمع وسم، وهو أثر الكي، والمراد: أذى الهجاء، وحان: هلك.

(٥٣) لعل الصواب: بعض؛ لأن المؤلف ذكر رأي الأكثرية عقب هذا.

(٥٤) في (ش): (هنا).

(٥٥) هذا هو المشهور عن ابن عباس وقتادة، كما في "تفسير ابن عباس" ص 167، و"الناسخ والمنسوخ" لقتادة ص 40، وانظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 189، والطبري في "تفسيره" 6/ 60، 61، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 235، و"النكت والعيون" 2/ 9، و"زاد المسير" 2/ 278.

(٥٦) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 60، 61، و"معاني الزجاج" 2/ 142، و"زاد المسير" 2/ 278.

(٥٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 61، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 9، و"زاد المسير" 2/ 278.

(٥٨) قال الطبري في "تفسيره" 6/ 60: اختلف أهل العلم فيما نسخ من هذه الآية، بعد إجماعهم على أن منها منسوخًا، ونحو ذلك في "النكت والعيون" 2/ 6، وقد == نسب ما ذكره المؤلف من أنها محكمة إلى الحسن.

انظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 235، و"زاد المسير" 2/ 277.

(٥٩) لم أقف عليه.

(٦٠) "معاني الزجاج" 2/ 143.

(٦١) "تهذيب اللغة" 1/ 587 (جرم).

(٦٢) الطبري في "تفسيره" 6/ 63، و"معاني الزجاج" 2/ 143، و"تهذيب اللغة" 1/ 587 (جرم).

(٦٣) "تفسير ابن عباس" ص 168، وأخرجه عنهما الطبري في "تفسيره" 6/ 63.

(٦٤) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 588 (جرم).

(٦٥) انظر: "معاني الفراء" 1/ 299، و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 138.

قال الفراء: والمعنى متقارب.

(٦٦) في (ش): (يقولون)، وما أثبته موافق لما في "معاني الفراء".

(٦٧) من "معاني القرآن" 1/ 299، و"تهذيب اللغة" 1/ 588 بتصرف.

(٦٨) عجز بيت لأبي أسماء بن الضريبة الفزاري، وصدره: ولقد طعنت أبا عيينة طعنة "الكتاب" 3/ 138، و"مجاز القرآن" 1/ 147، و"المقتضب" 2/ 351، و"اللسان" 1/ 605 (جرم).

(٦٩) من "تهذيب اللغة" 1/ 588 (جرم).

(٧٠) لم أقف عليه.

(٧١) جزء من شطر بيت لأبي خراش الهذلي كما في "ديوان الهذليين" 2/ 133، و"الحجة" 3/ 196، و"تهذيب اللغة" 1/ 589 (جرم)، وتمام: جريمة ناهض في رأس نيق ...

ترى لعظام ما جمعت صليبا وجريمة: أي كاسبة.

والناهض: فرخ العقاب، والنيق: أرفع موضع في الجبل.

والصليب: ودك العظاء.

(٧٢) "الحجة" 3/ 196، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 587 - 588 (جرم).

(٧٣) انظر: "الحجة" 3/ 195 - 197.

(٧٤) "الحجة" 3/ 197.

(٧٥) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1941 (شنأ).

(٧٦) "مجاز القرآن" 1/ 148، وانظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 300، و"تهذيب اللغة" 1/ 1941 (شنأ).

(٧٧) "تهذيب اللغة" 2/ 1941 (شنأ).

(٧٨) "الحجة" 3/ 199.

(٧٩) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 147، و"الحجة" 3/ 199.

(٨٠) هو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الأنصاري، شاعر هجاء لقب بالأحوص لضيق في مؤخر عينيه، كان معاصرًا لجرير والفرزدق، وقد نفي إلى اليمن من قبل بني أمية لمبالغته في النسيب.

توفي سنة 105هـ.

انظر: "الشعر والشعراء" ص 345، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 593، و"الأعلام" 4/ 116.

(٨١) عجز بيت للأحوص في "ديوانه" ص 58 وصدره: وما العيش إلا ما تلذ وتشتهي والبيت في "مجاز القرآن" 1/ 147، و"الشعر والشعراء" ص 344، و"الحجة" 3/ 199.

والشاهد أن شنان جاء مخففًا، ومعناه: البغض والكره، وفندا: من التفنيد وهو التكذيب.

(٨٢) "الحجة" 3/ 201.

(٨٣) في (ج): (ذلك).

(٨٤) انظر: "الحجة" 3/ 202، 203.

(٨٥) في "النوادر" لأبي زيد ص 148، ونسبه لأبي المجشر الضبي شاعر جاهلي، و"الحجة" 3/ 209، والأشوس هو الرافع رأسه كثيراً.

انظر: "اللسان" 4/ 2359 (شوس).

(٨٦) انظر: "الحجة" 3/ 202.

(٨٧) هذه قراءة السبعة غير أبي عمرو وابن عامر ورواية عن عاصم ونافع.

انظر: "الحجة" 3/ 195، و"التيسير" ص 98.

(٨٨) "الحجة" 3/ 211.

(٨٩) "الحجة" 3/ 212، و"التيسير" ص 98.

(٩٠) البيت لزائدة بن صعصعة يعرّض فيه بزوجته وكانت أمها سرية.

انظر: "شرح أبيات المغني" 1/ 125.

(٩١) في (ش): (تنسب) وهو الموافق لما في "الحجة" 3/ 213.

(٩٢) في (ش): (مولودًا لئيمًا)، وفي "الحجة" 3/ 213: (مولود لئيمة)، ولعله هو الأرجح.

(٩٣) هكذا في (ش)، (ج)، وفي "الحجة" 3/ 293: (صدكم)، وهو الأولى.

(٩٤) انتهى من "الحجة" 3/ 212 - 214.

(٩٥) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 449، 450.

(٩٦) "معاني القرآن" 1/ 300.

(٩٧) تكررت في (ج).

(٩٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 144، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 442، و"زاد المسير" 2/ 278.

(٩٩) "تفسيره" ص 168، وأخرجه الطبري في "تفسيره" من طريق ابن أبي طلحة أيضًا 6/ 67.

(١٠٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 67.

(١٠١) في (ج): (رضا) بالألف، ولم أقف عليه عن عطاء.

(١٠٢) انظر: "زاد المسير" 2/ 277.

(١٠٣) انظر: "بحر العلوم" 1/ 414.

<div class="verse-tafsir"

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًۭا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍۢ لِّإِثْمٍۢ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٣

قوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴾ الآية.

قد شرحنا هذه الآية إلى قوله تعالى: ﴿ وَالْمُنْخَنِقَةُ ﴾ في سورة البقرة (١) فأما المنخنقة يقال: خنقه فاختنق (وانخق (٢) (٣) قال ابن عباس: المنخنقة التي تنخنق فتموت (٤) ورُوي عنه قتادة أنه قال: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة، حتى إذا ماتت أكلوها (٥) وقال في رواية عطاء: يريد التي تخنق حتى تموت (٦) وقال الحسن وقتادة والضحاك: هي التي تخنق بحبل الصائد أو غيره حتى تموت (٧) وقال السدي: هي التي تدخل رأسها بين عودين في شجرة فتخنق فتموت (٨) وقال الزجاج: هي التي تختنق برقبتها، أي بالحبل الذي تشد (٩) (١٠) فهذه ألفاظ المفسرين في تفسير المنخنقة، وقد أجملها الزجاج بقوله: وبأي وجه اختنقت فهي حرام (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَالْمَوْقُوذَةُ ﴾ .

قال الفراء: هي المضروبة حتى تموت ولم تُذكَّ (١٢) وقال أبو إسحاق: هي التي تقتل ضربًا، يقال: وقذتُها أقِذُها وقْذًا وقذة، وأوقذتُها إيقاذًا، إذا أثخنتها ضربًا (١٣) وذكر اللغتين أيضًا في باب الوفاة من: (فعلت، وأفعلت) أبو عبيد عن الأحمر: الموقودة والوقيذة: الشاة تُضرب حتى تموت ثم تؤكل (١٤) ...

إذا وَقَد النُّعاَس الرُّقَّدا (١٥) أي صاروا كأنهم سُكارى من النوم.

ويقال: ضربه على موقذ من مواقذه (١٦) أبو سعيد: الوَقْذ الضرب بالفأس (١٧) (١٨) قال ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدي: هي المضروبة بالخشب ونحوه حتى تموت (١٩) وقوله تعا لي: ﴿ وَالْمُتَرَدِّيَةُ ﴾ .

معنى التردي في اللغة التهور في مهواة (٢٠) ﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى  ﴾ أي سقط في النار (٢١) أبو زيد: يقال: ردى فلان في القليب يردى، وتردّى من الجبل تردّيا (٢٢) فالمتردية: هي التي تقع من جبل، أو تطيح في بئر، أو تسقط من مُشْرِف فتموت.

كذلك قال ابن عباس والحسن والضحاك والسدي (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ وَالنَّطِيحَةُ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد التي تنطحها شاة أو كبش فتموت قبل أن تُذَكَّى (٢٤) وكذلك قال الحسن وقتادة والضحاك والسدي (٢٥) وأما دخول الهاء في هذه الحروف إلى: (النطيحة) فإنما دخلت لأنها صفات لموصوف مؤنث وهو الشاة، كأنه قيل حرمت عليكم الشاة المنخنقة والموقوذة والمتردية (٢٦) وأما النطيحة فقال ابن السكيت: إذا كان فَعِيل نعتًا للمؤنث وهو في تأويل المفعول كان بغير هاء، نحو: لحية دهين، وكف خضيب؛ لأنها في تأويل: مخضوبة مدهونة (٢٧) هذا كلامه وقد انتهى، وإنما كان كذلك لأن نقله عن لفظ المفعول المبني على الفعل إلى: فعيل يأخذه عن حيّز الأفعال فيقربه من الأسماء وذلك يوجب حذف علامة التأنيث، إذ التأنيث لتقدير الفعل وقد ارتفع، فعلى هذا كان يجب أن يقال: النطيح بغير هاء، وعلة دخول الهاء ما ذكره ابن السكيت، وهو أنه قال: وقد تأتي فعيلة بالهاء وهي في تأويل مفعول بها، تخرج مخرج الأسماء ولا يذهب بها مذهب النعوت نحو: النطيحة، والذبيحة، والفريسة، وأكيلة السبع، ومررت بقبيلة بني فلان (¬1).

انتهى كلامه.

قال العلماء من النحويين: إنما تحذف الهاء من الفعيله إذا كانت صفة لموصوف يتقدمها، فإذا لم تذكر الموصوف وذكرت الصفة موضع الموصوف فقلت: رأيت قبيلة بني فلان بالهاء؛ لأنك إن (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ﴾ .

قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئًا فقتله أو أكل منه أكلوا ما بقي منه، فحرمه الله تعالى (¬1).

والسبُعُ: اسم يقع على ما له ناب ويَعْدُو على الناس والدواب فيفترسها، مثل الأسد والذئب والنمر والفهد، ومنه يقال: سبَعَ فلانًا، إذا عضه بسنه، وسبع الذئب الشاة، إذا فرسها، وهذا هو الأصل، ثم يقال: سبعه، إذا وقع فيه وعابه (٣٠) ويجوز التخفيف في السبع فيقال: سَبْع (٣١) وفي الآية تقديره: وما أكل منه السَّبعُ؛ لأن ما أكله السبع قد فُقِد ولا حكم له، وإنما الحكم للباقي منه.

وكل هذه الأشياء المحرمة حكمها حكم الميتة، واسم الميتة يعمها، إلا أنها ذُكِرَت بالتفصيل؛ لأن العرب كانت لا تعدّ الميت إلا ما مات من مرض.

قاله السدي (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ .

الظاهر أن هذا الاستثناء من جميع هذه المحرمات التي ذكرت من قوله: ﴿ وَالْمُنْخَنِقَةُ ﴾ .

وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس والحسن وقتادة (٣٣) قال ابن عباس: يقول: ما أدركت من هذا كله وفيه روح، فاذبح، فهو حلال (٣٤) وقال الكلبي: ﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ استثنى من ذلك كله، أي إلا ما ذبحتم.

(٣٥) وحكى أبو العباس عن بعضهم أن الاستثناء مما أكل السبع خاصة (٣٦) والقول هو الأول (٣٧) وأما كيفية إدراكها فقال أكثر أهل العلم من المفسرين: إن أدركت ذكاته بأن يوجد له عين تطرف أو ذَنَب متحرك، فأكله جائز (٣٨) قال ابن عباس وعُبَيد بن عُمَير (٣٩) (٤٠) وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا أخرج السبع الحشوة أو قطع الجوف قطعًا تؤس معه الحياة فلا ذكاة لذلك، وإن كان به حركة ورمق؛ لأنه صار إلى حالة لا يؤثر في حياته الذبح (٤١) وهو مذهب مالك (٤٢) (٤٣) (٤٤) واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ ، فقال أبو إسحاق: معنى التذكية: أن يدركها وفيها بقية تشخُبُ معها الأوداج، وتضطرب اضطراب المذبوح.

قال: وأصل الذكاء في اللغة: تمام الشيء، فمن ذلك الذكاء في السن والفهم، وهو تمام السن، (قال الخليل (٤٥) (٤٦) يُفَضَّله إذا اجتَهَدا عليه ...

تَمام السَّنَّ منهُ والذَّكَاء (٤٧) وقيل: جَرْيُ المُذَكَّياَت غِلابٌ (٤٨) ﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ أدركتم ذبحه على التمام (٤٩) قال الأزهري: وقد جود أبو إسحاق فيما فسر، وشفى وبالغ في الشفاء، ولقد كان له حظ من البيان موفور (٥٠) وقال ابن الأنباري: ﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ معناه: إلا ما أدركتموه وقد بقيت فيه بقيّة من الحياة حسنة تشخب معها أوداجه عند الذبح وينهر دمه، فإذا قطع السبع بطنه وأخرج حشوته بطلت التذكية؛ لأنه بعد أن يقع به هذا لا يضطرب اضطراب المذبوح ولا ينهر ولا تشخب أوداجه.

ومعنى التذكية: تتميم الشيء، فإذا قال القائل: قد ذكى فلان الشاة، فمعناه قد ذبحها الذبح التام الذي يجوز معه الأكل ولا يحرم، وإذا قيل: فلان ذكيّ، فمعناه تام الفطنة، وذكت النار تذكو، إذا استحكم وقودها، وأذكيتها أنا، والتذكية بلوغ غاية الشباب وتمام القوة، يقال: جريُ المُذكَّيات غِلابٌ، أي جري المسانّ مغالبة، وذلك أن الفرس الذي يبلغ نهاية الشباب والقوة يُحمل (٥١) (٥٢) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ﴾ .

النصب: جمع نِصاب مثل: حِمار وحُمُر، وجائز أن يكون واحدًا وجمعه: أنصاب، مثل: طُنُب وأطناب.

قاله الزجاج (٥٣) (٥٤) (قال أبو بكر) (٥٥) (٥٦) وقال الليث: النصب جماعة النصيبة، وهي علامة تنصب للقوم (٥٧) الأزهري: وقد جعل الأعشى النصب واحداً فقال: وذا النُّصبَ المنصوبَ (لا تنسُكَنّه) (٥٨) (٥٩) هذا قول أهل اللغة.

وأما التفسير: فقال ابن عباس: يريد الأصنام التي تنصب وتعبد من دون الله تعالى (٦٠) وقال الكلبي: النصب: حجارة كانوا يعبدونها (٦١) وقال الفراء: النصب: الآلهة التي كانت تُعبد من أحجار (٦٢) وقال الزجاج: النصب: حجارة كانت لهم يعبدونها، وهي الأوثان (٦٣) وقال مجاهد وقتادة وابن جريج: كانت حول البيت أحجار كان أهل الجاهلية يذبحون عليها، ويُشَرّحُون اللحم عليه، وكانوا يعظمون هذه الحجارة ويعبدونها (٦٤) قالوا: وليست هي بأصنام، إنما الصنم ما يُصوَّر وُينقَش (٦٥) فإذا أخذنا بهذا وهو أنهم كانوا يذبحون على هذه الحجارة فـ (على) في قوله تعالى: ﴿ عَلَى النُّصُبِ ﴾ بمعناه، وإن قلنا: إن النُّصُب أوثان كانوا يتقربون إليها بالذائح عندها فمعنى قوله تعالى: ﴿ عَلَى النُّصُبِ ﴾ أي على اسمها.

وقال قطرب: معناه ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ﴾ (على) بمعنى اللام: وهما يتعاقبان في الكلام، قال الله تعالى: ﴿ فَسَلَامٌ لَكَ  ﴾ أي: عليك، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ أي فعليها (٦٦) قال ابن زيد: (وما ذبح على النصب) (وما أهل لغير الله به) (٦٧) (٦٨) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ﴾ .

معناه: وأن تطلبوا على ما قُسِم لكم بالأزلام (٦٩) قال المفسرون: وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا أراد أحدهم سفرًا أو غزوًا أو تجارة أو غير ذلك من الحاجات أجال القداح، وهي سهام مكتوب على بعضها: أمرني ربي، وعلى بعضها: نهاني ربي، فإن خرج السهم الآمر مضى لحاجته، وإن خرج الناهي لم يمض في أمره (٧٠) قال أبو عبيدة (٧١) (٧٢) وقال المبرد) (٧٣) (٧٤) وقال الأزهري: معنى قوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا ﴾ أي: تطلبوا من جهة الأزلام ما قسم لكم من أحد الأمرين (٧٥) وقال ابن السكيت: يقال قسم فلان أمره يقسمه قسمًا، أي يقدره، ينظر كيف يعمل فيه (٧٦) فقُولا لهُ إن كَانَ يَقْسِمُ أمره ...

أَلَمَّا يَعِظْك الدهُر أمُّك هَابِلُ (٧٧) (٧٨) وأما الأزلام فهي أسماء هذه القداح التي كانت لقريش في الجاهلية، وقد زُلّمت أي سويت ووضعت في الكعبة يقوم بها سدنة البيت، فإذا أراد الرجل أمرًا أتى السادن فقال له: أخرج إلي زَلمًا، فيخرجه، فإن خرج قدح الأمر مضى على ما عزم عليه، وإن خرج قدح النهي قعد عما أراده، وربما كان مع الرجل زَلمان قد وضعهما في قرابه، فإذا أراد إلاستقسام أخرج أحدهما (٧٩) لا يزجُر الطيرُ إنْ مرَّت بِه سُنُحًا ...

ولا يُفِيض على قِسْمٍ بأزلامِ (٨٠) وقال طَرَفَه: أخذ الأزلامَ مقتسمًا ...

فأتى أغواهُما زُلَمُه (٨١) (٨٢) كأرحاءِ رقطٍ زَلَّمَتْها المَنَاقِرُ (٨٣) أي سوَّتها وأخذت من حروفها (٨٤) ويقال لقوائم البقر أزلام، شبهت بالقداح للطافتها (٨٥) بَكَرَت تَزِلّ عن الثرى أزلامُها (٨٦) وواحد الأزلام زَلَم، وزُلَم.

ذكره الأخفش (٨٧) وكل ما ذكرنا في الأزلام هو قول أهل اللغة (٨٨) (٨٩) (٩٠) وقال الزجاج: أعلم الله عز وجل أن الاستقسام بالأزلام حرام، ولا فرق بين ذلك وبين قول المُنَجَّمين: لا تخرج من أجل نجم كذا، واخرج من أجل طلوع نجم كذا؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا  ﴾ ، ولذلك دخول في علم الله عز وجل الذي هو غيب، فهو حرام كالأزلام التي ذكرها الله (٩١) وقد روى أبو الدرداء عن رسول الله  أنه قال: "من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة" (٩٢) وذهب المؤرج وكثير من أهل اللغة إلى أن الاستقسام ههنا هو في معنى الميسر المنهي عنه، وأن الأزلام قداح الميسر.

وليس الأمر كذلك عند أهل العلم الموثوق بعلمهم (٩٣) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ﴾ .

قال الزجاج: أي الاستقسام هنا بالأزلام فِسق، وهو كل ما يخرج به عن الحلال إلى الحرام (٩٤) وقوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ﴾ .

قال المفسرون: يئسوا أن ترتدوا راجعين إلى دينهم (٩٥) وقال الكلبي: نزلت لما دخل رسول الله  مكة في حجة الوداع ييئس أهل مكة أن ترجعوا إلى دينهم (٩٦) وقال الزجاج: يئسوا من بطلان الإسلام، وجاءكم ما كنتم توعدون من قوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ  ﴾ (٩٧) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ﴾ .

قال ابن عباس: فلا تخشوهم في اتباع محمد واخشوني في عبادة الأوثان (٩٨) وقال الزجاج: أي فليكن خوفكم لله عز وجل، فقد أمنتم في أن يظهر دين على الإسلام (٩٩) وهو قول ابن جريج، قال: فلا تخشوهم أن يظهَروا عليكم (١٠٠) وقوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ .

أجمعوا على أن المراد باليوم ههنا: يوم عرفة، وأن هذه نزلت يوم الجمعة، وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر، والنبي  .

واقف بعرفات على ناقته العضباء.

قاله ابن عباس وغيره (١٠١) وأما معنى إكمال الدين في ذلك: فقال عطاء عن ابن عباس: اليوم أكملت لكم دينكم حيث لم يحج معكم مشرك، وخلا الموسم لله ولرسوله ولأوليائه (١٠٢) (١٠٣) وقال آخرون: أكملت لكم دينكم ببيان الفرائض والسنن والحدود والأحكام والحلال والحرام، فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض.

وهذا معنى قول ابن عباس (١٠٤) (١٠٥) قال أرباب المعاني: والكمال على وجهين: كمال مشروح وهو بيان الرسول، وكمال مُبهَم وهو اجتهاد أهل العلم إلى قيام الساعة، (فما عُدِم نصه) (١٠٦) (١٠٧) وقال بعضهم: كمال دين هذه الأمة أن لا يزول ولا يُنسخ، وأن شريعتهم باقية (إلى يوم (١٠٨) (١٠٩) وقيل: الكمال هو أن هذه الأمة آمنوا بالكُلّ ولم يفرقوا ، ولم يكن هذا لغيرهم (١١٠) وقال الزجاج: معنى قوله: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ أي الآن أكملت دينكم بأن كفيتكم خوف عدوكم، وأظهرتكم عليه، كما تقول: الآن كمل لنا الملك (وكمل لنا (١١١) (١١٢) (١١٣) وقد شرح ابن الأنباري هذين القولين شرحًا حسنًا فقال في القول الأول للزجاج: المعنى أكملت لكم (نصر دينكم (١١٤) (١١٥) (١١٦) (١١٧) (١١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾ .

قال عطاء عن ابن عباس: يريد أنه حكم لهم بدخول الجنة (١١٩) وقال (المفسرون (١٢٠) ﴿ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ  ﴾ ، وكان من تمام (نعمته أن دخلوا مكة (١٢١) (١٢٢) (١٢٣) وقال السدي: يعني أظهرتكم على العرب (١٢٤) وقوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾ .

قال ابن عباس: (فمن اضطر) إلى ما حرّم مما سمي في صدر هذه السورة في مجاعة (١٢٥) ومعنى ﴿ اضْطُرَّ ﴾ أصيب بالضر الذي لا يمكنه الامتناع معه من الميتة.

وقال الزجاج: فمن دعته الضرورة في مجاعة (١٢٦) والمخمصة: المجاعة في قول ابن عباس وجميع المفسرين (١٢٧) وقال أهل اللغة: الخَمْص والمَخْمَصَة: خلاء البطن من الطعمام جوعًا (١٢٨) يرى الخُمص تعذيبًا وإن يلق شِعبةً ...

يَبِتْ قلبُه من قلة الهمّ مُبْهَمَا (١٢٩) وأصله من الخَمص الذي هو ضمور البطن، يقال: رجل خَميص وخُمصان، وامرأة خَمِيصة وخُمصانة، والجمع (١٣٠) (١٣١) تبيتُون في المشتَى مِلاءً بُطونُكم ...

وجاراتكم غَرثَى يَبِتْن خَمَائِصا (١٣٢) وقوله تعالى: ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ ﴾ .

يجوز أن ينتصب (غير لمحذوف مقدر على معنى: فتناول غير متجانف و (١٣٣) ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (١٣٤) ومعنى غير متجانف لإثم) (١٣٥) (١٣٦) وروى عن قتادة: غير مُتعرّض لمعصية (١٣٧) وأصله في اللغة: من الحيف الذي هو: الميل (١٣٨) قال الزجاج: غير مائل (١٣٩) وقال أبو عبيدة: غير مُنحرف (١٤٠) ومعنى الإثم ههنا في قول أهل العراق: أن يأكل فوق الشبع تلذذًا (١٤١) وفي قول أهل الحجاز أن يكون عاصيًا بسفره (١٤٢) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ .

قال ابن عباس: يريد غفر له ما أكل مما حرم عليه حين اضطر إليه، رحيم (بأوليائه (١٤٣) (١٤٤) (١) انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ ل 105، 106.

(٢) في (ش): (والخنق).

(٣) "تهذيب اللغة" 1/ 1116، وانظر: "اللسان" 3/ 1280 (خنق).

(٤) "تفسيره" ص 169، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 68 من طريق علي أيضًا.

(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 68 مقطوعًا على قتادة.

(٦) لم أقف على هذه الرواية" وقد ثبت عن ابن عباس نحوها كما تقدم قريبًا.

(٧) أخرجه بمعناه عن قتادة والضحاك: الطبري في "تفسيره" 6/ 68، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 11، و"زاد المسير" 2/ 279.

(٨) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 68.

(٩) في "معاني الزجاج" 2/ 145 تشك، ولعله تصحيف.

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 145.

(١١) المرجع السابق.

(١٢) "معاني القرآن" 1/ 301، وانظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 138، و"تهذيب اللغة" 4/ 3930 (وقذ).

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 145.

(١٤) "تهذيب اللغة" 4/ 3930، وانظر: "اللسان" 8/ 4889 (وقذ).

(١٥) البيت للأعشى في "ديوانه" ص 54، وتمامه: يلوينني دَيني النهار واجتزي ...

ترى لعظام ما جمعت صليبا (١٦) من "تهذيب اللغة" 4/ 3930، وانظر: "اللسان" 8/ 4889 (وقذ).

(١٧) في (ش): (على فأس)، وانظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3930، و"لسان العرب" 8/ 4889 (وقذ).

وأبو سعيد هذا لعله الأصمعي.

(١٨) "تهذيب اللغة" 4/ 3930، وانظر: "اللسان" 8/ 4889 (وقذ).

(١٩) أخرجه بنحوه الطبري في "تفسيره" 6/ 69، 70 (٢٠) "تهذيب اللغة" 2/ 1387 (ردأ)، وانظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 311، و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 138، والطبري في "تفسيره" 6/ 70.

(٢١) "غريب القرآن" لابن قتية ص 138، و"تهذيب اللغة" 2/ 1387 (ردأ).

(٢٢) "تهذيب اللغة" 2/ 1387، وانظر: "اللسان" 3/ 1630.

(٢٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 70، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 414، و"زاد المسير" 2/ 280.

(٢٤) بنحوه في "تفسيره" ص 169، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 70، 71.

(٢٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 70، 71.

(٢٦) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 70، 71.

(٢٧) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 70، 71 (٢٨) في (ش): (اذً).

(٢٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 72، وانظر ابن كثير في "تفسيره" 2/ 13.

(٣٠) من "تهذيب اللغة" 2/ 1618 (سبع) بتصرف، وانظر: "مقاييس اللغة" 3/ 128، و"اللسان" 4/ 1925 (سبع)، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 13.

(٣١) انظر: "اللسان" 4/ 1926 (سبع).

(٣٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 74.

(٣٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 72، وانظر ابن كثير في "تفسيره" 13/ 2.

(٣٤) "تفسيره" ص 169، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 72.

(٣٥) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 107.

(٣٦) انظر: "زاد المسير" 2/ 280، و"البحر المحيط" 3/ 424، و"الدر المصون" 4/ 196.

(٣٧) وهذا أيضًا اختيار الطبري في "تفسيره" 6/ 73 وانظر: "زاد المسير" 2/ 280.

(٣٨) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 72 - 73، و"معاني الزجاج" 2/ 145، و"زاد المسير" 2/ 280.

(٣٩) لعله أبو عاصم عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، ولد على عهد النبي  ويعد من كبار التابعين، وكان قاص أهل مكة ومن العباد، وقد أُجْمِع على توثيقه.

مات رحمه الله قبل ابن عمر  .

انظر: "مشاهير علماء الأمصار" 134 (592)، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 156، و"التقريب" ص 377 (4386).

(٤٠) أخرجه عنهما الطبري في "تفسيره" 6/ 72 - 73 (٤١) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 73 "معاني الزجاج" 2/ 145، و"تهذيب اللغة" 2/ 1286 (ذكا).

(٤٢) أخرج قوله الطبري في "تفسيره" 6/ 73.

(٤٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 145.

(٤٤) لم أقف عليه.

(٤٥) في (ش): (قال: وقال الخليل)، ولا يؤثر ذلك في المعنى.

(٤٦) قال الجوهري: وقرح الحافر قروحًا، إذا انتهت أسنانه، وإنما تنتهي في خمس سنين؛ لأنه في السنة الأولى حولي، ثم جذع، ثم ثنى، ثم رباع، ثم قارح.

"الصحاح" 1/ 395 (قرح).

(٤٧) "ديوانه" ص 69، و"الكامل" 1/ 386، وفي الديوان: يفضله إذا اجتهدت، والتفصيل في السرعة لتمام السن، والذكاء حدة القلب، ويقال الذكاء في السن.

(٤٨) أي أن المذكي يغالب مجاريه لقوته.

وهذا مثلٌ يضرب لمن يوصف بالتبريز على أقرانه في حلبة الفضل.

"مجمع الأمثال" 1/ 281.

(٤٩) "معاني الزجاج" 2/ 145 - 146.

(٥٠) لم أقف عليه.

(٥١) في النسختين (ج)، (ش) بدون إعجام، وكأنها: محمل -بالميم-.

(٥٢) لم أقف على كلام ابن الأنباري.

(٥٣) "معانى القرآن وإعرابه" 2/ 146.

(٥٤) لم أقف عليه.

(٥٥) ليس في (ج).

(٥٦) لم أقف عليه.

(٥٧) "العين" 7/ 136، و "تهذيب اللغة" 4/ 3581 (نصب).

(٥٨) في (ج): (لا تعبدنه)، وما أثبته هو الموافق لما في "الديوان"، و"تهذيب اللغة".

(٥٩) من "تهذيب اللغة" 4/ 3581 نصب، والبيت في "ديوان الأعشى" ص 46، وعجزه في "الديوان": ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا.

(٦٠) بمعناه في "تفسيره" ص 169، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 75، وانظر: "زاد المسير" 2/ 283.

(٦١) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 107.

(٦٢) من "تهذيب اللغة" 4/ 3581 (نصب)، وانظر: "معاني القرآن" 1/ 301، و"زاد المسير" 2/ 283.

(٦٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 146، وانظر: "زاد المسير" 2/ 283.

(٦٤) أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 75، وانظر: "زاد المسير" 2/ 284.

(٦٥) هذا ما ذهب إليه ابن جريج وقرره الطبري في "تفسيره" 6/ 75، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 424.

(٦٦) انظر: "زاد المسير" 2/ 283.

(٦٧) في (ش): (أهل به لغير الله).

(٦٨) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 75.

(٦٩) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 75 (٧٠) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 76، ومعاني الزجاج 2/ 146.

(٧١) في (ج): (أبو عبيد).

(٧٢) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 152.

(٧٣) ما بين القوسين ساقط من (ش).

(٧٤) لم أقف عليه.

(٧٥) "تهذيب اللغة" 3/ 2961، وانظر: "اللسان" 6/ 3629 (قسم).

(٧٦) "تهذيب اللغة" 3/ 2962 (قسم).

(٧٧) "ديوانه" ص 254، و"تهذيب اللغة" 3/ 2962 (قسم).

والبيت من قصيدة يرثى فيها النعمان بن المنذر، والمراد بـ (أمك هابل): الدعاء، يقال: هبلته أمه، أي ثكلته.

(٧٨) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2962 (قسم).

(٧٩) من "تهذيب اللغة" 2/ 155 (زلم)، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 152، و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 139، والطبري في "تفسيره" 6/ 75 - 76، و"زاد المسير" 2/ 284.

(٨٠) "ديوانه" ص 227، و"تهذيب اللغة" 2/ 1552 (زلم).

ومعنى لا يزجر: لا يتطير، وسنحا جمع سانح وهو ما أتاك عن يمينك من ظبي أو طائر أو غير ذلك.

انظر: "اللسان" 4/ 2112، ويفيض من الإفاضة وهي الضرب بالاقداح، وقوله: قسم من قولك: يقسم أمره إلي: ينظر فيه ويحيله أيفعله أم لا.

(٨١) "ديوانه" ص72، و"تهذيب اللغة" 2/ 1552 (زلم).

(٨٢) "تهذيب اللغة" 2/ 1552 (زلم).

(٨٣) عجز بيت لذي الرمة في "ديوانه" ص 250، وصدره: تفض الحصى عن مجمرات وقيعة واستشهد به في "الصحاح" 5/ 1943 (زلم).

وأرحاء جمع رحى، والمناقر: المعادل.

انظر: "اللسان" 12/ 270 (زلم).

(٨٤) "تهذيب اللغة" 2/ 1552، وانظر: "اللسان" 3/ 1857 (زلم).

(٨٥) "تهذيب اللغة" 2/ 1552، وانظر: "اللسان" 3/ 1858 (زلم).

(٨٦) عجز بيت للبيد في معلقته وصدره: حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت "ديوان لبيد" ص 310، و"شرح المعلقات السبع" ص90.

ومعنى بكرت: غدت بكره، وأزلامها: قوائمها، شبهها بالقداح أي لم تعد تثبت قوائمها على الثرى لأن الطين زلق.

(٨٧) "معاني القرآن" 2/ 461.

(٨٨) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1552، و"اللسان" 3/ 1857 - 1858 (زلم).

(٨٩) انظر: "تفسيره" ص 169.

(٩٠) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 152، و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 139، والطبري في "تفسيره" 6/ 76، و"زاد المسير" 2/ 284.

(٩١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 146، 147.

(٩٢) رواه أبو نعيم في "الحلية" 5/ 174، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 5/ 118، وقال: رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات.

(٩٣) "تهذيب اللغة" 3/ 2962 (قسم).

(٩٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 147، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 78.

(٩٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 78، و"معاني الزجاج" 2/ 148.

(٩٦) انظر: "زاد المسير" 2/ 185، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 107.

(٩٧) هكذا بالياء في النسختين، وفي رسم المصحف: (واخشون) بدونها.

(٩٨) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 107.

(٩٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 148.

(١٠٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 79، وانظر: "زاد المسير" 2/ 286.

(١٠١) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 80279، و"بحر العلوم" 1/ 415، و"زاد المسير" 2/ 287.

(١٠٢) لم أقف عليه.

(١٠٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 80، وانظر: "زاد المسير" 2/ 287.

(١٠٤) في "تفسيره" ص 170، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 79.

(١٠٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 79.

(١٠٦) لم تظهر في (ش).

(١٠٧) لم أقف عليه.

(١٠٨) لم تظهر في (ش).

(١٠٩) انظر: "زاد المسير" 2/ 288.

(١١٠) لم أقف عليه.

(١١١) غير ظاهر في (ش).

(١١٢) ليست في (ج).

(١١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 149، وانظر: "زاد المسير" 2/ 288.

(١١٤) غير ظاهر في (ش).

(١١٥) غير واضح في (ش).

(١١٦) غير ظاهر في (ش).

(١١٧) غير ظاهر في (ش).

(١١٨) لم أقف عليه.

(١١٩) لم أقف عليه.

(١٢٠) غير ظاهر في (ش).

(١٢١) طمس في (ج).

(١٢٢) غير ظاهرة في (ش).

(١٢٣) هذا قول الحكم وقتادة وسعيد بن جبير واختيار الطبري في "تفسيره" 6/ 80، وانظر: "زاد المسير" 2/ 288.

(١٢٤) انظر: "زاد المسير" 2/ 288.

(١٢٥) بنحوه في "تفسيره" ص 170، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 85.

(١٢٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 148.

(١٢٧) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 153، و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 139، والطبري في "تفسيره" 6/ 85.

(١٢٨) "تهذيب اللغة" 7/ 155.

(١٢٩) البيت لحاتم الطائي في "ديوانه" 82، و"النوادر" لأبي زيد ص 111.

(١٣٠) في (ش): (الجميع).

(١٣١) انظر: "الصحاح" 3/ 1038، و"اللسان" 3/ 1266 (خمص).

(١٣٢) "ديوانه" ص 100، و"مجاز القرآن" 1/ 153.

وفي الديوان: جوعى بدل غرثى والمعنى واحد.

(١٣٣) ما بين القوسين ساقط من (ج).

(١٣٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 301، و"الدر المصون" 4/ 200.

(١٣٥) ما بين القوسين ليس في (ش).

(١٣٦) انظر: "تفسير ابن عباس" ص170، والطبري في "تفسيره" 6/ 86، و"النكت والعيون" 2/ 13.

(١٣٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" (6/ 86.

(١٣٨) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 139.

(١٣٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 149، والطبري في "تفسيره" 6/ 86، و"الصحاح" 4/ 1339 (جنف).

(١٤٠) "مجاز القرآن" 1/ 153.

(١٤١) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 149، و"بحر العلوم" 1/ 416.

(١٤٢) هذا معنى قول مجاهد كما في الطبري في "تفسيره" 6/ 86، ورجحه أبو يعلى انظر: "زاد المسير" 2/ 289.

(١٤٣) غير ظاهر في (ش).

(١٤٤) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 107.

<div class="verse-tafsir"

يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَكُلُوا۟ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ٤

قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ﴾ الآية.

قال سعيد بن جبير: إن عديَّ بن حاتم (١) (٢)  فقالا: يا رسول الله، إنا قوم نصيد بالكلاب والبُزاة، وقد حرم الله عز وجل الميتة، فماذا يحل لنا منها؟

فنزلت هذه الآية (٣) وقوله تعالى: ﴿ مَاذَا ﴾ إن جعلته اسمًا فهو رفع بالابتداء وخبره (أُحِلّ)، وإن شئت جعلت (ما) وحدها اسمًا (ويكون خبرها (٤) (٥) (٦) ومضى الكلام مستقصى في (ماذا) [[انظر: [البقرة: 215].]].

وقوله تعالى: ﴿ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد من جميع الحلال (٧) قال أهل العلم: كانت العرب تستقذر أشياء كثيرة فلا تأكلها، وتستطيب أشياء فتأكلها، فأحل الله لهم ما استطابوا مما لم ينزل بتحريمه (تلاوة) (٨) (٩) (١٠) (١١) وهذا أصل كبير في التحليل والتحريم، فكل حيوان استطابته العرب فهو حلال، وكل حيوان استخبثته العرب فهو حرام (١٢) ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ  ﴾ (١٣) والطيب في اللغة: المُستَلذّ، والحلال المأذون فيه، يسمى أيضًا طيبًا تشبيها بما هو مُستَلذ، لأنهما اجتمعا بانتفاء المضرة.

وقال مقاتل والكلبي: المراد بالطيبات الذبائح (١٤) والقول الأول أولى؛ لأنه أعم في التحليل، وعليه أكثر العلماء.

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ ﴾ .

قال الزجاج وغيره: يريد: وصيد ما علمتم من الجوارح، فحذف الصيد وهو مراد في الكلام؛ لدلالة الباقي عليه، وهو قوله تعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ ولأنهم سألوا عن الصيد (١٥) هذا قول جميع أهل المعاني (١٦) ويجوز أن يقال: قوله تعالى: ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ ﴾ ابتداء كلام وخبره: ﴿ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ فيصبح الكلام من غير حذف وإضمار، وهو قول حسن.

وأما الجوارح: فهي الكواسب من الطير والسباع ذوات الصيد، والواحدة جارحة، والكلب الضاري جارحة، سميت جوارح؛ لأنها كواسب أنفسها، من: جرح واجترح، إذا اكتسب (١٧) قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الطير تصيد، والكلاب، والفهود، وعناق الأرض (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) وقال ليث (٢٢) (٢٣) (٢٤) وهذا قول جميع المفسرين (٢٥) (٢٦) (٢٧) ومثل هذا يروى عن السدي أيضًا (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ مُكَلِّبِينَ ﴾ .

المُكَلَّب: الذي يعلم الكلاب أخذ الصيد، ويقال للصائد مكلب؛ لأنه يعلم الكلب الصيد (٣٠) فبادَرَه عند الصبَاح مُكَلّبٌّ ...

أزلّ كَسِرحَان الهَزيِمة أَغْبرُ (٣١) قال أهل المعاني: وليس في قوله: (مكلبين) دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب خاصة؛ لأنه بمنزلة قوله: مؤدبين (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ﴾ .

قال الكلبي: تؤدبونهن (٣٣) (٣٤) قال العلماء: وصفة الكلب المعلم الذي يحل صيده هو أن يكون إذا أرسله صاحبه وأشلاه استشلى (٣٥) (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ .

(قال النحويون (٣٧) (٣٨) وقال الأخفش: من ههنا زائدة، (والمعنى: فكلوا (٣٩) (٤٠) وقال غيره: هذا خطأ؛ لأن مِنْ لا تزاد في الواجب، وإنما تزاد في النفي والاستفهام.

ومعنى (مِن) في: ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ  ﴾ (٤١) (٤٢) (٤٣) قال العلماء: إذا كان الضاري وهو الكلب معلمًا كما وصفنا، ثم صاد صيدًا (فجرحه (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) هذا كله إذا لم يأكل، فإن أكل منه فقد اختلف فيه العلماء.

فعند ابن عباس وطاوس والشعبي وعطاء والسدي: أنه لا يحل ولا يؤكل (٥٥) قال ابن عباس: إذا أرسلت الكلب فأكل من صيده فهو (ميتة، لا يحل أكله) (٥٦) (٥٧) (٥٨) وهذا (هو الأشهر (٥٩) (٦٠)  قال لعدي بن حاتم: "إذا أرسلت كلبك (فاذكر اسم الله (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) وعند سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة أنه يحل وإن أكل (٦٦) (٦٧) (٦٨) ولا فرق فيما ذكرنا بين الطيور المعلمة والسباع المعلمة.

وقال سعيد (بن جبير (٦٩) (٧٠) (٧١) وقوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ .

يعني إذا أرسلتم الكلاب.

قال الكلبي وغيره من المفسرين (٧٢) وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ إذا أطلقت، فإن نسيت حين تطلق كلبك اسم الله فلا بأس أن تأكله، فإن المؤمن مؤمن واسم الله المؤمن، والمسلم مسلم، واسم الله السلام (٧٣) وقال الحسن: إذا أرسل المؤمن كلبه (ونسي (٧٤) (٧٥) قال العلماء: الأولى الذبح علي اسم الله، وإرسال الجوارح على اسم الله، فمن ترك اسم الله فذبيحته؛ حلال لما قال رسول الله  : "المؤمن يذبح على اسم الله، سمّى أو لم يُسمّ" (٧٦) وهو ما فسر ابن عباس والحسن.

وقالت عائشة لرسول الله  : إن الأعراب يأتوننا بلحوم الصيد، ولا ندري سموا الله عليها أم لا.

فقال رسول الله  : "سموا أنتم وكلوا" (٧٧) قال أهل المعاني: الهاء في قوله: (عليه) تعود إلى الإرسال (٧٨) (١) هو أبو طريف عدي بن حاتم بن سعد بن الحشرج الطائي ولد الجواد المشهور، أسلم سنة تسع أو عشر وكان نصرانيًا وحسن إسلامه وثبت على إسلامه في الردة، وقد شهد بعض الفتوحات وتوفي  سنة 67هـ وقيل بعدها.

انظر: "أسد الغابة" 4/ 8، و"سير أعلام النبلاء" 3/ 162، و"الإصابة" 2/ 468.

(٢) هو أبو مكنف زيد بن مهلهل بن زيد بن منهب الطائي، وفد على النبي  وكان يسمى زيد الخيل، فسماه  زيد الخير كان شاعرًا خطيبًا شجاعًا من أجمل الناس، ومات  بعد وفاة النبي  .

انظر: " الاستيعاب" 2/ 127، و"أسد الغابة" 2/ 301، و"الإصابة" 1/ 572.

(٣) أخرجه ابن أبي حاتم، انظر ابن كثير في "تفسيره" 2/ 18، وإسناده ضعيف.

انظر: "تهذيب التهذيب" 7/ 198، وله شاهد عن عدي عند الطبري في "تفسيره" 6/ 91، وذكر الأثر المؤلف في "أسباب النزول" ص 194.

(٤) ساقط من (ش) بسبب طمس.

(٥) غير ظاهر في (ش).

(٦) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 149، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 219.

(٧) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 107.

(٨) غير ظاهر في (ش).

(٩) جمع ضب، وهو دويبة معروفة يشبه الوَرَل، والأنثى: ضبة.

انظر: "اللسان" 4/ 2543 (ضبب).

(١٠) جمع يربوع: دويبة فوق الجُرَذ.

انظر: "اللسان" 3/ 1562 (ربع).

(١١) "تهذيب اللغة" 3/ 2147، وانظر: "اللسان" 5/ 2731 (طيب).

(١٢) هذا إذا وافق التشريع عند نزول القرآن وجاء على لسان الرسول  الحلال والحرام في هذا الشأن، وليس المراد أن استطابة العرب مصدر للتشريع في التحليل والتحريم في هذا المضمار، والله أعلم.

(١٣) انظر: "زاد المسير" 2/ 291.

(١٤) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 454 و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 107.

(١٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 149.

(١٦) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 88، و"بحر العلوم" 1/ 417، والبغوي في "تفسيره" 3/ 16.

(١٧) من "تهذيب اللغة" 1/ 572 (جرح)، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 154، و"معاني القرآن" للأخفش 2/ 464، و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 139، والطبري في "تفسيره" 6/ 88.

(١٨) عناق الأرض: دابة من السباع أصغر من الفهد تصيد الطيور.

انظر: "اللسان" 5/ 3136 (عنق).

(١٩) الباشق: بفتح الشين اسم طائر جارح، انظر: "اللسان" 1/ 289 (٢٠) الزُّمَّج:- بضم الزاي وتشديد الميم المفتوحة طائر جارح دون العقاب يصاد به، وقيل: هو ذكر العقبان.

انظر: "اللسان" 3/ 1860 (زمج).

(٢١) لم أقف عليه.

(٢٢) في (ج): الليث.

(٢٣) هو أبو بكر ليث بن أبي سليم أيمن أو أنس بن زنيم الكوفي الليثي، من أوعية العلم وكان صاحب سنة، صدوق في الرواية لكنه اختلط وحديثه عند مسلم والأربعة، توفي رحمه الله سنة 148هـ.

انظر: "سير أعلام النبلاء" 6/ 179، و"ميزان الاعتدال" 3/ 420، و"التقريب" 464 رقم (5685).

(٢٤) أخرجه بنحوه من عدة طرق عن مجاهد: الطبري في "تفسيره" 6/ 89، وانظر: "تفسير مجاهد" 1/ 186.

(٢٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 89 - 90، و"النكت والعيون" 2/ 15، والبغوي في "تفسيره" 3/ 16.

(٢٦) في (ج): ابن عمرو.

(٢٧) أخرجه بنحوه الطبري في "تفسيره" 6/ 90، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 15.

(٢٨) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 90، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 16.

(٢٩) قال الطبري في "تفسيره": وأولى القولين بتأويل الآية قول من قال: كل ما صاد من الطير والسباع فمن الجوارح، وأن صيد جميع ذلك حلال إذا صاد بعد التعليم؛ لأن الله جل ثناؤه عمّ بقوله: ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ ﴾ كل جارحة ولم يخصص منها شيئًا.

"جامع البيان" 6/ 90 - 91، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 16.

(٣٠) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 149، و"بحر العلوم" 1/ 417، و"النكت والعيون" 2/ 15، والبغوي في "تفسيره" 3/ 16، و"اللسان" 7/ 3911 (كلب).

(٣١) لم أقف عليه.

(٣٢) انظر: "النكت والعيون" 2/ 15، و"زاد المسير" 2/ 292.

(٣٣) في (ج): (تؤدبوهن).

(٣٤) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 107، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 417، والبغوي في "تفسيره" 3/ 16.

(٣٥) أشلاه: أي أغراه انظر: "اللسان" 14/ 2319 (شلا).

(٣٦) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 92، و"النكت والعيون" 2/ 15، والبغوي في "تفسيره" 3/ 16.

(٣٧) ما بين القوسين ساقط من (ج).

(٣٨) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 98 - 99، و"الدر المصون" 4/ 204.

وقد رجح الطبري في "تفسيره" والسمين هذا القول.

(٣٩) ما بين القوسين ساقط من (ش).

(٤٠) انظر: "معاني القرآن" 2/ 464، و"زاد المسير" 2/ 294، و"الدر المصون" 4/ 204.

(٤١) سياق هذه الآية في مقام الرد على الأخفش؛ لأنه قد اعتبر من في آية النساء هذه كما في آية البقرة.

انظر: "معاني القرآن" 2/ 464.

(٤٢) ما بين القوسين ساقط من (ش).

(٤٣) انظر: الطبري في "تفسيره" 9/ 569 ، 570 والقرطبي في "تفسيره" 6/ 73، و"البحر المحيط" 3/ 430.

(٤٤) ساقط من (ش).

(٤٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 97، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 71، 72.

(٤٦) المعراض: السهم الذي لا ريش عليه "الصحاح" 3/ 1083 (عرض).

(٤٧) غير واضح في (ش).

(٤٨) غير واضح في (ش).

(٤٩) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 97، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 71، 72.

(٥٠) غير واضح في (ش).

(٥١) الظاهر أن المراد بغمه أن يضيق عليه أنفاسه بثقله فيموت الصيد بالغم.

(٥٢) غير واضح في (ش).

(٥٣) غير واضح في (ش).

(٥٤) غير واضح في (ش).

(٥٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 92 - 98، و"النكت والعيون" 2/ 16، والبغوي في "تفسيره" 3/ 16.

(٥٦) غير ظاهر في (ش).

(٥٧) غير ظاهر في (ش).

(٥٨) أخرجه بمعناه من طريق العوفي: الطبري في "تفسيره" 6/ 98، وقد ثبت نحو هذا القول لابنه في "صحيح البخاري" (5483) كتاب الذبائح والصيد، باب (7): إذا أكل الكلب 6/ 220.

(٥٩) غير واضح في (ش).

(٦٠) انظر: "الأم" 2/ 226، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 19، وذكره ابن كثير في "تفسيره" أنه رأي الجمهور واختار هذا القول الطبري في "تفسيره" 6/ 96.

(٦١) غير واضح في (ش).

(٦٢) طمس في (ش).

(٦٣) غير واضح في (ش).

(٦٤) طمس في (ش).

(٦٥) أخرجه البخاري (5484) كتاب الذبائح والصيد، باب (8): الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة 6/ 220، ومسلم (1929) كتاب الصيد والذبائح، باب (1): الصيد بالكلاب المعلمة 3/ 1529 (ح 1).

(٦٦) وهذا رأي الإِمام مالك أيضًا.

انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 95 - 96، و"النكت والعيون" 2/ 15، والبغوي في "تفسيره" 3/ 17.

(٦٧) ما بين القوسين بياض في (ش).

(٦٨) انظر البغوي في "تفسيره" 1/ 17.

(٦٩) غير واضح في (ش).

(٧٠) بياض في (ش).

(٧١) أخرج صدره الخاص بالكلب: الطبري في "تفسيره" 6/ 93، وذكره بطوله الهواري في "تفسيره" 1/ 450.

(٧٢) انظر: "بحر العلوم" 1/ 417، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 107.

(٧٣) لم أقف عليه، وقد ثبت عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة أنه قال: إذا أرسلت جوارحك فقل: بسم الله، وإن نسيت فلا حرج، و"تفسيره" ص 171، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 99، وانظر ابن كثير في "تفسيره" 2/ 499.

(٧٤) في (ش): (فنسي).

(٧٥) لم أقف عليه، وانظر: "تفسير الهواري" 1/ 450.

(٧٦) لم أقف عليه.

(٧٧) أخرجه بنحوه البخاري (5507) كتاب الذبائح والصيد، باب (21): ذبيحة الأعراب ونحوهم 6/ 266، وابن ماجة (3174) كتاب الذبائح، باب: التسمية عند الذبح.

(٧٨) هذا معنى قول ابن عباس والسدي.

انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 99، و"زاد المسير" 2/ 294.

<div class="verse-tafsir"

ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ ۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّۭ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّۭ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍۢ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلْإِيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٥

قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ﴾ .

قال أهل المعاني: إنما ذكر إحلال الطيبات تأكيدًا، كأنه قيل: اليوم أحل لكم الطيبات التي سألتم عنها (١) وقد فسرنا الطيبات في الآية الأولى.

وقوله تعالى: ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ﴾ .

الطعام عند العرب: (اسم لما يُؤكل (٢) قال ابن عباس: قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ  ﴾ ثم استثنى ذبائح أهل الكتاب فقال: ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ﴾ يعني: (ذبائح اليهود (٣) (٤) وقال الشعبي وعطاء في النصراني (يذبح فيقول: باسم (٥) (٦) (٧) ومثل هذا رُوي عن الزهري (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ﴾ .

يريد أن ذبائحنا لهم حلال، فإذا اشتروها (منا كان (١٠) (١١) وقال الزجاج: ﴿ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ﴾ (تأويله حل لكم أن تطعِمُوهم (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ ﴾ .

قال مجاهد: يعني الحرائر (١٧) وقال ابن عباس: يريد العفائف من المؤمنات (١٨) (١٩) فإن حملنا الإحصان على الحرية وهو قول مجاهد لم تدخل الأَمَة المسلمة في هذا التحليل، وذلك ان هذا تحليل مطلق، والتحليل المطلق إنما يستمر في الحرائر المسلمات؛ فأما الأمة المسلمة فنكاحها إنما يجوز بشرطين، على ما بينا في سورة النساء، فهي غير مطلقة النكاح.

وإن حملنا الإحصان على العِفّة وهو قول ابن عباس والباقين قلنا في هذه الآية إن المراد بها بيان الأولى من النكاح، كما قال رسول الله  : "عليك بذات الدين تربت يداك" (٢٠) ﴿ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً  ﴾ إن شاء الله.

وقوله تعالى: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد الحرائر، وأما أهل الكتاب حرام نكاحهن (٢١) هذا كلامه، وقد بينا هذا في سورة النساء.

واختلفوا في قوله: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ هل هو عام أم لا؟

فقال ابن عباس: هذا خاص في الذميات منهن، فأما الحربيات منهن فلا.

روى مِقسَم عنه أنه قال: من نساء أهل الكتاب من يحل لنا، (ومنهم (٢٢) ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ  ﴾ فمن أعطى الجزية حل لنا نساؤه، ومن لم يُعطِ لم يحل (٢٣) وقال الحسن وسعيد بن المسيب: هذا عام في جميع الكتابيات حربية كانت أو ذمية (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد الصداق والمهور (٢٥) قال أهل المعاني: تقييد التحليل بإيتاء الأجور يدل على تأكد وجوبه، وأن من تزوج امرأة واعتقد أن لا يعطيها صداقها كان في صورة الزاني.

وقد روي هذا المعنى عن النبي  (٢٦) وتسمية المهر بالأجر يدل على أن أقل الصداق لا يتقدر، كما أن أقل الأجر في الإجارات لا يقدر.

وقوله تعالى: ﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد حلالًا غير حرام (٢٧) ﴿ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ﴾ .

قال: يريد التي يهواها فيضمها إليه من غير تزويج، هذا حرام (٢٨) ﴿ مُحْصِنِينَ ﴾ يعني تنكحوهن بالمهر والبينة، ﴿ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ﴾ معالنين بالزنا، ﴿ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ﴾ يعني تُسرون الزنا (٢٩) وقال الشعبي: الزنا ضربان خبيثان: السفاح وهو أخبثهما، وهو المعالنة بالزنا، والآخر: اتخاذ الخدن، وهو الزنا في السر (٣٠) قال الزجاج حرم الله عز وجل الجماع على جهة السفاح، وعلى جهة اتخاذ الصديقة، وأحله على جهة الإحصان، وهو التزوج (٣١) (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ .

قال ابن عباس ومجاهد: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ ﴾ أي بالله (٣٣) ووجه هذا القول: هو أن الله تعالى يجب الإيمان به، ومن آمن به فهو مؤمن به، والله تعالى مؤمن به، والمؤمن به يجوز أن يسمى إيمانًا كما يسمى المضروب ضربًا، كقولهم: نسج اليمن، وصيد البر.

وحكى عن بعضهم أنه قال: معنى هذا القول: ومن يكفر برب الإيمان (٣٤) والأول الوجه.

قال العلماء: وليس هذا على الإطلاق، لأنه قيد في آية أخرى فقال: ﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ  ﴾ ، فأما من كفر ثم آمن ومات على الإيمان لا يقال حبطت أعماله.

وقال الكلبي: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ ﴾ بشهادة أن لا إله إلا الله (٣٥) فجعل كلمة التوحيد إيمانًا.

وروى حِبان (٣٦) ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ ﴾ يقول: بما أنزل على محمد  (٣٧) وعلى هذا سُمي القرآن إيمانًا؛ لأنه يجب الإيمان به، وأنه من عند الله.

قال مقاتل: المراد بقوله: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ ﴾ نساء أهل الكتاب، يقول: ليس إحصان المسلمين إياهن بالذي يخرجهن من الكفر أو يغني عنهن في دينهن شيئًا، وجعلهن ممن كفر بالإيمان وحبط عمله، وهي بعدُ للناس عامة، من كفر بالإيمان فقد حبط عمله (٣٨) وقال أبو إسحاق: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ أي من بدّل شيئًا مما أحل الله فجعله حرامًا، أو أحل شيئًا مما حرم الله فهو كافر بالإجماع، وقد حبط جميع ما تقرب به إلى الله عز وجل (٣٩) وهذا دليل لمن جعل الطاعات إيمانًا؛ لأن تحليل ما أحل الله وتحريم ما حرمه طاعة.

وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ  ﴾ .

قال ابن عباس: يريد الثواب (٤٠) (١) انظر: "زاد المسير" 2/ 295.

(٢) غير واضح في (ش).

(٣) غير واضح في (ش).

(٤) لم أقف عليه، وما وجدته عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: كلوا من ذبائح بني تغلب وتزوجوا من نسائهم.

أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 101، ويريد نصارى بني تغلب.

(٥) غير واضح في (ش).

(٦) غير واضح في (ش).

(٧) أخرجه عنهما بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 101، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 18، و"زاد المسير" 2/ 295.

(٨) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 101، وانظر: "زاد المسير" 2/ 295.

(٩) انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 18.

(١٠) غير واضح في (ش).

(١١) غير واضح في (ش)، وانظر: "زاد المسير" 2/ 296.

(١٢) غير واضح في (ش).

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 151، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 417، و"زاد المسير" 2/ 296.

(١٤) غير واضح في (ش).

(١٥) علق محقق "معاني الزجاج" عند هذا الموضع ما يأتي: أي الإيمان والعقيدة أولاً ثم التكليف بعد ذلك، وهؤلاء لا إيمان عندهم فليأكلوا ما يأكلون ولا حرج علينا في تقديم ذلك لهم.

(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 151، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 417.

(١٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 104، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 267، و"زاد المسير" 2/ 296.

(١٨) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 266، و"زاد المسير" 2/ 296، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 107.

(١٩) انظر: الطبري في "تفسيره" 9/ 106 - 107، والبغوي في "تفسيره" 3/ 19.

(٢٠) أخرجه بنحوه من حديث أبي هريرة البخاري (5090) كتاب النكاح، باب: الأكفاء في الدين.

(٢١) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 107.

(٢٢) في (ش): منهن وما أثبته هو الموافق لما عند الطبري في "تفسيره" 6/ 107.

(٢٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 107، و"زاد المسير" 2/ 297.

قال ابن الجوزي معلقًا على رأي ابن عباس هذا: والجمهور على خلافه.

(٢٤) أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 107، وانظر: "زاد المسير" 2/ 296.

(٢٥) "تفسيره" ص 172، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 108.

(٢٦) لم أقف عليه.

(٢٧) بمعناه في "تفسيره" ص 172، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 108.

(٢٨) بمعناه في "تفسيره" ص 172، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 108.

(٢٩) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 108، والبغوي في "تفسيره" 3/ 19.

(٣٠) لم أقف عليه.

(٣١) في "معاني الزجاج": التزويج.

(٣٢) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 152.

(٣٣) هذا لفظ مجاهد كما عند الطبري في "تفسيره" 6/ 109، وانظر: "تفسير الهواري" 1/ 451، أما لفظ ابن عباس فإنه قال: أخبر الله أن الإيمان هو العروة الوثقى وأنه لا يقبل عملاً إلا به، ولا يحرم الجنة إلا على من تركه.

"تفسيره" ص 172، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 109 - 110.

(٣٤) لم أقف عليه.

(٣٥) انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 20، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 108.

(٣٦) هو أبو عبي حبان -بكسر الحاء- بن علي العنزي الكوفي، له فقه وفضل، لكنه ضعيف.

توفي سنة 71 هـ.

انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 270، و"ميزان الاعتدال" 1/ 449، و"التقريب" ص 149 رقم (1076) رقم (1076).

(٣٧) لم أقف عليه.

(٣٨) انظر: "سير مقاتل" 1/ 455.

(٣٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 152.

(٤٠) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 108.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًۭا فَٱطَّهَّرُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍۢ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٦

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ﴾ .

قال الزجاج: المعنى: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وإنما جاز ذلك لأن (في (١) ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ  ﴾ ، المعنى: إذا أردت أن تقرأ (٢) قال ابن الأنباري: وهذا كما تقول: إذا اتجرت فاتجر في البزّ، وإذا آخيت فآخ أهل الحسب.

تريد إذا أردت التجارة، وإذا أردت مؤاخاة الناس.

قال: ويجوز أن يكون المعنى: إذا قمتم إلى الطهور، فذكر الصلاة وهو يريد الطهور؛ لأن الصلاة لا تكون إلا بطهور وهو مقدمتها التي لا تكون صلاة مُجازَةً إلا بها.

قال: والأول هو المختار (٣) وقال أبو الفتح الموصلي (٤) ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ﴾ : إذا عزمتم الصلاة (٥) (٦) (٧) ونظير قمتم في هذا الموضع قوله سبحانه: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ  ﴾ وليس يراد هنا -والله أعلم- القيام الذي هو المثول، وإنما هو من: قمت (بأمرك (٨) (٩) ﴿ إِذَا قُمْتُم ﴾ (أي (١٠) ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا ﴾ يريد: إذا قمتم إلى الصلاة ولستم على طهارة، فحذفُ ذلك للدلالة عليه، وهذا أحد الاختصارات التي في القرآن، وهو كثير جدًّا.

ومثل ذلك قول طَرَفَة: فإن مُتُّ فانعِيني بما أنا أهلُه ...

وشُقِّي عليَّ الجَيبَ يابنة مَعْبَدِ (١١) تأويله: فإن مُتُّ قبلك.

لابد من أن يكون الكلام معقودًا على هذا؛ لأنه معلوم أنه لا يكلفها نعيه والبكاء عليه بعد موتها (١٢) وقوله تعالى ﴿ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ .

قال أبو الفتح: كان أبو سهل بن زياد القطان (١٣) ﴿ فَاغْسِلُوا ﴾ فوجب أن يُرتب الغَسل على القيام، يبدأ به دون غيره.

فقال أبو الفتح: قد بينا أن المراد بالقيام ههنا: العزم والإرادة، فالفاء إذًا إنما (رتب (١٤) (١٥) والواو لا توجب الترتيب، وليس فيها دليل على (المبدوء به (١٦) أُغْلي السِّباءَ بكُلِّ أدكنَ عاتقٍ ...

أو جَونةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتامُها (١٧) قوله قدحت (أي غُرِفَت (١٨) ﴿ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ ﴾ الآية [آل عمران: 43] فبدأ بالسجود قبل الركع لفظًا وهو مؤخر عني (١٩) وإذا كان كذلك جرى قوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا ﴾ ﴿ وَامْسَحُوا ﴾ مجرى قولك: فاضرب زيدًا واشتم جعفرًا، فلو بدأ بالشتم قبل الضرب كان جائزًا، فالفاء لم ترتب الغَسل قبل المَسح، ولا الضرب قبل الشتم، ولم ترتب أيضًا نفس المغسول؛ لأن المغسول معطوف بعضه على بعض بحرفٍ لا يوجب الترتيب وهو الواو.

وقوله تعالى: ﴿ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ .

المِرفق مكسور من اليد والمتكأ، ومن الأمر كقوله تعالى: ﴿ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا  ﴾ ، والارتقاء التوكؤ بمِرفقك على مَرفَق (٢٠) (فأما قوله: ﴿ إِلَى ﴾ فإن أبا العباس (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقال المبرد: وهو قول الزجاج: اليد من أطراف الأصابع إلى الكتف، والرجل من الأصابع إلى أصل الفخذين، فلما كانت المرافق والكعبان داخلة في تحديد اليد والرجل كانت داخلة فيما يغسل وخارجة مما لا يغسل، ولو كان: مع المرافق، لم يكن في ذكر المرافق فائدة، وكانت اليد كلها يجب أن تغسل، ولكن لما قيل: ﴿ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ اقتطعت في الغسل من حد المرفق (٢٥) قال الزجاج: والمرفق في الحقيقة في اللغة ما جاوز الإبرة (٢٦) (٢٧) وقد حصل من قوليهما أن الحد إذا كان من جنس المحدود كان داخلًا في جملة المحدود، وهو قولهما: لما كانت المرافق والكعبان داخلة في تحديد اليد والرجل كانت داخلة فيما يغسل، ومثل هذا قولك: بعتك الثوب من هذا الطرف إلى ذاك الطرف، دخل الطرفان في البيع إذا كان من جنس المبيع.

وحصل من قول الزجاج: أن المِرفق ما جاوز الإبرة، وأنه حد ما ينتهي إليه الغسل.

وما جاوز الإبرة لا يجب غسله بالإجماع.

وقوله تعالي: ﴿وَامْسَحُوا (٢٨) المسح مسحك شيئًا بيدك كمسحك الرشح عن جبينك، وكمسحك رأسك في وضوئك.

قاله الليث (٢٩) والظاهر (٣٠)  ؛ لأنه إذا مسح البعض وإن قل، فقد حصل من طريق اللسان ماسحًا (٣١) ﴿ بِسْمِ اللهِ ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ﴾ .

في الأرجل قراءتان: النصب والخفض (٣٢) أما النصب فهو ظاهر؛ لأنه عطف على المغسول، لوجوب غسل الرجلين بإجماع، لا يقدح فيه قول من خالف.

وأما الكسر فقد اختلفوا في وجهه: فقال أبو حاتم وابن الأنباري وأبو علي: الكسر بالعطف على الممسوح، غير أن المراد بالمسح في الأرجل الغسل (٣٣) (٣٤) قال أبو حاتم: وذلك أن المتوضئ لا يرضى بصبّ الماء على أعضائه حتى يمسحها مع الغسل، فسمي الغسل مسحًا (٣٥) فعلى هذا الرأس والرجل ممسوحان؛ لأن المسح في أحدهما وهو الرأس، دون المسح في الرجل.

والذي يدل على أن المراد بالمسح في الرجل الغسل: ذكر التحديد وهو قوله تعالى: ﴿ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ﴾ والتحديد إنما جاء في المغسول، ولم يجيء في الممسوح، فلما وقع التحديد مع المسح علم أنه في حكم الغسل لموافقته الغسل في التحديد.

ذكره الزجاج (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) فإن قيل: إن كان المراد بالمسح الغَسل فهلا عطفت على المغسول فيكون أظهر في إيجاب الغسل؟

قيل: إن من قرأ بالكسر وجد في الكلام عاملين، أحدهما: الغسل والآخر الباء الجارة، ووجد العاملين إذا اجتمعا في التنزيل أن يحمل على الأقرب منهما دون الأبعد، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا  ﴾ ، ونحو قوله تعالى: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ  ﴾ ، (٤٠) ﴿ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا  ﴾ ، فلما رأى العاملين إذا اجتمعا حُمِل الكلام على أقربهما إلى المعمول حمل في هذه الآية أيضاً على أقربهما وهو الباء، ولم يُخَف الالتباس لشيوع الغسل في الآثار، وقيام الدلالة على أن المراد بالمسح في الرجل الغسل (٤١) وقال الجماعة من أهل المعاني: إن الأرجل معطوفة على الرؤوس في الظاهر، والمراد فيها الغسل، وقد ينسق بالشيء على غيره والحكم فيهما مختلف، كما قال الشاعر: يا ليتَ بَعلَك قد غَدا ...

مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمحًا (٤٢) المعنى: وحاملًا رمحًا، وكذلك قول الآخر: علّفتُها تِبنًا وماءً باردًا (٤٣) المعنى: وسقيتُها ماءً باردًا.

ذكره الزجاج (٤٤) قال أبو بكر: وكما قالوا: أكلت خبزًا وماء، وهم يريدون: وشربت ماء، فحذفوا شربت، كذلك المعنى في الآية: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾ واغسلوا ﴿ أَرْجُلَكُمْ ﴾ ، فلما لم يذكر الغسل عطفت الأرجل على الرؤوس في الظاهر، واكتفى بقيام الدليل أن الأرجل تغسل من الآية والخبر (٤٥) وهذا الذي ذكرنا مذهب أبي عبيدة (٤٦) (٤٧) وقوله تعالى: ﴿ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ﴾ قد مضى الكلام في كيفية التحديد.

وأما تفسير الكعبين فقال الليث: كعب الإنسان ما أشرف فوق رُسْغِه عند قدمه (٤٨) وقال أبو عبيد عن الأصمعي: الكعبان الناشزان من جانبي القدم.

وأنكر قول الناس أنه في ظهر القدم (٤٩) وروى الأزهري أن واحداً (٥٠) (٥١) (٥٢) ولا يعرج على قول من يقول: إن الكتب في ظهر القدم، فإنه خارج من اللغة والأخبار وإجماع الناس (٥٣) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ﴾ .

قال الزجاج: معناه فتطهروا، إلا أن التاء تدغم في الطاء؛ لأنهما من مكان واحد، فإذا أدغمت التاء في الطاء (سكن (٥٤) (٥٥) قال مقاتل: يقول: فاغتسلوا (٥٦) ومضى الكلام في هذا الحرف عند قوله تعالى: ﴿ حَتَّى يَطْهُرْنَ  ﴾ في الآية مشروح في سورة النساء إلى قوله تعالى: ﴿ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ﴾ (٥٧) ومعنى (منه) ههنا استعمال بعض تراب الصعيد في التيمم، خلافًا لمن جوز في التيمم ضرب اليد على موضع لا يعلق بيده منه غبار؛ لأنه إذا فعل ذلك لم يمسح بوجهه من الصعيد، وإنما مسح بوجهه كفًّا فارغة من الصعيد وترابه، وذلك عبث (٥٨) وقوله تعالى: ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ﴾ .

يعني: من ضيق في الدين (٥٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ﴾ .

قال الزجاج: دخلت اللام لتبيين الإرادة، المعنى: إرادته (لتطهيركم (٦٠) (٦١) قال المفسرون: يريد ليطهركم من الأحداث والجنابات والذنوب والخطيئات؛ لأن الوضوء يكفر الذنوب (٦٢) روى أبو أمامة أن النبي  قال: "الطهور يكفر ما قبله ويصير الصلاة نافلة" (٦٣) وقوله تعالى: ﴿ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

أي تبيان الشرائع (٦٤) وقال القرظي: أي: بغفران الذنوب، بيانه قوله تعالى: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ  ﴾ فلم يتم عليه النعمة حتى غفر له (٦٥) وفسر النبي  تمام النعمة بدخول الجنة والنجاة من النار (٦٦) وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ﴾ .

قال عطاء: يريد لكي تشكروا نعمتي، وتطيعوا أمري (٦٧) (١) ليست في (ج).

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 152، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 268، و"بحر العلوم" 1/ 418، و"رصف المباني" ص 441.

(٣) انظر: "زاد المسير" 2/ 298.

(٤) هو ابن جني كما في "سر صناعة الإعراب" 2/ 633.

(٥) في "سر صناعة الإعراب": (عزمتم على الصلاة).

(٦) في "سر صناعة الإعراب": (قائمًا أو قاعدًا)، وهو أولى.

(٧) "سر صناعة الإعراب" 2/ 633.

(٨) ما بين القوسين ساقط من (ش).

(٩) في (ج): (وكأنه).

(١٠) ساقط من (ج).

(١١) "ديوانه" ص 29، والبيت من معلقته كما في "شرح القصائد المشهورات" ص 92 و"شرح المعلقات السبع" ص 68، ومعنى انعيني: أشيعي خبر موتي، ويقصد بابنة معبد ابنة أخيه معبد بن العبد.

(١٢) "سر صناعة الإعراب" 2/ 634، 635.

(١٣) هو أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان البغدادي، الإِمام المحدث الثقة مسند العراق، وكان كثير التلاوة حسن الانتزاع لمعانيه، توفي رحمه الله سنة 350 هـ.

انظر: "سير أعلام النبلاء" 15/ 521، و"البداية والنهاية" 11/ 238، و"شذرات الذهب" 3/ 2.

(١٤) في "سر صناعة الإعراب": (رتبت)، وهو أصوب.

(١٥) "سر صناعة الإعراب" 2/ 633 بتصرف.

(١٦) في (ش): (البدء به)، وما أثبته هو الموافق لـ"سر صناعة الإعراب".

(١٧) "ديوانه" ص 314، والبيت من معلقته كما في "شرح القصائد المشهورات" 1/ 162، و"شرح المعلقات السبع" ص 94.

ومعنى: أغلي: أشتري غاليًا، والسباء: اشتراء الخمر، والأدكن: الذي فيه دكنة كالخز الأدكن، والعاتق: الخالصة، والجونة: الخابية السوداء، وقدحت.

غرفت، والفض: الكسر.

(١٨) بياض في (ش).

(١٩) "سر صناعة الإعراب" 2/ 632، 633 بتصرف.

(٢٠) "العين" 5/ 149، و"تهذيب اللغة" 2/ 1444 (رفق).

(٢١) لعله المبرد.

(٢٢) في (ج): (فأما قوله فإن العباس).

(٢٣) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 153، و"بحر العلوم" 1/ 418، والبغوي في "تفسيره" 3/ 21، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 27، و"الدر المصون" 4/ 208.

(٢٤) انظر: "الأم" 1/ 25، والطبري 6/ 123، و"معاني الزجاج" 2/ 153، و"بحر العلوم" 1/ 418، والبغوي في "تفسيره" 3/ 21، و"زاد المسير" 2/ 300، == و"المغني" لابن قدامة 1/ 172، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 86، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 27.

(٢٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 153.

(٢٦) الإبرة بالكسر: عظم وترة العرقب، وطرف الذراع من اليد، وما انحدّ من عرقوب الفرس.

"مختار القاموس" ص 11.

(٢٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 153.

(٢٨) في (ش): (فامسحوا).

(٢٩) "تهذيب اللغة" 4/ 3388، وانظر: "اللسان" 7/ 4196 (مسح).

(٣٠) في (ش): (فالظاهر).

(٣١) انظر: "الأم" 1/ 25، والبغوي في "تفسيره" 3/ 22، وقد قال بقول الشافعي الحسن والثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي وهو رواية عن الإمام أحمد، والرواية الأخرى عن أحمد أنه يجب مسح جميعه، وهو مذهب مالك.

انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 124 - 125، والبغوي في "تفسيره" 3/ 22، و"المغني" 1/ 175.

(٣٢) قراءة النصب لنافع وابن عامر والكسائي ويعقوب وحفص، وقرأ الباقون بالخفض، انظر: "الحجة" 3/ 214، و"النشر" 2/ 254.

(٣٣) انظر: "الحجة" 3/ 215، و"معانى القراءات" 1/ 327.

(٣٤) من "الحجة" 3/ 215 بتصرف، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 327، و"زاد المسير" 2/ 301.

(٣٥) لم أقف عليه.

(٣٦) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 154 بنحوه.

(٣٧) لم أقف عليه.

(٣٨) ما بين القوسين ساقط من (ج).

(٣٩) "الحجة" 3/ 215.

(٤٠) لعل الشاهد في الآية الأولى أن يكون التقدير: وأنهم ظنوا أن لن يبعث الله أحدًا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدًا وفي الآية الثانية: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ﴾ ، وهكذا في بقية الآيات.

(٤١) "الحجة" 3/ 214، 215.

(٤٢) البيت لعبد الله بن الزبعري كما في "الكامل" 1/ 334، وبلا نسبة في "معاني الفراء" 1/ 121، و"معاني الأخفش" 2/ 466، و"معاني الزجاج" 2/ 154.

(٤٣) عجز هذا البيت: حتى شتت همالة عيناها وفي رواية: غدت همالة، ومعنى شتت: أي أقامت في الشتاء والمراد: صارت.

والبيت من شواهد "تأويل مشكل القرآن" ص 213، و"الخصائص" 2/ 431، و"الإنصاف" ص 488، و"شذور الذهب" ص 240.

(٤٤) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 154، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 466، و"تأويل مشكل القرآن" ص 213، و"زاد المسير" 2/ 301.

(٤٥) لم أقف على قول ابن الأنباري.

(٤٦) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 155.

(٤٧) انظر: "معاني القرآن" 2/ 465، 466.

(٤٨) "العين" 1/ 207، و"تهذيب اللغة" 4/ 3152 (كعب) (٤٩) "تهذيب اللغة" 4/ 3152 (كعب).

(٥٠) في "تهذيب اللغة" أنه: ابن جابر.

(٥١) في "تهذيب اللغة" 4/ 3152 (كعب): فأومأ ثعلب إلى رجله إلى المفصل منها بسبابته فوضع السبابة عليه ...

قال: ثم أومأ إلى المنجمين.

قال ابن منظور: والمَنْجِمَان والمِنْجَمَان: عظمان شاخصان في بواطن الكعبين يقبل أحدهما على الآخر إذا صفت القدمان.

ومنجما الرجَّل: كعباها.

"اللسان" 7/ 4358 (نجم)، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 136.

(٥٢) "تهذيب اللغة" 4/ 3525 (نجم).

(٥٣) أخرج الطبري في "تفسيره" عن الإِمام مالك -رحمه الله- أنه قال: (الكعب) الذي يجب الوضوء إليه هو الكعب الملتصق بالساق المحاذي العقب، وليس بالظاهر في ظهر القدم.

"جامع البيان" 6/ 136.

(٥٤) في "معاني الزجاج" 2/ 155: سقط.

(٥٥) انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 155، وانظر: "زاد المسير" 2/ 304.

(٥٦) "تفسيره" 1/ 455.

(٥٧) الظاهر أنه عند تفسير الآية (43) من سورة النساء، وهو ضمن القسم المفقود.

(٥٨) هذا على القول بأن الصعيد لا يقع إلا على التراب ذي غبار، وهو قول الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة ومالك يجوز بكل ما كان من جنس الأرض.

انظر: "الأم" 1/ 50، والطبري في "تفسيره" 5/ 108 - 109، و"المغني" 1/ 324، والقرطبي في "تفسيره" 5/ 236، و"زاد المسير" 2/ 94.

(٥٩) انظر: "تفسير مجاهد" 1/ 187، و"معاني النحاس" 2/ 276، والبغوي في "تفسيره" 3/ 25.

(٦٠) في "معاني الزجاج": ليطهركم.

(٦١) "معاني الزجاج" 2/ 155، وانظر: "زاد المسير" 2/ 304.

(٦٢) انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 25، و"زاد المسير" 2/ 304 (٦٣) أخرجه أحمد في "مسنده" 5/ 251، 261 بلفظ: الوضوء يكفر ..

الحديث، وحسنه الألباني.

انظر: "صحيح الجامع" (7156).

(٦٤) انظر: "زاد المسير" 2/ 306.

(٦٥) أخرجه بمعناه ابن المبارك في الزهد وابن المنذر والبيهقي في "شعب الإيمان".

انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 25، و"زاد المسير" 2/ 305، و"الدر المنثور" 2/ 468.

(٦٦) أخرج الترمذي عن معاذ بن جبل قال: سمع النبي  رجلاً يدعو يقول: اللهم إني أسألك تمام النعمة.

فقال: "أي شيء تمام النعمة؟

" قال: دعوة دعوت بها أرجو بها الخير.

قال: "فإن من تمام النعمة دخول الجنة، والفوز من النار" الحديث.

أخرجه الترمذي (3527) كتاب الدعوات، باب (99): 5/ 541، وقال: هذا حديث حسن.

وانظر: "الدر المنثور" 2/ 468.

(٦٧) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَـٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٧

قوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ .

قال مجاهد: نعمة الله: النعم (١) قال أهل المعاني: إنما لم تجمع للإشعار بعظمها من غير جهة تضاعفها (٢) وقال مقاتل: يعني: بالإسلام (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ ﴾ .

معنى المواثقة: المعاهدة التي قد أحكمت بالعقد على ثقة (٤) واختلفوا في هذا الميثاق، فقال ابن عباس: هو الميثاق الذي أخذ على بني إسرائيل حين قالوا: آمنا بالنبي، وأقررنا بما في التوراة، فذكّرهم الله ميثاقه الذي أقروا به على أنفسهم، وأمرهم بالوفاء (٥) فعنده الآية خطاب لليهود.

وقال مجاهد والكلبي ومقاتل: هو ما أخذ عليهم حين أخرجهم من ظهر آدم، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟

قالوا: بلى (٦) فإن قيل على هذا: إن بني آدم لا يذكرون ذلك الميثاق، فكيف (أُمِروا (٧) قيل: إن الله تعالى إذ (٨) وقال جماعة من المفسرين: يعني بالميثاق: حين بايعوا رسول الله  على السمع والطاعة في كل أمر ونهي، في اليسر والعسر، والرضا والكره، والأيمان التي أخذت عليهم يوم بيعة العقبة، ويوم بيعة الرضوان (٩) قال السدي: هذا ميثاق قبول التوحيد والإقرار بالطاعة والاستسلام لأمره، أخذ الله ميثاقنا فقلنا: سمعنا وأطعنا على الإيمان بالله، والإقرار به وبرسله، فكل مؤمن أقر بالله ورسله، فهو داخل في هذا الميثاق، وهذا كان ميثاق الذين بايعوا محمدًا على السمع والطاعة، فيما أحبوا وكرهوا (١٠) وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (١١) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ  ﴾ .

قال ابن عباس: بخفيات القلوب، والضمير، والنيات (١٢) وقال الكلبي: بما في القلوب من النقض والوفاء (١٣) وذكرنا الكلام في معنى (ذات الصدور) في موضعين من سورة آل عمران.

(١) "تفسير مجاهد" 1/ 187، وانظر: "الدر المنثور" 469.

(٢) انظر: "زاد المسير" 2/ 306.

(٣) "تفسيره" 1/ 456.

(٤) انظر: "اللسان" 8/ 4764 (وثق).

(٥) "تفسير ابن عباس" ص 173، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 140.

(٦) "تفسير مجاهد" 1/ 187، وانظر: "تفسير مقاتل" 1/ 456، والبغوي في "تفسيره" 3/ 26، و"زاد المسير" 2/ 306.

(٧) ساقط من (ش).

(٨) في (ش): (إذا) بالمد.

(٩) انظر: "معاني النحاس" 2/ 277، والبغوي في "تفسيره" 3/ 26، و"زاد المسير" 2/ 306.

(١٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 140 بمعناه.

(١١) لم أقف عليه.

(١٢) لم أقف عليه.

(١٣) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 108 <div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ٨

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ ﴾ .

قال عطاء عن ابن عباس: يريد يقومون لله بحقه (١) ومعنى القيام لله: هو أن يقوم له (٢) (٣) واللام في (لله) أجل.

وقوله تعالى: ﴿ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ﴾ .

قال عطاء: يريد يشهدون بالعدل، يقول: لا تُحابِ في شهادتك أهل ودك وقرابتك، ولا تمنع شهادتك أهل بغضك وأعدائك (٤) وقال الزجاج: أي: تبيّنون عن دين الله، لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾ .

أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل (٦) وقال الزجاج: لا يحملنكم بغض المشركين على ترك العدل (٧) فإن قيل: ما وجه ظلم المشركين وقد أمر بقتلهم وسبي أولادهم وأخذ أموالهم؟

قيل: إنه قد يمكن أن يظلموا بضروب كثيرة، منها: المُثلة، وقتل الأولاد صبرًا لاغتمام الآباء، وترك قبول الإسلام منهم، ونحو ذلك مما هو محرم في الدين (٨) وقوله تعالى: ﴿ اعْدِلُوا ﴾ أي: في الولي والعدو (٩) ﴿ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ أي العدل، ودل عليه الفعل كقولهم: من كذب كان شرًا، أي كان الكذب شرًا.

ومعنى ﴿ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ أي: أقرب إلى أن تكونوا متقين باجتناب جميع السيئات، وأقرب لاتقاء النار (١٠) (١) لم أقف عليه.

(٢) في (ج): (لله).

(٣) انظر: "بحر العلوم" 1/ 420.

(٤) لم أقف عليه.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 156.

(٦) انظر: الطبرى في "تفسيره" 6/ 141، و"معاني الزجاج" 2/ 156.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 156.

(٨) انظر: "بحر العلوم" 1/ 420، و"الكشاف" للزمخشري 1/ 326.

(٩) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 142، و"زاد المسير" 2/ 307.

(١٠) انظر: "زاد المسير" 2/ 307.

<div class="verse-tafsir"

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ۙ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌ عَظِيمٌۭ ٩

قوله تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ﴾ .

موضع (لهم) يجوز أن يكون نصبًا لوقوعه مع المغفرة موقع المفعول الثاني للوعد، كما قال: وَجَدنا الصَّالِحِين لهم جزاءٌ ...

وجناتٍ وعينًا سلسبيلا (١) فوقع: لهم جزاء موقع المفعول الثاني، ولذلك عطف عليه بالنصب.

ويجوز أن يكون الموعود به محذوفًا على تقدير: وعدهم الحسنى، ثم استأنف (لهم)، فيكون موضعه رفعًا بالاستئناف، وهو مع ذلك قال على المحذوف ومفسر له (٢) وقد ذكرنا قولين آخرين في هذه الآية عند قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ  ﴾ .

(١) البيت لعبد العزيز بن زرارة الكلابى كما في "الكتاب" 1/ 288، وهو من "شواهد المقتضب" 3/ 284.

ومعنى سلسبيلا: قال الراغب: أي سهلًا لذيذًا سلسًا، وقيل: هو اسم عين في الجنة.

وذكر بعضهم أن ذلك مركب من قولهم: سل سبيلا، نحو الحوقلة والبسملة ونحوهما.

"المفردات" / 237 (سل).

(٢) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 466، و"معاني الزجاج" 2/ 156، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 221.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ ١٠

قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ﴾ قال عطاء: يريد بني النضير (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ  ﴾ .

هذا اللفظ ينبئ عن التخليد فيها؛ لأن المصاحبة تقتضي الملازمة، كما يقال: أصحاب الصحراء، أي اللازمون لها.

(١) طائفة من اليهود كانت بالمدينة.

(٢) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ١١

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ الآية.

قال ابن عباس والكلبي ومقاتل وغيرهم: كان النبي  قد بعث سرية إلى بني عامر فقُتِلوا ببئر معونة (١) (٢)  ليخبروه خبر القوم، فلقيا رجلين من بني سليم معهما أمان من النبي  فقتلاهما ، ولم يعلما أن معهما أمانًا، فجاء قومهما يطلبون الدية، فخرج النبي  ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم حتى دخلوا على بني النضير، وكانوا قد عاهدوا النبي  على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات، فقال النبي  : "رجل من أصحابي أصاب رجلين معهما أمان مني، فلزمني ديتهما، فأريد أن تعينوني"، فقالوا: نعم، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا.

وهموا باغتيالهم والفتك بهم، فآذن (٣)  أنه قد نزل عليه الوحي بما عزموا عليه (٤) قال عطاء: توامروا أن يطرحوا عليهم رحًا أو حجرًا (٥) وقال بعض أهل العلم: بل ألقوا فأخذه جبريل (٦) (١) بئر معونة: اسم لموضع في أرض بني سليم بين مكة والمدينة.

وأطلق هذا الاسم على وقعة بين المسلمين والمشركين، وقد أشار المؤلف إليها بهذا الأثر.

(٢) هو أبو أمية عمرو بن أمية بن خويلد بن عبد الله الضمري، صحابي مشهور له أحاديث، وكان شجاعًا، وأول مشاهده بئر معونة، وكان من أهل النجدة، مات  قبل الستين.

انظر: "الاستيعاب" 3/ 248، و"أسد الغابة" 4/ 193، و"الإصابة" 2/ 524.

(٣) فآذن: أي فأعلم.

(٤) أخرجه عن ابن عباس بنحوه من طريق الضحاك أبو نعيم في "الدلائل"، كما أخرجه من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه، انظر: "الدر المنثور" 2/ 470، وذكره المؤلف عن الكلبي في "أسباب النزول" ص 196.

وأخرج الأثر بمعناه عن قتادة ومجاهد ويزيد بن أبي زياد وعكرمة: الطبري في "تفسيره" 6/ 144 - 145.

وانظر: "تفسير مقاتل" 1/ 458 - 460، و"بحر العلوم" 1/ 421، والبغوي في "تفسيره" 3/ 28، و"زاد المسير" 2/ 309، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 36.

(٥) انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 28.

(٦) في جميع الروايات أن جبريل  أعلمه بما عزموا عليه، وليس فيها أنه أخذ الحجر.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًۭا ۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٢

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ قال ابن عباس: ثم أخبر الله عن نقض إسرائيل عهد الله كما نقضت هذه الطبقة فقال: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ (١) قال الكلبي ومقاتل: أخذ الله ميثاقهم على أن يعملوا بما في التوراة (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ .

اختلفت عبارات المفسرين في تفسير النقيب: فقال ابن عباس والحسن: الضمين (٣) وقال قتادة: الشهيد على قومه (٤) وقال الكلبي: ﴿ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ يعني ملكًا (٥) وقال مقاتل: يعني شاهدًا على قومهم (٦) وقال أبو عبيدة: النقيب: الأمين الكفيل (٧) وقال الأخفش: النقباء: الكفلاء على قومهم (٨) وقال المؤرج: النقباء: الأمناء (٩) وقال أبو إسحاق: النقيب في اللغة كالأمين (١٠) (١١) (١٢) وهذا الباب كله أصله التأثير الذي له عمق ودخول، فمن ذلك: نقبت الحائط، أي بلغت في النقب آخره، ومن ذلك: النقبة من الجَرب؛ لأنه داء شديد الدخول، وذلك أنه يطلى البعير بالهناء فيوجد طعم القطران في لحمه، والنُّقْبة السراويل بغير رجلين، لما قد بولغ في فتحها ونقبها، ويقال: كلب نقِيب، وهو أن تنقب حنجرته لئلا يرتفع صوت نباحه، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف (١٣) واختلفوا في معنى بعث النقباء: فقال الحسن: أخذ من كل سبط منهم نقيب ضامن بما عقد عليهم بالميثاق في أمور دينهم (١٤) ونحو هذا قال ابن عباس في رواية عطاء، فقال في قوله: ﴿ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ : يريد ضامنين عن قومهم لله الميثاق وأن يؤمنوا بمحمد (١٥)  ويصدقوه وينصروه (١٦) ومعنى البعث في هذا القول إقامتهم بذلك الأمر كبعث الرسل، فقوله تعالى: ﴿ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ كقوله لو قال: بعثنا منهم اثنى عشر نبيا.

وقال مجاهد والكلبي والسدي: إن النقباء بعثوا إلى مدينة الجبارين الذين أمر موسى بالقتال معهم؛ ليقفوا على أحوالهم ويرجعوا بذلك إلى نبيهم موسى  ، فرجعوا ينهون قومهم عن قتالهم، وكانوا قد تواثقوا فيما بينهم أن لا يفعلوا، فنكثوا العهد، وجعل كل واحد منهم ينهى سِبطه عن قتالهم إلا رجلين منهم: كالِب، ويوشَع، وهما اللذان قال الله تعالى: (فيهما) (١٧) ﴿ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ ﴾ الآية [المائدة: 23] (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ .

أي: قال الله لهم، فحذف ذلك لاتصال الكلام بذكرهم.

واختلفوا في المعنيّ بهذا القول، فقال الربيع: ﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ أي: للنقباء (١٩) وعلى هذا دل كلام ابن عباس، فقال في قوله: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ أي مع النقباء، ومن أوفى بميثاق الله وعهده (٢٠) وقال غيرهما: ﴿ وَقَالَ اللَّهُ ﴾ لبني إسرائيل ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ (٢١) ومعنى ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ أي: بالعون والنصر والدفع عنكم.

قال الكلبي (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾ .

ذكر أبو علي الجرجاني في تقدير الآية ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون قوله: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ جزاء مقدمًا على شرط، والشرط قوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾ وما انعطف عليه، وما انعطف عليه، ويكون قوله: ﴿ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ جوابا لقوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾ (٢٣) ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ﴾ وجعل جوابه ﴿ لَأُكَفِّرَنَّ ﴾ ، فيحصل من هذا أن يكون قوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ﴾ جزاءً لقوله: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ ويكون مبتدأ وشرطًا لقوله: ﴿ لَأُكَفِّرَنَّ ﴾ .

فمرة من وجه يكون جزاء، ومرة من وجه آخر يكون مبتدأ وشرطًا، وصار قوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ﴾ مرة جزاء للشرط الأول، (ومرة شرطًا للجزاء الآخر) (٢٤) (٢٥) والوجه الآخر: أن تجعل قوله: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ جزاء تقدم شرطًا، ثم جاء الشرط بعده وهو قوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾ إلى ما اتصل به، ثم تضمر شرطًا لقوله: ﴿ لَأُكَفِّرَنَّ ﴾ على تقدير: إن فعلتم ذلك لأكفرن، كما قال في سورة الصف ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ  ﴾ ثم بين تلك التجارة ما هي فقال: ﴿ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ إلى آخر الآية، ثم ابتدأ شرطًا آخر مضمرا وأظهر جزاءه، فدل الجزاء الظاهر على الشرط المضمر (٢٦) ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ على تأويل: إن تفعلوا ذلك يغفر لكم، وهذا كقوله عز وجل: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ  ﴾ وهذه الكاف تدل على مبتدأ قبله ولم يجر له ذكر، وإنما جرى ذكر الجنة وصفتها، وكأنه قيل: أفمن هو في هذه الجنة كمن هو خالد في النار، فدل الجواب على الإبتداء.

الوجه الثالث: أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ ثم ابتدأ فصلًا آخر بقوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾ فجعله شرطًا، ثم أتى بجزائه في قوله: ﴿ لَأُكَفِّرَنَّ ﴾ فيكون هذا الشرط والجزاء بما يتضمنان من القصة ترجمة لقوله: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ لأن قوله: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ كلمة جامعة مجملة فصار ما بعده كالتفسير له.

وقوله تعالى: ﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ .

قال أبو إسحاق: العَزْر في اللغة الردّ، وتأويل عزَّرت فلانًا أي أدَّبته، إنما تأويله: فعلت به ما يرده عن القبيح ويردعه، كما أن نكلتُ به: فعلت به ما يجب أن ينكل معه عن المعاودة.

فتأويل ﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ نصرتموهم بأن تردوا عنهم أعداءهم، ولو كان التعزيز هو التوقير لكان الأجود في اللغة الاستغناء عن التوقير في قوله: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ  ﴾ ، والنصرة إذا وجدت فالتعظيم داخل فيها؛ لأن نصرة الأنبياء هي المدافعة عنهم والذب عن دينهم وتعظيمهم (٢٧) أبو العباس عن ابن الأعرابي: العزر: النصر بالسيف، والعزر: المنع، وقال أيضًا: التعزير: التوقير، والتعزير: النصر باللسان والسيف (٢٨) وقال عطاء عن ابن عباس: ﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ يريد وقّرتموهم (٢٩) وقال السدي: نصرتموهم بالسيف (٣٠) وقال مقاتل والكلبي: أعنتموهم (٣١) وقوله تعالى: ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد الصدقات للفقراء والمساكين وابن السبيل (٣٢) وقال مقاتل: ﴿ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ محتسبة، طيبة بها أنفسكم (٣٣) وقال الضحاك: تبتغون به وجه الله (٣٤) وقال ابن المبارك (٣٥) (٣٦) قال الفراء: القرض مصدر، ولو قيل: إقراضًا كان صوابًا، وربما أخرج المصدر على بنية الفعل الأول قبل أن يزاد فيه، وهذا من ذاك؛ لأن أصل الإقراض: قرضت، ومثله قوله تعالى: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ  ﴾ ولم يقل: بتقبل، وقوله: ﴿ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا  ﴾ ولم يقل: إنباتا (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ .

أي: بعد العهد والميثاق (٣٨) ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ  ﴾ .

أخطأ قصد الطريق، يعني الهدى والدين الذي شرعه لهم (¬4).

(١) لم أقف عليه.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 461، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 109.

(٣) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد نسبه ابن الجوزي للحسن، وقال: ومعناه: أنه ضمين ليعرف أحوال من تحت يده.

"زاد المسير" 2/ 310، ونحو هذا "تفسير أبي عبيدة" النقيب بالضامن.

انظر: "مجاز القرآن" 1/ 156ن والطبري في "تفسيره" 6/ 148.

هذا، وقد أخرج الطستي ضمن "مسائل ابن الأزرق" أن ابن عباس فسر النقيب بالوزير، انظر: "الدر المنثور" 2/ 472.

(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 148 بلفظ: من كل سبطٍ رجل شاهد على قومه.

وانظر: "زاد المسير" 2/ 310.

(٥) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 109.

(٦) "تفسيره" 1/ 460، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 421.

(٧) "مجاز القرآن" 1/ 156، وعبارته: أي ضمانًا ينقب عليهم، وهو الأمين والكفيل على القوم.

(٨) ليس في "معاني القرآن".

(٩) لم أقف عليه.

(١٠) في "معاني الزجاج": كالأمير.

(١١) "معاني الزجاج" 2/ 157.

(١٢) في "معاني الزجاج" 2/ 158: حسن الخليقة.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 157 - 159 بتصرف.

(١٤) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 456، و"زاد المسير" 2/ 310.

(١٥) في (ش): (لمحمد).

(١٦) لم أقف عليه.

(١٧) ساقط من (ج).

(١٨) انظر: "تفسير مجاهد" 1/ 188، 189، والطبري في "تفسيره" 6/ 149 - 150 ، و"تفسير الهواري" 1/ 456، و"بحر العلوم" 1/ 422، والبغوي في "تفسيره" 2/ 28 - 30.

(١٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 150 مطولًا، وانظر: "زاد المسير" 2/ 312، و"الدر المنثور" 2/ 473.

(٢٠) لم أقف عليه.

(٢١) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 150، و"بحر العلوم" 1/ 422، و"زاد المسير" 2/ 312، وقد نسبه ابن الجوزي للجمهور.

(٢٢) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 109.

وهذا القول لجمهور المفسرين.

انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 150، و"بحر العلوم" 1/ 422، والبغوي في "تفسيره" 3/ 31، و"زاد المسير" 2/ 312.

(٢٣) انظر: "الكشاف" 1/ 328، و"البحر المحيط" 3/ 445، و"الدر المصون" 4/ 220.

(٢٤) في (ج): (ومرة جزاء للشرط الآخر).

(٢٥) في (ج): (فاشترط).

(٢٦) انظر: "البحر المحيط" 3/ 445.

(٢٧) "معاني الزجاج" 2/ 159، وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2419.

وقول الزجاج: ولو كان التعزير هو التوقير، فيه رد على أبي عبيدة قال: ﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ : نصرتموهم وأعنتموهم ووقرتموهم "مجاز القرآن" 1/ 156.

وقد ذكر الزجاج معنى قوله.

وما ذهب إليه الزجاج قد اختاره الطبري في "تفسيره" 6/ 151.

(٢٨) "تهذيب اللغة" 3/ 2419، وانظر: "اللسان" 5/ 2924 (عزر).

(٢٩) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد نسب لعطاء، انظر: "زاد المسير" 2/ 312، وقد تقدم استبعاد الزجاج لمثل هذا القول قريبًا.

ثم إنه ورد عن ابن عباس أن المراد الإعانة والنصر.

انظر: "زاد المسير" 2/ 312، و"الدر المنثور" 2/ 473.

(٣٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 151، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 422.

(٣١) "تفسير مقاتل" 1/ 461، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 109.

(٣٢) لم أقف عليه، وانظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 114 (٣٣) "تفسيره" 1/ 461.

(٣٤) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 114.

(٣٥) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي المروزي، إمام عالم مجاهد، جواد فقيه، محدث شهير، توفي رحمه الله سنة 181 هـ.

انظر: " الجرح والتعديل" 5/ 179، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 274، و"تهذيب الكمال" 5/ 16 (¬3520).

(٣٦) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 832 ولم أقف عليه.

(٣٧) لم أقف عليه عن الفراء، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 152، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 114.

(٣٨) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 153، و"بحر العلوم" 1/ 422.

<div class="verse-tafsir"

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعَنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـٰسِيَةًۭ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ ۙ وَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍۢ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ١٣

قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ﴾ الآية.

قد مضى الكلام في مثل هذا في سورة النساء.

قال قتادة: ونقضهم أنهم كذّبوا الرسل بعد موسى، وقتلوا الأنبياء، ونبذوا كتاب الله، وضيعوا فرائضه (١) قال أهل المعاني: تقدير الكلام: فنقضوا فلعناهم بنقضهم؛ لأنه لما ذكر أخذ الميثاق عليهم اقتضى ذكر الوفاء به (أو (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ لَعَنَّاهُمْ ﴾ .

قال ابن عباس: عذبناهم بالجزية (٤) وقال مقاتل: عذبناهم بالمسخ (٥) (٦) وقال عطاء: أخرجناهم (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ .

القسوة: الصلابة، والشدة في كل شيء، يقال: قسا: يقسو (٩) (١٠) (١١) وقرأ حمزة والكسائي: (قَسِيَّة) على وزن، فعيلة، وقد يجيء فاعل وفعيل، مثل: شاهد وشهيد، وعالم وعليم، وعارف وعريف (١٢) وقال شَمر: العام القسِيّ الشديد لا مطر فيه (١٣) وذهب بعضهم: إلى أن هذا من الدراهم القسَيّة وهي الفاسدة الردية (١٤) قال الأصمعي: درهم قسِيّ، مخفف السين مشدد الياء، على مثال: شقيّ (١٥) (١٦) لها صواهِلُ في صُمِّ السِّلام كَما ...

صاح القَسِيَّاتُ في أيدي الصياريفِ (١٧) وما زوَّدوني غيرَ سَحقِ عِمامَةٍ ...

وخَمس مِئي منها قَسِيٌّ وزائِفُ (١٨) قال الأصمعي: وكأنه إعراب قاس.

قال أبو علي: إذا كان القَسِيّ من الدراهم معربًا لم يكن من القَسِيّ العربي، ألا ترى أن قابوس وإبليس وجالوت وطالوت، ونحو ذلك من الأسماء الأعجمية التي من ألفاظها يوجد العربي لا تكون مشتقة من باب القبس والإبلاس، يدل على ذلك منعهم الصرف (١٩) قال ابن عباس: ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ يابسة عن الإيمان (٢٠) وقال الحسن: طبع عليها (٢١) وقوله تعالى: ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ .

قال ابن عباس: يغيرون كلام الله عن مواضعه من صفة محمد  في كتابهم (٢٢) ونحو ذلك قال مقاتل (٢٣) وقال السدي: ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ آية الرجم (٢٤) وقال الزجاج: تأويل ﴿ يُحَرِّفُونَ ﴾ : يفسرون على غير ما أنزل، وجائز أن يكون: يلفظون به على غير ما أنزل (٢٥) وتحريفهم يحتمل تأويلين على ما قال: أحدهما: سوء التأويل، والآخر: التغيير والتبدل، وهذا مما فسرنا في سورة النساء (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ .

قال ابن عباس: تركوا نصيبًا مما أمروا به في كتابهم من اتباع محمد (٢٧) وقال عطاء عنه: تركوا حظًا مما وعظوا به (٢٨) ونحوه قال مقاتل، وزاد: من إيمان بمحمد، ولو آمنوا به لكان ذلك لهم حظًا (٢٩) وقال قتادة: نسوا عهد الله الذي عهد إليهم، وأمر الله الذي أمرهم (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ ﴾ .

يقال: لا زال يفعل كذا، كقولك: ما ينفك، وما زلت أفعل، والمضارع لا يزال لا غير، وقيل ما يتكلم به إلا بحرف نفي.

وأما الخائنة، يقال: رجل خائنة، إذا بالغت في وصفه بالخيانة (٣١) (٣٢) وقد تكون الخائنة مصدرًا على فاعلة، ومنه قوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ  ﴾ ، وكثير من المصادر في القرآن جاء على: فاعله، نحو قوله: ﴿ لاغية ﴾ (٣٣) (٣٤) قال الزجاج: وفاعلة في أسماء المصادر كثيرة نحو: عافاه الله عافية، و ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ  ﴾ ، و ﴿ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ  ﴾ (٣٥) وعلى هذا دل كلام المفسرين، فقال (٣٦) (٣٧) وقال مقاتل: يعني بالخائنة الغش للنبي  وقال: إيمان على كذب وفجور.

(٣٨) وقال عطاء: ﴿ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ ﴾ مثل ما خانوك حين هموا بقتلك (٣٩) قال الزجاج: ويجوز أن يكون والله أعلم ﴿ عَلَى خَائِنَةٍ ﴾ علي فرقة خائنة (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ .

قال ابن عباس: يعني من أسلم منهم، عبد الله وأصحابه، ولم ينقضوا العهد (٤١) وقال مقاتل: والقليل أيضًا منهم كفار (٤٢) وعلى هذا القليل مستثنى من الخيانة، يريد إلا قليلًا منهم لم يخونوا، والظاهر أن المراد بالمستثنى: مؤمنو أهل الكتاب.

وقوله تعالى: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ﴾ .

منسوخ بآية السيف (٤٣) ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ  ﴾ .

قال عطاء: يريد المتجاوزين (٤٤) وقال ابن عباس: فإذا عفوت فأنت محسن (٤٥) (١) ذكره عن قتادة: البغوي في "تفسيره" 3/ 31، وأورد السيوطي نحوه في "الدر المنثور" 2/ 473، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(٢) في (ش): (و).

(٣) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 154.

(٤) انظر: "بحر العلوم" 1/ 422، و"زاد المسير" 2/ 313، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 109.

(٥) "تفسيره" 1/ 461، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 422، والبغوي في "تفسيره" 3/ 31، و"زاد المسير" 2/ 313.

(٦) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 456، و"بحر العلوم" 1/ 422، والبغوي في "تفسيره" 3/ 31، و"زاد المسير" 2/ 313.

(٧) انظر: "زاد المسير" 2/ 313.

(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 159.

(٩) في (ش)، (ج): (يقسوا).

(١٠) علق هنا في هامش (ج) بـ: (قسوا).

والمراد المصدر.

(١١) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 158، والطبري في "تفسيره" 6/ 154، و"معاني الزجاج" 2/ 160، و"تهذيب اللغة" 3/ 2955 (قسو).

(١٢) من "الحجة" 3/ 216، 217، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 327، و"الكشف" 1/ 470.

(١٣) "تهذيب اللغة" 3/ 2955، وانظر: "اللسان" 6/ 3633 (قسو).

(١٤) انظر: "معاني القراءات" 1/ 327، و"الكشف" 1/ 408، والبغوي في "تفسيره" 3/ 31، و"اللسان" 6/ 3633 (قسو).

(١٥) "تهذيب اللغة" 3/ 2955، وانظر: "اللسان" 6/ 3633 (قسو).

(١٦) هو المنذر بن حرملة، وقيل حرملة بن المنذر، الطائي، شاعر جاهلي معمر، أدرك الإسلام ولم يسلم، ومات نصرانيًا بعد الستين للهجرة.

انظر: "الشعر والشعراء" ص 185، و"طبقات الشعراء" ص 185، و"الأعلام" 7/ 293.

(١٧) "الأمالي" 1/ 28، و"تهذيب اللغة" 3/ 2955 (قسو) واستشهدوا به الطبري في "تفسيره" 6/ 155 ونسبه الأزهري في "معاني القراءات" 1/ 328، إلى الشامخ، وليس في "ديوانه".

وانظر: "اللسان" 6/ 3633 (قسو).

والشاهد أن قسي جاء على وزن: شقي.

والسلام: الحجارة، والصيارف: الصيارفة، أي للمساحي أصوات إذا وقعت على الحجارة كأصوات الدراهم إذاً انتقدها الصياريف.

(١٨) نسبه في "اللسان" 6/ 3633 (قسو) لمزرد.

(١٩) "الحجة" 1/ 317، 318.

(٢٠) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 109.

(٢١) لم أقف عليه.

(٢٢) بمعناه في "تفسيره" ص 173، والطبري في "تفسيره" 6/ 155.

(٢٣) "تفسيره" 1/ 461، وانظر: "زاد المسير" 2/ 313 (٢٤) لم أقف عليه.

(٢٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 160.

(٢٦) لعله عند الآية 46 من سورة النساء وتفسيرها من القسم المفقود.

(٢٧) انظر: "تفسيره" ص 173، والطبري في "تفسيره" 6/ 155، و"بحر العلوم" 1/ 422.

(٢٨) لم أقف عليه.

(٢٩) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 461.

(٣٠) أورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 474 بنحوه، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(٣١) "تهذيب اللغة" 1/ 970 (خون)، وانظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 139، و"اللسان" 3/ 1294 (خون).

(٣٢) جزء من بيت لرجل من بني كلاب يخاطب قرينا أخا عمير الحنفي، وكان له عنده دم وتمام البيت: حدَّثت نفسك بالوفاء ولم تكن ...

للغدر خائنة مغل الإصبع "مجاز القرآن" 1/ 158، والطبري في "تفسيره" 6/ 156، و"معاني الزجاج" 2/ 160، و"اللسان" 3/ 1294 (خون).

ومغل الإصبع: كناية عن الخيانة والسرقة.

(٣٣) من قوله تعالى: ﴿ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً  ﴾ .

(٣٤) "تهذيب اللغة" 1/ 971، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 31، و"اللسان" 3/ 1295 (خون).

(٣٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 160.

(٣٦) في (ش): (وقال).

(٣٧) انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 31، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 116، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 109.

(٣٨) بلفظه الأول في "تفسيره" 1/ 461، وبنحو هذا القول قال مجاهد وقتادة، انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 156، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 116، و"الدر المنثور" 2/ 474.

(٣٩) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 457، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 116.

وهذا معنى قول مجاهد، انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 156، و"الدر المنثور" 2/ 474.

(٤٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 161، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 21.

(٤١) انظر البغوي في "تفسيره" 1/ 31، و"زاد المسير" 2/ 314، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 109.

(٤٢) ليس في "تفسيره"، وانظر: "زاد المسير" 2/ 314.

(٤٣) هذا قول ابن عباس وقتادة وكثر من المفسرين.

انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 191، والطبري في "جامع البيان" 6/ 157، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 273، و"تفسير الهواري" 1/ 457، == و"بحر العلوم" 1/ 423، و"النكت والعيون" 2/ 21، والبغوي في "معالم التنزيل" 3/ 32، وقد استبعد الطبري في "تفسيره" والنحاس النسخ، وانظر: "البرهان" للزركشي 2/ 43، 44.

(٤٤) لم أقف عليه.

(٤٥) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَـٰرَىٰٓ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ فَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ١٤

قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ﴾ .

ولم يقل: من النصارى، ليدل على أنهم ابتدعوا النصرانية وتسمَّوا لها.

وهذا يُروى عن الحسن (١) وقوله تعالى: ﴿ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ ﴾ .

قال مقاتل: أخذ عليهم الميثاق كما أخذ على أهل التوراة أن يؤمنوا بمحمد ويتبعوه، وهو مكتوب عندهم في الإنجيل (٢) قال الأخفش: وهذا كما تقول: من عبد الله أخذت الدرهم (٣) وقوله تعالى: ﴿ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ .

قال الكلبي ومقاتل: فتركوا ما أُمِروا به من الإيمان بمحمد  فكان ذلك الحظ (٤) وتنكير الحظّ في الآية: يدل على أن المراد به حظ واحد، وهو ما ذكره المفسرون من الإيمان بمحمد، وإنما خص هذا الواحد مع كثرة ما تركوا مما أمروا به؛ لأن هذا هو المُعظم (٥) وقوله تعالى: ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ .

يقال: غرِيتُ بالشيء أغرى به غرًى وغراءً ممدودًا أي أُولِعت به (٦) وقال شَمر: يقال لما يلصق به الأشياء الغِراء والغَرى بفتح الغين مقصور، وأغرى فلان بفلان إغراءً، إذا أولع به، كأنه ألصق به، فأصل الباب هو اللصوق والإلصاق؛ لأن المولع بالشيء كالملصق به.

ذكره الزجاج وغيره (٧) (٨) (٩) فأما التفسير: فقال المؤرج: (أغرينا): حرشنا بعضهم على بعض (١٠) وقال الكسائي: سلطنا (١١) وقال النضر: هيجنا (١٢) وقال الكلبي: ألقينا بينهم العداوة والبغضاء (١٣) فقوله: ﴿ بَيْنَهُمُ ﴾ ظرف للعداوة والبغضاء، أي العداوة التي بينهم أغريت بأن حرشت وهيجت، ويجوز أن يكون ﴿ بَيْنَهُمُ ﴾ بمنزلة بالصيد في قولك: أغريت الكلب بالصيد، فيكون المعنى: أغرينا العداوة والبغضاء بالحالة التي بينهم.

واختلفوا في الضمير الذي في ﴿ بَيْنَهُمُ ﴾ ، فقال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: الضمير (١٤) (١٥) وقال الربيع: يعود على النصارى خاصة (١٦) وهذا اختيار الزجاج (١٧) ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ﴾ أي صاروا فَرقًا يكفر بعضهم بعضًا (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ وعيد لهم.

(١) انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 32، و"زاد المسير" 2/ 315.

وقيل سموا بذلك نسبة إلى قرية كانوا بها اسمها: ناصرة.

انظر: "تفسير الهواري" 1/ 457، و"زاد المسير" 2/ 315.

(٢) "تفسيرمقاتل" 1/ 462.

(٣) "معاني القرآن" 2/ 467، وانظر: القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 6/ 117 (٤) "تفسير مقاتل" 1/ 462، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 110.

(٥) في (ش): (العظيم).

(٦) "تهذيب اللغة" 3/ 2661، وانظر: "اللسان" 6/ 3250 (غرى).

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 161، وانظر: "زاد المسير" 2/ 315، و"اللسان" 6/ 3250 (غرى).

(٨) في (ج): (أسددته)، وما أثبته هو الموافق لـ"تهذيب اللغة" 3/ 2661 (غرى).

(٩) "تهذيب اللغة" 3/ 2661، وانظر: "اللسان " 6/ 3250 (غرى).

(١٠) انظر: "زاد المسير" 2/ 315، و"البحر المحيط" 3/ 443.

(١١) لم أقف عليه.

(١٢) انظر: "زاد المسير" 2/ 315، و"البحر المحيط" 3/ 443.

(١٣) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 110.

(١٤) تكررت الكلمة في (ج).

(١٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 159، و"زاد المسير" 2/ 315.

(١٦) الطبري في "تفسيره" 6/ 159 - 160، وانظر: "زاد المسير" 2/ 315.

(١٧) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 161، وقد اختاره الطبري في "تفسيره" أيضًا.

انظر: "جامع البيان" 6/ 160.

(١٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 161.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًۭا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ۚ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌۭ وَكِتَـٰبٌۭ مُّبِينٌۭ ١٥

قوله تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد الجميع (١) وقال قتادة: لما ذكر نقضهم العهد وتركوا ما أمروا به دعاهم على إثر ذلك إلى الإيمان بمحمد  (٢) وقوله تعالى: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ .

قال عطاء عن ابن عباس: يريد تكتمون مما في التوراة والإنجيل (٣) (٤) قال أهل المعاني: وهذا بيان لإعجاز النبي  حيث اطلع على أسرارهم وبين ما أخفوه من غير قراءة كتبهم، فوجب الإيمان به (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ .

قال ابن عباس: يتجاوز عن كثير، فلا يخبرهم بكتمانه (٦) فإن قيل على هذا: ما وجه بيان بعضه وترك بعضه؟

قيل: إنه بين ما فيه دلالة على نبوته من صفاته ونعته والبشارة به، وما يحتاج إلى علمه من غير ذلك مما تتفق له الأسباب التي يحتاج معها إلى استعلام ذلك، كالذي اتفق له في الرّجم، وما عدا هذين مما ليس في تفصيله فائدة فيكفي ذكره في الجملة (٧) وفي قوله: ﴿ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ إعجاز للنبي  كالإعجاز فيما بينهم؛ لأنهم يعلمون بهذا أنه عالم بما يخفونه: وإن لم يبينه على التفضيل (٨) وقوله تعالى: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ ﴾ .

قال ابن عباس: يعني ضياء من الضلالة (٩) وقال عطاء: يريد هدى (١٠) (١١) وقال قتادة: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ ﴾ يعني النبي (١٢)  ، وهو الذي يبين الأشياء (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَكِتَابٌ مُبِينٌ  ﴾ .

قال ابن عباس: يريد القرآن، فيه بيان لكل ما يختلفون فيه (١٤) (١) لم أقف عليه، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 161، و"زاد المسير" 2/ 316.

(٢) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 160، و"الدر المنثور" 2/ 475.

(٣) لم أقف عليه من رواية عطاء، وانظر: "الوسيط" 3/ 838، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 110.

(٤) أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 161، والحاكم 4/ 359، وقال: هذا صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 475.

(٥) انظر: "الكشاف" 1/ 329، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 118 (٦) انظر: "زاد المسير" 2/ 316، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 110.

(٧) انظر: "زاد المسير" 2/ 316، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 118.

(٨) هكذا جاءت هذه الكلمة في النسختين (ش)، (ج) والظاهر أنها مصحفة، والصواب: التفصيل بالصاد المهملة.

(٩) في "الوسيط" 3/ 838، دون نسبة لابن عباس، ولم أقف عليه.

(١٠) لم أقف عليه.

(١١) قد فسر النور هنا: بالإسلام، انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 33، و"زاد المسير" 2/ 316.

(١٢) انظر: "زاد المسير" 2/ 316.

والاختلاف هنا اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد، فإن النبي محمد  قد جاء بالإسلام.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 161، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 22.

(١٤) في "الوسيط" 3/ 838، دون نسبة لابن عباس، ولم أقف عليه.

وانظر: "تفسير البغوي" في "تفسيره" 3/ 33، و"زاد المسير" 2/ 316.

<div class="verse-tafsir"

يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ١٦

قوله تعالى: ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ ﴾ .

أي بالكتاب المبين.

﴿ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ ﴾ .

اتبع ما رضيه الله تعالى مما مدحه وأثنى عليه، وهو دين الإسلام، يدل على هذا قول ابن عباس: يريد من صدق النبي  لما جاء به (١) (٢)  .

وقوله تعالى: ﴿ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد دين الإسلام، دين الله (٣) وهو قول الحسن (٤) ﴿ السَّلَامِ ﴾ ههنا الله عز وجل، والسلام من أسمائه تعالى (٥) قال الزجاج: والسبل الطرق، فجائز أن يكون والله أعلم: طريق السلام طرق السلامة التي من سلكها سلم في دينه (٦) قال أبو علي: ويجوز أن يكون على حذف المضاف، كأنه: سبل دار السلام، كما قال: ﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ  ﴾ ويراد بها طرق الجنة؛ لأن من اتبع رضوانه فقد أوتي الهداية التي هي الإستدلال، فتكون الهداية في هذه الآية مثل التي في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ  ﴾ ، في أنه ليس بهداية الاستدلال، ولكن الهداية إلى طرق الجنة للثواب (٧) ﴿ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ .

قال ابن عباس: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان (٨) وقوله تعالى: ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ .

أي: بتوفيقه وإرادته (٩) والجار من صلة الاتباع، أي: يتبع رضوانه بإذنه، ولا يجوز أن يتعلق بالهداية، ولا بالإخراج؛ لأنه لا معنى له، فدل على (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  ﴾ .

قال الحسن: هو الذي يأخذ بصاحبه حتى يؤديه إلى الجنة (١١) وقال ابن عباس: يعني: الإسلام (١٢) والقولان سواء.

(١) لم أقف عليه، وانظر: "زاد المسير" 2/ 317، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 110.

(٢) في (ش): (بصدق).

(٣) انظر: "زاد المسير" 2/ 317، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 110.

(٤) "تفسير الهواري" 1/ 458، و"النكت والعيون" 2/ 22، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 448.

(٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 162، والبغوي في "تفسيره" 3/ 33، و"زاد المسير" 2/ 317، و"البحر المحيط" 3/ 448.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 161.

(٧) من "المسائل الحلبيات" لأبي علي الفارسي ص 20، 21، وانظر: "الحجة" 1/ 184.

(٨) انظر: "زاد المسير" 2/ 317، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 110.

(٩) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 162، والبغوي في "تفسيره" 3/ 33، و"زاد المسير" 2/ 317.

(١٠) في (ش): (فدل هذا على).

(١١) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 458، وذكر عن الحسن أنه قال: طريق الحق، من "النكت والعيون" 2/ 22، و"زاد المسير" 2/ 317، و"البحر المحيط" 3/ 448.

(١٢) لم أقف عليه، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 33، و"زاد المسير" 2/ 317.

<div class="verse-tafsir"

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ١٧

قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ .

قال أهل المعاني: إنما حكم بكفرهم؛ لأنهم قالوا هذا القول على جهة التدين به، ولو قالوه على جهة الحكاية منكرين له لم يكفروا (١) فإن قيل: إنهم قالوا: هو ابن الله؟

قيل: هذا القول منهم كالقول إنه إله؛ لأنهم اتخذوه مع قولهم إنه ابن الله ربًا وجعلوه إلهًا (٢) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ .

قال الكلبي: فمن يقدر أن يدفع من عذاب الله شيئًا (٣) وهذا من قولهم: ملكت على فلان أمره، إذا اقتدرت عليه حتى لا يمكنه إنفاذ شيء من أمره إلا بك، وتقديره: من يملك من أمره شيئًا (٤) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ .

قال الكلبي: إن أراد أن يعذب المسيح ابن مريم (٥) ووجه الاحتجاج بهذا على النصارى: أنه لو كان المسيح إلهًا لقدر على دفع أمر الله إذا أتى بإهلاكه وإهلاك غيره (٦) وفي هذه رد على القدرية، وبيان أنه لو أراد إهلاك النبيين وأهل طاعته أجمعين كان له ذلك.

وقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ .

أراد ما بين هذين الصنفين والنوعين (٧) (٨) فقال: (طرقا)، ثم قال: (فتلك هماهِمي)، ولم يقل: طرقن.

(١) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 119.

(٢) انظر: "البحر المحيط" 3/ 449.

(٣) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 110.

(٤) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 163، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 119.

(٥) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 110.

(٦) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 163، و"تفسير الهواري" 1/ 458، و"بحر العلوم" 1/ 425، و"زاد المسير" 2/ 317.

(٧) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 159، 160، والطبري في "تفسيره" 6/ 163، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 119.

(٨) البيت من قصيدة للراعي في "جمهرة أشعار العرب" 3/ 930 وقبله: أخليد إن أباك ضاف وساده ...

همان باتا جنبة ودخيلا طرقا ..................

وقد استشهد به في "مجاز القرآن" 1/ 160، والطبري في "تفسيره" 6/ 163، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 119، ومعنى هماهم: الهموم، وقلصا: جمع قلوص وهي الفتية من الإبل، ولواقح: أي حوامل، والحول: جمع جائل وهي الناقة لم تحمل.

والشاهد منه أن الشاعر ذكر همين في البيت الذي قبله، ثم ذكر همومًا بقوله: فتلك هماهمي، مع أنه ثنى في قوله: باتا وطرقا وأقربهما .....

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌۭ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ١٨

قوله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ الآية.

أمال اليهود فقال السدي: إنهم زعموا أن الله عز وجل أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بكري من الولد، وكذَبُوا فيما زعموا (١) وقال الحسن: إنما قالوا ذلك على معنى قرب الولد من الوالد (٢) وهو اختيار ابن قتيبة، قال: يعنون أنه من حدبه وعطفه علينا كالأب المشفق (٣) وأما النصارى فقال سعيد بن المسيب: إنهم قالوا: المسيح ابن الله (٤) ووجه هذا القول أنهم لما قالوا: المسيح ابن الله وادعوا أن المسيح منهم فكأنهم قالوا: نحن أبناء الله، كقول العرب: هذيل (٥) (٦) (٧) وهذا وجه ثالث في قول اليهود: نحن أبناء الله، لأنهم أيضًا قالوا: عُزَير ابن الله، كما قالت النصارى: المسيح ابن الله، ذكره سعيد بن المسيب (٨) وقيل: إنهم تأولوا قول عيسى.

أذهب إلى أبي وأبيكم، وقوله: إذا صليتم فقولوا: يا أبانا الذي في السماء ليتقدس اسمك (٩) وتأويل هذا: أنه في بره ورحمته وعطفه على عباده الصالحين كالأب الرحيم لولده (١٠) وذهب بعضهم إلى أن معنى قوله: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ ﴾ معناه: نحن أبناء رسله.

فهو من باب حذف المضاف (١١) قال ابن عباس: إنما قالوا هذا حين حذرهم النبي  عقوبة الله (١٢) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾ .

يحلمه (١٣) هذا معنى قول المفسرين (١٤) وقال أهل المعاني: (هذا التعذيب) (١٥) (١٦) ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾ فجعل التعذيب بسبب ذنوبهم.

وقال الربيع بن أنس في قوله تعالى: ﴿ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾ : لم مسخكم؟

(١٧) قال صاحب النظم: تأويل: ﴿ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ ﴾ لم عذب من قبلكم من اليهود والنصارى الذين كانوا أمثالكم في الدين بذنوبهم؛ لأنه تعالى لم يكن ليأمر نبيه -  - بأن يحتج عليهم بشيء لم يكن بعد، يقولون: فإنا لا نعذب، ولكن أمره بأن يحتج عليهم بما كان وعرفوه.

وكثير ما يذكر لفظ المستقبل والمراد به الماضي، كقول عنترة: ولقد أمُرُّ على اللئيم يسبُني ..

البيت (١٨) أي: مررت.

وقد بينا هذا في مواضع (١٩) ثم كذبهم في زعمهم فقال تعالى: ﴿بَلْ (٢٠) قال ابن عباس: لحم ودم (٢١) وقال المفسرون: كسائر بني آدم، مجزيون بالإحسان والإساءة (٢٢) وقولى تعالى: ﴿ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ .

قال ابن عباس: لمن تاب من اليهودية ﴿ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ من مات عليها (٢٣) وقال عطاء: ﴿ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ من يوحد الله ﴿ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ من لا يوحد الله (٢٤) وقال السدي: يهدي منكم من يشاء فيغفر له، ويميت منكم من يشاء على كفره فيعذبه (٢٥) (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ .

أي أنه يملك ذلك، لا شريك له فيعارضه، وهو يملك المغفرة لمن يشاء والتعذيب لمن يشاء (٢٧) قال أهل المعاني: دل بهذا على أنه لا ولد له؛ لأن (من (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ أي: وإليه يؤول أمر العباد في الآخرة (٣٠) (١) الأثر في "زاد المسير" 2/ 318، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 120، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 39.

وقد عزاه ابن كثير في "تفسيره" إلى ابن أبي حاتم والطبري في "تفسيره"، لكن وجدته عند الطبري في "تفسيره" بلفظ: إنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدًا من ولدك أدخلهم النار فيكون فيها أربعين يومًا ....

فأخرجهم فذلك قوله ﴿ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾ ، وأما النصارى، فإن فريقًا منهم قال للمسيح: ابن الله.

الطبري في "تفسيره" 6/ 164.

(٢) "النكت والعيون" 2/ 23، وانظر: "تفسير الهواري" 1/ 458، و"البحر المحيط" 3/ 450.

(٣) لم أقف عليه عن ابن قتيبة، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 33، و"البحر المحيط" 3/ 450.

(٤) لم أقف عليه.

(٥) قبيلة ينتسبون إلى هذيل بن مدركة بن الياس، نبع منهم شعراء كثيرون.

انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 196 - 198.

(٦) تكرر في (ج).

(٧) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 164، 165، و"الكشاف" 1/ 329.

(٨) تقدم قريبًا.

(٩) لم أقف عليه.

(١٠) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 458، والبغوي في "تفسيره" 3/ 33.

(١١) انظر: "الوسيط" 3/ 841، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 120، و"البحر المحيط" 3/ 450.

(١٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" بمعناه 6/ 164، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 486، وعزاه إلى ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في "الدلائل".

(١٣) هذه الكلمة غير واضحة، والأقرب أنها هكذا.

(١٤) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 165، و"بحر العلوم" 1/ 425، والبغوي في "تفسيره" 3/ 34، و"زاد المسير" 2/ 318.

(١٥) في (ش): (في هذا التعذيب).

(١٦) انظر: الطبرى في "تفسيره" 6/ 164، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 120.

(١٧) انظر: "زاد المسير" 2/ 319.

(١٨) لم أجده في "ديوان عنترة"، وقد نسبه لمولد من بني سلول.

سيبويه في "الكتاب" 3/ 24، وعجزه: فمضيت ثمت قلت لا يعنيني واستشهد به دون نسبه: ابن جني في "الخصائص" 3/ 330، والسمين في "الدر المصون" 2/ 288.

(١٩) في (ش): (موضع) بالإفراد.

(٢٠) سقطت (بل) من: (ج).

(٢١) لم أقف عليه.

(٢٢) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 165، والبغوي في "تفسيره" 3/ 34، و"زاد المسير" 2/ 319.

(٢٣) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 111.

(٢٤) انظر: "زاد المسير" 2/ 319.

(٢٥) في (ج): فيعذبه الله وما أثبته هو الموافق للمصادر في التخريج الآتي.

(٢٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 165 - 166، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 486.

(٢٧) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 121.

(٢٨) ما بين القوسين ساقط من (ج).

(٢٩) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 166، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 121.

(٣٠) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 121.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍۢ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُوا۟ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٍۢ وَلَا نَذِيرٍۢ ۖ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌۭ وَنَذِيرٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ١٩

وقوله تعالى: ﴿ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد على انقطاع من الأنبياء (١) قال الزجاج: لأن النبي  بعث بعد إنقطاع الرسل؛ لأن الرسل كانت إلى وقت رفع الله عيسى متواترة بعضها في أثر بعض (٢) ويقال: فتر الشيء يفتر فتورًا، إذا سكنت حدّته وانقطع عما كان عليه (٣) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ تَقُولُوا ﴾ .

أي: لئلا تقولوا، وهو قول ابن عباس (٤) (٥) وقد استقصينا شرح هذا في آخر سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا  ﴾ .

(١) "زاد المسير" 2/ 230 عن ابن عباس من طريق أبي صالح، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 111.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 162، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 166، 167.

(٣) "العين" 8/ 114، و"تهذيب اللغة" 3/ 2735، وانظر: "الصحاح" 2/ 777 (فتر)، و"زاد المسير" 2/ 319.

(٤) انظر: "زاد المسير" 2/ 321، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 111.

(٥) "معاني الزجاج" 2/ 162، وانظر: "زاد المسير" 2/ 321.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًۭا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢٠

قوله تعالى: ﴿ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ ﴾ .

(أنبيآء) لا ينصرف في معرفة ولا نكرة؛ لأنها مبنية على علامة التأنيث، وهي الألف الممدودة كألف حمراء، فلما بنوا الاسم على علامة التأنيث حتى صارت كبعض حروفه، صار كأن التأنيث قد تكرر فيه فلم ينصرف في النكرة (١) قال الكلبي: ﴿ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ ﴾ على عهد موس بن عمران، وهم السبعون (الذين) (٢) (٣) ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا ﴾ روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله  قال: كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يُكْتَبُ ملكًا (٤) وقال ابن عباس: جعل لكم الحشم والخدم (٥) وقال مجاهد: كل من لا يُدخل عليه إلا بإذنه فهو ملك (٦) (٧) وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة، فيها مياه جارية، فمن كان مسكنه واسعًا وفيه ماء جار فهو ملك (٨) وقال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم، وسُخَّر لهم الخدم من بني آدم (٩) وقال السدي: يعني: وجعلكم أحرارًا تملكون أنفسكم بعدما كنتم في أيدي القِبْط بمنزلة أهل الجزية فينا (١٠) قال الزجاج: ومعناه: جعلتم تملكون أمركم لا يغلبكم عليه غالب (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ  ﴾ .

قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ما آتاهم في الدنيا من النعمة والكرامة، حيث فلق لهم البحر، وأغرق عدوهم، ونصرهم على جميع من عاداهم (١٢) وقال مجاهد: يعني: المنّ والسلوى والحجر (١٣) (١٤) (١) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 123.

(٢) في (ش): (الذي).

(٣) "بحر العلوم" 1/ 426، و"زاد المسير" 2/ 321.

وقد أشار إليه الطبري في "تفسيره" 6/ 168.

(٤) أخرجه المؤلف في "الوسيط" 3/ 845، وذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 35 بصيغة التمريض وأورده ابن كثير في "تفسيره" 2/ 42، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 478، وعزاه كل منهما إلى ابن أبي حاتم، وفي "سنده" ابن لهيعة.

قال ابن كثير في "تفسيره": هذا حديث غريب من هذا الوجه.

(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 169، بمعناه، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 35، و"زاد المسير" 2/ 321، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 42، و"الدر المنثور" 2/ 477.

(٦) في "تفسير مجاهد" 1/ 191: قال: جعل لهم أزواجًا وخدمًا وبيوتًا، ومن كان كذلك فهو ملك، ونحوه في الطبري في "تفسيره" 6/ 169، بلفظ المؤلف عزاه إلى ابن عباس السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 426، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 162.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 162.

(٨) انظر: "زاد المسير" 2/ 322.

(٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 170، وانظر: "زاد المسير" 2/ 322.

وهذا القول انفرد به قتادة، وقد يكون فيه نظر؛ لأن القول بأن بني إسرائيل أول من ملك الخدم يحتاج إلى تثبت واستقراء تاريخي ما لم يرد دليل سمعي بذلك، والله أعلم.

(١٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 170، وانظر: "زاد المسير" 2/ 322.

(١١) "معاني الزجاج" 2/ 162.

(١٢) لم أقف على هذا الأثر، وقد أخرج الطبري في "تفسيره" 6/ 170 - 171 من طريق عطاء عن ابن عباس قال: الرجل يكون له الدار والخادم والزوجة، وضعف أحمد شاكر وإسناده.

(١٣) أي: الذي ضربه موسى فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا.

(١٤) "تفسيره" 1/ 191، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 170.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَـٰسِرِينَ ٢١

قوله تعالى: ﴿ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ ﴾ الآية.

المقدسة معناها في اللغة: المُطهّرة (١) (٢) قال قتادة: هي الشام كلها (٣) (٤) (٥) وقال عكرمة والسدي وابن زيد: هي أريحا (٦) الكلبي: دمشق وفلسطين وبعض الأردن (٧) وقوله تعالى: ﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ .

قال عطاء عن ابن عباس: يريد فرض عليكم دخولها (٨) وبه قال قتادة، قال: أمروا بها كما أمروا بالصلاة (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ ﴾ .

يحتمل تأويلين: أحدهما: لا ترجعوا إلى دينكم الشرك بالله وإلى معصيته (١١) وإلى هذا أشار ابن عباس فقال (١٢) (١٣) والثاني: لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها (١٤) (١) "معاني الزجاج" 2/ 162، و"بحر العلوم" 1/ 427.

(٢) انظر: "زاد المسير" 2/ 323.

(٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 172، وانظر: "زاد المسير" 2/ 323.

(٤) جاء هذا القول صريحًا عن مجاهد، انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 172.

(٥) انظر: "لسان العرب" 6/ 3550 (قدس).

(٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 172 عن ابن زيد والسدي، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 35.

وأريحا مدينة في الأردن بينها وبين بيت المقدس يوم.

انظر "معجم البلدان" 1/ 165.

(٧) البغوي في "تفسيره" 3/ 35، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 111.

وبهذا القول قال الزجاج.

انظر: "معاني القرآن" 2/ 162، و"النكت والعيون" 2/ 25.

(٨) انظر: "زاد المسير" 2/ 324.

(٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 173، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 36.

(١٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 173، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 36، و"زاد المسير" 2/ 324.

(١١) انظر: "النكت والعيون" 2/ 25، و"زاد المسير" 2/ 324، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 126.

(١٢) في (ش): (قال).

(١٣) لم أقف عليه.

(١٤) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 173، و"النكت والعيون" 2/ 25، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 126.

وقال القرطبي في "تفسيره" بعد أن ذكر الوجهين: والمعنى واحد.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوْمًۭا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ ٢٢

قوله تعالى: ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ ﴾ .

قال المفسرون: هم العمالقة فرقة من عاد (١) وللجبار ههنا معنيان: قال الأخفش: أراد الطُّول والقوة والعظم (٢) (٣) وهذا معنى قول قتادة: كانت لهم أجسما وخلق عجيب ليس لغيرهم (٤) قال الأزهري: وهي لغة معروفة، وكثير من الحجازيين يقولونها، وكان الشافعي -رحمه الله- يقول: جبره السلطان (٥) وجائز أن يكون الجبّار من: أجبره على الأمر، إذا أكرهه عليه.

قال الفراء: لم أسمع فعَّالا من أفْعَل إلا في حرفين، وهما: جبّار من أَجْبَر، ودرَّاك من أدْرَك (٦) وهذا الوجه اختيار الزجاج، قال في هذه الآية: تأويل الجبّار من الآدميين العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد (٧) قال المفسرون: وبلغ من جبرية هؤلاء، أن موسى لما بعث النقباء ليتحسسوا (٨) (٩) وللجبار معانٍ نذكرها في مواضعها إن شاء الله.

(١) انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 36، القرطبي في "تفسيره" 6/ 126.

(٢) ليس في "معاني القرآن" للأخفش، وقد نسبه الأزهري إلى أبي الحسن اللحياني.

انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 532 (جبر).

(٣) من "تهذيب اللغة" 1/ 532 (جبر)، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 36، و"اللسان" 1/ 535 (جبر).

(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 174، وانظر: "زاد المسير" 2/ 324.

(٥) "تهذيب اللغة" 1/ 533، وانظر: "اللسان" 1/ 536 (جبر).

(٦) من "تهذيب اللغة" 1/ 532، وانظر: "اللسان" 1/ 534 (جبر).

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 163، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 427، و"زاد المسير" 2/ 324.

(٨) في (ش): (ليتجسسو ا) بالجيم.

(٩) أخرج الأثر مطولًا الطبري في "تفسيره" 6/ 174، ونقله ابن كثير في "تفسيره" 2/ 43، وقال: وفي هذا الإسناد نظر.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُوا۟ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَـٰلِبُونَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٢٣

قوله تعالى: ﴿ قَالَ رَجُلَانِ ﴾ .

قال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة والربيع: هما يوشَع بن نون، وكالب بن يوفنا (١) ﴿ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ ﴾ .

قال عطاء وقتادة: يخافون الله في مخالفة أمره بقتال الجبارين (٢) وقوله تعالى: ﴿ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ﴾ .

قال الحسن: الإسلام (٣) (٤) ﴿ ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ .

قال المفسرون: إنهما قالا لبني إسرائيل: نحن أعلم بالقوم، إنهم قد مُلِئُوا منا رعبًا، وإنا رأيناهم وكانت (٥) (٦) قال (٧) ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ (٨) ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أي عليه توكلوا في نصره إياكم على الجبارين إن كنتم مصدقين به وبما أتاكم به رسوله.

(١) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 174 - 175، و"بحر العلوم" 1/ 427، و"زاد المسير" 2/ 326، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 44.

(٢) انظر: "بحر العلوم" 1/ 428، و"النكت والعيون" 2/ 26، و"زاد المسير" 2/ 326.

(٣) "النكت والعيون" 2/ 26، ونسبه ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 326 إلى ابن عباس.

(٤) "زاد المسير" 2/ 326.

(٥) في (ج): (فكانت).

(٦) فانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 178 - 179، و"بحر العلوم" 1/ 428، والبغوي في "تفسيره" 3/ 36، و"زاد المسير" 2/ 326.

(٧) في (ش): (وقال).

(٨) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 178، و"النكت والعيون" 2/ 26، والبغوي في "تفسيره" 3/ 37.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًۭا مَّا دَامُوا۟ فِيهَا ۖ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَآ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ ٢٤

قوله تعالى: ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا ﴾ .

قال المفسرون: إن عشرة من النقباء نقضوا العهد، وقالوا لبني إسرائيل: إن الرجل الواحد من هؤلاء الجبارين يدخل المائة منا في كُمِّه، ورأينا حصونًا ممتنعة وجبابرة، فلا يدان لنا بهم، فجَبُن القوم وخافوا ولم يثقوا بنصر الله، وقالوا: إنا لسنا نقبل مشورةً في دخولها ولا أمرًا وفيها هؤلاء الجبارون، ولما أمرهم يوشع وكالب بدخول القرية عصوهما وأرادوا أن يرجموهما بالحجارة، وقالوا: يا موسى نكذب عشرة ونصدق اثنين (١) وقوله تعالى: ﴿ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ ﴾ .

قال أبو إسحاق: كلام العرب: اذهب أنت وزيد، ويستقبح النحويون: اذهب وزيد؛ لأنه يقبح العطف على المضمر والمضمر (في النية) (٢) (٣) وقال الفراء: ولو ألقيت (أنت) فقيل: اذهب وربك، كان صوابًا؛ لأنه في إحدى القراءتين: ﴿ إنه يراكم وقبيلُه  ﴾ ، واذهب أنت وربك أكثر في كلام العرب، وذلك أنه العطف على الاسم المضمر المرفوع؛ لأن المرفوع خفي في الفعل وليس كالمنصوب؛ لأن المنصوب يظهر، فتقول: ضربته وزيدًا، وضربتك وزيدًا.

وتقول في المرفوع: قام، وقاما، فلا ترى اسمًا منفصلًا في الأصل من الفعل، فلذلك أوثر إظهاره (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) ﴿ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا  ﴾ .

قال الزجاج: وإنما جاز لأن المفعول يقوي الكلام كما يقوي الكلام دخول لا، قال الله تعالى: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا  ﴾ (١٠) واختلفوا في معنى قوله: ﴿ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا ﴾ ، فقال أصحاب المعاني: إن كانوا قالوه على وجه الذهاب من مكان إلى مكان فهو كفر؛ لأنه على وجه الجهل بالله عز وجل (١١) (١٢) وقال الحسن: هذا القول كفر منهم بالله (١٣) وإنما أخبر عنهم بهذا إنكارًا عليهم، وتعجيبًا من جهلهم.

وقال بعضهم: إنهم قالوه على المجاز، على تأويل: اذهب أنت وربك معينٌ لك، فأضمر خبر الابتداء (١٤) والأول أظهر لقيام قوله: ﴿ فَقَاتِلَا ﴾ مقام خبر الابتداء.

وحكى بعض المفسرين أنهم أرادوا بقولهم: ﴿ وَرَبُّكَ ﴾ أخاه هارون، قال: وكان أكبر من موسى (١٥) والظاهر أنهم قالوا هذا جهلًا منهم، وفسقوا بذلك؛ لأن الله تعالى قال في هذه القصة: ﴿ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾ ، يريدهم (١٦) قال الزجاج: أعلم الله تعالى أن أهل الكتاب لم يزالوا غير قابلين من الأنبياء قبل النبي  وأن الخلاف شأنهم (١٧) (١) أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 179 - 180، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 428، والبغوي في "تفسيره" 3/ 37.

وقد سبق قريبًا كلام ابن كثير في "تفسيره" على مثل هذا الخبر.

(٢) في "معاني الزجاج" 2/ 164: في النية لا علامة له.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 164.

(٤) "معاني القرآن" 1/ 304.

(٥) ما بين القوسين زيادة على "معاني القرآن".

(٦) أي الفراء.

(٧) في "معاني القرآن": ضربت زيدا وأنت.

(٨) في (ج): (زيدا).

(٩) في "معاني القرآن" 1/ 304: قمت أنا وأنت، وقمت وأنت قليل.

وقد أنتهى إلى هنا كلام الفراء، وما بعده من أمثله لعله من المؤلف.

(١٠) انتهى من "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 164.

(١١) قال الطبري في "تفسيره" 6/ 180: وكان بعضهم يقول في ذلك: ليس معنى الكلام: اذهب أنت وليذهب معك ربك فقاتلا، ولكن معناه: اذهب أنت يا موسى وليُعِنْك ربك، وذلك أن الله عز ذكره لا يجوز عليه الذهاب، ولعل الطبري في "تفسيره" يقصد بهذا القائل أبا عبيدة.

انظر: "مجاز القرآن" 1/ 160، ثم رد هذا القول بقوله: وهذا إنما كان يحتاج إلى طلب المخرج له لو كان الخبر عن مؤمنين، فأما قوم أهل خلاف على الله عز ذكره ورسوله، فلا وجه لطلب المخرج لكلامهم فيما قالوا في الله عز وجل، وافتروا عليه إلا بما يشبه كفرهم وضلالتهم.

وقد ذكر عن المقداد أنه قال لرسول الله  خلاف ما قال قوم موسى لموسى: حدثنا سفيان، عن طارق: أن المقداد بن الأسود قال للنبي  : إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: ﴿ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ ، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إن معكم مقاتلون.

"جامع البيان" 6/ 180، وانظر ابن كثير في "تفسيره" 2/ 45.

(١٢) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 128.

(١٣) أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 850، وذكره القرطبي في "تفسيره" 6/ 128، وأبو حيان في "البحر المحيط" 3/ 456.

(١٤) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 160، و"بحر العلوم" 1/ 428، و"زاد المسير" 2/ 427، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 128، و"البحر المحيط" 3/ 456.

(١٥) انظر: "بحر العلوم" 1/ 428، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 128، و"البحر المحيط" 3/ 456.

(١٦) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 128.

(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 163.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ رَبِّ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى ۖ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ ٢٥

قوله تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ﴾ .

يقول: لم يطعني منهم إلا نفسي وأخي.

قال أهل المعاني: تأويله أنه لا يملك إلا تصريف نفسه في طاعة الله؛ لأن نفسه (لا تكون (١) (٢) وذكر أبو إسحاق في إعراب قوله: ﴿ وَأَخِي ﴾ وجهين: أحدهما: أن يكون رفعًا من جهتين: الأولى: أن يكون نَسَقًا على موضع (إني)، المعنى: أنا لا أملك إلا نفسي وأخي كذلك، ومثله قوله تعالى: ﴿ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ  ﴾ ، والثانية: أن يكون عطفًا على الضمير في (أملك) وهو: أنا، والمعنى: لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا.

والوجه الثاني: أن يكون (أخي) في موضع نصب من جهتين: إحدهما: أن يكون نسقًا على الياء، المعنى: إني وأخي لا نملك إلا أنفسنا، وجائز (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾ قال الكلبي: فاقض بيننا وبين القوم العاصين (٥) (١) لعل الصواب: تكون بدون لا، مع أن لا غير واضحة في (ج).

(٢) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 180.

(٣) لعل هذا الجائز هو الجهة الثانية من الوجه الثاني.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 164، 165، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 223، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 128.

(٥) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 112.

ونسبه ابن الجوزي إلى ابن عباس، انظر: "زاد المسير" 2/ 329.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةًۭ ۛ يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ ٢٦

قوله تعالى: ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ الآية.

قال عطاء عن ابن عباس: حرم الله على الذين عصوا دخول بيت المقدس فماتوا في التِيه أجمعون، ولم يدخل بيت المقدس ممن خرج من مصر أحد، لا موسى ولا هارون ولا أحد منهم، إلا الرجلان اللذان قالا: ﴿ ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ ﴾ يوشع وكالب، دخلا بأبناء الذين خرجوا من مصر بعدما تاهوا أربعين سنة (١) قال الكلبي: قيل لموسى: أما إذ سميتهم فاسقين فإنها محرمة عليهم، فكانوا في التيه أربعين سنة في ستة فراسخ، وقُبِضَ هارون وموسى في التِّيه (٢) وقال الحسن: لم يمت موسى في التِّيه (٣) واختلفوا: أيضًا هل دخل مدينة الجبارين أم لا؟، فقال قوم: كان الفتح على يديه.

وقال قوم إنما قاتل الجبارين يوشع، ولم يَسِر إليهم إلا بعد موت موسى (٤) فإن قيل: كيف قال: ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ وقد قال: ﴿ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ ؟

قيل: قوله: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ المراد به من دخلها من أولادهم وذراريهم، فأما من مات في التيه ولم يدخلها فإنها لم تكتب لهم.

والمراد: بهذا التحريم تحريم منع لا تحريم تعبد، كما تقول: حرام عليك دخول داري، أي أني أمنعك ذلك فلا تدخل، ليس أنه يحرم عليه بالشرع.

وقوله تعالى: ﴿ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ .

قال الفراء: هي منصوبة بالتحريم، ولو نصبتها بـ (يتيهون) كان صوابًا (٥) قال الزجاج: أما نصبه بـ (محرمة) فخطأ؛ لأن التفسير جاء بأنها حرمة عليهم أبدًا (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ﴾ .

يقال: تاه يتيه تَوْهًا وتِيها، والتِّيه أعمهما، ويقال: توهّتُه، وتيّهتُه، والواو أعم، والتَّيهاء: الأرض التي لا يُهتدى فيها، يقال: أرض تِيهٌ وتيهًا ومتيهة، يتيه فيها الإنسان (٨) قال مجاهد والحسن: كانوا يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا (٩) قال الزجاج: عذبهم الله عز وجل بأن مكثوا في التيه أربعين سنة سيارة، لا يقرّ بهم القرار، إلى أن مات البالغون الذين عصوا الله ونشأ الصغار.

فإن قيل: التيه عذاب، والأنبياء لا يعذبون، فكيف عذب موسى وهارون بالتيه؟

قيل: إن الله عز وجل سهّل عليهما ذلك كما سهل على إبراهيم النار فجعلها بردًا وسلامًا وشأنها الإحراق (١٠) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد لا تحزن على القوم الذين عصوك وعصوني (١١) وقال مقاتل: إنهم قالوا لموسى: ما صنعت بنا؟

وندم موسى على ما دعا عليهم، فأوحى الله إليه: ﴿ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾ (١٢) يقال: أسي يأسى أسًى، أي: حزن (١٣) وقال الزجاج: وجائز أن يكون خطابًا لمحمد  أي لا تحزن على قومٍ لم يزل شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل (١٤) (١) أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 183 لكن من طريق عكرمة عن ابن عباس، وانظر: "زاد المسير" 2/ 330، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 130، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 44.

وهذا قول، وسيأتي أن الراجح أن موسى  : هو الذي فتح مدينة الجبارين.

(٢) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 112.

(٣) لم أقف عليه.

(٤) رجح الطبري في "تفسيره" وغيره القول الأول وأن موسى  هو الذي فتح مدينة الجبارين.

انظر: "جامع البيان" 6/ 182، والبغوي في "تفسيره" 3/ 38، و"زاد المسير" 2/ 330، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 131.

(٥) "معاني القرآن" 1/ 305، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 184، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 223.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 165، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 233.

وقد فصل مكي في "الإعراب" بما فيه جمع بين القولين.

(٧) لم أجده عن ابن عباس، وأخرجه الطبري في "تفسيره" عن قتادة 6/ 184.

ونحوه عن غيره.

انظر: "جامع البيان" 6/ 181 - 182.

(٨) "تهذيب اللغة" 1/ 423 (تيه)، وانظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 129.

(٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 185 عن مجاهد، وانظر: "تفسير الهواري" 1/ 462.

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 165، 166 بتصرف يسير.

(١١) "تفسيره" ص 176، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 186 بلفظ: لا تحزن لا غير.

(١٢) بنحوه في "تفسيره" 1/ 467، 468.

(١٣) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 139، والطبري في "تفسيره" 6/ 185.

(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 166، وانظر: "زاد المسير" 2/ 231.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًۭا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْـَٔاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ٢٧

قوله تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ ﴾ .

قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ يا محمد، يريد على قومك، ﴿ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ ﴾ كما كان، يريد هابيل وقابيل.

وكان هابيل له ضأن، وقابيل له زرع، ﴿ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا ﴾ فنظر هابيل إلى خير كبش في ضأنه فتقرب به إلى الله، ونظر قابيل إلى شر قمحه، فتقرب به إلى الله، فنزلت نار من السماء فاحتملت قربان هابيل، ولم تحمل قربان قابيل، فعلم أن الله قد قَبِلَ من أخيه ولم يقبل منه فحسده، قال الله تعالى: ﴿ فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا ﴾ يريد هابيل ﴿ وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ ﴾ يريد قابيل.

ويقال إن قربان هابيل هو الكبش الذي فدى الله به إسماعيل (١) ﴿ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ ﴾ هابيل {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}.

انتهى كلامه (٢) وهذا قول جميع أهل التفسير إلا الحسن والضحاك فإنهما قالا: إن ابني آدم اللذين قربا قربانًا لم يكونا ابني آدم لصلبه، إنما كانا رجلين من بني اسرائيل (٣) ومضى الكلام في معنى القربان في سورة آل عمران.

وتقديره قوله: ﴿ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا ﴾ قرب كل واحد منهما قربانا، نجمعهما في الفعل وأفرد الاسم؛ لأنه يستدل بفعلها على أن لكل واحد قربانًا.

وقيل: إن القربان اسم جنس، فهو يصلح للواحد وللعدد، على أن القربان مصدر كالرُّجحان والعُدوان والكُفران، يقال: قَرَّبْت الرجل (٤) (٥) وكان الرجل فيما مضى إذا رفع إلى الله حاجة قدم أمامها نسيكة، وكاذت تلك الذبيحة تسمى: قربانا، إذ (٦) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ﴾ .

مختصر، أي قال الذي لم يتقبل منه للثاني: لأقتلنك، فحذف لأن المعنى يدل على أن الذي لم يتقبل منه هو القائل بحسده لأخيه: لأقتلنك.

قاله الفراء (٧) (٨) وقوله تعالي: ﴿ قَرَّبَا ﴾ .

ليس معناه من القريب الذي هو ضد البعيد، ولكنه من قولهم قرّب قربانًا، إذا تقرب بمال له (٩) ﴿ قَرَّبَا قُرْبَانًا ﴾ قربه إلى موضع.

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾ .

أي المتقين للمعاصي (١٠) قال ابن عباس: قال له هابيل: إنما يتقبل الله ممن كان زاكيَ القلب، ورد عليك لأنك لست بزاكي القلب (١١) (١) كأن هذا القول اعتراض ضمن قول ابن عباس، فإنه نُسِب إلى سعيد بن جبير.

انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 134.

(٢) الأثر أخرجه الطبري في "تفسيره" بمعناه من طريقين: أحدهما طريق العوفي عن ابن عباس، والثاني طريق أبي صالح عنه.

انظر: "جامع البيان" 6/ 186 - 189، وذكره البغوي في "تفسيره" 6/ 42، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 333.

(٣) أخرجه عن الحسن الطبري في "تفسيره" 6/ 189، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 27، "زاد المسير" 2/ 331، ورجح كل من الطبري في "تفسيره" وابن الجوزي القول الأول، وأنهما ابني آدم لصلبه.

(٤) قربت الرجل: أي أدنيته، من القرب ضد البعد.

انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2915 (قرب).

(٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 190، "زاد المسير" 2/ 332.

(٦) في (ج): (إذا).

(٧) "معاني القرآن" 1/ 305، ولا يزال الكلام له.

(٨) انتهى من "معاني القرآن" 1/ 305، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 166، "زاد المسير" 2/ 334.

(٩) في (ش): (لنا).

(١٠) انظر: "زاد المسير" 2/ 334.

(١١) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 112.

<div class="verse-tafsir"

لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍۢ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢٨

قوله تعالى: ﴿ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ﴾ الآية.

يقال في هذا: لِمَ لَمْ يدفع ابن آدم أخاه عن نفسه وإن أدّى إلى قتله؟

قيل: معناه: لئن بدأتني بالقتل فما أنا الذي أبدؤك بالقتل (١) وهذا يُروى عن ابن عباس (٢) (٣) وقال الحسن ومجاهد: إنه كتب عليهم: إذا أراد الرجل قتل رجل تركه، ولم يمتنع منه (٤) وقال أهل العلم: الدافع عن نفسه يدفع بالأيسر فالأيسر، وليس له أن يقصد القتل، بل يقصد الدفع، ثم إن أتى الدفع على القاتل ولم يمكنه الدفع إلا بقتله جاز ذلك، فمن قصد قتل رجل ظُلمًا فالمقصود إن أراد أن يستسلم للقتل جاز له ذلك [[انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 136، وقال القرطبي في "تفسيره": وفي وجوب ذلك [أي الدفع] عليه خلاف، والأصح وجوب ذلك، لما فيه من النهي عن المنكر.]].

وكذلك فعل عثمان -  - (٥)  (٦) (٧) (٨) وإن أراد أن يدفع القاتل وجب أنْ يَقصد الدفع ولا يقصد القتل، ألا ترى أن ابن آدم قال: ﴿ مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ﴾ ، فبان أن بسط اليد لقتل القاصد للقتل لا يجوز.

وقال عبد الله بن عمرو في هذه الآية: والله إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط يده لأخيه (٩) (١) انظر: "زاد المسير" 2/ 334.

(٢) أخرج الطبري في "تفسيره" من طريق العوفي عنه في هذه الآية ما أنا بمنتصر، ولأمسكن يدي عنك.

"جامع البيان" 6/ 191 - 192.

(٣) لم أقف عليه.

(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 192، وذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 43، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 136.

(٥) حينما ترك الدفاع عن نفسه في فتنة قتله -  - انظر ابن كثير في "تفسيره" 2/ 50.

(٦) الصلاة على النبي  ليست في (ج).

(٧) هو أبو عبد الرحمن محمد بن مسلمة بن خالد بن عدي الأوسي الأنصاري == صحابي فاضل، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها إلا تبوك، واعتزل الفتنة بعد قتل عثمان -  - مات بالمدينة سنة 46 هـ وقيل بعدها.

انظر: " الاستيعاب" 3/ 433، "أسد الغابة" 5/ 112، "الإصابة" 3/ 383.

(٨) لم أقف عليه عن محمد بن مسلمة -  - بهذا اللفظ.

وقد أخرج معناه عنه ابن الأثير في "أسد الغابة" 5/ 113، وانظر: "الإصابة" 3/ 383.

والحديث له شاهد من حديث خالد بن عرفطة -  - قال: قال لي رسول الله  : "يا خالد إنها ستكون بعدي أحداث وفتن واختلاف، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل".

أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده" 5/ 292، والحاكم في "مستدركه" 4/ 517، وله شاهد آخر من حديث خباب -  - عند أحمد 5/ 110.

(٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 191، وانظر ابن كثير في "تفسيره" 2/ 50، "الدر المنثور" 2/ 484.

<div class="verse-tafsir"

إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا۟ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٢٩

قوله تعالى: ﴿ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ﴾ .

قد مضى الكلام في معنى: باء (١) قال ابن عباس والحسن وقتادة وابن مسعود: تحتمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي (٢) وقال الزجاج: ترجع إلى الله بإثم قتلي وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك (٣) قال ابن الأنباري: وإنما فصل الإثمين وهما على واحد لاختلاف سببهما (٤) فإن قيل: كيف قال ابن آدم: إني أريد أن تبوء بالإثمين فجاز أن يريد منه الإثم، وليس للإنسان أن يريد معصية الله من غيره كما ليس له أن يريدها من نفسه؟

والجواب: عن هذا من وجوه: أحدها ما ذكره ابن الأنباري، وهو أن قابيل لما قال لأخيه: ﴿ لَأَقْتُلَنَّكَ ﴾ ، وعظه هابيل وذكره الله واستعطفه، وقال: ﴿ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ ﴾ الآية، فلما رآه هابيل قد صمم وأخذ له الحجارة يرميه بها، قال له عند الضرورة: ﴿ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ﴾ أي إذا قتلتني ولم يندفع قتلك إياي إلا بقتلي إياك فمحبتي أن يلزمك إثم قتلي إذا قتلتني، فكان هذا عدلًا من هابيل (٥) وإلى هذا أشار الزجاج فقال: أي إن قتلتني فأنا مريد ذلك (٦) فهذه الإرادة منه بشرط أن يكون قاتلا له، والإنسان إذا تمنى أن يكون إثم دمه على قاتله لم يلم على ذلك (٧) وهذا التأويل قال بعضهم معناه: إني أريد أن ترو بعقاب إثمي وإثمك، ثم حذف المضاف، ومن باء بإثم باء بعقاب ذلك الإثم (٨) وقوله تعالى: ﴿ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ﴾ قال عطاء: يريد إن جهنم جزاء من قتل أخاه وظلمه (٩) (١) عند قوله تعالى: ﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ  ﴾ .

(٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 192 - 193، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 30، والبغوي في "تفسيره" 3/ 43، "زاد المسير" 2/ 335.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 167، وانظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 137.

(٤) لم أقف عليه.

(٥) لم أقف على قول ابن الأنباري، وقد ذكر ابن الجوزي له قولاً خلافه.

انظر: "زاد المسير" 2/ 336، 337.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 167 (٧) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 193، والبغوي في "تفسيره" 3/ 43.

(٨) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 138.

(٩) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٣٠

قوله تعالى: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ﴾ .

قال الفراء: فتابعته نفسه وطاوعته (١) وقال المبرد: (طوعت (٢) (٣) وقال أبو عبيد: قال حدثنا يزيد (٤) (٥) ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ ﴾ قال: شجعته (٦) قال أبو عبيد: عنى مجاهد أنها أعانته على ذلك وأجابته إليه.

ولا أرى أصله إلا من الطواعية (٧) قال الأزهري: والأشبه عندي أن يكون معنى: (طوعت) سمحت وسهّلت له نفسه (قتل أخيه) أي جعلت نفسه قتل أخيه سهلًا وهوّنته (٨) وتقدير الكلام: فصورت له نفسه أن قتل أخيه طوعٌ له سهلٌ عليه، فينتصب القتل على هذا من غير إضمار ولا حذف (٩) واختار الزجاجي هذا الوجه فقال: طوّع فعل من طَاع الشيء يطوع إذا سهُل وانقاد، و ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ﴾ أي سهلت الأمر فيه عليه (١٠) وأما قول (١١) ﴿ قَتْلَ أَخِيه ﴾ على إفضاء الفعل إليه بعد حذف الخافض، كأنه قيل (١٢) (١٣) وأما المفسرون فقال ابن عباس في رواية عطاء: فسولت له نفسه قتل أخيه (١٤) وقال قتادة: زينت له نفسه (١٥) وقال يمان (١٦) (١٧) وقال عبد العزيز بن يحيى (١٨) (١٩) وقال الكلبي: تابعته نفسه على قتل أخيه (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ فَقَتَلَهُ ﴾ .

قال المفسرون: لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل، فتمثل له إبليس وأخذ طيرًا فوضع رأسه على حجر ثم شدخ رأسه بحجر آخر، وقابيل ينظر فعلّمه القتل، ثم وجد قابيل أخاه هابيل يومًا نائمًا، فرفع صخرة، فشدخ رأسه فمات (٢١) وروى مسروق عن عبد الله (٢٢)  قال: "لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان عى ابن آدم كفل من دمها، وذلك أنه أول من سن القتل" (٢٣) وجاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين من اللذان يقول الله لهما: ﴿ رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ  ﴾ ؟

فقال علي: هو إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه، كانا أول من عمل بالمعصية (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ  ﴾ .

قال ابن عباس: يريد خسر دنياه وآخرته، أما الدنيا فأسخط والديه وبقي بلا أخ، وأما الآخرة فأسخط ربه وصار إلى النار (٢٥) قال المفسرون: إن قابيل لما قتل أخاه هرب إلى عدن من أرض اليمن، فأتاه إبليس وقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل؛ لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فانصب أنت أيضًا نارًا تكون لك ولعقبك، فبنى (٢٦) (٢٧) (١) في "معاني القرآن" 1/ 305: فتابعته، وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2153 (طاع)، "زاد المسير" 2/ 337.

(٢) ما بين القوسين ساقط من (ج).

(٣) "معاني الزجاج" 2/ 167، "تهذيب اللغة" 3/ 2153 (طاع).

وانظر: "زاد المسير" 2/ 337.

(٤) يزيد بن هارون بن زاذان السلمي الواسطي، تقدمت ترجمته.

(٥) هو أبو بشر ورقاء بن عمر بن كليب اليشكري الكوفي الإِمام الثقة الحافظ العابد المقرئ، قال ابن معين: تفسير ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أحب إلي من تفسير قتادة.

مات -رحمه الله- بعد سنة 160 هـ.

انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 175، "سير أعلام النبلاء" 7/ 419، "غاية النهاية" 2/ 358.

(٦) الأثر بسنده من "تهذيب اللغة" 3/ 2153 (طاع)، وهو في "تفسير مجاهد" 1/ 193، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 195.

(٧) "تهذيب اللغة" 3/ 2153 (طاع).

(٨) "تهذيب اللغة" 3/ 2153، (طاع)، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 43.

(٩) في (ش): (حرف).

(١٠) لم أقف عليه.

انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2153 (طاع)، والبغوي في "تفسيره" 3/ 43.

(١١) في (ش): (وأما على قول).

(١٢) في (ش): (قتل).

(١٣) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 138.

(١٤) لم أقف عليه.

(١٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 195، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 429.

(١٦) يمان بن رئاب، تقدمت ترجمته.

(١٧) انظر: "الوسيط" 3/ 857، والبغوي في "تفسيره" 3/ 43، وهذا اختيار الأزهري كما تقدم، مع أن الأقوال متقاربة من حيث المعنى.

(١٨) لعله عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز الكناني المكي الذي ناظر بشرًا المريسي في نفي خلق القرآن، وينسب إليه كتاب "الحيدة" في ذلك واستبعد الذهبي هذه النسبة، كان من فقهاء الشافعية، وذكر أنه صَحِب الشافعي مدة ولم يذكر تاريخ وفاته.

انظر: "طبقات الفقهاء" للشيرازي ص 14، "ميزان الاعتدال" 3/ 353، "طبقات الشافعية" للإسنوي 1/ 41.

(١٩) لم أقف عليه.

(٢٠) لم أقف عليه.

وقد نسبه ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 337 إلى ابن عباس.

(٢١) أخرجه بنحوه عن ابن جريج: الطبري في "تفسيره" 6/ 195، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 429، "النكت والعيون" 2/ 30، والبغوي في "تفسيره" 3/ 43، "زاد المسير" 2/ 337، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 51.

(٢٢) ابن مسعود  .

(٢٣) أخرجه البخاري (3335) كتاب الأنبياء، باب (1): خلق آدم وذريته 4/ 104، ومسلم (1677) كتاب القسامه، باب (7): بيان إثم من سن القتل 3/ 1303 (ح 27) والمؤلف في "الوسيط" 3/ 858.

(٢٤) أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 195 (الطبعة غير المحققة)، والحاكم 2/ 312، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 488.

(٢٥) انظر: "الوسيط" 3/ 857، "زاد المسير" 2/ 338، "البحر المحيط" 3/ 465.

(٢٦) في (ج): (فبنا).

(٢٧) جاء ذلك في أثر طويل رُوي عن ابن عباس.

انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 45، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 139 <div class="verse-tafsir"

فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًۭا يَبْحَثُ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَٰرِىَ سَوْءَةَ أَخِى ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ ٣١

قوله تعالى: ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ ﴾ الآية.

قال المفسرون: إن قابيل لما قتل أخاه تركه بالعراء، ولم يدر ما يصنع؛ لأنه كان أول ميت على وجه الأرض من بني آدم، فقصده السباع، فحمله في جراب على ظهره حتى أَرْوح، فبعث الله غُرابًا يبحث في الأرض (١) قال ابن عباس: وكان غرابين اقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، وقابيل ينظر، ثم بحث في الأرض حتى جعل له حفرة فدفنه فيها، ففعل قابيل مثل ما فعل الغراب (٢) قال ابن قتيبة: وهذا مختصر، والتقدير: فبعث الله غُرابًا يبحث في الأرض على غراب ميت (٣) قال الضحاك: ﴿ يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ ﴾ يثير التراب من الأرض (٤) ﴿ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ﴾ .

أي: جيفته، وقيل: عورة أخيه (٥) وقوله تعالى: ﴿ يَا وَيْلَتَا ﴾ .

قال الزجاج: المعنى يا ويلتا تعالي، فإنه من إبّانك (٦) (٧) وذكرنا زيادة بيان في قوله: ﴿ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ فَأُوَارِيَ ﴾ ، عطف على: ﴿ أَنْ أَكُونَ ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ  ﴾ .

حقيقة معنى الندم أنه وضع للزوم، ومنه سمي النديم نديمًا لأنه يلازم المجلس، ويقوي هذا قولهم: نادم سادم، والسدم اللهج بالشيء، يقال: سدم به، إذا أغري به ولزمه، ويقال (٨) (٩) قال كثير من المفسرين: ﴿ مِنَ النَّادِمِينَ ﴾ على حمله والتطواف به (١٠) وقال آخرون: ﴿ مِنَ النَّادِمِينَ ﴾ على ذوات أخيه؛ لأنه لم ينتفع بقتل أخيه، وسخط عليه بسببه أبواه وإخوته، فندم لأجل ذلك، لا لأجل أنه جنى واقترف ذنبًا بقتله، فلم يكن ندمه على الوجه الذي يكون ندم التربة (١١) (١) أخرجه بمعناه عن ابن عباس وغيره: الطبري في "تفسيره" 6/ 197، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 44، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 52.

(٢) بمعناه في "تفسيره" ص 176، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 197 من طرق، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 489.

(٣) "تأويل مشكل القرآن" ص 231، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 198، "معاني الزجاج" 2/ 167.

(٤) لم أقف عليه، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 198.

(٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 199، "النكت والعيون" 2/ 30، "زاد المسير" 2/ 338.

(٦) أي من وقتك أو زمن حاجتك.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 167 ، 168 بتصرف.

(٨) في (ج): (وقال).

(٩) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3543، "اللسان" 7/ 4386 (ندم).

(١٠) انظر: "بحر العلوم" 1/ 430، والبغوي في "تفسيره" 3/ 44، "زاد المسير" 2/ 339.

(١١) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 464، "بحر العلوم" 1/ 430، "النكت والعيون" 2/ 31، والبغوي في "تفسيره" 3/ 44، "زاد المسير" 2/ 339.

<div class="verse-tafsir"

مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ٣٢

قوله تعالى: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا ﴾ الآية.

الأجل في اللغة: الجناية، يقال: أجَلَ عليهم شرًّا بأجله أجْلًا، إذا جنى عليهم جناية.

ذكره ابن السكيت (١) (٢) (٣) وأهلِ خِباءٍ (٤) (٥) أي: أنا جانيه (٦) (٧) قال الزجاج: من جنايته ذلك (٨) وقال ابن الأنباري: من سبب ذلك.

قال: ويقال: فعلت ذلك من أجلك ومن جلالك ومن جلك وجرّاك وجرائك (٩) واختلفوا في قوله: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ﴾ ، فقال بعضهم: إنه من صلة النادمين، على معنى: فأصبح من النادمين من أجل ذلك، أي من أجل أنه حين قتل أخاه لم يواره (١٠) ويُروَى عن نافع أنه كان يقف على قوله: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ﴾ ويجعله من تمام الكلام الأول (١١) وعامة المفسرين وأصحاب المعاني على أن قوله: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ﴾ ابتداء كلام، وليس بمتصل بما قبله (١٢) واحتج ابن الأنباري لهذا بأن قوله: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ﴾ رأس آية، ورأس الآية فصل.

قال: ولأنه قد تقدم ما كشف علة الندم فاستغنى النادمون عن: (من أجل ذلك).

قال: ولأن من (جعله من صلة للندم أسقط العلة للكتابة، ومن (١٣) (١٤) وأما التفسير: فقال ابن عباس في رواية عطاء: بسبب قابيل قضينا على (١٥) (١٦) وقال الكلبي: من أجل ابني آدم حين قتل أحدهما صاحبه فرضنا على بني إسرائيل (١٧) ﴿ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ .

قال ابن عباس: بغير قود (١٨) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ ﴾ قال الكلبي: أو شرك في الأرض (١٩) وقال غيره: يعني بالفساد في الأرض أن يكون محاربًا لله ورسوله، كالذين ذكرهم في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ الآية (٢٠) قال الزجاج: ﴿ أَوْ فَسَادٍ ﴾ منسوق على نفس، المعنى: أو بغير فساد في الأرض (٢١) وقوله تعالى: ﴿ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ .

قال مجاهد: من قتل نفسًّا محرمة يَصلى النار بقتلها كما يصلاها لو قتل الناس جميعًا (٢٢) ونحو هذا قال الكلبي فقال: يعذب عليها كما أنه لو قتل الناس كلهم (٢٣) وقال الحسن وابن زيد: يعني أنه يجب عليه من القصاص بقتلها مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعًا (٢٤) وحكى الزجاج: عن بعضهم أن المعنى فيه أن المؤمنين كلهم خصماء للقاتل، وقد وَتَرهم وَتر من قصد لقتلهم جميعًا (٢٥) وهذا اختيار ابن الأنباري، وزاد من عنده وجهًا آخر فقال: المقدار الذي يستحقه قاتل الناس جميعًا معلوم عند الله عز وجل محدود، (فالذي يقتل الواحد يلزمه الله ذلك الإثم المعلوم) (٢٦) (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ .

قال الكلبي: من عفا عن رجل قتل رجلاً خطأ وجبت له الجنة، كما لو عفا عن الناس جميعًا، وذلك أنه كتب عليهم في التوراة: أيما رجل قتل رجلاً خطأ فهو له قود إلا أن يشاء الولي أن يعفو (٢٨) وقال الحسن: عفا عن دمها وقد وجب القود عليها (٢٩) وهذا كقول الكلبي، وهو قول ابن زيد أيضًا (٣٠) وقال الزجاج: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا ﴾ أي من استنقذها من غرق أو حرق أو هدم أو ما يميت لا محالة، أو استنقذها (٣١) ﴿ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ أي أجره على الله عزّ وجلّ أجر من أحياهم أجمعين؛ (لأنه في إسدائه (٣٢) (٣٣) وروى ابن الأنباري هذا القول عن مجاهد بإسناد له (٣٤) وقال سعيد بن جبير: في هذه الآية: من استحل قتل نفس فهو كذلك في دماء الناس لا يتحرم لها، ومن أحياها مخافة من الله وتحرجًا من قتلها فكذلك يرى دماء الناس كلهم حرامًا (٣٥) وهذا كما يُروى عن قتادة والضحاك أنهما قالا في هذه الآية: عظم الله أجرها وعظم وزرها، فمن استحل قتل مسلم بغير حقه، فكأنما قتل الناس أجمعين؛ لأنهم لا يَسْلمون منه، ومن أحياها فحرمها وتورعّ عن قتلها، فكأنما أحيا الناس جميعاً لسلامتهم منه (٣٦) قال أهل المعاني: قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا ﴾ على المجاز؛ لأن المعنى: ومن نجا بها من الهلاك، والفاعل للحياة هو الله عزّ وجلّ (٣٧) (٣٨) وسئل الحسن عن هذه الآية فقيل: أهي كما كانت لبني إسرائيل؟

قال: إي والذي لا إله غيره وما جعل دماء بني إسرائيل (أكرم (٣٩) (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ .

قال ابن عباس: بان لهم صدق ما جاءوهم به من الفرائض والحلال والحرام (٤١) وقال الكلبي: أي بالبيان في أن ﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ الآية (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ  ﴾ .

أي: مجاوزون حد الحق (٤٣) قال الكلبي: بالشرك (٤٤) وقال غيره: بالقتل (٤٥) (١) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 125 (أجل).

(٢) في "مجاز القرآن" 1/ 162.

(٣) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 168.

(٤) في (ش): جناء.

(٥) البيت لزُهير بن أبي سُلمى.

انظر: "أشعار الستة الجاهليين" ص 303، "الدر المصون" 4/ 247، وينسب لخوات بن جبير كما في "معاني الزجاج" 2/ 168، "تهذيب اللغة" 1/ 125، واستشهد به أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 163، والطبري في "تفسيره" 6/ 200.

(٦) "مجاز القرآن" 1/ 164، "معاني الزجاج" 2/ 168، "تهذيب اللغة" 1/ 125 (أجل)، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 200.

(٧) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 162، 164، والطبري في "تفسيره" 6/ 200.

(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 168.

(٩) لم أقف عليه عن ابن الأنباري، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 125 (أجل).

(١٠) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 168، "النكت والعيون" 2/ 31، "زاد المسير" 2/ 340، "البحر المحيط" 3/ 468.

(١١) انظر: "القطع والائتناف" للنحاس ص 286، والمُكتفى في "الوقف والإبتداء" ص 238، 239.

(١٢) وهذا هو الراجح.

انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 200، "معاني الزجاج" 2/ 168، "إيضاح الوقوف والابتداء" 2/ 617، 618، "القطع والائتناف" ص 286، "زاد المسير" 2/ 340، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 146، "البحر المحيط" 3/ 468، "الدر المصون" 4/ 248.

(١٣) ما بين القوسين ساقط من (ش).

(١٤) انظر: "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 617، 618.

(١٥) في (ج): (إلي).

(١٦) لم أقف عليه، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.

(١٧) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113، وورد نحوه عن الضحاك، انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 200 (١٨) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرج الطبري عنه في تفسير هذه الآية: يقول من قتل نفسًّا واحدة حرمتها.

"جامع البيان" 6/ 200.

(١٩) انظر: "زاد المسير" 2/ 340، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.

(٢٠) انظر: "النكت والعيون" 2/ 31، والبغوي في "تفسيره" 3/ 46، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 146.

(٢١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 168.

(٢٢) أخرجه بنحوه الطبري في "تفسيره" 6/ 202، وذكره بلفظه البغوي في "تفسيره" 3/ 46، وانظر: "زاد المسير" 2/ 340.

(٢٣) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.

(٢٤) أخرجه عن ابن زيد: الطبري في "تفسيره" 6/ 202 - 203، وذكره عنه الماورد في "النكت والعيون" 2/ 32، أما الحسن فذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 47 وانظر: "زاد المسير" 2/ 340، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 54.

(٢٥) انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 168، 169 حسب المطبوع، فبقية الكلام يحتمل له أو للمؤلف.

(٢٦) ما بين القوسين مكرر في (ش).

(٢٧) انظر: "زاد المسير" 2/ 341.

(٢٨) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 465، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 13.

(٢٩) "تفسير الهواري" 1/ 466، وأخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 203، وانظر "النكت والعيون" 2/ 32، "زاد المسير" 2/ 243.

(٣٠) أخرج الأثر عنه الطبري في "تفسيره" 6/ 203، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 32، "زاد المسير" 2/ 342.

وقال بهذا أيضًا ابن قتيبة، انظر: "غريب القرآن" ص 140.

(٣١) في (ج): (واستنقذها)، وما أثبته موافق لما في "معاني الزجاج" 2/ 169، وهو أولى.

(٣٢) عند الزجاج: وجائز أن يكون في إسدائه.

(٣٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 169، وذكر نحو هذا القول عن الحسن.

انظر: "تفسير الهواري" 1/ 466.

(٣٤) أخرج الطبري في "تفسيره" عن مجاهد أنه قال في هذه الآية: من أنجاها من غرق أو حرق أو هلكة، وفي رواية: من غرق أو حرق أو هدم.

"جامع البيان" 6/ 203، وانظر: "زاد المسير" 2/ 342.

(٣٥) أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 862، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 55.

(٣٦) أخرج الأثر بمعناه عنهما الطبري في "تفسيره" 6/ 203 - 204، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 32، والبغوي في "تفسيره" 3/ 47.

(٣٧) في (ش): (تعالى).

(٣٨) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 204.

(٣٩) ساقط من (ج).

(٤٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 204، وأورده البغوي في "تفسيره" 3/ 47، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 54.

(٤١) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.

(٤٢) انظر: "زاد المسير" 2/ 342.

(٤٣) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 205.

(٤٤) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.

(٤٥) انظر: "التفسير الكبير" 11/ 213.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَـٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣

قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ الآية.

قال الزجاج: المعنى في: ﴿ إِنَّمَا ﴾ ما جزاؤهم إلا هذا؛ لأن القائل إذا قال: (جزاؤك دينار، فجائز أن يكون معه غيره، وإذا قال (١) (٢) قال ابن عباس في رواية عطاء وسعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في قصة العُرَنِيّين (٣) (٤) فإن قيل: فكيف (٥) والجواب: ما حكي عن الليث بن سعد (٦)  وتعليمًا إياه عقوبتهم، فقيل: إن جزاءهم ما ذكر في الآية، لا المُثلة، فلذلك ما قام رسول الله  خطيبًا إلا نهى عن المُثلة (٧) ويمكن أن يقال: ما فعله رسول الله  كان هو الحد فيهم بالسنة، فلما نزلت الآية صارت تلك السنة منسوخة بالقرآن (٨) (٩) وإن قلنا: لا تُنسخ السنة بالقرآن -وهو الأصح من مذهب الشافعي (١٠) (١١) (١٢) قال عبد الله بن مسلم (١٣) (١٤) فمعنى: ﴿ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ أي يعصونهما ولا يطيعونهما، وكل من عصاك فهو حرب كذلك.

وقوله تعالى: ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ﴾ .

قال مجاهد: هو الزنا والسرقة وقتل النفس وإهلاك الحرث والنسل (١٥) وقال الكلبي: يعني بالقتل وأخذ الأموال (١٦) قال العلماء: وكل من أخذ السلاح على المسلمين في أي موضع كان وكيف ما كان، في البلد أو الصحراء، أو للقتل اغتيالًا، فهو محارب لله ورسوله، فدخل المكابر في البلد في هذه الجملة.

وهذا قول مالك والأوزاعي ومذهب الشافعي (١٧)  -، وذكر الشافعي قُطّاع الطريق ثم قال: وأراهم في المصر إن لم يكونوا أعظم ذنبًا فحدودهم واحدة (١٨) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ يُقَتَّلُوا ﴾ إلى قوله: ﴿ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ﴾ اختلفوا في حكم (أو) ههنا، فقال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: إن (أو) دخلت للتخيير، ومعناها الإباحة، أي: إن شاء الإِمام قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء نفى، أي شيء من هذه الأشياء شاء فعل (١٩) (٢٠) وقال في رواية عطية: (أو) ليست للإباحة، وإنما هي مرتبة للحكم باختلاف الجناية، فمن قتل وأخذ المال صُلِب، وقُتِل، ومن أخذ المال ولم يقتل قُطِع، ومن سفك الدماء وكف عن الأموال قُتِل، ومن أخاف السبيل ولم يأخذ الأموال ولم يقتل نفي (٢١) (٢٢) (٢٣) قال الشافعي -  -: ويحدد كل واحد بقدر فعله فمن وجب عليه القتل والصلب قتل قبل صلبه كراهية تعذيبه، ويصلب ثلاثًا ثم ينزل (٢٤) قال أبو عبيد: سألت محمد بن الحسن (٢٥) ﴿ أَوْ يُصَلَّبُوا ﴾ فقال: هو أن يصلب حيًا ثم يطعن بالرماح حتى يقتل، وهو رأي أبي حنيفة.

فقيل: هذا مُثلة.

قال: المُثلةَ يراد به (٢٦)  نهى عن المثلة (٢٧) قال الشافعي: ومن وجب عليه القتل دون الصلب: قتل ودفع إلى أهله يدفنونه، ومن وجب عليه القطع دون القتل: قطعت يده اليمنى ثم حسمت (٢٨) ﴿ مِنْ خِلَافٍ ﴾ (٢٩) واختلفوا: في معنى النفي في قوله: ﴿ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ﴾ ، فقال ابن عباس: هو أن يُهْدِر الإِمام دمه فيقول: من لقيه فليقتله (٣٠) وقال بعضهم: هو أن يقاتَلُوا حيث توجهوا من الأرض، ويُطلبوا في أي أرض كانوا بها حتى تضيق عليهم الدنيا.

حكى هذا القول أبو إسحاق (٣١) (٣٢) فأما المقبوض عليه ممن حقه النفي فقال ابن عباس في رواية عطاء: ينفوا من الأرض إلى بلاد الكفر (٣٣) وهذا قول جماعة المفسرين، وهو أنهم قالوا: ينفى من بلدته إلى بلدةٍ أخرى (٣٤) وقال آخرون: المراد بالنفي في هذه الآية: الحبس والسجن (٣٥) قال ابن الأنباري: وأكثر اللغويين يختارون هذا القول في تفسير الآية، واحتجوا بأن المسجون بمنزلة المخرج من الدنيا إذا كان ممنوعًا من التصرف وَمحولًا بينه وبين أهله وأولي أُنسِه، مع ممارسته صنوف المكاره والأذى في السجن (٣٦) وقال ابن قتيبة: ولا أرى شيئًا من هذه التفاسير أشبه بالنفي في هذا الموضع من الحبس؛ لأنه إذا حُبس ومُنع من التصرف والتقلب في البلاد فقد نفي منها كلها وأُلجئ إلى مكان واحد، وأنشد هو وأبو بكر قول بعض المسجنين (٣٧) خرجنا من الدنيا ونحنُ من أهلها ...

فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى إذا جاءنا السجَّان يومًا لحاجةٍ ...

عَجِبْنا وقلنا جاء هذا من الدنيا (٣٨) وقال الوليد بن عبيد (٣٩) غابوا عن الأَرْضِ أَنْآى غيبةٍ وهُم ...

فيها فلا وَصلَ إلا الكتبُ والرسلُ (٤٠) قال أبو محمد: وليس نفي الخارب (٤١) (٤٢) ومذهب الفقهاء في هذه الآية أيضًا أن المراد بالنفي: الحبس.

قال الشافعي: ومن حضر منهم وكثر أو هِيب أو كان رِدءًا (٤٣) (٤٤) وهو مذهب أبي حنيفة أيضًا (٤٥) (٤٦) (٤٧) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ﴾ أي: فضيحة وهوان.

﴿ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ وهذا للكفار الذين نزلت في العُرَنِيّين فإنهم ارتدوا عن الإسلام (٤٨) وبعض المفسرين يقول: نزلت في قوم هلال بن عويمر الأسلمي، وكانوا مشركين (٤٩) (٥٠) ثم بالسنة أجري حكم هذه الآية على المحاربين من المسلمين، فبقي العذاب العظيم في الآخرة للكافرين، والمسلم إذا عوقب بجنايته في الدنيا كانت عقوبته كفارة له.

(١) ما بين القوسين ليس في "معاني الزجاج" حسب المطبوع.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 169.

(٣) أخرج ذلك عن سعيد بن جبير 10/ 246، وانظر: "زاد المسير" 2/ 343، ولم أجد شيئًا في ذلك عن ابن عباس.

وقد قال بهذا القول أنس وجرير والزبير والسدي وقتادة.

انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 206 - 208، "النكت والعيون" 2/ 32.

(٤) أخرج مسلم (1671) كتاب القسامة، باب (2): حكم المحاربين والمرتدين 3/ 1296 (ح 9) عن أنس -  - أن ناسًا من عرينة قدموا على رسول الله  المدينة، فاجتووها.

فقال لهم رسول الله  : "إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها" ففعلوا، فصحوا.

ثم مالوا إلى الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام، وساقوا ذود رسول الله فبلغ ذلك النبي  فبعث في أثرهم.

فأتي بهم.

فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم.

وتركهم في الحرة حتى ماتوا.

وأخرجه المؤلف في "أسباب النزول" ص 196 - 197.

(٥) في (ش): (كيف).

(٦) هو أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي المصري ثقة ثبت إمام مشهور، كان ورعًا فاضلًا سخيا، مات -رحمه الله- سنة 175هـ.

انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 191، "سير أعلام النبلاء" 8/ 136، "التقريب" ص 464 (5684).

(٧) أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 208 - 209، وأورده بلفظ المؤلف البغوي في "تفسيره" 3/ 48.

وقد ذكر الطبري في "تفسيره" عن الأوزاعي أنه أنكر أن يكون نزول هذه الآية معاتبة، ونقل عنه قوله: بلى، كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم، فرفع عنهم السمل، والله أعلم.

وسيأتي قريبًا تخريج الحديث في النهي عن المثلة.

(٨) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 206 - 207، والبغوي في "تفسيره" 3/ 48.

(٩) هذا رأي جمهور العلماء، وهو الراجح لتظاهر الأدلة عليه.

انظر: "الناسخ والمنسوخ في كتاب الله عز وجل" للنحاس 118، "الأحكام في أصول الأحكام" للآمدي 3/ 150، "إرشاد الفحول" للشوكاني ص 326.

(١٠) انظر: "الرسالة" ص 110، "الأحكام" للآمدي 3/ 150، 151، "إرشاد الفحول" ص 326.

(١١) انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 48.

(١٢) أخرج الأثر عن السدي: الطبري في "تفسيره" 6/ 208.

(١٣) ابن قتيبة.

(١٤) "تأويل مشكل القرآن" ص 399.

(١٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 211، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 494، وعزاه إلى عبد بن حميد.

(١٦) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.

(١٧) انظر: "الأم" 6/ 152، والطبري في "تفسيره" 6/ 210، "النكت والعيون" 2/ 33، "الوسيط" 3/ 865، 866، والبغوي في "تفسيره" 3/ 48، "زاد المسير" 2/ 346، 347.

وقال ابن الجوزي: ظاهر كلام أصحابنا أنه لا يثبت لهم ذلك في المصر.

(١٨) "الأم" 6/ 152، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 210.

(١٩) بمعناه في "تفسير ابن عباس" ص 177، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 214.

(٢٠) أخرج الآثار عنهم: الطبري في "تفسيره" 6/ 214، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 33، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 58.

(٢١) أخرجه بنحوه الطبري في "تفسيره" 6/ 212، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 33، والبغوي في "تفسيره" 3/ 49، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 58.

(٢٢) أخرجه أقوالهم الطبري في "تفسيره" 6/ 213.

(٢٣) انظر: "النكت والعيون" 2/ 33 وابن كثير في "تفسيره" 2/ 58.

وقد أخرج الطبري في "تفسيره" 6/ 212 عن عطاء كالقول الأول: أن الإمام مخير فيها.

(٢٤) انظر: "الأم" 6/ 152، والبغوي في "تفسيره" 3/ 49، "المحرر والوجيز" 4/ 427، "زاد المسير" 2/ 346، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 151، 152، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 58.

(٢٥) هو أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني العلامة صاحب أبي حنيفة، أخذ بعض الفقه عن أبي حنيفة وأكمل على أبي يوسف وأخذ الحديث عن مالك، وله مؤلفات كثيرة، وقد أخذ عنه الشافعي، توفي -رحمه الله- سنة 189 هـ.

انظر: "المعارف" ص 500، "الفهرست" ص 284، "طبقات الفقهاء" للشيرازي ص 142، "سير أعلام النبلاء" 9/ 134.

(٢٦) لم أقف عليه، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 49، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 151.

(٢٧) لم أقف على قول أبي عبيد، وأما النهي عن المثلة فقد قال عبد الله بن يزيد الأنصاري -  -: نهى رسول الله  عن النُّهبى والمثلة.

أخرجه البخاري (2474) كتاب المظالم، باب (30): النهبى بغير إذن صاحبه 3/ 107.

والنُّهبى: بمعنى النَّهْب وهو الغارة والسلب والاختلاس، انظر: "النهاية في غريب الحديث" 5/ 133 (نهب).

(٢٨) الحسم قطع الدم بالكي.

انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 349.

(٢٩) "الأم" 6/ 152، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 213.

(٣٠) أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 216 - 217، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 34، "زاد المسير" 2/ 346.

(٣١) أي الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 170.

(٣٢) "تأويل مشكل القرآن" ص 141.

(٣٣) لم أقف عليه.

(٣٤) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 217 - 218، "النكت والعيون" 2/ 34.

(٣٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 218، "النكت والعيون " 2/ 34، "زاد المسير" 2/ 246.

(٣٦) لم أقف عليه (٣٧) عند ابن قتيبة: المسجونين.

"تأويل مشكل القرآن" 1/ 141.

(٣٨) "تأويل مشكل القرآن" 1/ 141، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 432، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 153، "البحر المحيط" 3/ 471، وجاء فيها الشطر الثاني من البيت الأول: فلسنا من الأموات فيها ولا الأحياء وقد ذكر الرازي أن هذا الشعر لصالح بن عبد القدوس حين حبس بتهمة الزندقة في سجن ضيق مدة طويلة.

انظر: "التفسير الكبير" 11/ 217.

(٣٩) هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد الملقب بالبحتري، شاعر وقته في الدولة العباسية، وله ديوان، توفي -رحمه الله- سنة 283 هـ وقيل بعدها.

انظر: "الفهرست" ص 126، "سير أعلام النبلاء" 3/ 486، "البداية والنهاية" 11/ 81.

(٤٠) "ديوان البحتري" 3/ 1760.

(٤١) الخارب: اللص.

"الصحاح" 1/ 119 (خرب).

(٤٢) "تأويل مشكل القرآن" ص 401.

(٤٣) في "الأم" 6/ 152: ردءا للصوص أي: مساعدًا.

(٤٤) "الأم" 6/ 52، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 50.

(٤٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 218، "بحر العلوم" 1/ 432، "النكت والعيون" 2/ 34، "زاد المسير" 2/ 246.

(٤٦) أي الشافعي.

(٤٧) "الأم" 6/ 152 بتصرف، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 49.

(٤٨) تقدم تخريج قصة العرنيين قريبًا.

(٤٩) قال السمرقندي: وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: وَادَع رسول الله  أبا بُردة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن أتاه من المسلمين فهو آمن، ومن أتى المسلمين منهم فهو آمن، فمر أناس من بني كنانة يريدون الإسلام فمروا بأصحاب أبي بردة، ولم يكن أبو بردة حاضرًا يومئذ، فخرج أصحابه إليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم فنزلت هذه الآية: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ الآية.

"بحر العلوم" 1/ 431.

ونسب هذا القول للكلبي: البغوي في "تفسيره" 3/ 47، وانظر: "زاد المسير" 2/ 344.

(٥٠) قال ابن عباس: كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي  عهد وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فخير الله رسوله: إن شاء أن يقتل.

وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.

أخرجه من طريق علي: الطبري في "تفسيره" 6/ 206، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 32، "زاد المسير" 2/ 343.

<div class="verse-tafsir"

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ ۖ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٣٤

قوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ﴾ .

قال الزجاج: جائز أن يكون موضع (الذين) رفعًا بالإبتداء، وخبره قوله: ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ، والمعنى: لكن التائبون من قبل أن تقدروا عليهم (فالله (١) (٢) (٣) قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ﴾ : يريد آمنوا من قبل أن تعاقبوهم ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ لمن تاب من الشرك ﴿ رَحِيمٌ  ﴾ به إذا رجع عما يُسخط الله (٤) وهذا قول عُظْم (٥) (٦) قال أبو إسحاق: جعل التوبة للكفار تدرأ عنهم الحدود التي وجبت عليهم في كفرهم ليكون ذلك أدعى إلى الدخول في الإيمان (٧) هذا حكم المشرك المحارب، وكذلك لو آمن بعد القدرة عليه لم يُطالب أيضًا بشيء بالإجماع (٨) (٩) (١٠) وهذا مذهب مالك والأوزاعي (١١) (١٢)  - في حارثة ابن بدر (١٣) (١٤) (١٥) وقال الشافعي -  -: يسقط عنه بتوبته قبل القدرة عليه حد الله، ولا يسقط به حقوق بني آدم ما كان قصاصًا، أو مظلمة في المال (١٦) وأما إذا تاب بعد القدرة عليه، فظاهر الآية أن التوبة لا تنفعه وتقام الحدود عليه.

قال الشافعي: ويحتمل أن يسقط كل حد لله بالتوبة (١٧) وإنما قال ذلك لقول رسول الله  بعد رجم ماعز (١٨) (١٩) (١) في (ش)، (ج): والله، والتصويب من "معاني الزجاج" 2/ 170.

(٢) ما بين القوسين ساقط من (ج)، وما أثبته هو الموافق لـ"معاني الزجاج".

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 170، 171 بتصرف، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 225 "الدر المصون" 4/ 252.

(٤) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.

(٥) عظم بمعنى: معظم.

انظر: "اللسان" 5/ 3005 (عظم).

(٦) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 220، "النكت والعيون" 2/ 34، والبغوي في "تفسيره" 3/ 50.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 171.

(٨) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 220 - 221.

(٩) في (ش): (لا يطلب).

(١٠) انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 50.

(١١) هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، شيخ الإسلام وعالم أهل الشام أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعا وفضلًا وزهدًا، مات -رحمه الله- سنة 159 هـ.

انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 83، "مشاهير علماء الأمصار" ص180، "سير أعلام النبلاء" 7/ 107 - 138.

(١٢) انظر: "النكت والعيون" 2/ 34، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 155، 158، و"البحر المحيط" 3/ 471.

(١٣) هو حارثة بن بَدْر بن حُصَين بن قطن التميمي الغداني، تابعي، أدرك النبي  ولم يره، له أخبار في الفتوح ومع عمر، وقاتل الخوارج فهزموه وأرهقوه، فدخل سفينة بمن معه فغرقت بهم سنة 64 هـ.

انظر: "الإصابة" 1/ 371، "الأعلام" 2/ 158.

(١٤) وذلك أنه جاء إلى علي بن أبي طالب -  - تائبًا، فأمنّه وكتب له بذلك أمانًا.

أخرج الأثر: الطبري في "تفسيره" 6/ 221، وانظر: القرطبي في "تفسيره" 6/ 155، "الدر المنثور" 2/ 494 - 495.

(١٥) ذلك أن أبا موسى -  - كان على الكوفة في إمرة عثمان -  - فجاءه رجل من مراد حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادًا، جاءه تائبًا، فقام أبو موسى فقال: هذا فلان بن فلان، وإنه كان حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادًا، وإنه تاب قبل أن يُقدر عليه، فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير.

أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 222 ونقله ابن كثير في "تفسيره" 2/ 59، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 494 - 495.

(١٦) "الأم" 6/ 152، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 220.

(١٧) لم أجده في "الأم"، وقد ذكره القرطبي في "تفسيره" 6/ 158، والنووي في "شرح صحيح مسلم" 11/ 194، وقال القرطبي في "تفسيره" عقبه: والصحيح من مذهبه أن ما تعلق به حق الآدمي قصاصًا كان أو غيره فإنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه.

(١٨) هو ماعز بن مالك الأسلمي، وقيل: إن اسمه: عريب، وماعز لقبه، له صحبة، وقصة رجمه في عهد النبي  ثابتة في الصحيحين وغيرهما، وهي مشهورة.

انظر: "أسد الغابة" 5/ 8، "الإصابة" 2/ 479، 3/ 337.

(١٩) أخرج هذه الرواية أبو داود (4419) كتاب الحدود، باب: رجم ماعز بن مالك، وانظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي 11/ 194.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَـٰهِدُوا۟ فِى سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٣٥

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ .

معنى ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أينما ذكر: اتقوا عقابه بالطاعة؛ لأن أصل الإتقاء في اللغة الحجز بين الشيئين -قد ذكرناه قديمًا- (١) وقوله تعالى: ﴿ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾ .

الوسيلة فعيلة من: وسل إليه، إذا تقرب إليه (٢) (٣) (٤) ومعنى الوسيلة: الوصلة والقربى (٥) ﴿ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾ يريد بطاعتكم له (٦) وقال قتادة: يقول تقربوا إليه بطاعته (٧) ﴿ وَجَاهِدُوا ﴾ العدو، ﴿ فِي سَبِيلِهِ ﴾ في طاعته، ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ﴾ كي تسعدوا وتبقوا في الجنة.

قاله ابن عباس وغيره (٨) (١) انظر: "البسيط" البقرة: 189.

(٢) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 226.

(٣) في "ديوان لبيد" ص 256: لب.

(٤) "شرح ديوان لبيد بن ربيعة" ص 256، وجاء صدره: أرَى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم والواسل: الطالب، أي يتوسل إلى الله بالطاعة والعمل الصالح.

وقد جاء بعد هذا البيت بيت لبيد المشهور: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ...

وكل نعيم لا محالة زائل (٥) جاء نحو ذلك عن كثير من التابعين.

انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 226.

(٦) انظر: "زاد المسير" 2/ 348، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 60.

(٧) أخرج الطبري في "تفسيره" 6/ 226، وانظر: "زاد المسير" 2/ 348، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 60.

(٨) انظر: "بحر العلوم" 1/ 432، "الوسيط" 3/ 872، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 61، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفْتَدُوا۟ بِهِۦ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٣٦

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآية.

خبر (إن) الجملة المذكورة مع جوابها (١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ .

يحتمل أن يكون في موضع الحال، ويحتمل أن يكون عطفًا على الخبر (٢) (١) تمام الآية: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

فالجملة المذكورة جملة لو، وجوابها: ﴿ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ﴾ .

(٢) انظر: "الدر المصون" 4/ 256، وقد ضعف السمين الوجه الأول.

<div class="verse-tafsir"

يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌۭ ٣٧

قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ ﴾ .

يحتمل إرادتهم الخروج وجهين: أحدهما: أنهم قصدوا ذلك وطلبوا المخرج، كما قال تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا  ﴾ .

والثاني: أنهم تمنوا ذلك وأرادوه بقلوبهم، كقوله في موضع آخر: ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا  ﴾ (١) ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّار ﴾ بضم الياء (٢) (١) انظر الاحتمالين عند البغوي في "تفسيره" 3/ 51، وفي "البحر المحيط" 3/ 474.

(٢) بالبناء للمفعول، وهذه القراءة ليست في المتواتر، إنما هي للنخعي وابن وثاب وأبي واقد.

انظر: "البحر المحيط" 3/ 475.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَـٰلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ٣٨

قوله تعالي: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾ الآية.

اختلف النحويون في وجه رفعها: فقال سيبويه والأخفش وكثير من البصريين: ارتفع (السارقُ والسارقةُ) على معنى: ومما نقُصّ عليك ونوحي إليك السارق والسارقة.

قالوا: ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا  ﴾ وقوله: ﴿ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا  ﴾ .

قال سيبويه: والاختيار في هذا النصب في العربية كما تقول: زيدا أضربه.

وأبت العامة القراءة إلا بالرفع، وقرأ عيسى بن عمر (١) ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي  ﴾ أيضًا (٢) فالاختيار عند سيبويه النصب في هذا.

قال أبو إسحاق: والجماعة أولى بالاتباع، والدليل على أن القراءة الجيدة بالرفع قوله تعالى: ﴿ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ  ﴾ لم يقرأه أحد: واللذين (٣) قال المبرد (٤) ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾ رفعًا بالابتداء؛ لأن قصد ليس إلى أحد بعينه، فليس هو مثل قولك: زيدًا أضربه، إنما هو كقولك: من سرق فاقطع يده، ومن زنا فاجلده (٥) وهذا قول الفراء؛ لأنه قال: وإنما يختار العرب الرفع في: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾ لأنهما غير مؤقتين، فوجها توجيه الجزاء، كقولك: من سرق فاقطعوا يده، و (من) لا يكون إلا رفعا، ولو أردت سارقًا بعينه وسارقة بعينها كان النصب وجه الكلام (٦) قال الزجاج: وهذا القول هو المختار (٧) وقوله تعالى: ﴿ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ .

دخلت الفاء في خبر السارق للشرط المنوي؛ لأن المعنى: من سرق فاقطعوا يده (٨) ﴿ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا  ﴾ ، ومثله: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا  ﴾ .

والمراد بالأيدي في هذه الآية: الأيمان، قاله الحسن والسدي والشعبي (٩) وكذلك هو في قراءة عبد الله: (فاقطعوا أيمانهما) (١٠) وإنما قال: ﴿ أَيْدِيَهُمَا ﴾ ولم يقل: يديهما؛ لأنه أراد يمينًا من هذا، أو يمينًا من هذه (١١) قال الفراء: وكل شيء موحد من خلق الإنسان إذا ذكر مضافًا إلى اثنين فصاعدًا جمع، فقيل: هُشّمت رؤوسهما، ومُلِئتَ ظهورهما وبطونهما ضربًا، ومثله قوله تعالى: ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا  ﴾ .

قال: وإنما اختير الجمع على التثنية؛ لأن أكثر ما تكون عليه الجوارح اثنين اثنين (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) فتخَالَسَا نفسَيهِمَا بنَوافذٍ (١٦) لأنه الأصل، ويجوز هذا أيضاً فيما ليس من خلق الإنسان، كقولك للاثنين: خليتما نساءكما، وأنت تريد امرأتين، وخرقتما قمصكما.

قال: ويجوز التوحيد أيضاً لو قلت في الكلام: السارق والسارقة فاقطعوا يمينهما، جاز؛ لأن المعنى: اليمين من كل واحد منهما، كما قال الشاعر: كُلُوا في نِصفِ بَطنِكم تَعِيشُوا (١٧) ويجوز في الكلام أن تقول: ائتني برأس شاتين، وبرأسي شاة، فمن قال: برأس شاتين، أراد الرأس من كل شاة، ومن قال: برأسي شاة، أراد رأسي هذا الجنس (١٨) وقال الزجاج: إنما جمع ما كان في الشيء منه واحد عند الإضافة إلى اثنين؛ لأن الإضافة تبين أن المراد بذلك الجمع التثنية لا الجمع، وذلك أنك إذا قلت: أشبعت بطونهما، علم أن للاثنين بطنين فقط، وأصل التثنية الجمع؛ لأنك إذا ثنّيت الواحد فقد جمعت واحداً إلى واحد، (وربما كان لفظ الجمع أخف من لفظ الاثنين، فيختار لفظ الجمع ولا يشتبه ذلك بالتثنية عند الإضافة إلى اثنين (١٩) ظَهْراهُما مِثل ظُهُور التُّرسَينْ (٢٠) فجاء باللغتين (٢١) (٢٢) (قال (٢٣) (٢٤) قال أبو علي: (..) (٢٥) (٢٦) ﴿ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ ألا ترى أنها لو أريدت بذلك لم يكونوا ليدعوا نص القرآن إلى غيره.

وهذا يدل على أن جمع اليد في هذه الآية على حد جمع القلب في قوله: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا  ﴾ .

ودلت قراءة عبد الله على أن المراد بالأيدي الأيمان (٢٧) فإن قيل: إن قراءة عبد الله لا تُعلم اليوم قراءة، لانقطاع النقل، فلا يلزم به حجة.

قيل: قراءته تكون حجة في إيجاب العمل، كما أنه لو روى خبرًا أن المراد بالأيدي التخصيص والقصر على الأيمان وجب المصير إليه، فكذلك إذا رُوي عنه على أنه قرآن وجب قبوله والعمل به، وكان أولى من الخبر الذي يرويه.

قال أهل العلم: هذه الآية مجملة في إيجاب القطع على السارق، وتفصيل ذلك مأخوذ من السنة (٢٨) أما السارق الذي يجب عليه القطع فهو البالغ العاقل (٢٩) والمسروق يجب أن تكون قيمته ربع دينار (٣٠) فإذا أخرجه من حرز مثله، بعد أن لا يكون له شبهة فيه وجب القطع، والشبهة مثل شبهة المملوك في مال السيد، والولد مع الوالد، والوالد مع الولد، وكذلك شبهة المضطر عند المخمصة، وخوف التلف.

ولذلك رفع عمر -  - القطع عام الرمادة (٣١) هذا جملة مذهب الشافعي -  - (٣٢) وعند أبي حنيفة -  - لا يجب القطع فيما دون عشرة دراهم (٣٣) وعند مالك -  - يقطع في ثلاثة دراهم فصاعد (٣٤) ودليل الشافعي ما روى الزهري عن عمرة (٣٥)  : كان يقطع في ربع دينار فصاعد (٣٦) وهذا مذهب الأوزاعي وإسحاق (٣٧) وذهب ابن عباس وابن الزبير إلى ظاهر الآية، فأوجبا القطع في القليل.

قال ابن عباس: في دانِق (٣٨) (٣٩) والقطع يكون من المفصل بين الكف والساعد (٤٠) (٤١) (٤٢) وعند أبي حنيفة لا يقطع في الثالثة (٤٣) (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ جَزَاءً بِمَا كَسَبَا ﴾ .

قال الزجاج: نصب؛ لأنه مفعول له (٤٥) (٤٦) ﴿ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ﴾ ، وإن شئت كانا منصوبين على المصدر الذي دل عليه: ﴿ فَاقْطَعُوا ﴾ لأن المعنى: ﴿ فَاقْطَعُوا ﴾ جازوهم ونكلوا بهم (٤٧) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ أي: (عزيز) في انتقامه، (حكيم) فيما أوجبه من قطع يده (٤٨) قال الأصمعي: كنت أقرأ سورة المائدة وبجنبي أعرابي فقرأت هذه الآية، فقلت: (نكالًا من الله والله غفور رحيم) سهوًا، فقال الأعرابي: كلام من هذا؟

قلت: كلام الله.

قال: أعِد.

فأعدت: والله غفور رحيم.

فقال: ليس هذا كلام الله.

فتنبهت وقرأت: ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ فقال: أصبت، هذا كلام الله.

فقلت له: أتقرأ القرآن؟

قال: لا.

قلت: فمن أين علمت أني أخطأت؟

فقال: يا هذا، عزّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع (٤٩) (١) هو أبو عمر عيسى بن عمر الهمداني الكوفي الأعمى القارئ الثقة، قرأ على == عاصم بن أبي النجود وغيره وقرأ عليه الكسائي وغيره، وكان مقرئ الكوفة بعد حمزة توفي -رحمه الله- سنة 156 هـ.

انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 119، "غاية النهاية" 1/ 612، "التقريب" ص 440 (5314).

(٢) "الكتاب" 1/ 142 - 144، "معاني الزجاج" 2/ 171، 172، بتصرف، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 477، 478.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 172.

(٤) لا يزال المؤلف ينقل من "معاني الزجاج" 2/ 172.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 172.

(٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 306، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 228.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 172.

(٨) انظر: "زاد المسير" 2/ 349، "البحر المحيط" 3/ 482.

(٩) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 228، "بحر العلوم" 1/ 433.

(١٠) أخرج ذلك الطبري في "تفسيره" 6/ 228، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 433، و"النكت والعيون" 2/ 35، والبغوي في "تفسيره" 3/ 51.

(١١) في (ش): (هذا).

(١٢) في (ش): (اثنان اثنان)، وما أثبته هو الموافق لـ "معاني القرآن".

(١٣) في (ش): (كذلك).

(١٤) في "معاني القرآن" 1/ 307 التثنية.

(١٥) هو أبو ذؤيب، تقدمت ترجمته.

(١٦) عجز البيت كما عند الفراء: كنوافذ العبط التي لا ترقع وهو في "ديوان الهذليين" 1/ 20.

والبيت في وصف فارسين يتنازلان، وتخالسا نفسيهما أراد كل واحد منهما اختلاس نفس الآخر وانتهاز الفرصة للقضاء عليه، والنوافذ الطعنات النافذة، والعبط جمع عبيط وهو ما يشق.

(١٧) عجزه كما عند الفراء: فان زمانكم زمن خميص وهو في "الكتاب" 1/ 210 ولا يعرف قائله.

والخميص من المخمصة وهي الجوع.

والشاهد منه أنه استعمل المفرد للجمع: بطنكم والمراد: بطونكم.

(١٨) "معاني القرآن" 1/ 306 - 308 بتصرف، وانظر: "الكتاب" 1/ 210، "زاد المسير" 2/ 349.

(١٩) ما بين القوسين ليس في "معاني الزجاج".

(٢٠) رجز لخطام المجاشعي أو لهميان بن قحافة وهو في "الكتاب" 2/ 48، "معاني الفراء" 3/ 17، يصف فيه فلاتين، وقبله: وَمهَمهين قَذِفين مَرْتَين ...

جِبتُهما بالنَّعت لا بِالنَّعتَين ظهرهما ................

(٢١) وشبه الفلاتين بالترسين في الاستواء.

والشاهد منه أنه ثَنَّى وجَمَع المضاف للمثنى.

(٢٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 173، وانظر: "الكتاب" 2/ 48، 49.

(٢٣) ساقط من (ش).

(٢٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 173، وانظر: "الكتاب" 2/ 48، 49.

(٢٥) ما بين القوسين بياض في النسختين.

(٢٦) ساقط من (ج).

(٢٧) تقدم تخريج هذه القراءة قريبًا، ولم أقف على قول أبي علي.

(٢٨) انظر: "زاد المسير" 2/ 350.

(٢٩) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 167.

(٣٠) هذا ما عليه أكثر العلماء، انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 229، والبغوي في "تفسيره" 3/ 52، "زاد المسير" 2/ 350، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 160، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 63.

(٣١) قال ابن منظور: سمي بذلك لأن الناس والأموال هلكوا فيه كثيراً، وقيل: هو لجدب تتابع فصير الأرض والشجر مثل لون الرماد، والأول أجود.

"اللسان" 3/ 1727 (رمد).

(٣٢) انظر: "الأم" 6/ 147 - 149، والبغوي في "تفسيره" 3/ 52، و"التفسير الكبير" 11/ 226، 227، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 63.

(٣٣) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 229، و"بحر العلوم" 1/ 434، والبغوي في "تفسيره" 3/ 52، و"زاد المسير" 2/ 351، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 63 - 64.

(٣٤) انظر: "المدونة" 4/ 413، والطبري في "تفسيره" 6/ 229، "زاد المسير" 2/ 351، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 160، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 63.

(٣٥) هي عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، أكثرت من الرواية عن عائشة -  ا-، وهي فقيهة ثقة أخرج حديثها الجماعة، ماتت == -رحمها الله- قبل سنة 100هـ، وقيل بعدها.

انظر: "سير أعلام النبلاء" 4/ 507، "التقريب" ص 750 (8643).

(٣٦) أخرجه البخاري (6789) كتاب الحدود، باب: قول الله تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ 8/ 16، 17، ومسلم (1684) كتاب الحدود، باب: حد السرقة ونصابها 3/ 1312 (ح 1).

(٣٧) ذكره القرطبي في "تفسيره" 6/ 161 عن إسحاق.

(٣٨) لم أقف عليه.

وقد أخرج الطبري في "تفسيره" عن نجدة الحنفي قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾ أخاص أم عام؟

فقال: بل عام.

"جامع البيان" 6/ 229.

وهذا يحتمل أنه أراد القلة أو هو موافق لما تقدم من أقوال العلماء، انظر ابن كثير في "تفسيره" 2/ 63.

(٣٩) قال السمرقندي: ورُوي عن ابن الزبير أنه قطع في نَعلٍ ثمنه درهم "بحر العلوم" 1/ 433.

هذا ما وجدته عن ابن الزبير.

(٤٠) انظر: "زاد المسير" 2/ 354.

(٤١) هذا قول مالك والشافعي.

انظر: البغوي في "تفسيره" 3/ 53، "زاد المسير" 2/ 354.

(٤٢) هذا إذا كان القتل ثابتًا، مع أنه لم يثبت، انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 172.

(٤٣) وهو قول أحمد أيضًا.

انظر: البغوي في "تفسيره" 3/ 54، "زاد المسير" 2/ 354.

(٤٤) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 165.

(٤٥) في "معاني الزجاج" 2/ 174: به.

(٤٦) عند الزجاج: بجزاء.

(٤٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 174، وانظر: القرطبي في "تفسيره" 6/ 174.

(٤٨) أي: يد السارق.

(٤٩) ذكره في "الوسيط" 3/ 876، وانظر: "زاد المسير" 2/ 354.

<div class="verse-tafsir"

فَمَن تَابَ مِنۢ بَعْدِ ظُلْمِهِۦ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ٣٩

قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ﴾ (قال ابن عباس) (١) (٢) والصحيح من مذهب العلماء وأهل التأويل، أن القطع لا يسقط عنه بالتوبة (٣) قال مجاهد: ﴿ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ ﴾ تاب الله عليه، والحد كفارة له (٤) وقال الكلبي: ﴿ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ ﴾ العمل بعد السرقة والقطع، فإن الله يتجاوز عنه (٥) وروى أن النبي  أُتِي بسارق سرق شملةً فقال: "اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه (٦) (٧) وقال عامر (٨) (٩) (١) ساقط من (ج).

(٢) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 114.

(٣) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 174، 175.

(٤) "تفسيره" 1/ 195، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 230، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 497 وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(٥) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 114.

(٦) الحسم في اللغة: القطع، والمراد به هنا: قطع الدم بالكي.

انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 349.

(٧) ذكره بنحوه أبو عبيد في "غريب الحديث" 1/ 349، وأورده ابن كثير في "تفسيره" == وعزاه إلى الدارقطني من حديث أبي هريرة، وقال عقبة: وقد رُوي من وجه آخر مرسلًا، ورجح إرساله علي بن المديني وابن خزيمة رحمهما الله.

ابن كثير في "تفسيره" 2/ 64، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 497.

(٨) الشعبي.

(٩) لم أقف عليه.

قال البغوي: فأما القطع فلا يسقط بالتوبة عند الأكثرين.

"معالم التنزيل" 3/ 54.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٤٠

قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد على الذنب اليسير ﴿ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ الذنب العظيم (١) وبيان هذا ما قال الضحاك: (يعذب من شاء) على الصغير إذا أقام عليه، (ويغفر لمن يشاء) الكبير إذا نزع عنه (٢) وقال الكلبي: ﴿ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ من مات على كفره، ﴿ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ من تاب من كفره (٣) وقال السدي: يهدي من يشاء فيغفر له، ويعذب من يشاء، فيميته على كفره (٤) والآية بإطلاقها فاضحة للقدرية في التعديل والتجويز، وقولهم بوجوب الرحمة على الله للمطيع، ووجوب العذاب للعاصي، حيث فوض الأمر فيهما إلى المشيئة.

(١) ذكره بمعناه البغوي في "تفسيره" 3/ 55.

(٢) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 878 ولم أقف عليه، وقد ذكر أبو حيان له قولًا، كقول الكلبي بعده، انظر: "البحر المحيط" 3/ 485.

(٣) ذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 55، ونسبه للسدي أيضًا.

(٤) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 878، ولم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ٤١

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ﴾ (قال أبو إسحاق: أي لا يحزنك مسارعتهم في الكفر) (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ﴾ .

قال ابن عباس: هم المنافقون (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد بني قينقاع (٤) وقال مقاتل: يعني: يهود المدينة (٥) وقوله تعالى: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ : لو شئت جعلت تمام الكلام عند قوله: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ﴾ ثم ابتدأت فقلت: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ ، أي: هم سماعون للكذب أي: المنافقون واليهود سماعون للكذب.

وإن شئت كان رفع ﴿ سَمَّاعُونَ ﴾ على معنى: ومن الذين هادوا سماعون، فيكون المعنى: أن السماعين منهم، ويرتفع (منهم) كمال تقول: من قومك عقلاء.

والوجهان ذكرهما الفراء (٦) (٧) (٨) ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ وجهين: أحدهما: وهو قول أهل التفسير (٩) والوجه الثاني: وهو اختيار أبي علي (١٠) (١١) وهذا قول الحسن (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ قال ابن عباس وجابر وسعيد بن المسيب والسدي وابن زيد: إن رجلاً وامرأة من أشراف أهل خيبر (١٤)  عن قضائه في الزانيين إذا أحصنا ما حدهما؟

وقالوا: إن أمرَكم بالجلد فاقبلوا منه، وإن أمركم بالرجم فاحذروه ولا تقبلوا منه، فأقبل نفر من قريظة والنضير إلى رسول الله  يسألونه، فنزل جبريل بالرجم، فأخبرهم به، فأبوا أن يأخذوا به، فذلك قوله: ﴿ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ (١٥) والمراد بالقوم الآخرين: أهل خيبر.

وقوله تعالى: ﴿ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ من صفة قوله: ﴿ لِقَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ .

قال الزجاج: هم عيون لأولئك الغُيَّب (١٦) وقوله تعالى: ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ﴾ .

أي: من بعد أن وضعه الله مواضعه، أي: فرض فروضه، وأحل حلاله وحرم حرامه.

قال المفسرون: وذلك أن رسول الله  لما أفتى بالرجم لم يقبلوا ذلك وأنكروه وأبوا أن يأخذوا به، فقال جبريل للنبي  : اجعل بينك وبينهم ابن صُوريا (١٧)  ، فقال: "أسألك بالذي أنزل التوراة على موسى، هل في التوراة أن يرجم المحصنان إذا زنيا؟

" قال: نعم (١٨) (١٩) وقال أهل المعاني: يعني: تحريف كلام النبي  بعد سماعهم منه، يحرفونه للكذب عليه (٢٠) قال أبو علي: قوله: ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ ﴾ من صفة قوله (٢١) ﴿ سَمَّاعُونَ ﴾ (٢٢) فيكون موضعه رفعًا على قول أهل التفسير، ويجوز على قول أهل المعاني: أن يكون ﴿ يُحَرِّفُونَ ﴾ حالًا من الضمير في اسم الفاعل؛ كأنه: سماعون محرفين للكلم، أي: مقدرين تحريفه، يعني: أنهم يسمعون كلام النبي  ويقدرون مع (٢٣) ﴿ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ  ﴾ (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ﴾ .

من باب حذف المضاف؛ لأن التقدير: من بعد وضعه مواضعه، أي: وضع الله، على قول أهل التفسير (٢٥) وعلى قول أهل المعاني (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ﴾ .

يقول ذلك يهود خيبر ليهود المدينة: إن أمركم محمد بالجلد فاقبلوه، ﴿ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ ﴾ يعني: الجلد فاحذروه (٢٧) قال الزجاج: أي إن أُفتِيتم بهذا الحكم المحرف فخذوه، وإن أفتاكم النبي  بغير ما حددنا لكم فاحذروا أنه تعملوا به (٢٨) قال المفسرون: وذلك أنهم كانوا بعثوا الزانيين إلى يهود المدينة ليسألوا النبي  عن حدهما، وقالوا: إن أفتاكم بالجلد فخذوه (٢٩)  بالزانيين فرجما عند باب مسجده، وقال: "أنا أول من أحيا أمرك إذ أماتوه" (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ ﴾ .

قال ابن عباس ومجاهد: ضلالته (٣١) وقال الحسن وقتادة: عذابه (٣٢) (٣٣) وقال الزجاج: قيل فضيحته، وقيل كفره، قال: ويجوز أن يكون اختباره بما يظهر به أمره (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ .

ذكرنا معناه عند قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ ﴾ الآية [المائدة: 17].

وقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ .

قال ابن عباس: أن يخلص نياتهم (٣٥) (٣٦) قال أهل العلم: قد دلت هذه الآية على أن الله تعالى غير مريد إسلام الكافر، وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك، ولو فعل ذلك لآمن.

وهذه الآية من أشد الآيات على القدرية (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ﴾ .

قالوا: خزي المنافقين هتك سترهم بإطلاع النبي  على كفرهم وخوفهم القتل، وخزي اليهود فضيحتهم بظهور كذبهم في كتمان الرجم وأخذ الجزية منهم (٣٨) ﴿ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ .

وهو الخلود في النار (٣٩) (١) ما بين القوسين ساقط من (ش).

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 174.

(٣) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 879، وابن الجوزي 2/ 357، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 498، وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٤) لم أقف عليه، وفي "الوسيط": يعني يهود المدينة، كقول مقاتل الآتي.

(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 474.

(٦) انظر: "معاني القرآن" 1/ 308، 309.

(٧) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 175.

(٨) "الحجة" 2/ 36.

(٩) جملة اعتراضية من الواحدي.

وانظر في ذلك: الطبري في "تفسيره" 6/ 235.

(١٠) انظر: "الحجة" 2/ 36.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 174 بتصرف، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 306، 307، "تهذيب اللغة" 2/ 1756 (سمع)، والبغوي في "تفسيره" 3/ 55، "زاد المسير" 2/ 357.

(١٢) انظر: "النكت والعيون" 2/ 38.

(١٣) لم أقف عليه.

(١٤) خيبر: موضع بالحجاز يقع شمال المدينة على مسافة ثمانية برد، فيها سبعة حصون ومزارع ونخل كثير، فتحها النبي  سنة 7 هـ، وقيل سنة 8 هـ.

انظر: "الصحاح" 2/ 642 (خبر)، "معجم البلدان" 2/ 409.

(١٥) أخرجه بمعناه عن السدي: الطبري في "تفسيره" 6/ 235، وذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 880، والبغوي في "تفسيره" 3/ 55، واختاره ابن كثير في "تفسيره" سببًا لنزول الآية.

انظر: "تفسيره" 2/ 66.

(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 175.

(١٧) هو عبد الله بن صوريا، ويقال: ابن صور، الإسرائيلي، وإن من أحبار اليهود، ويقال إنه أسلم، لكنه ارتد بعد ذلك.

انظر: "الإصابة" 2/ 326.

(١٨) أخرجه بنحوه من حديث جابر بن عبد الله -  -، أبو داود (4452) كتاب الحدود، باب: في رجم اليهوديين، وابن ماجه (2374) كتاب الأحكام، باب (33): شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض مختصرا والحميدي في "مسنده" 2/ 541، 542.

قال في "الزوائد": في إسناده مجالد بن سعيد، وهو ضعيف.

وقد أورده الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 39، والبغوي في "تفسيره" 3/ 55، 56، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 66، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 500.

(١٩) هو: أن يجلد أربعين جلدة بحبل مطلي بالقار ثم يسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين، ويطاف بهما.

البغوي في "تفسيره" 3/ 56، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 436 فالتحميم: تسويد الوجه.

(٢٠) نسب هذا القول للحسن: الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 39، وانظر: "الحجة" لأبي علي 2/ 36.

(٢١) في "الحجة" 2/ 36: لقوله.

(٢٢) "الحجة" 2/ 36.

(٢٣) لعل الصواب: في.

(٢٤) "الحجة" 2/ 36.

(٢٥) تقدم هذا القول قريبًا.

(٢٦) تقدم قريبًا.

(٢٧) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 236 - 237، "بحر العلوم" 1/ 437.

(٢٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 175.

(٢٩) في (ش): (فخذوا).

(٣٠) بمعناه في "تفسير ابن عباس" ص 178، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 232، وأورده بنحو لفظ المؤلف البغوي في "تفسيره" 3/ 56، 57، وانظر: "زاد المسير" 2/ 358.

(٣١) أورده عن ابن عباس السيوطي في "الدر المنثور" وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في "الأسماء والصفات".

وانظر: "زاد المسير" 2/ 359.

(٣٢) انظر: "النكت والعيون" 2/ 39، والبغوي في "تفسيره" 3/ 58، "زاد المسير" 2/ 359.

(٣٣) انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 58.

(٣٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 176، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 40، "زاد المسير" 2/ 359.

(٣٥) أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 882، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.

(٣٦) في "معاني الزجاج" 2/ 176: أي أن يهينهم.

(٣٧) انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 58.

(٣٨) انظر: "معاني النحاس" 2/ 308، والبغوي في "تفسيره" 3/ 58، و"زاد المسير" 2/ 359.

(٣٩) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 238، والبغوي في "تفسيره" 3/ 58.

<div class="verse-tafsir"

سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْـًۭٔا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ٤٢

قوله تعالى: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ مضى الكلام فيه (١) وقوله تعالى: ﴿ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ .

قال الليث: السحت: كل حرام قبيح الذكر يلزم منه العار (٢) وأجمعوا على أن المراد بالسحت ههنا: الرشوة في الحكم، وقالوا: نزلت الآية في حكام اليهود، كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم (٣) وقال الحسن في هذه الآية: تلك الحكام يسمعون الكذب ممن يكذب في دعواه عندهم، ويأتيهم برشوة فيأخذونها ويأكلونه، فسمعوا كذبه وأكلوا رشوته (٤) فأما اشتقاق السُّحت: فقال الزجاج: إن الرِّشَا التي يأخذونها يعاقبهم الله بها أن يسحتهم بعذاب، أي يستأصلهم (٥) وذكر عن الفراء أنه قال: (أصله (٦) (٧)  (٨) يدفع عنه جوفُه المَسْحوتُ (٩) أي: الجائع (١٠) فالسحت حرام يحمل عليه الشره كشره المسحوت المعدة، وعلى ما قال الليث، إنه حرام يلزم منه العار، يمكن أن يقال: سمي سُحْتا؛ لأنه يسحت مروءة الإنسان.

وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ .

هذا تخيير للنبي  في الحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه، إن شاء حكم، وإن شاء ترك (١١) واختلفوا في ثبوت هذا التخيير: فقال إبراهيم والشعبي وعطاء وقتادة: إنه ثابت اليوم لحكام المسلمين، إن شاءوا حكموا بينهم بحكم الإسلام، وإن شاءوا أعرضوا (١٢) وقال آخرون: إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ  ﴾ .

وهو قول الحسن ومجاهد والكلبي وعكرمة والسدي (١٣) (١٤) ومذهب الشافعي أنه يجب على الحاكم منا أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه؛ لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغارًا لهم (١٥) فأما المُعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة، فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم، بل يخير في ذلك، وهذا التخيير الذي في هذه الآية إنما يثبت للحاكم بين المعاهدين (١٦) قال الشافعي: لما دخل رسول الله  المدينة وادع اليهود كافة (١٧) فأما إذا قبلوا الجزية ورضوا بجريان أحكامها عليهم، فليس للحاكم أن يُعرض عنهم إذا تحاكموا إليه (١٨) قال أبو عبيد: وهذا هو الأولى عندنا؛ لأن في ردهم إلى أحكامهم معونةً على جورهم وأخذهم الرشا في الحكم (١٩) (١) تقدم قريبًا.

(٢) "العين" 3/ 132، "تهذيب اللغة" 2/ 1637 (سحت).

(٣) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 141، والطبري في "تفسيره" 6/ 239، و"معاني الزجاج" 2/ 177، و"بحر العلوم" 1/ 438، و"معاني النحاس" 2/ 309، و"النكت والعيون" 2/ 40، البغوي في "تفسيره" 3/ 58.

(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 239، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 58، "زاد المسير" 2/ 360.

(٥) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 177، "معاني النحاس" 2/ 309.

(٦) ما بين القوسين ساقط من (ج)، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 241.

(٧) هو رؤبة بن العجاج عبد الله بن رؤبة التميمي، من الشعراء الرجاز.

كان رأسًا في اللغة، قيل إنه توفي سنة 145 هـ.

انظر: "الشعر والشعراء" ص 394، "طبقات الشعراء" 33، "سير أعلام النبلاء" 6/ 162.

(٨) ساقطة من (ج).

(٩) عجز بيت من الرجز وصدره: والليل فوق الماء مستميت "ديوان رؤبة" ص 27، "تهذيب اللغة" 2/ 1638.

ويدفع رُوي بالبناء للمفعول، والمعنى: نحى الله جل وعز جوانب جوف الحوت عن يونس، وجافاه عنه فلا يصيبه منه أذى.

ورُوي بالبناء للفاعل يدفع والمعنى: أن جوف الحوت صار وقاية له من الغرق، وإنما دفع الله جل وعز عنه.

(١٠) لم أقف على قول الفراء، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 241.

(١١) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 242، "معاني الزجاج" 2/ 177، "بحر العلوم" 1/ 438.

(١٢) أخرج أقوالهم الطبري في "تفسيره" 6/ 243 - 244، وانظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 293، "معاني النحاس" 2/ 310، "النكت والعيون" 2/ 41، البغوي في "تفسيره" 3/ 59، وبهذا القول قال الإِمام أحمد -رحمه الله- انظر: "زاد المسير" 2/ 361، ورجحه الطبري في "تفسيره" 6/ 246.

(١٣) انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 134، والطبري في "تفسيره" 6/ 245 - 246، و"معاني النحاس" 2/ 310، "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 294، 195، و"النكت والعيون" 2/ 45، والبغوي في "تفسيره" 3/ 59.

(١٤) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 134، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 294 بإسناد صحيح، وانظر المصادر السابقة.

(١٥) انظر: "الأم" 4/ 210، "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 296.

(١٦) انظر: "الأم" 4/ 210، والشافعي -رحمه الله- اعتبر هؤلاء: الموادعين، أما المعاهدون فلا خيار في حقهم وسيأتي قريبًا.

(١٧) "الأم" 6/ 210.

(١٨) انظر: "الأم" 4/ 210، وهؤلاء هم المعاهدون.

(١٩) انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 242.

<div class="verse-tafsir"

وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ٤٣

قوله تعالى: ﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ﴾ الآية.

هذا تعجب من الله تعالى نبيه  من تحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حكم الزاني وحده، ثم إعراضهم وتركهم القبول لحكمه وإنكارهم ذلك، فعدلوا عما يعتقدونه حكمًا إلى ما يجحدون أنه من عند الله طلبًا للرخصة، فظهر جهلهم وعنادهم في هذه القصة من وجوه: أحدها: عدولهم عن حكم كتابهم، والثاني: رجوعهم إلى حكم من يجحدون أن يكون حكمه من (عند) (١) (٢) فبين الله تعالى حالهم في جهلهم وعنادهم؛ لئلا يغتر بهم مغتر أنهم أهل كتاب الله، ومن الحافظين على أمر الله.

وهذا قول ابن الأنباري وجماعة من أهل المعاني (٣) وقوله تعالى: ﴿ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد الرجم (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ .

مذهب المفسرين أن (ذلك) إشارة إلى حكم الله الذي في التوراة (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

(قال الكلبي: وما أولئك الذين يعرضون عن الرجم بالمؤمنين (٩) (١٠) قال أهل المعاني: ويحتمل أن يكون المعنى: وما هم بالمؤمنين بحكمك أنه من عند الله مع جحدهم نبوتك (١١) وفي هذا تجهيل لهم في تحكيم من لم يؤمنوا بحكمه كما بينا.

(١) ساقط من (ج).

(٢) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 247 - 248، البغوي في "تفسيره" 3/ 60، "زاد المسير" 2/ 362، "التفسير الكبير" 11/ 236.

(٣) انظر: "التفسير الكبير" 11/ 236.

(٤) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 115.

وقد ثبت عن ابن عباس -  ما- أنه قال: يعني حدود الله، "تفسيره" ص 179، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 248.

(٥) ابن حبان.

وقد أورد قوله السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 505، وعزاه إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ.

(٦) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 115.

(٧) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 248، "بحر العلوم" 1/ 439، "النكت والعيون" 2/ 41.

(٨) انظر: "النكت والعيون" 2/ 41، "زاد المسير" 2/ 362.

(٩) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 887 دون نسبة، ولم أقف عليه.

(١٠) ساقط من (ش).

(١١) انظر: "النكت والعيون" 2/ 41، البغوي في "تفسيره" 3/ 60، "زاد المسير" 2/ 362.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًۭى وَنُورٌۭ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ٤٤

قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ﴾ .

قال ابن عباس: فيها بيان لكل شيء وضياء لكل ما تشابه عليهم (١) وقال الزجاج: ﴿ فِيهَا هُدًى ﴾ بيان الحكم الذي جاءوا يستفتون فيه النبي  ﴿ وَنُورٌ ﴾ بيان أن أمر النبي  حق (٢) وقوله تعالى: ﴿ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد النبيين الذين كانوا بعد موسى، وذلك أن الله بعث في بني إسرائيل ألوفًا من الأنبياء ليس معهم كتاب، إنما بعثهم بإقامة التوراة، أن يحدوا حدودها، ويقوموا بفرائضها، ويحلوا حلالها ويحرموا حرامها (٣) ومعنى قوله: ﴿ النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ﴾ أي: الذين انقادوا لحكم التوراة، فإن من الأنبياء من لم تكن شريعته شريعة التوراة (٤) وهذا معنى قول مقاتل؛ لأنه قال: يحكم بما في التوراة الأنبياء من لدن موسى إلى عيسى -عليهما السلام- (٥) وقال الحسن وقتادة وعكرمة والزهري والسدي: محمد  داخل في جملة هؤلاء الأنبياء الذين ذكرهم الله؛ لأنه حكم على اليهوديين بالرجم، وكان هذا حكم التوراة (٦) وقال أهل المعاني: فعلى هذا يمكن أن يقال: المراد بقوله: ﴿ النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ﴾ محمد  ، فذكره بلفظ الجمع (٧) ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ ﴾ الآية [النساء: 54] يعني بالناس محمدًا وحده، وجاز ذلك لأنه اجتمع فيه من الفضل والخصال الحميدة ما يكون في جماعة من الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً  ﴾ على هذا المعنى (٨) وقال ابن الأنباري: هذا رد على اليهود والنصارى في دعواهم؛ لأن بعضهم كانوا يقولون: إن الأنبياء كانوا يهودًا، وبعضهم يقولون: إنهم كانوا نصارى.

فقال الله تعالى: ﴿ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ ﴾ الذين ليسوا على ما تصفونهم به من اليهودية والنصرانية (٩) وقوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ هَادُوا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد تابوا، يعني من الكفر (١٠) واللام في قوله: ﴿ لِلَّذِينَ ﴾ من صلة قولهم: ﴿ يَحْكُمُ ﴾ أي يحكمون بالتوراة لهم وفيما بينهم (١١) قال الزجاج: وجائز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير، على معنى: إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا والربانيون (١٢) ومضى تفسير الربانيين (١٣) فأما الأحبار فقال ابن عباس: هم الفقهاء (١٤) واختلف أهل اللغة في واحده واشتقاقه، فقال أبو عبيد: بعضهم يقول: حَبْر، وبعضهم يقول: حِبْر (١٥) (١٦) (١٧) وكان أبو الهيثم يقول: حَبر، بالفتح لا غير (١٨) (١٩) وقال الليث: هو حَبْر وحِبْر، للعالم ذميًا كان أو مسلمًا بعد أن يكون من أهل الكتاب (٢٠) وقال الزجاج: الأحبار هم العلماء الخيّار (٢١) وأما اشتقاقه فقال قوم: أصله من التحبير وهو التحسين، فالعالم (٢٢) (٢٣) وقال آخرون.

هو من الحِبر الذي يكتب به.

وهو قول الكسائي وأبي عبيد (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد بما استودعوا من كتاب الله (٢٥) في (ما) يجوز أن يكون من صلة الأحبار (٢٦) (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ﴾ .

قال عطاء عن ابن عباس: وكانوا شهداء على الكتاب أنه من عند الله وحده لا شريك له (٢٨) ورُوي عن ابن عباس أيضاً: أنهم كانوا شهداء على حكم النبي  أنه في التوراة (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾ .

قال الكلبي ومقاتل: فلا تخشوا الناس في إظهار صفة محمد والرجم، واخشوني في كتمان ذلك (٣٠) (٣١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ﴾ .

قال ابن عباس: يريد بأحكامي وفرائضي، ﴿ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ يريد متاع الدنيا قليل؛ لأنه ينقطع ويذهب (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ .

اختلفوا (في (٣٣) ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ ، ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ .

فقال جماعة من المفسرين: إن الآيات الثلاثة نزلت في الكفار ومن غير حكم الله من اليهود، وليس في أهل الإسلام منها شيء؛ لأن المسلم وإن ارتكب كبيرة لا يقال: إنه كافر.

وهذا قول الضحاك وقتادة وأبي صالح (٣٤) (٣٥) ورواه البراء عن النبي  ، أخبرنا أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم بن يحيى (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢)  أنه رجم يهوديًا ويهودية، ثم قال: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ ، ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ ، ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ قال: "نزلت كلها في الكفار" رواه مسلم في "الصحيح" (٤٣) وقال آخرون: ومن لم يحكم بما أنزل الله ردًّا للقرآن، وتكذيبًا للنبي  ، فقد كفر (٤٤) قال مجاهد في الآيات الثلاث: من ترك الحكم بما أنزل الله ردًا لكتاب الله، فهو كافر ظالم فاسق (٤٥) وقال عكرمة: ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق (٤٦) وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي (٤٧) (٤٨) قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون المعنى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلًا يضاهي أفعال الكفار، ويشبه من أجل ذلك الكافرين (٤٩) وروى معنى هذا عن ابن عباس، قال طاوس: قلت لابن عباس: أكافر من لم يحكم بما أنزل؟

فقال: به كَفَرة (٥٠) (٥١) ونحو هذا رُوي عن عطاء في هذه الآية، قال: هو كُفر دون كفر (٥٢) وقال عبد العزيز بن يحيى الكِنَاني: إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه، فكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق، فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك، ثم لم يحكم بما أنزل الله من الشرائع، فليس هو من أهل هذه الآية (٥٣) وقال ابن مسعود والحسن وإبراهيم: هذه الآيات عامة في اليهود وفي هذه الأمة، وكل من ارتشى، وبدل الحكم، فحكم بغير حكم الله، فقد كفر (٥٤) (٥٥) وهؤلاء ذهبوا إلى ظاهر الخطاب.

(١) لم أقف عليه.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 178.

(٣) انظر: "تفسير المقباس" بهامش المصحف ص 115.

(٤) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 249، "بحر العلوم" 1/ 439، "زاد المسير" 2/ 363.

(٥) أورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 506، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.

(٦) هذا معنى قولهم، وأخرج الآثار عنهم الطبري في "تفسيره" 6/ 249.

وانظر: "النكت والعيون" 2/ 41، "زاد المسير" 2/ 363.

(٧) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 178، "النكت والعيون" 2/ 41، البغوي في "تفسيره" 3/ 60، "زاد المسير" 2/ 364.

(٨) انظر: البغوي في "تفسيره" 3/ 60، "زاد المسير" 2/ 364.

(٩) انظر: "التفسير الكبير" 12/ 3.

(١٠) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 888، وانظر: "زاد المسير" 2/ 364.

(١١) انظر: "الدر المصون" 4/ 270.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 178، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 312، والبغوي في "تفسيره" 3/ 60.

(١٣) ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ  ﴾ ، حيث إن هذه الكلمة: الربانيون أول ما وردت في القرآن في هذا الموضع.

انظر: "البسيط" نسخة دار الكتب 2/ ل70.

قال الطبري في "تفسيره" 6/ 249: والربانيون جمع رباني، وهم العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس وتدبيرهم أمورهم والقيام بمصالحهم.

انظر: "معاني الزجاج" 2/ 178.

(١٤) لم أقف عليه، وقال بهذا مجاهد وعكرمة.

انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 250 ، 251.

(١٥) "غريب الحديث" 1/ 60، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 721 (حبر).

(١٦) "غريب الحديث" 1/ 60، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 250، "تهذيب اللغة" 1/ 721 (حبر).

(١٧) "غريب الحديث" 1/ 60، "تهذيب اللغة" 1/ 721 (حبر).

(١٨) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 721 (حبر).

(١٩) "تهذيب اللغة" 1/ 721 (جبر).

(٢٠) "العين" 3/ 218، "تهذيب اللغة" 1/ 721 (جبر).

(٢١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 179.

(٢٢) في (ش): (والعالم).

(٢٣) "النكت والعيون" 2/ 42، وانظر: "العين" 3/ 218، "تهذيب اللغة" 1/ 721، "اللسان" 2/ 749 (جبر).

(٢٤) انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 60، وتقدم قوله، وانظر: "اللسان" 2/ 748 (حبر).

(٢٥) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 888، وانظر: "زاد المسير" 2/ 365.

(٢٦) الطبري في "تفسيره" 6/ 250، وانظر: "زاد المسير" 2/ 365.

(٢٧) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 178.

(٢٨) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 888 دون، ولم أقف عليه.

(٢٩) رواه أبو صالح عن ابن عباس.

انظر: "زاد المسير" 2/ 365.

وأخرج الطبري في "تفسيره" 6/ 251 عن ابن عباس من طريق عطية أنه قال: يعني الربانيين، والأحبار هم الشهداء لمحمد  بما قال أنه حق من عند الله، فهو نبي الله محمد ، أتته اليهود فقضى بينهم بالحق.

(٣٠) عن مقاتل في "تفسيره" 1/ 479، وأورده في "الدر المنثور" 2/ 506 وعزاه إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ.

أما عن الكلبي ففي "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 115.

(٣١) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 251، "زاد المسير" 2/ 365، وقد ذكر ابن الجوزي قولًا آخر وهو أن الخطاب للمسلمين، قيل: لا تخشوا الناس كما خشيت اليهود الناس.

(٣٢) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 888 دون نسبة، ولم أقف عليه.

(٣٣) سقط هذا الحرف من (ج).

(٣٤) أخرج الآثار عنهم الطبري في "تفسيره" 6/ 252 - 253، وانظر: البغوي في "تفسيره" 3/ 61، "زاد المسير" 2/ 366.

(٣٥) لم أقف على هذه الرواية، وقد جاء عن ابن عباس أن المراد كفر دون كفر.

انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 256، وثبت عنه قوله: من جحد ما أنزل الله فقد كفر "تفسيره" ص 179، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 257.

(٣٦) جاء اسمه هكذا: محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى -فيحيى جد أبيه- المُزَكَّي النيسابوري المحدث الصادق المعمر، من شيوخ الواحدي، توفي -رحمه الله- سنة 427 هـ.

انظر: "المنتخب من السياق" ص 32، "سير أعلام النبلاء" 17/ 551، "شذرات الذهب" 3/ 233.

(٣٧) لم أقف على ترجمته.

(٣٨) الحضرمي الملقب بـ: مُطَيّن، محدث الكوفة، شيخ حافظ ثقة جبل، يقول في سبب تلقيبه بمطين: كنت صبيًا ألعب مع الصبيان وكنت أطولهم فنسبح ونخوض فيطينون ظهري فلقبه أبو نعيم بذلك.

صنف "كتاب التفسير"، "المسند"، "التاريخ"، توفي -رحمه الله- سنة 297 هـ وقيل 298 هـ.

انظر: "الفهرست" ص 316، "سير أعلام النبلاء" 14/ 41، 42، "ميزان الاعتدال" 3/ 607.

(٣٩) عبد الله بن محمد بن القاضي العبسي الكوفي، الإِمام العلم المشهور، من أقران الإِمام أحمد وابن المديني وغيرهما، وصاحب الكتب الكبار: "المسند"، "المصنف"، "التفسير"، توفي -رحمه الله- سنة 235 هـ انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 57، "سير أعلام النبلاء" 11/ 122، "ميزان الاعتدال" 2/ 490.

(٤٠) هو محمد بن خازم مولى بني سعد بن مناة بن تميم، تقدمت ترجمته.

(٤١) هو أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي الكوفي، ثقة حافظ ورع لكنه يدلس وقد أخرج حديثه الجماعة، وكان عارفًا بالقراءات.

توفي -رحمه الله- سنة 147 هـ.

انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 432، "طبقات القراء" لابن الجزري 1/ 315، "التقريب" ص 254 (2615).

(٤٢) عبد الله بن مرة الهمداني الخارفي الكوفي، من ثقات التابعين، وحديثه عند الجماعة، توفي سنة 100هـ، وقيل قبلها.

انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 59، "تهذيب == التهذيب" 2/ 430، "التقريب" ص 322 (3607).

(٤٣) "صحيح مسلم" (1700)، كتاب: الحدود، باب: رجم اليهود، وأخرجه المؤلف في "الوسيط" 3/ 889.

(٤٤) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 257.

(٤٥) لم أقف عليه، وقد ذكر نحوه غير منسوب.

النحاس في "معاني القرآن" 2/ 315.

(٤٦) لم أقف عليه عن عكرمة، وقد أخرج الطبري في "تفسيره" عنه قوله: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ ، و ﴿ الظَّالِمُونَ ﴾ ، و ﴿ الْفَاسِقُونَ ﴾ لأهل الكتاب كلهم، لما تركوا من كتاب الله.

"جامع البيان" 6/ 253.

(٤٧) "تفسيره" ص 179، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 257.

(٤٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 178.

(٤٩) لم أقف عليه.

(٥٠) في المصادر التي ستأتي عند تخريجه: كفر.

(٥١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 256، والحاكم بمعناه في "المستدرك" 2/ 313، وذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 891، وانظر: البغوي في "تفسيره" 3/ 61، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 70.

(٥٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 256، وذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 61.

(٥٣) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 891، وانظر: البغوي في "تفسيره" 3/ 61، "البحر المحيط" 3/ 493.

(٥٤) هذا معنى الآثار عنهم وقد أخرجها الطبري في "تفسيره" 6/ 256 - 257، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 43، "زاد المسير" 2/ 366.

(٥٥) أخرج قوله الطبري في "تفسيره" 6/ 257.

<div class="verse-tafsir"

وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلْأَنفَ بِٱلْأَنفِ وَٱلْأُذُنَ بِٱلْأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌۭ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٌۭ لَّهُۥ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٤٥

قوله تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ الآية.

قال ابن عباس: يريد وفرضنا عليهم في التوراة (١) ﴿ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ يريد من قتل نفسًا بغير، قود قتل به (٢) قال الضحاك: لم يجعل لهم دية في نفس ولا جرح، إنما هو العفو أو (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ ﴾ .

اختلفوا في رفع العين ونصبها، فقرأ الأكثرون بالنصب، وكذلك ما العين (٥) (٦) ومن رفع العين فإنه عطف جملة على جملة، ولم يجعل الواو للإشراك في العامل كما كان كذلك في قول من نصب، ويجوز أن يكون حمل الكلام على المعنى؛ لأن معنى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ قلنا لهم: (النَّفْسُ بِالنَّفْسِ)، فحمل (وَالْعَيْنُ بِالْعَيْنِ) على هذا (٧) بادَتْ وغَيَّرَ آيَهنّ مع البلَى ...

إلا رواكدَ جَمْرُهن هبَاءُ ومُشَجَّعٌ أما سواءُ قَذالِه ...

فَبَدا وغَيَّر سارَهُ المِعْزَاءُ (٨) لما كان المعنى في قوله: إلا رواكد بها رواكد، حمل مشجّجًا عليه، فكأنه قال: هناك رواكد ومشجّج (٩) قال الزجاج: ويجوز أن يكون: (العينُ) عطفًا على المضمر في قوله: (بالنفس (١٠) (١١) (١٢) وأما من قرأ الجميع بالنصب ورفع (الجروحُ) (١٣) قال العلماء في هذه الآية: كل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في العين والأنف والأذن والسن وجميع الأطراف، إذا تماثلا في السلامة من الشلل، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضًا في الأطراف (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ﴾ وهو كل ما يمكن أن يقتص فيه مثل: الشفتين والذكر والأنثين والألسن والقدمين واليدين وغيرها (١٥) فأما ما لا يمكن القصاص من رضة لحم، أو هيضة عظم أو جراحة في البطن يُخاف منها التلف ففيه أرش (١٦) (١٧) والقصاص ههنا مصدر يراد به المفعول، أي والجروح مُتقاصّة بعضها ببعض.

وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ تَصَدَّقَ ﴾ .

أي: أعطى وبذل وترك، من الصدقة، وكل ما يعطيه الإنسان من ماله أو بدنه أو عرضه فرضًا كان أو نقلًا، ومنه قوله  : "أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضَمْضَم (١٨) (١٩) والكلام في أصل الصدقة قد مضى عند قوله تعالى: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ بِهِ ﴾ أي: بالقصاص الذي وجب له.

﴿ فَهُوَ ﴾ أي: التصدق، ﴿ كَفَّارَةٌ لَهُ ﴾ أي: للمتصدق الذي هو المجروح، أو ولي الدم.

وهذا قول أكثر أهل التأويل (٢٠) قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد فمن عفا فهو مغفرة له عند الله وثواب عظيم (٢١) وهذا قول ابن عمر والحسن والشعبي وقتادة (٢٢) وروى عبادة بن الصامت أن رسول الله  قال: "من تصدق من جسده بشيء كفر الله -عز وجل- عنه بقدره من ذنوبه" (٢٣) وقال آخرون: الكناية في قوله: ﴿ لَهُ ﴾ تعود على المتصدق عليه، أي كفارة للمتصدق عليه؛ لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه (٢٤) قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ﴾ قال: فهو كفارة للجارح، وأجر المتصدق على الله (٢٥) وهذا قول إبراهيم ومجاهد وزيد بن أسلم (٢٦) وعلى هذا فالجاني إذا عفا عنه المجني عليه كان العفو كفارة لذنب الجاني لا يؤاخذ به في الآخرة، كما أن القصاص كفارة له.

والقول الأول أظهر؛ لأن العائد فيه يرجع إلى مذكور وهو (من)، وفي القول الثاني يعود إلى مدلول عليه وهو المتصدق عليه، دل عليه قوله: ﴿ فَمَنْ تَصَدَّقَ ﴾ (٢٧) (١) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 115.

(٢) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 258.

(٣) في (ش): (و).

(٤) لم أقف عليه عن الضحاك، وورد نحوه عن ابن عباس.

أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 259، وأورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 893.

(٥) قرأ بالنصب العشرة إلا الكسائي فإنه قرأ بالرفع، ووافقه في (الجروحُ) خاصة ابن كثير في "تفسيره" وأبو عمرو وأبو جعفر وابن عامر.

انظر: "الحجة" 3/ 223، "النشر" 2/ 254.

(٦) "الحجة" 3/ 223.

(٧) من "الحجة" 3/ 223، 224.

(٨) البيتان بدون عزو في "الكتاب" 1/ 173، 174، "شرح أبيات سيبويه" للنحاس ص 84، "الحجة" 3/ 225.

ومعنى بادت تغيرت وبليت، وآيهن: آثارهن، والرواكد: الأثافي، والهباء: الغبار، أي صار الجمر كالغبار لقدمه وانسحاقه، والمشجج، وتد الخباء، وتشجيجه ضرب رأسه لتثبيته، وسواء قذاله: أعلى الوتد، وساره: سائره، والمعزاء: الصلبة.

(٩) "الحجة" 3/ 225، وانظر: "الكتاب" 1/ 174.

(١٠) في (ج): (أن النفس)، وفي "معاني الزجاج" 2/ 179: النفس.

(١١) في "معاني الزجاج" النفس.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 179، وانظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 193.

(١٣) هذه قراءة ابن كثير في "تفسيره" وأبي عمرو وأبي جعفر وابن عامر.

انظر: "الحجة" 3/ 223، "معاني القراءات" 1/ 329، "النشر" 2/ 254.

(١٤) انظر: "الأم" 6/ 5، 50، والطبري في "تفسيره" 6/ 258، والبغوي في "تفسيره" 3/ 63.

(١٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 258 - 259، والبغوي في "تفسيره" 3/ 63، "زاد المسير" 2/ 368.

(١٦) الأرش: هو اسم للمال الواجب على ما دون النفس.

"التعريفات" للجرجاني ص 17، وانظر: "اللسان" 1/ 60 (أرش).

(١٧) انظر: "الأم" 6/ 80 - 83، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 204.

(١٨) هذا الرجل غير مسمى ولا منسوب، عدّ من الصحابة ويحتمل أنه ممن تقدم.

انظر: "الاستيعاب" 4/ 257، "أسد الغابة" 6/ 177، "الإصابة" 4/ 112.

(١٩) أخرجه بنحوه أبو داود (4887) كتاب الأدب، باب (43): ما جاء في الرجل يحل الرجل قد اغتابه 5/ 199، من طرق، وذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب" 4/ 257، وابن الأثير في "أسد الغابة" 6/ 177، وابن حجر في "الإصابة" 4/ 112.

(٢٠) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 260 - 262، "معاني الزجاج" 2/ 179، "معاني النحاس" 2/ 317، "بحر العلوم" 1/ 440.

(٢١) أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 895 ولم أقف عليه، وقد ثبت عن ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة أنه قال: فمن عفا عنه وتصدق عليه فهو كفارة للمطلوب وأجر للطالب.

"تفسير ابن عباس" ص 180، وأورده ابن كثير في "تفسيره" 2/ 72 من هذه الطريق أيضًا.

(٢٢) أخرج أقوالهم الطبري في "تفسيره" 6/ 260 - 262، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 317، "النكت والعيون" 2/ 43 - 44 (٢٣) أخرجه أحمد في "مسنده" 5/ 316، والمؤلف في "الوسيط" 3/ 895 من طريق شيخه الثعلبي، وذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 63، وصححه الألباني، انظر: "صحيح الجامع" (6151)، وأخرج الترمذي نحوه من حديث أبي الدرداء -  - (1393) كتاب الديات، باب: ما جاء في العفو، وابن ماجة (2693) كتاب الديات، باب: العفو في القصاص.

(٢٤) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 261، "النكت والعيون" 1/ 470.

(٢٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 262، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 317، "النكت والعيون" 2/ 44، والبغوي في "تفسيره" 3/ 64.

(٢٦) أخرج أقوالهم الطبري في "تفسيره" 6/ 261 - 262، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 44، والبغوي في "تفسيره" 3/ 64.

(٢٧) وهذا أيضًا اختيار الطبري في "تفسيره" 6/ 262.

<div class="verse-tafsir"

وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًۭى وَنُورٌۭ وَمُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَهُدًۭى وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ ٤٦

قوله تعالى: ﴿ وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ ﴾ .

مضى الكلام في: قفينا (١) قال الزجاج: أي جعلناه يقفوهم (٢) والكناية في: (آثارهم) عائدة إلى (النبيين الذين أسلمو).

وقوله تعالى: ﴿ ومُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ منَ التَّوْرَاةِ ﴾ .

ليس بتكرير للأول في المعنى؛ لأنه يدل أن في الإنجيل ذكر التصديق في التوراة، كما أن عيسى -  - جاء يدعو الناس إلى التصديق بها (٣) وقوله تعالي: ﴿ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً ﴾ .

قال الفراء: متبع للمصدق في نصبه (٤) يريد أن: (مصدقًا) حال من الإنجيل (٥) ﴿ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً ﴾ معناه: وهاديًا وواعظًا، فلذلك نصبًا (٦) والآية تدل على أن شرع عيسى كان شرع موسى (٧) (١) ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ  ﴾ .

(٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 168، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 47.

(٣) يوضح ذلك سياق الآية وهي قوله تعالى: ﴿ وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .

فـ: ﴿ مُصَدِّقًا ﴾ الأول لعيسى، والثاني للإنجيل، وانظر: "الوسيط" 3/ 896، "زاد المسير" 2/ 369.

(٤) "معاني القرآن" 1/ 312.

(٥) انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 228، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 209.

(٦) انظر: القرطبي في "تفسيره" 6/ 209، "الدر المصون" 4/ 284.

(٧) وذلك فيما لم ينسخه شرع عيسى، انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 264.

<div class="verse-tafsir"

وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ٤٧

قوله تعالى: ﴿ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ﴾ .

قال أهل المعاني: قوله: ﴿ وَلْيَحْكُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون التقدير: وقلنا: ليحكم أهل الإنجيل (١) ﴿ وَكَتَبْنَا  ﴾ ، ﴿ وَقَفَّيْنَا  ﴾ يدل عليه.

وحذف القول كثير كقوله تعالى: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ  ﴾ (٢) والثاني: أن يكون قوله: ﴿ وَلْيَحْكُمْ ﴾ ابتداء أمر للنصارى بالحكم بما في كتابهم (٣) فإن قيل على هذا: كيف جاز أن يؤمروا بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن؟

قيل: إن أحكام الإنجيل كانت موافقة لأحكام القرآن (٤) وقيل: إن المراد من هذا الحكم الإيمان بمحمد  لأنه كان في الإنجيل ذكر وجوب التصديق به، فهذا الأمر راجع إلى ذلك (٥) والقول الأول أظهر.

وقرأ حمزة: ﴿ وَلْيَحْكُمْ ﴾ بكسر اللام وفتح الميم (٦) ﴿ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ  ﴾ لأن إيتاءه الإنجيل إنزال ذلك عليه، فصار ذلك بمنزلة قوله: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ  ﴾ (٧) (٨) (١) انظر: "الكشاف" 1/ 342.

(٢) انظر: "المسائل الحلبيات" ص 240، قال أبو علي في آية الرعد: أي يقولون.

(٣) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 265، "الحجة" 3/ 228، البغوي في "تفسيره" 3/ 65، "زاد المسير" 2/ 369.

(٤) ليس هذا على إطلاقه، بل الكثير من الإنجيل، أو الأكثر -خاصة في الفروع- منسوخ بالقرآن.

انظر: القرطبي في "تفسيره" 6/ 209.

(٥) انظر: القرطبي في "تفسيره" 6/ 209.

(٦) "الحجة" 3/ 227، "التيسير في القراءات السبع" ص 99.

(٧) في "الحجة" 3/ 288: فكأن.

(٨) "الحجة" 3/ 227، 228.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةًۭ وَمِنْهَاجًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ٤٨

قوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾ .

قال مقاتل: يعني القرآن، لم ينزله عبثًا (١) وقوله تعالى: ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد كل كتاب أنزله الله على الأنبياء (٢) قال مقاتل: يعني: شاهدًا أن الكتب التي أنزلت قبله أنها من الله (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ .

اختلفت الروايات عن ابن عباس في تفسير المهيمن، فقال في رواية الوالبي: شاهدًا عليهم (٤) وهو قول السدي (٥) (٦) (٧) وقال فيما روى عنه أبو عبيدة بإسناد له: مؤتمنًا (٨) (٩) وقال في رواية عطية (عنه) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقال الحسن (١٤) (١٥) هذا كلام المفسرين (١٦) فأما أهل اللغة فقال المبرد: إن الهاء بدل من الهمزة، وأن أصله: مؤيمن، فجعلت الهاء بدلًا من الهمزة، كما قالوا: هَرَقْت وأَرَقْت، وإياك وهياك (١٧) قال أبو إسحاق: وهذا على مذهب العربية حسن وموافق لبعض ما جاء في التفسير؛ لأن معناه مؤتمن (١٨) وقال ابن الأنباري (١٩) (٢٠) (٢١) بأنَّ امرأ القَيسِ بنَ تَملكَ بَيْقَرا (٢٢) والمديبر من الإدبار والتخلف، والمجيمر اسم جبل في قوله: كأن ذُرَى رأسِ المُجَيمر غُدْوَةً (٢٣) (٢٤) (٢٥) فالمهيمن على هذا التأويل بمعنى: المؤمن، وهو المصدق، وهو الأمين، كما قال المفسرون.

وقال ابن جريج: (ومهيمنًا) أمينًا على الكتب قبله، فما أخبر أهل الكتاب بأمر، فإن كان في القرآن فصدقوا وإلا فكذبوا (٢٦) هذا طرق أهل اللغة في معنى المهيمن وأصله، فالمهيمن عندهم بمنزلة الأمين.

قال الأزهري: وكان النبي  يسمى الأمين، يعرف به قبل الإسلام، فقال العباس فيه يمدحه: حتى احتوى بيتُك المُهَيمنُ مِن ...

خِندِفَ عَلياءَ تحتَها النُّطُقُ (٢٧) وبيته شرفه ومجده، أراد: حتى احتويت أنت أيها المهيمن من خِندِفَ علياء، أي: الشرف (٢٨) فجعل العباس المهيمن في بيته صفة للنبي، أراد به الأمين.

وقال جماعة من أهل اللغة: المهيمن: الرقيب الحافظ، يقال: قد هيمن الرجل يهيمن هيمنة، إذا كان رقيبًا على الشيء.

وهو قول الخليل وأبي عبيد (٢٩) وقال أبو عبيدة: المهيمن: الشاهد المصدق (٣٠) (٣١) إن الكتاب مهيمنٌ لنبينا ...

والحق يعرفه ذوو الألباب (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ .

يعني: بين اليهود بالقرآن، والرجم على الزانيين.

﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد ما حرفوا وبدلوا، يعني: من أمر الرجم (٣٣) وقوله تعالى: ﴿ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ .

يقول: لا تتبعهم عما عندك من الحق فتتركه وتتبعهم، كما تقول: لا تتبع زيدًا عن رأيك، يعني لا تترك رأيك وتتبعه.

ويجوز أن تكون (عن) في قوله: (عما) من صلة معنى: ﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ وذلك أن معناه: لا تَزغ، فكأنه قيل: لا تزغ عما جاءك (من الحق) (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ (٣٥) الشَّرعة والشريعة واحدة، وأصلها من الشرع وهو البيان والإظهار، قال الله تعالى: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ  ﴾ (٣٦) (٣٧) قال الأزهري: معنى (شرع) بين وأوضح، مأخوذ من شَرَع الإهاب (٣٨) قال ابن السكيت: الشرع مصدر شَرَعت الإهاب إذا شققت ما بين الرِّجلين وسلختَه (٣٩) وقال غيره: الشارع والشرعة والشريعة: الطريقة الظاهرة.

وتسمى معالم الدين شريعة لوضوحها (٤٠) وقال قوم: أصل الشريعة من الشروع، وهو الدخول في الأمر (٤١) (٤٢) قال الليث: شرعت الواردةُ الشريعةُ، إذا تناولت الماء بفيها، والشريعة: المَشْرَعة.

قال: وبها سُمّي ما شرع الله للعباد: شريعةً، من الصلاة والصوم والنكاح والحج وغيره (٤٣) فعلى هذا معنى الشِّرعة والشَّريعة: الطريقة لشروع الناس فيها.

والمنهاج: الطريق الواضح، ومنهج الطريق: وَضَحه، ونهج الأمر وأنهج، لغتان، (إذا وضح) (٤٤) (٤٥) وقال ابن بُزُرج (٤٦) (٤٧) وأما الكلام في الجمع بين الشرعة والمنهاج فقال الأكثرون: إنها بمعنى واحد، وجمع بينهما للتأكيد في اللفظ.

وهذا قول مجاهد (٤٨) قال الزجاج: الشرعة والمنهاج جميعًا: الطريق، والطريق ههنا: الدين، ولكن اللفظ إذا اختلف أتى به بألفاظ تؤكد بها القصة والأمر.

قال: وقال بعضهم: الشرعة: الدين والمنهاج: الطريق (٤٩) وقال ابن الأنباري: الشرعة: ابتداء الطريق، والمنهاج: الطريق الواضح كله المستمر، فصح النسق للمخالفة بينهما (٥٠) وهذا قول محمد بن يزيد.

حكاه الزجاج عنه (٥١) وأما التفسير: فقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ : سبيلًا وسنة (٥٢) (٥٣) وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك في تفسير الشرعة والمنهاج (٥٤) وأما معنى الآية فقال قتادة في قوله: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً ﴾ الخطاب للأمم الثلاث، أمة موسى، وأمة عيسى، وأمة محمد (عليهم السلام) (٥٥) (٥٦) ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ﴾ الآية [المائدة: 44]، ثم قال: ﴿ وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ ، ثم قال: ﴿لكلٍ (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) وقال مجاهد: ﴿ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ السبيل الجادة (٦٢) (٦٣) وعلى هذا القول المراد (بالشرعة) (٦٤)  وهو الذي جعل منهاجًا للكل وندب إليه الجميع، وليس المراد الإخبار عن اختلاف الشرائع، واختصاص كل أمة بشريعة، كما ذكره قتادة.

والقول الأول أظهر وعليه المفسرون، فقد قال مقاتل: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ ﴾ يعني: من المسلمين وأهل الكتاب (٦٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ .

قال الحسن: لو شاء لجمعكم على الحق (٦٦) وقال الكلبي: ولو شاء (الله) (٦٧) (٦٨) ﴿ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ .

ليختبركم فيما أعطاكم من الكتاب والسنن.

ومضى الكلام في ابتلاء الله عز وجل عند قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ .

قال مقاتل: (يقول) (٦٩) (٧٠) وقال الكلبي: يقول: سابقوا الأمم الماضية إلى السنن والفرائض والصالحات من الأعمال (٧١) والاستباق في اللغة بين اثنين، يجتهد كل واحد منهما أن يسبق صاحبه كقوله تعالى: ﴿ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ  ﴾ يعني يوسف وصاحبته تبادر إلى الباب؛ فإن سبقها يوسف فتح الباب وخرج، وإن سبقت هي أغلقت الباب لئلا يخرج يوسف (٧٢) وقوله تعالى: ﴿ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ﴾ .

قال مقاتل: أنتم وأهل الكتاب ﴿ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ من الدين والفرائض والسنن (٧٣) (٧٤) وقال أهل المعاني: يعني أن الأمر سيؤول إلى ما تزول معه الشكوك بما يحصل من اليقين عند مجازاة المحسن بإحسانه، والمسيء باساءته (٧٥) (١) "تفسير مقاتل بن سليمان" 1/ 481.

(٢) انظر: "زاد المسير" 2/ 370.

(٣) "تفسيره" 1/ 481.

(٤) "تفسيره" ص 181 بلفظ: شهيداً، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 266، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 65، "الدر المنثور" 2/ 513.

(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 266، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 45، والبغوي في "تفسيره" 3/ 65.

(٦) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3800 (همن)، والبغوي في "تفسيره" 3/ 65.

(٧) انظر: "الدر المنثور" 2/ 513.

(٨) أخرج هذا القول لابن عباس: الطبري في "تفسيره" من طرق كثيرة في "جامع البيان" 6/ 266 - 267، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 168، "الدر المنثور" 2/ 512.

(٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 267.

(١٠) ما بين القوسين ساقط من (ش).

(١١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 267، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 513.

(١٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 267.

(١٣) قول مجاهد أن المعنى: مؤتمن، "تفسيره" 1/ 198، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 26.

(١٤) في الطبري في "تفسيره" 6/ 267: الحسين، ولعله تصحيف.

(١٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 267، وأبو علي في "الحجة" 1/ 229، وانظر: البغوي في "تفسيره" 3/ 65، و"زاد المسير" 2/ 371، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 74 - 75.

(١٦) وهي متقاربة من حيث المعنى.

(١٧) "معاني الزجاج" 2/ 180، "الزاهر" لابن الأنباري 1/ 86، "معاني النحاس" 2/ 318، "تهذيب اللغة" 4/ 3800 (همن).

(١٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 180، وقد قال الأزهري مثل قول الزجاج في "تهذيب اللغة" 4/ 3800 (همن).

(١٩) في "الزاهر" 1/ 86، 87.

(٢٠) المبيطر والبيطار: معالج الدواب.

انظر: "اللسان" 1/ 301 (بطر).

(٢١) في "الزاهر" 1/ 87: والمبيقر من قولهم: قد بيقر الرجل يبيقر بيقرة، إذا فسد.

(٢٢) عجز بيت لأمرئ القيس، وصدره: ألا هل أتاها والحوادث جمة "ديوانه" ص 62، "الزاهر" 1/ 87.

(٢٣) صدر بيت لأمرئ القيس من معلقته، وعجزه: من السيل والأغثاء فلكة مغزل "ديوانه" ص 122، "الزاهر" 1/ 87، "شرح القصائد المشهورات" 1/ 48، 49.

والأغثاء: ما يحيله السيل من الأشياء، وفكلة مغزل: أي أن الماء استدار حوله فصار كفلكة المغزل.

(٢٤) "الزاهر" 1/ 86، 87، وانظر: "الحجة" لأبي علي 1/ 230، والبغوي في "تفسيره" 3/ 65.

(٢٥) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3800 (همن)، وما بعد ذلك فهو من تعليق المؤلف على ما يظهر، حيث إنه لا وجود له في "التهذيب"، والله أعلم.

(٢٦) لم أقف عليه، وقد تقدم قريبًا عن ابن عباس وغيره نحوه.

(٢٧) البيت في "تهذيب اللغة" 4/ 3800، "اللسان" 8/ 4705 (همن)، والنطق أوساط الجبال العالية.

(٢٨) "تهذيب اللغة" 4/ 3800 بتصرف، وانظر: "اللسان" 8/ 4705 (همن).

(٢٩) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 179، "معاني النحاس" 2/ 318، "تهذيب اللغة" 4/ 3800 (همن)، "زاد المسير" 2/ 371، "اللسان" 13/ 437 (همن).

(٣٠) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 168.

(٣١) تقدمت ترجمته.

(٣٢) في "ديوانه" ص 35، لكن صدره: أخوات أمك قد علمت مكانها (٣٣) انظر: "زاد المسير" 2/ 371، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 116.

وقد ثبت عن ابن عباس أنه قال: ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ قال: بحدود الله، ﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ .

"تفسيره" ص 181، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 269.

(٣٤) في (ج): (بالحق).

(٣٥) في (ج): بعد (ومنهاجا): ومنها، ولعلها زائدة أو تكرار لبعض كلمة: (منهاجا).

(٣٦) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 168، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 143، الطبري في "تفسيره" 6/ 269، "معاني النحاس" 2/ 319.

(٣٧) "تهذيب اللغة" 2/ 1858.

(٣٨) "تهذيب اللغة" 2/ 1858.

(٣٩) "تهذيب اللغة" 2/ 1858، وانظر: "الصحاح" 3/ 1236 (شرع).

(٤٠) انظر: "معاني النحاس" 2/ 319، "النكت والعيون" 2/ 1857.

(٤١) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 269، "تهذيب اللغة" 3/ 1860، "الصحاح" 3/ 1236 (شرع).

(٤٢) "تهذيب اللغة" 2/ 1858 (شرع).

(٤٣) من "تهذيب اللغة" 2/ 1858، وانظر: "العين" 1/ 252، 253.

(٤٤) في (ش): (إذا أوضح)، وما أثبته هو الموافق لـ"العين" 3/ 392.

(٤٥) "العين" 3/ 392، "تهذيب اللغة" 4/ 3672 (نهج)، وانظر: الطبري في "تفسيره" 10/ 384.

(٤٦) هو عبد الرحمن بن بزرج -بضم الباء- عالم لغوي له مؤلفات وتعليقات أفاد منها الأزهري في "تهذيب اللغة"، وقد عده الأزهري من متأخري الطبقة الثانية من علماء اللغة الذين اعتمد عليهم في كتابه، ولم تذكر سنة وفاته.

انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3672 المقدمة، "إنباه الرواة" 2/ 161، "الإكمال" لابن ماكولا 1/ 155، 156.

(٤٧) "تهذيب اللغة" 4/ 3672، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 269.

(٤٨) قال مجاهد في تفسيرهما: الشرعة: السنة.

والمنهاج السبيل.

"تفسيره" 1/ 198، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 271 من طرق، وانظر: "النكت == والعيون" 2/ 45.

وقد ذكر أبو حيان في "البحر المحيط" 3/ 503 عن مجاهد أنه قال: الشرعة والمنهاج دين محمد  .

(٤٩) قول الزجاج في "تهذيب اللغة" 2/ 1857، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 441، ولم أجد في "معاني القرآن" له شيئاً من ذلك.

(٥٠) انظر: "زاد المسير" 2/ 372، "البحر المحيط" 3/ 503، "الدر المصون" 4/ 293.

(٥١) في "تهذيب اللغة" 2/ 1857 (شرع)، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 919، "زاد المسير" 2/ 372، "البحر المحيط" 3/ 503، "الدر المصون" 4/ 293.

(٥٢) "تفسيره" ص 181، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 270 - 271 من طرق، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 45.

(٥٣) أخرج هذه الرواية الطبري في "تفسيره" 6/ 270 - 271 من طرق.

(٥٤) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 271 - 272، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 45.

(٥٥) ساقط من (ج).

(٥٦) في (ش): (الشرائع).

(٥٧) في (ج): (ولكل).

(٥٨) في (ش): (التوراة).

(٥٩) في (ش): (الإنجيل).

(٦٠) في (ش): (القرآن).

(٦١) أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 899 مختصرًا، وأخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 270، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 66، "الدر المنثور" 2/ 513.

(٦٢) الجادة أي الطريق.

انظر: "اللسان" 1/ 561 - 562 (جدد).

(٦٣) أخرجه بنحوه الطبري في "تفسيره" 6/ 270، وانظر: "زاد المسير" 2/ 373.

(٦٤) في (خ): (بالشرع).

(٦٥) "تفسيره" 1/ 481، 482.

(٦٦) "النكت والعيون" 2/ 45، وانظر: "تفسير الهواري" 1/ 478.

(٦٧) ساقط من (ج).

(٦٨) أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 900 غير منسوب، ولم أقف عليه.

(٦٩) ساقط من (ج).

(٧٠) "تفسيره" 1/ 482، "زاد المسير" 2/ 374.

(٧١) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 116.

(٧٢) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1620 (سبق).

(٧٣) بنحوه في "تفسيره" 1/ 482.

(٧٤) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 116.

(٧٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 272، "التفسير الكبير" 12/ 13.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَـٰسِقُونَ ٤٩

قوله تعالى: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ .

قد ذكرنا أن هذا ناسخ للتخيير في قوله تعالى: ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ  ﴾ .

وموضع (أن) من الإعراب نصب، بمعنى: أنزلنا إليك (أن احكم بينهم) (١) وأعيد ذكر الأمر بالحكم بعد ذكره في الآية الأولى: إما للتأكيد، وإما لأنهما حُكمان أمر بهما جميعًا؛ لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصنين (٢) (٣) قال ابن عباس: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ قال: بحدود الله (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد يردوك إلى أهوائهم (٥) قال أبو عبيد: كل من صُرِف عن الحق إلى الباطل، وأميل عن القصد فقد فُتِن (٦) ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ  ﴾ .

وقال قطرب: واحذرهم أن يستزلوك (٧) قال ابن الأنباري: وقولهم (٨) (٩) (١٠) وقال النضر في قوله  : "أعوذ بك من فتنة المحيا" (١١) (١٢) قال مقاتل: إن رؤساء اليهود قال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتنه ونرده عما هو عليه، فإنما هو بشر.

فأتوه وقالوا (١٣)  ، وأنزل الله هذه الآية (١٤) فمعنى فتنتهم (إياه) (١٥) (١٦) قال أهل العلم: هذه الآية تدل على أن الخطأ والنسيان جائز على الرسل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ والتعمد في مثل هذا غير موهوم على رسول الله، فتحقيق تكليف الحذر عائد إلى النسيان والخطأ (١٧) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد إن لم يقبلوا منك (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد أن يبتليهم، ويسلطك عليهم (٢٠) وقال مقاتل: أي: يعذبهم في الدنيا بالقتل والجلاء (٢١) قال أهل المعاني: وخصص بعض الذنوب لأنهم جوزوا (٢٢) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ  ﴾ .

يعني: اليهود (٢٤) (١) انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 228.

(٢) في (ش): (المحصن).

(٣) احتكامهم إلى النبي  في زنا المحصنين ظاهر، وقد تقدم.

أما احتكامهم إليه في قتيل كان فيهم فلم أقف عليه.

وقد خالف في الأمر الثاني ابن الجوزي فقال: == وإنما نزلتا في شيئين مختلفين، أحدهما في شأن الرجم، والآخر في التسوية في الديات، حتى تحاكموا إليه في الأمرين.

"زاد المسير" 2/ 275، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 504، وما ذكره ان الجوزي من التسوية في الديات سيأتي له ذكر عند المؤلف في الآية 50 من هذه السورة.

(٤) قال ابن عباس -  ما- ذلك في تفسير الآية التي قبلها: ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ "تفسيره" ص 181، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 273.

(٥) أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 901، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 116.

(٦) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 901 ولم أقف عليه.

(٧) لم أقف عليه عن قطرب، وقد قال بذلك أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 168، وأبو حيان في "البحر المحيط" 3/ 504.

(٨) في (ش): (فقولهم).

(٩) في "تهذيب اللغة" 3/ 2738 (فتن): الفتينة.

(١٠) "تهذيب اللغة" 3/ 2738، وانظر: "اللسان" 6/ 3345 (فتن).

(١١) جزء من الحديث المشهور في الدعاء قبل السلام، وأخرجه البخاري (832) == كتاب الأذان، باب: الدعاء قبل السلام 1/ 202، ومسلم (589) كتاب المساجد، باب: ما يستعاذ منه في الصلاة (١٢) "تهذيب اللغة" 3/ 2738.

(١٣) في (ش): (فقالوا).

(١٤) انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" 1/ 482، 483، "الوسيط" 3/ 901.

(١٥) ساقط من (ش).

(١٦) قال ابن عباس بنحو قول مقاتل المتقدم فيما أخرجه عنه الطبري في "تفسيره" 6/ 273، وذكره المؤلف في "أسباب النزول" ص 200، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 66، "الدر المنثور" 2/ 514.

(١٧) انظر: "التفسير الكبير" 12/ 14، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 213.

(١٨) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 116.

(١٩) "تفسيره" 1/ 483.

(٢٠) لم أقف عليه.

(٢١) "تفسيره" 1/ 483 وفي: والجلاء من المدينة إلى الشام.

(٢٢) في (ش): (جوزيوا).

(٢٣) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 273، "التفسير الكبير" 12/ 14، القرطبي في "تفسيره" 6/ 214.

(٢٤) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 273، والبغوي في "تفسيره" 3/ 66، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 214.

<div class="verse-tafsir"

أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًۭا لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ ٥٠

قوله تعالى: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ .

قال المفسرون: أي أتطلب اليهود في الزانيين حكما لم يأمر الله عز وجل به وهم أهل الكتاب، كما يفعل أهل الجاهلية (١) قال ابن عباس: يعني بحكم الجاهلية ما كانوا من الضلالة والجور في الأحكام، وتحريفهم إياها عما كانت عليه (٢) وقال بعضهم: إنهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم إياه، وإذا وجب على أقويائهم لم يأخذوهم به، فقيل لهم: أفحكم عبدة الأوثان تبغون وأنتم أهل كتاب؟

وكفى بذلك خزيًا أن يحكم بما يوجبه الجهل دون ما يوجبه العلم (٣) وقال مقاتل: كانت بين قريظة والنضير دماء قبل أن يبعث الله محمدًا، فلما بعث تحاكموا إليه، فقالت بنو قريظة: إخواننا بنو النضير أبُونا واحد، وديننا وكتابنا واحد، فإن قتل أهل النضير منا قتيلًا أعطونا سبعين وسقا من تمر، وإن قتلنا منهم واحداً أخذوا منا مائة وأربعين وسقًا، وأرش جراحاتنا على النصف من أرش جراحاتهم، فاقض بيننا وبينهم، قال رسول الله  : "فإني أحكم دم القُرَظي وفاءٌ من دم النُضَيري، ودم النُّضَيري وفاءٌ من دم القُرَظي، ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم ولا عقل ولا جراحة"، فغضب بنو النضير وقالوا: لا نرضى بحكمك، فإنك لنا عدو، وإنك ما تألو في وضعنا وتصغيرنا، فأنزل الله تعالى: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ يعني حكمهم الأول (٤) وقرأ ابن عامر (تَبغُون (٥) (٦) (٧) والقراءة بالياء أظهر، لجري الكلام على ظاهره واستقامته عليه من غير تقدير إضمار، على أن نحو هذا الإضمار لا ينكر لكثرته (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ  ﴾ .

قال الزجاج: أي من أيقن تبين عدل الله في حكمه (٩) وقال (١٠) (١١) فإذا قيل: الحكم لهم فلأنهم يستحسونه، فكأنه إنما جعل لهم خاصة، وإذا قيل: عندهم؛ فلأن عندهم العلم بصحته.

(١) "معاني الزجاج" 2/ 180، وانظر: "زاد المسير" 2/ 376، "التفسير الكبير" 12/ 15.

(٢) لم أقف عليه.

(٣) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 274، "التفسير الكبير" 12/ 15، القرطبي في "تفسيره" 6/ 214.

(٤) "تفسير مقاتل" 1/ 479، 480 بنحوه، وانظر: "التفسير الكبير" 12/ 15.

وقد جاء نحو ذلك عن ابن عباس من طريق أبي صالح -وهي ضعيفة- عنه ذكر ذلك ابن الجوزي "زاد المسير" 2/ 376، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 274.

(٥) ساقط من (ج).

(٦) "الحجة" 3/ 228، "التيسير" ص 99.

(٧) "الحجة" 3/ 228.

(٨) "الحجة" 3/ 228، 229 بتصرف.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 181، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 321، "زاد المسير" 2/ 376.

(١٠) في (ش): (قال).

(١١) ذكر هذا القول أبو حيان في "البحر المحيط" 3/ 505، لكنه قال: وهذا ضعيف، وانظر "الدر المصون" 4/ 229.

<div class="verse-tafsir"

۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٥١

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ﴾ الآية، قال عطية.

جاء عبادة بن الصامت إلى رسول الله  فتبرأ عنده من موالاة اليهود، فقال عبد الله بن أبي: لكني لا أبرأ من ولاية اليهود، لأني أخاف الدوائر، فنزلت هذه الآية (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ ، أي: في العون والنصرة ويدهم واحدة على المسلمين (٣) ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد كافر مثلهم" (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ  ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد لا يرشد الكافرين ولا المشركين ولا المنافقين" (٦)  : إن لي كاتباً نصرانياً.

فقال: مالك قاتلك الله؟!

ألا اتخذت حنيفياً، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ﴾ .

قلت: له دينه ولي كتابته.

قال: لا أكرمهم إذا أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم" (٧) (١) أخرجه بنحوه الطبري 6/ 275، وذكره البغوي 3/ 67، والسيوطي في "لباب النقول" ص 92.

(٢) عند قوله تعالى: ﴿ إذ جعل فيكم أنبياء ﴾ الآية (20) من هذه السورة.

(٣) انظر: "تفسير الطبري" 10/ 399، "تفسير البغوي" 3/ 68.

(٤) لم أقف عليه.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 181.

(٦) لم أقف عليه، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 117.

(٧) بمعناه عند ابن كثير 2/ 77، "الدر المنثور" 2/ 516.

<div class="verse-tafsir"

فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌۭ ۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍۢ مِّنْ عِندِهِۦ فَيُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ نَـٰدِمِينَ ٥٢

قوله تعالى: ﴿ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ .

قال ابن عباس: "يعني عبد الله بن أبي وأصحابه" (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد يسارعون إلى مودتهم" (٤) (٥) وقال مجاهد: يسارعون في مصانعة اليهود وموأخاتهم (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ﴾ ، الدائرة من دوائر الدهر كالدولة، وهي التي تدور من قوم إلى قوم، والدائرة التي تخشى كالهزيمة والدبرة والقحط والحوادث المخوفة (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) [كنت حسبت الخندق المحفورا] (١٣) ودائراتِ الدَّهر أن تدورا (١٤) قال الكلبي: ﴿ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ﴾ أي سنة جدبة، وقال مقاتل: "نخشى أن تصيبنا دائرة اليهود على المسلمين، وذلك أنهم قالوا، إنا نكره قتال اليهود ومفارقتهم، فإنا لا ندري ما يكون ونخشى أن لا ينصر محمد فينقطع الذي بيننا من الميرة والقرض" (١٥) وقال أبو روق: "يعنون نخشى أن ينصر محمد" (١٦) ونحو ذلك قال الزجاج: أي نخشى أن لا يتم الأمر للنبي  ، قال: ومعنى (دائرة): أي: يدور الأمر عن حاله التي يكون عليها (١٧) وقوله تعالى: ﴿ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ ﴾ ، قال أهل المعاني: وعسى من الله واجب (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) وجمع ابن عباس هذه الأقوال في قوله فقال: "يريد بفتح الله تعالى لمحمد  على جميع من خالفه" (٢٤) ﴿ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ ﴾ ، قال الكلبي والضحاك: خصب وسعة لمحمد  وأصحابه (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقال السدي: "الجزية" (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) ﴿ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ﴾ .

قال ابن عباس: "يريد ندامة على نفاقهم" (٣٤) وقال الكلبي: ﴿ فَيُصْبِحُوا ﴾ يعني أهل النفاق على ما كان منهم من ولايتهم لليهود، ودس الأخبار إليهم (نادمين) (٣٥) وقال قتادة: ﴿ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ من مودتهم وغشهم الإسلام ﴿ نَادِمِينَ ﴾ (٣٦) (١) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 117.

(٢) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 278 - 279، "زاد المسير" 2/ 379، "الدر المنثور" 2/ 516.

(٣) "تفسير مقاتل" 1/ 485، انظر: "زاد المسير" 2/ 378.

(٤) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 117.

(٥) لم أقف عليه، انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 143، "زاد المسير" 2/ 179.

(٦) أخرجه بنحوه الطبري 6/ 279.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 181، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 68.

(٨) انظر: "تفسير الطبري" 10/ 404، 405، "تهذيب اللغة" 2/ 1129 مادة (دار).

(٩) ابن قتيبة.

(١٠) "غريب القرآن" ص 143.

(١١) "مجاز القرآن" 1/ 169.

(١٢) هو حميد بن مالك بن ربعي بن فحاش بن قيس، من بني ربيعة، شاعر إسلامي.

"معجم الأدباء" 3/ 267.

(١٣) ما بين المعقوفين ليس في "المجاز".

(١٤) "مجاز القرآن" 1/ 169.

والرجز في: "تفسير الطبري" 6/ 279، "تفسير القرطبي" 6/ 217.

(١٥) بمعناه في تفسير مقاتل 1/ 484، "تفسير البغوي" 3/ 68.

وانظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 143، "زاد المسير" 2/ 379.

(١٦) لم أقف عليه، وهو بمعنى ما تقدمه وما تلاه.

(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 181.

(١٨) المرجع السابق.

(١٩) أخرجه عن السدي: الطبري 6/ 280 وذكره عنهما البغوي 3/ 68.

وانظر: "زاد المسير" 2/ 379، "ابن كثير" 2/ 78.

(٢٠) البغوي 3/ 68.

(٢١) "تفسير الطبري" 6/ 280، "تفسير البغوي" 3/ 68.

(٢٢) "تفسيره" 1/ 484، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 68.

(٢٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 181.

(٢٤) انظر: "الوسيط" 2/ 197، "تفسير القرطبي" 6/ 218، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 117.

(٢٥) انظر: "الوسيط" 2/ 198، "تفسير البغوي" 3/ 68، "زاد المسير" 2/ 379.

(٢٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 181.

(٢٧) "غريب القرآن" ص 144، انظر: "زاد المسير" 2/ 379.

(٢٨) أخرجه الطبري 6/ 280، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 101، انظر: "زاد المسير" 2/ 379، "ابن كثير" 2/ 78.

(٢٩) "تفسيره" 1/ 484، "الوسيط" 2/ 198، انظر: "زاد المسير" 2/ 379.

(٣٠) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 117.

(٣١) واختيار الطبري القول بالعموم.

انظر: "تفسيره" 6/ 280.

(٣٢) لم أقف عليه.

انظر: "زاد المسير" 2/ 379.

(٣٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 181.

(٣٤) انظر: "الوسيط" 2/ 198، "زاد المسير" 2/ 379، "ابن كثير" 2/ 78، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 117.

(٣٥) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 117.

(٣٦) أخرجه الطبري 6/ 280، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 78.

<div class="verse-tafsir"

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَهَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فَأَصْبَحُوا۟ خَـٰسِرِينَ ٥٣

قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ، اختلفوا في إدخال الواو في (يقول) فقرأ أهل الحجاز والشام: (يقول) بغير واو (١) (٢) ﴿ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ ﴾ الآية، فلما صار في كل واحدة من الجملتين ذكر من الأخرى، حسن العطف بالواو وبغير الواو، كما أن قوله: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ  ﴾ ، لما كان في كل واحدة من الجملتين ذكر مما تقدم اكتفى بذلك عن الواو؛ لأنها بملابسة بعضها ببعض ترتبط إحداهما (٣) ﴿ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ  ﴾ .

فحذف الواو من قوله: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ كحذفها من قوله: ﴿ رَابِعُهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ سَادِسُهُمْ ﴾ وإلحاقها كإلحاقها في قوله: ﴿ وَثَامِنُهُمْ ﴾ ، وقد جاء التنزيل بالأمرين في غير موضع (٤) ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ نصباً على معنى: وعسى أن يقول الذين آمنوا (٥) ويدل على قوة الرفع قولُ من حذف الواو فقال: (يقول الذين آمنوا) (٦) قال الزجاج: ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت، أي: في وقت يظهر الله نفاقهم (٧) وقوله تعالى: ﴿ أَهَؤُلَاءِ ﴾ ، يعني: المنافقين، قاله ابن عباس، والكلبي (٨) ﴿ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ ، قال عطاء: حلفوا ﴿ بِاللهِ ﴾ بأغلظ الأيمان (٩) ﴿ جَهْدَ ﴾ لأنه مصدر، أي: جهدوا جهد أيمانهم، وقال أبو إسحاق: أي: يقول المؤمنون للذين باطنهم وظاهرهم واحد: أهؤلاء الذين حلفوا وأكدوا أيمانهم أنهم مؤمنون، وأنهم معكم وأعوانكم على من خالفكم.

﴿ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ أي: ذهب ما أظهروه من الإيمان، وبطل كل خير عملوه بكفرهم وصدهم عن سبيل الله، كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ  ﴾ (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ  ﴾ ، قال عطاء عن ابن عباس: "خسروا الدنيا والآخرة، أما الدنيا فليس هم من الأنصار، وأما الآخرة فقرنهم الله مع الكفار" (١٢) وقال الكلبي: ﴿ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ ﴾ مغبونين بأنفسهم ومنازلهم في الجنة، وصاروا إلى النار، وورثها المؤمنون (١٣) (١) قراءة أبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي، انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي 3/ 229، "النشر" 2/ 254.

(٢) قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر، انظر: "الحجة" لأبي علي الفارسي 3/ 229، "النشر" 2/ 254.

(٣) في (ج) و (ش): (إحديهما).

(٤) "الحجة للقراء السبعة" 3/ 231 - 232.

(٥) انظر: "الحجة" 3/ 231.

(٦) "الحجة" 3/ 231.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 182، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 69.

(٨) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 117، انظر: "زاد المسير" 2/ 381.

(٩) ساقه المؤلف في الوسيط 2/ 198 ابتداء دون نسبة.

وكذا البغوي 3/ 69، ونسبه ابن الجوزي "زاد المسير" 2/ 380 لابن عباس.

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 181، 182، انظر: "بحر العلوم" 1/ 443، "تفسير البغوي" 3/ 69.

(١١) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 117.

(١٢) لم أقف عليه.

(١٣) لم أقف عليه، انظر: "الوسيط" 2/ 198.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٥٤

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ﴾ ، وقرأ أهل الحجاز والشام: (يرتدد) بإظهار الدالين (١) ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ  ﴾ ويجوز في اللغة: إن يمسكم (٢) قال أبو علي (٣) (٤) (٥) (٦) قال أبو إسحاق: ويجوز في العربية في هذا الحرف ثلاثة أوجه "يرتدد" بدالين، و"يرتدَّ" بفتح الدال، و"يرتدِّ" بكسر الدال (٧) قال أبو علي: وهذا لغة تميم، وإنما أدغموا لأنهم شبهوا حركة البناء بحركة الإعراب، وذلك أنهم قد اتفقوا على إدغام المعرب نحو: يرتد، فلما وجدوا ما ليس بمعرب مشابهاً للمعرب في تعاور الحركات عليه تعاورها على المعرب، جعلوه بمنزلة المعرب فأدغموه كما أدغموا المعرب بيان هذا أن المعرب يتحرك أيضاً بحركتين (الرفع والنصب) (٨) (٩) شبه ر بْ غَ (١٠) (١١) وقد جاء التنزيل بالأمرين فقال: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ  ﴾ .

وقال: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ  ﴾ (١٢) فأما التفسير فقال الحسن: علم الله تعالى أن قوماً يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم  ، فأخبرهم أنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه (١٣) واختلفوا في ذلك القوم من هم: فقال علي بن أبي طالب  والحسن وقتادة والضحاك وابن جريج: هم أبو بكر  وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومنكري الزكاة (١٤) قالت عائشة: مات رسول الله  ، وارتدت العرب، واشرأب النفاق ونزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها (١٥) قال المفسرون: وذلك أن أهل الردة قالوا: أما الصلاة فنصلي، وأما الزكاة فلا نُغصَبُ أموالنا، فقال أبو بكر: لا أفرق بين ما جمع الله، قال الله: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ  ﴾ .

والله لو منعوني عقالاً مما أدوا إلى رسول الله  لقاتلتهم عليه (١٦) والمناظرة التي جرت بينه وبين عمر في هذا معروفة (١٧) قال أنس بن مالك: كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة، وقالوا: أهل القبلة.

فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده، فلم يجدوا بُدّاً من الخروج على أثره (١٨) وقال ابن مسعود: كرهنا ذلك، وحمدناه في الانتهاء ورأينا ذلك رشداً (١٩) وقال ابن عباس: فجاهدهم أبو بكر بالسيف (٢٠) ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ ﴾ يوجب أن يكون ذلك القوم غير موجودين في وقت نزول هذا الخطاب، وأبو بكر ممن كان في ذلك الوقت؟

قيل: إن من قاتل أبو بكر بهم (٢١) قال قتادة: "بعث الله عصائب مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبي الله، حتى سَبى وقتل وأحرق بالنار ناساً ارتدوا من الإسلام ومنعوا الزكاة" (٢٢) وقال الكلبي: "أتى الله بخير من الذين ارتدوا فشدد بهم (الدين) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) فهؤلاء قاتلوا أهل الردة بأمر أبي بكر، فحمدوا بطاعتهم له وانتهائهم إلى أمره، فليس يخرج أبو بكر عن أن يكون منهم، ثم الآية تتناول بعمومها كل من يكون منهم، ثم الآية تتناول بعمومها كل من يكون بعدهم إلى قيام الساعة، ممن يجاهد أهل الشرك والكفر والردة في سبيل الله.

وقوله تعالى: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ ، بدأ بمحبته لأنها الجالبة والموجبة لمحبتهم، ولا يحب الله إلا من أحبه الله، ولولا محبة الله إياهم ما أحبوه، فهذا طريق في تفسير هذه الآية، وروي مرفوعاً أن النبي  لما نزلت هذه الآية (أومأ) (٢٧) (٢٨) أخبرناه الأستاذ أبو إبراهيم إسماعيل بن أبي القاسم النصر اباذي، أخبرنا الإِمام أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب، حدثنا أبو عَمرو الحوضي، حدثنا شعبة، عن سماك، عن عياض الأشعري قال: لما نزلت هذه الآية (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) قال رسول الله  : "هم قوم هذا".

يعني أبا موسى الأشعري.

أخرجه الحاكم في المستدرك (٢٩)  أولى بالاتباع، وإذا كان قد فسر الآية وبين أن المراد بالقوم المذكور فيها الأشعرية، فليست إلا الفرقة المعروفة بالأشعرية الذين ينتسبون في مذهبهم إلى أبي الحسن الأشعري (٣٠) وكان -رحمه الله- من صُلبَيهِ (٣١) (٣٢)  في المسائل المشهورة من أصول الدين التي لم يقع فيها خلاف زمن الصحابة كمسألة القدر (٣٣) (٣٤) (٣٥)  في إشارته إلى أبي موسى: "هم قوم هذا" (٣٦) ﴿ وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ الآية [الأعراف: 159].

وقوله تعالى: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ .

قال ابن عباس: "تراهم للمؤمنين كالولد لوالده، وكالعبد لسيده، وهم في الغلظة على الكافرين كالسبع على فريسته" (٣٧) وهذا كقوله تعالى: ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ .

وقال ابن الأعرابي فيما روى عنه أبو العباس (٣٨) ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ رحماء رفيقين بالمؤمنين ﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ غلاظ شداد عليهم (٣٩) وقال ابن الأنباري: أثنى الله تعالى على هؤلاء المؤمنين بأنهم يتواضعون للمؤمنين إذا لقوهم، ويعنفون بالكافرين ويلقونهم بالغلظة والفظاظة، وقال أبو إسحاق في هذه الآية: الفاء في قوله: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ ﴾ جواب الجزاء، أي إن ارتد أحد عن دينه الذي هو الإيمان فسوف يأتي الله بقوم مؤمنين غير منافقين (٤٠) ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي جانبهم لين على المؤمنين، ليس أنهم أذلة مهانون (٤١) ﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ أي: جانبهم غليظ على الكافرين (٤٢) ﴿ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ﴾ لأن المنافقين كانوا يراقبون الكفار، ويظاهرونهم، ويخافون لومهم، فأعلم الله عز وجل أن صحيح الإيمان لا يخاف في نصرة الدين بيده ولسانه لومة لائم، ثم أعلم أن ذلك لا يكون إلا بتسديده وتوفيقه فقال: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ أي محبتهم لله عز وجل ولين جانبهم للمسلمين، وشدتهم على الكافرين، تفضل من الله عز وجل عليهم، لا توفيق لهم إلا به (٤٣) (١) قراءة نافع وابن عامر، انظر: "الحجة" 3/ 232، "النشر" 2/ 255.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 182.

(٣) الفارسي في "الحجة للقراء السبعة".

(٤) في الحجة: "حجة من أظهرهما".

(٥) "الحجة" 3/ 232 ،233.

(٦) انظر: "الحجة" 3/ 233.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 182.

(٨) ليس في: (ج).

(٩) من قول امرئ القيس: فاليوم أشرب غير مستحقب ...

إثمًا من الله ولا واغل المستحقب: المتكسب، والواغل الداخل على القوم يشربون ولم يدع، يقول هذا حين أخذ بالثأر من قتلة أبيه يزعم أن الخمر حلت له فلا يأثم بشربها وقد نذر ألا يشرب حتى يأخذ بالثأر.

انظر كتاب سيبويه 4/ 204، وحاشية "الحجة للقراء السبعة" 1/ 117.

(١٠) (ر ب غ) من قوله: (أشربْ غير) من الشاهد.

(١١) سبق قريبًا.

(١٢) "الحجة للقراء السبعة" 3/ 233، 234 باختلاف يسير في بعض الألفاظ.

(١٣) الأثر في الوسيط 2/ 199، البغوي 3/ 69، "زاد المسير" 2/ 380.

وأخرج الطبري 6/ 282 - 283 من طرق عن الحسن أنه قال: نزلت في أبي بكر وأصحابه.

(١٤) أخرج الآثار عنهم: الطبري 6/ 283 - 284، وذكرهم البغوي 3/ 169، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 381، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 517.

(١٥) ذكره البغوي 3/ 71.

(١٦) أخرج الأثر بنحوه البخاري (1400) كتاب الزكاة/ باب: وجوب الزكاة.

ومسلم (20) كتاب الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.

(١٧) جاء منصوصًا عليها في الأثر السابق في البخاري ومسلم.

(١٨) ذكره البغوي 3/ 69 وابن الجوزي "زاد المسير" 2/ 381.

(١٩) ذكره البغوي 3/ 70.

(٢٠) انظر: "بحر العلوم" 1/ 443، 444.

(٢١) في (ج) بعد "بهم" زيادة: "هم" ، وهذه الزيادة تقلب المعنى رأسًا على عقب.

(٢٢) أخرجه الطبري 6/ 283.

(٢٣) في (ج): (الذين).

(٢٤) في النسختين: (ألف).

(٢٥) هكذا في النسختين بالنون، وفي البغوي 3/ 71 بالياء (أفياء) وقد يكون أصوب جمع فئة تجوزًا، وإن كانت فئة تجمع على "فئون وفئات".

انظر: "الصحاح" 1/ 63 (فيأ).

(٢٦) ذكره البغوي 3/ 71.

(٢٧) في (ج): (اومى).

قال ابن منظور: "وأومأَ تومأَ، ولا تقل: أوميت.

الليت: الإيماء أن تومئ برأسك أو بيدك ...

" اللسان 1/ 201 (ومأ).

(٢٨) الطبري 10/ 415، وسيأتي تخريج الحديث.

(٢٩) 2/ 313 وصححه على شرط مسلم، كما أخرجه الطبري 6/ 284، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 518 إلى ابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه.

(٣٠) الجزم بذلك فيه نظر، فإن قوم أبي موسى لا ينحصر في ذريته وأصل ذريته قبل نشأة أبي الحسن رحمه الله، والأشعرية فرقة خالفت أهل السنة في كثير من مسائل العقيدة كالتأويل في الصفات وغير ذلك، على أن الأشاعرة لم يتابعوا الأشعري في جميع المسائل وإنما اشتهروا بالانتساب إليه!

(٣١) هكذا في النسختين، وقد جاءت مشكولة في: (ش)، وفيها إشكال.

(٣٢) هكذا نسبه الذهبي وأن مولده سنة 260 هـ وقيل 70 هـ، وقال عنه العلامة، إمام المتكلمين، توفي سنة 324 هـ كان على مذهب المعتزلة ثم رجع عنه ورد عليهم.

وله مصنفات كثيرة.

انظر: "سير أعلام النبلاء" 1/ 85 - 90، والبداية والنهاية 11/ 187.

(٣٣) انظر: "مقالات الإسلاميين" لأبي الحسن الأشعري ص 227 - 240.

(٣٤) انظر: "مقالات الإسلاميين" ص 195، 238.

(٣٥) انظر: "مقالات الإسلاميين" ص 157، 217.

(٣٦) سبق تخريجه قريبًا.

(٣٧) في "بحر العلوم" 1/ 444 نسبه لعلي بن أبي طالب، في البغوي 3/ 72 لكن نسبه لعطاء!

ولم أقف عليه عن ابن عباس.

(٣٨) الظاهر أنه المبرد، محمد بن يزيد.

(٣٩) من "تهذيب اللغة" 2/ 1290 مادة (ذل).

(٤٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 182، 183.

(٤١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 183، والكلام متصل للزجاج.

(٤٢) المرجع السابق.

(٤٣) "معاني الزجاج" 2/ 183، انظر: "بحر العلوم" 1/ 444، "تفسير البغوي" 3/ 72، "زاد المسير" 2/ 382.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ ٥٥

قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ الآية، اختلفت الروايات عن ابن عباس في نزول هذه الآية، فقال في رواية العوفي: إنها نازلة في قصة عبد الله بن أبيّ حين تولى اليهودَ، وعبادةَ بنِ الصامت حين تبرأ منهم وقال: أنا أبرأ إلى الله من حلف قريظة والنضير، وأتولى الله ورسوله والذين آمنوا (١) وقال جابر بن عبد الله: إن اليهود هجروا من أسلم منهم، لم يجالسوهم، فقال عبد الله بن سلام: يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا ، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل، فنزلت هذه الآية، فقال: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء (٢) ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ  ﴾ .

والذي ذكر من قوله: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾ إلى آخر الآية صفة لكل مؤمن، وهو قول الحسن في هذه الآية والضحاك (٣) ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾ .

قال الزجاج: إقامتها: إتمامها بجميع فروضها، وأول فروضها صحة الإيمان بها (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ رَاكِعُونَ  ﴾ .

قال ابن عباس: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾ المفروضة ﴿ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ يعني صلاة التطوع بالليل والنهار (٥) (٦) (٧) (٨) قال ابن عباس في رواية عكرمة: نزل قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} في أبي بكر  (٩) وقال في رواية عطاء: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يريد علي بن أبي طالب (١٠) وعلى هذا قوله: ﴿ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ قال عبد الله بن سلام (١١) (١٢)  يوماً من الأيام صلاة الظهر، فسأل السائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللهم أُشهدك أني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئاً.

وعلي كان راكعاً فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان يتختم فيها، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك بعين النبي  ، فلما فرغ النبي من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: "اللهم إن أخي موسى سألك فقال: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي  ﴾ فأنزلت فيه قرآناً ناطقاً: ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا  ﴾ اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واجعل لي وزيراً من أهلي، علياً أشدد به ظهري"، قال أبو ذر: فوالله ما استتم رسول الله  الكلمة حتى نزل جبريل فقال: يا محمد اقرأ: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ﴾ إلى آخرها (١٣) وهذا قول مجاهد والسدي وعتبة بن أبي حكيم (١٤) قال الكلبي: أذن بلال فخرج رسول الله  والناس بين ساجد وراكع، فإذا هو بسائل يطوف ومعه خاتم، فقال: "من أعطاك هذا" فأشار إلى علي وهو راكع، فنزلت هذه الآية، فلما قرأها رسول الله  قالوا: كلنا يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، فلما قرأ: ﴿ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ علموا أنه خاص لعلي (١٥) وقال أهل العلم في هذه الآية: إنها تدل على أن العمل القليل لا يقطع الصلاة، وأن دفع الزكاة إلى السائل في الصلاة جائز مع نية الزكاة، ونية الزكاة لا تنافي الصلاة (١٦) وقال المفسرون: وهذا وإن كان نزوله وافق عليًّا، فإنه عام في كل مؤمن، كما روى هشام، عن عبد الملك بن أبي سليمان، قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي (١٧) ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ من هم؟

قال: هم المؤمنون.

قلت: فإن ناساً يقولون: هو علي.

قال: فعليٌّ من الذين آمنوا (١٨) (١) سبق تخريج سبب النزول عند تفسير الآية (51)، انظر: "تفسير البغوي" 3/ 72.

(٢) أخرجه المؤلف في أسباب النزول.

وذكره ابن الجوزي في زاد المسير 2/ 382.

(٣) نسبه الماوردي للحسن والسدي "النكت والعيون" 2/ 48، انظر: "زاد المسير" 2/ 383.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 183.

(٥) انظر: "زاد المسير" 2/ 384، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 117.

(٦) انظر: "زاد المسير" 2/ 384.

(٧) ليست في (ج).

(٨) انظر "النكت والعيون" 2/ 49، "زاد المسير" 2/ 384.

(٩) لم أقف عليه عن ابن عباس من رواية عكرمة، لكن من رواية الكلبي، وهو متروك.

انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 117.

وقد نسبه ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 383 لعكرمة.

(١٠) وكذا هذا الأثر من رواية عطاء لم أقف عليه!

لكن جاء من طرق أخرى كما في: "لباب النقول" ص 93، "الدر المنثور" 2/ 519 - 520، وسيأتي الكلام على هذا الأثر عند آخر سياق المؤلف له.

(١١) ما بين القوسين ساقط من (ج).

(١٢) لم أقف عليه.

(١٣) لم أقف عليه، حتى المؤلف لم يذكره في أسباب النزول وفيه غرابة.

(١٤) الآثار عن مجاهد والسدي وعتبة أخرجها الطبري في "تفسيره" 6/ 288 - 289.

(١٥) أخرجه ابن مردويه كما في "الدر المنثور" 2/ 520.

وانظر: "بحر العلوم" للسمرقندي 1/ 445.

وهذا الأثر في سبب نزول الآية جاء بأسانيد ضعيفة بل بعضها واه كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله بعد أن ساق هذا الأثر: وهذا إسناد لا يفرح به؛ لأنه من رواية الكلبي ثم رواه ابن مردويه من حديث علي بن أبي طالب  نفسه، وعمار بن ياسر، وأبي رافع، وليس يصح شيء منها بالكلية؛ لضعف أسانيدها وجهالة رجالها "تفسير ابن كثير" 2/ 81.

(١٦) قال ابن كثير رحمه الله: وأما قوله: ﴿ وهم راكعون ﴾ فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ أي في حال ركوعهم، ولو كان كذلك لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء مما نعلمه من أئمة الفتوى ...

"تفسير ابن كثير" 2/ 81.

(١٧) زين العابدين، محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب  .

(١٨) أخرجه الطبري 6/ 288، وذكره ابن كثير 2/ 81.

<div class="verse-tafsir"

وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ ٥٦

قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .

معناه: من يتول القيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين.

قال ابن عباس: "يريد المهاجرين والأنصار والذين آمنوا من بعدهم" (١) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ  ﴾ ، جملة واقعة موقع خبر المبتدأ، والعائد إلى الابتداء معناها، لأن المعنى: فهو غالب، وفيها جواب للشرط ولذلك دخلت الفاء (٢) (٣) (٤) وقال ابن الأعرابي: الحزب: الجماعة (٥) ﴿ حِزْبَ اللَّهِ ﴾ جند الله (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) وقال الكلبي في قوله: ﴿ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ "فقتلوا اليهود وأجلوهم من ديارهم، وبقي عبد الله بن سلام وأصحابه الذين تولوا الله ورسوله والذين آمنوا" (١١) (١) انظر: "الوسيط" 2/ 202، "تفسير البغوي" 3/ 73، "زاد المسير" 2/ 383.

(٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 506.

(٣) "تهذيب اللغة" 1/ 800 (حزب) ونسبه لليث، انظر: "الصحاح" 1/ 109 (حزب).

(٤) من "تهذيب اللغة" نقلًا عن الفراء 1/ 801 (حزب).

(٥) "تهذيب اللغة" عنه 1/ 801 (حزب).

(٦) انظر: "الوسيط" 2/ 202، "زاد المسير" 2/ 384.

(٧) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 73، "زاد المسير" 2/ 384.

(٨) انظر: "الوسيط" 2/ 202.

(٩) لم أقف عليه.

(١٠) ليس في "معاني القرآن"، انظر: "بحر العلوم" 1/ 445.

(١١) انظر: "الوسيط" 2/ 202.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَكُمْ هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٥٧

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا ﴾ ، قال ابن عباس: "كان رجال من اليهود آمنوا ثم نافقوا، وكان ناس من المسلمين يوادونهم، فأنزل الله هذه الآية" (١) ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلى قوله ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ  ﴾ .

ويجوز أن يكون استهزاؤهم من غير هذا الوجه، وهو تكذيبهم واستخفافهم به كاستهزاء الكفار، وهذا فيمن لم يظهر الإيمان باللسان، ذكرنا معنى الهزء عند قوله تعالى: ﴿ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا  ﴾ ، والمراد بالمصدر ههنا: المفعول، وقوله تعالى: ﴿ وَالْكُفَّارَ ﴾ ، قرئ جراً ونصباً، فمن جر فلأن لغة التنزيل الحمل على أقرب العاملين، وقد بينا ذلك، فحمل على عامل الجر من حيث كان أقرب من عامل النصب (٢) وأما من طريق المعنى فإن من جر (الكفار) عطفه (٣) (٤) ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ  ﴾ .

وذكرنا استهزاء المنافقين (٥) ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ ، ولكن (الكفار) (٦) وحجة هذه القراءة من التنزيل قوله تعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ} [البقرة: 105] اتفقوا على جر (المشركين) عطفاً على أهل الكتاب، ولم يعطف على العامل الرافع، إن جاز ذلك (٧) وأما من نصب فحجته قوله تعالى: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ  ﴾ فكما وقع النهي عن اتخاذ الكفار في هذه الآية كذلك ههنا عطف الكفار على معمول الاتخاذ، فكأنه قال: لا تتخذوا الكفار أولياء (٨) (٩) (١٠) فالقول الأول عموم، وقول الحسن يدل على أن مشركي العرب هم المقصود بالكلام خصوصاً (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، أي إن كنتم مؤمنين بوعده ووعيده فاتقوا الله، ولا تتخذوا منهم أولياء.

هذا قول ابن عباس فيما روى عنه عطاء (١٢) ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ : إذ يأمر الله سبحانه أولياءه وأهل طاعته بتركهم (١٣) (١٤) (١) أخرجه بمعناه الطبري 6/ 290، وابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ.

انظر: تفسير "الدر المنثور" 2/ 521.

(٢) "الحجة للقراء السبعة" 3/ 234.

ونسب القراءة لأبي عمرو والكسائي.

(٣) في (ج): (وعطفه).

(٤) في الحجة: "فالدليل".

(٥) تقدم قريبًا عند الكلام على أول تفسير الآية هذه، واستدلال المؤلف بآية البقرة.

وقد ساقها في الحجة.

(٦) أي إطلاق لفظ "الكفار".

(٧) من "الحجة" 3/ 234 - 236 بتصرف -ولا يزال ينقل منه في الكلام على قراءة النصب الآتية.

(٨) من الحجة 3/ 236 بتصرف يسير.

(٩) لم أقف عليه.

(١٠) لم أقف عليه.

(١١) اختار الطبري أنهم المشركون من عبدة الأوثان، واحتج بقراءة لابن مسعود  انظر: "تفسير الطبري" 6/ 291.

(١٢) انظر: "بحر العلوم" 1/ 445، "زاد المسير" 2/ 385.

(١٣) لم أقف على الأثر عن ابن عباس.

(١٤) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 291.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْقِلُونَ ٥٨

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا ﴾ .

أي: دعوتم الناس إليها بالأذان (١) والنداء: الدعاء برفع الصوت، وندى الصوت: بعد مذهبه (٢)  لصاحب الرؤيا بالأذان: "ألقها على بلال، فإنه أندى صوتاً منك" (٣) وقوله تعالى: ﴿ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ﴾ ، ذكر أهل المعاني فيه قولين: أحدهما: أنهم كانوا إذا أذن المؤذن للصلاة تضاحكوا فيما بينهم وتغامزوا على طريق السخف والمجون، تجهيلاً لأهلها وتنفيراً للناس عنها وعن الداعي إليها (٤) وهذا معنى قول الكلبي قال: كان إذا نادي منادي رسول الله  إلى الصلاة وقام المسلمون إليها، قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا، فإذا رأوهم سجدوا أو ركعوا استهزؤوا وضحكوا منهم (٥) القول الثاني: أنهم كانوا يرون المنادي إليها بمنزلة اللاعب أو الهازي الكاذب، جهلاً عنهم بها.

وهذا معنى قول السدي في هذه الآية: "أن رجلاً من النصارى بالمدينة كلما سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله.

يقول: حُرِّق الكاذب ، فدخل خادمه بنار ذات ليلة، فتطايرت منها شرارة في البيت، فاحترق هو وأهله (٦) وقوله تعالى: ﴿ هُزُوًا وَلَعِبًا ﴾ مصدران يراد بهما المفعول.

وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ  ﴾ أي: لا يعقلون ما لهم في إجابتهم لو (٧) (٨) (٩) (١) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 291، "بحر العلوم" 1/ 445.

(٢) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3538 (ندأ).

(٣) هذا الحديث في كيفية الأذان ورؤيا عبد الله بن زيد  في ذلك.

أخرجه، وأبو داود (499) كتاب الصلاة، باب: كيف الأذان، والترمذي (189)، كتاب: الصلاة، باب: بدء الأذان، وابن ماجه (706) كتاب: الأذان، باب: بدء الأذان ، وأحمد في "مسنده" 4/ 43.

(٤) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 291، "بحر العلوم" 1/ 446.

(٥) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 74، "زاد المسير" 2/ 385، 386، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" إلى البيهقي في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وهي طريق واهية "الدر المنثور" 2/ 521.

(٦) أخرجه الطبري 6/ 291، وعزاه السيوطي أيضًا إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ "الدر المنثور" 2/ 521.

وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 74، "زاد المسير" 2/ 386، "تفسير ابن كثير" 2/ 82.

(٧) في (ج): (ولو).

(٨) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 291، "زاد المسير" 2/ 386.

(٩) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 118.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ ٥٩

قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا ﴾ الآية.

قال ابن عباس: "إن نفراً من اليهود أتوا رسول الله  فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال: "أؤمن باللهِ وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله تعالى: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ  ﴾ فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً شرًّا من دينكم، فأنزل الله هذه الآية وما بعدها" (١) وقوله تعالى: ﴿ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا ﴾ يقال: نَقَمتُ على الرجل أَنْقِمُ ونَقِمْتُ عليه أَنْقَمُ، والأجود فتح الماضي، وهو الأكثر في القراءة، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ  ﴾ .

ومعنى نقَمت: بالغت في كراهة الشيء (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ  ﴾ ، فقال كيف ينقم اليهود على المسلمين فسق أكثرهم.

قال أبو إسحاق: المعنى: هل تكرهون إلا إيماننا وفسقكم، أي إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنا على حق؛ لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لمحبتكم الرئاسة وكسبكم بها الأموال (٣) وهذا معنى قول الحسن: لفسقكم نقمتم علينا ذلك (٤) قال صاحب النظم (٥) (٦) (٧) وقال غيره: إنما نقموا على المسلمين فسقهم؛ لأنهم لم يتابعوهم عليه.

وقال بعضهم: لما ذكر ما نقم اليهود عليهم من الإيمان بجميع الرسل، وليس هو مما يُنقم، ذكر في مقابلته فسقهم وهو مما يُنقم، ومثل هذا حسن في الازدواج، يقول القائل: هل تنقم مني إلا أني عفيف وأنك فاجر، وإلا أني غني وأنت فقير، فحسن ذلك لإتمام المعنى بالمقابلة.

ومعنى: ﴿ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ﴾ أي خارجون عن أمر الله طلباً للرئاسة وحسداً على منزلة النبوة (٨) والمراد بالأكثر: من لم يؤمن منهم؛ لأن قليلاً من أهل الكتاب آمن.

وذكر أبو علي الجرجاني قولاً آخر في قوله: ﴿ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ﴾ قال: تجعله منظوماً بقوله: ﴿ آمَنَّا بِاللَّهِ ﴾ على تأويل: آمنا بالله وبأن أكثركم فاسقون، فيكون موضع (أن) خفضاً بالياء.

(١) أخرجه الطبري 6/ 292 بنحوه، وعزاه السيوطي أيضًا إلى ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ كما في "الدر المنثور" 2/ 522.

وذكره المؤلف في "أسباب النزول" ص 203.

(٢) هذا الكلام من أوله للزجاج في: "معاني القرآن" 2/ 186، ونقله الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3654 (نقم).

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 186، 187، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 75، "زاد المسير" 2/ 387.

(٤) انظر: "زاد المسير" 2/ 387.

(٥) أبو علي الجرجاني تقدمت ترجمته.

(٦) في (ج): (والوا زائدة).

(٧) تقدم أن بعض المحققين كالحافظ ابن كثير رحمه الله نبهوا على خطأ مثل هذا التعبير، فلا ينبغي أن يقال: إن في القرآن زائدًا.

(٨) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 187.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّۢ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٦٠

قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً ﴾ ، هذا جواب لليهود حين قالوا: ما نعرف ديناً شراً من دينكم.

كما حكينا (١) (٢) (٣) (٤) (٥) مضى الكلام في المثوبة في غير هذا الموضع (٦) ﴿ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ ﴾ ، (من) يجوز أن يكون في موضع خفض بدلاً من (شر) والمعنى: أنبئكم بمن لعنه الله.

ويجوز أن يكون رفعاً بالاستئناف.

قاله الفراء (٧) ﴿ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ  ﴾ كأنه قال: هو النار (٨) وقال الفراء: لو نصبت (من) بوقوع الإنباء عليه، كما تقول: أنبأتك خبراً، وأنبأتك زيداً قائماً، جاز، والوجه الخفض (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ ﴾ ، قال المفسرون: يعني بـ (القردة) أصحاب السبت وبـ (الخنازير) كفار مائدة عيسى (١٠) (١١) ﴿ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ﴾ ، قال الفراء: تأويله وجعل منهم القردة ومَن عبد الطاغوت (١٢) (١٣) قال ابن الأنباري: وتأخره بعد القردة والخنازير لا يُزيله عن معناه المعروف له، والعرب تقول: قد جعل منكم زيدٌ من بني (١٤) وقال أبو علي: قوله (عبد الطاغوت) عطف على مثال الماضي الذي في الصلة وهو قوله: (لعنه الله وغضب عليه)، وأفرد الضمير في (عَبَدَ) وإن كان المعنى على الكثرة؛ لأن الكلام محمول على لفظ (مَنْ) دون معناه (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) قال الفراء: وكان أصحاب عبد الله يقرأون: (وعَبُدَ الطاغوتِ) على (فَعَل) ويضيفونها إلي الطاغوت، ويفسرونها: خدم الطاغوت (٢٠) قال الزجاج: وهذه القراءة ليس بالوجه، لأن (عَبُدَ) على: فَعُلَ، وليس هذا من أمثلة الجمع (٢١) قال أوس بن حُجْر: أبني لُبَينَى إنَّ أُمَّكُمُ ...

أَمةٌ وإن أباكُمُ عَبُدُ (٢٢) أراد عبداً فضم الباء (٢٣) (٢٤) وقال نُصيَر الرازي (٢٥) (٢٦) (٢٧) وتتبع أبو علي هذا القول فشرحه وزاده بيانًا فقال: حجة حمزة أنه يحمله على ما عمل فيه جعل، كأنه: وجعل منهم عَبُدَ الطاغوت، وليس عَبُدَ لفظ جمع؛ لأنه ليس في أبنية المجموع شيء على هذا البناء، ولكنه واحد يراد به الكثرة، ألا ترى أن في الأسماء المفردة المضافة إلى المعارف ما لفظه لفظ الإفراد، ومعناه الجمع، كقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ  ﴾ كذلك قوله: (وعبُدَ الطاغوت) جاء على: فَعُلَ، لأن هذا البناء يراد به المبالغة نحو: يَقُظ ونَدُس، فكأن تأويله أنه قد ذهب في عبادة الطاغوت والتذلل له كل مذهب، وجاء هذا البناء في (عبُدَ) لأنه في الأصل صفة وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء، وذلك لا يزيل عنه كونه صفة، كالأبرق والأبطح، فإنهما استعملا استعمال الأسماء حتى جمعا جمعها وهو: الأبارق والأباطح، كالأجادل في جمع الأجدل، ونحوه، ثم لم يُزِل عنه ذلك حكم الصفة، يدلك على ذلك تركهم لصرفه كتركهم صرف "أحمر"، إذ لم يخرج "العبد" عن أن يكون صفة لم يمتنع أن يُبنى بناء الصفات على: فَعُل، نحو: لَفُظ (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ ، أي: أهل هذه الصفة (٣٠) ﴿ شَرٌّ مَكَانًا ﴾ من المؤمنين (٣١) (٣٢) ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً ﴾ لأنهم قالوا: لا نعرف أهل دين شرًا منكم، فقيل لهم: شر منهم من كان بهذه الصفة، ومن كان بهذه الصفة فهو شر مكانًا ممن جعلتموهم شرًّا، ووصفتموهم به (٣٣) وقوله تعالى: ﴿ وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ  ﴾ قال الزجاج: أي: عن قصد السبيل (٣٤) (٣٥) (١) في سبب نزول الآية السابقة.

(٢) انظر:"تفسير البغوي" 3/ 75.

(٣) انظر: "بحر العلوم" 1/ 446.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 187، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 75.

(٥) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 292، "إعراب القرآن للنحاس" 1/ 507.

(٦) يحتمل عند قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ ﴾ (103) سورة البقرة.

(٧) "معاني القرآن" 1/ 314، انظر: "معاني الزجاج" 2/ 187.

(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 187.

(٩) "معاني القرآن" 1/ 314.

(١٠) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 75، "زاد المسير" 2/ 387.

(١١) "تفسير البغوي" 3/ 75، انظر: "زاد المسير" 2/ 387.

(١٢) "معاني القرآن" 1/ 314.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 189.

(١٤) في (ج)، (ش): (بنا).

(١٥) الحجة 3/ 238.

(١٦) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 75.

(١٧) ليس في (ش).

(١٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 187.

(١٩) الحجة 3/ 236، انظر: "معاني الزجاج" 2/ 187.

(٢٠) "معاني القرآن" 1/ 314.

(٢١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 187، 188.

(٢٢) البيت في: "معاني القرآن" للفراء 1/ 315، و"تفسير الطبري" 6/ 294، "تهذيب اللغة" 3/ 2302 (عبد)، "اللسان" 5/ 2778 (عبد).

(٢٣) "الزاهر" لأبي بكر بن الأنباري 1/ 374، انظر: "معاني الزجاج" 2/ 188.

(٢٤) "معاني القرآن" 1/ 315.

(٢٥) لم أقف على ترجمة له.

(٢٦) من "تهذيب اللغة" 3/ 2302 (عبد).

(٢٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 188.

(٢٨) هكذا في (ج) و (ش)، وفي الحجة: "يقظ".

(٢٩) الحجة 3/ 236 - 238 بتصرف.

(٣٠) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 290، "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 189.

(٣١) انظر: "زاد المسير" 2/ 390.

(٣٢) انظر: "تفسير الوسيط" 2/ 205.

(٣٣) انظر: "تفسير الوسيط" 2/ 205، "زاد المسير" 2/ 390.

(٣٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 189.

(٣٥) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا۟ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا۟ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْتُمُونَ ٦١

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا ﴾ الآية، قال الكلبي: "يعني اليهود، يقولون: صدقنا أنك رسول الله إذا دخلوا عليه، وهم يسرون الكفر" (١) وقال ابن زيد: هؤلاء هم الذين قالوا: ﴿ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ  ﴾ ، (٢) ﴿ وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ ﴾ و ﴿ خَرَجُوا بِهِ ﴾ أي: دخلوا وخرجوا كافرين، والكفر معهم في كلتي حاليهم (٣) ومُستنةٍ كاستِنَانِ الخروف ...

قد قَطَعَ الحبلَ بالمِرْوَدِ (٤) أي: قد قطع الحبل ومروده فيه، وعلى هذا يتوجه قراءة من قرأ: ﴿تُنْبِتُ (٥) (٦) (٧) ﴿ وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ ﴾ تقريب الماضي من الحال، يريد أنهم دخلوا كافرين وخرجوا كافرين (٨) ﴿ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ﴾ أكد الكلام بالضمير تعيينًا إياهم بالكفر، وتمييزًا لهم عن غيرهم بهذه الصفة.

وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ  ﴾ ، أي: من نفاقهم إذا أظهروا (٩) (١٠) (١) ذكره في "تفسير الوسيط" 2/ 205، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 118.

(٢) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 75.

(٣) انظر: "تفسير الوسيط" 2/ 205، "تفسير البغوي" 3/ 75، "زاد المسير" 2/ 391.

(٤) البيت لرجل من بني الحارِث، وهو في الكامل للمبرد 2/ 135، و"المحتسب" 2/ 88، و"اللسان" 2/ 1140 (خرف) وفيه: "وقوله: مستنة يعني طعنة فاردمها باستنان.

والاستنان والسن: المر على وجهه، يريد أن دمها مر على وجهه كما يمي المُهرُ الأرِن".

والمرود: "حديدة توتد في الأرض يشد بها حبل الدابة، كما في حاشية الكامل.

(٥) بضم التاء (تُنْبِتُ) قراءة ابن كثير وأبي عمرو، انظر: "حجة القراءات" ص 484.

(٦) لم أقف عليه.

(٧) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 508.

(٨) انظر: "معاني القرآن الكريم" للنحاس 2/ 333، "بحر العلوم" 1/ 447.

(٩) في (ج): (أظهروه).

(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 296.

<div class="verse-tafsir"

وَتَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٦٢

قوله تعالى: ﴿ وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ ، قال الكلبي: لم يكن كلهم يفعل ذلك، كان بعضهم يسارع في ذلك، وبعضهم يستحي فيكف (١) ﴿ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ ﴾ يبادرون إليه كالمبادرة إلى الحق، قال أهل المعاني: أكثر ما تستعمل المسارعة في الخير، كقوله تعالى: ﴿ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ  ﴾ ، وفائدة لفظ المسارعة ههنا وإن كان لفظ العجلة أدل على الذم أنهم يعملونه (٢) (٣) (٤) (٥) (١) لم أقف عليه.

(٢) في (ج): (يعلمونه).

(٣) نسبه محقق "تفسير الوسيط" 2/ 205 إلى تفسير ابن عباس ص 97.

(٤) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 76، "زاد المسير" 2/ 391.

(٥) عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ (42) من هذه السورة.

لَوْلَا يَنْهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ٦٣

قوله تعالى: ﴿ لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ ﴾ ، معنى لولا ههنا التحضيض والتوبيخ، وهو بمعنى: هلا (١) ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ  ﴾ ، والكلام في الأحبار قد ذكرناه (٢) ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ  ﴾ (٣) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ ، قال العلماء وأصحاب المعاني: أنزل الله العلماء بترك النكير على سفلتهم فيما صنعوا منزلتهم، لأنه ذم أولئك بقوله: ﴿ ولبئس ما كانوا يعملون ﴾ وذم هؤلاء بمثل تلك اللفظة، فالآية تدل على أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه (٦) (٧) (١) انظر: "زاد المسير" 2/ 391.

(٢) في (ج): (ذكرنا) دون هاء الضمير.

(٣) قد يكون هذا سبقًا أو وهمًا، لأن هذه الآية متأخرة ولأن المؤلف رحمه الله تكلم عن الأحبار بالتفصيل عند قوله تعالى: ﴿ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ ﴾ الآية 44 من هذه السورة.

(٤) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 76.

(٥) انظر: "تفسير الوسيط" 2/ 205.

(٦) قال الطبري رحمه الله: "وكان العلماء يقولون: ما في القرآن آية أشد توبيخًا للعلماء من هذه الآية، ولا أخوف عليهم منها" ثم ساق ما يؤيد ذلك بسنده عن ابن عباس والضحاك، "تفسير الطبري" 6/ 298، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 447، "الدر المنثور" 2/ 524.

(٧) "تهذيب اللغة" 2/ 2066 (صنع).

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًۭا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًۭا ۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ٦٤

قوله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ ، قال ابن عباس في رواية عطاء: "يريد الإمساك عن الرزق" (١) (٢) قال المفسرون: إن الله كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالاً وأخصبهم ناحية، فلما عصوا الله في محمد وكذبوا به، كف الله عنهم ما بسط عليهم من النعمة، فعند ذلك قالت اليهود: يد الله مغلولة، أي مقوضة عن العطاء على جهة الصفة بالبخل، وهذا قول الضحاك وعكرمة وقتادة والكلبي (٣) قال الفراء: أرادوا ممسكة عن الإنفاق، والإسباغ علينا (٤) وقال الزجاج: أخبر الله عز وجل بعظيم فريتهم فقال: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ أي: يده ممسكة عن الإسباغ علينا، كما قال الله جل وعز: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ  ﴾ ، تأويله: لا تمسكها عن الإنفاق (٥) وقوله تعالى: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ ، أي جعلوا بخلاء وألزموا البخل، فهم أبخل قوم، فلا يُلقى يهودي أبدًا غير لئيم راضع بخيل.

وهذا قول الزجاج (٦) ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا  ﴾ أرادت فقالوا، فأضمر الفاء، وقد ذكرنا مثل هذا فيما تقدم.

وقال الحسن: "غلت أيديهم في نار جهنم على الحقيقة" (٧) (٨) ﴿ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ  ﴾ فجرى الدعاء من الله مجرى الاستثناء منه، وكلاهما توقيف وتأديب، كما علمنا الدعاء على أبي لهب بقوله: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ  ﴾ ، وقد علا وعز أن يكون فوقه مدعو.

وقوله تعالى: ﴿ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ﴾ ، قال الحسن: عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار (٩) وقوله تعالى: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ ، حكى الزجاج عن بعض أهل اللغة أن هذا جواب لليهود، أجيبوا على قدر كلامهم فقيل: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ .

أي هو جواد ينفق كيف يشاء.

انتهى كلامه (١٠) (١١) (١٢) ولن أذكُرَ النعمان إلا بصالحٍ ...

فإن لهُ عِندي يَدِيًّا وأنعُما (١٣) جمع يدًا على: يديٍّ، كالكلِيْبِ والعبيد.

فقوله: (يَدِيًّا وأنعُمًا) اليدي هي الأنعم في المعنى، وحسن التكرير لاختلاف اللفظين، كقوله: أقوى وأفْقَرَ بعدَ أُمِّ الهَيْثَمِ (١٤) ويستعمل اليد للقوة (١٥) ﴿ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ  ﴾ فسروه: ذوي القوى والعقول (١٦) اعمِد لما تعلُو فما لَكَ بالذي ...

لا تستطيعُ من الأمورِ يَدَانِ (١٧) يريد ليس لك به قوة، ألا ترى أنه لا مذهب للجارحة ولا للنعمة هنا، وعلى هذا ما ذكره سيبويه من قولهم: (لا يدينِ بها لك)، ومعنى هذه التثنية: المبالغة في نفي الاقتدار والقوة على الشيء، وليس المراد بالتثنية الاثنين الناقص عن الثلاثة، إنما هو الكثرة، ويستعمل بمعنى الملك، يقال: هذه الضيعة في يد فلان، أي في ملكه (١٨) ﴿ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ  ﴾ ، ويستعمل بمعنى التولي للشيء وتحقيق إضافة الفعل، كقوله تعالى: ﴿ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ  ﴾ أي لما توليت خلقه (١٩) (٢٠)  أنه قال: "وهم يد على من سواهم" (٢١) (٢٢) وكذلك قوله  : "أنا وبنو (٢٣) (٢٤) (٢٥) أَلاَ طَرَقَت ميٌّ هَيُومًا بِذكرِها ...

وأيدي الثُّريا جُنَّحٌ في المَغَاربِ (٢٦) فقوله: "أيدي الثُّريا" استعارة واتساع، وذلك أن اليد إذا مالتَ نحو الشيء ودنت إليه، دلل على قربها منه، ودَنوِّها نحوه، وإنما أراد قرب الثريا من المغرب لأفولها، فجعل له يدِيًّا جُنَّحًا نحوها، وأصل هذه الاستعارة لثعلبة بن صُعَير (٢٧) ألقت ذُكَاءُ يمِينَهَا في كافِرِ (٢٨) فجعل للشمس يدًا في المغيب لما أراد أن يصفها بالغروب.

ثم للبيد في قوله: حتى إذا ألقت يدًا في كافر.

يعني الشمس بدأت في المغيب، واعلم أن يدًا وزنها: (فَعْلٌ)، يدل على ذلك قولهم: أَيْدٍ، وجمعهم على أفعُل يدل على أنه: (فَعْلٌ)، لأنه أفْعُلًا جمع فَعْل المختص (٢٩) (٣٠) (٣١) يديت على حُسحَاس بن وَهْبِ (٣٢) فيد في الأصل يَدْيٌ (٣٣) (٣٤) يديان بيضاوان عند مُحُلَّم ...

قد تمنعانك بينهم أن تهضما (٣٥) وقال آخر في الواحد: يا رُبَّ سارٍ سار ما توَسَّدَا ...

إلا ذرع العنس أو كف اليدا (٣٦) هذا هو الكلام في أصل هذا الحرف ومعانيه في اللغة على حد الاختصار، وقد تستعمل اليد وتستعار في مواضع كثيرة يطول بذكرها الكلام، ولما كان الجواد يفرق المال وينفقه بيده، والبخيل يمسك اليد عن الانفاق أسندوا الجود والبخل إلى اليد والبنان والكف والأنامل، فقيل للجواد: فيَّاض الكف، مبسوط اليد، سبي البنان، ثرة الأنامل، في ألفاظ كثير معروفة في أشعارهم.

ويقال في ضد ذلك للبخيل: كزّ الأصابع، مقبوض الكف، جعد الأنامل في أشباه لهذا كثيرة.

واليهود لعنهم الله وصفوا الله تعالى بالبخل فقالوا: يد الله مغلولة.

على ما بينا في تفسيره في أول الآية، فأجيبوا (٣٧) ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ أي ليس الأمر على ما وصفتموه به من البخل، بل هو جواد، فليس لذكر اليد في الآية على هذا المعنى معنًى إلا إفادة معنى الجود والبخل (٣٨) وذهب بعض أهل اللغة أن معنى اليد في هذه الآية النعمة (٣٩) ﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ معناه: نعمة الله مقبوضة، وأنكر أبو عبيد والزجاج وابن الأنباري هذا القول، فقال أبو عبيد: من قال هذا فقد زعم أنه ليس لله على العباد إلا نعمتان، لأنه يلزمه أن يقول في قوله: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ أي: نعمتاه.

وقال الزجاج: هذا القول خطأ، ينقضه ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ ، فيكون المعنى: نعمتاه مبسوطتان، ونعم الله أكثر من أن تحصى.

وقال أبو بكر: هذا القول محال في هذه الآية، لأن نعم الله تعالى لا يحاط بعددها، وآلاؤه تفوق الإحصاء، فكيف يقول: نعمتاه مبسوطتان، فيوقع التثنية في الشيء الذي يُقَصِّر كل جمع عنه.

الدليل على ما نَصِف قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا  ﴾ (٤٠) فهؤلاء الأئمة أنكروا هذا القول، وهو صحيح، وإن أنكروا وذهب عليهم وجه صحته.

قال أبو علي فيما أصلح علي أبي إسحاق: قد دل كلام أبي إسحاق في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ على أن المراد به الإمساك، لأنه شبه ذلك بقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ  ﴾ ، وإذا كان ما حكى عن اليهود من هذا المراد به تبخيل الله تعالى عن ذلك فقوله: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ رد لم افتروه وإبطال لما بهتوا فيه ونفي له، يدلك على ذلك عطفه بالحرف الدال على الإضراب عما قبله والإثبات لما بعده، فإذا كان المراد بالأول التبخيل والإمساك وكان هذا الثاني نفيًا للأول، وجب أن يكون المراد به إثبات النعمة التي أنكروها وادعوا أنها مقبوضة عنهم، فإنكاره على من قال: إن معنى ﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ نعمته مقبوضة عني (٤١) ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ فيكون المعنى: نعمتاه مبسوطتان، ونعم الله أكثر من أن تحصى، فقوله: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ لا يدل على تقليل النعمة وعلى أن نعمته نعمتان ثنتان ليس غيرهما، ولكنه يدل على الكثرة والمبالغة، وقد جاء التثنية يراد بها الكثرة والمبالغة وتعداد المَثْنَى، لا المعنى الذي يشفع الواحد المفرد، ألا ترى أن قولهم: "لبّيك" إنما هو إقامة على طاعتك بعد إقامة، وكذلك: "سعديك" إنما هو مساعدة بعد مساعدة، وليس المراد بذلك طاعتين ثنتين، ولا مساعدتين ثنتين (٤٢) وإن شئت حملت المثنى على أنه تثنية جنس، لا تثنية واحد مفرد، ويكون أحد جنسي النعمة نعمة الدنيا والآخر نعمة الآخرة ونعمة الدين، فلا تكون التثنية على هذا مرادًا بها اثنتين، وقد جاء تثنية اسم الجنس في كلامهم مجيئًا واسعًا (٤٣) وكُلُّ رفيقي كُلِّ رحلٍ وإن هُما ...

تعاطَى القَنَا قوماهما أخوَانِ (٤٤) فتأويل الرفيقين في البيت العموم والإشاعة، ألا ترى أنه لا يجوز أن يكون رفيقان اثنان لكل رحل.

وبعد، فإذا كانوا قد استجازوا تثنية الجمع الذي على بناء الكثرة كقوله: لأصْبَحَ القومُ أوتادًا ولم يجِدوا ...

عندَ التفرُّق في الهيجَا جمَالينِ وكقول أبي النجم: بين رماحي مالك ونهشل ونحو ما حكاه سيبويه من قولهم: "لقاحان سوداوان" فأن يجوز تثنية اسم الجنس أجدر، لأنه على لفظ الواحد، فالتثنية فيه أحسن، إذ هو أشبه بألفاظ الأفراد، فإذا بان أن هذه التثنية لا تقتضي قول هذا القائل: نعمة الله مقبوضة ولا تنافيه، ولم ينكر اليد في اللغة بمعنى النعمة صح قوله الذي أنكره أبو إسحاق (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) وقوله تعالى: ﴿ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾ ، أي: يرزق كما يريد، إن شاء قتر وإن شاء وسع (٤٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ﴾ ، قال أبو إسحاق: أي كلما أنزل عليك شيء من القرآن كفروا به فيزيد كفرهم (٥٠) وقوله تعالى: ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ ، أي بين اليهود والنصارى عن الحسن (٥١) (٥٢) ﴿ لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ  ﴾ (٥٣) وقيل: أراد طوائف اليهود (٥٤) ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى  ﴾ وهو أحد الأسباب التي أذهب الله بها جَدَّهم وشوكتهم (٥٥) وقوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ﴾ ، أي لحرب محمد  (٥٦) (٥٧) (٥٨)  والمسلمين، وأعدوا لحربهم، فرق الله جمعهم وأفسد ذات بينهم (٥٩) قال قتادة: هذا عام في كل حرب طلبته اليهود، فلا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذل الناس (٦٠) وقوله تعالى: ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد سفكوا الدماء، واستحلوا المحارم" (٦١) وقال الزجاج: أي يجتهدون في دفع الإسلام، ومحو ذكر النبي  من كتبهم (٦٢) (١) "زاد المسير" 2/ 392، "الدر المنثور" 2/ 525.

(٢) أخرجه الطبري 6/ 3001، وعزاه في "الدهر المنثور" 2/ 525 أيضًا إلى ابن أبي حاتم.

(٣) "تفسير الطبري" 6/ 300، "بحر العلوم" 1/ 447، "النكت والعيون" 2/ 51، "تفسير البغوي" 3/ 76، "زاد المسير" 2/ 391، "الدر المنثور" 2/ 525.

(٤) "معاني القرآن" 1/ 315.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 189.

(٦) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 190.

(٧) "النكت والعيون" 2/ 51، "تفسير الوسيط" 2/ 206، وانظر: "زاد المسير" 2/ 392، وتفسير الحسن البصري 1/ 333.

(٨) في (ج): (عن).

(٩) انظر: "النكت والعيون" 2/ 51، "تفسير الوسيط" 2/ 206، "زاد التفسير" 2/ 393.

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 190.

(١١) انظر: تهذيب اللغة 4/ 3975 (يدي).

(١٢) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: أبو زيد، فإن البيت في النوادر لأبي زيد ص 53 منسوبًا لضمرة النهشلي كما سيأتي في عزوه.

(١٣) البيت في "النوادر في اللغة" لأبي زيد ص 53 نسبه لضمرة بن ضمرة النهشلي.

وأفاد منه في "المسائل الحلبيات" ص 30، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 240، و"اللسان" 3/ 1874 (زنم).

(١٤) لم أقف على قائله.

(١٥) انظر: "المسائل الحلبيات" ص 27 - 97.

(١٦) "النكت والعيون" 2/ 51.

(١٧) البيت في "الأضداد" للأصمعي (ثلاثة كتب في "الأضداد" ص7)، و"المسائل الحلبيات" ص 28.

(١٨) انظر: "المسائل الحلبيات" ص 29.

(١٩) هنا تعسف ظاهر، والتثنية لليدين تدل على إثبات صفة اليد لله عز وجل، بل تؤكد ذلك!.

(٢٠) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3975 (يدي).

(٢١) أخرجه من حديث علي بن أبي طالب  الإمام أحمد في مسنده 1/ 122، وأبو داود (4530) كتاب: الديات، باب: أيقاد المسلم بالكافر؟.

وأخرجه ابن ماجه (2683) كتاب: الديات، باب: المسلمون تتكافأ دماؤهم من حديث ابن عباس ومعقل بن يسار  .

(٢٢) انظر: "المسائل الحلبيات" ص 30، "تهذيب اللغة" 4/ 3977 (يدي).

(٢٣) في (ج): (بني).

(٢٤) أخرجه بنحوه الإِمام أحمد في مسنده 4/ 81 من حديث جبير بن مطعم، والنسائي 7/ 130 - 131 كتاب قسم الفيء.

(٢٥) تقدم تخريجه قريبًا.

(٢٦) "ديوانه" ص 55.

(٢٧) ثعلبة بن صُعَير بن خزاعي المازني المري، شاعر جاهلي من شعراء المفضليات، "الأعلام" 2/ 99.

(٢٨) لم أقف عليه.

(٢٩) في (ج): (المختصر).

(٣٠) في (ج): (ألعب).

(٣١) بياض في (ج)، (ش).

(٣٢) لم أقف عليه.

(٣٣) انظر: "الممتع في التصريف" 2/ 624.

(٣٤) لم أقف على كلام أبي علي، وانظر: "الممتع في التصريف" 1/ 60، 409، 2/ 562، 624.

(٣٥) لم أقف عليه.

(٣٦) لم أقف عليه.

(٣٧) سقطت بعض أحرف هذه الكلمة في (ج).

(٣٨) المؤلف عفا الله عنه أول اليد هنا بالجود، والذي عليه المحققون من أهل السنة والجماعة إثبات صفة اليد لله عز وجل حسبما دلت عليه هذه الآية وغيرها على ما يليق بجلال الله وعظمته، قال الطبري رحمه الله في تفسيره: "ففي قول الله تعالى: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ مع إعلامه عباده أن نعمه لا تحصى، مع ما وصفنا من أنه غير معقول في كلام العرب أن اثنين يؤديان عن الجميع ما ينبىء عن خطأ قول من قال: معنى اليد في هذا الموضع النعمة وصحة قول من قال: إن "يد الله" هي له صفة ...

وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله وقال به العلماء وأهل التأويل "تفسير الطبري" 6/ 302، وقال البغوي في "تفسيره" 3/ 76، 77: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ ويد الله صفة من صفاته كالسمع والبصر والوجه، وقال جل ذكره: ﴿ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ  ﴾ ، وقال النبي  : "كلتا يديه يمين" والله أعلم بصفاته فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم".

وسيأتي في سياق المؤلف كلام أبي عبيد والزجاج وأبي بكر بن الأنباري في إثبات صفة اليد والرد على من أولها، وإن كان المؤلف لم يأبه بتقريرهم، وتعلق بما عليه الأشاعرة من التعسّف في التأويل.

(٣٩) هذا مذهب الأشاعرة!!

وسبق من كلام الأئمة كالطبري، والبغوي ما يبين ضعفه ورده.

(٤٠) انظر: "زاد المسير" 2/ 393.

(٤١) في النسختين: (عنا).

(٤٢) انظر: "النكت والعيون" 2/ 51، "تفسير القرطبي" 6/ 239.

(٤٣) انظر: "المسائل الحلبيات" ص 68،"تفسير القرطبي" 6/ 239.

(٤٤) البيت في "المسائل الحلبيات" ص 68 ونسبه المحقق إلى: "ديوان الفرزدق" 2/ 329.

(٤٥) يعني الزجاج، وقد تقدم إنكاره لتفسير اليد هنا بالنعمه، وأن الزجاج ذهب مذهب أهل السنة وهو منهم في إثبات صفات اليد لله عز وجل على ما وصف به نفسه كما في هذه الآية، ووصفه بها رسوله  .

(٤٦) بل إن المؤلف ومن أخذ عنه كأبي علي الفارسي هم المتحاملون على أهل السنة في تفسير هذه الآية الجلية في إثبات صفة اليد لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته.

(٤٧) لم أقف عليه فيما بين يدي من مؤلفات لأبي علي الفارسي، وكذا ما نسبه لسيبويه والخليل.

(٤٨) المتوفى سنة 242 هـ وهو حنفي فاضل، حدث عن وكيع لكنه غير مشهور، ولم أقف له على تفسير، انظر: "ميزان الاعتدال" 5/ 172، "معجم المؤلفين" 3/ 730.

(٤٩) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 490، "تفسير الطبري" 6/ 300، "بحر العلوم" 1/ 448.

(٥٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 190.

(٥١) "النكت والعيون" 2/ 52، انظر: "تفسير البغوي" 3/ 77.

(٥٢) أخرجه عن مجاهد "تفسير الطبري" 6/ 302، "تفسير الوسيط" 2/ 207، "تفسير البغوي" 3/ 77، "زاد المسير" 2/ 394.

(٥٣) "تفسير الطبري" 6/ 302، "زاد المسير" 2/ 394.

(٥٤) "النكت والعيون" 2/ 52، "تفسير البغوي" 3/ 77.

(٥٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 190.

(٥٦) "تفسير الطبري" 6/ 304.

(٥٧) "تفسير الوسيط" 2/ 207، ونسبه محققه إلى تفسير ابن عباس ص 97، "زاد المسير" 2/ 394.

(٥٨) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 77، "الدر المنثور" 2/ 526.

(٥٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 190.

(٦٠) أخرجه الطبري 6/ 303، "معاني القرآن" للنحاس 2/ 336، "تفسير البغوي" 3/ 77.

(٦١) انظر: "زاد المسير" 2/ 394، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 118.

(٦٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 191.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَـٰهُمْ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٦٥

قوله (١) ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا ﴾ ، قال ابن عباس: صدقوا محمدًا  واتقوا اليهودية والنصرانية (٢) وقال عطاء: واتقوا من الله (٣) ﴿ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ ، وقال عطاء: يريد كل ما كانوا صنعوا قبل أن تأتيهم (٤) (٥) (١) في (ش): (وقوله).

(٢) انظر: "بحر العلوم" 1/ 448، "تفسير الوسيط" 2/ 208، "تفسير البغوي" 3/ 77، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 119.

(٣) لم أقف عليه.

(٤) لم أقف عليه.

(٥) لأن الكُفْر بمعنى الستر.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌۭ مُّقْتَصِدَةٌۭ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ ٦٦

قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد عملوا بما فيهما من التصديق بك، والوفاء لله بما عاهدوا فيهما" (١) وقال أهل المعاني في معنى ﴿ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾ قولين: أحدهما: أقاموا أحكامهما وحدودهما، كما يقال: أقام الصلاة، إذا قام بحقوقها، ولا يقال لمن لم يوف شرائطها: أقامها.

والثاني أقاموها نصب أعينهم؛ لئلا يزلوا في شيء من حدودها (٢) ﴿ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ ، يعني القرآن في قول ابن عباس وغيره (٣) وقيل: يعني كتب أنبيائهم (٤)  ، ﴿ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد لأنزلت عليهم القطر وأخرجت لهم من نبات الأرض كل ما أرادوا (٥) (٦) وقال أهل المعاني: هذا على وجه التوسعة، لا على أن هناك فوق أو تحت، والمعنى: لأكلوا أكلًا متصلًا كثيرًا، فذكر فوق وتحت للمبالغة فيما ينالون وما يفتح عليهم من الدنيا، كما يقول القائل: فلان في خير من قرنه إلى قدمه، يريد تكاثف الخير وكثرته عنده (٧) (٨) (٩) قال الزجاج: قد دل الله تعالى بهذا على ما أصابهم من الجدب مما عاقبهم به حتى شكوا ذلك بقولهم: يد الله مغلولة.

وأعلم أن التقى سبب التوسعة في الرزق، وهذا كقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا ﴾ الآية [الأعراف: 96] وقال: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا  ﴾ ، وقال في قصة نوح: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ  ﴾ (١٠) وقوله تعالى: ﴿ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ﴾ ، قال عطاء: يريد قومًا أسلموا من اليهود والنصارى (١١) وقال السدي: ﴿ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ﴾ مؤمنة (١٢) وقال ابن عباس: هم العادلة غير الغالية ولا الجافية (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ﴾ ، يقول: بئس شيئًا عملهم (١٦)  " (١٧) (١) انظر: "تفسير الوسيط" 2/ 208، "زاد المسير" 2/ 395، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 119.

(٢) انظر: "النكت والعيون" 2/ 52.

(٣) انظر: معاني القرآن للنحاس 2/ 337، "بحر العلوم" 1/ 448، "النكت والعيون" 2/ 52، "تفسير البغوي" 3/ 78، "زاد المسير" 2/ 395.

(٤) انظر: "بحر العلوم" 1/ 448، "تفسير البغوي" 3/ 78، "زاد المسير" 2/ 395.

(٥) أخرجه بمعناه الطبري 6/ 305، "تفسير الوسيط" 2/ 208، "تفسير البغوي" 3/ 78، "زاد المسير" 2/ 395.

(٦) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 305، "تفسير البغوي" 3/ 78، "زاد المسير" 2/ 395.

(٧) ذكر الطبري 6/ 306، هذا القول واستبعده قائلًا: "وتأويل أهل التأويل بخلاف ما ذكرنا من هذا القول، وكفى بذلك شهيداً على فساده".

(٨) معاني القرآن 1/ 315، "معاني القرآن" للنحاس 2/ 337، 338، "زاد المسير" 2/ 395.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 191، "زاد المسير" 2/ 395.

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 191، وانظر: "زاد المسير" 2/ 395.

(١١) لم أقف عليه عن عطاء، وهو قول كثير من المفسرين كمجاهد وابن زيد، انظر: "تفسير الطبري" 6/ 306، "بحر العلوم" 1/ 448، "تفسير الوسيط" 2/ 208، "تفسير البغوي" 3/ 78، "زاد المسير" 2/ 395.

(١٢) أخرجه الطبري 6/ 306، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 53، "الدر المنثور" 2/ 527.

(١٣) انظر: "النكت والعيون" 2/ 53، "تفسير الوسيط" 2/ 208، "تفسير البغوي" 3/ 78.

(١٤) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 78، "زاد المسير" 2/ 395.

(١٥) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2972 (قصد)، "اللسان" 6/ 3642 (قصد).

(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 192.

(١٧) انظر: "تفسير الوسيط" 2/ 208، "تفسير البغوي" 3/ 78.

<div class="verse-tafsir"

۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٦٧

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾ الآية، روى الحسن أن النبي  قال: "إن الله بعثني برسالته، وضقت به ذرعًا، وعرفت أن الناس مكذّبي" وكان يهاب قريشًا واليهود والنصارى، فأنزل الله هذه الآية (١)  يجاهر ببعض القرآن أيام كان بمكة، ويخفي بعضه إشفاقًا على نفسه من تسرع المشركين إليه وإلى أصحابه، فلما أعزه الله وأيده بالمؤمنين قال له: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾ (٢) وقال أبو إسحاق: أي لا تراقبن أحدًا ولا تتركن شيئًا مما أنزل إليك تخوفًا من أن ينالك مكروه (٣) (٤) ﴿ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾ بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك مجاهرًا به، فإن أخفيت منه شيئًا في وقت لخوف يلحقك فما بلغت رسالته، فذلك وله: ﴿ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ (٥) قال ابن عباس: يقول إن كتمت آية مما أنزلت عليك لم تبلغ رسالاتي (٦) (٧)  ا: "من زعم أن رسول الله  كتم شيئًا من الوحي، فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ﴾ ولو كتم رسول الله شيئاً من الوحي لكتم قوله تعالى: ﴿ وَتُخْفِي في نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ  ﴾ " (٨) قال مقاتل بن حبان: هذا تحريض من الله نبيه على تبليغ الرسالة (٩) وقال مجاهد: لما نزلت ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾ قال: "يا رب كيف أصنع؟

أنا واحد، أخاف أن يجتمعوا علي" فأنزل الله: ﴿ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ (١٠) فكل هذه الأقوال في تفسير هذه الآية تدل على أن النبي  كان يشفق على نفسه غائلة اليهود والكفار، فكان لا يجاهرهم بعيب دينهم وسب آلهتهم، حتى أمنه الله تعالى بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ ، واختلفوا في قوله: ﴿ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ فقرىء (رسالته) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) ﴿ وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا  ﴾ فوقع الاسم الواحد على الجمع كما يقع على الواحد، فكذلك الرسالة (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ ، أي: يمنعك أن ينالوك بسوء من قتل أو أسر أو قهر (١٧)  يُحرس حتى نزلت هذه الآية: ﴿ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ وكان سعدٌ وحذيفة يحرسانه، فأخرج رسول الله رأسه من قبة أدم وقال: "انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله" (١٨) وقال الزجاج في قوله: ﴿ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ : أي يحول بينهم وبين أن يصيبك منهم مكروه (١٩) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ  ﴾ ، قال ابن عباس: يريد لا يرشد من كذبك وأعرض عن ذكري (٢١)  مثل ما روى الحسن، وهو أن رسول الله  "قال: "بعثني الله برسالاته، فضقت بها ذرعًا، فأَوحَى إلى: "إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك، وضمن لي العصمة" (٢٢) (١) انظر: "أسباب النزول" للمؤلف ص 204، "تفسير البغوي" 3/ 78، "زاد المسير" 2/ 396، "الدر المنثور" 2/ 528، وعزاه السيوطي لأبي الشيخ عن الحسن.

(٢) انظر: "تفسير الوسيط" 2/ 208، 209.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 192، انظر: "زاد المسير" 2/ 397.

(٤) أي الزجاج وابن الأنباري.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 192، انظر: "تفسير البغوي" 3/ 79.

(٦) أخرجه الطبري 6/ 307، وانظر: "تفسير الوسيط" 2/ 209، "زاد المسير" 2/ 397.

(٧) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 309، "بحر العلوم" 1/ 449، "النكت والعيون" 2/ 53، "تفسير البغوي" 3/ 79.

(٨) أخرجه البخاري (4612) كتاب التفسير، باب: يا أيها الرسول بلغ، بنحوه، وبلفظه مسلم (177) كتاب الإيمان: باب 77 معنى قول الله عز وجل ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى ﴾ ، ولكن دون: "ولو كنتم ...

"، "تفسير الطبري" 6/ 309.

(٩) بمعناه في تفسير مقاتل بن سليمان 1/ 492.

(١٠) أخرجه الطبري 6/ 307.

(١١) قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي "ابن كثير" وحفص عن عاصم.

انظر: "الحجة" 3/ 239.

(١٢) تكرر هذا الحرف في (ج).

(١٣) قراءة نافع وابن عامر وأبي بكر عن عاصم.

انظر: "الحجة" 3/ 239.

(١٤) في (ج): (أنزله) بالتذكير.

(١٥) انظر: "الحجة" 3/ 245.

(١٦) "الحجة" 3/ 245، 246.

(١٧) انظر: "النكت والعيون" 2/ 53.

(١٨) أخرجه بنحوه الترمذي (3046) كتاب: التفسير، باب: من تفسير سورة المائدة، "تفسير الطبري" 6/ 308، وعزاه في "الدر المنثور" 2/ 529 أيضًا إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.

(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 192.

(٢٠) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 79، "زاد المسير" 2/ 397.

(٢١) "تفسير الوسيط" 2/ 210، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 449، "النكت والعيون" 2/ 54، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 119.

(٢٢) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٦٨

قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ ﴾ ، ذهب بعض المفسرين إلى أن الذي أُمر رسول الله بتبليغه هذه الآية (١) ﴿ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ أمن النبي  فأخبره الله ما يبلغ فقال: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ ﴾ (٢) قال ابن عباس: يقول لستم على شيء من الدين حتى تعملوا بما في الكتابين من الإيمان بمحمد، وبيان صفته ونعته، تبينونه للناس ولا تكتمونه (٣) ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾ (٤) ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ  ﴾ ، تسلية للنبي  يقول: لا تحزن على أهل الكتاب إن كذبوك (٦) (١) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 338، 339.

(٢) "تفسير مقاتل" 1/ 492.

(٣) أخرجه بمعناه الطبري 6/ 309، وانظر: "تفسير الوسيط" 2/ 210.

(٤) الآية 66 من هذه السورة.

(٥) الآية 64 من هذه السورة.

(٦) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 310، "بحر العلوم" 1/ 449، "تفسير البغوي" 3/ 81.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٦٩

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا ﴾ ، قد مضى تفسير هذه الآية مشروحًا مستقصًى في البقرة (١) وقوله تعالى: ﴿ وَالصَّابِئُونَ ﴾ ، اختلفوا في وجه ارتفاعه، فقال الكسائي: هو نسق على ما في ﴿ هَادُوا ﴾ كأنه قيل: هادوا هم والصابئون (٢) ﴿ هَادُوا ﴾ بمعنى: تابوا، من قوله: ﴿ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ  ﴾ لا من اليهودية، ويكون المعنى: تابوا هم والصابئون، فالتفسير قد جاء بغير ذلك، لأن معنى ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ في هذه الآية إنما هو إيمان بأفواهم، لأنه يعني به المنافقون؛ لأنه وصف الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ثم ذكر اليهود والنصارى فقال: من آمن منهم بالله فله كذا، فجعلهم يهودًا ونصارى، فلو كانوا مؤمنين لم يُحتج أن يقال: (من آمن منهم فلهم أجرهم) (٣) (٤) (٥) أجاز الكسائي: "إنّ عبد الله وزيد قائمان" لضعف إن (٦) قال الفراء: ولا أستحب ذلك لتبيين الإعراب في عبد الله، وأجازا معًا: (أنك نفسُك عالم)، (وأنا أنفسنا عالمان)، (وأنه نفسه متكلم)، (وأنهم أجمعون منطلقون)، (وأنك ومحمد في الدار)، وعند الفراء إذا دخلت (إن) على اسم لم يتبين عملها فيه يجوز أن ينسق عليه بالرفع والنصب جميعًا، وكذلك التوكيد، من ذلك أن تقول: إن قطام وهندٌ عندنا، وإن هؤلاء وإخوتُك يكرموننا، وإن هذا نفسه عالم، وذلك أن هذه الأسماء لا يتغير إعرابهنَّ ولا يظهر فيها عمل (إن)، فإذا دخلت إن على اسم يتبين عملها فيه وولي الاسم التوكيد والنعت والنسق، لم يكن فيها إلا النصب عند الفراء، كقولك: (إن زيدًا نفسه عالم)، (وإن محمدًا وأخاك منطلقان)، (وإن القوم وعبد الله عندنا)، ويجوز الرفع عند الكسائي، ومما جاء في أشعار العرب يشهد لمذهب الفراء قول بشر بن أبي خازم (٧) وإلا فاعلموا أنَّا وأنتم ...

بُغاةٌ ما حيينا في شِقَاقِ (٨) يا ليتني وأنتِ بالميسُ ...

ببلدةٍ ليس بها أنيسُ (٩) رفع (أنتِ) وهو نسق على الياء إذ لم يتبين فيها الإعراب، وقال آخر: يا ليتنا وهما نخلوا بمنزلة ...

حتى يرى بعضنا بعضًا ويأتلف (١٠) وأنشدوا أيضًا لضابىء البرجُمي (١١) فمن يكُ أمسى بالمدينة رحلُهُ ...

فإني وقَيَّارٌ بها لغريبُ (١٢) هذا كله مذهب الكوفيين، وأنكر البصريون جميع ذلك، أما قول الكسائي فقد ذكرنا وجه بطلانه، وأما قول الفراء: نصب (إن) ضعيف، لأنها إنما تغير الاسم ولا تغير الخبر "فقال أبو إسحاق: هذا غلط، لأن (إن) قد عملت عملين: النصب والرفع، وليس في العربية ناصب ليس معه مرفوع؛ لأن كل منصوب مشبه بالمفعول، والمفعول لا يكون بغير فاعل إلا فيما لم يُسَمَّ فاعله، وكيف يكون نصب (إن) ضعيفًا وهي تتخطى الظروف فتنصب ما بعدها نحو قولك: إن أمامك زيدًا، وإن عندك عمروًا، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ  ﴾ ونصب (إنَّ) من أقوى المنصوبات (١٣) (١٤) إن عبد الله ومحمد قائم، تريد: إن عبد الله قائم ومحمد كذلك أيضًا (١٥) عقاب عقبناه كأن وظيفها ...

وخرطومُها الأعلى بنار مُلَوّح (١٦) أراد كأنَّ وظيفها مُلوِّح وخرطومها كذلك أيضاً، وعلى هذا حملوا أيضًا ما أنشده الكوفيون، أما قول بشر فالمعنى فيه: فاعلموا أنا بغاة ما بغينا في شقاق وأنتم أيضًا كذلك، وكذلك سائر الأبيات.

وأما قوله: فإني وقيَّارٌ فإن رواية البصريين: "وقَيَّارًا" بالنصب، وإن رفع كان محمولًا على التقدير الذي ذكرنا، وأما ما أجازه الفراء من قولهم: إنهم أجمعون ذاهبون، فحمله سيبويه على الغلط، وقال: إن قومًا من العرب يغلطون فيقولون إنك وزيدٌ ذاهبان، وإنهم أجمعون منطلقون، فجعله غلطًا (١٧) وحكى أبو بكر بن الأنباري في الآية قولًا رابعًا لأبي عبد الله هشام بن معاوية (١٨) ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ  ﴾ (والمعنى: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم) (١٩) (٢٠) (١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ﴾ الآية (62) البقرة.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 194.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 194 بتصرف.

(٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 192 ، 193 (٥) في (ج): (ضعيف).

(٦) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 192، 193.

(٧) هو: بشر بن أبي خازم عمرو بن عوف الأسدي، شاعر جاهلي شجاع من أهل نجد، توفي سنة 22 قبل الهجرة.

"الأعلام" 2/ 54.

(٨) البيت في الكتاب 2/ 156، "معاني الزجاج" 2/ 193.

(٩) لم أقف عليه.

(١٠) لم أقف عليه.

(١١) هو ضابئ بن الحارث بن أرطأة التميمي البُرجمي شاعر جاهلي أدرك الإسلام ، حبسه عثمان  حتى مات نحو سنة 30 هـ "الأعلام" 3/ 212.

(١٢) البيت في الكتاب 1/ 75، "الإنصاف" لابن الأنباري ص 85.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 193.

(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 193.

(١٥) هذا تمثيل، وليس عند الزجاج.

(١٦) لم أقف على قائله.

(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 193.

(١٨) هو أبو عبد الله هشام بن معاوية الكوفي الضرير، نحوي، صحب الكسائي وأخذ عنه كثيرًا من النحو، وله تصانيف، توفي سنة 209 هـ انظر: "الفهرست" ص 105، "معجم المؤلفين" 4/ 64.

(١٩) ما بين القوسين متكرر في النسختين.

(٢٠) انظر: "البحر المحيط" 3/ 531 - 533.

<div class="verse-tafsir"

لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلًۭا ۖ كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًۭا كَذَّبُوا۟ وَفَرِيقًۭا يَقْتُلُونَ ٧٠

قوله تعالى: ﴿ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴾ ، إن قيل: لم عطف المستقبل على الماضي؟، الجواب: ليدل على أن ذلك من شأنهم، ففيه معنى: كذبوا وقتلوا، ويكذبون ويقتلون، مع أن قوله: (يقتلون) فاصلة يجب أن يكون موافقًا لرؤوس الآي.

ويمكن أن يقال التقدير فيه: فريقًا كذبوا لم يقتلوه، وفريقًا كذبوا يقتلون، فيكون (يقتلون) صفة للفريق، فلم يكن فيه عطف المستقبل على الماضي، وفي الجواب الأول لم يكن (كذبوا) ولا (يقتلون) صفة للفريق؛ لأن التقدير كذبوا فريقًا ويقتلون فريقًا، والفريق غير موصوف، وفي الجواب الثاني الفريق موصوف، وذكرنا تفسير الفريقين في البقرة عند قوله تعالى: ﴿ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ٧١

قوله تعالى: ﴿ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ ، قال عطاء عن ابن عباس: "يريد وظنوا أن الله لا يعذبهم" (١) وقال الكلبي: "أي ألا يُبْتَلَوا بقتلهم الأنبياء وتكذيبهم الرسل" (٢) وقال قتادة: "وحسب القوم أن لا يكون بلاء" (٣) وقال مقاتل: "وحسبوا أن لا يكون بلاءً، وقحط المطر" (٤) (٥) وقال ابن الأنباري: قدروا أن لا تقع بهم فتنة في الإصرار على الكفر، وظنوا أن ذلك لا يكون موبقًا لهم (٦) واختلفوا في إعراب: (ألا تكون) فنصبه بعضهم، ورفعه آخرون، والأصل في هذا الباب أن تعرف أن الأفعال على ثلاثة أضرب: فعل يدل على ثبات الشيء واستقراره، نحو: العلم والتيقن والتبين، فما كان مثل هذا وقع بعده (إنّ) الثقيلة ولم يقع بعده الخفيفة الناصبة للفعل، وذلك أن الثقيلة معناها ثبات الشيء واستقراره، والعلم كذلك أيضًا، فإذا وقع على الثقيلة واستعمل معه كان وفقه وملائمًا له، وذلك قوله تعالى: ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ  ﴾ ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ  ﴾ ، و ﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى  ﴾ والباء زائدة (٧) والضرب الثاني: فعل يدل على خلاف الاستقرار والثبات نحو: أطمع وأخاف وأخشى وأشفق وأرجو، فهذا ونحوه لا يستعمل بعده إلا الخفيفة الناصبة للفعل، قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي  ﴾ ، و ﴿ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ  ﴾ ﴿ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا  ﴾ ﴿ أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا  ﴾ .

والضرب الثالث: فعل يجذب مرة إلى ذاك القبيل، ومرة إلى هذا القبيل، نحو: حسبت وظننت وزعمت، وهذا النحو يجعل مرة بمنزلة: أرجو وأطمع، من حيث كان أمرًا غير مستقر، ومرة يجعل بمنزلة العلم، من حيث استعمل استعماله، وفي هذه الآية أجري مجرى العلم، لأنهم عملوا عليما حسبوا، فكأنه أجري مجرى العلم، (ويمكن) (٨) (٩) ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا  ﴾ ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ  ﴾ ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا  ﴾ .

ومثل قراءة من رفع: ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ  ﴾ {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ} [المؤمنون: 55] ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ  ﴾ .

فهذه مخففة من الثقيلة، لأن الناصبة للفعل لا يقع بعدها (أن)، ومثل المذهبين في الظن قوله تعالى: ﴿ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا  ﴾ ﴿ إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا  ﴾ .

ومن الرفع قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ  ﴾ ﴿ وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا  ﴾ فأنْ ههنا الخفيفة من الشديدة كقوله: ﴿ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ  ﴾ لأن (أن) الناصبة للفعل لا تجتمع مع (لن) ومع السين؛ لاجتماع الحرفين في الدلالة على الاستقبال، كما لا يجتمع الحرفان لمعنى واحد، فمن رفع قوله: (أن لا تكون) كان المعنى: أنَّه لا تكون، ثم خففت المشددة وجعلت (لا) عوضًا من حذف الضمير، ولو قلت: علمت أن يقول، بالرفع، لم يحسن حتى تأتي بما يكون عوضًا من حذف الضمير، نحو قد والسين وسوف، كما قال تعالى: ﴿ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ  ﴾ ووجه النصب ظاهر.

وقوله تعالى: ﴿ فَعَمُوا وَصَمُّوا ﴾ ، أي عن الهدى فلم يعقلوه (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ ، قال الحسن: "فاستنقذهم بمحمد فكذبوه" (١٢) قال (١٣)  يعلمهم أن الله عز وجل قد تاب عليهم إن آمنوا وصدقوا (١٤) وقال أبو بكر: ثم تاب الله عليهم بإرساله محمدًا  داعياً إلى الصراط المستقيم، فكانوا بذلك معرضين للتوبة وإن لم يتوبوا.

وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ ﴾ ، أي بعد تبيّن الحق لهم بمحمد  عمي كثير منهم، خص الله تعالى بعضهم بالفعل الآخر من العمى والصمم، إذ لم يكونوا أجمعوا على خلاف النبي  (١٥) ﴿ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ﴾ بإضمار فعل مقدر يدل عليه: ﴿ عَمُوا وَصَمُّوا ﴾ ، كأنه قيل: عمي وصم كثير منهم.

قاله الفراء (١٦) (١٧) وذكر الزجاج وجهين آخرين: أحدهما: أن يكون ﴿ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ﴾ بدلاً من الواو، كأنه لما قال: ﴿ عَمُوا وَصَمُّوا ﴾ أبدل الكثير منهم، والثاني أن يكون ﴿ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ﴾ خبر ابتداء محذوف، والمعنى: والعمي والصم كثير منهم (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ ، أي: من قتل الأنبياء وتكذيب الرسل، قاله مقاتل (١٩) (١) "تفسير الوسيط" 2/ 211، ونسبه المحقق إلى تفسير ابن عباس ص 98.

(٢) انظر: "النكت والعيون" 2/ 55، "تفسير الوسيط" 2/ 211، "تفسير البغوي" 3/ 82، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 120.

(٣) أخرجه الطبري 6/ 312.

(٤) تفسيره 1/ 494.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 195.

(٦) انظر: "زاد المسير" 2/ 401.

(٧) سبق التنبيه أن مثل هذا التعبير غير لائق في جانب كلام الله عز وجل، لئلا يتوهم أن في القرآن زائدًا.

(٨) هذه الكلمة ساقطة من (ج).

(٩) في (ج): (وكلي).

(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 312، "بحر العلوم" 1/ 451، "النكت والعيون" 2/ 55، "تفسير البغوي" 3/ 82.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 195، انظر: "بحر العلوم" 1/ 451.

(١٢) لم أقف عليه عن الحسن ، انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 341، "بحر العلوم" 1/ 451 ، "زاد المسير" 2/ 401.

(١٣) في (ج): (فقال).

(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 195.

(١٥) انظر: "النكت والعيون" 1/ 478.

(١٦) "معاني القرآن" 1/ 316.

(١٧) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 316، "معاني الزجاج" 2/ 195، 196.

(١٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 195، 196.

(١٩) تفسيره 1/ 494.

<div class="verse-tafsir"

لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ ٧٢

<div class="verse-tafsir"

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَـٰثَةٍۢ ۘ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّآ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا۟ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٣

قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ﴾ ، (قال الفراء: ﴿ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ﴾ ) (١) (٢) (٣) (٤) وزاد أبو إسحاق لهذا بيانًا فقال: لا يجوز في (ثلاثةٍ) إلا الخفض؛ لأن المعنى: أحد ثلاثة، فإن قلت: زيد ثالث اثنين، أو: رابع ثلاثة، جاز الخفض والنصب، أما النصب فعلى قولك: كان القوم ثلاثة فربعتهم وأنا رابعهم غدًا، ومن خفض فعلى حذف التنوين، كما قال الله عز وجل: ﴿ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ  ﴾ (٥) ﴿ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ  ﴾ .

فأما معنى قول النصارى لعنهم الله: (ثالث ثلاثة) ففيه طريقان: الأظهر والأوفق للفظ طريق المفسرين، وهو أنهم قالوا: أرادت النصارى بقولهم: (ثالث ثلاثة) الله ومريم وعيسى، زعموا أن الإلهية بين الثلاثة، وأن كل واحد من هؤلاء إله، يؤكد هذا القول من مذهبهم قوله تعالى للمسيح: ﴿ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ  ﴾ ففي هذا بيان أنهم كانوا يشركون مريم وعيسى في الإلهية (٦) (٧) وعلى هذا المعنى لا بد من أن يكون في الآية إضمار واختصار، لأن المعنى أنهم قالوا: إن الله ثالث ثلاثة آلهة، أو ثالث ثلاثة من الآلهة، فحذف ذكر الآلهة، لأن المعنى مفهوم، ولا يكفر من يقول: إن الله ثالث ثلاثة إذا لم يرد الآلهة، ومطلق ثالث ثلاثة لا يكون كفرًا، فإنه ما من اثنين إلا والله ثالثهما بالعلم، كقوله تعالى: ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ  ﴾ (٨) ﴿ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ هذا طريق في الآية.

والمتكلمون حكوا عن النصارى في قولهم التثليث أنهم يقولون إن الباري سبحانه جوهر واحد، وأنه ثلاثة أقانيم: أب وابن وروح قدس، وهذه الثلاثة إله واحد، قالوا: واسم الإله يتناول هذه الثلاثة الأشياء، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة.

وعنوا بالأب: الذات وبالابن الكلمة وبالروح القدرة، فأثبتوا الذات والكلام والقدرة، وقالوا: إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر واختلاط الماء باللبن، وزعموا أن الأب إله والابن إله والروح إله، وهو إله واحد (٩) وليس هذا موضع بسط الكلام في الرد عليهم، وعلى هذا فالذي أخبر الله تعالى عنهم في قوله: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ﴾ هو معنى مذهبهم؛ لأنهم وإن لم يصرحوا بأنه واحد من ثلاثة آلهة فذلك لازم لهم، وإنما يمتنعون من العبارة، لأنهم إذا قالوا: إن كل واحد (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ (مِنْ) دخلت مؤكدة، المعنى: وما إله إلا إله واحد (١٢) وقوله تعالى: ﴿ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ، أي الذين أقاموا على هذا الدين، وعلى هذا القول.

قاله الزجاج (١٣) (١) ما بين القوسين ساقط من (ج).

(٢) ما بين القوسين ساقط من (ج)، وهكذا هو في (ش)، ولعل الصواب: "ثاني".

(٣) هكذا في النسختين، ولم يتضح الأسلوب لهذه اللفظة.

(٤) "معاني القرآن" 1/ 317.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 196.

(٦) انظر: "بحر العلوم" 1/ 451، "تفسير البغوي" 3/ 82، "زاد المسير" 2/ 403.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 196.

(٨) انظر: "تفسير الوسيط" 2/ 208، "تفسير البغوي" 3/ 82.

(٩) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 313 - 314، "ابن كثير" 2/ 92.

(١٠) في (ج): (واحدة) بالتأنيث.

(١١) لم أقف عليه.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 196.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 196، انظر: "زاد المسير" 2/ 403.

<div class="verse-tafsir"

أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٧٤

قوله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ ﴾ ، قال الفراء: هذا أمر في لفظ الاستفهام، وقد يرد الأمر بلفظ الاستفهام كقوله تعالى: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ  ﴾ (١) (١) ليس في معاني القرآن، انظر: "تفسير البغوي" 3/ 82، "زاد المسير" 2/ 403.

<div class="verse-tafsir"

مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌۭ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ٧٥

قوله تعالى: ﴿ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ ، أي أنه رسول ليس بإله، كما أنهم رسل ليسوا آلهة، وإنما أتى بالمعجزات من قبل ربه كما أتوا بها من قبل ربهم، فمن ادعى له الإلهية فهو كمن ادعى لهم الإلهية؛ لتساويهم في المنزلة.

وهذا معنى قول أبي إسحاق (١) وقوله تعالى: ﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ﴾ ، ذكرنا معنى الصديق فيما سبق (٢) ﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ  ﴾ (٣) وقال الفراء: ووقع عليها التصديق (٤) ﴿ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا  ﴾ فلما كلمها جبريل وصدقته وقع عليها اسم الرسالة، فكانت كالنبي (٥) وقوله تعالى: ﴿ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ﴾ ، قال أهل المعاني: هذه الآية احتجاج على النصارى بأن من ولَده النساء وهو يأكل الطعام لا يكون إلهًا للعباد؛ لأن سبيله سبيلهم في الحاجة إلى الصانع المدبر، والمعنى أنهما كانا يعيشان بالغذاء كما يعيش سائر الآدميين، فكيف يكون إله لا يقيمه إلا أكل الطعام؟

(٦) ﴿ يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ﴾ يريد هما لحم ودم، يأكلان ويشربان، ويبولان ويتغوطان (٧) قال عبد الله بن مسلم (٨) (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ﴾ ، قال ابن عباس: نفسر لهم أمر ربوبيتي (١١) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ  ﴾ ، يقال: أفكه يأفكه أفكًا، إذا صرفه.

والإفك: الكذب؛ لأنه صرف عن الحق، وكل مصروف عن شيء مأفوك عنه (١٢) (١٣) وقد أفكت الأرض إذا صرف عنها المطر، وأرض مأفوكة لم يصبها مطر (١٤) ﴿ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ أي يصرفون عن الحق الذي يؤدي إليه تدبر الآيات (١٥) وقال أبو عبيدة: أي يحرمون الحق، من قولهم: أرض مأفوكة، إذا حرمت (١٦) (١٧) (١) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 196.

(٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا  ﴾ .

(٣) انظر: "النكت والعيون" 2/ 56، "تفسير البغوي" 2/ 83.

(٤) في (ج): (الصديق).

(٥) معاني القرآن 1/ 318.

(٦) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 315، "تفسير البغوي" 3/ 83.

(٧) انظر: "تفسير الوسيط" 2/ 213.

(٨) ابن قتيبة.

(٩) "غريب القرآن" ص 144، انظر: "زاد المسير" 2/ 404.

(١٠) لم يتبين من عمرو بن يحيى هذا، ويحتمل أن عمرو تصحفت عن: (أحمد)، فيكون المقصود: أحمد بن يحيى المعروف بثعلبَ، والمؤلف كثير ما ينقل عنه.

والله أعلم.

(١١) انظر: "تفسير الوسيط" 2/ 213.

(١٢) انظر:"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 144، "تفسير الطبري" 6/ 315، "معاني == الزجاج" 2/ 197، "بحر العلوم" 1/ 452، و"الصحاح" 4/ 1573 (أفك)، "النكت والعيون" 2/ 57.

(١٣) البيت لعروة بن أذينة كما في الصحاح 4/ 1573 (أفك)، و"معجم شواهد العربية" ص 257، ونسبه في "اللسان" 1/ 97 (أفك) لعمرو بن أذينة، ولعل الأول أقرب.

(١٤) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 315، "تهذيب اللغة" 1/ 174 (أفك)، "النكت والعيون" 1/ 479.

(١٥) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 57.

(١٦) في (ج): (حرم) بالتذكير.

(١٧) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 174، 175، "تهذيب اللغة" 1/ 174 (أفك).

<div class="verse-tafsir"

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا ۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٧٦

قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ﴾ ، في هذه الآية إلزام النصارى على اتخاذ المسيح إلهًا عبادة ما لا ينفع ولا يضر، لأنه لا يملك ذلك إلا الله تعالى (١) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد سميع لكفركم، عليم بضميركم (٢) (١) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 315 - 316.

(٢) في "تفسير الوسيط" 2/ 214 دون نسبة لابن عباس، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 120.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓا۟ أَهْوَآءَ قَوْمٍۢ قَدْ ضَلُّوا۟ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا۟ كَثِيرًۭا وَضَلُّوا۟ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٧٧

قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ﴾ ، ذُكر معنى الغلو في النساء (١) (٢) وما زال (٣) (٤) قال الحسن: ودين الله بين الغلو والتقصير (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) ﴿ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ﴾ أي في عيسى.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ ﴾ الأهواء جمع هوى، وهوى فَعَلٌ، وجمعه أفعال (١٠) (١١) (١٢) ﴿ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ  ﴾ ﴿ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى  ﴾ ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى  ﴾ ، ومثله كثير (١٣) قال أبو عبيد: لم نجد الهوى يوضع إلا في موضع الشر، لا يقال: فلان يهوى الخير، إنما يقال في الخير: يريد ويحب، وقال بعضهم: الهوى إله يعبد من دون الله، قال الله تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ  ﴾ ، وقيل: سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار، وأنشدوا في ذم الهوى: إن الهوان هو الهوى حرم اسمه ...

فإذا هويت فقد لقيت هوانا ومثل ذلك أيضًا: نون الهوان من الهوى مسروقة ...

وأسير كل هوى أسير هوان وقال رجل لابن عباس: الحمد لله الذي هواي على هواك.

فقال ابن عباس: كل هوى ضلالة (١٤) والآية خطاب للذين كانوا في عصر النبي  ، نهوا أن يتبعوا أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم، وأن يقلدوهم فيما هووا (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ  ﴾ ، إن قيل: أي فائدة لهذا بعد قوله ﴿ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ ﴾ ؟، قيل: معناه: ضلوا عن سواء السبيل بإضلالهم الكثير، فالمعنى: أنهم ضلوا بإضلال غيرهم، فيكون معنى هذا الثاني (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾ تفسيرًا لقوله: ﴿ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ ﴾ لأنه بين في الثاني أن ضلالهم عمَّاذا كان.

(١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ﴾ (171) النساء.

(٢) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 316.

(٣) في (ج): (وما زاد)، وفي ديوان ذي الرمة: فما زال.

(٤) "ديوانه" ص 164.

(٥) لم أقف عليه.

(٦) لم أقف عليه.

(٧) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 316.

(٨) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 496، "تفسير الطبري" 6/ 316، "زاد المسير" 2/ 405.

(٩) في (ج): (أحدها) بالإفراد.

(١٠) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 197.

(١١) انظر: "تفسير الوسيط" 2/ 214، 3/ 83.

(١٢) في (ج): (ذمة) بالتاء.

(١٣) لم أقف عليه عن الشعبي، معناه في "معاني القرآن" للنحاس 2/ 346.

(١٤) لم أقف عليه.

(١٥) انظر: "تفسير الوسيط" 2/ 214، "تفسير البغوي" 3/ 83، "زاد التفسير" 2/ 405.

(١٦) أخرجه عن مجاهد الطبري 6/ 316، انظر: "زاد المسير" 2/ 405.

(١٧) سقطت هذه الكلمة من (ج).

(١٨) في (ج): (هوا).

(١٩) بعد هذه الكلمة وجد سقط في نسخة (ج) بمقدار لوحتين تقريبًا.

(٢٠) بداية السقط.

(٢١) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 198.

<div class="verse-tafsir"

لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ ٧٨

قوله تعالى: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﴾ ، قال أكثر المفسرين: يعني: أصحاب السبت وأصحاب المائدة، أما أصحاب السبت: فإنهم لما اعتدوا قال داود: اللهم العنهم، واجعلهم آية ومثلًا لخلقك، فمسخوا قردة، وأما أصحاب المائدة: فإنهم لما أكلوا من المائدة ولم يؤمنوا، قال عيسى: اللهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت، وأصبحوا خنازير.

وهذا قول الحسن ومجاهد وقتادة (١) وقال ابن عباس: يريد في الزبور من يكفر من بني إسرائيل، وكذلك في الإنجيل (٢) وقيل: ﴿ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ﴾ ؛ لأن الزبور لسان داود، والإنجيل لسان عيسى، وقال الزجاج: وجائز أن يكون عيسى وداود أعلما أن محمدًا نبي مبعوث، وأنهما لعنا من يكفر به (٣) (١) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 317 - 318، "بحر العلوم" 1/ 452، 453، "تفسير الوسيط" 2/ 214، "تفسير البغوي" 3/ 84، "زاد المسير" 2/ 405، 406.

(٢) أخرجه الطبري 6/ 317.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 198، انظر: "بحر العلوم" 2/ 453.

<div class="verse-tafsir"

كَانُوا۟ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍۢ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ٧٩

قوله تعالى: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ الآية، للتناهي ههنا معنيان: أحدهما: وهو الذي عليه الجمهور، أنه مفاعل من النهي، أي كانوا لا ينهى بعضهم بعضًا (١) (٢)  : "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم" (٣) وروى ابن مسعود أن النبي  قال: "من رضي عمل قوم فهو منهم، ومن كثر سواد قوم فهو منهم" (٤) والمعنى الثاني للتناهي أنه بمعنى الانتهاء، يقال: انتهى عن الأمر وتناهى عنه، إذا كف عنه.

وهو قول ابن عباس في هذه الآية: "ليس ينتهون، ولكن كانوا قومًا يعتدون" (٥) وقوله تعالى: ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ ، أي لبئس شيئًا فعلهم (٦) (٧) (١) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 319، "تفسير البغوي" 3/ 84، "زاد المسير" 2/ 406.

(٢) لم أقف عليه.

(٣) أخرجه من حديث ابن مسعود  أبو داود برقم 4336، 4337 ومن حديث حذيفة بنحوه أخرجه الإمام أحمد 5/ 388، والترمذي وحسنه برقم 2169.

(٤) لم أقف عليه.

(٥) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 121.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 198.

(٧) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 199 ، "زاد المسير" 2/ 407.

<div class="verse-tafsir"

تَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَـٰلِدُونَ ٨٠

قوله تعالى: ﴿ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ، أي: من اليهود يتولون كفار مكة، يعني كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا المشركين على رسول الله  ، وذكرنا ذلك في قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا  ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ ، أي بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في الآخرة (٢) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ ، محل (أن) رفعٌ، كما تقول: بئس رجلاً زيدٌ، ورفعه كرفع زيد، وفي رفع زيد وجهان: أحدهما: الابتداء، وتكون بئس وما عملت فيه خبره، والثاني: أن يكون خبر ابتداء محذوف، كأنه لما قال: بئس رجلاً، قيل: من هو؟

فقال: زيد، أي هو زيد (٣) ﴿ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ ﴾ عائدة إلى المنافقين (٤) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 6/ 320، "بحر العلوم" 1/ 453، "تفسير البغوي" 3/ 84، 85.

(٢) انظر: "بحر العلوم" 1/ 453، "تفسير البغوي" 3/ 85، "زاد المسير" 2/ 407.

(٣) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 199، "زاد المسير" 2/ 407.

(٤) انظر: "تفسير الطبري" 10/ 498، "بحر العلوم" 1/ 453، "تفسير الوسيط" 2/ 216، "تفسير البغوي" 3/ 85، "زاد المسير" / 407.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ كَانُوا۟ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِىِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ ٨١

قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ ﴾ ، إن قلنا: نزلت هذه الآية في المنافقين فالأمر ظاهر، ويجب أن يكون في المنافقين من اليهود؛ لاتصالها بما قبلها، وقبلها في ذكر اليهود لا المشركين، ويكون في هذا جمعًا بين القولين في نزول الآية الأولى، وإن قلنا: إنها نزلت في الذين جاهروا من اليهود بالعداوة لرسول الله  والتولي للمشركين، فمعنى قوله: ﴿ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ ﴾ فالمراد بالنبي: موسى  ﴿ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ ﴾ كتابه، أي: لو آمنوا بموسى وما أنزل إليه ما اتخذوا الكافرين أولياء.

<div class="verse-tafsir"

۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًۭا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ٨٢

قوله تعالى: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً ﴾ الآية، اللام في (لتجدن) لام القسم، والنون دخلت تفصل بين الحال والاستقبال، عند الخليل وسيبويه (١)  ، وكان ينبغي أن يكونوا أقرب إلى المؤمنين، لأنهم يؤمنون بموسى والتوراة، والكفار كانوا يكذبون بهما، لكنهم حسدوا المؤمنين ومحمدًا  (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ﴾ ، قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي: يعني: النجاشي ووفده الذين قدموا من الحبشة على رسول الله  فآمنوا به، ولم يُرِد جميع النصارى مع ظهور عداوتهم للدين والمسلمين، وهذا قول مجاهد والكلبي ومقاتل (٣)  ، فلما جاء محمد  آمنوا به (٤) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا ﴾ ، قال الزجاج: القس والقسيس رؤساء النصارى (٥) وقال الفراء في كتاب "الجمع": يجمع القسيس قسيسين كما قال الله، ولو جمع قسوسًا كان صوابًا؛ لأنهما في معنى واحد، يعني القس والقسيس، قال: ويجمع القسيس قساوسة، جمع على مثال مَهَالبَة، وكان قساسية، فكثرت السينات فأبدلوا إحداهن واوًا (٦) لو عَرضتْ لأِيبُليٍّ قَسِّ ...

أشعثَ في هيكلِه مُنْدسَّ حَنَّ إليها كحنينِ الطَّسِّ (٧) وقال أمية: لو كان مُنفَلتٌ كانت قساوسةٌ ...

يُحييهم اللهُ في أيديهم الزُّبُرُ (٨) وقساوسة جمع قسيس، على ما ذكرنا، هذا كلام أهل اللغة في القسيس، وقال ابن زيد: "القسيسين: العُبَّاد" (٩) وقال عروة بن الزبير: ضيعت النصارى الإنجيل، وأدخلوا فيه ما ليس منه، وبقي واحد من علمائهم على الحق والاستقامة وهو قسّيسا، فمن كان على هديه ودينه فهو قسيس" (١٠) وقال قطرب: القس والقسيس: العالم بلغة الروم (١١) وقال ورقة (١٢) بما خبَّرتنا مِن قولِ قَسٍّ ...

من الرهبانِ أكرهُ أنْ يعوجا وعلى هذا فالقس والقسيس مما وقع الوفاق فيه بين اللغتين، وأما الرهبان فهو جمع راهب، مثل راكب وركبان، وفارس وفرسان، قال الليث: الرهبانية مصدر الراهب، والترهيب التعبد في صومعة (١٣) (١٤) لو عاينت رُهبان ديْرٍ في القُلَلْ ...

لأقبلَ الرُّهبانُ يعْدُو ونَزَلْ (١٥) قال: ووجه الكلام: أن يكون جمعًا بالنون، قال: وإن جمع الرهبان الواحد رهابين ورهابنة جاز، وإن قلت: رهبانيون، كان صوابًا، ينسبه إلى الرهبانية (١٦) (١٧) وقال جرير: رهبانُ مديَن لو رأوك تنزَّلوا ...

والعُصمُ من شَعَفِ العَقُول الفادِرِ (١٨)  عنهما فقال: "إني لا آمركم أن تكونوا قسيسين ولا رهبانًا" (١٩) (٢٠)  ما أخذ عليهم في التوراة والإنجيل، وكانت الرهبانية مستحسنة في دينهم، ولذلك كانوا يسمون الرئيس في دينهم قسًا وقسيسًا، فذكر الله تبارك وتعالى أسماءهم وألقابهم على سبيل ما يُعرف لهم، ومدح منهم تصديق النبي  (٢١) ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا ﴾ ، ذلك بأن منهم عليما أوصاه عيسى  ، الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ فلما دخلوا في الإِسلام [...] (٢٢)  ورفض ما كانوا يستعلمونه في شريعتهم.

وقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ أي عن اتباع الحق والإذعان به كما يستكبر اليهود وعبدة الأوثان) (٢٣) (٢٤) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 199، "زاد المسير" 2/ 408.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 199، "الوسيط" 2/ 216.

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 497، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 318، والطبري 7/ 2، و"بحر العلوم" 1/ 453، و"النكت والعيون" 2/ 58، والبغوي 3/ 85، و"زاد المسير" 2/ 408.

(٤) أخرجه الطبري 7/ 3، "النكت والعيون" 2/ 58، "زاد المسير" 2/ 408.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 200، و"بحر العلوم" 1/ 454، و"الصحاح" 3/ 963 (قس).

(٦) كلام الفراء من "تهذيب اللغة" 3/ 2959 (قس)، و"تفسير الطبري" 7/ 3.

(٧) الرجز منسوب للعجاج، وقد سبق ذكره عند تفسير المؤلف للآية الأول من سورة النساء.

(٨) البيت في "تهذيب اللغة" 3/ 2959 (قس).

(٩) أخرجه الطبري 7/ 3.

(١٠) لم أقف عليه.

(١١) انظر: "الوسيط" 2/ 217، والبغوي 3/ 87، و"زاد المسير" 2/ 408.

(١٢) الظاهر أنه ورقة بن نوفل المشهور، من أهل الكتاب.

وتقدمت ترجمته.

(١٣) "تهذيب اللغة" 2/ 148 (رهب)، "اللسان" 3/ 1749 (رهب).

(١٤) "تهذيب اللغة" 2/ 1483 (رهب)، "اللسان" 3/ 1748 (رهب).

(١٥) البيت دون نسبة في: "تهذيب اللغة" 2/ 1483 (رهب)، "اللسان" 3/ 1748 (رهب).

(١٦) "تهذيب اللغة" 2/ 1483 (رهب)، "اللسان" 3/ 1748 (رهب).

(١٧) "تهذيب اللغة" 2/ 1483 (رهب)، "تفسير الطبري" 7/ 3.

(١٨) البيت في الطبري 7/ 3، و"اللسان" 3/ 1748 (رهب)، وقال موضحًا البيت: "وعِلٌ عاقل: صعد الجبل، والفادر: المسن من الوعول.

(١٩) أخرجه الطبري 7/ 9 بسنده عن أبي عبد الرحمن (وقد يكون ابن مسعود).

وقد أخرج الإِمام أحمد في مسنده 6/ 226 من حديث عائشة في قصة عثمان بن مظعون قوله  : "يا عثمان إن الرهبانية لم تكتب علينا"، والدارمي في كتاب النكاح/ باب 3 النهي عن التبتل 3/ 1386 - 1387 برقم (2215) من حديث سعد بن أبي وقاص بلفظ: (يا عثمان إني لم أومر بالرهبانية).

(٢٠) ابن الأنباري.

(٢١) انظر: "الوسيط" 2/ 217، "زاد المسير" 2/ 408، 409.

(٢٢) بياض في (ش) بمقدار كلمة.

(٢٣) "تفسير الطبري" 7/ 4، و"زاد المسير" 2/ 409.

(٢٤) إلى هنا نهاية السقط الذي سبقت الإشارة إلى بدايته من نسخة (ج).

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا سَمِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا۟ مِنَ ٱلْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ ٨٣

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد النجاشي وأصحابه، قرأ عليهم جعفر الطيار في الحبشة ﴿ كهيعص ﴾ ، فأخذ النجاشي شيئًا من الأرض فقال: والله ما زاد على ما قال الله في الإنجيل هذا.

فما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة، ﴿ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ﴾ يريد الذي نزل على محمد  وهو الحق ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا ﴾ صدقنا ﴿ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ يريد مع أمة محمد  الذين يشهدون بالحق من قوله عز وجل: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ  ﴾ ، هذا كله كلام ابن عباس وتفسيره (١) وقال أبو إسحاق: أي: مع من شهد من أنبيائك ومؤمني عبادك بأنك لا إله غيرك (٢) (١) "تفسير الطبري" 7/ 5 - 6، "الوسيط" 2/ 217، 218، البغوي 3/ 87، "زاد المسير" 2/ 409، وابن كثير 2/ 98.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 200.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّـٰلِحِينَ ٨٤

قوله تعالى: ﴿ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ ، قال المفسرون: إن هؤلاء الوفد لما رجعوا إلى قومهم لاموهم على ترك دينهم، فأجابوهم بهذا (١) قال أبو إسحاق: موضع (لا نؤمن) نصب على الحال، المعنى أي شيء لنا تاركين للإيمان؟

(٢)  (٣) ﴿ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ  ﴾ (٤) (١) "بحر العلوم" 1/ 454، "الوسيط" 2/ 219، البغوي 3/ 88.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 200.

(٣) هذا تفسير ابن زيد أخرجه الطبري 7/ 7، "زاد المسير" 2/ 410.

(٤) "تفسير البغوي" 3/ 88، "الوسيط" 2/ 219،"زاد المسير" 2/ 410.

<div class="verse-tafsir"

فَأَثَـٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُوا۟ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ ٨٥

قوله تعالى: ﴿ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا ﴾ ، قال الكلبي: أي بالتوحيد (١) (٢) وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: (بما قالوا): "يريد بما سألوا" يعني قولهم: ﴿ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ ، وقولهم: ﴿ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا ﴾ الآية وهذا يدل على مسألتهم الجنة (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ، قال ابن عباس: الموحدين (٤) (٥) (١) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 122.

(٢) "تفسير الطبري" 7/ 5 - 6، والبغوي 3/ 88.

(٣) انظر: "الوسيط" 2/ 219.

(٤) "تفسير البغوي" 3/ 88، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 122.

(٥) نسبه لابن عباس في زاد المسير 2/ 410 "الوسيط" 2/ 219.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ ٨٦

قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا ﴾ ، قال أهل المعاني: لما ذكر الله الوعد لمؤمني أهل الكتاب، ذكر الوعيد لمن كفر منهم وكذب (١) (١) هذا وجه المناسبة لهذه الآية وما قبلها، وذكره في الوسيط 2/ 219.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ٨٧

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، الطيبات اللذيذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب (١)  أن يرفضوا (٢) (٣)  بذلك فقال: "إن لأنفسكم عليكم حقًّا، فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا؛ (فإني) (٤) (٥) واعلم أن شريعة نبيه  غير ذلك، وأن الطيبات لا ينبغي أن تجتنب، وسمى الخصاء اعتداء فقال: ﴿ وَلَا تَعْتَدُوا ﴾ أي لا تجبوا أنفسكم، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وإبراهيم (٦) (١) الطبري 7/ 8، "الوسيط" 2/ 219، البغوي 3/ 90.

(٢) هكذا في النسختين، ولعل الكلام ناقص، فقد يكون الصواب: أرادوا أن يرفضوا.

(٣) من الخصاء وهو وجاء الخصيتين وجبهما.

(٤) ساقط من (ج).

(٥) بهذا السياق وهذه التفاصيل الواردة في القصة وأنها سبب لنزول هذه يروى هذا الأثر مرسلًا فقد أخرجه الطبري من طرق عن التابعين كقتادة وغيره.

"تفسير الطبري" 7/ 8 - 12، وذكره المؤلف في أسباب النزول ص 207 - 208، والسيوطي في كتاب: النقول ص 96، 97، قال محقق أسباب النزول: "ما أخرجه ابن جرير عن عكرمة وقتادة وأبي قلابة بمعناه، وهي مراسيل صحيحة الإسناد، إلا أن تفصيل القصة والأشخاص وما رد عليهم الرسول  عليهم لم يذكر في أثر مسند صحيح وكذا أصلها، والله أعلم.

قلت: لكن لهذه القصة أجل في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس  في أمر الثلاثة الذين سألوا عن عبادته  فكأنهم تقالوها فعزموا على القيام والصيام واعتزال النساء فقال  : "أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".

أخرجه البخاري واللفظ له رقم (5063)، ومسلم برقم 1401.

(٦) "تفسير الطبري" 7/ 10 - 11، "الوسيط" 2/ 219، البغوي 3/ 90، "زاد المسير" 2/ 412، "الدر المنثور" 2/ 544 - 548.

<div class="verse-tafsir"

وَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلًۭا طَيِّبًۭا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤْمِنُونَ ٨٨

قوله تعالى: ﴿ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ﴾ ، قال ابن عباس: يريد من طيبات الرزق، اللحم وغيره (١) (٢) (١) انظر: "الوسيط" 2/ 220، وعزاه المحقق للترمذي في كتاب التفسير من سورة المائدة ولم أجده.

(٢) "تفسير البغوي" 3/ 90.

<div class="verse-tafsir"

لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَـٰنَ ۖ فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍۢ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَٱحْفَظُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٨٩

قوله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس والمفسرون: إن القوم لما حرموا الطيبات من المآكل والمناكح والملابس حلفوا على ذلك، فلما نزل: ﴿ لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ قالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا؟

فأنزل الله هذه الآية (١) وقد مضى الكلام في معنى لغو اليمين وحكمه مستقصى في سورة البقرة (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ﴾ ، اختلف القراء في (عقدتم) فقرؤوا مخففًا، ومشددًا، وبالألف من عاقد (٣) (٤) وإن عاهدوا أوفوا وإن عاقدوا شدوا (٥) وقال في عقد: قومٌ إذا عَقَدوا عقدًا لجارِهُم (٦) فقال في بيت: عاقدوا، وفي بيت: عقدوا، فمن قرأ بالتشديد احتمل أمرين: أحدهما أن يكون لتكثير الفعل، لأنه خاطب بهذا الجماعة، فصار كقوله تعالى: ﴿ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ  ﴾ ، والآخر أن يكون عَقَّد مثل عقد في أنه لا يراد به التكثير (٧) (٨) قال أبو عبيد: على هذا وجدنا الآثار كلها، يقال: الأيمان ما عُقِدتَ عليه القلوب، وأما من قرأ بالألف فإنه من المفاعلة التي تختص بالواحد مثل: عافاه الله، وطارقت النعل، وعاقبت اللص، فتكون هذه القراءة كقراءة من خفف (٩) (١٠) وأما التفسير قال عطاء: "هو أن يضمر الأمر، ثم يحلف بالله لا إله إلا هو، فيعقد عليه اليمين (١١) وقال مجاهد: ما عقد عليه قلبك وتعمدته، يعني كفارة عقدكم (...) (١٢) (١٣) قال الكلبي: هو أن يحلف على اليمين، وهو يعلم أنه فيها كاذب (١٤) وقال الزجاج: أعلم الله عز وجل أن اليمين يؤاخذ بها العبد، ويجب في بعضها الكفارة، وهو ما جرى على عقد (١٥) وقوله تعالى: ﴿ فَكَفَّارَتُهُ ﴾ ، أي: كفارة ما عقدتم يكون حنثًا، فلا يحتاج إلى الإضمار، وقد يكون موقوفًا على الحنث والبر فيحتاج إلى إضمار إذا حنثتم، ويستغنى عنه أنه مدلول عليه.

وقوله تعالى: ﴿ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ﴾ ، نصيب كل مسكين مُدّ، وهو ثلثا منٍّ (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: كان الرجل يقوت أهله قوتًا فيه سعة، وقوتًا وسطًا، وقوتًا دون ذلك، فأمر بالوسط (٢١) ومثل هذا قال سعيد بن جبير: كان أهل المدينة يفرضون للصغير على قدره، وللكبير على قدره، وللوسط على قدره، فأمروا بأوسط ما يطعمون (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ كِسْوَتُهُمْ ﴾ ، الكسوة في اللغة معناها: اللباس، وهي كل ما يكتسي به (٢٥) (٢٦)  (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ ، قيل: (رقبة) والمراد الجملة؛ لأنه مشبه بالأسير الذي يفك عن رقبته ويطلق (٢٨) (٢٩) قال ابن عباس في رواية عطاء: (أو تحرير رقبة) يريد مؤمنة (٣٠) وهو قول الحسن أيضًا ومذهب الشافعي (٣١) (٣٢) قال أبو إسحاق: خُيِّر الحالف بين هذه الثلاثة، وأفضلها عند الله أكثرها نفْعًا وأحسنها موقعًا من المساكين أو من المعتق، فإن كان الناس في جدب لا يقدرون على المأكول إلا بما هو أشد تكلفًا من الكسوة والإعتاق فالإطعام أفضل؛ لأن به قوام الحياة، وإلا فالإعتاق والكسوة أفضل (٣٣) وهذا إجماع من العلماء أن المكفر مخير بين هذه الثلاث (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ﴾ ، قال الحسن: من كان عنده عشرة دراهم فعليه أن يطعم في الكفارة (٣٥) وقال عطاء الخراساني: عشرون درهما (٣٦) وقال قتادة: من ليس عنده ما يفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته فهو غير واجد، وجاز له الصيام (٣٧) (٣٨) (٣٩) وقال الزجاج: من كان لا يقدر على شيء مما حد في الكفارة (٤٠) قال الشافعي: إذا كان عنده قوته وقوت عياله، يومه وليلته، ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين، لزمته الكفارة بالإطعام، وإن لم يكن عنده هذا القدر فله الصيام (٤١) وعند أبي حنيفة: يجوز له الصيام إذا كان عنده من المال ما لا تجب فيه الزكاة (٤٢) (٤٣) وقوله تعالى: ﴿ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ﴾ ، أي: فعليه، أو فكفارته ثلاثة أيام، قال ابن عباس والحسن: متتابعات (٤٤) (٤٥) (٤٦) وقال عطاء وإبراهيم: ما لم يذكر في كتاب الله متتابعًا فصمه كيف شئت (٤٧) (٤٨) (٤٩) أحدهما: أن التتابع يجب قياسًا على الصيام في كفارة الظهار، ولأن في قراءة عبد الله وأُبي: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (٥٠) والثاني: أنه مخير، إن شاء فرق، وإن شاء تابع (٥١) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ ﴾ ، يعني: أيمانكم الكاذبة، التي حنثتم بها، فحذف النعت لأنه مدلول عليه، وإن شئت قلت: ذلك كفارة حنث أيمانكم، ثم حذف المضاف، وقال أبو إسحاق: أي ذلك الذي يغطي على آثامكم (٥٢) وقوله تعالى: ﴿ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد لا تحلفوا (٥٣) (٥٤) (٥٥) (١) أخرجه الطبري عن ابن عباس 7/ 13، "الوسيط" 2/ 220، البغوي 3/ 90، "زاد المسير" 2/ 412.

(٢) الظاهر أنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ (225) سورة البقرة.

(٣) قال أبو علي: " ...

فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (بما عقَّدتُمْ) بغير ألف مشددة القاف، وكذا روى حفص عن عاصم.

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (بما عَقَدتُمْ) بغير ألف خفيفة، وكذلك قرأ حمزة والكسائي".

وقرأ ابن عامر: (عاقدتم) بألف.

"الحجة للقراء السبعة" 3/ 251.

(٤) "تهذيب اللغة" 3/ 2512 (عقد).

(٥) "ديوانه" ص 140 وصدره: أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البُنى وهو في تهذيب اللغة 3/ 2512 (عقد).

(٦) صدر بيت للحطيئة في ديوانه ص 128، وعجزه: شدوا العِنَاج وشدوا فوقه الكربا وهو في "تهذيب اللغة" 3/ 2512 (عقد)، و"الحجة" 3/ 252.

(٧) "الحجة للقراءة السبعة" 3/ 251.

(٨) "الحجة للقراء السبعة" 3/ 252.

(٩) "الحجة" 3/ 252.

(١٠) "الحجة للقراء السبعة" 3/ 253، 254.

(١١) لم أقف عليه.

(١٢) بياض في (ج) فقط بمقدار كلمة.

(١٣) أخرجه بمعناه الطبري 7/ 14، "الوسيط" 2/ 221، "زاد المسير" 2/ 413.

(١٤) لم أقف عليه، وفي هذا نظر لأن اليمين الكاذبة، وهي الغموس، لا تكفر.

انظر: بحر العلوم 1/ 456 وما نقله عن وهب بن منبه، "الدر المنثور" 2/ 551 وما رواه عن أبي مالك.

(١٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 201، 202.

(١٦) الصالح أربعة أمداد، مقدارها بالوزن الحاضر كيلوان ونصف تقريبًا، فيكون المد أقل من الكيلو.

(١٧) انظر: الطبري 7/ 18 - 21، والبغوي 3/ 91، وابن كثير 2/ 101.

(١٨) "الأم" للشافعي 7/ 64، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 61، والوسيط 2/ 221، وابن كثير 2/ 102.

(١٩) "بحر العلوم" 1/ 456، "النكت والعيون" 2/ 61، والبغوي 3/ 91، وابن كثير 2/ 102.

(٢٠) لم أجده بهذا اللفظ أو قريب منه، والذي أخرج الطبري 7/ 19 عن مجاهد بلفظ: مدان من طعام لكل مسكين.

والمدان: نصف صاع، فهو بمعناه.

(٢١) أخرجه الطبري بمعناه 7/ 22، وانظر: زاد المسير 2/ 414.

(٢٢) أخرجه بنحوه الطبري 7/ 22، انظر: "النكت والعيون" 2/ 61، "زاد المسير" 2/ 413.

(٢٣) "تفسير البغوي" 3/ 91، "زاد المسير" 2/ 414.

(٢٤) لم أقف عليه، وانظر: القرطبي 6/ 276.

(٢٥) "تهذيب اللغة" 4/ 3139 (كسو).

(٢٦) انظر: الطبري 7/ 23 - 24، "بحر العلوم" 1/ 456، "النكت والعيون" 2/ 61، "زاد المسير" 2/ 414.

(٢٧) "النكت والعيون" 2/ 61، والبغوي 3/ 91، "زاد المسير" 2/ 414.

(٢٨) "تفسير الطبري" 7/ 26.

(٢٩) "تفسير الطبري" 7/ 28 - 29، البغوي 3/ 92، "زاد المسير" 2/ 415.

(٣٠) أخرج الطبري 7/ 27 عن عطاء قال: يجزئ المولود في الإِسلام من رقبة.

(٣١) "الأم" 7/ 65.

(٣٢) "تفسير البغوي" 3/ 92، "زاد المسير" 2/ 415.

(٣٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 202.

(٣٤) حكى الإجماع هنا الطبري 10/ 555.

(٣٥) المروي عن الحسن درهمان، كما أخرجه الطبري 7/ 29، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 62، "زاد المسير" 2/ 415.

(٣٦) لم أقف عليه.

(٣٧) انظر: "الوسيط" 2/ 221، "زاد المسير" 2/ 415.

(٣٨) "الأم" 7/ 66، الطبري 7/ 29، "النكت والعيون" 2/ 62، "الوسيط" 2/ 221، "زاد المسير" 2/ 415.

(٣٩) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 122.

(٤٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 202.

(٤١) "الأم" 7/ 66، "الوسيط" 2/ 221، 222، "زاد المسير" 2/ 415.

(٤٢) "النكت والعيون" 7/ 63، "زاد المسير" 2/ 415.

(٤٣) وهذا القول مخالف لظاهر الآية، وما عليه جمهور العلماء.

(٤٤) أخرجه عن ابن عباس الطبري 7/ 30 - 31، "الوسيط" 2/ 222.

أما الحسن فقد نسب إليه ابن الجوزي في زاد المسير 2/ 415 القول بجواز التفريق بين صيام الأيام، والله أعلم.

(٤٥) "بحر العلوم" 1/ 456، والبغوي 3/ 93، و"زاد المسير" 2/ 415، وزاد ابن الجوزي: وهو قول أصحابنا -يعني الحنابلة-.

(٤٦) هكذا نسب المؤلف لمجاهد رحمه الله القول بالتخيير وكذا في الوسيط 2/ 222 إلا أن المعروف عن مجاهد عند عامة المفسرين القول بلزوم التتابع، كما أخرج ذلك عنه الطبري 7/ 30، "بحر العلوم" 1/ 456، "النكت والعيون" 2/ 63، "زاد المسير" 2/ 415.

(٤٧) "تفسير الطبري" 7/ 30.

(٤٨) "تفسير البغوي" 3/ 93، و"زاد المسير" 2/ 415، وابن كثير 2/ 103.

(٤٩) "الأم" 7/ 66، والبغوي 3/ 93، و"زاد المسير" 2/ 415، وابن كثير 2/ 103.

(٥٠) "الأم" 7/ 66، والبغوي 3/ 93، وابن كثير 2/ 103.

(٥١) "تفسير البغوي" 3/ 93 ، وابن كثير 2/ 103.

(٥٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 203.

(٥٣) انظر: "الوسيط" 2/ 222، ونسبه محققه لتفسير ابن عباس ص 100، والبغوي 3/ 93، و"زاد المسير" 2/ 416.

(٥٤) "تفسير الطبري" 7/ 31، "النكت والعيون" 2/ 63، "زاد المسير" 2/ 416.

(٥٥) "النكت والعيون" 2/ 63.

ورجح البغوي 3/ 93 القول الثاني.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌۭ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٩٠

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ﴾ ، قد ذكرنا في سورة البقرة معنى الخمر والميسر وأصلهما واشتقاقهما (١) (٢) وقد قال  : "الخمر من تسع: من البِتْع وهو العسل، ومن العنب، ومن الزبيب، ومن التمر، ومن الحنطة، ومن الذرة، والشعير، والسُلت" (٣) (٤) (٥) (٦) فهذا أجل الميسر، والقمار كله كالميسر (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَالْأَنْصَابُ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد أنصبتهم التي نصبوها يعبدونها، وواحدها نَصْبٌ (٨) (٩) (١٠) وقد ذكرنا معنى الأنصاب والأزلام في أول السورة عند قوله تعالى: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ  ﴾ .

وذهب بعضهم إلى أن المراد بالأزلام ههنا: قداح الميسر، قال الأزهري: ومن قال ذلك فقد وهم.

وقوله تعالى: ﴿ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ﴾ ، الرجس في اللغة: اسم لكل ما استقذر من عمل، يقال: رَجِسَ الرجل رَجَسًا ورَجُسَ، إذا عمل عملًا قبيحًا، وأصل من الرَّجَس بفتح الراء وهو شدة الصوت، يقال: سحاب رجاس، إذا كان شديد الصوت بالرعد، قال الراجز: وكل رجَّاس يَسُوق الرُّجَّسَا (١١) فكان الرجس العمل الذي يقبح ذكره جدًا ويرتفع في القبح (١٢) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ فَاجْتَنِبُوهُ ﴾ ، أي: كونوا جانبًا منه (١٥) (١٦)  : "مدمن الخمر كعابد الوثن" (١٧) وقال  : "أكثر ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان شرب الخمر وملاحاة الرجال" (١٨) (١) الظاهر أن ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ  ﴾ .

(٢) انظر: "الوسيط" 2/ 223، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 123.

(٣) أخرجه بمعناه أبو داود (3676 - 3677) في الأشربة، باب الخمر ما هي؟

من حديث النعمان بن بشيرِ، والترمذي (1872) في الأشربة، باب ما جاء في الحبوب التي يتخذ منها الخمر، وابن ماجه (3379) في الأشربة، باب مما يكون منه الخمر.

(٤) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 123.

(٥) في (ج): (والميسر والقمار).

(٦) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 175.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 203، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 356.

(٨) انظر: غريب القرآن لابن قتيبة ص 145، "النكت والعيون" 2/ 64، "الوسيط" 2/ 226، ونسبه المحقق لتفسير ابن عباس ص 88، والبغوي 3/ 94.

(٩) "النكت والعيون" 2/ 64، "الوسيط" 2/ 226، وعزاه المحقق لتفسير ابن عباس ص 88، والبغوي 3/ 94.

(١٠) "معاني القرآن" للفراء 1/ 319، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 145، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 203.

(١١) هذا الرجز منسوب للعجاج كما في حاشية "معاني الزجاج" 2/ 204، "تهذيب اللغة" 2/ 1367 (رجس).

(١٢) الكلام من أوله من "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 203، 204، "تهذيب اللغة" 2/ 1367 (رجس)، "زاد المسير" 2/ 417 (١٣) في (ج): (الزجاجي)، وهو تصحيف لأن الكلام للزجاج.

(١٤) "معاني الزجاج" 2/ 203.

(١٥) "معاني الزجاج" 2/ 206، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 356.

(١٦) "تفسير البغوي" 3/ 94.

(١٧) أخرجه البخاري في تاريخه 1/ 129، 3/ 515، والبيهقي في "شعب الإيمان" 5/ 12، وصححه الألبانى.

انظر: "صحيح الجامع الصغير" 5/ 205 برقم 5737.

(١٨) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ٩١

قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد سعد بن أبي وقاص ورجلاً من الأنصار كان مواخيًا لسعد، فدعاه إلى طعام فأكلوا وشربوا نبيذًا مسكرًا، فوقع بين الأنصاري وسعدٍ مراءً ومفاخرة، فأخذ الأنصاري لَحي بَعير فضرب به سعدًا حتى أثر في وجهه، فأنزل الله ذلك فيهما (١) قال أهل المعاني: إن الشيطان يزين لهم ذلك، حتى إذا سكروا وزالت عقولهم أقدموا من المكاره والمقابح على ما كانت تمنعه منه عقولهم (٢) (٣) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ﴾ ، وذلك أن من اشتغل بشرب الخمر والقمار ألهاه ذلك عن ذكر الله جل وعز بالتعظيم، والشكر على آلائه، وعن عبادته.

وقوله تعالى: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ  ﴾ ، قال ابن عباس: قالوا  انتهينا ربنا (٦)  يقول: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا حتى نزلت هذه الآية فقال: انتهينا انتهينا (٧) قال ابن الأنباري: بُيِّن تحريم الخمر في قوله: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ إذ كان معناه: فانتهوا (٨) قال الفراء: ردد علي أعرابي: هل أنت ساكت؟

هل أنت ساكت؟

وهو يريد: سكت (٩) وقال غيره: إنما جاز في صيغة الاستفهام أن يكون على معنى النهي؛ لأن الله تعالى ذم هذه الأفعال وأظهر قبحها، وإذا ظهر قبح الفعل للمخاطب، ثم استفهم عن تركه، لم يسعه إلا الإقرار بالترك، فكأنه قيل: أتفعله بعد ما قد ظهر من قبحه ما ظهر، فصار المنهي بقوله: (فهل أنتم منتهون) في محل قد عقد عليه ذلك بإقراره، فكان هذا أبلغ في باب النهي من أن لو قيل: انتهوا ولا تشربوا (١٠) ولما ذكر الأمر باجتناب الخمر وما بعدها، أمر بالطاعة فيه وفي غيره من أمر الله عز وجل (١١) (١) القصة من حديث سعد في صحيح مسلم (1748) كتاب فضائل الصحابة، باب: في فضل سعد بن أبي وقاص، والطبري 7/ 33 - 34 من طرق، و"أسباب النزول" للمؤلف ص 209.

(٢) "تفسير الطبري" 7/ 32.

(٣) في (ج): (ويبقى).

(٤) في ش: (حربيًا).

(٥) أخرجه الطبري 7/ 35، "الوسيط" 2/ 227.

(٦) الأثر عن بريدة أخرجه الطبري 7/ 34، "الوسيط" 2/ 227.

(٧) أخرجه أبو داود (3670) كتاب: الأشربة، باب: في تحريم الخمر، والترمذي (3049) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة، والطبري 7/ 33 - 34.

(٨) انظر: "الوسيط" 2/ 227.

(٩) ليس في "معاني القرآن"، "الوسيط" 2/ 227، "زاد المسير" 2/ 419.

(١٠) "تفسير البغوي" 3/ 94، "زاد المسير" 2/ 419.

(١١) وجه المناسبة للآية وما بعدها.

<div class="verse-tafsir"

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُوا۟ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ٩٢

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ﴾ ، أي: المحارم والمناهي (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ ، معناه: الوعيد، كأنه قيل: فاعلموا أنكم قد استحققتم العقاب لتولِّيكم عما أدى رسولنا من البلاغ المبين، فوضع كلامَ موضع كلام للإيجاز، ولو كان على غير هذا التقدير لم يصح؛ لأن عليهم أن يعلموا ذلك تولوا أو لم يتولوا، وإنما صار هذا وعيدًا لأنهم إذا علموا أن الرسول قد بلغ ولم يطيعوه استحقوا العقاب (٣) وأجراه بعضهم على ظاهره، وقال: معناه فاعلموا أنه ليس على الرسول إلا البلاغ، فأما توفيق الطاعة والخذلان للمعصية، والثواب والعقاب فذلك ما لا يملكه الرسول (٤) (١) "تفسير البغوي" 3/ 94.

(٢) "تفسير الطبري" 7/ 35 - 36.

(٣) انظر: "الوسيط" 2/ 227، "زاد المسير" 2/ 419.

(٤) "تفسير الطبري" 7/ 35 - 36.

<div class="verse-tafsir"

لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌۭ فِيمَا طَعِمُوٓا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحْسَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ٩٣

قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ﴾ الآية، قال ابن عباس: لما نزل تحريم الخمر والميسر، قالت الصحابة: يا رسول الله ما نقول في إخواننا الذين مضوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر؟

فأنزل الله هذه الآية (١) وقال عطاء: قالوا في أنفسهم: ليت شعرنا ما فعل الله في أصحابنا الذين قتلوا في سبيل الله وهي في بطونهم، وهم شهداء بدر واحد وغير ذلك.

ونحو هذا من القول في سبب النزول، قال أنس (٢) (٣) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ فِيمَا طَعِمُوا ﴾ ، يعني: من الخمر والميسر (٦) وقوله تعالى: ﴿ إِذَا مَا اتَّقَوْا ﴾ ، يعني: المعاصي والشرك (٧) ﴿ ثُمَّ اتَّقَوْا ﴾ الخمر والميسر بعد تحريمها (٨) ﴿ ثُمَّ اتَّقَوْا ﴾ يعني: جميع المحرمات، هذا قول المفسرين (٩) وقال أصحاب المعاني: الأول: عمل الاتقاء، والثاني: دوام الاتقاء والثبات عليه، والثالث: اتقاء ظلم العباد مع ضم الإحسان إليه (١٠) وقال ابن كيسان: لما نزل تحريم الخمر قال أبو بكر: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وأكلوا القمار؟

وكيف بالقتلى في سبيل الله؟

وكيف بالغائبين عنا في البلدان لا يشعرون أن الله حرم الخمر وهم يطعمونها؟

فأنزل الله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ من الأموات والأحياء في البلدان ﴿ جُنَاحَ ﴾ إثم فيما طعموا من الخمر والقمار ﴿ إِذَا مَا اتَّقَوْا ﴾ ما حرم الله عليهم ﴿ وَآمَنُوا ﴾ بالله ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ في إيمانهم ﴿ ثُمَّ اتَّقَوْا ﴾ إن أحدث الله لهم تحريم شيء مما أحل لهم ﴿ وَأَحْسَنُوا ﴾ فيما تعبدهم الله به (١١) (١) أخرجه الطبري 7/ 37، ونحوه في الصحيحين عن أنس وسيأتي تخريجه قريبًا.

(٢) أخرجه البخاري كتاب: المظالم، باب: 21 صب الخمر في الطريق، ومسلم (1980) كتاب الأشربة، باب: تحريم الخمر، والمؤلف في أسباب النزول ص 211 - 212.

(٣) أخرج الترمذي (3050) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة، والطبري 7/ 37، والمؤلف في أسباب النزول ص 212.

(٤) أخرج عن مجاهد وقتادة الطبري 7/ 37، وعن قتادة المؤلف في الوسيط 2/ 228.

(٥) أخرجه الطبري 7/ 39.

(٦) انظر: "الوسيط" 2/ 227، والبغوي 3/ 96.

(٧) "بحر العلوم" 1/ 458، "الوسيط" 2/ 227، البغوي 3/ 96.

(٨) "تفسير الطبري" 7/ 39.

(٩) "تفسير الطبري" 7/ 39، "معاني القرآن" للنحاس 2/ 358، "زاد المسير" 2/ 420.

(١٠) "تفسير الطبري" 7/ 36، "معاني القرآن" للنحاس 2/ 358.

(١١) هذا الأثر بمعنى ما تقدم عن أنس والبراء وابن عباس وغيرهما، وسبق تخريجها، ولم أقف عليه بهذا السياق.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُۥٓ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٩٤

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ ﴾ الآية، قد ذكرنا معنى ابتلاء الله في قوله تعالى: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ  ﴾ ، والواو في ﴿ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ﴾ مفتوحة لالتقاء الساكنين، ومعناه: ليختبرن طاعتكم من معصيتكم، أي: ليعاملنكم معاملة المختبر (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ ﴾ إنما بَعَّض لأنه عني صيد البر دون صيد البحر (٤) (٥) قال الزجاج: ويحتمل التبعيض أن ينصرف إلى صيد الإحرام دون صيد الإحلال، فكان ذلك بعض الصيد، وجائز أن يكون قوله: ﴿ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ ﴾ للتجنيس، فتكون (من) ههنا تُبيِّن جنسًا من الأجناس، كما تقول: لأمتحنَنَّك بشيء من الوَرِق، أي بالجنس الذي هو وَرِق، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ  ﴾ ، والأوثان كلها رجس، والمعنى: اجتنبوا الرجس الذي هو وثن (٦) ﴿ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ ﴾ والصيد إذا كان بمعنى المصدر يكون حدثًا، وإنما يوصف بنيل اليد والرماح ما يكون عينًا، والذي تناله الأيدي من الصيد الفراخ والبيض وصغار الوحش، والذي تناله الرماح الكبار، وهذا قول ابن عباس والكلبي ومجاهد (٧) (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ ، قال المفسرون: ليرى الله (١٠) ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ﴾ ، قال الكلبي: أي من يخاف الله ولم يره (١١) ﴿ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ  ﴾ ﴿ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ  ﴾ ، وقد أحكمنا هذا ومعنى الغيب في قوله: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد بعد نهي (١٢) ﴿ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ .

قال ابن عباس: يوسع ظهره وبطنه جلدًا، ويسلب ثيابه (١٣) هذا قول أكثر أهل التفسير في هذه الآية (١٤) ﴿ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ ﴾ يريد حمام مكة ﴿ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ ﴾ يريد أنها تفرخ في بيوت أهل مكة في الكِواء (١٥) ﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ﴾ يريد يأخذها سرًّا عن السلطان، وعن أهل الفضل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١٦) (١) "تفسير الطبري" 7/ 39، "معاني الزجاج" 2/ 206، "النكت والعيون" 2/ 65، "زاد المسير" 2/ 421.

(٢) قد يكون مقاتل بن سليمان، فإن نحو هذا القول في تفسيره، كما سيأتي في عزوه.

(٣) "تفسير مقاتل" بن سليمان 1/ 503 بنحوه.

(٤) "معاني الزجاج" 2/ 206.

(٥) "النكت والعيون" 2/ 66، "زاد المسير" 2/ 421، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 123.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 206.

(٧) أخرجه عن ابن عباس ومجاهد: الطبري 7/ 39، "بحر العلوم" 1/ 458، "معاني القرآن" للنحاس 2/ 359، "النكت والعيون" 2/ 66، البغوي 3/ 96، "زاد المسير" 2/ 421.

(٨) "معاني القرآن" 1/ 319.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 206.

(١٠) "النكت والعيون" 2/ 66، و"تفسير البغوي" 3/ 96، و"تفسير ابن كثير" 2/ 110.

(١١) هذا قول مقاتل بن سليمان في "تفسيره" 1/ 503، 504 "زاد المسير" 2/ 422.

(١٢) "النكت والعيون" 2/ 66.

(١٣) انظر: "الوسيط" 2/ 228، وعزاه المحقق "لتفسير ابن عباس" ص 101، و"تفسير البغوي" 3/ 96، "زاد المسير" 2/ 422.

(١٤) "تفسير الطبري" 7/ 40، "بحر العلوم" 1/ 458، "النكت والعيون" 2/ 66، و"تفسير البغوي" 3/ 96، "زاد المسير" 2/ 422.

(١٥) الكِواء: جمع كوَّة وهي الخرق في الحائط والثقب في البيت ونحوه.

انظر: "اللسان" 7/ 3964 (كوي) (١٦) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌۭ ۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآءٌۭ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ هَدْيًۢا بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّـٰرَةٌۭ طَعَامُ مَسَـٰكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًۭا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِۦ ۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ ٩٥

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ الآية.

حرم الله تعالى قتل الصيد على المحرم، فليس له أن يتعرض للصيد ما دام محرمًا، لا بالسلاح ولا بالجوارح من الكلاب والطير، سواء كان الصيد صيد الحل أو صيد الحرم (١) أما عند المفسرين فالآية واردة في المحرمين (٢) ﴿ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ يصلح للمحرمين وللداخلين في الحرم، وإذا شمل اللفظ المعنيين جميعًا فهما منه (٣) ﴿ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا ﴾ ، قال مجاهد والحسن وابن جريج وإبراهيم وابن زيد: هو الذي يتعمد القتل ناسيًا لإحرامه، وعليه الجزاء، فأما إذا تعمد القتل ذاكرًا لإحرامه فلا جزاء عليه، لأنه أعظم من أن يكون له كفارة (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾ ، ارتفع ﴿ فَجَزَاءٌ ﴾ بإضمار: فعليه (١٠) وقال الزجاج: ويجوز أن يُرفَع (جزاء) على الابتداء، ويكون (مثل ما قتل) خبر الابتداء، ويكون المعنى: فجزاء ذلك الفعل مثل ما قتل (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ مِنَ النَّعَمِ ﴾ ، يجوز أن يكون صفة للنكرة التي هي (فجزاء) والمعنى: فجزاء من النعم مثلٌ لما قتل، ويجوز أن يكون متعلقًا بمثل، أي: مثلٌ لما قتل من النعم (١٤) وأما من أضاف الجزاء إلى مثل فقال: فجزاء مثل ما قتل، فإنه وإن كان عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله، فإنهم قد يقولون: أنا نكرم مثلك، يريدون: أنا أكرمُك، وإذا كان كذلك كانت الإضافة في المعنى كغير الإضافة، لأن المعنى: فعليه جزاءُ ما قتل، ومما يؤكد أن المثل وإن كان قد أضيف إليه الجزاء فالمعنى: فعليه جزاء المقتول لا جزاءُ مثله الذي لم يقتل قوله تعالى: ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ  ﴾ والتقدير: كمن هو في الظلمات، والمِثْلُ والمَثَلُ والشِّبْهُ والشَبَهُ واحدٌ، فإذا كان مَثلُه في الظلمات فكأنه هو أيضًا فيها (١٥) واختلفوا في هذه المماثلة أهي في القيمة أو بالخلقة: فالذي عليه عُظْم أهل العلم والتأويل: أن المماثلة في الخِلقَه، ففي النعامة بدنة،، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الضبع كبش، وفي الظبي شاة، وفي الغزال والأرنب حَمَل، وفي الضب سخلة، وفي اليَربُوع جَفْرة (١٦) قال الشافعي بعد ما ذكر هذا الفصل: ينظر إلى أقرب ما يقتل من الصيد شبهًا من النعم بالخلقة لا بالقيمة (١٧) (١٨) (١٩) وقال إبراهيم النخعي: يُقوم الصيد المقتول بقيمة عادلة، ثم يشترى بثمنه مثله من النعم (٢٠) والصحيح القول الأول (٢١) (٢٢) وعند أبي حنيفة لا يجوز أن يهدى (في) (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد يحكم في الصيد بالجزاء رجلان صالحان (منكم) أي من أهل ملتكم ودينكم، فقيهان عدلان، فينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به (٢٥) قال ميمون بن مهران: جاء أعرابي إلى أبي بكر  فقال: إني أصبت من الصيد كذا وكذا، فسأل أبو بكر أبي بن كعب، فقال الأعرابي: أتيتك أسألك وأنت تسأل غيرك، فقال أبو بكر: وما أنكرت من ذلك؟

قال الله تعالى: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ فشاورت صاحبي، فإذا اتفقنا على شيء أمرناك به (٢٦) وأخبرنا الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم رحمه الله، أخبرنا أبو بكر محمَّد بن أحمد بن عبدوس الحيري، أخبرنا محمد بن الحسن، أخبرنا علي بن عبد العزيز، حدثنا القاسم بن سلام، قال: حدثني ابن أبي أمية، عن أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، قال: خرجنا حُجاجًا، فكنَّا إذا صلينا الغداةَ اقتدنا رواحلنا نتماشى ونتحدث، فبينا نحن ذات غداة إذ (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) وجوز عمر  أن يكون الجاني على الصيد أحد الحكمين فيما روي أن أربد (٣٢) (٣٣) (٣٤) قال العلماء: في هذه الآية دلالة على صحة الاجتهاد في الأحكام، لأن الله تعالى جعل الحكم إلى العدلين، وقد يقع في ذلك الاختلاف، فيحكم عدلان في جزاء صيد بشيء، ويحكم عدلان آخران لإنسان آخر في جزاء مثله من الصيد بشيءآخر، وكله حق وصواب.

وقوله تعالى: ﴿ هَدْيًا بَالِغَ ﴾ ، قال الزجاج: (هديًا) منصوب على الحال، المعنى يحكم به مقدّرًا أن يهدي (٣٥) (٣٦) ﴿ بَالِغَ الْكَعْبَةِ ﴾ لفظه لفظ معرفة، ومعناه النكره، لأن المعنى: بالغًا الكعبة، إلا أن التنوين حذف استخفافًا (٣٧) ﴿ عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ﴾ (٣٨) ﴿ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ في سورة النساء [97]، والكعبة: البيت الحرام، سمي كعبة لارتفاعه وتربيعه، والعرب تسمي كل بيت مرتفع كعبة (٣٩) (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ ﴾ ، اختلف القراء ههنا، فنون بعضهم الكفارة، ولم يضف الكفارة إلى الطعام؛ لأن الكفارة ليست للطعام وإنما الكفارة لقتل الصيد (٤١) (٤٢) (٤٣) واختلفوا في (أو) في هذه الآية هل هي للتخيير أم لا؟

فقال ابن عباس في بعض الروايات ومجاهد وعامر وإبراهيم والسدي: إن (أو) ليس على التخيير ولكن على الترتيب، لأنه لا يخرج حكم الجزاء عن أحد الثلاثة، إن لم يجد الجزاء بالهدي إما لعدم (الثمن) (٤٤) (٤٥) (٤٦) قال الزجاج: الذي يوجبه اللفظ التخيير، وهو الاختيار على مذهب اللغة (٤٧) (٤٨) (٤٩) وقال قتادة: يقوم نفس الصيد المقتول حيًّا، ثم يجعل طعامًا (٥٠) (٥١) وقال الشعبي: يقوم بمكة بثمن مكة لأنه يكفر بها (٥٢) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ﴾ ، قال الفراء: العدل ما عادل الشيء من غير جنسه، والعِدْل المثل، تقول: عندي عِدلُ غلامك وشاتك ، إذا كانت شاة تعدل شاة أو غلام يعدل غلامًا، وإذا أردت قيمته من غير جنسه نصبت العين فقلت: عَدْل، وربما قال بعض العرب: عِدْله وكأنه منهم غلط، لتقارب معنى العَدْل من العِدْل ولفظه (٥٣) وقال أبو الهيثم: العِدلُ المثل، هذا عِدْلُه أي مثله، والعَدْل القيمة، تقول: خُد عَدْله منه كذا، أي قيمته.

قال: والعِدل اسم حمْلِ معدول يحمل، أي مَسَوَّى به، والعَدْل تقويمك الشيء بالشيء من غير جنسه حتى تجعله له مثلًا (٥٤) وقال الزجاج: العَدْل والعِدلُ واحد في المعنى، وهما بمعنى المثل، كان المثل من الجنس أو من غير الجنس، ولا تقول: إن العرب غلطت وليس إذا أخطأ مخطئ وجب أن تقول: إن العرب غلطت (٥٥) وقال ابن الأعرابي: عَدْل الشيء وعِدله سواء، أي مثله (٥٦) قال الزجاج: وقوله تعالى: ﴿ صِيَامًا ﴾ منصوب على التمييز.

المعنى: ومثل ذلك من الصيام (٥٧) وقال الفراء: ونصبك الصيام على التفسير، كما تقول: عندي رطلان عسلاً، وملء بيت قَتّا.

قال: والأصل فيه أن تنظر إلى (مِنْ)، فإن حسنت فيه ثُمَّ أُلقيت نصبت، ألا ترى أنك تقول: عليه عَدْل ذلك من الصيام، وكذلك قوله تعالى: ﴿ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا  ﴾ (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) قال الشافعي: ولا يجزئه أن يتصدق بشيء من الجزاء إلا بمكة أو بمنى، وأما الصوم حيث شاء، لأنه لا منفعة فيه لمساكين الحرم (٦٢) (٦٣) أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يزيد، حدثنا إبراهيم شريك، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي  قال: "خمسٌ من الدوابِّ ليس على المحرم في قتلهن جناح، الغُرابُ والحِدَأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" (٦٤) وقوله تعالى: ﴿ لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد جزاء ما صنع وعاقبته (٦٥) (٦٦) وقوله تعالى: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ﴾ ، قال الحسن وعطاء والسدي: عما مضى في الجاهلية (٦٧) (٦٨) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ﴾ ، اختلفوا في حكم من عاد: فقال عطاء وإبراهيم وسعيد بن جبير: إذا عاد إلى قتل الصيد محرمًا بعدما حُكِمَ عليه في المرة الأولى حكم عليه ثانيًا وهو بصدد الوعيد لقوله تعالى: ﴿ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾ (٦٩) (٧٠) (٧١) قال ابن عباس: إذا عاد في المرة الثانية لقتل الصيد لم يحكم عليه، ولكن يملأ بطنه وظهره بالسياط ضربًا وجيعًا (٧٢)  في "وج" وهو وادٍ بالطائف، جعله حرامًا كحرمة البلد الحرام، فمن قتل صيده ملىء ظهره وبطنه جلدًا وسلب ثيابه (٧٣) والفاء في قوله تعالى: ﴿ فَيَنْتَقِمُ ﴾ جواب الشرط، والتقدير: ومن عاد فإن الله ينتقم منه (٧٤) ﴿ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ  ﴾ إن في هذه الآي إضمارًا مقدرًا، كأنه: ومن عاد فهو ينتقم الله منه، ومن كفر فأنا أمتعه، ومن يؤمن فهو لا يخاف، لأن الفاء لا تدخل في جواب الشرط على الفعل إذا كان مستغنًى عنه مع الفعل، وإنما يحتاج إلى الفاء مثل قولك: إن تأتني فأنت مكرم (٧٥) قال أبو علي: وموضع الفاء مع ما بعدها جزم، وعلى هذا قرأ بعض القراء: ﴿ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ  ﴾ بالجزم، يحمل إياه على موضع: (فلا هادِي) (٧٦) (٧٧) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾ ، قال عطاء: منيع ذو انتقام من أهل معصيته" (٧٨) (١) "تفسير الطبري" 7/ 74، "النكت والعيون" 2/ 66.

(٢) "تفسير الطبري" 7/ 74، "النكت والعيون" 2/ 66.

(٣) "النكت والعيون" 2/ 66، "زاد المسير" 2/ 422.

(٤) "تفسير الطبري" 7/ 43، "النكت والعيون" 2/ 67، البغوي 3/ 97.

(٥) "تفسير الطبري" 7/ 42، "زاد المسير" 2/ 422.

(٦) "تفسير البغوي" 3/ 97، "زاد المسير" 2/ 422.

(٧) "تفسير الطبري" 7/ 42، "الوسيط" 2/ 229، البغوي 3/ 97.

(٨) أخرجه الطبري 7/ 43 بمعناه.

(٩) أخرجه الطبري 7/ 43، "الوسيط" 2/ 229.

(١٠) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 476.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 207.

(١٢) قراءة عاصم وحمزة والكسائي، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر (فجزاءُ مثل ما) مضافة بخفض مثل.

"الحجة للقراء السبعة" 3/ 254.

(١٣) "الحجة للقراء السبعة" 3/ 254، 255.

(١٤) "الحجة للقراء السبعة" 3/ 255، "بحر العلوم" 1/ 458.

(١٥) الحجة 3/ 256، 257، "بحر العلوم" 1/ 458.

(١٦) "الأم" للشافعي 2/ 206، والطبري 7/ 44 - 50، و"النكت والعيون" 2/ 67 ، والبغوي 3/ 97، 98، والقرطبي 6/ 310، و"الدر المنثور" 2/ 579 - 581.

(١٧) "الأم" 2/ 206، 207.

(١٨) "الأم" 2/ 207، و"تفسير البغوي" 3/ 97.

(١٩) "تفسير الطبري" 7/ 44 - 50، والبغوي 3/ 97، 98، و"الدر المنثور" 2/ 579 - 581.

(٢٠) أخرجه الطبري 7/ 50.

(٢١) وهو اختيار الطبري 7/ 50.

(٢٢) في (ج): (وهي لا تساوي).

(٢٣) ليس في (ج).

(٢٤) "بحر العلوم" 1/ 458، "النكت والعيون" 2/ 67، القرطبي 6/ 310.

(٢٥) "معاني الزجاج" 2/ 207، "النكت والعيون" 2/ 67، "الوسيط" 2/ 229، ونسبه المحقق لتفسير ابن عباس ص 101، والبغوي 3/ 97، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 123.

(٢٦) أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد جيد.

انظر: ابن كثير 2/ 112، كما أخرجه عبد بن حميد أيضاً.

"الدر المنثور" 2/ 581.

(٢٧) في (ش): (إذ).

(٢٨) بضم الخاء وتشديد الشين، والخشاء: هو العظم الدقيق العاري من الشعر الناتىء خلف الأذن (تحقيق شاكر للطبري).

(٢٩) ركب ردعه: إذا خر لوجهه على دمه، وأصل الردع ما تلطخ به الشيء من زعفران وغيره، وهو أثر دمه (تحقيق شاكر للطبري).

(٣٠) في (ش): (فاهد).

(٣١) أخرجه من طريق عبد الملك بن عمير عن قبيصة.

الطبري 7/ 45 - 48، وكذا ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه.

"الدر المنثور" 2/ 581.

(٣٢) هو أربد بن عبد الله البجلي، أدرك الجاهلية، ترجمه ابن حجر في الإصابة من القسم الثالث، وذكر قصته هذه.

انظر: "الإصابة" 1/ 101.

(٣٣) أي حمل دابته حتى وطئت الصف، أي داسته (تحقيق شاكر للطبري).

(٣٤) أخرجه الشافعي في "الأم" 2/ 206، والطبري 7/ 49، وقال ابن حجر: إسناده صحيح.

الإصابة 1/ 111.

(٣٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 208، انظر: "الطبري" 7/ 50.

(٣٦) "الحجة للقراء السبعة" 1/ 268.

(٣٧) "معاني الزجاج" 2/ 208، "تفسير الطبري" 7/ 50.

(٣٨) في (ج): (ممكرنا).

(٣٩) "تهذيب اللغة" 4/ 3152 (كعب)، والصحاح 1/ 213 (كعب).

(٤٠) أخرجه الطبري 7/ 51.

(٤١) "الحجة" 3/ 257، 258، ونسب القراءة هذه لابن كثير وعاصم وأبي عمرو وحمزة والكسائي.

(٤٢) بعد هذه الكلمة وجد زيادة في (ج) وهي: "لأن الكفارة ليست للطعام وإنما الكفارة لقتل الصيد"، ولعل هذا سهو من الناسخ؛ لأن هذه الجملة من الكلام تقدمت في تعليل القراءة الأولى، فليتنبه.

(٤٣) "الحجة" 3/ 257 ، 258 ونسب هذه القراءة لنافع وابن عامر.

(٤٤) ساقط من (ج).

(٤٥) "تفسير الطبري" 7/ 53، "الدر المنثور" 2/ 583.

(٤٦) "الأم" 2/ 207.

(٤٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 208.

(٤٨) "الأم" 2/ 207.

(٤٩) "الأم" 2/ 207، والطبري 7/ 53 عن عطاء.

(٥٠) أخرجه الطبري 7/ 54.

(٥١) "تفسير الطبري" 7/ 54.

(٥٢) أخرجه الطبري 7/ 55.

(٥٣) "معاني القرآن" 1/ 320، "تهذيب اللغة" 3/ 2358 (عدل).

(٥٤) "تهذيب اللغة" 3/ 2358 (عدل).

(٥٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 208، "تهذيب اللغة" 3/ 2358 (عدل).

(٥٦) "تهذيب اللغة" 3/ 2358 (عدل).

(٥٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 208.

(٥٨) "معاني القرآن" 1/ 320، "تفسير الطبري" 7/ 57، "تهذيب اللغة" 3/ 2358 (عدل).

(٥٩) أخرجه الطبري 7/ 57.

(٦٠) "الأم" 2/ 207، "النكت والعيون" 2/ 68.

(٦١) "بحر العلوم" 1/ 459، والبغوي 3/ 98.

(٦٢) "الأم" 2/ 207.

(٦٣) "الوسيط" 2/ 230.

عموم السباع فيها خلاف وتفصيل.

ذكره القرطبي 6/ 303، 304 فلينظر إليه.

(٦٤) أخرجه البخاري (1826) كتاب: جزاء الصيد ، باب: ما يقتل المحرم من == الدواب 2/ 212، ومسلم (1198) كتاب: الحج، باب: ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب وغيرهما.

(٦٥) "تفسير البغوي" 3/ 98.

(٦٦) "معاني الزجاج" 2/ 208، و"اللسان" 8/ 4755 (وبل).

(٦٧) أخرجه عن عطاء الطبري 7/ 58، و"تفسير البغوي" 3/ 98، "زاد المسير" 2/ 426 ورجح ابن الجوزي هذا القول.

(٦٨) "تفسير الطبري" 7/ 58 - 59، "بحر العلوم" 1/ 459، "النكت والعيون" 2/ 68.

(٦٩) "تفسير الطبري" 7/ 59.

(٧٠) "تفسير الطبري" 7/ 61، "بحر العلوم" 1/ 459، "النكت والعيون" 2/ 68.

(٧١) "تفسير الطبري" 7/ 60 - 61، "بحر العلوم" 1/ 459.

(٧٢) "تفسير البغوي" 3/ 98، "زاد المسير" 2/ 427.

(٧٣) أخرج أبو داود (2032) كتاب: المناسك، باب: 97 عن الزبير  أن النبي  قال: "إن صيد وج وعضاهه حرام محرم لله".

و"تفسير البغوي" 3/ 98.

(٧٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 209.

(٧٥) انظر: "الكتاب" 3/ 69 (٧٦) "الحجة" 4/ 109 ، 110.

(٧٧) "تفسير الطبري" 7/ 63، "النكت والعيون" 2/ 68.

(٧٨) انظر: "الوسيط" 2/ 230.

<div class="verse-tafsir"

أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَـٰعًۭا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًۭا ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ٩٦

قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ﴾ ، قال عطاء عن ابن عباس: يريد بصيده ما أصاب من داخل البحر (١) وجملة ما يصاد من البحر ثلاثة أجناس: الحيتان وأنواعها، وكلها حلال، والضفادع وأنواعها، وكلها حرام (٢) واختلفوا فيما سوى هذين، فقال بعضهم: إنه حرام وهو مذهب أبي حنيفة (٣) (٤) ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ  ﴾ (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَطَعَامُهُ ﴾ ، اختلفوا في طعام البحر ما هو، فقال عطاء عن ابن عباس: هو ما لفظه البحر، وقال أيضًا: هو ما حسر عنه الماء وألقاه إلى الساحل (٧) (٨) (٩) وقال أبو بكر الصديق: طعامه ميتته (١٠) (١١) (١٢)  : "أحلت لنا ميتتان ودمان" (١٣) (١٤) وقال سعيد بن جبير وإبراهيم وابن المسيب ومقاتل وقتادة: (صيد البحر) الطبري (وطعامه) المليح منه (١٥)  ليكون قد أعذر إليهم في الانتقام ممن عاد فيما حرم (عليه) (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ﴾ ، قال عطاء: يريد منافع لكم تأكلون وتبيعون ويتزود عابر السبيل (١٩) (٢٠) قال أبو إسحاق: و (مَتَاعًا) منصوب مصدر مؤكد؛ لأنه لما قيل: (أحل لكم) (كان دليلًا على متعتم به) (٢١) ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ  ﴾ ، كان دليلًا على أنه كتب عليهم ذلك فقال: ﴿ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ﴾ ، ذكر في هذه السورة تحريم الصيد على المحرم في ثلاثة مواضع: قوله تعالى: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ (٢٢) (٢٣) ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ﴾ (٢٤) (٢٥)  قال: "صيد البحر حلال لكم ما لم تصيدوه أو يُصَد لكم" (٢٦) وكرهه بعضهم لحديث الصَّعْب بن جَثًامة، حيث أهدى للنبي  رِجْلَ حمار وحشي، فرده وقال: إنا محرمون (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ  ﴾ ، قال عطاء: يريد خافوا الله الذي إليه تبعثون (٢٨) (٢٩) (١) أخرجه الطبري 7/ 63 بمعناه من طرق أخرى.

(٢) "تفسير البغوي" 3/ 100، 101، وعند مالك يباح كل ما فيه من ضفدع وغيره.

"زاد المسير" 2/ 428.

(٣) "تفسير البغوي" 3/ 101، "زاد المسير" 2/ 428.

(٤) وهذا قول الجمهور.

"تفسير البغوي" 3/ 101.

(٥) "تفسير الطبري" 7/ 64.

(٦) "تفسير الطبري" 7/ 64.

(٧) أخرجه بنحوه من طرق: الطبري 7/ 65، و"تفسير البغوي" 3/ 100، و"الدر المنثور" 2/ 586.

(٨) "النكت والعيون" 2/ 69، و "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 123.

(٩) أخرجه الطبري 7/ 66.

(١٠) أخرجه الطبري 7/ 65، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ.

"الدر المنثور" 2/ 585.

(١١) "تفسير البغوي" 3/ 100، والقرطبي 6/ 318.

(١٢) هذا هو المرجح.

وانظر: البغوي 3/ 101، والقرطبي 6/ 319، وابن كثير 2/ 114 - 116.

(١٣) أخرجه الإمام أحمد 2/ 97، وابن ماجه (3218) كتاب: الصيد، باب: صيد الحيتان والجراد ولفظه "أحلت لنا ميتتان: الحوت والجراد"، والبغوي في "شرح السنة" 11/ 244.

(١٤) أخرجه أبو داوود (83) كتاب: الطهارة، باب: الوضوء بماء البحر، والترمذي (69) كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في ماء البحر، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه، (386) كتاب: الطهارة، باب: الوضوء بماء البحر.

وصححه الألباني: "صحيح الجامع" 6/ 61 رقم 6925.

(١٥) "تفسير الطبري" 7/ 66 - 68، "النكت والعيون" 2/ 69، البغوي 3/ 100.

(١٦) ساقطة من (ج).

(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 209، "زاد المسير" 2/ 428.

(١٨) "تفسير الطبري" 7/ 68، "بحر العلوم" 1/ 459، 460.

(١٩) "الوسيط" 2/ 231.

(٢٠) "تفسير الطبري" 7/ 69، "النكت والعيون" 2/ 69.

(٢١) هكذا في النسختين، وفي "معاني الزجاج" 2/ 209: (كان دليلاً على أنه قد متعهم به).

(٢٢) الآية الآولى من السورة.

(٢٣) الآية السابقة (95).

(٢٤) هذه الآية التي يفسرها.

(٢٥) "تفسير البغوي" 3/ 99.

(٢٦) أخرجه أبو داود (1851) كتاب: المناسك، باب: لحم الصيد للمحرم، والترمذي (846) كتاب: الحج، باب: ما جاء في أكل الصيد للمحرم، كتاب: الحج، باب: 25 ما جاء في أكل الصيد للمحرم 3/ 195 رقم 846، والنسائي 5/ 187، كتاب: الحج، باب: إذا أشار المحرم إلى الصيد.

(٢٧) أخرجه البخاري (1825) كتاب: جزاء الصيد، باب: إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًا ولفظه: "إنا لم نرده إلا أنا حرم"، وكذا مسلم (1193)، كتاب: الحج، باب: تحريم الصيد للمحرم وغيرهما.

(٢٨) انظر: "الوسيط" 2/ 231.

(٢٩) "تفسير الطبري" 7/ 75.

<div class="verse-tafsir"

۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَـٰمًۭا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَـٰٓئِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ٩٧

قوله تعالى: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ﴾ الآية.

قال مجاهد: سمي البيت كعبة لتربيعها (١) (٢) (٣) والبيت الحرام معناه: أن الله تعالى: حرم أن يصاد عنده وأن يختلى ما عنده من الخلا، وأن يعضد شجره وما عظم من حرمته (٤) ﴿ قِيَامًا لِلنَّاسِ ﴾ قيامًا لدينهم، ومعالم لحجهم (٥) وقال سعيد بن جبير: ﴿ قِيَامًا لِلنَّاسِ ﴾ صلاحًا لدينهم (٦) (٧) ويؤكد هذا التفسير قول عطاء في هذه الآية: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ﴾ ولو تركوا عامًا واحداً لا يحجونه ما نوظروا أن يهلكوا (٨) (٩) وقال جماعة من المفسرين وأكثر أصحاب المعنى: القيام ههنا يراد به القِوام، وهو العماد الذي يقوم به الشيء، والتقدير فيه: جعل الله حج الكعبة البيت الحرام قيامًا لمعاش الناس ومكاسبهم، فاستتبت معايشهم به واستقامت أحوالهم لما يحصل لهم في زيارتها من التجارة وأنواع البركة (١٠) (١١) ﴿ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾ في سورة النساء (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ﴾ ، ذكر هذه الجملة بعد ذكر البيت؛ لأنها من أسباب حج البيت، فدخلت في جملته وذكرت معه.

وهذا طريق في تفسير الآية، وقال كثير من المفسرين: هذا إخبار عما جعله الله تعالى في الجاهلية من أمر الكعبة (١٤) قال ابن عباس: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ﴾ أي أمنًا للناس، وكان أهل الجاهلية يأمنون فيه، فلو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم ما قتله ولا هيَّجه، وكانوا لا يغزون في الشهر الحرام، وكانوا ينضلون فيه الأسنة، ويبذعز (١٥) (١٦) وقال قتادة: وكان هذا في الجاهلية، لو جنى الرجل كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يُتَنَاول ولم يُطْلب، ولو لقي قاتل أبيه في الحرم ما مسه، ولو لقي الهدي مقلدًا وهو يأكل العصب من الجوع ما مسه (١٧) (١٨) وعلى هذا التفسير القيام مصدر، والمعنى أن الكعبة جعلها الله أمنًا للناس، بها يقومون أي يأمنون، ولولاها لفنوا وهلكوا وما قاموا.

ذكره أبو إسحاق (١٩) وشرح عبد الله بن مسلم (٢٠) (٢١) ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ  ﴾ ، وإذا دخل الشهر الحرام تقسمتهم الرِّحَل وتوزعتهم النُّجَعُ وانبسطوا في متاجرهم فأمنوا على أموالهم وأنفسهم.

وإذا أهدى الرجل هديًا أو قلد بعيره من لحاء شجر الحرم أمن كيف تَصَرَّف (٢٢) (٢٣) أحدهما: أن الله امتن على المسلمين بأن جعل الكعبة صلاحًا لدينهم ودنياهم، وقيامًا لهما بها.

والثاني: أنه أخبر عما فعله من أمر الكعبة في الجاهلية، قال أبو بكر: والقيام يقال في تفسيره غير وجه: منها: الأمن، لأن الناس يقومون بالأمن ويصلح شأنهم من جهته، ويقال للقيام: العصمة، من قولهم: فلان يقوم على القوم إذا كان يكفل بمؤوناتهم، وهذا قول الربيع بن أنس في قوله: ﴿ قِيَامًا لِلنَّاسِ ﴾ قال: عصمة لهم (٢٤) ﴿ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا  ﴾ أي صلاحًا ومعاشًا (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ ﴾ ، أراد الأشهر الحرم الأربعة، وخرج مخرج الواحد؛ لأنه ذهب به مذهب الجنس، وهو عطف على المفعول الأول لجعل، ومثل ذلك: ظننت زيدًا منطلقًا وعمرًا، وذكرنا معنى الهدي والقلائد في أول السورة (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا ﴾ إلى آخرها، لم أر للمفسرين فيه شيئًا، وذكر أصحاب المعاني فيه قولين: أحدهما: أن الإشارة في قوله: (ذلك) إلى ما ذُكِر في هذه الآية من جعل الكعبة صلاحًا وأمنًا وقوامًا للناس، وهو قول ابن قتيبة (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) وقال أبو علي: أي فعل ذلك ليعلموا أن الله يعلم مصالح ما في السماوات والأرض، وما يجري عليه شأنهم ومعايشهم، وغير ذلك مما يصلحهم، وأن الله بكل شيء يصلحهم، ويقيمهم عليه (٣٢) وقال الزجاج في أحد القولين: إن الله جل وعز لما آمن من الخوف في البلد الحرام، والناس يقتل بعضهم بعضًا وجعل الشهر الحرام يُمتنع فيه من القتل، والقوم أهل جاهلية، دل بذلك أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض إذ (٣٣) (٣٤) وقال أبو بكر: جعل الله هذا الوقت يؤمن فيه، وهذا البلد لا يسفك فيه دم عند المشركين الذين لا يقرؤون كتابًا ولا يدينون بدين، فيعظمونهما غير عابدين لله عز وجل ولا مصدقين لأنبيائه، يدل على أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض، وأنه لا يخفى عليه خافية في أرض ولا في سماء (٣٥) والقول الثاني: أن الإشارة في قوله: (ذلك) يعود إلى ما ذكر في هذه السورة من الأنباء والقصص، قال ابن الأنباري: إن الله تعالى خبرَّ في هذه السورة من أخبار الأنبياء وتُبَّاعهم بغيوب كثيرة، وأطع نبيه  والمسلمين على أشياء من أحوال المنافقين واليهود كانت مستورة عنهم، مثل قوله تعالى: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ  ﴾ وغير ذلك، فلما دل على غيوب لم تكن تُعلَم قبل نزول السورة قال: (ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض) أي: ذلك الغيب الذي أنبأتكم عن الله تعالى، ويدلكم على أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض، وأنه لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه عازبة (٣٦) (٣٧) (١) أخرجه الطبري 7/ 76 عن مجاهد وعكرمة، "معاني الزجاج" 2/ 210.

(٢) "تفسيره" 1/ 507.

(٣) "النكت والعيون" 2/ 69، والبغوي 3/ 103، 104، و"اللسان" 1/ 718، 719 (كعب).

(٤) "تفسير الطبري" 7/ 76، "النكت والعيون" 2/ 69.

(٥) أخرجه الطبري 7/ 77، و"الدر المنثور" 2/ 588.

(٦) أخرجه الطبري 7/ 77، و"النكت والعيون" 2/ 69.

(٧) "تفسير الطبري" 7/ 76 - 78، "النكت والعيون" 2/ 69.

(٨) لم أقف عليه.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 210.

(١٠) انظر: الطبري 7/ 76، "بحر العلوم" 1/ 460، "الوسيط" 2/ 231، "زاد المسير" 2/ 430.

(١١) انظر: "الوسيط" 2/ 231.

(١٢) الآية رقم (5) من النساء.

(١٣) "تفسير الطبري" 7/ 76.

(١٤) "تفسير الطبري" 7/ 77.

(١٥) هكذا هذه الكلمة في النسختين.

وقد تكون: وينبعث.

(١٦) أخرجه الطبري 7/ 78 نحوه عن قتادة وابن زيد، "زاد المسير" 2/ 430.

(١٧) أخرجه الطبري 7/ 77 - 78 بمعناه.

(١٨) تفسيره 1/ 507.

(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 210.

(٢٠) ابن قتيبة في المشكل.

(٢١) في المشكل: السبل.

(٢٢) في (ش): يصرف.

وما أثبته من (ج) موافق لما في المشكل.

(٢٣) "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 73، 74.

(٢٤) لم أقف عليه.

(٢٥) "زاد المسير" 2/ 430، 431.

(٢٦) عند تفسير الآية الثانية من هذه السورة (المائدة).

(٢٧) "تأويل مشكل القرآن" ص 73، 74.

(٢٨) "الحجة للقراء السبعة" 3/ 260.

(٢٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 210.

(٣٠) في (ش): (ومنافعهم) وما أثبته هو المطابق لما في "تأويل مشكل القرآن".

(٣١) "تأويل مشكل القرآن" ص 74.

(٣٢) "الحجة" 3/ 260.

(٣٣) في (ج): (إذا).

(٣٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 210.

(٣٥) "زاد المسير" 2/ 431.

(٣٦) "معاني الزجاج" 2/ 210، "زاد المسير" 2/ 431.

(٣٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 210.

<div class="verse-tafsir"

ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٩٨

<div class="verse-tafsir"

مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ٩٩

قوله تعالى: ﴿ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ﴾ ، لما أنذر الله تعالى في قوله: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ الآية، بشدة العقاب، وبشر بالعفو والغفران قال: ﴿ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ﴾ ، والبلاغ: اسم من التبليغ كالسراح والأداء.

<div class="verse-tafsir"

قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ ۚ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ١٠٠

قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ﴾ ، قال بعض أهل المعاني: لما ذكر الله تعالى أن على الرسول البلاغ، بين على لسانه أنه لا يستوي عند الله تعالى الحلال والحرام.

وقال المفسرون: نزلت الآية في الحجاج من المشركين الذين أراد المؤمنون أن يغيروا عليهم، شريح بن ضبيعة وأصحابه (١) ﴿ لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ  ﴾ ، ويقدم عليه حديث عقبة (٢) وقوله تعالى: ﴿ الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ﴾ قال عطاء والحسن والكلبي: الحرام والحلال (٣) ﴿ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ  ﴾ ، وقال السدي: الخبيث المشركون، والطيب المؤمنون (٤) (١) ذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 507، و"بحر العلوم" 1/ 461، "زاد المسير" 2/ 432.

(٢) "البحر الرائق" 1/ 434.

(٣) انظر: "بحر العلوم" 1/ 461، "النكت والعيون" 2/ 70، "تفسير البغوي" 3/ 104، "زاد المسير" 2/ 433، ونسبه لابن عباس.

(٤) أخرجه الطبري 7/ 79.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَسْـَٔلُوا۟ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْـَٔلُوا۟ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ ١٠١

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ الآية، قال ابن عباس وأنس وأبو هريرة والحسن وطاوس وقتادة والسدي وعلي بن أبي طالب وأبو أمامة الباهلي  دخل كلام بعضهم في بعض: أن رسول الله  سئل حتى أحفوه بالمسألة، فقام مغضباً خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه وقال: "لا تسألوني عن شيء في مقامي هذا إلا أخبرتكموه" فقام رجل من بني سهم كان يُطعن في نسبه، والرجل عبد الله بن حذافة، فقال: يا نبي الله من أبي؟

قال: "أبوك حذافة بن قيس"، وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أنا؟

ويروى: "أين أبي؟

" فقال: "في النار" (١) وقال سراقة بن مالك، ويروى عكاشة بن محصن: يا رسول الله الحج علينا في كل عام" فأعرض عنه رسول الله، حتى عاد مرتين أو ثلاثاً، فقال رسول الله  : "ويحك، وما يؤمنك أن أقول: نعم؟!

والله لو قلتُ نعم لوجبتْ، ولو وجبتْ ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" فأنزل الله هذه الآية (٢) هذا قول المفسرين في سبب نزول الآية، وقال أصحاب المعاني: أما سؤال من سأل عن موضعه أو موضع أبيه فقال رسول الله: "في النار" فهو مما يسوء السائل بيانه، وأما من سأل عن أبيه من هو، فإنه لم يأمن أن يلحقه النبي  بغير أبيه فيفتضح، ويكون قد جنى على نفسه بسؤاله فضيحةً تبقى عليه أبداً في أمر لم يكلف ذلك، ولم يؤمر بالسؤال عنه، فقد عرض نفسه بهذا السؤال لما سكوته عنه خير له، فهو منهي بهذه الآية عن مثل سؤاله في المؤتنف، إذ لا يأمن أن يكون الجواب بما يسوءه (٣) وأما السائل عن الحج فقد كاد أن يكون ممن قال النبي  : "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من كان سببًا لتحريم حلال" (٤) (٥) قالوا: وقوله تعالى: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ﴾ مؤخر في النظم مقدم في المعنى؛ لأن التقدير: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم عفا الله عنها، وإن شئت قلت: لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم (٦) ﴿ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ﴾ جملتان صفتان لأشياء، وهي نكرة، ومعنى: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ﴾ أي كف وأمسك عن ذكرها فلم يوجب فيها حكماً، وكلام أبي إسحاق دل على هذه الجملة التي ذكرنا، لأنه قال: أعلم الله عز وجل أن السؤال عن مثل هذا الجنس لا ينبغي أن يقع، فإنه إذا ظهر فيه الجواب ساء ذلك، ولا إن ظهر وجه في المسألة عما عفا الله عنه، وفيه إن ظهر فضيحةٌ على السائل (٧) وكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم، فما أحل الله فاستحلوه وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها فذلك عفو من الله، ثم يتلو هذه الآية (٨) (٩) وقال أبو ثعلبة الخشني (١٠) (١١) وأجمع النحويون على أن (أشياء) جمع شيء، وأنها غير مُجراة، واختلفوا في العلة، فقال الكسائي: هو على وزن أفعال، ولكنها كثرت في الكلام فأشبهت: فَعْلاء، فلم تصرف كما لم تصرف حمراء، قال: وجمعوها أشاوَى، كما جمعوا عَذْراء عذارى، وصَحْراء صحارى، وأشْياوات، كما قيل: حَمْراوات (١٢) (١٣) (١٤) وقال الأخفش والفراء: أشياء جمعت على أفعلاء، كما يقال: هَيْن وأهونا، ولَيْن وأليناء، وكان في الأصل أشيئاء على وزن أشبعاع، فاجتمعت همزتان بينهما ألف فحذفت الهمزة الأولى وفتحت الياء لتبقى ألف الجمع صحيحة فصار: أشياء، ووزنه عندهما: أفعِلاء (١٥) (وقال الخليل: (أشياء) اسم للجمع كان أصله فعلاء شيئاء، فاستثقلت الهمزتان فقلبت الهمزة الأولى التي هي لام الفعل إلى أول الكلمة فجعلت لفعاء، كما قلبوا أَنْوق فقالوا أنيق، وكما قلبوا قُووس فقالوا: قِسي) (١٦) (١٧) (١٨) ويُحتاج في هذا الحرف إلى بيان أكثر من هذا، فالذي ذهب إليه الخليل وسيبويه وأبو عثمان أن أشياء مقلوبة من شيئاء على وزن فعلاء نحو حمراء، ووزنه الآن لفعاء، والعلة المانعة للصرف بناء الحرف على همزة التأنيث، فلحق الحرف بصفراء وحمراء وبابه، والذي ذهب إليه أبو الحسن (١٩) ويمكن أن يقال: إن أشياء لفظ وضع للجمع لا على بناء الواحد، وأما الكسائي فإنه يقول: أشياء أفعال، ولكنها لما جمعت أشياوات أشبه فعلاء التي تجمع على فعلاوات نحو: صحراء وصحراوات، ونظير أشياء في أنها أفعال أحياء في جمع حي، كذلك أشياء أفعال في جمع شيء، والعلة المانعة لصرفها شبهها بفعلاء من حيث جمعت جمعها، ويلزم على هذا القول ترك صرف أبناء وأسماء، لأنهم قالوا في جمعها: أسماوات وأبناوات، وذهب الفراء في هذا الحرف مذهب الأخفش غير أنه خلط حين ادعى أنها (كهَيّن ولَيّن) (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ﴾ ، لم أر للمفسرين في هذا بياناً، وقال صاحب النظم: الكناية في (عنها) ليست تعود على أشياء المذكورة في قوله: ﴿ لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ ﴾ ولكنها تعود على أشياء وأُخَر سواها لا هي، وجاز ذلك لأن المذكورة دلت عليها من حيث اجتمعتا في اللفظ، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ  ﴾ يعني: آدم، ثم قال: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} [المؤمنون: 13] يعني: ابن آدم؛ لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار، ولكنه لما ذكر الإنسان والمراد به آدم دل ذلك على إنسان مثله وعرف ذلك بفحوى الكلام، والمعنى: (وإن تسألوا عنها) أي: عن أشياء حين ينزل القرآن فيها من فرض أو إيجاب أو نهي أو حكم أو ندب، ومست حاجتكم إلى ما هو من جملة ما نزل فيه القرآن، وليس في ظاهر ما نزل ولا في باطنه دليل على شرح ما بكم إليه حاجة، فإذا سألتم عنها حينئذٍ تبد لكم (٢٢) (٢٣) ﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ  ﴾ ، فأما ما سوى هذا وأشباهه فما لم ينزل فيه قرآن وكان مرفوعاً عنهم، ولم يكلفوه، ولم تكن بهم حاجة إليه، فالسؤال عنه محظور بحكم هذه الآية، هذا معنى كلامه وبعض لفظه.

وقوله تعالى: في ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ﴾ ، قد ذكرنا أنه على التقديم، وقال بعضهم: ليس على التقديم، والمعنى: قد عفا الله عن مسألتها، أي عن مسألتكم عنها، فيكون العفو عن مسألتهم التي سلف منهم مما كرهه النبي  نهاهم الله أن يعودوا إلى مثلها، وأخبر أنه عفا عما فعلوا (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ ﴾ ، قال عطاء: يريد لما كان في الجاهلية (حليم) عن عقابكم منذ آمنتم وصدقتم (٢٦) (١) أخرجه بنحوه من حديث أنس البخاري (7089) كتاب الفتن، باب: التعوذ من الفتن، (7294) وكتاب: الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال، ومسلم (2359) كتاب: الفضائل، باب: توقيره  ، والطبري 7/ 80.

(٢) أصل الحديث في الصحيح، دون إشارة إلى أنه سبب لنزول الآية فقد أخرج مسلم (1337)، كتاب: الحج، باب: فرض الحج من حديث أبي هريرة، وأخرجه على أنه سبب نزول للآية الترمذي (3055) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة وحسنه، والطبري في "تفسيره" من طرق 7/ 8 والمؤلف في "أسباب النزول" ص 213 - 214.

(٣) "فتح الباري" 13/ 270.

(٤) أخرجه البخاري حديث سعد بن أبي وقاص (7289) كتاب: الاعتصام، باب: ما == يكره من كثرة السؤال بلفظ: "إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته" وكذا مسلم (2358) في كتاب: الفضائل، باب: توقيره  .

(٥) "تفسير الوسيط" 2/ 234.

(٦) "بحر العلوم" 1/ 462.

(٧) معاني القرآن وإعرابه" 2/ 211.

(٨) أخرجه الطبري 7/ 85، وقد قالت عائشة  ا لجبير بن نفير: هل تقرأ == سورة المائدة؟

قال: قلت: نعم.

قالت: فإنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه ..

" أخرجه أحمد في مسنده 6/ 188.

(٩) لم أقف عليه.

وقد أخرج الطبري 7/ 85 عن ابن عباس أنه قال: "لا تسألوا عن أشياء إن نُزِّل القرآن فيها بتغليظ ساءكم، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم بيانه".

(١٠) صحابي مشهور، قيل اسمه: جرهم، وقيل: جرثم، وقيل غير ذلك، وأبوه قيل: عمرو وقيل: قيس، وقيل غير ذلك.

منسوب إلى بني خشين.

روى أحاديث.

انظر: "الإصابة" 4/ 29، 30.

(١١) هكذا أخرجه الطبري 7/ 85، ونسبه كالمؤلف لأبي ثعلبة موقوفاً، وقد أخرج مرفوعاً الدارقطني في "سننه" ضمن الموسوعة الحديثية بإشراف د.

التركي 5/ 326 برقم 4396، وكذا ساقه القرطبي في "تفسيره" 6/ 334 مرفوعاً، وصححه ابن كثير في "تفسيره" 2/ 120 مرفوعاً حيث قال: "وفي الحديث الصحيح" ثم ساقه وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر والحاكم الذي صححه مرفوعاً.

انظر: "الدر المنثور" 2/ 593، فالأقرب والله أعلم أنه مرفوع.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" للفراء 1/ 321، ومعاني الزجاج 2/ 212.

(١٣) في (ج): (الحروف).

(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 321.

(١٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 212 بتصرف.

وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1951 (شيء).

(١٦) جاء قول الخليل في "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج مقتضباً جداً، فيحتمل السقط، أو أن المؤلف اعتمد على واسطة وهو "تهذيب اللغة" 2/ 1951 (شيء).

(١٧) لا يزال الكلام للزجاج.

(١٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 212، 213، "تهذيب اللغة" 2/ 1951 (شيء).

(١٩) الظاهر أنه الأخفش، وليس في "معاني القرآن وإعرابه" له كلام حول هذه الآية.

(٢٠) في (ج): (لهين لين).

(٢١) "معانى القرآن وإعرابه" للفراء 1/ 321.

(٢٢) "تفسير الطبري" 7/ 84.

(٢٣) ساقط من (ج).

(٢٤) "تفسير الطبري" 7/ 85، "النكت والعيون" 2/ 71.

(٢٥) "تفسير الطبري" 7/ 85، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 124.

(٢٦) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌۭ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا۟ بِهَا كَـٰفِرِينَ ١٠٢

قوله تعالى: ﴿ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ ﴾ ، قال ابن عباس والمفسرون: يعني قوم عيسى سألوا المائدة ثم كفروا بها، وقوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها وكفروا بها (١) فالكناية على هذا التفسير في قوله (سألها) تعود إلى الآيات.

وهذا السؤال في هذه الآيات يخالف معناه معنى السؤال في قوله: ﴿ لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ ﴾ وقوله: ﴿ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا ﴾ ، ألا ترى أن السؤال في الآية الأولى قد عدي بالجار، وههنا عدي بغير الجار؛ لأن معنى السؤال ههنا طلب لعين الشيء، كما تقول: سألتك درهما، أي: طلبته منك، والسؤال في الآية الأولى سؤال عن حال الشيء، كما تقول: سألتك عن شيء، أي عن حاله وهيئته وكيفيته.

وإنما عطف عز وجل بقوله: ﴿ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ ﴾ علي ما قبلها وليست بمثل نظمها في التأويل؛ لأنه عز وجل إنما نهاهم عن تكلف ما لم يكلفوا وهو مرتفع عنهم، وأعلمهم أنهم في هذا التكلف مثل أولئك على موسى وعيسى في تكلف (٢) (٣) ﴿ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ وقول بني إسرائيل: ﴿ لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ، قال الله عز وجل: ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا  ﴾ وقالوا: ﴿ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ  ﴾ ألا تراهم قد سألوا ثم كفروا، وهذا معنى كلام أبي علي الجرجاني (٤) (١) أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 7/ 85، وانظر: "زاد المسير" 2/ 436.

(٢) في (ج): (تكليف).

(٣) "تفسير الطبري" 7/ 86.

(٤) صاحب كتاب النظم، يأخذ عنه المؤلف كثيراً، وهو غير متوفر.

<div class="verse-tafsir"

مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍۢ وَلَا سَآئِبَةٍۢ وَلَا وَصِيلَةٍۢ وَلَا حَامٍۢ ۙ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ١٠٣

قوله تعالى: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ ﴾ ، روى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: الجعل له معان في اللغة، يقال: جعل: صير، وجعل: أقبل، وجعل: خلق، وجعل: قال، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا  ﴾ (١) ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا  ﴾ .

وقال بعض أصحاب المعاني: جعل أحد الكلمات المشتركات التي هن أمهات الأحداث مثل: فعل وعَمِل وجعل وطفق وأنشأ وأقبل، إلا أن بعضها أعم من بعض، وأكثرها عموماً "فعل"؛ لأنه يقع على كل حركة من الإنسان قولاً أو عملاً أو هماً يهم به، والدليل على أنه يقع على القول قوله تعالى: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا  ﴾ ثم قال: ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ (٢) ﴿ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ  ﴾ أي صيرناه، ومنها: (جعل): أوجب، كقرله عز وجل: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا  ﴾ أي: وما أوجبنا القبلة التي أنت عليها، ومنها: (جعل): خلق، مثل قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ  ﴾ أي خلق، وأما قوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا  ﴾ أي: صيرناه؛ لأن من القرآن العبراني والسرياني، فما نقل منه إلى العرب صار عربياً (بالتصيير والنقل) (٣) ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ ﴾ أي: ما أوجبها ولا أمر بها، والبحيرة: فعيلة من البحر وهو الشق، يقال: بحر ناقته، إذا شق أذنها، وهي بمعنى المفعولة، وخرجت مخرج النطيحة والذبيحة والنسيكة.

وقد مضى الكلام في النطيحة (٤) قال أكثر أهل اللغة والتفسير: البحيرة: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، وكان آخرها سَقْباً (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا سَائِبَةٍ ﴾ ، قال أبو عبيد (٨) (٩) (١٠) وقال الفراء: قال بعضهم: السائبة: إذا ولدت الناقة عشرة أبطن كلهن إناث سُيِّبت، فلم تركب، ولم يُجَزّ لها وبر، ولم يشرب لبنها إلا ولد أو ضيف (١١) (١٢) وقال: ابن عباس في السائبة: هي التي تسيب للأصنام، أي تعتق لها، وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء، فيجيء إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيُطِعْمون من لبنها أبناء السبيل (١٣) (١٤) (١٥) وقال عكرمة في السائبة: كان الرجل إذا طلب الضالة، أو تبع النادّة، وأراد الحاجة قال: كذا وكذا (١٦) (١٧) وقال علقمة: السائبة: من العبيد والنَّعَم وما نذر الرجل لئن عافاه الله من مرض أوْ ردَّه من سفر سالماً ليسيبن ناقة أو جملاً أو شاة للأصنام، فإذا سيبها حرم أكلها ، لا يجز وبرها ولا يركب ظهرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف، وما ولدت فهو بمنزلتها، شقت أذنها وسميت بحيرة (١٨) وقال محمد بن إسحاق في السائبة مثل ما قال الفراء في قوله: قال بعضهم، ثم قال محمد: والبحيرة ولد السائبة (١٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا وَصِيلَةٍ ﴾ ، قال ابن عباس وأكثر المفسرين: الوصيلة: من الغنم (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) فالوصيلة بمعنى الموصولة، كأنها وصلت بغيرها، ويجوز أن تكون بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها.

وهذا أظهر الآية.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا حَامٍ ﴾ ، قال ابن عباس وابن مسعود: إذا نُتَجَت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حُميَ ظهره وسيب لأصنامهم، فلا يحمل عليه (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) قال ابن عباس والمفسرون، وروي ذلك عن النبي  : إن عمرو بن لُحي الخزاعي كان قد ملك مكة، وكان أول من غير دين إسماعيل، فاتخذ الأصنام، ونصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة وحمى الحامي، قال رسول الله  : "فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قُصْبِه" ويروى "يجز قُصْبه في النار" (٣٠) (٣١) مُحرَمةٌ لا يأكلُ الناسُ لحمَها ...

ولا نحن في شيءٍ كذلك البحائِرُ وأنشدوا في الوصيلة لتأبط شرًا: أجِدَّك أمَّا كنت في الناس ناعقًا ...

تراعي بأَعْلى ذي المجازِ الوصائلا وأنشدوا في السائبة: وسائبةٍ مالي تشكُّرا ...

إن (٣٢) (٣٣) وأنشدوا في الحامي: حَماها أبو قابُوسَ في عزِّ مُلْكه ...

كما قد حَمَى أولادَ أولادِه الفحلُ وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد عمرو بن لُحي وأصحابه، يتقولون على الله الأباطيل في تحريمهم هذه الأنعام، وهم جعلوها محرمة لا الله تعالى (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ  ﴾ ، قال الشعبي وقتادة: يعني الأتباع لا يعقلون أن ذلك كذب وافتراء على الله من الرؤساء الذين حرموا هذه الأنعام (٣٥) (٣٦) (١) "تهذيب اللغة" 1/ 616 (جعل).

(٢) في (ج)، (ش): (فعل) والظاهر أنه تصحيف، فإن هذه آية الأنعام، أما (فعل) ففي سورة النحل الآية 33 وتختلف عن هذه حيث قال تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ .

(٣) في (ج): (لتصييره النقل).

(٤) عند تفسير الآية الثالثة من هذه السورة.

(٥) السقب: ولد الناقة، وقيل: الذكَر من ولد الناقة ..

وقيل: هو سقبٌ ساعة تضعه أمه.

"اللسان" 4/ 2035 - 2036 (سقب).

(٦) "مجاز القرآن" 1/ 177.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213.

(٨) هكذا في النسختين، وفي الوسيط للمؤلف 2/ 235 (أبو عبيدة).

والظاهر أن الكلام لأبي عبيدة كما في "مجاز القرآن" 1/ 180 ونحوه في "النكت والعيون" 2/ 73.

(٩) في "غريب القرآن" ص 147.

(١٠) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213، وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1585 (ساب) (١١) "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 322.

(١٢) "تهذيب اللغة" 2/ 1585 (ساب).

(١٣) أخرجه الطبري 7/ 90 مختصرا من طريق علي بن أبي طلحة، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 462، "تفسير الوسيط" 2/ 235 وعزاه المحقق لتفسير ابن عباس ص 102، "تنوير المقباس بهامش المصحف" ص 124، "زاد المسير" 2/ 437، وعزاه السيوطي إضافة إلى ابن جرير إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

"الدر المنثور" 2/ 596 بمعناه.

(١٤) "تفسير الوسيط" 2/ 235.

(١٥) أخرجه بنحوه البخاري (4623) كتاب: التفسير، باب: تفسير سورة المائدة، باب: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ ﴾ ، والطبري 7/ 92، والبغوي في "تفسيره" 3/ 108، وانظر: "زاد المسير" 2/ 438.

(١٦) في (ج): (كذى وكذى).

(١٧) لم أقف عليه، وانظر: "زاد المسير" 2/ 438.

(١٨) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 147، والطبري في "تفسيره" 7/ 89 - 91، و"بحر العلوم" 1/ 462، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 371، "النكت والعيون" 1/ 463، "تفسير البغوي" 3/ 107.

(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" للفراء 1/ 322، و"تهذيب اللغة" 2/ 1585 (ساب)، "زاد المسير" 2/ 439.

(٢٠) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 147، و"تفسير الطبري" 7/ 90، و"معاني الزجاج" 2/ 213.

(٢١) "تفسير مقاتل" 1/ 510.

(٢٢) "تفسير الوسيط" 2/ 235.

(٢٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213.

(٢٤) "تفسير الطبري" 7/ 90، و"بحر العلوم" 1/ 462، "تفسير الوسيط" 2/ 235، "تفسير البغوي" 3/ 108، و"تفسير ابن كثير" 2/ 122.

(٢٥) في "مجاز القرآن" 1/ 179.

(٢٦) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213.

(٢٧) "تفسير الطبري" 7/ 86 - 93.

(٢٨) أخرجه البخاري (4623)، كتاب: التفسير، من تفسير سورة المائدة باب: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ ﴾ ، والطبري 7/ 90.

(٢٩) "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 322.

(٣٠) أخرجه من حديث أبي هريرة مختصرًا: البخاري (4623)، كتاب: التفسير، من تفسير سورة المائدة، ومسلم (2856) كتاب: الجنة، باب: النار يدخلها الجبارون.

لكن في البخاري جاءت تسميته: عمرو بن عامر، وكذا عند الإِمام أحمد في مسنده 2/ 275، وأخرجه الطبري 7/ 88 وغيرهم.

(٣١) أخرجه الطبري 7/ 90.

(٣٢) في (ش): (وإن).

(٣٣) في (ج): (عافى).

(٣٤) "تفسير الوسيط" 2/ 236، وعزاه المحقق لتفسير ابن عباس ص 102، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 125.

(٣٥) "تفسير الطبري" 7/ 93، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 373، "تفسير الوسيط" 2/ 236، "زاد المسير" 2/ 440، "تفسير ابن كثير" 2/ 123.

(٣٦) من: "وقوله تعالى: (وأكثرهم لا يعقلون) ..

" إلى هنا ليس في نسخة (ش).

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُوا۟ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۚ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَهْتَدُونَ ١٠٤

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ الآية، قال ابن عباس: يعني: تعالوا إلى ما أنزل الله في القرآن من تحليل ما حرمتم على أنفسكم ﴿ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ﴾ من الدين والمنهاج (١) وقوله تعالى: ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾ ، مضى الكلام في نظيره في سورة البقرة (٢) (١) انظر: "بحر العلوم" 1/ 462، "تفسير الوسيط" 2/ 236، "تفسير البغوي" 3/ 109، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 125.

(٢) الظاهر أنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ١٠٥

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ الآية، قال النحويون: قوله: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ أمر من الله، تأويله: احفظوا أنفسكم عن ملابسة المعاصي والإصرار على الذنوب.

قاله الفراء (١) (٢) ونحو ذلك قال الزجاج؛ لأنه قال: إذا قلت: عليك زيدًا، فتأويله الزم زيدًا، و ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ معناه: الزموا أنفسكم فإنما ألزمكم الله أمرها (٣) ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ : يقول: أطيعوا أمري، واحفظوا وصيتي (٤) (٥) (٦) فهذه الأحرف الثلاثة لا اختلاف بين النحويين في إجازة النصب بها، وقد تقيم العرب غير هذه الأحرف مقام الفعل، ولكن لا تعديه إلى مفعول، وذلك نحو قولهم: إليك عني (٧) قالوا: لا يجوز أن يأمر بهذه الظروف إلا المخاطب، لو قلت عليك زيدًا، لم يحسن، وإنما كان كذلك لأن المخاطب لا يحتاج في الأمر بالفعل إلى أكثر من حروف ذلك الفعل الذي يأمره به نحو: قم واذهب، وفي الأمر للغائب يحتاج إلى إدخال اللام نحو: ليقم فلان، فكرهوا أن يقيموا هذه الظروف مقام الفعل واللام، فتكون نائبة عن شيئين، وفي المخاطبة تكون نائبة عن شيء واحد وهو الفعل وحده، وقد حكى عن العرب سماعًا: عليه رجلاً، ليس إغراءً للغائب، وهو شاذ لا يقاس عليه، وأجاز الكسائي وحده الإغراء بالظروف كلها.

قال الفراء: زعم الكسائي أنه سمع: بينكما البعيرَ فخذاه، فأجاز ذلك في كل الصفات، وسمع العرب تقول: كما أنت زيدًا، ومكانك زيدًا، قال الفراء: وسمعت بعض بني سليم يقول: مكانكني، يريد انتظرني في مكانك (٨) (٩) وأما سبب نزول الآية: فروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن النبي  لما قبل من أهل الكتاب الجزية وأبى من العرب إلا الإسلام أو السيف، عيَّر المؤمنين منافقوا مكة قبول رسول الله  الجزية من بعض دون بعض، فنزلت هذه الآية (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ ، قال الزجاج: الأجود أن يكون رفعًا على جهة الخبر، والمعنى: ليس يضركم من ضل، قال: ويجوز أن يكون موضع ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ ﴾ جزمًا على الجواب لقوله: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ لأنه أمر، ويكون الأصل: لا يضرركم إلا أن الراء الثانية أدغمت فيها الأولى وضمت لالتقاء الساكنين (١٢) ﴿ فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا ﴾ (لَا تَخَفُ) ولا تخافُ [طه: 77] جائزان (١٣) ويقال: هل تدل هذه الآية على جواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

قيل: في هذا وجوه: أحدها: وهو الذي عليه أكثر الناس أن الآية لا تدل على ذلك، دل توجب أن المطيع لربه لا يكون مؤاخذًا بذنوب العاصي، فأما وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمعقول بالآيات في ذلك (١٤)  فقال: إنكم تقرؤون هذه الآية ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ وتضعونها غير موضعها، وإني سمعت رسول الله  يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه، يوشك أن يعمهم الله بعقاب" (١٥) الوجه الثاني في تأويل الآية: ما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما قالا: قوله تعالى: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ يكون هذا في آخر الزمان، قال ابن مسعود وقرئت عليه هذه الآية: ليس هذا بزمانها ما دامت قلوبكم واحدة، ولم تُلبَسوا شِيَعًا، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء، وأُلبستم شِيعًا، فامرؤٌ ونفسُه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية قال: ومن الآيات آيٌ وقع تأويلهن في آخر الزمان (١٦) وروي عن ابن عمر أنه قال: "هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم" (١٧)  عن هذه الآية فقال: ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت دنيا مؤثرة، وشحًّا مطاعًا، وهوًى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك، وذر عوامهم (١٨) الوجه الثالث في تأويل الآية: ما ذهب إليه عبد الله بن المبارك، فقال: هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الله تعالى خاطب بها المؤمنين جميعًا، وأغراهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ يعني: عليكم أهل دينكم ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ ﴾ من الكفار، وهذا كقوله تعالى: ﴿ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ  ﴾ يعني: أهل دينكم، وقال: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ  ﴾ بهذا المعنى (١٩) ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ : يريد يعِظُ بعضكم بعضًا، وينهى بعضكم بعضًا، ويعلّم بعضكم بعضًا ما يقربه إلى الله ويبعده من الشيطان، و ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ ﴾ من غيركم، يريد من المشركين وأهل الكتاب، والمنافقين (٢٠) الوجه الرابع: أن الآية نازلة في أهل الأهواء، لأنه لا ينفعهم الوعظ ولا يتركون هواهم بالأمر بالمعروف، فإذا رأيتهم أو كنت فيهم فعليك نفسك وذرهم وما اختاروه لأنفسهم، فلن يضرك ضلالهم.

وهذا الوجه يروى عن صفوان بن مُحْرِز (٢١) (٢٢) والذي ذكرنا من سبب النزول يدل على أن الآية نازلة فيمن لا يؤمر بالمعروف ولا يُنْهى عن المنكر، وهم المنافقون واليهود والنصارى، فأما المسلمون فليسوا من هذا في شيء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب فيما بينهم.

قال أبو عبيد: والذي أذن الله في إقراره والإمساك عن تغييره بقوله: ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ إنما هو الشرك الذي ينطق به المعاهدون من أجل أنهم أهل ملل يدينون بها، فأما الفسوق والعصيان والريب من أهل الإِسلام فلا يدخل في هذه الآية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان في أهل المعاصي من المسلمين على الأبد، كذلك وجدنا أكثر أهل الحديث بلا توقيت (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ﴾ ، قال عطاء: يريد مصيركم ومصير من خالفكم ﴿ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ يريد يجازيكم بأعمالكم (٣٠) (١) في "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 322.

(٢) أبو بكر، وقد وهم محقق "الوسيط" 2/ 237 فنسب هذا "القول للبيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 307، وهذا الكتاب لأبي البركات بن الأنباري المتوفى سنة 577 هـ وهو متأخر عن المؤلف بقرن تقريبًا.

وكلام ابن الأنباري أبي بكر هنا بمعنى ما عند أبي بركات في البيان، ولم أجده في الزاجر لأبي بكر، والذي يعتمد عليه المؤلف كثيراً.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213.

(٤) لم أقف عليه.

(٥) "تفسير الطبري" 7/ 97.

(٦) انظر: كتاب سيبويه 1/ 138.

(٧) "تفسير الطبري" 7/ 94.

(٨) "معاني القرآن" 1/ 323.

(٩) "معاني القرآن" للفراء 1/ 323.

(١٠) ذكره المؤلف في "أسباب النزول" ص 214، و"بحر العلوم" 1/ 463، و"تنوير المقباس" - الذي هو من رواية الكلبي ورواياته منكرة بهامش المصحف ص 125.

(١١) أخرجه الطبري 7/ 94، و"معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 374.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 214.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 323، ولا تخف ولا تخافُ، قراءتان سبعيتان.

انظر: "حجة القراءات" ص 458، 459، و"النشر" 2/ 321.

(١٤) "تفسير الطبري" 7/ 99، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 373، و"بحر العلوم" 1/ 463.

(١٥) أخرجه الترمذي (3057) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة وقال: حديث حسن صحيح، والطبري 7/ 98 من طرق، قال ابن كثير 2/ 123.

وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة، وابن حبان في صحيحه، وغيرهم، من طرق كثيرة عن جماعة كثيرة ..

متصلًا مرفوعًا ومنهم من رواه موقوفًا على الصديق، وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره، وذكرنا طرقه والكلام عليه مطولًا في مسند الصديق  ".

(١٦) أخرجه الطبري 7/ 96، وذكره ابن كثير 2/ 124، وعزاه إخراجه إلى أبي جعفر الرازي، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 599 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب.

(١٧) أخرجه الطبري 7/ 96 وأخذه عنه ابن كثير 2/ 124، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 599 إلى ابن مردويه أيضًا.

(١٨) أخرجه الترمذي (3058) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة وقال حسن غريب، وأبو داود (4341)، كتاب: الملاحم، باب: الأمر والنهي، والطبري 7/ 97، البغوي في "شرح السنة" 14/ 347.

(١٩) "تفسير القرطبي" 6/ 344.

(٢٠) لم أقف عليه.

(٢١) هو صفوان بن مُحْرز المازني البصري، العابد، أحد الأعلام، أخذ عن الصحابة وروى عنه جماعة.

كان واعظًا قانتًا، توفي سنة 174 هـ انظر: "سير أعلام النبلاء" 4/ 286، "تقريب التهذيب" ص 277 (2941).

(٢٢) لم أقف عليه، "تفسير الطبري" 7/ 971، "تفسير البغوي" 3/ 110.

(٢٣) "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" في القرآن العزيز - لأبي عبيد (القاسم بن سلام) ص 290.

(٢٤) لا يزال الكلام لأبي عبيد في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 294.

(٢٥) لم يتبين من هو.

(٢٦) أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم.

انظر: "الدر المنثور" 3/ 363 عند تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ ﴾ (65) سورة الأنفال.

(٢٧) في (ج): (أنا) بدون (أما).

(٢٨) "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 294.

(٢٩) "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 294.

(٣٠) "تفسير الوسيط" 2/ 260، "زاد المسير" 2/ 443.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَأَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعْدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِۦ ثَمَنًۭا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلْـَٔاثِمِينَ ١٠٦

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ الآية، قال المفسرون كلهم في سبب نزول هذه الآية وما بعدها: أن تميمًا الداري (١) (٢)  ، فأنزل الله هذه الآية (٣) وهذه الآية وما بعدها من أعوص ما في القرآن من الآيات معنًى وإعرابًا، وسأسوقهما بعون الله مشروحتين مُبَيَّنتين إن شاء الله.

وقوله تعالى: ﴿ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ ، اختلف النحويون في تقديره، فقال الفراء: وقوله: ﴿ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ﴾ رفع الاثنين بالشهادة، أي ليشهدكم اثنان (٤) (٥) (٦) وقال صاحب النظم: (شهادة) مصدر وضع موضع الأسماء، يريد بالشهادة الشهود، كما يقال: رجل عدلٌ ورضا، ورجال عدل ورضا وزَوْرٌ، وإذا جعلت الشهادة بمعنى الشهود قدرت معه حذف المضاف، ويكون المعنى: عدد شهود بينكم اثنان، واستشهد على هذا بقوله تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ  ﴾ أراد وقت الحج، ولولا هذا التأويل لكان قوله: (أشهر) منصوبًا على تأويل: الحج في أشهر معلومات، فقدر صاحب النظم حذف المضاف من الابتداء، وقدره الزجاج من الخبر.

وقوله تعالى: ﴿ بَيْنِكُمْ ﴾ ، قال أبو علي: اتسع في (بين) وهي ظرف فجعل اسمًا، وأضيف إليه المصدر، وهذا يدل على أنه يجوز الاتساع في الظروف بجعلها اسمًا في غير الشعر، كقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ  ﴾ في قول من رفع، فجاء في غير الشعر، كما جاء في الشعر نحو قوله: فصادفَ بين عَيْنَيه (الجنونا) (٧) (٨) ﴿ بَيْنِكُمْ ﴾ بمعنى: لما بينكم، وما بينكم كناية عن التنازع والتشاجر، ثم أضاف الشهادة إلى التنازع، لأن الشهود إنما يحتاج إليها في التنازع الواقع في ما بين القوم، والعرب تضيف الشيء إلى الشيء إذا كان منه بسبب كقوله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ  ﴾ أي: مقامه بين يدي ربه.

ثم حذف (ما) من قوله: ما بينكم، والعرب تحذف كثيراً ذكر (ما) و (من) في الموضع الذي يحتاج إليهما فيه كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ  ﴾ أي: ما ثِّم، وكما قال: ﴿ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ  ﴾ على معنى: ما بيني وبينك، ومثله قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ  ﴾ في قول من نصب، وهذا الذي ذكره الجرجاني شرح ما أجمله أبو علي، لأنه إذا حُذف (ما) وأضيف إليه فقد جعل الظرف اسمًا متسعًا فيه، فأبو علي أجمل، والجرجاني فسر.

وقوله تعالى: ﴿ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾ ، (إذا) ظرف يتعلق بالشهادة، وهو معمولها على تقدير: يشهدان (٩) أحدهما: أن الوصية مصدر، ولا يتعلق بالمصدر ما يتقدم عليه، لأنه ليس له قوة الفعل، فلا يجوز: زيدًا ضربًا، بمعنى: اضرب زيدًا، كما يجوز: ضربًا زيدًا.

والثاني: أن الوصية مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف؛ لأنه لو عمل فيما قبله لجاز تقديره في ذلك الموضع، وإذا قُدر ذلك لزم تقديم المضاف إليه على المضاف، بيان هذا: أنك لو قدرت أن يكون (إذا) متعلقًا بالوصية جعلت التقدير: الوصية إذا حضر أحدكم الموت، فيحتاج أن تقدم الوصية على ما أضيف إليه وهو حين (١٠) (١١) وقال في قوله: ﴿ حِينَ الْوَصِيَّةِ ﴾ : لا يجوز أن يتعلق حين بالشهادة، لأن الشهادة قد عمل في ظرف من الزمان، فلا يعمل في ظرف آخر منه، وكان تحمله على أحد ثلاثة أوجه: أحدها: أن تعلقه بالموت، كأنه: الموت في ذلك الحين، والآخر: أن تحمله على حضر، أي: إذا حضر في هذا الحين، ويراد بالموت: حضوره في الوجهين قربه لا نزوله، كقوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ  ﴾ ولا يسند إليه القول بعد الموت، الوجه الثالث: أن تحمله على البدل من (إذا) لأن ذلك الزمان في المعنى هو ذلك الزمان، فتبدله منه كما تبدل الشيء من الشيء إذا كان إياه (١٢) وقوله تعالى: ﴿ اثْنَانِ ﴾ ، ذكرنا أنه خبر المبتدأ.

وقوله تعالى: ﴿ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ ، جملة مرتفعة لأنها صفة لقوله: ﴿ اثْنَانِ ﴾ (١٣) وقوله تعالى: ﴿ مِنْكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس وعامة أهل التفسير: منكم يا معشر المؤمنين، أي من أهل دينكم وملتكم (١٤) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ ، تقديره: أو شهادة آخرين من غيركم، أي: من غير أهل ملتكم في قول ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح وإبراهيم وعَبِيدة وابن سيرين ومجاهد وابن زيد (١٥) قال شريح: إذا كان الرجل بأرض غربة ولم يجد مسلمًا يُشهِده على وصيته، فأشهد يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيَّا، أو عابد وثن، أو أي كائن كان، فشهادتهم جائزة (١٦) وقال الشعبي: حضر رجلاً من المسلمين الموت وهو بدَقُوقَا (١٧)  فأحلفهما في مسجد الكوفة بعد العصر بالله ما بدلا ولا كذبا، وأجاز شهادتهما (١٨) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ ، الشرط متعلق بقوله: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ والمعنى: أو شهادة آخرين من غيركم إن أنتم سافرتم، قال أبو علي: وهو وإن كان على لفظ الخبر، فالمعنى على الأمر، تأويله: ينبغي أن تُشْهِدوا إذا ضربتم في الأرض آخرين من غير أهل ملتكم (١٩) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ مع قوله: ﴿ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ﴾ فصلان معترضان بين الصفة والموصوف؛ لأن قوله: (تحبسونهما) من صفة قوله: (أو آخران)، والفاء في قوله: (فأصابتكم) لعطف جملة على جملة (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ ﴾ قال صاحب النظم: أي تقيمونهما وتقفونهما، كما يقول الرجل: مر بي فلان على فرس فحبس على دابته، أي: وقفه، وحبست الرجل في الطريق أكلمه، أي: وقفته.

قال: ويقال إن معنى قوله: (تحبسونهما) تعبرونهما على اليمين، وهو أن يحمل الإنسان على اليمين وهو غير متبرع بها.

وقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ ﴾ ، أي من بعد صلاة أهل دينهما، عن ابن عباس والسدي (٢١) (٢٢) (٢٣) وقال ابن الأنباري: قالوا: إنما أمرنا باستحلاف الشاهِدَين بعد صلاة العصر، لأنه وقت تعظمه اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الملل، فندبنا الله إلى استحلافهم في الوقت الذي يشرفونه، ويعظمونه، ويتجنبون فيه الأكاذيب.

وقوله تعالى: ﴿ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ ﴾ ، الفاء لعطف جملة على جملة، قال أبو علي: وإن شئت جعلت الفاء للجزاء كقول ذي الرُّمة: وإنسانُ عيني يَحْسِرُ الماءُ مرَّةً ...

فيبدو وتاراتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ (٢٤) تقديره إذا حَسَرَ بدا، وكذلك إذا حبستموهما أقسما (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ إِنِ ارْتَبْتُمْ ﴾ ، أي في قول الآخَرين الّذَين ليسا من أهل من ملتكم، وغلب على ظنكم خيانتهما.

قال أبو بكر (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ ، قال أبو علي: (لا نشتري) جواب ما يقتضيه قوله: (فيقسمان بالله) لأن أقسمُ ونحوه يتلقى بما يتلقى به الأيمان (٢٧) وقال صاحب النظم: تأويله فيقسمان بالله ويقولان هذا القول في أيمانهما.

والعرب تضمر القول كثيراً كقوله تعالى: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ  ﴾ ، أي: يقولون: سلام.

وقوله تعالى: ﴿ بِهِ ثَمَنًا ﴾ قال أبو علي: المعنى: لا نشتري بتحريف شهادتنا ثمنًا، فحُذِفَ المضاف وذُكِّر الشهادةٌ لأن الشهادة قول.

قال: وتقدير لا نشتري به ثمنًا: لا نشتري به ذا ثمنٍ، ألا ترى أن الثمن لا يُشترى وإنما يُشترى ذو الثمن.

قال: وليس الاشتراء ههنا بمعنى البيع وإن جاز في اللغة، لأن بيع الشيء إبعاد له من البائع، وليس المعنى ههنا على الإبعاد، وإنما هو على التمسك به والإيثار له على الحق (٢٨) وقال غيره: معنى: ﴿ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ أي لا نبيع عهد الله بعرض نأخذه (٢٩) ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا  ﴾ فمعنى ﴿ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ أي لا نأخذ ولا نستبدل، ومن باع شيئًا فقد اشترى ثمنه، ومعنى الآية: لا نأخذ بعهد الله ثمنًا بأن نبيعه بعرض من الدنيا، ونستغني في هذا عن كثير من تكلف أبي علي.

وهذا معنى قول القتيبي (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾ ، التقدير: ولو كان المشهود له ذا قربى، وخص ذو القربى بالذكر لميل الناس إلى قراباتهم ومن يناسبونه (٣١) ﴿ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِين  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ ﴾ ، أضيفت الشهادة إلى الله سبحانه لأمره بإقامتها والنهي عن كتمانها في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ  ﴾ (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ ﴾ أي: إنا إن كتمناها كنا من الآثمين، وهذا الذي ذكرنا في الآية قول أكثر المفسرين واختيار أعظم أصحاب المعاني (٣٣) قال عبد الله بن مسلم وذكر معنى الآية على الوجه: أراد الله عز وجل أن يعرفنا كيف نشهد بالوصية عند حضور الموت فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ أي: رجلان عدلان من المسلمين تشهدونهما على الوصية، وعلم جل ثناؤه أن من الناس من يسافر فيصحبه في سفره أهل الكتاب دون المسلمين، وينزل القرية التي لا يسكنها غيرهم، ويحضره الموت فلا يجد من يشهده من المسلمين فقال: (أو آخران من غيركم) أي: من غير دينكم، إذا (ضربتم في الأرض) أي: سافرتم (فأصابتكم مصيبة الموت) وتم الكلام، فالعدلان من المسلمين للحضَر والسفَر إن أمكن إشهادهما في السفر، والذميان في السفَر خاصة إذا لم يوجد غيرهما.

ثم قال: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا ﴾ من بعد صلاة العصر ﴿ إِنِ ارْتَبْتُمْ ﴾ في شهادتهما وشككتم وخشيتم أن يكونا قد غيرا وبدلا وكتما وخانا، ﴿ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ أي: لا نبيعه بعرض، ولا نحابي في شهادتنا أحدًا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة علمناها، فإذا حلفا بهذه اليمين على ما شهدا به قبلت شهادتهما: وأمضي الأمر على قولهما (٣٤) وقال ابن الأنباري: تلخيص الآية: يا أيها الذين آمنوا ليشهدكم في سفركم إذا حضركم الموت وأردتم الوصية، اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غير دينكم.

فإن قيل: إن أهل الذمة لا يكونون عدولًا ولا تقبل شهادتهم، قيل: هذا من مواضع الضرورات التي يجوز فيها ما لا يجوز في مواضع الاختيارات، وقد أجاز الله تعالى في الضرورة التيمم وقصر الصلاة في السفر والجمع، والإفطار في شهر رمضان، وأكل الميتة في حال الضرورة، ولا ضرورة أعظم من ضرورة تبطل حقوقا وتضيع أمورًا على الميت من زكوات وكفارات أيمان وودائع للناس من ديون وحقوق، متى لم يبينها بطلت، فجاز (٣٥) وقال أبو عبيد (٣٦) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فعم في خطابه المؤمنين، فلما قال بعد ذلك ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ لم يغلب عليه إلا معنى: من غير أهل دينكم، إذ كان لم يخصص في أول الآية، ولم يخاطب قومًا مختصين من المؤمنين دون قوم (٣٧) وذهب آخرون، إلى أنه لا يجوز شهادة أهل الذمة في شيء من أحكام المسلمين، ولا يقبل قولهم، ولا يثبت بشهادتهم حكم، وعليه الناس اليوم، فقالوا في قوله تعالى: ﴿ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ أي: من حَيِّكم وقبيلتكم ورفقتكم ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ أي: من غير قبيلتكم ورفقتكم، وهو قول الحسن والزهري وأبي موسى، قالوا: ولا يجوز شهادة كافر في سفر ولا حضر (٣٨) ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ  ﴾ وقال: ﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ  ﴾ ، والشاهد إذا عُلِمَ أنه كذاب لم تقبل شهادته، وقد علمنا أن النصارى زعمت أن الله تعالى: ﴿ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ  ﴾ وأن اليهود قالت: ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ  ﴾ فعلمنا أنهم يكذبون، فكيف تجوز شهادة من هو مقيم على الكذب؟

(٣٩) فهؤلاء جعلوا الآية في المسلمين.

وذهب جماعة إلى أن الآية كانت في شهادة أهل الذمة ثم نسخت، وقد بين أبو عبيد هذه المذاهب (٤٠) (٤١) ثم ذكر بإسناده إجازة شهادة أهل الذمة، وأن الآية نزلت في ذاك عن أبي موسى وشريح والشعبي ومجاهد وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وإبراهيم (٤٢) وقال: هذا مذهب الذين رأوا الآية محكمة، ومما يزيد قولهم قوة تتابع الآثار في سورة المائدة بقلة المنسوخ وأنها من محكم القرآن وآخر ما نزل (٤٣) وأما الآخرون (٤٤) ﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ  ﴾ قال: ولست أدري إلى من يسند هذا القول؟

غير أنه قول مالك بن أنس وأهل الحجاز وكثير من أهل العراق غير سفيان، فإنه أخذ بالقول الأول، وأما الذين تأولوا الآية في أهل الإِسلام وأخرجوا المشركين منها فشيء يروى عن أبي موسى والحسن وابن شهاب.

روى خالد عن أبي قلابة عن أبي موسى في قوله تعالى: {ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} قال: كلهم مسلمون.

وقال الحسن: ﴿ ذَوَا عَدْلٍ ﴾ من قبيلتكم ﴿ أَوْ آخَرَانِ ﴾ من غير قبيلتكم.

وقال ابن شهاب في هذه الآية: هي في الرجل يموت في السفر فيحضره بعض ورثته ويغيب بعضهم (٤٥) قال أبو عبيد: أما حديث أبي موسى فلا أراه حَفِظَ، لأن الشعبي حدث عنه إجازة شهادة أهل الذمة على الوصية.

وقد ذكرناه (٤٦) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فلم يبق أحد منهم إلا وقد خوطب بها، وكيف يجوز أن يقال ﴿ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ إلا من كان خارجًا منهم، وأما قول ابن شهاب: إنها في أهل الميراث، فأنى يكون هذا؟

وإنما (سما الله بشهادة) (٤٧) ﴿ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا ﴾ وقال: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ ﴾ .

وهو تناولها (٤٨) فهذان نوعان من التأويل لا أعرف لهما وجهًا، مع أن فيهما أمرين لا يجوزان في أحكام المسلمين، قال: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ ﴾ فهل يُعرف في حكم الإِسلام أن يُحَلَّف الشاهدان أو يجب عليهما يمين؟

أم هل يعرف في حكم الإسلام أن لا يقبل الحاكم شهادتهما ولا ينفذها إلا بعد صلاة العصر؟

هذا ما لا يجب على شهود المسلمين، وليس الأمر عندنا إلا القول الأول عن من سمينا من الصحابة والتابعين (٤٩) (٥٠) ﴿ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾ إلى آخر الآية، ثم أمر اليهود والنصارى أن يحلفوا بالله لقد ترك من المال كذا، ولشهادتنا أحق من شهادة هذين المسلِمَيْنِ، ثم أمر أهل المتوفى أن يحلفوا بالله ما شهدت به اليهود والنصارى، فحلفوا، فأمرهم ابن مسعود أن يأخذوا من المسلِمَيْنِ ما شهدت به اليهود والنصارى.

قال: وكان ذلك في خلافة عثمان.

انتهى كلام أبي عبيد (٥١) والذين يتأولون الآية في غير أهل الذمة يقولون إنما استُحلِف الشاهدان لأنهما صارا مدَّعى عليهما، ادَّعى الورثة انهما خانا في المال، وأما الحبس بعد الصلاة فهو من تغليظ الأيمان، ومذهب أهل الحجاز أن الأيمان تغلَّط في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان واللفظ، أما الزمان: فهو ما قال الله تعالى في هذه الآية، وهي صلاة العصر، وكان الناس يكثرون في المساجد بالحجاز بعد صلاة العصر.

وأما المكان: فعند المقام بمكة، وعلى المنبر بالمدينة، وسائر البلاد.

وأما الألفاظ: فما يؤدي إليه اجتهاد القضاة، رجعنا إلى حديث تميم وعدي وقصتهما: ولما رفعوهما إلى رسول الله  ، ونزلت الآية، أمرهم رسول الله  أن يستحلفوهما بالله الذي لا إله إلا هو ما قبضا له غير هذا ولا كتما، فحلفا على ذلك، وخلى رسول الله  سبيلهما، فكتما الإناء ما شاء الله أن يكتما، ثم اطُّلِعَ على إناء من فضة منقوش من ذهب معهما، فقالوا هذا من متاعه، فقالا: اشتريناه منه فارتفعوا إلى النبي  .

(١) هو أبو رقية، تميم بن أوس الداري، مشهور في الصحابة، كان نصرانيا فأسلم سنة 9 هـ، كان كثير التهجد، قام ليلة بآية حتى أصبح وهي: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ  ﴾ انظر: "الإصابة" 1/ 186.

(٢) هو عدي بن بداء، قال ابن حبان: له صحبة، وأنكر أبو نعيم ذلك، وجاء في "تفسير مقاتل" أنه مات نصرانيًا.

انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 514، و"الإصابة" 2/ 467.

(٣) أخرجه البخاري (2780) كتاب: الوصايا، باب: قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ مختصرًا، والترمذي (3059) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة، وأبو داود (3606) كتاب: الأقضية، باب: شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر، والطبري 7/ 101 - 112 من طرق والمؤلف في "أسباب النزول" ص 214.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 323.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 214.

(٦) انظر: "الحجة للقراء السبعة" لأبي علي الفارسي 3/ 262.

(٧) هكذا في النسختين (ج)، (ش) بالنون، وفي "الحجة" لأبي علي 3/ 362 (الجبوبا) وكذا في اللسان 1/ 532 (جبب) قال في شرحه: "الجبوب وجه الأرض ومتنها" ولعل ما في "الحجة" هو الأصوب فهو الأصل، وقد نسب البيت في اللسان لأبي خراش الهذلي.

(٨) "الحجة" 3/ 362.

(٩) قد تكون: يشهد أن؛ لأن الفاعل: اثنان.

(١٠) أي ظرف زمان.

(١١) "الحجة" 3/ 263.

(١٢) "الحجة" 2/ 263، 264.

(١٣) "الحجة" 3/ 264.

(١٤) أخرج معناه عنه الطبري في "تفسيره" 7/ 101، وهذا قول الجمهور "بحر العلوم" 1/ 264، "النكت والعيون" 2/ 75، "زاد المسير" 2/ 446.

(١٥) "تفسير الطبري" 7/ 103، "بحر العلوم" 1/ 464، "النكت والعيون" 2/ 75، "تفسير البغوي" 3/ 112، "زاد المسير" 2/ 446.

(١٦) أخرجه الطبري 7/ 104، "تفسير البغوي" 3/ 112.

(١٧) قال محقق الطبري: "دَقُوقا: مدينة بين إربل وبغداد معروفة، لها ذكر في الأخبار والفتوح، كان بها وقعة للخوارج" "تفسير الطبري" 11/ 162 (ط.

شاكر).

(١٨) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 157، 158 رقم 290 مختصرًا، وأبو داود (3605) كتاب: الأقضية، باب: شهادة أهل الذمة وفي الوصية في السفر، والطبري 7/ 105، وانظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 379.

(١٩) "الحجة" 3/ 265.

(٢٠) انظر: "الحجة" 3/ 264.

(٢١) أخرجه عن السدي: الطبري 7/ 109، وعزاه لهما الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 76، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 448، وقد استبعد الطبري هذا القول.

(٢٢) "تفسير الطبري" 7/ 111، و"معاني الزجاج" 2/ 216، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 378، و"بحر العلوم" 1/ 465، "النكت والعيون" 2/ 76، "تفسير البغوي" 3/ 112، 113.

(٢٣) "تأويل مشكل القرآن" ص 378، وانظر: "زاد المسير" 2/ 448.

(٢٤) "ديوانه" ص 391، وفيه (تارة) بدل (مرةً).

وانظر: "المحتسب" 1/ 150.

(٢٥) "الحجة" 3/ 265.

(٢٦) ابن الأنباري.

(٢٧) "الحجة" 3/ 266.

(٢٨) "الحجة" 3/ 266.

(٢٩) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 378.

(٣٠) أي ابن قتيبة.

انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 378، 379.

(٣١) من "الحجة" لأبي علي 3/ 266.

(٣٢) "الحجة" 3/ 266.

(٣٣) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 181، الطبري 7/ 111، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 378، "بحر العلوم" 1/ 465.

(٣٤) "تأويل مشكل القرآن" ص 377، 378.

(٣٥) في (ج): (فجازت).

(٣٦) ينظر: "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 155 - 165.

(٣٧) ينظر: "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 163، 164.

(٣٨) "تفسير الطبري" 7/ 106، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 377، "النكت والعيون" 1/ 494، "زاد المسير" 2/ 446.

(٣٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 216.

(٤٠) ينظر: "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 155 - 165.

(٤١) "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 155.

(٤٢) انظر: "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 155 - 160.

(٤٣) "الناسخ والمنسوح في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 160.

(٤٤) لا يزال الكلام لأبي عبيد.

(٤٥) "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 162 ، 163.

(٤٦) في (ج): (وقد ذكرنا).

(٤٧) في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز": (سماها الله لنا شهادة).

(٤٨) في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز": وهذا يتأولها.

(٤٩) "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 163.

(٥٠) هذا الأثر متقدم في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" على ما نقله المؤلف فهو في ص 157.

(٥١) "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 157 - 163.

<div class="verse-tafsir"

فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْمًۭا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْأَوْلَيَـٰنِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَـٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٠٧

فنزل قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا ﴾ الآية (١) قال الليث: عثر الرجل يعثرُ عُثُورًا: إذا هجم على أمرِ لم يهجُم عليه غيره، وأعثرت فلانًا على أمري، أي: أطلعته، وعَثَر الرجل يَعْثُر عَثْرة، إذا وقع على شيء (٢) قال أهل اللغة: وأصل عثر بمعنى اطلع، من العثرة التي هي الوقوع، وذلك أن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه، ثم إذا عثر به اطلع عليه ونظر ما هو، فقيل لكل من اطلع على أمر كان خفيًا عنه: قد عثر عليه.

وأعثر غيره إذا أطلعه عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ  ﴾ ، أي: أطلعنا عليهم، ومعنى الآية: فإن ظُهِر أنهما أتيا خيانة واستحقا الإثم أي: استوجباه بقصدهما في شهادتهما إلى غير الاستقامة، ولم يتحريا الحق وحنثا في اليمين، ﴿ فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا ﴾ ، أي: مقام الشاهدين الذين هما من غيرنا.

وقوله تعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ ﴾ ، قال الزجاج: هذا موضع من أصعب ما في القرآن من الإعراب قوله ﴿ مِنَ الَّذِينَ ﴾ صفة للآخرين، وقوله: ﴿ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ﴾ صلة الذين.

ومعنى ﴿ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ﴾ أي: استحقت الوصية عليهم، أو استحق الإيصاء عليهم، وهم ورثة الميت.

ويجوز أن يكون المعنى من الذين استحق عليهم الإثم، كأن المعنى من الذين جنى عليهم الإثم (٣) ﴿ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ  ﴾ وقال بعضهم: معنى (على) معنى (من) كأنه قيل: من الذين استحق منهم الإثم، وكانت (على) بمنزلة (من) كقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ  ﴾ أي: من الناس (٤) قال صاحب النظم مختارًا لهذا القول: ﴿ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ﴾ أي: نيل منهم ظلم بالخيانة وهم ورثة المتوفى الموصي.

انتهى كلامه، والمسند إليه استحق الإيصاء والإثم على ما بينا، وحذف ذلك لتقدم ذكر الوصية والإثم في قوله: ﴿ حِينَ الْوَصِيَّةِ ﴾ وقوله: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ الْأَوْلَيَانِ ﴾ لا يخلو ارتفاعه من أن يكون على الابتداء، وقد أُخِّر كأنه في التقدير: فالأوليان بأمر (٥) (٦) (٧) وقد أجاز أبو الحسن الأخفش أن يكون (الأوليان) صفة لقوله (فآخران) لأنه لما وُصف (آخران) اختص بما وُصفَ به فوصف من أجل الاختصاص الذي صار له بما يوصف به المعارف (٨) وقال صاحب النظم: النكرة إذا تقدم ذكرها ثم أعيد عليها الذكر صارت معرفة كقوله عز وجل: ﴿ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ  ﴾ فمصباح نكرة، ثم قال: ﴿ الْمِصْبَاحُ ﴾ ثم قال: ﴿ فِي زُجَاجَةٍ ﴾ ثم قال ﴿ الزُّجَاجَةُ ﴾ وهذا مثل قولك: رأيت رجلاً، فاستفهمك إنسان فقال: من الرجل؟

فصار العود إلى ذكره معرفة، قال: ويجوز أن يكون (الأوليان) بدلاً من قوله: (آخران) وإبدال المعرفة من النكرة سائغ كثير، ومعنى الأوليان: أي: الأقربان إلى الميت.

ويجوز أن يكون المعنى: الأوليان باليمين (٩) (١٠) (١١) ﴿ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ﴾ وتقديره: من الأولين الذين استحق عليهم الإيصاء أو الإثم.

وإنما قيل لهم: الأولين فمن حيث كانوا أولين في الذكر، ألا ترى قد تقدم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ وكذلك: ﴿ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ ذكرا في اللفظ قبل قوله: (أو آخران من غيركم) (١٢) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا ﴾ ، قال ابن عباس: يريد ليميننا أحق من يمينهما (١٥) وهذا ملتقى به ﴿ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ ﴾ لأن معناه: فيقولان: والله لشهادتنا، وسميت اليمين ههنا شهادة؛ لأن اليمين كالشهادة على ما يحلف أنه كذلك، وقد يقول القائل: أشهد بالله، أي: أقسم عليه.

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا اعْتَدَيْنَا ﴾ ، قال ابن عباس: أي: فيما طلبنا من حقنا (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وقال عبد الله بن مسلم في ذكر معنى هذه الآية على سياق واحد موافق لما قدمنا: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ ﴾ بعد ما حلف الوصيان ﴿ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا ﴾ أي: حنثًا في اليمين بكذبٍ في قولٍ أو خيانةٍ في وديعةٍ، قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت، فيحلفان بالله لقد ظُهِر على خيانة الذميين وكذبهما وتبديلهما، وما اعتدينا عليهما (٢٠) رجعنا إلى قصة تميم وعدي، قالوا: فلما نزلت هذه الآية قام عمرو ابن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان، فحلفا بالله أنهما خانا وكذبا، فدفع الإناء إليهما وإلى أولياء الميت، وغرم تميم وعدي ما أخذاه من ثمنه، فكان تميم الداري بعد ما أسلم وبايع النبي  يقول: صدق الله ورسوله، أنا أخذت الإناء، فأتوب إلى الله وأستغفره (٢١)  أنه قال هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام (٢٢) (١) "تفسير الطبري" 7/ 117، "تفسير البغوي" 3/ 113.

(٢) "تهذيب اللغة" 3/ 2327 (عثر).

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 216، 217.

(٤) "معانى القرآن وإعرابه" 2/ 217.

(٥) في (ج): (بالأمر).

(٦) في (ج): (عثرا).

(٧) "الحجة" لأبي علي الفارسي 3/ 267، و"معاني الزجاج" 2/ 216،217.

(٨) "معاني القرآن وإعرابه" للأخفش 2/ 479، و"الحجة" لأبي علي 3/ 267.

(٩) انظر: "الحجة" 3/ 268.

(١٠) في (ش): (الجازم) والأقرب ما أثبته.

"تفسير الطبري" 7/ 115، و"الإصابة" 1/ 184.

والمقصود بالجام ما أخذه تميم وأخوه من مال الميت وهو الإناء، والجام قال الأزهري في تعريفه: "عن ابن الأعرابي: الجام الفاثور من اللجين".

"تهذيب اللغة" 1/ 525 (جام).

والفاثور: الخوان أو المائدة.

قال محقق الطبري 11/ 185: (ط.

شاكر) "الجام إناء من فضة، وهو عربي فصيح مخوص بالذهب".

(١١) "تفسير الطبري" 7/ 114، و"الحجة" 3/ 260، والنشر في القراءات العشر 2/ 256.

(١٢) انظر: "الحجة" 3/ 169، و"حجة القراءات" ص 238.

(١٣) أخرجه الفراء في "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 324، و"معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 381، و"حجة القراءات" ص 238.

(١٤) فى رواية حفص عنه ، "الحجة" 3/ 260 - 261.

و"حجة القراءات" ص 238، و"النشر" 2/ 256.

(١٥) انظر: "بحر العلوم" 1/ 465، "تفسير البغوي" 3/ 114.

(١٦) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 125.

(١٧) انظر: "بحر العلوم" 1/ 465، "تفسير البغوي" 3/ 114.

(١٨) انظر: "الحجة" 3/ 261 - 270.

(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 214 - 217.

(٢٠) "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 379، 380 باختصار.

(٢١) أخرجه الطبري 7/ 115 - 116 عن عكرمة، وكذا ابن المنذر، انظر: "الدر المنثور" 2/ 603.

(٢٢) "القرطبي" 6/ 358.

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوٓا۟ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌۢ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ١٠٨

قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا ﴾ ، أشار بقوله: (ذلك) إلى ما حكم به في هذه القصة وبينه من رد اليمين، والمعنى: ذلك الذي حكمنا به أدنى إلى الإتيان بالشهادة وأقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على ما كانت، يعني تميمًا وصاحبه وكل من قام مقامهما من الخصوم، ولهذا المعنى جمع.

وقوله تعالى: ﴿ أَوْ يَخَافُوا ﴾ ، أي: أقرب إلى أن يخافوا (١) ﴿ أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ ﴾ على أولياء الميت (٢) ﴿ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا وُيغرّموا، فربما لا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا الحكم (٣) ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ ، أن تحلفوا أيمانًا كاذبة وتخونوا أمانة (٤) ﴿ وَاسْمَعُوا ﴾ ، الموعظة (٥) ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ ، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لا يرشد من كان على معصيته (٦) (١) "معاني الزجاج" 2/ 217، "تفسير البغوي" 3/ 115.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 514، الطبري 7/ 122، "زاد المسير" 2/ 453.

(٣) "تفسير الطبري" 7/ 122 - 123، "تفسير البغوي" 3/ 115.

(٤) "تفسير الطبري" 7/ 123، "بحر العلوم" 1/ 466، "تفسير البغوي" 3/ 115.

(٥) "تفسير الطبري" 7/ 123، "تفسير الوسيط" 2/ 243.

(٦) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 126.

<div class="verse-tafsir"

۞ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَا عِلْمَ لَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ ١٠٩

قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ﴾ ، انتصاب اليوم يجوز أن يكون بفعل محذوف وهو: احذروا أو اذكروا، وقال الزجاج: وهو محمول على قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ﴾ (١) ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ ﴾ أي: واتقوا ذلك اليوم، فدل ذكر الاتقاء في الآية الأولى على الاتقاء في هذه الآية، ولم ينصب اليوم على الظرف للاتقاء؛ لأنهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم، ولكن على المفعول به كما قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ مَاذَا أُجِبْتُمْ ﴾ ، قال الكلبي: ماذا أجابكم قومكم في التوحيد (٢) قال أهل المعاني: ومعنى المسألة من الله للرسل التوبيخ للذين أرسلوا إليهم كما قال عز وجل: ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ  ﴾ وإنما تُسأل ليُوبَّخ قاتلوها (٣) وقوله تعالى: ﴿ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ﴾ ، قال ابن عباس في رواية عطاء: إن للقيامة زلازل وأهوالًا حتى تزول القلوب من مواضعها، فإذا رجعت القلوب إلى مواضعها، شهدوا لمن صدقهم وشهدوا على من كذبهم، يريد أنه عزبت عنهم أفهامهم من هول يوم القيامة فقالوا: لا علم لنا (٤) (٥) (٦) ونحو هذا قال الكلبي: من شدة هذه المسألة وهول ذلك الموطن، قالوا: لا علم لنا، ثم رجعت إليهم عقولهم، فشهدوا على قومهم أنهم بلغوهم الرسالة، وكيف ردوا عليهم (٧) ومثل هذا قال مقاتل (٨) (٩) قال ابن عباس في رواية الوالبي (١٠) (١١) (١٢) وذكر الزجاج هذا القول فقال: وقال بعضهم: معنى قول الرسل: لا علم لنا، أي: لا علم لنا بما غاب عنا ممن أُرسِلنا إليه، وأنت تعلم باطنهم، فلسنا نعلم غيبهم، أنت علام الغيوب (١٣) يدل على صحة هذا التأويل: قوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ  ﴾ ، أي: أنت تعلم ما غاب، ونحن نعلم ما نشاهده، ولا نعلم ما في البواطن (١٤) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 218.

(٢) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 126.

(٣) "معاني الزجاج" 2/ 218، "النكت والعيون" 2/ 78، "زاد المسير" 2/ 453.

(٤) أخرجه الخطيب في تاريخه كما في "الدر المنثور" 2/ 607 - 608، "تفسير البغوي" 3/ 116، "زاد المسير" 2/ 453.

(٥) "تفسير الطبري" 7/ 125، "بحر العلوم" 1/ 466، "تفسير الوسيط" 2/ 244، "تفسير البغوي" 3/ 116، "زاد المسير" 2/ 453.

(٦) في "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 324.

(٧) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 126.

(٨) في "تفسيره" 1/ 515.

(٩) لم أقف عليه.

(١٠) علي بن أبي طلحة وهي من أصح الطرق عن ابن عباس.

(١١) أخرجه الطبري 7/ 126 بمعناه، "النكت والعيون" 2/ 78، البغوي 3/ 115، "زاد المسير" 2/ 453.

(١٢) "تفسير الوسيط" 2/ 244، "زاد المسير" 2/ 453.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 218.

(١٤) "تفسير الطبري" 7/ 126.

<div class="verse-tafsir"

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِى ۖ وَتُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ١١٠

قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ الآية، موضع (إذ) يجوز أن يكون رفعًا بالابتداء على معنى: ذاك إذ قال الله، ويجوز أن يكون المعنى: اذكر إذ قال الله (١) وقوله تعالى: ﴿ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ يجوز أن يكون (عيسى) في محل الرفع (٢) يا زبرقانُ أخا بني خَلفٍ ويجوز أن يكون في محل النصب؛ لأنه في نية الإضافة، ثم جعل الابن توكيداً له (٣) يا حَكمُ بنُ المنذرِ بن الجارودُ برفع الأول ونصبه على ما بينا، وقوله تعالى: ﴿ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ﴾ أراد الجمع كقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ  ﴾ ، وإنما جاز ذلك لأنه مضاف فصلح للجنس، ثم فسر نعمته عليه بقوله: ﴿ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾ إلى آخر الآية.

وقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى وَالِدَتِكَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد إذ أنبتها نباتًا حسنًا وطهرتها واصطفيتها على نساء العالمين، وكان يأتيها رزقها من عندي وهي في محرابها (٤) وقوله تعالى: ﴿ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾ مضى تفسيره في سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ تُكَلِّمُ النَّاسَ في الْمَهْدِ ﴾ (تكلم) في موضع الحال، أي: أيدتك به مكلما الناس في المهد، قاله الزجاج (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَكَهْلًا ﴾ عطف على موضع (تكلم)، كأن المعنى: وأيدتك به مخاطبًا الناس في صغرك ومخاطبًا الناس كهلًا (٦) ﴿ الْمَهْدِ ﴾ فيكون المعنى: وأيدتك به مكلمًا الناس صغيرًا وكهلًا (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ قيل: الكتابة (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ﴾ وقرأ نافع: (فتكون طائرًا) (١٠) ولو قال قائل: إن الطائر قد يكون جمعًا مثل الحامل والباقر والسامر كان ذلك قياسًا (١١) وأما قوله تعالى: ﴿ فَتَنْفُخُ فِيهَا ﴾ وفي آل عمران: ﴿ فَأَنْفُخُ فِيهِ  ﴾ ، والقول في ذلك أن الضمير في قوله: ﴿ فِيهَا ﴾ يعود إلى الهيئة وتجعلها مصدرًا في موضع المهيأ، كما يقع الخلق موضع المخلوق، وذلك لأن النفخ لا يكون في الهيئة، إنما يكون في المهيأ ذي الهيئة (١٢) ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ  ﴾ ، وأما تذكير الضمير في آل عمران فقد مضى الكلام فيه مستقصى.

وقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد عن قتلك (١٣) وقوله تعالى: ﴿ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ  ﴾ ، وقرأ حمزة والكسائي.

(ساحر) بالألف (١٤) ﴿ سِحْرٌ ﴾ جعله إشارة إلى ما جاء به، كأنه قال: ما هذا الذي جئت به إلا سحر، ومن قرأ: (إلا ساحر) أشار إلى الشخص لا إلى الحدث الذي أتى به، وكلاهما حسن لاستواء كل واحد منهما في أن ذكره قد تقدم (١٥) ﴿ سِحْرٌ ﴾ لجواز وقوعه على الحدث والشخص، أما وقوعه على الحدث فسهل كثير، ووقوعه على الشخص تريد به: ذو سحر، كما جاء: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ  ﴾ أي: ذا البر، وقالوا: إنما أنت سيرٌ وما أنت إلا سيرٌ، وإنما هي إقبال وإدبار، فيجوز أن يريد بسحر ذا سحر، ولا يجوز أن تريد بساحر السحر.

وقد جاء فاعل يراد به المصدر في حروف ليست بالكثير، نحو: عائذ بالله من شره، أي: عياذًا، ونحو العافية (١٦) (١٧) (١) "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 528.

(٢) انظر: المرجع السابق.

(٣) "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 528.

(٤) لم أقف عليه.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 219.

(٦) "معاني الزجاج" 2/ 219.

(٧) "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 528.

(٨) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: الكتاب.

(٩) "تفسير الطبري" 7/ 127.

(١٠) انظر: "السبعة" ص 249.

(١١) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2150 (طار)، "الحجة للقراء السبعة" 3/ 276،277.

(١٢) "تفسير الطبري" 7/ 127، "زاد المسير" 2/ 454، 455.

(١٣) "تفسير الطبري" 7/ 128، و"تفسير الوسيط" 2/ 244، والبغوي 3/ 116، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 126.

(١٤) "الحجة" 3/ 270.

(١٥) "الحجة" 3/ 271.

(١٦) في "الحجة" 3/ 272 (العاقبة).

(١٧) من "الحجة" لأبي علي 3/ 271، 272 بتصرف.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّـۧنَ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ١١١

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ ﴾ قد ذكرنا طرفًا من معاني الوحي والإيحاء في قوله: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ  ﴾ ، وقال عامة المفسرين في ﴿ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ ﴾ ألهمتهم، كما قال جل وعز: ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ  ﴾ أي: ألهمها وقذف في قلوبها (١) (٢) (١) "معاني القرآن" للفراء 1/ 329، الطبري 7/ 128، "معاني القرآن" للنحاس 2/ 383، "بحر العلوم" 1/ 461.

(٢) الظاهر أنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۖ قَالَ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ١١٢

قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ ، قال أهل المعاني: هذا على المجاز كما يقول القائل: هل تستطيع أن تنهض معنا، أي: هل تفعل، وذلك أن المانع من جهة الحكمة قد يُجعَل بمنزلة المنامي للاستطاعة.

وقال ابن الأنباري: لا يجوز لأحد أن يتوهم على الحواريين أنهم شكوا في قدرة الله عز وجل، ولا يدل قولهم ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ على أنهم شكوا في استطاعة الله (١) (٢) (٣) وقال أبو علي الفارسي: ليس هذا على أنهم شكوا في قدرة القديم (٤) ﴿ وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا  ﴾ ، كما قال إبراهيم  : ﴿ وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي  ﴾ بأن أعلمُ ذلك، من حيث لا يكون لشبهة ولا إشكال عليّ طريقٌ (٥) وقرأ الكسائي: (تَسْطِّيع) (٦) تقولُ إذا استهلكتُ مالاً للذَّةٍ ...

فُكَيهَةُ هشَّئٌ بكفَّيك لائقُ (٧) وأنشد أيضاً: فذَرْ ذا ولكن هَتُّعينُ مُتَيَّمًا ...

على ضوء برقٍ آخِرَ الليلِ ناصِبِ (٨) أي هل تعين، فأدغم (٩) وأما معنى ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ هل تستطيع سؤال ربك (١٠) (١١) و (أنْ) في قوله: ﴿ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا ﴾ متعلق بالمصدر المحذوف على أنه مفعول (١٢) (١٣) ويحتمل أن يكون مرادهم بالاستفهام التلطف في استدعاء السؤال كما تقول لصحابك: هل تستطيع أن تفعل كذا؟

وأنت عالم أنه يستطيع، ولكن قصدك بالاستفهام التلطف (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) وقال السدي في معنى القراءة الأولى: هل يطيعك ربك إن سألته (١٨) وقال أبو إسحاق في معنى القراءة الثانية: ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ هل تستدعي طاعته وإجابته فيما تسأله من هذا (١٩) أحدهما: أن يكونوا أرادوا أن يزدادوا تبيينا (٢٠)  : ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى  ﴾ .

والثاني: أن يكون مسألتهم المائدة قبل علمهم أنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى (٢١) (٢٢) إلى أمير المؤمنين المُمتاد (٢٣) أراد الذي يميد الناس أي: يعطيهم ويحسن إليهم (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ قال المفسرون: اتقوا الله أن تسألوه شيئًا لم تسأله الأمم قبلكم (٢٦) ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ  ﴾ ، ونحوها من الآي.

قاله أبو علي، وقول المفسرين أشبه لتعلقه بما قبله من المعنى.

(١) "تفسير الطبري" 7/ 129.

(٢) "زاد المسير" 2/ 456.

(٣) "معاني القرآن" 1/ 325.

(٤) القديم: مما أدخله المتكلمون في أسماء الله تعالى، وليس هو من الأسماء الحسنى الواردة في الكتاب والسنة.

انظر: "الطحاوية" ص 67.

(٥) "الحجة" 3/ 273، 274 بتصرف.

(٦) "الحجة" 3/ 275.

(٧) في الكتاب 4/ 458، ونسبة لطريف بن تميم العنبري، قال سيبويه: يريد: هل شيء؟

فأدغم اللام في الشين.

(٨) في "الكتاب" 4/ 459 ونسبه لمزاحم العقيلي.

(٩) "الكتاب" 4/ 458، 459، "الحجة" لأبي علي 3/ 273 بتصرف.

(١٠) "معاني القرآن" للفراء 1/ 325.

(١١) "الحجة" 3/ 273.

(١٢) "الحجة" 3/ 273.

(١٣) أي قراءة نصب "رَبَكَ" وهي للكسائي كما تقدم قريبًا.

(١٤) "تفسير الطبري" 7/ 130.

(١٥) أي نصب "ربك".

(١٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 325.

(١٧) أخرجه بمعناه الطبري 7/ 131، "معاني القرآن" للفراء 1/ 325.

(١٨) أخرجه الطبري 7/ 131.

(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 220.

(٢٠) في "معاني الزجاج": تثبيتًا.

(٢١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 221.

(٢٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 220.

(٢٣) لرؤبة، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 159، 182، 183.

(٢٤) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 149، "زاد المسير" 2/ 457.

(٢٥) "مجاز القرآن" 1/ 182.

(٢٦) "تفسير الطبري" 7/ 130، "معاني القرآن" للنحاس 2/ 386، "زاد المسير" 2/ 457.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ ١١٣

قوله تعالى: ﴿ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا ﴾ أي: نريد السؤال من أجل هذا الذي ذكرناه (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ﴾ قال عطاء: نزداد يقينًا (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾ أي: لله بالتوحيد لأجل الدليل الذي نراه في المائدة، ولك بالنبوة من جهة ذلك الدليل أيضًا، وقال عطاء: يريد شهودًا (٤) (٥) (١) "تفسير الطبري" 7/ 131.

(٢) "زاد المسير" 2/ 457.

(٣) انظر: البغوي 3/ 118.

(٤) في (ش): (شهودًا لك).

(٥) "زاد المسير" 2/ 458.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًۭا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةًۭ مِّنكَ ۖ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ١١٤

قوله تعالى: ﴿ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا ﴾ (تكون) صفة للمائدة وليس بجواب الأمر (١) (٢) قال (الفراء) (٣) (٤) ﴿ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي  ﴾ بالجزم والرفع (٥) ﴿ فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي  ﴾ بالجزم والرفع (٦) وقوله تعالى: ﴿ عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا ﴾ أي: نتخذ اليوم الذي تنزل فيه عيدًا نعظمه نحن ومن يأتي بعدنا وهذا قول السدي وقتادة وابن جريج (٧) (٨) وقال ابن عباس في رواية عطاء: يقول عطية: (لأولنا) يريد من معه، (وآخرنا) يريد من يأتي بعده (٩) فواكبدي من لا عجِ الحُبِّ والهَوَى ...

إذا اعتاد قَلْبي من أُمَيمَةَ عِيدُها قال الليث: العيد كل يومِ مَجْمَع، قال: واشتقاقه من عاد يعود كأنهم عادوا إليه، وقال العجاج: كما يعود العيد نصراني (١٠) قال: وتحولت الواو في العيد ياء لكسرة العين.

وقال المفضل: يقال: عاد في عيدي، أي: عادتي، وأنشد: عاد قلبي من الطويلة عيد وقول تأبط شرًّا: يا عيد مالك من شوق وإيراق (١١) فإنه أراد الخيال الذي يعتاده.

وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: يسمى العيد عيدًا؛ لأنه يعود كل سنة بفرح مجدد.

وقال أبو بكر (١٢) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَآيَةً مِنْكَ ﴾ أي: دلالة على توحيدك وصحة نبوة نبيك (١٥) ﴿ وَارْزُقْنَا ﴾ قال ابن عباس: وارزقنا عليها طعامًا نأكله (١٦) (١) انظر: القرطبي 6/ 367.

(٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 325.

(٣) سقط من (ج).

(٤) "معاني القرآن" 1/ 225، وما بعده ليس عند الفراء في المطبوع.

(٥) بجزم "يرث" ورفعه.

قراءتان سبعيتان، انظر: "حجة القراءات" ص 438.

(٦) بجزم (يصدق) ورفعه.

قراءتان سبعيتان أيضًا، انظر: "حجة القراءات" ص 545، 546.

(٧) "تفسير الطبري" 7/ 132، "النكت والعيون" 84، "زاد المسير" 2/ 458.

(٨) "زاد المسير" 2/ 458.

(٩) أخرجه بمعناه من طريق آخر: الطبري 7/ 132.

(١٠) عجز بيت يصف فيه الثور الوحشي، وصدره: واعتاد أرباضها لها آريّ انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2270 - 2271 (عاد).

(١١) صدر بيت له، وعجزه: ومرَّ طيف من الأهوال طَراَّق (١٢) ابن الأنباري كما في "تهذيب اللغة" 3/ 2271 (عاد).

(١٣) إلى هنا انتهى كلام ابن الأنباري حسب ما في "تهذيب اللغة".

(١٤) الكلام من قوله: "قال الليث ..

" إلى هنا من "تهذيب اللغة" 3/ 2270 - 2271 (عاد).

(١٥) انظر: "بحر العلوم" 1/ 468.

(١٦) "تفسير الوسيط" 2/ 246.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًۭا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١١٥

قوله تعالى: ﴿ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ﴾ وقرئ بالتشديد (١) ﴿ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ﴾ فقال: ﴿ إِنِّي مُنَزِّلُهَا ﴾ ليكون الجواب كالسؤال، ومن شدد فلأن نَزَّل وأنزل في القرآن قد استعمل كل واحد منهما موضع الآخر (٢) وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ ﴾ بعد إنزال المائدة.

وقوله تعالى: ﴿ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا ﴾ إلى أخر الآية قال، ابن عباس: يعني: مسخهم خنازير (٣) (٤) وقيل: أراد جنسًا من العذاب لا يعذب به غيرهم (٥) ﴿ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾ يعني عالمي زمانهم (٦) قال الزجاج: جائز أن يكون هذا العذاب يعجل لهم في الدنيا، وجائز أن يكون في الآخرة (٧) واختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا؟: فقال الحسن: والله ما نزلت المائدة، وإن القوم لما سمعوا الشرط في قوله: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ ﴾ استعفوا وقالوا: لا نريدها ولا حاجة لنا فيها.

ولو نزلت لكانت عيدًا لنا إلى يوم القيامة (٨) (٩) (١٠)  : "نزلت المائدة من السماء خبزًا ولحمًا، وأمروا أن لا يخونوا ولا يُخبِّئوا ولا يدّخروا، فخان القوم وخّباوا وادّخروا فمسخوا قردة وخنازير" (١١) (١٢) قال أبو بكر بن الأنباري: والذي نختاره تصحيح نزول المائدة لتتابع الأخبار بذلك، ولأن قوله تعالى: ﴿ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ﴾ كلام تام وليس بجواب لشرط، وجواب الشرط قوله تعالى: ﴿ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا ﴾ ، ولا يلزم قول الحسن: أنها لو نزلت لكانت عيدًا لنا إلى يوم القيامة؛ لأن وجه السؤال أن يكون يوم نزولها عيدًا لهم ولمن بعدهم ممكن كان على شريعتهم.

(١) قرأ بالتشديد نافع وعاصم وابن عامر، وقرأ الباقون بالتخفيف.

"الحجة للقراء السبعة" 3/ 282، و"حجة القراءات" ص 242.

(٢) "الحجة" 3/ 382.

(٣) "زاد المسير" 2/ 462.

(٤) أخرج ابن جرير عنه كقول ابن عباس: حولوا خنازير، الطبري 7/ 136.

"النكت والعيون" 2/ 86.

(٥) "النكت والعيون" 2/ 86، "زاد المسير" 2/ 462.

(٦) "تفسير الطبري" 7/ 136، "النكت والعيون" 2/ 86.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 7/ 136.

(٨) أخرجه الطبري 7/ 136، "النكت والعيون" 2/ 85.

(٩) أخرجه الطبري 7/ 135.

(١٠) "تفسير الطبري" 7/ 133، "النكت والعيون" 2/ 85، "زاد المسير" 2/ 459، ونسب هذا القول للجمهور.

(١١) أخرجه الترمذي (3061) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة مرفوعًا وموقوفًا ورجح الوقف ثم قال: "ولا نعلم للحديث المرفوع أصلاً"، وأخرجه الطبري 11/ 228، 229.

(١٢) وهذا اختيار الطبري 7/ 135، والبغوي 3/ 119، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 462، وابن كثير 2/ 135 وغيرهم.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَـٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُۥ فَقَدْ عَلِمْتَهُۥ ۚ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ ١١٦

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ﴾ الآية.

قال النحويون: هذا عطف جملة على جملة، والجملة الأولى قوله: (إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر) (١) وعامة المفسرين على أن هذا القول لعيسى إنما يكون في القيامة؛ إلا السدي (٢) ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ ﴾ وإذ تستعمل لما مضى.

والصحيح ما عليه العامة؛ لأن الله تعالى عقب هذه القصة بقوله تعالى: ﴿ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ﴾ وأراد به يوم القيامة، وإنما خرج هذا مخرج المضي وهو للمستقبل؛ تحقيقًا لوقوعه كقوله تعالى: ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ  ﴾ ولم ينادوا بعد، ولكنه بمنزلة ما قد مضى وفعلوا ذلك، من حيث أنه لا يعترض الشك في وقوعه (٣) وقوله تعالى: ﴿ أَأَنْتَ قُلْتَ ﴾ هذا الاستفهام معناه: التوبيخ لمن ادعى ذلك على المسيح  ، قال الزجاج: وذلك أن النصارى مجمعون على أن صادق الخبر، وإذا كذبهم الصادق كان ذلك أوكد للحجة عليهم، وأبلغ في توبيخهم (٤) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ أي: من غير الله، كقوله تعالى: ﴿ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ  ﴾ و (من) زائدة مؤكدة للمعنى.

وقوله تعالى: ﴿ قَالَ سُبْحَانَكَ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد جل جلالك وتعظمت وتعاليت (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ﴾ قال أبو علي: المعنى إن أكن الآن قلته فيما مضى.

وليس كان فيه على المضي؛ لأن الشرط والجزاء لا يقعان إلا فيما يستقبل، والحروف في الجزاء تحيل معنى المضي إلى الاستقبال لا محالة، قال: وهذا الذي ذكرناه من هذا التأويل كان أبو بكر (٧) وقوله تعالى: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ قال ابن عباس: تعلم ما في غيبي، ولا أعلم ما في غيبك (٨) وقال عبد العزيز بن يحيى (٩) (١٠) وقال أهل المعاني: تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي، إلا أنه ذكرت النفس على مزواجة الكلام، لأن ما تخفيه كأنه إخفاء في النفس، وهذا شرح قول ابن عباس وعبد العزيز، لأن ما يخفيه الإنسان يكون في نفسه كالسر الذي يكتمه فقال عيسى: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي ﴾ أي: ما أخفيه من سري وغيبي أي: ما غاب ولم أظهره ﴿ وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ أي: ما تخفيه أنت ولم تطلعنا عليه، فلما كان سر عيسى يخفيه في نفسه، جعل أيضًا سر الله مما يخفيه الله تعالى في نفسه؛ ليزدوج الكلام ويحسن النظم.

هذا طريق في شرح هذا اللفظ.

وقال الزجاج: النفس في اللغة: تقع عبارة عن حقيقة الشيء، فمعنى ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي ﴾ أي: تعلم ما أضمر ﴿ وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ أي: لا أعلم ما في حقيقتك وما عندك علمه، والتأويل أنك تعلم ما أعلم، ولا أعلم ما تعلم، ويدل على هذا قوله: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾ ، قال: وهذا راجع إلى توكيد أن الغيب لا يعلمه إلا الله (١١) وروى ثعلب عن أبي الأعرابي في معاني النفس في اللغة: أن النفس تكون بمعنى (عند) فقوله: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي ﴾ أي: ما عندي ﴿ وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ أي: ما عندك (١٢) والنفس عند المتكلمين في صفة الله تعالى عبارة عن ذاته وحقيقة وجوده، والموجود يقال له: عين وذات ونفس، وهذا لا يوجب تشبيهًا (١٣) (١) "تفسير الطبري" 7/ 136 - 138.

(٢) "تفسير الطبري" 7/ 137، "زاد المسير" 2/ 463.

(٣) ما رجحه المؤلف اختيار أكثر المفسرين، انظر: "بحر العلوم" 1/ 469، "النكت والعيون" 2/ 90، البغوي 3/ 121، "زاد المسير" 2/ 463.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 222 (٥) لم أقف عليه.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 222.

(٧) لعله أبو بكر الأنباري.

(٨) "تفسير الوسيط" 2/ 247، والبغوي 3/ 122.

(٩) لعله الكناني، تقدمت ترجمته.

(١٠) انظر: البغوي 3/ 122.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 222، 223.

(١٢) انظر "تهذيب اللغة" 4/ 3629 (نفس).

(١٣) اختلف أهل السنة في إثبات النفس لله هل هي صفة للذات؟

أم أنها الذات؟

قال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله: ويراد بنفس الشيء ذاته وعينه ..

وقد قال تعالى: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ  ﴾ ..

فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النفس عند جمهور العلماء الله نفسه، التي هي ذاته المتصفة بصفاته، ليس المراد ذاتًا منفكة عن الصفات ولا المراد بها صفة للذات.

وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات، كما يظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات، وكلا القولين خطأ.

"مجموع الفتاوى" 9/ 292، 293، وانظر: "المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات" للمغراوي 1/ 393 - 396.

<div class="verse-tafsir"

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ ١١٧

قوله تعالى: ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ ذكر أبو إسحاق في محل (أن) وجوهًا: النصب على البدل من ما، والخفض على البدل من الضمير في (بِهِ)، قال: ويجوز أن يكون بمعنى (أي) مفسِّرة لما أمره به في قوله: ﴿ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ أي: اعبدوا الله، وعلى هذا لا موضع لها من الإعراب (١) وقوله تعالى: ﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ﴾ أي: كنت أشهد على ما يفعلون ما كنت مقيمًا فيهم ﴿ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي ﴾ قال ابن عباس والحسن والقرظي: رفعتني (٢) ﴿ كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ ﴾ قال ابن عباس والسدي وابن جريج وقتادة: الحفيظ عليهم (٣) وقال الزجاج: أي: الحافظ عليهم (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ  ﴾ ، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد شهدت مقالتي فيهم وبعدما رفعتني إليك شهدت ما يقولون بعدي (٦) ﴿ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ أي: شاهد عليه لعلمك به (٧) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 223 بتصرف.

(٢) انظر: "بحر العلوم" 1/ 469، البغوي 3/ 122، "النكت والعيون" 2/ 89.

(٣) أخرجه عن السدي وابن جريح الطبري 7/ 139، وعن ابن عباس ابن المنذر وعن قتادة عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 616.

(٤) ليس في معانيه.

(٥) لم أقف عليه.

(٦) "تفسير الوسيط" 1/ 248 وعزاه المحقق لتفسير ابن عباس ص 105.

(٧) "النكت والعيون" 2/ 89 <div class="verse-tafsir"

إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ١١٨

قوله تعالى: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾ الآية، تفسير هذه الآية واضح على قول من يقول إن هذه المخاطبة جرت بين الله تعالى وبين عيسى حين رفعه إلى السماء، يقول عيسى لله تعالى: (إن تعذبهم) على كفرهم ومعصيتهم (فإنهم عبادك وإن تغفر لهم) بتوبة تكون منهم، وهذا مذهب السدي، وقال في هذه الآية: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ ﴾ فتميتهم بنصرانيتهم فإنهم عبادك، ﴿ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ فتخرجهم من النصرانية وترشدهم إلى الإِسلام (١) ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ ﴾ يريد تدعهم على المعاصي ﴿ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾ ، ﴿ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ يريد تعصمهم فلا يتخذوا من دونك وليًّا ولا إلهًا ولا ربًا (٢) ﴿ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  ﴾ (العزيز) في ملكه (الحكيم) في أوليائه وأعدائه بالثواب والعقاب (٣) (٤) وأما الذين قالوا إن هذه المخاطبة تكون يوم القيامة يُسأَلُ عليهم فيقال: كيف جاز لعيسى أن يقول: (وان تغفر لهم) والله تعالى لا يغفر الشرك؟

والجواب عن هذا ما قال الحسن وأبو العالية: إن تعذبهم فبإقامتهم على كفرهم وإن تغفر لهم فبتوبة كانت منهم (٥) (٦) وأما أهل المعاني فإنهم مختلفون في الجواب عن هذا: فقال أبو بكر الأنباري: لما قال الله تعالى لعيسى: ﴿ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ لم يقع له إلا أن النصارى حكت عنه الكذب فقال: ﴿ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ الحكاية ﴿ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ لأنه ليس الحاكي للكفر كافرًا إذا لم يأخذ به، وليس في الآية أنهم اتخذوا عيسى وأمه إلهين، إنما هو استفهام عن عيسى هل أمر بذلك؟

وهل قال ذلك أم لا؟

وظاهر هذا الاستفهام يوجب أن النصارى حكوا عنه أنه أمر بذلك، فقال عيسى على اقتضاء هذا السؤال: ﴿ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ ما حكوه كذبا (٧) (٨) وقال ابن الأنباري أيضاً: هذا على التبعيض، أي: إن تعذب بعضهم الذين أقاموا على الكفر فهم عبادك، وإن تغفر لبعضهم الذين انتقلوا عن الكفر إلى الإِسلام، فأنت في ذلك قاهر غالب عادل، لا يعترض عليك فيه معترض (٩) والقول بالتبعيض في هذه الآية مذهب جماعة من المفسرين واختيار أبي إسحاق؛ لأنه قال: والذي عندي أن عيسى قد علم أن منهم من آمن ومنهم من أقام على الكفر، فقال عيسى في جملتهم: إن تعذب من كفر بك فإنهم عبادك، أنت العادل عليهم، ﴿ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ أي: لمن أقلع منهم وآمن فأنت في مغفرتك لهم (عزيز) لا يمتنع عليك ما تريد (حكيم) في ذلك (١٠) وذهب جماعة من أصحاب المعاني أن هذا على طريق تفويض الأمر إلى الله، إذ هو العالم بباطن أمرهم وظاهره، ومن أخلص التوبة منهم ومن أقام على كفره، ولم يشك عيسى في أنه يعذب الكفار، ولكن رد الأمر إلى مالكهم وإلههم، وتبرأ مما كان منهم؛ ليخرج نفسه من حالات المعترضين المقترحين، أي: إن عذبتهم يا رب لم يكن لي ولا لأحد الاعتراض عليك، وإن غفرت لهم ولست فاعلًا فذلك غير مردود عليك (١١) ﴿ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ دون الغفور الرحيم؛ لأنه ليس قوله: ﴿ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ على معنى مسألة الغفران لهم، وإنما هو على تسليم الأمر إلى من كان أملك بهم، ولو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم؛ لأوهم أنه دعا بالمغفرة، وهذا الذي ذكرنا من أن هذا على معنى التفويض مذهب الكلبي، فقد روى حبان عنه في هذه الآية قال: غبت عنهم وتركتهم على الحق فما أدري ما أحدثوا (١٢) (١) أخرجه الطبري 7/ 140، وكذا ابن حاتم وأبو الشيخ،"الدر المنثور" 2/ 616.

(٢) انظر: البغوي 3/ 122.

(٣) "تفسير الطبري" 7/ 140.

(٤) انظر: "بحر العلوم" 1/ 469، والبغوي 1/ 123.

(٥) "تفسير الوسيط" 2/ 248.

(٦) عزاه في "الدر المنثور" 2/ 616 لأبي الشيخ، "زاد المسير" 2/ 465.

(٧) "معاني الزجاج" 2/ 223.

(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 223، 224.

(٩) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 224.

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 224.

(١١) "زاد المسير" 2/ 465، ونسب نحو هذا القول لابن الأنباري.

(١٢) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّـٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ١١٩

قوله تعالى: ﴿ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ ﴾ في الدنيا ﴿ صِدْقُهُمْ ﴾ في الآخرة؛ لأنه يوم الإثابة والجزاء، وما تقدم في الدنيا من الصدق إنما يتبين نفعه في هذا اليوم الذي نيل فيه جزاؤه (١) والدليل على أن المراد بالصادقين الذين صدقوا في الدنيا لا الصادقين في ذلك اليوم، أن الكفار لا ينفعهم الصدق في ذلك اليوم بما يكون من الإقرار على أنفسهم بالمعصية.

قال المفسرون: هذا تصديق لعيسى بما يقول من قوله: ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ ﴾ الآية، وذلك أنه كان صادقًا في الدنيا ولم يقل للنصارى اتخذوني إلهًا، فنفعه صدقه (٢) ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ  ﴾ فلم ينفعه صدقه؛ لأنه كان كاذبًا في الدنيا.

وهذا معنى قول قتادة (٣) والذي ذكرنا من أن المراد بهذا اليوم يوم القيامة قول عامة المفسرين إلا ما روى عطاء عن ابن عباس أنه قال: يريد يومًا من أيام الدنيا؛ لأن الآخرة ليس فيها عمل، إنما فيها الثواب والجزاء (٤) (٥) ﴿ يَوْمُ يَنْفَعُ ﴾ ورفعه، فقرأ الأكثرون بالرفع، وقرأ نافع بالنصب (٦) فمن قرأ بالرفع قال الزجاج: فعلى خبر هذا، المعنى: قال الله تعالى اليوم يوم منفعة الصادقين (٧) ﴿ هَذَا ﴾ وأضاف يومًا إلى ﴿ يَنْفَعُ ﴾ والجملة التي هي المبتدأ والخبر في موضع نصب بأنه مفعول القول، كما تقول: قال زيد: عمرو أخوك، وما بعد القول حكايته، ومن نصب {يَوْمَ يَنْفَعُ} فعلى أن (يومَ) منصوب على الظرف، المعنى: قال الله هذا، وهو إشارة إلى ما تقدم ذكره من قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ ، في ﴿ يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ ﴾ أي: ما قال الله هذا في القيامة، وجاء على لفظ المضي وإن كان المراد به الآتي كما قال تعالى: ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ  ﴾ (٨) وهذا معنى قول الزجاج (٩) (١٠) (١١) قال الفراء: ويجوز أن تنصبه؛ لأنه مضاف إلى غير اسم، كما قالت العرب: مضى يومئذٍ بما فيه، ويفعلون ذلك به في موضع الخفض، وأنشد: رددنا بشعثاء (١٢) (١٣) قال: وكذلك وجه القراءة في قوله: ﴿ مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ  ﴾ ، و ﴿ وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ  ﴾ قال: وما أضيف إلى كلام ليس فيه مخفوض فافعل به هكذا، كقول الشاعر: على حينَ عاتبتُ المشيبَ على الصِّبا ...

وقلتُ ألمَّا تَصحُ والشيبُ وازعُ (١٤) (١٥) وشرح أبو بكر بن الأنباري هذا المذهب فقال: يجوز أن يكون ﴿ يَوْمُ ﴾ رفعًا بهذا، ولا يتبين الرفع في لفظ اليوم لأن إضافته غير محضة، والعرب إذا أضافت أسماء الزمان إلى الأفعال الماضية والمستقبلة فتحوها في حال إضافتها لبعدها عن معنى الاسم، وأشبه الزمان عندهم الأداة فجعلوا اليوم مع الفعل بمنزلة الشيء الواحد، واختاروا له الفتحة لأنها أخف الحركات، فيقولون: أعجبني يوم قام أخوك، ويوم يقوم أخوك؛ لأن الإضافة إلى الفعل غير صحيحة فألزم الوقت الفتح، فعلى هذا القول ﴿ يَوْمُ ﴾ رفع لأنه خبر المبتدأ، ولكنه نُصِب لأنه مضاف إلى الفعل، فنصب كما يضاف إلى ما هو مبني مثل: يومئذ، وهذا لا يصح عند البصريين.

قال الزجاج: زعم بعضهم: يعني: الفراء، أن يوم منصوب بأنه مضاف إلى الفعل، وهو في موضع رفع بمنزلة: يومئذٍ، مبني على الفتح في كل حال، وهذا خطأ عند البصريين، لا يجيزون: هذا يومَ آتيك، يريدون هذا يومُ آتيك؛ لأن آتيك فعل مضارع، فالإضافة إليه لا تزيل الإعراب عن جهته، ولكنهم يجيزون: ذلك يومَ نفعَ زيدًا صدقه؛ لأن الفعل الماضي غير مضارع، فهي إضافة إلى غير متمكن وإلى غير مضارع (١٦) وقال أبو علي منكرًا على الكوفيين: لا يجوز أن يكون ﴿ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ ﴾ في موضع رفع وقد فتح، لإضافته إلى الفعل؛ لأن المضاف إليه مُعَرب وإنما يكتسي المضاف البناء من المضاف إليه، إذا كان المضاف إليه مبنيًا والمضاف مبهمًا، كما يكون في هذا الضرب من الأسماء إذا أضيف إلى ما كان مبنيًا نحو: ﴿ وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ  ﴾ وصار في المضاف البناء للإضافة إلى المبني كما صار فيه الاستفهام للإضافة إلى المستفهم به، نحو: غلامُ من أنت؟

وكما صار فيه الجزاء نحو: غلامُ من تضربْ أضرِبْ.

وليس المضارع في هذا كالماضي في نحو: على حين عاتبتُ المشيبَ (١٧) لأن الماضي مبني والمضارع معرب، فإذا كان معربًا، لم يكن شيء يحدث من أجله البناء في المضاف (١٨) وقوله تعالى: ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ قال عطاء ومقاتل: ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ بطاعتهم (ورضوا عنه) بثوابه وما تفضل به عليهم من الكرامة سوى الثواب (١٩) ﴿ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  ﴾ قال الحسن: فازوا بالجنة ونجوا من النار (٢٠) (١) "تفسير الطبري" 7/ 141.

(٢) معنى قول السدي عند الطبري 7/ 141.

(٣) انظر: البغوي 3/ 124.

(٤) انظر: البغوي 3/ 124.

(٥) "تفسير الطبري" 7/ 141.

(٦) النصب قراءة نافع وحده، والرفع للباقين.

"الحجة" 3/ 282.

(٧) "معانى القرآن وإعرابه" 2/ 224.

(٨) "الحجة" 3/ 283.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 224، 225.

(١٠) "الحجة" 3/ 283.

(١١) "الحجة" 3/ 283، 284.

(١٢) ..............

(١٣) البيت لجرير في "شرح ديوانه" ص 385.

(١٤) البيت للنابغة الذبياني كما في "الكتاب" ص 53 وهو من "شواهد الإنصاف" لأبي البركات ابن الأنباري 2/ 292 "شذور الذهب" ص 112 رقم (25).

(١٥) "معاني القرآن للفراء" 1/ 326، 327.

(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 224، 225.

(١٧) صدر بيت النابغة المتقدم قريبًا.

(١٨) "الحجة" 3/ 283، 285.

(١٩) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 522، و"تفسير الوسيط" 2/ 249، والبغوي 3/ 124، و"زاد المسير" 2/ 467.

(٢٠) "تفسير الوسيط" 2/ 249.

<div class="verse-tafsir"

لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۢ ١٢٠

قوله تعالى: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ قال مقاتل: عظَّم نفسه عما قالت النصارى من البهتان أن معه إلهًا فقال: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ دون كل من سواه لقدرته عليه وحده (١) (٢) (٣) ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ  ﴾ ، و ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ  ﴾ ، والآية تشير إلى أن الآمال يجب أن تتعلق بالله تعالى لعظم ملكه وسعة مقدرته (٤) (١) "تفسيره" 1/ 522.

(٢) في (ج): (مضمن).

(٣) "تفسير الوسيط" 2/ 249.

(٤) هذا آخر تفسير سورة المائدة، وقد أعقبه المصنف مباشرة بتفسير سورة الأنعام، وذلك في نسخة (ج) (جامعة الإمام) لوحة 97 ب، ونسخة (ش) (شستربني) لوحة 88 ب.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله