تفسير سورة المائدة الآيات ٥٤-٥٨ عند تأويلات أهل السنة

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 5 المائدة > الآيات ٥٤-٥٨

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٥٤ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ ٥٥ وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ ٥٦ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَكُمْ هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٥٧ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْقِلُونَ ٥٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 12 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ...

﴾ الآية.

قوله -  -: ﴿ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ ﴾ : إن قوله: ﴿ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ ﴾ - وإن كان حرف توحيد وتفريد - فإن المراد منه الجماعة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ ﴾ ؟!

دل هذا على أن المراد منه الجماعة والعصابة، ولأن الواحد - والاثنين - إذا ارتد عن الإسلام يؤخذ ويحبس ويقتل إن أبى الإسلام، والجماعة إذا ارتدوا عن الإسلام احتيج إلى نصب الحرب والقتال؛ على ما نصب أبو بكر الحرب مع أهل الردة.

وفي الآية دلالة إمامة أبي بكر الصديق -  - لأن العرب لما ارتدت [عن الإسلام] بعد رسول الله  حاربهم؛ فكان هو ومن قام بحربهم ممن أحب الله وأحبه الله.

وعن الحسن -  -: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ قال: هو - والله - أبو بكر وأصحابه،  م أجمعين.

وقوله -  -: ﴿ قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً  ﴾ : يدل على إمامة أبي بكر -  - لأنه كان الداعي إلى حرب أهل الردة.

فإن قيل: يجوز أن يكون النبي  هو الذي دعاهم - قيل له: قال الله -  -: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً  ﴾ فمحال أن يدعوهم فيطيعوا، وقد قال الله -  -: إنهم لن يخرجوا معه أبداً.

فإن قيل: قد يجوز أن يكون عمر -  - هو الذي دعاهم - قيل له: فإن كان، فإمامة عمر -  - ثابتة بدليل الآية، وإذا صحت إمامته صحت إمامة أبي بكر -  - لأنه المختار له والمستخلف.

فإن قيل: قد يجوز أن يكون علي -  - هو الذي دعاهم إلى محاربة من حارب - قيل له: قال الله -  -: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ ، وهذه صفة من يُحَارَبُ من مشركي العرب الذين لا تقبل منهم الجزية، وعلي -  - إنما حارب أهل البغي وهم مسلمون، ولم يحارب أحد بعد النبي أهل الردة غير أبي بكر -  - فكانت الآية دليلا على صحة إمامته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ .

﴿ فَسَوْفَ ﴾ كقوله: ﴿ عَسَى ﴾ ، والعسى من الله واجب.

أخبر - عز وجل - أنه يأتي بقوم يحبهم؛ لبذلهم أنفسهم في مجاهدة [أعداء الله]، وتركهم في الله لومة لائم؛ فذلك لحبهم لله؛ لأنه لا أحد يبذل نفسه للهلاك، وترك لومة لائم - إلا لمن يحب الله، وأحبهم الله: لما أثنى عليهم بقوله: ﴿ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ ﴾ ، وحبهم لله: لما بذلوا أنفسهم في مجاهدة أعدائه، وتركهم لومة لائم.

وفيه دلالة إثبات إمامة أبي بكر -  - لأنه - عز وجل - اثنى عليهم بخروجهم في سبيل الله ومجاهدة أعدائه؛ فلو كان غاصباً ذلك على عليٍّ -  - أو كان غير محق لذلك - لم يكن الله ليثني عليه بذلك؛ لأنه كان آخذاً ما ليس له أخذه ومضيعاً حقا لغيره، ومن كان هذا سبيله لم يكن يستوجب كل هذا الثناء في الله  ؛ فهذا ينقض على الروافض قولهم وما روي: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ" وغيره من الأخبار، وذلك في الوقت الذي طلب علي -  - الخلافة وحارب عليها؛ لأنه لا يحتمل أن يعلم أن له الخلافة في زمن أبي بكر -  - ويرى الحق لنفسه، ثم يترك طلبها؛ لأنه كان مضيعاً حق الله عليه؛ فدل سكوته وترك طلبه على أن الحق ليس له، ولكن كان لأبي بكر -  - والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

أي: للمؤمنين، أي: ذوو رحمة ورأفة للمؤمنين.

﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

أي: شاقة شديدة على الكافرين، وهو ما وصفهم، عز وجل: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ الآية، بذلك وصفهم عز وجل.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك الجهاد في سبيل الله، أي: في طاعة الله ﴿ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ، وقيل: ذلك الإسلام ﴿ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ .

﴿ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قد ذكرنا هذا في غير موضع.

قوله  : ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية.

قال بعض أهل التأويل: قوله -  -: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ هو صلة قوله: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ [وكذلك قوله -  -]: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ  ﴾ هو صلة ما تقدم [ذكره]: نهى المؤمنين أن يتخذوا الذين أوتوا الكتاب، والذين لم يؤتوا الكتاب أولياء في غير آي من القرآن، وأخبر أن الله ورسوله هو ولي الذين آمنوا، والمؤمنون - أيضاً - بعضهم أولياء بعض [كما في] قوله: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ ، فإذا كان الله - عز وجل - ورسوله والذين آمنوا أولياء لمن آمن - لم ينبغ أن يتخذوا الكفار أولياء.

وذكر في بعض القصة أن عبد الله بن سلام قال للنبي  : إن اليهود أظهروا لنا العداوة من أجل إسلامنا، وحلفوا ألا يكلمونا، ولا يخالطونا في شيء، ومنازلنا فيهم، وإنا لا نجد متحدثاً دون هذا المسجد؛ فنزلت الآية - فقالوا: قد رضينا بالله وبرسوله والمؤمنين أولياء.

ثم اختلف في نزوله: قال بعضهم: نزلت في شأن علي -  - تصدق بخاتمه وهو في الركوع.

ويقولون: "خرج النبي  فإذا هو بمسكين، فدعاه النبي  قال: هَلْ أَعْطَاكَ أَحَدٌ شَيْئاً، قال: نعم [يا رسول الله]، قال النبي  : ماذا؟

قال: خاتم فضة؟

قال: مَنْ أَعْطَاكَ؟

قال: ذلك الرجل القائم - يعني: عليا - قال النبي  : على أي حال أعطاكه؟

قال: أعطانيه وهو راكع؛ فكبر النبي  ودعا له وأثنى عليه" .

فاحتج الروافض بهذه الآية على تفضيل علي بن أبي طالب -  - على أبي بكر وإثبات الخلافة له دون غيره.

ويقولون: نزلت في شأنه -  - لما روي عن أبي جعفر -  - قال: "تصدق علي بن أبي طالب -  - بخاتمه وهو راكع؛ فنزل: ﴿ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ .

فيقال لهم: هب أن الآية نزلت في شأنه، وليس فيها دلالة إثبات الخلافة له في زمن أبي بكر -  - لأنا قد ذكرنا في الآية الأولى ما يدل على إثبات الإمامة له في الوقت الذي كان هو إماماً، ونحن لا نجعل لعلي - كرم الله وجهه - الخلافة له في الوقت الذي لم ير لنفسه فيه الخلافة؛ لأنه روي عنه أنه قال: "إن أبا بكر هو خير الناس بعد رسول الله،  " أو كلام نحو هذا.

وفي الخبر عن النبي  أنه قال: "لَوْ وَلَّيْتُمْ أَبَا بَكْرٍ لَوَجَدْتُمُوهُ قَوِيّاً فِي دِينِهِ، ضَعِيفاً فِي بَدَنِهِ، وَإِنْ وَلَّيْتُمْ عُمَرَ لَوَجَدْتُمُوهُ قَويّاً فِي دِينِهِ وَبَدَنِهِ، وَإِنْ وَلَّيْتُمْ عَلِيّاً لَوَجَدْتُمُوهُ هَادِياً مَهْدِيّاً مُرْشِداً" فنقول: نحن على ما كان من علي وسائر الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - من تسليم الأمور، إلى أبي بكر، وتفويضهم إليه من غير منازعة ظهرت من علي - كرم الله وجهه - في ذلك؛ فلو كان الحق له في ذلك الوقت، لظهرت منه المنازعة على ما ظهرت في الوقت الذي كان له.

فقالوا: لأن عليّاً -  - لم يكن له أنصار، وفي الوقت الذي ظهرت المنازعة منه والطلب كان له أنصار.

قيل: لا يحتمل أن يكون الحق له فيها ثم لا يطلب؛ لما لم يكن له أنصار؛ ألا ترى أن أبا بكر -  - مع ضعفه في بدنه، خرج وحده لحرب أهل الردة، حتى لما رأوه خرج وحده حيئنذ تبعوه؟!

فأبو بكر لم يترك طلب الحق لعدم الأنصار، مع ضعفه في بدنه، فعلي -  - مع شدته وقوته وفضل علمه بأمر الحرب؛ حتى لم يبارز أحداً من الأعداء إلا غلبه وأهلكه؛ فكيف توهمتم في ترك طلب الحق لفقد الأنصار له والأعوان في ذلك؟!

هذا لعمري لا يتوهم في أضعف أصحاب رسول الله  فضلا أن يتوهم في علي -  - فدل ترك طلب ذلك منه على أنه ترك؛ لما رأى الحق له، والله أعلم.

واحتجوا بما روي عن [رسول] الله  أنه قال لعلي: "أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، غَيْرَ أَنْ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي" ، وهارون كان خليفة موسى؛ فَلِمَ أنكرتم - أيضاً - أن عليّاً -  - كان خليفة رسول الله  ؟!

قيل: لهذا جوابان: أحدهما: أن قوله: "أَنْتَ مِنْي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى" يحتمل أن يكون في الأخوة التي كان آخاه رسول الله  وليس في إثبات الأخوة إثبات الخلافة له.

والثاني: أنه كانت له الخلافة في الوقت الذي كان هو، وليس في الخبر جعل الخلافة له في الأوقات كلها وهكذا جواب ما روي عنه: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَليٌّ مَوْلاَهُ" والله أعلم.

ثم إن كان الحديث الذي روي عن أبي جعفر -  - صحيحاً؛ ففي الآية معنيان: أحدهما: فضيلة علي - كرم الله وجهه - وقد كان كثير الفضائل، مُسْتَكْمِلاً خصال الخير.

والآخر: أن العمل اليسير في الصلاة لا يفسدها، وقد روي في بعض الأخبار عن النبي  أنه خلع نعله في الصلاة، وأنه مس لحيته، وأنه أشار بيده، وغير ذلك من العمل اليسير فعله في صلاته؛ فيقاس كل عمل يسير على ما دل عليه الخبر على جواز الصلاة.

وفيه وجه آخر: وهو أن الصدقة التطوع تسمى زكاة؛ لأن صدقة علي -  - بالخاتم لم تكن صدقة مفروضة، بل كانت تطوعاً؛ فسماها الله زكاة وإن كانت تطوعاً؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ  ﴾ ، فسماها [الله] زكاة، وإن كانت تطوعاً؛ كما تسمى صلاة الفرض والتطوع: صلاة، وصوم التطوع والفرض: صياماً؛ فعلى ذلك هذا.

وظاهر الآية في جملة المؤمنين، [و] ليس علي -  - أولى بها من غيره، فإن كان فيه نزل، فهو ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ ﴾ .

ظاهر هذا لو صرف إلى أبي بكر الصديق -  - كان أقرب؛ لأنه كان هو الغالب على أهل الردة من أول ما وقع بينهم إلى آخره، وعلي -  - إنما صار الأمر له في آخره حين حارب الخوارج، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً...

﴾ إلى آخره.

يحتمل النهي عن اتخاذ أولئك أولياء وجوهاً: يحتمل: النهي قبل أن يتخذوا؛ لئلا يتخذوا.

ويحتمل: النهي بعدما اتخذوا أولياء: لا في الدين، ولكن في بعض المكاسب.

ويحتمل: أن يكون النهي للمنافقين ألا يكونوا مع أولئك على المؤمنين، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

والحزب: هو العون والنصر في اللغة؛ قال الكسائي: تقول العرب: فلان حزبي، أي ناصري وعوني.

وقوله: ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ﴾ .

يخبر نبيه  غاية سفههم بصنيعهم إذا نودي [إلى الصلاة]؛ لأنه ذكر في القصة: أنهم إذا سمعوا المنادي يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"، قالوا: حرق الكاذب، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين من هذه الأديان أقل حظّاً في الدنيا والآخرة منهم، يعنون: محمداً  وأصحابه -  م - فدخل خادمهم ليلة من الليالي بنار وهو نائم، فسقطت شرارة؛ فحرقت البيت واحترق هو وأهله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ﴾ .

نفي عنهم العقل؛ لما لم ينتفعوا بما عقلوا؛ وإلا كانوا يعقلون؛ وعلى ذلك يخرج قوله ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ  ﴾ ، لما لم ينتفعوا بما سمعوا به وعقلوا، وكذلك قوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ...

﴾ الآية [البقرة: 18]: إنا نعلم أنهم كانوا يبصرون ويسمعون؛ لكن نفي عنهم لما لم ينتفعوا بالبصر والسمع واللسان؛ كمن ليس له ذلك في الأصل، والله أعلم.

ويحتمل وجها آخر: وهو أن شدة بغضهم وحسدهم [لنبينا محمد]  تمنعهم عن فهم ما خوطبوا به، وتحول بينهم وبين معرفة ذلك - فكانوا كمن ليس لهم ذلك رأساً.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده