تأويلات أهل السنة سورة المائدة

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة المائدة

تفسيرُ سورةِ المائدة كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 351 دقيقة قراءة

تفسير سورة المائدة كاملةً (أبو منصور الماتريدي)

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَـٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ١ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَـٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًۭا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا۟ ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا۟ ۘ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ٢

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ ﴾ .

أجمع أهل التأويل على أن العقود - هاهنا - هي العهود، ثم العهود على قسمين: عهود فيما بين الخلق، أمر الله - عز وجل - بوفائها.

وعهود فيما بينهم وبين ربهم، وهي المواثيق التي أخذ عليهم، من نحو: الفرائض التي فرض الله عليهم، والنذور التي يتولون هم إيجابها، وغير ذلك، أمر عز وجل بوفائها.

وأما العهود التي فيما بينهم من نحو: الأيمان وغيرها، أمر بوفاء ذلك إذَا لم يكن فيها معصيَة الرب؛ كقوله  : ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا...

﴾ الآية [النحل: 91] أمر هاهنا بوفاء الأيمان، ونهى عن تركها ونقضها، ثم جاء في الخبر أنه قال: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ [عن] يَمِيْنَهُ" .

أمر فيما فيه معصية بفسخها، وأمر بوفاء ما لم يكن فيه معصية، ونهى عن نقضها بقوله  : ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ...

﴾ الآية [النحل: 91].

وعن ابن عباس -  - قال: ﴿ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ ﴾ : وهي العهود، وهو ما أحل وما حرم، وما فرض وما حدَّ، في القرآن كله، وهو ما ذكرنا.

وقيل: إن العقود التي أمر الله -  - بوفائها هي العهود التي أخذ الله -  - على أهل الكتاب: أن يؤمنوا بمحمد  ، ويأخذوا بشرائعه، ويعملوا بما جاء به، وهو كقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي ﴾ \[الآية\] [المائدة: 12].

فالخطاب لهم على هذا التأويل؛ لأنهم كانوا آمنوا به قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ ﴾ .

قال بعضهم: هي الوحوش، وهو قول الفراء؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ ؟!.

وقال الحسن: هي الإبل والبقر والغنم.

وقال آخرون: البهيمة: كل مركوب.

لكن عندنا: كل مأكول من الغنم، والوحش، والصيد، وغيره، وإن لم يذكر.

دليله، ما استثنى: ﴿ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ ؛ كأنه قال: أحلت لكم بهيمة الأنعام والصيد إلا ما يتلى عليكم من ﴿ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ ﴾ الآية [المائدة: 3] ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ .

دل قوله: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ ﴾ على أن الصيد فيه كالمذكور، وإن لم يذكر؛ لأنه استثنى الصيد منه، وأبداً: إنما يستثنى الشيء من الشيء إذا كان فيه ذلك، وأما إذا لم يكن؛ فلا معنى للاستثناء، فإذا استثنى الصيد دل الاستثناء على أن الصيد فيه، وإن لم يذكر.

ودل قوله -  -: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ  ﴾ على أن النهي كان عن الاصطياد في حال الإحرام لا عن أكله؛ لأن للمحرم أن يأكل صيداً صاده حلالٌ.

ودل قوله: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ ﴾ على أن الصيد قد دخل في قوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ ﴾ على ما ذكرنا فيما تقدم: أن البيان في الجواب يدل على كونه في السؤال، وإن لم يكن مذكوراً في السؤال؛ فعلى ذلك تدل الثنيا من الصيد على كونه فيه، والله أعلم.

ويحتمل: ﴿ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ ﴾ الثمانية الأزواج التي ذكرها في سورة الأنعام: ﴿ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر [الأنعام: 143].

والآية تدل على أن الذي أحل من البهائم - الأنعام منها - ثمانية؛ دل عليه قوله: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ  ﴾ ثم قال: ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً  ﴾ ؛ ففصل بين الأنعام وبين الخيل والبغال والحمير؛ [فالخير والبغال والحمير] خلقها للركوب، والأنعام للأكل.

وقوله: ﴿ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ .

كأنه قال: أحلت لكم بهيمة الأنعام والصيد، ﴿ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ : يحتمل: يتلى على الوعد، أي: يتلى عليكم من بعد ما ذكر على أثره: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ...

﴾ إلى آخر [المائدة: 3]، ويحتمل: ﴿ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ وهو ما ذكر.

وفي حرف ابن مسعود -  -: "إلا ما يتلى عليكم فيها"، في سورة الأنعام: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً...

﴾ إلى آخره [الأنعام: 145].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾ .

هذا - والله أعلم - أي: إلى الله الحكم، يحكم بما شاء من التحريم والتحليل، فيما شاء، على ما شاء، ليس إليكم التحكم عليه، وهذا ينقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: يريد طاعة كل أحد، ولو أراد ذلك لحكم؛ لأنه أخبر أنه يحكم ما يريد، ولا جائز أن يريد ولا يحكم؛ فدل أنه: لم يرد؛ لأنه لو أراد لحكم، وبالله العصمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ﴾ .

عن ابن عباس: -  - قال: كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، وينحرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم؛ فأنزل الله -  -: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ ﴾ ، يعني: لا تستحلوا قتالاً فيه، ﴿ وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ...

﴾ الآية.

وقال غيره: قوله: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ﴾ ، يعني: المناسك، لا تستحلوا ترك شعائر الله، والشعائر هي المناسك؛ ألا ترى أن الله -  - سمى كل منسك من الحج شعائر الله؟!

كقوله  : ﴿ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ  ﴾ ، كل هذا من شعائر الله، وهن معالم الله في الحج.

وقيل: شعائر الله: فرائض الله؛ كأنه قال: لا تستحلوا ترك ما فرض الله عليكم.

وقال الحسن: ﴿ شَعَآئِرِ ٱللَّهِ ﴾ قال: دين الله، وهو واحد.

وقيل في قوله: ﴿ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ ...

 ﴾ حتى بلغ ﴿ وَٱلْهَدْيَ وَٱلْقَلاَئِدَ  ﴾ ، فقال: حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية؛ فكان الرجل لو جر جريرة وارتكب كبيرة، ثم لجأ إلى حرم الله -  - لم يُتَنَاول ولم يُطْلب، ولو لقي قاتلَ أبيه في الأشهر الحرم لم يَتَعَرَّضْ له، وكان الرجل لو لقي الهدى مقلداً - وهو يأكل العصب من الجوع - لم يعرض له، ولم يقربه؛ فإذا أراد البيت يقلَّد قلادة من شعر؛ فحرمته ومنعته من الناس حتى يأتي أهله.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لا تستحلوا ما أشعركم الله حرمته، وهو من الأعلام، ويحتمل أن يكون أراد به مشاعر الحرام الذي ذكرنا.

وقال: لا تحلُّوا الحرام ولا الشهر الحرام، ولا الهدي ولا القلائد.

وهذه أمور كانت من قبل فَنُسِخَتْ بقوله -  -: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 5].

وعن الشعبي [أنه] قال: لم ينسخ من المائدة غير هذه الآية؛ نسخها: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 5].

وقالت عائشة -  ا -: "إنها آخر ما أنزل؛ فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه".

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ ﴾ فهو هو كقوله -  -: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ  ﴾ .

وقد ذكرنا أن الله - عز وجل - أطلق الحرم في الشهر الحرام بعد ما كان محظوراً بقوله -  -: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ  ﴾ .

وأما قوله: ﴿ وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ ﴾ .

فهو ما ذكرنا من صنيعهم في الجاهلية فيما ذكرنا، وفيه دليل لقول أصحابنا - رحمهم الله - حيث قالوا: إن الغنم لا تقلد، والإبل والبقر تقلد؛ لأنه ذكر الهدي والقلائد؛ فدل أن من الهدي ما يقلد، ومنه ما لا يقلد.

﴿ وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ ﴾ .

أي: قاصدين البيت الحرام.

﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً ﴾ .

قيل: إن المشركين كانوا يقصدون البيت الحرام يلتمسون فضل الله ورضوانه؛ بما يصلح لهم دنياهم؛ كقوله -  -: ﴿ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ  ﴾ .

وقد يجوز أن يكونوا لما التمسوا عند أنفسهم رضوان الله - أمر الله المؤمنين بالكف عنهم، وإن كانوا قد غلطوا في توجيه العبادة؛ فجعلوها لغير الله؛ كقوله  : ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ ﴾ .

[دل] هذا على أن النهي في قوله: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ  ﴾ أي: أخذ الصيد واصطياده في الإحرام، لا أكله، وهو إباحة ما حُظر عليهم بالإحرام، وإن كان ظاهره أمراً، ومعناه: فإذا حللتم لكم أن تصطادوا.

وأصله: أن كل أمر خرج على أثر محظور فهو أمر إباحة وإطلاق ذلك المحظور المحرم، لا أمر إلزام وإيجاب؛ من نحو قوله -  -: ﴿ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ  ﴾ ، وهو المحظور المتقدم، وقوله -  -: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ  ﴾ ، ثم قال - عز وجل -: ﴿ وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ  ﴾ أمر إطلاق وإباحة ما حُظر عليهم، ومثله كثير في القرآن مما يكثر ذكره.

وفي حرف ابن مسعود -  - في قوله: ﴿ وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ ﴾ : "ولا تأموا"، وكذلك في حرفه؛ "فأموا صعيداً طيباً".

وقيل في قوله -  -: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً ﴾ : حجهم؛ فلا يقبل عنهم حتى يسلموا؛ فنهى الله -  - رسوله عن قتالهم.

وقال بعضهم: "إن الآية نزلت في رجل من أهل اليمامة يقال له: شريح، وذلك أنه أتى المدينة، فدخل على النبي  فقال: أنت محمد النبي؟

فقال: نَعَمْ، فقال: إلام تدعو؟

قال: أَدْعُوا إِلَى أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللهُ، وَأَنَّي [مُحَمَّدٌ] رَسُولُ الله، فقال شريح: يا محمد، هذا شرط شديد، وإن لي أمراء خلفي أرجع إليهم؛ فأعرض عليهم ما اشترطت عليَّ، وأستأمرهم في ذلك، فإن أقبلوا أقبلت، وإن أدبروا أدبرت فكنت معهم، ثم انصرف خارجاً من عند رسول الله  ، فلما خرج، قال رسول الله  : لَقَدْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِي بِعَقِبَىْ غَادِرٍ، وَلَقَدْ دَخَلَ عَلَيَّ بِوَجْهٍ كَافِرٍ، وَمَا الرَّجُلُ بِمُسْلِمٍ فمرَّ شريح بسرح لأهل المدينة فساقها منهم.

فلما كان من العام الثاني قدم شريح إلى مكة، ومعه تجارة عظيمة في حجاج، وكانت العرب في الجاهلية يُغِير بعضهم على بعض، فإذا كان أشهر الحرم، أمن الناس كلهم بعضهم بعضاً، فمن أراد أن يسافر قلد بعيره من الشعر أو الوبر؛ فيأمن بذلك الهدي حيثما ذهب، فلما سمع أصحاب رسول الله  بحج شريح، وقدومه إلى مكة، أرادوا أن يغيروا على شريح؛ فيأخذوا ما معه، ويقتلوهم؛ كما أغار شريح على سريح أهل المدينة قبل ذلك؛ فاستأمروا رسول الله  [في ذلك]؛ فنزلت الآية فيهم: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ...

﴾ " إلى آخره؛ فلا ندري كيف كانت القصة؟

وليس بنا إلى معرفة القصة حاجة، إلا القدر الذي ذكر الله في ذلك.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ ﴾ ، وقال  في موضع آخر: ﴿ يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ﴾ الآية [المائدة: 8]، وقال في آية أخرى: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً ﴾ الآية [النساء: 135].

ذكر في بعضها الاعتداء ونهى عنه، وهو المجاوزة عن الحد الذي حُد لهم.

وذكر في بعضها العدل، وأمر به، ونهى عن الظلم والجور.

ثم الأسبابُ التي تحملهم وتبعثهم على الاعتداء والظلم، وتمنع القيام بالشهادة والعدل - ثلاثة: أحدها: ما ذكر - عز وجل - البغض والعداوة، بقوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ [أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ] أَن تَعْتَدُواْ} [المائدة: 2]، وقال: ﴿ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ  ﴾ ، وقال: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً  ﴾ أمرهم بالقيام بالشهادة، وأخبر ألا يمنعكم الولاية والقرب القيام بالشهادة، أو طَمَعُ غِنًى أو خَوْفُ فَقْرٍ.

هذه الوجوه التي ذكرنا تمنع الناس القيام بالشهادة، وتبعثهم على الجور والاعتداء؛ فنهاهم الله - عز وجل - أن يحملهم بغض قوم، أو عداوة أحد على الجور والاعتداء.

أو تمنعهم الشفقة، أو القرب، أو طمع غنى أحد، أو خوف فقر - القيامَ بالشهادة وما عليهم من الحق.

وأمر أن يجعلوه كله لله بقوله: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ  ﴾ ، فإذا كان كله لله، قدر أن يعدل في الحكم، وترك مجاوزة الحد الذي حد له، وقدر على القيام بالشهادة، وما ذكر، وما يمنع شيء من ذلك القيام به، من نحو ما ذكر: من البغض والعداوة، والقرب والشفقة، أو طمع الغنى وخوف الفقر؛ إذا جعل الحكم لله عدل فيه، ومنعه عن الجور فيه والاعتداء، وكذلك الشهادة إذا جعلها لله قام بأدائها، ولو على نفسه، أو ما ذكر، لم يمنعه شيء عن القيام بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ﴾ : كأن البر هو اسم كل خير، والتقوى: هي ترك كل شرٍّ.

﴿ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ ﴾ .

ألا ترى أنه ذكر بإزاء البر: الإثمَ، وبإزاء التقوى: العدوانَ؛ فهذا يبين أن البرَّ: اسم لكل خير، والتقوى: هي الانتهاء عن كل شرٍّ.

ويجوز أن يكون ما ذكر في الآية الأولى وأمر به، وهو قوله: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ ﴾ يقول: عاونوهم على ما يأتون به من ذلك؛ فإنهم إلى البر يقصدون عند أنفسهم، وإن لم يكن فعلهم برًّا؛ لعبادتهم غير الله  .

وإنما أمروا بمعاونتهم، وترك التعرض لهم - إن ثبت ما ذكر في القصة -: إذا أحرموا، أو قلدوا، أو قصدوا البيت الحرام في الوقت الذي جاز أن يعاهدوا فيه؛ كما يجوز لنا معاهدة أهل الكتاب على ألا نعرض لكنائسهم وبَيعِهِم، وإن كانوا يعصون الله فيها؛ لأنهم يدينون بذلك، ويقصدون به البرّ عند أنفسهم.

فلما أمر بنقض عهود مشركي العرب، أمر بمنعهم من دخول المسجد، وأن يقتلوا حيث وجدوا، وإلى هذا المعنى ذهب أصحابنا - رحمهم الله، والله أعلم - في فَرْقهم بين شهادة أهل الذمة على أمثالهم، وشهادة فُسَّاق المسلمين؛ لأن أهل الذمة متدينون بكفرهم، والفساق غير متدينين بفسقهم.

وكذلك فرقهم بين ما يغلب عليه المشركون من أموال المسلمين، وبين ما يغلب عليه الفساق من أموال المسلمين.

وكذلك سبيل الدماء التي يصيبها المحاربون من أهل البغي من أهل العدل، لا تشبه ما يصيبه الفساق منها؛ لأن أمر المتدين بدين خطأ مخالف في الحكم أمر المقر بالذنب فيه؛ ألا ترى أنه يجوز أن يُطْلَقَ لمن يعاقدونه من أهل الكتاب الصلاة في كنائسهم، وإن كان ذلك عندنا معصية حراما، ولا يجوز أن يُطْلَقَ المعصية لفساق المسلمين بحال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ : أي: نقمة الله وعذابه: في ترك ما أمركم به، وارتكاب ما نهاكم عنه.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

قال ابن عباس:  - في قوله: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ : أي: لا يحملنكم بغض قوم؛ لصدهم إياكم عن البيت الحرام؛ فتأثموا فيهم: أن تعتدوا؛ فتقتلوهم، وتأخذوا أموالهم.

وقال: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ﴾ البر: ما أمرت به، والتقوى: الكف عما نهيت عنه.

وقال: والعدوان: هو المجاوزة عن حد الله الذي حده لعباده.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ : قال بعضهم: لا يؤثمنكم بغض قوم أن تعتدوا.

وقال آخرون: لا يحملنكم.

وفيه لغتان: ﴿ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ برفع الياء، وبنصبها: ﴿ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ ، وهو ما ذكرنا.

<div class="verse-tafsir"

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًۭا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍۢ لِّإِثْمٍۢ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٣

وقوله - عز وجل -: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ ﴾ : هو على الإضمار - والله أعلم - كأنه قال: حرم عليكم أكل الميتة والدم وأكل لحم الخنزير...

إلى آخر ما ذكر؛ ألا ترى أنه قال: يجوز الانتفاع بصوف الميتة وبعظمها؛ دل أنه على الإضمار: إضمار "أكل"، وأما الانتفاع بجلدها لا يجوز إلا بعد الدباغ؛ لأن الجلد ربما يشوى مع اللحم فيؤكل؛ فهو حرام كاللحم، إلا أن يدبغ.

ثم في الآية دليل الامتحان من وجهين: أحدهما: إباحة التناول من جوهر، وامتحن بحرمة الخنزير والدم لم يحله بسبب ولا بغير سبب، وامتحن بحل الآخر بسبب، وحَرَّم بسبب.

والثاني: امتحن بسبب حل تنفر الطباع عنه؛ لأن كل ذي روح يتألم بالذبح واستخراج الروح منه، وجعل طبيعة كل أحد مما ينفر عنه لم يتألم به؛ لتطيب أنفسهم بذلك، ثم جعل ما يخرج من الأرض كله حلالاً بلا سبب يكتسبون، إلا ما لا يقدرون على التناول منه؛ لخوف الهلاك؛ لأنه موات لا تنفر الطبائع عنه، ثم جعل أسباب الحل أسباباً يكتسبون مما لا يعمل في استخراج ذلك الدم المحرم منه حل أكله، وإذا لم يعمل في استخراج ذلك الدم؛ فهلك فيه - أفسده؛ لأنه أتلف فيه ما هو محرم فأفسده؛ فاستخراج ذلك الدم مما يطيب ذلك، ويمنع عن الفساد، إلا في طول الوقت، والذي هلك فيه الدم يفسد في قليل الوقت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ ﴾ : قال الكسائي: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ ﴾ : أي: ذكر وسمى عليه غير اسم الله، مشتقة من استهلال الصبي، ومنه أهلّ الهلال، وأهل المهل بالحج إذا لبى.

قال قتادة: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة؛ حتى إذا ماتت أكلوها.

والكافر - في الحقيقة - يهل لغير الله؛ لأنه لا يعرف الله حقيقة، لكنه أجيز ذبائح الكتابي؛ لأنه يسمي عليها اسم الله  .

﴿ وَٱلْمَوْقُوذَةُ ﴾ : كانوا يضربون بالعصي حتى إذا ماتت أكلوها.

﴿ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ ﴾ : كانت تردى في بئر أو من جبل؛ فتموت.

﴿ وَٱلنَّطِيحَةُ ﴾ : كان الكبشان يتناطحان؛ فيموت أحدهما، فيأكلونه.

﴿ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ : كان أهل الجاهلية إذا قتل السبع شيئاً من هذا وأكل منه، أكلوا ما بقي؛ فقال الله -  -: ﴿ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ .

ثم روي عن ابن عباس -  - قال: ﴿ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ ﴾ فما أَدْرَكْتَ من هذا كُلِّه يتحرك [له الذَّنَبُ]، أو يَطْرف له العينُ - فاذبحْ، واذكر اسم الله عليه؛ فهو حلال.

وروي عن علي -  - قال: إذا طرفت بعينها، أو ركضت برجلها أو حركت ذنبها - فهي ذكية.

وكذلك روي عن أبي الزبير أنه سمع عبيد بن عمير -  - يقول كذلك، وكأنه روي - مرفوعاً - عن رسول الله  كذلك.

وهذا - والله أعلم - إذا خنقها أو أوقذها - يغمى عليها، فإذا ذبحت، فحركت ذنبها، أو طرفت عينها، أو ركضت برجلها - أفاقت؛ فاستدل بذلك على حياتها.

وليس هذا كشاة ينزع الذئب أو السبع ما في بطنها، وصارت بحال لا تتحامل، إنها وإن تحركت أو طرفت بعينها فإنها لا تؤكل.

وأصله: أن كل ما لو قطع العروق فتركت فماتت، تكون ميتة، فإذا أدركها في تلك الحال فذكاها، كانت ذكية، وكل ما لو صار بحال لو ماتت كانت ذكية، فإذا أدركه في تلك الحال فذكاه، كانت ميتة.

﴿ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ ﴾ : الممتنعة عن الذبح، في المذبح، إذا ذبح من غير المذبح يجوز أكله.

وروي عن رافع بن خديج قال: أصبنا إبلا وغنماً، فَنَدَّ منها بعير؛ فرماه رجل بسهم؛ فحبسه؛ فقال رسول الله  : "إنَّ لِهَذِهِ الإِبِلِ أَوابِدَ كأَوابِدِ الوَحْشِ، فَإِذَا كَانَ غَلَبَكُمْ شَيْءٌ مِنَهَا، فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا" وعن ابن عباس -  - أنه قال - في البعير يتردى في البئر - إذا لم يُقْدَرْ على منحره؛ فهو بمنزلة الصيد ينحره من حيث أدرك.

وسئل علي بن أبي طالب -  - عن بعير تردى في بئر، فصار أعلاه أسفله؟

فقال: قطعوه أعضاء وكلوه.

وعن ابن عمر -  - كذلك روي أنه "سئل رسول الله  فقيل: هل تكون الذكاة إلا في الحلق واللبَّة؟

فقال: أَمَا إِنَّها لَوْ طُعِنَتْ فِي فَخِذِهَا، أَجْزَى عَنْكَ" وَإِذَا ذكي بِغَيْرِ السِّكين من نحْوِ المروة والقصبة مما يقطع - يجوز.

روي أن عدي بن حاتم -  - قال: "يا رسول الله، أُرْسِلُ كلبي فيأخذ الصيد، وليس معي ما أذكيه به؛ فأذبحه بالمروة أو القصبة؟

فقال رسول الله  : أَمْرِ الدَّمَ بمَا شِئْتَ، واذْكُرِ اسْمَ الله عَلَيْهِ" .

وكذلك روي عن علي [بن أبي طالب -  -].

وروي "أن رجلاً أشاط دم جزور بجدل؛ فسأل النبي  فقال: إِذَا أَنْهرتَ الدَّمَ فَكُلْ" وعن حذيفة -  - قال: قال رسول الله  : "اذبح بكل ما أفرى الأوداج وأهرق الدم ما خلا السِّنَّ والظُّفُرَ" وإلى هذا يذهب أصحابنا - رحمهم الله - في ذلك، ويرون كل ما أنْهرَ الدم: من حجر، أو مروة، أو نحو ذلك - مذكى ويؤكل، ويحملون قول رسول الله  : "إِلاَّ السِّنَّ والظُّفُر" على أنهما إذا كانا غير منزوعين؛ لأن ذلك خنق، وليس بذبح؛ يفسر ذلك قول ابن عباس -  - حيث قال: إن ذلك خنق، وفي الخبر بيان؛ لأنه قال: "كُل مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَأَفْرَى الأوْدَاجَ، مَا خَلا السِّنَّ وَالظٌّفُرَ؛ فَإِنَّهُمَا مُدَى الحَبَشَةِ" ، وهم إنما كانوا يذبحون بسن أو ظفر غير منزوعة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ ﴾ .

أي: للنصب، قيل: كانوا يذبحون للأوثان والأصنام التي يعبدونها؛ يتقربون بذلك إليها؛ كما كان أهل الإسلام يتقربون بالذبائح يذبحونها إلى الله؛ فحرم الله - عز وجل - ما كانوا يذبحون للنصب ﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ ﴾ ؛ لما ذكرنا أن الأمر به خرج مخرج قبول النعمة والشكر له فيما أنعم عليهم من عظيم النعم؛ فإذا أهلوا به لغير الله - [أي: لغير] - وجه الله لم يقبلوا نعمه، ووجهوا الشكر إلى غيره؛ فحرم لذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ ﴾ .

قيل: سهام العرب وكعاب فارس التي يتقامرون بها.

وقيل: الأزلام: هي القداح، كانوا يقتسمون بها الأمور: فكان الرجل إذا أراد سفراً أخذ قِدْحاً، فقال: "هذا يأمره بالخروج"، فإن هو خرج فهو مصيب في سفره خيرا، ويأخذ قِدحاً آخر؛ فيقول: "هذا يأمره بالمكث"، فإن هو خرج فليس بمصيب خيراً في [سفره.

و] المنيح بينهما؛ فنهي الله عن ذلك، وأنبأ أن ذلك فسق؛ بقوله: ﴿ ذٰلِكُمْ فِسْقٌ ﴾ .

وعن الحسن قال: كانوا يعمدون إلى قداح فيكتبون على أحدها: "مُرْني"، وعلى الآخر: "انْهَنِي"، ثم يحيلونها إذا أرادوا السفر: فإن خرج عليه "مرني" مضى في وجهه، وإن خرج الذي عليه "انهني" لم يخرج.

قال أبو بكر الكيساني: إن في النهي عن العمل بالأزلام دليل النهي عن العمل بالنجوم، فإذا نهي عن العمل بقول المقتسمين ينهي - أيضاً - عن العمل بقول المنجِّمة؛ لأنهم يقولون عين ما يقول أولئك ويعملون به، لكن المنجمة ليسوا يقولون: إن نجم كذا يأمركم كذا، ونجم كذا ينهى عن كذا؛ على ما كان يفعل أولئك.

ويجوز أن يكون الله - عز وجل - جعل في النجوم أعلاماً ومعاني يدركون بها، ويستخرجون أشياء تحتمل ذلك؛ ويكون على ما يستخرج أهل الاجتهاد بالاجتهاد أشياء من معنى النصوص، وأحكاماً لم تذكر في المنصوص؛ فعلى ذلك المنجمة يجوز أن يستخرجوا أشياء من النجوم بدلائل ومعان تكون في النجوم، ولا عيب عليهم في ذلك ولا لائمة، إنما اللائمة عليهم فيما يحكمون على الله ويشهدون عليه.

قال القتبي: الأزلام: القداح، واحدها: زَلَم وزُلَم، بها: أن يضرب، فأخذ الاستقسام من القسم - وهو النصيب - [كأنه طلب النصيب].

قال أبو عوسجة: استقسمت، أي: ضربت بالقداح؛ قال: كأنه من القسم.

وقال أبو عبيد: إنما سمى: استقساماً؛ لأنهم كانوا يطلبون قسم الرزق وطلب الحوائج بها؛ فكانوا يسألونها أن تقسم لهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكُمْ فِسْقٌ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ فِسْقٌ ﴾ أي: العمل بالأزلام، والشهادة على الله أنه أمر بذلك - فِسق، وعلى هذا من يستجيز العمل بالقرعة؛ لأنه يقول: يقرع فمن خرجت قرعته يحكم له، فإنما يحكم له بأمر القرعة؛ كأن القرعة تأمره بالحكم لهذا بهذا، وتنهاه عن الحكم لهذا بهذا، فهو بالأزلام والقداح التي نهى الله عن العمل ذلك أشبه، وبها أمثل من غيره.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ ذٰلِكُمْ فِسْقٌ ﴾ : أي: التناول مما ذكر من المحرمات: من الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وما ذبح على النصب، وما ذكر في أول السورة من الاصطياد في الإحرام والتناول منه؛ ذلك كله فسق، وهو قول ابن عباس،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ﴾ : إنهم كانوا يطمعون دخول أهل الإسلام في دينهم وعودهم إليهم، فأيأسهم الله -  وتعالى - عن ذلك؛ فقال: اليوم يئس الذين كفروا من ترككم دين الإسلام؛ فلا تخشوهم واخشون؛ آمنهم عن ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي...

﴾ \[الآية\]: قال أبو عبيد: كان دينهم إلى ذلك اليوم ناقصاً؛ فحينئذ كمل دينهم؛ فعلى زعمه: أن النبي  يدعو الناس إلى دين ناقص، ومن مات من أصحاب رسول الله  من المهاجرين والأنصار - رضوان الله عليهم أجمعين - ماتوا على دين ناقص، ويحشرون يوم القيامة على دين ناقص، وأي قول أفحش من هذا وأسمج؟!.

وقال آخر من أصحابه: كان الدين كاملاً إلى ذلك الوقت، فلمَّا بعث الله بالفرائض، وافترض عليهم - صار الدين ناقصاً إلى أن يؤدوا الفرائض وما افترض عليهم؛ فعند ذلك يكمل؛ فهذا القول - أيضاً - في الوحشة والسماجة والقبح مثل الأول.

ويقال لأبي عبيد: قل - أيضاً - بأنه لم يكن رضي لهم بالإسلام ديناً قبل ذلك فعند ذلك رضي.

والأصل في تأويل الآية وجوه: أحدها: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ : أي: برسوله، وببعثه أكملت لكم دينكم، وبه أتممت عليكم نعمتي.

ويحتمل قوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ : أي: اليوم أظهرت لكم دينكم، ولم يكن قبل ذلك ظاهراً، حتى قال رسول الله  : "نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ" ، وقال: "أَلا لاَ يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ" ؛ وذلك لظهوره ولغلبة أهل الإسلام عليهم، وإن لم يكن هذا قبل ذلك.

ويحتمل قوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ ؛ لما آمنهم من العدو والعود إلى دين أولئك، وإياس أولئك عن رجوعهم إلى دين الكفرة، وأي نعمة أتم وأكمل من الأمن من العدو؟

ويقول الرجل: اليوم تم ملكي وكمل؛ إذا هلك عدوه؛ لأمنه من عدوه، وإن كان لم يوصف ملكه قبل ذلك بالنقصان؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وقيل: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ ، أي: أمر دينكم بما أمروا بأمور وشرائع لم يكونوا أمروا بها قبل ذلك، وهذا جائز.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً ﴾ : أي: أكرمتكم بالدين المرضي وهو الإسلام؛ كقوله -  -: ﴿ وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾ : قيل: المخمصة: المجاعة.

وقال أبو عوسجة: رجل خميص، أي: جائع.

وقال غيره: هو من ضيق البطن.

وهو واحد؛ لأنه من الجوع ما يضيق البطن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ ﴾ : أي: غير مُتَعَمِّد لإثم، وهو قول ابن عباس.

وقال الكسائي: ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ ﴾ : غير متمايل، والجنف: الميل، وكذلك قال القتبي.

وقال أبو عوسجة - أيضاً -: الجنف: الميل.

ثم قوله: ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ ﴾ يحتمل وجهين: قيل: غير مستحل أكل الميتة في حال الاضطرار، وحرم عليه التناول من الصيد.

وقيل: غير متلذذ ولا مشتهٍ، يتناول على التكره منه، لا على التلذذ والشهوة.

وقيل - أيضاً -: إنه لا يتناول إلا في حال الاضطرار؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ  ﴾ ، وقوله - عز وجل - ﴿ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ ﴾ تفسير قوله: ﴿ ٱضْطُرَّ ﴾ ؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ، أي: من رحمته أن جعل لكم التناول من المحرم، ورخص لكم؛ إذ له أن يترككم تموتون جوعاً؛ كقوله -  -: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ...

﴾ الآية [النساء: 66].

<div class="verse-tafsir"

يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَكُلُوا۟ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ٤ ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ ۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّۭ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّۭ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍۢ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلْإِيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٥

قوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ﴾ : ليس في السؤال بيان: مم كان سؤالهم؟

ولكن في الجواب بيان المراد من سؤالهم، فقال: ﴿ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ ﴾ ؛ دل قوله -  -: ﴿ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ ﴾ : [أن سؤالهم كان عن الطيبات، مما يصطاد من الجوارح.

ثم اختلف في قوله -  -: ﴿ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ ﴾ ]: قال بعضهم: ﴿ ٱلطَّيِّبَاتُ ﴾ : هو المحللات، لكنه بعيد؛ لأنه كأنه قال: "أحل لكم المحللات"؛ على هذا التأويل.

لكنه يحتمل وجهين غير هذا: أحدهما: أن أحل لكم بأسباب تطيب بها أنفسكم من نحو: الذبح، والطبخ، والخبز، وغيره.

لم يحل لكم ما يكره به أنفسكم التناول منه [غير مطبوخ، ولا مذبوح، ولا مشوي، ولكن أحل لكم بأسباب طابت بها أنفسكم التناول منه،] والله أعلم.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن أحل لكم ما يستطيب به طباعكم لا ما تنكره طباعكم وتنفر عنه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ ﴾ : كأنهم سألوا [رسول الله،  ]، عما يحل من الجوارح؟

فذكر ذلك لهم، مع ما ذكر في بعض القصة: أن النبي  لما أمر بقتل الكلاب، فأتاه أناس، فقالوا: ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟

فنزل قوله  : ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ...

﴾ الآية.

وقيل: سميت: جوارح؛ لما يكتسب بها، والجوارح: هن الكواسب؛ قال الله -  -: "أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ" [الجاثية: 21]، قيل: اكتسبوا، وجرح: كسب.

وقال أبو عبيد: سميت: جوارح؛ لأنها صوائد، وهو ما ذكرنا من الكسب، يقال: فلان جارح أهله، أي: كاسبهم.

وقال غيره: سميت: جوراح؛ لأنها تجرح، وهو من الجراحة، فإذا لم يَجْرح، لم يحل صيده.

واحتج محمد - رحمه الله - بهذا المعنى في صيد الكلب إذا قَتَلَ، ولم [يَجْرَح في مسألة] من كتاب الزيادات، ومما يدل على صحة ذلك ما روي عن رسول الله  أن عدي بن حاتم -  - قال: "سألت رسول الله  عن المعراض؟

فقال: مَا أصَبْتَ بَعَرْضِهِ فَلاَ تَأْكُلْ؛ فَهُوَ وَقِيذٌ، وَمَا أَصَبْتَ بِحَدّهِ فَكُلْ" وقوله - عز وجل -: ﴿ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ...

﴾ الآية.

قال بعضهم: ﴿ مُكَلِّبِينَ ﴾ هن الكلاب يكالبن الصيد.

وقال القتبي: المكلبون: أصحاب الكلاب، وكذلك قال الفراء والكسائي: المكلبون: هم أصحاب الكلاب.

والمكلب: الكلب المعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تُعَلِّمُونَهُنَّ ﴾ : قال الحسن [وأبو بكر]: تضرونهن، يقال: كلب مضراة على طلب الصيد، وهما يبيحان الصيد وإن أكل منه الكلب؛ فعلى قولهما يصح تأويل الإضراء؛ إذ يبيحان التناول، وإن أكل منه.

وقال: تؤدبونهن؛ ليمسكوا الصيد لكم، وهو عندنا على حقيقة التعليم؛ تُعَلَّم ليمسكوا الصيد لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ يتوجه وجهين: أحدهما: ﴿ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: مما جعل بينكم، بحيث احتمال تعليم هؤلاء، ولم يجعل غيركم من الخلائق محتملاً لذلك ولا أهلاً.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ﴾ : أن قال لكم: علموهن بكذا، وافعلوا كذا، فكيفما كان، ففيه دليلُ جَعْلِ العلم شرطاً فيه.

ثم تخصيص الكلاب بالذكر دون غيرها من الأشياء، وإن كانت الكلاب وغيرها سواء إذا عُلِّمَتْ؛ لخبث الكلاب ومخالطتها الناس، حتى جاء النهي عن اقتنائها، وجاء الأمر بقتلها في وقت لم يجيء بمثله في سائر السباع؛ ليعلم أن ما كسب هؤلاء مع خبثها إذا كن معلمين، يحتمل التناول منه، فغيرها مما لم يجيء فيه ذلك أحرى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ .

إنما أباح أكل ما أمسك علينا، ولم يبح مما أمسك على نفسه؛ لأن الكلب وغيره من السباع من طباعهم إذا أخذوا الصيد يأخذون لأنفسهم ولا يصبرون على ألا يتناولوا منه، فإذا أخذ الصيد ولم يتناول منه؛ دل أنه إنما أمسك لصاحبه، وإذا تناول منه لم يمسك لصاحبه؛ لأن الباقي لا يدري أنه أمسكه لصاحبه أو أمسكه لنفسه لوقت آخر لما شبع، وعلى ذلك جاءت الآثار.

روي عن عدي بن حاتم قال: قلت: "يا رسول الله، إنا قوم نَتَصَيَّدُ بهذه الكلاب والبزاة، فهل يحل لنا منها؟

فقال: يَحِلُّ لَكُمْ ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ مِمَّا عَلَّمْتُمْ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازٍ، فَذَكَرْتَ [عَلَيْهِ اسْمَ اللهِ]، قلت: وإن قتل؟

قال: إِذَا قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْهُ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ، وَإِنْ أَكَلَ فَلاَ تَأْكُلْ؛ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، فقلت: يا رسول الله، أرأيت إن خالطت كلابنا كلاباً أخرى؟

قال: إِذَا خَالَطَ كَلْبُكَ كِلاَباً فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى كَلْبِ غَيْرِكَ" وعن ابن عباس -  - أنه قال: إذا أكل الكلب من الصيد، فليس بمعلم.

وعنه - أيضاً - قال: إذا أكل الكلب من الصيد فلا تأكل، وإذا أكل الصقر فكل؛ لأن الكلب تستطيع أن تضربه والصقر لا.

وعن علي -  - قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل واضربه.

وقد ذكرنا من الأخبار ما يدل على أن الكلب إذا كان غير معلم لم يؤكل صيده، من خبر عدي بن حاتم قال: قلت: "يا رسول الله، إنا قوم نصيد بهذه الكلاب؟

فقال: إِذَا أَرْسَلْتَ كِلاَبِكَ المُعلَّمَةَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا، فَكُلْ مَمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ، وَإِنْ قَتَلْنَ، إِلاَّ أَنْ يَأْكُلَ الكَلْبُ، فَإِنْ أَكَلَ فَلاَ تَأْكُلْ" ، وعلى هذا يخرج قولنا: إنه إذا أكل من دمه يؤكل؛ لأنه لو أمسكه علينا كنا لا نأكله، وذلك من غاية تعليمه؛ لأنه تناول الخبيث، وأمسك الطيب على صاحبه.

ولو كان صيد الكلب إذا أكل منه حلالاً، لكان المعلَّم وغير المعلَّم سواء، وكان ما أمسك على نفسه وعلى صاحبه سواء؛ لأن كل الكلاب تطلب الصيد إذا أرسلت عليه، وتمسكه حتى يموت، وتأكل منه إلا المعلم، فما معنى تخصيص الله -  - المعلم منها والممسك على صاحبه، لو كان الأمر على ما قال مخالفنا.

وقد روي عن أبي حنيفة -  - أنه قال: إن عُلِّمَ الكلبُ حتى صار لا يأكل من صيد، ثم أكل من صيد يصيد - لم يجز أن يؤكل من صيده الأول إذا كان باقياً.

ومذهبه عندنا - والله أعلم -: أن صيد الكلب لا يؤكل حتى يكون معلماً، وإن أمسك في أول ما يرسل فلم يأكل، فإذا أمسك مراراً ثم أكل، دَلَّنا أكله على إن إمساكه عن الأكل لم يكن لأنه معلم؛ إذ قد يمسك غير المعلم للشبع، ولو كان معلماً ما أكله، فاستدل بأكله في الرابعة على أن إمساكه في الثالثة كان على غير حقيقة تعليم، وهذا عندنا في صيد يقرب بعضه من بعض، فأما إذا كثر إمساكه، ثم ترك إرساله مدة، يجوز أن ينسى فيها ما علم، ثم أرسل فأكل - فليس فيها رواية عنه، ويجوز أن يقال: يؤكل ما بقي من صيده الأول، ويفرق بين المسألتين بأن الثاني قد نسي، والأول يبعد من النسيان؛ لتقارب ما بين الصيدين؛ فلا وجه إلا أن يجعل غير مستحكم التعليم في الصيد المتقدم.

وقد ذكرنا - فيما تقدم -: أن الصقر والبازي من الجوارح، واستدللنا على ذلك بما أوضحناه؛ فدل ذلك على أن صيد ما ليس بمعلم من الطير لا يؤكل إلا أن يدرك ذكاته.

ثم يكون تعليم البازي والصقر بإجابته صاحبه ورجوعه إليه، وتعليم الكلاب ترك الأكل منه؛ لأن البازي ونحوه مستوحش عن الناس ينفر طبعه عنهم؛ فدل إلفه الناس وإجابة أصحابهم على التعلم وإن أكل منه، ولا يحتمل أن يكون بالتناول منه يخرج عن حد التعليم؛ لأنه إنما يعلم بالأكل من الصيد، وأما الكلب: فإنه يألف الناس ولا يستوحش، ومن طبعه الأكل إذا أخذ الصيد؛ فدل إمساكه عن التناول منه على أنه معلم.

وقد روي عن علي -  - وابن عباس ما يدل على تأييد ما ذكرنا، قالا: إذا أكل الصقر فكل، وإن أكل الكلب فلا تأكل.

وعن سلمان كذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ؛ فلا تستحلوا ما لم يذكر اسم الله عليه؛ فإنها ميتة.

ويحتمل: اتقوا الله في ترك ما أمر ونهى كله.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ ، يحتمل السرعة: كناية عن الشدة.

وقوله  ﴿ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ : شديد العقاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ ﴾ حرف افتتاح يفتتح به الكلام، لا إشارة إلى وقت مخصوص؛ على ما ذكرنا في قوله -  -: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ ، وقد يُتَكَلَّم باليوم لا على إشارة وقت مشار إليه.

وهو - والله أعلم - ما حرم عليهم من الثمانية الأزواج التي ذكر الله -  - في سورة الأنعام، وهو قوله: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر.

ثم قال: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ...

﴾ الآية [الأنعام: 146]، وما حرموا هم على أنفسهم من: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، وغيرها من المحرمات التي كانت، فأحل الله ذلك لهم؛ فقال: ﴿ ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ ﴾ ، وكانت محرمة عليهم قبل ذلك، لكن أهل التأويل صرفوا الآية إلى الذبائح، لم يصرفوا إلى ما ذكرنا، وقد ذكرنا المعنى الذي به صارت الذبائح طيبات فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ﴾ : عن ابن عباس -  - قال: ﴿ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ ﴾ ، أي: ذبائحهم حل لكم، وذبائحكم حل لهم.

إلى هذا حمل أهل التأويل، فإن قيل: أليس جعل ذبائحنا محللة لهم وذبائحهم محللة لنا، ثم تحل ذبائحنا لهم ولغيرهم؟

كيف لا حل ذبائحهم وذبائح غيرهم، وهو ذبائح المجوس؟

قيل: حل الذبائح شرعي، وليس للمجوس كتاب آمنوا به؛ فتحل ذبائحهم، وأما أهل الكتاب، فإنهم آمنوا بما في الكتاب، حله وحرمته؛ لذلك افترقا، والله أعلم.

والآية على قول أصحاب العموم توجب حل جميع طعام أهل الكتاب لنا وحل جميع طعامنا لهم؛ لأنه قال: ﴿ ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ﴾ ؛ فعلى قولهم لكل واحد من الفريقين أن يتناول طعام الفريق الآخر؛ دل على أن مخرج عموم اللفظ لا يوجب الحكم عامّاً للفظ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَاتُ ﴾ أراد به الحرائر.

وقال آخرون: أراد به العفائف منهن غير زانيات؛ كقوله -  -: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً  ﴾ ، نهى عن نكاح الزانيات، ورغب في نكاح العفائف، وهذا أشبه من الأول؛ لأنه قال في آخر الآية: ﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ ﴾ ؛ دل هذا على أنه أراد بالمحصنات: العفائف منهن لا الحرائر، ودلت الآية على حل نكاح الحرائر من الكتابيات، وعلى ذلك اتفاق أهل العلم، لكن يكره ذلك.

روي عن ابن عمر -  - أنه كره تزوجهن، فهذا عندنا على غير تحريم منه لتزويجهن، ولكن رأى تزويج المسلمات أفضل وأحسن؛ لمشاركتها المسلم في دينها.

وروي عن عمر -  - كراهة ذلك؛ وذلك لأن حذيفة -  - تزوج يهودية؛ فكتب إليه عمر -  - يأمره بطلاقها، ويقول: "كفى بذلك فتنة للمسلمات"، فهذا - أيضاً - [لا] على سبيل التحريم، ولكن لما ذكر من الفتنة: فتنة المسلمات، فأصحابنا - رحمهم الله - يكرهون أيضاً تزويج الكتابيات ولا يحرمونه.

واختلف أهل العلم في تزويج إمائهن: فتأول قوم قول الله -  -: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ على الحرائر، وتأوله آخرون على العفائف.

وقد ذكرنا أن صرف التأويل إلى العفائف أشبه؛ بدلالة قوله: ﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ ﴾ مع ما لو كانت المحصنات هاهنا هن الحرائر، لم يكن فيه حظر نكاح إماء الكتابيات؛ لأنه إباحة نكاح الحرائر من الكتابيات، وليس في إباحة شيء في حال حظر غيره فيه، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم، فالمجوسية ليست عندنا من أهل الكتاب؛ والدليل على ذلك قول الله -  -: ﴿ وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ  أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا  ﴾ ، فأخبر الله -  - أن أهل الكتاب طائفتان؛ فلا يجوز أن يجعلوا ثلاث طوائف، وذلك خلال ما دل عليه القرآن؛ ألا ترى [أنه لو قال رجل]: "إنما لي عليك يا فلان، درهمان"، لم يكن له أن يدعي عليه أكثر من ذلك، ولو قال: "إنما لقيت اليوم رجلين"، وقد لقي ثلاثة، كان كاذباً؛ لأن قوله: ["إنما لقيت رجلين"]، كقوله: لقيت اليوم رجلين، ولا يجوز مثل هذا في أخبار الله؛ لأنه الصادق في خبره عز وجل.

فإن قيل: هذا شيء حكاه الله - عز وجل - عن المشركين، وقد يجوز أن يكونوا غلطوا، فحكي الله -  - عنهم ما قالوا.

قيل له: لم يحك الله -  - هذا القول عن المشركين، ولكن قطع بالقرآن عذرهم، فقال: ﴿ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ  ﴾ ؛ لئلا يقولوا: ﴿ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ  ﴾ ، فهذا كلام الله واحتجاجه على المشركين، وليس بحكاية عنهم.

ومن الدليل على أن المجوس ليسوا من أهل الكتاب ما قال عمر بن الخطاب -  - وهو في مجلس بين القبر والمنبر: ما أدري كيف أصنع بالمجوس، وليسوا بأهل الكتاب؟"، فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله  يقول: "سُنُّوا بِالمَجُوسِ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ" .

صرح عمر -  - بأنهم ليسوا أهل الكتاب، ولم ينكر عبد الرحمن ذلك عليه، ولا أحد من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - فلو كانوا أهل الكتاب لقال: "هم أهل الكتاب"، لم يقل: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ".

وكذلك روي عن الحسن بن محمد، [أنه] قال: "كتب رسول الله،  إلى مجوس هجر، فقال: أَدْعُوكُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهِ، وَأَنِّي رَسُولُ الله فَإِنْ أَسْلَمْتُمْ فَلَكُمْ مَا لَنَا وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيْنَا، وَمَنْ أَبَى فَعَلَيْهِ الْجِزيَةُ، غَيْرَ آكِلِي ذَبَائِحِهِمِ، وَلاَ نَاكِحِي نِسَائِهِم" [و] إلى هذا ذهب أصحابنا - رحمهم الله - في قولهم: إن المجوس ليسوا بأهل كتاب.

[وأما نصارى بني تغلب: فإن عليّاً -  - قال: لا تحل ذبائح نصارى العرب؛ فإنهم ليسوا بأهل كتاب، وقرأ]: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ  ﴾ .

وقال ابن عباس -  - تؤكل، وقرأ: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ...

﴾ .

والآية الأولى تدل على أنهم أهل كتاب؛ لأن الله - عز وجل - قد جعلهم منهم بقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ  ﴾ ، فحكمهم حكمهم؛ إذ أخبر الله - عز وجل - أنهم منهم.

ومما يدل على ذلك - أيضاً - قول رسول الله  حيث قال: "لاَ يَخْتَلِجَنَّ فِي صَدْرِكَ طَعَامٌ ضَارَعت فِيهِ النَّصْرَانِيَّة" ؛ لأنه عم فيه النصارى؛ فدخل فيه عربهم وعجمهم؛ لأنهم دانوا بدينهم، وكل من دان بدين قوم فهو منهم.

ومن الدليل على أن العرب إذا دانوا بدين أهل الكتاب فهم من أهل الكتاب -: أن العجم لما أسلموا صار حكمهم حكم عرب أهل الإسلام؛ فإن ارتد أحد منهم، وسأل أن تؤخذ منه الجزية؛ كما [كانت] تؤخذ في الابتداء من المجوس - لم يُجَبْ إلى ذلك، وقيل له: إما أن تسلم، وإما أن تقتل، فهو بمنزلة عربي مسلم لو ارتد عن الإسلام، فلما كان حكم العجمي إذا دان بدين النبي  حكم العرب - وجب أن يكون حكم العربي إذا دان بدين العجم من أهل الكتاب أن يجعل حكمه حكمهم، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ : ذكر إيتاء أجورهن، وقد يحللن لنا إذا لم نؤت أجورهن؛ دل أن ذكر الحكم في حال لا يوجب حظره في حال أخرى؛ فهو دليل لنا في جواز نكاح الإماء من أهل الكتاب، وإن ذكر في الآية المحصنات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ...

﴾ الآية.

أي: ومن يكفر بالذي عليه الإيمان به، وهو المُؤْمَنُ به، أي: الله؛ لأنه لا يكفر بالإيمان، ولكن يؤمن به، وهو كقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ  ﴾ ، أي: المُوقَنْ به؛ فعلى ذلك الأول معناه: ومن يكفر بالذي عليه الإيمان به، وهو المُؤْمَنُ به ﴿ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ ، وبالله العصمة والهداية.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًۭا فَٱطَّهَّرُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍۢ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٦ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَـٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٧

قوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ ﴾ : لو حملت الآية على ظاهرها لكان لا سبيل لأحد [على] القيام [بأداء] ما فرض الله عليه من الصلاة؛ لأنه كلما قام إلى الصلاة يلزمه الوضوء؛ فلا يزال يبقى فيه، لكنها على الإضمار؛ كأنه قال: "إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم [إلى المرافق]"؛ وإلا فظاهر الآية يوجب ما ذكرنا، لكن الحدث مضمر فيه.

ومن الناس من يوجب الوضوء لكل صلاة بظاهر هذه الآية، وقد جاء عن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - الفعل بذلك: روي عن أبي بكر، وعمر، وعثمان -  م - أنهم توضئوا لكل صلاة.

وروي عن النبي  نحو ذلك، وروي "أن علي بن أبي طالب -  - صلى الظهر، ثم قعد في الرحبة، فلما حضرت العصر دعا بكوز من ماء، فغسل يديه ووجهه وذراعيه ورجليه، وشرب فضله، وقال: هكذا رأيت رسول الله  كان يفعل، وقال: هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ" وروي عن عبيد بن عمير، أنه كان يتوضأ لكل صلاة، وتأول هذه الآية.

وروي عن النبي  "أنه كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم فتح مكة، صلى الصلوات كلها بوضوء واحد؛ فقال عمر -  - يا رسول الله، إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله؟

فقال: إِنِّي عَمْداً فَعَلْتُهُ يَا عُمَرُ" .

وروي عن أبي هريرة -  - قال: قال رسول الله  : "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُ فِي كُلِّ صَلاَةٍ الوُضُوءَ، وَمَعَ كُلِّ وُضُوءٍ السِّوَاكَ" وكل ما روي من الأخبار بالوضوء لكل صلاة، هو على الفضل عندنا والاستحباب لا على الحتم؛ ألا ترى أنه روي عن [النبي -  ] - "أنه صلى الصلوات كلها بوضوء واحد، وقال: إِنِّي عَمْداً فعَلْتُهُ" ؛ دل ذلك [على] ما ذكرنا.

وقد يحتمل تأويل الآية معنى آخر: ما روي عن بعض الصحابة أن رسول الله  كان إذا أراق ماء نكلمه فلا يكلمنا، ونسلم عليه فلا يرد علينا حتى يأتي أهله فيتوضأ وضوءه للصلاة؛ فقلنا له في ذلك؛ حتى نزلت آية الرخصة [في قوله  ]: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ ﴾ ؛ فهذا يدل أن معنى الآية على الإضمار: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم.

وروي في تأويل الآية: إذا قمتم من المضجع إلى الصلاة، فاغسلوا وجوهكم.

وقد رويت الأخبار عن رسول الله  وعن الصحابة بإيجاب الوضوء من النوم؛ فكان ذلك شاهداً لهذا التأويل: روي عن ابن عباس عن رسول الله  أنه كان ينام، ثم يصلي الصبح ولا يتوضأ؛ فسُئل عن ذلك؟

فقال: "إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ؛ إِنَّهُ يَنَامُ عَيْنَايَ ولاَ يَنَامُ قَلْبِي، وَلَوْ أَحْدَثْتُ لَعَلِمْتُ" وروي عن صفوان بن عسال قال: "إذا كنا مع النبي  في سفر يأمرنا ألا ننزع خفافنا إذا أدخلناهما طاهرتين، ولا نخلعهما من غائط، ولا بول ولا نوم، إلا من جنابة".

فهذه الأحاديث توجب الوضوء من النوم مجملاً، وجاء حديث آخر مفسراً بإيجاب الوضوء إذا نام مضطجعاً: روي عن ابن عباس -  - أن النبي  قال: "لَيْسَ عَلَى مَنْ نَامَ قَاعِداً وُضُوءٌ حَتَّى يَضْطَجِعَ، فَإِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرَخَتْ مَفَاصِلُهُ" [فهذا يفسر] الأخبار التي جاءت مجملة.

وقد جاءت الأخبار أنه إذا نام في الصلاة قائماً أو قاعداً أو ساجداً، فلا وضوء عليه؛ فيدل ذلك على أن النوم في الصلاة ليس بحدث.

وروي عن ابن عمر -  - قال: لا يجب الوضوء حتى يضع جنبه وينام.

فهذا يؤيد ما قلنا مع ما اجتمع أهل العلم في أن الوضوء ليس بواجب على من قام إلى الصلاة وهو غير محدث؛ فكان التأويل ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ﴾ .

[الخطاب من] الله - عز وجل - بغسل الوجه: ما يعرف أهله الوجه؛ فالتكلم فيه والتحديد أنه من كذا إلى كذا فضل تكلم.

والأمر بالغسل يرجع إلى ما ظهر وعرف أهله أنه وجه، وكذلك الأمر بمسح الرأس، يرجع إلى ما عرف أهله أنه رأس، وليس كالأذنين؛ لأن معرفة الأذنين أنهما من الرأس سمعي؛ لأنهما لا تعرفان أنهما من الرأس إلا بالسمع، وكذلك الأمر بغسل اليد، وغسل الرِّجل، يقع على ما يعرف الناس، وعرف الناس اليد إلى الإبط، والرجل إلى الركبة؛ فخرج ذكر المرافق في غسل الأيدي على إخراج ما وراء المرافق، وكذلك ذكر الكعب في الرجل؛ لإخراج ما وراء الكعب؛ لأن اسم اليد على الإطلاق يقع من أطراف الأصابع إلى الإبط.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ ﴾ .

قرءوا بالنصب، وقرءوا بالخفض: قال بعضهم: من قرأ بالنصب، فهو يرجع إلى الغسل؛ نسقاً على الوجه، وبالخفض يرجع إلى المسح: مسح الخفاف؛ نسقاً على مسح الرأس، لكن هذا بعيد؛ لأنه تناقض: لا يجوز أن يأمر بالغسل والمسح جميعاً.

ومعنى الخفض؛ لقرب جواره بقوله -  -: ﴿ وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ ﴾ ، وقد يجوز ذلك؛ نحو قوله  : ﴿ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ  وَحُورٌ عِينٌ  كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ  ﴾ ، فمن قرأ بالخفض إنما قال: لقرب الجوار بالخفض؛ فعلى ذلك الأول، ثم الحكمة من الأمر بغسل هذه الأعضاء؛ ليذكرهم تطهير باطنهم.

والمعنى في غسل هذه الأعضاء الظاهرة - والله أعلم - لمعنيين: أحدهما: [أما اليد]؛ شكراً لما بها يتناول ويقبض.

وأما الرجل؛ لما بها يمشي، وبها يصل إليه.

والوجه؛ لأنه مجمع الحواس التي بها يعرف عظيم نعم الله - عز وجل - من نحو: البصر، والفم، وغيرهما من الحواس التي يكون بها التلذذ والتشهي.

أو أمر بذلك؛ تكفيراً لما ارتكب بهذه الحواس من الإجرام؛ لأنه بها يُرتكب جُلُّ الآثام، وبها يوصل إليها من: المشي، والقبض، وغير ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ ﴾ .

قيل: اغتسلوا: تأخذ الجنابة الظواهر من البدن وبواطنه، والحدث لا يأخذ إلا الظواهر من الأطراف؛ لأن السبب الذي يوجب الجنابة لا يكون إلا باستعمال جميع ما فيه من القوة؛ ألا ترى أنه به يضعف إذا أكثره وبتركه.

يقوى؟!

فعلى ذلك أخذ جميع البدن ظاهره وباطنه.

وأما الحدث: فإن سببه يكون بظواهر هذه الأطراف، من نحو: الأكل والشرب، والحدث ليس باستعمال كل البدن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ...

﴾ الآية.

ذكر المرض والسفر والمجيء من الغائط، والملامسة، ثم الحكم لم يتعلق باسم المرض ولا باسم السفر؛ ولكن باسم الغائط، ولكن كان متعلقاً لمعنى فيه؛ ففيه دلالة جواز القياس؛ لأنه ذكر الغائط والمجيء منه، والغائط: هو المكان الذي تقضى فيه الحاجات، والمراد منه: المعنى وهو قضاء الحاجات؛ فهذا أصل لنا أن النص إذا ورد لمعنى، فوجد ذلك المعنى في غيره - وجب ذلك الحكم في ذلك الغير، فإذا عدم الماء في المكان الذي يعدم، وإن لم يكن سفراً - يجوز التيمم فيه؛ وكذلك إذا خاف الضرر من الماء - جاز له التيمم، [وإن لم يكن] مريضاً؛ لأنه ليس أباح ذلك للمريض باسم المرض ولا باسم السفر؛ ولكن لمعنى فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ ﴾ : قد ذكرنا فيما تقدم أن الملامسة: هي الجماع؛ كذلك روي عن علي وابن عباس -  ما - وقال ابن عباس: "الملامسة والمباشرة والإفضاء والرفث والغشيان كله جماع، ولكن الله كريم يكني".

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً ﴾ .

جعل الطهارة بالماء والتراب؛ لأنه بهما معاش الخلق، وبهما قوام الأبدان، حتى جعل جميع أغذية الخلق وجل مصالحهم منهما؛ فعلى ذلك جعل قيام هذه العبادات بهما، والله أعلم.

ثم الحكمة في وجوب الطهارة وجهان: أحدهما: ما ذكرنا: أن يذكرهم طهارة الباطن.

والثاني: تكفيراً لما ارتكبوا بهذه الجوارح من الإجرام، أو شكراً لما أنعم عليهم من المنافع التي جعل لهم فيها من القبض والبسط، والتناول والأخذ والمشي، وغير ذلك مما يكثر.

ثم الحكمة في جعل الطهارة في أطراف البدن للتزين والتنظيف؛ لأنه يقدم على الملك الجبار، ويقوم بين يديه ويناجيه، ومن أتى ملكاً من ملوك الأرض يتكلف التنظيف والتزيين، ثم يدخل عليه؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً ﴾ : قال عبد الله بن مسعود وعمر -  ما -: "الملامسة: ما دون الجماع"، وقالا: "إن الجنب لا يتيمم، وإن لم يجد الماء شهراً".

وإنما قالا: "إنه لا يتيمم"؛ لما قالا: "إن اللمس ما دون الجماع"؛ فلم يدخل الجنب في هذه الآية ، فأوجبوا عليه الغسل بقوله -  -: ﴿ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ ﴾ ، وجعلا قول الله -  -: ﴿ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ  ﴾ على مرور الجنب في المسجد، ولم يجعله على أنه يصلي إذا كان مسافراً ولم يجد الماء بالتيمم، فهذا الذي منع عبد الله أن يطلق للجنب أن يصلي بالتيمم على [كل] حال.

فأمل علي وابن عباس -  ما - فإنهما جعلا اللمس الذي ذكره الله -  - في هذه الآية الجماع، وقالا: "كنى الله -  - عن الجماع بالمسيس والغشيان والمباشرة"، وجعل قول الله -  -: ﴿ إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ  ﴾ في المسافر الذي لم يجد الماء وهو جنب.

وقد روي عن رسول الله  : "أنه أذن للجنب من الجماع أن يتيمم: إذا لم يجد الماء؛ فكان ذلك حجة على من منع الجنب من التيمم" .

ثم قول الشافعي قول ثالث خارج عن قول الصحابة والسلف جميعا - رضوان الله عليهم أجمعين - لأنه يزعم أن اللمس هو الجماع وما دونه، فذلك ابتداع في الآية قولاً وتفسيراً؛ خالف فيه ما روي في تفسيرها عن الصحابة جملة والسلف؛ لذلك كان مخطئاً مبتدعاً، وأصله أن الله -  - ذكر الوضوء وأمر به في الآية، وهو قوله -  -: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ...

﴾ الآية: ولم يذكر الحدث، وأمر بالاغتسال من الجنابة، وهو قوله: ﴿ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ ﴾ ولم يذكر من أيِّ جنابة؟

ثم ذكر الحدث في قوله: ﴿ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله -  -: ﴿ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ ﴾ كان بياناً لما تقدم من الأمر بالاغتسال من الجنابة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً ﴾ ، قيل: اقصدوا صعيداً طيباً، والصعيد: هو وجه الأرض.

وقوله: ﴿ طَيِّباً ﴾ قال بعضهم: الطيب: ما يُنبت من الزرع وغيره.

وقال آخرون: الطيب - هاهنا - هو الطاهر؛ روي عن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِيَ الصَّلاَةُ تَيَمَّمْتُ وَصَلَّيْتُ" : أخبر أن الأرض جعلت له مسجداً وطهوراً؛ فكان قوله: "طهوراً" تفسيراً لقوله: "طيباً"، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل ما يريد أن يضيق عليكم ليأمركم بحمل الماء إلى حيثما كنتم في الأسفار وغيره؛ [ولكن جعل لكم التيمم، ورخص لكم أن تؤدوا ما فرض عليكم به، ولم يكلفكم حمل الماء في الأسفار وغيره،] والله أعلم.

ووجه آخر: ما أراد الله بما تعبدكم من أنواع العبادات أن يجعل عليكم من حرج؛ ولكن أراد ما ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ﴾ .

يحتمل يريد ليطهركم به: بالتوحيد والإيمان به وبالرسل جميعاً.

ويحتمل قوله: ﴿ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ﴾ من الذنوب والآثام التي ارتكبوها؛ كقوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ  ﴾ .

ويحتمل: التطهير من الأحداث والجنابات كما قال أهل التأويل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

تمام ما ذكرنا من التوحيد والإيمان والهداية لدينه، والتكفير مما ارتكبوا، ويجوز أن يكون هذا في قوم علم الله أنهم يموتون على الإيمان؛ حيث أخبر أنه يتم نعمته عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ .

أمر - والله أعلم - بشكر ما أنعم عليهم من أنواع النعم.

﴿ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ ﴾ .

يحتمل الميثاق: ميثاق الخلقة وشهادتها؛ إذ خِلْقَةُ كُلِّ أحد تشهد على وحدانيته وربوبيته.

ويحتمل الميثاق الذي ذكر: ميثاق قول قالوه وقبلوا ما دعوا إليه.

وقوله: ﴿ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ قال بعضهم: أجبنا دعوتك، وأطعنا أمرك.

وقال آخرون: سمعنا قولك، وأطعنا أمرك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .

في ترك ما أمركم ربكم، وارتكاب ما نهاكم.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ .

وهو على الوعيد.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ٨ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ۙ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌ عَظِيمٌۭ ٩ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ ١٠ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ١١

قوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ...

﴾ الآية.

يحتمل أن تكون الآية في الشهادة نفسها؛ كأنه قال: أن قوموا شهداء لله، واجعلوا الشهادة له، فإذا فعلوا هكذا لا يمنعهم بغض أحد وعداوته، ولا رضا أحد وولايته - القيام بها.

ندبهم الله أن يقوموا في الشهادة لله والحكم له: يحكم للعدو كما يحكم للولي، ويقوم في الشهادة للعدو كما يقوم للولي، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون في بيان الحق والحجج وتعليم الأحكام والشرائع؛ كأنه يقول - والله أعلم -: قوموا في بيان الحجج والحق وتعليم الأحكام لله، لا يمنعكم بغض قوم ولا رضاهم على ألا تبينوا الحق لهم، ولا تعلموا الحجج والأحكام لهم.

وعن ابن عباس -  - قال: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ ، أي: لا يحملنكم ﴿ شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ ، أي: بغض قوم ﴿ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ﴾ فيهم؛ فإنما العدل لله في الرضا والسخط، ﴿ ٱعْدِلُواْ ﴾ ، يقول: قولوا العدل بالحق؛ فإنه أقرب للتقوى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ .

أي: اعدلوا هو التقوى؛ كقوله -  -: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ  ﴾ ، أي: رحمة الله للمحسنين؛ لأن العدل ليس إلا التقوى.

﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .

في ترك ما أمركم به، وارتكاب ما نهاكم عنه.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .

وتضمرون من العدل والجور، خرج على الوعيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ قال بعضهم: هذه الآية [هي] صلة ما تقدم في قوله -  وتعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

فإذا فعلوا، وقاموا في الشهادة والعدل في الحكم، كان لهم ما ذكر من الوعد، والله أعلم.

ولكن يحتمل هي على الابتداء - والله أعلم - كأنه قال: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات وعداً، ثم بين ما في ذلك الوعد، فقال: لهم مغفرة وأجر عظيم: يستر على ذنوبهم، ويتجاوز عنها، وأجر عظيم: الجنة، قال ابن عباس -  - "لهم مغفرة في الدنيا لذنوبهم، وأجر عظيم في الآخرة: الجنة"، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ ﴾ قيل: كفروا بآيات الله وكذبوا بآياته، يعني: محمداً  والقرآن، ﴿ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ ﴾ .

وقيل: ﴿ كَفَرُواْ ﴾ بتوحيد الله، ﴿ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ ﴾ : بالقرآن بأنه ليس من الله  ، وهما واحد؛ وهذا يدل على أن الآية على الابتداء خرجت، ليس على الصلة على ما قالوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ﴾ .

يحتمل أن تكون هذه المنة التي ذكر الله -  - في هذه الآية من كف أيدي الأعداء عنهم، بعدما بسطوا إليهم أيديهم في جملة المؤمنين؛ لأن المؤمنين كانوا في ابتداء الأمر مختفين فيما بين الكفرة، لا يقدرون على إظهار الإسلام وإعلانه، وقد هموا قتل المؤمنين غير مرة، وفيما كف أيديهم عنهم منة عظيمة علينا وعليهم وعلى جميع المسلمين.

ويحتمل أن يكون في قوم خاص قد أحاطوا بهم، وبسطوا أيديهم إليهم، وهموا بقتلهم؛ فكف الله - عز وجل - بفضله أيديهم عنهم، وأنقذهم من أيديهم.

ثم اختلف فيه: عن ابن عباس -  - قال: "هَمَّ بنو قريظة أن يبسطوا إليهم أيديهم بالقتل؛ فكف الله -  - أيديهم عنهم بالمنع".

وقيل: نزلت في اليهود: دخل النبي  حائطاً لهم في النخل، وأصحابه وراء الجدار، واستعانهم في مغرم دية غرمها، ثم قام من عندهم، فائتمروا بينهم بقتله، فخرج يمشي القهقرى معترضاً ينظر من خيفتهم، ثم دعا أصحابه إليه رجلاً رجلاً، حتى تناهوا إليه.

فلا ندري كيفما كانت القصَّة؟

وليس لنا إلى معرفة القصّة حاجة بعد أن نعرف منة الله -  - التي من علينا بكف الأعداء عنهم، ونشكر له على ذلك.

وفي هذه الآية دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه أخبر عما كان منهم من غير أن يشهد ذلك؛ ليعلم أنه بالله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .

أي: على الله يكل المؤمن في كل أمره، وبه يثق.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًۭا ۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٢ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعَنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـٰسِيَةًۭ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ ۙ وَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍۢ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ١٣ وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَـٰرَىٰٓ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ فَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ١٤

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ﴾ .

هذا - والله أعلم - تعليم من الله -  - هذه الأمة وإنباء من أنه قد أخذ العهود والمواثيق على الأمم السالفة، كما أخذ منكم؛ لأنه ذكر أنه: قد أخذ من هؤلاء الميثاق بقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ...

﴾ الآية.

ثم أعلمهم بما وعد لهم من الثواب إن وفوا بتلك العهود والمواثيق التي أخذت عليهم، وبما أوعد لهم من العقاب إن نقضوا العهود التي أخذ عليهم؛ ليكونوا على حذر من نقضها، وليقيموا على وفائها.

أو أن يقال: إنه إنما ذكر ما أخذ على أولئك من العهود والمواثيق؛ ليكون ذلك آية من آيات رسالة نبينا محمد  ؛ لأنه إخبار عن الأمم السالفة، وهو لم يشهدها ولا حضرها؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله.

ثم تحتمل تلك العهود والمواثيق التي أخذت عليهم: ما ذكر على أثرها وسياقها، وهو قوله -  -: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

ويحتمل ما قال ابن عباس: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ﴾ في التوراة: ألاَّ تشركوا به شيئا، وبالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وإحلال ما أحل الله، وتحريم ما حرم الله، وحسن مؤازرتهم.

﴿ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ﴾ ، يعني: ملكاً، وهم الذين بعثهم موسى إلى بيت المقدس؛ ليعلموا له علمها.

ويحتمل: أن يكونوا اختاروا من بينهم أولئك، فسألوا موسى أن يجعلهم عليهم قدوة يقتدون بهم ويعلمونهم الدين والأحكام، ويأخذ عليهم المواثيق والعهود؛ فيكون ما أخذ على أولئك من المواثيق والعهود عليهم، والله أعلم.

ثم اختلف في النقيب: قال بعضهم: النقيب: هو الملك، وهو قول ابن عباس.

وقال أبو عوسجة: النقيب: هو المنظور إليه، والمصدور عن رأيه، وهو من وجوه القوم، وجمعه: النقباء، مثل العرفاء.

وقال أبو عبيد: النقيب: الأمير والضامن على القوم.

وقال الكسائي والفراء يقال منه: نقبت عليه، أنقب، نقابة، وهو فرق العريف؛ يقال من العريف: عرفت عليهم عرافة، وهم النقباء والعرفاء.

والمناكب، واحدهم: منكب، وهم كالعون يكون مع العريف.

وقال القتبي: النقيب: الكفيل على القوم، والنقابة والنكابة: شبيهة بالعرافة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ ، قال بعضهم: قال للنقباء: إني معكم في النصر والدفع عنكم، ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ...ِ ﴾ إلى آخر ما ذكر، وهو قول ابن عباس،  .

ويحتمل أن يكون هذا الوعد لكل من قام بوفاء ذلك: النقباء وغير النقباء، وما ذكر من الوعيد في الآية التي هي على أثر هذه على كل من نقض [ذلك] العهد: النقيب وغير النقيب.

ثم قوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: أنه أراد بالصلاة: الخضوع والثناء له، وبالزكاة: تزكية النفس وطهارتها، وذلك في العقل على كل أحد القيام به في كل وقت.

ويحتمل: أن يكون أراد بالصلاة والزكاة: الصلاة المعروفة المعهودة، والزكاة المعروفة؛ ففيه دليل وجوب الصلاة والزكاة على الأمم السالفة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي ﴾ .

يحتمل: أن تؤمنوا برسلي جميعاً، ولا تفرقوا بينهم: أن تكفروا ببعض وتؤمنوا ببعض؛ كقولهم: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ  ﴾ .

﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ .

قال القتبي وأبو عوسجة: وعزرتموهم، قالا: وعظمتموهم، والتعزير: التعظيم.

وقال بعضهم: نصرتموهم.

وعن ابن عباس -  - قال: "وعزرتموهم: أعنتموهم"، يعني: الأنبياء، عليهم السلام.

[{وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً.

أي: صادقا من كل أنفسكم، ابتغى به وجه الله.

وقال بعضهم]: ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ أي: محتسباً طيبة بها نفسه.

ويحتمل قوله: ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ ، أي اجعلوا عند الله لأنفسكم أيادي محاسنَ؛ تستوجبون بذلك الثواب الجزيل، ثم قال: ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ .

وعد لهم تكفير ما ارتكبوا من المآثم إذا قاموا بوفاء ما أخذ الله عليهم من المواثيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيل ﴾ .

قال بعضهم: فمن كفر بعد ذلك، أي: بعد المواثيق والعهود التي أخذ عليهم.

ويحتمل قوله: ﴿ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ ﴾ ، أي: من كفر، ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيل ﴾ ، أي: أخطأ قصد السبيل.

وقوله -  -: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ﴾ .

أي: فبنقضهم، قيل: ما زائدة، فبنقضهم ميثاقهم.

﴿ لَعنَّاهُمْ ﴾ .

يحتمل: ﴿ لَعنَّاهُمْ ﴾ ، أي: طردناهم، والملعون: هو المطرود عن كل خير.

ويحتمل: ﴿ لَعنَّاهُمْ ﴾ ، أي: دعونا عليهم باللعن.

﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ .

بما نزع منها الرحمة والرأفة؛ إذا نقضوا العهود وتركوا أمر الله؛ لأن الله -  - أخبر أنه جعل في قلوب الذين اتبعوا أمر الله وأطاعوا رسوله الرحمة والرأفة بقوله -  -: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً  ﴾ ؛ فإذا نزعت الرحمة من قلوبهم صارت قاسية يابسة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ .

يحتمل أن يكونوا يغيرون تأويله ويقولون: هذا من عند الله.

ويحتمل التحريف: تحريف النظم والمتلو، ومحوه، ويكتبون غيره.

﴿ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ .

قيل: ضيعوا كتاب الله بين أظهرهم، ونقضوا عهده الذي عهد إليهم، وتركوا أمره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ ، أي: وعظوا به، وقيل: تركوا نصيباً مما أمروا به في كتابهم من اتباع محمد  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ ﴾ .

إخبار عن تمردهم في المعاندة، وكونهم في الخيانة، وإياس عن إيمانهم، ثم استثنى فقال: ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ ﴾ .

وهم الذين أسلموا منهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ﴾ .

ولا تكافئهم لما آذوك.

ثم قال بعضهم: هو منسوخ بآية القتال في سورة براءة، وهو قوله -  -: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [التوبة: 29].

ويحتمل ﴿ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ﴾ إلى أن تؤمر بالقتال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ ﴾ .

عن الحسن قال: قال للنصارى: ﴿ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ  ﴾ ؛ فقالوا: بل نكون نصارى؛ فذلك قوله: ﴿ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ : ما من أحد يعقل إلا وقد أخذ الله - عز وجل - عليه العهد والميثاق، وقد أخذ الميثاق على المؤمنين بقوله -  -: ﴿ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ...

﴾ الآية، وأخذ الميثاق على اليهود بقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ...

﴾ الآية، وأخبر - أيضاً - أنه قد أخذ الميثاق على النصارى في هذه الآية بقوله -  -: ﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ ﴾ ، وقد تقدم ذكر الميثاق ومعناه في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أي تركوا حظهم مما أمروا به من التوحيد بالله، والإيمان بالرسل كلهم، والتمسك بكتاب الله -  وتعالى - والوفاء بالعهود التي عهد إليهم، فتركوا ذلك كله وضيعوا.

ويحتمل: ﴿ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ ، أي: لم يحفظوا ما وعظوا به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

قيل: ﴿ فَأَغْرَيْنَا ﴾ : ألقينا بينهم العداوة والبغضاء، قال الحسن: من حكم الله -  - أن يلقى بينهم العداوة والبغضاء، وأن يجعل قلوبهم قاسية، ومن حكمه أن يكون بين المسلمين رأفة ورحمة.

وقال بعض المعتزلة: قوله -  -: ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ ﴾ ، أي: خذلناهم، وتركناهم.

لكن هذا كله منهم احتيال، وفرار عما يلزمهم من سوء القول وقبحه؛ فيقال لهم: إن شئتم جعلتم خذلاناً، وإن شئتم تركاً، اجعلوا ما شئتم، ولكن هل كان من الله في ذلك صنع، أو أضاف ذلك [إلى نفسه] ولا صنع له في ذلك، وذلك الحرف على غير إثبات الفعل فيه أو شيء، حرف ذم لا يجوز أن يضيف ذلك إلى نفسه ولا فعل له في ذلك، ولا صنع؛ فدل أن له فيه صنعاً، وهو ما ذكرنا أن خلق ذلك منهم؛ وكذلك فيما أضاف إلى نفسه من جعل الرأفة والرحمة في قلوب المؤمنين؛ فلو لم يكن له في ذلك صنع لكان لا يضيف ذلك إلى نفسه، وذلك الحرف حرف الحمد والمدح؛ فدل أن له صنعاً، وهو أن خلق الرأفة والرحمة في قلوب المؤمنين، وخلق القساوة والعداوة في قلوب أولئك الكفرة، وبالله التوفيق.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة نبينا محمد  ؛ لأنه أخبر أنه ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وأخبر ألا تزال تطلع على خائنة منهم، وكان كما قال، على علم منهم أنه لا يطلع على [ما في] قلوبهم من الخيانة والقساوة، وغير ذلك من الأمور؛ فدل أنه علم بالله ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ .

في الآخرة.

﴿ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ في الدنيا، وهو قول ابن عباس.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًۭا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ۚ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌۭ وَكِتَـٰبٌۭ مُّبِينٌۭ ١٥ يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ١٦

قوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ الآية.

قال - عز وجل -: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا ﴾ ، ولم يقل: فلان بن فلان؛ ليعلم أن الرسل - عليهم السلام - ليسوا يعرفون بالأسامي والأنساب؛ ولكن إنما يعرفون بالآيات المعجزة والبراهين النيرة.

وفيه دليل أن من آمن بالرسل كلهم ولم يعرف أسماءهم أنه يكون مؤمناً، ولم يؤخذ علينا معرفة أسامي الرسل؛ إنما أخذ علينا الإيمان بهم جملة؛ ألا ترى أن الله - عز وجل - لم يذكر في الكتاب الأنبياء والرسل جميعاً واحداً فواحداً، ولا ذكر أسماءهم؛ إنما ذكر بعضاً منهم؟!

أفترى أن من لم يعرف أسماءهم لم يكن مؤمناً؟!

هذا بعيد.

وفيه دلالة إثبات رسالة [سيدنا] محمد  ؛ لأنه قال: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، وهم إذا كتموا ذلك وأخفوه - أعني: الرؤساء - ولم يخبروا أحداً أنهم كتموا ذلك وأخفوه، حتى يبلغ الخبر إلى رسول الله  ، ولا كان رسول الله  اختلف إلى أحد منهم، أو نظر في كتابهم قط؛ ليعلم ما كتموا، فلما بين لهم ما قد كتموا وأخفوا من الناس؛ دل ذلك لهم أنه إنما علم ذلك بالله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ .

اختلف في تأويله وقراءته: قال بعضهم: "نبين" بالنون، "ونعفوا عن كثير"، أي: الله يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون [من الكتاب]، ويعفوا الله -  - عن كثير إذا آمنوا ورجعوا عما كانوا يخفون ويكتمون.

وقال آخرون: يبين لهم كثيراً، أي: جميع ما كانوا يخفون، ويعفو عن جميع ذلك.

وأمَّا عندنا فقوله: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ بالياء، أي: رسول الله يبين لهم كثيراً، ويعفو عن كثير، على قدر ما أذن له البيان لهم؛ لأن الرسل إنما يأتون بالبراهين والحجج على قدر ما أذن لهم، لا بكل ما لهم من الآيات؛ ألا ترى أن سحرة فرعون لما ألقوا حبالهم وعصيهم فصارت حيات، لم يلق موسى عصاه حتى أذن الله له في ذلك؟!

وهو قوله -  -: ﴿ وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ  وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ  ﴾ .

إنما أتى بالآية بعد ما أذن له بذلك؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً ﴾ إنما يبين على قدر ما أذن له بالبيان والحجة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ : يحتمل مما كنتم تخفون من الكتاب: من الشرائع والأحكام، ويحتمل: كتموا ما في الكتاب من نعت محمد  وصفته [الكريمة].

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ ﴾ .

عن الحسن: النور والكتاب واحد، وكذلك ما قال في قوله: ﴿ ٱلْكِتَابِ وَٱلْحِكْمَةِ  ﴾ هما واحد.

وقال غيره: النور: هو محمد، والكتاب: هو القرآن، سماه: نوراً؛ لما يوضح ويضيء كل شيء على ما هو عليه حقيقة؛ وعلى ذلك يخرج قوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [النور: 35]، أي: به يتضح كل شيء على ما هو عليه في الحقيقة، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: بمحمد  ، ويحتمل: بالقرآن، أي: به يهدي الله ﴿ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ ﴾ ، يحتمل: رضاه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ ﴾ .

السلام: قيل: هو الله؛ كقوله -  -: ﴿ ٱلسَّلاَمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ  ﴾ ، أي: به يهدي سبل السلام، سمي سبلا؛ لأن سبيل الله - وإن كان كثيراً في الظاهر - فهو في الحقيقة واحد، وسمي سبل الشيطان سبلاً وقال: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ...

﴾ الآية [الأنعام: 153]؛ لأن سبله متفرقة مختلفة، ليست ترجع إلى واحد، وأما سبل الله - وإن كانت سبلاً في الظاهر - فهي ترجع إلى واحد، وهو الهدى والصراط المستقيم.

<div class="verse-tafsir"

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ١٧ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌۭ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ١٨ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍۢ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُوا۟ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٍۢ وَلَا نَذِيرٍۢ ۖ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌۭ وَنَذِيرٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ١٩

قوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ﴾ .

كفروا كفر مكابرة ومعاندة، لا كفر شبهة وجهل؛ لأنهم أقروا أنه ابن مريم، ثم يقولون: إنه إله، فإذا كان هو ابن مريم وأمُّه أكبر منه؛ فمن البعيد أن يكون من هو أصغر منه إلهاً لمن هو أكبر منه وربا؛ وإلا الكفر قد يكون بدون ذلك القول، لكن التأويل هو ما ذكرنا: أنهم كفروا كفر معاندة ومكابرة مع إقرارهم أنه ابن مريم؛ حيث جعلوا الأصغر إله الأكبر وربّاً له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ .

أي: لا أحد يملك من دون الله شيئاً، إن اراد إهلاك ﴿ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ...

﴾ الآية، أي: لو كان إلهاً - كما تقولون - لكان يملك دفع الإهلاك عن نفسه وعن أمه ومن عبدهما في الأرض.

وقيل: فمن يملك أن يمنع من الله شيئاً من عذابه إن أراد أن يهلك المسيح بعذاب، وأمَّه ومن في الأرض جميعاً بعذاب أو بموت؟!

وهما واحد.

ثم عظَّم نفسه عن قولهم ونزهها حين قالوا: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ﴾ ، فقال: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

أي: كلهم عبيده وإماؤه، يخلق ما يشاء من بشر وغير بشر.

﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

أي: قادر على خلق الخلق من بشر ومن غير بشر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ \[الآية\].

يحتمل أن يكون هذا القول لم يكن من الفريقين جميعاً، ولكن كان من أحد الفريقين هذا، ومن الفريق الآخر غيره، وكان كقوله -  -: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ كأن هذا القول: كان كل فريق نفي دخول الفريق الآخر الجنة، لا أن قالوا جميعاً: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ .

ويحتمل: أن كان من النصارى ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ ﴾ ؛ لما ذكر في بعض القصة أن عيسى -  - قال لقومه: "أدعوكم إلى أبي وأبيكم الذي في السماء"؛ فقالوا عند ذلك: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ ﴾ ، وكان من اليهود: "نحن أحباء الله".

ويحتمل: أن يكون هذا القول كان منهما جميعاً، قال كل واحد من الفريقين: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ .

وقيل: إنهم قالوا ذلك في المنزلة والقدر عند الله  ، أي: لهم عند الله من المنزلة والقدر كقدر الولد عند والده ومنزلته عنده، ولا يعذبنا، فقال: قل يا محمد: ﴿ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ﴾ .

إن كان ما تقولون حقّاً فلم يعذبكم؟!

حيث جعل منكم القردة والخنازير، ولا أحد من الخلق يحتمل قبله أن يكون ولده أو صديقه قرداً أو خنزيراً.

أو يقال: لا أحد يحتمل قلبه تعذيب ولده وحبه - بذنب يذنبه - بالنار، وقد أقررتم أنكم تعذبون في الآخرة قدر ما عبد آباؤكم العجل.

ثم قال: ﴿ بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾ .

أي: من اتخذ ولداً وحبّاً أن يتخذ من شكله ومن جنسه؛ فالله -  - إنما خلقكم من بشر؛ كغيركم من الخلق، وأنتم وهم في ذلك سواء، فكيف خصصتم أنفسكم بذلك؟!.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ﴾ دليل أن من رفع أحداً من الرسل فوق قدره في الكفر كمن حط عن قدره ومرتبته.

وقوله: ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ﴾ .

أي: من تاب وأسلم.

﴿ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ﴾ .

من دام على الكفر، ومات عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ .

أي: كلهم عبيده وإماؤه وخلقه؛ يعظم نفسه عن قولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ ، ولا أحد يتخذ عبده ولده ولا حبّاً؛ فأنتم إذا أقررتم أنكم عبيده، كيف ادعيتم البنوة والمحبة؟!

والله أعلم.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة [نبينا] محمد  ، لأنهم قالوا قولاً فيما بينهم، ثم أخبرهم رسول الله  بذلك؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ .

يحتمل قوله -  -: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ ما كنتم تكتمون من نعته وصفته، ويحرفون؛ كقوله -  -: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ .

ويحتمل: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ مما [لكم وعليكم] من الأحكام والشرائع، ويحتمل: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ ما كان عليه الأنبياء والرسل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ .

قيل: على انقطاع من الرسل من لدن إسرائيل إلى عيسى -  - لأنه قيل: إنه كان رسول على أثر رسول: لم يكن بين رسولين انقطاع؛ فأخبر - عز وجل - أنه بعث محمداً  على حين فترة من الرسل.

وقيل: ﴿ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ ليس على انقطاع منهم؛ ولكن على ضعف أمور الرسل ودروس آثارهم، وهو من الفتور، يقال: فتر يفتر فتوراً.

يخبر - والله أعلم - أنه إنما بعث الرسول بعدما درس آثار الرسل، وضعف [أمورهم] ووقع فيما بينهم اختلاف للضعف؛ ليبين لهم ما ذكر: ﴿ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ ﴾ .

يقطع احتجاجهم بذلك، وإن لم يكن لهم في الحقيقة احتجاج، وهو كما قال: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ  ﴾ .

بشير بالجنة [لمن أطاع]، ونذير بالنار لمن عصاه.

فقد جاءكم بشير ونذير.

﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

يحتمل: ﴿ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ من بعث الرسل على فترة منهم، وإحياء ما درس من آثار الرسل، وما ضعف من رسومهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًۭا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢٠ يَـٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَـٰسِرِينَ ٢١ قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوْمًۭا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ ٢٢ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُوا۟ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَـٰلِبُونَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٢٣ قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًۭا مَّا دَامُوا۟ فِيهَا ۖ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَآ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ ٢٤ قَالَ رَبِّ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى ۖ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ ٢٥ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةًۭ ۛ يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ ٢٦

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ...

﴾ الآية.

يحتمل قوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ : ما ذكر من بعث الرسل والأنبياء - عليهم السلام - على فترة منهم، ويحتمل: ما ذكر على أثره، وهو قوله: ﴿ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ ﴾ ؛ كأنه يقول: اشكروا نعمتي التي أنعمت عليكم من جعل الأنبياء فيكم، ولم يكن ذلك لأمة من الخلق، وجعلكم ملوكاً تستنصرون من الأعداء؛ لأن الملوك في بني إسرائيل هم الذين كانوا يتولون القتال وأمر الحرب مع الأعداء؛ كقوله: ﴿ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ  ﴾ ، فأخبر أنه جعل فيهم الأنبياء يعلمونهم أمور الدنيا والآخرة، ويحتاج غيرهم إلى معرفة ذلك، وإنما يعرفون ذلك بهم، وجعل فيهم ملوكاً يستنصرون من الأعداء ويقهرونهم؛ فيعزون ويشرفون في الدنيا والآخرة.

وقوله: ﴿ وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ ﴾ .

يحتمل: ما ذكر من جعل الأنبياء والملوك فيهم، ويحتمل: ما رزقهم في التيه من المنِّ والسلوى وغيره من النعم.

وقيل في قوله: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ﴾ ، أي: جعلكم بحيث تملكون أنفسكم، وكنتم قبل ذلك يستعبدكم فرعون، ويتخذكم خولاً لنفسه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ .

قيل: قوله: ﴿ كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، أي: كتب الله عليكم قتال أهل تلك الأرض؛ ليسلموا، وهو كقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ  ﴾ ، يعني: الكفر؛ فعلى ذلك قوله -  : ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ قتال أهلها؛ ليسلموا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَكُمْ ﴾ ، أي: عليكم، وهذا جائز في اللغة؛ كقوله: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ ، أي: فعليها.

وقيل: قوله: ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ فَتْحَهَا، إن أطعتم أمر الله فيما أمركم به، وانتهيتم عما نهاكم عنه، وأجبتم رسوله إلى ما دعاكم إليه، أي: إذا فعلتم ذلك يفتح الله تلك الأرض، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ﴾ ، قيل: هي الشام، وقيل: غيرها، ثم سماها مرة مقدسة، ومرة: مباركة، وهو كقوله: ﴿ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ  ﴾ ، ثم يحتمل قوله: ﴿ بَارَكْنَا حَوْلَهُ  ﴾ بكثرة الثمار والفواكة، وسعة عيشها، وكثرة ريعها.

ويحتمل: أن سماها مباركة؛ لما كانت معدن العباد والزهاد ومنزهة عن الشرك وجميع الفواحش والمناكير، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ ﴾ .

هذا - والله أعلم - كناية عن الرجوع عن الدين؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً  ﴾ ، وإنما صار ذلك كناية عن الرجوع عن الدين - والله أعلم - لما ذكرنا في أحد التأويلين: أنه كتب عليهم قتال أهل تلك الأرض، فتركوا أمر الله وطاعته.

ويحتمل: أن وعد الله لهم فتح تلك الأرض، فلم يصدقوا رسوله فيما أخبر عن الله من الفتح لهم؛ فكفروا بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَنْقَلِبُوا خَٰسِرِينَ ﴾ .

يحتمل: أن يكون ذلك لهم في الآخرة، ويحتمل: في الدنيا منهزمين.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ ﴾ .

أي: لا ترجعوا وراءكم، ولكن ادخلوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴾ .

يحتمل: أن يكون هذا - والله أعلم - لما رأوا فرعون مع قربه وكثرة جنوده، مع ادعاء ما ادعى من الربوبية لنفسه - لعنة الله عليه وعلى آله - لم يقدر على فتح تلك الأرض، وعجز عن غلبة أهلها وقهرهم وجعلهم تحت يديه - فرأي هؤلاء ألا يقدرون على ذلك مع ضعفهم في أنفسهم، وقلة عددهم؛ وقصور أسبابهم؛ لذلك امتنعوا عن الدخول فيها إلا بعد خروج من فيها من الجبارين عنها؛ خوفاً منهم على أنفسهم، لكن موسى -  - كان وعد لهم الفتح والنصرة مع ضعفهم وقلة عددهم، إذا دخلوا فيها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ اختلف في الرجلين اللذين قالا ذلك لهم: قال قائلون: كان ذانك الرجلان من أولئك الذين بعثهم موسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - إلى أهل تلك الأرض، وأمرهم بالدخول فيها، وهما ممن قد أنعم الله عليهما من تصديق ما وعد لهم موسى من الفتح والنصرة، فقال: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ صدقوا موسى بما وعد لهم من الفتح.

وقال قائلون: كان ذانك الرجلان اللذان قالا ذلك لهم هما من أهل تلك الأرض؛ لأنهم إذ سمعوا أن موسى قصد نحوهم خافوا من ذلك؛ فذلك معنى قوله: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ﴾ بالإسلام؛ فقالا: ﴿ ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ ؛ لما علموا من خوف أهلها من موسى ومن معه وفزعهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

أي: مصدقين بوعد موسى بالفتح لكم والنصر.

ويحتمل: وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مسلمين؛ فإن كل من توكل على الله ووثق به، نصره الله، وجعله غالباً على عدوه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ ﴾ : كأن المراد من الباب ليس نفس الباب؛ ولكن جهة من الجهات التي يكون الدخول عليهم من تلك الجهة أرفق وأهون؛ كأنه قال: ادخلوا عليهم جهة كذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا ﴾ .

من تعرض لرسول من الرسل بمثل ما تعرض هؤلاء لموسى: ﴿ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا ﴾ - يكفر؛ لأن موسى -  - قد وعد لهم النصر والفتح إذا دخلوها، فقالوا: ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً ﴾ لم يصدقوا موسى -  - فيما وعد لهم من الفتح والنصر، ومن كذَّب رسولاً من الرسل بشيء مخبر؛ فهو كافر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ...

﴾ الآية: دل - قوله -  -: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ ﴾ على أن الأمر بالدخول فيها أمر بالقتال مع الأعداء، حين قال: ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، وأن المكتوب عليهم القتال معهم؛ لأنهم قالوا: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ ﴾ ، والله أعلم.

ثم قيل في قوله -  -: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ ﴾ بوجهين: قيل: اذهب أنت وربك فقاتل وحدك، وليعينك ربك وينصرك؛ لأنك تقول: إن الله قد وعدك فتحها والنصر عليهم، فالواحد والجماعة فيه سواء، إذا كان الله ناصرك ومعينك.

والثاني: اذهب أنت وأخوك بربك فقاتلا؛ لأنهما كانا جميعاً مأمورين بتبليغ الرسالة؛ لأنهما إذا قاتلا إنما قاتلا بربهما، وتجوز الإضافة إليه والنسبة لما كان يفعل به؛ كقوله: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ  ﴾ هم المباشرون للقتل والرمي في الحقيقة، لكنه أضيف إليه؛ لما بنصره ومعونته قتلوا ورموا؛ فعلى ذلك الأول - والله أعلم - أضيف إليه؛ لما بمعونته ونصره يقاتلون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ .

أي: ليس يريد به القعود نفسه، ولكن - والله أعلم - إنا هاهنا منتظرون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي...

﴾ \[الآية\] يحتمل وجهين: يحتمل: أني لا أملك في الإجابة والطاعة لك إلا نفسي [وأخي - أيضاً -] لما عرفت بالعصمة التي أعطيت له أن يجيبني ويطيعني في ذلك، وأما هؤلاء: فإني لا أملك إجابتهم ولا طاعتهم، ﴿ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .

ويحتمل: ﴿ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي ﴾ لا يملك - أيضاً - إلا نفسه؛ على الإضمار؛ لأنهما كانا جميعاً رسولين مأمورين بتبليغ الرسالة بقوله -  -: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً...

﴾ الآية [طه: 44].

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .

قال قائلون: إنما طلب موسى -  - الفرقة بينه وبين الذين أبوا الدخول فيها، وقالوا: ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً ﴾ .

وقال قائلون: إنما طلب [موسى] الفرقة بينهم وبين الجبابرة الذين كانوا في الأرض، التي أمروا بالدخول فيها والقتال معهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً...

﴾ الآية.

قوله  : ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ : من الحرمان والمنع، هو - والله أعلم - ليس على التحريم؛ كقوله -  -: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ  ﴾ ليس هو من التحريم الذي هو تحريم حكم، ولكن من المنع والحرمان؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وقال قائلون: محرمة عليهم أبداً لم يدخلوها حتى ماتوا، لكن ولد لهم أولاد؛ فلما ماتوا هم دخل أولادهم؛ لأنهم قالوا: ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً ﴾ .

وقال قائلون: قوله  : ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ : أي: التوبة محرمة عليهم، لن يتوبوا أبداً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : فالمدة هاهنا للتيه - والله أعلم - لا لقوله  : ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ .

ثم اختلف في التيه: قال قائلون: لم يكن موسى وهارون - عليهما السلام - معهم في التيه؛ لأن ذلك لهم من الله كان عقوبة، ولا يحتمل أن يكون الله - عز وجل - يعذب رسوله بذنب قومه؛ لأنه لم يعذب قوماً بتكذيب الرسول قط إلا من بعد ما أخرج الرسول من بين أظهرهم؛ فعلى ذلك لا يحتمل أن يكون موسى يعذب بعصيان قومه، والله أعلم.

وقال آخرون: كان موسى معهم في تلك الأرض مقيماً فيها، ولكن الحيرة والتيه كانت لقومه، قيل: كانوا يرتحلون ثم ينزلون من حيث أصبحوا أربعين سنة، وكان ماؤهم في الحجر الذي كان مع موسى -  - فكان إذا نزل [ضربه] موسى بعصاه، ﴿ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً  ﴾ ، لكل سبط عين، ولم يكن حل بموسى مما كان حل بقومه قليل ولا كثير؛ إنما أمر بالمقام فيها؛ فأقام من غير أن كان به حيرة.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًۭا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْـَٔاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ٢٧ لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍۢ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢٨ إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا۟ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٢٩ فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٣٠ فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًۭا يَبْحَثُ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَٰرِىَ سَوْءَةَ أَخِى ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ ٣١ مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ٣٢

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً ﴾ [قال الحسن وغيره: لم يكونا ابني آدم من صلبه، ولكن كانا رجلين من بني إسرائيل قربا قرباناً]؛ فتقبل قربان أحدهما، ولم يتقبل قربان الآخر، وإن نسبهما إلى آدم؛ لأن كل البشر ولد آدم ينسب إليه، كقوله -  -: ﴿ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ ﴾ افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا، ليس يريد به ولد آدم لصلبه، ولكن البشر كله؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وأمَّا ابن عباس -  - والكلبي وغيرهما من أهل التأويل: فإنهم قالوا: "إنهما كانا ابني آدم لصلبه: أحدهما يسمى قابيل، والآخر هابيل، وكان [لكل] واحد منهما أخت ولدت معه في بطن واحد، وكانت إحداهما جميلة، والأخرى دميمة، فأراد كل واحد منهما نكاح الجميلة منهما، فتنازعا في ذلك؛ فقال أحدهما لصاحبه: تعال حتى نقرب قرباناً، فإن تقبل قربانك فأنت أحق بها، وإن تقبل قرباني فأنا أحق بها، فقربا قربانهما، فقبل قربان هابيل، ولم يتقبل قربان قابيل؛ فحسده؛ فهم أن يقتله؛ فذلك قوله -  -: ﴿ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ، ولكن لا ندري كيف [كانت] وفيما كانت القصة؟

وكانا ابني آدم لصلبه، أو لم يكونا، وليس لنا إلى معرفة هذا حاجة، إنما الحاجة في هذا إلى معرفة ما فيه من الحكمة والعلم؛ ليعلم ذلك ويعمل به، فهو - والله أعلم - ما ذكر - عز وجل - فيما تقدم من قوله  : ﴿ يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ فكأن هذا - أعني: نبأ ابني آدم - كان في كتبهم؛ فأمر - عز وجل - رسوله أن يتلو عليهم ذلك على ما كان، ويبين لهم ما في كتبهم؛ لأنه قال: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ و ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله، لا بأحد من البشر؛ لأنه إنما بعث عند دروس آثار الرسل، وانقطاع العلوم، فبين لهم واحداً بعد واحد، ففيه دليل إثبات رسالة [سيدنا] محمد  .

وسورة المائدة كان أكثرها نزلت في مخاطبة أهل الكتاب؛ لأنه يقول في غير موضع: ﴿ يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ و ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ يدعوهم إلى الإيمان بالرسل، ونزل سورة الأنعام في مخاطبة أهل الشرك؛ لأن فيها دعاء إلى التوحيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ على ما نزل.

ويحتمل: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ المعلوم المعروف على ما كانوا؛ ليعلموا أنه بالله علم، وأنه علم سماوي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: يحتمل: إنما يتقبل الله قربان من اتقى الشرك، لا يتقبل قربان من لم يتق، وإلى هذا يذهب الحسن، وقال: كانا رجلين من بني إسرائيل: أحدهما مؤمن، والآخر منافق، فتنازعا في شيء فقربا ليعلم المحق منهما، فتقبل من المؤمن ولم يتقبل من الآخر.

وقال أبو بكر الأصم: كانا رجلين مصدقين؛ لأن الكافر لا يقرب القربان، لكن أحدهما كان أتقى قلباً فتقبل قربانه، والآخر لا فلم يتقبل قربانه، والتقوى شرط في قبول القرابين وغيرها من القرب؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ، وقوله: والكافر لا يقرب القربان، يقال: قد يقرب لما يدعي من الدين أن الذي هو عليه حق؛ ليظهر المحق منهم؛ ألا ترى أنه يَدَّعُون أن [فيهم] من هو أحق بالرسالة من محمد صلى الله عليهم وسلم بقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ ، وغير ذلك [من] أباطيل قالوها، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ﴾ .

قال بعض الناس: إن الواجب علينا أن نفعل مثل فعل أولئك، لا ينبغي لمن أراد أحد قتله أن يقتله، ولكن يمتنع عن ذلك على ما امتنع أحد ابني آدم؛ حيث قال له: ﴿ لأَقْتُلَنَّكَ ﴾ ، فقال له الآخر: ﴿ مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ﴾ ، واحتجوا في ذلك بأخبار رويت: روي عن أبي موسى الأشعري، كان رسول الله  يقول: "إِذَا تَوَاجَهَ المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَهُمَا فِي النَّارِ، فقيل: يا رسول الله، أرأيت المقتول؟!

فقال: إِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ صَاحِبَهُ" وعن سعد بن مالك قال: قال رسول الله  : "إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ عَبْداً للهِ، وَلاَ تَقْتُل أَحَداً مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ فَافْعَلْ" وعن الحسن -  - قال: قال رسول الله  : "إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ ضَرَبَا لِهَذِهِ الأُمَّةِ مَثَلاً، فَخُذُوا بِالْخَيْرِ مِنْهُمَا" وعن أبي ذر -  - قال: قال رسول الله  : "كَيْفَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ قَتْلٌ بِغَيْرِ حِجَارَةٍ؟

قال: قلت: ألبس سلاحي، قال: شَارَكْتَ الْقَوْمَ إِذَنْ قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله؟

قال: إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ فَأَلْقِ نَاحِيَةَ ثَوْبِكَ عَلَى وَجْهِكَ، يَبُوءُ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِهِ" يحتجون بمثل هذه الأخبار.

وقال آخرون: له أن يقاتل إذا لم يتعظ صاحبه بالله، وأراد قتله، فهو في سعة من قتل من يريد أن يبتدئه بالقتل؛ استدلالاً بما أمر الله -  - بقتال أهل البغي؛ كقوله -  -: ﴿ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ  ﴾ ، فصار الحكم في أمتنا ما أمرهم الله به من قتال البغاة؛ لأن الله -  - قال: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً  ﴾ ، على أن قتال المشركين كان محظوراً في أول مبعث النبي  وقبل ذلك بأوقات، وقالوا: فغير منكر أن يكون الوقت الذي ذكره الله في هذه الآية كان قتال المشركين وتجريد السيف فيه محظوراً، فأذن الله في قتالهم وقتال أهل البغي، فصار الحكم في أمتنا ما أمر الله [به] من قتال البغاة والمشركين، والله أعلم.

وأما ما احتجوا به من الأخبار التي رويت من اقتتال المسلمين وأشباهها: فإن ذلك، - والله أعلم - ما احتجوا به من الأخبار التي رويت في حال الفتن، وقتال الفئتين اللتين لا إمام فيهما يستحق الإمامة؛ لحمية أو أمر جاهلية أو عصبية، فهما على خطأ، فالصواب في مثله ما ذكر من الأخبار.

وأما إذا كان للناس إمام هدى: فقد عقدوا له البيعة، فخرجت عليه خارجة ظلمة، فقتالهم واجب؛ اتباعاً لعلي -  - ومن حارب معه من أصحاب رسول الله  أَهْلَ البغي والخوارج، فأما قتال الخوارج: فهو كالإجماع؛ لأن جميع الطوائف قد حاربوهم، ورويت في ذلك آثار كثيرة عن رسول الله  ؛ إلى هذا يذهب من رأى قتل من يهم بقتله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ﴾ : أن ترجع بإثمي بقتلك إياي، وإثمك الذي عملته قبل قتلي.

قال القتبي: ﴿ بِإِثْمِي ﴾ : أن تقتلني، ﴿ وَإِثْمِكَ ﴾ : ما أضمرت في نفسك من الحسد والعداوة.

وقال الحسن: ترجع ﴿ بِإِثْمِي ﴾ بقتلك إياي، ﴿ وَإِثْمِكَ ﴾ يعني: الكفر الذي كان عليه؛ لأنه يقول: كان أحدهما كافراً فقتل صاحبه؛ فيرجع بالكفر، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ﴾ : يجوز أن يتكلم بالإرادة على غير تحقيق الفعل؛ كقول القائل: أريد أن أسقط من السطح، وهو لا يريد سقوطه منه؛ وكقوله: ﴿ فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ  ﴾ والجدار لا فعل له، فإذا جاز إضافة الإرادة إلى من لا فعل يكون منه؛ دل أنه ليس على حقيقة الفعل، ولكن على ما يقع أنه يكون كذلك، ويئول أمره إلى ذلك.

أو أراد أن يبوء بإثمه لما علم منه أنه يقتله لا محالة، ويعصي ربه، أراد أن يبوء بإثمه؛ وذلك جائز، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ﴾ : قال القتبي: أي شايعته، وانقادت له.

وقال أبو عوسجة: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ ﴾ : أي: أمرته وزينت له.

وقال مجاهد: أي: شجعته وأعانته، وكله يرجع إلى واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ  ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: أصبح تائباً؛ لأن الندامة توبة، وذلك أن من أذنب ذنباً فندم عليه كان ذلك منه توبة، فإن لم يكن توبة فتأويل قوله: ﴿ فَأَصْبَحَ ﴾ : [أي]: يصبح في الآخرة من النادمين؛ وهو كقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ  ﴾ أي: يقول في الآخرة لا أن قال له؛ فعلى ذلك قوله  : ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ ﴾ : أي: يصبح من النادمين في الآخرة - والله أعلم - ويصبح من الخاسرين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ﴾ .

استدل من قال بأن القصَّة كانت في بني آدم لصلبه: يقول: ﴿ فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ﴾ ؛ لأن القصة لو كانت في بني إسرائيل لم يكن ليجهل دفن الميت؛ إذ قد رأى ذلك غير مرة وعاينه؛ فدل أنه كان في أول ميت جهل السنة فيه.

وقال من قال: إنهما كانا رجلين من بني إسرائيل؛ إذ قد يجوز أن يخفى على المرء شيء علمه قبل ذلك وعاينه إذا اشتد به الخوف ونزل به الهول؛ كقوله -  -: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ  ﴾ ، وقد كان لهم علم بذلك، لكن ذهب عنهم - والله أعلم - لشدة هول ذلك اليوم، وخوفه؛ فعلى ذلك الأول، يجوز خفاء دفن الموتى بعدما علمه؛ لشدة الهول، والله أعلم.

ثم اختلف فيما أخبر عن بحث الغراب في الأرض: قال الحسن -  -: كان الغراب يبحث التراب على ذلك الميت؛ ليرى ذلك القاتل، لا أنه كان يبحث التراب على غراب آخر، على ما ذكر في القصَّة أن غراباً قتل آخر، ثم جعل يبحث التراب عليه؛ لأنه ذكر السوأة، وليس للغراب سوأة - والسوأة: العورة - وذلك ليريه كيف يواري سوأة أخيه لم يذكر السوأة في الغراب، إنما ذكرها في أخيه؛ من أجل أن يريه أن كيف يواري سوأته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ﴾ .

أي: أعجزت في الحيلة أن أكون مثل هذا الغراب، فأواري سوأة أخي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً...

﴾ الآية.

[أي: من استحل قتل نفس] يحتمل وجوهاً: يحتمل قوله -  -: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ أي: من استحل قتل نفس حَرَّمَ الله قتلها بغير حق، فكأنما استحل قتل الناس جميعاً؛ لأنه يكفر باستحلاله قتل نفس محرم قتلها، فكان كاستحلال قتل الناس جميعاً؛ لأن من كفر بآية من كتاب الله يصير كافراً بالكل؛ فعلى ذلك الأول، إذا استحل قتل نفس محرمة يصير كأنه استحل قتل الأنفس كلها.

ويحتمل: أن يكون هذا في أول قتيل قتل لم يكن قبل ذلك أحد، فلما قتل هذا قتيلاً جعل الناس يقتلون بعد ذلك بعضهم بعضاً، وكان ذلك منه سنة استن الناس به؛ فهو كما روي في الخبر أن: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَلَهُ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ وِزْرِهِمْ شَيْئاً" ؛ فيشترك هذا القاتل في وزر كل قتيل قتل إلى يوم القيامة بغير حق.

وتحتمل الآية وجهاً آخر، وهو ما قيل: إنه يجب عليه من القتل مثل ما أنه لو قتل الناس جميعاً، ومن أحياها أعطاه من الأجر مثل ما لو أنه أحيا الناس جميعاً، إذا أحياها فلم يقتلها وعفا عنها.

وعن ابن عباس -  - قال: من أجل ابن آدم حين قتل أخاه كتبنا على بني إسرائيل: ﴿ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ بلا نفس وجب عليها القصاص ﴿ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: الشرك في الأرض، ﴿ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ يقول: يعذب عليها؛ كما أنه لو قتل الناس جميعاً لهم، وهو مثل الأول.

وعن عبد الله بن عمرو قرأ: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ...

﴾ الآية قال: "لم يكن يؤخذ في بني إسرائيل أرش، إنما كان قصاصاً بقصاص" يقول: من قتل نفسا، أو أفسد في الأرض جزاؤه كأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فعلى نحو ذلك.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾ : أي: من استنقذ أحداً من مهلكة فكأنما استنقذ الناس جميعاً في الآخرة.

وقيل: ومن أحياها بالعفو - أُجِرَ في إحيائها كما يؤجر من أحيا الناس جميعاً؛ إذ على الناس معونة ذلك، فإذا عفا عنها فكأنما عفا عن الناس جميعاً.

قال الحسن: ومن أحياها في الأجر، أما والله من يستطيع أن يحييها إذا جاء أجلها؟!

ولكنه أقيد فعفا.

ووجه آخر: أنه يلزم الناس جميعا دفع ذلك عن نفسه ومعونته له، فإذا قتلها أو سعى عليها بالفساد فكأنما سعى بذلك على الناس كافة؛ فعلى ذلك من أحياها فكأنما سعى في إحياء الناس جميعاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾ .

في الآية تصبير رسول الله  على تكذيب الكفرة إياه، وأنه ليس بأول مكذَّب في الحق، بل كانت الرسل من قبل يكذَّبون فيما يأتون من الآيات والحجج والبيان.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَـٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ ۖ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٣٤

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً...

﴾ الآية.

قال بعضهم: الآية نزلت في أهل الكفر، وبيان الحكم فيهم؛ وهو قول الحسن وأبي بكر الأصم، وقالا: لأن الله - عز وجل - ذكر محاربة الله ورسوله، وذكر السعي في الأرض بالفساد، وكل كافر قد حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض بالفساد - فللإمام أن يقتلهم بأي أنواع القتل شاء، ما دام الحرب فيما بينهم قائماً، فإذا أثخنوا في الأرض - بترك ذلك - يَمُنُّ الله عليهم إن شاء.

وأما المسلم إذا قطع الطريق: فإنه لا يقال: إنه حارب الله ورسوله؛ فدل أنها نزلت في أهل الكفر؛ للكفر، لا لقطع الطريق.

وقال آخرون: نزلت في المشركين إذا قطعوا الطريق فأما المسلمون إذا قطعوا الطريق، فإنما هم سراق تقطع أيديهم فقط.

وقال غيرهم: نزلت الآية بالحكم في المشركين إذا قطعوا الطريق وأخافوه، لكن يتحرى ذلك الحكم في المسلمين، إذا قطعوا الطريق على الناس وأخافوهم.

روي عن ابن عباس -  - قال: "وادع رسول الله  أبا بردة هلال بن عويمر الأسلمي، فجاء أناس يريدون الإسلام، فقطع الطريق عليهم؛ فنزل جبريل -  - على رسول الله  بالحدِّ فيهم: أن من قتل وأخذ المال - صُلب، ومن قَتَل ولم يأخذ المال - قُتِلَ، ومن أخذ المال ولم يقتل - قطعت يده ورجله من خلاف، ومن جاء مسلماً - هدم الإسلام ما كان في الشرك" ؛ فدل حديث ابن عباس -  - على أن الآية نزلت في الموادعين غير المحاربين.

روي عن أنس قال: "إن أناساً من عُكْل أو عُرَينة أتوا النبي  فشكوا إليه الجهد، فبعث معهم بلقاح وراعيا، وقال لهم: اشْرَبُوا أَلْبَانَهَا، وَتَدَاوَوْا بِأبْوَالِهَا، فلما أن صَحُّوا قتلوا راعي النبي  واستاقوا الإبل، وارتدوا عن الإسلام؛ فبعث في آثارهم، فأتى بهم بعد ما ترجل [بهم] النهار، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وقطع ألسنتهم، وتركوا بالمكان حتى ماتوا؛ فنزلت الآية" وروي عن علي -  - ما يخالف هذا؛ روي: "أن حارثة بن بدر حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فساداً، وتاب من قبل أن يقدر عليه، فكتب علي بن أبي طالب إلى عامله بالبصرة: أن حارثة قد تاب قبل أن يقدر عليه؛ فلا تتعرض له إلا بالخير" ألا ترى أن حارثة قد أطلق فيه أنه حارب [الله و] رسوله وكان مؤمناً؟!

فهذا يدل على أن الحكم الذي أجرى على قطاع الطريق الكفرة يجري ذلك الحكم في المسلمين، إذا كان منهم ما كان من المشركين من قطع الطريق على الناس وإخافته عليهم.

وقد يتوهم أن الآية نزلت في أهل الحرب، وقد أبيح لنا قتل من ظفرنا به منهم كيف شئنا، وإن لم يفسدوا في الأرض ولم يقطعوا الطريق؛ وهذا يدل أن الآية نزلت بالحكم في أهل الكفر وأهل الإسلام جميعاً، إذا سعوا في الأرض بالفساد، ومن الدليل على ذلك: أن الله -  - قال: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، وأجمعوا أن الكافر إذا قتل مسلماً، وأظهر في الأرض الفساد، فقدرنا عليه وأسرناه، ثم أسلم - أنه يزول عنه القتل والقطع والطلب؛ فدل ذلك على أن الآية نزلت بالحكم في المسلمين؛ لأنه يختلف حكمه إذا تابوا من قبل أن يقدر عليهم، أو بعد قدرتنا عليهم، ولم ينزل فيمن يستوي حكمه في الحالين جميعاً، إذا تابوا بعد القدرة، فالحكم ثابت عليهم، فأما الذي روي عن النبي  من فعله بالعرنيين: فإنهم كانوا أسلموا، ثم ارتدوا.

واحتج من ذكرنا قوله من المتأخرين بأن الآية نزلت فيهم - بحديث أنس من فعله بالعرنيين.

وقد روي عن بعض المتقدمين أن الآية نزلت بعد قتل العرنيين من نحو ابن سيرين وغيره؛ فالواجب على من ادعى أن الآية نزلت في العرنيين أن يبين دعواه.

وكان أصحابنا - رحمهم الله - يذهبون إلى ما روي عن ابن عباس -  - ويرون أن يؤخذ المحارب إذا تاب قبل أن يقدر عليه بما أصاب من دم ومال، على سبيل القصاص، ولا يصلب ولا تقطع يده ورجله فيما أصاب من مال؛ فكأنهم ذهبوا إلى أن يزال الحد الذي لله على المحارب بتوبته قبل أن يقدر عليه، وهو ما كان إلى الإمام إقامته، ولا أمر للولي فيه.

وأما الحقوق التي هي للعباد: فإن التوبة لا تعمل في إبطالها، ولكل ذي حق أن يأخذ بحقه لا حق للإمام؛ لأن الحق صار للولي دون الإمام.

وفي قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ دلالة على أن السارق إذا رد السرقة قبل أن يقدر عليه أن لا قطع عليه؛ وكذلك روي عن بعض المتقدمين أنهم قالوا: ليس على تائب قطع.

ودل قوله: ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً ﴾ على أن السارق في المصر ليلاً أو نهاراً لا يكون محارباً، وإنما هو سارق تقطع يده دون رجله؛ لأنه ذكر السعي في الأرض بالفساد، والسارق في المصر لا يقال: سعى في الأرض؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ لم يرد الضرب في المصر، ولكن أراد الأسفار؛ فعلى ذلك الأول.

وأما الكلام في القتل والصلب والقطع: فروي عن ابن عباس -  - قال: "إذا حارب وقتل وأخذ المال - قطعت يده ورجله من خلاف وصلب، فإن قتل ولم يأخذ المال - قتل، وإن أخذ المال ولم يقتل - قطعت يده ورجله من خلاف".

وتأول الآية: ﴿ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...

﴾ الآية: على أن الواجب على المحارب من العقوبة له على قدر جنايته، ويزاد في عقوبته بقدر زيادته في جرمه.

وتأول غيره الآية: على أنها نزلت في المحارب الذي يصيب المال والنفس، وإذا أصاب الأمرين كان للإمام أن يقتله كيف شاء: إن شاء قتله بالسيف قتلاً، وإن شاء قطع يده ورجله ثم يتركه حتى يموت، وإن شاء صلبه حيّاً، وإن أبطأ عليه الموت طعن بالرماح حتى يموت؛ وإلى هذا كان يذهب أبو حنيفة، رحمه الله .

وأما أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - قالا: إذا صلب لم تقطع يده ورجله؛ لأنه لا يجوز أن يجمع عليه الأمرين، وإنما جعل الله له أحدهما بظاهر قوله: ﴿ أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ ﴾ ، وجعلا عقوبته مختلفة على قدر جنايته، إن قيل: فما معنى التخيير فيه؟

قيل: معناه - والله أعلم - أن يقتل بالسيف، أو يقتل بالصلب، أو يقتل بقطع اليد والرجل.

وأصله: أن حرف التخيير إذا كان في متفق الأسباب يخرج مخرج التخيير، من نحو: التخيير في كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة المتأذي؛ لأن سبب وجوبه واحد.

وإذا كان في مختلف الأسباب فيخرج مخرج بيان الحكم لكلٍّ في نفسه؛ كقوله -  -: ﴿ قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً  ﴾ لا يحتمل التخيير، ولكنه على بيان الحكم لكلٍّ في نفسه؛ لأن سبب وجوبه مختلف، فتأويله: إما أن تعذب من ظلم، وتتخذ الحسن فيمن آمن بالله؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ  ﴾ ﴿ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ  ﴾ .

وقول من جعل الحكم فيمن جمع القتل وقطع الطريق أقرب إلى التأويل - والله أعلم - ممن لم يجمع؛ لأنه قال - عز وجل: ﴿ إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...

﴾ الآية، فمن حارب وأفسد في الأرض فقد أتى بالأمرين جميعا؛ لأن محاربته أن يقتل، وإفساده في الأرض بقطع الطريق، فإذا جمع هو بين الأمرين يجمع بين عقوبتين.

وأصله أن أمر قطاع الطريق محمول على فضل تغليظ، [من نحو ما يجمع بين قطع اليد والرجل في أخذ المال، وذلك لا يجمع في أخذ المال في المصر، ومن نحو الصلب، وذلك لم يجعل في غيره من القتل في المصر؛ فدل أنه محمول على فضل تغليظ]، فجاز أن يجمع بين ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ ﴾ : قال بعضهم: "وينفوا من الأرض" على إسقاط الألف، ويكون في القتل والصلب نفيه إذا قتل وأخذ المال.

وقال بعضهم: نفيه أن يطلب فلا يقدر عليه.

وعن الحسن قال: يطلب حتى يخرج من أرض الإسلام، وذلك إلى الإمام.

وأصله ما ذكرنا: أنه إذا قدر عليه وقد قتل وأخذ المال يقتل؛ وفي القتل نفيه، وإذا لم يقتل ولم يأخذ المال حبس إن قدر عليه؛ وفي الحبس نفيه، وإن لم يقدر عليه يطلب حتى يبرح عن الطريق، والله أعلم.

وقول أبي عبيد؛ حيث قالت: إنه يصلب بعد القتل؛ لأن رسول الله  نهى عن المثلة، فيقال له: المثلة يراد بها على ما قال محمد بن الحسن - رحمه الله - ولأن الصلب جعل عقوبته، والميت لا يعاقب، ولو جاز أن يصلب بعد القتل لجاز لغيره أن يقول: تقطع يده ورجله بعد القتل؛ فذلك بعيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أن قطاع الطريق إذا تابوا قبل أن يقدر عليهم، سقط عنهم الحدود التي هي لله  ، لا يؤاخذون بها، وليس كغيرها من الحدود التي تلزم في غير المحاربة - أن التوبة لا تعمل في إسقاطها - لوجهين: أحدهما: أن التوبة من غير المحارب لا تظهر حقيقة، فإذا لم تظهر - لم تعمل في إسقاط ما وجب، وفي المحارب تظهر؛ لأنه في يدي نفسه إذا ترك المحاربة والسعي في الأرض بالفساد، وظهرت منه التوبة فلم يؤاخذ به، وفي سائر الحدود لا يظهر منه ترك ما كان يرتكب؛ لذلك افترقا.

والثاني: أنه لو لم يقبل منه ذلك لتمادى في السعي في الأرض بالفساد في حق المسلمين من الضرر أكثر مما لو أخذوهم بذلك، فاستحسنوا قبول ذلك منهم، ودرئ ما وجب عليهم من الحدود التي هي لله  .

وأما الحقوق التي هي للعباد: فذلك إلى الأولياء: إن شاؤا أخذوهم بذلك، وإن شاءوا تركوا، والله أعلم.

وأما قوله: "من جاء مسلماً هدم الإسلام ما كان في الشرك" ، معناه: إذا جاء تائباً؛ لأن الحدود جعلت زواجر، والإسلام يزيد في الزجر والتغليظ؛ فلا يجوز أن يكون ما كان سبباً للتغليظ سبباً لإسقاطه؛ دل أن المعنى منه: من جاء مسلماً تائباً، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَـٰهِدُوا۟ فِى سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٣٥ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفْتَدُوا۟ بِهِۦ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٣٦ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌۭ ٣٧

قوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ ﴾ .

يحتمل أن تكون الآية صلة ما مضى من الآيات؛ من ذلك قوله -  -: ﴿ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ، أخبر أنه إنما يتقرب بقربانه المتقي، وقال: ﴿ إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...

﴾ الآية، ثم قال  : ﴿ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ...

﴾ : أي: ابتغوا بتقوى الله عن معاصيه القربة والوسيلة.

و ﴿ ٱلْوَسِيلَةَ ﴾ : القربة وكذلك الزلفة، يقال: توسل إليَّ بكذا، أي: تقرب؛ وهو قول القتبي، وقوله: ﴿ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ : أي: قربت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ...

﴾ الآية.

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: جاهدوا أنفسكم في صرفها عن معاصيه إلى طاعته؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  ﴾ .

ويحتمل: أن جاهدوا مع أنفسكم وأموالكم أعداء الله في نصرة دينه، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ﴾ كان الذي يمنعهم عن الإسلام والإيمان بالله وبالرسل قضاء شهواتهم، وطلب العزة والشرف بالأموال، فأخبر: ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ ﴾ ؛ في صرف العذاب عن أنفسهم ﴿ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ﴾ ، ولا ينفعهم ذلك، يذكر هذا - والله أعلم - ليصرفوا أنفسهم عن معاصي الله، والخلاف له بأدنى شيء يطلبون من الأموال والشهوات، وأخبر أنه لو كان لهم ما في الأرض ومثله معه ليفتدوا بعذاب يوم القيامة، ما نفعهم ذلك، وما تقبل منهم.

والحكمة في ذكر هذا - والله أعلم - ليعلموا أن الآخرة ليست بدار تقبل فيها الرشا كما تقبل في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

دل هذا على أن من العذاب ما لا ألم فيه من نحو الحبس والقيد، فأخبر أن عذاب الآخرة أليم كله، ليس كعذاب الدنيا: منه ما يكونُ، أليماً ومنه ما لا يكون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا...

﴾ الآية.

يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ ﴾ : أي: يطلبون ويسألون الخروج منها من غير عمل الخروج نفسه.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ ﴾ ولكن يردون ويعادون إلى مكانهم؛ كقوله -  -: ﴿ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا  ﴾ أي: يجتهدون في الخروج منها ﴿ أُعِيدُواْ فِيهَا ﴾ ؛ فيه دليل أنهم يعملون عمل الخروج؛ ولكن يردون ويعادون فيها.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَـٰلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ٣٨ فَمَن تَابَ مِنۢ بَعْدِ ظُلْمِهِۦ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ٣٩ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٤٠

قوله: ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا...

﴾ الآية.

عام في السراق، خاص في السرقة؛ لأنه يدخل جميع أهل الخطاب في ذلك، وإن كان يجوز أن يدرأ الحد عن بعض السراق، إذا سرقوا من محارمهم، أو ممن له تأويل الملك في ماله أو شبهة التناول منه؛ لأنه إذا سرق ممن ليس له ذلك التأويل ولا تلك الشبهة - قطع؛ فدل أنها عامة في السراق؛ وعلى هذا يخرج قول ابن عباس؛ حيث سئل عن قوله -  -: ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا ﴾ أخاص هو أم عام؟

فقال: "لا؛ بل عام" أي: عام في السراق؛ ألا ترى أنه قال في خبر آخر؛ حيث سئل عن ذلك فقال: "ما كان من الرجال والنساء قطع".

وأما قولنا: "خاص في السرقة"؛ لأنه لا يحتمل قلب أحد قطع اليد في الشيء التافه الخسيس الذي إذا أخذ [منه] دل أن الخطاب بذلك من الله - عز وجل - رجع إلى سرقة دون سرقة، لا إلى كل ما يقع عليه اسم السرقة؛ وكذلك الخطاب بقطع اليد رجع إلى بعض اليد، وهو الكف، وإن كان اسم اليد يقع من الأصابع إلى الإبط؛ لأن الناس مع اختلافهم - اتفقوا على أن اليد لا تقطع من الإبط ولا من المرفق، لكنهم اختلفوا فيما دون ذلك: فعلى قول بعضهم: تقطع الأصابع دون الكف، وعندنا: أنه تقطع الأصابع بالكف؛ لأنه بها يُقْبَضُ الشيءُ ويُؤْخذ؛ فمخرج الخطاب بالقطع عام، والمراد منه: رجع إلى بعض اليد دون بعض.

وكذلك قوله  : ﴿ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا ﴾ مخرج الخطاب بالقطع عام، ليس فيه بيان من يتولى القطع، فالمراد منه: رجع إلى الولاة؛ فهذا كله يدل على أن ليس في مخرج عموم اللفظ دليل عموم المراد، ولا في مخرج خصوص اللفظ دليل خصوصه؛ بل يعرف ذلك كله بدليل: يقوم العموم بدليل العموم، والخصوص بدليل الخصوص؛ فهذا ينقض قول من يقول: إنه على العموم حتى يقوم دليل الخصوص، والله أعلم.

فإن قيل لنا: أيش الحكمة في إقامة الحد في السرقة على ما به تكتسب السرقة وهو اليد، ولم يقم الحد في سائر الحدود فيما به كان اكتسابها؛ من نحو القصاص والزنا وغيره، أنه إذا قتل آخر لم تقطع يده وبها كان اكتساب القتل؛ وكذلك الزنا لم يقم الحد على ما به كان الزنا، بل أقيم على غير ما به كان ذلك الفعل، وفي السرقة أقيم على ما به كان ذلك خاصة؟!

قيل: والله أعلم - لخلتين: إما لقصور في الاستيفاء من الحق، أو لخوف الزيادة في الاستيفاء على الحق؛ لأنه إذا قتل: لو قطعت يده بقيت له النفس، وقد تلفت نفس الآخر، فكان في ذلك قصور في استيفاء الحق.

وفي الزنا: لو أقيم به على الذي به كان اكتساب الفعل لخيف تلف نفسه به؛ فكان في ذلك استيفاء الزيادة على الحق.

وأما السرقة: فإنه أمكن استيفاء الحق مما كان به اكتسابها، على غير قصور يقع في الاستيفاء، ولا خوف الزيادة في الاستيفاء؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.

فإن قيل: ما الحكمة في قطع يد قيمتها ألوف بسرقة عشرة، وذلك مما لا يمثاله في الظاهر، وقد أخبر ألا يجزي إلا مثلها، كيف جزي هذا بأضعاف ذلك؟

قيل: لهذا جوابان: أحدهما: أن جزاء الدنيا محنة يمتحن بها المرء، ولله أن يمتحن عباده بأنواع المحن ابتداء على غير جعل ذلك جزاء لكسب يكتسب، فمن له الامتحان بأنواع المحن على غير جعلها جزاء لشيء - كان له الامتحان بأن يجعل ما يساوي ألوفاً جزاء فلس أو حبة، وبالله العصمة والنجاة.

والثاني: أن ليس القطع في السرقة جزاء ما أخذ من المال؛ ولكنه جزاء ما هتك من الحرمة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ جَزَآءً بِمَا كَسَبَا ﴾ ، ولم يقل: جزاء بما أخذا من الأموال؟!

فيجوز أن يبلغ جزاء تلك الحرمة قطع اليد، وإن قصر علم البشر عن ذلك؛ لأن مقادير العقوبات إنما يعرف من يعرف مقادير الإجرام، وليس أحد من الخلائق يحتمل علمه مبلغ مقادير الإجرام، فإذا لم يحتمل علمهم مبلغ مقاديرها لم يحتمل معرفة مقادير عقوباتها، فإذا كان كذلك فحق القول فيه الاتباع والتسليم - بعد العلم في الاتباع - أن الله لا يجزي بالسيئة إلا مثلها، وبالله التوفيق.

ثم الكلام في قطع اليمين ما روي في حرف ابن مسعود -  -: "فاقطعوا أيمانهما".

وعن علي -  -: قال: "إذا سرق الرجل قطعت يده اليمنى"، وعلى ذلك اتفاق الأمة.

ثم المسألة في مقدار السرقة، وليس في الآية ذكر مقدارها، واختلف أهل العلم في ذلك: فقال بعضهم: تقطع في ربع دينار فصاعداً.

وقال أصحابنا: لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم فصاعداً أو دينار.

وقد روي من الأخبار ما احتج به كل فريق منهم: روي عن عائشة -  ا - أن النبي  كان يقطع في ربع دينار فصاعداً.

وعنها أن رسول الله  قال: "تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً" وعروة بن الزبير يقول: كانت عائشة -  ا - تحدث عن رسول الله  أنه قال: "لاَ تُقْطَعُ اليَدُ إِلاَّ فِي المِجَنِّ أَوْ فِي ثَمَنِهِ" وتزعم أن قيمة المجن أربعة دراهم؛ فدل قول عائشة أن النبي  كان لا يقطع اليد إلا في ثمن المجن - أن قولها: "إن النبي  كان لا يقطع اليد إلا في ربع دينار" أن ثم المجن كان عندها ربع دينار أو لا يكون كذلك؛ وعلى ذلك ما روي عن ابن عمر -  ما -: "أن النبي  قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم" .

في الخبر أنه قطع في مجن، وأما التقويم فإنما هو من عند عبد الله.

وعن أنس بن مالك -  ما - أن النبي  قطع في مجن، فقيل: يا أبا حمزة، كم كانت قيمته؟

قال: دون خمسة دراهم؛ هذا يدل على أن التقويم كان من أنس، فكان ذلك كتقويم ابن عمر وعائشة،  م.

وليس في التقويم حجة في واحد من المقومين؛ لمخالفة كل واحد منهم صاحبه، وإنما قوموه من قِبَلِ أنفسهم.

فأما إن كان في مِجَنَّيْنِ مختلفين: فهو على التناسخ، وأما إن كان في مجن واحد في وقتين مختلفين: فإن كان في وقتين مختلفين، لم يكن لمخالفنا فيه حجة؛ لما يحتمل الزيادة والنقصان على اختلاف الأوقات، وإن كان في مجنين مختلفين فهو على التناسخ فلم يظهر؛ فلا يقدم على القطع بالشك.

ثم الأخبار التي تمنع القطع بدون العشرة: ما روي عن عمرو بن شعيب قال: "دخلت على سعيد بن المسيب، فقلت له: إن أصحابك: عروة، ومحمد بن مسلم، وفلان - رجل آخر - يقولون: ثمن المجن خمسة دراهم أو ثلاثة؟

فقال: أما هذا فقد مضت السنة فيه عن رسول الله  عشرة دراهم.

وعن ابن عباس -  - قال: ثمن المجن في عهد رسول الله  عشرة دراهم.

وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله  : "أنه كان لا يقطع اليد إلا في ثمن المجن، وهو يومئذ يساوي عشرة دراهم" فلما اختلف المقومون في قيمة المجن رجعنا إلى ما روي عن سعيد بن المسيب؛ حيث قال: "مضت السنة من رسول الله  بعشرة دراهم" وإن كان مرسلاً؛ إذ لا معارض له، ويؤيد هذا ما روي عن نجباء الصحابة من نحو: عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الله بن مسعود،  م.

وروي أن عمر أتى بسارق فأمر بقطعه؛ قال عثمان -  -: "سرقته لا تساوي عشرة دراهم"؛ فأمر بها فقومت ثمانية دراهم، فلم يقطعه.

وعن ابن مسعود قال: "لا تقطع يد السارق في أقل من عشرة دراهم".

وعن علي -  - قال: "لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم".

وروي عن عائشة قالت: "لم تكن اليد تقطع على عهد رسول الله  في الشيء التافه"، فأخذ أصحابنا - رحمهم الله - بهذه الأخبار ولم يروا قطع اليد بدون العشرة؛ لأنهم مع اختلافهم اتفقوا على أن اليد تقطع في سرقة عشرة دراهم، واختلفوا في وجوب القطع فيما دون العشرة وهو حد قد روي؛ للإشكال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ...

﴾ \[الآية\]: يحتمل قوله: ﴿ نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي عظة وزجراً من الله لغيره؛ لأن من عاين آخر قطعت يده في سرقة - اتعظ به، وزجره ذلك على الإقدام عليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ...

﴾ الآية.

يحتمل: ﴿ تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ ﴾ أي: تاب عن الشرك، وأصلح ما كان يفسده ويرتكبه في حال شركه.

﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

وعد له المغفرة والرحمة؛ إذا تاب عن الشرك، وأصلح ما كان يفسده ويرتكبه في حال الشرك، حتى لم يؤاخذ بشيء مما كان يرتكبه في حال الشرك ويتعاطاه إذا أسلم؛ ألا ترى أنه قال -  -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ ، والمسلم في حال الإسلام إذا ارتكب حدوداً وتعاطاها، ثم تاب - أخذ بها؛ لوجهين: أحدهما: أن الكافر لو أُخِذَ بعدما أسلم بما كان ارتكب في حال الكفر وتعاطاه؛ فذلك يمنعه عن الإسلام ويزجره؛ فإذا كان كذلك فكان في إقامة ذلك والأخذ بها من الفساد أكثر من الصلاح.

وأما المسلم إذا لم يؤخذ بما ارتكب وتعاطى بعد التوبة - يدخل في ذلك من الفساد ما يفحش؛ وذلك أنه كلما أريد أن يقام عليه الحد تاب فسقط ذلك عنه، ثم عاد ثانياً، ثم ثالثاً ...

إلى ما لا يتناهى، فعمل في الأرض بكل الفساد من غير أن لحقه ضرر؛ لذلك أخذ به بعد التوبة، والكافر لا، والله أعلم.

والثاني: أن الكافر ما يرتكب ويتعاطى في حال الكفر - إنما يرتكبه تديناً يدين به؛ فإذا رجع عن ذلك الدين ودان بدين آخر ما يكون ذلك حراماً في دينه الذي تمسك به - ترك ما كان يرتكب في دينه الأول تديناً؛ فيظهر ذلك منه؛ فلم يقم عليه؛ لما يظهر منه ترك ما تعاطى قبل ذلك.

وأما المسلم: فليس يتعاطى ما يتعاطى تديناً يدين به؛ ولكن يتعاطاه شهوة، وذلك مما لا يظهر منه التوبة حقيقة؛ لذلك اختلفا، والله أعلم.

وفيه دليل جواز تأخر البيان؛ لأنه قال  : ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً ﴾ ، ولا يحتمل أن يبين له جميع شرائط السرقة التي يجب فيها القطع وقت قرع الخطاب السمع؛ فدل أنه إنما يبين له على قدر الحاجة بعد السؤال والبحث عنها، والله أعلم.

وكأن جميع ما ذكر من العقوبات إنما نزل في أهل الكفر؛ لأنهم هم الذين كانوا يتعاطون ذلك دون المسلمين، وترك عامة العبادات في المسلمين؛ لأنهم هم الذين يرغبون فيها: من ذلك قوله -  -: ﴿ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...

﴾ الآية، وما ذكر في ابني آدم.

وقوله  : ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا...

﴾ الآية: ذكر عن ابن عباس أنه قال: "نزلت في طعمة بن أبيرق؛ سرق درع جاره؛ فنزلت الآية"، وعلى ذلك قال عامة أهل التأويل، ثم صار ذلك الحكم في المسلمين إذا ارتكبوا تلك الأجرام، وفيه دليل جواز القياس، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ﴾ .

ذكر هذا - والله أعلم - على أثر قوله: ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا ﴾ ، وعلى أثر قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...

﴾ الآية -: أن له ملك السماوات والأرض، وله أن يعذب من يشاء بعد التوبة وقبل التوبة، ويغفر لمن يشاء، ولا يعذب بعد التوبة؛ وذلك أن المحارب إذا تاب قبل أن يقدر عليه لم يقم عليه الحد الذي وجب في حال المحاربة، والسارق إذا تاب قبل أن يقدر عليه أخذ به.

أخبر أن له أن يعذب من يشاء [و] يغفر لمن يشاء.

وفي نقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: الصغيرة مغفورة ليس له أن يعذب عليها، والكبيرة يخلد صاحبها في النار ليس له أن يعفو عنها.

فلو كان على ما قالوا لذهب معنى التخيير بقوله -  -: ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ﴾ إذا ما عفا: عفا ما عليه أن يعفو، وكذلك ما عذب: عذب ما عليه أن يعذب؛ فيذهب فائدة التخيير، وقد أخبر أنه ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ٤١ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْـًۭٔا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ٤٢ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ٤٣ إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًۭى وَنُورٌۭ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ ٤٤

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ...

﴾ الآية.

يحتمل وجوهاً: أحدها: ألا يحزنك كفر من كفر منهم.

ليس على النهي عن ذلك؛ ولكن ألا يحمل على نفسه بكفرهم ما يمنعه عن القيام بأمره، كقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات مما يشتد به الحزن بكفرهم؛ لشدة رغبته في إسلامهم.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ ﴾ ، أي: لا يحزنك تمرد هؤلاء وتكذيبهم إياك؛ فإن الله ناصرك ومظفرك ويظفر لك عليهم.

ويحتمل: لا يحزنك صنيع هؤلاء الكفرة وسوء عملهم؛ فإنك لا تؤاخذ بصنيعهم؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ ، [وكقوله -  -:] ﴿ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ  ﴾ .

وفي قوله  : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ ﴾ دلالة تفضيل رسول الله  على غيره من الأنبياء والرسل؛ لأنه - عز وجل - في جميع ما خاطب رسول الله  قال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ ﴾ ، و ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ﴾ ولم يُخَاطَبْ باسمه، وسائر الأنبياء - عليهم السلام - إنما خاطبهم بأسمائهم: ﴿ يٰمُوسَىٰ  ﴾ ، و ﴿ يَٰإِبْرَٰهِيمُ  ﴾ ، و ﴿ يٰنُوحُ  ﴾ ، وجميع من خاطب منهم أو ذكر إنما ذُكِرَ بأسمائهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ .

قال: قالوا: ﴿ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ ، ولم يقل: آمنوا بأفواههم؛ ليعلم أن القول به ليس هو من شرط الإيمان؛ إنما الإيمان هو تصديق القلب، لكن يعبر به اللسان عن قلبه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ ، والإيمان: هو التصديق في اللغة؛ لأن ضده التكذيب؛ فيجب أن يكون ضد التكذيب: التصديق.

والتصديق يكون بالقلب؛ حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ ، لكن اللسان يعبر عن ضميره، فهو ترجمان القلب فيما بين الخلق؛ فهذا يدل أيضاً على أن الإيمان ليس هو المعرفة؛ لأن الإيمان لو كان معرفة لكان يجب أن يكون ضده جهلاً؛ فلما كان ضدُّ الإيمان تكذيباً وجب أن يكون ضد التكذيب: التصديق، والتصديق والإيمان في اللغة سواء؛ ولأن المعرفة قد تقع في القلب على غير اكتساب فعل وإنما والتصديق لا يكون إلا باكتساب ترك مضادته وهو التكذيب؛ لذلك قلنا: إن الإيمان ليس هو المعرفة، ولكنه تصديق.

ثم اختلف في هؤلاء: قال بعضهم: هم المنافقون الذين كانوا يظهرون الإيمان باللسان، وقلوبهم كافرة.

وقال آخرون: هم اليهود والمنافقون ﴿ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ ، وهو قول ابن عباس،  .

﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ .

هذا يدل أن قوله -  -: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ في المنافقين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ .

يحتمل: سماعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم خبره، ﴿ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ خبره بالكذب، ومعناه - والله أعلم -: أنهم كانوا يستمعون إلى رسول الله  خبره، وما يقول لهم، ثم يأتون الذين لم يأتوا رسول الله  فيخبرونهم خلاف خبره وغير ما سمعوا منه.

وقيل: إن رسول الله  كان يقول: "إن في التوراة كذا من الأحكام والشرائع؛ فإذا سمع هؤلاء منه ذلك أتوا أولئك الذين لم يأتوا رسول الله  فيقولون: إنه كاذب، وليس في التوراة ما يقول هو، ونحو ذا" .

وقيل: إنهم كانوا طلائع الكفرة وعيوناً لهم، فإذا أتى لهم منهم خبر يخبرون ضعفة أصحاب رسول الله  خلاف ما أتاهم؛ نحو قولهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ  ﴾ ، كانوا يخشونهم؛ لئلا يغزوهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ﴾ .

يحتمل التحريف وجهين: يحتمل: تبديل الكتابة من الأصل؛ كقوله -  -: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ  ﴾ ويحتمل تغيير المعنى في العبارة على غير تدبيل الكتاب، يغيرون على السفلة، والذين لا يعرفون غير ما فهموا منه.

وقوله: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا ﴾ .

يعنون بـ"هذا": ما حرفوه وغيروه.

﴿ فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: نزلت الآية في رجل وامرأة من اليهود زنيا، وكان حكم الله في التوراة في الزنا: الرجم، وكانوا يرجمون الوضيع منهم إذا زنا، ولا يرجمون الشريف - وكانا في شرف وموضع، وكانا قد أحصنا، فكرهت اليهود رجمهما، وفي كتابهم الرجم، وكانوا أرادوا أن يرتفع الرجم من بينهم، وأن يكون حدهم الجلد؛ فذلك قوله -  -: ﴿ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا ﴾ - يعنون: الجلد - ﴿ فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ ، فكتبوا بذلك إلى رسول الله  وسألوا عن ذلك، فقالوا: "يا محمد، أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا: ما حَدُّهُمَا؟

وهل تجد فيهما الرجم فيما أنزل الله -  - عليك؟

فقال لهم رسول الله  : وَهَلْ تَرْضَوْنَ بِقَضَائِي فِي ذَلِكَ؟

قالوا: نعم؛ فنزل جبريل -  - بالرجم، وقال له: إن أبوا أن يأخذوا به، فاسألهم عن رجل منهم يقال له: ابن صوريا - وصفه له - فاجعله بينك وبينهم، فقال لهم رسول الله  : نَعَمْ، أَجِدُ فِيمَا أَنْزلَ اللهُ عَلَيَّ: أَنَّ الزَّانِيَةَ وَالزَّانِي إِذَا أُحْصِنَا وَفَجَرَا؛ فَإِنَّ عَلَيْهِمَا الرَّجْمَ، فنفروا عن ذلك؛ فقال لهم رسول الله  : أَتَعْرِفُونَ رَجُلاً شَابّاً صِفَتُهُ كَذَا، يُقَالُ لَهُ: ابنُ صُوريا؟

قالوا: نعم، قال: فَأَيُّ رَجُلٍ هُوَ فِيكُمْ؟

قالوا: هو أعلم يهودي على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى، قال: فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ ففعلوا؛ فأتاهم ابن صوريا، فقال له رسول الله  : أَنْتَ ابْنُ صُوريا؟

قال: نعم، قال: [وَأَنْتَ أَعْلَمُ اليَهُودِ؟]، قال: كذلك يزعمون، قال: اجْعَلُوهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ قالوا: نعم، رضينا به إذا رضيت، قال: فقال رسول الله  : فَإِنِّي أَنْشُدُكَ باللهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى: هَلْ تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمُ الَّذِي أَتَاكُمْ بِهِ مُوسَى [فِي التَّوْرَاةِ]: الرَّجْمَ عَلَى مَنْ أُحْصِنَ؟

قال ابن صوريا: نعم والذي ذكرتني، ولولا خشية أن تحرقني النار إن كذبت أو غيرت ما اعترفت لك" .

ففي هذا وجوه من الدلائل: أحدها: أنه سألهم عما كتموا من الأحكام والحقوق التي بينهم وبين الله  ؛ ليظهر خيانتهم وكذبهم فيما كتموا من نعت رسول الله  وصفته؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله، وفيه إثبات رسالته.

والثاني: أنهم طلبوا منه الرخصة والتخفيف في الحد؛ لأنهم عرفوا أنه [رسول الله  ]، لكنهم كابروا في الإنكار بعدما عرفوا أنه رسول الله حقّاً.

وفيه دلالة جواز شهادة بعضهم على بعض؛ لأنه قبل شهادة ابن صوريا عليهم حيث شهد بالرجم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ...

﴾ الآية: إنها نزلت في قتيل قتل عمداً بين قبيلتين: بني قريظة، والنضير، وكان القتيل من بني قريظة، وكان بنو النضير إذا قتلوا من بني قريظة لم يعطوهم القود، ولكن يعطونهم الدية، [وإذا] قتل بنو قريظة من بني النظير لم يرضوا إلا بالقود؛ يتعززون عليهم، فقدم رسول الله  المدينة فأرادوا أن يرفعوا أمرهم إلى رسول الله  ؛ ليحكم بينهم، فقال رجل من المنافقين: إن قتيلكم قتل عمداً، وأنا أخشى عليكم القود، فإن كان محمد أمركم بالدية وقبل منكم فأعطوه، وإلا فكونوا على حذر، فأخبر الله - عز وجل - نبيه  بما قالوا؛ فقال: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ ﴾ \[يعني: الدية\]، ﴿ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ .

فلا ندري فيم كانت القصّة، وفيه من الدلائل ما ذكرنا من إثبات الرسالة والنبوة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ ﴾ .

قيل: من يرد الله عذابه وإهلاكه؛ فلن يملك أحد دفع ذلك العذاب عنه.

وقيل: الفتنة: المحنة، أي: من يرد الله أن يمتحن بالرجم أو القتل؛ فلن يملك له أحد دفع ذلك عنه.

وقوله [- عز وجل -:] ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ قالت المعتزلة: قوله: ﴿ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ تأويله يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ ﴾ .

أي: لم يطهر الله قلوبهم.

والثاني: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ بالشرك والكفر، وذلك بعيد؛ لأنه كيف يطهر بالكفر، وبالكفر يتنجس؟!.

لكن الوجه عندنا في قوله -  -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ أي: لم يرد الله أن يطهر قلوبهم؛ إذ علم منهم أنهم يختارون ما اختاروا، ويريدون ما أرادوا، فإنما أراد ما كان علم منهم أنهم يريدون ويختارون؛ وكذلك قوله -  -: ﴿ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ ﴾ يريد فتنة من علم أنه يريدها ويختارها، فإنما يريد ما أراد هو ويختار.

وظاهر الآية على المعتزلة؛ لأنه قال: ﴿ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ ، وهم يقولون: أراد أن يطهر قلوبهم.

وذلك ظاهر الخلاف بَيِّنٌ، وبالله العصمة.

[وقوله - عز وجل -:] ﴿ لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ ﴾ .

الخزي في الدنيا يحتمل: القتل، ويحتمل: العذاب والجزية ﴿ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ سَمَّاعُونَ ﴾ ، أي: مستمعون إلى رسول الله  ؛ ليعرفوا به فيكذبوا عليه.

ويحتمل قوله: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ ، أي: قابلون لما ألقى إليهم من الكذب: كانوا يقبلون لما ألقى إليهم من الكذب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ .

قال بعضهم: كل حرام هو سحت، فإن كان السحت اسم كل حرام، فذلك يعم جميع الكفرة أو أكثرهم.

وقال آخرون: السحت: هو الرشوة في الحكم، فإن كان السحت هذا فذلك يرجع إلى رؤسائهم الذين يحكمون فيما بينهم، ويأخذون على ذلك رشوة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ .

اختلف فيه.

قال بعضهم: هو على التخيير إذا رفعوا إلى الإمام: إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض ولم يحكم، لكنه منسوخ بقوله  : ﴿ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ  ﴾ ، أمر بالحكم بينهم إذا جاءوا، ونهى أن يتبع أهواءهم، وفي ترك الحكم بينهم اتباع هواهم، وقال: ﴿ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ  ﴾ .

قالوا: هو منسوخ بهذه الآية، وأمكن الجميع بينهما، وهو أن قوله -  -: ﴿ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ في قوم من أهل الحرب دخلوا دار الإسلام بأمان، فرفعوا إلى الإمام أمرهم؛ فالإمام بالخيار: إن شاء ردهم إلى مأمنهم، أو نقض عليهم أمانهم، ولم يحكم بينهم، وإن شاء تركهم وحكم بينهم؛ فذلك معنى التخيير، والله أعلم.

وأما قوله: ﴿ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ  ﴾ : فذلك في أهل الذمة الراضين بحكمنا، إذا رفعوا إلى الحاكم يجب أن يحكم بينهم، ولا يرد عليهم ما طلبوا منه من إجراء الحكم عليهم؛ [لأنه] ليس له فسخ ما أعطى لهم من العهود والمواثيق، وهم قد رضوا بحكمنا؛ لذلك لزم الحكم بينهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أن يقع الإعراض عنهم موقع الجفاء، ويعدون ذلك جفاء؛ فأمن - عز وجل - نبيه -  - عن أن يلحقه ضرر منهم.

ويحتمل قوله: ﴿ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً ﴾ أي: ليس عليك من ضرر ما هم فيه؛ فإنما ضرر ذلك عليهم؛ وهو كقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ وكقوله -  -: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ...

﴾ الآية [الأنعام: 52].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ ﴾ .

أي: بالعدل؛ كقوله -  -: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ  ﴾ وكقوله -  -: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ...

﴾ الآية [النساء: 58].

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ﴾ .

أي: العادلين في الحكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ﴾ .

يُعَجِّبُ نبيه  شدة سفههم وتعنتهم بتركهم الحكم بالذي صدقوا، وطلب الحكم بما كذبوا؛ لأنهم صدقوا التوراة وما فيها من الحكم، وكذبوا ما أنزل على محمد  ، يقول - والله أعلم -: إنهم إذا لم يعملوا بالذي صدقوا، كيف يعملون بالذي كذبوا؟!

وذلك تعجيب منه إياه شدة السفه والتعنت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: حكم الله الذي تنازعوا فيه وتشاجروا: رجماً [كان] أو قصاصاً أو ما كان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: يتولون من بعد ما تحكم بينهم عما حكمت.

ويحتمل: يتولون من بعد ما عرفوا من الحكم عليهم بما في التوراة.

وقوله: ﴿ وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

أخبرهم أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم سماهم كافرين في آخر الآية، بقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ لم يجعل درجة ثالثة؛ فهذا ينقض قول من يجعل درجة ثالثة بين الإيمان والكفر، وهو قول المعتزلة.

وقوله: ﴿ إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ﴾ .

هدى من الضلالة، ونور من العمى، هدى لمن استهدى به، ونور لمن استنار به من العمى.

وقوله: ﴿ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: الآية على التقديم والتأخير: يقول: يحكم بها النبيون الربانيون والأحبار الذين أسلموا، أو من الأحبار من قد أسلم.

أخبر أن النبيين والأحبار الذين أسلموا يحكمون بما في التوراة ﴿ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ ، أي: على الذين هادوا؛ ﴿ لِلَّذِينَ ﴾ بمعنى: على الذين؛ وهذا جائز في اللغة؛ كقوله: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ ، أي: فعليها.

وقيل: ﴿ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ ﴾ ، أي: أسلموا أمرهم وأنفسهم لله، وخضعوا له، حكموا بما فيها، وإن خافوا على أنفسهم الهلاك ﴿ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ إن أطاعوا الله، وقبلوا ما فيها من الحكم؛ فعند ذلك يحكم لهم.

وقوله: ﴿ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ .

هو طلب الحفظ، أي: بما جعل إليهم الحفظ.

﴿ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ﴾ .

أي: شهداء على ما في التوراة من الحكم.

ويحتمل: شهداء على حكم رسول الله الذي حكم عليهم، أنه كذلك في التوراة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ ﴾ فيما تحكم عليهم، ﴿ وَٱخْشَوْنِ ﴾ .

أمن رسوله  شرهم ونكبتهم، وأمر أن يخشوه؛ يكفيه شرهم وأذاهم.

ثم اختلف في الأحبار والربانيين: قال بعضهم: "الرَّبَّانِيُّون": علماء اليهود، "والأحبار": علماء النصارى.

وهما واحد سموا باسمين مختلفين.

وقيل: قوله: ﴿ فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ ﴾ إنما خاطب علماءهم، أي: لا [تخشوا الناس] أن تخبروهم بالحكم الذي في التوراة واخشون.

﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .

لهم خرج الخطاب بهذا التأويل الثاني.

﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ .

هكذا من جحد الحكم بما أنزل الله ولم يره حقّاً فهو كافر.

ذكر في القصَّة أن الآية نزلت في قتيل كان بين بني قريظة وبني النضير: أن بني النضير إذا قتلوا من بني قريظة لم يرضوا إلا بالقود، والأخرى إذا قتلت أحداً منهم كانوا لم يعطوهم القود، ولكن يعطوهم الدية، فنزل: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ...

﴾ الآية.

<div class="verse-tafsir"

وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلْأَنفَ بِٱلْأَنفِ وَٱلْأُذُنَ بِٱلْأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌۭ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٌۭ لَّهُۥ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٤٥ وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًۭى وَنُورٌۭ وَمُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَهُدًۭى وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ ٤٦ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ٤٧

قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ...

﴾ إلى آخرة.

أخبر الله - عز وجل - أنه كان كتب على أهل التوراة: ﴿ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ ﴾ ، وقد كتب علينا أيضاً - قتل النفس بالنفس بقوله -  -: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى  ﴾ ؛ كأنه قال: كتب عليكم القصاص في النفس بالنفس، كما كنت كتبت [عليهم].

وأما القصاص فيما دون النفس: فإنه لم يبين في الآية التي أخبر - عز وجل - أنه كتب علينا القصاص في النفس.

ثم يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر وجهين: يحتمل: أن يكون إخباراً عما كان مكتوباً عليهم من القصاص فيما دون النفس: كالنفس؛ ألا ترى أنه قد قرىء في بعض القراءات بالنصب؛ نسقاً على الأول؟!

ويحتمل: على الابتداء على غير إخبار منه، ولكن على الإيجاب ابتداء؛ والذي يدل على ذلك قوله: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ لا يحتمل أن يكون هذا في الخبر؛ لأن ذلك ترغيب في العفو في الحادث من الوقت؛ دل أنه ليس على الإخبار، ولكن على الابتداء؛ ألا ترى أكثر القراء قرءوا بالرفع غير قوله: ﴿ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ ﴾ ، فإنه بالنصب؟!.

ثم ذكر ﴿ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ ﴾ ، ولم يذكر اليد والرجل، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: لما يحتمل أن يكون القصاص في اليد ظاهراً، فَيُسْتَدَلُّ بوجوبه فيما هو أخفي على وجوبه - فيما هو أظهر منه؛ لأن المنتفع بالبصر والأنف والسمع ليس إلا صاحبه، وقد يجوز أن ينتفع غيره بيد آخر وبرجله.

والثاني: أن يكون وجوب القصاص في اليد في قوله: ﴿ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ ﴾ .

ثم تخصيص الأسنان بوجوب القصاص دون غيرها من العظام؛ لأن الأسنان بادية ظاهرة، يقع عليها البصر - يقدر على الاقتصاص [فيها]، وأما غيرها من العظام: مما لا يقع عليها البصر، ولا يقدر على الاقتصاص [فيها] إلا بعد كسر آخر وقطع لحم؛ لذلك خصت الأسنان بالاقتصاص دون سائر العظام، والله أعلم.

ثم فيه دليل وجوب القصاص في العضو الذي لا منفعة فيه سوى البهاء - بذهاب البهاء؛ لأنه ذكر الأنف والأذن، وليس في الأنف والأذن إلا ذهاب البهاء؛ فأوجب في ذهاب البهاء القصاص؛ كما أوجب في ذهاب المنفعة؛ وعلى هذا يخرج قولنا: وجوب الدية في ذهاب البهاء على الكمال، كوجوبها في ذهاب المنفعة على الكمال.

[على أن] أهل العلم مجمعون أن القصاص واجب بين الرجال الأحرار في "العين، والأنف" "والأذن والسن"، "والجروح" التي ليس فيها كسر عظم؛ إذا جنى على شيء من ذلك عمدا بحديدة.

وأما القصاص بين الرجال والنساء والعبيد والأحرار فيما دون النفس: فأهل العلم اختلفوا فيه، وكان أصحابنا - رحمهم الله - لا يرون القصاص بينهم في ذلك، ويرون القصاص في الأنفس، [فأهل العلم اختلفوا فيه]، ويفرقون بينهما، والفرق بينهما: أن جماعة لو قتلوا رجلاً قتلوا به، ولو قطع جماعة يد رجل لم تقطع أيديهم؛ فالتفاضل في الأنفس غير معتبر به، ويعتبر به فيما دون النفس، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم ذكراً كافياً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: هو صاحب الدم كفارة لما كان ارتكب هو، وعلى ذلك روي عن رسول الله  قال: "مَنْ تَصَدَّقَ بِدَمٍ فَمَا دُونَهُ كَانَ لَهُ كَفَّارَةً مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى يَوْمِ تَصَدَّقَ" وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ ، يعني: كفارة للقاتل إذا عفا الولي، وهو قول ابن عباس،  .

وعن مجاهد: هو كفارة للجارح، وأجر المتصدق على الله.

والأوّل كأنه أقرب وأشبه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ .

هذا إذا ترك الحكم بما أنزل الله جحوداً منه، فهو ما ذكر، كافر.

﴿ وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ﴾ .

قوله  : ﴿ وَقَفَّيْنَا ﴾ : أي: أتبعنا على آثارهم، وهو من القفا.

وقوله: ﴿ آثَارِهِم ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: على آثار الرسل.

ويحتمل: على آثار الذين أنزل فيهم التوراة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ ﴾ .

أخبر أنه كان مصدقاً ما بين يديه من التوراة؛ فهذا يدل أن الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - كان يصدق بعضهم بعضاً فيما أنزل عليهم من الكتب، تأخر أو تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ ﴾ .

[ ﴿ هُدًى ﴾ ]: من الضلالة لمن تمسك به، ﴿ وَنُورٌ ﴾ لمن عمي ولمن استناره.

﴿ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ ﴾ .

فهذا يدل أن الكتب كانت مصدقة بعضها بعضاً على بُعد أوقات النزول [مما] يدل: أنه من عند واحد نزل، جل الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ .

يحتمل: موعظة للمؤمنين؛ لأن المؤمن هو الذي يتعظ به، وأما غير المؤمن فلا يتعظ به.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ : الذين اتقوا المعاصي كلها.

وفي قوله: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ ، وكذلك قوله -  -: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ  ﴾ - دلالة أن القصاص للعبد خاصة؛ حيث رغبه في العفو عنه والترك له، ليس كالحدود التي هي لله  ؛ لأنه لم يذكر في الحدود العفو ولا التصدق به، وذكر في القصاص والجراحات؛ دل أن ذلك للعبد: له تركه، وسائر الحدود لله ليس لأحد إبطالها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ .

ذكر في موضع: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ ، وفي موضع: ﴿ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ ، وفي موضع: ﴿ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ فأمكن أن يكون كله واحداً: أن من لم يحكم بما أنزل الله جحوداً منه له، واستخفافا؛ فهو كافر، ظالم، فاسق.

ويحتمل أن يكون ما ذكر من الكفر بترك الحكم بما أنزل الله؛ إذا ترك الحكم به جحوداً منه وإنكاراً، وما ذكر من الظلم والفسق ذلك في المسلمين؛ لأنه قال: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر، ثم قال: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ تركوا الحكم بما أنزل الله؛ اتباعاً لأهوائهم لا جحوداً، فقد ظلموا أنفسهم؛ لأن الظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، والفسق: هو الخروج عن الأمر؛ كقوله -  -: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ  ﴾ ، أي: خرج.

ثم يجيء أن يكون هذا في حال الجهل به والعلم سواء؛ لأنه إذا لم يحكم بما أنزل الله فقد وضع الشيء في غير موضعه، وخرج عن أمر ربه، لكن هذا في القول يقبح أن يقال: هو ظالم فاسق، وهو ما يفعل، إنما يفعل عن جهل به، يجوز أن يقال: فعله فعل ظلم وفسق، وأما في القول: فهو قبيح؛ لما ذكرنا.

﴿ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ ﴾ : من الأحكام أي حكم كان، فهو ما ذكرنا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةًۭ وَمِنْهَاجًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ٤٨ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَـٰسِقُونَ ٤٩ أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًۭا لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ ٥٠

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ .

قد ذكرناه، أيضاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: مؤتمنا عليه.

والكسائي قال: المهيمن: الشهيد، وقيل: الرقيب على الشيء، قال: هيمن فلان على هذا الأمر؛ فهو مهيمن، إذا كان كالحافظ له والرقيب عليه.

وعن الحسن قال: ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ مصدقاً بهذه الكتب، وأميناً عليها.

والقتبي قال: أميناً عليه.

وأبو عوسجة قال: مسلطاً عليه.

وقيل: مفسراً يفسر التفسير.

وقال أبو بكر الكيساني: قوله: ﴿ وَمُهَيْمِناً ﴾ هي كلمة مأخوذة من كتبهم معربة، غير مأخوذة من لسان العرب.

وفيه إثبات رسالته  ، وتأويله: هو شاهد وحافظ على غيره من الكتب، ومصدقاً لها أنها من عند الله نزلت سوى ما غيروا فيها وحرفوا؛ ليميز المغير منها والمحرف من غير المغير والمحرف.

قال ابن عباس -  - ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ ، يعني: القرآن شاهد على الكتب كلها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ﴾ من الرجم في الزاني الثيب، على ما ذكر في بعض القصة: أنهم رفعوا إلى رسول الله  في الزاني والزانية منهم، فطلبوا منه الجلد، وكان في كتبهم الرجم.

﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ قولهم: ﴿ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ .

أو أن يقال: احكم بينهم بما أنزل الله من القتل؛ لأنه ذكر في بعض القصة أن بني قريظة كانوا يرون لأنفسهم فضيلة على بني النضير، وكانوا إذا قتلوا منهم أحداً لم يعطوهم القود ولكن يعطوهم الدية، وإذا قتلوا هم أحداً منهم لم يرضوا إلا القود؛ فأنزل الله -  -: ﴿ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ﴾ وهو القتل، ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ في تركهم القود، وإعطائهم الدية، والله أعلم بالقصة أن كيف كانت، وليس بنا إلى معرفة القصة ومائيتها حاجة، بعد أن نعرف ما أودع فيه وأدرج من المعاني.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً...

﴾ \[الآية\].

فإن قيل: كيف نهاه عن اتباع أهوائهم، وقد أخبر - عز وجل -: أنه جعل لكل شرعة ومنهاجا، وقد يجوز أن يكون ما هو هواهم شريعة لهم؟!: قيل: يحتمل النهي عن اتباع هواهم؛ لما يجوز أن يهووا الحكم بشريعة قد نسخ الحكم بها لما اعتادوا العمل بها؛ فالعمل بالمعتاد من الحكم أيسر فهووا ذلك.

أو كان ما نسخ أخف؛ فيهوون ذلك؛ فنهاه عن اتباع هواهم؛ لأنه العمل بالمنسوخ والعمل بالمنسوخ حرام.

أو أن هووا في بعضٍ على غير ما شرع، وفي بعضٍ: ما شرع، فإنما نهي عن اتباع هواهم بما لم يشرع، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾ ، وليس في نسخ شريعة بشريعة خروج عن الحكمة [عند] من عرف النسخ؛ لأن النسخ بيان منتهي الحكم إلى وقت ليس على ما فهمت اليهود من البداء والرجوع عما كان، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم ما فيه مقنع بحمد الله  وَمَنِّهِ.

[وقوله - عز وجل -: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾ ].

قال ابن عباس -  -: "الشرعة: هي السبيل، وهي الشريعة، وجمعها: شرائع، وبها سميت شرائع الإسلام، وكل شيء شرعت فيه فهو شريعة.

وقال: "المنهاج: السنة، [والشرعة: هي السبيل"].

وقيل: الشرعة: السنة، والمنهاج: السبيل، يعني: الطريق الواضح الذي يتضح لكل سالك فيه إلا المعاند والمكابر؛ فإنه يترك السلوك فيه مكابرة، يخبر - عز وجل، والله أعلم - أنه لم يترك الناس حيارى لم يبين لهم الطريق الواضح يسلكون فيه؛ بل بيَّن لهم ما يتضح لهم إن لم يعاندوا؛ ليقطع عليهم العذر والحجاج، وإن لم يكن لهم حجاج، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ .

اختلف فيه، قيل: لو شاء الله، لجعلكم جميعا على شريعة واحدة، لا تنسخ بشريعة أخرى، لكن نسخ شريعة بشريعة أخرى؛ لفضل امتحان، ولله أن يمتحن عباده بمحن مختلفة، كيف شاء بما شاء.

وقيل: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ، أي: على دين واحد، وهو دين الإسلام، لم يجعل كافراً ولا مشركاً، ولكن امتحنكم بأديان مختلفة على ما تختارون وتؤثرون، ثم اختلف في المشيئة: قالت المعتزلة: هي مشيئة الجبر والقسر.

وقال أصحابنا: المشيئة مشيئة الاختيار، وقد ذكرناها في غير موضع.

وقوله: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ﴾ .

قيل: سابقوا يا أمة محمد الأمم كلها بالخيرات.

ويحتمل قوله: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ﴾ .

أي: سابقوا إلى ما به تستوجبون المغفرة؛ كقوله: ﴿ سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ  ﴾ .

وأصل قوله: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ﴾ ، أي: اعملوا الخيرات؛ كقوله: ﴿ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً...

﴾ الآية [سبأ: 11].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ .

نهى رسوله -  - أن يتبع أهواءهم - على العلم: أنه لا يتبع أهواءهم - والوجه فيما ما ذكرنا: أن العصمة لا تمنع النهي؛ بل تؤيد، وقد ذكرنا فيما تقدم.

ويحتمل أن يرجع النهي إلى غيره، ويراد بالنهي والأمر: غير المخاطب به؛ على ما ذكرنا من عادة الملوك: أنهم إذا خاطبوا، خاطبوا من هو أجل عندهم وأعظم قدراً، وأرفع منزلة؛ فعلى ذلك هذا.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ فيما غيروا وبدلوا؛ هذا يحتمل.

ويحتمل ألا تتبع أهواءهم: فيما طلبوا منك من الجلد مكان الرجم، أو الدية مكان القصاص؛ لما رأى بنو النضير لأنفسهم من الفضل على بني قريظة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ .

قوله: ﴿ أَن يَفْتِنُوكَ ﴾ ، أي: يصدوك عن الحكم ببعض ما أنزل الله إليك، والفتنة هي المحنة، وهي تتوجه إلى وجوه، وقد ذكرنا الوجوه فيه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾ .

[قوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ : فإن أعرضوا] عن الحكم الذي تحكم بما أنزل الله؛ ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: إنما يعذبهم الله ببعض ذنوبهم، لا يعذبهم بجميع ذنوبهم.

وقال آخرون: عذاب الدنيا عذاب ببعض الذنوب، ليس هو عذاباً بكل الذنوب؛ لأنه لا يدوم، وأما في الآخرة: فإنهم يعذبون بجميع ذنوبهم؛ لأن عذاب الآخرة دائم؛ فهو عذاب بجميع الذنوب، وعذاب الدنيا زائل؛ فهو عذاب ببعض الذنوب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ .

قال بعضهم: هذا صلة قوله: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ ؛ فقال الله - عز وجل -: ﴿ أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ .

وقال آخرون: روي عن ابن عباس -  - يقول: فحكمهم في الجاهلية يبغون عندك يا محمد في القرآن.

يعني: بني النضير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً  ﴾ .

أي: لا أحد أحسن من الله حكماً، على إقرارهم أن الله إذا حكم لا يحكم إلا بالعدل.

<div class="verse-tafsir"

۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٥١ فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌۭ ۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍۢ مِّنْ عِندِهِۦ فَيُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ نَـٰدِمِينَ ٥٢ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَهَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فَأَصْبَحُوا۟ خَـٰسِرِينَ ٥٣

قوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ .

يحتمل قوله -  -: ﴿ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ ﴾ وجوهاً: يحتمل: لا تتخذوا أولياء في الدين، أي: لا تدينوا بدينهم؛ فإنكم إذا دنتم بدينهم صرتم أولياءهم.

ويحتمل: لا تتخذوهم أولياء في النصر والمعونة؛ لأنهم إذا اتخذوهم أولياء في النصر والمعونة صاروا أمثالهم؛ لأنهم إذا نصروا الكفار على المسلمين وأعانوهم فقد كفروا، وهو كقوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 118] نهاهم أن يتخذوا أولئك موضع سرهم وخفياتهم؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

والثالث: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ ﴾ في المكسب والدنيا؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك لا بد من أن يميلوا إليهم، ويصدروا عن رأيهم في شيء؛ فذلك مما يفسقهم، ويجرح شهادتهم، فهذا النهي يحتمل هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرنا، والله أعلم.

وفي الآية دلالة أن الكفر كله ملة واحدة، وإن اختلفت مذاهبهم ونحلهم؛ فالواجب أن يرث بعضهم بعضاً؛ كقوله -  -: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ كما أن أهل الإسلام يرث بعضهم بعضاً، وإن اختلفت مذاهبهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ الآية؟!

وليس ذلك بداخل في قول رسول الله  : "لاَ يَتَوَارَثْ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ" ؛ لما عليه الآية: أنهم كلهم ملة واحدة، ولكن أحداً منهم لا يرث المسلم ولا يرثهم المسلم؛ لقول رسول الله  : "لاَ يَتَوَارَثْ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ" ؛ فالإسلام ملة: ملة حق، والكفر ملة: ملة باطل، ولا نرثهم ولا يرثوننا، وما روي: "لاَ نَرِثُ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلاَ يَرِثُونَنَا إِلاَّ أَنْ يَرِثَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ، وَيَحِلُّ لَنَا نِسَاؤُهُمْ وَلاَ يَحِلُّ لَهُمْ نِسَاؤُنَا" فما يرث عبده أو أمته، ليس بميراث؛ إنما هو ملك كان يملكه قبل موته؛ فعلى ذلك بعد موته، وروي [عن النبي صلى الله عليه سلم:] "لاَ يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلاَ الكَافِر المُسْلِمَ" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ الوجوه التي ذكرنا: الولاية في الدين، والولاية في النصر والمعونة؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك صاروا منهم في حكم الدنيا والآخرة، أو الولاية في المكسب والدنيا؛ فيصيرون منهم في حكم الدنيا، والله أعلم.

فإن قيل: أليس يرث المسلم المرتد، وقد قال: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ : أخبر أن من تولاهم من المسلمين صار منهم، ونحن لا نرث اليهود والنصارى، كيف وُرِثَ من صار منهم من المسلمين؟!: قيل: معنى قوله: ﴿ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ في الدين والكفر، لا في الحكم والحقوق؛ لأن المرتد إلى النصرانية ليس بمتروك على دينه، فلم يكن من أهل تلك الملة؛ وإنما الملة ما يُقَرُّ عليها أهلها؛ ألا ترى أن المرتد لا يرث النصراني إن كانوا أقرباء، فلو كانت النصرانية له ملة ورثه أهلها؛ لأنا نعلم أن النصارى يرث بعضهم بعضاً؛ فلمَّا لم يرثوه دل ذلك على أنه ليس من ملتهم، وأن حكمه في الميراث حكم الملة التي يجبر على الرجوع إليها، وعلى ذلك جاءت الآثار عن الصحابة: روي عن علي -  - أنه أتى برجل ارتد عن الإسلام، فعرض عليه الإسلام، فأبى؛ فضرب عنقه، وجعل ميراثه لورثته المسلمين.

وعن عبد الله بن مسعود -  - كذلك.

وروي عن زيد بن ثابت مثله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ .

وهم المنافقون؛ كقوله -  -: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ  ﴾ ، وهو وصف المنافقين.

﴿ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ﴾ : كانوا يظهرون الموافقة للمسلمين؛ خوفاً منهم، وفي السر مع الكفرة؛ لأنهم كانوا أهل ريب وشك، ولا دين لهم، يميلون إلى من رأوا السعة معهم والأمن، وكانوا على شك من أمر محمد  وريب، ﴿ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ﴾ : لعل محمداً لا ينصر ولا يتم أمره؛ فأسروا في أنفسهم الموافقة للكفر والغش للإسلام وأهله، ويظهرون الموافقة للمؤمنين؛ لما كاوا يسمعون رسول الله  بعد النصر والظفر للمؤمنين، لكن ذلك لا يتحقق عندهم، وكانوا كما قال الله - عز جل -: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ...

﴾ الآية [النساء: 143]، وكانوا ينتظرون النصر والظفر؛ فيميلون إلى حيث كان النصر والظفر؛ فيقولون للمؤمنين إن كان الظفر لهم: ﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ  ﴾ ، وإن كان للكافرين فيقولون: ﴿ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ ﴾ .

أي: بالنصر: نصر محمد  والظفر له على أعدائه، وفتح البلدان والأمصار له، وإظهار دينه: دين الإسلام؛ على ما روي أنه قال: "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ" ، وعلى ما فتح له البلدان كلها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ ﴾ .

قيل: عذاب أولئك الكفرة وهلاكهم في الدنيا.

﴿ فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .

عند العذاب والهلاك، أو يندمون في الآخرة؛ لما أصابهم من العذاب.

﴿ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ ﴾ : في الدنيا من المودة لهم، والعداوة للمؤمنين، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ﴾ دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه لا يحتمل أن يقولوا: ﴿ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ﴾ من حيث يسمع أهل الإسلام ذلك منهم؛ دل ذلك لهم أنه إنما عرف ذلك بالله؛ وكذلك بما أخبر من الوعد بالنصر له والظفر، ثم كان على ما أخبره ووعد؛ دل أنه خبر عن الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

بعضهم لبعض لما ظهر نفاق أهل النفاق قتلوا وافتضحوا؛ كقوله -  -: ﴿ مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ  ﴾ ، قال المؤمنون عند ذلك: ﴿ أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ﴾ .

وقد كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين، ويحلفون [بالله] على ذلك، ويضمرون الخلاف لهم والعداوة، والمودة للكفرة؛ كقوله -  -: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ  ﴾ ﴿ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ  ﴾ ، ونحو ذلك، فذلك معنى قوله: ﴿ أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ ﴾ .

أي: حبطت أعمالهم التي عملوها قبل إسرار ما أسروا في أنفسهم إذ أسروا ذلك، ﴿ فَأَصْبَحُواْ ﴾ ، أي: صاروا خاسرين بعد الافتضاح؛ حيث ذهبت منافعهم التي كانت لهم قبل الافتضاح وظهور نفاقهم.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ : التي عملوا ظاهراً؛ مراءاة للناس.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٥٤ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ ٥٥ وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ ٥٦ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَكُمْ هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٥٧ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْقِلُونَ ٥٨

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ...

﴾ الآية.

قوله -  -: ﴿ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ ﴾ : إن قوله: ﴿ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ ﴾ - وإن كان حرف توحيد وتفريد - فإن المراد منه الجماعة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ ﴾ ؟!

دل هذا على أن المراد منه الجماعة والعصابة، ولأن الواحد - والاثنين - إذا ارتد عن الإسلام يؤخذ ويحبس ويقتل إن أبى الإسلام، والجماعة إذا ارتدوا عن الإسلام احتيج إلى نصب الحرب والقتال؛ على ما نصب أبو بكر الحرب مع أهل الردة.

وفي الآية دلالة إمامة أبي بكر الصديق -  - لأن العرب لما ارتدت [عن الإسلام] بعد رسول الله  حاربهم؛ فكان هو ومن قام بحربهم ممن أحب الله وأحبه الله.

وعن الحسن -  -: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ قال: هو - والله - أبو بكر وأصحابه،  م أجمعين.

وقوله -  -: ﴿ قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً  ﴾ : يدل على إمامة أبي بكر -  - لأنه كان الداعي إلى حرب أهل الردة.

فإن قيل: يجوز أن يكون النبي  هو الذي دعاهم - قيل له: قال الله -  -: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً  ﴾ فمحال أن يدعوهم فيطيعوا، وقد قال الله -  -: إنهم لن يخرجوا معه أبداً.

فإن قيل: قد يجوز أن يكون عمر -  - هو الذي دعاهم - قيل له: فإن كان، فإمامة عمر -  - ثابتة بدليل الآية، وإذا صحت إمامته صحت إمامة أبي بكر -  - لأنه المختار له والمستخلف.

فإن قيل: قد يجوز أن يكون علي -  - هو الذي دعاهم إلى محاربة من حارب - قيل له: قال الله -  -: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ ، وهذه صفة من يُحَارَبُ من مشركي العرب الذين لا تقبل منهم الجزية، وعلي -  - إنما حارب أهل البغي وهم مسلمون، ولم يحارب أحد بعد النبي أهل الردة غير أبي بكر -  - فكانت الآية دليلا على صحة إمامته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ .

﴿ فَسَوْفَ ﴾ كقوله: ﴿ عَسَى ﴾ ، والعسى من الله واجب.

أخبر - عز وجل - أنه يأتي بقوم يحبهم؛ لبذلهم أنفسهم في مجاهدة [أعداء الله]، وتركهم في الله لومة لائم؛ فذلك لحبهم لله؛ لأنه لا أحد يبذل نفسه للهلاك، وترك لومة لائم - إلا لمن يحب الله، وأحبهم الله: لما أثنى عليهم بقوله: ﴿ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ ﴾ ، وحبهم لله: لما بذلوا أنفسهم في مجاهدة أعدائه، وتركهم لومة لائم.

وفيه دلالة إثبات إمامة أبي بكر -  - لأنه - عز وجل - اثنى عليهم بخروجهم في سبيل الله ومجاهدة أعدائه؛ فلو كان غاصباً ذلك على عليٍّ -  - أو كان غير محق لذلك - لم يكن الله ليثني عليه بذلك؛ لأنه كان آخذاً ما ليس له أخذه ومضيعاً حقا لغيره، ومن كان هذا سبيله لم يكن يستوجب كل هذا الثناء في الله  ؛ فهذا ينقض على الروافض قولهم وما روي: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ" وغيره من الأخبار، وذلك في الوقت الذي طلب علي -  - الخلافة وحارب عليها؛ لأنه لا يحتمل أن يعلم أن له الخلافة في زمن أبي بكر -  - ويرى الحق لنفسه، ثم يترك طلبها؛ لأنه كان مضيعاً حق الله عليه؛ فدل سكوته وترك طلبه على أن الحق ليس له، ولكن كان لأبي بكر -  - والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

أي: للمؤمنين، أي: ذوو رحمة ورأفة للمؤمنين.

﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

أي: شاقة شديدة على الكافرين، وهو ما وصفهم، عز وجل: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ الآية، بذلك وصفهم عز وجل.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك الجهاد في سبيل الله، أي: في طاعة الله ﴿ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ، وقيل: ذلك الإسلام ﴿ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ .

﴿ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قد ذكرنا هذا في غير موضع.

قوله  : ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية.

قال بعض أهل التأويل: قوله -  -: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ هو صلة قوله: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ [وكذلك قوله -  -]: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ  ﴾ هو صلة ما تقدم [ذكره]: نهى المؤمنين أن يتخذوا الذين أوتوا الكتاب، والذين لم يؤتوا الكتاب أولياء في غير آي من القرآن، وأخبر أن الله ورسوله هو ولي الذين آمنوا، والمؤمنون - أيضاً - بعضهم أولياء بعض [كما في] قوله: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ ، فإذا كان الله - عز وجل - ورسوله والذين آمنوا أولياء لمن آمن - لم ينبغ أن يتخذوا الكفار أولياء.

وذكر في بعض القصة أن عبد الله بن سلام قال للنبي  : إن اليهود أظهروا لنا العداوة من أجل إسلامنا، وحلفوا ألا يكلمونا، ولا يخالطونا في شيء، ومنازلنا فيهم، وإنا لا نجد متحدثاً دون هذا المسجد؛ فنزلت الآية - فقالوا: قد رضينا بالله وبرسوله والمؤمنين أولياء.

ثم اختلف في نزوله: قال بعضهم: نزلت في شأن علي -  - تصدق بخاتمه وهو في الركوع.

ويقولون: "خرج النبي  فإذا هو بمسكين، فدعاه النبي  قال: هَلْ أَعْطَاكَ أَحَدٌ شَيْئاً، قال: نعم [يا رسول الله]، قال النبي  : ماذا؟

قال: خاتم فضة؟

قال: مَنْ أَعْطَاكَ؟

قال: ذلك الرجل القائم - يعني: عليا - قال النبي  : على أي حال أعطاكه؟

قال: أعطانيه وهو راكع؛ فكبر النبي  ودعا له وأثنى عليه" .

فاحتج الروافض بهذه الآية على تفضيل علي بن أبي طالب -  - على أبي بكر وإثبات الخلافة له دون غيره.

ويقولون: نزلت في شأنه -  - لما روي عن أبي جعفر -  - قال: "تصدق علي بن أبي طالب -  - بخاتمه وهو راكع؛ فنزل: ﴿ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ .

فيقال لهم: هب أن الآية نزلت في شأنه، وليس فيها دلالة إثبات الخلافة له في زمن أبي بكر -  - لأنا قد ذكرنا في الآية الأولى ما يدل على إثبات الإمامة له في الوقت الذي كان هو إماماً، ونحن لا نجعل لعلي - كرم الله وجهه - الخلافة له في الوقت الذي لم ير لنفسه فيه الخلافة؛ لأنه روي عنه أنه قال: "إن أبا بكر هو خير الناس بعد رسول الله،  " أو كلام نحو هذا.

وفي الخبر عن النبي  أنه قال: "لَوْ وَلَّيْتُمْ أَبَا بَكْرٍ لَوَجَدْتُمُوهُ قَوِيّاً فِي دِينِهِ، ضَعِيفاً فِي بَدَنِهِ، وَإِنْ وَلَّيْتُمْ عُمَرَ لَوَجَدْتُمُوهُ قَويّاً فِي دِينِهِ وَبَدَنِهِ، وَإِنْ وَلَّيْتُمْ عَلِيّاً لَوَجَدْتُمُوهُ هَادِياً مَهْدِيّاً مُرْشِداً" فنقول: نحن على ما كان من علي وسائر الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - من تسليم الأمور، إلى أبي بكر، وتفويضهم إليه من غير منازعة ظهرت من علي - كرم الله وجهه - في ذلك؛ فلو كان الحق له في ذلك الوقت، لظهرت منه المنازعة على ما ظهرت في الوقت الذي كان له.

فقالوا: لأن عليّاً -  - لم يكن له أنصار، وفي الوقت الذي ظهرت المنازعة منه والطلب كان له أنصار.

قيل: لا يحتمل أن يكون الحق له فيها ثم لا يطلب؛ لما لم يكن له أنصار؛ ألا ترى أن أبا بكر -  - مع ضعفه في بدنه، خرج وحده لحرب أهل الردة، حتى لما رأوه خرج وحده حيئنذ تبعوه؟!

فأبو بكر لم يترك طلب الحق لعدم الأنصار، مع ضعفه في بدنه، فعلي -  - مع شدته وقوته وفضل علمه بأمر الحرب؛ حتى لم يبارز أحداً من الأعداء إلا غلبه وأهلكه؛ فكيف توهمتم في ترك طلب الحق لفقد الأنصار له والأعوان في ذلك؟!

هذا لعمري لا يتوهم في أضعف أصحاب رسول الله  فضلا أن يتوهم في علي -  - فدل ترك طلب ذلك منه على أنه ترك؛ لما رأى الحق له، والله أعلم.

واحتجوا بما روي عن [رسول] الله  أنه قال لعلي: "أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، غَيْرَ أَنْ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي" ، وهارون كان خليفة موسى؛ فَلِمَ أنكرتم - أيضاً - أن عليّاً -  - كان خليفة رسول الله  ؟!

قيل: لهذا جوابان: أحدهما: أن قوله: "أَنْتَ مِنْي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى" يحتمل أن يكون في الأخوة التي كان آخاه رسول الله  وليس في إثبات الأخوة إثبات الخلافة له.

والثاني: أنه كانت له الخلافة في الوقت الذي كان هو، وليس في الخبر جعل الخلافة له في الأوقات كلها وهكذا جواب ما روي عنه: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَليٌّ مَوْلاَهُ" والله أعلم.

ثم إن كان الحديث الذي روي عن أبي جعفر -  - صحيحاً؛ ففي الآية معنيان: أحدهما: فضيلة علي - كرم الله وجهه - وقد كان كثير الفضائل، مُسْتَكْمِلاً خصال الخير.

والآخر: أن العمل اليسير في الصلاة لا يفسدها، وقد روي في بعض الأخبار عن النبي  أنه خلع نعله في الصلاة، وأنه مس لحيته، وأنه أشار بيده، وغير ذلك من العمل اليسير فعله في صلاته؛ فيقاس كل عمل يسير على ما دل عليه الخبر على جواز الصلاة.

وفيه وجه آخر: وهو أن الصدقة التطوع تسمى زكاة؛ لأن صدقة علي -  - بالخاتم لم تكن صدقة مفروضة، بل كانت تطوعاً؛ فسماها الله زكاة وإن كانت تطوعاً؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ  ﴾ ، فسماها [الله] زكاة، وإن كانت تطوعاً؛ كما تسمى صلاة الفرض والتطوع: صلاة، وصوم التطوع والفرض: صياماً؛ فعلى ذلك هذا.

وظاهر الآية في جملة المؤمنين، [و] ليس علي -  - أولى بها من غيره، فإن كان فيه نزل، فهو ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ ﴾ .

ظاهر هذا لو صرف إلى أبي بكر الصديق -  - كان أقرب؛ لأنه كان هو الغالب على أهل الردة من أول ما وقع بينهم إلى آخره، وعلي -  - إنما صار الأمر له في آخره حين حارب الخوارج، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً...

﴾ إلى آخره.

يحتمل النهي عن اتخاذ أولئك أولياء وجوهاً: يحتمل: النهي قبل أن يتخذوا؛ لئلا يتخذوا.

ويحتمل: النهي بعدما اتخذوا أولياء: لا في الدين، ولكن في بعض المكاسب.

ويحتمل: أن يكون النهي للمنافقين ألا يكونوا مع أولئك على المؤمنين، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

والحزب: هو العون والنصر في اللغة؛ قال الكسائي: تقول العرب: فلان حزبي، أي ناصري وعوني.

وقوله: ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ﴾ .

يخبر نبيه  غاية سفههم بصنيعهم إذا نودي [إلى الصلاة]؛ لأنه ذكر في القصة: أنهم إذا سمعوا المنادي يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"، قالوا: حرق الكاذب، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين من هذه الأديان أقل حظّاً في الدنيا والآخرة منهم، يعنون: محمداً  وأصحابه -  م - فدخل خادمهم ليلة من الليالي بنار وهو نائم، فسقطت شرارة؛ فحرقت البيت واحترق هو وأهله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ﴾ .

نفي عنهم العقل؛ لما لم ينتفعوا بما عقلوا؛ وإلا كانوا يعقلون؛ وعلى ذلك يخرج قوله ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ  ﴾ ، لما لم ينتفعوا بما سمعوا به وعقلوا، وكذلك قوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ...

﴾ الآية [البقرة: 18]: إنا نعلم أنهم كانوا يبصرون ويسمعون؛ لكن نفي عنهم لما لم ينتفعوا بالبصر والسمع واللسان؛ كمن ليس له ذلك في الأصل، والله أعلم.

ويحتمل وجها آخر: وهو أن شدة بغضهم وحسدهم [لنبينا محمد]  تمنعهم عن فهم ما خوطبوا به، وتحول بينهم وبين معرفة ذلك - فكانوا كمن ليس لهم ذلك رأساً.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ ٥٩

قيل: ﴿ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ ﴾ : هل تطعنون علينا، وهو قول ابن عباس،  .

وقيل: وهل تعيبون علينا.

وقال أبو عوسجة: ﴿ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ ﴾ ، أي: تنكرون منا.

وهو يرجع إلى واحد.

والنقم: هو العيب والطعن، والانتقام: هو الانتصار، ومعناه: ﴿ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ ﴾ ، أي: كيف تطعنون علينا وتعيبون، وأنتم ممن قد دعوتم إلى الإيمان بالله، والإيمان بما أنزل في الكتب، وأنتم ممن قد أوتيتم الكتاب، وفي كتابكم الإيمان بالله، والإيمان بالكتب كلها؛ فكيف تنكرون الإيمان بذلك كله، وتعيبون علينا، ولا تعيبون على أنفسكم بفسقكم وخروجكم عن أمر الله  ، وعما أمركم كتابكم ودعاكم إليه، ونهاكم عما أنتم فيه؟!

﴿ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا ﴾ وهو القرآن، وهو يصدق ما قبله من الكتب، ﴿ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ ﴾ من الكتب المتقدمة من التوراة والزبور والإنجيل، وهي تصدق القرآن، بعضها يصدق بعضاً، فكيف تنكرون الإيمان به؟!

<div class="verse-tafsir"

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّۢ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٦٠

ذكر هذا - والله أعلم - على أثر قوله: ﴿ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ...

﴾ على أثر قوله: ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً...

﴾ الآية؛ وذلك أنهم كانوا يستهزئون بالمؤمنين ويضحكون منهم، ويطعنون في دينهم ويعيبون عليهم؛ فقال على أثر ذلك: ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ ﴾ ، أي: مما المؤمنون عليه ﴿ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ﴾ قالوا: من؟

قال الله: ﴿ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ...

﴾ الآية؛ فمن كان هذا وصفه فهو شر مما عليه المؤمنون، وقد كان فيهم جميع ذلك مما غضب الله عليهم ولعنهم، أي: حول جوهرهم إلى أقبح جواهر في الطبع وأوخسها - وهي القردة والخنازير - بسوء صنيعهم.

أو يكون ذلك على أثر قول ما قالوا: ما ذكر في بعض القصة: "والله ما نعلم من أهل دين أقل حظّاً في الدنيا والآخرة من هؤلاء"، يعنون: المؤمنين؛ لأنهم كانوا يَدَّعُون أن الدنيا والآخرة لهم، وليس لهؤلاء لا دنيا ولا آخرة؛ فقال الله -  وتعالى -: ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: ثواباً عند الله، فقالوا: من هم؟

قال: ﴿ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ ﴾ .

والملعون: هو المطرود عن الخيرات، وجعل من حول جوهره إلى جوهر القرد والخنزير، وهو أقبح جوهر في الطبع والعقل وأوسخه، ومن ﴿ وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ ﴾ يعني: الشيطان ﴿ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ في الدنيا؛ لما حول جوهرهم إلى أقبح جوهر في الأرض - من الذين لم يحول جوهرهم إلى ذلك؛ إذ لم يروا أحداً من المؤمنين حُوِّل جوهره إلى جوهر مَنْ ذُكِرَ، وقد رأوا كثيراً من أوائلهم قد حولوا من جوهرهم إلى هذه الجواهر المستقبحة في الطبع المؤذية.

أو يكون على الإضمار على أثر أمر كان ونحن لم نعلم به؛ فنزل عند ذلك.

وعن الحسن قال: قوله -  -: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ ﴾ : الذين لعنهم الله، والذين غضب عليهم، والذين عبدوا الطاغوت، والذين جعل منهم القردة والخنازير: منهم من جعله قردة، ومنهم من أبقى على جوهره الذي كان، ﴿ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ في الدنيا والآخرة.

﴿ وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .

أي: أخطأ طريقاً وديناً، والله أعلم بالقصة.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا۟ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا۟ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْتُمُونَ ٦١

قيل: إن الآية في اليهود.

وقيل: إنها في المنافقين.

وهي في المنافقين أشبه؛ ذكر أنهم كانوا يدخلون على النبي  ويظهرون الموافقة [له]، ويخبرونه أنهم يجدون نعته وصفته في كتبهم، ويضمرون الخلاف له في السر وهزءوا به؛ فقال عند ذلك: ﴿ وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ ﴾ : أخبر - عز وجل - نبيه  : أنهم دخلوا بالكفر؛ لأنهم يقولون ذلك استهزاء، وعلى ذلك خرجوا؛ ففيه دلالة إثبات رسالة [سيدنا محمد  ]؛ لأنه أخبر عما أضمروا؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالذي يعلم الغيب، مع علمهم أنه لا يعلمه إلا الله، والله أعلم بما كانوا يكتمون ويضمرون من الكفر والهزء.

<div class="verse-tafsir"

وَتَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٦٢ لَوْلَا يَنْهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ٦٣

قوله  : ﴿ وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ الآية.يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ ﴾ : من ملوكهم وعوامهم.

﴿ يُسَارِعُونَ فِي ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ ﴾ ، أي: في قول الكفر والعدوان، والعدوان: هو المجاوزة عن الحد الذي حد لهم، ويسارعون - أيضاً - في أكل السحت.

والسحت، قيل: هو كل محرم، وقيل: هو الرشوة في الحكم، عن عمر -  - أنه قال: الرشوة: هي الكفر، وأما السحت: هو أن يرفع حاجة أخيه إلى السلطان فيأكل عنده، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

ثم قال على أثر ذلك: قوله  : ﴿ لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ .

عاتب الله - عز وجل - الربانيين والأحبار عن تركهم نهي أولئك عن صنيعهم، وأشركهم في الإثم شرعاً سواء؛ ليعلموا أن العامل بالإثم والمعصية والراضي به والتارك النهي عن ذلك - سواء، وفيه دلالة أن تارك النهي عن المنكر يلحقه من الإثم ما يلحق الفاعل به.

والربانيون والأحبار قد ذكرنا فيما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًۭا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًۭا ۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ٦٤ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَـٰهُمْ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٦٥ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌۭ مُّقْتَصِدَةٌۭ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ ٦٦

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ...

﴾ \[الآية\].

قال الحسن: [قول اليهود]: "يد الله مغلولة"، أي: محبوسة ممنوعة عن تعذيبنا؛ لقولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ .

في الآخرة بالسلاسل إلى أعناقهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ .

بالمغفرة والتعذيب؛ يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء.

قال ابن عباس -  -: "قولهم: "يد الله مغلولة": لا يعنون بذلك أن يده موثقة مغلولة حقيقة اليد والغل؛ ولكن وصفوه بالبخل، وقالوا: أمسك ما عنده؛ بخلا منه،  الله عن ذلك.

وقال آخرون: إن الله - تبارك وتعالى - قد كان بسط على اليهود الرزق؛ فكانت من أخصب الناس وأكثرهم خيراً، فلما عصوا الله في محمد  ، وكفروا به، وبدلوا نعمة الله كفراً بالنعمة - كف الله -  - عنهم بعض الذي كان بسط عليهم من السعة في الرزق؛ فعند ذلك قالوا: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ ، لم يقولوا: يده مغلولة إلى عنقه، ولكن ممسكة عنهم الرزق، فلا يبسط كما كان يبسط؛ وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ  ﴾ : نهى عن البخل في الإنفاق، لا أنه أراد حقيقة غل اليد إلى عنقه؛ فعلى ذلك قولهم: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ : كناية عن البخل ووصف به، لا حقيقة الغل، وبالله العصمة.

وتأويل قوله: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ على هذا التأويل، أي: أيديهم هي الممسكة عن الإنفاق، وهم الموصوفون بالبخل والشح.

﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ ، أي: نعمه مبسوطة: يوسع على من يشاء، ويقتر على من يشاء.

وفي حرف ابن مسعود -  -: بل يداه يبسطان.

قال الفراء: يقال: وجه مبسوط، ووجه بسط.

ثم لا يحتمل أن يفهم من إضافة اليد إلى الله ما يفهم من الخلق؛ لما وجد إضافة اليد إلى من لا يحتمل أن يكون له اليد، من ذلك قوله -  -: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ  ﴾ : لا يفهم من القرآن اليد كما يفهم من الخلق؛ فعلى ذلك لا يجوز أن يفهم من إضافة اليد إلى الله -  - كما يفهم من الخلق؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ  ﴾ و ﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ ، لم يفهم منه اليد نفسها؛ وكذلك قوله: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ ، لكن أضيف ذلك إلى اليد؛ لما باليد يقدم ويعطي ويكسب؛ ألا ترى أنه قال -  -: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ ، ومعلوم أنه لم يفهم من اليد: اليد نفسها، ولكن أضيف ذلك إليها؛ لما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ ﴾ .

قيل: عذبوا بما قالوا: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ ، واللعن - في اللغة -: هو الطرد؛ كأنه قال: طردوا عن رحمة الله وأيسوا عنها حتى لا ينالوها أبداً بقولهم الذي قالوا.

وقيل: فيه إخبار: أنهم يموتون على ذلك، ولا يؤمنون، فماتوا على ذلك؛ فذلك دليل رسالته، عليه الصلاة والسلام، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: يريد ما أنزل [الله] إليك من القرآن، ﴿ كَثِيراً مِّنْهُم ﴾ ، يعني: اليهود ﴿ طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾ .

وقيل: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ : من البيان عما كتموا من نعته وصفته التي كانت في كتابهم، وما حرفوا فيه وغيروه من الأحكام؛ فذلك مما زادهم طغياناً وكفرا.

قيل: ﴿ طُغْيَاناً ﴾ ، أي: تمادياً بالمعصية، ﴿ وَكُفْراً ﴾ : بالقرآن.

وقيل: الطغيان: هو العدوان، وهو المجاوزة عن الحدِّ الذي حد.

فإن قيل: ما معنى إضافة زيادة الطغيان إلى القرآن، والقرآن لا يزيد طغياناً ولا كفراً؟: قيل: إضافة الأفعال إلى الأشياء تكون لوجوه ثلاثة: منها: ما يضاف لحقيقة الفعل بها.

ومنها: ما يضاف للأحوال.

ومنها: ما يضاف لمكان ما به يكون الفعل، وهاهنا أضيف ذلك إلى القرآن؛ لما كان فيهم من الطغيان والكفر لمكان ما أنزل إليهم بالكفر الذي كان فيهم؛ وهو كقوله -  -: ﴿ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ : إنهن لا يضللن أحداً في الحقيقة؛ ولكن لما صاروا بهن ضلالا أضيف إليهن، وكقوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا  ﴾ والحياة الدنيا لا تغر أحداً؛ ولكن لما [لو] كانت لها حواس لكان ما أبدت من الزينة لغرت.

وقوله: ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ﴾ : بين اليهود والنصارى، أي: لا يحب اليهودي نصرانيّاً، ولا النصراني يهوديّاً.

وقال آخرون: ﴿ بَيْنَهُمُ ﴾ ، أي: بين اليهود؛ لأن اليهود على مذاهب مختلفة وأهواء مشتتة: منهم من يقول: عزير ابن الله، ومنهم من يذهب مذهب التشبيه.

هم على أهواء مختلفة، فبينهم عداوة وبغضاء، على ما ذكرنا الاختلاف الواقع بينهم.

ثم معنى ما أضاف من إلقاء العداوة بينهم إلى نفسه لا يخلو: إما أن يكون له في نفس العداوة فعل، أو أن يكون في سبب العداوة، ولا يجوز أن يكون له في فعل العداوة صنع؛ لأنه فعلهم، ولا في سبب العداوة - أيضاً - لأن سببه الاختلاف، والاختلاف فعلهم - أيضاً - فإذا بطل أن يكون له في واحد من هذين صنع؛ دل أن له ذلك من الوجه الآخر، وهو أن خلق فعل العداوة وسبب العداوة منهم، وبالله التوفيق والعصمة.

فإن قيل: ذكر هاهنا أنه  ألقى بينهم العداوة والبغضاء، وذكر في آية أخرى أن بعضهم أولياء بعض بقوله -  -: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ كيف يجمع بينهما؟!: قيل: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ في أصل الدين وهو الكفر، وبينهم عداوة؛ لاختلاف الأهواء والمذاهب، والله أعلم.

وفي الآية دلالة الامتنان على رسول الله  بما أخبر أنه ألقى بينهم العداوة والبغضاء، ولو كانوا على مذهب واحد، ولم يكن بينهم اختلاف وعداوة - لكان ذلك عليه أشد، وفي المقام بينهم أصعب، لكن مَنَّ عليه بالاختلاف فيما بينهم؛ لما جعل الاختلاف والتنازع سبب الفشل؛ كقوله -  -: ﴿ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ...

﴾ الآية [الأنفال: 46].

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: كلما أرادوا مكر رسول الله  وأجمعوا أمرهم على قتله، أطلع الله نبيه - عليه الصلاة والسلام - على ذلك؛ حتى لم يقدروا على مكره.

والثاني: كلما انتصبوا للحرب مع رسول الله  واجتمعوا عليه، فرق الله شملهم، وجعلهم بحيث لا يجتمعون على ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً ﴾ .

يحتمل وجهين - أيضاً -: يحتمل: السعي بالفساد على حقيقة المشي على الأقدام، وهو ما كانوا يسعون في نصب الحرب مع المؤمنين، والاتصال بغيرهم من الكفرة، والاستعانة بهم؛ فذلك هو السعي في الأرض بالفساد.

والثاني: ما كتموا من نعت رسول الله  وصفته وحرفوا ما في كتبهم من أعلام نبوته وآيات رسالته، ودعوا الناس إلى غير ما نزل فيه؛ وذلك سعي في الأرض بالفساد، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ .

لأنه لا يحب الفساد، ولا يرضى به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَٰهُمْ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ .

عامل الله - عز وجل - خلقه معاملة أكرم الأكرمين؛ حيث وعد لهم المغفرة، وتكفير ما ارتكبوا في حال الكفر، وقولهم في الله من القبيح الوَخْش؛ لو آمنوا واتقوا الذي قالوا في الله؛ وهو كما قال الله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ : وذلك - والله أعلم - أنه لما تاب ورجع عن صنيعه يرجع عن جميع ما كان منه، ويندم على ذلك، ويتمنى أن يكون ما كان منه في تلك الحال من الشر: خيراً؛ فهو كقوله -  -: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ  ﴾ ؛ لأنهم يندمون على تلك السيئات التي كانت منهم، ويتمنون أن يكون الذي كان منهم في تلك الحال خيراً لا شرّاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل: ولو أنهم عملوا بما في التوراة والإنجيل، وبما أنزل إليهم من القرآن - لأكلوا من كذا مما ذكر.

ويحتمل: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ : على ما أنزل، ورجعوا عما حرفوا فيها وغيروه وكتموه من نعت [نبينا] محمد  وصفته، وما فيها من الأحكام - لكان لهم ما ذكر، والله أعلم.

وذلك أنهم كانوا يخافون الضيق إذا أسلموا وهو - والله أعلم - قوله: ﴿ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ  ﴾ فأخبر الله - عز وجل - أنهم لو آمنوا واتقوا الشرك، لوسع عليهم العيش.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ .

ليس على حقيقة الأكل؛ ولكن يخرج على المبالغة في الوصف والذكر؛ كما يقال: فلان من قرن رأسه إلى قدمه في نعمة: ليس على حقيقة ما وصف؛ ولكن على المبالغة في الوصف بالسعة.

ويحتمل: أن يكون على حقيقة الأكل: أما ما يخرج من تحت الأرجل: فهو ما يخرج من الأرض من المأكول والمشروب، ومن فوقهم: من الثمار والفواكه يخرج من الأشجار.

ويحتمل: ما ذكر ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ : وهو الجبال، و ﴿ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ : الأرض، إخبار أن يكون لهم نزل الجبل والسهل جميعاً.

وقيل: ﴿ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ ، أي: أرسل الله عليهم مدراراً، ﴿ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ : تخرج الأرض بركتها، وتنبت لهم الثمرة.

وقال قتادة: لأعطتهم الأرض نباتها، والسماء بركتها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: ﴿ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ﴾ من أسلم منهم.

وقيل: منهم أمة مقتصدة على كتاب الله لم يحرفوه، ولا غيروه، ولا كتموا شيئاً، ولا سعوا في الأرض بالفساد على ما عمل أكثرهم من التحريف والتغيير، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٦٧ قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٦٨ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٦٩ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلًۭا ۖ كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًۭا كَذَّبُوا۟ وَفَرِيقًۭا يَقْتُلُونَ ٧٠ وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ٧١

قوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ .

هذا - والله أعلم - وذلك أن أهل الكفر كانوا على طبقات ثلاث: منهم من يقول: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ  ﴾ .

ومنهم من كان يخوفه ويمكر به، ليقتلوه؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ...

﴾ الآية [الأنفال: 30].

ومنهم من كان يعرض عليه النساء والأموال؛ ليترك ذلك، وألا يدعوهم إلى دينه الذي هو عليه.

كانوا على الوجوه التي ذكرنا؛ فأمر الله - عز وجل - أن يقوم على تبليغ رسالته، وألا يمنعه ما يخشى من مكرهم وكيدهم على قتله؛ لأن المرء قد يمتنع عن القيام بما عليه إذا خشي هلاكه أو لطلب مودة وصلة.

أو يمتنع عن القيام بما عليه إذا كُذِّبَ في القول، ولحقه أذى لذلك؛ فأمر الله - عز وجل - نبيه بتبليغ ما أنزل إليه، وإن خشي على نفسه الهلاك أو التكذيب في القول، والأذى وترك طلب الموالاة، أي: لا يمنعك شيء من ذلك عن تبليغ ما أنزل إليك.

أو أن يكون الأمر بتبليغ الرسالة في حادث الوقت: أن بلغ ما أنزل إليك في حادث الوقت؛ كما بلغت في الماضي من الوقت.

أو أن يكون الأمر بتبليغ ما أنزل إليه أمراً بتبليغ البيان، أي: بلغ ما أنزل إليك من البيان كما بلغت تنزيلا؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ  ﴾ أخبر - عز وجل - أنه إنما أرسل الرسل على لسان قومهم؛ ليبينوا لهم؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ .

أي: وإن [لم] تبلغ ما أنزل إليك؛ لما تخشى من الهلاك والمكر بك - كان كأن لم تبلغ الرسالة رأساً.

لم يعذر نبيه  في ترك تبليغ الرسالة إليهم، وإن خاف على نفسه الهلاك، ليس كمن أكره على الكفر أبيح له أن يتكلم بكلام الكفر، بعد أن يكون قلبه مطمئنّاً بالإيمان إذا خاف الهلاك على نفسه.

ولم يبح له ترك تبليغ الرسالة وإن خشي على نفسه الهلاك؛ ذلك - والله أعلم - أن تبليغ الرسالة تعلق باللسان دون القلب، والإيمان تعلقه بالقلب دون اللسان؛ فإذا أكره على الكفر إبيح له التكلم به بعد أن يكون القلب على حاله مطمئناً بالإيمان.

وأما الرسالة: فلا سبيل له أن يبلغها إلا باللسان؛ لذلك لم يبح له تركها وإن خاف الهلاك؛ وهذا يدل لقولنا في المكره بالطلاق والعتاق أنه إذا تكلم به عمل؛ لتعلقهما باللسان دون القلب؛ فالإكراه لا يمنع نفاذ ما تعلق باللسان دون القلب كالرسالة التي ذكرنا، والله أعلم.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ ﴾ ، أي: لم تبلغ الرسالة في حادث الوقت كأن لم تبلغ فيما مضى.

أو إن لم تبلغ البيان كما بلغت التنزيل فما بلغت الرسالة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .

فيه دليل إثبات رسالته  لأنه - عز وجل - أخبر أنه عصمه من الناس؛ فكان ما قال؛ فدل أنه علم ذلك بالله، وكذلك في قوله -  -: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ  ﴾ : كان يقول بين ظهراني الكفرة: كيدوني جميعاً، ثم لم يلحقه من كيدهم شيء؛ دل أنه كان ذلك بالله  .

وعن عائشة -  ا -: "كان النبي  ليحرس، فلما نزل قوله -  -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ قال: "انْصَرِفُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ؛ فَإِنَّ اللهَ عَصَمَنِي مِنَ النَّاسِ" ؛ فانصرفوا.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، أي: بلغ ما أنزل إليك من الآيات والحجج والبراهين، التي جعلها الله أعلاما لرسالتك، وآثارا لنبوتك؛ ليلزمهم الحجة بذلك، والله أعلم.

قوله  : ﴿ قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ .

لا يُبْتَدَأُ الكلام بمثل هذا إلا عن قول أو دعوى تسبق، وليس في الآية بيان ما كان منهم؛ فيشبه أن يكون الذي كان منهم ما ادَّعُوْا أنهم على دين الله وعلى ولايته، أو ما قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ ، أو ما قالوا: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ ، أو نحو ذلك من أمانيهم ودعاويهم التي ادعوا لأنفسهم؛ فقال لرسوله: قل لهم: ﴿ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

قال الحسن: قوله -  -: ﴿ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ ، أي: حتى تقيموا ما قد حرفتم وغيرتم من التوراة والإنجيل وبدلتم، وتثبتوا على ما أنزل وتؤمنوا به.

وقال غيره: [قوله -  -]: ﴿ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ بالشهادة والتصديق لما فيهما.

وعن ابن عباس -  - قال: ﴿ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ...

﴾ : حتى تعملوا بما في التوراة والإنجيل من صفة محمد ونعته ومبعثه ونبوته  ، وتبينوه للناس ولا تكتموه.

وهو وما ذكرنا واحد.

﴿ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

من كتب أنبيائكم، وحتى تقيموا - أيضاً - ما أنزل من الكتب: كتب الرسل أجمع؛ لأن الإيمان ببعض الرسل وببعض الكتب، والكفر ببعض - لا ينفع؛ حتى يؤمن بالرسل كلهم وبالكتب جملة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾ : قد ذكرنا هذا.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ : القرآن في أمر الرجم والقصاص ﴿ طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ هو ما أمر الله نبيه  أن يبلغ ما أنزل عليه بقوله: ﴿ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ : أي: لا تحزن على كفرهم؛ كقوله -  -: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، ونحو قوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...ِ ﴾ الآية.

قال ابن عباس: هم الذين آمنوا بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم.

وقال بعضهم: هم الذين آمنوا ببعض الرسل لم يتسموا باليهودية ولا بالنصرانية.

﴿ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَىٰ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم مَنْ هُمْ؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِر ﴾ .

تأويل الآية - والله أعلم -: [وإن اختلفت] أديانهم، وتفرقت مذاهبهم لو آمنوا بالله وما ذكر، فلا خوف عليهم بما كان منهم في حال كفرهم؛ كقوله -  -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ : على فوت ما أعطاهم، أي: لا يفوتهم ذلك، والله أعلم.

قوله  : ﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ .

قد أخذ الله - عز وجل - الميثاق على جميع البشر، وخصهم به دون غيرهم من الخلائق؛ لما رَكَّبَ فيهم ما يَعْرِفُ كُلٌّ به شهادة الخلقة على وحدانية ربه؛ كقوله -  وتعالى -: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ  ﴾ .

ثم خص بني إسرائيل من البشر بفضل الميثاق؛ لما أرسل إليهم الرسل منهم، وهو قوله: ﴿ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً ﴾ ، وكأنهم قد قبلوا تلك المواثيق؛ كقوله -  - ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ...

﴾ إلى آخره؛ وكقوله -  -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ  ﴾ كان من الله لهم عهد [ومنهم لله عهد]، فأخبر أنهم إذا أوفوا بعهده يوفي بعهدهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ .

في الآية دلالة أنهم كانوا يخالفون دين الرسل بأجمعهم؛ لما أحدثوا من اتباع أهوائهم، وأن الرسل - وإن اختلفت أوقات مجيئهم - فإنهم إنما يدعون بأجمعهم إلى دين واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ : منهم من كذب، ومنهم من قتل، لكن القتل إن كان فهو في الأنبياء غير الرسل؛ لأنه -  - قال: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا  ﴾ أخبر أنه ينصر رسله، وليس في القتل نصر.

ويحتمل قوله: ﴿ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ﴾ ، أي: فريقاً قصدوا قصد قتلهم، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

قوله  : ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ : ولم يبين ما الفتنة التي حسبوا ألا تكون، فأهل التأويل اختلفوا فيها: قال قائلون: الفتنة: المحنة التي فيها الشدة، حسبوا ألا يأتيهم الرسل بامتحانهم على خلاف هواهم، بل جاءتهم الرسل؛ ليمتحنوا على خلاف ما أحدثوا من هوى أنفسهم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ : أي: هلاك وعذاب بتكذيبهم الرسل، وقصدهم قصد قتلهم.

وقال ابن عباس -  -: "ألا يكون شرك".

وقيل: ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ : أي: حسبوا ألا يبتلوا بتكذيبهم الرسل، وبقتلهم الأنبياء بالبلاء والقحط، فعموا عن الهدى، فلم يبصروه، وصموا عن الهدى فلم يسمعوه؛ لما لم ينتفعوا به، ثم تاب الله عليهم فرفع عنهم البلاء، فلم يتوبوا بعد رفع البلاء.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ ﴾ : ما ذكره في آية أخرى: وهو قوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً  ﴾ إلى قوله  : ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية [الإسراء: 6]؛ تابوا مرة ثم رجعوا ثم تابوا؛ فذلك قوله: ﴿ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ...

﴾ الآية.

<div class="verse-tafsir"

لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ ٧٢ لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَـٰثَةٍۢ ۘ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّآ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا۟ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٣ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٧٤ مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌۭ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ٧٥ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا ۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٧٦ قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓا۟ أَهْوَآءَ قَوْمٍۢ قَدْ ضَلُّوا۟ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا۟ كَثِيرًۭا وَضَلُّوا۟ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٧٧

قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ...

﴾ \[الآية\]: يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ ﴾ : أي: كفروا بعيسى؛ لأن عيسى كذبهم في قولهم: "إنه ابن الله" بقوله: ﴿ يَابَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ...

﴾ الآية، وبقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ  ﴾ ، وبقوله: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ...

﴾ الآية [مريم: 30]، أخبر أنه عبد الله، ليس هو إلهاً ولا ابنه،  الله عن ذلك.

والثاني: كفروا بعلمهم؛ لأنهم علموا أنه ابن مريم، وسموه ابن مريم، ثم قالوا: هو الله أو ابن الله، فإن كان ابن مريم أَنَّى يكون له ألوهية؟!

فإذا كانت أمه لم تستحق الألوهية وهي أقدم منه، كيف يكون لمن بعدها؟!

ولكن لسفههم قالوا ذلك،  الله عن ذلك علواً كبيراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ ﴾ : إذا حرم عليه الجنة صار مأواه النار.

وقيل: سمي: مسيحاً؛ قال الحسن: سمي ذلك؛ لأنه ممسوح بالبركات، وسمي الدجال: مسيحاً؛ لأنه ممسوح باللعنة.

وقيل: المسيح بمعنى الماسح، وذلك جائز؛ الفعيل بمعنى الفاعل، وهو ما كان يمسح المريض والأكمة والأبرص فيبرأ، ويمسح الموتى فيحيون، ومثل ذلك؛ فسمي بذلك، والله أعلم.

والفعيل بمعنى المفعول جائز - أيضاً - يقال: جريح ومجروح، وقتيل ومقتول؛ هذا كله جائز في اللغة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ﴾ .

قوله  : ﴿ كَفَرَ ﴾ بعلمهم، علموا [بوحدانيته]، فكيف يكون ثالث ثلاثة وهو واحد؟!

فإذا قالوا: هو الله فلا يكون هناك ثان ولا ثالث، وذلك تناقض في العقل.

والثاني: أنهم لم يروا غير الله خلق السماوات والأرض، ولا رأوا أحداً خلقهم سوى الله، كيف سموا دونه إلهاً ولم يخلق ما ذكرنا؟!

إنما خلق ذلك الله الذي لا إله غيره، وذلك قوله: ﴿ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ أي: يعلمون أنه لا إله إلا [الله] إله واحد، لكنهم يتعنتون ويكابرون في ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ ﴾ : عما تقدم ذكره ﴿ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ﴾ : عن مقالتهم الشرك، فإن فعلوا فإن الله غفور رحيم؛ كقوله -  -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ ، وبالله العصمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ ﴾ .

في الآية دلالة المحاجة مع الفريقين؛ كأنهم كانوا فريقين: أحد الفريقين كانوا ينكرون أنه رسول، والفريق الآخر يدعون له الربوبية والألوهية، فقال: إنه ابن مريم، وابن مريم لا يحتمل أن يكون إلهاً.

والثاني: أخبر أنه رسول قد خلت من قبله الرسل، أي: قد خلت من قبل عيسى رسل مع آيات وبراهين لم يقل أحد من الأمم السالفة: إنهم كانوا آلهة، فكيف قلتم أنتم بأن عيسى إله، وإن كان معه آيات وبراهين لرسالته؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ﴾ .

قيل: مطهرة عن الأقذار كلها، صالحة.

وقيل: ﴿ صِدِّيقَةٌ ﴾ : تشبه النبيين، وذلك أن جبريل -  - لما أتاها وقال: ﴿ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً  ﴾ صدقته كتصديق الأنبياء والرسل الملائكة، وأما سائر الخلائق: إنما يصدقون الملائكة بإخبار الرسل إياهم، وهي إنما صدقت جبريل بإخباره أنه ملك، وأنه رسول؛ لذلك سميت صديقة، والله أعلم.

وقيل: كل مؤمن صديق، كقوله -  -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ...

﴾ \[الآية\] [الحديد: 19].

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ ﴾ : فيه الاحتجاج عليهم من وجهين: أحدهما: أن الجوع قد كان يغلبهما ويحوجهما إلى أن يدفعا ذلك عن أنفسهما، ومن غلبه الجوع وقهره كيف يصلح أن يكون ربّاً إلها؟!.

والثاني: أنهما إذا احتاجا إلى الطعام لا بد من أن يدفعهما ذلك إلى إزالة الأذى عن أنفسهما ودفعه، والقيام في أخبث الأماكن وأقبحها، فمن دفع إلى ذلك لا يكون إلها،  الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلآيَاتِ ﴾ : والآيات ما ذكر من وجوه المحاجة عليهم: أحدها: أنه ابن مريم، ومن كان ابن آخر لا يكون إلها.

والثاني: أنه رسول، وقد كان قبله رسل مع آيات وبراهين، لم يدع أحد لهم الألوهية والربوبية.

والثالث: أنه كان يأكل الطعام، ومن كان تحت غلبة آخر وقهره، لا يكون إلها.

والرابع: من أكل الطعام احتاج أن يدفع عن نفسه الأذى، ويقوم في أخبث مكان، ومن كان هذا أمره لم يكن ربّاً.

وليس في القرآن - والله أعلم - آية أكثر ولا أبين احتجاجاً على النصارى وأولئك، ولا أقطع لقولهم من هذه الآية؛ للمعاني التي وصفنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ : أي: من أين يكذبون.

قال أبو عبيد: ﴿ يُؤْفَكُونَ ﴾ : يصرفون، ويخادعون عن الحق، كل من صرفته عن شيء فقد أفكته.

ويقال: أفكت الأرض، إذا صرف عنها القطر.

وقوله: ﴿ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ  ﴾ .

قال ابن عباس -  - ﴿ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ  ﴾ قال: أضلهم، فإذا أضلهم، فقد صرفهم عن الهدى.

قال أبو عوسجة: الإفك عندي: الصرف عن الحق، وفي الأصل: الإفك: الكذب.

وقال القتبي: ﴿ يُؤْفَكُونَ ﴾ : يصرفون عن الحق ويعدلون.

وقيل: ﴿ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ يخدعون بالكذب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً ﴾ إن خالفتموه ﴿ وَلاَ نَفْعاً ﴾ إن أطعتموه.

ويحتمل: قوله: ﴿ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً ﴾ إن كان الله أراد بكم نفعاً، ولا نفعاً إن حل بكم الضر، أي: لا يملكون دفعه عنكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ﴾ : لنسبتكم عيسى إليه  ، ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بعبادتكم غير الله.

ويحتمل: ﴿ ٱلسَّمِيعُ ﴾ المجيب لدعائكم، ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بنياتكم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ﴾ .

خاطب الله - عز وجل - بالنهي عن الغلو في الدين أهل الكتاب، لم يخاطب أهل الشرك بذلك فيما خاطب بقوله: ﴿ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ  ﴾ ؛ وذلك أن أهل الكتاب ادعوا أنهم على دين الأنبياء والرسل [الذين] كانوا من قبل، فنهاهم الله - عز وجل - عن الغلو في الدين.

والغلو: هو المجاوزة عن الحد الذي حد، والإفراط فيه والتعمق؛ فكأنه - والله أعلم - قال: لا تجاوزوا في الدين الحد الذي حد فيه بنسبة الألوهية والربوبية إلى غير الله والعبادة له.

وأما أهل الشرك: فإنهم يعبدون ما يستحسنون، ويتركون ما يستقبحون، ليس لهم دين يدينون به.

وأما هؤلاء: فإنهم يَدَّعُون أنهم على دين الأنبياء والرسل؛ لذلك خرج الخطاب لهم بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ ﴾ : يعني: الرؤساء بذلك، والله أعلم.

[ ﴿ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً ﴾ : أي: أتباعهم.

﴿ وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ : أي: عن قصد طريق الهدى].

<div class="verse-tafsir"

لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ ٧٨ كَانُوا۟ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍۢ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ٧٩ تَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَـٰلِدُونَ ٨٠ وَلَوْ كَانُوا۟ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِىِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ ٨١ ۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًۭا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ٨٢ وَإِذَا سَمِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا۟ مِنَ ٱلْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ ٨٣ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّـٰلِحِينَ ٨٤ فَأَثَـٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُوا۟ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ ٨٥ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ ٨٦

قوله - عز وجل -: ﴿ لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ﴾ .

قال بعضهم: لعنوا بكل لسان؛ لعنوا على عهد موسى -  - في التوراة، وعلى عهد داود في الزبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل، وعلى عهد [رسولنا] محمد  في القرآن؛ وهو قول ابن عباس،  .

وقيل: مسخوا بدعائهم بما اعتدوا، فصاروا قردة وخنازير.

قال ابن عباس -  -: "القردة والخنازير من نسل الذين مسخوا".

وقال الحسن: "انقطع ذلك النسل".

وأصل اللعن: هو الطرد؛ كأنهم طردوا عن رحمة الله.

ويحتمل تخصيص اللعن على لسان داود؛ لأن داود -  - كان به غلظة وخشونة، وهو الذي كان اتخذ الأسلحة وآلات الحرب، وعيسى كان به لين ورفق؛ ليعلم أن اللعن الذي كان منهما كان لتعديهم الحدود - حدود الله - وعصيانهم ربهم، وكانوا مستوجبين لذلك محقين؛ ولذلك استجيب دعاؤهم عليهم باللعن [أعني: دعاء الرسل، عليهم السلام].

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ .

ذكر في بعض القصة عن عبد الله بن مسعود -  - قال: قال رسول الله  : "لمَّا وَقَعَتْ بَنُوا إِسْرَائِيلَ في المَعَاصِي نَهَاهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ في مَجَالِسِهِمْ وَآكَلُوهُم وَشَارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ اللهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؛ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ" قال: فجلس رسول الله  وكان متكئاً فقال: "لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْطُرُوهُمْ [عَلَى الحقِّ] أطْراً" قال أبو عبيد: يعني تعطفوهم عطفا، وقال غيره: حتى تكسروهم كسرا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

قيل: قوله: ﴿ تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ ﴾ يعني: المنافقين، ﴿ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ يعني: اليهود يتولون الذين كفروا ويعاندون رسول الله وأصحابه.

وقيل: ﴿ تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ ﴾ : يعني: من اليهود: ﴿ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ من مشركي العرب وغيرهم، كانوا يظاهرون على رسول الله  والمؤمنين، ويعاونون عليهم، وقد كان من الفريقين جميعاً ذلك.

ويحتمل وجهاً آخر: قوله: ﴿ تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ ﴾ من هؤلاء الذين شهد لهم رسول الله  يتولون الذين كفروا، يعني: أسلافهم ورؤساءهم؛ كقوله: ﴿ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً...

﴾ الآية [المائدة: 77]، تولى هؤلاء أولئك واتبعوا أهواءهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ : أي: ما قدمت أنفسهم سخط الله عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ ﴾ .

يعني: المنافقين، في أحد التأويلين.

وفي تأويل آخر: اليهود، أي: لو صدق هؤلاء رسول الله  وآمنوا به وصدقوا ما أنزل إليه من القرآن - ما اتخذوا أولئك أولياء.

ثم يحتمل قوله -  -: ﴿ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ في الدين أو في النصر والمعونة والنصرة، ﴿ وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ ﴾ تحتمل الآية وجوهاً: تحتمل: أن يكون ما ذكر من شدة عداوة اليهود للذين آمنوا قوماً مخصوصين منهم., وتحتمل: اليهود الذين كانوا بقرب رسول الله  وأصحابه هم أشد عداوة لهم.

وتحتمل: اليهود جملة، فهو - والله أعلم - على ما كان منهم من قتل الأنبياء وتكذيبهم إياهم، ونصب القتال والحرب مع رسول الله  والمؤمنين، وما كان منهم من قول الوخش في الله -  - ما لم يسبقهم أحد بمثل ذلك ما وصفوا الله - عز وجل - بالبخل والفقر، وهو قوله -  -: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ  ﴾ وقالوا: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ  ﴾ ، وغير ذلك من القول؛ وذلك لشدة بغضهم وعداوتهم وقساوة قلوبهم؛ فعلى ذلك كل من دعاهم إلى دين الله  ، فهم له أشد عداوة، وأقسى قلباً.

وأمَّا النصارى: فلم يكن منهم واحد مما كان من اليهود: من قتل الأنبياء، ونصب الحروب والقتال معهم، ولم يروا في مذهبهم القتال ولا الحرب، ولا كان منهم من القول الوخش ما كان من اليهود، بل كان فيهم اللين والرفق؛ حتى حملهم ذلك على القول في عيسى ما قالوا، وذلك منهم له تعظيم فوق القدر الذي جعل الله له، حتى رفعوه من قدر العبودية إلى قدر الربوبية؛ لذلك كفروا، وإلا كانوا يؤمنون بالكتب والأنبياء - عليهم السلام - من قبل؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً ﴾ أخبر - عز وجل - أن منهم قسيسين ورهباناً، والرهبان: هم العباد.

وقيل: القسيسون: [هم] الصديقون، ولم يكن من اليهود رهبان ولا قسيسين؛ لذلك كان النصارى أقرب مودة وألين قلباً من اليهود، والله أعلم.

فإن كان ذلك في قوم مخصوصين مشار إليهم، وهو ما ذكر في القصة أن بني قريظة وبني النضير كانوا يعاونون ويظاهرون مشركي العرب على قتال رسول الله  ويأمرونهم بذلك، ظاهروا وأعانوا لمن لم يؤمن بنبي ولا كتاب قط على من قد آمن بالأنبياء والكتب جميعاً؛ وذلك لسفههم وشدة تعنتهم؛ حتى قاتلهم رسول الله  وأجلاهم من بلادهم إلى أرض الشام.

وإن كان ذلك عن قوم بقرب رسول الله  والمؤمنين، وهو ما كان من يهود المدينة؛ حيث بايعوا أهل مكة على قتال رسول الله  وكانوا عيوناً لهم عليهم وطلائع، ولم يذكر في قصة من القصص أنه كان من النصارى شيء من ذلك، كان أقرب مودة للمؤمنين، والله أعلم.

وما قال بعضه أهل التأويل بأن من أسلم منهم كان أقرب مودة للمؤمنين من اليهود فحاصل هذا الكلام أن المؤمن أقرب مودة للمؤمنين من الكافر، وذلك كلام لا يفيد معنى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ ﴾ .

سرورا على أنفسهم مما ظفروا مما كانوا يسمعون من نعته  وصفته ويطمعون خروجه، وقد يعمل السرور هذا العمل إذا اشتد به وفرح القلب فاضت عيناه سروراً.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ ﴾ ؛ حزناً على قومهم؛ حيث لم يؤمنوا بعد أن بلغهم ما بلغ هؤلاء من أعلام النبوة وآثار الرسالة؛ إشفاقاً عليهم أن كيف لم يؤمنوا؛ كقوله -  -: ﴿ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ  ﴾ : قد فاضت أعينهم حزناً ألا يجدوا ما ينفقون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا ﴾ بما أنزلت واتبعنا الرسول ﴿ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ ﴾ \[الآية\]: قيل: مع الأنبياء والرسل.

وقيل: مع أصحاب محمد  ، وهو واحد.

ثم ذكر في القصة: أنها نزلت في النجاشي وأصحابه.

وقيل: نزلت في أربعين رجلا من مسلمي أهل الإنجيل: بعضهم قدموا من أرض الحبشة، وبعضهم قدموا من أرض الشام، فسمعوا القرآن من النبي  فقالوا: ما أشبه هذا [بالذي] نُحَدَّثُ من حديث عيسى!!

فبكوا وصدقوا؛ فنزلت الآية فيهم، فلا ندري كيف كانت القصة؟

وفيمن نزلت؟

إذ ليس في الآية بيانه، وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى ما فيه من شدة رغبتهم في القرآن، وسرورهم على ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ .

[الحق] يحتمل: الرسول  ، ويحتمل: القرآن، ويحتمل: كليهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .

قال الحسن: قوله -  -: ﴿ وَنَطْمَعُ ﴾ : أي: نعلم أن يدخلنا ربنا الجنة إذا آمنا بالله وما جاءنا من الحق.

قيل: نطمع: هو الطمع والرجاء، أي: نطمع ونرجو أن يدخلنا ربنا في دين قوم صالحين.

و ﴿ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : يحتمل: ما ذكرنا من الأنبياء والرسل.

ويحتمل: أصحاب محمد  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ ﴾ : الثناء الحسن في الدنيا؛ حيث ذكرهم في القرآن؛ فيذكرون إلى يوم القيامة، ويثني عليهم، وفي الآخرة: الجنة ونعيمها.

﴿ وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

المحسن: كأنه هو الذي يتقي المعاصي، ويأتي بالخيرات والحسنات جميعاً، يعمل عملين جميعاً.

والتقي: هو الذي يتقي المعاصي والمكاره خاصة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ ﴾ : قال بعضهم: "الجحيم": هو اسم معظم النار.

وقال غيرهم: هو اسم درك من دركات النار؛ وكذلك "السعير".

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ٨٧ وَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلًۭا طَيِّبًۭا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤْمِنُونَ ٨٨

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ .

[الآية ترد على المتقشفة؛ لأنه نهانا ألا نأكل طيبات ما أحل الله لنا] وهم يحرمون ذلك، وقال الله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ  ﴾ ، ثم لا فرق بين تحريم ما أحل الله لنا من الطيبات، وتحليل ما حرم الله علينا من الخبائث، ثم يلزمهم أن يحرموا على أنفسهم التناول من الخبز والماء، وهما من أطيب الطيبات؛ ألا ترى أن المرء قد يمل ويسأم من غيرهما من الطيبات إذا كثر ذلك، ولا يمل ألبتة من الخبز والماء؛ دل أنهما من أطيب الطيبات، إلا أن يمتنعوا من التناول من غيرهما؛ إيثاراً منهم غيرهم على أنفسهم؛ لما يلحق القوم من المئونة في غيرهما من الطيبات ولا يلحق في الخبز والماء؛ لأنهما موجودان، يجدهما كل أحد ولا يجد غيرهما من الطيبات، إلا من تحمل مؤنة عظيمة، فإن كان تركهم التناول منها لهذا الوجه، فإنه لا بأس.

وبعد: فإن الله -  - جعل الأطعمة والأشربة والفواكة للبشر في الوقت والحال التي تطيب أنفسهم بها وتلذ؛ لأنه لم يحل لهم في أول خروجها من الأرض والنخيل، إنما أحل لهم بعد نضجها وينعها واتخاذها خبزاً، وبلوغها في الطيب نهايته، وجعل للبهائم ذلك في أول ما يخرج، فإذا كان البشر خصوا بذلك لم يجب أن يحرم ذلك، ويبطل ذلك التخصيص والتفضيل، والله أعلم.

فإن قيل: إنما لم يتناول منها لما يعجز عن شكر الله؛ لذلك يقتصر على ما يُقيم الرمقَ منه.

قيل له: فيجب ألا يتزوج من النساء إلا أدونهن جمالا وأكبرهن سنّاً؛ لأنها تصونه عن الفجور، فإن لم يكن في تزويج العجائز والقبائح وترك الشبان الحسان زهادة، فليس في أكل خبز الشعير وترك المحور والميدة زهادة، ولكن لما خاف أن يدخله الرغبة في طيب الطعام في شبهة مكسبه، فواجب عليه ألا يدخل في ذلك المكسب، وينزه نفسه عنه، ويقتصر على القوت الذي لا بد له منه.

وقيل: الآية نزلت في أصحاب رسول الله  منهم: عمر وعلي وابن مسعود وعثمان ابن مظعون والمقداد وسالم، رضوان الله عليهم أجمعين.

وهولاء حرموا على أنفسهم الطعام والنساء، وهموا أن يقطعوا مذاكيرهم، وأن يلبسوا المسوح ويدخلوا الصوامع؛ فيترهبوا فيها، فبلغ ذلك النبي  فأتى منزل عثمان فلم يجدهم فقال النبي  لامرأة عثمان: "أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْ عُثْمَانَ وَأَصْحَابِهِ؟

قالت: ما هو يا رسول الله؟

فأخبرها النبي  بالذي بلغه، فكرهت أن تكذب النبي  أو تبدي على زوجها؛ فقالت: إن كان عثمان أخبرك فقد صدقك، فقال النبي  : قُولي لِزَوْجِكِ إِذَا جَاءَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَسْتَنَّ بِسُنَّتِنَا وَيَأْكُلْ ذَبِيحَتَنَا" ، فلما رجع عثمان وأصحابه أخبرته امرأته بقول النبي  ؛ فقال عثمان: والله لقد بلغ النبي أَمْرُنا فما أعجبه؛ فذروا الذي كره؛ فأنزل الله: ﴿ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ...

﴾ الآية، فلا ندري كيف كانت القصة؟

ولكن فيه بيان ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً ﴾ : يحتمل أن يكون الحلال هو الطيب، والطيب هو الحلال؛ سماهم باسمين وهما واحد.

ويحتمل: أن يكون قوله: ﴿ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً ﴾ : بالشريعة والدين، [والله أعلم].

﴿ طَيِّباً ﴾ : بالطبيعة؛ لأن الحل والحرمة معرفتهما بالشريعة، والطيب ما تستطيب به الطبائع.

وفي الآية [دليل] أنه قد يرزق ما هو خبيث ليس بطيب؛ لأنه لو لم يرزق لم يكن لشرط الحلال والطيب معنى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ .

في الآية دلالة أن الخطاب للمؤمنين؛ لأنه قال: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ ولم يقل: "إن كنتم مؤمنين" ونحو هذا، قد سماهم مؤمنين مطلقاً؛ دل أنه يجوز أن يسمى.

﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ولا تحرموا ما أحل الله لكم، ﴿ ٱلَّذِيۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ أنه لا يحل ولا يحرم إلا هو، وليس إلى من دونه تحليل وتحريم.

<div class="verse-tafsir"

لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَـٰنَ ۖ فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍۢ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَٱحْفَظُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٨٩

مسألة: اختلف الناس في تأويل أحرف ذكرت في قوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ...

﴾ إلى قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ مما للناس حاجة إلى معرفة حقيقة ما في كل حرف منها: أنه لم يزل يتنازع أهل الفقه في أحكامه، مما يعلم أن حق البيان في الخطاب لا يبلغ ما يقطع موضع التنازع فيه، ولا بحيث يبلغ حقيقته كل سامع، وأن في شرط المحن بالأسباب التي يمتحن بها لزوم الفكر فيها، والبحث عنها، والسؤال عنها الذين خصوا بفهمها بسؤالهم من ولي الإبانة عنها، أو مقابلتهم بما سبق لهم العلم بها في معرفة ذلك بيان ما خفي من معنى الذي قرع سمعه، أو بغير ذلك مما فيه دليل ذلك؛ إذ لا تجوز المحنة بالذي لا يحتمل الوسع الوصول إليه، ولا في جملة ما به امتحن إيضاح ذلك لما يوجب الأمر بفعل ما هو عنه ممنوع، وذلك بعيد، بل يكون البيان السمعي على قدر البيان العقلي أن من المعارف ما يكون بالحواس، ومنها ما بها يوصل إليها: إما بالتعليم، أو بالاستدلال، فمثله حق السمعي، والله أعلم.

من ذلك: قوله -  -: ﴿ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ ﴾ أنه - عز وجل - ذكر يميناً لا يؤاخذ فيها في موضعين من غير أن ذكر أنها أي يمين هي؟

ولا بأي شيء لا يؤاخذ فيها والحاجة لازمة؛ إذ لك في موضع الامتنان منه - جل وعلا - في العفو عن أمر كان له المؤاخذة، وحق على السامع معرفة مِنَّة الله  ؛ ليشكره عليها.

ثم معلوم أن اليمين لو كانت بالطلاق والعتاق، كان صاحب ذلك يؤاخذ بهما؛ بما روي عن نبي الله  : "إِنَّ ثلاثاً جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَّلاقُ، وَالعِتَاقُ، وَالنِّكَاحُ" ، واللاغي لا يعدو أمرين مع ما كانا يلزمان بلا شرط يصير به الموقع حالفا، وأعظم ما في رفع المؤاخذة في اليمين أن يرفع عنه اليمين وهما يجبان دونهما، فيقعان من غير أن كان في الآية ذكر التفضيل، ولكن يجب معرفة حقيقة ذلك بالذي بَيَّنَّا من الخبر والنظر، مع ما لا يعرف في ذلك خلافاً، وهذا يوضح أن العفو فيما كانت الأيمان بالله  ؛ فعلى ذلك ما نسق على ما لا يؤاخذ من المؤاخذة، وذلك يمنع من احتج بإيجاب الكفارة على الحالف بالقرب من حيث كان ذلك منه يميناً، والله أوجب في اليمين كفارة، وإنما ذلك في اليمين لا في اليمين بالقرب، ثم كانت اليمين بالقرب لو كانت على مخرج اليمين بالله لم يجب فيها شيء؛ نحو أن يقول: "بالعتق لا أفعل كذا..." أو: "بالصلاة..." أو "بالصيام..."، ولو قال: "بالله..." يجب؛ ثبت أن وجوب ذلك وصيرورته يميناً كان بحق النذور، وقد أمر الله ورسوله في النذور بالوفاء؛ فكذلك اليمين بها، ومما يبين ذلك أنه لو قال: "إن فعل كذا فعليه قتل فلان، أو إتلاف ماله"، أنه لا يلزمه شيء؛ ثبت أن ما لزم - لزم بحق لزوم ذلك في النذور، وحق ذلك الوفاء لا غير، مع ما جاء الخبر بالأمر بالحلف بالله، والنهي عن الحلف بغيره والنذور أبداً تكون بغيره؛ ثبت أن وجوب ذلك بحق النذر؛ فلذلك يجب الوفاء به، والله أعلم.

ثم الأصل في ذلك أن الحلف بغير الله يكون على قسمين: قسم: ألا يجب فيه شيء.

وقسم: أنه لو وجب لوجب المسمى، نحو: الطلاق، والعتاق فيما يجب، فلما كان في الحلف بالقرب في الذمة وهو حلف بغير الله -  - يجب به شيء يجب أن يكون الواجب في ذلك ما أوجب، والله أعلم.

ثم اختلف في معنى اللغو: فقال قوم: هو الإثم؛ كقوله -  -: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً  ﴾ .

ثم اختلف من قال بهذا على قولين: أحدهما: أنه لا يؤاخذ بالإثم في أيمانكم التي لم تعتقدوها، لكنها جرت على اللسان، وبمثل ذلك روي عن عائشة -  ا - أنها قالت: هو قول الرجل: "لا والله ما كان كذا"؛ وبه قال أبو بكر الكيساني في تفسيره، وأيد ذلك قوله: ﴿ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ  ﴾ ؛ دل أن الأول بما يجري على اللسان دون ما يقصده قلبه، والله أعلم.

والثاني: ألا يؤاخذ بترك المحافظة فيما كان في المحافظة مأثم؛ دليله: صلة ذلك قوله -  -: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ...

 ﴾ الآية؛ فكأنهم تحرجوا عن ترك المحافظة فيما سبقت منهم الأيمان قبل النهي بقوله -  -: ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا  ﴾ ؛ فنزل قوله: ﴿ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ ﴾ في بعض أيمانكم إذا كان حفظها مأثماً، وذلك نحو ما روي عن رسول الله  أنه قال: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيرَهَا خَيراً مِنْهَا، فَلْيَأتِ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ [عَنْ] يَمِينِهِ" وعلى ذلك قوله: ﴿ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ ﴾ .

ولا يحتمل أن يؤخذ بالعقد وهو به معظِّم ربه، ولكن لمحافظة ما عقدتم الأيمان إذا كانت المحافظة إثماً، وفيما لم يكن فهو في قوله: ﴿ وَٱحْفَظُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ ﴾ ، والله أعلم.

وإلى هذا يذهب سعيد بن جبير في تأويل الآية.

وقال قائلون: إنه هو الشيء الذي لا حقيقة له نحو اللعب، وعلى ذلك ﴿ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ  ﴾ أنهم لم يقصدوا تحقيق أمر يظهرونه، ولكن قصدوا التلبيس بما ينطق به ما كان؛ وكذا قيل: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً  ﴾ باطلا، بل كل ما يسمع فيها هو حق وحكمة.

ثم رجع تأويله إلى وجهين: أحدهما: فيما يجري على اللسان من غير عقد القلب على ما مرَّ به تفسيره.

والثاني: أن يكون الحلف بما لا حقيقة له على ظن أن حقيقة ما حلف عليه الحالف كما حلف؛ وكذلك روي عن ابن عباس والحسن -  ما - في تأويل الآية.

ثم لو كانت الآية على التأويل الأول لكانت في رفع المأثم خاصة، وهو التأويل الذي ذكره سعيد بن جبير،  .

وأما الكفارة: فهي لازمة على ما ذكر في الخبر المرفوع في ذلك، وبما هي واجبة للحنث في اليمين ولترك الوفاء بالعهد، والمعنى في الأمرين موجود؛ لذلك لزمت الكفارة في الوجهين جميعاً، مع ما لا بد من الإلزام فيما أخطأ أو تعمد من حيث لم يكن استثناء حالا منهما صاحبه، وذلك يبين أن ذلك للحلف في عقد اليمين، أو لما يخرج الفعل مخرج الاستحقاق إذا قوبل فعله بعقد، وإن كان المسلم قد عصم عن ذلك الوجه، فأمر بتكفير ذلك، وذلك المعنى موجود في الوجهين؛ لذلك لزمت الكفارة في الأمرين، والله أعلم.

ولو كانت على التأويل الثاني أو على أحد وجهي التأويل، لأمكن ألا يؤاخذ بالمأثم ولا بالكفارة جميعاً، والذي يبين أن هذا التأويل أنه ذكر المؤاخذة في الآيتين.

فأحدهما: بكسب القلوب وكسبها تعمدها، والمؤاخذة به تكون بالمأثم لا بالحقوق والكفارات، ؛ إذ لا يؤاخذ في شيء بكسب القلب خاصة كفارة أو حقّاً يوجب، وإن كان قد يؤخذ لذلك عند أفعال الجوارح، فأما له خاصة فلا، وقد يكون به الطاعة والمعصية؛ وعلى ذلك قوله: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ  ﴾ .

وإذا ثبت أن ذلك في المآثم فلا يؤاخذ، ثم لا مأثم فيما ذكر من عقد اليمين في العقد؛ إذ هو يخرج مخرج التعظيم لله، وقد رويت عقود الأيمان عن الرسل؛ فثبت أن المؤاخذة فيها بالكفارة؛ فلا يؤاخذ بها في اللغو أيضاً، وأيَّد ذلك أن الله  ذكر ما لا يؤاخذ مرتين، وذكر المؤاخذة كذلك، فلو كانت المؤاخذة بواحد لكان الذكر الواحد كافياً؛ فثبت أنه بأمرين مختلفين؛ فعلى ذلك أمر العفو، والله أعلم.

مع ما أنه قد تبين في آية المعاقدة كيفية المؤاخذة ولم يبين في كسب القلب؛ فيجب أن يكون العفو عما جرى به بيان المؤاخذة أحق منه مما لم يَجْرِ به؛ فثبت أنه في رفع المؤاخذة بالكفارة، ولو كان على ما يقوله سعيد لكانت تجب الكفارة بما سلف بيانه؛ لذلك قلنا: [إن هذا] أحق بالآية، والله أعلم.

ثم إذا ثبت أن اللغو مما لا يجب فيه الكفارة، يحتمل أن يكون لم يجب من حيث لم يعص الله به، ويحتمل أن يكون لم يجب؛ لأن يمينه كانت على ما كان الحنث به معه أو قبله؛ فيمنع صحة اليمين وإن أطلق لها الاسم؛ إذ كانت الأسماء مطلقة لما فسد من العقود وصحت، وإنما تختلف لها الأحكام والمقاصد منها، فإن كان لما لم يعص الله فيجب أن يكون في كل حنث يؤمر به لا يجب به الكفارة، فإذا جرت السنة بإيجابها على الأمر بالحنث، وقد يجب - أيضاً - فيما كان فعل الحنث على حال خطأ أو نوم أو جنون، أو فعل غير الحالف فيم الحنث به على تعمد أن يأثم بغيره؛ إذ قال الله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ  ﴾ - ثبت أنها تجب لا لأنه لم يعص الله، ولكن للوجه الذي ذكرت، والله أعلم.

ثم كان ذلك المعنى قائماً في اليمين الذي تعمد عليه الكذب، وهو ما قيل: اليمين الغموس يجب ألا يلزمه كفارة اليمين، إنما يلزمه كفارة فعل الجرأة والمخالفة لله، والله أعلم.

وأيد هذا الأصل وجهان: أحدهما: استواء الأمرين في اليمين المعقودة على الحانث فيما عصى من الحنث فيها أو أطاع أن يستويا في اليمين على الماضي في الوجهين جميعاً، فإذا لم تجب الكفارة في أحد الوجهين لم تجب في الآخر، والله أعلم.

والثاني: ما روي عن نبي الرحمة  في شأن اللعان بعد الفراغ منه: "إِنَّ أَحَدَكُمَا لَكَاذِبٌ، هَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟" ومعلوم أن حاجتهما لو كانت تجب فيه الكفارة إلى البيان عنها أكثر من حاجتهما إلى بيان كذب أحدهما ثم لزوم التوبة؛ إذ ذلك يعرفه كل سفيه وحكيم بلا سمع، والكفارة لا تعرف إلا بالسمع، ثبت أنها غير واجبة؛ وكذا الأخبار التي رويت في الخصمين: أنه قضى لأحدهما حتى ذكر فيه الوعيد الشديد، ثم أمرهما بالتساهم بينهما وأن يحلل كل واحد منهما الآخر، فلا يحتمل أن يكون فيه كفارة ولا يمين؛ وكذلك علم في الموضع الذي أمر بالحنث؛ إذ قد يشتبه على بعض من ليس له روية، وقد قال إسحاق: أجمع المسلمون على ألا يجب فيه الكفارة، فقول من يوجبها ابتداء شرع، ونصب حكم لله  على الخلق، وهو لم يشرك في حكمه أحدا.

ثم الأصل في ذلك أن الأسباب التي ترفع العقود وتوجب الحرمات إذا تأخرت العقود وأسباب الحل فهي على اختلافها متفقة على منع ابتدائها إذا قارنتها؛ فعلى ذلك أمر سبب الحنث؛ فلذلك بطلت اليمين والكفارة، وهي كفارة اليمين فلا يجب فيما لا يمين يجب فيها، وليس ذلك كالقول بمس السماء ونحو ذلك؛ لأن اليمين في هذا على ما يكون، فسبب الحنث لم يقترن بها فصحت؛ لذلك اختلف الأمران، وهذه المسألة توضح حال رجلين: الشافعي في قوله: إن الكفارة تجب للحنث وهاهنا لا حنث؛ لما لم يصح العقد؛ ليحنث فيه، ويكون الحنث - أيضاً - بعد العقد، ولم يكن مع ما كان النص بالكفارة في اليمين المعقودة التي أمر فيها بالحفظ، ومحال الأمر بالحفظ في هذه اليمين، وإنما يجب الحفظ عنها أن يحلف به، والله أعلم.

وحال أبي عبيد حيث يوجب الكفارة بعقد اليمين، وعنده اليمين الغموس يمين لا يجب فيها الكفارة، فهذا يوضح أن الكفارة تجب للذي يرد في اليمين لا لنفسها، والله أعلم.

ثم احتج قوم بوجوب الكفارة بعقد اليمين بقوله: ﴿ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ ﴾ ثم قال: ﴿ فَكَفَّارَتُهُ ﴾ - أي: عندهم - كفارة ما عقد من الأيمان بما فيها الإضافة، ولم يسبق غير ذلك العقد يضاف إليه؛ وكقوله: ﴿ ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ ﴾ أضيف إلى اليمين؛ وعلى ذلك تسمية المؤمنين كفارة اليمين مع ما فيه وجهان من المعتبر: أحدهما: ما روي عن رسول الله  لما رأى بحمزة الطعنة أقسم لَيُمَثِّلَنَّ بكذا من قريش؛ فنزل النهي عن الوفاء بذلك؛ فكفر عن يمينه.

ومعلوم أنه لا يحنث في يمينه إلا في الوقت الذي لا يحتمل برّ مسألة في حياته ثبت أنها كانت لليمين؛ وكذا ما جاء: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ..." إلى أن قال: "وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ" إنما أمر بتكفير يمينه، والله أعلم.

والثاني: ذكر أبو عبيد أن الله إذ نهى عن الوعد إلا بالثنيا بقوله: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً  إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ ، فذلك النهي في اليمين أوكد وأشد، فمن حلف بلا ثنيا عصى الله؛ فيلزمه الكفارة.

والأصل عندنا: أن الكفارة تجب للحنث في اليمين؛ إذ هي كفارة، والكفارات إنما تكون للسيئات؛ كقوله -  -: ﴿ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ  ﴾ وغير ذلك من الآيات.

ومن البعيد في العقل طلب تكفير الحسنات، بل الحسنات تكفر السيئات، والحنث في التحقيق اسم المأثم.

ثم معنى الذنب فيه؛ لأنه كان عاهد الله ألاَّ يفعل كذا، ففعله يخرج مخرج نقض العهد فيه؛ فيأثم لا بالعهد؛ ولذلك قال الله -  -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا  ﴾ .

وفي الجملة أمر الله أن يوفوا بعهده لا أن ينقضوا، وقد جعلت اليمين عهده وأمرنا بوفائه، فنقضه يوجب الخلف في وعده والنقض لعهده؛ فيأثم الحالف لا بالحلف؛ فلذا تجب الكفارة، ولو كان لليمين كفارة لكان الحنث أحق أن يوجب الكفارة.

ثم لا يجوز أن يكون من حلف أن يطيع الله يكون به عاصياً؛ ثبت أن الكفارة لو كانت تجب بيمين على المعصية لتصير تلك معصية فيجب ثم حق كفارة مثلها الحنث فيها.

وعلى ذلك روى أبو هريرة -  -: أنّ "مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ فَرَأَى غَيْرَهُ خَيْراً مِنْهَا، فَإِنَّمَا كَفَّارَتُهُ أَنْ يَأْتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" ؛ فكذلك تكون كفارة اليمين لو احتملت [أن يرجع عن الوفاء بها.

وأما كفارة ما لا وجه لدفعه: تكون بالتوبة والحسنة تكفر، لا بالرجوع؛ وعلى] ذلك جميع أنواع الكفارات أن ما احتمل دفع الحقيقة والرجوع عنه جعلت كفارته بالتوبة عنه، ونقض ما قد فعل، وما لا يحتمل فلا فيعتبر ذلك، فلو كان لليمين كفارة لكانت توبة وفسخاً لا غير، فإذا أوجب الله غير الرجوع ثبت أن ذلك للحنث، والله أعلم.

ثم الدليل على أنه لا يحتمل إيجاب الكفارة بعقد اليمين أوجه: أحدها: أن العقد يخرج مخرج التعظيم لله والتبجيل، وجعله مفرعا إليه ومأمنا للخلق عنه؛ فلذلك جعلت الأيمان لدفع التهم وتحقيق الأمر للخلق عن الحالفين، وأيد ذلك أوجه: أحدها: ما روي عن نبي الله  أنه قال: "إِذَا حَلَفْتُمْ فَاحْلِفُوا بِالله" ، وقال: "لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلاَ بِالطَّواغِيتِ" فحذر الحلف بغيره بما فيه تعظيم ذلك ورفعه عن قدره، وألزم ألا يجعلوا لأحد ذلك القدر إلا لله  .

والثاني: قوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا  ﴾ ، ولا يجوز أن ينهى عن الرجوع عن المعصية ويأمره بالوفاء بها.

والثالث: الأمر الظاهر عن نبي الرحمة لحلفه وقسمه في غير موضع، وما ذكر في قصة يعقوب وأولاده، وأمر إبراهيم -  - في شأن الأصنام، وأمر أيوب -  - لم يجز أن يكونوا عصاة بفعلهم، وذلك ينبىء عن جرأة من زعم أن الحالف عاص بما ترك الثنيا، ومن ذكرنا من الأنبياء - عليهم السلام - قد تركوا الثنيا، وليس ذلك كالوعد؛ لأنه إلى نفسه يضيف الفعل وهو يفعله، تحت مشيئة الله -  - وفي اليمين بالله يستغيث وإليه يرجع، فلذلك اختلف الأمران، والله أعلم.

والدليل على أنها لم تجب باليمين قول رسول الله  : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَلْيَأْتِ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيَكَفِّرْ يَمِينَهُ" ، أو قال: "فَلْيَكَفِّرْ يمِينَهُ، وَلْيَأتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" ولو كانت الكفارة واجبة باليمين، لكان لا وجه للأمر بالذي يأتي وهي واجبة، ويقول: من حلف على يمين فليكفر يمينه، فإذا لم يقل، ولكن قال فيما كان ثم حنث؛ ثبت أنها له تجب، والله أعلم.

ووجه آخر: اتفاق القول: إنه إذا كان مع اليمين بِرٌّ فلا كفارة عليه، وإذا كان معها حنث تجب، فلو كانت تجب لليمين لكانت هي عند الوفاء أوجب، فالكفارة فيه تكون أوجب، فإذا لم تكن عليه إذا بر ثبت أنها بالحنث وجبت، والله أعلم.

وأيضاً ما أجمع أن من حلف ألا يقرب امرأته بشيء، لا يلزمه لو حنث به لم يلزم فيه حكم الإيلاء، فلو كانت الكفارة تجب باليمين، لكان الحالف به عند الفراغ عن يمينه صار بحيث لا يلزمه من بعد شيء؛ فيجب أن يسقط حق الإيلاء، فإذا بقى عليه حكمه جاء بذلك الكتاب وجرت به السنة؛ ثبت أن القول بوجوبها قول مهجور، والله أعلم.

ثم إذا ثبت هذا رجع تأويل الآية إلى وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم ﴾ بمحافظة ما عقدتم من الأيمان؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا  ﴾ ، فإن تركتم ذلك فكفارته كذا.

والثاني: أن يكون على إضمار حيث يؤاخذكم بحنثكم فيما عقدتم، وذلك غير مدفوع في حق الكفارات؛ كقوله -  -: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ...

﴾ الآية [البقرة: 196]، وقوله -  -: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ ﴾ الآية [البقرة: 196]، لا على الوجوب للعذر، ولكن باستعمال الرخصة فيه؛ إذ لا يكون العذر سبب الإيجاب، فمثله في الأول لا يكون تعظيم الرب سبب إيجاب الكفارة؛ فيصير الحنث فيه مضمراً، والله أعلم.

والإضافة إلى الأيمان على إرادة الحنث فيها؛ كإضافة كفارة الفطر إلى الصيام، والدم إلى الحج، والسجود إلى السهو، وإن كانت الكفارات ليست لما أضيفت إليه؛ أيد ذلك ما ذكرت، والله أعلم.

وتكفير رسول الله  [يمينه]؛ لأنه قد عصم عن المعصية، وفي الوفاء بذلك معصية؛ إذ نهي عنه، ويمينه كانت قبل النهي، فصار آيساً عن البر بذلك، وبذلك يكون الحنث لا بعدم إمكان الوفاء، لكن غيره؛ إذ لا يؤمن منه العصيان، فذلك وقت إياسه عنه، ورسول الله  إذ قد عصم عن ذلك فوقت إياسه وقت النهي، ولا قوة إلا بالله.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ﴾ : في متعارف اللغة على التقريب؛ ليأكلوا، لا على التمليك؛ وكذلك الأمر المتعارف بين الخلق فيما ينسب بعضهم إلى بعض الإطعام، وأيد ذلك قوله: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ ، ولا يعرف التمليك في إطعام الأهل، ولا خطر ببال أحد ذلك، وقد عرفهم الله -  - ما فرض عليهم بالذي كان علمه عند كل أحد معلوماً؛ إذ قَلَّ إنسان يخلو من أن يكون أهلا لأحد، أو له أهل؛ فلا يحتمل أن يُظَنَّ بأحد الجهل به حتى يسأل؛ فيكون ذلك إلزام الفرض مع رفع وهم الجهل به عن العقل، ثم لا نعرف بها، والله أعلم.

والذي يوضح هذا من طريق العبرة أنه ذكر في ذلك إطعام عشرة مساكين، والمسكنة: هي الحاجة، وحاجة المسكين إلى الطعام معلوم أنها تكون إلى أكله دون ملكه، وجهات حاجات الأملاك مما يعم المساكين وغيرهم، مع ما قَدَّر ذلك بالكفاية والشبع؛ وحق ذلك في التقريب للتطعم لا في التمليك عليه، ولكن يجوز التمليك بما به التمكين لذلك؛ فيجب بذلك الجواز بكل ما فيه تمكين ذلك بهما أو ما كان، إذ جواز التمليك بحق التمكين لا بحق النظر، مع ما كان في تمليك الثمن الوصول إلى ما يختار هو على الوجه الذي يختار الاغتذاء، فإن ذلك أقرب إلى قضاء حاجته، ولو كان الأمر على تمليك المأكول خاصة، لكان الدعاء والتقريب إليهم للملك أحق أن يجوز لوجهين: أحدهما: أنه أقرب إلى دفع الجوع وسد المسكنة من تمليك بر لا يصل إليه إلا بعد تحمل المؤنة وطول المدة.

والثاني: أن الكفارة جعلت بما ينفر عنه الطبع؛ ليذيقه ألم الإخراج من الملك والبذل، فيكفر ما أعطى نفسه من الشهوة التي لم يؤذن له فيها؛ وكذلك معنى الحسنات المكفرة للسيئات، ثم كان دعاء المساكين وجمعهم على الطعام، وخدمتهم والقيام بما فيه الاختيار إليهم - أشد على الطبع من التصدق عليهم؛ فيجيء أن يكون أقرب للتكفير به؛ وعلى ذلك يجوز بذل الثمن لما فيه تحمل المكروه على الطبع كهو في الإطعام، فيجوز مع ما إذا جعل ذلك حقّاً للمساكين يخرج من عليه بالتسليم إليهم عن طوع منهم، ويجوز مثله من التبادل في جميع الحقوق، فمثله عن الكفارات، والله أعلم.

على أن الله -  - قال: ﴿ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ  ﴾ ويجوز فيه غير ذلك النوع؛ وكذلك في كل الصدقات، والله أعلم.

ثم جعل ذلك أكلتين لوجهين: أحدهما: القول بإطعام المساكين، ثم أريد به دفع المسكنة، والمسكين: هو الخاضع؛ فأحق من يستحق اسمه السائل؛ لأنه يخضع للمسئول بالسؤال.

وقد روي عن نبي الله  أنه قال في يوم الفطر: "أغْنُوهُم عَنِ المَسْأَلَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ" ، ثم كان أقل ما أجيز فيه نصف صاع من حنطة؛ فعلى ذلك صدقة المسكين، ومثل ذلك إذا أطعم يكفي مرتين؛ وكذلك روي عن رسول الله  في كفارة المتأذي ثلاثة آصع بين ستة مساكين، فمثل مقدار طعام المسكين فيما أريد الإطعام القدر ذلك، فمثله ما نحن فيه، وذلك يعدل أكلتين، وبه قال عمر وعلي -  ما -.

والثاني: أنه - عز وجل - قال: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ والأوسط: فيما له حدود ثلاثة، يرجع ذلك إلى أوجه ثلاثة: أحدها: إلى الأوسط من صفات المأكول.

والثاني: إلى الأوسط من مقدار الأكل.

والثالث: إلى الوسط من أحوال الأكل.

فالأول: نحو الأجود والأردأ وبين ذلك.

والثاني: نحو السرف والقتر وبين ذلك.

والثالث: نحو مرة وثلاث مرات في يوم واحد وبين ذلك.

فإذا لم يثبت في خبر ما إليه رجع المراد، فحق الاحتياطات أن يكون الوسط من الكل؛ فيخرج بما فرض عليه؛ فلذلك وجبت أكلتان مع ما كان لا يعرف حقيقة الأوسط من الأنواع والمقادير لما لا منتهى لطرفيه، وقد يعرف حقيقة عدد الأكثر والأقل من الوقت فهو أحق أن يعتبر، والله أعلم.

ثم كان الأمر في الظاهر بالإطعام، وأجمع على رجوع الأمر إلى الحد، وإن لم يذكر، فهو - والله أعلم - يحتمل أن يكون انتزع حده من حكم الكتاب من وجهين: أحدهما: أن الآية إذا كانت على ما يؤكل ويطعم، كان فيما عليه العرف ألا أحد يقرب إلى آخر ما يطعمه، فيقتصر على أقل ما يستحق اسمه، وقد يتصدق بالقليل في العرف؛ فلذلك في الأمر به تحديد إذا كان مما يعرف فيه التحديد؛ ولذلك لم يذكر فيه التفسير مرفوعاً، وذكر في قصة المتأذي لما ليس في لفظها دلالة الحد، وفي لفظ الإطعام دلالته؛ إذ فيه عُرْفٌ، وعلى هذا أمر ما جاء من البيان في الصدقات، ولم يذكر في الإطعام إلا لمكان النوازل؛ وعلى هذا يجب أن يجوز الإطعام أيضاً، وإن لم يكن فيه تمليك، والله أعلم.

والثاني: قوله -  -: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ ومعلوم أن كل شيء له واسط، فهو ذو حدود وأطراف، على أنه رُدَّ إلى طعام الأهل، وفيه الإشباع لا محالة؛ لذلك وجب القول بالحد، والله أعلم.

وإذا ثبت القدر فيه بحق الخطاب يجب وصل ذلك به؛ ليعرف [به] حقيقة المقصود، والله أعلم.

فصار كأنه قال: إطعام عشرة مساكين؛ إذ طعام عشرة في العرف عبارة عن قدر طعامهم، وإطعام عشرة عبارة عن فعل الإطعام، وقد ثبت أنهما ارتدا جميعاً فكأنهما ذكرا موصولين، ولو توهمنا ذلك لم يكن بحق حفظ العدد، بل بحق حفظ مقدار ذلك العدد من الصيام كان مدفوعاً إلى الواحد أو أكثر، والله أعلم؛ لذلك أجاز أصحابنا جمع الكل في مسكين واحد عشرة أيام، ولم يجيزوا في يوم واحد؛ إذ حق الأمر على أن يغدي ويعشي، وإن كان يجوز الدفع لما فيه حق الإطعام، فصير طعام كمال ذلك، وهو قدر طعام مسكين؛ فيزول عنه المسكنة، لكن الإطعام فيه لا يجوز، أو إذا صح كان حق ما ذكرت الجواز، ففساده لمعنى اعترض فمنع، لا لأنه خارج عن أن يراد له على ذلك، وذلك كخروج بعض المساكين لعلل عن الدفع إليهم، لا لأنه لو أجيز كان كالخلاف للذكر، فمثله الأول، والله أعلم.

ودليل آخر مما له جرى ذكر عشرة لا لأن يجعل العشرة شرطاً: أنه معلوم بالمعنى الذي له جعل الدفع إليهم أو الإطعام لهم سبباً للجواز: أن ذلك ثبت بحيث تحمل المكروه على الطبع، وكف الهوى عن مثلها، وإذاقة النفس مرارة الدفع لله - جل ثناؤه - يكفر ما أتبعها هواها، وأوصلها إلى مناها فيما خالف الله في فعله حيث لم يف بالعهد الذي عهد لله، أو ألزم نفسه عهداً من منع عن الوفاء، فيخرج فعله مخرج [فعل] ناقض العهد، ومخلف الوعد بالله، وذلك المعنى في البذل لا في مراعاة العدد، ولا في أنه كان حقّاً لهم قبل الدفع، بل باختيار الدفع إليهم يجعلهم محقين فيه بما له إيثار غيرهم، والخروج عن ذلك بالعتق والصيام الذي لا يعود إليهم نفعه، ولكن الكفارة إذا جعلت مما يغدي ويعشي، ونحو ذلك إذا أريد الخروج به منه بمسكين واحد يحتاج إلى تجديد الأيام ومرور الأوقات، وفي ذلك خوف بقاء الذنوب عليه، ولعله يعجله الموت فيبقى ذنبه غير مكفر، فجعل الله له التفريق في المساكين؛ تيسيراً عليه وتمكيناً من الخروج الذي ركبه، لا لفوت معنى ما له التكفير، فلذلك يجوز على ما ذكرت، وهذا الوجه يوجب منع الجواز في يوم واحد، والله أعلم.

وبعد: فإنه متى أطعم مسكيناً بقى عليه خطاب إطعام تسعة، وذلك لو ابتدأ الخطاب بتسعة مما يتضمنه الخطاب، فكذلك إذا كان بعد إسقاط الواحد من الخطاب، والله أعلم.

ثم لو كان العدد شرطاً لكان بوجود معنى العدد في الواحد إسقاطه؛ إذ ذلك في موضع التكفير والتطهير، وكل ذلك يتعلق بالمعاني مما ذكر فيها من الأعداد نحو الغسل من الأحداث - كالجنابة - والأنجاس، فمثله الكفارة.

وبعد: فإنه معلوم أن لكل مسكين قدراً من الطعام، ثم كان المقدار الواحد بتفرق الأملاك عليه يستوجب حق قدر العشر، فعلى ذلك المسكين الواحد بما يتفرق عليه المسكنة كل يوم، ويجدد الحاجة؛ فيصير كعدد المساكين، وذلك - أيضاً - شبيه بما روي من "الاستنجاء بثلاثة أحجار" على استحقاق كل حرف من ذلك حق حجر على حدة من حيث كان غير مستنجى به، فكذا ما نحن فيه؛ إذ له كل يوم حق مسكين آخر من حيث حدثت له حاجة لم تدفع بالإطعام الأول، والله أعلم.

وليس كالأعداد في الشهادة؛ لما جعل العدد فيها بما يلحق الواحد تهمة، أو له به منفعة التصديق، أو نوع عبادة في موضع الحكم والقضاء وتسليم الأمر لغيره من الحجج.

وفي هذا معنى التكفير قد بينا، وذلك كمعنى التطهير في الذي وصفنا، على أن الشهادة في اليوم الثاني إعادة للأولى، والإطعام هو تجديد الدفع، والواحد قد يقوم في الشهادة مقام مائة إذا كان لِكُلٍّ حَقُّ التجديد، والله أعلم.

ثم قوله -  -: ﴿ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ﴾ من غير ذكر القريب والبعيد، أو المؤمن والكافر، أو الصغير والكبير، أو قدر المسكنة، أو العلم الذي به يعرف، ومعلوم أن لكل جهة مما بينا حدّاً بالناس إلى معرفته حاجة، وللناس في كل جهة تنازع، والاجتهاد في الوقوف على الحقيقة على الاتفاق، على أنه لم يحصل الأمر على الاسم خاصة، وأن الذي هو في حد الفقير فيما ذكر فيه المساكين، والفقير قائم مقام المسكين هاهنا في الجواز؛ ليعلم أن المعنى فيهم مقصود يجب طلبه والبحث عنه؛ والله أعلم.

ثم أجمع أن الصغير الذي يكفيه قدر اللقمة - لقمة الكبير - لم يقم في حق الإطعام إلا من حيث التمليك؛ إذ أجمع على أقل المقدار أنه مد، والمدُّ يكفي عشرة مثله؛ ثبت أنه لا إلى مثله رجع الخطاب، وأيد ذلك قوله  ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ أن مثله لا يبلغ أقل ما يطعم الأهل، على أنه لو أريد بالأهل: الزوجة، لكان مثلها لا يطعمها الزوج، فثبت أن المراد راجع إلى الخصوص، والله أعلم.

والأصل في ذلك ما بينا من تألم الطبع بدفع مثله، وابن يوم يميل الطبع إلى إرضاع مثله، بل لا يحتمل إمهاله.

وبعد: فإن مثله لا يطعم؛ فثبت أن الأمر راجع إلى حَدٍّ، والله أعلم.

وعلى ما ذكرنا قالوا في الوالدين والولد إنه لا يجوز؛ لأن الطبع يألم بمسكنة هؤلاء، لا بما به دفع المسكنة عنهم، بل جعل الله -  - الطبائع بين هؤلاء بحيث لا تحتمل نزول البلاء والشدة بهم، وبحيث يجتهد كل بدفع الضرر عنهم على مثل الدفع عن نفسه، وبذل المال لصون عرضهم؛ حتى لقد يشتم من لم يتعاهد منهم ذلك، ويلام أعظم اللوم، وإذا كان كذلك لم يتضمنهم هذا الأمر؛ إذ هم بهذا يقومون بذلك بحق الطبيعة، لا بأمر، وقد بينا وجه الكفارة أنه في مخالفة الطبع، والله أعلم.

وعلى ذلك ما روي "عن الذي أمر بتفريق زكاته فأعطى ابنه؛ فاختصما إلى رسول الله  ، فقال: يَا فُلاَنُ، لَكَ مَا نَوَيْتَ، وقال للآخر: لَكَ مَا أَخَذْتَ" ولو كان يجوز اختيار مثله لكان ذلك أحب ما صار إليه وآثر.

ثم قد روي عن رسول الله - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: "أَنْتَ وَمَالُكَ لأِبِيكَ" ؛ فلا يحتمل مع هذا الجواز بالاختيار، ويصير ما يدفع إلى ابنه كأنه له، وما يدفع إلى أبيه كأنه لنفسه دفع؛ فلذلك لم يجز.

والأصل في هذا وفي الزكاة أنها حقوق جعلها الله -  - في الأموال لوجهين: أحدهما: بما ابتدأ الله عبيده بالنعم، وخصهم بإعطاء ما اشتهت أنفسهم، ومالت إليه طباعهم؛ فاستأداهم شكر ذلك بالذي جعل في طباعهم النفار عنه، وفي أنفسهم الألم به من الإخراج عن الملك، ومعونة من لم يكرمهم به، ولا أنعم عليهم به.

والثاني: أن يكونوا اقترفوا مأثماً بما أعطوا أنفسهم مناها، وأوصلوا طباعهم إلى هواها بغير الوجه الذي أذن له في ذلك من هو له في الحقيقة، وهو الذي اختصهم، [فعرض عليهم] الخروج بما فعلوا من الوجه الذي في الطبع النفار عنه، وفي النفس الألم به؛ ليذيقوا أنفسهم بدل ما أعطوها من اللذة المرارةَ، فمن هو من المتصدق بالمحل الذي يجد به هذا، فهو مقابل ما له أكرم وبه اقترف، ومن لا يجد به هذا فليس بمقابل ذلك، فلم يف بحق الشكر ولا بحق التكفير، فلم يخرج مما عليه من الفرض، وإن كان الله بكرمه وجوده بحيث يرجى منه العفو وعنه والقبول منه، والله أعلم.

وعلى ذلك عندنا أمر الزوجين؛ إذ يوجد بينهما في البذل شهوة وميل الطبيعة، ويكون التناكح بمثله على ما ذكر من النكاح لأربعة أوجه: أحدها: لمالها، وما كذلك الموجود في الطباع، والله أعلم.

وعلى هذا المعنى يخرج أمر الشهادة؛ إذ هي مؤسَّسة على دفع التهم عن المدعين، فإذا رجعت منافعهم إلى حججهم تمكنت فيهم ذلك فلم يقبل.

وجملة ذلك: أن الشهادة ودفع الزكاة والكفارات بحق الأمانات، وهي بحيث لا يسع للأمناء الانتفاع بها، فكل وجه فيه انتفاع المؤتمن فإنما له الانتفاع به بلا تمانع في العرف أو بما في الطبع إيثار نفعه، فكان له فيه ما بزواله جعل آميناً؛ فلا تثبت له الأمانة فيه، والله أعلم.

وعلى هذا يخرج أمر الدفع إلى المكاتب والشهادة له، والله أعلم.

ثم الدفع إلى الكفار: القياس أن يجوز جميع ذلك من حيث كان المعنى الذي له يختار في الدفع إليهم أن يجد من ثقل الطبع وألم النفس، وعلى ذلك أجيزت عندنا الكفارات، وأيد ذلك قوله -  -: ﴿ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ } [البقرة: 271] صير الصدقات مكفرة لما ذكرتم؛ يدل على ذلك فيما قال أهل التفسير في قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ...

﴾ الآية [البقرة: 272] أن ذلك في التصدق على أهل الكفر، أي: لا يمنعك ذلك، وكان على إثر الوعد بالتكفير بالصدقة، فأمكن أن يكونوا هم في ذلك مع ما كانت الكفارات جعلت بشرط المسكنة، وقبيح في المسلم دفع السُّؤَّال وإن كانوا كفرة، فجائز الدفع إليهم.

وجملة ذلك: أن ذلك بما اختار من إعطاء النفس شهوتها فيما لم يؤذن له، فيكون كفارتها بالكف عن شهوتها فيما كان يحل، والبذل بالذي كان يسعه منع ذلك، وذلك المعنى موجود في ذلك، على أن التصدق عليهم بعض ما يرغبهم في الإسلام؛ لم يجز المنع، والله أعلم.

وأما الزكاة: فهي مخصوصة بما جاء من إضافة الدفع إلى من يؤخذ من غنيهم، ولما بين أهلها، وجعل عليها سعاة؛ ليتحروا المواضع.

وأمر الكفارات جعل إلى أربابها إيجابها والخروج عنها في تخير أهلها مع ما كانت الزكاة أوجبت بلا كسب بحق الشكر، وحق الشكر الإنفاق في الطاعة.

ثم كان الإنفاق على من يطيع الله به يخرج مخرج المعونة على الطاعة، وعلى الكافر لا؛ فيقتصر عن شرط التمام في معنى الشكر، والكفارة في حق إعطاء النفس الشهوة، فيمتحنها بإخراج ما في شهوتها المنع، وذلك المعنى موجود في الكافر على التمام؛ لذلك اختلفا.

وبعد: فإن الزكاة تجب بلا إيجاب، وقد قطع الله الحق الذي ذلك سبيله، ثم بين مختلفي الملك بحق المواريث والكفارات يجب بما اكتسبوا، وبين الفريقين في الحقوق المكتسبة اشتراك ولا قوة إلا بالله.

والأصل في ذلك أن الزكاة أوجبت في الأموال حقّاً للفقراء، ثم هي تخرج إلى من أوجبت لهم، فما لم يعلم من أوجبت له لم تخرج على مثل حقوق المواريث؛ للقرابة، وغير ذلك، والكفارات ليست بواجبة في الأموال تخرج، بل ينظر إلى وقت الدفع والقيام بالتكفير، فإن كانت له أموال دفعها منها، وإلا ليست عليه؛ فصارت الحقوق كأنها بالدفع تقع؛ إذ لو توهم وقت الوجوب له الغنى والفقر لكان الأمر لا يختلف، وإذا كان، كان كذلك، وله ابتداء التصدق عليهم بحق التطوع والنذور وغيرهما فيجوز فيهم، والزكوات؛ إذ الدفع منها تسليم إلى من كان له الحق، احتيج في ذلك إلى مبين ذلك، والله أعلم.

وصدقة الفطر بحق إظهار السرور، ودفع السؤال؛ كما روي عن نبي الله  أنه قال: "أغْنُوهُمْ عَنِ المَسْأَلَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ" لا بحق ما كان جعل في ماله يخرج منه، بل بحق المعونة، وذلك لازم في العقول لكل سائل وبخاصة في الدفع إليهم؛ ليمتنعوا هم بما فيه سرور أهل الإسلام، والله أعلم.

وأيضاً: إن الزكوات أوجبت في الابتداء حقّاً للفقراء؛ إذ الله -  وتعالى - أخرج أرزاق الخلق أملاكاً لبعضهم، وألزمهم تحمل كفاية من لم يملكهم أعين تلك الأموال؛ إذ لم يخلق ابتداء الخلق لهم الجملة.

وإذا كان محل الزكوات في الابتداء وجعل لأهلها بها الغنى، وأهل الكفر أبوا قبول الدين الذي ذلك حق جعل للمحتاجين في أموال الأغنياء، فلم يكن لهم في مذهبهم ذلك الحق، بل لو كان، كان في أموال أغنياء مذهبهم، ولأهل الإسلام أن ذلك الحق في أموال أغنيائهم، وكذلك من عليهم الحق قبلوه بالدين لأهله لم يدخل في ذلك غيرهم.

ثم كانت الكفارات والنذور ونحوها ليست بمجعولة بالدين لحق الفقراء، وإنما هي واجبة بتعاطي [أرباب] من لزمهم؛ ليتقربوا بها إلى ربهم، ويخرجوا بها مما جنوا على مذهبهم، وقد جعل ذلك في جملة الصدقات، وفي أنواع العبادات التي لا عبرة فيها لمنافع الخلق؛ فثبت أنها لم تجب لهم، وإنّما الشرط عليهم فيها ما يكون عبادة وقربة إلى الله  ، وقد جعل الله -  - في الدفع إلى مساكينهم قربة وعبادة، فجازت، وعلى هذا يخرج قولنا في العتق، على أن قولنا بجميع المخالفين لنا في هذا أولى؛ لأن مذهبهم اعتماد العموم إلا في قدر ما يمنعهم عن ذلك، والعموم بجميع الفرق كلهم باسم المساكين، واسم تحرير الرقبة، ولا دليل لهم على الخصوص إلا ضرب من القياس.

ومَنْ مَذْهَبُهُ أن إخراج بعض ما تضمنه الاسم لا يوجب خصوص ذلك، فكذا يلزمهم ألا يخصوا الوجود التخصيص في غيره؛ إذ ذلك أبعد، على أنهم أجمعوا ألا يقاس ما ليس فيه ذكر التتابع على المذكور، فمثله أمر الإيمان.

وجملته: أنه قد يجوز في العتق مع قيام كثير من العيوب التي لا تحتمل التغير؛ فيعيب الدين الذي يمكنه أحق، وكذلك من قول الجميع: إن العجز بالمرض عن المكاسب لا يمنع؛ إذ هو قد يزول، فالذي لا عجز فيه ويمكنه اختياره أحق أن يجوز، والله أعلم.

ثم الأصل: أن الله -  - في الكفارة التي جعل الإيمان فيها شرطاً، ذكر العتق في ذلك في قتل ثلاث فرق، ذكر في كل مرة ﴿ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ  ﴾ ، لم يدع ذكر ذلك في شيء منها للذكر في نوع من ذلك، على قرب ما بين أولئك الأسباب، فلو كان يحتمل الاقتصار على بيان الكفاية دون المبالغة، أو يجب ذلك في النظر - لكان يذكر مرة كفاية على نحو الصوم فيه، فإذا لم يكتف على تقارب المعنى بان أن ذلك نوع ما لم يؤذن فيه تعليق الحكم بالمعنى، بل لو كان مأذوناً فيه، لكان يوجد في القتل معان لا توجد في غير ذلك؛ فلا يجوز قياس غيره عليه، والله أعلم.

فإن قال قائل: إذ قال الله -  -: ﴿ مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا  ﴾ ثم قد جعل سيئة الظهار والقتل: عتق رقبة، وبالصيام: صوم شهرين متتابعين، فكيف جعل مثل سيئة الحنث بالعتق: عتق رقبة، وبالصيام: ثلاثة أيام؛ فلو كان ثلاثة عديل العتق لماذا زاد في الظهار والقتل في الجزاء؟

نقول - وبالله التوفيق -: لذلك أجوبة ثلاثة: أن الجزاء في الدنيا هو ما يجوز به المحنة ابتداء؛ لا على الجزاء، فعلى ذلك يجوز فيه الزيادة بحق المحنة، لا الجزاء والقضاء، وبحق العفو، كما قال - عز وجل - ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً  ﴾ ، وقال ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ وفي الآخرة لا يكون بحق ابتداء المحنة، إنما ذلك بحق الجزاء وهو - عز وجل - حكيم عدل لا يزيد على ما توجبه الحكمة، ويجوز التجاوز بما هو عفو كريم؛ فلذلك اختلف الأمران.

والثاني: أن يقال: حق جزاء كل ما فيه العتق صيامُ شهرين متتابعين، ولله العفو فيه، عامل الحانث فرضي منه بصوم ثلاثة أيام؛ لما علم - عز وجل - في ذلك من المصالح، والله أعلم.

والثالث: أن يكون حق الجزاء في اليمين بالصيام ما ذكره، وكذلك في القتل والظهار، وفيهما حق العتق كذلك، وفي اليمين دونه، ولكنه تمم بما لا يحتمل التجزئة على حق كل شيء لا يتجزأ أن جزءًا منه متى وجب يجب كله؛ فعلى ذلك العتق، والله أعلم.

ثم نقول: وظاهر هذا يشهد لأبي يوسف - رحمه الله - ومحمد - رحمه الله -: أنه متى أوجب جزءًا منه عتق كله؛ إذ لا يحتمل التجزئة؛ دليله أمر الكفارات، والله أعلم.

ومذهب أبي حنيفة: أنه يحتمل أن يكون هذا لما لا يحتمل العتق التجزئة، ويحتمل: أن يكون؛ لما لا تحتمل حقوق العتق التجزئة، وإن كان العتق في نفسه محتملا؛ فيجب عرض ذلك على ما فيه بيانه؛ فوجد الأمر بالتحرير حيث كان، كان بذكر الرقبة، ولو كان لا يحتمل من حيث التحرير التجزئة، لكان ذكر التحرير كافياً عن ذكر الرقبة، فإذا ذكر في كل ما أمر بان أنه ذكر؛ ليتمم بالإعتاق، لا أنه يتم بلا ذكر؛ فعلى ذلك أمر الطلاق لم يذكر فيها معنى رقبتها؛ لما لا يحتمل - والله أعلم - بعض ذلك، ثم كانت الحقوق ترجع إلى الانتفاع، أو قول، أو مضرة، أو نحو ذلك، لا يحتمل نفوذ من المعتق من دون غيره، ثبت أن ذلك إن كان كذلك، فهو لما لا يحتمل حقوقه أكمل؛ إذ في ترك الإكمال فوت نفع ما أوجب، والله أعلم.

ثم قد يجوز إعتاق الجزء من حيث كان الملك والحرية بأخذ العين، والمنافع تصل إلى المباشرة، والمباشرة لا تحتمل التميز، وفي القول فيه، والملك فيه جملة يحتمل لذلك اختلفا، وعلى ذلك أمر الطلاق لا ملك، ثم في النفس، إنما حقيقة المباشرة والانتفاع، وذلك لا يحتمل الجزء المطلق منها أوجب دون غيره؛ فلذلك أكمل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌۭ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٩٠ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ٩١ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُوا۟ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ٩٢ لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌۭ فِيمَا طَعِمُوٓا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحْسَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ٩٣

قوله - عز وجل -: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ...

﴾ الآية.

عن ابن عباس -  - قال: ﴿ وَٱلْمَيْسِرُ ﴾ : القمار.

وعن النبي  قال: "اجْتَنِبُوا هَذِهِ الكِعَابَ المَوْسُومَةَ الَّتي تُزْجَرُ زَجْراً؛ فَإِنَّهَا مِنَ المَيْسِرِ" وعن ابن مسعود -  - مثله.

وعن أبي موسى [الأشعري عن النبي  ]: "مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ" وعن ابن عمر -  - قال: "الميسر قمار".

وعن علي -  - قال: "لأن آخذ جمرتين من نار فأقلبهما في يدي أحبّ إليَّ من أن أقلب كعبتي نرد".

وعن علي -  - أيضاً قال: "الشطرنج هو ميسر الأعاجم".

وعن مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وهؤلاء السلف قالوا: الميسر: القمار كله، حتى الجوز الذي يلعب به الصبيان.

عن النبي  قال: "لاَ جَلَبَ، وَلاَ جَنَبَ، وَلاَ شِغَارَ، وَلاَ وِرَاطَ فِي الإسْلاَمِ" وقيل: الوراط: القمار.

وقيل: الجلب: هو أن يجلب وراء الفرس حتى يدنو أو يحرك وراءه الشيء يستحث به السبق.

والجنب: هو الذي يجنب مع الفرس الذي به يُسَابَقُ فرسٌ آخر حتى إذا داناه تحول راكبه إلى الفرس المجنوب، فأخذ السبق.

وأجمع أهل العلم على أن القمار حرام، وأن الرهان على المخاطرة مثل القمار، وما روي عن أبي بكر -  - أنه خاطر أهل مكة في غلبة الروم فارس، فقال النبي  : "زِدْهُمْ فِي الخَطَرِ وَأَبْعِدْهُمْ فِي الأَجَلِ" - فكان ذلك والنبي  بمكة في الوقت الذي لم ينفذ حكمه، فأما في دار الإسلام: فلا خلاف في أن ذلك لا يجوز، إلا ما رخص فيه من الرهان في السبق في الدواب والإبل، إذا كان الآخذ واحداً: إن سبق أخذ، وإن سُبق لم يدفع شيئاً، وكذلك إن كان السبق بين الرجلين أيهما سبق أخذ، [ودخل] بينهما فرس: إن سَبَقَ أخذ، وإن سُبِقَ يغرم صاحبه شيئاً - فهو جائز، ويسمى الداخل بينهما: المحلل.

فأما الرخصة فيه فما روي عن أبي هريرة -  - أن النبي  قال: "لاَ سَبْقَ إِلاَّ فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ نِصَالٍ" هذا الذي وصفنا كله من الميسر.

والأنصاب: هي الأحجار والأوثان التي كانوا ينصبونها، ويعبدونها، ويذبحون لها.

وأما الأزلام: فالقداح التي كانوا يستقسمون بها في أمورهم، ويستعملونها، ففيه دليل بطلان الحكم بالقرعة؛ لأن الاستقسام بالقداح هو أن كانوا يجعلون الثمن على الذي خرج سهمه أخيراً، ويتصدقون بما اشتروا على الفقراء، ففيه إيجاب الثمن على الغير، فيجعلون الأمر إلى من ليس له تمييز، فعوتبوا على ذلك، فعلى ذلك الحكم بالقرعة تسليم إلى من ليس له تمييز بين المحق وغير المحق، فيلحق هذا ما لحق أولئك.

ثم أخبر أن ذلك كله ﴿ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ ، وليس هو في الحقيقة عمل الشيطان؛ لأن الشيطان لا يفعل هذا حقيقة، لكن نسب ذلك إليه؛ لما يدعوهم إلى ذلك، ويزين لهم، وكذلك قول موسى -  -: ﴿ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ  ﴾ إنه كذا وكذلك قوله -  -: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ  ﴾ وهو - لعنه الله - لم يتول إخراجهما، ولكن كان سبب الإخراج والإزلال، وهو الدعاء إلى ذلك، والمراءاة لهم، فنسب ذلك إليه، والله أعلم.

قوله  : ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ﴾ هم في الظاهر لم يجتمعوا على العداوة والبغضاء، بل يكون اجتماعهم على الألفة والمودة، على ذلك تَجَمُّعُهُم في الابتداء، لكن لما شربوا وأخذهم الشراب وقع بينهم العداوة والبغضاء؛ فكان قصده إلى جمعهم في الابتداء على المحبة والمودة ما ظهر منه في العاقبة من إيقاع العداوة بينهم، وتفريق جمعهم، وهو كقوله -  -: ﴿ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ  ﴾ ولو دعاهم إلى عذاب السعير لكانوا لا يجيبونه، لكن دعاهم إلى العمل الذي يوجب لهم عذاب السعير، فعلى ذلك هو يدعوهم إلى الاجتماع في الخمر والميسر إلى ما يوجب ويوقع بينهم العداوة والبغضاء، ففيه أن الأعمال ينظر فيها العواقب؛ كما روي: "الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ" وفي الآية دليل تحريم الخمر؛ لأنه قال: ﴿ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ والرجس حرام؛ كقوله  : ﴿ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً  ﴾ وما يدعو إليه الشيطان - أيضاً - حرام، وكذلك قوله: ﴿ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ  ﴾ والحلال المباح لا إثم فيه، ولا يسمَّى رجساً، وكذلك روي عن نبيِّ الله  أنه قام، فخطب الناس، فقال: "يَأيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ يُعَرِّضُ عَلَى الخَمْرِ تَعْرِيضاً، لاَ أَدْرِي لَعَلَّهُ سَيُنْزِلُ فِيهَا" ثم قال: "يَا أَهْلَ المَدِينَةِ، إِنَّ اللهَ قَدْ أَنْزَلَ تَحْرِيمَ الخَمْرِ، فَمَنْ كَتَبَ هَذِهِ الآيَةَ وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلاَ يَشْرَبْهَا، وَلاَ يَبِعْهَا" قال: فسكبوها في طريق المدينة.

وعن عمر -  - قال: لما نزل تحريم الخمر قال: "اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء"؛ فنزلت الآية التي في البقرة: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ  ﴾ فقرئت عليه؛ فقال عمر -  -: "اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء"؛ فنزلت الآية التي في النساء: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَى  ﴾ فكان منادي رسول الله  إذا قام إلى الصلاة قال: "لا يقرب الصلاة سكران" فدعي عمر -  - فقرئت عليه؛ فقال: "اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء" فنزلت الآية التي في المائدة: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ ﴾ فدعي عمر -  - فقرئت عليه، فلما بلغ: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ قال: انتهينا، انتهينا.

وعن أنس بن مالك -  - قال: كنت ساقي القوم، ونبيذنا تمر وزبيب وبسر خلطناه جميعا، فبينا نحن كذلك - والقوم يشربون - إذ دخل علينا رجل من المسلمين، فقال: ما تصنعون؟

والله لقد أنزل تحريم الخمر، فأهرقنا الباطية، وكفأناها، ثم خرجنا، فوجدنا رسول الله  قائماً على المنبر يقرأ هذه الآية ويكررها: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ...

﴾ إلى قوله: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ فالخليطان حرام.

فأجمع أهل العلم على أن الخمر حرام قليلها وكثيرها، وأن عصير العنب إذا غلا واشتد فصار مسكراً - خمر.

واختلفوا فيما سوى ذلك من الأشربة: فكان أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله - يقولان: ما كان من الأشربة نيئاً متخذاً من النخلة والعنب فهو حرام: كنبيذ البسر والتمر والزبيب، إذا أسكر كثيره فهو حرام عندهما؛ وعلى ذلك جاء الخبر عن رسول الله  [أنه] قال: "الخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: مِنَ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبِ" ومعنى التخصيص لهما: لأن شرابهم كان منهما، ولا يتخذ منهما إلا المسكر خاصة.

وأما ما اتخذ من غير النخلة والعنب فلا يحرم وإن كان نيئاً إلا السكر منه؛ لأن غيرهما من الأشربة قد يتخذ لا للسكر، وإن كان في مكان لا يتخذ إلا للسكر فهو مكروه قليله وكثيره، كالمتخذ من النخلة والعنب.

وكانا يقولان: ما كان من الأنبذة مطبوخاً فهو حلال وإن قل طبخه، إلا العصير فإنه لا يحل بالطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه.

وكانا يفرقان بين العصير وغيره: بأن العصير ليس فيه شيء من غيره، وإن ترك بحاله غلا فأسكر، فإذا طبخ حتى يذهب ثلثه أو نصفه فهو يغلي ويسكر، فلم يخرجه الطبخ من حده الأول؛ إذ كان يسكر قبل أن يطبخ، وهو الآن يسكر بنفسه؛ إذ لم يجعل فيه شيء غيره، وسائر ما يتخذ منه الأنبذة إن بقيت لم يشتد ولم يسكر حتى يلقي عليه الماء ويخلط بها غيره، فحينئذ يسكر، فهي مثل العصير إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فإن بقي دهرا لم يسكر حتى يلقي عليه الماء فحينئذ يسكر، فإذا صار العصير في حال أن بقي مدة لم يغل بنفسه حتى يلقي عليه غيره كان بمنزلة الزبيب والتمر إذا ألقى عليهما الماء فطبخا؛ وعلى ذلك ما روي عن عمر -  - في الطلاء أنه لا يحل حتى يذهب ثلثاه؛ فيذهب عنه سلطانه، يقول: إذا كان يغلي بنفسه من غير أن يصب عليه الماء ففيه سلطانه، فإذا صار لا يغلي بنفسه، وهو أن يطبخ حتى يذهب ثلثاه فقد ذهب عنه سلطانه.

وروي عن أنس بن مالك -  - أن أبا عبيدة ومعاذ ابن جبل وأبا طلحة - رضوان الله عليهم - كانوا يشربون من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه.وقد وصفنا فرق أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - بين المطبوخ وبين المثلث والمنصف من العصير.

فأما فرقهم بين المطبوخ ما يتخذ من النخلة والعنب والنِّيء منه فهو: أن الخمر التي لا خلاف في تحريمها في العصير التي تصير خمراً، فكل ما كان نيئاً من الشجرتين اللتين سماهما النبي  فهو حرام إذا أسكر، فإذا كان مطبوخاً فقد عمل فيه ما خرج به من حد الخمر.

فإن قيل: يجب أن يقاس ذلك على النيء؛ لأنه يسكر، وفيه صفات الخمر.

قيل: الخمر حرمت لعينها لما لا تتخذ إلا للسكر، ولا يقاس عليها غيرها، وإنما يقاس على ما حرم وحل لعلة دون ما حرم بعينه، وأما غيره من الأنبذة فإنما يحرم منه السكر؛ ألا ترى أنه في الخبر: "أن النبي  لما بعث أبا موسى ومعاذاً إلى اليمن قال له أبو موسى: إن شرابنا يقال له: البتع، فما نشرب منه وما ندع؟

قال: اشْرَبُوا وَلاَ تَسْكَرُوا" وعن ابن عباس -  - قال: حرمت الخمر بعينها، قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب.

وعن علي -  - قال: فما أسكر من النبيذ ثمان، وفي الخمر قليلها وكثيرها ثمانون.

فدل قول علي -  - فيما أسكر من النبيذ ثمان، معناه: في السكر ثمانون وذلك يدل أن قول النبي  : "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" أن السكر منه حرام.

وعن عمر -  - أنه أُتِي بسكران، قال: يا أمير المؤمنين، إنما نشرب من نبيذك الذي في الإداوة؛ فقال عمر -  -: لست أضربك على النبيذ، إنما أضربك على السكر.

فهذه الأخبار التي ذكرنا دلت على [تحريم الخمر بعينها، والسكر من كل شراب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ ﴾ يدل على] تحريمها؛ لأنه إذا سكر، صده عن ذكر الله وعن الصلاة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ﴾ في تحريم الخمر، والميسر، والأزلام، والأنصاب، وغيرها، ﴿ وَٱحْذَرُواْ ﴾ معصيتهما وخلافهما ﴿ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ عن طاعتهما فيما حرم عليكم وحذركم عنه: ﴿ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ ﴾ في تحريم ذلك، والله أعلم.

﴿ لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ ﴾ أي: شربوا من الخمر قبل تحريمها ﴿ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ ﴾ شربها بعد التحريم ﴿ وَآمَنُواْ ﴾ : أي: [و]صدقوا بالتحريم، ﴿ ثُمَّ اتَّقَواْ ﴾ شربها، ﴿ وَآمَنُواْ ﴾ في حادث الوقت، ﴿ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ ﴾ .

وذكر في بعض القصة: أنه لما نزل تحريم الخمر، قالوا: كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟.

قنزل ﴿ لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ...

﴾ الآية.

لكن هذا لا يحتمل أن يكون كما ذكر؛ لأنهم شربوا الخمر في وقت كان شربها مباحاً، ولم يشربوا بعد تحريمها، لكن هذا إن كان فإنما قالوا في أنفسهم؛ فنزل: أن ليس عليكم جناح فيما شربتم قبل تحريمها بعد أن اتقيتم شربها بعد نزول حرمتها، والله أعلم.

وقال بعض الناس: إن في الآية تكرارا في قوله -  -: ﴿ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ، لكن الوجه فيه ما ذكرنا، ليس على التكرار، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُۥٓ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٩٤ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌۭ ۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآءٌۭ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ هَدْيًۢا بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّـٰرَةٌۭ طَعَامُ مَسَـٰكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًۭا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِۦ ۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ ٩٥

قوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ ﴾ وليس فيه بيان أنه ابتلي بالأمر فيه أو بالنهي، لكن بيانه في آية أخرى: أن الابتلاء إنما كان بالنهي عن الاصطياد بقوله: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ  ﴾ دل هذا على أن المحرم كان منهيّاً عن الاصطياد: [بقوله: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ ﴾ ]، وأن الابتلاء الذي ذكر في الآية كان بالنهي عن الاصطياد، والله أعلم.

ثم اختلف في الآية: قال بعضهم: النهي بشيء من الصيد لأهل الحرم؛ ألا ترى أنه روي في الخبر قال: "لاَ يُنَفَّرُ صَيْدُّهَا، وَلا يُخْتَلى خَلاَهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا" فكان الابتلاء بالنهي عن الصيد لأهل الحرم؛ لما أخبر أنه لا ينفر صيدها، وأما المحرم فإنما نهي عن الاصطياد بقوله: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ  ﴾ وبقوله: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ  ﴾ .

وقال آخرون: الابتلاء بالنهي عن الاصطياد للمحرمين، وفي قوله: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ نهي عن قتله، وهنالك نهي عن أخذه بقوله: ﴿ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ﴾ .

وقوله -  -: ﴿ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ ﴾ : أي: في بعض الصيد دون بعض؛ لأن المحرم لم ينه عن أخذ صيد البحر وإنما نهي عن أخذ صيد البر بقوله: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ  ﴾ [وقال -  -]: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾ فذلك معنى قوله: ﴿ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ ﴾ ، والله أعلم.

ويحتمل على التقديم والتأخير، كأنه قال: ليبلونكم الله بشيء تناله أيديكم ورماحكم من الصيد، والله أعلم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ﴾ : قال بعضهم: ما تناله الأيدي هو البيض؛ وعلى هذا يخرج قولنا: إن المحرم منهي عن أخذ البيض، فإن أخذ بيضاً فإن عليه الجزاء، والذي يدل على ذلك ما روى أبو هريرة -  - قال: قال رسول الله  : "فِي بَيْضِ النَّعَامِ صِيَامُ يَوْمٍ أَوْ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ" وعن كعب بن عجرة أن رسول الله  قضى في بيض نعام أصابه محرم بثمنه.

وعن ابن عباس -  - عليه ثمنه أو قيمته.

وعن ابن مسعود -  - مثله.

وقال بعضهم: تناله أيديكم: هو صيد الصغار، وهي الفراخ التي لا تطير فتؤخذ بالأيدي أخذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرِمَاحُكُمْ ﴾ قال بعضهم: ما رميت وطعنت.

وقيل في قوله: ﴿ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ﴾ : ما يؤخذ بغير سلاح، ﴿ وَرِمَاحُكُمْ ﴾ : ما يؤخذ بالسلاح من نحو: النبل، والرماح، وغيرهما من السلاح.

ثم في الآية دلالة أن المحرم قد نهي عن أخذ الصيد، وكذلك في قوله -  -: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ  ﴾ والاصطياد: هو الأخذ لا القتل، وإنما النهي عن القتل في قوله: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .

ليعلم ما قد علم أنه يكون كائناً، أو أن يقال: ليعلم ما قد علم غائباً عن الخلق شاهداً؛ كقوله -  -: ﴿ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ...

﴾ الآية [الأنعام: 73].

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: يخافه بالغيب: بغيب الناس؛ أي: يخافه وإن لم يكن بحضرته أحد.

وقال آخرون: يخاف العذاب بالأخبار وإن لم يشهد ويصدق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ ﴾ .

أي: من استحل قتل الصيد بعد ما ورد النهي والتحريم ﴿ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

والثاني: من اعتدى على الصيد بعد النهي على غير استحلال، ﴿ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ إن شاء عذب، وإن شاء عفا، وإذا عذب كان عذابه أليماً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ أي: وأنتم محرمون.

الآية في ظاهرها عامة على قتل الصيد كله، ثم إن رسول الله  رخص في أشياء أذن في قتلها فقال: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لاَ جَنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ وَهُوَ مُحْرِمٌ في الحرَمِ: الحِدَأَةُ، والغُرَابُ، والعَقْرَبُ، والفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ" وعن عائشة -  ا -: قالت: "أمر رسول الله  بقتل خمس فواسق في الحل والحرم: الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور" وفي بعض [النسخ و] الأخبار: الذئب؛ فيحتمل أن يكون الكلب العقور: الذئب.

وروي عن أبي سعيد الخدري أن [رسول الله]  سئل عما يقتل المحرم؟

فقال: "الحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ، والفُوَيْسِقَةُ.

[وَيَرْمِي الغُرَابَ وَلا يَقْتُلُهُ،] والكُلْبُ العَقُورُ والسَّبُعُ العادِي" والكلب العقور الذي أمر المحرم بقتله: ما قتل الناس وعدا عليهم، مثل: الأسد، والنمر، والذئب، وما كان من السباع لا يعدو، مثل: الضبع، والثعلب، والهرة، وما أشبههن من السباع فلا يقتلهن المحرم، فإن هو قتل شيئاً منهن فداه، وإن قتل شيئاً من الطير سوى ما ذكر في الخبر فعليه جزاؤه.

وفي بعض الأخبار عن رسول الله  قال: "يَقْتُلُ المُحْرِمُ الفَأْرَةَ؛ فإِنَّهَا تُوهِنُ السِّقَاء" وقال بعض الناس: ما قتل المحرم من السباع التي لا يؤكل لحمها؛ فلا فدية عليه؛ فكان تاركاً لظاهر الآية، وهو قوله -  -: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ .

فإن احتج بحديث ابن عمر -  - أن النبي  رخص للمحرم في قتل خمس من الدواب، وذلك ما لا يؤكل لحمه - قيل: أباح النبي  قتل الخمس؛ لعلةٍ: أنه لا يؤكل لحمها.

فإن قال: نعم - قيل: ما الدليل على ذلك؟

فإن قال: لأنها لا تؤكل؛ فكل ما لا يؤكل من الصيد فقتله مباح؛ فيقال له: قولك: "لا يؤكل" ليس بعلة؛ لأن ذلك لا يزول ولا يتغير، والعلة هي التي تحدث في وقت وتزول في وقت، ولو كان قول القائل: "لا يؤكل"، علةً فيما لا يؤكل - كان قوله: "يؤكل"، علةً فيما يؤكل، وكان الشيء علة لنفسه.

وهذا بين الخطأ، وإذا لم يكن تحريم أكل الخمسة التي أذن النبي  في قتلها للمحرم علة في إطلاق قتلها، ما كان القياس عليها على ما لا يحل أكله مخطئا؛ لأن القياس إنما يكون على العلل، وما لا علة فيه لا يجوز القياس عليه.

وعندنا: أن هذه الخمسة المسماة تبتدىء المحرم وغيره بالأذى، وإن لم يبتدئها المحرم، وما سوى ذلك مما لا يؤكل لحمه - لا يكاد يبتدىء بالأذى حتى يبتدئها الإنسان؛ فحينئذ تعرض له.

وبيان ذلك: أن الحدأة ربما أغارت على اللحم تراه في يدي الرجل، والغراب يسقط على وبر الدواب فيفسده، والعرب تقصد من تلدغه، وتتبع حسَّه، والكلب العقور لا يكاد يهرب من الناس كما يهرب السباع سواه.

فأما الضبع والخنزير والكلب والذئب وأشباهها فهي تهرب من بني آدم، ولا تكاد تؤذيهم حتى يبدءوها بالأذى؛ [لذا] جعلنا العلة فيما رخص النبي  للمحرم في قتله: ما يعرف من قصدها لأذى المحرم وإن لم يؤذها المحرم؛ إذا كان ذلك معروفاً فيها، معلوماً أنه أكثر شأنها؛ فلما لم يكن في سائر الطير المحرمة والسباع هذه العلة، وكان المعروف فيها أنها لا تبتدىء بالأذى - لم يجز أن تشبه بالخمسة المسماة في الخبر، فإذا ابتدأ منها مبتدىء المحرمَ بالأذى؛ كان حينئذ مثل الخمسة؛ فجاز له قتلها بغير فدية.

وبعد: فإن الذي لا يؤكل لحمه يسمى: صيداً، والصيادون يصيدونه؛ فكان داخلا تحت عموم الخطاب، ومخالفنا تارك لأصله في العموم؛ لأنه خص الآية بغير دليل، ومن أصله أن الآية على العموم، [و] لا تخص إلا بالدليل، وأصحابنا - رحمهم الله - يجعلون الصيد كله محظوراً أكل أو لم يؤكل إلا ما عدا منها، فإن قتله قبل أن يعدو عليه لزمه الفداء؛ ذهبوا في ذلك: إلى ما روي في الخبر: [خبر] أبي سعيد -  - عن رسول الله  أنه قال: "يَقْتَلُ المُحْرِمُ كَذَا وَكَذا وَالسَّبُعَ العَادِي" ، فالعادي: ما يعدو على المحرم.

وإلى ما روي عن علي بن أبي طالب -  - وغيره، مع ما روي عن النبي  أنه جعل على المحرم قَتَلَ ضبعاً - جزاءه، وكذلك روي عن عمر وابن عباس وابن عمر -  م - وهي مما يؤكل.

وعن جابر قال: سئل النبي  عن الضبع؛ فقال: "هُوَ صَيْدٌ، وَفِيهِ كَبْشُ" .

وعن عمر -  - كذلك، وابن عباس وابن عمر -  ما - كذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ ﴾ .

اختلف في الآية في تأويلها على وجهين: أحدهما: من جعل الآية على ظاهرها؛ فلم يوجب في الخطأ كفارة: عن ابن عباس -  - قال: إذا أصاب المحرم الصيد خطأ؛ فليس عليه شيء.

وكذلك روي عن عطاء وسالم والقاسم أنهم قالوا: لا شيء عليه، مثل قول ابن عباس،  .

والقول الثاني: ما قاله أكثر أهل التأويل: قالوا: قوله: ﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً ﴾ لقتله، ناسياً لإحرامه؛ فذلك الذي يحكم عليه، وهو [الخطأ] المكفر.

وإن قتله متعمداً لقتله، ذاكراً لإحرامه - لم يحكم عليه.

وكذلك روي عن الحسن أنه قال: متعمداً لصيده، ناسياً لإحرامه، وقال: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ ﴾ متعمدا للصيد، وذاكراً لإحرامه؛ فكأنهم ذهبوا إلى أن المحرم لا يقصد قصد الصيد وهو ذاكر لإحرامه.

أحسنوا الظن به.

وعندنا: أن الإحرام مما لا يجوز أن يخفى على المحرم ونساه؛ لأن للإحرام أعلاما تذكره تلك الأعلام الحال التي هو فيها، وعندنا: أن ما لا يجوز أن ينسى ويخفى على المرء لم يعذر صاحبه في نسيانه، وعندنا: أن على قاتل الصيد الكفارة، عمداً قتله أو خطأ، وليس تخلو الآية من أن تكون أوجبت الكفارة على المتعمد للقتل [الناسي لإحرامه؛ كما قال الحسن ومجاهد، أو تكون أوجبت الكفارة على المتعمد للقتل] ذاكراً لإحرامه؛ فإن كان وجب أن يكفر من قتله عامداً لقتله، ناسيا لإحرامه - فإن الذي يقتله عامداً لقتله ذاكراً لإحرامه أولى بالكفارة؛ لأن ذنبه أعظم، وجرمه أكبر.

فإن قيل: إنكم لا توجبون الكفارة على قاتل النفس عمداً؛ فما منع أن يكون قتل الصيد مثل ذلك وإن كان حرمته أعظم كما؟!

قيل: إن قاتل النفس عمداً - وإن كنا لم نوجب عليه الكفارة - فقد أوجبنا عليه القصاص، وهو أغلظ من الكفارة، وقاتل الصيد عامداً لقتله ذاكراً لإحرامه، لو أزلنا عنه الكفارة - فلا شيء عليه سواها؛ لذلك اختلفا.

ثم نقول: إنا عرفنا الحكم في قتل الصيد عمداً بالكتاب، والحكمُ في قتل الصيد في الخطأ إنما يعرف بغيره، وليس في ذكر الحكم وبيانه في حالٍ دليل نفيه في حال أخرى؛ دلنا على هذا مسائل قد ذكرناها فيما تقدم في غير موضع كرهنا إعادتها في هذا الموضع.

ثم تخصيص ذكر الكفارة في قتل العمد يحتمل وجوهاً: أحدها: أن الكفارة في قتل النفس إنما ذكرت في قتل الخطأ [و] لم تذكر في قتل العمد؛ ليعلم: أنها إذا أوجبت في العمل فهي في الخطأ أوجب.

والثاني: أن الكفارة إنما وجبت بجنايته على صيد آمن به في الحرم، وكل ذي أمانة إذا أتلف الأمانة لزمه الغرم، عمداً كان إتلافه أو خطأ؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

والثالث: أن ذكر التخيير في حال الضرورة [يخرج مخرج التوسيع والتخفيف على أهلها، ولا يكون ذلك في غير حال الضرورة]؛ فدل ذكره في غير حال الضرورة على أن ذلك كالمذكور في حال الضرورة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ .

اختلف أهل العلم فيما يجب من المثل: فقال: قوم: في الظبي شاة، وفي النعامة: [بدنة]، وفي الحمار [الوحشي]: بقرة، وأشباه ذلك.

وقال آخرون: المثل: قيمة الصيد، يقومه عدلان فيوجبان قيمته دراهم، فيشتري بتلك الدراهم شاة، أو يجعله طعاماً، فيتصدق به: على كل مسكين نصف صاع، أو يصوم عن كل نصف صاع يوماً.

وقال غيرهم: إن بلغ دما - ذبح شاة، وإن لم يبلغ دماً: يتصدق به.

وأما قولنا: إن المثل هو القيمة، لا المثل في رأي العين: ذهبنا في ذلك إلى وجوه: أحدها: أن المحرم إذا أصاب صيداً في هذا الوقت - حكم بجزائه حكمان؛ فلو كان مثلُ الظبي شاةً في كل الدهور والأوقات - كان في جعلنا ما تقدم من أصحاب النبي  والسلف من الحكم في ذلك كافياً لا يحتاج إلى حكم غيرهم؛ فدل إجماعهم على أن حكم الحكمين باق، على أن المثل غير مؤقت؛ بل هو مختلف على قدر الأزمنة والمواضع والأوقات، وإذا جعلنا المثل قيمة كانت الحاجة إلى الحكمين قائمة، وإذا جعلناه هدياً فالحاجة إليهما زائلة؛ ولا يجوز أن يعطل أمر الحكمين وقد ذكره الله في كتابه.

والثاني: ما أجمعوا عليه أن ما لا مثل له في الأنعام من الصيد إذا أصابه المحرم فعليه قيمته؛ فإذا كان المثل في بعض الصيد قيمته، فهو في كل الصيد قيمته، وكذلك روي عن ابن عباس وغيره من السلف -  م - أنهم قالوا ذلك.

فإن قيل: ما لا مثل له من النعم لا يمكن قيمته أكثر من قيمته، قيل له [ترى] ذلك مثلاً؟

فإن قال: بلى، قيل: فقد صارت القيمة مثلا في بعض الصيد، فما منع أن تكون مثلا في كل الصيد؟

فإن قال: المثل: هو الهدى فيما له مثل، فأما ما لا مثل له من الهدى، فليس الواجب فيه بمثل، إنما ذلك قيمة، ولم يجب ذلك بنص الكتاب، وإنما وجب - ذلك بنص الكتاب - المثل من الهدى، فأما ما لا مثل له: فإنما وجب قيمته بالإجماع، قيل له: حدثنا عن قول الله -  -: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ ، هل دخل في عموم الآية الفرخ ونحوه؛ فيكون منهيّاً عن قتله؟

فإن قال: نعم، قيل: فإذا دخل الفرخ في عموم النهي عن قتل الصيد فهو - أيضاً - داخل في عموم قوله: ﴿ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً...

﴾ الآية.

فإن قال: لا يدخل الفرخ في عموم قوله -  -: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ قيل له: قد قال الله -  -: ﴿ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ  ﴾ فروي أن ذلك في البيض والفراخ، فإن لم يجعل الفراخ ولا شيئا منها داخلا في الآية، فما معنى الآية؟

ونحن لا ننال بأيدينا من الصيد إلا ضعافه وما يعجز عن الطيران والعدو منه، فالآية توجب أن الصيد كله قد دخل في عمومها: ما قَلَّت قيمته، وما كثرت، وذلك يوجب أن يكون الواجب من قيمة الفرخ والعصفور مِثْلاً، والله أعلم.

ولأن النعامة لا مثل لها من النعم، فمن أوجب فيها بدنة فقد أوجب فيها ما ليس بمثل لها ولا نظير، ومن أوجب فيها قيمتها فقد أوجب مثلا لها، فهو موافق للنص عندنا، والله أعلم.

وكذلك الموجب في الحمامة شاة لا تشبه الصيد المقتول في عينه، ولا في صفته، ولا في جنسه، فهو غير موجب المثل، بل الموجب فيها القيمة أقرب إلى إيجاب المثل فيها، والله أعلم.

فإن قيل: كيف يسمَّي قيمة الشيء: "مثلا" وليست من جنسه، وإنما المثل ما كان من جنس الشيء؟

قيل: قد ذكرنا أن قيمة ما لا مثل له من النعم تسمى: "مثلا"، ولأن الله -  - قال: ﴿ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً ﴾ ، وإذا جاز أن يسمى الصيام: "عدلا" للطعام، جاز أن تسمى القيمة: "عدلا" للصيد، وإنما صار الصيام عدلا للطعام بالتقويم والمثل، والعدل في المعنى متقارب، والله أعلم.

ولأن الله -  -: قال ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ ، ولو كان المراد من المثل: المنظور في رأي العين، لم يكن لشرط ذوي عدل فيه معنى؛ لأن المثل في رأي العين يعرفه كل أحد به بصر، فيه أو لم يكن؛ فدل ما شرط من نظر ذوي عدل [على] ما بطن فيه وخفي، لا ما ظهر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ تأويله ما ذكرنا: ينظر إلى رجلين عدلين، لهما بصر ومعرفة في ذلك، فيقومانه، ثم يشتري بها هدياً إن شاء، فيهدي، وإن لم يبلغ هدياً قومت الدراهم طعاماً، فإن لم يجد، صام مكان كل نصف صاع يوماً.

وروي عن ابن عباس -  - كذلك، والحسن، وإبراهيم، والقاسم، والسلف جملة.

وعندنا: أنه مخير بين هذه الأشياء الثلاثة، يفعل أي هذه الثلاثة شاء؛ لأن الله -  -: قال في المحصر: ﴿ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ  ﴾ ، ولا خلاف بينهم في أن لصاحب الفدية في حلق الرأس أن يفعل أي هذه الثلاثة شاء، فالواجب أن يكون في جزاء الصيد مثله؛ لأن الخطاب خرج على حرف التخيير، وكل خطاب خرج على حرف التخيير، وكان سبب وجوبه واحدا - فهو على التخيير؛ نحو كفارة اليمين، وما ذكرنا في دفع الأذى عن رأسه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ ﴾ شرط بلوغ الكعبة، وهو لا يبلغ نفس الكعبة؛ فدل أن المراد رجع إلى بلوغه قرب الكعبة، وعلى هذا يخرج قولهم فيمن حلف ألا يمر على باب فلان، فمر بقرب بابه - حنث؛ استدلالا بقوله: ﴿ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ ﴾ ، لم يرد به بلوغه عين الكعبة، ولكن قربها أو مكانها؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وكان محمد بن الحسن يقول: يحكم عليه بمثله من النعم حيث كان.

وأبو حنيفة -  - يقول: يحكم عليه بقيمة الصيد في الموضع الذي أصابه فيه.

واختلافهما في هذا يرجع إلى ما اختلفا فيه من المثل عينا أو قيمة.

وقد روي عن عمر، وعبد الرحمن -  ما - وغيرهما أنهم حكموا في الظبي شاة، ولم يسألوا عن الموضع الذي أصيب فيه؛ فدل تركهم السؤال عن ذلك [على] أن المواضع كلها كانت عندهم سواء، وأنهم أجروه مجرى الكفارات دون القيم؛ لأنهم لو أجروا ذلك مجرى ضمان القيم، لسألوا عن أماكن الجنايات؛ إذ كان الصيد يختلف قيمته، ولا يستوي في ذلك الأماكن كلها؛ فهذا يؤيد قول محمد ومن وافقه.

وأما عند أبي حنيفة - رحمه الله - أن الملك للحرم في الصيد، وكل من أتلف ملك آخر أو جنى على مال أحد، إنما ينظر إلى قيمته في المكان الذي أتلفه؛ فعلى ذلك النظر في الصيد إلى المكان الذي أصابه.

ثم المسألة في جزاء الصيد أين يذبح؟

عندهم جميعاً: لا يجوز أن يذبح إلا بمكة؛ لأنه لو جاز أن يذبح في غير الحرم حيث شاء، زالت فائدة قوله: ﴿ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ ﴾ ، وليس في ذلك بينهم خلاف.

وأما الإطعام والصيام: فإن الله - عز جل - لم يذكر فيهما موضعاً، ولا جعل لهما مكاناً؛ فله أن يطعم، وأن يصوم حيث شاء.

فإن قيل: إن الهدي يذبح في الحرم؛ لمنفعة أهل الحرم به، ويتصدق به عليهم؛ فعلى ذلك الإطعام يجب أن يطعم أهل الحرم؛ لأنه جعل لمنفعة لهم.

قيل له: لا خلاف بينهم: أنه لو ذبح الهدي في غير الحرم وتصدق به على أهل الحرم ألا يجوز؛ دل أنه لا لما ذكر، ولكن الهدي لا تذبح إلا بمكة؛ ألا ترى أن من قال الله -  -: عليه أن يهدي، ليس له أن يذبح إلا بمكة، ولو قال: عليه الإطعام أو الصدقة، له أن يتصدق حيث شاء؛ دل أن الهدي مخصوص ذبحه بمكة، لا يجوز في غيره، وأما الصدقة فإنها تجوز في الأماكن كلها؛ لذلك افترقا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ﴾ ، أي: لينال شدة أمره وألمه؛ كما نال لذته.

وقيل: جزاء ذنبه، وهو الكفارة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف ﴾ إذا تاب ورجع عما استحل من قتل الصيد؛ وهو كقوله -  - ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ  ﴾ : أي: من عاد إلى استحلال الصيد في الحرم ينتقم الله منه في النار.

ويحتمل: من عاد إلى قتل الصيد ينتقم الله منه بالكفارة.

وقوله - عز جل -: ﴿ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ ﴾ ، أي: لا يعجزه شيء، ويقال: عزيز، أي: كل عز عند عزه ذل.

وغنى، أي: كل غنى غناه فقر، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَـٰعًۭا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًۭا ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ٩٦ ۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَـٰمًۭا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَـٰٓئِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ٩٧ ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٩٨

قوله - عز وجل -: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾ .

أخبر الله -  - أن صيد البحر وطعامه حلال للمحرم، ثم اختلف أهل التأويل في تأويله.

قال بعضهم: "صيده: ما صيد، وطعامه: ما قذف في البحر"، كذلك روي عن عمر -  - أنه قال: "صيده: ما صيد، وطعامه: ما قذف".

وعن أبي بكر وابن عباس -  ما - قالا: "طعامه: ما قذف".

وقال بعضهم: صيده: ما أخذ طريّاً، وطعامه: مليحة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَتَاعاً لَّكُمْ ﴾ : أي: منفعة لكم، أي: للحاضر ﴿ وَلِلسَّيَّارَةِ ﴾ : أي: للمسافر.

وعن بعضهم: صيده: ما صدت طريا، وطعامه: ما تزودت في سفرك مليحا.

ثم يجيء على قول أصحاب الظاهر: أن يكون كل صيد البحر وطعامه حلالا مباحاً بظاهر قوله: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ...

﴾ الآية، وكذلك ما روي عن نبي الله  قال: "الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ" أنه لم يخص ميتة دون ميتة، ولا طعاماً دون طعام، غير أن المراد عندنا رجع إلى السمك خاصة؛ لما روي عنه  قال: "أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، أَمَّا المَيْتَتَانِ: فَالجَرَادُ والسَّمَكُ..." دل الخبر أن المراد من الآية والخبر رجع إلى السمك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾ عن ابن عباس -  - قال: مبهمة، لا يحل لك أن تصيده ولا أن تأكله.

وروي عن علي -  - وهو محرم أنه دعي إلى طعام، فقرب إليه يعاقيب وحجل، فلما رأي ذلك علي قام، وقام معه ناس؛ فقيل لصاحب الطعام: ما قام هذا ومن معه إلا كراهية لطعامك؛ فأرسل إليه، فجاء، فقال: ما كرهت من هذا، ما أشرنا، ولا أمرنا ولا صدنا.

قال علي -  -: "وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً" ثم انطلق.

وعن عثمان -  - مثله أو قريباً منه.

وأما عندنا: فإنه يحل للمحرم أن يأكل لحم الصيد إذا لم يصده هو ولا صيد له؛ لما روي عن أبي قتادة -  - "أنه كان مع النبي  حتى إذا كان ببعض الطريق بمكة تخلف مع أصحاب له محرمين، وهو غير محرم، فرأى حمار وحش، فاستوى على فرسه، فسأل أصحابه أن يناولوه سوطاً، فأبوا، فسألهم رمحه، فأخذه، ثم اشتد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحابه، وأبى بعضهم، فلما أدركوا رسول الله  فسألوه عن ذلك، فقال: إِنَّمَا هِي طُعْمَةٌ أَطَعَمَكُمُوهَا اللهُ سُبْحَانَهُ، وقال: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ" وفي خبر أخر عن جابر بن عبد الله -  - قال: عقر أبو قتادة حمار وحش ونحن محرمون وهو حلال، فأكلنا منه، ومعنا رسول الله  .

وفي خبر آخر عن أبي قتادة -  - قال: "إني أصبت حمار وحش، فقلت: يا رسول الله، إني أصبت حمار وحش وعندي منه، فقال للقوم: كُلُوا، وهم محرمون" .

وفي بعض الأخبار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  لهم: "لَحْمُ صَيْدِ البَرِّ حَلاَلٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ؛ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ" ، رخص النبي  في أكل لحم الصيد للمحرم إذا لم يَصِدْهُ ولم يُصَدْ له، وبذلك أخذ أصحابنا.

وفي الآية دليل لقولنا، وهو قوله -  -: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ ، وقال: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾ فمعناه - والله أعلم -: اصطياده؛ ألا ترى أن صيد ما لا يؤكل لحمه محظور؛ فدل ذلك على أن الآية نزلت في الاصطياد لا في أكل لحمه؛ لأن لحم الصيد قد خرج من أن يصاد؛ فالتحريم غير واقع عليه، ليس كالبيض؛ لأن البيض قد يصير صيداً، واللحم ليس كذلك، ولأن المحرم لو أتلف البيض غرم قيمته، ولو أتلف لحم الصيد لم يضمن شيئاً، فما لزمه الضمان منع عن أكله، وما لم يلزمه لا، ولأنه لو حرم على المحرم التناول من لحم صيد صاده حلال، لوجب أن يحرم على أهل مكة التناول منه؛ إذ هم أهل حرم الله، وذلك بعيد؛ فأخذ أصحابنا - رحمهم الله - بما روينا من الأخبار عن رسول الله  من حديث أبي قتادة وغيره، وبما دل عليه ظاهر الكتاب، وهو قول عمر وعثمان وغيرهما،  م.

فإن قيل: روي عن ابن عباس -  - عن زيد بن أرقم أن النبي  نهى المحرم عن لحم الصيد.

وفي خبر آخر عن زيد بن أرقم -  - قال: "أهدي لرسول الله  عضواً من لحم صيد، فرده، وقال: إِنَّا حُرُمٌ لاَ نَأْكُلُهُ" وروي في خبر آخر أنه "سئل النبي  عن محرم أتى بلحم صيد؟

قال: لاَ تَأْكُلْ مِنْهُ" لكن هذا الحديث يجوز أن يحمل على أن كان صيد بعد أن أحرم [أو] أن يكون صيد من أجله، وإذا صيد من أجله لم يحل له أكله؛ دليله من خبر عثمان -  -: "ما أمرت بصيد، ولا صيد من أجلي"، وخبر جابر -  - عن رسول الله  قال: "لَحْمُ صَيْدِ البَرِّ حَلاَلٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ" ثم المسألة في معرفة صيد البر من البحر: قال بعضهم: ما كان يعيش في البر والبحر فلا تصيدوه، وما كان حياته في الماء فذاك البحري.

وقال آخرون: أكثر ما يكون [في الماء حتى يفرخ].

وقال غيرهم: صيد البر هو الذي إن أخذه الصائد حَيّاً فمات في يده لم يحل، ولا يحل إذا أدرك زكاته إلا بتزكيته، فكل ما كانت هذه صفته فهو [صيد البر]، وإن كان [قد] يعيش في الماء.

وما كان الصائد إذا أخذه حيّاً وهو يعيش في الماء فمات في يده أكله، فذلك صيد البحر، وذلك السمك.

وفي ذلك وجه آخر: وهو أن كل ما ألقاه البحر وقذفه فمات فحل لنا أكله، فذلك طعامه، وإن لم يحل أكله فليس بطعامه، فما كان طعامه وألقاه فمات فهو إذن صيد البحر، وما لا يحل أكله إذا ألقاه، فليس بصيد البحر إذا صيد؛ لأن الله أباح صيد البحر وطعامه، فما ليس بطعامه إذا ألقاه فمات فليس بصيد إذا أخذ حيّاً، والله أعلم.

وقوله - عز جل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ في استحلال قتل الصيد في الحرم، أو اتقوا الله في أخذ الصيد في حال الإحرام بعد النهي، أو اتقوا الله في كل ما لا يحل ﴿ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ فتجزون بأعمالكم: إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشر.

ويحتمل قوله: ﴿ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ، أي: إلى حكمه تصيرون؛ كقوله -  -: ﴿ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰماً لِّلنَّاسِ...

﴾ الآية: اختلف فيه: قال بعضهم قوله -  -: ﴿ قِيَٰماً لِّلنَّاسِ ﴾ ، أي ثباتا للناس ودواماً؛ لأن الله -  - جعلها موضعاً لإقامة العبادات، من نحو: الحج، والطواف، والصلاة، وإراقة الدماء، والهدايا، وغير ذلك من العبادات، ثم إن تلك العبادات جعلها ثابتة دائمة لا تبدل ولا تنسخ أبداً؛ فذلك معنى القيام للناس، والله أعلم.

وقال بعضهم: قياماً بمعنى: قواماً، أي: جعلها قواماً لهم في معاشهم ومعادهم؛ لأنه جعلها مأمناً لهم وملجأ؛ حتى أن من ارتكب كبيرة أو جرم جريمة [ثم لجأ إليه]، لم يتعرض له بشيء من ذلك، ولا يتناول منه، وكانوا إذا وجدوا هدياً مقلداً لم يتعرضوا له وإن كانت حاجتهم إليه شديدة، ونحو هذا كثير مما يطول ذكره.

وجعل فيها عبادات ومقصداً ما لم يجعل في غيرها من البقاع: من قضاء المناسك وغيرها، وكذلك الشهر الحرام كان جعله مأمناً لهم إذا دخلوا فيه، يأمنون من كل خوف كان بهم، وجعل في الهدايا والقلائد منفعة لأهلها؛ فكان في ذلك قواماً لهم في معاشهم ومعادهم.

وعن سعيد بن جبير: ﴿ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰماً لِّلنَّاسِ ﴾ : شدة لدينهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ ﴾ ، أي: ذلك الأمن وما ذكرنا من جعل الكعبة قواماً لهم في معاشهم ومعادهم؛ ﴿ لِتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: على علم جعل هكذا قبل أن يكون أنه يكون.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ ، أي: ما سبق ذكره من تحريف الكتب وتغييرها وتبديل نعته  وصفته، أي: على علم منه بالتحريف والتبديل خلقكم، لا عن جهل؛ ليمتحنكم؛ لما لا يضره كفر كافر، ولا ينفعه إيمان مؤمن، بل حاصل ضرر الكفر يرجع إلى الكافر، وحاصل نفع الإيمان يرجع إلى المؤمن.

وقوله - عز جل -: ﴿ ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ ، أي: اعلموا أنه شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره، على ما علمتم أنه عن علم منه كان جميع ما كان.

﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ واعلموا - أيضاً - أن الله غفور رحيم لمن تاب وأناب إليه، وشديد العقاب؛ لأن من العقوبات ما ليس بشديد، وخاصة عقوبة الآخرة أنه يعاقب بالنار، وما من عقوبة إلا وقد يحتمل شيء منها سوى عقوبة النار؛ فإنه لا يحتملها أحد، ولأن عقوبات الدنيا وعذابها على الانقضاء، وعذاب الآخرة لا انقضاء له ولا فناء؛ لذلك وصف بالشدة، والله أعلم.

مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ٩٩ قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ ۚ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ١٠٠ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَسْـَٔلُوا۟ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْـَٔلُوا۟ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ ١٠١ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌۭ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا۟ بِهَا كَـٰفِرِينَ ١٠٢

قوله - عز جل -: ﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: ردّاً على من يقول: إن الموعظة لا تنفع ولا تنجع فيه إذا لم يكن الواعظ مستعملا لما يعظ غيره؛ إذ ليس أحد من الخلق أشد استعمالا من الرسل - عليهم السلام - ثم لا تنفع مواعظهم وذكراهم قومهم، ولا تنجع فيهم؛ لشؤمهم ولشدة تعنتهم.

والثاني: إنباء أن ليس على الرسل إلا البلاغ، ولا ضرر عليهم بترك القوم إجابتهم؛ كقوله -  -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾ ما تبدون من العداوة لمحمد  ولأصحابه، وبنصب الحرب والقتال معهم، وما تكتمون من المكر له، والقصد لقتله؛ كقوله -  -: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ﴾ الآية [الأنفال: 30]، كانوا يمكرون، ويقصدون قصد إهلاكه، لكن الله - عز وجل - أطلع رسوله على مكرهم، وأخبر أنه يعصمه عن الناس، وقال -: ﴿ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ...

﴾ الآية.

يحتمل وجهين: أحدهما: خرج عن سؤال قد سبق منهم عن كثرة الأموال؛ لما رأوا أولئك كانوا يستكثرون ويجمعون من حيث يحل ولا يحل، فمالت أنفسهم إلى ذلك ورغبت، فقال: ﴿ لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ ﴾ كأنه قال: إن القليل من الطيب خير من الكثير من الخبيث، والله أعلم.

والثاني: أنهم رغبوا في عبادة أولئك من الترهب والاعتزال عن الناس؛ لدفع أذى أنفسهم عنهم، وكثرة ما كانوا يتحملون من الشدائد والمشقة؛ فرغبوا في ذلك، وهموا على ذلك، على ما ذكر في القصة عن بعض أصحاب رسول الله  : أنهم هموا أن يترهبوا ويعتزلوا من الناس؛ فقال: ﴿ قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ ﴾ أن العمل القليل مع أصل طيب خير من الكثير مع خبث الأصل.

وقوله - عز جل -: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ في مخالفة أمره ونهيه ﴿ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ فيه دلالة أن الله لا يخاطب أحداً إلا من كمل عقله وتم، وبالله العصمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ يحتمل: أن يكون النهي عن السؤال عن أشياء خرج عن أسئلة كانت منهم لم يكن لهم حاجة إليها؛ فنهوا عن ذلك إلى أن يقع لهم الحاجة فعند ذلك يسألون، كأنهم سألوه عن البيان والإيضاح لهم قبل أن يحتاجوا إليه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ...

﴾ الآية.

ويحتمل: أن يكون خرج النهي عن السؤال ابتداء، على غير تقدم سؤال كان منهم، ولكن نهوا عن السؤال عنها.

ثم يحتمل بعد هذا: أن كان منهم على ابتداء سؤال، كان من أهل النفاق يسألون سؤال تعنت لا سؤال استرشاد، يسألون منه آيات بعد ما ظهرت لهم، وثبت عندهم الحجج، وعرفوا أنه رسول الله  .

وإن كان النهي للمؤمنين فهو ما ذكرنا من سؤال البيان قبل وقوع الحاجة إليه.

وقيل: نزلت في قوم سألوا رسول الله  عن أشياء: قال أحدهم: من أبي؟

وقال آخر: أين أنا؟

قال: "أَنْتَ في النَّارِ، وأَنْتَ ابْنُ فُلانٍ" ونحو ذلك من الأسئلة؛ فنهوا عن ذلك.

وقيل: "ذكر رسول الله  الحج، فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟

[فقال:] لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، صَارَ مَفْرُوضاً، فَإِذَا صَارَ مَفْرُوضاً تَرَكْتُمْ، وَإِذَا تَرَكْتُمْ جَحَدْتُمْ، وَإِذَا جَحَدْتُمْ كَفَرْتُمْ؛ لأنَّ مَنْ جَحَدَ فَرْضاً مِمَّا فَرَضَهُ اللهُ كَفْرَ" أو كلام نحو هذا، ولا يجب أن يفسر هذا أنه كان في كذا؛ إذ ليس في كتاب الله بيان سوى أن فيه النهي عن سؤال ما لا يحتاج إليه.

وعن ابن عباس -  - قال: ﴿ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ ﴾ قد عفا الله عنها ﴿ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ ، أي: تظهر لكم تسؤكم، أي: أمرتم العمل بها، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ ﴾ .

هذا يدل على أن النهي عن السؤال في الآي لأحد شيئين: إما أن سألوا الآيات عنه بعد ما ظهرت وثبتت لهم رسالته، فلما أتى بها كفروا بها؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ ﴾ ، وقد كان الأمم السالفة يسألون من الرسل - عليهم السلام - الآيات بعد ظهورها عندهم.

ويحتمل: ما ذكرنا من قولهم: أين نحن؟

ومن أبي؟

ومن أنا؟

ونحوه، فلما أن أخبرهم بذلك كفروا به، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍۢ وَلَا سَآئِبَةٍۢ وَلَا وَصِيلَةٍۢ وَلَا حَامٍۢ ۙ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ١٠٣ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُوا۟ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۚ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَهْتَدُونَ ١٠٤ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ١٠٥

قوله - عز وجل -: ﴿ مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ ﴾ : أي: ما جعل الله قربانا مما جعلوا هم؛ لأنهم كانوا يجعلون ما ذكر من البحيرة والسائبة؛ وما ذكر قربانا يتقربون بذلك إلى الأصنام والأوثان التي كانوا يعبدونها دون الله، فقال: ما جعل الله من ذلك شيئاً مما جعلتم أنتم من البحيرة والسائبة، فقوله: ﴿ مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ...

﴾ وما ذكر، أي: ما أمر بذلك، ولا أذن له.

قيل: حرم أهل الجاهلية هذه الأشياء، منها: ما حرموه على نسائهم دون رجالهم، ومنها: ما حرموه على الرجال والنساء، ومنها: ما جعلوه لآلهتهم به.

ثم قيل: البحيرة: ما كانوا يجدعون آذانها ويدعونها لآلهتهم.

والسائبة: ما كانوا يسيبونها.

والوصيلة: ما كانت الناقة إذا ولدت ذكرا وأنثى في بطن قالوا: وصلت أخاها؛ فلم يذبحوها، [وتركوها] لآلهتهم.

قال أبو عبيد: البحيرة: إذا نتجت خمسة أبطن قطعت آذانها وتركت.

والسائبة: إذا ولدت خمسة أبطن سيبت؛ فلا ترد عن حوض ولا علف.

والوصيلة من الغنم: إذا ولدت عناقين تركا، وإذا ولدت عناقاً وجدياً، قالوا: وصلت العناق الجدي وتركا، وإذا نتجت [جدياً] ذبح.

والحامي: إذا نظر إلى عشرة من ولده، قيل: حمى ظهره؛ فلا يركب، ولا يحمل عليه شيء.

وقال مجاهد: ﴿ وَلاَ حَامٍ ﴾ : إذا ضرب الجمل من ولد البحيرة فهو الحامي، والحامي: اسم.

والسائبة من الغنم على نحو ذلك، إلا أنها ما ولدت من ولد بينها وبين ستة أولاد كانت على هيئتها، فإذا ولدت السابع ذكراً أو ذكرين نحر، فأكله رجالهم دون نسائهم، وإن أتأمت بذكر وأنثى فهي وصيلة؛ يترك ذبح الذكر بالأنثى، وإن كانتا اثنتين تركتا.

وقال القتبي: البحيرة: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن والخامس ذكر نحر، فأكله [رجالهم ونساؤهم]، وإن كان الخامس أنثى شقوا أذنها، وكان حراماً على النساء لحمها ولبنها، فإذا ماتت حلت للنساء.

والسائبة: البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله من مرضه، أو بلغه منزله، أن يفعل ذلك.

والوصيلة من الغنم: كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا: فإن كان السابع ذكرا ذبح، فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكراً [وأنثى]، قالوا: وصلت أخاها؛ فلم يذبح لمكانها، وكان لحومهما حراماً على النساء، وليست الأنثى حراماً على النساء، إلا أن يموت منهما شيء فيأكله الرجال والنساء.

والحامي: الفحل إذا ركب ولد ولده.

ويقال: إذا نتج من صلبه عشرة أبطن، قالوا حمى ظهره، ولا يركب، ولا يمنع من كلأ ولا ماء.

كانوا يحرمون الانتفاع بما ذكرنا، ويقولون: إن الله حرم ذلك علينا، وهو ما ذكر في آية أخرى قوله -  -: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴾ الآية [الأنعام: 136] يحرمون أشياء على أنفسهم، ويضيفون تحريمها إلى الله، ثم سفه أحلامهم بقوله: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ  ﴾ لم يكن تحريمهم هذه الأشياء بالسمع، ولكن رأياً منهم وتبحثاً؛ فاحتج الله عليهم على ذلك الوجه؛ ليظهر فساد قولهم من الوجه الذي ادعوا، فقال: ﴿ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ  ﴾ فإن قالوا: الذكرين، فقد كان من الذكر ما لم يحرم، وإن قالوا: أنثى، فقد كان من الأنثى ولم يكن فيها تحريم؛ ففيه دليل أن الحكم إذا كان بعلة يجب وجوب ذلك الحكم ما كانت تلك العلة قائمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ...

﴾ الآية، كأنها نزلت في مشركي العرب، وكانوا أهل تقليد، لا يؤمنون بالرسل، ولا يقرون بهم، إنما يقلدون آباءهم في عبادة الأوثان والأصنام، فإذا ما دعاهم رسول الله  إلى ما أنزل اليه إليه، أو دعاهم أحد إلى ذلك، قالوا: ﴿ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ ﴾ ، [كقوله]: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ  ﴾ ، ونحو ذلك: يقلدون آباءهم في ذلك؛ فقال الله عز - وجل -: ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ﴾ ، أي: تتبعون آباءكم وتقتدون بهم، وإن كنتم تعلمون أن آباءكم لا يعلمون شيئاً في أمر الدين ولا يهتدون، وكذلك قوله: ﴿ قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ  ﴾ تتبعون أباءكم وتقتدون بهم، وإن جئتكم بأهدى مما كان عليه آباؤكم؛ يسفههم في أحلامهم في تقليدهم آباءهم، وإن ظهر عندهم أنهم على ضلال وباطل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ﴾ : ظن بعض الناس أن الآية رفعت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعة في ترك ذلك، وليس فيه رفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ولكن فيه إنباء أن ليس علينا فيما يرد ولا يقبل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - شيء، وهو كقوله -  -: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ  ﴾ ، وكقوله -  -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ...

﴾ الآية [النور: 54] ليس فيه رخصة ترك تبليغ الرسالة إليهم، ورفعه عنه، ولكن إخبار أن ليس عليه فيما يرد وترك القبول شيء، كقوله: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ ؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

ويحتمل: أن يكون في الآية دليل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه قال: ﴿ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ ﴾ بترك قبول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ﴾ أنتم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، وبذلك وصف الله هذه الأمة بقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ  ﴾ .

وعن رسول الله  قال: "مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَأ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَمْ يَنْهَ عِنِ الْمُنْكَرِ فَلَيْسَ مِنَّا" وعن عائشة -  ا - "أن رسول الله  دخل عليَّ - وقد حفزه - النفس، فتوضأ، ثم خرج إلى المسجد، فقمت من وراء الحجاب، فصعد المنبر، ثم قال: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ يَقُولُ: مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهوا عَنِ الْمُنْكَرِ قَبْلَ أَنْ تَدْعُونِي فَلاَ أُجِيبَكُمْ، وَتَسْأَلُونِي فَلاَ أُعْطِيكُمْ، وَتَسْتَغِيثُونِي فَلاَ أُغِيثَكُمْ، وَتَسْتَنْصِرُونِي فَلاَ أَنْصُرَكُمْ" وعن أبي بكر [الصديق] -  - قال: "يأيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية، وإني سمعت رسول الله  يقول: إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا مُنْكَراً فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللهُ بِعِقَابٍ" ، وبقوله: ﴿ لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ  ﴾ الآية.

ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مراتب: مع الكفرة: بالقتال والحرب، ومع المؤمنين: باليد واللسان.

[و] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب فرض، ما لم يدخل في ذلك فساد، ويصير الأمر به والنهي عنه منكراً، فإذا خشوا ذلك يرخص لهم الترك، وإلا روي عن عبد الله بن مسعود -  - قال: "قولوها ما لم يكن دونها السيف والسوط، فإذا كان دونها السيف والسوط فعليكم أنفسكم".

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾ .

الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والذي يرد عليه المعروف والنهي عن المنكر.

﴿ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .

خرج على الوعيد والتحذير.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَأَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعْدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِۦ ثَمَنًۭا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلْـَٔاثِمِينَ ١٠٦ فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْمًۭا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْأَوْلَيَـٰنِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَـٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٠٧ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوٓا۟ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌۢ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ١٠٨

قوله - عز وجل -: ﴿ يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ...

﴾ الآية.

اختلف فيه: عن قتادة قال: رجل مات بقرية من الأرض وترك تركة، وأوصى وصية، وأشهد على وصيته رجلين، فإن اتهما في شهادتهما استحلفا بعد صلاة العصر، وكان يقال: عندها تصبر الأيمان.

﴿ فَإِنْ عُثِرَ ﴾ ، أي: اطلع منهما على خيانة على أنهما كتما أو كذبا، وشهد رجلان أعدل منهما بخلاف ما قالا، أجيزت شهادتهما، وأبطلت شهادة الأولين.

﴿ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ من المسلمين، ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ من أهل الكتاب إذا كان ببلد لا يجد إلا هؤلاء.

وعن الحسن قال: ﴿ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ : أي: من عشيرتكم، أو آخران من غير عشيرتكم، فيقول: إن الحق على المسلم إذا أراد أن يوصي أن يسند الوصاية إلى أهل عشيرته، وكذلك يشهد على ذلك من أهل عشيرته؛ لأن أهل عشيرته أحفظ لذلك، وأحوط، وأكثر عناية، وأقوم للشهادة، ولا كذلك الأجنبيان.

فإن قال قائل: خاطب الله - عز وجل - المؤمنين جملة بقوله: ﴿ يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ الآية، فكيف يحتمل أن يكون قوله: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ من غير عشيرتكم، وكيف لا؟

انصرف قوله: أو آخران من غيركم من غير دينكم؟

فنقول سبحان الله!!

ما أعظم هذا القول!!

يرد شهادة موحد، مخلص دينه لله لفسق يرتكبه، ويأمر بقبول شهادة كافر، كاذب، قائل لله بالولد والشريك، هذا مما لا يحتمل.

وقال - أيضاً -: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ ﴾ وهم كانوا يستهزئون بالصلاة إذا نودي لها بقوله: ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً  ﴾ دل أنه لا يحتمل ما ذكروا.

وعن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ قال: إذا حضر المسلم الموت في السفر فلم يجد مسلمين، فأوصى إلى أهل الكتاب، فإن جاءوا بتركته فاتهموا حلف هؤلاء أن متاعه كذا وكذا وأخذوه.

وبعض الناس يجيزون النصارى واليهود في السفر في الوصية بظاهر الآية.

وقال مجاهد: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ : من غير ملتكم.

وعن عامر الشعبي قال: شهد نصرانيان على وصية مسلم مات عندهم، فارتاب أهل الوصية، فأتوا بهما إلى أبي موسى [الأشعري]، فاستحلفهما بعد صلاة العصر بالله ما اشتريتما به ثمناً قليلا، ولا كتما شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين.

ثم قال أبو موسى [الأشعري]: والله، إن هذه لقصة ما قضي بها منذ مات رسول الله  إلى اليوم.

قد بين الشعبي أن أبا موسى إنما استحلفهما فيما اتهما به من تركة الميت، وهذه يمين واجبة عند المسلمين جميعاً، ولم يحلفهما على أن ما شهدا به كما شهدا به؛ كما زعم قوم أن شهادتهما تصح بيمينهما.

وعن عبد الله بن مسعود -  - قال: خرج رجل من المسلمين، فمر بقرية ومعه رجلان من المسلمين، فدفع إليهما ماله، ثم قال: ادعوا إلى من أشهد على ما قبضتما.

فلم يجدا أحداً من المسلمين في تلك القرية، فدعوا ناساً من اليهود والنصارى، وأشهدهم على ما دفع إليهما، ثم إن المسلمين قدما إلى أهله، فدفعا ماله إلى أهله، فقال الورثة: لقد كان معه من المال أكثر مما أتيتما به.

فاستحلفوهما بالله ما دفع إليهما غير هذا.

ثم قدم ناس من اليهود والنصارى، فسألهم أهل الميت، فأخبروهم أنه هلك بقريتهم، وترك كذا وكذا من المال؛ فعلم أهل المتوفى أن قد عثروا على أن المسلمين قد استحقا إثماً، فانطلقوا إلى ابن مسعود، فأخبروه بالذي كان من أمرهم، فقال ابن مسعود -  -: ما من كتاب الله من شيء إلا قد جاء على الدلالة إلا هذه الآية، فالآن جاء تأويلها فأمر المسلمين أن يحلفا بالله ﴿ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ ﴾ .

ثم أمر اليهود والنصارى أن يحلفوا بالله لقد ترك من المال كذا وكذا، ولشهادتنا أحق من شهادة هذين المسلمين، وما اعتدينا إنا إذاً لمن الظالمين ثم أمر أهل الميت أن يحلفوا بالله: أن كان ما شهدت به اليهود والنصارى [حق، فحلفوا، فأمرهم ابن مسعود أن يأخذوا من المسلمين ما شهدت به اليهود والنصارى].

وكان ذلك في خلافة عثمان بن عفان.

فإن ثبت هذا عن ابن مسعود -  - فهو خلاف ما روي عن رسول الله  أنه قال: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لاَدَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، لَكِنَّ البَيِّنَةَ عَلَى المُدَّعِي، واليَمِينَ عَلَى المُدَّعِي عَلَيْهِ" وهو - أيضاً - غير موافق لظاهر الآية؛ فلا نراه ثبت هذا عن عبد الله بن مسعود،  .

وعن ابن عباس قال: كان رجل يقال له: تميم الداري، وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة في التجارة، فخرج رجل من بني سهم، فتوفي بأرض ليس فيها مسلم؛ فأوصى إليهما، فدفعا تركته إلى أهله، وحبسا جاماً من فضة، فاستحلفهما رسول الله  ما كتمتما ولا اطلعتما.

ثم عُرِفَ الجام بمكة، فقالوا: اشتريناه من عدي وتميم، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله: إن هذا الجام للسهمي ولشهادتنا أحق من شهادتهما، فأخذوا الجام، وفيه نزلت هذه الآية.

وفي هذا الحديث أن اليمين وجبت على المدعى عليهم كما ادعى عليهم الورثة: أنهم تركوا بعض تركة الميت، وفيه أن الإناء لما ظهر ادعى تميم وصاحبه، أنهما اشترياه من الميت فكانا مدعيين، وحلف الورثة على دعواهم وصاحبه وهذان حكمان موافقان لسائر الأحكام والسنن، فإن كان الأمر كما ذكر في هذا، فليس في الآية نسخ، ولا فيها [ما يخالف] الأحكام الظاهرة، وليس يجوز - عندنا - أن يحلف الشاهدان إذا كانا كافرين مع شهادتهما؛ لأن ظاهر الآية يوجب اليمين على العدلين منا ومن غيرنا، فلما لم يجز أن يحلف الشهود المسلمين على الوصية التي يشهدون لها، وإنما يحلفون على شيء إن ادعوا أنهم حبسوه شيئاً، كان سبيل الكفار كذلك.

وإذا كانت الآية نزلت في قصة تميم وصاحبه وكانا نصرانيين، فإن ذلك يدل على أن شهادة بعضهم على بعض جائزة؛ لأن الله -  - قال: ﴿ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ فمعنى الآية على هذا التأويل، - والله أعلم - أن يكون الميت خلف تركته عند ذميين، على ما ذكر في القصة، وقالا: ترك في أيدينا كذا وكذا، وادعى الورثة أكثر من ذلك، فاستحلف المدعى قبلهم، وقوله: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا ﴾ على هذا التأويل هو المدعى عليهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً ﴾ .

يريد - والله أعلم - أن يشهد عليهما شاهدان منا أو منهم [بشيء] جحداه: أنه من تركة الميت؛ فهذا استحقاق الورثة، فإذا قال المدعي قبلهما: اشتريناه من الميت، فعلى الورثة أن يحلفوا؛ فهذا - والله أعلم - معنى قوله: ﴿ فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا ﴾ ؛ لأن الورثة صاروا مدعى عليهم، فقاموا في هذه الحال في وجوب اليمين عليهم مقام الأولين لما كانت الدعوى عليهم؛ فهذا - والله أعلم - أقرب الوجوه في تأويل الآية وأشبهها، وهو - إن شاء الله - معنى ما روي عن ابن عباس -  - وإن لم يذكر تفسير قوله: ﴿ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ وهو - والله أعلم -: على غير ديننا؛ لأنه ذكر المؤمنين جملة.

وأصحابنا لا يجيزون شهادة أهل الكفر في الوصية لمسلم، لا في ضرورة ولا في غيرها؛ لأنهم مع اختلافهم اتفقوا في أن شهادة الكفار لا تجوز على غير الوصية في حال ضرورة، ولا في غيرها، فشهادتهم في الوصية على المسلمين مثل ذلك.

ويمكن أن يكون تأويل الآية: ﴿ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾ في بيان ما يجوز من شهادة ذوي العدل منا في الحضر والسفر في الوصية وفي غير الوصية؛ كقوله ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ  ﴾ .

وقوله -  -: ﴿ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ  ﴾ الآية، هذا في السفر والحضر.

وفي الدين وغير الدين سواء، فعلى ذلك الأول، ثم ابتدأ الحكم في غيره، فقال: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ ﴾ .

فإن قيل: فما معنى قوله: ﴿ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ ﴾ ؟

[المائدة: 108].

قيل: في ذلك بيان أن المؤتمن إذا ادعيت عليه الخيانة، وقال هو: [قد] ردت ما كان في يدي؛ فإنه لا يصدق إلا بعد أن يحلف، فإذا علم أنه لا يقبل قوله إلا بيمين كان أحرى أن يقول حذراً من أن يحلف على كذب، أو يقر خوفاً من الإثم في اليمين فتبين خيانته.

فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ ﴾ ؟

قيل: يحتمل أن يكون على زيادة التغليظ في اليمين، وللحاكم أن يغلظ في اليمين على الخصم إذا اتهمه بأكثر من هذا، وهو أن يحضر يمينه جماعة إذا سأل الخصم ذلك.

أو ذكر بعد الصلاة؛ لما كان ذلك الوقت هو وقت لجلوس الحاكم بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة العصر لا على التغليظ، وإن كانت الآية نزلت - فيما ذكر ابن عباس،  - في نصرانيين، فقد يجوز أن يكون الله أمر بذلك تغليظاً عليهما، وهما تميم وصاحبه؛ إذا كانوا يعظمون وقت غروب الشمس وما قرب من ذلك، ووقت طلوعها؛ لأنه وقت عبادتهم إياها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً ﴾ .

قال بعضهم: فإن اطلع منهما على خيانة: أنهما كتما وكذبا، فجاء آخران يشهدان على غير ما شهدا عليه أجيزت شهادة الآخرين، وأبطلت شهادة الأولين.

قال القتبي: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ ﴾ : أي: ظهر.

وقال: أبو عوسجة: قوله: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ ﴾ : أي: علم واطلع عليه، يقال: عثرت على فلان، وعلى ما يفعل فلان، أي: علمت به واطلعت عليه، أعثر عثراً [وقوله]، وكذلك: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ  ﴾ في سورة الكهف من هذا، أي: اطلعنا عليهم، وأعلمناهم بمكانهم، ويقال: أعثرت فلانا على سرّ فلان، أي: أعلمته.

ثم وعظ الله المؤمنين، وحذرهم أن يفعلوا مثل ذلك، فقال: ﴿ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱسْمَعُواْ ﴾ مواعظه ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ ما داموا في فسقهم، أو قال ذلك لقوم علم الله منهم أنهم لا يرجعون عن ذلك أبداً.

<div class="verse-tafsir"

۞ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَا عِلْمَ لَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ ١٠٩ إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِى ۖ وَتُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ١١٠ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّـۧنَ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ١١١ إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۖ قَالَ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ١١٢ قَالُوا۟ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ ١١٣ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًۭا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةًۭ مِّنكَ ۖ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ١١٤ قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًۭا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١١٥

قوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ .

قال أهل التأويل: [بل] إنما يقولون ذلك؛ لفزعهم من هول ذلك اليوم وشدته، تطير قلوبهم، وتذهل أفئدتهم، فيقولون: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ .

فلو كان ذلك منهم للهول والفزع على ما قاله أهل التأويل لكان لا يتهيأ لهم الإجابة، وقد قالوا: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ ؛ دل أنه لا لما ذكروا، ولكن للوجهين الآخرين، والله أعلم.

أحدهما: أن سألهم عن حقيقة إجابة قومهم لهم بالضمائر، أي: لم تطلعنا على علم الضمائر والغيوب، فأنت أعلم بذلك.

والثاني: أن أحدثوا أمورا وأبدعوها من دأب أنفسهم، فنسبوا ذلك إلى الرسل؛ كقوله -  -: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ  ﴾ كأنهم قالوا: إن عيسى -  - هو الذي دعاهم إلى ذلك، فيقول لهم: ماذا أجبتم؟

فقالوا: لا علم لنا فيما ادعوا علينا من الأمور التي أتوها، إنك أنت علام الغيوب بأنا لم نقل لهم، ولم نَدْعُهُمْ إلى ما ادَّعَوْا من الأمور.

على هذين الوجهين يخرج تأويل الآية، والله أعلم.

ومثل هذا السؤال لهم بما أخبر في آية أخرى: أنه يسألهم؛ كقوله: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى قومهم، ويسأل قومهم عن إجابتهم لهم؛ ليقطع احتجاجهم، وإن لم يكن لهم الحجاج.

﴿ إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ بِإِذْنِيِ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ ﴾ .

أما نعمه عليه ما ذكر على إثره: ﴿ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً...

﴾ إلى قوله: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً  وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ  ﴾ ، شهد في حال طفولته بوحدانية الله وربوبيته وإخلاص عبوديته له، وذلك من أعظم نعم الله عليه وأجل مننه، وما ذكره أيضاً: ﴿ إِوَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي...

﴾ الآية.

إلى آخر ما ذكر من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وكف بني إسرائيل عنه عند مجيء الآيات، وهو كقوله -  -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ ففيه أعظم النعم عليه، وما ذكر - أيضاً - في بعض القصة - إن ثبت - أن عيسى لما دُفِعَ إلى الكُتَّابِ جعل المعلم يقول له: باسم، فيقول هو: باسم الله، وإذا قال المعلم: باسم الله، فيقول هو: الرحمن، وإذا قال: الرحمن، فيقول هو: الرحيم، فيقول المعلم: كيف أعلم من هو أعلم مني؟

ونحو هذا كثير مما يكثر ويطول ذكره، وأما ما أنعم الله على والدته هو ما ذكر في قوله -  -: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً  ﴾ ، وما ذكر في قوله: ﴿ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ  ﴾ طهرها عن جميع ما تبلى به بنات آدم؛ فذلك من أعظم النعم، وأجل المنن، ثم أمر عيسى بشكر ما أنعم عليه وعلى والدته؛ حيث قال: ﴿ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ ﴾ وفي ذكر النعم شكرها، وأمر - أيضاً - بشكر ما أنعم على والدته ليعلم أن على المرء شكر ما أنعم على والدته، كما يلزم شكر ما أنعم على نفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: بروحه المبارك الذي أعطى في حال طفولته، به كان يدعو الناس إلى توحيد الله وعبادتهم له.

وقيل: إن روح القدس هو الدعاء المبارك الذي به كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص بدعائه.

وقال أهل التأويل: الروح: هو جبريل، والقدس هو الله؛ كقوله -  -: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ  ﴾ أي: جبريل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِوَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ قال الحسن: الكتاب والحكمة واحد، الكتاب هو الحكمة، والحكمة هي الكتاب؛ لأن جميع كتب الله كان حكمة.

وقال بعضهم: الكتاب: ما يكتب من العلم، والحكمة: هي ما يعطى الإنسان من العلم على غير تعلم.

وقال بعضهم: الكتاب: هو ما يحفظ، والحكمة هي الفقه، وهو واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي ﴾ .

قوله: ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ ﴾ : أي: تصور وتقدر ﴿ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ ﴾ كان من عيسى التصوير والتقدير، وإلا كان التخليق من الله في الحقيقة؛ لأنه هو المنفرد به دون الخلق، غير أنه أجرى ذلك على يدي عيسى؛ ليكون له آية لصدقه ونبوته، وعلى ذلك الآيات التي يأتي بها الرسل، ليست الرسل يأتون بها في الحقيقة، بل كان الله هو الآتي بها، والمنشيء تلك الآيات حقيقة، لكنه يجريها على أيدي الرسل؛ لتكون آيات صدقهم، ودلالات رسالتهم، فأما أن يأتي الرسل بالآيات والحجج من عند أنفسهم فلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَخْلُقُ ﴾ ذكر التخليق؛ لما تسمي العرب تصوير الشيء وتقديره: تخليقاً؛ فعلى ذلك خرج الخطاب، وقد ذكرنا هذا فما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ ﴾ قيل: الأكمه: الذي يولد أعمى، وأما الأعمى فهو الذي يذهب بصره بعد ما كان بصيراً.

وقيل الأكمه: هو الذي لا حدقة له، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.

قوله  : ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ ﴾ والحواريون: قيل: هم خواصه، وكذلك أصحاب رسول الله  هم حواريوه، وقد ذكرنا هذا في سورة آل عمران [و] الاختلاف فيه.

ثم قوله: ﴿ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ ﴾ يحتمل الوحي إليهم وجهين: أحدهما: أنه أوحى إلى رسوله عيسى -  - فنسب ذلك إليهم وأضيف؛ لأن الوحي إلى عيسى كالوحي إليهم؛ كقوله -  -: ﴿ وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ  ﴾ وما أنزل علينا، وما أنزل على كذا ما أنزل إلى رسول الله كالمنزل إلينا، فعلى ذلك الوحي إلى عيسى هو كالوحي إليهم.

والثاني: أوحى إليهم وحي إلهام؛ كقوله: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ  ﴾ الآية، وقوله -  - ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ  ﴾ ونحوه، أنه وحي إلهام وقذف لا وحي إرسال، والقذف في القلب من غير تكلف ولا كسب، وهو الإخطار بالقلب على السرعة ﴿ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي ﴾ .

والخطر يكون من الله  ، ويكون من الشيطان، لكن ما يكون من الله  يكون خيراً، يتبين ذلك في آخره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: أن قالوا لعيسى: واشهد أنت عند ربك بأننا مسلمون.

ويحتمل: أن سألوا ربهم: أن يكتبهم من الشاهدين؛ كقوله -  -: ﴿ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

اختلف فيه: قيل: إن قوماً من غير الحواريين سألوا الحواريين أن يسألوا عيسى -  - حتى يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء؛ لأن الحواريين قد قلنا: إنهم كانوا خواص عيسى -  - فكان كمن بدت له حاجة إلى بعض الملوك؛ فإنه إنما يرفع أولا إلى خواصه؛ فهم الذين يتولون رفعها إلى الملك؛ فعلى ذلك رفعوا حاجتهم إلى الحواريين؛ ليسألوا هم نبي الله عيسى -  - ليسأل ربه.

وقال آخرون: لم يسألوا قومهم ذلك؛ ولكن الحواريين هم الذين سألوا عيسى -  - أن يسأل ربه حتى ينزل عليهم مائدة [من السماء]، لكن سؤالهم ذلك يحتمل وجوها: [الأول]: يحتمل سألوا ذلك؛ لما أرادوا أن يشاهدوا الآية، ولم يكونوا شاهدوا قبل ذلك؛ فاحبّوا أن يشاهدوها، وإن كانوا قد آمنوا به وصدقوه من قبل؛ ليزداد لهم بذلك طمأنينة ويقيناً، وهو كقول إبراهيم -  -: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي  ﴾ لما يحتمل أن نفسه كانت تحدث وتنازع في ذلك، وأحب أن يعاين ذلك ويشاهده؛ ليزداد له طمأنينة ويقيناً فعلى ذلك أولئك كانت أنفسهم تحدث وتنازع في مشاهدة الآيات؛ فأحبوا أن يريهم بذلك؛ ليزداد لهم طمأنينة ويقيناً وصلابة في التصديق، والله أعلم.

والثاني: يحتمل أن يكون عيسى يخبرهم أن لهم كرامة ومنزلة عند الله ؛ فأحبوا أن يعرفوا منزلتهم عند الله وكرامتهم.

والثالث: سألوا ذلك؛ ليعرفوا منزلة عيسى -  - عند الله وكرامته: هل يجيب ربه دعاءه إذا سأل ربه؟

والله أعلم.

وإن كان السؤال من قوم [غير] الحواريين؛ فهو لما بدت لهم من الحاجة إليها، [و] لا نعلم ذلك إلا بالخبر الصادق.

وقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ يقرأ بالياء والتاء جميعاً: فمن قرأ بالتاء ذهب في التأويل إلى أن فيه إضماراً؛ كأنهم قالوا: هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء.

ومن قرأ بالياء قال: ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ ، أي: هل يجيب ربُّك دعاءك إذا دعوته أن ينزل علينا مائدة من السماء.

قال الفراء: قد يكون مثل هذا السؤال على غير الجهل من السائل بالمسئول؛ لأنه يجوز أن يقال في الكلام: هل يستطيع فلان أن يقوم في حاجتنا وفي أمرنا، على علم منه أنه يستطيع، ولكنه يسأل عنه: أيفعل أم لا؟

وذلك جائز في العربية؛ ألا ترى أن قراءة من قرأ بالتاء - وهو ابن عباس وعائشة: (هل تستطيع ربك) - على علم منهم أن عيسى يستطيع السؤال لربه؟!

لكنهم قالوا ذلك لما ذكرنا، وذلك جائز في اللغة.

ويجوز أن يراد بالاستطاعة: الإرادة، يقول الرجل لآخر: لا أستطيع أن أنظر إلى فلان، وهو يقدر النظر، لكنه يريد بذلك: لا أريد أن أنظر إليه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ : هل يأذن لك ربُّك بالسؤال في ذلك، والله أعلم.

وقوله: - عز وجل -: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

أي: اتقوا الله، [و] لا تسألوا شيئاً لم يأذن لكم في ذلك ﴿ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ﴾ .

[قوله: ﴿ وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ﴾ يدل على أنهم سألوا ذلك؛ لما كانت تحدث أنفسهم وتنازع في مشاهدة الآيات ومعاينتها، وإن كانوا صدقوا عيسى -  - فيما يقول لهم ويخبر عن الله؛ للمعنى الذي ذكرنا في إبراهيم  ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا ﴾ .

اختلف في تلاوته وفي تأويله: قال بعضهم بالنصب ﴿ نعلم ﴾ ، فهي القراءة الظاهرة المشهورة، ومعناه: وأن نعلم ما قد صدقتنا.

والثاني: أن العلم بالشيء من جهة الخبر ربما يعترض الوساوس والشبه؛ فطلبوا آية من جهة الحس والعيان؛ ليكون ذلك أدفع لما يعترض من الشبه والوساوس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ ﴾ .

أي: نكون عليها لمن أنكرها من الشاهدين: أنها نزلت.

قوله  : ﴿ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا ﴾ .

أي: طعاماً دائماً.

قال بعضهم: قوله ﴿ تَكُونُ لَنَا عِيداً ﴾ ، أي: مجتمعاً، وسمى يوم العيد؛ لاجتماع الخلق.

ثم قيل: نزلت يوم الأحد؛ فجعلوا ذلك اليوم يوم عيدهم.

ثم اختلف في نزول المائدة: قال الحسن: لم تنزل المائدة؛ لأنه سأل أن تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا، ونحن من آخرهم، فلم يكن لنا ما ذكر.

والثاني: ﴿ قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ وقد كفر منهم، ثم لم يظهر أنه عذبهم عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين.

وقال بعضهم: ليس فيه دلالة أنها لم تنزل؛ لأنه يجوز أن يكون قوله: ﴿ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا ﴾ ما لم يأت النسخ، فكان لهم ذلك إلى أن بعث [نبيُّنا] محمد  فنسخ ذلك بيوم الجمعة.

وقالوا: قوله: ﴿ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ذكر في بعض القصة أن من كفر منهم بعد ذلك مسخهم خنازير، فذلك تعذيب لم يعذبه أحداً من العالمين.

وقيل: يحتمل قوله -  -: ﴿ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ في الآخرة، والله أعلم بذلك كله.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَـٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُۥ فَقَدْ عَلِمْتَهُۥ ۚ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ ١١٦ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ ١١٧ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ١١٨ قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّـٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ١١٩ لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۢ ١٢٠

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ...

﴾ \[الآية\].

يحتمل هذا القول أوجهاً ثلاثة: أحدها: أن كان هذا القول منه في الوقت الذي كان عيسى بين أظهرهم؛ ليكون ذلك آية وحجة لمن تبعه على من زاغ عن طريقه، وضل عن سبيل الهدى؛ لأنه تبرأ أن يكون قال لهم ذلك.

ويحتمل: أن يكون قال ذلك له وقت رفعه إلى السماء: قرر عنده أن قومه يقولون ذلك القول بعد مفارقته قومه.

وقيل: إنه يقول ذلك له يوم القيامة ويكون "قال" بمعنى: "يقول"؛ كقوله -  -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ  ﴾ ، وكقوله -  -: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ  ﴾ أي: يقولون، وذلك جائز "قال" بمعنى: "يقول"، وذلك في القرآن كثير.

واتخاذهم عيسى وأمه إلهين قول متناقض؛ لأنهم سمَّوها: أم عيسى؛ فإذا ثبتت لها الأمومة بطل أن تكون إلهاً؛ وكذلك عيسى: إذا ظهر أنه كان ابنا لها، بطل أن يكون إلها؛ لأنه لا يكون ابن غيره إلهاً، لكنهم قوم سفهاء، يقولون ذلك عن سفه.

﴿ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ﴾ .

أي: لا ينبغي لي أن أقول ما ليس ذلك بحق.

﴿ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ .

يتكلم في النفس على وجهين: أحدهما: يراد ما يضمر.

والثاني: على إرادة الذات؛ فإن كان الله يتعالى عن أن يوصف بالذات كما يوصف الخلق؛ دل أنه إنما يراد بذلك غيره، وهو أن يقال: تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، أو يقول: تعلم ما كان مني ولا أطلع على غيبك.

﴿ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ .

أي: إنك أنت علام ما غاب عن الخلق.

قوله  : ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ ﴾ .

أي: ما دعوتهم إلا إلى ما أمرتني أن أدعوهم إليه من التوحيد والعبادة لك.

وقوله: ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ﴾ .

أي: شاهداً عليهم.

هذا يدل على أن ذلك القول كان منه وقت رفعه إلى السماء، أو يكون يوم القيامة.

ويقال: ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ﴾ أي: كنت عليهم حفيظاً ما كنتُ بين أظهرهم.

﴿ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ﴾ .

أي: الحفيظ عليهم.

﴿ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ .

بما أمرتهم من التوحيد والعبادة لك، وشاهداً عليهم بما قالوا من البهتان.

وذكر في بعض القصة: لما قال الله -  - لعيسى: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ - قيل: فَأُرْعِدَتْ مفاصله، وخشي أن يكون قالها؛ فقال: ﴿ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ...

﴾ الآية.

وذكر - أيضاً - متكلمان يتكلمان يوم القيام: نبي الله عيسى ابن مريم -  - وعدو الله إبليس - لعنه الله -: فأما كلام عيسى -  - يقول الله: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ فقال عيسى ابن مريم -  -: ﴿ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ...

﴾ إلى قوله: ﴿ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

وأما كلام اللعين: فيقول: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ...

﴾ الآية [إبراهيم: 22].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

اختلف فيه: عن الحسن قال: يقول ذلك في الآخرة: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ ﴾ إن تعذب من مات على ما كان منه من القول الوخش في الله، ﴿ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ أي: وإن تغفر لمن أكرمت له بالإسلام والهدى ﴿ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ ؛ لأن منهم من قد آمن بعد هذا القول الوخش في الله.

وقال آخرون: هذا القول كان من عيسى في الدنيا: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ ﴾ ، يقول: إن تعذب من مات على الكفر الذي كان منهم ﴿ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ ﴾ من أكرمت له الهدى ﴿ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ أي: أنت العزيز وهم عبادك أذلاء.

وفي حرف ابن مسعود -  -: (فإنك أنت الغفور الرحيم) [و] هو ظاهر؛ لأنه ذكر أنه غفور على إثر المغفرة.

وروي في الخبر أن نبي الله -  - كان أحيا ليله بقوله: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ به قام، وبه سجد، وبه قعد، فهو - والله أعلم - على التشفع والتضرع إليه، كأنه قال: إن خذلتهم فمن الذي ينصرهم ويدفع ذلك عنهم دونك، وهم عبادك أذلاء؟!

وإن أكرمتهم فمن الذي يمنعك عن إكرامهم؟!.

والثاني: إن تعذبهم فلك سلطان عليهم، ولست أنت في تعذيبك إياهم جائرا؛ لأنهم عبادك؛ لأن الجور هو المجاوزة عن الحد الذي له إلى الحد الذي ليس له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا ﴾ .

قيل: "قال..." بمعنى: "يقول الله يوم القيامة" ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ﴾ ، أي: اليوم ينفع الصادقين صدقهم في الدنيا، وينفع صدق الصادق - أيضاً - في الدنيا؛ لأنه إذا عرف بالصدق قُبِلَ قوله، وإن لم يظهر صدقه في قوله.

ثمَّ اختلف في الصادقين من هم؟: قال بعضهم: هم المؤمنون جملة، أي: يومئذ ينفع إيمان المؤمنين، وتوحيد الموحدين في الدنيا؛ كقوله -  -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ  ﴾ .

وقال بعضهم: الصادقون: هم الأنبياء، عليهم السلام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ .

قد ذكرناه فيما تقدم.

﴿ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ﴾ .

و"خالدين" و"أبداً" واحد؛ لكنه يذكر على التأكيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ .

لسعيهم في الدنيا.

﴿ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ .

بالثواب لسعيهم.

ويحتمل: ﴿ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ بما وفقهم على سعيهم المحمود في الدنيا ﴿ ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ .

لأنه ليس بعده خوف الهلاك، ولا خوف الفوت؛ فهو الفوز العظيم، ليس كفوز الدنيا؛ لأنه لا يذهب عنه خوف الهلاك، ولا خوف الفوت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ﴾ .

[كأن] هذا خرج على إثر قوله: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: كيف يتخذ أرباباً وولداً وله ملك السماوات والأرض وملك ما فيهن من الخلق، كلهم عبيده وإماؤه؟!.

﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

لا يعجزه شيء، [ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله