الآية ٤٥ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٤٥ من سورة المائدة

وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلْأَنفَ بِٱلْأَنفِ وَٱلْأُذُنَ بِٱلْأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌۭ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٌۭ لَّهُۥ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٤٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 169 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٥ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٥ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهذا أيضا مما وبخت به اليهود وقرعوا عليه ، فإن عندهم في نص التوراة : أن النفس بالنفس .

وهم يخالفون ذلك عمدا وعنادا ، ويقيدون النضري من القرظي ، ولا يقيدون القرظي من النضري ، بل يعدلون إلى الدية ، كما خالفوا حكم التوراة المنصوص عندهم في رجم الزاني المحصن ، وعدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإشهار ; ولهذا قال هناك : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) لأنهم جحدوا حكم الله قصدا منهم وعنادا وعمدا ، وقال هاهنا : ( فأولئك هم الظالمون ) لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه ، فخالفوا وظلموا ، وتعدى بعضهم على بعض .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن آدم حدثنا ابن المبارك عن يونس بن يزيد عن أبي علي بن يزيد - أخي يونس بن يزيد - عن الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ) نصب النفس ورفع العين .

وكذا رواه أبو داود والترمذي والحاكم في مستدركه ، من حديث عبد الله بن المبارك وقال الترمذي : حسن غريب .

وقال البخاري : تفرد ابن المبارك بهذا الحديث .

وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا ، إذا حكي مقررا ولم ينسخ ، كما هو المشهور عن الجمهور ، وكما حكاه الشيخ أبو إسحاق الاسفراييني عن نص الشافعي وأكثر الأصحاب بهذه الآية ، حيث كان الحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة .

وقال الحسن البصري : هي عليهم وعلى الناس عامة .

رواه ابن أبي حاتم .

وقد حكى الشيخ أبو زكريا النووي في هذه المسألة ثلاثة أوجه ثالثها : أن شرع إبراهيم حجة دون غيره ، وصحح منها عدم الحجية ، ونقلها الشيخ أبو إسحاق الاسفراييني أقوالا عن الشافعي ورجح أنه حجة عند الجمهور من أصحابنا ، فالله أعلم .

وقد حكى الإمام أبو نصر بن الصباغ رحمه الله ، في كتابه " الشامل " إجماع العلماء على الاحتجاج بهذه الآية على ما دلت عليه ، وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة بعموم هذه الآية الكريمة ، وكذا ورد في الحديث الذي رواه النسائي وغيره : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب في كتاب عمرو بن حزم : " أن الرجل يقتل بالمرأة " وفي الحديث الآخر : " المسلمون تتكافأ دماؤهم " وهذا قول جمهور العلماء .

وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها ، إلا أن يدفع وليها إلى أوليائه نصف الدية ; لأن ديتها على النصف من دية الرجل ، وإليه ذهب أحمد في روايته [ عنه ] وحكي [ هذا ] عن الحسن [ البصري ] وعطاء وعثمان البتي ورواية عن أحمد [ به ] أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها ، بل تجب ديتها .

وهكذا احتج أبو حنيفة رحمه الله تعالى ، بعموم هذه الآية على أنه يقتل المسلم بالكافر الذمي ، وعلى قتل الحر بالعبد ، وقد خالفه الجمهور فيهما ، ففي الصحيحين عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يقتل مسلم بكافر " وأما العبد فعن السلف في آثار متعددة : أنهم لم يكونوا يقيدون العبد من الحر ، ولا يقتلون حرا بعبد ، وجاء في ذلك أحاديث لا تصح ، وحكى الشافعي الإجماع على خلاف قول الحنفية في ذلك ، ولكن لا يلزم من ذلك بطلان قولهم إلا بدليل مخصص للآية الكريمة .

ويؤيد ما قاله ابن الصباغ من الاحتجاج بهذه الآية الكريمة الحديث الثابت في ذلك ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن أبي عدي حدثنا حميد عن أنس بن مالك : أن الربيع عمة أنس كسرت ثنية جارية ، فطلبوا إلى القوم العفو ، فأبوا ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " القصاص " .

فقال أخوها أنس بن النضر : يا رسول الله ، تكسر ثنية فلانة ؟!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أنس ، كتاب الله القصاص " .

قال : فقال : لا والذي بعثك بالحق ، لا تكسر ثنية فلانة .

قال : فرضي القوم ، فعفوا وتركوا القصاص ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره " .

أخرجاه في الصحيحين وقد رواه محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري في الجزء المشهور من حديثه ، عن حميد عن أنس بن مالك أن الربيع بنت النضر عمته لطمت جارية فكسرت ثنيتها فعرضوا عليهم الأرش ، فأبوا فطلبوا الأرش والعفو فأبوا ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمرهم بالقصاص ، فجاء أخوها أنس بن النضر فقال : يا رسول الله أتكسر ثنية الربيع ؟

والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا أنس ، كتاب الله القصاص " .

فعفا القوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره " .

رواه البخاري عن الأنصاري .

فأما الحديث الذي رواه أبو داود : حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي ، عن قتادة عن أبي نضرة عن عمران بن حصين أن غلاما لأناس فقراء قطع أذن غلام لأناس أغنياء ، فأتى أهله النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ، إنا أناس فقراء ، فلم يجعل عليه شيئا .

وكذا رواه النسائي عن إسحاق ابن راهويه عن معاذ بن هشام الدستوائي عن أبيه عن قتادة به ، وهذا إسناد قوي رجاله كلهم ثقات فإنه حديث مشكل ، اللهم إلا أن يقال : إن الجاني كان قبل البلوغ ، فلا قصاص عليه ، ولعله تحمل أرش ما نقص من غلام الأغنياء عن الفقراء ، أو استعفاهم عنه .

وقوله تعالى : ( والجروح قصاص ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : تقتل النفس بالنفس ، وتفقأ العين بالعين ، ويقطع الأنف بالأنف ، وتنزع السن بالسن ، وتقتص الجراح بالجراح .

فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين [ به ] فيما بينهم ، رجالهم ونساؤهم ، إذا كان عمدا في النفس وما دون النفس ، ويستوي فيه العبيد رجالهم ونساؤهم فيما بينهم إذا كان عمدا ، في النفس وما دون النفس ، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم .

الجراح تارة تكون في مفصل ، فيجب فيه القصاص بالإجماع ، كقطع اليد والرجل والكف والقدم ونحو ذلك .

وأما إذا لم تكن الجراح في مفصل بل في عظم ، فقال مالك رحمه الله : فيه القصاص إلا في الفخذ وشبهها ; لأنه مخوف خطر .

وقال أبو حنيفة وصاحباه : لا يجب القصاص في شيء من العظام إلا في السن .

وقال الشافعي : لا يجب القصاص في شيء من العظام مطلقا ، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابن عباس .

وبه يقول عطاء والشعبي والحسن البصري والزهري وإبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز .

وإليه ذهب سفيان الثوري والليث بن سعد .

وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد .

وقد احتج أبو حنيفة رحمه الله ، بحديث الربيع بنت النضر على مذهبه أنه لا قصاص في عظم إلا في السن .

وحديث الربيع لا حجة فيه ; لأنه ورد بلفظ : " كسرت ثنية جارية " وجائز أن تكون سقطت من غير كسر ، فيجب القصاص - والحالة هذه - بالإجماع .

وتمموا الدلالة .

بما رواه ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش عن دهثم بن قران عن نمران بن جارية عن أبيه جارية بن ظفر الحنفي أن رجلا ضرب رجلا على ساعده بالسيف من غير المفصل ، فقطعها ، فاستعدى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمر له بالدية ، فقال : يا رسول الله ، أريد القصاص .

فقال : " خذ الدية ، بارك الله لك فيها " .

ولم يقض له بالقصاص .

وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر : ليس لهذا الحديث غير هذا الإسناد ودهثم بن قران العكلي ضعيف أعرابي ، ليس حديثه مما يحتج به ونمران بن جارية ضعيف أعرابي أيضا ، وأبوه جارية بن ظفر مذكور في الصحابة .

ثم قالوا : لا يجوز أن يقتص من الجراحة حتى تندمل جراحه المجني عليه ، فإن اقتص منه قبل الاندمال ثم زاد جرحه ، فلا شيء له ، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد : حدثنا يعقوب حدثنا أبي ، عن محمد بن إسحاق فذكر حديثا ، قال ابن إسحاق : وذكر عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده ; أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته ، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أقدني .

فقال صلى الله عليه وسلم : " لا تعجل حتى يبرأ جرحك " .

قال : فأبى الرجل إلا أن يستقيد ، فأقاده رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ، قال : فعرج المستقيد وبرأ المستقاد منه ، فأتى المستقيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : يا رسول الله ، عرجت وبرأ صاحبي .

فقال : " قد نهيتك فعصيتني ، فأبعدك الله وبطل عرجك " .

ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه .

تفرد به أحمد .

فلو اقتص المجني عليه من الجاني ، فمات من القصاص ، فلا شيء عليه عند مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين وغيرهم .

وقال أبو حنيفة : تجب الدية في مال المقتص .

وقال عامر الشعبي وعطاء وطاوس وعمرو بن دينار والحارث العكلي وابن أبي ليلى وحماد بن أبي سليمان والزهري والثوري : تجب الدية على عاقلة المقتص له .

وقال ابن مسعود وإبراهيم النخعي والحكم بن عتيبة وعثمان البتي : يسقط عن المقتص له قدر تلك الجراحة ، ويجب الباقي في ماله .

وقوله : ( فمن تصدق به فهو كفارة له ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : ( فمن تصدق به فهو كفارة له ) يقول : فمن عفا عنه ، وتصدق عليه فهو كفارة للمطلوب ، وأجر للطالب .

وقال سفيان الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : ( فمن تصدق به فهو كفارة له ) قال : كفارة للجارح ، وأجر المجروح على الله عز وجل .

رواه ابن أبي حاتم ثم قال : وروي عن خيثمة بن عبد الرحمن ومجاهد وإبراهيم - في أحد قوليه - وعامر الشعبي وجابر بن زيد - نحو ذلك الوجه الثاني ، ثم قال ابن أبي حاتم : حدثنا حماد بن زاذان حدثنا حرمي - يعني ابن عمارة - حدثنا شعبة عن عمارة - يعني ابن أبي حفصة - عن رجل ، عن جابر بن عبد الله في قول الله عز وجل ( فمن تصدق به فهو كفارة له ) قال : للمجروح .

وروى عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي - في أحد قوليه - وأبي إسحاق الهمداني نحو ذلك .

وروى ابن جرير عن عامر الشعبي وقتادة مثله .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة عن قيس - يعني بن مسلم - قال : سمعت طارق بن شهاب يحدث ، عن الهيثم أبي العريان النخعي قال : رأيت عبد الله بن عمرو عند معاوية أحمر شبيها بالموالي ، فسألته عن قول الله [ عز وجل ] ( فمن تصدق به فهو كفارة له ) قال : يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به .

وهكذا رواه سفيان الثوري عن قيس بن مسلم .

وكذا رواه ابن جرير من طريق سفيان وشعبة .

وقال ابن مردويه : حدثني محمد بن علي ، حدثنا عبد الرحيم بن محمد المجاشعي حدثنا محمد بن أحمد بن الحجاج المهري حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي حدثنا معلى - يعني ابن هلال - أنه سمع أبان بن تغلب عن أبي العريان الهيثم بن الأسود عن عبد الله بن عمرو - وعن أبان بن تغلب عن الشعبي عن رجل من الأنصار عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( فمن تصدق به فهو كفارة له ) قال : هو الذي تكسر سنه ، أو تقطع يده ، أو يقطع الشيء منه ، أو يجرح في بدنه فيعفو عن ذلك ، وقال فيحط عنه قدر خطاياه ، فإن كان ربع الدية فربع خطاياه ، وإن كان الثلث فثلث خطاياه ، وإن كانت الدية حطت عنه خطاياه كذلك .

ثم قال ابن جرير : حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة حدثنا ابن فضيل عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي السفر قال : دفع رجل من قريش رجلا من الأنصار فاندقت ثنيته ، فرفعه الأنصاري إلى معاوية فلما ألح عليه الرجل قال : شأنك وصاحبك .

قال : وأبو الدرداء عند معاوية فقال أبو الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من مسلم يصاب بشيء من جسده ، فيهبه ، إلا رفعه الله به درجة ، وحط عنه به خطيئة " .

فقال الأنصاري : أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقال : سمعته أذناي ووعاه قلبي ، فخلى سبيل القرشي ، فقال معاوية : مروا له بمال .

هكذا رواه ابن جرير ورواه الإمام أحمد فقال : حدثنا وكيع حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي السفر قال : كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار فاستعدى عليه معاوية فقال القرشي : إن هذا دق سني ؟

قال معاوية : إنا سنرضيه .

فألح الأنصاري ، فقال معاوية : شأنك بصاحبك وأبو الدرداء جالس ، فقال أبو الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من مسلم يصاب بشيء في جسده ، فيتصدق به ، إلا رفعه الله به درجة أو حط عنه بها خطيئة " .

فقال الأنصاري : فإني ، يعني : قد عفوت .

وهكذا رواه الترمذي من حديث ابن المبارك وابن ماجه من حديث وكيع كلاهما عن يونس بن أبي إسحاق به ، ثم قال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، ولا أعرف لأبي السفر سماعا من أبي الدرداء .

وقال [ أبو بكر ] بن مردويه : حدثنا دعلج بن أحمد حدثنا محمد بن علي بن زيد حدثنا سعيد بن منصور حدثنا سفيان عن عمران بن ظبيان عن عدي بن ثابت ; أن رجلا هتم فمه رجل ، على عهد معاوية رضي الله عنه ، فأعطي دية ، فأبى إلا أن يقتص ، فأعطي ديتين ، فأبى ، فأعطي ثلاثا ، فأبى ، فحدث رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من تصدق بدم فما دونه ، فهو كفارة له من يوم ولد إلى يوم يموت " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سريج بن النعمان حدثنا هشيم عن المغيرة عن الشعبي أن عبادة بن الصامت قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من رجل يجرح من جسده جراحة ، فيتصدق بها ، إلا كفر الله عنه مثل ما تصدق به .

ورواه النسائي عن علي بن حجر عن جرير بن عبد الحميد ورواه ابن جرير عن محمود بن خداش عن هشيم كلاهما عن المغيرة به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن مجالد عن عامر عن المحرر بن أبي هريرة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أصيب بشيء من جسده ، فتركه لله ، كان كفارة له " .

وقوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) قد تقدم عن طاوس وعطاء أنهما قالا كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز ذكره : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وكتبنا على هؤلاء اليهود الذين يحكمونك، يا محمد، وعندهم التوراة فيها حكم الله.

ويعني بقوله: " وكتبنا "، وفرضنا عليهم فيها أن يحكموا في النَّفس إذا قتلت نفسًا بغير حق (83) =" بالنفس "، يعني: أن تقتل النفس القاتلة بالنفس المقتولة، =" والعين بالعين "، يقول: وفرضنا عليهم فيها أن يفقأوا العين التي فقأ صاحبها مثلَها من نفس أخرَى بالعين المفقوءة= ويجدع الأنف بالأنف= وتقطع الأذن بالأذن= وتقلع السنّ بالسنّ= ويُقْتَصَّ من الجارِح غيره ظلمًا للمجروح.

(84) وهذا إخبار من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن اليهود= وتعزية منه له عن كفر من كفر منهم به بعد إقراره بنبوته، وإدباره عنه بعد إقباله= وتعريفٌ منه له جراءتهم قديمًا وحديثًا على ربِّهم وعلى رسل ربِّهم، وتقدُّمهم على كتاب الله بالتحريف والتبديل.

يقول تعالى ذكره له: وكيف يرضى هؤلاء اليهود، يا محمد، بحكمك، إذا جاءوا يحكمونك وعندهم التوراة التي يقرُّون بها أنها كتابي ووحيي إلى رسولي موسى صلى الله عليه وسلم، فيها حكمي بالرجم على الزناة المحصنين، وقضائي بينهم أن من قتَل نفسًا ظلمًا فهو بها قَوَدٌ، ومن فقأ عينًا بغير حق فعينه بها مفقوءة قِصَاصًا، ومن جدع أنفًا فأنفه به مجدوع، ومن قلع سنًّا فسنّه بها مقلوعة، ومن جرح غيره جرحًا فهو مقتصٌّ منه مثل الجرح الذي جرحه؟= ثم هم مع الحكم الذي عندهم في التوراة من أحكامي، يتولون عنه ويتركون العمل به، يقول: فهم بترك حكمك، وبسخط قضائك بينهم، أحرَى وأولَى.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 12064 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: لما رأت قريظة النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد حكم بالرجم، وكانوا يخفونه في كتابهم، نهضت قريظة فقالوا: يا محمد، اقضِ بيننا وبين إخواننا &; 10-360 &; بني النضير= وكان بينهم دمٌ قبلَ قدوم النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت النضير يتعزَّزون على بني قريظة، ودياتهم على أنصاف ديات النضير، وكانت الدِّية من وُسُوق التمر: أربعين ومئة وسق لبني النضير، وسبعين وسقًا لبني قريظة= فقال: دمُ القرظيّ وفاءٌ من دم النضيريّ!

(85) فغضب بنو النضير وقالوا: لا نطيعك في الرَّجم، ولكن نأخذ بحدودنا التي كنَّا عليها!

فنـزلت: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [سورة المائدة: 50] ونـزل: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس "، الآية.

12065 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص "، قال: فما بالهم يخالفون، يقتلون النفسين بالنفس، ويفقأون العينين بالعين؟

12066 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا خلاد الكوفي قال، حدثنا الثوري، عن السدي، عن أبي مالك قال: كان بين حيين من الأنصار قتالٌ، فكان بينهم قتلى، وكان لأحد الحيين على الآخر طَوْلٌ، (86) فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يجعَلُ الحرَّ بالحرِّ، والعبدَ بالعبد، والمرأة بالمرأة، فنـزلت: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ [سورة البقرة: 178]= قال سفيان: وبلغني عن ابن عباس أنه قال: نسختها: " النفس بالنفس ".

(87) 12067 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس "= فيها في التوراة-" والعين بالعين " حتى: " والجروح قصاص "، قال مجاهد عن ابن عباس قال: كان على بني إسرائيل القصاصُ في القتلى، ليس بينهم دية في نفسٍ ولا جُرْحٍ.

قال: وذلك قول الله تعالى ذكره: " وكتبنا عليهم فيها " في التوراة، فخفف الله عن أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، فجعل عليهم الدية في النَّفس والجِراح، وذلك تخفيف من ربكم ورحمة= فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ .

12068 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسنّ بالسن والجروح قصاص "، قال: إن بني إسرائيل لم تُجعل لهم ديةٌ فيما كتب الله لموسى في التوراة من نفس قتلت، أو جرح، أو سنّ، أو عين، أو أنف.

إنما هو القصاصُ، أو العفو.

12069 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وكتبنا عليهم فيها "، أي في التوراة=" أن النفس بالنفس ".

12070 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وكتبنا عليهم فيها "، أي في التوراة، بأن النفس بالنفس.

12071 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس " حتى بلغ " والجروح قصاص "، بعضها ببعض.

12072 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " أن النفس بالنفس "، قال يقول: تقتل النفس بالنفس، وتفقأ العين بالعين، ويقطع الأنف بالأنف، وتنـزع السنّ بالسن، وتقتصّ الجراح بالجراح.

* * * قال أبو جعفر: فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم، رجالهم ونساؤهم، إذا كان في النفس وما دون النفس= ويستوي فيه العبيد رجالهم ونساؤهم فيما بينهم، إذا كان عمدًا في النفس وما دون النفس.

(88) * * * القول في تأويل قوله عز ذكره : فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المعنيِّ به: " فمن تصدق به فهو كفارة له ".

فقال بعضهم: عنى بذلك المجروحَ ووليَّ القتيل.

ذكر من قال ذلك: 12073 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن الهيثم بن الأسود، عن عبد الله بن عمرو: " فمن تصدق به فهو كفارة له "، قال: يُهْدَم عنه = يعني المجروح = مثلُ ذلك من ذنوبه.

12074 - حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن الهيثم بن الأسود، عن عبد الله بن عمرو، بنحوه.

12075 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن الهيثم بن الأسود أبي العُرْيان قال: رأيت معاوية قاعدًا على السرير، وإلى جنبه رجلٌ أحمر كأنه مَوْلىً= وهو &; 10-363 &; عبد الله بن عمرو= فقال في هذه الآية: " فمن تصدق به فهو كفارة له "، قال: يُهْدَم عنه من ذنوبه مثل ما تصدّق به.

(89) 12076 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم في قوله: " فمن تصدق به فهو كفارة له "، قال: للمجروح.

12077 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا شعبة، عن عمارة بن أبي حفصة، عن أبي عقبة، عن جابر بن زيد: " فمن تصدق به فهو كفارة له "، قا ل: للمجروح.

(90) 12078 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثني حَرِميّ بن عمارة قال، حدثنا &; 10-364 &; شعبة قال، أخبرني عمارة، عن رجل= قال حرميّ: نسيت اسمه= عن جابر بن زيد، بمثله.

(91) 12079 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيم: " فمن تصدق به فهو كفارة له "، قال: للمجروح.

12080 - حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا ابن فضيل، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر قال: دفع رجلٌ من قريش رجلا من الأنصار فاندقَّتْ ثنيَّتُه، فرفعه الأنصاري إلى معاوية.

فلما ألحَّ عليه الرجل قال معاوية: شأنَكَ وصاحبَك!

قال: وأبو الدرداء عند معاوية، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من مسلم يُصَاب بشيء من جسده فيَهبُه، إلا رفعه الله به درجةً وحطّ عنه به خطيئة.

فقال له الأنصاري: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قال: سمعته أذناي ووَعاه قلبي!

فخلَّى سبيلَ القرشيّ، فقال معاوية: مروا له بمالٍ.

(92) 12081 - حدثنا محمود بن خداش قال، حدثنا هشيم بن بشير قال، &; 10-365 &; أخبرنا مغيرة، عن الشعبي قال، قال ابن الصامت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من جُرِح في جسده جراحةً فتصدَّق بها، كُفّر عنه ذنوبه بمثل ما تصدّق به.

(93) 12082 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الحسن في قوله: " فمن تصدق به فهو كفارة له "، قال: كفارة للمجروح.

12083 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن زكريا قال: سمعت عامرًا يقول: كفارة لمن تصدَّق به.

12084 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " فمن تصدق به فهو كفارة له "، يقول: لوليّ القتيل الذي عفا.

12085 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني شبيب بن سعيد، عن شعبة بن الحجاج، عن قيس بن مسلم، عن الهيثم أبي العريان قال: كنت بالشأم، وإذا برجل مع معاوية قاعدٍ على السرير كأنه مولًى، قال: " فمن تصدق به فهو كفارة له "، قال: فمن تصدق به هدَم الله عنه مثلَه من ذنوبه= فإذا هو عبد الله بن عمرو.

(94) * * * وقال آخرون: عنى بذلك الجارحَ.

وقالوا: معنى الآية: فمن تصدق بما وجب له من قَود أو قصاصٍ على من وجب ذلك له عليه، فعفا عنه، فعفوه ذلك عن الجاني كفّارة لذنب الجاني المجرم، كما القِصاص منه كفَّارة له.

قالوا: فأما أجْر العافِي المتصدِّق، فعلى الله.

ذكر من قال ذلك: 12086 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " فمن تصدق به فهو كفارة له "، قال: كفارة للجارح، وأجر الذي أُصِيب على الله.

12087 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا يونس، عن أبي إسحاق، قال سمعت مجاهدًا يقول لأبي إسحاق: " فمن تصدّق به فهو كفارة له "، يا أبا إسحاق، [لمن]؟

(95) قال أبو إسحاق: للمتصدق= فقال مجاهد: للمذنب الجارح.

12088 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، قال مغيرة، قال مجاهد: للجارح.

12089 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن مجاهد، مثله.

12090 - حدثنا هناد وسفيان بن وكيع قالا حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم ومجاهد: " فمن تصدق به فهو كفارة له "، قالا للذي تُصُدِّق عليه، وأجرُ الذي أصيب على الله= قال هناد في حديثه، قالا كفارة للذي تُصُدِّق به عليه.

12091 - حدثنا هناد قال، حدثنا عبد بن حميد، عن منصور، عن مجاهد، بنحوه.

12092 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بشر، عن زكريا، عن عامر قال: كفارة لمن تُصُدِّق به عليه.

12093 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد وإبراهيم قالا كفارة للجارح، وأجر الذي أصيب على الله.

12094 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان قال: سمعت زيد بن أسلم يقول: إن عفا عنه، أو اقتص منه، أو قبل منه الدية، فهو كفّارة له.

12095 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: كفارة للجارح، وأجرٌ للعافي، لقوله: (96) فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [سورة الشورى: 40].

12096 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " فمن تصدّق به فهو كفارة له "، قال: كفارة للمتصدَّقِ عليه.

12097 - حدثني المثنى قال، حدثنا معلى بن أسد قال، حدثنا خالد قال، حدثنا حصين، عن ابن عباس: " فمن تصدق به فهو كفارة له "، قال: هي كفارة للجارح.

12098 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن &; 10-368 &; عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: " فمن تصدق به فهو كفارة له "، قال: فالكفارة للجارح، وأجر المتصدِّق على الله.

12099 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد أنه كان يقول: " فمن تصدق به فهو كفارة له "، يقول: للقاتل، وأجرٌ للعافي.

12100 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عمران بن ظبيان، عن عديّ بن ثابت قال، هُتِم رجل على عهد معاوية، (97) فأعطي دية فلم يقبل، ثم أعطي ديتين فلم يقبل، ثم أعطي ثلاثًا فلم يقبل.

فحدَّث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " فمن تصدّق بدمٍ فما دونه، كان كفّارة له من يوم تَصدَّق إلى يوم وُلد ".

قال: فتصدَّق الرجل.

(98) 12101 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له "، يقول: من جرح فتصدَّق بالذي جُرِح به على الجارح، فليس على الجارح سبيلٌ ولا قَوَدٌ ولا عَقْلٌ، ولا حَرَج عليه، (99) من أجل أنه تصدق عليه الذي جُرِح، فكان كفارة له من ظلمه الذي ظَلَم.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: عني به: " فمن تصدّق به فهو كفارة له "، المجروحَ (100) = فلأن تكون " الهاء " في قوله: " له " عائدةً على " مَنْ"، أولى من أن تكون مِنْ ذِكْر من لم يجر له ذكر إلا بالمعنى دون التصريح، وأحرَى، إذ الصدقة هي المكفِّرة ذنبَ صاحبها دون المتصدَّق عليه في سائر الصدقات غير هذه، فالواجب أن يكون سبيلُ هذه سبيلَ غيرها من الصدَّقات.

* * * فإن ظنّ ظانّ أن القِصاصَ= إذْ كان يكفّر ذنب صاحبه المقتصّ منه الذي أتاه في قتل من قتله ظلمًا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم إذ أخذ البيعة على أصحابه (101) " أن لا تقتلوا ولا تزنُوا ولا تسرقوا " ثم قال: " فمن فَعَل من ذلك شيئًا فأقيم عليه حدُّه فهو كفارته " (102) فالواجب أن يكونَ عفوُ العافي المجنيِّ عليه، أو ولي المقتول عنه نظيرَه، (103) في أن ذلك له كفارة.

فإن ذلك لو وجب أن يكون كذلك، لوجب أن يكون عفوُ المقذوفِ عن قاذفه بالزنا، وتركِه أخذه &; 10-370 &; بالواجب له من الحدِّ، وقد قذفه قاذِفُه وهو عفيفٌ مسلم مُحْصَن، كفَّارةً للقاذف من ذنبه الذى ركبه، ومعصيته التي أتاها.

وذلك ما لا نعلم قائلا من أهل العلم يقوله.

فإذْ كان غير جائز أن يكون تركُ المقذوف =الذي وصفنا أمره= أخذَ قاذفه بالواجب له من الحدّ= كفارةً للقاذف من ذنبه الذي ركبه، كان كذلك غير جائز أن يكون ترك المجروح أخذَ الجارح بحقِّه من القصاص، كفَّارةً للجارح من ذنبه الذي ركبه.

* * * فإن قال قائل: أو ليس للمجروح عندك أخْذُ جارحه بدية جرحه مكانَ القِصاص؟

قيل له: بلى!

فإن قال: أفرأيت لو اختار الدّية ثم عفا عنها، أكانت له قِبَله في الآخرة تَبِعةٌ؟

قيل له: هذا كلام عندنا محالٌ.

وذلك أنه لا يكون عندنا مختارًا لديةٍ إلا وهو لها آخذٌ.

فأما العفو فإنما هو عفو عن الدم= وقد دللنا على صحة ذلك في موضع غيرِ هذا، بما أغنى عن تكريره في هذا الموضع (104) = إلا أن يكون مرادًا بذلك هِبتُها لمن أخذت منه بعد الأخذ.

مع أن عفوه عن الدية بعد اختياره إياها لو صَحَّ، لم يكن في صحة ذلك ما يوجب أن يكون المعفوُّ له عنها بريئًا من عقوبة ذنبه عند الله; لأن الله تعالى ذكره أوعد قاتلَ المؤمن بما أوعده به إن لم يتُبْ من ذنبه، والدية مأخوذة منه، أحبَّ أم سخط.

والتوبة من التَائب إنما تكون توبةً إذا اختارها وأرادَها وآثرها على الإصرار.

* * * فإن ظنّ ظانّ أن ذلك وإن كان كذلك، فقد يجب أن يكون له كفارةً، كما كان القصاص له كفارة، (105) فإنَّا إنما جعلنا القِصاص له كفارة= مع ندمه وبَذْله نفسَه لأخذ الحق منها= تنصُّلا من ذنبه، بخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

فأما الدية إذا اختارها المجروحُ ثم عفا عنها، فلم يُقْض عليه بحدّ ذنبه، فيكون ممن دخل في حكم النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: " فمن أقيم عليه الحد فهو كفارته ".

ثم مما يؤكد صحة ما قلنا في ذلك، الأخبارُ التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: " فمن تصدّق بدمٍ"، (106) وما أشبه ذلك من الأخبار التي قد ذكرناها قبل.

* * * وقد يجوز أن يكون القائلون إنه عنى بذلك الجارحَ، أرادوا المعنى الذي ذُكر عن عروة بن الزبير الذي:- 12102- حدثني به الحارث بن محمد قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، (107) حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: إذا أصاب رجل رجلا ولا يعلم المُصاب من أصابه، فاعترف له المصيب، فهو كفارة للمُصيب.

قال: وكان مجاهد يقول عند هذا: أصاب عروة ابن الزبير عينَ إنسان عند الركن فيما يستلمون، (108) فقال له: يا هذا، أنا عروة بن الزبير، فإن كان بعينك بأس فأنَا بها!

* * * وإذا كان الأمر من الجارح على نحو ما كان من عروة من خطأ فعلٍ على غير عمدٍ، ثم اعترف للذي أصابه بما أصابه، فعفا له المصاب بذلك عن حقِّه قبله، فلا تبعة له حينئذٍ قَبِل المُصيب في الدنيا ولا في الآخرة.

لأن الذى كان وجب له قبله مالٌ لا قِصاص، وقد أبرأه منه: فإبراؤه منه، كفَّارة للمبرَّأ من حقه &; 10-372 &; الذي كان له أخذه به، (109) فلا طَلِبة له بسبب ذلك قِبَله في الدنيا ولا في الآخرة، ولا عقوبة تلزمه بها بما كان منه إلى من أصابه، لأنه لم يتعمد إصابته بما أصابه به، فيكون بفعله آثمًا يستحق به العقوبة من ربه، (110) لأن الله عز وجل قد وضع الجُناح عن عباده فيما أخطأوا فيه ولم يتعمّدوه من أفعالهم، فقال في كتابه: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ .

(111) [سورة الأحزاب: 5] * * * و " التصدق "، في هذا الموضع، بالدم، العفو عنه.

(112) * * * القول في تأويل قوله عز ذكره : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن لم يحكم بما أنـزل الله في التوارة من قَوَدِ النفس القاتلة قِصاصًا بالنفس المقتولة ظلمًا.

ولم يفقأ عين الفاقئ بعين المفقوء ظلمًا، قِصاصًا ممن أمره الله به بذلك في كتابه، ولكن أقاد من بعضٍ ولم يُقِدْ من بعض، أو قتل في بعض اثنين بواحد، فإنّ من يفعل ذلك من " الظالمين " (113) = يعني: ممن جارَ عن حكم الله، (114) ووضع فعله ما فعل من ذلك في غير موضعه الذي جعله الله له موضعًا.

(115) * * * ----------------- الهوامش : (83) انظر تفسير"كتب" فيما سلف ص: 232 تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(84) انظر تفسير"القصاص" فيما سلف 3: 357- 366/ثم 3: 579 تعليق: 1.

(85) قوله: "وفاء من دم النضيري" ، أي يعادله ويساويه.

يقال: "وفى الدرهم المثقال" أي: عادله.

(86) "الطول" (بفتح فسكون): العلو والفضل والعزة.

(87) الأثر: 12066- مضى خبر السدي عن أبي مالك بإسناد آخر رقم: 2564.

(88) من أول قوله: "فهذا يستوي ..." إلى آخر الكلام ، يشبه عندي أن يكون من كلام أبي جعفر ، فلذلك ، فصلته عن خبر ابن عباس ، وكتبت قبله: "قال أبو جعفر".

(89) الآثار: 12073- 12075- ثم يأتي أيضًا من طريق أخرى برقم: 12085.

"سفيان" ، هو الثوري.

و"قيس بن مسلم الجدلي العدواني" ، ثقة ، مضى برقم: 9744.

و"طارق بن شهاب الأحمسي" ، ثقة ، مضى برقم: 9744 ، 11682.

و"الهيثم بن الأسود النخعي" ، "أبو العريان" ، أدرك عليًا ، وروى عن معاوية وعبد الله بن عمرو.

ثقة من خيار التابعين ، كان خطيبًا شاعرًا.

مترجم في التهذيب.

وهذا الخبر رواه في السنن 8: 54 ، بمثله.

وذكره ابن كثير في تفسيره 3: 167 ، من تفسير ابن أبي حاتم ، من طريق أبي داود الطيالسي ، عن شعبة.

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 288 ، وزاد نسبته للفريابي ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه.

وقوله: "وإلى جنبه رجل أحمر كأنه مولى" ، "الأحمر" عندهم: الأبيض ، لأن بياض الناس تشوبه الحمرة ، ولذلك سموا العجم"الحمراء" ، لبياضهم ، ولغلبة الشقرة عليهم.

وقد ذكر ابن سعد (4/2/11) صفة عبد الله بن عمرو ، عن"العريان بن الهيثم بن الأسود النخعي" قال: "وفدت مع أبي إلى يزيد بن معاوية ، فجاء رجل طوال أحمر ، عظيم البطن ، فسلم وجلس.

فقال أبي: من هذا؟

فقيل: عبد الله بن عمرو".

وروي أيضا عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، أنه وصف عبد الله بن عمرو فقال: "رجل أحمر عظيم البطن طوال".

وعنى بقوله: "كأنه مولى" ، كأنه من العجم أو الفرس.

وكان في المطبوعة والمخطوطة: "وإلى جنبه رجل آخر" ، وهو خطأ صرف كما ترى.

(90) الأثر: 12077-"عمارة بن أبي حفصة العتكي" ، ثقة ، مضى برقم: 8513.

و"أبو عقبة" ، لم أجد له ذكرا ، ولم أعرف من هو.

و"جابر بن زيد الأزدي اليحمدي" ، "أبو الشعثاء" ، ثقة ، كان من أعلم الناس بكتاب الله.

مضى برقم: 5136 ، 5472.

(91) الأثر: 12078-"حرمي بن عمارة بن أبي حفصة العتكي" ، مضى هو وأبوه"عمارة بن أبي حفصة" فيما سلف رقم: 5813.

والرجل الذي نسيه"حرمي" ، هو"أبو عقبة" المذكور في الأثر السالف.

(92) الأثر: 12080-"يونس بن أبي إسحق السبيعي" ، ثقة.

مضى برقم: 3018.

و"أبو السفر" ، هو: "سعيد بن يحمد الثوري" تابعي ثقة ، يروي عن متوسطي الصحابة كابن عباس وابن عمر.

مضى برقم: 3010.

وهذا الإسناد منقطع ، لأن أبا السفر لم يسمع أبا الدرداء.

وروى الخبر أحمد في مسنده 6: 448 ، من طريق وكيع عن يونس بن أبي إسحق ، بمثله.

ورواه البيهقي في السنن 8: 55 ، من طريق شيبان بن عبد الرحمن ، عن يونس بن أبي إسحق ، بمثله.

ورواه ابن ماجه في سننه ص: 898 ، رقم: 2693.

ورواه الترمذي في"أبواب الديات" ، "باب ما جاء في العفو" ، من طريق عبد الله بن المبارك ، عن يونس بن أبي إسحق.

ثم قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، ولا أعرف لأبي السفر سماعًا من أبي الدرداء".

وخرجه ابن كثير في تفسيره 3: 168 ، وزاد نسبته لابن ماجه.

(93) الأثر: 12081-"ابن الصامت" ، هو"عبادة بن الصامت" ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا الخبر ، إسناد صحيح إلى الشعبي ، رواه أحمد في مسنده 5: 316 ، من طريق سريج بن النعمان ، عن هشيم ، بمثله ، ثم رواه ابنه عبد الله في 5: 329 ، من طريق شجاع بن محمد ، عن هشيم ، بمثله ثم رواه عبد الله أيضا 5: 330 ، من طريق إسمعيل بن أبي معمر الهذلي ، عن جرير ، عن مغيرة ، عن الشعبي ، عن ابن الصامت بلفظ: "من تصدق عن جسده بشيء ، كفر الله تعالى عنه بقدر ذنوبه".

ورواه البيهقي بغير هذا اللفظ من طريق أبي داود ، عن محمد بن أبان ، عن علقمة بن مرثه ، عن الشعبي" ، وقال: "هو منقطع" ، وذلك أن الشعبي ، لم يسمع من عبادة بن الصامت.

وخرجه ابن كثير في تفسيره 3: 168 ، وزاد نسبته للنسائي ، عن علي بن حجر ، عن جرير بن عبد الحميد.

(94) الأثر: 12085-"شبيب بن سعيد التميمي الحبطي" ، ثقة ، مضى برقم: 6613.

وهذا الأثر مضى قبل ذلك بالأسانيد رقم 12073 - 12075 ، ولا أدري أسقط من الناسخ هنا"عن طارق بن شهاب" ، كما في سائر الأسانيد ، أم هكذا رواه ابن وهب عن شبيب بن سعيد.

ولذلك تركته على حاله ، ولكن لا شك أن الراوي عن الهيثم ، هو طارق بن شهاب.

وأما قوله"الهيثم أبي العريان" فقد كان في المخطوطة والمطبوعة: "الهيثم بن العريان" ، وهو خطأ لا شك فيه ، صوابه ما أثبت.

وقد مضى ذكره في الأسانيد السالفة ، انظر التعليق هناك.

(95) ما زدته بين القوسين ، لا بد من زيادته أو ما بشبهه.

(96) في المخطوطة: "إلى قوله: فمن عفا..." ، وفي الهامش حرف (ط) دلالة على الخطأ ، والذي في المطبوعة هو الصواب.

(97) "هتم الرجل" (بالبناء للمجهول): انكسر مقدم أسنانه."هتم فاه يهتمه هتمًا" متعديا = و"هتم هتما" (على وزن سكر) فهو"أهتم" ، و"تهتمت ثناياه".

(98) الأثر: 12100-"عمران بن ظبيان الحنفي".

قال البخاري: "فيه نظر" ، وقال أبو حاتم: "يكتب حديثه" ، ثم اختلف في أمره ابن حبان ، فذكره في الثقات ، ثم عاد فذكره في الضعفاء ، وقال"فحش خطؤه ، حتى بطل الاحتجاج" ، وضعفه العقيلي وابن عدي.

وكان يميل إلى التشيع.

وأما "عدي بن ثابت الأنصاري" ، فهو ثقة صدوق ، كان إمام مسجد الشيعة وقاصهم.

وروى له الأئمة ، مضى برقم: 11726.

وهذا الخبر ، خرجه السيوطي في الدر المنثور 1: 288 ، ونسبه أيضًا لسعيد بن منصور ، وابن مردويه.

ولفظ الخبر عن رسول الله: "من تصدق بدم فما دونه ، فهو كفارة له من يوم ولد إلى يوم يموت".

وساقه بلفظه هذا ابن كثير في تفسيره 3: 168 ، عن ابن مردويه ، قال"حدثنا دعلج بن أحمد ، حدثنا محمد بن علي بن زيد ، عن سعيد بن منصور ، عن سفيان ، عن عمران بن ظبيان".

وكأن الصواب هو هذا اللفظ ، وما في التفسير أنا في شك من صحة لفظه ، ولكني تركته على حاله ، ولو كان: "من يوم ولد إلى يوم تصدق" ، لكان أقوم لفظًا ومعنى.

(99) في المطبوعة: "ولا جرح عليه" ، والصواب ما أثبت ، والمخطوطة غير منقوطة.

(100) في المطبوعة والمخطوطة: "عنى به فمن تصدق..." ، والسياق يقتضي ما أثبت.

(101) في المطبوعة: "كقول النبي صلى الله عليه وسلم" ، والصواب ما أثبت.

(102) هذا الخبر رواه أبو جعفر مختصرًا غير مسند ، وهو خبر صحيح.

انظر صحيح مسلم 11: 222 - 224.

(103) السياق: "فإن ظن ظان أن القصاص ، إذ كان يكفر ذنب صاحبه...

فالواجب أن يكون عفو العافي...

نظيره.

(104) انظر ما سلف 3: 371 ، وما قبلها.

(105) في المطبوعة: "كما جاز القصاص" ، وفي المخطوطة"كان" إلا أنه كتب جيما ثم وضع عليها شرطة الكاف ، وأما الحرف الأخير فهو"نون" ، فصحيح قراءته ما أثبت ، وهو حق السياق أيضًا.

(106) في المطبوعة والمخطوطة."فمن تصدق به" ، والصواب ما أثبته ، وهو نص الأثر السالف رقم: 12100.

(107) في المطبوعة: "قال حدثنا ابن سلام" ، وفي المخطوطة: "قال حدثنا القاسم الحارث بن سلام" ثم ضرب على"القاسم" و"الحارث" ثم وضع بجوار"القاسم" علامة التصحيح وهي (صح).

(108) في المخطوطة: "فيما يسلمون" ، وتركت ما في المطبوعة على حاله ، وهو قريب الاستقامة.

وفي تفسير أبي حيان 3: 497 ، "وهم يستلمون" ، وهي أجود.

(109) في المطبوعة: "كفارة له من حقه" ، وفي المخطوطة"كفارة *لمتزامر[محذوفة النقط] من حقه" ، والذي أثبته هو صواب قراءتها.

(110) في المطبوعة: "فيكون بفعله إنما يستحق العقوبة" ، وهو كلام فارغ المعنى ، و *"انما" هكذا في المخطوطة غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(111) في المخطوطة والمطبوعة ، كتب الآية هكذا: "ولا جناح عليكم فيما أخطأتم..." ، وليس فيما نتلو آية كهذه ، وإنما هي آية الأحزاب كما أثبتها.

(112) في المطبوعة: "وقد يراد في هذا الموضع بالدم العفو عنه" ، وهو كلام لا معنى له ولا ضابط.

وفي المخطوطة: "وا * في هذا الموضع بالدم ، العفو عنه" ، بين الكلامين بياض وفي الهامش حرف (ط) دلالة على الخطأ ، فاستظهرت صواب الكلام من سياق تفسير هذه الآية.

(113) في المطبوعة والمخطوطة: "وإن من يفعل ذلك" ، والسياق يقتضي ما أثبت.

(114) في المطبوعة: "جار على حكم الله" ، والصواب من المخطوطة.

(115) انظر تفسير"الظلم" فيما سلف من فهارس اللغة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمونفيه ثلاثون مسألة :الأولى : قوله تعالى : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس بين تعالى أنه سوى بين النفس والنفس في التوراة فخالفوا ذلك ، فضلوا ; فكانت دية النضيري أكثر ، وكان النضيري لا يقتل بالقرظي ، ويقتل به القرظي فلما جاء الإسلام راجع بنو قريظة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ، فحكم بالاستواء ; فقالت بنو النضير : قد حططت منا ; فنزلت هذه الآية .

وكتبنا بمعنى فرضنا ، وقد تقدم ، وكان شرعهم القصاص أو العفو ، وما كان فيهم الدية ; كما تقدم في " البقرة " بيانه .وتعلق أبو حنيفة وغيره بهذه الآية فقال : يقتل المسلم بالذمي ; لأنه نفس بنفس ، وقد تقدم في " البقرة " بيان هذا ، وقد روى أبو داود والترمذي والنسائي عن علي رضي الله عنه أنه سئل هل خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ؟

فقال : لا ، إلا ما في هذا ، وأخرج كتابا من قراب سيفه وإذا فيه ( المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ولا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده ) وأيضا فإن الآية إنما جاءت للرد على اليهود في المفاضلة بين القبائل ، وأخذهم من قبيلة رجلا برجل ، ومن قبيلة أخرى رجلا برجلين ، وقالت الشافعية : هذا خبر عن شرع من قبلنا ، وشرع من قبلنا ليس شرعا لنا ; وقد مضى في " البقرة " في الرد عليهم ما يكفي فتأمله هناك .ووجه رابع : وهو أنه تعالى قال : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس وكان ذلك [ ص: 138 ] مكتوبا على أهل التوراة وهم ملة واحدة ، ولم يكن لهم أهل ذمة كما للمسلمين أهل ذمة ; لأن الجزية فيء وغنيمة أفاءها الله على المؤمنين ، ولم يجعل الفيء لأحد قبل هذه الأمة ، ولم يكن نبي فيما مضى مبعوثا إلا إلى قومه ; فأوجبت الآية الحكم على بني إسرائيل إذ كانت دماؤهم تتكافأ ; فهو مثل قول الواحد منا في دماء سوى المسلمين النفس بالنفس ، إذ يشير إلى قوم معينين ، ويقول : إن الحكم في هؤلاء أن النفس منهم بالنفس ; فالذي يجب بحكم هذه الآية على أهل القرآن أن يقال لهم فيما بينهم - على هذا الوجه - : النفس بالنفس ، وليس في كتاب الله ما يدل على أن النفس بالنفس مع اختلاف الملة .الثانية : قال أصحاب الشافعي وأبو حنيفة : إذا جرح أو قطع الأذن أو اليد ثم قتل فعل ذلك به ; لأن الله تعالى قال : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين فيؤخذ منه ما أخذ ، ويفعل به كما فعل ، وقال علماؤنا : إن قصد به المثلة فعل به مثله ، وإن كان ذلك في أثناء مضاربته ومدافعته قتل بالسيف ; وإنما قالوا ذلك في المثلة يجب ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمل أعين العرنيين ; حسبما تقدم بيانه في هذه السورة .الثالثة : قوله تعالى : والعين بالعين قرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزة بالنصب في جميعها على العطف ، ويجوز تخفيف " أن " ورفع الكل بالابتداء والعطف ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب الكل إلا الجروح ، وكان الكسائي وأبو عبيد يقرآن " والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح " بالرفع فيها كلها .

قال أبو عبيد : حدثنا حجاج عن هارون عن عباد بن كثير عن عقيل عن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص " ، والرفع من ثلاث جهات ; بالابتداء والخبر ، وعلى المعنى على موضع ( أن النفس ) ; لأن المعنى قلنا لهم : النفس بالنفس .والوجه الثالث : قاله الزجاج يكون عطفا على المضمر في النفس ; لأن الضمير في النفس في موضع رفع ; لأن التقدير أن النفس هي مأخوذة بالنفس ; فالأسماء معطوفة على هي .قال ابن المنذر : ومن قرأ بالرفع جعل ذلك ابتداء كلام ، حكم في المسلمين ; وهذا أصح القولين ، وذلك أنها قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم " والعين بالعين " وكذا ما بعده ، والخطاب للمسلمين أمروا بهذا .

ومن خص الجروح بالرفع فعلى القطع مما قبلها والاستئناف بها ; كأن المسلمين أمروا بهذا خاصة ، وما قبله لم يواجهوا به .الرابعة : هذه الآية تدل على جريان القصاص فيما ذكر وقد تعلق ابن شبرمة بعموم قوله : [ ص: 139 ] والعين بالعين على أن اليمنى تفقأ باليسرى وكذلك على العكس ، وأجرى ذلك في اليد اليمنى واليسرى ، وقال : تؤخذ الثنية بالضرس والضرس بالثنية ; لعموم قوله تعالى : والسن بالسن .

والذين خالفوه وهم علماء الأمة قالوا : العين اليمنى هي المأخوذة باليمنى عند وجودها ، ولا يتجاوز ذلك إلى اليسرى مع الرضا ; وذلك يبين لنا أن المراد بقوله : والعين بالعين استيفاء ما يماثله من الجاني ; فلا يجوز له أن يتعدى إلى غيره كما لا يتعدى من الرجل إلى اليد في الأحوال كلها ، وهذا لا ريب فيه .الخامسة : وأجمع العلماء على أن العينين إذا أصيبتا خطأ ففيهما الدية ، وفي العين الواحدة نصف الدية ، وفي عين الأعور إذا فقئت الدية كاملة ; روي ذلك عن عمر وعثمان ، وبه قال عبد الملك بن مروان والزهري وقتادة ومالك والليث بن سعد وأحمد وإسحاق ، وقيل : نصف الدية ; روي ذلك عن عبد الله بن المغفل ومسروق والنخعي ; وبه قال الثوري والشافعي والنعمان .

قال ابن المنذر : وبه نقول ; لأن في الحديث في العينين الدية ومعقول إذ كان كذلك أن في إحداهما نصف الدية .

قال ابن العربي : وهو القياس الظاهر ، ولكن علماؤنا قالوا : إن منفعة الأعور ببصره كمنفعة السالم أو قريب من ذلك ، فوجب عليه مثل ديته .السادسة : واختلفوا في الأعور يفقأ عين صحيح ; فروي عن عمر وعثمان وعلي أنه لا قود عليه ، وعليه الدية كاملة ; وبه قال عطاء وسعيد بن المسيب وأحمد بن حنبل ، وقال مالك : إن شاء اقتص فتركه أعمى ، وإن شاء أخذ الدية كاملة ( دية عين الأعور ) ، وقال النخعي : إن شاء اقتص وإن شاء أخذ نصف الدية .

وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري : عليه القصاص ، وروي ذلك عن علي أيضا ، وهو قول مسروق وابن سيرين وابن معقل ، واختاره ابن المنذر وابن العربي ; لأن الله تعالى قال : والعين بالعين وجعل النبي صلى الله عليه وسلم في العينين الدية ; ففي العين نصف الدية ، والقصاص بين صحيح العين والأعور كهيئته بين سائر الناس ، ومتعلق أحمد بن حنبل أن في القصاص منه أخذ جميع البصر ببعضه وذلك ليس بمساواة ، وبما روي عن عمر وعثمان وعلي في ذلك ، ومتمسك مالك أن الأدلة لما تعارضت خير المجني عليه .

قال ابن العربي : والأخذ بعموم القرآن أولى ; فإنه أسلم عند الله تعالى .السابعة : واختلفوا في عين الأعور التي لا يبصر بها ; فروي عن زيد بن ثابت أنه قال : فيها مائة دينار ، وعن عمر بن الخطاب أنه قال : فيها ثلث ديتها ; وبه قال إسحاق ، وقال مجاهد : فيها نصف ديتها ، وقال مسروق والزهري ومالك والشافعي وأبو ثور والنعمان : فيها حكومة ; قال ابن المنذر : وبه نقول لأنه الأقل مما قيل .[ ص: 140 ] الثامنة : وفي إبطال البصر من العينين مع بقاء الحدقتين كمال الدية ، ويستوي فيه الأعمش والأخفش ، وفي إبطاله من إحداهما مع بقائها النصف .

قال ابن المنذر وأحسن ما قيل في ذلك ما قاله علي بن أبي طالب : أنه أمر بعينه الصحيحة فغطيت وأعطي رجل بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى نظره ، ثم أمر بخط عند ذلك ، ثم أمر بعينه الأخرى فغطيت وفتحت الصحيحة ، وأعطي رجل بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى نظره ثم خط عند ذلك ، ثم أمر به فحول إلى مكان آخر ففعل به مثل ذلك فوجده سواء ; فأعطى ما نقص من بصره من مال الآخر ، وهذا على مذهب الشافعي ; وهو قول علمائنا ، وهي :التاسعة : ولا خلاف بين أهل العلم على أن لا قود في بعض البصر ، إذ غير ممكن الوصول إليه ، وكيفية القود في العين أن تحمى مرآة ثم توضع على العين الأخرى قطنة ، ثم تقرب المرآة من عينه حتى يسيل إنسانها ; روي عن علي رضي الله عنه ; ذكره المهدوي وابن العربي .

واختلف في جفن العين ; فقال زيد بن ثابت : فيه ربع الدية ، وهو قول الشعبي والحسن وقتادة وأبي هاشم والثوري والشافعي وأصحاب الرأي ، وروي عن الشعبي أنه قال : في الجفن الأعلى ثلث الدية وفي الجفن الأسفل ثلثا الدية ، وبه قال مالك .العاشرة : قوله تعالى : والأنف بالأنف جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : وفي الأنف إذا أوعب جدعا الدية .

قال ابن المنذر : وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على القول به ; والقصاص من الأنف إذا كانت الجناية عمدا كالقصاص من سائر الأعضاء على كتاب الله تعالى ، واختلفوا في كسر الأنف .

فكان مالك يرى في العمد منه القود ، وفي الخطأ الاجتهاد ، وروى ابن نافع أنه لا دية للأنف حتى يستأصله من أصله .

قال أبو إسحاق التونسي : وهذا شاذ ، والمعروف الأول ، وإذا فرعنا على المعروف ففي بعض المارن من الدية بحسابه من المارن .

قال ابن المنذر : وما قطع من الأنف فبحسابه ; روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والشعبي ، وبه قال الشافعي .

قال أبو عمر : واختلفوا في المارن إذا قطع ولم يستأصل الأنف ; فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم إلى أن في ذلك الدية كاملة ، ثم إن قطع منه شيء بعد ذلك ففيه حكومة .

قال مالك : الذي فيه الدية من الأنف أن يقطع المارن ; وهو دون العظم .

قال ابن القاسم : وسواء قطع المارن من العظم أو استؤصل الأنف من العظم من تحت العينين إنما فيه الدية ; كالحشفة فيها الدية : وفي استئصال الذكر الدية .الحادية عشرة : قال ابن القاسم : وإذا خرم الأنف أو كسر فبرئ على عثم ففيه الاجتهاد ، وليس فيه دية معلومة .

وإن برئ على غير عثم فلا شيء فيه .

قال : وليس الأنف إذا [ ص: 141 ] خرم فبرئ على غير عثم كالموضحة تبرأ على غير عثم فيكون فيها ديتها ; لأن تلك جاءت بها السنة ، وليس في خرم الأنف أثر .

قال : والأنف عظم منفرد ليس فيه موضحة ، واتفق مالك والشافعي وأصحابهما على أن لا جائفة فيه ، ولا جائفة عندهم إلا فيما كان في الجوف ، والمارن ما لان من الأنف ; وكذلك قال الخليل وغيره .

قال أبو عمر : وأظن روثته مارنه ، وأرنبته طرفه ، وقد قيل : الأرنبة والروثة والعرتمة طرف الأنف .

والذي عليه الفقهاء مالك والشافعي والكوفيون ومن تبعهم ، في الشم إذا نقص أو فقد حكومة .الثانية عشرة : قوله تعالى : والأذن بالأذن قال علماؤنا رحمة الله عليهم في الذي يقطع أذني رجل : عليه حكومة ، وإنما تكون عليه الدية في السمع ، ويقاس في نقصانه كما يقاس في البصر ، وفي إبطاله من إحداهما نصف الدية ولو لم يكن يسمع إلا بها ، بخلاف العين العوراء فيها الدية كاملة ; على ما تقدم ، وقال أشهب : إن كان السمع إذا سئل عنه قيل إن أحد السمعين يسمع ما يسمع السمعان فهو عندي كالبصر ، وإذا شك في السمع جرب بأن يصاح به من مواضع عدة ، يقاس ذلك ; فإن تساوت أو تقاربت أعطي بقدر ما ذهب من سمعه ويحلف على ذلك .

قال أشهب : ويحسب له ذلك على سمع وسط من الرجال مثله ; فإن اختبر فاختلف قوله لم يكن له شيء ، وقال عيسى بن دينار : إذا اختلف قوله عقل له الأقل مع يمينه .الثالثة عشرة : قوله تعالى : والسن بالسن قال ابن المنذر : وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أقاد من سن وقال : كتاب الله القصاص .

وجاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : في السن خمس من الإبل .

قال ابن المنذر : فبظاهر هذا الحديث نقول ; لا فضل للثنايا منها على الأنياب والأضراس والرباعيات ; لدخولها كلها في ظاهر الحديث ; وبه يقول الأكثر من أهل العلم ، وممن قال بظاهر الحديث ولم يفضل شيئا منها على شيء عروة بن الزبير وطاوس والزهري وقتادة ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق والنعمان وابن الحسن ، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس ومعاوية ، وفيه قول ثان - رويناه عن عمر بن الخطاب أنه قضى فيما أقبل من الفم بخمس فرائض خمس فرائض ، وذلك خمسون دينارا ، قيمة كل فريضة عشرة دنانير ، وفي الأضراس ببعير بعير ، وكان عطاء يقول : في السن والرباعيتين والنابين خمس خمس ، وفيما بقي بعيران بعيران ، أعلى الفم وأسفله سواء ، والأضراس سواء ; قال أبو عمر : أما ما رواه مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر قضى في الأضراس ببعير بعير فإن المعنى في ذلك أن الأضراس عشرون ضرسا ، والأسنان اثنا [ ص: 142 ] عشر سنا : أربع ثنايا وأربع رباعيات وأربع أنياب ; فعلى قول عمر تصير الدية ثمانين بعيرا ; في الأسنان خمسة خمسة ، وفي الأضراس بعير بعير ، وعلى قول معاوية في الأضراس والأسنان خمسة أبعرة خمسة أبعرة ; تصير الدية ستين ومائة بعير .

وعلى قول سعيد بن المسيب ، بعيرين بعيرين في الأضراس وهي عشرون ضرسا .

يجب لها أربعون ، وفي الأسنان خمسة أبعرة فذلك ستون ، وهي تتمة المائة بعير ، وهي الدية كاملة من الإبل ، والاختلاف بينهم إنما هو في الأضراس لا في الأسنان .

قال أبو عمر : واختلاف العلماء من الصحابة والتابعين في ديات الأسنان وتفضيل بعضها على بعض كثير جدا ، والحجة قائمة لما ذهب إليه الفقهاء مالك وأبو حنيفة والثوري ; بظاهر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : وفي السن خمس من الإبل والضرس سن من الأسنان .

روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الأصابع سواء والأسنان سواء الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء وهذا نص أخرجه أبو داود ، وروى أبو داود أيضا عن ابن عباس قال : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابع اليدين والرجلين سواء .

قال أبو عمر : على هذه الآثار جماعة فقهاء الأمصار وجمهور أهل العلم أن الأصابع في الدية كلها سواء ، وأن الأسنان في الدية كلها سواء ، الثنايا والأضراس والأنياب لا يفضل شيء منها على شيء ; على ما في كتاب عمرو بن حزم .

ذكر الثوري عن أزهر بن محارب قال : اختصم إلى شريح رجلان ضرب أحدهما ثنية الآخر وأصاب الآخر ضرسه فقال شريح : الثنية وجمالها والضرس ومنفعته سن بسن قوما .

قال أبو عمر : على هذا العمل اليوم في جميع الأمصار ، والله أعلم .الرابعة عشرة : فإن ضرب سنه فاسودت ففيها ديتها كاملة عند مالك والليث بن سعد ، وبه قال أبو حنيفة ، وروي عن زيد بن ثابت ; وهو قول سعيد بن المسيب والزهري والحسن وابن سيرين وشريح .

وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن فيها ثلث ديتها ; وبه قال أحمد وإسحاق ، وقال الشافعي وأبو ثور : فيها حكومة .

قال ابن العربي : وهذا عندي خلاف يئول إلى وفاق ; فإنه إن كان سوادها أذهب منفعتها وإنما بقيت صورتها كاليد الشلاء والعين العمياء ، فلا خلاف في وجوب الدية ; ثم إن كان بقي من منفعتها شيء أو جميعها لم يجب إلا بمقدار ما نقص من المنفعة حكومة ; وما روي عن عمر رضي الله عنه فيها ثلث ديتها لم يصح عنه سندا ولا فقها .الخامسة عشرة : واختلفوا في سن الصبي يقلع قبل أن يثغر ; فكان مالك والشافعي [ ص: 143 ] وأصحاب الرأي يقولون : إذا قلعت سن الصبي فنبتت فلا شيء على القالع ، إلا أن مالكا والشافعي قالا : إذا نبتت ناقصة الطول عن التي تقاربها أخذ له من أرشها بقدر نقصها ، وقالت طائفة : فيها حكومة ، وروي ذلك عن الشعبي ; وبه قال النعمان .

قال ابن المنذر : يستأنى بها إلى الوقت الذي يقول أهل المعرفة إنها لا تنبت ، فإذا كان ذلك كان فيها قدرها تاما ; على ظاهر الحديث ، وإن نبتت رد الأرش ، وأكثر من يحفظ عنه من أهل العلم يقولون : يستأنى بها سنة ; روي ذلك عن علي وزيد وعمر بن عبد العزيز وشريح والنخعي وقتادة ومالك وأصحاب الرأي ، ولم يجعل الشافعي لهذا مدة معلومة .السادسة عشرة : إذا قلع سن الكبير فأخذ ديتها ثم نبتت ; فقال مالك لا يرد ما أخذ ، وقال الكوفيون : يرد إذا نبتت ، وللشافعي قولان : يرد ولا يرد ; لأن هذا نبات لم تجر به عادة ، ولا يثبت الحكم بالنادر ; هذا قول علمائنا .

تمسك الكوفيون بأن عوضها قد نبت فيرد ; أصله سن الصغير .

قال الشافعي : ولو جنى عليها جان آخر وقد نبتت صحيحة كان فيها أرشها تاما .

قال ابن المنذر : هذا أصح القولين ; لأن كل واحد منهما قالع سن ، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم في السن خمسا من الإبل .السابعة عشرة : فلو قلع رجل سن رجل فردها صاحبها فالتحمت فلا شيء فيها عندنا ، وقال الشافعي : ليس له أن يردها من قبل أنها نجسة ; وقاله ابن المسيب وعطاء ، ولو ردها أعاد كل صلاة صلاها لأنها ميتة ; وكذلك لو قطعت أذنه فردها بحرارة الدم فالتزقت مثله ، وقال عطاء : يجبره السلطان على قلعها لأنها ميتة ألصقها .

قال ابن العربي : وهذا غلط ، وقد جهل من خفي عليه أن ردها وعودها بصورتها لا يوجب عودها بحكمها ; لأن النجاسة كانت فيها للانفصال ، وقد عادت متصلة ، وأحكام الشريعة ليست صفات للأعيان ، وإنما هي أحكام تعود إلى قول الله سبحانه فيها وإخباره عنها .قلت : ما حكاه ابن العربي عن عطاء خلاف ما حكاه ابن المنذر عنه ; قال ابن المنذر : واختلفوا في السن تقلع قودا ثم ترد مكانها فتنبت ; فقال عطاء الخراساني وعطاء بن أبي رباح : لا بأس بذلك .

وقال الثوري وأحمد وإسحاق : تقلع ; لأن القصاص للشين ، وقال الشافعي : ليس له أن يردها من قبل أنها نجسة ، ويجبره السلطان على القلع .الثامنة عشرة : فلو كانت له سن زائدة فقلعت ففيها حكومة ; وبه قال فقهاء الأمصار ، وقال زيد بن ثابت : فيها ثلث الدية .

قال ابن العربي : وليس في التقدير دليل ، فالحكومة [ ص: 144 ] أعدل .

قال ابن المنذر : ولا يصح ما روي عن زيد ; وقد روي عن علي أنه قال : في السن إذا كسر بعضها أعطي صاحبها بحساب ما نقص منه ; وهذا قول مالك والشافعي وغيرهما .قلت : وهنا انتهى ما نص الله عز وجل عليه من الأعضاء ، ولم يذكر الشفتين واللسان وهي :التاسعة عشرة : فقال الجمهور : وفي الشفتين الدية ، وفي كل واحدة منهما نصف الدية لا فضل للعليا منهما على السفلى ، وروي عن زيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والزهري : في الشفة العليا ثلث الدية ، وفي الشفة السفلى ثلثا الدية .

وقال ابن المنذر : وبالقول الأول أقول ; للحديث المرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : وفي الشفتين الدية ولأن في اليدين الدية ومنافعهما مختلفة ، وما قطع من الشفتين فبحساب ذلك ، وأما اللسان فجاء الحديثعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : في اللسان الدية .

وأجمع أهل العلم من أهل المدينة وأهل الكوفة وأصحاب الحديث وأهل الرأي على القول به ; قاله ابن المنذر .الموفية عشرين : واختلفوا في الرجل يجني على لسان الرجل فيقطع من اللسان شيئا ، ويذهب من الكلام بعضه ; فقال أكثر أهل العلم : ينظر إلى مقدار ما ذهب من الكلام من ثمانية وعشرين حرفا فيكون عليه من الدية بقدر ما ذهب من كلامه ، وإن ذهب الكلام كله ففيه الدية ; هذا قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي ، وقال مالك : ليس في اللسان قود لعدم الإحاطة باستيفاء القود .

فإن أمكن فالقود هو الأصل .الحادية والثلاثون : واختلفوا في لسان الأخرس يقطع ; فقال الشعبي ومالك وأهل المدينة والثوري وأهل العراق والشافعي وأبو ثور والنعمان وصاحباه : فيه حكومة .

قال ابن المنذر : وفيه قولان شاذان : أحدهما : قول النخعي إن فيه الدية ، والآخر : قول قتادة إن فيه ثلث الدية .

قال ابن المنذر : والقول الأول أصح ; لأنه الأقل مما قيل .

قال ابن العربي : نص الله سبحانه على أمهات الأعضاء وترك باقيها للقياس عليها ; فكل عضو فيه القصاص إذا أمكن ولم يخش عليه الموت ، وكذلك كل عضو بطلت منفعته وبقيت صورته فلا قود فيه ، وفيه الدية لعدم إمكان القود فيه .الثانية والعشرون : قوله تعالى : والجروح قصاص أي : مقاصة ، وقد تقدم في " البقرة " ، ولا قصاص في كل مخوف ولا فيما لا يوصل إلى القصاص فيه إلا بأن يخطئ الضارب أو يزيد أو ينقص ، ويقاد من جراح العمد إذا كان مما يمكن القود منه ، وهذا كله في [ ص: 145 ] العمد ; فأما الخطأ فالدية ، وإذا كانت الدية في قتل الخطأ فكذلك في الجراح ، وفي صحيح مسلم عن أنس أن أخت الربيع - أم حارثة - جرحت إنسانا فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : القصاص القصاص ، فقالت أم الربيع : يا رسول الله أيقتص من فلانة ؟

!

والله لا يقتص منها .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سبحان الله يا أم الربيع القصاص كتاب الله قالت : لا والله لا يقتص منها أبدا ; قال فما زالت حتى قبلوا الدية ; فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره .قلت : المجروح في هذا الحديث جارية ، والجرح كسر ثنيتها ; أخرجه النسائي عن أنس أيضا أن عمته كسرت ثنية جارية فقضى نبي الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص ; فقال أخوها أنس بن النضر : أتكسر ثنية فلانة ؟

لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها .

قال : وكانوا قبل ذلك سألوا أهلها العفو والأرش ، فلما حلف أخوها وهو عم أنس - وهو الشهيد يوم أحد - رضي القوم بالعفو ; فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره .

وخرجه أبو داود أيضا ، وقال : سمعت أحمد بن حنبل قيل له : كيف يقتص من السن ؟

قال : تبرد .قلت : ولا تعارض بين الحديثين ; فإنه يحتمل أن يكون كل واحد منهما حلف فبر الله قسمهما ، وفي هذا ما يدل على كرامات الأولياء على ما يأتي بيانه في قصة الخضر إن شاء الله تعالى .

فنسأل الله التثبت على الإيمان بكراماتهم وأن ينظمنا في سلكهم من غير محنة ولا فتنة .الثالثة والعشرون : أجمع العلماء على أن قوله تعالى : والسن بالسن أنه في العمد ; فمن أصاب سن أحد عمدا ففيه القصاص على حديث أنس ، واختلفوا في سائر عظام الجسد إذا كسرت عمدا ; فقال مالك : عظام الجسد كلها فيها القود إلا ما كان مخوفا مثل الفخذ والصلب والمأمومة والمنقلة والهاشمة ، ففي ذلك الدية ، وقال الكوفيون : لا قصاص في عظم يكسر ما خلا السن ; لقوله تعالى : والسن بالسن وهو قول الليث والشافعي .

قال الشافعي : لا يكون كسر ككسر أبدا ; فهو ممنوع .

قال الطحاوي : اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس ; فكذلك في سائر العظام ، والحجة لمالك حديث أنس في السن وهي عظم ; فكذلك سائر العظام إلا عظما أجمعوا على أنه لا قصاص فيه ; لخوف ذهاب النفس منه .

قال ابن [ ص: 146 ] المنذر : ومن قال لا قصاص في عظم فهو مخالف للحديث ; والخروج إلى النظير غير جائز مع وجود الخبر .قلت : ويدل على هذا أيضا قوله تعالى : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ، وقوله : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به وما أجمعوا عليه فغير داخل في الآية ، والله أعلم وبالله التوفيق .الرابعة والعشرون : قال أبو عبيد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الموضحة ، وما جاء عن غيره في الشجاج .

قال الأصمعي وغيره : دخل كلام بعضهم في بعض ; أول الشجاج - الحارصة وهي : التي تحرص الجلد - يعني التي تشقه قليلا - ومنه قيل : حرص القصار الثوب إذا شقه ; وقد يقال لها : الحرصة أيضا .

ثم الباضعة - وهي : التي تشق اللحم تبضعه بعد الجلد .

ثم المتلاحمة - وهي : التي أخذت في الجلد ولم تبلغ السمحاق ، والسمحاق : جلدة أو قشرة رقيقة بين اللحم والعظم ، وقال الواقدي : هي عندنا الملطى ، وقال غيره : هي الملطاة ، قال : وهي التي جاء فيها الحديث يقضى في الملطاة بدمها .

ثم الموضحة - وهي : التي تكشط عنها ذلك القشر أو تشق حتى يبدو وضح العظم ، فتلك الموضحة .

قال أبو عبيد : وليس في شيء من الشجاج قصاص إلا في الموضحة خاصة ; لأنه ليس منها شيء له حد ينتهى إليه سواها ، وأما غيرها من الشجاج ففيها ديتها .

ثم الهاشمة - وهي التي تهشم العظم .

ثم المنقلة - بكسر القاف حكاه الجوهري - وهي التي تنقل العظم - أي : تكسره - حتى يخرج منها فراش العظام مع الدواء .

ثم الآمة - ويقال لها المأمومة - وهي التي تبلغ أم الرأس ، يعني الدماغ .

قال أبو عبيد ويقال في قوله : ويقضى في الملطاة بدمها أنه إذا شج الشاج حكم عليه للمشجوج بمبلغ الشجة ساعة شج ولا يستأنى بها .

قال : وسائر الشجاج عندنا يستأنى بها حتى ينظر إلى ما يصير أمرها ثم يحكم فيها حينئذ .

قال أبو عبيد : والأمر عندنا في الشجاج كلها والجراحات كلها أنه يستأنى بها ; حدثنا هشيم عن حصين قال : قال عمر بن عبد العزيز : ما دون الموضحة خدوش وفيها صلح ، وقال الحسن البصري : ليس فيما دون الموضحة قصاص ، وقال مالك : القصاص فيما دون الموضحة الملطى والدامية والباضعة وما أشبه ذلك ; وكذلك قال الكوفيون وزادوا السمحاق ، حكاه ابن المنذر ، وقال أبو عبيد : الدامية التي تدمى من غير أن يسيل منها دم ، والدامعة : أن يسيل منها دم ، وليس فيما دون الموضحة قصاص ، وقال الجوهري : والدامية الشجة التي تدمى ولا تسيل .

وقال علماؤنا : الدامية هي التي تسيل الدم ، [ ص: 147 ] ولا قصاص فيما بعد الموضحة ، من الهاشمة للعظم ، والمنقلة - على خلاف فيها خاصة - والآمة هي البالغة إلى أم الرأس ، والدامغة الخارقة لخريطة الدماغ ، وفي هاشمة الجسد القصاص ، إلا ما هو مخوف كالفخذ وشبهه ، وأما هاشمة الرأس فقال ابن القاسم : لا قود فيها ; لأنها لا بد تعود منقلة ، وقال أشهب : فيها القصاص ، إلا أن تنقل فتصير منقلة لا قود فيها ، وأما الأطراف فيجب القصاص في جميع المفاصل إلا المخوف منها ، وفي معنى المفاصل أبعاض المارن والأذنين والذكر والأجفان والشفتين ; لأنها تقبل التقدير ، وفي اللسان روايتان ، والقصاص في كسر العظام ، إلا ما كان متلفا كعظام الصدر والعنق والصلب والفخذ وشبهه ، وفي كسر عظام العضد القصاص ، وقضى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في رجل كسر فخذ رجل أن يكسر فخذه ; وفعل ذلك عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد بمكة ، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه فعله ; وهذا مذهب مالك على ما ذكرنا ، وقال : إنه الأمر المجمع عليه عندهم ، والمعمول به في بلادنا في الرجل يضرب الرجل فيتقيه بيده فيكسرها يقاد منه .الخامسة والعشرون : قال العلماء : الشجاج في الرأس ، والجراح في البدن .

وأجمع أهل العلم على أن فيما دون الموضحة أرش فيما ذكر ابن المنذر ; واختلفوا في ذلك الأرش وما دون الموضحة شجاج خمس : الدامية والدامعة والباضعة والمتلاحمة والسمحاق ; فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي في الدامية حكومة ، وفي الباضعة حكومة ، وفي المتلاحمة حكومة ، وذكر عبد الرزاق عن زيد بن ثابت قال : في الدامية بعير ، وفي الباضعة بعيران ، وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة من الإبل ، وفي السمحاق أربع ، وفي الموضحة خمس ، وفي الهاشمة عشر ، وفي المنقلة خمس عشرة ، وفي المأمومة ثلث الدية ، وفي الرجل يضرب حتى يذهب عقله الدية كاملة ، أو يضرب حتى يغن ولا يفهم الدية كاملة ، أو حتى يبح ولا يفهم الدية كاملة ، وفي جفن العين ربع الدية ، وفي حلمة الثدي ربع الدية .

قال ابن المنذر : وروي عن علي في السمحاق مثل قول زيد ، وروي عن عمر وعثمان أنهما قالا : فيها نصف الموضحة ، وقال الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والنخعي فيها حكومة ; وكذلك قال مالك والشافعي وأحمد ، ولا يختلف العلماء أن الموضحة فيها خمس من الإبل ; على ما في حديث عمرو بن حزم ، وفيه : وفي الموضحة خمس ، وأجمع أهل العلم على أن الموضحة تكون في الرأس والوجه ، واختلفوا في تفضيل موضحة الوجه على موضحة الرأس ; فروي عن أبي بكر وعمر أنهما سواء ، وقال بقولهما جماعة من التابعين ; وبه يقول الشافعي وإسحاق ، وروي عن سعيد بن المسيب تضعيف موضحة الوجه على موضحة الرأس ، وقال أحمد : [ ص: 148 ] موضحة الوجه أحرى أن يزاد فيها ، وقال مالك : المأمومة والمنقلة والموضحة لا تكون إلا في الرأس والوجه ، ولا تكون المأمومة إلا في الرأس خاصة إذا وصل إلى الدماغ ، قال : والموضحة ما تكون في جمجمة الرأس ، وما دونها فهو من العنق ليس فيه موضحة .

قال مالك : والأنف ليس من الرأس وليس فيه موضحة ، وكذلك اللحي الأسفل ليس فيه موضحة ، وقد اختلفوا في الموضحة في غير الرأس والوجه ; فقال أشهب وابن القاسم : ليس في موضحة الجسد ومنقلته ومأمومته إلا الاجتهاد ، وليس فيها أرش معلوم .

قال ابن المنذر : هذا قول مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق ، وبه نقول .

وروي عن عطاء الخراساني أن الموضحة إذا كانت في جسد الإنسان فيها خمس وعشرون دينارا .

قال أبو عمر : واتفق مالك والشافعي وأصحابهما أن من شج رجلا مأمومتين أو موضحتين أو ثلاث مأمومات أو موضحات أو أكثر في ضربة واحدة أن فيهن كلهن - وإن انخرقت فصارت واحدة - دية كاملة ، وأما الهاشمة فلا دية فيها عندنا بل حكومة .

قال ابن المنذر : ولم أجد في كتب المدنيين ذكر الهاشمة ، بل قد قال مالك فيمن كسر أنف رجل إن كان خطأ ففيه الاجتهاد ، وكان الحسن البصري لا يوقت في الهاشمة شيئا .

وقال أبو ثور : إن اختلفوا فيه ففيها حكومة .

قال ابن المنذر : النظر يدل على هذا ; إذ لا سنة فيها ولا إجماع ، وقال القاضي أبو الوليد الباجي : فيها ما في الموضحة ; فإن صارت منقلة فخمسة عشر ، وإن صارت مأمومة فثلث الدية .

قال ابن المنذر : ووجدنا أكثر من لقيناه وبلغنا عنه من أهل العلم يجعلون في الهاشمة عشرا من الإبل ، وروينا هذا القول عن زيد بن ثابت ; وبه قال قتادة وعبيد الله بن الحسن والشافعي ، وقال الثوري وأصحاب الرأي : فيها ألف درهم ، ومرادهم عشر الدية ، وأما المنقلة فقال ابن المنذر : جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : في المنقلة خمس عشرة من الإبل وأجمع أهل العلم على القول به .

قال ابن المنذر : وقال كل من يحفظ عنه من أهل العلم إن المنقلة هي التي تنقل منها العظام ، وقال مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي - وهو قول قتادة وابن شبرمة - إن المنقلة لا قود فيها ; وروينا عن ابن الزبير - وليس بثابت عنه - أنه أقاد من المنقلة .

قال ابن المنذر : والأول أولى ; لأني لا أعلم أحدا خالف في ذلك وأما المأمومة فقال ابن المنذر : جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : في المأمومة ثلث الدية ، وأجمع عوام أهل العلم على القول به ، ولا نعلم أحدا خالف ذلك إلا مكحولا فإنه قال : إذا كانت المأمومة عمدا ففيها ثلثا الدية ، وإذا كانت خطأ ففيها ثلث الدية ; وهذا قول شاذ ، وبالقول الأول أقول .

واختلفوا في القود من المأمومة ; فقال كثير من أهل العلم : لا قود فيها ; وروي عن ابن الزبير أنه أقص من المأمومة ، فأنكر ذلك الناس ، وقال عطاء : ما علمنا أحدا أقاد منا قبل ابن الزبير ، وأما الجائفة ففيها ثلث الدية على [ ص: 149 ] حديث عمرو بن حزم ; ولا خلاف في ذلك إلا ما روي عن مكحول أنه قال : إذا كانت عمدا ففيها ثلثا الدية ، وإن كانت خطأ ففيها ثلث الدية ، والجائفة كل ما خرق إلى الجوف ولو مدخل إبرة ; فإن نفذت من جهتين فهي عندهم جائفتان ، وفيها من الدية الثلثان .

قال أشهب : وقد قضى أبو بكر الصديق رضي الله عنه في جائفة نافذة من الجنب الآخر بدية جائفتين .

وقال عطاء ومالك والشافعي وأصحاب الرأي كلهم يقولون : لا قصاص في الجائفة .

قال ابن المنذر : وبه نقول .السادسة والعشرون : واختلفوا في القود من اللطمة وشبهها ; فذكر البخاري عن أبي بكر وعلي وابن الزبير وسويد بن مقرن رضي الله عنهم أنهم أقادوا من اللطمة وشبهها ، وروي عن عثمان وخالد بن الوليد مثل ذلك ; وهو قول الشعبي وجماعة من أهل الحديث ، وقال الليث : إن كانت اللطمة في العين فلا قود فيها ; للخوف على العين ويعاقبه السلطان ، وإن كانت على الخد ففيها القود ، وقالت طائفة : لا قصاص في اللطمة ; روي هذا عن الحسن وقتادة ، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي ; واحتج مالك في ذلك فقال : ليس لطمة المريض الضعيف مثل لطمة القوي ، وليس العبد الأسود يلطم مثل الرجل ذي الحالة والهيئة ; وإنما في ذلك كله الاجتهاد لجهلنا بمقدار اللطمة .السابعة والعشرون : واختلفوا في القود من ضرب السوط ; فقال الليث والحسن : يقاد منه ، ويزاد عليه للتعدي .

وقال ابن القاسم : يقاد منه .

ولا يقاد منه عند الكوفيين والشافعي إلا أن يجرح ; قال الشافعي إن جرح السوط ففيه حكومة ، وقال ابن المنذر : وما أصيب به من سوط أو عصا أو حجر فكان دون النفس فهو عمد ، وفيه القود ; وهذا قول جماعة من أصحاب الحديث ، وفي البخاري وأقاد عمر من ضربة بالدرة ، وأقاد علي بن أبي طالب من ثلاثة أسواط ، واقتص شريح من سوط وخموش ، وقال ابن بطال : وحديث لد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل البيت حجة لمن جعل القود في كل ألم وإن لم يكن جرح .الثامنة والعشرون : واختلفوا في عقل جراحات النساء ; ففي " الموطأ " عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول : تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث دية الرجل ، إصبعها كإصبعه وسنها كسنه ، وموضحتها كموضحته ، ومنقلتها كمنقلته .

قال ابن بكير : [ ص: 150 ] قال مالك : فإذا بلغت ثلث دية الرجل كانت على النصف من دية الرجل .

قال ابن المنذر : روينا هذا القول عن عمر وزيد بن ثابت ، وبه قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير والزهري وقتادة وابن هرمز ومالك وأحمد بن حنبل وعبد الملك بن الماجشون ، وقالت طائفة : دية المرأة على النصف من دية الرجل فيما قل أو كثر ; روينا هذا القول عن علي بن أبي طالب ، به قال الثوري والشافعي وأبو ثور والنعمان وصاحباه ; واحتجوا بأنهم لما أجمعوا على الكثير وهو الدية كان القليل مثله ، وبه نقول .التاسعة والعشرون : قال القاضي عبد الوهاب : وكل ما فيه جمال منفرد عن منفعة أصلا ففيه حكومة ; كالحاجبين وذهاب شعر اللحية وشعر الرأس وثديي الرجل وأليته ، وصفة الحكومة أن يقوم المجني عليه لو كان عبدا سليما ، ثم يقوم مع الجناية فما نقص من ثمنه جعل جزءا من ديته بالغا ما بلغ ، وحكاه ابن المنذر عن كل من يحفظ عنه من أهل العلم ; قال : ويقبل فيه قول رجلين ثقتين من أهل المعرفة ، وقيل : بل يقبل قول عدل واحد ، والله سبحانه أعلم .

فهذه جمل من أحكام الجراحات والأعضاء تضمنها معنى هذه الآية ، فيها لمن اقتصر عليها كفاية ، والله الموفق للهداية بمنه وكرمه .الموفية ثلاثين : قوله تعالى : فمن تصدق به فهو كفارة له شرط وجوابه ; أي : تصدق بالقصاص فعفا فهو كفارة له ، أي : لذلك المتصدق ، وقيل : هو كفارة للجارح فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة ; لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه ، وأجر المتصدق عليه .

وقد ذكر ابن عباس القولين ; وعلى الأول أكثر الصحابة ومن بعدهم ، وروي الثاني عن ابن عباس ومجاهد ، وعن إبراهيم النخعي والشعبي بخلاف عنهما ; والأول أظهر لأن العائد فيه يرجع إلى مذكور ، وهو " من " ، وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم : ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيهبه إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة .

قال ابن العربي : والذي يقول إنه إذا عفا عنه المجروح عفا الله عنه لم يقم عليه دليل ; فلا معنى له .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذه الأحكام من جملة الأحكام التي في التوراة، يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار.

إن الله أوجب عليهم فيها أن النفس -إذا قتلت- تقتل بالنفس بشرط العمد والمكافأة، والعين تقلع بالعين، والأذن تؤخذ بالأذن، والسن ينزع بالسن.

ومثل هذه ما أشبهها من الأطراف التي يمكن الاقتصاص منها بدون حيف.

{ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } والاقتصاص: أن يفعل به كما فعل.

فمن جرح غيره عمدا اقتص من الجارح جرحا مثل جرحه للمجروح، حدا، وموضعا، وطولا، وعرضا وعمقا، وليعلم أن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافه.

{ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ } أي: بالقصاص في النفس، وما دونها من الأطراف والجروح، بأن عفا عمن جنى، وثبت له الحق قبله.

{ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } أي: كفارة للجاني، لأن الآدمي عفا عن حقه.

والله تعالى أحق وأولى بالعفو عن حقه، وكفارة أيضا عن العافي، فإنه كما عفا عمن جنى عليه، أو على من يتعلق به، فإن الله يعفو عن زلاته وجناياته.

{ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } قال ابن عباس: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، فهو ظلم أكبر، عند استحلاله، وعظيمة كبيرة عند فعله غير مستحل له.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وكتبنا عليهم فيها ) أي : أوجبنا على بني إسرائيل في التوراة ، ( أن النفس بالنفس ) يعني : نفس القاتل بنفس المقتول وفاء يقتل به ، ( والعين بالعين ) تفقأ بها ، ( والأنف بالأنف ) يجدع به ، ( والأذن بالأذن ) تقطع بها ، قال ابن عباس : أخبر الله تعالى بحكمه في التوراة وهو : أن النفس بالنفس إلى آخرها ، فما بالهم يخالفون فيقتلون بالنفس النفسين ، ويفقأون بالعين العينين ، وخفف نافع الأذن في جميع القرآن وثقلها الآخرون ، ( والسن بالسن ) تقلع بها وسائر الجوارح قياس عليها في القصاص ، ( والجروح قصاص ) فهذا تعميم بعد تخصيص ، لأنه ذكر العين والأنف والأذن والسن ، ثم قال : ( والجروح قصاص ) أي فيما يمكن الاقتصاص منه كاليد والرجل واللسان ونحوها ، وأما ما لا يمكن الاقتصاص منه من كسر عظم أو جرح لحم كالجائفة ونحوها فلا قصاص فيه ، لأنه لا يمكن الوقوف على نهايته ، وقرأ الكسائي " والعين " وما بعدها بالرفع ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر وأبو عمرو " والجروح " بالرفع فقط وقرأ الآخرون كلها بالنصب كالنفس .

قوله تعالى : ( فمن تصدق به ) أي بالقصاص ( فهو كفارة له ) قيل : الهاء في " له " كناية عن المجروح وولي القتيل ، أي : كفارة للمتصدق وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص والحسن والشعبي وقتادة .

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي أنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أنا عبد الله الحسين بن محمد الدينوري أنا عمر بن الخطاب أنا عبد الله بن الفضل أخبرنا أبو خيثمة أنا جرير عن مغيرة عن الشعبي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من تصدق من جسده بشيء كفر الله عنه بقدره من ذنوبه " .

وقال جماعة : هي كناية عن الجارح والقاتل ، يعني : إذا عفا المجني عليه عن الجاني فعفوه كفارة لذنب الجاني لا يؤاخذ به في الآخرة ، كما أن القصاص كفارة له ، فأما أجر العافي فعلى الله عز وجل ، قال الله تعالى : " فمن عفا وأصلح فأجره على الله " ( الشورى - 40 ) ، روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وهو قول إبراهيم ومجاهد وزيد بن أسلم ، ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وكتبنا» فرضنا «عليهم فيها» أي التوراة «أن النفس» تقتل «بالنفس» إذا قتلتها «والعين» تُفقأ «بالعين والأنف» يجُدع «بالأنف والأذن» تُقطع «بالأذن والسنَّ» تقلع «بالسنِّ» وفي قراءة بالرفع في الأربعة «والجروح» بالوجهين «قصاص» أي فيها إذا كاليد والرجل ونحو ذلك وما لا يمكن فيه الحكومة وهذا الحكم وإن كتب عليهم فهو مقرر في شرعنا «فمن تصدق به» أي القصاص بأن مكن عن نفسه «فهو كفارة له» لما أتاه «ومن لم يحكم بما أنزل الله» في القصاص وغيره «فأولئك هم الظالمون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وفَرَضنا عليهم في التوراة أن النفس تُقْتَل بالنفس، والعين تُفْقَأ بالعين، والأنف يُجْدَع بالأنف، والأذُن تُقْطع بالأذُن، والسنَّ تُقْلَعُ بالسنِّ، وأنَّه يُقْتَصُّ في الجروح، فمن تجاوز عن حقه في الاقتصاص من المُعتدي فذلك تكفير لبعض ذنوب المعتدى عليه وإزالةٌ لها.

ومن لم يحكم بما أنزل الله في القصاص وغيره، فأولئك هم المتجاوزون حدود الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله - تعالى - : ( إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ) بيان لشرف التوراة قبل أن تمتد إليها الأيدي الأثيمة بالتحريف والتبديل .

ويدل على شرفها وعلو مقامها أن الله - تعالى - هو الذي أنزلها لا غيره ، وأنه - سبحانه - جعلها مشتملة على الهدى والنور .

والمراد بالهدى ، ما اشتملت عليه من بيان للأحكام والتكاليف والشرائع التي تهدي الناس إلى طريق السعادة .والمراد بالنور : ما اشتملت عليه من بيان للعقائد السليمة ، والمواعظ الحكيمة ، والأخلاق القويمة .والمعنى إنا أنزلنا التوراة على نبينا موسى - عليه السلام - مشتملة على ما يهدي الناس إلى الحق من أحكام وتكاليف وعلى ما يضئ لهم حياتهم من عقائد ومواعظ وأخلاق فاضلة .ثم بين - سبحانه - بعض الوظائف التي جعلها للتوراة فقال : ( يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ والربانيون والأحبار بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ) .والمراد بقوله : ( النبيون ) من بعثهم الله في بني إسرائيل من بعد موسى لإِقامة التوراة .وقوله : الذين أسلموا صفة للنبيين .

أي : أسلموا وجوههم لله وأخلصوا له العبادة والطاعة .وعن الحسن والزهري وقتادة : يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين أسلموا محمدا صلى الله عليه وسلم وذلك لأنه حكم على اليهوديين الذين زنيا بالرجم ، وكان هذا حكم التوراة .

وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له .وقال ابن الأنباري : هذا رد على اليهود والنصارى لأن بعضهم كانوا يقولون : الأنبياء كلهم يهود أو نصارى - فقال - تعالى - ( يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ ) يعني أن الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية أو النصرانية ، بل كانوا مسلمين لله منقادين لتكاليفه .وقوله : ( لِلَّذِينَ هَادُواْ ) أي : رجعوا عن الكفر .

والمراد بهم اليهود .

واللام للتعليل .وقوله : ( والربانيون ) معطوف على ( النبيون ) وهو جمع رباني .

وهم - كما يقول ابن جرير - العلماء والحكماء البصراء بسياسة الناس وتدبير أمورهم ، والقيام بمصالحهم .وقوله : ( الأحبار ) معطوف أيضاً على ( النبيون ) .قال القرطبي ما ملخصه : والأحبار : قال ابن عباس : هم الفقهاء .

والحبر بالفتح والكسر - الرجل العالم وهو مأخوذ من التحبير بمعنى التحسين والتزيين ، قفهم يحبرون العلم .أي : يبينونه ، وهو محبر في صدورهم .والباء في قوله : ( بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله ) متعلقة بقوله ( يَحْكُم ) .وقوله ( استحفظوا ) من الاستحفاظ بمعنى طلب الحفظ بعناية وفهم ، إذ أن السين والتاء للطلب ، والضمير في ( استحفظوا ) يعود على النبيين والربانيين والأحبار .والمعنى : إنا أنزلنا التوراة فيها هداية للناس إلى الحق ، وضاء لهم من ظلمات الباطل ، وهذه التوراة يحكم بها بين اليهود أنبياءهم الذين أسلموا وجوههم لله ، وأخلصوا له العبادة والطاعة ، ويحكم أيضاً بينهم الربانيون والأحبار الذين هم خلفاء الأنبياء .

وكان هذا الحكم منهم بالتوراة بين اليهود ، بسبب أنه - تعالى - حملهم أمانة حفظ كتابه ، وتنفيذ احكامه وشرائعه وتعاليمه .ويصح أن يكون قوله ( بِمَا استحفظوا ) متعلقا بالربانيين والأحبار ، وأن يكون الضمير عائدا عليهم وحدهم .

أي : على الربانيين والأحبار ويكون الاستحفاظ بمعنى أن الأنبياء قد طلبوا منهم حفظه وتطبيق أحكامه .والمعنى : كذلك الربانيون والأحبار كانوا يحكمون بالتوراة بين اليهود .

بسبب أمر أنبيائهم إياهم بأن يحفظوا كتاب الله من التغيير والتبديل .وقوله : ( وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ) معطوف على ( استحفظوا ) .أي : وكان الأنبياء والربانيون والأحبار شهداء على الكتاب الذي أنزله الله - وهو التوراة - بأنه حق ، وكانوا رقباء على تنفيذ حدوده ، وتطبيق أحكامه حتى لا يهمل شيء منها .قال الفخر الرازي قوله : ( بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله ) : حفظ كتاب الله على وجهين :الأول : أن يحفظ فلا ينسى .الثاني : أن يحفظ فلا يضيع .وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتابه من وجهين .أحدهما : أن يحفظوه في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم .والثاني : ألا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه .وقوله : ( وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ) أي : هؤلاء النبيون والربانيون والأحبار كانوا شهداء على أن كل ما في التوراة حق وصدق ومن عند الله فلا جرم كانوا يمضون أحكام التوراة ويحفظونها من التحريف والتغيير .ثم أمر الله - تعالى - اليهود - ولا سيما علماءهم وفقهاءهم - أن يجعلوا خشيتهم منه وحده .وألا يبيعوا دينهم بدنياهم فقال - تعالى - : ( فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس واخشون وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ) .والخشية - كما يقول الراغب - خوف يشوبه تعظيم ، وأكثر ما يكون ذلك على علم بما يخشى منه ، ولذلك خص العلماء بها في قوله : ( إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء ) وكأن الراغب - رحمه الله - يريد أن يفرق بين الخوف والخشية فهو يرى أن الخشية خوف يشوبه تعظيم ومحبة للمخشى بخلاف الخوف فهو أعم من أن يكون من مرهوب معظم محبوب أو مرهوب مبغوض مذموم .والفاء في قوله ( فَلاَ تَخْشَوُاْ ) للإِفصاح عن كلام مقدر .والمعنى : إذا كان الأمر كما ذكر من أن الله - تعالى - قد أنزل التوراة لتنفيذ أحكامها ، وتطبيق تعاليمها .

.

فمن الواجب عليكم يا معشر اليهود أن تقتدوا بأنبيائكم وصلحائكم في ذلك ، وأن تستجيبوا للحث الذي جاء به رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وأن تجعلوا خشيتكم منى وحدي لا من أحد من الناس ، فأنا الذي بيدي نفع العباد وضرهم .وقوله : ( وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ) معطوف على قوله ( فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس واخشون ) والاشتراء هنا المراد به الاستبدال .والمراد بالآيات : ما اشتملت عليه التوراة من أحكام وتشريعات وبشارات بالنبي صلى الله عليه وسلم .والمراد بالثمن القليل : حظوظ الدنيا وشهواتها من نحو الرياسة والمال والجاه وما إلى ذلك من متع الحياة الدنيا .أي : ولا تستبدلوا بأحكام آياتي التي اشتملت عليها التوراة احكاماً أخرى وتغريرها وتخالفها ، لكي تأخذوا في مقابل هذا الاستبدال ثمنا قليلا من حظوظ الدنيا وشهواتها كالمال والجاه وما يشبه ذلك .وليس وصف الثمن بالقلة من الأوصاف المخصصة للنكرات ، بل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل في مقابل استبدال الآيات؛ لأنه لا يكون إلا قليلا - وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا - بالنسبة لطاعة الله ، والرجاء في رحمته ورضاه .وهذا النهي الذي اشتملت عليه هاتان الجملتان الكريمتان : ( فَلاَ تَخْشَوُاْ ) ( وَلاَ تَشْتَرُواْ ) وإن كان موجها في الأصل إلى رؤساء اليهود وأحبارهم .

إلا أنه يتناول الناس جميعا في كل زمان ومكان ، لأنه نهى عن رذائل يجب أن يبتعد عنها كل إنسان يتأتى له الخطاب .وإلى هذا المعنى أشار الآلوسي بقوله : ( فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس ) خطاب لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق الالتفات - إذ انتقل من الحديث عن الأحبار السابقين منهم إلى خطاب هؤلاء المعاصين للنبي صلى الله عليه وسلم ويتناول غير أولئك المخاطبين بطريق الدلالة .ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان سوء عاقبة من يفعل فعل اليهود ، فيحكم بغير شريعة الله فقال - تعالى - ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون ) .أي : كل من رغب عن الحكم بما أنزل الله : وقضى بغيره من الأحكام ، فأولئك هم الكافرون بما أنزله - سبحانه - لأنهم كتموا الحق الذي كان من الواجب عليهم إظهاره والعمل به .

والجملة الكريمة - كما يقول الآلوسي - تذييل مقرر لمضمون ما قبلها أبلغ تقرير ، وتحذير من الإِخلال به أشد تحذير .هذا ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتي :1 - سمو منزلة التوراة التي أنزلها الله - تعالى - على نبيه موسى - عليه السلام ، فقد أضاف - سبحانه - إنزالها إليه ، فكان لهذه الإِضافة مالها من الدلالة على علو مقامها ، كما بين - سبحانه - شرفها الذاتي بذكر ما اشتملت عليه من هداية إلى الحق ، ومن نور يكشف للناس ما اشتبه عليهم من أمور دينهم ودنياهم .وهذا السمو إنما هو للتوراة التي لم تمتد إليها أيدي اليهود بالتحريف والتبديل ، والزيادة والنقصان .

أما تلك التوراة التي بين أيديهم الآن ، والتي دخلها من التحريف ما دخلها فهي عارية عن الثقة في كثير مما اشتملت عليه من قصص وأحكام .2 - قال الفخر الرازي : " دلت الآية على أنه يحكم بالتوارة النبيون والربانيون والأحبار ، وهذا يقتضي كون الربانيين أعلى حالا من الأحبار ، فثبت أن يكون الربانيون كالمجتهدين .

والأحبار كآحاد العلماء .ثم قال : وقد احتج جماعة بأن شرع من قبلنا لازم علينا - إلا إذا قام الدليل على صيرورته منسوخا - بهذه الآية ، وتقريره أنه - تعالى - قال في التوراة هدى ونوراً ، والمراد كونها هدى ونورا في أصول الشرع وفروعه ، ولو كان ما فيها منسوخا غير معتبر الحكم بالكلية لما كان فيها هدى ونور ، ولا يمكن أن يحمل الهدى والنور على ما يتعلق بأصول الدين فقط ، لأنه ذكر الهدى والنور ولو كان المراد منهما معا ما يتعلق بأصول الدين للزم التكرار ، وأيضاً فإن هذه الآية إنما نزلت في مسألة الرجم فلا بد وأن تكون الأحكام الشرعية داخلة فيها لأنا - وإن اختلفنا في أن غير سبب نزول الآية هل يدخل فيها أم لا - لكنا توافقنا على أن سبب نزول الآية يجب أن يكون داخلا فيها .3 - استدل العلماء بهذه الآية على أن الحاكم من الواجب عليه أن ينفذ أحكام الله دون أن يخشى أحدا سواه ، وأن عليه كذلك أن يبتعد عن أكل المحرم بكل صورة وأشكاله ، وألا يغير حكم الله في نظير أي عرض من أعراض الدنيا ، لأن الله - تعالى - يقوله : ( فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس واخشون ) ( وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ) .وقد أشار إلى هذا المعنى صاحب الكشاف بقوله : قوله : ( فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس واخشون ) نهى للحكام عن خشيتهم غير الله في حكومتهم ، وادهانهم فيها - أي ومصانعتهم فيها - وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل لخشية سلطان ظالم ، أو خيفة أذية أحد من الأقرباء والأصدقاء وقوله : ( وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ) وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس ، كما حرف أحبار اليهود كتاب الله وغيروا أحكامه رغبة في الدنيا وطلبا للرياسة فهلكوا .4 - قال بعض العلماء : في قوله : ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون ) تغليظ في الحكم بخلاف المنصوص عليه ، حيث علق عليه الكفر هنا والظلم والفسق بعد .

وكفر الحاكم لحكمه بغير ما أنزل الله مقيد بقيد الاستهانة به .

والجحود له ، وهذا ما سار عليه كثير من العلماء وأثروه عن عكرمة وابن عباس .وعن عطاء : هو كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق .

أي : أن كفر المسلم وظلمه وفسقه ليس مثل كفر الكافر وظلمه وفسقه .

فإن كفر المسلم قد يحمل على جحود النعمة .وقال فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف : قوله : ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون ) : اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية والآيتان بعدها .

فقيل في اليهود خاصة وقيل : في الكفار عامة .

وقيل : الأولى في هذه الأمة والثانية في اليهود .

والثالثة في النصارى والكفر إذا نسب إلى المؤمنين حمل على التشديد والتغليظ ، لا على الكفر الذي ينقل عن الملة .

والكافر إذا وصف بالفسق والظلم أريد منهما العتو التمرد في الكفر .

وعن ابن عباس : من لم يحكم بما أنزل الله جاهدا به فهو كافر .ومن أقربه ولم يحكم به فهو ظالم فاسق .وقال الآلوسي ما ملخصه : واحتجت الخوارج بهذه الآية على أن الفاسق كافر غير مؤمن .ووجه استدلالهم بها أن كلمة ( من ) في قوله : ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم ) عامة شاملة لكل من لم يحكم بما أنزل الله فيدخل الفاسق المصدق أيضاً لأنه غير حاكم وغير عامل بما أنزل الله .وأجيب عن شبهتهم بأن الآية متروكة الظاهر فإن الحكم وإن كان شاملا لفعل القلب والجوارح لكن المراد به هنا عمل القلب وهو التصديق ولا نزاع في كفر من لم يصدق بما أنزل الله - تعالى .والذي يبدو لنا أن هذه الجملة الكريمة عامة في اليهود وفي غيرهم فكل من حكم بغير ما أنزل الله ، مستهيناً بحكمه - تعالى - أو منكراً له ، يعد كافراً لأن فعله هذا جحود وإنكار واستهزاء بحكم الله ومن فعل ذلك كان كافراً .أما الذي يحكم بغير حكم الله مع إقراره بحكم الله واعترافه به ، فإنه لا يصل في عصيانه وفسقه إلى درجة الكفر .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص ﴾ .

والمعنى أنه تعالى بيّن في التوراة أن حكم الزاني المحصن هو الرجم، واليهود غيروه وبدلوه، وبيّن في هذه الآية أيضاً أنه تعالى بيّن في التوراة أن النفس بالنفس، وهؤلاء اليهود غيروا هذا الحكم أيضاً، ففضلوا بني النضير على بني قريظة، وخصصوا إيجاب القود ببني قريظة دون بني النضير، فهذا هو وجه النظم من الآية، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ الكسائي: العين والأنف والأذن والسن والجروح كلها بالرفع، وفيه وجوه: أحدها: العطف على محل ﴿ أن النفس ﴾ لأن المعنى: وكتبنا عليهم فيها النفس بالنفس لأن معنى كتبنا قلنا.

وثانيها: أن الكتابة تقع على مثل هذه الجمل تقول: كتبت (الحمد لله) وقرأت (سورة أنزلناها).

وثالثها: أنها ترتفع على الاستئناف، وتقديره: أن النفس مقتولة بالنفس والعين مفقوءة بالعين، ونظيره قوله تعالى في هذه السورة ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ والنصارى والصابئين  ﴾ وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بنصف الكل سوى ﴿ الجروح ﴾ فإنه بالرفع، فالعين والأنف والأذن نصب عطفاً على النفس، ثم ﴿ الجروح ﴾ مبتدأ، و ﴿ قِصَاصٌ ﴾ خبره، وقرأ نافع وعاصم وحمزة كلها بالنصب عطفاً لبعض ذلك على بعض، وخبر الجميع قصاص، وقرأ نافع ﴿ الأذن ﴾ بسكون الذال حيث وقع، والباقون بالضم مثقلة، وهما لغتان.

المسألة الثانية: قال ابن عباس: يريد وفرضنا عليهم في التوراة أن النفس بالنفس، يريد من قتل نفساً بغير قود قيد منه، ولم يجعل الله له دية في نفس ولا جرح، إنما هو العفو أو القصاص.

وعن ابن عباس: كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت هذه الآية، وأما الأطراف فكل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في جميع الأطراف إذا تماثلا في السلامة، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضاً في الأطراف، ولما ذكر الله تعالى بعض الأعضاء عمم الحكم في كلها فقال: ﴿ والجروح قِصَاصٌ ﴾ وهو كل ما يمكن أن يقتص منه، مثل الشفتين والذكر والأنثيين والأنف والقدمين واليدين وغيرها، فأما ما لا يمكن القصاص فيه من رض في لحم، أو كسر في عظم، أو جراحة في بطن يخاف منه التلف ففيه أرش وحكومة.

واعلم أن هذه الآية دالة على أن هذا كان شرعاً في التوراة، فمن قال: شرع من قبلنا يلزمنا إلا ما نسخ بالتفصيل قال: هذه الآية حجة في شرعنا، ومن أنكر ذلك قال: إنها ليست بحجة علينا.

المسألة الثالثة: ﴿ قِصَاصٌ ﴾ هاهنا مصدر يراد به المفعول، أي والجروح متقاصة بعضها ببعض.

ثم قال تعالى: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ الضمير في قوله: ﴿ لَهُ ﴾ يحتمل أن يكون عائداً إلى العافي أو إلى المعفو عنه، أما الأول فالتقدير أن المجروح أو ولي المقتول إذا عفا كان ذلك كفارة له، أي للعافي ويتأكد هذا بقوله تعالى في آية القصاص 3 في سورة البقرة: ﴿ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى  ﴾ ويقرب منه قوله صلى الله عليه وسلم: «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته تصدق بعرضه على الناس».

وروى عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تصدق من جسده بشيء كفر الله تعالى عنه بقدره من ذنوبه» وهذا قول أكثر المفسرين.

والقول الثاني: أن الضمير في قوله: ﴿ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ عائد إلى القاتل والجارح، يعني أن المجنى عليه إذا عفا عن الجاني صار ذلك العفو كفارة للجاني، يعني لا يؤاخذه الله تعالى بعد ذلك العفو، وأما المجنى عليه الذي عفا فأجره على الله تعالى.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون ﴾ وفيه سؤال، وهو أنه تعالى قال أولاً: ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون  ﴾ وثانياً: ﴿ هُمُ الظالمون ﴾ والكفر أعظم من الظلم، فلما ذكر أعظم التهديدات أولاً، فأي فائدة في ذكر الأخف بعده؟

وجوابه: أن الكفر من حيث أنه إنكار لنعمة المولى وجحود لها فهو كفر، ومن حيث إنه يقتضي إبقاء النفس في العقاب الدائم الشديد فهو ظلم على النفس، ففي الآية الأولى ذكر الله ما يتعلق بتقصيره في حق الخالق سبحانه، وفي هذه الآية ذكر ما يتعلق بالتقصير في حق نفسه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

في مصحف أبيّ: (وأنزل الله على بني إسرائيل فيها): وفيه: (وأن الجروح قصاص).

والمعطوفات كلها قرئت منصوبة ومرفوعة، والرفع للعطف على محل أن النفس، لأن المعنى وكتبنا عليهم النفس بالنفس، إما لإجراء كتبنا مجرى قلنا، وإما لأنّ معنى الجملة التي هي قولك النفس بالنفس مما يقع عليه الكتاب كما تقع عليه القراءة.

تقول: كتبت الحمد لله، وقرأ سورة أنزلناها.

ولذلك قال الزجاج: لو قرئ: إن النفس بالنفس، بالكسر؛ لكان صحيحاً.

أو للاستئناف.

والمعنى: فرضنا عليهم فيها ﴿ أَنَّ النفس ﴾ مأخوذة ﴿ بالنفس ﴾ مقتولة بها إذا قتلتها بغير حق ﴿ و ﴾ كذلك ﴿ العين ﴾ مفقوءة ﴿ بالعين والأنف ﴾ مجدوع ﴿ بالأنف والأذن ﴾ مصلومة ﴿ بالاذن والسن ﴾ مقلوعة ﴿ بالسن والجروح قِصَاصٌ ﴾ ذات قصاص، وهو المقاصة، ومعناه: ما يمكن فيه القصاص وتعرف المساواة.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ ﴾ من أصحاب الحق ﴿ بِهِ ﴾ بالقصاص وعفا عنه ﴿ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ فالتصدق به كفارة للمتصدق يكفر الله من سيآته ما تقتضيه الموازنة كسائر طاعاته، وعن عبد الله بم عمرو يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به، وقيل: فهو كفارة للجاني، إذا تجاوز عنه صاحب الحق سقط عنه ما لزمه، وفي قراءة أبيّ: فهو كفارته له يعني فالمتصدق كفارته له أي الكفارة التي يستحقها له لا ينقص منها، وهو تعظيم لما فعل، كقوله تعالى ﴿ فَأَجْرُهُ عَلَى الله ﴾ [الشورى: 40] وترغيب في العفو.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ ﴾ وفَرَضْنا عَلى اليَهُودِ.

﴿ فِيها ﴾ في التَّوْراةِ.

﴿ أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ أيْ أنَّ النَّفْسَ تُقْتَلُ بِالنَّفْسِ.

﴿ والعَيْنَ بِالعَيْنِ والأنْفَ بِالأنْفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ ﴾ رَفَعَها الكِسائِيُّ عَلى أنَّها جُمَلٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى أنَّ وما في حَيِّزِها بِاعْتِبارِ المَعْنى وكَأنَّهُ قِيلَ: وكَتَبْنا عَلَيْهِمُ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، والعَيْنَ بِالعَيْنِ، فَإنَّ الكِتابَةَ والقِراءَةَ تَقَعانِ عَلى الجُمَلِ كالقَوْلِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ ومَعْناها: وكَذَلِكَ العَيْنُ مَفْقُوءَةٌ بِالعَيْنِ، والأنْفُ مَجْدُوعَةٌ بِالأنْفِ، والأُذُنُ مَصْلُومَةٌ بِالأُذُنِ، والسِّنُّ مَقْلُوعَةٌ بِالسِّنِّ، أوْ عَلى أنَّ المَرْفُوعَ مِنها مَعْطُوفٌ عَلى المْسْتَكِنِّ في قَوْلِهِ بِالنَّفْسِ، وإنَّما ساغَ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَفْصُولٌ عَنْهُ بِالظَّرْفِ، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْمَعْنى، وقَرَأ نافِعٌ والأُذْنَ بِالأُذْنِ وفي أُذُنَيْهِ بِإسْكانِ الذّالِ حَيْثُ وقَعَ.

﴿ والجُرُوحَ قِصاصٌ ﴾ أيْ ذاتُ قِصاصٍ، وقِراءَةُ الكِسائِيِّ أيْضًا بِالرَّفْعِ ووافَقَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ عَلى أنَّهُ إجْمالٌ لِلْحُكْمِ بَعْدَ التَّفْصِيلِ.

﴿ فَمَن تَصَدَّقَ ﴾ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ.

﴿ بِهِ ﴾ بِالقِصاصِ أيْ فَمَن عَفا عَنْهُ.

﴿ فَهُوَ ﴾ فالتَّصَدُّقُ.

﴿ كَفّارَةٌ لَهُ ﴾ لِلْمُتَصَدِّقِ يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهِ ذُنُوبَهُ.

وقِيلَ لِلْجانِي يَسْقُطُ عَنْهُ ما لَزِمَهُ.

وقُرِئَ «فَهُوَ كَفّارَتُهُ لَهُ» أيْ فالمُتَصَدِّقُ كَفّارَتُهُ الَّتِي يَسْتَحِقُّها بِالتَّصَدُّقِ لَهُ لا يَنْقُصُ مِنها شَيْءٌ.

﴿ وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ مِنَ القَصاصِ وغَيْرِهِ.

﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} وفرضنا على اليهود في التوراة {أَنَّ النفس}

مأخوذة {بالنفس} مقتولة بها إذا قتلتها بغير حق {والعين} مفقوءة {بالعين والأنف} مجدوع {بالأنف والأذن} مقطوعة {بالأذن والسن} مقلوعة {بالسن والجروح قِصَاصٌ} أي ذات قصاص وهو المقاصة ومعناه ما يمكن فيه القصاص وإلا فحكومة عدل وعن ابن عباس رضى الله عنهما كانوا

المائدة (٤٥ _ ٤٨)

لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت وقوله {أن النفس بالنفس} يدل على أن المسلم يقتل بالذمي والرجل بالمرأة والحر بالعبد نصب نافع وعاصم وحمزة المعطوفات كلها لعطف على ما عملت فيه أن ورفعها عليٌّ للعطف على محل أن النفس لأن المعنى وكتبنا عليهم النفس بالنفس اجراء لكتبنا مجرى قلنا ونصب الباقون الكل ورفعواالجروح والأذن بسكون الذال حيث كان نافع والباقون بضمها وهما لغتان كالسحت والسحت {فَمَن تَصَدَّقَ} من أصحاب الحق {به} بالقصاص وعفا عنه {فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} فالتصدق به كفارة للمتصدق بإحسانه قال عليه السلام من تصدق بدم فمادونه كان كفارة له يوم ولدته أمه {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون} بالامتناع عن ذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وكَتَبْنا ﴾ عَطْفٌ عَلى ( أنْزَلْنا التَّوْراةَ ) والمَعْنى قَدَّرْنا وفَرَضْنا ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: عَلى الَّذِينَ هادُوا، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( وأنْزَلَنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ فِيها ﴾ أيْ: في التَّوْراةِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ( كَتَبْنا ) وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا، أيْ فَرَضْنا هَذِهِ الأُمُورَ مُبَيَّنَةً فِيها، وقِيلَ: صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ ( كَتَبْنا ) كِتابَةً مُبَيَّنَةً ( فِيها ).

﴿ أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ أيْ مَأْخُوذَةٌ أوْ مَقْتُولَةٌ أوْ مُقْتَصَّةٌ بِها إذا قَتَلَتْها بِغَيْرِ حَقٍّ، ويُقَدَّرُ في كُلٍّ مِمّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والعَيْنَ بِالعَيْنِ والأنْفَ بِالأنْفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ ﴾ ما يُناسِبُهُ كالفَقْءِ، والجَذْعِ، والصَّلْمِ، والقَلْعِ، ومِنهم مَن قَدَّرَ الكَوْنَ المُطْلَقَ، وقالَ: إنَّهُ مُرادُهُمْ، أيْ يَسْتَقِرُّ أخْذُها بِالعَيْنِ، ونَحْوُ ذَلِكَ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ: ( العَيْنُ ) وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِالرَّفْعِ، ووَجَّهَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِأنَّ الكَلامَ حِينَئِذٍ جُمَلٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) لَكِنْ مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، فَإنَّ مَعْنى ( كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) قُلْنا لَهُمُ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، فالجُمْلَةُ مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ ما كُتِبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وجَعَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى هَذا القَوْلِ مِنَ العَطْفِ عَلى التَّوَهُّمِ، وهو غَيْرُ مَقِيسٍ.

وقِيلَ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ، بِمَعْنى أنَّ الجُمَلَ اسْمِيَّةٌ، مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، ويَكُونُ هَذا ابْتِداءَ تَشْرِيعٍ، وبَيانَ حُكْمٍ جَدِيدٍ غَيْرِ مُنْدَرِجٍ فِيما كُتِبَ في التَّوْراةِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُنْدَرِجٌ فِيهِ أيْضًا عَلى هَذا، والتَّقْدِيرُ: وكَذَلِكَ العَيْنُ بِالعَيْنِ إلَخْ؛ لِتَتَوافَقَ القِراءَتانِ.

وقالَ الخَطِيبُ: لا عَطْفَ، والِاسْتِئْنافُ بِمَعْناهُ المُتَبادَرِ مِنهُ، والكَلامُ جَوابُ سُؤالٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما حالُ غَيْرِ النَّفْسِ؟

فَقالَ سُبْحانَهُ: ( العَيْنُ بِالعَيْنِ ) إلَخْ، وقِيلَ: إنَّ العَيْنَ وكَذا سائِرَ المَرْفُوعاتِ مَعْطُوفَةٌ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعِ خَبَرًا، والجارُّ والمَجْرُورُ بَعْدَها حالٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْمَعْنى، وضُعِّفَ هَذا بِأنَّهُ يَلْزَمُهُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُتَّصِلِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ ولا تَأْكِيدٍ، وهو لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا ضَرُورَةً.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَفْصُولٌ تَقْدِيرًا؛ إذْ أصْلُهُ: النَّفْسُ مَأْخُوذَةٌ أوْ مُقْتَصَّةٌ هي بِالنَّفْسِ، إذِ الضَّمِيرُ مُسْتَتِرٌ في المُتَعَلِّقِ المُقَدَّمِ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ بِحَسَبِ الأصْلِ، وإنَّما تَأخَّرَ بَعْدَ الحَذْفِ وانْتِقالِهِ إلى الظَّرْفِ، كَذا قِيلَ، وهو يَقْتَضِي أنَّ الفَصْلَ المُقَدَّرَ يَكْفِي لِلْعَطْفِ، وفِيهِ نَظَرٌ، ويُقَدَّرُ المُتَعَلَّقُ عَلى هَذا عامًّا لِيَصِحَّ العَطْفُ، إذْ لَوْ قُدِّرَ ( النَّفْسَ مَقْتُولَةً بِالنَّفْسِ والعَيْنَ ) لَمْ يَسْتَقِمِ المَعْنى، كَما لا يَخْفى، فَلْيُفْهَمْ.

واعْلَمْ أنَّ النَّفْسَ في كَلامِهِمْ - إذا أُرِيدَ مِنها الإنْسانُ بِعَيْنِهِ - مُذَكَّرٌ، ويُقالُ: ثَلاثَةُ أنْفُسٍ، عَلى مَعْنى ثَلاثَةِ أشْخاصٍ، وإذا أُرِيدَ بِها الرُّوحُ فَهي مُؤَنَّثَةٌ لا غَيْرُ، وتَصْغِيرُها نُفَيْسَةٌ لا غَيْرُ، والعَيْنُ بِمَعْنى الجارِحَةِ المَخْصُوصَةِ مُؤَنَّثَةٌ، وإطْلاقُ القَوْلِ بِالتَّأْنِيثِ لا يَظْهَرُ لَهُ وجْهٌ؛ إذْ لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: هَذِهِ عَيْنُ هَؤُلاءِ الرِّجالِ، وأنْتَ تُرِيدُ الخِيارَ، والأُذُنُ مِثالُها، والأنْفُ مُذَكَّرٌ لا غَيْرُ، والسِّنُّ تُؤَنَّثُ ولا تُذَكَّرُ، وإنْ كانَتِ السِّنَّ مِنَ الكِبَرِ، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ الشِّحْنَةِ أنَّ السِّنَّ تُطْلَقُ عَلى الضِّرْسِ والنّابِ، وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّهُما مُذَكَّرانِ، وكَذا النّاجِذُ والضّاحِكُ والعارِضُ، ونَصَّ ابْنُ عُصْفُورٍ عَلى أنَّ الضِّرْسَ يَجُوزُ فِيهِ الأمْرانِ، ونَظَمَ ما يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وهاكَ مِنَ الأعْضاءِ ما قَدْ عَدَدْتُهُ تُؤَنَّثُ أحْيانًا وحِينًا تُذَكَّرُ لِسانُ الفَتى والإبْطُ والعُنُقُ والقَفا ∗∗∗ وعاتِقُهُ والمَتْنُ والضِّرْسُ يُذَكَّرُ وعِنْدِي الذِّراعُ والكُراعُ مَعَ المِعى ∗∗∗ وعُجُزُ الفَتى ثُمَّ القَرِيضُ المُحَبَّرُ كَذا كُلُّ نُحْوِيٍّ حَكى في كِتابِهِ ∗∗∗ سِوى سِيبَوَيْهِ وهو فِيهِمْ مُكَبَّرُ يَرى أنَّ تَأْنِيثَ الذِّراعِ هو الَّذِي ∗∗∗ أتى وهو لِلتَّذْكِيرِ في ذاكَ مُنْكِرُ وقَدْ شاعَ أنَّ ما مِنهُ اثْنانِ في البَدَنِ كاليَدِ والضِّلْعِ والرِّجْلِ مُؤَنَّثٌ، وما مِنهُ واحِدٌ كالرَّأْسِ والفَمِ والبَطْنِ مُذَكَّرٌ، ولَيْسَ ذاكَ بِمُطَّرِدٍ؛ فَإنَّ الحاجِبَ والصُّدْغَ والخَدَّ والمِرْفَقَ والزَّنْدَ كُلٌّ مِنها مُذَكَّرٌ، مَعَ أنَّ في البَدَنِ مِنهُ اثْنَيْنِ، والكَبِدُ والكَرِشُ فَإنَّهُما مُؤَنَّثانِ ولَيْسَ مِنهُما في البَدَنِ إلّا واحِدٌ.

وتَفْصِيلُ ما يُذَكَّرُ ولا يُؤَنَّثُ وما يُؤَنَّثُ ولا يُذَكَّرُ مَنَ الأعْضاءِ يُفْضِي إلى بَسْطِ يَدِ المَقالِ، والكَفُّ أوْلى بِمُقْتَضى الحالِ هَذا، ﴿ والجُرُوحَ قِصاصٌ ﴾ بِالنَّصْبِ، عَطْفٌ عَلى اسْمِ ( أنَّ ) و( قِصاصٌ ) هو الخَبَرُ، ولِكَوْنِهِ مَصْدَرًا كالقِتالِ ولَيْسَ عَيْنَ المُخْبَرِ عَنْهُ يُؤَوَّلُ بِأحَدِ التَّأْوِيلاتِ المَعْرُوفَةِ في أمْثالِهِ، والكِسائِيُّ كَما قَرَأ بِالرَّفْعِ فِيما قَبْلُ قَرَأ بِهِ هُنا أيْضًا، وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو - وإنْ نَصَبُوا فِيما تَقَدَّمَ - رَفَعُوا هُنا، عَلى أنَّهُ إجْمالٌ لِحُكْمِ الجِراحِ بَعْدَما فُصِّلَ حُكْمُ غَيْرِها مِنَ الأعْضاءِ، وهَذا الحُكْمُ فِيما إذا كانَتْ بِحَيْثُ تُعْرَفُ المُساواةُ، كَما فُصِّلَ في الكُتُبِ الفِقْهِيَّةِ.

واسْتَدَلَّ بِعُمُومِ ( أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) مَن قالَ: يُقْتَلُ المُسْلِمُ بِالكافِرِ، والحُرُّ بِالعَبْدِ، والرَّجُلُ بِالمَرْأةِ، ومَن خالَفَ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى ﴾ وبِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكافِرٍ»» وأجابَ بَعْضُ أصْحابِنا بِأنَّ النَّصَّ تَخْصِيصٌ بِالذِّكْرِ، فَلا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُ، والمُرادُ بِما رُوِيَ الحَرْبِيُّ لِسِياقِهِ، ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ، والعَطْفُ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، وقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَتَلَ مُسْلِمًا بِذِمِّيٍّ» .

وذَكَرَ ابْنُ الفَرَسِ أنَّ الآيَةَ في الأحْرارِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ اليَهُودَ المَكْتُوبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ في التَّوْراةِ كانُوا مِلَّةً واحِدَةً لَيْسُوا مُنْقَسِمِينَ إلى مُسْلِمٍ وكافِرٍ، وكانُوا كُلُّهم أحْرارًا لا عَبِيدَ فِيهِمْ؛ لِأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ والِاسْتِعْبادَ إنَّما أُبِيحَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن بَيْنِ سائِرِ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ الِاسْتِعْبادَ مِنَ الغَنائِمِ، ولَمْ تَحِلَّ لِغَيْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وعَقْدَ الذِّمَّةِ لِبَقاءِ الكُفّارِ، ولَمْ يَقَعْ ذَلِكَ في عَهْدِ نَبِيٍّ، بَلْ كانَ المُكَذِّبُونَ يُهْلَكُونَ جَمِيعًا بِالعَذابِ، وأُخِّرَ ذَلِكَ في هَذِهِ الأُمَّةِ رَحْمَةً، انْتَهى.

وأنْتَ تُعْلَمُ أنَّ اللَّفْظَ ظاهِرٌ في العُمُومِ، لَكِنْ لَمْ يُبْقُوهُ عَلى ذَلِكَ، فَقَدْ قالَ الأصْحابُ: لا يُقْتَلُ المُسْلِمُ بِالمُسْتَأْمَنِ ولا الذِّمِّيُّ بِهِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلى التَّأْبِيدِ، وكَذا كُفْرُهُ باعِثٌ عَلى الحِرابِ؛ لِأنَّهُ عَلى قَصْدِ الرُّجُوعِ، ولا المُسْتَأْمَنُ بِالمُسْتَأْمَنِ؛ اسْتِحْسانًا لِقِيامِ المُبِيحِ، ويُقْتَلُ قِياسًا لِلْمُساواةِ، ولا الرَّجُلُ بِابْنِهِ لِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««لا يُقادُ الوالِدُ بِوَلَدِهِ»» وهو بِإطْلاقِهِ حُجَّةٌ عَلى مالِكٍ في قَوْلِهِ: يُقادُ إذا ذَبَحَهُ ذَبْحًا، ولِأنَّهُ سَبَبٌ لِإحْيائِهِ فَمِنَ المُحالِ أنْ يَسْتَحِقَّ لَهُ إفْناؤُهُ، ولِهَذا لا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ وإنْ وجَدَهُ في صَفِّ الأعْداءِ مُقاتِلًا، أوْ أوْ زانِيًا وهو مُحْصَنٌ.

والقِصاصُ يَسْتَحِقُّهُ المَقْتُولُ أوَّلًا ثُمَّ يَخْلُفُهُ وارِثُهُ، والجَدُّ مِن قِبَلِ الرِّجالِ والنِّساءِ وإنْ عَلا في هَذا بِمَنزِلَةِ الأبِ، وكَذا الوالِدَةُ والجَدَّةُ مِن قِبَلِ الأُمِّ أوِ الأبِ قَرُبَتْ أوْ بَعُدَتْ لِما بَيَّنّا، ولا الرَّجُلُ بِعَبْدِهِ، ولا مُدَبَّرِهِ، ولا مُكاتَبِهِ، ولا بِعَبْدِ ولَدِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَوْجِبُ لِنَفْسِهِ عَلى نَفْسِهِ القِصاصَ، ولا ولَدُهُ عَلَيْهِ، وكَذا لا يُقْتَلُ بِعَبْدٍ مَلَكَ بَعْضَهُ؛ لِأنَّ القِصاصَ لا يَتَجَزَّأُ، فَلْيُفْهَمْ.

واسْتُدِلَّ بِها عَلى ما رُوِيَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مِن أنَّهُ لا يُقْتَلُ الجَماعَةُ بِالواحِدِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى فِيها: ( أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) بِالإفْرادِ، وأُجِيبَ بِأنَّ حِكْمَةَ القِصاصِ - وهو صَوْنُ الدِّماءِ والأحْياءِ - اقْتَضَتِ القَتْلَ، وصَرْفُ الآيَةِ عَمّا ذُكِرَ فَإنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ قُتِلُوا مُجْتَمِعِينَ حَتّى يَسْقُطَ عَنْهُمُ القِصاصُ، وحِينَئِذٍ تُهْدَرُ الدِّماءُ، ويَكْثُرُ الفَسادُ، كَذا قِيلَ.

﴿ فَمَن تَصَدَّقَ ﴾ أيْ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ لِلْقِصاصِ ﴿ بِهِ ﴾ أيْ: بِالقِصاصِ، أيْ فَمَن عَفا عَنْهُ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّصَدُّقِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّرْغِيبِ ﴿ فَهُوَ ﴾ أيِ التَّصَدُّقُ المَذْكُورُ ﴿ كَفّارَةٌ لَهُ ﴾ لِلْمُتَصَدِّقِ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.

وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَرَأ الآيَةَ فَقالَ: «هُوَ الرَّجُلُ يُكْسَرُ سِنُّهُ، أوْ يُجْرَجُ مِن جَسَدِهِ، فَيَعْفُو، فَيُحَطُّ عَنْهُ مِن خَطاياهُ بِقَدْرِ ما عَفا عَنْهُ مِن جَسَدِهِ، إنْ كانَ نِصْفَ الدِّيَةِ فَنِصْفُ خَطاياهُ، وإنْ كانَ رُبُعَ الدِّيَةِ فَرُبُعُ خَطاياهُ، وإنْ كانَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَثُلُثُ خَطاياهُ، وإنْ كانَ الدِّيَةَ كُلَّها خَطاياهُ كُلُّها»».

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وغَيْرُهُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثابِتٍ، «أنَّ رَجُلًا هَتَمَ فَمَ رَجُلٍ عَلى عَهْدِ مُعاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَأُعْطِيَ دِيَةً فَأبى إلّا أنْ يَقْتَصَّ، فَأُعْطِيَ دِيَتَيْنِ فَأبى، فَأُعْطِيَ ثَلاثًا، فَحَدَّثَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: «مَن تَصَدَّقَ بِدَمٍ فَما دُونَهُ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ مِن يَوْمِ وُلِدَ إلى يَوْمِ يَمُوتُ»».

وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الجانِي، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ومُجاهِدٌ وجابِرٌ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُما ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ كَفّارَةً لَهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ ما لَزِمَهُ، ويَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ مَجْمُوعَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، حَيْثُ لَمْ يَكُنِ العائِدُ إلّا في الشَّرْطِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ العَلّامَةُ الثّانِي.

وقِيلَ: إنَّ في الجَزاءِ عائِدًا أيْضًا بِاعْتِبارِ ( أنَّ ) هو بِمَعْنى تَصَدُّقِهِ، فَيَشْتَمِلُ بِحَسَبِ المَعْنى عَلى ضَمِيرِ المُبْتَدَأِ، فالتَّعَيُّنُ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ أنَّ كُلَّ مَن تَصَدَّقَ واعْتَرَفَ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ القِصاصِ وانْقادَ لَهُ فَهو كَفّارَةٌ لِما جَناهُ مِنَ الذَّنْبِ، ويُلائِمُهُ كُلَّ المُلاءَمَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾ فَضَمِيرُ ( لَهُ ) حِينَئِذٍ عائِدٌ إلى المُتَصَدِّقِ، مُرادًا بِهِ الجانِي نَفْسُهُ وفِيهِ بُعْدٌ ظاهِرٌ.

وقَرَأ أُبَيٌّ ( فَهو كَفّارَتُهُ لَهُ ) فالضَّمِيرُ المَرْفُوعُ حِينَئِذٍ لِلْمُتَصَدِّقِ لا لِلتَّصَدُّقِ، وكَذا الضَّمِيرانِ المَجْرُورانِ، والإضافَةُ لِلِاخْتِصاصِ، واللّامُ مُؤَكِّدَةٌ لِذَلِكَ، أيْ: فالمُتَصَدِّقُ كَفّارَتُهُ الَّتِي يَسْتَحِقُّها بِالتَّصَدُّقِ لَهُ لا يَنْقُصُ مِنها شَيْءٌ؛ لِأنَّ بَعْضَ الشَّيْءِ لا يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءَ، وهو تَعْظِيمٌ لِما فَعَلَ، حَيْثُ جُعِلَ مُقْتَضِيًا لِلِاسْتِحْقاقِ اللّائِقِ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ، وفِيهِ تَرْغِيبٌ في العَفْوِ، والآيَةُ نَزَلَتْ - كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ - لَمّا اصْطَلَحَ اليَهُودُ عَلى أنْ لا يَقْتُلُوا الشَّرِيفَ بِالوَضِيعِ، والرَّجُلَ بِالمَرْأةِ، فَلَمْ يُنْصِفُوا المَظْلُومَ مِنَ الظّالِمِ.

وعَنِ السَّيِّدِ السَّنَدِ أنَّ القِصاصَ كانَ في شَرِيعَتِهِمْ مُتَعَيَّنًا عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ التَّصَدُّقُ مِمّا زِيدَ في شَرِيعَتِنا.

وقالَ الضَّحّاكُ: لَمْ يُجْعَلْ في التَّوْراةِ دِيَةٌ في نَفْسٍ ولا جُرْحٍ، وإنَّما كانَ العَفْوُ أوِ القِصاصُ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها يعني: فرضنا على بني إسرائيل، في التوراة أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ إذا كان القتل عمداً، وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ إذا كان عمداً، وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ إذا كان عمداً، وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ إذا كان عمداً، وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ إذا كان عمداً، وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ إذا كان عمداً.

وروى عكرمة عن ابن عباس: إن بني النضير كان لهم شرف على بني قريظة، وكانت جراحاتهم على النصف، فحملهم على الحق، وجعل دم القرظي والنضيري سواء.

فقال كعب بن الأشرف ومالك بن الضيف: لا نرضى بحكمك، لأنك تريد أن تصغرنا بعداوتك.

فنزل وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ، ثم صارت الآية عامة في جميع الناس في وجوب القصاص في النفس، وفي الجراحات.

قرأ عاصم وحمزة ونافع أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ والحروف الست كلها بالنصب.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر كلها بالنصب، غير الجروح فإنهم يقرءونها بالضم على معنى الابتداء.

وقرأ الكسائي كلها بالضم إلا النفس.

ثم قال: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ يعني: عفا عن مظلمته في الدنيا، وترك القصاص، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ قال القتبي: فهو كفارة للجارح وأجر للمجروح.

وقال مجاهد: كفارة للجارح، وأجر للعافي.

وقال بعضهم: هو كفارة للعافي، أي يكفر الله تعالى عنه بعفوه بعض ما سلف من ذنوبه.

ويقال: كَفَّارَةٌ لَهُ أي للجارح، يعني: إذا ترك الولي حقه سقط القصاص عن الجارح.

وروى محرر، عن أبي هريرة، عن رجل من الأنصار قال: قال رسول الله  : «مَنْ أُصِيبَ بِشَيْءٍ فِي جَسَدِهِ فَتَرَكَهُ لله تَعَالَى، كَانَتْ كَفَّارَةً لَهُ» .

وقال الحسن: ينادي منادٍ يوم القيامة: من كان له على الله أجر فليقم، فلا يقوم إلا من قد عفا.

ثم قال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يعني: يظلمون أنفسهم.

والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه.

فالذي عرض نفسه للعقوبة، فقد وضع الشيء في غير موضعه.

قوله تعالى: وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يعني: اتبعنا على أثر الرسل عيسى ابن مريم  ، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يعني: موافقاً لما قبله، مِنَ التَّوْراةِ يقال: إن عيسى يصدق التوراة.

ثم قال: وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً من الضلالة، وَنُورٌ يعني: بيان الأحكام، وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ، يعني: الإنجيل موافقاً للتوراة في التوحيد، وفي بعض الشرائع، وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ الذين يتقون الشرك، والفواحش.

ثم قال: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ قرأ حمزة وَلْيَحْكُمْ بكسر اللام ونصب الميم، وقرأ الباقون بالجزم، فمن قرأ بالكسر، فمعناه: وآتيناه الإنجيل، لكي يحكم أهل الإنجيل بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ومن قرأ بالجزم فهو على الأمر، والمراد به الخبر عن أمر سبق لهم، يعني: أمرهم الله تعالى أن يحكموا بما في الإنجيل.

ثم قال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني: في الإنجيل وكان حكمهم العفو، فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ يعني: العاصين.

وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إسْرَائِيلَ، إنْ كَانَتْ لَكُمْ كُلُّ حُلْوَةٍ، وَلَهُمْ كلّ مرّة، لتسلكنّ طريقهم قذّ الشّراك «١» .

وقوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ...

الآية، أي: وكتبنا على بني إسرائيل في التوراة، ومعنى هذه الآية: الخَبَرُ بأن اللَّه تعالى كتَبَ فرضاً على بني إسرائيل أنه مَنْ قَتَل نفساً، فيجب في ذلك أخْذُ نفسه، ثم هذه الأعضاءُ المذكورةُ كذلك، ثم استمر هذا الحكم في هذه الأُمَّة بما علم من شرع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال ابن عباس: «ورخَّص اللَّه لهذه الأُمَّة، ووسَّع لها بالدِّيَة، ولم يجعلْ لبني إسرائيل ديةً فيما نَزَّل على موسى «٢» ، والجمهور أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ: عمومٌ يراد به الخصوصُ في المتماثلين كما ورد في الحديث، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» «٣» ، وكذلك قوله سبحانه: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ: عموم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَتَبْنا ﴾ أيْ: فَرَضْنا (عَلَيْهِمْ) أيْ: عَلى اليَهُودِ (فِيها) أيْ: في التَّوْراةِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، فَما بالُهم يُخالِفُونَ، فَيَقْتُلُونَ النَّفْسَيْنِ بِالنَّفْسِ، ويَفْقَؤُونَ العَيْنَيْنِ بِالعَيْنِ؟

وكانَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ القِصاصُ أوِ العَفْوُ، ولَيْسَ بَيْنَهم دِيَةً في نَفْسٍ ولا جُرْحٍ، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِالدِّيَةِ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، والعَيْنَ بِالعَيْنِ، والأنْفَ بِالأنْفِ، والأُذُنَ بِالأُذُنِ، والسِّنَّ بِالسِّنِّ، يَنْصِبُونَ ذَلِكَ كُلَّهُ ويَرْفَعُونَ "والجُرُوحَ" وكانَ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ يَنْصِبُونَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وكانَ الكِسائِيُّ يَقْرَأُ: "أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ" نَصْبًا، ويَرْفَعُ ما بَعْدَ ذَلِكَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحُجَّتُهُ أنَّ الواوَ لِعَطْفِ الجُمَلِ، لا لِلِاشْتِراكِ في العامِلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَمَلَ الكَلامِ عَلى المَعْنى، لِأنَّ مَعْنى: وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ: قُلْنا لَهُمْ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، فَحَمَلَ العَيْنَ عَلى هَذا، وهَذِهِ حُجَّةُ مَن رَفْعَ الجُرُوحَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، لا أنَّهُ مِمّا كُتِبَ عَلى القَوْمِ، وإنَّما هو ابْتِداءُ إيجابٍ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وقَوْلُهُ: العَيْنُ بِالعَيْنِ، لَيْسَ المَرادُ قَلْعَ العَيْنِ بِالعَيْنِ، لِتَعَذُّرِ اسْتِيفاءِ المُماثَلَةِ، لِأنّا لا نَقِفُ عَلى الحَدِّ الَّذِي يَجِبُ قَلْعُهُ، وإنَّما يَجِبُ فِيما ذَهَبَ ضَوْؤُها وهي قائِمَةٌ، وصِفَةُ ذَلِكَ أنْ تُشَدَّ عَيْنُ القالِعِ، وتُحْمى مِرْآةٌ، فَتَقَدَّمَ مِنَ العَيْنِ الَّتِي فِيها القِصِاصُ حَتّى يَذْهَبَ ضَوْؤُها.

وأمّا الأنْفُ فَإذا قُطِعَ المارِنُ، وهو مالانَ مِنهُ، وتُرِكَتْ قَصَبَتُهُ، فَفِيهِ القِصاصُ، وأمّا إذا قُطِعَ مِن أصْلِهِ، فَلا قِصاصَ فِيهِ، لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ القِصاصِ، كَما لَوْ قَطَعَ يَدَهُ مِن نِصْفِ السّاعِدِ.

وقالَ أبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ: فِيهِ القِصاصُ إذا اسْتُوعِبَ.

وأمّا الأُذُنُ، فَيَجِبُ القِصاصُ إذا اسْتُوعِبَتْ، وعُرِفَ المِقْدارُ.

ولَيْسَ في عَظْمٍ قِصاصٌ إلّا في السِّنِّ، فَإنْ قُلِعَتْ قُلِعَ مِثْلُها، وإنْ كُسِرَ بَعْضُها، بُرِدَ بِمِقْدارِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ والجُرُوحَ قِصاصٌ ﴾ يَقْتَضِي إيجابَ القِصاصِ في سائِرِ الجِراحاتِ الَّتِي يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ المِثْلِ فِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ ﴾ يُشِيرُ إلى القِصاصِ.

﴿ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ ﴾ في هاءِ "لَهُ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها إشارَةٌ إلى المَجْرُوحِ، فَإذا تَصَدَّقَ بِالقِصاصِ كُفِّرَ مِن ذُنُوبِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ.

والثّانِي: إشارَةٌ إلى الجارِحِ إذا عَفا عَنْهُ المَجْرُوحُ، كُفِّرَ عَنْهُ ما جَنى، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، ومُقاتِلٍ، وهو مَحْمُولٌ عَلى أنَّ الجانِيَ تابَ مِن جِنايَتِهِ، لِأنَّهُ إذا كانَ مُصِرًّا فَعُقُوبَةُ الإصْرارِ باقِيَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَفْسَ بِالنَفْسِ والعَيْنَ بِالعَيْنِ والأنْفَ بِالأنْفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِنَّ بِالسِنِّ والجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ ﴾ اَلْكَتْبُ في هَذِهِ الآيَةِ هو حَقِيقَةٌ؛ كُتِبَ في الألْواحِ؛ وهو بِالمَعْنى كَتْبُ فَرْضٍ وإلْزامٍ؛ والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ"؛ لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ وفي "فِيها"؛ لِلتَّوْراةِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "أنَّ النَفْسَ بِالنَفْسِ"؛ بِنَصْبِ "اَلنَّفْسَ"؛ عَلى اسْمِ "أنَّ"؛ وعُطِفَ ما بَعْدَ ذَلِكَ مَنصُوبًا عَلى "اَلنَّفْسَ"؛ ويَرْفَعُونَ "والجُرُوحُ قِصاصٌ"؛ عَلى أنَّها جُمْلَةٌ مَقْطُوعَةٌ؛ وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ ؛ وعاصِمٌ ؛ بِنَصْبِ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ و"قِصاصٌ"؛ خَبَرُ "أنَّ"؛ ورَوى الواقِدِيُّ عن نافِعٍ أنَّهُ رَفَعَ "والجُرُوحُ"؛ وقَرَأ الكِسائِيُّ: "أنَّ النَفْسَ بِالنَفْسِ"؛ نَصْبًا؛ ورَفَعَ ما بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَمَن نَصَبَ "والعَيْنَ"؛ جَعَلَ عَطْفَ الواوِ مُشْرِكًا في عَمَلِ "أنَّ"؛ ولَمْ يَقْطَعِ الكَلامَ مِمّا قَبْلَهُ؛ ومَن رَفَعَ "والعَيْنُ"؛ فَيَتَمَثَّلُ ذَلِكَ مِنَ الإعْرابِ أنْ يَكُونَ قُطِعَ مِمّا قَبْلُ؛ وصارَ عَطْفُ الواوِ عَطْفَ جُمْلَةِ كَلامٍ؛ لا عَطْفَ تَشْرِيكٍ في عامِلٍ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَفْسَ بِالنَفْسِ ﴾ ؛ قُلْنا لَهُمْ: اَلنَّفْسُ بِالنَفْسِ؛ ومِثْلُهُ: لَمّا كانَ المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ  ﴾ ؛ يُمْنَحُونَ كَأْسًا مِن مَعِينٍ؛ عُطِفَ "وَحُورًا عِينًا"؛ عَلى ذَلِكَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُعْطَفَ قَوْلُهُ: "والعَيْنَ"؛ عَلى الذِكْرِ المُسْتَتِرِ في الطَرْقِ؛ الَّذِي هو الخَبَرُ؛ وإنْ لَمْ يُؤَكَّدِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ بِالضَمِيرِ المُنْفَصِلِ؛ كَما أُكِّدَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ  ﴾ ؛ وقَدْ جاءَ مِثْلُهُ غَيْرَ مُؤَكَّدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولِسِيبَوَيْهِ - رَحِمَهُ اللهُ - في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ العَطْفَ ساغَ دُونَ تَوْكِيدٍ بِضَمِيرٍ مُنْفَصِلٍ؛ لِأنَّ الكَلامَ طالَ بِـ "وَلا" في قَوْلِهِ: ولا آباؤُنَ ؛ فَكانَتْ "وَلا" عِوَضًا مِنَ التَوْكِيدِ؛ كَما طالَ الكَلامُ في قَوْلِهِمْ: "حَضَرَ القاضِي اليَوْمَ امْرَأةٌ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا إنَّما يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ عِوَضًا إذا وقَعَ قَبْلَ حَرْفِ العَطْفِ؛ فَهُناكَ يَكُونُ عِوَضًا مِنَ الضَمِيرِ الواقِعِ قَبْلَ حَرْفِ العَطْفِ؛ فَأمّا إذا وقَعَ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ فَلا يَسُدُّ مَسَدَّ الضَمِيرِ؛ ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: "حَضَرَ امْرَأةٌ القاضِي اليَوْمَ"؛ لَمْ يُغْنِ طُولُ الكَلامِ في غَيْرِ المَوْضِعِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ فِيهِ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكَلامُ سِيبَوَيْهِ مُتَّجِهٌ عَلى النَظَرِ النَحْوِيِّ؛ وإنْ كانَ الطُولُ قَبْلَ حَرْفِ العَطْفِ أتَمَّ؛ فَإنَّهُ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ مُؤَثِّرٌ؛ لا سِيَّما في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ "وَلا"؛ رَبَطَتِ المَعْنى؛ إذْ قَدْ تَقَدَّمَها نَفْيٌ؛ ونَفَتْ هي أيْضًا عَنِ الآباءِ؛ فَتَمَكَّنَ العَطْفُ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ومَن رَفَعَ "والجُرُوحُ قِصاصٌ"؛ فَقَطَعَهُ مِمّا قَبْلَهُ؛ فَإنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ هَذِهِ الوُجُوهَ الثَلاثَةَ الَّتِي احْتَمَلَها رَفْعُ "والعَيْنُ"؛ ويَجُوزُ أنْ يُسْتَأْنَفَ "والجُرُوحُ"؛ لَيْسَ عَلى أنَّهُ مِمّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ في التَوْراةِ؛ ولَكِنْ عَلى اسْتِئْنافِ إيجابٍ وابْتِداءِ شَرِيعَةٍ؛ ويُقَوِّي أنَّهُ مِنَ المَكْتُوبِ عَلَيْهِمْ نَصْبُ مَن نَصَبَهُ.

ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قَرَأ: "أنِ النَفْسُ بِالنَفْسِ"؛ بِتَخْفِيفِ "أنْ"؛ ورَفْعِ "اَلنَّفْسُ"؛» ثُمَّ رَفْعِ ما بَعْدَها إلى آخِرِ الآيَةِ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ بِنَصْبِ "اَلنَّفْسَ"؛ وما بَعْدَها؛ ثُمَّ قَرَأ: "وَأنِ الجُرُوحُ قِصاصٌ"؛ بِزِيادَةِ "أنْ"؛ اَلْخَفِيفَةِ؛ ورَفْعِ "اَلْجُرُوحُ".

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الخَبَرُ بِأنَّ اللهَ تَعالى كَتَبَ فَرْضًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا فَيَجِبُ في ذَلِكَ أخْذُ نَفْسِهِ؛ ثُمَّ هَذِهِ الأعْضاءُ المَذْكُورَةُ كَذَلِكَ؛ ثُمَّ اسْتَمَرَّ هَذا الحُكْمُ في هَذِهِ الأُمَّةِ بِما عُلِمَ مِن شَرْعِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأحْكامِهِ؛ ومَضى عَلَيْهِ إجْماعُ الناسِ.

وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ إلى تَعْمِيمِ قَوْلِهِ: ﴿ النَفْسَ بِالنَفْسِ ﴾ ؛ فَقَتَلُوا الحُرَّ بِالعَبْدِ؛ والمُسْلِمَ بِالذِمِّيِّ؛ والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في المُتَماثِلَيْنِ؛ وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ ؛ وفِيهِ الحَدِيثُ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ"؛» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: رَخَّصَ اللهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ ووَسَّعَ عَلَيْها بِالدِيَةِ؛ ولَمْ يَجْعَلْ لِبَنِي إسْرائِيلَ دِيَةً فِيما نَزَلَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - وكُتِبَ عَلَيْهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذِهِ الآيَةِ بَيانٌ لِفَسادِ فِعْلِ بَنِي إسْرائِيلَ في تَعَزُّزِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ؛ وكَوْنِ بَنِي النَضِيرِ عَلى الضِعْفِ في الدِيَةِ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ؛ أو عَلى ألّا يُقادَ بَيْنَهُمْ؛ بَلْ يُقْنَعَ بِالدِيَةِ؛ فَفَضَحَهُمُ اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وأعْلَمَ أنَّهم خالَفُوا كِتابَهُمْ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنَ الأنْصارِ قِتالٌ؛ فَصارَتْ بَيْنَهم قَتْلى؛ وكانَ لِأحَدِهِما طَوْلٌ عَلى الآخَرِ؛ فَجاءَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَجَعَلَ الحُرَّ بِالحُرِّ؛ والعَبْدَ بِالعَبْدِ؛ قالَ الثَوْرِيُّ: وبَلَغَنِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ثُمَّ نَسَخَتْها: ﴿ "النَفْسَ بِالنَفْسِ".

﴾ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والجُرُوحَ قِصاصٌ ﴾ ؛ هو عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في جِراحِ القَوَدِ؛ وهي الَّتِي لا يُخافُ مِنها عَلى النَفْسِ؛ فَأمّا ما خِيفَ مِنهُ كالمَأْمُومَةِ؛ وكَسْرِ الفَخِذِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَلا قِصاصَ فِيها؛ و"اَلْقِصاصُ": مَأْخُوذٌ مِن قَصِّ الأثَرِ؛ وهو اتِّباعُهُ؛ فَكَأنَّ الجانِيَ يُقْتَصُّ أثَرُهُ؛ ويُتَّبَعُ فِيما سَنَّهُ؛ فَيُقْتَلُ كَما قَتَلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ ﴾ ؛ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ؛ أحَدُها: أنْ تَكُونَ "مَن"؛ لِلْمَجْرُوحِ؛ أو ولِيِّ القَتِيلِ؛ ويَعُودَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "لَهُ"؛ عَلَيْهِ أيْضًا؛ ويَكُونَ المَعْنى: إنَّ مَن تَصَدَّقَ بِجُرْحِهِ؛ أو دَمِ ولِيِّهِ؛ فَعَفا عن حَقِّهِ في ذَلِكَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ العَفْوَ كَفّارَةٌ لَهُ عن ذُنُوبِهِ؛ ويُعْظِمُ اللهُ أجْرَهُ بِذَلِكَ؛ ويُكَفِّرُ عنهُ؛ وقالَ بِهَذا التَأْوِيلِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ؛ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ ؛ وأبُو الدَرْداءِ ؛ وذَكَرَ أنَّهُ سَمِعَ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: « "ما مِن مُسْلِمٍ يُصابُ بِشَيْءٍ مِن جَسَدِهِ فَيَهَبُهُ؛ إلّا رَفَعَهُ اللهُ بِذَلِكَ دَرَجَةً؛ وحَطَّ عنهُ خَطِيئَةً"؛» وذَكَرَ مَكِّيٌّ حَدِيثًا مِن طَرِيقِ الشَعْبِيِّ أنَّهُ يُحَطُّ مِن ذُنُوبِهِ بِقَدْرِ ما عَفا مِنَ الدِيَةِ؛ واللهُ أعْلَمُ؛ وقالَ بِهِ أيْضًا قَتادَةُ ؛ والحَسَنُ.

والمَعْنى الثانِي أنْ تَكُونَ "مَن"؛ لِلْمَجْرُوحِ أو ولِيِّ القَتِيلِ؛ والضَمِيرُ في "لَهُ"؛ يَعُودُ عَلى الجارِحِ؛ أوِ القاتِلِ؛ إذا تَصَدَّقَ المَجْرُوحُ عَلى الجارِحِ بِجُرْحِهِ؛ وصَفَحَ عنهُ؛ فَذَلِكَ العَفْوُ كَفّارَةٌ لِلْجارِحِ عن ذَلِكَ الذَنْبِ؛ فَكَما أنَّ القِصاصَ كَفّارَةٌ؛ فَكَذَلِكَ العَفْوُ كَفّارَةٌ؛ وأمّا أجْرُ العافِي فَعَلى اللهِ تَعالى؛ وعادَ الضَمِيرُ عَلى مَن لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ؛ لِأنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِ؛ قالَ بِهَذا التَأْوِيلِ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأبُو إسْحاقَ السَبِيعِيُّ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وإبْراهِيمُ؛ وعامِرٌ الشَعْبِيُّ ؛ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والمَعْنى الثالِثُ أنْ تَكُونَ "مَن"؛ لِلْجارِحِ؛ أوِ القاتِلِ؛ والضَمِيرُ في "لَهُ"؛ يَعُودُ عَلَيْهِ أيْضًا؛ والمَعْنى: "إذا جَنى جانٍ فَجُهِلَ؛ وخَفِيَ أمْرُهُ؛ فَتَصَدَّقَ هو بِأنْ عَرَّفَ بِذَلِكَ؛ ومَكَّنَ الحَقَّ مِن نَفْسِهِ؛ فَذَلِكَ الفِعْلُ كَفّارَةٌ لِذَنْبِهِ؛ وذَهَبَ القائِلُونَ بِهَذا التَأْوِيلِ إلى الِاحْتِجاجِ بِأنَّ مُجاهِدًا قالَ: إذا أصابَ رَجُلٌ رَجُلًا؛ ولَمْ يَعْلَمِ المُصابُ مَن أصابَهُ؛ فاعْتَرَفَ لَهُ المُصِيبُ فَهو كَفّارَةٌ لِلْمُصِيبِ؛ ورُوِيَ أنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُبَيْرِ أصابَ عَيْنَ إنْسانٍ عِنْدَ الرُكْنِ؛ وهم يَسْتَلِمُونَ؛ فَلَمْ يَدْرِ المُصابُ مَن أصابَهُ؛ فَقالَ لَهُ عُرْوَةُ: أنا أصَبْتُكَ؛ وأنا عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ ؛ فَإنْ كانَ بِعَيْنِكَ بَأْسٌ فَأنا بِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وانْظُرْ أنَّ "تَصَدَّقَ"؛ عَلى هَذا التَأْوِيلِ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "اَلصَّدَقَةُ"؛ ومِن "اَلصِّدْقُ".

وذَكَرَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وغَيْرُهُ أنَّ قَوْمًا تَأوَّلُوا الآيَةَ أنَّ المَعْنى: "والجُرُوحَ قِصاصٌ؛ فَمَن أعْطى دِيَةَ الجُرْحِ؛ وتَصَدَّقَ بِذَلِكَ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ؛ إذا رُضِيَتْ مِنهُ وقُبِلَتْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ قَلِقٌ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ ﴾ ؛ وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَمَن يَتَصَدَّقْ بِهِ فَإنَّهُ كَفّارَةٌ لَهُ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطفت جملة ﴿ كتبنا ﴾ على جملة ﴿ أنزلنا التّوراة ﴾ المائدة: 44).

ومناسبة عطف هذا الحكم على ما تقدّم أنّهم غيّروا أحكام القصاص كما غيّروا أحكام حدّ الزّنى، ففاضلوا بين القتلى والجرحى، كما سيأتي، فلذلك ذيّله بقوله: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظّالمون ﴾ ، كما ذيّل الآية الدّالّة على تغيير حكم حد الزّنى بقوله: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ [المائدة: 44].

والكَتْب هنا مجاز في التّشريع والفرض بقرينة تعديته بحرف (على)، أي أوجبنا عليهم فيها، أي في التّوراة مضمونَ ﴿ أنّ النّفس بالنّفس ﴾ ، وهذا الحكم مسطور في التّوراة أيضاً، كما اقتضت تعديّة فعل ﴿ كتبنا ﴾ بحرف (في) فهو من استعمال اللّفظ في حقيقته، ومجازه.

وفي هذا إشارة إلى أنّ هذا الحكم لا يستطاع جحده لأنّه مكتوب والكتابة تزيد الكلام توثّقاً، كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ يأيّها الّذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمّى فاكتبوه ﴾ في سورة البقرة (282)، وقال الحارث بن حلّزة: وهل ينقض ما في المهارق الأهواءُ *** والمكتوب عليهم هو المصدر المستفاد من (أنّ).

والمصدرُ في مثل هذا يؤخذ من معنى حرف الباء الّذي هو التّعويض، أي كتبنا تعويض النّفسسِ بالنّفس، أي النّفس المقتولة بالنّفس القاتلة، أي كتبنا عليهم مساواةَ القصاص.

وقد اتّفق القرّاء على فتح همزة (أنّ) هنا، لأنّ المفروض في التّوراة ليس هو عين هذه الجمل ولكن المعنى الحاصل منها وهو العوضية والمساواة فيها.

وقرأ الجمهور والعينَ بالعينَ} وما عطف عليها بالنصب عطفاً على اسم (أنّ).

وقرأه الكسائي بالرفع.

وذلك جائز إذا استكملت (أنّ) خبرها فيعتبر العطف على مجموع الجملة.

والنّفس: الذات، وقد تقدّم في قوله تعالى: ﴿ وتنسون أنفسكم ﴾ في سورة البقرة (44).

والأذن بضمّ الهمزة وسكون الذال، وبضمّ الذال أيضاً.

والمراد بالنفس الأولى نفس المعتدى عليه، وكذلك في والعين } الخ.

والباء في قوله: ﴿ بالنّفس ﴾ ونظائره الأربعة باء العوض، ومدخولات الباء كلّها أخبار (أنّ)، ومتعلّق الجار والمجرور في كلّ منها محذوف، هو كون خاصّ يدلّ عليه سياق الكلام؛ فيقدر: أنّ النّفس المقتولة تعوّض بنفس القاتل والعين المتلفة تعوّض بعين المتلف، أي بإتلافها وهكذا النفس متلفة بالنّفس؛ والعين مفقوءة بالعين، والأنفَ مجدوع بالأنف؛ والأذن مصلُومة بالأذن.

ولام التّعريف في المواضع الخمسة داخلة على عضو المجني عليه، ومجرورات الباء الخمسة على أعضاء الجاني.

والاقتصار على ذكر هذه الأعضاء دون غيرها من أعضاءِ الجسد كاليد والرِجل والإصبع لأنّ القطع يكون غالباً عند المضاربة بقصد قطع الرقبة، فقد ينبو السيفُ عن قطع الرّأس فيصيب بعض الأعضاء المتّصلة به من عين أو أنف أو أذن أو سنّ.

وكذلك عند المصاولة لأنّ الوجه يقابل الصائل، قال الحَريش بنُ هلال: نعرِّض للسيوف إذا التقينا *** وُجوهاً لا تعرّض لللّطَام وقوله: ﴿ والجروحَ قصاص ﴾ أخبر بالقصاص عن الجروح على حذف مضاف، أي ذات قصاص.

وقصاص مصدر قاصّة الدَّالّ على المفاعلة، لأنّ المجنيّ عليه يقاصّ الجاني، والجاني يقاصّ المجني عليه، أي يقطع كلّ منهما التبعة عن الآخر بذلك.

ويجوز أن يكون ﴿ قصاص ﴾ مصدراً بمعنى المفعول، كالخلْق بمعنى المخلوق، والنَّصْب بمعنى المنصوب، أي مقصوص بعضها ببعض.

والقصاص: المماثلة، أي عقوبة الجاني بجِراح أن يُجرح مثل الجرح الّذي جنى به عمداً.

والمعنى إذا أمكن ذلك، أي أُمِن من الزيادة على المماثلة في العقوبة، كما إذا جَرحه مأمومة على رأسه فإنَّه لا يدري حين يَضرب رأس الجاني ماذا يكون مدى الضّربة فلعلّها تقضي بموته؛ فيُنتقَل إلى الدية كلّها أو بعضها.

وهذا كلّه في جنايات العمد، فأمّا الخطأ فلم تتعرض له الآية لأنّ المقصود أنّهم لم يقيموا حكم التوراة في الجناية.

وقرأ نافع، وحمزة، وعاصم، وأبو جعفر، وخلف ﴿ والجروح ﴾ بالنّصب عطفاً على اسم (أنّ).

وقرأه ابن كثير، وابنُ عامر، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب بالرّفع على الاستئناف، لأنّه إجمال لحكم الجراح بعد ما فصّل حكم قطع الأعضاء.

وفائدة الإعلام بما شرع الله لبني إسرائيل في القصاص هنا زيادة تسجيل مخالفتهم لأحكام كتابهم، وذلك أنّ اليهود في المدينة كانوا قد دخلوا في حروب بعاث فكانت قريظة والنضير حرباً، ثمّ تحاجزوا وانهزمت قريظة، فشرطت النضير على قريظة أنّ ديّة النضيري على الضِعف من ديّة القُرظي وعلى أنّ القرظي يُقتل بالنضيري ولا يقتل النضيري بالقرظي، فأظهر الله تحريفهم لكتابهم.

وهذا كقوله تعالى: ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ﴾ [البقرة: 84، 85].

ويجوز أن يقصد من ذلك أيضاً تأييد شريعة الإسلام إذ جاءت بمساواة القصاص وأبطلت التكايُل في الدّماء الّذي كان في الجاهلية وعند اليهود.

ولا شكّ أنّ تأييد الشّريعة بشريعة أخرى يزيدها قبولاً في النّفوس، ويدلّ على أنّ ذلك الحكم مراد قديم للهتعالى، وأنّ المصلحة ملازمة له لا تختلف باختلاف الأفوام والأزمان، لأنّ العرب لم يزل في نفوسهم حرج من مساواة الشّريف الضّعيف في القصاص، كما قالت كبشة أخت عمرو بن معد يكرب تثأر بأخيها عبد الله بن معد يكرب: فيَقْتُلَ جَبْراً بامرئ لم يكن له *** بَوَاءً ولكنْ لاَ تَكَايُلَ بالدّم تريد: رضينا بأن يُقتل الرجل الذي اسمه (جبر) بالمرء العظيم الّذي ليس كفؤاً له، ولكن الإسلام أبطل تكايُل الدّماء.

والتكايل عندهم عبارة عن تقدير النّفس بعدّة أنفس، وقد قدّر شيوخ بني أسد دَم حُجْرٍ والد امرئ القيس بدِيات عشرة من سادة بني أسد فأبى امرؤ القيس قبول هذا التّقدير وقال لهم: «قد علمتم أن حُجراً لم يكن ليَبُوء به شيء» وقال مهلهل حين قَتَل بُجيرا: «بُؤْ بشِسْع نَعْل كُليب» *** والبَواء: الكفاء.

وقد عَدّت الآية في القصاص أشياء تكثر إصابتها في الخصومات لأنّ الرّأس قد حواها وإنَّما يقصد القاتل الرأس ابتداء.

وقوله: ﴿ فمن تصدّق به فهو كفارة له ﴾ هو من بقية ما أخبر به عن بني إسرائيل، فالمراد ب ﴿ مَنْ تصدّق ﴾ من تصدّق منهم، وضمير ﴿ به ﴾ عائد إلى ما دلّت عليه باء العوض في قوله ﴿ بالنفس ﴾ الخ، أي من تصدّق بالحقّ الذي له، أي تنازل عن العوض.

وضمير ﴿ له ﴾ عائد إلى ﴿ من تصدّق ﴾ .

والمراد من التصدّق العفو، لأنّ العفو لمّا كان عن حقّ ثابت بيد مستحقّ الأخذ بالقصاص جُعل إسقاطه كالعطيّة ليشير إلى فرط ثوابه، وبذلك يتبيّن أن معنى ﴿ كفّارة له ﴾ أنّه يكفّر عنه ذنوباً عظيمة، لأجل ما في هذا العفو من جلب القلوب وإزالة الإحن واستبقاء نفوس وأعضاء الأمّة.

وعاد فحذّر من مخالفة حكم الله فقال: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظّالمون ﴾ لينبّه على أنّ التّرغيب في العفو لا يقتضي الاستخفاف بالحكم وإبطال العمل به لأنّ حكم القصاص شُرع لحكم عظيمة: منها الزجر، ومنها جبر خاطر المعتدى عليه، ومنها التفادي من ترصّد المعتدى عليهم للانتقام من المعتدين أو من أقوامهم.

فإبطال الحكم بالقصاص يعطّل هذه المصالح، وهْو ظلم، لأنّه غمص لحقّ المعتدى عليه أو ولِيّه.

وأمّا العفو عن الجاني فيحقّق جميع المصالح ويزيد مصلحة التحابب لأنّه عن طيب نفس، وقد تغشى غباوة حكّام بني إسرائيل على أفهامهم فيجعلوا إبطال الحكم بمنزلة العفو، فهذا وجه إعادة التّحذير عقب استحباب العفو.

ولم ينبّه عليه المفسّرون.

وبه يتعيّن رجوع هذا التّحذير إلى بني إسرائيل مثل سابقه.

وقوله: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظّالمون ﴾ القول فيه كالقول في نظيره المتقدّم.

والمراد بالظّالمين الكافرون لأنّ الظلم يطلق على الكفر فيكون هذا مؤكّداً للّذي في الآية السابقة.

ويحتمل أنّ المراد به الجور فيكون إثبات وصف الظلم لزيادة التشنيع عليهم في كفرهم لأنّهم كافرون ظالمون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ الآيَةَ.

نَزَلَتْ في اليَهُودِ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وقَدْ ذَكَرْنا قِصَّتَهُما.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَفّارَةٌ لِلْجُرُوحِ، وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وإبْراهِيمَ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، رَوى الشَّعْبِيُّ عَنِ ابْنِ الصّامِتِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: «مَن جُرِحَ في جَسَدِهِ جِراحَةً فَتَصَدَّقَ بِها كَفَّرَ عَنْهُ ذُنُوبَهُ بِمِثْلِ ما تَصَدَّقَ بِهِ» .

والثّانِي: أنَّهُ كَفّارَةٌ لِلْجارِحِ، لِأنَّهُ يَقُومُ مَقامَ أخْذِ الحَقِّ مِنهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وهَذا مَحْمُولٌ عَلى مَن عُفِيَ عَنْهُ بَعْدَ تَوْبَتِهِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: «لما رأت قريظة النبي صلى الله عليه وسلم حكم بالرجم، وقد كانوا يخفونه في كتابهم، فنهضت قريظة فقالوا: يا محمد، اقض بيننا وبين إخواننا بني النضير، وكان بينهم دم قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت النضير ينفرون على بني قريظة دياتهم على انصاف ديات النضير، فقال: دم القرظي وفاء دم النضير، فغضب بنو النضير وقالوا: لا نطيعك في الرجم ولكنا نأخذ بحدودنا التي كنا عليها، فنزلت ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ [ المائدة: 50] ونزل ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس ﴿ وكتبنا عليهم فيها ﴾ قال: في التوراة.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ﴾ قال: كتب عليهم هذا في التوراة، فكانوا يقتلون الحر بالعبد، ويقولون: كتب علينا أن النفس بالنفس.

وأخرج عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب قال: كتب ذلك على بني إسرائيل، فهذه الآيات لنا ولهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن قوله: ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس...

﴾ إلى تمام الآية.

أهي عليهم خاصة؟

قال: بل عليهم والناس عامة.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ وكتبنا عليهم فيها ﴾ قال: في التوراة ﴿ أن النفس بالنفس...

﴾ الآية.

قال: إنما أنزل ما تسمعون في أهل الكتاب حين نبذوا كتاب الله، وعطّلوا حدوده، وتركوا كتابه، وقتلوا رسله.

وأخرج عبد الرزاق عن الحسن يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه، فراجعوه، فقال: قضى الله ﴿ أن النفس بالنفس ﴾ » .

وأخرج البيهقي في سننه عن ابن شهاب قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ﴾ أقيد الرجل من المرأة، وفيما تعمده من الجوارح.

وأخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب قال: الرجل يقتل بالمرأة إذا قتلها.

قال الله: ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه في قوله: ﴿ أن النفس بالنفس ﴾ قال: تقتل بالنفس ﴿ والعين بالعين ﴾ قال: تفقأ بالعين ﴿ والأنف بالأنف ﴾ قال: يقطع الأنف بالأنف ﴿ والسن بالسن والجروح قصاص ﴾ قال: وتقتص الجراح بالجراح ﴿ فمن تصدَّق به ﴾ يقول: من عفا عنه فهو كفارة للمطلوب.

وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ﴾ بنصب النفس ورفع العين وما بعده الآية كلها» .

وأخرج ابن سعد وأحمد والبخاري وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس «أن الربيع كسرت ثنية جارية، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أخوها أنس بن النضر: يا رسول الله تكسر ثنية فلانة؟

فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أنس كتاب الله القصاص» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: الجروح قصاص، وليس للإمام أن يضربه ولا أن يحبسه، إنما القصاص- ما كان الله نسياً- لو شاء لأمر بالضرب والسجن.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمر.

في قوله: ﴿ فمن تصدَّق به ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ فمن تصدَّق به فهو كفارة له ﴾ قال كفارة للمجروح.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر بن عبد الله ﴿ فهو كفارة له ﴾ قال للذي تصدق به.

وأخرج ابن مردويه عن رجل من الأنصار عن النبي صلى الله عليه وسلم «في قوله: ﴿ فمن تصدق به فهو كفارة له ﴾ قال: الرجل تكسر سنه، أو تقطع يده، أو يقطع الشيء، أو يجرح في بدنه، فيعفو عن ذلك، فيحط عنه قدر خطاياه، فإن كان ربع الدية فربع خطاياه، وإن كان الثلث فثلث خطاياه، وإن كانت الدية حطت عنه خطاياه كذلك» .

وأخرج الديلمي عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فمن تصدق به فهو كفَّارة له ﴾ الرجل تكسر سنه، أو يجرح من جسده، فيعفو عنه فيحط من خطاياه بقدر ما عفا من جسده، إن كان نصف الدية فنصف خطاياه، وإن كان ربع الدية فربع خطاياه، وإن كان ثلث الدية فثلث خطاياه، وإن كانت الدية كلها فخطاياه كلها» وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن مردويه عن عدي بن ثابت.

«أن رجلاً هتم فم رجل على عهد معاوية، فأعطاه دية فأبى إلا أن يقتص، فاعطاه ديتين فأبى، فأعطى ثلاثاً.

فحدث رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من تصدق بدم فما دونه فهو كفارة له من يوم ولد إلى يوم يموت» .

وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وابن جرير عن أبي الدرداء قال: كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار، فاستعدى عليه، فقال معاوية: أنا أسترضيه، فألح الأنصاري فقال معاوية: شأنك بصاحبك؟

وأبو الدرداء جالس فقال أبو الدرداء «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة» فقال الأنصاري: فاني قد عفوت.

وأخرج الديلمي عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فمن تصدق به فهو كفَّارة له ﴾ قال: هو الرجل تكسر سنه، ويجرح من جسده، فيعفو عنه فيحط عنه من خطاياه بقدر ما عفا عنه من جسده، إن كان نصف الدية فنصف خطاياه، وإن كان ربع الدية فربع خطاياه، وإن كان ثلث الدية فثلث خطاياه، وإن كان الدية كلها فخطاياه كلها» .

وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وابن جرير عن أبي الدرداء.

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط به خطيئة» فقال الانصاري: فإني قد عفوت.

وأخرج أحمد والنسائي عن عبادة بن الصامت.

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مامن رجل يجرح من جسده جرحة فيتصدق بها إلا كفر الله عنه مثل ما تصدق به» .

وأخرج أحمد عن رجل من الصحابة قال: من أصيب بشيء من جسده فتركه بعد كان كفارة له.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن يونس بن أبي إسحاق قال: سأل مجاهد أبا إسحاق عن قوله: ﴿ فمن تصدق به فهو كفارة له ﴾ فقال له أبو إسحاق: هو الذي يعفو.

قال مجاهد: بل هو الجارح صاحب الذنب.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمن تصدق به فهو كفَّارة له ﴾ قال: كفارة للجارح، وأجر المتصدق على الله.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد وإبراهيم ﴿ فمن تصدق به فهو كفارة له ﴾ قال: كفارة للجارح، وأجر المتصدق على الله.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد وإبراهيم ﴿ فمن تصدق به فهو كفارة له ﴾ قالا: للجارح.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ فمن تصدق به فهو كفارة له ﴾ للمتصدق عليه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمن تصدق به فهو كفارة له ﴾ يقول: من جرح فتصدق به على الجارح، فليس على الجارح سبيل، ولا قود، ولا عقل، ولا جرح عليه من أجل أنه تصدق عليه الذي جرح، فكان كفارة له من ظلمه الذي ظلم.

وأخرج الخطيب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من عفا عن دم لم يكن له ثواب إلا الجنة» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ الآية.

قال ابن عباس: يريد وفرضنا عليهم في التوراة (١) ﴿ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ يريد من قتل نفسًا بغير، قود قتل به (٢) قال الضحاك: لم يجعل لهم دية في نفس ولا جرح، إنما هو العفو أو (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ ﴾ .

اختلفوا في رفع العين ونصبها، فقرأ الأكثرون بالنصب، وكذلك ما العين (٥) (٦) ومن رفع العين فإنه عطف جملة على جملة، ولم يجعل الواو للإشراك في العامل كما كان كذلك في قول من نصب، ويجوز أن يكون حمل الكلام على المعنى؛ لأن معنى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ قلنا لهم: (النَّفْسُ بِالنَّفْسِ)، فحمل (وَالْعَيْنُ بِالْعَيْنِ) على هذا (٧) بادَتْ وغَيَّرَ آيَهنّ مع البلَى ...

إلا رواكدَ جَمْرُهن هبَاءُ ومُشَجَّعٌ أما سواءُ قَذالِه ...

فَبَدا وغَيَّر سارَهُ المِعْزَاءُ (٨) لما كان المعنى في قوله: إلا رواكد بها رواكد، حمل مشجّجًا عليه، فكأنه قال: هناك رواكد ومشجّج (٩) قال الزجاج: ويجوز أن يكون: (العينُ) عطفًا على المضمر في قوله: (بالنفس (١٠) (١١) (١٢) وأما من قرأ الجميع بالنصب ورفع (الجروحُ) (١٣) قال العلماء في هذه الآية: كل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في العين والأنف والأذن والسن وجميع الأطراف، إذا تماثلا في السلامة من الشلل، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضًا في الأطراف (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ﴾ وهو كل ما يمكن أن يقتص فيه مثل: الشفتين والذكر والأنثين والألسن والقدمين واليدين وغيرها (١٥) فأما ما لا يمكن القصاص من رضة لحم، أو هيضة عظم أو جراحة في البطن يُخاف منها التلف ففيه أرش (١٦) (١٧) والقصاص ههنا مصدر يراد به المفعول، أي والجروح مُتقاصّة بعضها ببعض.

وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ تَصَدَّقَ ﴾ .

أي: أعطى وبذل وترك، من الصدقة، وكل ما يعطيه الإنسان من ماله أو بدنه أو عرضه فرضًا كان أو نقلًا، ومنه قوله  : "أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضَمْضَم (١٨) (١٩) والكلام في أصل الصدقة قد مضى عند قوله تعالى: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ بِهِ ﴾ أي: بالقصاص الذي وجب له.

﴿ فَهُوَ ﴾ أي: التصدق، ﴿ كَفَّارَةٌ لَهُ ﴾ أي: للمتصدق الذي هو المجروح، أو ولي الدم.

وهذا قول أكثر أهل التأويل (٢٠) قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد فمن عفا فهو مغفرة له عند الله وثواب عظيم (٢١) وهذا قول ابن عمر والحسن والشعبي وقتادة (٢٢) وروى عبادة بن الصامت أن رسول الله  قال: "من تصدق من جسده بشيء كفر الله -عز وجل- عنه بقدره من ذنوبه" (٢٣) وقال آخرون: الكناية في قوله: ﴿ لَهُ ﴾ تعود على المتصدق عليه، أي كفارة للمتصدق عليه؛ لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه (٢٤) قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ﴾ قال: فهو كفارة للجارح، وأجر المتصدق على الله (٢٥) وهذا قول إبراهيم ومجاهد وزيد بن أسلم (٢٦) وعلى هذا فالجاني إذا عفا عنه المجني عليه كان العفو كفارة لذنب الجاني لا يؤاخذ به في الآخرة، كما أن القصاص كفارة له.

والقول الأول أظهر؛ لأن العائد فيه يرجع إلى مذكور وهو (من)، وفي القول الثاني يعود إلى مدلول عليه وهو المتصدق عليه، دل عليه قوله: ﴿ فَمَنْ تَصَدَّقَ ﴾ (٢٧) (١) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 115.

(٢) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 258.

(٣) في (ش): (و).

(٤) لم أقف عليه عن الضحاك، وورد نحوه عن ابن عباس.

أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 259، وأورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 893.

(٥) قرأ بالنصب العشرة إلا الكسائي فإنه قرأ بالرفع، ووافقه في (الجروحُ) خاصة ابن كثير في "تفسيره" وأبو عمرو وأبو جعفر وابن عامر.

انظر: "الحجة" 3/ 223، "النشر" 2/ 254.

(٦) "الحجة" 3/ 223.

(٧) من "الحجة" 3/ 223، 224.

(٨) البيتان بدون عزو في "الكتاب" 1/ 173، 174، "شرح أبيات سيبويه" للنحاس ص 84، "الحجة" 3/ 225.

ومعنى بادت تغيرت وبليت، وآيهن: آثارهن، والرواكد: الأثافي، والهباء: الغبار، أي صار الجمر كالغبار لقدمه وانسحاقه، والمشجج، وتد الخباء، وتشجيجه ضرب رأسه لتثبيته، وسواء قذاله: أعلى الوتد، وساره: سائره، والمعزاء: الصلبة.

(٩) "الحجة" 3/ 225، وانظر: "الكتاب" 1/ 174.

(١٠) في (ج): (أن النفس)، وفي "معاني الزجاج" 2/ 179: النفس.

(١١) في "معاني الزجاج" النفس.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 179، وانظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 193.

(١٣) هذه قراءة ابن كثير في "تفسيره" وأبي عمرو وأبي جعفر وابن عامر.

انظر: "الحجة" 3/ 223، "معاني القراءات" 1/ 329، "النشر" 2/ 254.

(١٤) انظر: "الأم" 6/ 5، 50، والطبري في "تفسيره" 6/ 258، والبغوي في "تفسيره" 3/ 63.

(١٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 258 - 259، والبغوي في "تفسيره" 3/ 63، "زاد المسير" 2/ 368.

(١٦) الأرش: هو اسم للمال الواجب على ما دون النفس.

"التعريفات" للجرجاني ص 17، وانظر: "اللسان" 1/ 60 (أرش).

(١٧) انظر: "الأم" 6/ 80 - 83، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 204.

(١٨) هذا الرجل غير مسمى ولا منسوب، عدّ من الصحابة ويحتمل أنه ممن تقدم.

انظر: "الاستيعاب" 4/ 257، "أسد الغابة" 6/ 177، "الإصابة" 4/ 112.

(١٩) أخرجه بنحوه أبو داود (4887) كتاب الأدب، باب (43): ما جاء في الرجل يحل الرجل قد اغتابه 5/ 199، من طرق، وذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب" 4/ 257، وابن الأثير في "أسد الغابة" 6/ 177، وابن حجر في "الإصابة" 4/ 112.

(٢٠) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 260 - 262، "معاني الزجاج" 2/ 179، "معاني النحاس" 2/ 317، "بحر العلوم" 1/ 440.

(٢١) أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 895 ولم أقف عليه، وقد ثبت عن ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة أنه قال: فمن عفا عنه وتصدق عليه فهو كفارة للمطلوب وأجر للطالب.

"تفسير ابن عباس" ص 180، وأورده ابن كثير في "تفسيره" 2/ 72 من هذه الطريق أيضًا.

(٢٢) أخرج أقوالهم الطبري في "تفسيره" 6/ 260 - 262، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 317، "النكت والعيون" 2/ 43 - 44 (٢٣) أخرجه أحمد في "مسنده" 5/ 316، والمؤلف في "الوسيط" 3/ 895 من طريق شيخه الثعلبي، وذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 63، وصححه الألباني، انظر: "صحيح الجامع" (6151)، وأخرج الترمذي نحوه من حديث أبي الدرداء -  - (1393) كتاب الديات، باب: ما جاء في العفو، وابن ماجة (2693) كتاب الديات، باب: العفو في القصاص.

(٢٤) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 261، "النكت والعيون" 1/ 470.

(٢٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 262، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 317، "النكت والعيون" 2/ 44، والبغوي في "تفسيره" 3/ 64.

(٢٦) أخرج أقوالهم الطبري في "تفسيره" 6/ 261 - 262، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 44، والبغوي في "تفسيره" 3/ 64.

(٢٧) وهذا أيضًا اختيار الطبري في "تفسيره" 6/ 262.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ ﴾ كتبنا بمعنى الكتابة في الألواح، أو بمعنى الفرض والإلزام، والضمير في عليهم لبني إسرائيل، وفي قوله فيها للتوراة ﴿ أَنَّ النفس بالنفس ﴾ أي تقتل النفس إذا قتلت نفساً، وهذا إخبار عما في الوراة وهو حكم في شريعتنا بإجماع، إلا أن هذا اللفظ عام، وقد خصص العلماء منه أشياء، فقال مالك: لا يقتل مؤمن بكافر للحديث الوارد في ذلك ولا يقتل حر بعبد، لقوله الحر بالحر والعبد بالعبد وقد تقدم الكلام على ذلك في [البقرة: 178] ﴿ والعين بالعين ﴾ وما بعده حكم القصاص الأعضاء، والقراءة بنصب العين وما بعده عطف على النفس، وقرئ بالرفع ولها ثلاثة أوجه: أحدها العطف على موضع النفس؛ لأن المعنى قلنا لهم: النفس بالنفس والثاني العطف على الضمير الذي في الخبر وهو بالنفس، والثالث: أن يكون مستأنفاً مرفوعاً بالابتداء ﴿ والجروح قِصَاصٌ ﴾ بالنصب عطف على المنصوبات قبله، وبالرفع على الأوجه الثلاثة التي في رفع العين، وهذا اللفظ عام يراد به الخصوص في الجراح التي لا يخاف على النفس منها ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: من تصدق من أصحاب الحق بالقصاص وعفا عنه، فذلك كفارة له يكفر الله ذنوبه لعفوه وإسقاطه حقه، والثاني: من تصدق وعفا فهو كفارة للقاتل والجارح بعفو الله عنه في ذلك لأن صاحب الحق قد عفا عنه، فالضمير في له على التأويل الأول يعود على التي هي كفاية عن المقتول أو المجروح، أو الولي، وعلى الثاني يعود على القاتل أو الجارح وإن لم يجر له ذكر، ولكن سياق الكلام يقتضيه، والأول أرجح لعود الضمير على مذكور، وهو من، ومعناها واحد على التأويلين، إلا أن التأويل الأول بيان لأجر من عفا، وترغيب في العفو، والتأويل: بيان لسقوط الإثم عن القاتل أو الجارح إذا عُفي عنه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ السحت ﴾ بضمتين: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد وعلي.

الباقون بسكون العين.

﴿ واخشوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل ﴿ والعين ﴾ وما بعده بالرفع علي وافق أبو عمرو وابن كثير وابن عامر ويزيد في ﴿ والجروح ﴾ بالرفع.

﴿ والأذن ﴾ وبابه بسكون العين: نافع.

﴿ وليحكم ﴾ بالنصب: حمزة.

الباقون بالجزم.

الوقوف: ﴿ قلوبهم ﴾ ج أي ومن الذين هادوا قوم سماعون، وإن شئت عطفت ﴿ ومن الذين هادوا ﴾ على ﴿ من الذين قالوا آمنا ﴾ ووقفت على ﴿ هادوا ﴾ واستأنفت بقوله ﴿ سماعون ﴾ راجعاً إلى الفئتين، والأول أجود لأن التحريف محكي عنهم وهو مختص باليهود ﴿ آخرين ﴾ لا لأن ما بعده صفة لهم.

﴿ لم يأتوك ﴾ ط ﴿ مواضعه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاسئناف ﴿ فاحذروا ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ للسحت ﴾ ط لأن المشروط غير مخصوص بما يليه ﴿ أعرض عنهم ﴾ ج ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ المقسطين ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط لتناهي الاستفهام ﴿ بالمؤمنين ﴾ ه ﴿ ونور ﴾ ج لاحتمال ما بعده/ الحال والاستئناف ﴿ شهداء ﴾ ط لاختلاف النظم مع فاء التعقيب ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ بالنفس ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والعين ﴾ وما بعده بالرفع ﴿ بالسن ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والجروح ﴾ بالرفع ﴿ قصاص ﴾ ط لابتداء الشرط ﴿ كفارة له ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ من التوراة ﴾ الأولى ص لطول الكلام ﴿ ونور ﴾ ط لأن الحال بعده معطوف على محل الجملة قبله الواقعة حالاً.

﴿ للمتقين ﴾ ط لمن قرأ ﴿ وليحكم ﴾ بالنصب ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه.

التفسير: خاطب محمداً  بقوله: ﴿ يا أيها النبي ﴾ في مواضع ولم يخاطبه بقوله: ﴿ يا أيها الرسول ﴾ إلا ههنا وفي قوله: ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك  ﴾ ولا شك أنه خطاب تشريف وتعظيم شرف به في هذه السورة التي هي آخر السورة نزولاً حيث تحققت رسالته في الواقع.

أما وجه النظم فهو أنه  لما بين بعض التكاليف والشرائع وكان قد علم مسارعة بعض الناس إلى الكفر فلا جرم صبر رسول الله  على تحمل ذلك ووعده أن ينصره عليهم ويكفيه شرهم.

والمراد بمسارعتهم في الكفر تهافتهم فيه وحرصهم عليه حتى إذا وجدوا فرصة لم يخطؤها.

﴿ آمنا بأفواههم ﴾ فيه تقديم وتأخير أي قالوا بأفواههم آمنا ﴿ سماعون للكذب ﴾ قابلون لما يفتعله أحبارهم من الكذب على الله وتحريف كتابه والطعن في نبوة محمد  من قولك: الملك يسمع كلام فلان أي يقبله ﴿ سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ﴾ أي قابلون من الأحبار ومن الذين لم يصلوا إلى مجلسك من شدة البغضاء وإفراط العداوة، ويحتمل أن يراد نفس السماع.

واللام في ﴿ للكذب ﴾ لام التعليل أي يسمعون كلامك لكي يكذبوا عليك ﴿ يحرّفون الكلم ﴾ مبدلين ومغيرين سماعون لأجل قوم آخرين وجوههم عيوناً وجواسيس ﴿ من بعد مواضعه ﴾ أي التي وضعها الله فيها من أمكنة الحل والحظر والفرض والندب وغير ذلك، أو من وجوه الترتيب والنظم فيهملوها بغير مواضع بعد أن كانت ذات موضع ﴿ إن أوتيتم هذا ﴾ المحرّف المزال عن موضعه ﴿ فخذوه ﴾ واعلموا أنه الحق واعملوا به ﴿ وإن لم تؤتوه ﴾ وأفتاكم محمد  بخلافه ﴿ فاحذروا ﴾ فهو الباطل.

عن البراء بن عازب قال: مُرّ على النبي  بيهودي محمم مجلود فقال: "هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟

قالوا: نعم.

فدعا رجلاً من علمائهم فقال  : أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟

قال: لا، ولولا أنك نشدتني لم أخبرك.

نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحد فقلنا: تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم.

فقال رسول الله  : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه به فرجم" فأنزل الله الآية إلى قوله: ﴿ إن أوتيتم هذا ﴾ / يقولون ائتوا محمداً  فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوا به، إن أفتاكم بالرجم فاحذروا.

وفي رواية أخرى "أن شريفاً من خيبر زنى بشريفة وهما محصنان وحدهما الرجم في التوراة، فكرهوا رجمهما لشرفهما فبعثوا رهطاً منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله  عن ذلك وقالوا: إن أمركم محمد  بالجلد والتحميم فاقبلوا، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا وأرسلوا الزانيين معهم، فأمرهم بالرجم فأبوا أن يأخذوا به فقال له جبريل  : اجعل بينك وبينهم ابن صوريا فقال: هل تعرفون شاباً أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا؟

قالوا.

نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض ورضوا به حكماً.

فقال له رسول الله  : أنشدك الله الذي لا إله إلاّ هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون.

والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه، هل تجدون فيه الرجم على من أحصن؟

قال: نعم.

فوثب عليه سفلة اليهود فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب.

ثم سأل رسول الله  عن أشياء كان يعرفها من أعلامه فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنك رسول الله النبي الأمي العربي الذي بشر به المرسلون.

وأمر رسول الله  بالزانيين فرجما عند باب مسجده" .

قال العلماء القائلون برجم الثيب الذمي ومنهم الشافعي: إن كان الأمر برجم الثيب الذمي من دين الرسول  فهو المقصود، وإن كان مما ثبت في شريعة موسى  فالأصل بقاؤه إلى طريان الناسخ، ولم يوجد في شرعنا ما يدل على نسخه، وبهذا الطريق أجمع العلماء على أن قوله  : ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ﴾ حكمه باق في شرعنا ﴿ ومن يرد الله فتنته ﴾ ظاهر الآية أن المراد بالفتنة أنواع الكفر التي حكاها عن اليهود وغيرهم.

والمعنى ومن يرد الله كفره وضلالته فلن يقدر أحد على دفع ذلك.

ثم أكد هذا بقوله: ﴿ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ﴾ وفيه دليل على أنه تعالى لا يريد إسلام الكافر وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك ولو فعل لآمن.

والمعتزلة فسروا الفتنة بالعذاب كقوله: ﴿ يوم هم على النار يفتنون  ﴾ أو بالفضيحة أو بالإضلال أي تسميته ضالاً، أو المراد ومن يرد الله اختباره فيما يبتليه من التكاليف ثم إنه يتركها ولا يقوم بأدائها ﴿ فلن تملك له من الله ﴾ ثواباً ولا نفعاً.

ثم قال: ﴿ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ﴾ بالألطاف لأنه  علم أنه لا فائدة في تلك الألطاف لأنها لا تنجع في قولهم، أو يطهر قلوبهم من الحرج والغم والوحشة الحالة على كفره، أو هو استعارة عن سقوط وقعه عند الله  وأنه غير ملتفت إليه بسبب قبح أفعاله وسوء أعماله.

ثم وصف اليهود بقوله: ﴿ سماعون للكذب أكالون للسحت ﴾ وهو الحرام وكل ما لا يحل كسبه من سحته وأسحته أي استأصله لأنه مسحوت البركة، ومال مسحوت أي مذهب.

قال/ الليث: السحت حرام يحصل منه العار وذلك أنه يسحت فضيلة الإنسان ويستأصلها.

ورجل مسحوت المعدة إذا كان أكولاً لا يلفى إلاّ جائعاً أبداً كأنه يستأصل كل ما يصل إليه من الطعام.

والسحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستكساب في المعصية روي ذلك عن علي  وعمر عثمان وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد، وزاد بعضهم ونقص بعضهم وكل ذلك يرجع إلى الحرام الخسيس الذي لا يكون فيه بركة ويكون فيه عار بحيث يخفيه صاحبه لا محالة.

قال الحسن: كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه من كان مبطلاً في دعواه برشوة سمع كلامه ولا يلتفت إلى خصمه فكان يسمع الكذب ويأكل السحت.

وقيل: كان فقراؤهم يأخذون من أغنيائهم مالاً ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية فكانوا يسمعون أكاذيب الأغنياء ويأكلون السحت.

وقيل: سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها إلى التوراة، أكالون للربا لقوله  : ﴿ وأخذهم الربا  ﴾ ﴿ فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ﴾ خيره الله  بين الحكم والإعراض.

فقيل: إن هذا الخبر مختص بالمعاهدين الذين لا ذمة لهم.

وقيل: إنه في أمر خاص وهو رجم المحصن قاله ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري: وقيل: في قتيل قتل من اليهود في بني قريظة والنضير وكان في بني النضير شرف وكانت ديتهم كاملة وفي قريظة نصف دية، فتحاكموا إلى النبي  فجعل الدية سواء.

وعن النخعي والشعبي وقتادة وعطاء وأبي بكر الأصم وأبي مسلم أن الآية عامة في كل ما جاء من الكفار، وأن الحكم ثابت في سائر الأحكام غير منسوخ.

وعن ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وهو مذهب الشافعي أن هذا التخيير منسوخ في في حق غير المعاهدين بقوله  : ﴿ وأن احكم بينهم بما أنزل الله  ﴾ فيجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغاراً لهم.

وأهل الحجاز بعضهم لا يرون إقامة الحدود عليهم يذهبون إلى أنهم قد صولحوا على شركهم وهو أعظم من الحدود ويقولون: إن النبي  رجم اليهوديين قبل نزول الجزية، ثم إنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلاّ لطلب الأسهل والأخف كالجلد مكان الرجم، فإذا أعرض  عنهم وأبى الحكومة بينهم شق عليهم وعادوا فآمنه الله بقوله: ﴿ وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ﴾ بالعدل والاحتياط كما حكمت في الرجم ﴿ وكيف يحكمونك ﴾ تعجيب من الله لرسوله  من تحكيمهم لوجوه منها: عدولهم عن حكم كتابهم، ومنها رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدونه مبطلاً، ومنها إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه وهذا غاية الجهالة ونهاية العناد.

والواو/ في قوله: ﴿ وعندهم ﴾ للحال من التحكيم والعامل ما في الاستفهام من التعجيب.

أما قوله: ﴿ فيها حكم الله ﴾ فإما أن ينتصب حالاً من التوراة على ضعف وهي مبتدأ خبره ﴿ عندهم ﴾ وإما أن يرتفع خبراً عنها والتقدير وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله فيكون ﴿ عندهم ﴾ متعلق بالخبر، وإما أن لا يكون له محل ويكون جملة مبينة لأن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم كقولك: عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره.

وأنثت التوراة لما فيها من صورة تاء التأنيث.

﴿ ثم يتولون ﴾ عطف على ﴿ يحكمونك ﴾ و "ثم" لتراخي الرتبة أي ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم ﴿ وما أولئك بالمؤمنين ﴾ إخبار بأنهم لا يؤمنون أبداً، أو المراد أنهم غير مؤمنين بكتابهم كما يدعون، أو المراد أنهم غير كاملين في الإيمان على سبيل التهكم بهم.

ثم رغب اليهود في أن يكونوا كمتقدميهم من أنبيائهم ومسلمي أحبارهم فقال: ﴿ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ﴾ ونور العطف يقتضي التغاير فقيل: الهدى بيان الأحكام والشرائع والنور بيان التوحيد والنبوة والمعاد.

وقال الزجاج: الهدى بيان الحكم الذي جاؤوا يستفتون فيه، والنور بيان أن أمر النبي  حق.

وقيل: فيها هدى يهدي للحق والعدل، ونور يبين ما استبهم من الأحكام، فهما عبارتان عن معبر واحد، وقد يستدل بالآية على أن شرع من قبلنا يلزمنا لأن الهدى والنور لا بد أن يكون أحدهما يتعلق بالفروع والآخر بالأصول وإلا كان تكراراً.

وأيضاً إنها نزلت في الرجم ومورد الآية لا بد أن يكون داخلاً فيها سواء قلنا إن غيره داخل أو خارج.

ويمكن أن يجاب بأن التكرار بعبارتين غير محذور أو بأن في الكلام تقديماً وتأخيراً والمراد فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون.

أما قوله: ﴿ الذين أسلموا ﴾ فأورد عليه أن كل نبي مسلم فما الفائدة في هذا الوصف؟

وأجيب بأنها صفة جارية على سبيل المدح لا التوضيح والكشف، وفيه تعريض باليهود أنهم بعداء عن ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء قديماً وحديثاً لأن غرض الأنبياء الانقياد لتكاليف الله وغرضكم من ادعاء الحكم بالتوارة أخذ الرشا من العوام، فالفريقان متباينان ولهذا أردفه بقوله: ﴿ للذين هادوا ﴾ أي يحكمون لأجلهم.

قال في الكشاف: قوله  : ﴿ الذين أسلموا للذين هادوا ﴾ مناد على أن اليهود بمعزل عن الإسلام.

قلت: هذا بناء على أن صفة الحاكمين يلزم أن تكون مغايرة لصفة المحكومين.

ولقائل أن يقول: بعد تسليم ذلك إنه لم لا يكفي مغايرة العام للخاص؟

وقال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي: المراد بالنبيين هو محمد  كقوله: ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ لأنه اجتمع فيه من الخصال ما كانت مفرقة في الأنبياء: وقيل: أسلموا أي انقادوا لحكم التوراة.

فمن الأنبياء من لم تكن/ شريعتهم شريعة موسى.

والربانيون قد مر تفسيره في آل عمران.

والأحبار عن ابن عباس هم الفقهاء، الواحد حبر بالفتح من قولهم: فلان حسن الحبر والسبر إذا كان جميلاً حسن الهيئة، أو حبر بالكسر من ذلك أيضاً لقولهم: حسن الحبر بالكسر أيضاً.

وفي الحديث: " "يخرج رجل من النار قد ذهب حبره وسبره" أي جماله وبهاؤه، وتحبير الخط والشعر تحسينه أو من هذا الحبر الذي يكتب به لكون العالم صاحب كتب.

قاله الفراء والكسائي وأبو عبيدة.

ثم إن ذكر الربانيين بعد النبيين يدل على أنهم أعلى حالاً من الأحبار فيشبه أن يكون الربانيون كالمجتهدين والأحبار كآحاد العلماء.

وقوله: ﴿ بما استحفظوا ﴾ إما أن يكون من صلة ﴿ يحكم ﴾ أي يحكم بها الربانيون والأحبار بسبب ما استحفظوا، أو يكون من صلة الأحبار أي العلماء بما استحفظوا بما سألهم أنبياؤهم حفظه.

و"من" في ﴿ من كتاب الله ﴾ للتبيين.

وقد أخذ الله  على العلماء أن يحفظوا كتابه من وجهين: أحدهما أن يحفظوه في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم، والثاني أن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه, وكانوا أي هؤلاء النبيون والربانيون والأحبار عليه على أن كل ما جاء في التوراة حق من عند الله شهداء رقباء لئلا يبدل، ويحتمل أن يعود ضمير ﴿ استحفظوا ﴾ إلى النبيين وغيرهم جميعاً والاستحفاظ من الله أي كلفهم الله حفظه وأن يكونوا عليه شهداء.

ثم نهى اليهود المعاصرين عن التحريف لرهبة فقال: ﴿ فلا تخشوا الناس واخشوني ﴾ وعن التغيير لرغبة فقال: ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ وهو الرشوة وابتغاء الجاه.

ثم عمم الحكم فقال: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ احتجت الخوارج بالآية على أن كل من عصى الله فهو كافر.

وللمفسرين في جوابهم وجوه: الأول انها مختصة باليهود وردّ بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب, ولا ريب أن لفظ "من" في معرض الشرط للعموم فلا وجه لتقدير ومن لم يحكم من هؤلاء المذكورين الذين هم اليهود لأنه زيادة في النص.

وقال عطاء: هو كفر دون كفر.

وقال طاوس: ليس بكفر الملة ولا كمن يكفر بالله واليوم الآخر.

فلعلهما أرادا كفران النعمة، وضعف بأن الكافر إذا أطلق يراد به الكافر في الدين.

وقال ابن الأنباري: المراد أنه يضاهي الكافر لأنه فعل فعلاً مثل فعل الكافر وزيف بأنه عدول عن الظاهر.

وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: معناه من أتى بضد حكم الله  في كل ما أنزل فيخرج الفاسق لأنه في الاعتقاد والإقرار موافق وإن كان في العمل مخالفاً.

واعترض بأن سبب النزول يخرج حينئذ لأنه نزل في مخالفة اليهود في الرجم فقط، ويمكن أن يقال: المحرّف داخل في الكل.

وقال عكرمة: إنما تتناول الآية من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما العارف المقر إذا أخل بالعمل فهو حاكم بما أنزل الله  ولكنه تارك فلا تتناوله الآية.

ثم إنه  لما بيّن أن حكم الزاني المحصن في التوراة هو الرجم واليهود غيروه/ أراد ان يبين أن نص التوراة هو قتل النفس بالنفس وأنهم بدّلوه حيث فضلوا بني النضير على بني قريظة فقال: ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ﴾ من قرأ المعطوفات كلها بالنصب فظاهر، ومن قرأ ما سوى الأوّل بالرفع فللعطف على محل النفس إذ المعنى وكتبنا عليهم في التوراة النفس بالنفس إما لإجراء ﴿ كتبنا ﴾ مجرى "قلنا" وإما بطريق الحكاية كقولك: كتبت الحمد لله وقرأت سورة "إن أنزلناه" وإما على سبيل الاستئناف والمعنى على جميع التقادير.

فرضنا عليهم فيها أن النفس مقتولة بالنفس إذا قتلتها بغير حق، والعين مفقوأة بالعين، والأنف مجدوع بالأنف، والأذن مصلومة بالأذن، والسن مقلوعة بالسن، والجروح ذات قصاص أي مقاصة.

وهذا تعميم للحكم بعد ذكر بعض التفاصيل والمراد منه كل ما يمكن المساواة فيه من الأطراف كالذكر والأنثيين والإليتين والقدمين واليدين، ومن الجراحات المضبوطة كالموضحة مثلاً وهي التي توضح العظم وتبدي وضحة وهو الضوء والبياض، وكذا منافع الأعضاء والأطراف كالسمع والبصر والبطش.

فأما الذي لا يمكن القصاص فيه كرض في لحم أو كسر في عظم أو خدش وإدماء في جلد ففي ذلك أرش أو حكومة وتفاصيلها فيكتب الفقه.

﴿ فمن تصدق به فهو كفارة له ﴾ الضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى القصاص وفي ﴿ هو ﴾ إلى التصدق الدال عليه الفعل.

وفي ﴿ له ﴾ وجهان: أحدهما أنه يعود إلى العافي المتصدق لما روى عبادة بن الصامت ان رسول الله  قال: " "من تصدق من جسده بشيء كفر الله  عنه بقدره من ذنوبه" وعن عبد الله بن عمرو: " "يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به" والثاني أنه يعود إلى الجاني المعفو عنه أي لا يؤاخذه الله  بعد ذلك العفو، وأما العافي فأجره على الله  ﴿ وقفينا على آثارهم ﴾ أي على آثار النبيين ﴿ بعيسى ابن مريم ﴾ أي عقبناهم به، فتعديته إلى المفعول الثاني بالباء.

وقوله: ﴿ على آثارهم ﴾ يسدّ مسد الأول لأنه إذا قفي به على أثره فقد قفي به إياه ﴿ مصدّقاً لما بين يديه ﴾ أي مقراً بأن التوراة كتاب منزل من عند الله  وأنه كان حقاً واجب العمل به قبل ورود ناسخه وهو الإنجيل المصدق أيضاً لكونه مبشراً بمبعث محمد  كالتوراة.

وأما النور فبيان الأحكام الشرعية وتفاصيل التكاليف، والهدى الأول أصول الديانات كالتوحيد والنبوات والمعاد، والهدى الثاني اشتماله على البشارة بمجيء محمد  لأن ذلك سبب اهتداء الناس إلى نبوته، واشتمال الإنجيل على المواعظ والنصائح والزواجر ظاهر وخص الجميع بالمتقين لأنهم هم المنتفعون بذلك.

ومن قرأ ﴿ وليحكم ﴾ بالجزم فإما إخبار عما قيل لهم في ذلك الوقت من الحكم بما تضمنه الإنجيل أي قلنا لهم ليحكموا بما فيه، وإما أمر مستأنف للنصارى بالحكم/ بما فيه كتابهم من الدلائل الدالة على نبوة محمد  ، أو مما لم يصر منسوخاً بالقرآن.

ومن قرأ بالنصب فلأنه علة فعل محذوف يدل عليه ما تقدمه أي ولأجل حكمهم بما فيه آتيناهم كتابهم، وعلى هذا يجوز أن يكون هدى وموعظة أيضاً غرضين معطوفين للحكم والله أعلم.

أما قوله: ﴿ الكافرون ﴾ ﴿ الظالمون ﴾ ﴿ الفاسقون ﴾ فللمفسرين فيه خلاف.

قال القفال: هو كقولك من أطاع الله فهو المؤمن من أطاع الله فهو المتقي، لأن كل ذلك أوصاف مختلفة حاصلة لموصوف واحد، فهذه كلها نزلت في الكفار.

وقال آخرون: الأول من الجاحد، والثاني والثالث في المقر التارك.

وقال الأصم: الأول والثاني في اليهود، والثالث في النصارى.

التأويل: سماعون لكذبات الشيطان في وساوسه والنفس في هواجسها ﴿ سماعون لقوم آخرين ﴾ يسنون السنة السيئة لغيرهم ﴿ يحرفون ﴾ يغيرون قوانين الشريعة بتمويهات الطبيعة وهذه حال مؤوّلي القرآن والأحاديث على وفق أهوائهم ﴿ سماعون للكذب أكالون للسحت ﴾ لأن الأخلاق الردية أورثتهم الأعمال الدنية.

فالأخلاق نتائج الأعمال والأعمال نتائج الأخلاق وكلها من نتائج الاستعداد الفطري ﴿ فإن جاؤك فاحكم بينهم ﴾ مداوياً لدائهم إن رأيت التداوي سبباً لشفائهم أو أعرض عنهم إن تيقنت إعواز الشفاء لشقائهم ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ﴾ داوهم على ما يستحقون من دائهم ﴿ بما استحفظوا من كتاب الله ﴾ الفرق بين بني إسرائيل وبين هذه الأمة أنهم استحفظوا التوراة فضيعوها وحرفوها، وقال في حقنا: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون  ﴾ ﴿ وكتبنا عليهم ﴾ كما أن في إهلاك النفس هلاك نفس المهلك ففي إحياء نفس الطالب بحياة الدين حياة نفس محييها، وفي معالجة عين قلبه وأنف قلبه وأذن قلبه وسن قلبه معالجة هذه الأعضاء بمزيد الإدراك.

﴿ فمن تصدق ﴾ بهذا الإحياء ﴿ فهو كفارة له ﴾ فيما فرط من إحياء نفسه ومعالجة قلبه طرفة عين.

﴿ ومن لم يحكم ﴾ على نفسه ﴿ بما أنزل الله ﴾ في تزكيتها وتحليتها فأولئك الذين ظلموا أنفسهم بوضع الحظوظ مقام الحقوق والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ...

﴾ إلى آخرة.

أخبر الله - عز وجل - أنه كان كتب على أهل التوراة: ﴿ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ ﴾ ، وقد كتب علينا أيضاً - قتل النفس بالنفس بقوله -  -: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى  ﴾ ؛ كأنه قال: كتب عليكم القصاص في النفس بالنفس، كما كنت كتبت [عليهم].

وأما القصاص فيما دون النفس: فإنه لم يبين في الآية التي أخبر - عز وجل - أنه كتب علينا القصاص في النفس.

ثم يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر وجهين: يحتمل: أن يكون إخباراً عما كان مكتوباً عليهم من القصاص فيما دون النفس: كالنفس؛ ألا ترى أنه قد قرىء في بعض القراءات بالنصب؛ نسقاً على الأول؟!

ويحتمل: على الابتداء على غير إخبار منه، ولكن على الإيجاب ابتداء؛ والذي يدل على ذلك قوله: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ لا يحتمل أن يكون هذا في الخبر؛ لأن ذلك ترغيب في العفو في الحادث من الوقت؛ دل أنه ليس على الإخبار، ولكن على الابتداء؛ ألا ترى أكثر القراء قرءوا بالرفع غير قوله: ﴿ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ ﴾ ، فإنه بالنصب؟!.

ثم ذكر ﴿ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ ﴾ ، ولم يذكر اليد والرجل، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: لما يحتمل أن يكون القصاص في اليد ظاهراً، فَيُسْتَدَلُّ بوجوبه فيما هو أخفي على وجوبه - فيما هو أظهر منه؛ لأن المنتفع بالبصر والأنف والسمع ليس إلا صاحبه، وقد يجوز أن ينتفع غيره بيد آخر وبرجله.

والثاني: أن يكون وجوب القصاص في اليد في قوله: ﴿ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ ﴾ .

ثم تخصيص الأسنان بوجوب القصاص دون غيرها من العظام؛ لأن الأسنان بادية ظاهرة، يقع عليها البصر - يقدر على الاقتصاص [فيها]، وأما غيرها من العظام: مما لا يقع عليها البصر، ولا يقدر على الاقتصاص [فيها] إلا بعد كسر آخر وقطع لحم؛ لذلك خصت الأسنان بالاقتصاص دون سائر العظام، والله أعلم.

ثم فيه دليل وجوب القصاص في العضو الذي لا منفعة فيه سوى البهاء - بذهاب البهاء؛ لأنه ذكر الأنف والأذن، وليس في الأنف والأذن إلا ذهاب البهاء؛ فأوجب في ذهاب البهاء القصاص؛ كما أوجب في ذهاب المنفعة؛ وعلى هذا يخرج قولنا: وجوب الدية في ذهاب البهاء على الكمال، كوجوبها في ذهاب المنفعة على الكمال.

[على أن] أهل العلم مجمعون أن القصاص واجب بين الرجال الأحرار في "العين، والأنف" "والأذن والسن"، "والجروح" التي ليس فيها كسر عظم؛ إذا جنى على شيء من ذلك عمدا بحديدة.

وأما القصاص بين الرجال والنساء والعبيد والأحرار فيما دون النفس: فأهل العلم اختلفوا فيه، وكان أصحابنا - رحمهم الله - لا يرون القصاص بينهم في ذلك، ويرون القصاص في الأنفس، [فأهل العلم اختلفوا فيه]، ويفرقون بينهما، والفرق بينهما: أن جماعة لو قتلوا رجلاً قتلوا به، ولو قطع جماعة يد رجل لم تقطع أيديهم؛ فالتفاضل في الأنفس غير معتبر به، ويعتبر به فيما دون النفس، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم ذكراً كافياً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: هو صاحب الدم كفارة لما كان ارتكب هو، وعلى ذلك روي عن رسول الله  قال: "مَنْ تَصَدَّقَ بِدَمٍ فَمَا دُونَهُ كَانَ لَهُ كَفَّارَةً مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى يَوْمِ تَصَدَّقَ" وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ ، يعني: كفارة للقاتل إذا عفا الولي، وهو قول ابن عباس،  .

وعن مجاهد: هو كفارة للجارح، وأجر المتصدق على الله.

والأوّل كأنه أقرب وأشبه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ .

هذا إذا ترك الحكم بما أنزل الله جحوداً منه، فهو ما ذكر، كافر.

﴿ وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ﴾ .

قوله  : ﴿ وَقَفَّيْنَا ﴾ : أي: أتبعنا على آثارهم، وهو من القفا.

وقوله: ﴿ آثَارِهِم ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: على آثار الرسل.

ويحتمل: على آثار الذين أنزل فيهم التوراة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ ﴾ .

أخبر أنه كان مصدقاً ما بين يديه من التوراة؛ فهذا يدل أن الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - كان يصدق بعضهم بعضاً فيما أنزل عليهم من الكتب، تأخر أو تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ ﴾ .

[ ﴿ هُدًى ﴾ ]: من الضلالة لمن تمسك به، ﴿ وَنُورٌ ﴾ لمن عمي ولمن استناره.

﴿ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ ﴾ .

فهذا يدل أن الكتب كانت مصدقة بعضها بعضاً على بُعد أوقات النزول [مما] يدل: أنه من عند واحد نزل، جل الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ .

يحتمل: موعظة للمؤمنين؛ لأن المؤمن هو الذي يتعظ به، وأما غير المؤمن فلا يتعظ به.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ : الذين اتقوا المعاصي كلها.

وفي قوله: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ ، وكذلك قوله -  -: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ  ﴾ - دلالة أن القصاص للعبد خاصة؛ حيث رغبه في العفو عنه والترك له، ليس كالحدود التي هي لله  ؛ لأنه لم يذكر في الحدود العفو ولا التصدق به، وذكر في القصاص والجراحات؛ دل أن ذلك للعبد: له تركه، وسائر الحدود لله ليس لأحد إبطالها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ .

ذكر في موضع: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ ، وفي موضع: ﴿ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ ، وفي موضع: ﴿ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ فأمكن أن يكون كله واحداً: أن من لم يحكم بما أنزل الله جحوداً منه له، واستخفافا؛ فهو كافر، ظالم، فاسق.

ويحتمل أن يكون ما ذكر من الكفر بترك الحكم بما أنزل الله؛ إذا ترك الحكم به جحوداً منه وإنكاراً، وما ذكر من الظلم والفسق ذلك في المسلمين؛ لأنه قال: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر، ثم قال: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ تركوا الحكم بما أنزل الله؛ اتباعاً لأهوائهم لا جحوداً، فقد ظلموا أنفسهم؛ لأن الظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، والفسق: هو الخروج عن الأمر؛ كقوله -  -: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ  ﴾ ، أي: خرج.

ثم يجيء أن يكون هذا في حال الجهل به والعلم سواء؛ لأنه إذا لم يحكم بما أنزل الله فقد وضع الشيء في غير موضعه، وخرج عن أمر ربه، لكن هذا في القول يقبح أن يقال: هو ظالم فاسق، وهو ما يفعل، إنما يفعل عن جهل به، يجوز أن يقال: فعله فعل ظلم وفسق، وأما في القول: فهو قبيح؛ لما ذكرنا.

﴿ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ ﴾ : من الأحكام أي حكم كان، فهو ما ذكرنا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وفرضنا على اليهود في التوراة أنَّ من قتل نفسًا متَعمِّدًا بغير حق قُتِلَ بها، ومن قلع عينًا متَعمِّدًا قُلِعَتْ عينه، ومن جدع أنفًا متَعمدًا جُدِعَ أنفه، ومن قطع أذنًا متَعمِّدًا قُطِعَتْ أذنه، ومن قلع سنا متَعمدًا قُلِعَتْ سنه، وكتبنا عليهم أن في الجروح يُعاقَب الجاني بمثل جنايته، ومن تطوع بالعفو عن الجاني كان عفوه كفارة لذنوبه؛ لعفوه عمن ظلمه، ومن لم يحكم بما أنزل الله في شأن القصاص وفي شأن غيره، فهو متجاوز لحدود الله.

من فوائد الآيات تعداد بعض صفات اليهود، مثل الكذب وأكل الربا ومحبة التحاكم لغير الشرع؛ لبيان ضلالهم وللتحذير منها.

بيان شرعة القصاص العادل في الأنفس والجراحات، وهي أمر فرضه الله تعالى على من قبلنا.

الحث على فضيلة العفو عن القصاص، وبيان أجرها العظيم المتمثّل في تكفير الذنوب.

الترهيب من الحكم بغير ما أنزل الله في شأن القصاص وغيره.

<div class="verse-tafsir" id="91.qDRjB"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله