تفسير سورة المائدة الآية ٤٥ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 5 المائدة > الآية ٤٥

وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلْأَنفَ بِٱلْأَنفِ وَٱلْأُذُنَ بِٱلْأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌۭ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٌۭ لَّهُۥ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٤٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 7 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ الآية.

قال ابن عباس: يريد وفرضنا عليهم في التوراة (١) ﴿ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ يريد من قتل نفسًا بغير، قود قتل به (٢) قال الضحاك: لم يجعل لهم دية في نفس ولا جرح، إنما هو العفو أو (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ ﴾ .

اختلفوا في رفع العين ونصبها، فقرأ الأكثرون بالنصب، وكذلك ما العين (٥) (٦) ومن رفع العين فإنه عطف جملة على جملة، ولم يجعل الواو للإشراك في العامل كما كان كذلك في قول من نصب، ويجوز أن يكون حمل الكلام على المعنى؛ لأن معنى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ قلنا لهم: (النَّفْسُ بِالنَّفْسِ)، فحمل (وَالْعَيْنُ بِالْعَيْنِ) على هذا (٧) بادَتْ وغَيَّرَ آيَهنّ مع البلَى ...

إلا رواكدَ جَمْرُهن هبَاءُ ومُشَجَّعٌ أما سواءُ قَذالِه ...

فَبَدا وغَيَّر سارَهُ المِعْزَاءُ (٨) لما كان المعنى في قوله: إلا رواكد بها رواكد، حمل مشجّجًا عليه، فكأنه قال: هناك رواكد ومشجّج (٩) قال الزجاج: ويجوز أن يكون: (العينُ) عطفًا على المضمر في قوله: (بالنفس (١٠) (١١) (١٢) وأما من قرأ الجميع بالنصب ورفع (الجروحُ) (١٣) قال العلماء في هذه الآية: كل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في العين والأنف والأذن والسن وجميع الأطراف، إذا تماثلا في السلامة من الشلل، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضًا في الأطراف (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ﴾ وهو كل ما يمكن أن يقتص فيه مثل: الشفتين والذكر والأنثين والألسن والقدمين واليدين وغيرها (١٥) فأما ما لا يمكن القصاص من رضة لحم، أو هيضة عظم أو جراحة في البطن يُخاف منها التلف ففيه أرش (١٦) (١٧) والقصاص ههنا مصدر يراد به المفعول، أي والجروح مُتقاصّة بعضها ببعض.

وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ تَصَدَّقَ ﴾ .

أي: أعطى وبذل وترك، من الصدقة، وكل ما يعطيه الإنسان من ماله أو بدنه أو عرضه فرضًا كان أو نقلًا، ومنه قوله  : "أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضَمْضَم (١٨) (١٩) والكلام في أصل الصدقة قد مضى عند قوله تعالى: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ بِهِ ﴾ أي: بالقصاص الذي وجب له.

﴿ فَهُوَ ﴾ أي: التصدق، ﴿ كَفَّارَةٌ لَهُ ﴾ أي: للمتصدق الذي هو المجروح، أو ولي الدم.

وهذا قول أكثر أهل التأويل (٢٠) قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد فمن عفا فهو مغفرة له عند الله وثواب عظيم (٢١) وهذا قول ابن عمر والحسن والشعبي وقتادة (٢٢) وروى عبادة بن الصامت أن رسول الله  قال: "من تصدق من جسده بشيء كفر الله -عز وجل- عنه بقدره من ذنوبه" (٢٣) وقال آخرون: الكناية في قوله: ﴿ لَهُ ﴾ تعود على المتصدق عليه، أي كفارة للمتصدق عليه؛ لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه (٢٤) قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ﴾ قال: فهو كفارة للجارح، وأجر المتصدق على الله (٢٥) وهذا قول إبراهيم ومجاهد وزيد بن أسلم (٢٦) وعلى هذا فالجاني إذا عفا عنه المجني عليه كان العفو كفارة لذنب الجاني لا يؤاخذ به في الآخرة، كما أن القصاص كفارة له.

والقول الأول أظهر؛ لأن العائد فيه يرجع إلى مذكور وهو (من)، وفي القول الثاني يعود إلى مدلول عليه وهو المتصدق عليه، دل عليه قوله: ﴿ فَمَنْ تَصَدَّقَ ﴾ (٢٧) (١) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 115.

(٢) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 258.

(٣) في (ش): (و).

(٤) لم أقف عليه عن الضحاك، وورد نحوه عن ابن عباس.

أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 259، وأورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 893.

(٥) قرأ بالنصب العشرة إلا الكسائي فإنه قرأ بالرفع، ووافقه في (الجروحُ) خاصة ابن كثير في "تفسيره" وأبو عمرو وأبو جعفر وابن عامر.

انظر: "الحجة" 3/ 223، "النشر" 2/ 254.

(٦) "الحجة" 3/ 223.

(٧) من "الحجة" 3/ 223، 224.

(٨) البيتان بدون عزو في "الكتاب" 1/ 173، 174، "شرح أبيات سيبويه" للنحاس ص 84، "الحجة" 3/ 225.

ومعنى بادت تغيرت وبليت، وآيهن: آثارهن، والرواكد: الأثافي، والهباء: الغبار، أي صار الجمر كالغبار لقدمه وانسحاقه، والمشجج، وتد الخباء، وتشجيجه ضرب رأسه لتثبيته، وسواء قذاله: أعلى الوتد، وساره: سائره، والمعزاء: الصلبة.

(٩) "الحجة" 3/ 225، وانظر: "الكتاب" 1/ 174.

(١٠) في (ج): (أن النفس)، وفي "معاني الزجاج" 2/ 179: النفس.

(١١) في "معاني الزجاج" النفس.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 179، وانظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 193.

(١٣) هذه قراءة ابن كثير في "تفسيره" وأبي عمرو وأبي جعفر وابن عامر.

انظر: "الحجة" 3/ 223، "معاني القراءات" 1/ 329، "النشر" 2/ 254.

(١٤) انظر: "الأم" 6/ 5، 50، والطبري في "تفسيره" 6/ 258، والبغوي في "تفسيره" 3/ 63.

(١٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 258 - 259، والبغوي في "تفسيره" 3/ 63، "زاد المسير" 2/ 368.

(١٦) الأرش: هو اسم للمال الواجب على ما دون النفس.

"التعريفات" للجرجاني ص 17، وانظر: "اللسان" 1/ 60 (أرش).

(١٧) انظر: "الأم" 6/ 80 - 83، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 204.

(١٨) هذا الرجل غير مسمى ولا منسوب، عدّ من الصحابة ويحتمل أنه ممن تقدم.

انظر: "الاستيعاب" 4/ 257، "أسد الغابة" 6/ 177، "الإصابة" 4/ 112.

(١٩) أخرجه بنحوه أبو داود (4887) كتاب الأدب، باب (43): ما جاء في الرجل يحل الرجل قد اغتابه 5/ 199، من طرق، وذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب" 4/ 257، وابن الأثير في "أسد الغابة" 6/ 177، وابن حجر في "الإصابة" 4/ 112.

(٢٠) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 260 - 262، "معاني الزجاج" 2/ 179، "معاني النحاس" 2/ 317، "بحر العلوم" 1/ 440.

(٢١) أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 895 ولم أقف عليه، وقد ثبت عن ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة أنه قال: فمن عفا عنه وتصدق عليه فهو كفارة للمطلوب وأجر للطالب.

"تفسير ابن عباس" ص 180، وأورده ابن كثير في "تفسيره" 2/ 72 من هذه الطريق أيضًا.

(٢٢) أخرج أقوالهم الطبري في "تفسيره" 6/ 260 - 262، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 317، "النكت والعيون" 2/ 43 - 44 (٢٣) أخرجه أحمد في "مسنده" 5/ 316، والمؤلف في "الوسيط" 3/ 895 من طريق شيخه الثعلبي، وذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 63، وصححه الألباني، انظر: "صحيح الجامع" (6151)، وأخرج الترمذي نحوه من حديث أبي الدرداء -  - (1393) كتاب الديات، باب: ما جاء في العفو، وابن ماجة (2693) كتاب الديات، باب: العفو في القصاص.

(٢٤) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 261، "النكت والعيون" 1/ 470.

(٢٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 262، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 317، "النكت والعيون" 2/ 44، والبغوي في "تفسيره" 3/ 64.

(٢٦) أخرج أقوالهم الطبري في "تفسيره" 6/ 261 - 262، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 44، والبغوي في "تفسيره" 3/ 64.

(٢٧) وهذا أيضًا اختيار الطبري في "تفسيره" 6/ 262.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله