الآية ٤٤ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٤٤ من سورة المائدة

إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًۭى وَنُورٌۭ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ٤٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 196 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٤ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٤ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم مدح التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران فقال : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ) أي : لا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها ( والربانيون والأحبار ) أي : وكذلك الربانيون منهم وهم العباد العلماء ، والأحبار وهم العلماء ( بما استحفظوا من كتاب الله ) أي : بما استودعوا من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به ( وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ) أي : لا تخافوا منهم وخافوني ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) فيه قولان سيأتي بيانهما .

سبب آخر لنزول هذه الآيات الكريمة .

قال الإمام أحمد : حدثنا إبراهيم بن العباس حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه ، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال : إن الله أنزل : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) و ( فأولئك هم الظالمون ) [ المائدة : 45 ] ( فأولئك هم الفاسقون ) [ المائدة : 47 ] قال : قال ابن عباس : أنزلها الله في الطائفتين من اليهود كانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية ، حتى ارتضوا أو اصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا ، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق ، فكانوا على ذلك حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، فذلت الطائفتان كلتاهما ، لمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويومئذ لم يظهر ، ولم يوطئهما عليه ، وهو في الصلح ، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا فأرسلت العزيزة إلى الذليلة : أن ابعثوا لنا بمائة وسق ، فقالت الذليلة : وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد ، ونسبهما واحد ، وبلدهما واحد : دية بعضهم نصف دية بعض .

إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا ، وفرقا منكم ، فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ذلك ، فكادت الحرب تهيج بينهما ، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم ، ثم ذكرت العزيزة فقالت : والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم ولقد صدقوا ، ما أعطونا هذا إلا ضيما منا وقهرا لهم ، فدسوا إلى محمد : من يخبر لكم رأيه ، إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه .

فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأمرهم كله ، وما أرادوا ، فأنزل الله تعالى : ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) إلى قوله : ( الفاسقون ) ففيهم - والله - أنزل ، وإياهم عنى الله عز وجل .

ورواه أبو داود من حديث ابن أبي الزناد عن أبيه ، بنحوه .

وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا هناد بن السري وأبو كريب قالا : حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن الآيات في " المائدة " ، قوله : ( فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) إلى ( المقسطين ) إنما أنزلت في الدية في بني النضير وبني قريظة وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف ، تؤدى الدية كاملة ، وأن قريظة كانوا يودون نصف الدية فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله ذلك فيهم ، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق في ذلك ، فجعل الدية في ذلك سواء - والله أعلم ؛ أي ذلك كان .

ورواه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن إسحاق .

ثم قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب حدثنا عبيد الله بن موسى عن علي بن صالح عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : كانت قريظة والنضير وكانت النضير أشرف من قريظة فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به ، وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة ودي مائة وسق تمر .

فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا : ادفعوه إلينا فقالوا : بيننا وبينكم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فنزلت : ( وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ) ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم في المستدرك ، من حديث عبيد الله بن موسى بنحوه .

وهكذا قال قتادة ومقاتل بن حيان وابن زيد وغير واحد .

وقد روى العوفي وعلي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس : أن هذه الآيات نزلت في اليهوديين اللذين زنيا ، كما تقدمت الأحاديث بذلك .

وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد ، فنزلت هذه الآيات في ذلك كله ، والله أعلم .

ولهذا قال بعد ذلك : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ) إلى آخرها ، وهذا يقوي أن سبب النزول قضية القصاص ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

وقوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال البراء بن عازب وحذيفة بن اليمان وابن عباس وأبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وعبيد الله بن عبد الله والحسن البصري وغيرهم : نزلت في أهل الكتاب - زاد الحسن البصري : وهي علينا واجبة .

وقال عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم قال : نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضي الله لهذه الأمة بها .

رواه ابن جرير .

وقال ابن جرير أيضا : حدثنا يعقوب حدثنا هشيم أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان عن سلمة بن كهيل عن علقمة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة فقال : من السحت : قال : فقالا وفي الحكم ؟

قال : ذاك الكفر !

ثم تلا ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) وقال السدي : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) يقول : ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدا ، أو جار وهو يعلم ، فهو من الكافرين [ به ] وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال : من جحد ما أنزل الله فقد كفر .

ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق .

رواه ابن جرير .

ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب .

وقال عبد الرزاق عن الثوري عن زكريا عن الشعبي : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله ) قال : للمسلمين .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن المثنى حدثنا عبد الصمد حدثنا شعبة عن ابن أبي السفر عن الشعبي : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال : هذا في المسلمين ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) قال : هذا في اليهود ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) قال : هذا في النصارى .

وكذا رواه هشيم والثوري عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي .

وقال عبد الرزاق أيضا : أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال : سئل ابن عباس عن قوله : ( ومن لم يحكم [ بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ] ) قال : هي به كفر - قال ابن طاوس : وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله .

وقال الثوري عن ابن جريج عن عطاء أنه قال : كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق .

رواه ابن جرير .

وقال وكيع عن سفيان عن سعيد المكي عن طاوس : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال : ليس بكفر ينقل عن الملة .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاوس عن ابن عباس في قوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال : ليس بالكفر الذي يذهبون إليه .

ورواه الحاكم في مستدركه ، عن حديث سفيان بن عيينة وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز ذكره : إِنَّا أَنْـزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنا أنـزلنا التوراة فيها بيانُ ما سألك هؤلاء اليهود عنه من حكم الزانيين المحصنين (43) =" ونور "، يقول: فيها جلاء ما أظلم عليهم، وضياءُ ما التبس من الحكم (44) =" يحكم بها النبيون الذين أسلموا "، يقول: يحكم بحكم التوراة في ذلك، أي: فيما احتكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيه من أمر الزانيين=" النبيون الذين أسلموا "، وهم الذين أذعنوا لحكم الله وأقرُّوا به.

(45) * * * وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك نبيّنا محمدا صلى الله عليه وسلم، في حكمه على الزانيين المحصنين من اليهود بالرجم، وفي تسويته بين دم قتلى النّضير وقريظة في القِصاص والدِّية، ومَنْ قبل محمد من الأنبياء يحكم بما فيها من حكم الله، كما:- 12006 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا "، يعني النبي صلى الله عليه وسلم.

12007 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لما أنـزلت هذه الآية: نحن نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان.

12008 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، قال، حدثنا رجل من مزينة ونحن عند سعيد بن المسيب، &; 10-339 &; عن أبي هريرة قال: زنى رجل من اليهود وامرأة، (46) فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنه نبي بُعِث بتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله وقلنا: " فُتْيَا نبي من أنبيائك "!!

قال: فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما تقول في رجل وامرأة منهم زنيا؟

فلم يكلمهم كلمة، حتى أتى بيت مِدْراسهم، (47) فقام على الباب فقال: أنشدُكم بالله الذي أنـزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟

قالوا: يحمّم ويجبَّه ويجلد=" والتجبيه "، أن يحمل الزانيان على حمار، تُقَابل أقفيتهما، ويطاف بهما= وسكت شابٌّ [منهم]، (48) فلما رآه سكت، ألظَّ به النِّشْدَةَ، (49) فقال: اللهم إذ نشدتَنا، فإنا نجد في التوراة الرجْمَ!

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فما أوّل ما ارْتَخَصْتم أمر الله؟

(50) قال: زنى رجل ذو قرابة من ملك من ملوكنا، فأخَّر عنه الرجم.

(51) ثم زنى رجل &; 10-340 &; في أسْرة من الناس، (52) فأراد رَجْمَه، فحال قومه دونه وقالوا: لا ترجمْ صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه!

فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: فإني أحكم بما في التوراة!

فأمر بهما فرجما= قال الزهري: فبلغنا أن هذه الآية نـزلت فيهم: " إنا أنزلنا التوراة فيها هدًى ونورٌ يحكم بها النبيون الذين أسلموا "، فكان النبيُّ منهم.

(53) 12009 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قوله: " يحكم بها النبيون الذين أسلموا "، النبي صلى الله عليه وسلم ومَنْ قبله من الأنبياء، يحكمون بما فيها من الحق.

12010 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن عوف، عن الحسن في قوله: " يحكم بها النبيون الذين أسلموا "، يعني النبي صلى الله عليه وسلم=" للذين هادوا "، يعني اليهود، (54) فاحكم بينهم ولا تخشهم.

* * * القول في تأويل قوله عز ذكره : وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويحكم بالتوراة وأحكامها التي أنـزل الله فيها في كل زمان -على ما أمر بالحكم به فيها- مع النبيين الذين أسلموا=" الربانيون والأحبار ".

* * * و " الربانيون " جمع " رَبَّانيّ"، وهم العُلماء الحكماء البُصراء بسياسة الناس، وتدبير أمورهم، والقيام بمصالحهم= و " الأحبار "، هم العلماء.

* * * وقد بينا معنى " الربانيين " فيما مضى بشواهده، وأقوالَ أهل التأويل فيه.

(55) * * * وأما " الأحبار "، فإنهم جمع " حَبْر "، وهو العالم المحكم للشيء، ومنه قيل لكعْب: " كعب الأحبار ".

وكان الفراء يقول: أكثر ما سمعت العرب تقول في واحد " الأحبار "،" حِبْر " بكسر " الحاء ".

(56) * * * وكان بعض أهل التأويل يقول: عُنِي بـ" الربانيين والأحبار " في هذا الموضع: ابنا صوريا اللذان أقرَّا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بحكم الله تعالى ذكره في التوراة على الزانيين المحصنين.

ذكر من قال ذلك: 12011 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كان رجلان من اليهود أخوان، يقال لهما ابنا صُوريا، وقد اتبعا النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يسلما، وأعطياه عهدًا أن لا يسألهما عن شيء في التوراة إلا أخبراه به.

وكان أحدُهما رِبِّيًّا، والآخر حَبْرًا.

وإنما اتَّبعا النبى صلى الله عليه وسلم يتعلمان منه.

فدعاهما، فسألهما، فأخبراه الأمر كيف كان حين زَنَى الشريف وزنى المسكين، وكيف غيَّروه، فأنـزل الله: إِنَّا أَنْـزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم=" والربانيون والأحبار "، هما ابنا صوريا، للذين هادوا.

ثم ذكر ابني صوريا فقال: " والربانيون والأحبار بما استُحْفِظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ".

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنّ التوراة يحكم بها مسلمو الأنبياء لليهود، والربانيون من خلقه والأحبار.

وقد يجوز أن يكون عُني بذلك ابنا صوريا وغيرهما، غير أنه قد دخل في ظاهر التتزيل مسلمو الأنبياء وكل رَبَّاني وحبر.

ولا دلالة في ظاهر التنـزيل على أنه معنيٌّ به خاص من الربانيين والأحبار، ولا قامت بذلك حجة يجب التسليم لها.

فكل رباني وحبر داخلٌ في الآية بظاهر التنـزيل.

* * * وبمثل الذي قلنا في تأويل " الأحبار "، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 12012 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة، عن الضحاك: " الربانيون " و " الأحبار "، قُرّاؤهم وفقهاؤهم.

12013 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص، عن أشعث، عن الحسن: " الربانيون والأحبار "، الفقهاء والعلماء.

12014 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " الربانيون "، العلماء الفقهاء، وهم فوق " الأحبار ".

(57) 12015 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " الربانيون "، فقهاء اليهود=" والأحبار "، علماؤهم.

12016 - حدثنا القاسم قال، حدثنا سنيد بن داود قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: " والربانيون والأحبار "، كلهم يحكم بما فيها من الحق.

12017 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد " الربانيون "، الولاة،=" والأحبار "، العلماء.

* * * وأما قوله: " بما استحفظوا من كتاب الله "، فإن معناه: يحكم النبيون الذين أسلموا بحكم التوراة، والربانيون والأحبار = يعني العلماء= بما استُودعوا علمه من كتاب الله الذي هو التوراة.

* * * و " الباء " في قوله: " بما استحفظوا "، من صلة " الأحبار ".

* * * وأما قوله: " وكانوا عليه شهداء "، فإنه يعني: أن الربانيين والأحبار بما استودعوا من كتاب الله، يحكمون بالتوراة مع النبيين الذين أسلموا للذين هادوا، وكانوا على حكم النبيين الذين أسلموا للذين هادوا شهداء أنهم قضوا عليهم بكتاب الله الذي أنـزله على نبيه موسى وقضائه عليهم، (58) كما:- 12018 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " وكانوا عليه شهداء "، يعني الربانيين والأحبار، هم الشهداء لمحمد صلى الله عليه وسلم بما قال، أنه حق جاء من عند الله، فهو نبي الله محمد، أتته اليهود.

فقضى بينهم بالحق.

* * * القول في تأويل قوله عز ذكره : فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لعلماء اليهود وأحبارهم: لا تخشوا الناس في تنفيذ حكمي الذي حكمت به على عبادي، وإمضائه عليهم على ما أمرت، فإنهم لا يقدرون لكم على ضر ولا نفع إلا بإذني، ولا تكتموا الرجمَ الذي جعلته حُكمًا في التوراة على الزانيين المحصنين، ولكن اخشوني دون كل أحدٍ من خلقي، فإن النفع والضر بيدي، وخافوا عقابي في كتمانكم ما استُحفِظتم من كتابي.

(59) كما:- 12019 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فلا تخشوا الناس واخشون "، يقول: لا تخشوا الناس فتكتموا ما أنـزلت.

* * * وأما قوله: " ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلا " يقول: ولا تأخذوا بترك الحكم بآيات كتابي الذي أنـزلته على موسى، أيها الأحبار، عوضًا خسِيسًا= وذلك هو " الثمن القليل ".

(60) وإنما أراد تعالى ذكره، نهيَهم عن أكل السحت على تحريفهم كتاب الله، وتغييرهم حكمه عما حكم به في الزانيين المحصنين، وغير ذلك من الأحكام التي بدَّلوها طلبًا منهم للرشَى، كما:- 12020 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلا "، قال: لا تأكلوا السحت على كتابي= وقال مرة أخرى، قال قال ابن زيد في قوله: " ولا تشتروا بآياتي ثمنًا " قال: لا تأخذوا به رشوة.

(61) 12021 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلا "، ولا تأخذوا طَمَعًا قليلا على أن تكتموا ما أنـزلت.

(62) * * * القول في تأويل قوله عز ذكره : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن كتم حُكم الله الذي أنـزله في كتابه وجعله حكمًا يين عباده، فأخفاه وحكم بغيره، كحكم اليهود في الزانيين المحصنين بالتجبيه والتحميم، وكتمانهم الرجم، (63) وكقضائهم في بعض قتلاهم بدية كاملة وفي بعض بنصف الدية، وفي الأشراف بالقِصاص، وفي الأدنياء بالدية، وقد سوَّى الله بين جميعهم في الحكم عليهم في التوراة=" فأولئك هم الكافرون "، يقول: &; 10-346 &; هؤلاء الذين لم يحكموا بما أنـزل الله في كتابه، ولكن بدَّلوا وغيروا حكمه، وكتموا الحقَّ الذي أنـزله في كتابه=" هم الكافرون "، يقول: هم الذين سَتَروا الحق الذي كان عليهم كشفه وتبيينُه، وغطَّوه عن الناس، وأظهروا لهم غيره، وقضوا به، لسحتٍ أخذوه منهم عليه.

(64) * * * وقد اختلف أهل التأويل في تأويل " الكفر " في هذا الموضع.

فقال بعضهم بنحو ما قلنا في ذلك، من أنه عنى به اليهود الذين حَرَّفوا كتاب الله وبدَّلوا حكمه.

ذكر من قال ذلك: 12022 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [سورة المائدة: 45]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [سورة المائدة: 47]، في الكافرين كلها.

(65) 12023 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا محمد بن القاسم قال، حدثنا أبو حيان، عن أبي صالح قال: الثلاث الآيات التي في" المائدة "،" ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "= فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ، ليس في أهل الإسلام منها شيءٌ، هي في الكفار.

(66) 12024 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي حيان، عن الضحاك: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، و الظَّالِمُونَ و الْفَاسِقُونَ ، قال: نـزلت هؤلاء الآيات في أهل الكتاب.

(67) 12025 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت عمران بن حدير قال، أتى أبا مجلز ناسٌ من بني عمرو بن سدوس، فقالوا: يا أبا مجلز، أرأيت قول الله: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، أحق هو؟

قال: نعم!

قالوا: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، أحق هو؟

قال: نعم!

قالوا: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ، أحق هو؟

قال: نعم!

قال فقالوا: يا أبا مجلز، فيحكم هؤلاء بما أنـزل الله؟

قال: هو دينهم الذي يدينون به، وبه يقولون، وإليه يدْعون، فإن هم تركوا شيئًا منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنبًا!

فقالوا: لا والله، ولكنك تَفْرَقُ!

(68) قال: أنتم أولى بهذا مني!

لا أرى، وإنكم أنتم ترون هذا ولا تحرَّجُون، ولكنها أنـزلت في اليهود والنصارى وأهل الشرك= أو نحوًا من هذا.

12026 - حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا حماد، عن عمران بن حدير قال: قعد إلى أبي مجلز نفرٌ من الإبَاضيَّة، قال فقالوا له: يقول الله: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ !

قال أبو مجلز: إنهم يعملون بما يعلمون = يعني الأمراء = ويعلمون أنه ذنب!

(69) قال: وإنما أنـزلت هذه الآية في اليهود!

والنصارى قالوا: &; 10-348 &; أما والله إنك لتعلم مثل ما نعلم، ولكنك تخشاهم!

قال: أنتم أحق بذلك منّا!

أمّا نحن فلا نعرف ما تعرفون!

[قالوا]: (70) ولكنكم تعرفونه، ولكن يمنعكم أن تمضوا أمركم من خشيتهم!

(71) 12027 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان= عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري، عن حذيفة في قوله: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، قال: نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كانت لكم كل حُلْوة، ولهم كل مُرَّة!!

ولتسلُكُنَّ طريقَهم قِدَى الشِّراك.

(72) 12028 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي حيان، عن الضحاك: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، و الظَّالِمُونَ و الْفَاسِقُونَ ، قال: نـزلت هؤلاء الآيات في أهل الكتاب.

12029 - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري قال: قيل لحذيفة: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، ثم ذكر نحو حديث ابن بشار، عن عبد الرحمن.

12030 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري قال: سأل رجل حذيفة عن هؤلاء الآيات: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ، قال فقيل: ذلك في بني إسرائيل؟

قال: نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كانت لهم كل مُرَّة، ولكم كل حلوة!

كلا والله، لتسلكن طريقَهم قِدَى الشراك.

(73) 12031 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن رجل، عن عكرمة قال: هؤلاء الآيات في أهل الكتاب.

12032 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، ذكر لنا أن هؤلاء الآيات أنـزلت في قتيل اليهود الذي كان منهم.

(74) 12033 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قوله: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، و الظَّالِمُونَ ، و الْفَاسِقُونَ ، لأهل الكتاب كلّهم، لما تركوا من كتاب الله.

12034 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب قال: مُرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم بيهوديّ محمَّم مجلود، فدعاهم فقال: هكذا تجدون حدَّ من زنى؟

قالوا: نعم!

فدعا رجلا من علمائهم فقال: أنشدك الله الذي أنـزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟

قال: لا ولولا أنك أنشَدتني بهذا لم أخبرك، نجد حدَّه في كتابنا الرجم، ولكنه كثُر في أشرافنا، فكُنا إذا أخذنا الشّريف تركناه، وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحدّ، فقلنا: تعالوا فلنجتمع جميعًا على التحميم والجلد مكانَ الرجْم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنّي أول من أحيَى أمرك إذْ أماتوه!

فأمر به فرجم، فأنـزل الله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إلى قوله: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، يعني اليهود: فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، يعني اليهود: فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ، للكفار كلها.

(75) 12035 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، قال: من حكم بكتابه الذي كتب بيده، وترك كتاب الله، وزعم أن كتابه هذا من عند الله، فقد كفر.

12036 - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحو حديث القاسم، عن الحسن= غير أن هنادًا قال في حديثه: فقلنا: تعالوا فلنجتمع في شيء نقيمه على الشريف والضعيف، فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم- وسائر الحديث نحو حديث القاسم.

(76) 12037 - حدثنا الربيع قال، حدثنا ابن وهب قال، حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه قال: كنا عند عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، فذكر رجل عنده: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ، فقال عبيد الله: أمَا والله إن كثيرًا من الناس يتأوَّلون هؤلاء الآيات على ما لم ينـزلنَ عليه، وما أُنـزلن إلا في حيين من يهود.

ثم قال: هم قريظة والنضير، وذلك أنّ إحدى الطائفتين كانت قد غزت الأخرى وقهرتها قبل قدوم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزةُ من الذليلة، فديته خمسون وَسْقًا، (77) وكل قتيل قتلته الذَّليلة من العزيزة، فدِيَته مئة وَسْق.

فأعطوهم فَرَقًا وضيمًا.

(78) فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وهم على ذلك، فذلَّت الطائفتان بمقدَم النبي صلى الله عليه وسلم، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يظهر عليهما.

فبيْنا هما على &; 10-353 &; ذلك، أصابت الذليلة من العزيزة قتيلا فقالت العزيزة: أعطونا مائة وسق!

فقالت الذليلة: وهل كان هذا قط في حَيَّين دينهما واحد، وبلدهما واحد، ديةُ بعضهم ضعفُ دية بعض!

إنما أعطيناكم هذا فَرَقًا منكم وضيمًا، فاجعلوا بيننا وبينكم محمدًا صلى الله عليه وسلم.

فتراضيا على أن يجعلوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم بينهم.

ثم إن العزيزة تذاكرت بينها، (79) فخشيت أن لا يعطيها النبيُّ صلى الله عليه وسلم من أصحابها ضعف ما تعطِي أصحابها منها، فدسُّوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم إخوانهم من المنافقين، فقالوا لهم: اخبرُوا لنا رأيَ محمد صلى الله عليه وسلم، فإن أعطانا ما نريد حكَّمناه، وإن لم يعطنا حذرناه ولم نحكمه!

فذهب المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأعلم الله تعالى ذكره النبيَّ صلى الله عليه وسلم ما أرادوا من ذلك الأمر كله= قال عبيد الله: فأنـزل الله تعالى ذكره فيهم: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ، هؤلاء الآيات كلهن، حتى بلغ: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فِيهِ إلى الْفَاسِقُونَ = قرأ عبيد الله ذلك آيةً آيةً، وفسَّرها على ما أُنـزل، حتى فرَغ [من] تفسير ذلك لهم في الآيات.

(80) ثم قال: إنما عنى بذلك يهود، وفيهم أنـزلت هذه الصفة.

* * * وقال بعضهم: عنى بـ" الكافرين "، أهل الإسلام، وب " الظالمين " اليهود، وب " الفاسقين " النصارى.

ذكر من قال ذلك: 12038 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن زكريا، عن عامر قال: نـزلت " الكافرون " في المسلمين، و الظَّالِمُونَ في اليهود، و الْفَاسِقُونَ في النصارى.

12039 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن ابن أبي السفر، عن الشعبي، قال: " الكافرون "، في المسلمين، و الظَّالِمُونَ في اليهود، و الْفَاسِقُونَ ، في النصارى.

12040 - حدثنا ابن وكيع وأبو السائب وواصل بن عبد الأعلى قالوا، حدثنا ابن فضيل، عن ابن شبرمة، عن الشعبي قال: آيةٌ فينا، وآيتان في أهل الكتاب: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، فينا، وفيهم: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، و الْفَاسِقُونَ في أهل الكتاب.

12041 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر، مثل حديث زكريَّا عنه.

(81) 12042 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا شعبة، عن ابن أبي السفر، عن الشعبي: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، قال: هذا في المسلمين وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ، قال: النصارى.

12043 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي قال، في هؤلاء الآيات التي في" المائدة ": " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، قال: فينا أهلَ الإسلام= وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، قال: في اليهود= وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ، قال: في النصارى.

12044 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي في قوله: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، قال: نـزلت الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى.

12045 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن زكريا، عن الشعبي، بنحوه.

12046 - حدثنا هناد قال، حدثنا يعلى، عن زكريا، عن عامر، بنحوه.

* * * وقال آخرون: بل عنى بذلك: كفرٌ دون كفر، وظلمٍ دون ظلم، وفسقٌ دون فسق.

ذكر من قال ذلك: 12047 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قوله: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ، قال: كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم.

12048 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عطاء، مثله.

12049 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد، عن أيوب بن أبي تميمة، عن عطاء بن أبي رباح، بنحوه.

12050 - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، بنحوه.

12051 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، بنحوه.

12052 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن سفيان، عن سعيد المكي، عن طاوس: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، قال: ليس بكفرٍ ينقل عن الملّة.

12053 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن سفيان، عن معمر بن راشد، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون " ، قال: هي به كفر، وليس كفرًا بالله وملائكته وكتبه ورسله.

(82) 12054 - حدثني الحسن قال، حدثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: قال رجل لابن عباس في هذه الآيات: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله "، فمن فعل هذا فقد كفر؟

قال ابن عباس: إذا فعل ذلك فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر، وبكذا وكذا.

12055 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، قال هي به كفر= قال: ابن طاوس: وليس كمن كفر بالله وملائكته وكُتُبه ورسله.

12056 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن رجل، عن طاوس: " فأولئك هم الكافرون "، قال: كفر لا ينقل عن الملة= قال وقال عطاء: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.

* * * وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآيات في أهل الكتاب، وهى مرادٌ بها جميعُ الناس، مسلموهم وكفارهم.

ذكر من قال ذلك: 12057 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم قال: نـزلت هذه الآيات في بني إسرائيل، ورَضي لهذه الأمّة بها.

12058 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، قال: نـزلت في بني إسرائيل، ورضى لكم بها.

12059 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في هذه الآية: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، قال: نـزلت في بني إسرائيل، ثم رضى بها لهؤلاء.

12060 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن عوف، عن الحسن في قوله: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، قال: نـزلت في اليهود، وهي علينا واجبةٌ.

12061 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سلمة بن كهيل، عن علقمة ومسروق: أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة، فقال: من السحت.

قال فقالا أفي الحكم؟

قال: ذاك الكُفْر!

ثم تلا هذه الآية: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون ".

12062 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله "، يقول: ومن لم يحكم بما أنـزلتُ، فتركه عمدًا وجار وهو يعلم، فهو من الكافرين.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: ومن لم يحكم بما أنـزل الله جاحدًا به.

فأما " الظلم " و " الفسق "، فهو للمقرِّ به.

ذكر من قال ذلك: 12063 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، قال: من جحد ما أنـزل الله فقد كفر.

ومن أقرّ به ولم يحكم، فهو ظالم فاسقٌ.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: نـزلت هذه الآيات في كفّار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نـزلت، وهم المعنيُّون بها.

وهذه الآيات سياقُ الخبر عنهم، فكونُها خبرًا عنهم أولى.

* * * فإن قال قائل: فإن الله تعالى ذكره قد عمَّ بالخبر بذلك عن جميع منْ لم يحكم بما أنـزل الله، فكيف جعلته خاصًّا؟

قيل: إن الله تعالى عَمَّ بالخبر بذلك عن قومٍ كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكمَ، على سبيل ما تركوه، كافرون.

وكذلك القولُ في كل من لم يحكم بما أنـزل الله جاحدًا به، هو بالله كافر، كما قال ابن عباس، لأنه بجحوده حكم الله بعدَ علمه أنه أنـزله في كتابه، نظير جحوده نبوّة نبيّه بعد علمه أنه نبيٌّ.

---------------- الهوامش : (43) انظر تفسير" الهدى" فيما سلف من فهارس اللغة.

(44) انظر تفسير"نور" فيما سلف 5: 424/9: 428/10: 145 (45) انظر تفسير" الإسلام" فيما سلف من فهارس اللغة.

(46) في المطبوعة: "بامرأة" ، وأثبت ما كان هنا في المخطوطة ، وهو مطابق لما في تفسير عبد الرزاق.

انظر التخريج.

(47) في المطبوعة"بيت المدراس" ، وفي المخطوطة: "بيت مدراس" ، وفوق"مدراس" حرف"ط" ، دلالة على الخطأ ، وما أثبته هو الصواب ، من تفسير عبد الرزاق.

وقد مضى تفسير"بيت المدراس" فيما سلف ص: 303 ، تعليق: 1.

(48) ما بين القوسين زيادة من تفسير عبد الرزاق.

(49) "ألظ به" ، ألح عليه ، وقد مضى تفسيرها في ص: 304 : تعليق: 2.

و"النشدة": الاستحلاف بالله.

يقال: "نشدتك الله نشدة ونشدة" (بفتح النون وكسرها) و"نشدانًا" (بكسر النون): استحلفتك بالله.

وفيما نقله أخي السيد أحمد من تفسير عبد الرزاق (المخطوط): "النشيد"؛ وقال أخي: "في أبي داود: النشدة" ، وفي رواية أبي جعفر عن عبد الرزاق ، اختلاف آخر عنه.

و"النشيد": رفع الصوت ، هكذا قالوا.

وعندي أنه مصدر"نشدتك الله" ، يزاد على مصادره.

(50) في المطبوعة: "ما ارتخص أمر الله" ، وفي المخطوطة: ما يحصص" [محذوفة النقط]، وهو خطأ لاشك فيه ، وأثبت ما في تفسير عبد الرزاق.

(51) قوله: "فأخر عنه الرجم"؛ أي: أسقط عنه الحد ، كأنه أبعده عنه وصرفه أن يلحقه.

وفي الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر: "أخر عني يا عمر" ، قالوا في معناه: "معناه: أخر عني رأيك أو نفسك ، فاختصر إيجازا وبلاغة".

فقصروا في شرحه ، وإنما أراد معنى صرفه وإبعاده.

وهو في هذا الخبر بالمعنى الذي فسرته.

وهو مما يزاد على كتب اللغة ، أو على بيانها على الأصح.

(52) في المطبوعة: "في أسرة من الناس" ، وهي بمثل ذلك في مخطوطة تفسير عبد الرزاق ، ثم هي كذلك في سنن أبي داود وغيره.

وفسروها فقالوا"الأسرة: عشيرة الرجل وأهل بيته ، لأنه يتقوى بهم".

بيد أني أثبت ما هو واضح في المخطوطة: "في أسوة" بالواو ، والواو هناك واضحة جدا ، كبيرة الرأس ، وما أظن الناسخ وضعها كذلك من عند نفسه ، بل أرجح أنه وجد"الواو" ظاهرة في نسخة التفسير العتيقة التي نقل عنها ، فأثبتها واضحة لذلك.

فلو صح ما في المخطوطة ، فهو عندي أرجح من رواية"في أسرة".

وبيانها أنهم يقولون: "القوم أسوة في هذا الأمر" ، أي: حالهم فيه واحدة.

فأراد بقوله: "في أسوة من الناس" ، أي: حاله حال سائر الناس ، ليس من أشرافهم ، أو من أهل بيت المملكة منهم ، فهو يعامل كما يعامل سائر العامة.

وقد جاء في أخبار رجم اليهوديين: "كنا إذا أخذنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد" (انظر ما سلف رقم: 11922).

فهو يعني بقوله: "في أسوة من الناس" ، أنه من ضعفائهم وعامتهم.

وهذا أرجح عندي من"في أسرة من الناس" ، فإنه يوشك أن يكون"في أسرة من الناس" ، مما يوحي بأن له عشيرة يحمونه ويدفعون عنه ويتقوى بهم ، وهو خلاف ما يدل عليه سياق هذا الخبر.

ولولا أني لا أجد في يدي البرهان القاطع ، لقلت إن الذي في المخطوطة هو الصواب.

وذلك أني أذكر أني قرأت مثل هذا التعبير في غير هذا الموضع ، وجهدت أن أجده ، فلم أظفر بطائل.

فإذا وجدته في مكان آخر أثبته إن شاء الله ، وكان حجة في المعنى الذي فسرته ، وفوق كل ذي علم عليم.

(53) الأثر: 12008- انظر تخريج هذا الخبر فيما سلف في التعليق على الأثرين ، رقم: 11923 ، 11924.

وقد نقله أخي السيد أحمد في مسند أحمد في التعليق على الخبر رقم: 7747 ، من مخطوطة تفسير عبد الرزاق ، ولم يشر إلى موضعه هنا من تفسير الطبري.

وقد بينت الاختلاف بين الروايتين فيما سلف من التعليقات.

(54) انظر تفسير"هاد" فيما سلف ص: 309 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(55) انظر تفسير"الربانيون" فيما سلف 6: 540 ، 544 ، وفيه بيان لا يستغني عن معرفته بصير باللغة.

(56) انظر تفسير"الأحبار" فيما سلف 6: 541 ، 542 (الأثر: 7312) ، ثم ص: 544.

(57) الأثر: 12014- انظر قوله مجاهد بإسناد آخر رقم: 7312.

(58) انظر تفسير"الشهداء" فيما سلف من فهارس اللغة (شهد).

(59) انظر تفسير"الخشية" فيما سلف 9: 517 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(60) انظر تفسير"الاشتراء" فيما سلف 8: 542 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك= وتفسير"الثمن القليل" فيما سلف 7: 500 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(61) في المخطوطة: "في قوله: لا تشتر ثمنًا ، قال: لا تأخذ به رشوة" ، وتركت ما في المطبوعة على حاله.

(62) في المطبوعة: "طعمًا قليلا" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الموافق لما في الآثار السالفة.

انظر ما سلف الآثار رقم: 821 ، 2498 ، 8333.

(63) "التجبيه" ، و"التحميم" ، مضى تفسيره في الآثار والتعليقات السالفة.

(64) انظر تفسير"الكافر" فيما سلف من فهارس اللغة (كفر).

(65) الأثر: 12022- مضى تخريج هذا الأثر ، مطولا فيما سلف رقم: 11922 ، وتتمته برقم: 11939 ، ورواه أبو جعفر هناك مختصرًا ، وهذا تمامه هنا.

(66) الأثر: 12023-"أبو حيان" هو: "يحيى بن سعيد بن حيان التيمي" ، سلف برقم: 5382 ، 5383 ، 6318 ، 8155.

وكان في المخطوطة هنا: "أبو حباب" ، وفي الأثر التالي ، أيضا وكأن الراجح هو ما أثبت في المطبوعة.

وانظر التعليق على الأثر التالي.

(67) الأثر: 12024-"أبو حبان" ، "يحيى بن سعيد بن حيان التيمي" ، انظر التعليق على الأثر السالف ، و"أبو حيان التيمي" ، يروي عن الضحاك.

وكان في المطبوعة هنا أيضا"أبي حباب".

وانظر التعليق على الأثر السالف.

(68) في المطبوعة: "ولكنك تعرف" ، وهو خطأ صرف ، صوابه في المخطوطة."فرق يفرق فرقًا": فرغ وجزع.

(69) في المطبوعة: "إنهم يعملون ما يعملون" ، وفي المخطوطة: "إنه يعملون بما يعملون" ، وصواب القراءة ما أثبت.

(70) ظاهر السياق يقتضي زيادة ما زدت بين القوسين ، فهو منهم تقريع لأبي مجلز وسائر من يقول بقوله ، ويخالف الإباضية.

(71) الأثران: 12025 ، 12026- اللهم إني أبرأ إليك من الضلالة.

وبعد ، فإن أهل الريب والفتن ممن تصدروا للكلام في زماننا هذا ، قد تلمس المعذرة لأهل السلطان في ترك الحكم بما أنزل الله ، وفي القضاء في الدماء والأعراض والأموال بغير شريعة الله التي أنزلها في كتابه ، وفي اتخاذهم قانون أهل الكفر شريعة في بلاد الإسلام.

فلما وقف على هذين الخبرين ، اتخذهما رأيًا يرى به صواب القضاء في الأموال والأعراض والدماء بغير ما أنزل الله ، وأن مخالفة شريعة الله في القضاء العام لا تكفر الراضي بها ، والعامل عليها.

والناظر في هذين الخبرين لا محيص له عن معرفة السائل والمسئول ، فأبو مجلز (لاحق بن حميد الشيباني السدوسي) تابعي ثقة ، وكان يحب عليا رضي الله عنه.

وكان قوم أبي مجلز ، وهم بنو شيبان ، من شيعة علي يوم الجمل وصفين.

فلما كان أمر الحكمين يوم صفين ، واعتزلت الخوارج ، كان فيمن خرج على علي رضي الله عنه ، طائفة من بني شيبان ، ومن بني سدوس بن شيبان بن ذهل.

وهؤلاء الذين سألوا أبا مجلز ، ناس من بني عمرو بن سدوس (كما في الأثر: 12025) ، وهم نفر من الإباضية (كما في الأثر: 12026) ، والإباضية من جماعة الخوارج الحرورية ، هم أصحاب عبد الله بن إباض التيمي (انظر هذا التفسير 7: 152-153 ، تعليق: 1) ، وهم يقولون بمقالة سائر الخوارج في التحكيم ، وفي تكفير علي رضي الله عنه إذ حكم الحكمين ، وأن عليًا لم يحكم بما أنزل الله ، في أمر التحكيم.

ثم إن عبد الله بن إباض قال" إن من خالف الخوارج كافر ليس بمشرك ، فخالف أصحابه ، وأقام الخوارج على أن أحكام المشركين تجري على من خالفهم.

ثم افترقت الإباضية بعد عبد الله بن إباض الإمام افتراقًا لا ندري معه -في أمر هذين الخبرين- من أي الفرق كان هؤلاء السائلون ، بيد أن الإباضية كلها تقول: إن دور مخالفيهم دور توحيد ، إلا معسكر السلطان فإنه دار كفر عندهم.

ثم قالوا أيضًا: إن جميع ما افترض الله سبحانه على خلقه إيمان ، وأن كل كبيرة فهي كفر نعمة ، لا كفر شرك ، وأن مرتكبي الكبائر في النار خالدون مخلدون فيها.

ومن البين أن الذين سألوا أبا مجلز من الإباضية ، إنما كانوا يريدون أن يلزموه الحجة في تكفير الأمراء ، لأنهم في معسكر السلطان ، ولأنهم ربما عصوا أو ارتكبوا بعض ما نهاهم الله عن ارتكابه.

ولذلك قال لهم في الخبر الأول (رقم: 12025): "فإن هم تركوا شيئًا منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنبًا" ، وقال لهم في الخبر الثاني"إنهم يعملون بما يعملون ويعلمون أنه ذنب".

وإذن ، فلم يكن سؤالهم عما احتج به مبتدعة زماننا ، من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام ، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام ، بالاحتكام إلى حكم غير حكم الله في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم.

فهذا الفعل إعراض عن حكم الله ، ورغبة عن دينه ، وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى ، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي إليه.

والذي نحن فيه اليوم ، هو هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء ، وإيثار أحكام غير حكمه في كتابه وسنة نبيه ، وتعطيل لكل ما في شريعة الله ، بل بلغ الأمر مبلغ الاحتجاج على تفضيل أحكام القانون الموضوع ، على أحكام الله المنزلة ، وادعاء المحتجين لذلك بأن أحكام الشريعة إنما نزلت لزمان غير زماننا ، ولعلل وأسباب انقضت ، فسقطت الأحكام كلها بانقضائها.

فأين هذا مما بيناه من حديث أبي مجلز ، والنفر من الإباضية من بني عمرو بن سدوس!!

ولو كان الأمر على ما ظنوا في خبر أبي مجلز ، أنهم أرادوا مخالفة السلطان في حكم من أحكام الشريعة.

فإنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أن سن حاكم حكما وجعله شريعة ملزمة للقضاء بها.

هذه واحدة.

وأخرى ، أن الحاكم الذي حكم في قضية بعينها بغير حكم الله فيها ، فإنه إما أن يكون حكم بها وهو جاهل ، فهذا أمره أمر الجاهل بالشريعة.

وإما أن يكون حكم بها هوى ومعصية ، فهذا ذنب تناوله التوبة ، وتلحقه المغفرة.

وإما أن يكون حكم به متأولا حكمًا خالف به سائر العلماء ، فهذا حكمه حكم كل متأول يستمد تأويله من الإقرار بنص الكتاب ، وسنة رسول الله.

وأما أن يكون كان في زمن أبي مجلز أو قبله أو بعده حاكم حكم بقضاء في أمر ، جاحدًا لحكم من أحكام الشريعة ، أو مؤثرًا لأحكام أهل الكفر على أحكام أهل الإسلام ، فذلك لم يكن قط.

فلا يمكن صرف كلام أبي مجلز والإباضيين إليه.

فمن احتج بهذين الأثرين وغيرهما في غير بابها ، وصرفها إلى غير معناها ، رغبة في نصرة سلطان ، أو احتيالا على تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله وفرض على عباده ، فحكمه في الشريعة حكم الجاحد لحكم من أحكام الله: أن يستتاب ، فإن أصر وكابر وجحد حكم الله ، ورضى بتبديل الأحكام= فحكم الكافر المصر على كفره معروف لأهل هذا الدين.

واقرأ كلمة أبي جعفر بعد ص: 358 ، من أول قوله: "فإن قال قائل".

ففيه قول فصل.

وتفصيل القول في خطأ المستدلين بمثل هذين الخبرين ، وما جاء من الآثار هنا في تفسير هذه الآية ، يحتاج إلى إفاضة ، اجتزأت فيها بما كتبت الآن ، وكتبه محمود محمد شاكر.

(72) الأثر: 12027-"حبيب بن أبي ثابت الأسدي" ، ثقة صدوق.

مضى برقم: 9012 ، 9035 ، 10423.

و"أبو البختري" ، هو"سعيد بن فيروز الطائي" ، تابعي ثقة ، يرسل الحديث عن عمر وحذيفة وسلمان وابن مسعود.

قال ابن سعد في الطبقات 6: 204 : "وكان أبو البختري كثير الحديث ، يرسل حديثه ، ويروي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يسمع من كبير أحد.

فما كان من حديثه سماعًا فهو حسن ، وما كان"عن" ، فهو ضعيف".

ومضى برقم: 175 ، 1497 ، فهو حديث منقطع ، لأن أبا البختري لم يسمع من حذيفة.

وقوله: "قدى" (بكسر القاف وفتح الدال).

يقال: "هو مني قيد رمح" (بكسر القاف) و"قاد رمح" و"قدى رمح" بمعنى ، واحد: أي: قدر رمح ، قال هدبة بن الخشرم: وَإِنِّـي إِذَا مَـا المَـوْتُ لَـمْ يَـكُ دُونَهُ قِـدَى الشِّـبْرِ، أَحْمِي الأنْفَ أَنْ أَتَأَخَّرَا و"الشراك": سير النعل ، ويضرب به المثل في الصغر والقصر.

يريده تشبونهم: لا يكاد أمركم يختلف إلا قدر كذا وكذا.

وكان في المطبوعة هنا: "قدر الشراك" ، وأثبت ما في المخطوطة ، في هذا الأثر ، وفي رقم: 12030.

وخبر حذيفة ، رواه الحاكم في المستدرك 2: 312 ، 313 ، من طريق جرير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام ، قال: "كنا عند حذيفة ، فذكروا: "ومن لم يحكم لما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" ، فقال رجل من القوم: إن هذه في بني إسرائيل!

فقال حذيفة: نعم الإخوة بنو إسرائيل ، إن كان لكم الحلو ، ولهم المر!

كلا ، والذي نفسي بيده ، حتى تحذوا السنة بالسنة حذو القذة بالقذة".

وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي."السنة": الطريقة المتبعة.

و"القذة": ريش السهم ، يقدر الريش بعضه على بعض ليخرج متساويا.

(73) الأثران: 12029 ، 12030- طريقان أخريان للأثر السالف رقم: 12027 ، وكان في الأثر الأخير هنا في المطبوعة: "قدر الشراك" ، وأثبت ما في المخطوطة.

انظر التعليق السالف.

(74) في المطبوعة: "في قيل اليهود" ، وفي المخطوطة: "في قبيل اليهود" ، والصواب ما أثبت.

وقد مضى خبر هذا القتيل مرارًا ، وسيأتي قريبًا برقم: 12037.

(75) الأثر: 12034- مضى تخريج هذا الأثر برقم: 11922 ، من طرق أخرى وسيأتي برقم: 12036.

(76) الأثر: 12034- مضى تخريجه برقم: 11922 ، ورقم: 12034.

(77) "الوثق" (بفتح الواو كسرها): حمل بعير ، أو ستون صاعًا ، وهو مكيال لهم.

(78) "الفرق" (بفتحتين) الفزع ، والجزع.

و"الضيم": الظلم.

يقول: فقبلوا ذلك خوفًا من بطشهم وجزعًا ، ورضى بالظلم منهم.

(79) في المخطوطة: *"نكرت" غير منقوطة ، والذي في المطبوعة موافق للمعنى ، ولم أعرف لقراءة ما في المخطوطة وجهًا إلا"فكرت بينها" ، وهي سقيمة.

(80) الذي بين القوسين ، زيادة لا بد منها فيما أرى.

(81) يعني رقم: 12038.

(82) الأثر: 12053- خبر طاوس عن ابن عباس ، رواه الحاكم في المستدرك (2: 313) من طريق سفيان بن عيينة ، عن هشام بن ججير ، عن طاوس ، عن ابن عباس: "إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه ، إنه ليس كفرًا ينقل عنه الملة ="ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" ، كفر دون الكفر" ، هذا لفظه ، ثم قال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ، وقال الذهبي: "صحيح".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئلاك هم الكافرونقوله تعالى : أنزلنا التوراة فيها هدى ونور أي : بيان وضياء وتعريف أن محمدا صلى الله عليه وسلم [ ص: 135 ] حق .

هدى في موضع رفع بالابتداء ونور عطف عليه يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا قيل : المراد بالنبيين محمد صلى الله عليه وسلم ، وعبر عنه بلفظ الجمع ، وقيل : كل من بعث من بعد موسى بإقامة التوراة ، وأن اليهود قالت : إن الأنبياء كانوا يهودا .

وقالت النصارى : كانوا نصارى ; فبين الله عز وجل كذبهم .

ومعنى أسلموا صدقوا بالتوراة من لدن موسى إلى زمان عيسى عليهما السلام وبينهما ألف نبي ; ويقال : أربعة آلاف ، ويقال : أكثر من ذلك ، كانوا يحكمون بما في التوراة ، وقيل : معنى أسلموا خضعوا وانقادوا لأمر الله فيما بعثوا به ، وقيل : أي : يحكم بها النبيون الذين هم على دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم والمعنى واحد .

ومعنى ( للذين هادوا ) على الذين هادوا فاللام بمعنى " على " ، وقيل : المعنى يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا وعليهم ، فحذف " عليهم " .

الذين أسلموا هاهنا نعت فيه المدح مثل بسم الله الرحمن الرحيم .

هادوا أي : تابوا من الكفر ، وقيل : فيه تقديم وتأخير ; أي : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون والربانيون والأحبار ; أي : ويحكم بها الربانيون وهم الذين يسوسون الناس بالعلم ويربونهم بصغاره قبل كباره ; عن ابن عباس وغيره ، وقد تقدم في آل عمران ، وقال أبو رزين : الربانيون العلماء الحكماء والأحبار .

قال ابن عباس : هم الفقهاء : والحبر والحبر الرجل العالم وهو مأخوذ من التحبير وهو التحسين ، فهم يحبرون العلم أي : يبينونه ويزينونه ، وهو محبر في صدورهم .

قال مجاهد : الربانيون فوق العلماء ، والألف واللام للمبالغة .

قال الجوهري : والحبر والحبر واحد أحبار اليهود ، وبالكسر أفصح : لأنه يجمع على أفعال دون الفعول ; قال الفراء : هو حبر بالكسر يقال ذلك للعالم ، وقال الثوري : سألت الفراء لم سمي الحبر حبرا ؟

فقال : يقال للعالم حبر وحبر فالمعنى مداد حبر ثم حذف كما قال : واسأل القرية أي : أهل القرية .

قال : فسألت الأصمعي فقال : ليس هذا بشيء ; إنما سمي حبرا لتأثيره ، يقال : على أسنانه حبر أي : صفرة أو سواد ، وقال أبو العباس : سمي الحبر الذي يكتب به حبرا لأنه يحبر به أي : يحقق به ، وقال أبو عبيد : والذي عندي في واحد الأحبار الحبر بالفتح ومعناه العالم بتحبير الكلام والعلم وتحسينه .

قال : وهكذا يرويه المحدثون كلهم بالفتح ، والحبر الذي يكتب به وموضعه المحبرة بالكسر .

والحبر أيضا الأثر والجمع حبور .

عن يعقوب .

بما استحفظوا من كتاب الله أي استودعوا من علمه ، والباء متعلقة ب " الربانيين والأحبار " كأنه قال : والعلماء بما استحفظوا .

أو تكون متعلقة ب ( يحكم ) أي : يحكمون بما استحفظوا .

وكانوا عليه شهداء أي : على الكتاب أنه من عند [ ص: 136 ] الله .

ابن عباس : شهداء على حكم النبي صلى الله عليه وسلم أنه في التوراة .

فلا تخشوا الناس أي : في إظهار صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، وإظهار الرجم .

واخشون أي : في كتمان ذلك ; فالخطاب لعلماء اليهود ، وقد يدخل بالمعنى كل من كتم حقا وجب عليه ولم يظهره ، وتقدم معنى ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا مستوفى .قوله تعالى : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون نزلت كلها في الكفار ; ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء ، وقد تقدم ، وعلى هذا المعظم .

فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة .

وقيل : فيه إضمار ; أي : ومن لم يحكم بما أنزل الله ردا للقرآن ، وجحدا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام فهو كافر ; قاله ابن عباس ومجاهد ، فالآية عامة على هذا .

قال ابن مسعود والحسن : هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي : معتقدا ذلك ومستحلا له ; فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساق المسلمين ، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له ، وقال ابن عباس في رواية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفار ، وقيل : أي : ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ; فأما من حكم بالتوحيد ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية ، والصحيح الأول ، إلا أن الشعبي قال : هي في اليهود خاصة ، واختاره النحاس ; قال : ويدل على ذلك ثلاثة أشياء ; منها أن اليهود قد ذكروا قبل هذا في قوله : للذين هادوا ; فعاد الضمير عليهم ، ومنها أن سياق الكلام يدل على ذلك ; ألا ترى أن بعده وكتبنا عليهم فهذا الضمير لليهود بإجماع ; وأيضا فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص .

فإن قال قائل : " من " إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلا أن يقع دليل على تخصيصها ؟

قيل له : " من " هنا بمعنى الذي مع ما ذكرناه من الأدلة ; والتقدير : واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ; فهذا من أحسن ما قيل في هذا ; ويروى أن حذيفة سئل عن هذه الآيات أهي في بني إسرائيل ؟

قال : نعم هي فيهم ، ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل ، وقيل : الكافرون للمسلمين ، والظالمون لليهود ، والفاسقون للنصارى ; وهذا اختيار أبي بكر بن العربي ، قال : لأنه ظاهر الآيات ، وهو اختيار ابن عباس وجابر بن زيد وابن أبي زائدة وابن شبرمة والشعبي أيضا .

قال طاوس وغيره : ليس بكفر ينقل عن الملة ، ولكنه كفر دون كفر ، وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله ، فهو تبديل له يوجب الكفر ; وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على [ ص: 137 ] أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين .

قال القشيري : ومذهب الخوارج أن من ارتشى وحكم بغير حكم الله فهو كافر ، وعزي هذا إلى الحسن والسدي ، وقال الحسن أيضا : أخذ الله عز وجل على الحكام ثلاثة أشياء : ألا يتبعوا الهوى ، وألا يخشوا الناس ويخشوه ، وألا يشتروا بآياته ثمنا قليلا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ } على موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام.

{ فِيهَا هُدًى } يهدي إلى الإيمان والحق، ويعصم من الضلالة { وَنُورٌ } يستضاء به في ظلم الجهل والحيرة والشكوك، والشبهات والشهوات، كما قال تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ } { يَحْكُمُ بِهَا } بيـن الذيـن هـادوا، أي: اليـهود فـي القضايـا والفتـاوى { النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا } لله وانقادوا لأوامره، الذين إسلامهم أعظم من إسلام غيرهم، وهم صفوة الله من العباد.

فإذا كان هؤلاء النبيون الكرام والسادة للأنام قد اقتدوا بها وائتموا ومشوا خلفها، فما الذي منع هؤلاء الأراذل من اليهود من الاقتداء بها؟

وما الذي أوجب لهم أن ينبذوا أشرف ما فيها من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، الذي لا يقبل عمل ظاهر وباطن، إلا بتلك العقيدة؟

هل لهم إمام في ذلك؟

نعم لهم أئمة دأبهم التحريف، وإقامة رياستهم ومناصبهم بين الناس، والتأكل بكتمان الحق، وإظهار الباطل، أولئك أئمة الضلال الذين يدعون إلى النار.

وقوله: { وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ } أي: وكذلك يحكم بالتوراة للذين هادواأئمة الدين من الربانيين، أي: العلماء العاملين المعلمين الذين يربون الناس بأحسن تربية، ويسلكون معهم مسلك الأنبياء المشفقين.

والأحبار أي: العلماء الكبار الذين يقتدى بأقوالهم، وترمق آثارهم، ولهم لسان الصدق بين أممهم.

وذلك الحكم الصادر منهم الموافق للحق { بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ } أي: بسبب أن الله استحفظهم على كتابه، وجعلهم أمناء عليه، وهو أمانة عندهم، أوجب عليهم حفظه من الزيادة والنقصان والكتمان، وتعليمه لمن لا يعلمه.

وهم شهداء عليه، بحيث أنهم المرجوع إليهم فيه، وفيما اشتبه على الناس منه، فالله تعالى قد حمل أهل العلم، ما لم يحمله الجهال، فيجب عليهم القيام بأعباء ما حملوا.

وأن لا يقتدوا بالجهال، بالإخلاد إلى البطالة والكسل، وأن لا يقتصروا على مجرد العبادات القاصرة، من أنواع الذكر، والصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، ونحو ذلك من الأمور، التي إذا قام بها غير أهل العلم سلموا ونجوا.

وأما أهل العلم فكما أنهم مطالبون بالقيام بما عليهم أنفسهم، فإنهم مطالبون أن يعلموا الناس وينبهوهم على ما يحتاجون إليه من أمور دينهم، خصوصا الأمور الأصولية والتي يكثر وقوعها وأن لا يخشوا الناس بل يخشون ربهم، ولهذا قال: { فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا } فتكتمون الحق، وتظهرون الباطل، لأجل متاع الدنيا القليل، وهذه الآفات إذا سلم منها العالم فهو من توفيقه وسعادته، بأن يكون همه الاجتهاد في العلم والتعليم، ويعلم أن الله قد استحفظه ما أودعه من العلم واستشهده عليه، وأن يكون خائفا من ربه، ولا يمنعه خوف الناس وخشيتهم من القيام بما هو لازم له، وأن لا يؤثر الدنيا على الدين.

كما أن علامة شقاوة العالم أن يكون مخلدا للبطالة، غير قائم بما أمر به، ولا مبال بما استحفظ عليه، قد أهمله وأضاعه، قد باع الدين بالدنيا، قد ارتشى في أحكامه، وأخذ المال على فتاويه، ولم يعلم عباد الله إلا بأجرة وجعالة.

فهذا قد من الله عليه بمنة عظيمة، كفرها ودفع حظا جسيما، محروما منه غيره، فنسألك اللهم علما نافعا، وعملا متقبلا، وأن ترزقنا العفو والعافية من كل بلاء يا كريم.

{ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } من الحق المبين، وحكم بالباطل الذي يعلمه، لغرض من أغراضه الفاسدة { فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، وقد يكون كفرا ينقل عن الملة، وذلك إذا اعتقد حله وجوازه.

وقد يكون كبيرة من كبائر الذنوب، ومن أعمال الكفر قد استحق من فعله العذاب الشديد.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا ) أي : أسلموا وانقادوا لأمر الله تعالى ، كما أخبر عن إبراهيم عليه السلام : " إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين " ( سورة البقرة ، 131 ) ، وكما قال : وله أسلم من في السماوات والأرض ( سورة آل عمران ، 83 ) ، وأراد بهم النبيين الذين بعثوا من بعد موسى عليه السلام ليحكموا بما في التوراة ، وقد أسلموا لحكم التوراة وحكموا بها ، فإن من النبيين من لم يؤمر بحكم التوراة منهم عيسى عليه السلام ، قال الله سبحانه وتعالى : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ( سورة المائدة 48 ) .

وقال الحسن والسدي : أراد به محمدا صلى الله عليه وسلم حكم على اليهود بالرجم ، ذكر بلفظ الجمع كما قال : " إن إبراهيم كان أمة قانتا " ( سورة النحل 120 ) .

وقوله تعالى : ( للذين هادوا ) فيه تقديم وتأخير ، تقديره : فيها هدى ونور للذين هادوا .

ثم قال : يحكم بها النبيون الذين أسلموا والربانيون ، وقيل : هو على موضعه ، ومعناه : يحكم بها النبيون الذين أسلموا على الذين هادوا ، كما قال : " وإن أسأتم فلها " ( سورة الإسراء 7 ) أي : فعليها ، وقال : " أولئك لهم اللعنة " ( سورة الرعد ، 25 ) أي : عليهم ، وقيل : فيه حذف ، كأنه قال : للذين هادوا وعلى الذين هادوا فحذف أحدهما اختصارا .

( والربانيون والأحبار ) يعني العلماء : واحدهم حبر ، وحبر بفتح الحاء وكسرها ، والكسر أفصح ، وهو العالم المحكم للشيء ، قال الكسائي وأبو عبيد : هو من الحبر الذي يكتب به وقال قطرب هو من الحبر الذي هو بمعنى الجمال بفتح الحاء وكسرها ، وفي الحديث " يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وسبره " أي : حسنه وهيئته ، ومنه التحبير وهو التحسين ، فسمي العالم حبرا لما عليه من جمال العلم وبهائه ، وقيل : الربانيون هاهنا من النصارى ، والأحبار من اليهود ، وقيل : كلاهما من اليهود .

قوله عز وجل : ( بما استحفظوا من كتاب الله ) أي : استودعوا من كتاب الله ، ( وكانوا عليه شهداء ) أنه كذلك .

( فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال قتادة والضحاك : نزلت هذه الآيات الثلاث في اليهود دون من أساء من هذه الأمة .

روي عن البراء بن عازب رضي الله عنه في قوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) والظالمون والفاسقون كلها في الكافرين ، وقيل : هي على الناس كلهم .

وقال ابن عباس وطاوس : ليس بكفر ينقل عن الملة ، بل إذا فعله فهو به كافر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر .

قال عطاء : هو كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق ، وقال عكرمة معناه : ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به فقد كفر ، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق .

وسئل عبد العزيز بن يحيى الكناني عن هذه الآيات ، فقال : إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه ، فكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق ، فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك ، ثم لم يحكم بجميع ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات .

وقال العلماء : هذا إذا رد نص حكم الله عيانا عمدا ، فأما من خفي عليه أو أخطأ في تأويل فلا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنا أنزلنا التوراة فيها هدى» من الضلالة «ونورٌ» بيان للأحكام «يحكم بها النبيون» من بني إسرائيل «الذين أسلموا» انقادوا لله «للذين هادوا والربانيون» العلماء منهم «والأحبار» الفقهاء «بما» أي بسبب الذي «استحفظوا» استودعوه أي استحفظهم الله إياه «من كتاب الله» أن يبدلوه «وكانوا عليه شهداء» أنه حق «فلا تخشوا الناس» أيها اليهود في إظهار ما عندكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم والرجم وغيرها «واخشوْن» في كتمانه «ولا تشتروا» تستبدلوا «بآياتي ثمنا قليلا» من الدنيا تأخذونه على كتمانها «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون» به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنا أنزلنا التوراة فيها إرشاد من الضلالة، وبيان للأحكام، وقد حكم بها النبيُّون -الذين انقادوا لحكم الله، وأقروا به- بين اليهود، ولم يخرجوا عن حكمها ولم يُحَرِّفوها، وحكم بها عُبَّاد اليهود وفقهاؤهم الذين يربُّون الناس بشرع الله؛ ذلك أن أنبياءهم قد استأمنوهم على تبليغ التوراة، وفِقْه كتاب الله والعمل به، وكان الربانيون والأحبار شهداء على أن أنبياءهم قد قضوا في اليهود بكتاب الله.

ويقول تعالى لعلماء اليهود وأحبارهم: فلا تخشوا الناس في تنفيذ حكمي؛ فإنهم لا يقدرون على نفعكم ولا ضَرِّكم، ولكن اخشوني فإني أنا النافع الضار، ولا تأخذوا بترك الحكم بما أنزلتُ عوضًا حقيرًا.

الحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، فالذين يبدلون حكم الله الذي أنزله في كتابه، فيكتمونه ويجحدونه ويحكمون بغيره معتقدين حله وجوازه فأولئك هم الكافرون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

هذا ، وبعد أن وصف الله - تعالى - اليهود وأشباهم بجملة من الصفات القبيحة ، وخير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن يحكم فيهم بشرع الله وبين أن يعرض عنهم .

بعد كل ذلك أنكر عليهم مسالكهم الخبيثة ، وعجب كل عاقل من حالهم فقال - تعالى - : ( وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التوراة فِيهَا حُكْمُ الله ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذلك وَمَآ أولئك بالمؤمنين ) أي أن أمر هؤلاء اليهود لمن أعجب العجب ، لأنهم يحكمونك - يا محمد - في قضاياهم مع أنهم لم يتبعوا شريعتك ومع أن كتابهم التوراة قد ذرك حكم الله صريحا واضحا فيما يحكمونك فيه .فالاستفهام في قوله : ( وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ ) للتعجب من أحوالهم حيث حكموا من لا يؤمنون به قضية حكمها بين أيديهم ، ظنا منهم أنه سيحكم بينهم بما اتفقوا عليه مما يرضى أهواءهم وشهواتهم .وقوله : ( وَعِنْدَهُمُ التوراة ) جملة حالية من الواو ( يحكمونك ) والعامل ما في الاستفهام من التعجيب .قال صاحب الكشاف : فإن قلت ( فِيهَا حُكْمُ الله ) ما موضعه من الإِعراب؟

قلت : إما أن ينتصب على الحال من التوراة ، وكلمة التوراة ، وكلمة التوارة هي مبتدأ والخبر ( عندهم ) وإما أن يرتفع خبرا عنها كقولك : وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله .

وإما أن لا يكون له محل وتكون جملة مبينة ، لأن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم كما تقول : عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره .وقوله : ( ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذلك ) معطوف على ( يحكمونك ) .وجاء العطف بثم المفيدة للتراخي للإِشارة إلى التفاوت الكبير بين ما في التوراة من حق وبين ما هم عليه من باطل ومخادعة .وسم الإشارة ( ذلك ) يعود إلى حكم الله الذي في التوراة ، والذي حكم به النبي صلى الله عليه وسلم .أي : كيف يحكمونك يا محمد في قضاياهم والحال أنهم عندهم التوراة فيها حكم الله واضحاً فيما تحاكموا إليك فيه ، ثم هم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما قضى الله به في كتابهم التوراة .وقوله : ( وَمَآ أولئك بالمؤمنين ) تذييل مقرر لمضمون ما قبله .ونفي الإِيمان عنهم مع حذف متعلقة لقصد التعميم .أي : وما أولئك الذين جاءوا يتحاكمون إليك من اليهود بالمؤمنين لا بكتابهم التوراة .

لأنهم لو كانوا مؤمنين به لنفذوا أحكامه ، ولا بك يا محمد لأنهم لو كانوا مؤمنين بك استجابوا لك فيما تأمرهم به وتنهاهم عنه .قال الفخر الرازي : قوله - تعالى - : ( وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ ) .

.

إلخ : هذا تعجيب من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بتحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حد الزاني ، ثم تركهم قبول ذلك الحكم فعدلوا عما يعتقدونه حكما حقا إلى ما يعتقدونه باطلا طلبا للرخصة .فلا جرم ظهر جهلهم وعنادهم في هذه الواقعة من وجوه :أحدها : عدولهم عن حكم كتابهم .والثاني : رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدون فيه أنه مبطل .والثالث : إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه .

فبين الله حال جهلهم وعنادهم لئلا يغتريهم مغتر أنهم أهل كتاب الله ، ومن المحافظين على أمر الله .وبعد أن وصف الله - تعالى - اليهود وأشباههم بجملة من الصفات القبيحة ، كمسارعتهم في الكفر .

وكثرة سماعهم للكذب ، وتحريفهم للكلم عن مواضعه ، وتهافتهم على أكل السحت .

وبعد أن خير رسوله صلى الله عليه وسلم في أن يحكم بينهم أو أن يعرض عنهم إذا ما تحاكموا إليه ، وبعد أن عجب كل عاقل من أحوالهم .

بعد كل ذلك شرع - سبحانه - في بيان منزلة التوراة وفي بيان بعض ما اشتملت عليه من أحكام فقال - تعالى - :( إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ والربانيون والأحبار بِمَا استحفظوا مِن كتاب الله وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء ﴾ .

اعلم أن هذا تنبيه من الله تعالى لليهود المنكرين لوجوب الرجم، وترغيب لهم في أن يكونوا كمتقدميهم من مسلمي أحبارهم والأنبياء المبعوثين إليهم، وفيه مسائل: المسألة الأولى: العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فوجب حصول الفرق بين الهدى والنور، فالهدى محمول على بيان الأحكام والشرائع والتكاليف، والنور بيان للتوحيد والنبوة والمعاد.

قال الزجاج ﴿ فِيهَا هُدًى ﴾ أي بيان الحكم الذي جاؤا يستفتون فيه النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وَنُورٌ ﴾ بيان أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم حق.

المسألة الثانية: احتج القائلون بأن شرع من قبلنا لازم علينا إلا إذا قام الدليل على صيرورته منسوخاً بهذه الآية؛ وتقريره أنه تعالى قال: إن في التوراة هدىً ونوراً.

والمراد كونه هدىً ونوراً في أصول الشرع وفروعه، ولو كان منسوخاً غير معتبر الحكم بالكلية لما كان فيه هدىٌ ونور، ولا يمكن أن يحمل الهدى والنور على ما يتعلق بأصول الدين فقط، لأنه ذكر الهدى والنور، ولو كان المراد منهما معاً هو ما يتعلق بأصول الدين لزم التكرار، وأيضاً أن هذه الآية إنما نزلت في مسألة الرجم، فلابد وأن تكون الأحكام الشرعية داخلة في الآية، لأنا وإن اختلفنا في أن غير سبب نزول الآية هل يدخل فيها أم لا، لكنا توافقنا على أن سبب نزول الآية يجب أن يكون داخلاً فيها.

المسالة الثالثة: قوله: ﴿ يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ يريد النبيّين الذين كانوا بعد موسى، وذلك أن الله تعالى بعث في بني إسرائيل ألوفاً من الأنبياء ليس معهم كتاب، إنما بعثهم بإقامة التوراة حتى يحدوا حدودها ويقوموا بفرائضها ويحلوا حلالها ويحرموا حرامها.

فإن قيل: كل نبي لابد وأن يكون مسلماً، فما الفائدة في قوله: ﴿ النبيون الذين أَسْلَمُواْ ﴾ .

قلنا فيه وجوه: الأول: المراد بقوله: ﴿ أسلموا ﴾ أي انقادوا لحكم التوراة، فإن من الأنبيار من لم تكن شريعته شريعة التوراة، والذين كانوا منقادين لحكم التوراة هم الذين كانوا من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام.

الثاني: قال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي: يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين أسلموا هو محمد عليه الصلاة والسلام، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم حكم على اليهوديين بالرجم، وكان هذا حكم التوراة، وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيماً له، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً  ﴾ وقوله: ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ الناس  ﴾ وذلك لأنه كان قد اجتمع فيه من خصال الخير ما كان حاصلاً لأكثر الأنبياء.

الثالث: قال ابن الأنباري: هذا رد على اليهود والنصارى لأن بعضهم كانوا يقولون: الأنبياء كلهم يهود أو نصارى، فقال تعالى: ﴿ يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ ﴾ يعني الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية والنصرانية، بل كانوا مسلمين لله منقادين لتكاليفه.

الرابع: المراد بقوله: ﴿ النبيون الذين أَسْلَمُواْ ﴾ يعني الذين كان مقصودهم من الحكم بالتوراة الإيمان والإسلام وإظهار أحكام الله تعالى والانقياد لتكاليفه، والغرض من التنبيه على قبح طريقة هؤلاء اليهود المتأخرين، فإن غرضهم من ادعاء الحكم بالتوراة أخذ الرشوة واستتباع العوام.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ فيه وجهان: الأول: المعنى أن النبيين إنما يحكمون بالتوراة للذين هادوا، أي لأجلهم وفيما بينهم، والثاني: يجوز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير على معنى إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا.

المسألة الخامسة: أما الربانيون فقد تقدم تفسيره، وأما الأحبار فقال ابن عباس: هم الفقهاء، واختلف أهل اللغة في واحده، قال الفرّاء: إنما هو حبر بكسر الحاء، يقال ذلك للعالم وإنما سمي بهذا الاسم لمكان الحبر الذي يكتب به، وذلك أنه يكون صاحب كتب، وكان أبو عبيدة يقول: حبر بفتح الحاء.

قال الليث: هو حبر وحبر بكسر الحاء وفتحها.

وقال الأصمعي: لا أدري أهو الحبر أو الحبر، وأما اشتقاقه فقال قوم: أصله من التحبير وهو التحسين، وفي الحديث: «يخرج رجل من النار ذهب حبره وسبره» أي جماله وبهاؤه، والمحبر للشيء المزين، ولما كان العلم أكمل أقسام الفضيلة والجمال والمنقبة لا جرم سمي العالم به.

وقال آخرون اشتقاقه من الحبر الذي يكتب به، وهو قول الفرّاء والكسائي وأبي عبيدة، والله أعلم.

المسألة السادسة: دلّت الآية على أنه يحكم بالتوراة النبيون والربانيون والأحبار، وهذا يقتضي كون الربانيين أعلى حالاً من الأحبار، فثبت أن يكون الربانيون كالمجتهدين، والأحبار كآحاد العلماء.

ثم قال: ﴿ بِمَا استحفظوا مِن كتاب الله ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: حفظ كتاب الله على وجهين: الأول: أن يحفظ فلا ينسى.

الثاني: أن يحفظ فلا يضيع، وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتابه من هذين الوجهين: أحدهما: أن يحفظون في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم، والثاني: أن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه.

المسألة الثانية: الباء في قوله: ﴿ بِمَا استحفظوا مِن كتاب الله ﴾ فيه وجهان: الأول: أن يكون صلة الأحبار على معنى العلماء بما استحفظوا.

الثاني: أن يكون المعنى يحكمون بما استحفظوا، وهو قول الزجاج.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء ﴾ أي هؤلاء النبيون والربانيون والأحبار كانوا شهداء على أن كل ما في التوراة حق وصدق ومن عند الله، فلا جرم كانوا يمضون أحكام التوراة ويحفظونها عن التحريف والتغيير.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس واخشونى ﴾ واعلم أنه تعالى لما قرر أن النبيين والربانيين والأحبار كانوا قائمين بإمضاء أحكام التوراة من غير مبالاة، خاطب اليهود الذين كانوا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنعهم من التحريف والتغيير.

واعلم أن إقدام القوم على التحريف لابد وأن يكون لخوف ورهبة، أو لطمع ورغبة، ولما كان الخوف أقوى تأثيراً من الطمع قدم تعالى ذكره فقال: ﴿ فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس واخشون ﴾ والمعنى إياكم وأن تحرفوا كتابي للخوف من الناس والملوك والأشراف، فتسقطوا عنهم الحدود الواجبة عليهم وتستخرجوا الحيل في سقوط تكاليف الله تعالى عنهم، فلا تكونوا خائفين من الناس، بل كونوا خائفين مني ومن عقابي.

ولما ذكر أمر الرهبة ابتعه بأمر الرغبة، فقال: ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَنًا قَلِيلاً ﴾ أي كما نهيتكم عن تغيير أحكامي لأجل الخوف والرهبة، فكذلك أنهاكم عن التغيير والتبديل لأجل الطمع في المال والجاه وأخذ الرشوة فإن كل متاع الدنيا قليل، والرشوة التي تأخذونها منهم في غاية القلة، والرشوة لكونها سحتاً تكون قليلة البركة والبقاء والمنفعة، فكذلك المال الذي تكتسبونه قليل من قليل، ثم أنتم تضيعون بسببه الدين والثواب المؤبد، والسعادات التي لا نهاية لها.

ويحتمل أيضاً أن يكون إقدامهم على التحريف والتبديل لمجموع الأمرين، للخوف من الرؤساء ولأخذ الرشوة من العامة، ولما منعهم الله من الأمرين على ما في كل واحد منهما من الدناءة والسقوط كان ذلك برهاناً قاطعاً في المنع من التحريف والتبديل.

ثم إنه أتبع هذا البرهان الباهر بالوعيد الشديد فقال: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المقصود من هذا الكلام تهديد اليهود في إقدامهم على تحريف حكم الله تعالى في حد الزاني المحصن، يعني أنهم لما أنكروا حكم الله المنصوص عليه في التوراة وقالوا: إنه غير واجب، فهم كافرون على الاطلاق، لا يستحقون اسم الإيمان لا بموسى والتوراة ولا بمحمد والقرآن.

المسألة الثانية: قالت الخوارج: كل من عصى الله فهو كافر.

وقال جمهور الأئمة: ليس الأمر كذلك، أما الخوارج فقد احتجوا بهذه الآية وقالوا: إنها نص في أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله، فوجب أن يكون كافراً.

وذكر المتكلمون والمفسرون أجوبة عن هذه الشبهة: الأول: أن هذه الآية نزلت في اليهود فتكون مختصة بهم، وهذا ضعيف لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومنهم من حاول دفع هذا السؤال فقال: المراد ومن لم يحكم من هؤلاء الذين سبق ذكرهم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، وهذا أيضاً ضعيف لأن قوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله ﴾ كلام أدخل فيه كلمة ﴿ مِنْ ﴾ في معرض الشرط، فيكون للعموم.

وقول من يقول: المراد ومن لم يحكم بما أنزل الله من الذين سبق ذكرهم فهو زيادة في النص وذلك غير جائز.

الثاني: قال عطاء: هو كفر دون كفر.

وقال طاوس: ليس بكفر ينقل عن الملة كمن يكفر بالله واليوم الآخر، فكأنهم حملوا الآية على كفر النعمة لا على كفر الدين، وهو أيضاً ضعيف، لأن لفظ الكفر إذا أطلق انصرف إلى الكفر في الدين.

والثالث: قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون المعنى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلاً يضاهي أفعال الكفار، ويشبه من أجل ذلك الكافرين، وهذا ضعيف أيضاً لأنه عدول عن الظاهر.

والرابع: قال عبد العزيز بن يحيى الكناني: قوله: ﴿ بِمَا أنزَلَ الله ﴾ صيغة عموم، فقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله ﴾ معناه من أتى بضد حكم الله تعالى في كل ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، وهذا حق لأن الكافر هو الذي أتى بضد حكم الله تعالى في كل ما أنزل الله، أما الفاسق فإنه لم يأت بضد حكم الله إلاّ في القليل، وهو العمل، أما في الاعتقاد والاقرار فهو موافق، وهذا أيضاً ضعيف لأنه لو كانت هذه الآية وعيداً مخصوصاً بمن خالف حكم الله تعالى في كل ما أنزل الله تعالى لم يتناول هذا الوعيد اليهود بسبب مخالفتهم حكم الله في الرجم، وأجمع المفسرون على أن هذا الوعيد يتناول اليهود بسبب مخالفتهم حكم الله تعالى في واقعة الرجم، فيدل على سقوط هذا الجواب، والخامس: قال عكرمة: قوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله ﴾ إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه كونه حكم الله، إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل الله تعالى، ولكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية، وهذا هو الجواب الصحيح والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فِيهَا هُدًى ﴾ يهدي للحق والعدل ﴿ وَنُورٌ ﴾ يبين ما استبهم من الأحكام ﴿ الذين أَسْلَمُواْ ﴾ صفة أجريت على النبيين على سبيل المدح، كالصفات الجارية على القديم سبحانه لا للتفصلة والتوضيح، وأريد بإجرائها التعريض باليهود، وأنهم بعداء من ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء كلهم في القديم والحديث، وأنّ اليهودية بمعزل منها.

وقوله: ﴿ الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ مناد على ذلك ﴿ والربانيون والأحبار ﴾ والزهاد والعلماء من ولد هارون، الذين التزموا طريقة النبيين وجانبوا دين اليهود ﴿ بِمَا استحفظوا مِن كتاب الله ﴾ بما سألهم أنبياؤهم حفظه من التوراة، أي بسبب سؤال أنبيائهم إياهم أن يحفظوه من التغيير والتبديل، و(من) في (من كتاب الله) للتبيين ﴿ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء ﴾ رقباء لئلا يبدل.

والمعنى يحكم بأحكام التوراة النبييون- بين موسى وعيسى وكان بينهماألف بني وعيسى- للذين هادوا يحملونهم على أحكام التوراة لا يتركونهم أن يعدلوا عنها، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حملهم على حكم الرجم وإرغام أنوفهم، وإبائه عليهم ما اشتهوه من الجلد.

وكذلك حكم الربانيون والأحبار والمسلمون بسبب ما استحفظهم أنبياؤهم من كتاب الله والقضاء بأحكامه، وبسبب كونهم عليه شهداء.

ويجوز أن يكون الضمير في (استحفظوا) للأنبياء والربانيين والأحبار جميعاً ويكون الاستحفاظ من الله، أي كلفهم الله حفظه وأن يكونوا عليه شهداء ﴿ فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس ﴾ نهي للحكام عن خشيتهم غير الله في حكوماتهم وإدهانهم فيها وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل لخشية سلطان ظالم أو خيفة أذية أحد من القرباء والأصدقاء ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ ﴾ ولا تستبدلوا ولا تستعيضوا ﴿ بآياتي ﴾ وأحكامه ﴿ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس، كما حرّف أحبار اليهود كتاب الله وغيروا أحكامه رغبة في الدنيا وطلباً للرياسة فهلكوا ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله ﴾ مستهيناً به ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون ﴾ والظالمون والفاسقون: وصف لهم بالعتوّ في كفرهم حين ظلموا آيات الله بالاستهانة.

وتمرّدوا بأن حكموا بغيرها.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنّ الكافرين والظالمين والفاسقين: أهل الكتاب.

وعنه: نعم القوم أنتم، ما كان من حلو فلكم، ومن كان من مرة فهو لأهل الكتاب، من جحد حكم الله كفر، ومن لم يحكم به وهو مقرّ فهو ظالم فاسق.

وعن الشعبي: هذه في أهل الإسلام والظالمون في اليهود، والفاسقون في النصارى.

وعن ابن مسعود: هو عام في اليهود وغيرهم.

وعن حذيفة: أنتم أشبه الأمم سمتاً ببني إسرائيل: لتركبن طريقهم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ﴾ يَهْدِي إلى الحَقِّ.

﴿ وَنُورٌ ﴾ يَكْشِفُ عَمّا اسْتُبْهِمَ مِنَ الأحْكامِ.

﴿ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ ﴾ يَعْنِي أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ مُوسى ومَن بَعْدَهُ إنْ قُلْنا شَرْعُ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا ما لَمْ يُنْسَخْ، وبِهَذِهِ الآيَةِ تَمَسَّكَ القائِلُ بِهِ.

﴿ الَّذِينَ أسْلَمُوا ﴾ صِفَةٌ أُجْرِيَتْ عَلى النَّبِيِّينَ مَدْحًا لَهم وتَنْوِيهًا بِشَأْنِ المُسْلِمِينَ، وتَعْرِيضًا بِاليَهُودِ وأنَّهم بِمَعْزِلٍ عَنْ دِينِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ واقْتِفاءِ هَدْيِهِمْ.

﴿ لِلَّذِينَ هادُوا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأنْزَلَ، أوْ بِيَحْكُمُ أيْ يَحْكُمُونَ بِها في تَحاكُمِهِمْ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيِّينَ أنْبِياؤُهم.

﴿ والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ ﴾ زُهّادُهم وعُلَماؤُهُمُ السّالِكُونَ طَرِيقَةَ أنْبِيائِهِمْ عَطْفٌ عَلى النَّبِيُّونَ، ﴿ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ ﴾ بِسَبَبِ أمْرِ اللَّهِ إيّاهم بِأنْ يَحْفَظُوا كِتابَهُ مِنَ التَّضْيِيعِ والتَّحْرِيفِ، والرّاجِعُ إلى ما مَحْذُوفٌ ومِن لِلتَّبْيِينِ.

﴿ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ ﴾ رُقَباءَ لا يَتْرُكُونَ أنْ يُغَيِّرَ، أوْ شُهَداءُ يُبَيِّنُونَ ما يَخْفى مِنهُ كَما فَعَلَ ابْنُ صُورِيّا.

﴿ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ ﴾ نَهْيٌ لِلْحُكّامِ أنْ يَخْشَوْا غَيْرَ اللَّهِ في حُكُوماتِهِمْ ويُداهِنُوا فِيها خَشْيَةَ ظالِمٍ أوْ مُراقَبَةَ كَبِيرٍ.

﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ﴾ ولا تَسْتَبْدِلُوا بِأحْكامِي الَّتِي أنْزَلْتُها.

﴿ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ هو الرَّشْوَةُ والجاهُ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ مُسْتَهِينًا بِهِ مُنْكِرًا لَهُ.

﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ ﴾ لِاسْتِهانَتِهِمْ بِهِ وتَمَرُّدِهِمْ بِأنْ حَكَمُوا بِغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِقَوْلِهِ الكافِرُونَ والظّالِمُونَ والفاسِقُونَ، فَكُفْرُهم لِإنْكارِهِ، وظُلْمُهم بِالحُكْمِ عَلى خِلافِهِ، وفِسْقُهم بِالخُرُوجِ عَنْهُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الصِّفاتِ الثَّلاثِ بِاعْتِبارِ حالٍ انْضَمَّتْ إلى الِامْتِناعِ عَنِ الحُكْمِ بِهِ مُلائِمَةً لَها، أوْ لِطائِفَةٍ كَما قِيلَ هَذِهِ في المُسْلِمِينَ لِاتِّصالِها بِخِطابِهِمْ، والظّالِمُونَ في اليَهُودِ، والفاسِقُونَ في النَّصارى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)

{إِنَّا أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى} يهدي للحق {وَنُورٌ} يبين ما استبهم من الأحكام {يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ} انقادوا لحكم الله فى التواة وهو صفة أجريت للنبيين على سبيل المدح وأريد باجرائها التعريض باليهود لأنهم بعداء من ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء كلهم {لِلَّذِينَ هَادُواْ} تابوا من الكفر واللام يتعلق بيحكم {والربانيون والأحبار} معطوفان على النبيون أي الزهاد والعلماء {بِمَا استحفظوا} استودعوا قيل ويجوز أن يكون بدلاً من بها في يحكم بها {من كتاب الله} من للنبيين والضمير في استحفظوا للأنبياء والربانيين والأحبار جميعاً ويكون الاستحفاظ من الله أي كلفهم الله حفظه أو للربانيون والأحبار ويكون الاستحفاظ من الأنبياء {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء} رقباء لئلا يبدل {فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس} نهي للحكام عن خشيتهم غير الله في حكوماتهم وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل خشية سلطان ظالم أو خيفة أذية أحد {واخشون} في مخالفة أمري وبالياء فيهما سهل وافقه أبو عمرو وفى الوصل {ولا تشتروا بآياتي} ولا تستبدلوا بآيات الله وأحكامه {ثَمَناً قَلِيلاً} وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله} مستهيناً به {فأولئك هم الكافرون} قال ابن عباس رضى الله عنهما من لم يحكم جاحداً فهو كافر وإن لم يكن جاحداً فهو فاسق ظالم وقال ابن مسعود رضى الله عنه هو عام في اليهود وغيرهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِتَقْرِيرِ مَزِيدِ فَظاعَةِ حالِ أُولَئِكَ اليَهُودِ بِبَيانِ عُلُوِّ شَأْنِ التَّوْراةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ﴿ فِيها هُدًى ﴾ أيْ إرْشادٌ لِلنّاسِ إلى الحَقِّ ﴿ ونُورٌ ﴾ أيْ ضِياءٌ يُكْشَفُ بِهِ ما تَشابَهَ عَلَيْهِمْ وأظْلَمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: ( فِيها هُدًى ) أيْ بَيانٌ لِلْحُكْمِ الَّذِي جاءُوا يَسْتَفْتُونَ فِيهِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ( ونُورٌ ) أيْ بَيانٌ أنَّ أمْرَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَقٌّ، ولَعَلَّ تَعْمِيمُ المُهْدى إلَيْهِ - كَما في كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ - أوْلى، ويَنْدَرِجُ فِيهِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ مِنَ الحُكْمِ.

وإطْلاقُ النُّورِ عَلى ما في التَّوْراةِ مَجازٌ، ولَعَلَّ إطْلاقَهُ عَلى ذَلِكَ دُونَ إطْلاقِهِ عَلى القُرْآنِ بِناءً عَلى أنَّ النُّورَ مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ إطْلاقَهُ عَلى ما بِهِ بَيانُ أمْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِناءً عَلى ما قالَ الزَّجّاجُ - بِاعْتِبارِ كَوْنِ الأمْرِ المُبَيَّنِ مُتَعَلِّقًا بِأوَّلِ الأنْوارِ الَّذِي لَوْلاهُ ما خُلِقَ الفَلَكُ الدَّوّارُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وحِينَئِذٍ يَكُونُ الفَرْقُ بَيْنَ الإطْلاقَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ ظاهِرًا، والظَّرْفُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و( هُدًى ) مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ التَّوْراةِ، أيْ كائِنًا فِيها ذَلِكَ، وكَذا جُمْلَةُ ﴿ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ ﴾ في قَوْلٍ، إلّا أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِرِفْعَةِ رُتْبَةِ التَّوْراةِ، وسُمُوِّ طَبَقَتِها، والمُرادُ مِنَ النَّبِيِّينَ مَن كانَ مِنهم مِن لَدُنْ مُوسى إلى عِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - عَلى ما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ، وكانَ بَيْنَ النَّبِيَّيْنِ - عَلَيْهِما السَّلامُ - ألْفُ نَبِيٍّ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ المُرادَ بِهِمْ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ومَن قَبْلَهُ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وعَلى هَذا بَنى الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ مَن قالَ: إنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا ما لَمْ يُنْسَخْ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، والمُرادُ: يَحْكُمُ بِأحْكامِها النَّبِيُّونَ.

﴿ الَّذِينَ أسْلَمُوا ﴾ صِفَةٌ أُجْرِيَتْ عَلى ( النَّبِيِّينَ ) - كَما قِيلَ - عَلى سَبِيلِ المَدْحِ، والظّاهِرِ لَهُمْ، ونَظَرَ فِيهِ ابْنُ المُنِيرِ بِأنَّ المَدْحَ إنَّما يَكُونُ غالِبًا بِالصِّفاتِ الخاصَّةِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها المَمْدُوحُ عَمَّنْ دُونَهُ، والإسْلامُ أمْرٌ عامٌّ يَتَناوَلُ أُمَمَ الأنْبِياءِ ومُتَّبِعِيهِمْ كَما يَتَناوَلُهُمْ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَحْسُنُ في مَدْحِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُقْتَصَرَ عَلى كَوْنِهِ رَجُلًا مُسْلِمًا، فَإنَّ أقَلَّ مُتَّبِعِيهِ كَذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: فالوَجْهُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّ الصِّفَةَ قَدْ تُذْكَرُ لِتُعَظَّمَ في نَفْسِها، ولِيُنَوَّهَ بِها إذا وُصِفَ بِها عَظِيمُ القَدْرِ، كَما تُذْكَرُ تَنْوِيهًا بِقَدْرِ مَوْصُوفِها، وعَلى هَذا الأُسْلُوبِ جَرى وصْفُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِالصَّلاحِ في غَيْرِما آيَةٍ؛ تَنْوِيهًا بِمِقْدارِ الصَّلاحِ، إذْ جُعِلَ صِفَةً لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وبَعْثًا لِآحادِ النّاسِ عَلى الدَّأْبِ في تَحْصِيلِ صِفَتِهِ، وكَذَلِكَ قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ بِالإيمانِ تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ، وبَعْثًا لِلْبَشَرِ عَلى الدُّخُولِ فِيهِ، لِيُساوُوا المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ في هَذِهِ الصِّفَةِ، وإلّا فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَلائِكَةَ مُؤْمِنُونَ لَيْسَ إلّا، كَيْفَ لا؟!

وهم ( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) كَما في الخَبَرِ.

ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يَعْنِي مِنَ البَشَرِ لِثُبُوتِ حَقِّ الأُخُوَّةِ في الإيمانِ بَيْنَ القَبِيلَتَيْنِ، فَلِذَلِكَ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - جَرى وصْفُ الأنْبِياءِ في هَذِهِ الآيَةِ بِالإسْلامِ؛ تَنْوِيهًا بِهِ، ولَقَدْ أحْسَنَ القائِلُ: أوْصافُ الأشْرافِ أشْرافُ الأوْصافِ، وحَسّانُ النّاظِمُ في مَدْحِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: ما إنْ مَدَحْتُ مُحَمَّدًا بِمَقالَتِي لَكِنْ مَدَحْتُ مَقالَتِي بِمُحَمَّدِ والإسْلامُ - وإنْ كانَ مِن أشْرَفِ الأوْصافِ، إذْ حاصِلُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى بِما يَجِبُ لَهُ ويَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ في حُكْمِهِ - إلّا أنَّ النُّبُوَّةَ أشْرَفُ وأجَلُّ لِاشْتِمالِها عَلى عُمُومِ الإسْلامِ مَعَ خَواصِّ المَواهِبِ الَّتِي لا تَسَعُها العِبارَةُ، فَلَوْ لَمْ نَذْهَبْ إلى الفائِدَةِ المَذْكُورَةِ في ذِكْرِ الإسْلامِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ لَخَرَجْنا عَنْ قانُونِ البَلاغَةِ المَأْلُوفِ في الكِتابِ العَزِيزِ، وفي كَلامِ العَرَبِ الفَصِيحِ، وهو التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى لا النُّزُولُ عَلى العَكْسِ، ألا تَرى أنَّ أبا الطَّيِّبِ كَيْفَ تَزَحْزَحَ عَنْ هَذا المَهْيَعِ في قَوْلِهِ: شَمْسٌ ضُحاها هِلالٌ لَيْلَتُها ∗∗∗ دُرٌّ مَقاصِيرُها زَبَرْجَدُها فَنَزَلَ عَنِ الشَّمْسِ إلى الهِلالِ، وعَنِ الدُّرِّ إلى الزَّبَرْجَدِ، فَمَضَغَتِ الألْسُنُ عِرْضَ بَلاغَتِهِ، ومَزَّقَتْ أدِيمَ صَنْعَتِهِ، فَعَلَيْنا أنْ نَتَدَبَّرَ الآياتِ المُعْجِزاتِ حَتّى يَتَعَلَّقَ فَهْمُنا بِأهْدابِ عُلُوِّها في البَلاغَةِ المَعْهُودَةِ لَها، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ، انْتَهى.

وفِي المِفْتاحِ والتَّخْلِيصِ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَهُ، وإيرادُ الطِّيبِيِّ عَلَيْهِ ما أوْرَدَهُ غَيْرُ طَيِّبٍ، نَعَمْ، قَدْ يُقالُ: إنَّ القائِلَ بِكَوْنِها مادِحَةً لِمَن جَرَّتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ قَدْ يَدَّعِي أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ إذا قُصِدَ مَعَ المَدْحِ فَوائِدُ أُخَرُ كالتَّنْوِيهِ بِعُلُوِّ مَرْتَبَةِ المُسْلِمِينَ هُنا، والتَّعْرِيضِ بِاليَهُودِ بِأنَّهم بِمَعْزِلٍ عَنِ الإسْلامِ، عَلى أنَّهُ قَدْ ورَدَ في الفَصِيحِ - بَلْ في الأفْصَحِ - ذِكْرُ غَيْرِ الأبْلَغِ بَعْدَ الأبْلَغِ مِنَ الصِّفاتِ، ومِن ذَلِكَ ( الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ) حَيْثُ كانَ مُتَضَمِّنًا نُكْتَةً.

وقالَ عِصامُ المِلَّةِ: إنَّ الإسْلامَ لِلنَّبِيِّ كَمالُ المَدْحِ؛ لِأنَّ الِانْقِيادَ مِنَ المُقْتَدِي لِلْخَلائِقِ الَّتِي لا تُحْصى وصْفٌ لا وصْفَ فَوْقَهُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الوَصْفُ بِهِ هُنا إشْعارًا بِمَنشَأِ الحُكْمِ؛ لِيُحافِظَ عَلَيْهِ الأُمَّةُ، ولا يُخْرَمَ ولا يُتَوَهَّمَ أنَّ الحُكْمَ لِلنُّبُوَّةِ، فَغَيْرُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خارِجٌ عَنْ هَذا المَسْلَكِ، انْتَهى، وفِيهِ تَأمُّلٌ، إذِ التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى لَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ، ونِهايَةُ الأمْرِ الرُّجُوعُ إلى نَحْوِ ما تَقَدَّمْ، فافْهَمْ.

﴿ لِلَّذِينَ هادُوا ﴾ أيْ تابُوا مِنَ الكُفْرِ، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - والمُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ، كَما قالَ الحَسَنُ، والجارُّ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ( يَحْكُمُ ) أيْ يَحْكُمُونَ فِيما بَيْنَهُمْ، واللّامُ إمّا لِبَيانِ اخْتِصاصِ الحُكْمِ بِهِمْ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ لَهم أوْ عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِأجْلِ الَّذِينَ هادُوا، وإمّا لِلْإيذانِ بِنَفْعِهِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أيْضًا بِإسْقاطِ التَّبِعَةِ عَنْهُ، وإمّا لِلْإشْعارِ بِكَمالِ رِضاهم بِهِ وانْقِيادِهِمْ لَهُ، كَأنَّهُ أمْرُ نافِعٌ لِكِلا الفَرِيقَيْنِ، فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُحَرِّفِينَ، وقِيلَ: مِن بابِ ﴿ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ وإمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ( أنْزَلْنا ) ولَعَلَّ الفاصِلَ لَيْسَ بِالأجْنَبِيِّ لِيَضُرَّ، وقِيلَ: بِـ( أُنْزِلَ ) عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مُعْتَرِضَةً، وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ نَصًّا في تَخْصِيصِ النَّبِيِّينَ بِأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن إنْزالِها لَهُمُ اخْتِصاصُها بِهِمْ، وقِيلَ: الجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ( هُدًى ونُورٌ ) وفِيهِ فَصْلٌ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُما، أيْ هُدًى ونُورٌ كائِنانِ لَهُما، وكَلامُ الزَّجّاجِ يَحْتَمِلُ هَذا وما قَبْلَهُ.

﴿ والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ ﴾ أيِ العُبّادُ والعُلَماءُ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: ( الرَّبّانِيُّونَ ) العُلَماءُ الفُقَهاءُ وهم فَوْقَ الأحْبارِ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ: ( الرَّبّانِيُّونَ ) الوُلاةُ، ( والأحْبارُ ) العُلَماءُ، والواحِدُ حَبْرٌ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، قالَ الفَرّاءُ: وأكْثَرُ ما سَمِعْتُ فِيهِ الكَسْرُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ التَّحْبِيرِ والتَّحْسِينِ، فَإنَّ العُلَماءَ يُحَبِّرُونَ العِلْمَ ويُزَيِّنُونَهُ ويُبَيُّونَهُ، ومِن ذَلِكَ الحِبْرِ - بِكَسْرِ الحاءِ لا غَيْرُ - لِما يُكْتَبُ بِهِ، وهَذا عَطْفٌ عَلى ( النَّبِيُّونَ ) أيْ هم أيْضًا يَحْكُمُونَ بِأحْكامِها، وتَوْسِيطُ المَحْكُومِ لَهم - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الأصْلَ في الحُكْمِ بِها وحَمْلَ النّاسِ عَلى ما فِيها هُمُ النَّبِيُّونَ، وإنَّما الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ خُلَفاءُ ونُوّابٌ لَهم في ذَلِكَ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما اسْتُحْفِظُوا ﴾ أيْ بِالَّذِي اسْتُحْفِظُوهُ مِن جِهَةِ النَّبِيِّينَ، وهو التَّوْراةُ، حَيْثُ سَألُوهم أنْ يَحْفَظُوها مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ عَلى الإطْلاقِ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ مِنهم - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُشْعِرٌ بِاسْتِخْلافِهِمْ في إجْراءِ أحْكامِها مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِنها، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ( يَحْكُمُ ) و( ما ) مَوْصُولَةٌ، وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن كِتابِ اللَّهِ ﴾ بَيانٌ لِـ( ما ) وفي الإبْهامِ والبَيانِ بِذَلِكَ ما لا يَخْفى مِن تَفْخِيمِ أمْرِ التَّوْراةِ ذاتًا وإضافَةً، وفِيهِ أيْضًا تَأْكِيدُ إيجابِ حِفْظِها والعَمَلِ بِما فِيها، والباءُ الدّاخِلَةُ عَلى المَوْصُولِ سَبَبِيَّةٌ، فَلا يَلْزَمُ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ مُتَّحَدِي المَعْنى بِفِعْلٍ واحِدٍ، أيْ: ويَحْكُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ أيْضًا بِالتَّوْراةِ بِسَبَبِ ما حَفِظُوهُ مِن كِتابِ اللَّهِ حَسْبَما وصّاهم بِهِ أنْبِياؤُهُمْ، وسَألُوهم أنْ يَحْفَظُوهُ، ولَيْسَ المُرادُ بِسَبَبِيَّتِهِ لِحُكْمِهِمْ ذَلِكَ سَبَبِيَّتَهُ مِن حَيْثُ الذّاتُ، بَلْ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَحْفُوظًا، فَإنَّ تَعْلِيقَ حُكْمِهِمْ بِالمَوْصُولِ مُشْعِرٌ بِسَبَبِيَّةِ الحِفْظِ المُتَرَتِّبِ - لا مَحالَةَ - عَلى ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الِاسْتِحْفاظِ لَهُ، وتَوَهَّمَ بَعْضُهم أنَّ ( ما ) بِمَعْنى أمْرٍ، و( مِن ) لِتَبْيِينِ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ لِـ( اسْتُحْفِظُوا ) والتَّقْدِيرُ: بِسَبَبِ أمْرٍ ( اسْتُحْفِظُوا ) بِهِ شَيْئًا ( مِن كِتابِ اللَّهِ ) وهو مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ كِتابُ اللَّهِ تَعالى.

وقِيلَ: الأوْلى أنْ تُجْعَلَ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً؛ لِيُسْتَغْنى عَنْ تَقْدِيرِ العائِدِ، وحِينَئِذٍ لا يَتَأتّى القَوْلُ بِأنَّ ( مِن ) بَيانٌ لَها، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ ( بِما ) بَدَلًا مِن ( بِها ) وأُعِيدَ الجارُّ لِطُولِ الفَصْلِ، وهو جائِزٌ أيْضًا وإنْ لَمْ يَطُلْ، ومِنهم مَن أرْجَعَ الضَّمِيرَ المَرْفُوعَ لِلنَّبِيِّينَ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِمْ، فالمُسْتَحْفِظُ حِينَئِذٍ هو اللَّهُ تَعالى، وحَدِيثُ الأنْباءِ لا يَتَأتّى إذْ ذاكَ، وقِيلَ: إنَّ ( الرَّبّانِيُّونَ ) فاعِلٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والباءُ صِلَةٌ لَهُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، أيْ: ويَحْكُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ بِحُكْمِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي سَألَهم أنْبِياؤُهم أنْ يَحْفَظُوهُ مِنَ التَّغْيِيرِ.

﴿ وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( اسْتُحْفِظُوا ) ومَعْنى ( شُهَداءَ ) رُقَباءَ، يَحْمُونَهُ مِن أنْ يَحُومَ حَوْلَ حِماهُ التَّغْيِيرُ والتَّبْدِيلُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، أوْ ( شُهَداءَ ) عَلَيْهِ أنَّهُ حَقٌّ.

ورُجِّحَ - عَلى الأوَّلِ - بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ ( الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ ) رُقَباءَ عَلى أنْفُسِهِمْ لا يَتْرُكُونَها أنْ تُغَيِّرَ وتُحَرِّفَ التَّوْراةَ؛ لِأنَّ المُحَرِّفَ لا يَكُونُ إلّا مِنهم لا مِنَ العامَّةِ، وهو - كَما تَرى - لَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ مَعْنًى، وإرْجاعُ ضَمِيرِ ( كانُوا ) لِلنَّبِيِّينَ مِمّا لا يَكادُ يَجُوزُ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى ( يَحْكُمُ ) المَحْذُوفِ المُرادِ مِنهُ حِكايَةُ الحالِ الماضِيَةِ، أيْ: حَكَمَ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى، وكانُوا شُهَداءَ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا - بِلا خَفاءٍ - أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ مُسْتَعارَةً لِلْبَيانِ، أيْ مُبَيِّنِينَ ما يَخْفى مِنهُ، وأمْرُ التَّعَدِّي بِـ( عَلى ) سَهْلٌ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ شَيْءٌ وراءَ الحُكْمِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ هُنا كَسابِقِهِ عائِدٌ عَلى النَّبِيِّينَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، والعَطْفُ إمّا عَلى ( اسْتُحْفِظُوا ) أوْ عَلى ( يَحْكُمُ ).

وتَوَهُّمُ عِبارَةِ البَعْضِ - حَيْثُ قالَ: وبِسَبَبِ كَوْنِهِمْ شُهَداءَ - أنَّ العَطْفَ عَلى ( ما ) المَوْصُولَةِ فَيُؤَوَّلُ ( كانُوا ) بِالمَصْدَرِ، وكَأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَلْخِيصُ المَعْنى لِكَوْنِ ما ذُكِرَ ضَعِيفًا فِيما لا يَكُونُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ حَدَثًا، وأمّا العَطْفُ عَلى كِتابِ اللَّهِ بِتَقْدِيرِ حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ لِيَكُونَ المَعْطُوفُ داخِلًا تَحْتَ الطَّلَبِ، فَكَما تَرى.

وإرْجاعُ ضَمِيرِ ( عَلَيْهِ ) إلى حُكْمِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالرَّجْمِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مِمّا تَأْباهُ العَرَبِيَّةُ في بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ، وهو - وإنْ جازَ عَرَبِيَّةً في البَعْضِ الآخَرِ - لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، ولا قَرِينَةَ عَلَيْهِ، ولَعَلَّ مُرادَ الحَبْرِ بَيانُ بَعْضِ ما تَضَمَّنَهُ الكِتابُ الَّذِي هم شُهَداءُ عَلَيْهِ، وبِالجُمْلَةِ احْتِمالاتُ هَذِهِ الآيَةِ كَثِيرَةٌ.

﴿ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ ﴾ خِطابٌ لِرُؤَساءِ اليَهُودِ وعُلَمائِهِمْ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - والسُّدِّيِّ والكَلْبِيِّ، ويَتَناوَلُ النَّهْيُ غَيْرَ أُولَئِكَ المُخاطَبِينَ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ، والفاءُ لِجَوابِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إذا كانَ الشَّأْنُ كَما ذُكِرَ يا أيُّها الأحْبارُ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ كائِنًا مَن كانَ، واقْتَدُوا في مُراعاةِ أحْكامِ التَّوْراةِ وحِفْظِها بِمَن قَبْلَكم مِنَ النَّبِيِّينَ والرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ، ولا تَعْدِلُوا عَنْ ذَلِكَ، ولا تُحَرِّفُوا خَشْيَةً مِن أحَدٍ ﴿ واخْشَوْنِ ﴾ في تَرْكِ أمْرِي؛ فَإنَّ النَّفْعَ والضُّرَّ بِيَدِي، أوْ في الإخْلالِ بِحُقُوقِ مُراعاتِها، فَضْلًا عَنِ التَّعَرُّضِ لَها بِسُوءٍ.

﴿ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ﴾ أيْ لا تَسْتَبْدِلُوا بَآياتِي الَّتِي فِيها بِأنْ تُخْرِجُوها مِنها، أوْ تَتْرُكُوا العَمَلَ بِها، وتَأْخُذُوا لِأنْفُسِكم ﴿ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ مِنَ الرِّشْوَةِ والجاهِ وسائِرِ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَإنَّها - وإنْ جَلَّتْ - قَلِيلَةٌ مُسْتَرْذَلَةٌ في نَفْسِها، لاسِيَّما بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَفُوتُهم بِمُخالَفَةِ الأمْرِ، وذَهَبَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ إلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُسْلِمِينَ، وهو الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ كَلامُ الشَّعْبِيِّ.

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - وهو الوَجْهُ كَما في الكَشْفِ - أنَّهُ عامٌّ، والفاءُ عَلى الوَجْهَيْنِ فَصِيحَةٌ، أيْ: وحِينَ عَرَفْتُمْ ما كانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّونَ والأحْبارُ، وما تَواطَأ عَلَيْهِ الخُلُوفُ مِن أمْرِ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ لِلرِّشْوَةِ والخَشْيَةِ، فَلا تَخْشَوُا النّاسَ، ولا تَكُونُوا أمْثالَ هَؤُلاءِ الخالِفِينَ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ بَعْضِ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ أنَّها عَلى الوَجْهِ فَصِيحَةٌ أيْضًا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، فَتَذَكَّرْ.

﴿ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ مِنَ الأحْكامِ ﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ( مَن ) والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها، كَما أنَّ الإفْرادَ في سابِقِهِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ هُمُ الكافِرُونَ ﴾ .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( هم ) ضَمِيرَ فَصْلٍ، و( الكافِرُونَ ) هو الخَبَرُ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها أبْلَغَ تَقْرِيرٍ، وتَحْذِيرٌ عَنِ الإخْلالِ بِهِ أشَدَّ تَحْذِيرٍ، واحْتَجَّتِ الخَوارِجُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الفاسِقَ كافِرٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِها أنَّ كَلِمَةَ ( مَن ) فِيها عامَّةٌ شامِلَةٌ لِكُلِّ مَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، فَيَدْخُلُ الفاسِدُ المُصَدِّقُ أيْضًا؛ لِأنَّهُ غَيْرُ حاكِمٍ وعامِلٍ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، وأُجِيبَ بِأنَّ الآيَةَ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ؛ فَإنَّ الحُكْمَ - وإنْ كانَ شامِلًا لِفِعْلِ القَلْبِ والجَوارِحِ - لَكِنَّ المُرادَ بِهِ هُنا عَمَلُ القَلْبِ، وهو التَّصْدِيقُ، ولا نِزاعَ في كُفْرِ مَن لَمْ يُصَدِّقْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، وأيْضًا إنَّ المُرادَ عُمُومُ النَّفْيِ بِحَمْلِ ( ما ) عَلى الجِنْسِ، ولا شَكَّ أنَّ مَن لَمْ يَحْكم بِشَيْءٍ مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى لا يَكُونُ إلّا غَيْرَ مُصَدِّقٍ، ولا نِزاعَ في كُفْرِهِ.

وأيْضًا أخْرَجَ ابْنُ مَنصُورٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: «إنَّما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ( ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ والظّالِمُونَ والفاسِقُونَ ) في اليَهُودِ خاصَّةً».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: «الثَّلاثُ الآياتُ الَّتِي في المائِدَةِ ( ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ ) إلَخْ، لَيْسَ في أهْلِ الإسْلامِ مِنها شَيْءٌ، هي في الكُفّارِ».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ نَحْوَ ذَلِكَ.

ولَعَلَّ وصْفَهم بِالأوْصافِ الثَّلاثِ بِاعْتِباراتٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ فَلِإنْكارِهِمْ ذَلِكَ وُصِفُوا بِالكافِرِينَ، ولِوَضْعِهِمُ الحُكْمَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ وُصِفُوا بِالظّالِمِينَ، ولِخُرُوجِهِمْ عَنِ الحَقِّ وُصِفُوا بِالفاسِقِينَ، أوْ أنَّهم وُصِفُوا بِها بِاعْتِبارِ أطْوارِهِمْ وأحْوالِهِمُ المُنْضَمَّةِ إلى الِامْتِناعِ عَنِ الحُكْمِ، فَتارَةً كانُوا عَلى حالٍ تَقْتَضِي الكُفْرَ، وتارَةً عَلى أُخْرى تَقْتَضِي الظُّلْمَ أوِ الفِسْقَ.

وأخْرَجَ أبُو حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أنَّهُ قالَ: «الثَّلاثُ الآياتُ الَّتِي في المائِدَةِ أوَّلُها لِهَذِهِ الأُمَّةِ، والثّانِيَةُ في اليَهُودِ، والثّالِثَةُ في النَّصارى»ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ أسْوَأ حالًا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، إلّا أنَّهُ قِيلَ: إنَّ الكُفْرَ إذا نُسِبَ إلى المُؤْمِنِينَ حُمِلَ عَلى التَّشْدِيدِ والتَّغْلِيظِ، والكافِرُ إذا وُصِفَ بِالفِسْقِ والظُّلْمِ أشْعَرَ بِعُتُوِّهِ وتَمَرُّدِهِ فِيهِ.

ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ في الكُفْرِ الواقِعِ في أُولى الثَّلاثِ: «إنَّهُ لَيْسَ بِالكُفْرِ الَّذِي تَذْهَبُونَ إلَيْهِ، إنَّهُ لَيْسَ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ المِلَّةِ، كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ» والوَجْهُ أنَّ هَذا كالخِطابِ عامٌّ لِلْيَهُودِ وغَيْرِهِمْ، وهو مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ التَّغْلِيظِ، أوْ يَلْتَزِمُ أحَدَ الجَوابَيْنِ، واخْتِلافُ الأوْصافِ لِاخْتِلافِ الِاعْتِباراتِ، والمُرادُ مِنَ الأخِيرَيْنِ مِنها الكُفْرُ أيْضًا عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ، وذَلِكَ بِحَمْلِهِما عَلى الفِسْقِ والظُّلْمِ الكامِلَيْنِ.

وما أخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - «أنَّ الآياتِ الثَّلاثَ ذُكِرَتْ عِنْدَهُ فَقالَ رَجُلٌ: إنَّ هَذا في بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ حُذَيْفَةُ: نِعْمَ الأُخُوَّةُ لَكم بَنُو إسْرائِيلَ، إنْ كانَ لَكم كُلُّ حُلْوَةٍ ولَهم كُلُّ مُرَّةٍ، كَلّا واللَّهِ، لَتَسْلُكُنَّ طَرِيقَهم قَدَّ الشِّراكِ» يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَيْلًا مِنهُ إلى القَوْلِ بِالعُمُومِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ -كَما قِيلَ: - مَيْلًا إلى القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ في المُسْلِمِينَ، ورُوِيَ الأوَّلُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - إلّا أنَّهُ قالَ: كُفْرٌ لَيْسَ كَكُفْرِ الشِّرْكِ، وفِسْقٌ لَيْسَ كَفِسْقِ الشِّرْكِ، وظُلْمٌ لَيْسَ كَظُلْمِ الشِّرْكِ.

هَذا، وقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ العارِفِينَ عَلى ما في بَعْضِ هَذِهِ الآياتِ مِنَ الإشارَةِ فَقالَ: ( ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ ) أيِ اتَّقُوهُ سُبْحانَهُ بِتَزْكِيَةِ نُفُوسِكم مِنَ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ ( ﴿ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ ﴾ ) أيْ: واطْلُبُوا إلَيْهِ تَعالى الزُّلْفى بِتَحْلِيَتِها بِالأخْلاقِ المَرْضِيَّةِ ( ﴿ وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ ﴾ ) بِمَحْوِ الصِّفاتِ والفَناءِ في الذّاتِ ( لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ) أيْ لِكَيْ تَفُوزُوا بِالمَطْلُوبِ، وقِيلَ: ابْتِغاءُ الوَسِيلَةِ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ بِما سَبَقَ مِن إحْسانِهِ وعَظِيمِ رَحْمَتِهِ، وهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: أيا جُودُ مَعْنٍ ناجِ مَعْنًا بِحاجَتِي ∗∗∗ فَلَيْسَ إلى مَعْنٍ سِواهُ شَفِيعُ ( ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ ﴾ ) أيْ ما في الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ ( ﴿ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ ) الكُبْرى ( ﴿ ما تُقُبِّلَ مِنهُمْ ﴾ ) لِأنَّهُ سَبَبُ زِيادَةِ الحِجابِ والبُعْدِ، ولا يَنْجَعُ ثَمَّةَ إلّا ما في الجِهَةِ العُلْوِيَّةِ مِنَ المَعارِفِ والحَقائِقِ النُّورِيَّةِ.

( ﴿ والسّارِقُ والسّارِقَةُ ﴾ ) أيِ المُتَناوِلُ مِنَ الأنْفُسِ والمُتَناوِلَةُ مِنَ القُوى النَّفْسانِيَّةِ لِلشَّهَواتِ الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْها ( ﴿ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما ﴾ ) أيِ: امْنَعُوهُما بِحَسْمِ قُدْرَتِهِما بِسَيْفِ المُجاهِدَةِ وسِكِّينِ الرِّياضَةِ ( جَزاءً بِما كَسَبا ) مِن تَناوُلِ ما لا يَحِلُّ تَناوُلُهُ لَها ( ﴿ نَكالا ﴾ ) أيْ عُقُوبَةً مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ( ﴿ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ ) ووَساوِسِ شَيْطانِ النَّفْسِ ( ﴿ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ ) وهُمُ القُوى النَّفْسانِيَّةُ ( ﴿ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ ) أيْ: يَنْقادُوا لَكُمْ، أوْ: سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ يَسُنُّونَ السُّنَنَ السَّيِّئَةَ ( ﴿ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ ﴾ ) وهي التَّعَيُّناتُ الإلَهِيَّةِ ( ﴿ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ ﴾ ) فَيُزِيلُونَها عَمّا هي مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الوُجُودِ الحَقّانِيِّ، أوْ يُغَيِّرُونَ قَوانِينَ الشَّرِيعَةِ بِتَمْوِيهاتِ الطَّبِيعَةِ، كَمَن يُؤَوِّلُ القُرْآنَ والأحادِيثَ عَلى وفْقِ هَواهُ، ولَيْسَ ما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذا القَبِيلِ كَما يَزْعُمُهُ المَحْجُوبُونَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِإنْكارِ أنْ يَكُونَ الظّاهِرُ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى، وقَصْرِ مُرادِهِ سُبْحانَهُ عَلى هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ، ونَحْنُ نَبْرَأُ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ كُفْرٌ صَرِيحٌ، وإنَّما نَقُولُ: المُرادُ هو الظّاهِرُ، وبِهِ تَعَبَّدَ اللَّهُ تَعالى خَلْقَهُ، لَكِنْ فِيهِ إشارَةٌ إلى أشْياءَ أُخَرَ لا يَكادُ يُحِيطُ بِها نِطاقُ الحَصْرِ، يُوشِكُ أنْ يَكُونَ ما ذُكِرَ بَعْضًا مِنها.

( ﴿ ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهُ شَيْئًا ﴾ ) قالَ ابْنُ عَطاءٍ: مَن يَحْجُبُهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ فَوائِدِ أوْقاتِهِ لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ إيصالَهُ إلَيْهِ ( أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم ) أيْ: بِالمُراقَبَةِ والمُراعاةِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: طَهارَةُ القَلْبِ في شَيْئَيْنِ: إخْراجُ الحَسَدِ والغِشِّ، وحُسْنُ الظَّنِّ بِجَماعَةِ المُسْلِمِينَ ( ﴿ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ ) وهو ما يَأْكُلُونَهُ بِدِينِهِمْ ( ﴿ فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهُمْ ﴾ ) مُداوِيًا لِدائِهِمْ، إنْ رَأيْتَ التَّداوِيَ سَبَبًا لِشِفائِهِمْ ( ﴿ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ ) إنْ تَيَقَّنْتَ إعْوازَ الشِّفاءِ لِشَقائِهِمْ ( وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ ) أيْ داوِهِمْ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَ ويَقْتَضِيهِ داؤُهُمْ، والكَلامُ في باقِي الآياتِ ظاهِرٌ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وكيف يقرّون بحكمك، وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ يعني: آية الرجم، وحكم الجراحات فلم يقرُّوا بها، ولا يعملوا بها.

ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ يعني: يعرضون عن العمل به من بعد ما بيّن الله في كتابهم ثم قال: وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ يعني: ليسوا بمصدقين بما عندهم، وهم يقولون: نحن نؤمن بالتوراة وهم كاذبون.

ثم قال: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً من الضلالة، وَنُورٌ يعني: بيان الشرائع والأحكام.

يعني: حكم الرجم والجراحات، يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا يعني: يقضي بها النبيون الذين أسلموا، يعني: صدقوا بالتوراة من لدن موسى إلى عيسى، وبينهما ألف نبي.

ويقال: أربعة آلاف نبي.

ويقال: أكثر من ذلك، كانوا يحكمون بما في التوراة.

لِلَّذِينَ هادُوا يعني: كانوا يحكمون لهم وعليهم.

ويقال: يحكم بها الأنبياء من لدن موسى إلى محمد  ولهذا قضى رسول الله  بالرجم بحكم التوراة.

ثم قال تعالى: وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ قال بعضهم: الربانيون العلماء والأحبار القراء، ويقال: الربانيون الذين في العمل أكثر، وفي العلم أقل، والأحبار الذين في العلم أكثر وفي العمل أقل، مثل الفقهاء والعباد.

ويقال: كالفقهاء والعلماء.

وقال القتبي: كلاهما واحد وهما العلماء، بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ يعني: عُلِّموا واستُودعوا من كتاب الله التوراة، وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ بما في كتاب الله الرجم، وسائر الأحكام.

ثم قال: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ يعني: يهود أهل المدينة، لا تخشوا يهود أهل خيبر، وأخبروهم بآية الرجم، وَاخْشَوْنِ في كتمانه، وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا يعني: عرضا يسيراً.

ثم قال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني: إذا لم يقر، ولم يبيّن، فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ قال ابن عباس: من يجحد شيئاً من حدود الله فقد كفر، ومن أقر ولم يحكم بها فهو فاسق.

روى وكيع عن سفيان قال: قيل لحذيفة: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ نزلت في بني إسرائيل: فقال حذيفة: نعم الأخوة لكم، وبنو إسرائيل كانت لكم كل حلوة، ولهم مرة.

لتسلكن طريقهم قدر الشراك.

يعني: هذه الآية عامة فمن جحد حكم الله فهو من الكافرين.

ثم بين الحكم الذي في التوراة فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ المعنى: وكيفَ يحكِّمونك بنيَّةٍ صادقةٍ، وهم قد خالفوا حُكْمَ التوراة التي يصدِّقون بها، وتولَّوْا عن حُكْمِ اللَّه فيها فأنْتَ الذي لا يؤمِنُونَ بك- أحرى بأن يخالفوا حُكْمَك، وهذا بيِّن أنهم لا يحكِّمونه- عليه السلام- إلا رغبةً في ميله إلى أهوائهم.

وقوله سبحانه: مِنْ بَعْدِ ذلِكَ، أي: مِنْ بعد كونِ حكمِ اللَّه في التوراة في الرجْمِ وما أشبهه.

وقوله تعالى: وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ يعني: بالتوراة وبموسى.

إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤)

وقوله سبحانه: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً، أي: إرشاد في المعتقَدِ والشرائعِ، والنورُ: ما يستضاء به من أوامرها ونواهيها، والنَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا: هم مَن بُعِثَ من لدنْ موسَى بنِ عمرانَ إلى مدة نبيِّنا محمَّد- عليه السلام-، وأسلموا: معناه أخْلَصُوا وجوهَهُم ومقاصِدَهم للَّه سبحانه، وقوله: لِلَّذِينَ هادُوا: متعلِّق ب يَحْكُمُ أي:

يَحْكُمُونَ بمقتضَى التوراةِ لبني إسرائيل وعليهم، وَالرَّبَّانِيُّونَ: عطف على النبيِّين، أي:

ويحكم بها الرَّبَّانِيُّون، وهم العلماءُ، وقد تقدَّم تفسير الرَّبَّانِيِّ، والأحْبَارُ أيضاً: العلماءُ، واحدُهم: حِبْرٌ- بكسر الحاء، وفتحها-، وكثُر استعمال الفَتْح فرقًا بينه وبين «الحِبْرِ» الذي يُكْتَبُ به، وإنما اللفظ عامٌّ في كلِّ حَبْرٍ مستقيمٍ فيما مضى من الزمان قبل مبعَثِ نبيِّنا محمد- عليه السلام-.

وقوله سبحانه: بِمَا اسْتُحْفِظُوا، أي: بسبب استحفاظ اللَّه تعالى إياهم أمر التَّوْراة، وأخْذِهِ العهدَ علَيْهم في العملِ والقَوْلِ بها، وعرَّفهم ما فيها، فصَارُوا شُهَداء عليه، وهؤلاء ضيَّعوا لَمَّا استحفظوا حتى تبدَّلتِ التوراةُ، والقُرآنُ بخلافِ هذا لقوله تعالى: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] .

وقوله تعالى: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ: حكايةٌ لما قيل لعلماء بني إسرائيل.

وقوله: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا: نَهْيٌ عن جميع المكاسِبِ الخبيثةِ بالعلْمِ والتحيُّلِ للدنيا بالدِّين، وهذا المعنى بعينه يتناوَلُ علماء هذه الأمة وحُكَّامَها، ويحتملُ أنْ يكون قوله: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ ...

إلى آخر الآية- خطاباً لأمَّة نبينا محمد- عليه السلام-.

واختلف العلماء في المراد بقوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ.

فقالتْ جماعة: المرادُ: اليهودُ بالكافرين والظَّالمين والفاسِقِينَ وروي في هذا حديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مِنْ طريق البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال الفَخْر «١» : وتمسَّكت الخوارجُ بهذه الآية في التكْفِير بالذَّنْب، وأجيبَ بأنَّ الآية نزلَتْ في اليهود، فتكون مختصَّة بهم، قال الفَخْر:

وهَذا «٢» ضعيفٌ لأن الاعتبار بعمومِ اللفظِ، لا بخصوصِ السبَبِ/.

قلْتُ: وهذه مسألةُ خلافٍ في العامِّ الوارِدِ على سببٍ، هَلْ يبقى على عمومه، أو يُقْصرُ على سببه «٣» ؟

انتهى.

وقالتْ جماعة عظيمةٌ من أهل العلمِ: الآيةُ متناولة كلَّ مَنْ لم يحكُمْ بما أنزل اللَّه، ولكنَّها في أمراء هذه الأمَّة- كُفْرُ معصية لا يخرجهم عن الإيمان «٤» ، وهذا تأويل حسن،

وقيل لحذيفة بْنِ اليَمَان: أنزلت هذه الآية في بني إسرائيل، فقال: نِعْمَ الإخْوَةُ لَكُمْ بنو

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: اسْتِفْتاءُ اليَهُودِ رَسُولَ اللَّهِ  في أمْرِ الزّانِيَيْنِ، وقَدْ سَبَقَ.

و "الهُدى": البَيانُ.

فالتَّوْراةُ مُبَيِّنَةٌ صِحَّةَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  ، ومُبَيِّنَةٌ ما تَحاكَمُوا فِيهِ إلَيْهِ.

و "النُّورُ": الضِّياءُ الكاشِفُ لِلشُّبُهاتِ، والمُوَضِّحُ لِلْمُشْكِلاتِ.

وَفِي النَّبِيِّينَ الَّذِينَ أسْلَمُوا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ مِن لَدُنْ مُوسى إلى عِيسى، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ في مَعْنى "أسْلَمُوا" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: سَلَّمُوا لِحُكْمِ اللَّهِ، ورَضُوا بِقَضائِهِ.

والثّانِي: انْقادُوا لِحُكْمِ اللَّهِ، فَلَمْ يَكْتُمُوهُ كَما كَتَمَ هَؤُلاءِ.

والثّالِثُ: أسْلَمُوا أنْفُسَهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

والرّابِعُ: أسْلَمُوا لِما في التَّوْراةِ ودانُوا بِها، لِأنَّهُ قَدْ كانَ فِيهِمْ مَن لَمْ يَعْمَلْ بِكُلِّ ما فِيها كَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيُّ: وفي "المُسْلِمِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِسْلامِهِ وانْقِيادِهِ لِرَبِّهِ.

والثّانِي: لِإخْلاصِهِ لِرَبِّهِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ  ﴾ أيْ: خالِصًا لَهُ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنَّبِيِّينَ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.

وذَلِكَ حِينَ حَكَمَ عَلى اليَهُودِ بِالرَّجْمِ، وذَكَرَهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿ أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ  ﴾ وَفِي الَّذِي حَكَمَ بِهِ مِنها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الرَّجْمُ والقَوَدُ.

والثّانِي: الحُكْمُ بِسائِرِها ما لَمْ يَرِدْ في شَرْعِهِ ما يُخالِفُ.

والثّالِثُ: النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ  ، ومَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ هادُوا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تابُوا مِنَ الكُفْرِ.

قالَ الحَسَنُ: هُمُ اليَهُودُ.

قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ عَلى مَعْنى: إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ لِلَّذِينِ هادُوا يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا.

فَأمّا "الرَّبّانِيُّونَ" فَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهم في (آلِ عِمْرانَ) .

وأمّا "الأحْبارُ" فَهُمُ العُلَماءُ واحِدُهم حَبْرٌ وحِبْرٌ، والجَمْعُ أحْبارٌ وحُبُورٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: أكْثَرُ ما سَمِعْتُ العَرَبَ تَقُولُ في واحِدِ الأحْبارِ: حِبْرٌ بِكَسْرِ الحاءِ.

وفي اشْتِقاقِ هَذا الِاسْمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ مِنَ الحَبارِ وهو الأثَرُ الحَسَنُ، قالَهُ الخَلِيلُ.

والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الحِبْرِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، قالَهُ الكِسائِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مِنَ الحِبْرِ الَّذِي هو الجَمالُ والبَهاءُ.

وفي الحَدِيثِ « "يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنَ النّارِ قَدْ ذَهَبَ حِبْرُهُ وسِبْرَهُ"» أيْ: جَمالُهُ وبَهاؤُهُ.

فالعالِمُ بَهِيٌّ بِجَمالِ العِلْمِ، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ.

وَهَلْ بَيْنَ الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ فَرْقٌ أمْ لا؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا فَرْقَ، والكُلُّ عُلَماءُ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ، مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الرَّبّانِيُّونَ: الفُقَهاءُ العُلَماءُ، وهم فَوْقَ الأحْبارِ.

وقالَ السُّدِّيُّ: الرَّبّانِيُّونَ العُلَماءُ، والأحْبارُ القُرّاءُ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الرَّبّانِيُّونَ": الوُلاةُ، و "الأحْبارُ": العُلَماءُ، وقِيلَ: الرَّبّانِيُّونَ: عُلَماءُ النَّصارى، والأحْبارُ: عُلَماءُ اليَهُودِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِما اسْتُودِعُوا مِن كِتابِ اللَّهِ وهو التَّوْراةُ.

وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَحْكُمُونَ بِحُكْمِ ما اسْتُحْفِظُوا.

والثّانِي: العُلَماءُ بِما اسْتُحْفِظُوا.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: "الباءُ" في قَوْلِهِ: ﴿ بِما اسْتُحْفِظُوا ﴾ مِن صِلَةِ الأحْبارِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وكانُوا عَلى ما في التَّوْراةِ مِنَ الرَّجْمِ شُهَداءَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: وكانُوا شُهَداءَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما قالَهُ أنَّهُ حَقٌّ.

رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "واخْشَوْنِ" بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: بِياءٍ في الوَصْلِ وبِغَيْرِ ياءٍ في الوَقْفِ، وكِلاهُما حَسَنٌ.

وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا في (آلِ عِمْرانَ) ثُمَّ في المُخاطَبِينَ بِهَذا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم رُؤَساءُ اليَهُودِ، قِيلَ لَهُمْ: فَلا تَخْشَوُا النّاسَ في إظْهارِ صِفَةِ مُحَمَّدٍ، والعَمَلِ بِالرَّجْمِ، واخْشَوْنِي في كِتْمانِ ذَلِكَ، رَوى هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: الخِطابُ لِيَهُودِ المَدِينَةِ، قِيلَ لَهُمْ: لا تَخْشَوْا يَهُودَ خَيْبَرٍ أنْ تُخْبِرُوهم بِالرَّجْمِ، ونَعْتِ مُحَمَّدٍ، واخْشَوْنِي في كِتْمانِهِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ، قِيلَ لَهُمْ: لا تَخْشَوُا النّاسَ، كَما خَشِيَتِ اليَهُودُ النّاسَ، فَلَمْ يَقُولُوا الحَقَّ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ في المُرادِ بِالآياتِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها صِفَةُ مُحَمَّدٍ  والقُرْآنُ.

والثّانِي: الأحْكامُ والفَرائِضُ.

والثَّمَنُ القَلِيلُ مَذْكُورٌ في (البَقَرَةِ) .

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَها: ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾ ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ .

فاخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن نَزَلَتْ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ خاصَّةً، رَواهُ عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في المُسْلِمِينَ، رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَ هَذا المَعْنى.

والثّالِثُ: أنَّها عامَّةٌ في اليَهُودِ، وفي هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، والنَّخْعِيُّ، والسُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ أبُو مِجْلَزٍ.

والخامِسُ: أنَّ الأُولى في المُسْلِمِينَ، والثّانِيَةَ في اليَهُودِ، والثّالِثَةَ في النَّصارى، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

وَفِي المُرادِ بِالكُفْرِ المَذْكُورِ في الآيَةِ الأُولى قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الكُفْرُ بِاللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: أنَّهُ الكُفْرُ بِذَلِكَ الحُكْمِ، ولَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقِلُ عَنِ المِلَّةِ.

وَفَصْلُ الخِطابِ: أنَّ مَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ جاحِدًا لَهُ، وهو يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ، كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ، فَهو كافِرٌ، ومَن لَمْ يَحْكم بِهِ مَيْلًا إلى الهَوى مِن غَيْرِ جُحُودٍ، فَهو ظالِمٌ وفاسِقٌ.

وقَدْ رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَن جَحَدَ ما أنْزَلَ اللَّهُ فَقَدْ كَفَرَ، ومَن أقَرَّ بِهِ ولَمْ يَحْكم بِهِ فَهو فاسِقٌ وظالِمٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإنْ تُعْرِضْ عنهم فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ  ﴾ ﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إنّا أنْزَلْنا التَوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا والرَبّانِيُّونَ والأحْبارُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللهِ وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا الناسَ واخْشَوْنِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا ومَن لَمْ يَحْكُمُ بِما أنْزَلَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ ﴾ أمَّنَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن ضَرَرِهِمْ إذا أعْرَضَ عنهُمْ؛ وحَقَّرَ في ذَلِكَ شَأْنَهُمْ؛ والمَعْنى: إنَّكَ مَنصُورٌ ؛ ظاهِرُ الأمْرِ عَلى كُلِّ حالٍ؛ وهَذا نَحْوٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ  ﴾ ؛ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإنْ حَكَمْتَ  ﴾ ؛ أيْ: اِخْتَرْتَ أنْ تَحْكُمَ بَيْنَهم في نازِلَةٍ ما؛ ﴿ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ  ﴾ ؛ أيْ: بِالعَدْلِ؛ يُقالُ: أقَسَطَ الرَجُلُ: إذا عَدَلَ وحَكَمَ بِالحَقِّ؛ وقَسَطَ: إذا جارَ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا  ﴾ ؛ ومَحَبَّةُ اللهِ لِلْمُقْسِطِينَ ما يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِن نِعَمِهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى بُعْدَ تَحْكِيمِهِمْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالإخْلاصِ مِنهُمْ؛ ويُبَيِّنُ بِالقِياسِ الصَحِيحِ أنَّهم لا يُحَكِّمُونَهُ إلّا رَغْبَةً في مَيْلِهِ في هَواهُمْ؛ وانْحِطاطِهِ في شَهَواتِهِمْ؛ وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ ﴾ ؛ بِنِيَّةٍ صادِقَةٍ وهم قَدْ خالَفُوا حُكْمَ الكِتابِ الَّذِي يُصَدِّقُونَ بِهِ؛ وبِنُبُوَّةِ الآتِي بِهِ؛ وتَوَلَّوْا عن حُكْمِ اللهِ فِيهِما؟

فَأنْتَ الَّذِي لا يُؤْمِنُونَ بِكَ؛ ولا يُصَدِّقُونَكَ؛ أحْرى بِأنْ يُخالِفُوا حُكْمَكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: مِن بَعْدِ حُكْمِ اللهِ في التَوْراةِ في الرَجْمِ؛ وما أشْبَهَهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي خالَفُوا فِيها أمْرَ اللهِ تَعالى؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ يَعْنِي بِالتَوْراةِ وبِمُوسى؛ وهَذا إلْزامٌ لَهُمْ؛ لِأنَّ مَن خالَفَ حُكْمَ كِتابِ اللهِ فَدَعْواهُ الإيمانَ بِهِ قَلِقَةٌ.

وهَذِهِ الآيَةُ تُقَوِّي أنَّ قَوْلَهُ في صَدْرِ الآيَةِ: ﴿ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ  ﴾ ؛ أنَّهُ يُرادُ بِهِ اليَهُودُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أنْزَلْنا التَوْراةَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقُولُ - لَمّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ -: "نَحْنُ اليَوْمَ نَحْكُمُ عَلى اليَهُودِ؛ وعَلى مَن سِواهم مِن أهْلِ الأدْيانِ"؛ والهُدى: اَلْإرْشادُ في المُعْتَقَدِ؛ والشَرائِعِ؛ والنُورُ: ما يُسْتَضاءُ بِهِ مِن أوامِرِها ونَواهِيها؛ والنَبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا هم مَن بُعِثَ مِن لَدُنْ مُوسى بْنِ عِمْرانَ إلى مُدَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ هَذانَ طَرَفا هَذِهِ الجَماعَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ و"أسْلَمُوا"؛ مَعْناهُ: أخْلَصُوا وُجُوهَهم ومَقاصِدَهم لِلَّهِ تَعالى؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ هادُوا ﴾ ؛ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَحْكُمُ"؛ أيْ: "يَحْكُمُونَ بِمُقْتَضى التَوْراةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ وعَلَيْهِمْ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى: "اَلرَّبّانِيُّونَ"؛ عُطِفَ عَلى "اَلنَّبِيُّونَ"؛ أيْ: ويَحْكُمُ بِها الرَبّانِيُّونَ؛ وهُمُ العُلَماءُ؛ وفي البُخارِيِّ قالَ: اَلرَّبّانِيُّ: اَلَّذِي يُرَبِّي الناسَ بِصِغارِ العِلْمِ؛ قَبْلَ كِبارِهِ؛ وقِيلَ: اَلرَّبّانِيُّ: مَنسُوبٌ إلى "اَلرَّبُّ"؛ أيْ: عِنْدَهُ العِلْمُ بِهِ وبِدِينِهِ؛ وزِيدَتِ النُونُ في "رَبّانِيٌّ"؛ مُبالَغَةً؛ كَما قالُوا: "مَنظَرانِيٌّ"؛ و"مَخْبَرانِيٌّ"؛ وفي عَظِيمِ الرَقَبَةِ: "رَقَبانِيٌّ"؛ والأحْبارُ أيْضًا: اَلْعُلَماءُ؛ واحِدُهم "حِبْرٌ"؛ بِكَسْرِ الحاءِ؛ ويُقالُ بِفَتْحِها؛ وكَثُرَ اسْتِعْمالُ الفَتْحِ فِيهِ؛ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحِبْرِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: اَلْمُرادُ - هُنا - بِالرَبّانِيِّينَ والأحْبارِ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ بِالتَوْراةِ: اِبْنا صُورِيّا؛ كانَ أحَدُهُما رَبّانِيًّا؛ والآخَرُ حَبْرًا؛ وكانُوا قَدْ أعْطَيا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَهْدًا ألّا يَسْألَهُما عن شَيْءٍ مِن أمْرِ التَوْراةِ إلّا أخْبَراهُ بِهِ؛ فَسَألَهُما عن آيَةِ الرَجْمِ فَأخْبَراهُ بِهِ عَلى وجْهِهِ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُشِيرَةً إلَيْهِما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا نَظَرٌ؛ والرِوايَةُ الصَحِيحَةُ أنَّ ابْنَيْ صُورِيّا وغَيْرَهُما جَحَدُوا أمْرَ الرَجْمِ؛ وفَضَحَهم فِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ ؛ وإنَّما اللَفْظُ عامٌّ في كُلِّ حَبْرٍ مُسْتَقِيمٍ فِيما مَضى مِنَ الزَمانِ؛ وأمّا في مُدَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَلَوْ وُجِدَ لَأسْلَمَ؛ فَلَمْ يُسَمَّ "حَبْرًا"؛ ولا "رَبّانِيًّا".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما اسْتُحْفِظُوا ﴾ ؛ أيْ: بِسَبَبِ اسْتِحْفاظِ اللهِ تَعالى إيّاهم أمْرَ التَوْراةِ؛ وأخْذِهِ العَهْدَ عَلَيْهِمْ في العَمَلِ؛ والقَوْلِ بِها؛ وعَرَّفَهم ما فِيها؛ فَصارُوا شُهَداءَ عَلَيْهِ؛ وهَؤُلاءِ ضَيَّعُوا لِما اسْتُحْفِظُوا حَتّى تَبَدَّلَتِ التَوْراةُ؛ والقُرْآنُ بِخِلافِ هَذا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ  ﴾ ؛ والحَمْدُ لِلَّهِ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَخْشَوُا الناسَ واخْشَوْنِ ﴾ ؛ حِكايَةُ ما قِيلَ لِعُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ ؛ نَهْيٌ عن جَمِيعِ المَكاسِبِ الخَبِيثَةِ بِالعِلْمِ؛ والتَحَيُّلِ لِلدُّنْيا بِالدِينِ؛ وهَذا المَعْنى بِعَيْنِهِ يَتَناوَلُ عُلَماءُ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ وحُكّامَها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَخْشَوُا الناسَ ﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ خِطابًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ ﴾ .

فَقالَتْ جَماعَةٌ: اَلْمُرادُ اليَهُودُ بِـ "اَلْكافِرِينَ"؛ و"اَلظّالِمِينَ"؛ و"اَلْفاسِقِينَ"؛ ورُوِيَ في هَذا حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن طَرِيقِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ.

وقالَتْ جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: اَلْآيَةُ مُتَناوِلَةٌ كُلَّ مَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ ؛ ولَكِنَّهُ في أُمَراءِ هَذِهِ الأُمَّةِ كُفْرُ مَعْصِيَةٍ؛ لا يُخْرِجُهم عَنِ الإيمانِ.

وقِيلَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ: أنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بَنِي إسْرائِيلَ؟

فَقالَ: "نِعْمَ الإخْوَةُ لَكم بَنُو إسْرائِيلَ؛ إنْ كانَ لَكم كُلُّ حُلْوَةٍ؛ ولَهم كُلُّ مُرَّةٍ؛ لَتَسْلُكُنَّ طَرِيقَهم قَدْرَ الشِراكِ".

وقالَ الشَعْبِيُّ: نَزَلَتْ "اَلْكافِرُونَ"؛ في المُسْلِمِينَ؛ و"اَلظّالِمُونَ"؛ في اليَهُودِ؛ و"اَلْفاسِقُونَ"؛ في النَصارى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا أعْلَمُ بِهَذا التَخْصِيصِ وجْهًا؛ إلّا إنْ صَحَّ فِيهِ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ إلّا أنَّهُ راعى مَن ذُكِرَ مَعَ كُلِّ خَبَرٍ مِن هَذِهِ الثَلاثَةِ؛ فَلا يَتَرَتَّبُ لَهُ ما ذُكِرَ في المُسْلِمِينَ إلّا عَلى أنَّهم خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿ "فَلا تَخْشَوُا الناسَ"؛ ﴾ وقالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ ثُمَّ رُضِيَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لمّا وصف التّوراة بأنّ فيها حكم الله استأنف ثناء عليها وعلى الحاكمين بها.

ووصفها بالنزول ليدلّ على أنّها وحي من الله، فاستعير النّزول لبلوغ الوحي لأنّه بلوغ شيءٍ من لدن عظيم، والعظيم يتخيّل عَالياً، كما تقدّم غير مرّة.

والنّور استعارة للبيان والحقّ، ولذلك عطف على الهُدى، فأحكامها هادية وواضحة، والظرفية.

حقيقية، والهدى والنّور دلائلهما.

ولك أن تجعل النّور هنا مستعاراً للإيمان والحكمة، كقوله: ﴿ يخرجهم من الظلمات إلى النّور ﴾ [البقرة: 132]، فيكون بينَه وبين الهدى عموم وخصوص مطلق، فالنّور أعمّ، والعطفُ لأجل تلك المغايرة بالعموم.

والمراد بالنبيين فيجوز أنّهم أنبياء بني إسرائيل، موسى والأنبياءُ الّذين جاءوا من بعده.

فالمراد بالّذين أسلموا الّذين كان شرعهم الخاصّ بهم كشرع الإسلام سواء، لأنّهم كانوا مخصوصين بأحكام غير أحكام عموم أمّتهم بل هي مماثلة للإسلام، وهي الحنيفية الحقّ، إذ لا شكّ أنّ الأنبياء كانوا على أكمل حال من العبادة والمعاملة، ألا ترى أنّ الخمر ما كانت محرّمة في شريعة قبل الإسلام ومع ذلك ما شربها الأنبياء قط، بل حرّمتها التّوراة على كاهن بني إسرائيل فما ظنّك بالنّبيء.

ولعلّ هذا هو المراد من وصيّة إبراهيم لبنيه بقوله: ﴿ فلا تموتُنّ إلاّ وأنتم مسلمون ﴾ [البقرة: 132] كما تقدّم هنالك.

وقد قال يوسف عليه السّلام في دعائه: ﴿ توفَّنِي مُسلماً وألْحقني بالصّالحين ﴾ [يوسف: 101].

والمقصود من الوصف بقوله: ﴿ الّذين أسلموا ﴾ على هذا الوجه الإشارة إلى شرف الإسلام وفضله إذ كان دين الأنبياء.

ويجوز أن يراد بالنبيئين محمد صلى الله عليه وسلم وعبّر عنه بصيغة الجمع تعظيماً له.

واللام في قوله: ﴿ للّذين هادوا ﴾ للأجل وليست لتعدية فعل ﴿ يحكم ﴾ إذ الحكم في الحقيقة لهم وعليهم.

والّذين هادوا هم اليهود، وهو اسم يرادف معنى الإسرائليين، إلاّ أنّ أصله يختصّ ببني يهوذا منهم، فغلب عليهم من بعد، كما قدّمناه عند قوله تعالى: ﴿ إنُّ الّذين آمنوا والّذين هادوا والنّصارى والصابئين ﴾ الآية في سورة البقرة (62).

والرّبّانيون جمع ربّاني، وهو العالم المنسوب إلى الربّ، أي إلى الله تعالى.

فعلى هذا يكون الربّاني نَسباً للربّ على غير قياس، كما قالوا: شعراني لكثير الشعَر، ولحياني لعظيم اللّحية.

وقيل: الربّاني العالم المُربي، وهوَ الّذي يبتدئ النّاس بصغار العلم قبل كباره.

ووقع هذا التّفسير في صحيح البخاري } .

وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ولكن كونوا رَبَّانيّين ﴾ في سورة آل عمران (79).

والأحبار جمع حَبْر، وهو العالم في الملّة الإسرائليّة، وهو بفتح الحاء وكسرها، لكن اقتصر المتأخّرون على الفتح للتّفرقة بينه وبين اسم المِداد الّذي يكتب به.

وعطف ﴿ الربّانيّون والأحبار ﴾ على ﴿ النّبيئون ﴾ لأنّهم ورثة علمهم وعليهم تلقّوا الدّين.

والاستحفاظ: الاستئمان، واستحفاظ الكتاب أمانة فهمه حقّ الفهم بما دلّت عليه آياته.

استعير الاستحفاظ الّذي هو طلب الحفظ لمعنى الأمر بإجادة الفهم والتّبليغ للأمّة على ما هو عليه.

فالباء في قوله ﴿ بما استحفظوا ﴾ للملابسة، أي حكماً ملابساً للحقّ متّصلاً به غير مبدّل ولا مغيّر ولا مؤوّل تأويلاً لأجل الهوى.

ويدخل في الاستحفاظ بالكتاب الأمر بحفظ ألفاظه من التغيير والكتمان.

ومن لطائف القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حَمَّاد ما حكاه عياض في «المدارك»، عن أبي الحسن بن المنتاب، قال: كنت عند إسماعيل يوماً فسئل: لم جاز التّبديل على أهل التّوراة ولم يجز على أهل القرآن، فقال: لأنّ الله تعالى قال في أهل التّوراة ﴿ بما استحفظوا من كتاب الله ﴾ فوكل الحفظ إليهم.

وقال في القرآن: ﴿ إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنَّا له لحافظون ﴾ [الحجر: 9].

فتعهّد الله بحفظه فلم يجز التّبديل على أهل القرآن.

قال: فذكرت ذلك للمُحاملي، فقال: لا أحْسَنَ من هذا الكلام.

و ﴿ من ﴾ مبيّنة لإبهام (ما) في قوله: ﴿ بما استحفظوا ﴾ .

و ﴿ كتاب الله ﴾ هو التّوراة، فهو من الإظهار في مقام الإضمار، ليتأتّى التّعريف بالإضافة المفيدة لتشريف التّوراة وتمجيدها بإضافتها إلى اسم الله تعالى.

وضميرُ ﴿ وكانوا ﴾ للنبيئين والربانيّين والأحبار، أي وكان المذكورون شهداء على كتاب الله، أي شهداء على حفظه من التّبديل، فحرف (على) هنا دالّ على معنى التمكّن وليس هو (على) الّذي يتعدّى به فعل شَهِد، إلى المحقوق كما يتعدّى ذلك الفعل باللام إلى المشهود له، أي المحِقّ، بل هو هنا مثل الّذي يتعدّى به فعل (حفظ ورقب) ونحوهما، أي وكانوا حفَظَة على كتاب الله وحُرّاساً له من سوء الفهو وسوء التّأويل ويحملون أتباعه على حَقّ فهمِه وحقّ العمل به.

ولذلك عقّبه بجملة ﴿ فلا تخشوا النّاس واخْشَوْن ﴾ المتفرّعة بالفاء على قوله: ﴿ وكانوا عليه شهداء ﴾ ، إذ الحفيظ على الشيء الأمين حقّ الأمانة لا يخشى أحداً في القيام بوجه أمانته ولكنّه يخشى الّذي استأمنه.

فيجوز أن يكون الخطاب بقوله: ﴿ فلا تخشوا النّاس ﴾ ليهود زمان نزول الآية، والفاء للتفريع عمّا حكي عن فعل سلف الأنبياء والمؤمنين ليكونوا قدوة لخلفهم من الفريقين، والجملة على هذا الوجه معترضة؛ ويجوز أن يكون الخطاب للنّبيئين والربّانيّين والأحبار فهيَ على تقدير القَول، أي قلنا لهم: فلا تخشوا النّاس.

والتّفريع ناشئ عن مضمون قوله: ﴿ بما استحفظوا من كتاب الله ﴾ ، لأنّ تمام الاستحفاظ يظهر في عدم المبالاة بالنّاس رضُوا أم سخطوا، وفي قصر الاعتداد على رضا الله تعالى.

وتقدّم الكلام في معنى ﴿ ولا تَشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ في سورة البقرة (41).

وقولُه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } يجوز أن يكون من جملة المحكي بقوله: ﴿ فلا تخشوا النّاس واخشون ﴾ ، لأنّ معنى خشية النّاس هنا أن تُخالَف أحكام شريعة التّوراة أو غيرها من كتب الله لإرضاء أهوية النّاس، ويجوز أن يكون كلاماً مستأنفاً عقّبت به تلك العظات الجليلة.

وعلى الوجهين فالمقصود اليهودُ وتحذير المسلمين من مثل صنعهم.

و (مَن) الموصولة يحتمل أن يكون المراد بها الفريق الخاصّ المخاطب بقوله: ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ ، وهم الّذين أخفوا بعض أحكام التّوراة مثل حكم الرّجم؛ فوصفهم الله بأنّهم كافرون بما جحدوا من شريعتهم المعلومَة عندهم.

والمعنى أنّهم اتّصفوا بالكفر من قبل فإذا لم يحكموا بما أنزل الله فذلك من آثار كفرهم السابق.

ويحتمل أن يكون المراد بها الجنس وتكون الصّلة إيماء إلى تعليل كونهم كافرين فتقتضي أنّ كلّ من لا يحكم بما أنزل الله يكفّر.

وقد اقتضى هذا قضيتين: إحداهما: كون الّذي يترك الحكم بما تضمّنته التّوراة ممّا أوحاه الله إلى موسى كافراً، أو تارك الحكم بكلّ ما أنزله الله على الرّسل كافراً؛ والثّانية: قصر وصف الكفر على تارك الحكم بما أنزل الله.

فأمَّا القضيةُ الأولى: فالّذين يكفِّرون مرتكب الكبيرة يأخذون بظاهر هذا.

لأنّ الجور في الحكم كبيرة والكبيرة كفر عندهم.

وعبّروا عنه بكفر نعمة يشاركه في ذلك جميع الكبائر، وهذا مذهب باطل كما قرّرناه غير مرّة.

وأمّا جمهور المسلمين وهم أهل السنّة من الصّحابة فمن بعدهم فهي عندهم قضيّة مُجملة، لأنّ ترك الحكم بما أنزل الله يقع على أحوال كثيرة؛ فبيان إجماله بالأدلّة الكثيرة القاضية بعدم التكفير بالذنوب، ومساق الآية يبيّن إجمالها.

ولذلك قال جمهور العلماء: المراد بمن لم يحكم هنا خصوصَ اليهود، قاله البراء بن عازب ورواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجَه مسلم في «صحيحه».

فعلى هذا تكون (مَنْ) موصولة، وهي بمعنى لام العهد.

والمعنى عليه: ومن ترك الحكم بما أنزل الله تَركا مثل هذا التّرك، هو ترك الحكم المشوب بالطعن في صلاحيته.

وقد عرف اليهود بكثرة مخالفة حكّامهم لأحكام كتابهم بناء على تغييرهم إيّاها باعتقاد عدم مناسبتها لأحوالهم كما فعلوا في حدّ الزّنى؛ فيكون القَصر إدّعائياً وهو المناسب لسبب نزول الآيات الّتي كانت هذه ذيلاً لها؛ فيكون الموصول لتعريف أصحاب هذه الصّلة وليس معلّلاً للخبر.

وزيدت الفاء في خبره لمشابهته بالشّرط في لزوم خبره له، أي أنّ الّذين عرفوا بهذه الصّفة هم الّذين إنْ سألتَ عن الكافرين فهم هُم لأنّهم كفروا وأساءوا الصنع.

وقال جماعة: المراد من لم يحكم بما أنزل الله مَن ترك الحكم به جحداً له، أو استخفافاً به، أو طعناً في حقّيته بعد ثبوت كونه حكم الله بتواتر أو سماعه من رسول الله، سمِعه المكلّف بنفسه.

وهذا مروي عن ابن مسعود، وابن عبّاس، ومجاهد، والحسن، ف ﴿ من ﴾ شرطية وتركُ الحكم مُجمَل بيانُه في أدلّة أخر.

وتحت هذا حالة أخرى، وهي التزام أن لا يحكم بما أنزل الله في نفسه كفعل المسلم الّذي تُقام في أرضه الأحكام الشرعية فيدخلُ تحت محاكم غير شرعيّة باختياره فإنّ ذلك الالتزام أشدّ من المخالفة في الجزئيات، ولا سيما إذا لم يكن فعله لجلب منفعة دنيوية.

وأعظمُ منه إلزام النّاس بالحكم بغير ما أنزل الله من ولاة الأمورِ، وهو مراتب متفاوتة، وبعضها قد يلزمه لازم الردة إن دلّ على استخفاف أو تخطئة لحكم الله.

ٍ وذهب جماعة إلى التأويل في معنى الكُفر؛ فقيل عُبّر بالكفر عن المعصيّة، كما قالت زوجة ثابت بن قيس «أكره الكُفر في الإسلام» أي الزّنى، أي قد فعل فعلاً يضاهي أفعال الكفّار ولا يليق بالمؤمنين، وروى هذا عن ابن عبّاس.

وقال طاووس «هو كفر دونَ كفر وليس كفراً ينقل عن الإيمان».

وذلك أنّ الّذي لا يحكم بما أنزل الله قد يفعل ذلك لأجل الهوى، وليس ذلك بكفر ولكنّه معصيّة، وقد يفعله لأنّه لم يره قاطعاً في دلالته على الحكم، كما ترك كثير من العلماء الأخذ بظواهر القرآن على وجه التّأويل وحكموا بمقتضى تأويلها وهذا كثير.

وهذه الآية والّتي بعدها في شأن الحاكمين.

وأمّا رضى المتحاكمين بحكم الله فقد مرّ في قوله تعالى: ﴿ فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكّمون فيما شجر بينهم ﴾ [النساء: 65] الآية وبيّنّا وجوهه، وسيأتي في قوله تعالى: ﴿ وإذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون ﴾ إلى قوله ﴿ بل أولئك هم الظّالمون ﴾ في سورة النّور (48 50).

وأمّا القضيّة الثّانية: فالمقصود بالقصر هنا المبالغة في الوصف بهذا الإثم العظيم المعبّر عنه مجازاً بالكفر، أو في بلوغهم أقصى درجات الكفر، وهو الكفر الّذي انضمّ إليه الجور وتبديل الأحكام.

واعلم أنّ المراد بالصّلة هنا أو بفعل الشرط إذ وقعا منفيين هو الاتّصاف بنقيضهما، أي ومن حكم بغير ما أنزل الله.

وهذا تأويل ثالث في الآية، لأنّ الّذي لم يحكم بما أنزل الله ولا حكم بغيره، بأنّ ترك الحكم بين النّاس، أو دَعا إلى الصلح، لا تختلف الأمّة في أنّه ليس بكافر ولا آثم، وإلاّ للزم كفر كلّ حاكم في حال عدم مباشرته للحكم، وكفرُ كلّ من ليس بحاكم.

فالمعنى: ومن حكم فلم يحكم بما أنزل الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ يَعْنِي بِهِ المُنافِقِينَ المُظْهِرِينَ لِلْإيمانِ المُبْطِنِينَ لِلْكُفْرِ.

﴿ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ.

﴿ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ لِيَكْذِبُوا عَلَيْكَ عِنْدَهم إذا أتَوْا مِن بَعْدِهِمْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، والزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ أيْ قائِلُونَ لِلْكَذِبِ عَلَيْكَ.

وَ ﴿ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ يَعْنِي في قِصَّةِ الزّانِي المُحْصَنِ مِنَ اليَهُودِ الَّذِي حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ  فَأنْكَرُوهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

﴿ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم إذا سَمِعُوا كَلامَ النَّبِيِّ  غَيَّرُوهُ بِالكَذِبِ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: هو تَغْيِيرُ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى في جَلْدِ الزّانِي بَدَلًا مِن رَجْمِهِ، وقِيلَ في إسْقاطِ القَوْدِ عِنْدَ اسْتِحْقاقِهِ.

﴿ يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ حِينَ زَنى رَجُلٌ مِنهم بِامْرَأةٍ فَأنْفَذُوهُ إلى النَّبِيِّ  لِيَحْكُمَ بَيْنَهم وقالُوا: إنْ حَكَمَ عَلَيْكم بِالجَلْدِ فاقْبَلُوهُ وإنْ حَكَمَ عَلَيْكم بِالرَّجْمِ فَلا تَقْبَلُوهُ، فَقامَ النَّبِيُّ  إلى مَدارِسِ تَوْراتِهِمْ وفِيها أحْبارُهم يَتْلُونَ التَّوْراةَ، فَأتى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيّا، وكانَ أعْوَرَ، وهو مِن أعْلَمِهِمْ فَقالَ لَهُ أسْألُكَ بِالَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ بِطُورِ سَيْناءَ عَلى مُوسى بْنِ عِمْرانَ هَلْ في التَّوْراةِ الرَّجْمُ؟

فَأمْسَكَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى اعْتَرَفَ، فَأمَرَ بِهِما النَّبِيُّ  فَرُجِما، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: وكُنْتُ فِيمَن رَجَمَهُ وأنَّهُ لَيَقِيها الأحْجارَ بِنَفْسِهِ حَتّى ماتَتْ»، ثُمَّ إنَّ ابْنَ صُورِيّا أنْكَرَ وفِيهِ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وجابِرٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ في قَتِيلٍ مِنهم، قالَ الكَلْبِيُّ: قَتَلَتْ بَنُو النَّضِيرِ رَجُلًا مِن بَنِي قُرَيْظَةَ وكانُوا يَمْتَنِعُونَ بِالِاسْتِطالَةِ عَلَيْهِمْ مِنَ القَوْدِ بِالدِّيَةِ، وإذا قَتَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ مِنهم رَجُلًا لَمْ يَقْنَعُوا إلّا بِالقَوْدِ دُونَ الدِّيَةِ، قالُوا: إنْ أفْتاكم بِالدِّيَةِ فاقْبَلُوهُ وإنْ أفْتاكم بِالقَوْدِ فَرُدُّوهُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

﴿ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ.

أحَدُها: عَذابُهُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: إضْلالُهُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: فَضِيحَتُهُ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَمْ يُطَهِّرْها مِنَ الضِّيقِ والحَرَجِ عُقُوبَةً لَهم.

والثّانِي: لَمْ يُطَهِّرْها مِنَ الكُفْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ.

أحَدُهُما: أنَّ السُّحْتَ الرِّشْوَةُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ  .

والثّانِي: أنَّهُ الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ.

والثّالِثُ: هو الِاسْتِعْجالُ في القَضِيَّةِ، وهو قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ.

والرّابِعُ: ما فِيهِ الغارُّ مِنَ الأثْمانِ المُحَرَّمَةِ: كَثَمَنِ الكَلْبِ، والخِنْزِيرِ، والخَمْرِ وعَسَبِ الفَحْلِ، وحُلْوانِ الكاهِنِ.

وَأصْلُ السُّحْتِ الِاسْتِئْصالُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ ﴾ أيْ يَسْتَأْصِلُكم، وقالَ الفَرَزْدَقُ وعَضُّ زَمانٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحِتًا أوْ مُجْلِفْ فَسُمِّيَ سُحْتًا لِأنَّهُ يَسْحَتُ الدِّينَ والمُرُوءَةَ.

﴿ فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ فِيمَن أُرِيدَ بِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اليَهُودِيّانِ اللَّذانِ زَنَيا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ  أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُما بِالرَّجْمِ أوْ يَدَعَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِيِّ.

والثّانِي: أنَّها في نَفْسَيْنِ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ وبَنِي النَّضِيرِ قَتَلَ أحَدُهُما صاحِبَهُ فَخُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ  عِنْدَ احْتِكامِهِما إلَيْهِ بَيْنَ أنْ يَحْكُمَ بِالقَوْدِ أوْ يَدَعَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

واخْتَلَفُوا في التَّخْيِيرِ في الحُكْمِ بَيْنَهم، هَلْ هو ثابِتٌ أوْ مَنسُوخٌ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ثابِتٌ وأنَّ كُلَّ حاكِمٍ مِن حُكّامِ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرٌ في الحُكْمِ بَيْنَ أهْلِ الذِّمَّةِ بَيْنَ أنْ يَحْكُمَ أوْ يَدَعَ، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وقَتادَةَ، وعَطاءٍ، وإبْراهِيمَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ، وأنَّ الحُكْمَ بَيْنَهم واجِبٌ عَلى مَن تَحاكَمُوا إلَيْهِ مِن حُكّامِ المُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وعِكْرِمَةَ، وقَدْ نَسَخَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: حُكْمُ اللَّهِ بِالرَّجْمِ.

والثّانِي: حُكْمُ اللَّهِ بِالقَوْدِ.

﴿ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بَعْدَ حُكْمِ اللَّهِ في التَّوْراةِ.

والثّانِي: بَعْدَ تَحْكِيمِكَ.

﴿ وَما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أيْ في تَحْكِيمِكَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعَ جُحُودِهِمْ نُبُوَّتَكَ.

والثّانِي: يَعْنِي في تَوَلِّيهِمْ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ غَيْرَ راضِينَ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ ﴾ يَعْنِي بِالهُدى الدَّلِيلُ.

وَبِالنُّورِ البَيانُ.

﴿ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم جَماعَةُ أنْبِياءَ مِنهم مُحَمَّدٌ  .

والثّانِي: المُرادُ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ  وحْدَهُ وإنْ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ.

وَفِي الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ مِنَ التَّوْراةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ رَجْمَ الزّانِي المُحْصَنِ، والقَوَدَ مِنَ القاتِلِ العامِدِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ الحُكْمُ بِجَمِيعِ ما فِيها مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ ما لَمْ يَرِدْ بِهِ نَسْخٌ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ هادُوا ﴾ يَعْنِي عَلى الَّذِينَ هادُوا، وهُمُ اليَهُودُ، وفي جَوازِ الحُكْمِ بِها عَلى غَيْرِ اليَهُودِ وجْهانِ: عَلى اخْتِلافِهِمْ في التِزامِنا شَرائِعَ مَن قَبْلَنا إذا لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ يَنْسَخُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ ﴾ واحِدُ الأحْبارِ حَبْرٌ بِالفَتْحِ، قالَ الفَرّاءُ، أكْثَرُ ما سَمِعْتُ حِبْرٌ بِالكَسْرِ، وهو العالِمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ اشْتِقاقًا مِنَ التَّحْبِيرِ، وهو التَّحْسِينُ لِأنَّ العالِمَ يُحَسِّنُ الحَسَنَ ويُقَبِّحُ القَبِيحَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّ العِلْمَ في نَفْسِهِ حَسَنٌ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ يَحْكُمُونَ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ.

والثّانِي: مَعْناهُ والعُلَماءُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ.

وَفي ﴿ اسْتُحْفِظُوا ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: اسْتُودِعُوا، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ.

والثّانِي: العِلْمُ بِما حَفِظُوا، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

﴿ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ ﴾ يَعْنِي عَلى حُكْمِ النَّبِيِّ  أنَّهُ في التَّوْراةِ.

﴿ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَلا تَخْشَوْهم في كِتْمانِ ما أنْزَلَتْ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: في الحُكْمِ بِما أنْزَلَتْ.

﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لا تَأْخُذُوا عَلى كِتْمانِها أجْرًا.

والثّانِي: مَعْناهُ لا تَأْخُذُوا عَلى تَعْلِيمِها أجْرًا.

﴿ وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ ﴾ ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾ ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ وفي اخْتِلافِ هَذِهِ الآيِ الثَّلاثِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها وارِدَةٌ في اليَهُودِ دُونَ المُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةَ، والبَراءِ، وعِكْرِمَةَ.

الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ، وحُكْمُها عامٌّ في جَمِيعِ النّاسِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وإبْراهِيمَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ بِالكافِرِينَ أهْلَ الإسْلامِ، وبِالظّالِمِينَ اليَهُودَ، وبِالفاسِقِينَ النَّصارى، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّ مَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ جاحِدًا بِهِ، فَهو كافِرٌ، ومَن لَمْ يَحْكم مُقِرًّا بِهِ فَهو ظالِمٌ فاسِقٌ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله: ﴿ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ﴾ يعني هدى من الضلالة، ونور من العمى ﴿ يحكم بها النبيون ﴾ يحكمون بما في التوراة من لدن موسى إلى عيسى ﴿ للذين هادوا ﴾ لهم وعليهم، ثم قال ويحكم بها ﴿ الربانيون والأحبار ﴾ أيضاً بالتوراة ﴿ بما استحفظوا من كتاب الله ﴾ من الرجم والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس ﴾ في أمر محمد صلى الله عليه وسلم والرجم يقول: اظهروا أمر محمد والرجم ﴿ واخشون ﴾ في كتمانه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار ﴾ قال: أما الربانيون.

ففقهاء اليهود، وأما الأحبار.

فعلماؤهم.

قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لما أنزلت هذه الآية: نحن نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ يحكم بها النبيون الذين أسلموا ﴾ قال: النبي صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الأنبياء يحكمون بما فيها من الحق.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ والربانيون والأحبار ﴾ قال: الفقهاء والعلماء.

وأخرج عن مجاهد قال: ﴿ الربانيون ﴾ العلماء الفقهاء، وهم فوق الأحبار.

وأخرج عن قتادة قال: ﴿ الربانيون ﴾ فقهاء اليهود ﴿ والأحبار ﴾ العلماء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: «كان رجلان من اليهود أخوان يقال لهما ابنا صوريا، قد اتبعا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسلما، وأعطياه عهداً أن لا يسألهما عن شيء في التوراة إلا أخبراه به، وكان أحدهما ربيّا والآخر حبراً، وإنما الأمر كيف حين زنى الشريف وزنى المسكين وكيف غيروه، فأنزل الله: ﴿ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ﴾ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ والربانيون والأحبار ﴾ هما ابنا صوريا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الربانيون.

الفقهاء العلماء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والربانيون ﴾ قال: هم المؤمنون ﴿ والأحبار ﴾ قال: هم القراء ﴿ كانوا عليه شهداء ﴾ يعني الربانيون والأحبار هم الشهداء لمحمد صلى الله عليه وسلم بما قال أنه حق جاء من عند الله، فهو نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم أتته اليهود فقضى بينهم بالحق» .

وأخرج ابن المنذر وابن جريج ﴿ فلا تخشوا الناس واخشون ﴾ لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن عساكر عن نافع قال: كنا مع ابن عمر في سفر فقيل إن السبع في الطريق قد حبس الناس، فاستحث ابن عمر راحلته، فلما بلغ اليه برك فعرك أذنه وقعده، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما يسخط على ابن آدم من خافه ابن آدم، ولو أن ابن آدم لم يخف إلا الله لم يسلط عليه غيره، وإنما وكل ابن آدم عن رجال ابن آدم، ولو أن ابن آدم لم يرج إلا الله لم يكله إلى سواه» .

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ فلا تخشوا الناس ﴾ فتكتموا ما أنزلت ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ على أن تكتموا ما أنزلت.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ قال: لا تأكلوا السحت على كتابي.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله ﴾ فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق.

وأخرج سعيد بن منصور والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ﴾ [ المائدة: 45] ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ﴾ [ المائدة: 47] قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.

وأخرج سعيد بن منصور وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: إنما أنزل الله: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ والظالمون، والفاسقون، في اليهود خاصة.

وأخرج ابن جرير عن أبي صالح قال: الثلاث الآيات التي في المائدة ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ هم الظالمون، هم الفاسقون، ليس في أهل الإسلام منها شيء، هي في الكفار.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ هم الظالمون، هم الفاسقون، نزلت هؤلاء الآيات في أهل الكتاب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله...

﴾ الآيات.

قال: نزلت الآيات في بني إسرائيل، ورضي لهذه الأمة بها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون...

﴾ قال: نزلت في اليهود، وهي علينا واجبة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن الشعبي قال: الثلاث آيات التي في المائدة ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله ﴾ أولها في هذه الأمة، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ قال: من حكم بكتابه الذي كتب بيده وترك كتاب الله، وزعم أن كتابه هذا من عند الله فقد كفر.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن حذيفة أن هذه الآيات ذكرت عنده ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ والظالمون، والفاسقون، فقال رجل: ان هذا في بني إسرائيل.

قال حذيفة: نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل، إن كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة، كلا والله لتسلكن طريقهم قدر الشراك.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: نعم القوم أنتم إن كان ما كان من حُلو فهو لكم، وما كان من مُر فهو لأهل الكتاب، كأنه يرى أن ذلك في المسلمين ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي مجلز ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ قال: نعم.

قالوا ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ﴾ قال: نعم.

قالوا: فهؤلاء يحكمون بما أنزل الله.

قال: نعم، هو دينهم الذي به يحكمون، والذي به يتكلمون وإليه يدعون، فإذا تركوا منه شيئاً علموا أنه جور منهم، إنما هذه اليهود والنصارى والمشركون الذين لا يحكمون بما أنزل الله.

وأخرج عبد بن حميد عن حكيم بن جبير قال: سألت سعيد بن جبير عن هذه الآيات في المائدة ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ﴾ ، ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ﴾ فقلت: زعم قوم أنها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا قال: اقرأ ما قبلها وما بعدها، فقرأت عليه فقال: لا، بل نزلت علينا، ثم لقيت مقسماً مولى ابن عباس، فسألته عن هذه الآيات التي في المائدة، قلت: زعم قوم أنها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا.

قال: إنه نزل على بني إسرائيل ونزل علينا، وما نزل علينا وعليهم فهو لنا ولهم، ثم دخلت على علي بن الحسين فسألته عن هذه الآيات التي في المائدة، وحدثته أني سألت عنها سعيد بن جبير ومقسماً قال: فما قال مقسم؟

فأخبرته بما قال.

قال صدق، ولكنه كفر ليس ككفر الشرك، وفسق ليس كفسق الشرك، وظلم ليس كظلم الشرك، فلقيت سعيد بن جبير فأخبرته بما قال: فقال سعيد بن جبير لابنه: كيف رأيته، لقد وجدت له فضلاً عليك وعلى مقسم.

وأخرج سعيد بن منصور عن عمر قال: ما رأيت مثل من قضى بين إثنين بعد هذه الآيات.

وأخرج سعيد قال: استُعمل أبو الدرداء على القضاء، فأصبح يهينه.

قال: تهينني بالقضاء وقد جعلت على رأس مهواة منزلتها أبعد من عدن وأبين، ولو علم الناس ما في القضاء لأخذوه بالدول رغبة عنه وكراهية له، ولو يعلم الناس ما في الأذان لأخذوه بالدول رغبة فيه وحرصاً عليه.

وأخرج ابن سعد عن يزيد بن موهب.

أن عثمان قال لعبد الله بن عمر: اقض بين الناس، قال: لا أقضي بين إثنين ولا أؤم إثنين قال: لا، ولكنه بلغني أن القضاة ثلاثة.

رجل قضى بجهل فهو في النار، ورجل حاف ومال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو كفاف لا أجر له ولا وزر عليه.

قال: إن أباك كان يقضي؟

قال: إن أبي إذا أشكل عليه شيء سأل النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا أشكل على النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل، وإني لا أجد من أسأل أما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ؟

فقال عثمان: بلى.

قال: فاني أعوذ بالله أن تستعملني، فأعفاه وقال: لا تخبر بهذا أحداً» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: بلغني أن قاضياً كان في زمن بني إسرائيل، بلغ من اجتهاده أن طلب إلى ربه أن يجعل بينه وبينه علماً، إذا هو قضى بالحق عرف ذلك.

فقيل له: ادخل منزلك، ثم مد يدك في جدارك، ثم انظر كيف تبلغ أصابعك من الجدار، فاخطط عنده خطاً، فإذا أنت قمت من مجلس القضاء فارجع إلى ذلك الخط، فامدد يدك إليه فانك متى كنت على الحق فانك ستبلغه، وإن قصرت عن الحق قصر بك، فكان يغدو إلى القضاء وهو مجتهد، وكان لا يقضي إلا بالحق، وكان إذا فرغ لم يذق طعاماً ولا شراباً، ولا يفضي إلى أهله بشيء حتى يأتي ذلك الخط، فإذا بلغه حمداً لله وأفضى إلى كل ما أحل الله له من أهل أو مطعم أو مشرب، فلما كان ذات يوم وهو في مجلس القضاء أقبل إليه رجلان بدابة، فوقع في نفسه أنهما يريدان يختصمان إليه، وكان أحدهما له صديقاً وخدنا، فتحرك قلبه عليه محبة أن يكون له فيقضي له به، فلما إن تكلما دار الحق على صاحبه فقضى عليه، فلما قام من مجلسه ذهب إلى خطه كما كان يذهب كل يوم، فمد يده إلى الخط فإذا الخط قد ذهب وتشمر إلى السقف وإذا هو لا يبلغه، فخر ساجداً وهو يقول: يا رب، شيء لم أتعمده، فقيل له: أتحسبن أن الله لم يطلع على جور قلبك حيث أحببت أن يكون الحق لصديقك فتقضي له به، قد أردته وأحببته ولكن الله قد رد الحق إلى أهله وأنت لذلك كاره.

وأخرج الحكيم والترمذي عن ليث قال: تقدم إلى عمر بن الخطاب خصمان فأقامهما، ثم عادا ففصل بينهم، فقيل له في ذلك فقال: تقدما إليَّ، فوجدت لأحدهما ما لم أجد لصاحبه فكرهت أن افصل بينهما، ثم عادا فوجدت بعض ذلك فكرهت، ثم عادا وقد ذهب ذلك ففصلت بينهما.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ﴾ .

قال ابن عباس: فيها بيان لكل شيء وضياء لكل ما تشابه عليهم (١) وقال الزجاج: ﴿ فِيهَا هُدًى ﴾ بيان الحكم الذي جاءوا يستفتون فيه النبي  ﴿ وَنُورٌ ﴾ بيان أن أمر النبي  حق (٢) وقوله تعالى: ﴿ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد النبيين الذين كانوا بعد موسى، وذلك أن الله بعث في بني إسرائيل ألوفًا من الأنبياء ليس معهم كتاب، إنما بعثهم بإقامة التوراة، أن يحدوا حدودها، ويقوموا بفرائضها، ويحلوا حلالها ويحرموا حرامها (٣) ومعنى قوله: ﴿ النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ﴾ أي: الذين انقادوا لحكم التوراة، فإن من الأنبياء من لم تكن شريعته شريعة التوراة (٤) وهذا معنى قول مقاتل؛ لأنه قال: يحكم بما في التوراة الأنبياء من لدن موسى إلى عيسى -عليهما السلام- (٥) وقال الحسن وقتادة وعكرمة والزهري والسدي: محمد  داخل في جملة هؤلاء الأنبياء الذين ذكرهم الله؛ لأنه حكم على اليهوديين بالرجم، وكان هذا حكم التوراة (٦) وقال أهل المعاني: فعلى هذا يمكن أن يقال: المراد بقوله: ﴿ النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ﴾ محمد  ، فذكره بلفظ الجمع (٧) ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ ﴾ الآية [النساء: 54] يعني بالناس محمدًا وحده، وجاز ذلك لأنه اجتمع فيه من الفضل والخصال الحميدة ما يكون في جماعة من الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً  ﴾ على هذا المعنى (٨) وقال ابن الأنباري: هذا رد على اليهود والنصارى في دعواهم؛ لأن بعضهم كانوا يقولون: إن الأنبياء كانوا يهودًا، وبعضهم يقولون: إنهم كانوا نصارى.

فقال الله تعالى: ﴿ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ ﴾ الذين ليسوا على ما تصفونهم به من اليهودية والنصرانية (٩) وقوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ هَادُوا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد تابوا، يعني من الكفر (١٠) واللام في قوله: ﴿ لِلَّذِينَ ﴾ من صلة قولهم: ﴿ يَحْكُمُ ﴾ أي يحكمون بالتوراة لهم وفيما بينهم (١١) قال الزجاج: وجائز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير، على معنى: إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا والربانيون (١٢) ومضى تفسير الربانيين (١٣) فأما الأحبار فقال ابن عباس: هم الفقهاء (١٤) واختلف أهل اللغة في واحده واشتقاقه، فقال أبو عبيد: بعضهم يقول: حَبْر، وبعضهم يقول: حِبْر (١٥) (١٦) (١٧) وكان أبو الهيثم يقول: حَبر، بالفتح لا غير (١٨) (١٩) وقال الليث: هو حَبْر وحِبْر، للعالم ذميًا كان أو مسلمًا بعد أن يكون من أهل الكتاب (٢٠) وقال الزجاج: الأحبار هم العلماء الخيّار (٢١) وأما اشتقاقه فقال قوم: أصله من التحبير وهو التحسين، فالعالم (٢٢) (٢٣) وقال آخرون.

هو من الحِبر الذي يكتب به.

وهو قول الكسائي وأبي عبيد (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد بما استودعوا من كتاب الله (٢٥) في (ما) يجوز أن يكون من صلة الأحبار (٢٦) (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ﴾ .

قال عطاء عن ابن عباس: وكانوا شهداء على الكتاب أنه من عند الله وحده لا شريك له (٢٨) ورُوي عن ابن عباس أيضاً: أنهم كانوا شهداء على حكم النبي  أنه في التوراة (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾ .

قال الكلبي ومقاتل: فلا تخشوا الناس في إظهار صفة محمد والرجم، واخشوني في كتمان ذلك (٣٠) (٣١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ﴾ .

قال ابن عباس: يريد بأحكامي وفرائضي، ﴿ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ يريد متاع الدنيا قليل؛ لأنه ينقطع ويذهب (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ .

اختلفوا (في (٣٣) ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ ، ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ .

فقال جماعة من المفسرين: إن الآيات الثلاثة نزلت في الكفار ومن غير حكم الله من اليهود، وليس في أهل الإسلام منها شيء؛ لأن المسلم وإن ارتكب كبيرة لا يقال: إنه كافر.

وهذا قول الضحاك وقتادة وأبي صالح (٣٤) (٣٥) ورواه البراء عن النبي  ، أخبرنا أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم بن يحيى (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢)  أنه رجم يهوديًا ويهودية، ثم قال: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ ، ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ ، ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ قال: "نزلت كلها في الكفار" رواه مسلم في "الصحيح" (٤٣) وقال آخرون: ومن لم يحكم بما أنزل الله ردًّا للقرآن، وتكذيبًا للنبي  ، فقد كفر (٤٤) قال مجاهد في الآيات الثلاث: من ترك الحكم بما أنزل الله ردًا لكتاب الله، فهو كافر ظالم فاسق (٤٥) وقال عكرمة: ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق (٤٦) وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي (٤٧) (٤٨) قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون المعنى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلًا يضاهي أفعال الكفار، ويشبه من أجل ذلك الكافرين (٤٩) وروى معنى هذا عن ابن عباس، قال طاوس: قلت لابن عباس: أكافر من لم يحكم بما أنزل؟

فقال: به كَفَرة (٥٠) (٥١) ونحو هذا رُوي عن عطاء في هذه الآية، قال: هو كُفر دون كفر (٥٢) وقال عبد العزيز بن يحيى الكِنَاني: إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه، فكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق، فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك، ثم لم يحكم بما أنزل الله من الشرائع، فليس هو من أهل هذه الآية (٥٣) وقال ابن مسعود والحسن وإبراهيم: هذه الآيات عامة في اليهود وفي هذه الأمة، وكل من ارتشى، وبدل الحكم، فحكم بغير حكم الله، فقد كفر (٥٤) (٥٥) وهؤلاء ذهبوا إلى ظاهر الخطاب.

(١) لم أقف عليه.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 178.

(٣) انظر: "تفسير المقباس" بهامش المصحف ص 115.

(٤) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 249، "بحر العلوم" 1/ 439، "زاد المسير" 2/ 363.

(٥) أورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 506، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.

(٦) هذا معنى قولهم، وأخرج الآثار عنهم الطبري في "تفسيره" 6/ 249.

وانظر: "النكت والعيون" 2/ 41، "زاد المسير" 2/ 363.

(٧) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 178، "النكت والعيون" 2/ 41، البغوي في "تفسيره" 3/ 60، "زاد المسير" 2/ 364.

(٨) انظر: البغوي في "تفسيره" 3/ 60، "زاد المسير" 2/ 364.

(٩) انظر: "التفسير الكبير" 12/ 3.

(١٠) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 888، وانظر: "زاد المسير" 2/ 364.

(١١) انظر: "الدر المصون" 4/ 270.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 178، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 312، والبغوي في "تفسيره" 3/ 60.

(١٣) ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ  ﴾ ، حيث إن هذه الكلمة: الربانيون أول ما وردت في القرآن في هذا الموضع.

انظر: "البسيط" نسخة دار الكتب 2/ ل70.

قال الطبري في "تفسيره" 6/ 249: والربانيون جمع رباني، وهم العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس وتدبيرهم أمورهم والقيام بمصالحهم.

انظر: "معاني الزجاج" 2/ 178.

(١٤) لم أقف عليه، وقال بهذا مجاهد وعكرمة.

انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 250 ، 251.

(١٥) "غريب الحديث" 1/ 60، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 721 (حبر).

(١٦) "غريب الحديث" 1/ 60، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 250، "تهذيب اللغة" 1/ 721 (حبر).

(١٧) "غريب الحديث" 1/ 60، "تهذيب اللغة" 1/ 721 (حبر).

(١٨) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 721 (حبر).

(١٩) "تهذيب اللغة" 1/ 721 (جبر).

(٢٠) "العين" 3/ 218، "تهذيب اللغة" 1/ 721 (جبر).

(٢١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 179.

(٢٢) في (ش): (والعالم).

(٢٣) "النكت والعيون" 2/ 42، وانظر: "العين" 3/ 218، "تهذيب اللغة" 1/ 721، "اللسان" 2/ 749 (جبر).

(٢٤) انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 60، وتقدم قوله، وانظر: "اللسان" 2/ 748 (حبر).

(٢٥) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 888، وانظر: "زاد المسير" 2/ 365.

(٢٦) الطبري في "تفسيره" 6/ 250، وانظر: "زاد المسير" 2/ 365.

(٢٧) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 178.

(٢٨) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 888 دون، ولم أقف عليه.

(٢٩) رواه أبو صالح عن ابن عباس.

انظر: "زاد المسير" 2/ 365.

وأخرج الطبري في "تفسيره" 6/ 251 عن ابن عباس من طريق عطية أنه قال: يعني الربانيين، والأحبار هم الشهداء لمحمد  بما قال أنه حق من عند الله، فهو نبي الله محمد ، أتته اليهود فقضى بينهم بالحق.

(٣٠) عن مقاتل في "تفسيره" 1/ 479، وأورده في "الدر المنثور" 2/ 506 وعزاه إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ.

أما عن الكلبي ففي "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 115.

(٣١) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 251، "زاد المسير" 2/ 365، وقد ذكر ابن الجوزي قولًا آخر وهو أن الخطاب للمسلمين، قيل: لا تخشوا الناس كما خشيت اليهود الناس.

(٣٢) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 888 دون نسبة، ولم أقف عليه.

(٣٣) سقط هذا الحرف من (ج).

(٣٤) أخرج الآثار عنهم الطبري في "تفسيره" 6/ 252 - 253، وانظر: البغوي في "تفسيره" 3/ 61، "زاد المسير" 2/ 366.

(٣٥) لم أقف على هذه الرواية، وقد جاء عن ابن عباس أن المراد كفر دون كفر.

انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 256، وثبت عنه قوله: من جحد ما أنزل الله فقد كفر "تفسيره" ص 179، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 257.

(٣٦) جاء اسمه هكذا: محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى -فيحيى جد أبيه- المُزَكَّي النيسابوري المحدث الصادق المعمر، من شيوخ الواحدي، توفي -رحمه الله- سنة 427 هـ.

انظر: "المنتخب من السياق" ص 32، "سير أعلام النبلاء" 17/ 551، "شذرات الذهب" 3/ 233.

(٣٧) لم أقف على ترجمته.

(٣٨) الحضرمي الملقب بـ: مُطَيّن، محدث الكوفة، شيخ حافظ ثقة جبل، يقول في سبب تلقيبه بمطين: كنت صبيًا ألعب مع الصبيان وكنت أطولهم فنسبح ونخوض فيطينون ظهري فلقبه أبو نعيم بذلك.

صنف "كتاب التفسير"، "المسند"، "التاريخ"، توفي -رحمه الله- سنة 297 هـ وقيل 298 هـ.

انظر: "الفهرست" ص 316، "سير أعلام النبلاء" 14/ 41، 42، "ميزان الاعتدال" 3/ 607.

(٣٩) عبد الله بن محمد بن القاضي العبسي الكوفي، الإِمام العلم المشهور، من أقران الإِمام أحمد وابن المديني وغيرهما، وصاحب الكتب الكبار: "المسند"، "المصنف"، "التفسير"، توفي -رحمه الله- سنة 235 هـ انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 57، "سير أعلام النبلاء" 11/ 122، "ميزان الاعتدال" 2/ 490.

(٤٠) هو محمد بن خازم مولى بني سعد بن مناة بن تميم، تقدمت ترجمته.

(٤١) هو أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي الكوفي، ثقة حافظ ورع لكنه يدلس وقد أخرج حديثه الجماعة، وكان عارفًا بالقراءات.

توفي -رحمه الله- سنة 147 هـ.

انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 432، "طبقات القراء" لابن الجزري 1/ 315، "التقريب" ص 254 (2615).

(٤٢) عبد الله بن مرة الهمداني الخارفي الكوفي، من ثقات التابعين، وحديثه عند الجماعة، توفي سنة 100هـ، وقيل قبلها.

انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 59، "تهذيب == التهذيب" 2/ 430، "التقريب" ص 322 (3607).

(٤٣) "صحيح مسلم" (1700)، كتاب: الحدود، باب: رجم اليهود، وأخرجه المؤلف في "الوسيط" 3/ 889.

(٤٤) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 257.

(٤٥) لم أقف عليه، وقد ذكر نحوه غير منسوب.

النحاس في "معاني القرآن" 2/ 315.

(٤٦) لم أقف عليه عن عكرمة، وقد أخرج الطبري في "تفسيره" عنه قوله: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ ، و ﴿ الظَّالِمُونَ ﴾ ، و ﴿ الْفَاسِقُونَ ﴾ لأهل الكتاب كلهم، لما تركوا من كتاب الله.

"جامع البيان" 6/ 253.

(٤٧) "تفسيره" ص 179، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 257.

(٤٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 178.

(٤٩) لم أقف عليه.

(٥٠) في المصادر التي ستأتي عند تخريجه: كفر.

(٥١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 256، والحاكم بمعناه في "المستدرك" 2/ 313، وذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 891، وانظر: البغوي في "تفسيره" 3/ 61، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 70.

(٥٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 256، وذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 61.

(٥٣) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 891، وانظر: البغوي في "تفسيره" 3/ 61، "البحر المحيط" 3/ 493.

(٥٤) هذا معنى الآثار عنهم وقد أخرجها الطبري في "تفسيره" 6/ 256 - 257، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 43، "زاد المسير" 2/ 366.

(٥٥) أخرج قوله الطبري في "تفسيره" 6/ 257.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ النبيون الذين أَسْلَمُواْ ﴾ هم الأنبياء الذين بين موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، ومعنى أسلموا هنا أخلصوا لله وهو صفة مدح أريد به التعريض باليهود؛ لأنه بخلاف هذه الصفة، وليس المراد هنا الإسلام الذي هو ضد الكفر؛ لأن الأنبياء لا يقال فيهم: أسلموا على هذا المعنى، لأنهم لم يكفروا قط، وإنما هو كقول إبراهيم عليه السلام: أسلمت لرب العالمين، وقوله تعالى فقل: أسلمت وجهي لله ﴿ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ متعلق بيحكم أي يحكم الأنبياء بالتوراة للذين هادوا، ويحملونهم عليها، ويتعلق بقوله فيه هدى ونور ﴿ بِمَا استحفظوا ﴾ أي كلفوا حفظه، والباء هنا سببية قاله الزمخشري، ويحتمل أن تكون بدلاً من المجرور في قوله يحكم بها ﴿ فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس ﴾ وما بعده خطاباً لليهود، أن تكون وصية للمسلمين يراد بها التعريض باليهود، لأن ذلك من أفعالهم ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون ﴾ قال ابن عباس: نزلت الثلاثة في اليهود: الكافرون، والظالمون، والفاسقون، وقد روي في هذا أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال جماعة: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود والمسلمين وغيرهم، إلا أن الكفر في حق المسلمين كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان، وقال الشافعي: الكافرون في المسلمين، والظالمون في اليهود، والفاسقون في النصارى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ السحت ﴾ بضمتين: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد وعلي.

الباقون بسكون العين.

﴿ واخشوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل ﴿ والعين ﴾ وما بعده بالرفع علي وافق أبو عمرو وابن كثير وابن عامر ويزيد في ﴿ والجروح ﴾ بالرفع.

﴿ والأذن ﴾ وبابه بسكون العين: نافع.

﴿ وليحكم ﴾ بالنصب: حمزة.

الباقون بالجزم.

الوقوف: ﴿ قلوبهم ﴾ ج أي ومن الذين هادوا قوم سماعون، وإن شئت عطفت ﴿ ومن الذين هادوا ﴾ على ﴿ من الذين قالوا آمنا ﴾ ووقفت على ﴿ هادوا ﴾ واستأنفت بقوله ﴿ سماعون ﴾ راجعاً إلى الفئتين، والأول أجود لأن التحريف محكي عنهم وهو مختص باليهود ﴿ آخرين ﴾ لا لأن ما بعده صفة لهم.

﴿ لم يأتوك ﴾ ط ﴿ مواضعه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاسئناف ﴿ فاحذروا ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ للسحت ﴾ ط لأن المشروط غير مخصوص بما يليه ﴿ أعرض عنهم ﴾ ج ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ المقسطين ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط لتناهي الاستفهام ﴿ بالمؤمنين ﴾ ه ﴿ ونور ﴾ ج لاحتمال ما بعده/ الحال والاستئناف ﴿ شهداء ﴾ ط لاختلاف النظم مع فاء التعقيب ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ بالنفس ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والعين ﴾ وما بعده بالرفع ﴿ بالسن ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والجروح ﴾ بالرفع ﴿ قصاص ﴾ ط لابتداء الشرط ﴿ كفارة له ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ من التوراة ﴾ الأولى ص لطول الكلام ﴿ ونور ﴾ ط لأن الحال بعده معطوف على محل الجملة قبله الواقعة حالاً.

﴿ للمتقين ﴾ ط لمن قرأ ﴿ وليحكم ﴾ بالنصب ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه.

التفسير: خاطب محمداً  بقوله: ﴿ يا أيها النبي ﴾ في مواضع ولم يخاطبه بقوله: ﴿ يا أيها الرسول ﴾ إلا ههنا وفي قوله: ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك  ﴾ ولا شك أنه خطاب تشريف وتعظيم شرف به في هذه السورة التي هي آخر السورة نزولاً حيث تحققت رسالته في الواقع.

أما وجه النظم فهو أنه  لما بين بعض التكاليف والشرائع وكان قد علم مسارعة بعض الناس إلى الكفر فلا جرم صبر رسول الله  على تحمل ذلك ووعده أن ينصره عليهم ويكفيه شرهم.

والمراد بمسارعتهم في الكفر تهافتهم فيه وحرصهم عليه حتى إذا وجدوا فرصة لم يخطؤها.

﴿ آمنا بأفواههم ﴾ فيه تقديم وتأخير أي قالوا بأفواههم آمنا ﴿ سماعون للكذب ﴾ قابلون لما يفتعله أحبارهم من الكذب على الله وتحريف كتابه والطعن في نبوة محمد  من قولك: الملك يسمع كلام فلان أي يقبله ﴿ سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ﴾ أي قابلون من الأحبار ومن الذين لم يصلوا إلى مجلسك من شدة البغضاء وإفراط العداوة، ويحتمل أن يراد نفس السماع.

واللام في ﴿ للكذب ﴾ لام التعليل أي يسمعون كلامك لكي يكذبوا عليك ﴿ يحرّفون الكلم ﴾ مبدلين ومغيرين سماعون لأجل قوم آخرين وجوههم عيوناً وجواسيس ﴿ من بعد مواضعه ﴾ أي التي وضعها الله فيها من أمكنة الحل والحظر والفرض والندب وغير ذلك، أو من وجوه الترتيب والنظم فيهملوها بغير مواضع بعد أن كانت ذات موضع ﴿ إن أوتيتم هذا ﴾ المحرّف المزال عن موضعه ﴿ فخذوه ﴾ واعلموا أنه الحق واعملوا به ﴿ وإن لم تؤتوه ﴾ وأفتاكم محمد  بخلافه ﴿ فاحذروا ﴾ فهو الباطل.

عن البراء بن عازب قال: مُرّ على النبي  بيهودي محمم مجلود فقال: "هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟

قالوا: نعم.

فدعا رجلاً من علمائهم فقال  : أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟

قال: لا، ولولا أنك نشدتني لم أخبرك.

نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحد فقلنا: تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم.

فقال رسول الله  : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه به فرجم" فأنزل الله الآية إلى قوله: ﴿ إن أوتيتم هذا ﴾ / يقولون ائتوا محمداً  فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوا به، إن أفتاكم بالرجم فاحذروا.

وفي رواية أخرى "أن شريفاً من خيبر زنى بشريفة وهما محصنان وحدهما الرجم في التوراة، فكرهوا رجمهما لشرفهما فبعثوا رهطاً منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله  عن ذلك وقالوا: إن أمركم محمد  بالجلد والتحميم فاقبلوا، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا وأرسلوا الزانيين معهم، فأمرهم بالرجم فأبوا أن يأخذوا به فقال له جبريل  : اجعل بينك وبينهم ابن صوريا فقال: هل تعرفون شاباً أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا؟

قالوا.

نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض ورضوا به حكماً.

فقال له رسول الله  : أنشدك الله الذي لا إله إلاّ هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون.

والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه، هل تجدون فيه الرجم على من أحصن؟

قال: نعم.

فوثب عليه سفلة اليهود فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب.

ثم سأل رسول الله  عن أشياء كان يعرفها من أعلامه فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنك رسول الله النبي الأمي العربي الذي بشر به المرسلون.

وأمر رسول الله  بالزانيين فرجما عند باب مسجده" .

قال العلماء القائلون برجم الثيب الذمي ومنهم الشافعي: إن كان الأمر برجم الثيب الذمي من دين الرسول  فهو المقصود، وإن كان مما ثبت في شريعة موسى  فالأصل بقاؤه إلى طريان الناسخ، ولم يوجد في شرعنا ما يدل على نسخه، وبهذا الطريق أجمع العلماء على أن قوله  : ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ﴾ حكمه باق في شرعنا ﴿ ومن يرد الله فتنته ﴾ ظاهر الآية أن المراد بالفتنة أنواع الكفر التي حكاها عن اليهود وغيرهم.

والمعنى ومن يرد الله كفره وضلالته فلن يقدر أحد على دفع ذلك.

ثم أكد هذا بقوله: ﴿ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ﴾ وفيه دليل على أنه تعالى لا يريد إسلام الكافر وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك ولو فعل لآمن.

والمعتزلة فسروا الفتنة بالعذاب كقوله: ﴿ يوم هم على النار يفتنون  ﴾ أو بالفضيحة أو بالإضلال أي تسميته ضالاً، أو المراد ومن يرد الله اختباره فيما يبتليه من التكاليف ثم إنه يتركها ولا يقوم بأدائها ﴿ فلن تملك له من الله ﴾ ثواباً ولا نفعاً.

ثم قال: ﴿ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ﴾ بالألطاف لأنه  علم أنه لا فائدة في تلك الألطاف لأنها لا تنجع في قولهم، أو يطهر قلوبهم من الحرج والغم والوحشة الحالة على كفره، أو هو استعارة عن سقوط وقعه عند الله  وأنه غير ملتفت إليه بسبب قبح أفعاله وسوء أعماله.

ثم وصف اليهود بقوله: ﴿ سماعون للكذب أكالون للسحت ﴾ وهو الحرام وكل ما لا يحل كسبه من سحته وأسحته أي استأصله لأنه مسحوت البركة، ومال مسحوت أي مذهب.

قال/ الليث: السحت حرام يحصل منه العار وذلك أنه يسحت فضيلة الإنسان ويستأصلها.

ورجل مسحوت المعدة إذا كان أكولاً لا يلفى إلاّ جائعاً أبداً كأنه يستأصل كل ما يصل إليه من الطعام.

والسحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستكساب في المعصية روي ذلك عن علي  وعمر عثمان وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد، وزاد بعضهم ونقص بعضهم وكل ذلك يرجع إلى الحرام الخسيس الذي لا يكون فيه بركة ويكون فيه عار بحيث يخفيه صاحبه لا محالة.

قال الحسن: كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه من كان مبطلاً في دعواه برشوة سمع كلامه ولا يلتفت إلى خصمه فكان يسمع الكذب ويأكل السحت.

وقيل: كان فقراؤهم يأخذون من أغنيائهم مالاً ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية فكانوا يسمعون أكاذيب الأغنياء ويأكلون السحت.

وقيل: سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها إلى التوراة، أكالون للربا لقوله  : ﴿ وأخذهم الربا  ﴾ ﴿ فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ﴾ خيره الله  بين الحكم والإعراض.

فقيل: إن هذا الخبر مختص بالمعاهدين الذين لا ذمة لهم.

وقيل: إنه في أمر خاص وهو رجم المحصن قاله ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري: وقيل: في قتيل قتل من اليهود في بني قريظة والنضير وكان في بني النضير شرف وكانت ديتهم كاملة وفي قريظة نصف دية، فتحاكموا إلى النبي  فجعل الدية سواء.

وعن النخعي والشعبي وقتادة وعطاء وأبي بكر الأصم وأبي مسلم أن الآية عامة في كل ما جاء من الكفار، وأن الحكم ثابت في سائر الأحكام غير منسوخ.

وعن ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وهو مذهب الشافعي أن هذا التخيير منسوخ في في حق غير المعاهدين بقوله  : ﴿ وأن احكم بينهم بما أنزل الله  ﴾ فيجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغاراً لهم.

وأهل الحجاز بعضهم لا يرون إقامة الحدود عليهم يذهبون إلى أنهم قد صولحوا على شركهم وهو أعظم من الحدود ويقولون: إن النبي  رجم اليهوديين قبل نزول الجزية، ثم إنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلاّ لطلب الأسهل والأخف كالجلد مكان الرجم، فإذا أعرض  عنهم وأبى الحكومة بينهم شق عليهم وعادوا فآمنه الله بقوله: ﴿ وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ﴾ بالعدل والاحتياط كما حكمت في الرجم ﴿ وكيف يحكمونك ﴾ تعجيب من الله لرسوله  من تحكيمهم لوجوه منها: عدولهم عن حكم كتابهم، ومنها رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدونه مبطلاً، ومنها إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه وهذا غاية الجهالة ونهاية العناد.

والواو/ في قوله: ﴿ وعندهم ﴾ للحال من التحكيم والعامل ما في الاستفهام من التعجيب.

أما قوله: ﴿ فيها حكم الله ﴾ فإما أن ينتصب حالاً من التوراة على ضعف وهي مبتدأ خبره ﴿ عندهم ﴾ وإما أن يرتفع خبراً عنها والتقدير وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله فيكون ﴿ عندهم ﴾ متعلق بالخبر، وإما أن لا يكون له محل ويكون جملة مبينة لأن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم كقولك: عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره.

وأنثت التوراة لما فيها من صورة تاء التأنيث.

﴿ ثم يتولون ﴾ عطف على ﴿ يحكمونك ﴾ و "ثم" لتراخي الرتبة أي ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم ﴿ وما أولئك بالمؤمنين ﴾ إخبار بأنهم لا يؤمنون أبداً، أو المراد أنهم غير مؤمنين بكتابهم كما يدعون، أو المراد أنهم غير كاملين في الإيمان على سبيل التهكم بهم.

ثم رغب اليهود في أن يكونوا كمتقدميهم من أنبيائهم ومسلمي أحبارهم فقال: ﴿ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ﴾ ونور العطف يقتضي التغاير فقيل: الهدى بيان الأحكام والشرائع والنور بيان التوحيد والنبوة والمعاد.

وقال الزجاج: الهدى بيان الحكم الذي جاؤوا يستفتون فيه، والنور بيان أن أمر النبي  حق.

وقيل: فيها هدى يهدي للحق والعدل، ونور يبين ما استبهم من الأحكام، فهما عبارتان عن معبر واحد، وقد يستدل بالآية على أن شرع من قبلنا يلزمنا لأن الهدى والنور لا بد أن يكون أحدهما يتعلق بالفروع والآخر بالأصول وإلا كان تكراراً.

وأيضاً إنها نزلت في الرجم ومورد الآية لا بد أن يكون داخلاً فيها سواء قلنا إن غيره داخل أو خارج.

ويمكن أن يجاب بأن التكرار بعبارتين غير محذور أو بأن في الكلام تقديماً وتأخيراً والمراد فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون.

أما قوله: ﴿ الذين أسلموا ﴾ فأورد عليه أن كل نبي مسلم فما الفائدة في هذا الوصف؟

وأجيب بأنها صفة جارية على سبيل المدح لا التوضيح والكشف، وفيه تعريض باليهود أنهم بعداء عن ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء قديماً وحديثاً لأن غرض الأنبياء الانقياد لتكاليف الله وغرضكم من ادعاء الحكم بالتوارة أخذ الرشا من العوام، فالفريقان متباينان ولهذا أردفه بقوله: ﴿ للذين هادوا ﴾ أي يحكمون لأجلهم.

قال في الكشاف: قوله  : ﴿ الذين أسلموا للذين هادوا ﴾ مناد على أن اليهود بمعزل عن الإسلام.

قلت: هذا بناء على أن صفة الحاكمين يلزم أن تكون مغايرة لصفة المحكومين.

ولقائل أن يقول: بعد تسليم ذلك إنه لم لا يكفي مغايرة العام للخاص؟

وقال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي: المراد بالنبيين هو محمد  كقوله: ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ لأنه اجتمع فيه من الخصال ما كانت مفرقة في الأنبياء: وقيل: أسلموا أي انقادوا لحكم التوراة.

فمن الأنبياء من لم تكن/ شريعتهم شريعة موسى.

والربانيون قد مر تفسيره في آل عمران.

والأحبار عن ابن عباس هم الفقهاء، الواحد حبر بالفتح من قولهم: فلان حسن الحبر والسبر إذا كان جميلاً حسن الهيئة، أو حبر بالكسر من ذلك أيضاً لقولهم: حسن الحبر بالكسر أيضاً.

وفي الحديث: " "يخرج رجل من النار قد ذهب حبره وسبره" أي جماله وبهاؤه، وتحبير الخط والشعر تحسينه أو من هذا الحبر الذي يكتب به لكون العالم صاحب كتب.

قاله الفراء والكسائي وأبو عبيدة.

ثم إن ذكر الربانيين بعد النبيين يدل على أنهم أعلى حالاً من الأحبار فيشبه أن يكون الربانيون كالمجتهدين والأحبار كآحاد العلماء.

وقوله: ﴿ بما استحفظوا ﴾ إما أن يكون من صلة ﴿ يحكم ﴾ أي يحكم بها الربانيون والأحبار بسبب ما استحفظوا، أو يكون من صلة الأحبار أي العلماء بما استحفظوا بما سألهم أنبياؤهم حفظه.

و"من" في ﴿ من كتاب الله ﴾ للتبيين.

وقد أخذ الله  على العلماء أن يحفظوا كتابه من وجهين: أحدهما أن يحفظوه في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم، والثاني أن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه, وكانوا أي هؤلاء النبيون والربانيون والأحبار عليه على أن كل ما جاء في التوراة حق من عند الله شهداء رقباء لئلا يبدل، ويحتمل أن يعود ضمير ﴿ استحفظوا ﴾ إلى النبيين وغيرهم جميعاً والاستحفاظ من الله أي كلفهم الله حفظه وأن يكونوا عليه شهداء.

ثم نهى اليهود المعاصرين عن التحريف لرهبة فقال: ﴿ فلا تخشوا الناس واخشوني ﴾ وعن التغيير لرغبة فقال: ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ وهو الرشوة وابتغاء الجاه.

ثم عمم الحكم فقال: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ احتجت الخوارج بالآية على أن كل من عصى الله فهو كافر.

وللمفسرين في جوابهم وجوه: الأول انها مختصة باليهود وردّ بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب, ولا ريب أن لفظ "من" في معرض الشرط للعموم فلا وجه لتقدير ومن لم يحكم من هؤلاء المذكورين الذين هم اليهود لأنه زيادة في النص.

وقال عطاء: هو كفر دون كفر.

وقال طاوس: ليس بكفر الملة ولا كمن يكفر بالله واليوم الآخر.

فلعلهما أرادا كفران النعمة، وضعف بأن الكافر إذا أطلق يراد به الكافر في الدين.

وقال ابن الأنباري: المراد أنه يضاهي الكافر لأنه فعل فعلاً مثل فعل الكافر وزيف بأنه عدول عن الظاهر.

وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: معناه من أتى بضد حكم الله  في كل ما أنزل فيخرج الفاسق لأنه في الاعتقاد والإقرار موافق وإن كان في العمل مخالفاً.

واعترض بأن سبب النزول يخرج حينئذ لأنه نزل في مخالفة اليهود في الرجم فقط، ويمكن أن يقال: المحرّف داخل في الكل.

وقال عكرمة: إنما تتناول الآية من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما العارف المقر إذا أخل بالعمل فهو حاكم بما أنزل الله  ولكنه تارك فلا تتناوله الآية.

ثم إنه  لما بيّن أن حكم الزاني المحصن في التوراة هو الرجم واليهود غيروه/ أراد ان يبين أن نص التوراة هو قتل النفس بالنفس وأنهم بدّلوه حيث فضلوا بني النضير على بني قريظة فقال: ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ﴾ من قرأ المعطوفات كلها بالنصب فظاهر، ومن قرأ ما سوى الأوّل بالرفع فللعطف على محل النفس إذ المعنى وكتبنا عليهم في التوراة النفس بالنفس إما لإجراء ﴿ كتبنا ﴾ مجرى "قلنا" وإما بطريق الحكاية كقولك: كتبت الحمد لله وقرأت سورة "إن أنزلناه" وإما على سبيل الاستئناف والمعنى على جميع التقادير.

فرضنا عليهم فيها أن النفس مقتولة بالنفس إذا قتلتها بغير حق، والعين مفقوأة بالعين، والأنف مجدوع بالأنف، والأذن مصلومة بالأذن، والسن مقلوعة بالسن، والجروح ذات قصاص أي مقاصة.

وهذا تعميم للحكم بعد ذكر بعض التفاصيل والمراد منه كل ما يمكن المساواة فيه من الأطراف كالذكر والأنثيين والإليتين والقدمين واليدين، ومن الجراحات المضبوطة كالموضحة مثلاً وهي التي توضح العظم وتبدي وضحة وهو الضوء والبياض، وكذا منافع الأعضاء والأطراف كالسمع والبصر والبطش.

فأما الذي لا يمكن القصاص فيه كرض في لحم أو كسر في عظم أو خدش وإدماء في جلد ففي ذلك أرش أو حكومة وتفاصيلها فيكتب الفقه.

﴿ فمن تصدق به فهو كفارة له ﴾ الضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى القصاص وفي ﴿ هو ﴾ إلى التصدق الدال عليه الفعل.

وفي ﴿ له ﴾ وجهان: أحدهما أنه يعود إلى العافي المتصدق لما روى عبادة بن الصامت ان رسول الله  قال: " "من تصدق من جسده بشيء كفر الله  عنه بقدره من ذنوبه" وعن عبد الله بن عمرو: " "يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به" والثاني أنه يعود إلى الجاني المعفو عنه أي لا يؤاخذه الله  بعد ذلك العفو، وأما العافي فأجره على الله  ﴿ وقفينا على آثارهم ﴾ أي على آثار النبيين ﴿ بعيسى ابن مريم ﴾ أي عقبناهم به، فتعديته إلى المفعول الثاني بالباء.

وقوله: ﴿ على آثارهم ﴾ يسدّ مسد الأول لأنه إذا قفي به على أثره فقد قفي به إياه ﴿ مصدّقاً لما بين يديه ﴾ أي مقراً بأن التوراة كتاب منزل من عند الله  وأنه كان حقاً واجب العمل به قبل ورود ناسخه وهو الإنجيل المصدق أيضاً لكونه مبشراً بمبعث محمد  كالتوراة.

وأما النور فبيان الأحكام الشرعية وتفاصيل التكاليف، والهدى الأول أصول الديانات كالتوحيد والنبوات والمعاد، والهدى الثاني اشتماله على البشارة بمجيء محمد  لأن ذلك سبب اهتداء الناس إلى نبوته، واشتمال الإنجيل على المواعظ والنصائح والزواجر ظاهر وخص الجميع بالمتقين لأنهم هم المنتفعون بذلك.

ومن قرأ ﴿ وليحكم ﴾ بالجزم فإما إخبار عما قيل لهم في ذلك الوقت من الحكم بما تضمنه الإنجيل أي قلنا لهم ليحكموا بما فيه، وإما أمر مستأنف للنصارى بالحكم/ بما فيه كتابهم من الدلائل الدالة على نبوة محمد  ، أو مما لم يصر منسوخاً بالقرآن.

ومن قرأ بالنصب فلأنه علة فعل محذوف يدل عليه ما تقدمه أي ولأجل حكمهم بما فيه آتيناهم كتابهم، وعلى هذا يجوز أن يكون هدى وموعظة أيضاً غرضين معطوفين للحكم والله أعلم.

أما قوله: ﴿ الكافرون ﴾ ﴿ الظالمون ﴾ ﴿ الفاسقون ﴾ فللمفسرين فيه خلاف.

قال القفال: هو كقولك من أطاع الله فهو المؤمن من أطاع الله فهو المتقي، لأن كل ذلك أوصاف مختلفة حاصلة لموصوف واحد، فهذه كلها نزلت في الكفار.

وقال آخرون: الأول من الجاحد، والثاني والثالث في المقر التارك.

وقال الأصم: الأول والثاني في اليهود، والثالث في النصارى.

التأويل: سماعون لكذبات الشيطان في وساوسه والنفس في هواجسها ﴿ سماعون لقوم آخرين ﴾ يسنون السنة السيئة لغيرهم ﴿ يحرفون ﴾ يغيرون قوانين الشريعة بتمويهات الطبيعة وهذه حال مؤوّلي القرآن والأحاديث على وفق أهوائهم ﴿ سماعون للكذب أكالون للسحت ﴾ لأن الأخلاق الردية أورثتهم الأعمال الدنية.

فالأخلاق نتائج الأعمال والأعمال نتائج الأخلاق وكلها من نتائج الاستعداد الفطري ﴿ فإن جاؤك فاحكم بينهم ﴾ مداوياً لدائهم إن رأيت التداوي سبباً لشفائهم أو أعرض عنهم إن تيقنت إعواز الشفاء لشقائهم ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ﴾ داوهم على ما يستحقون من دائهم ﴿ بما استحفظوا من كتاب الله ﴾ الفرق بين بني إسرائيل وبين هذه الأمة أنهم استحفظوا التوراة فضيعوها وحرفوها، وقال في حقنا: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون  ﴾ ﴿ وكتبنا عليهم ﴾ كما أن في إهلاك النفس هلاك نفس المهلك ففي إحياء نفس الطالب بحياة الدين حياة نفس محييها، وفي معالجة عين قلبه وأنف قلبه وأذن قلبه وسن قلبه معالجة هذه الأعضاء بمزيد الإدراك.

﴿ فمن تصدق ﴾ بهذا الإحياء ﴿ فهو كفارة له ﴾ فيما فرط من إحياء نفسه ومعالجة قلبه طرفة عين.

﴿ ومن لم يحكم ﴾ على نفسه ﴿ بما أنزل الله ﴾ في تزكيتها وتحليتها فأولئك الذين ظلموا أنفسهم بوضع الحظوظ مقام الحقوق والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ...

﴾ الآية.

يحتمل وجوهاً: أحدها: ألا يحزنك كفر من كفر منهم.

ليس على النهي عن ذلك؛ ولكن ألا يحمل على نفسه بكفرهم ما يمنعه عن القيام بأمره، كقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات مما يشتد به الحزن بكفرهم؛ لشدة رغبته في إسلامهم.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ ﴾ ، أي: لا يحزنك تمرد هؤلاء وتكذيبهم إياك؛ فإن الله ناصرك ومظفرك ويظفر لك عليهم.

ويحتمل: لا يحزنك صنيع هؤلاء الكفرة وسوء عملهم؛ فإنك لا تؤاخذ بصنيعهم؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ ، [وكقوله -  -:] ﴿ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ  ﴾ .

وفي قوله  : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ ﴾ دلالة تفضيل رسول الله  على غيره من الأنبياء والرسل؛ لأنه - عز وجل - في جميع ما خاطب رسول الله  قال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ ﴾ ، و ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ﴾ ولم يُخَاطَبْ باسمه، وسائر الأنبياء - عليهم السلام - إنما خاطبهم بأسمائهم: ﴿ يٰمُوسَىٰ  ﴾ ، و ﴿ يَٰإِبْرَٰهِيمُ  ﴾ ، و ﴿ يٰنُوحُ  ﴾ ، وجميع من خاطب منهم أو ذكر إنما ذُكِرَ بأسمائهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ .

قال: قالوا: ﴿ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ ، ولم يقل: آمنوا بأفواههم؛ ليعلم أن القول به ليس هو من شرط الإيمان؛ إنما الإيمان هو تصديق القلب، لكن يعبر به اللسان عن قلبه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ ، والإيمان: هو التصديق في اللغة؛ لأن ضده التكذيب؛ فيجب أن يكون ضد التكذيب: التصديق.

والتصديق يكون بالقلب؛ حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ ، لكن اللسان يعبر عن ضميره، فهو ترجمان القلب فيما بين الخلق؛ فهذا يدل أيضاً على أن الإيمان ليس هو المعرفة؛ لأن الإيمان لو كان معرفة لكان يجب أن يكون ضده جهلاً؛ فلما كان ضدُّ الإيمان تكذيباً وجب أن يكون ضد التكذيب: التصديق، والتصديق والإيمان في اللغة سواء؛ ولأن المعرفة قد تقع في القلب على غير اكتساب فعل وإنما والتصديق لا يكون إلا باكتساب ترك مضادته وهو التكذيب؛ لذلك قلنا: إن الإيمان ليس هو المعرفة، ولكنه تصديق.

ثم اختلف في هؤلاء: قال بعضهم: هم المنافقون الذين كانوا يظهرون الإيمان باللسان، وقلوبهم كافرة.

وقال آخرون: هم اليهود والمنافقون ﴿ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ ، وهو قول ابن عباس،  .

﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ .

هذا يدل أن قوله -  -: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ في المنافقين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ .

يحتمل: سماعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم خبره، ﴿ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ خبره بالكذب، ومعناه - والله أعلم -: أنهم كانوا يستمعون إلى رسول الله  خبره، وما يقول لهم، ثم يأتون الذين لم يأتوا رسول الله  فيخبرونهم خلاف خبره وغير ما سمعوا منه.

وقيل: إن رسول الله  كان يقول: "إن في التوراة كذا من الأحكام والشرائع؛ فإذا سمع هؤلاء منه ذلك أتوا أولئك الذين لم يأتوا رسول الله  فيقولون: إنه كاذب، وليس في التوراة ما يقول هو، ونحو ذا" .

وقيل: إنهم كانوا طلائع الكفرة وعيوناً لهم، فإذا أتى لهم منهم خبر يخبرون ضعفة أصحاب رسول الله  خلاف ما أتاهم؛ نحو قولهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ  ﴾ ، كانوا يخشونهم؛ لئلا يغزوهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ﴾ .

يحتمل التحريف وجهين: يحتمل: تبديل الكتابة من الأصل؛ كقوله -  -: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ  ﴾ ويحتمل تغيير المعنى في العبارة على غير تدبيل الكتاب، يغيرون على السفلة، والذين لا يعرفون غير ما فهموا منه.

وقوله: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا ﴾ .

يعنون بـ"هذا": ما حرفوه وغيروه.

﴿ فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: نزلت الآية في رجل وامرأة من اليهود زنيا، وكان حكم الله في التوراة في الزنا: الرجم، وكانوا يرجمون الوضيع منهم إذا زنا، ولا يرجمون الشريف - وكانا في شرف وموضع، وكانا قد أحصنا، فكرهت اليهود رجمهما، وفي كتابهم الرجم، وكانوا أرادوا أن يرتفع الرجم من بينهم، وأن يكون حدهم الجلد؛ فذلك قوله -  -: ﴿ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا ﴾ - يعنون: الجلد - ﴿ فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ ، فكتبوا بذلك إلى رسول الله  وسألوا عن ذلك، فقالوا: "يا محمد، أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا: ما حَدُّهُمَا؟

وهل تجد فيهما الرجم فيما أنزل الله -  - عليك؟

فقال لهم رسول الله  : وَهَلْ تَرْضَوْنَ بِقَضَائِي فِي ذَلِكَ؟

قالوا: نعم؛ فنزل جبريل -  - بالرجم، وقال له: إن أبوا أن يأخذوا به، فاسألهم عن رجل منهم يقال له: ابن صوريا - وصفه له - فاجعله بينك وبينهم، فقال لهم رسول الله  : نَعَمْ، أَجِدُ فِيمَا أَنْزلَ اللهُ عَلَيَّ: أَنَّ الزَّانِيَةَ وَالزَّانِي إِذَا أُحْصِنَا وَفَجَرَا؛ فَإِنَّ عَلَيْهِمَا الرَّجْمَ، فنفروا عن ذلك؛ فقال لهم رسول الله  : أَتَعْرِفُونَ رَجُلاً شَابّاً صِفَتُهُ كَذَا، يُقَالُ لَهُ: ابنُ صُوريا؟

قالوا: نعم، قال: فَأَيُّ رَجُلٍ هُوَ فِيكُمْ؟

قالوا: هو أعلم يهودي على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى، قال: فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ ففعلوا؛ فأتاهم ابن صوريا، فقال له رسول الله  : أَنْتَ ابْنُ صُوريا؟

قال: نعم، قال: [وَأَنْتَ أَعْلَمُ اليَهُودِ؟]، قال: كذلك يزعمون، قال: اجْعَلُوهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ قالوا: نعم، رضينا به إذا رضيت، قال: فقال رسول الله  : فَإِنِّي أَنْشُدُكَ باللهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى: هَلْ تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمُ الَّذِي أَتَاكُمْ بِهِ مُوسَى [فِي التَّوْرَاةِ]: الرَّجْمَ عَلَى مَنْ أُحْصِنَ؟

قال ابن صوريا: نعم والذي ذكرتني، ولولا خشية أن تحرقني النار إن كذبت أو غيرت ما اعترفت لك" .

ففي هذا وجوه من الدلائل: أحدها: أنه سألهم عما كتموا من الأحكام والحقوق التي بينهم وبين الله  ؛ ليظهر خيانتهم وكذبهم فيما كتموا من نعت رسول الله  وصفته؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله، وفيه إثبات رسالته.

والثاني: أنهم طلبوا منه الرخصة والتخفيف في الحد؛ لأنهم عرفوا أنه [رسول الله  ]، لكنهم كابروا في الإنكار بعدما عرفوا أنه رسول الله حقّاً.

وفيه دلالة جواز شهادة بعضهم على بعض؛ لأنه قبل شهادة ابن صوريا عليهم حيث شهد بالرجم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ...

﴾ الآية: إنها نزلت في قتيل قتل عمداً بين قبيلتين: بني قريظة، والنضير، وكان القتيل من بني قريظة، وكان بنو النضير إذا قتلوا من بني قريظة لم يعطوهم القود، ولكن يعطونهم الدية، [وإذا] قتل بنو قريظة من بني النظير لم يرضوا إلا بالقود؛ يتعززون عليهم، فقدم رسول الله  المدينة فأرادوا أن يرفعوا أمرهم إلى رسول الله  ؛ ليحكم بينهم، فقال رجل من المنافقين: إن قتيلكم قتل عمداً، وأنا أخشى عليكم القود، فإن كان محمد أمركم بالدية وقبل منكم فأعطوه، وإلا فكونوا على حذر، فأخبر الله - عز وجل - نبيه  بما قالوا؛ فقال: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ ﴾ \[يعني: الدية\]، ﴿ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ .

فلا ندري فيم كانت القصّة، وفيه من الدلائل ما ذكرنا من إثبات الرسالة والنبوة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ ﴾ .

قيل: من يرد الله عذابه وإهلاكه؛ فلن يملك أحد دفع ذلك العذاب عنه.

وقيل: الفتنة: المحنة، أي: من يرد الله أن يمتحن بالرجم أو القتل؛ فلن يملك له أحد دفع ذلك عنه.

وقوله [- عز وجل -:] ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ قالت المعتزلة: قوله: ﴿ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ تأويله يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ ﴾ .

أي: لم يطهر الله قلوبهم.

والثاني: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ بالشرك والكفر، وذلك بعيد؛ لأنه كيف يطهر بالكفر، وبالكفر يتنجس؟!.

لكن الوجه عندنا في قوله -  -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ أي: لم يرد الله أن يطهر قلوبهم؛ إذ علم منهم أنهم يختارون ما اختاروا، ويريدون ما أرادوا، فإنما أراد ما كان علم منهم أنهم يريدون ويختارون؛ وكذلك قوله -  -: ﴿ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ ﴾ يريد فتنة من علم أنه يريدها ويختارها، فإنما يريد ما أراد هو ويختار.

وظاهر الآية على المعتزلة؛ لأنه قال: ﴿ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ ، وهم يقولون: أراد أن يطهر قلوبهم.

وذلك ظاهر الخلاف بَيِّنٌ، وبالله العصمة.

[وقوله - عز وجل -:] ﴿ لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ ﴾ .

الخزي في الدنيا يحتمل: القتل، ويحتمل: العذاب والجزية ﴿ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ سَمَّاعُونَ ﴾ ، أي: مستمعون إلى رسول الله  ؛ ليعرفوا به فيكذبوا عليه.

ويحتمل قوله: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ ، أي: قابلون لما ألقى إليهم من الكذب: كانوا يقبلون لما ألقى إليهم من الكذب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ .

قال بعضهم: كل حرام هو سحت، فإن كان السحت اسم كل حرام، فذلك يعم جميع الكفرة أو أكثرهم.

وقال آخرون: السحت: هو الرشوة في الحكم، فإن كان السحت هذا فذلك يرجع إلى رؤسائهم الذين يحكمون فيما بينهم، ويأخذون على ذلك رشوة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ .

اختلف فيه.

قال بعضهم: هو على التخيير إذا رفعوا إلى الإمام: إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض ولم يحكم، لكنه منسوخ بقوله  : ﴿ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ  ﴾ ، أمر بالحكم بينهم إذا جاءوا، ونهى أن يتبع أهواءهم، وفي ترك الحكم بينهم اتباع هواهم، وقال: ﴿ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ  ﴾ .

قالوا: هو منسوخ بهذه الآية، وأمكن الجميع بينهما، وهو أن قوله -  -: ﴿ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ في قوم من أهل الحرب دخلوا دار الإسلام بأمان، فرفعوا إلى الإمام أمرهم؛ فالإمام بالخيار: إن شاء ردهم إلى مأمنهم، أو نقض عليهم أمانهم، ولم يحكم بينهم، وإن شاء تركهم وحكم بينهم؛ فذلك معنى التخيير، والله أعلم.

وأما قوله: ﴿ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ  ﴾ : فذلك في أهل الذمة الراضين بحكمنا، إذا رفعوا إلى الحاكم يجب أن يحكم بينهم، ولا يرد عليهم ما طلبوا منه من إجراء الحكم عليهم؛ [لأنه] ليس له فسخ ما أعطى لهم من العهود والمواثيق، وهم قد رضوا بحكمنا؛ لذلك لزم الحكم بينهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أن يقع الإعراض عنهم موقع الجفاء، ويعدون ذلك جفاء؛ فأمن - عز وجل - نبيه -  - عن أن يلحقه ضرر منهم.

ويحتمل قوله: ﴿ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً ﴾ أي: ليس عليك من ضرر ما هم فيه؛ فإنما ضرر ذلك عليهم؛ وهو كقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ وكقوله -  -: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ...

﴾ الآية [الأنعام: 52].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ ﴾ .

أي: بالعدل؛ كقوله -  -: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ  ﴾ وكقوله -  -: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ...

﴾ الآية [النساء: 58].

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ﴾ .

أي: العادلين في الحكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ﴾ .

يُعَجِّبُ نبيه  شدة سفههم وتعنتهم بتركهم الحكم بالذي صدقوا، وطلب الحكم بما كذبوا؛ لأنهم صدقوا التوراة وما فيها من الحكم، وكذبوا ما أنزل على محمد  ، يقول - والله أعلم -: إنهم إذا لم يعملوا بالذي صدقوا، كيف يعملون بالذي كذبوا؟!

وذلك تعجيب منه إياه شدة السفه والتعنت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: حكم الله الذي تنازعوا فيه وتشاجروا: رجماً [كان] أو قصاصاً أو ما كان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: يتولون من بعد ما تحكم بينهم عما حكمت.

ويحتمل: يتولون من بعد ما عرفوا من الحكم عليهم بما في التوراة.

وقوله: ﴿ وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

أخبرهم أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم سماهم كافرين في آخر الآية، بقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ لم يجعل درجة ثالثة؛ فهذا ينقض قول من يجعل درجة ثالثة بين الإيمان والكفر، وهو قول المعتزلة.

وقوله: ﴿ إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ﴾ .

هدى من الضلالة، ونور من العمى، هدى لمن استهدى به، ونور لمن استنار به من العمى.

وقوله: ﴿ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: الآية على التقديم والتأخير: يقول: يحكم بها النبيون الربانيون والأحبار الذين أسلموا، أو من الأحبار من قد أسلم.

أخبر أن النبيين والأحبار الذين أسلموا يحكمون بما في التوراة ﴿ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ ، أي: على الذين هادوا؛ ﴿ لِلَّذِينَ ﴾ بمعنى: على الذين؛ وهذا جائز في اللغة؛ كقوله: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ ، أي: فعليها.

وقيل: ﴿ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ ﴾ ، أي: أسلموا أمرهم وأنفسهم لله، وخضعوا له، حكموا بما فيها، وإن خافوا على أنفسهم الهلاك ﴿ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ إن أطاعوا الله، وقبلوا ما فيها من الحكم؛ فعند ذلك يحكم لهم.

وقوله: ﴿ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ .

هو طلب الحفظ، أي: بما جعل إليهم الحفظ.

﴿ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ﴾ .

أي: شهداء على ما في التوراة من الحكم.

ويحتمل: شهداء على حكم رسول الله الذي حكم عليهم، أنه كذلك في التوراة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ ﴾ فيما تحكم عليهم، ﴿ وَٱخْشَوْنِ ﴾ .

أمن رسوله  شرهم ونكبتهم، وأمر أن يخشوه؛ يكفيه شرهم وأذاهم.

ثم اختلف في الأحبار والربانيين: قال بعضهم: "الرَّبَّانِيُّون": علماء اليهود، "والأحبار": علماء النصارى.

وهما واحد سموا باسمين مختلفين.

وقيل: قوله: ﴿ فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ ﴾ إنما خاطب علماءهم، أي: لا [تخشوا الناس] أن تخبروهم بالحكم الذي في التوراة واخشون.

﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .

لهم خرج الخطاب بهذا التأويل الثاني.

﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ .

هكذا من جحد الحكم بما أنزل الله ولم يره حقّاً فهو كافر.

ذكر في القصَّة أن الآية نزلت في قتيل كان بين بني قريظة وبني النضير: أن بني النضير إذا قتلوا من بني قريظة لم يرضوا إلا بالقود، والأخرى إذا قتلت أحداً منهم كانوا لم يعطوهم القود، ولكن يعطوهم الدية، فنزل: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ...

﴾ الآية.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنا أنزلنا التوراة على موسى -  -، فيها إرشاد ودلالة على الخير، ونور يُسْتضاء به، يحكم بها أنبياء بني إسرائيل الذين انقادوا لله بالطاعة، ويحكم بها العلماء والفقهاء الذين يُرَبُّونَ الناس لما استحفظهم الله على كتابه، وجعلهم أمناء عليه يحفظونه من التحريف والتبديل، وهم شهداء عليه بأنه حق، وإليهم يرجع الناس في أمره، فلا تخافوا -أيها اليهود- الناس وخافوني وحدي، ولا تأخذوا بدلًا من الحكم بما أنزل الله ثمنًا قليلًا من رئاسة أو جاه أو مال، ومن لم يحكم بما أنزل الله من الوحي مستحلًّا ذلك، أو مفضلًا عليه غيره، أو مساويًا له معه فأولئك هم الكافرون حقًّا.

<div class="verse-tafsir" id="91.DdWLq"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله