الآية ٥٨ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٥٨ من سورة المائدة

وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْقِلُونَ ٥٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 104 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٨ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٨ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله [ تعالى ] ( وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ) أي : وكذلك إذا أذنتم داعين إلى الصلاة التي هي أفضل الأعمال لمن يعقل ويعلم من ذوي الألباب ( اتخذوها ) أيضا ( هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) معاني عبادة الله وشرائعه ، وهذه صفات أتباع الشيطان الذي " إذا سمع الأذان أدبر وله حصاص ، أي : ضراط حتى لا يسمع التأذين ، فإذا قضي التأذين أقبل ، فإذا ثوب بالصلاة أدبر ، فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وقلبه ، فيقول : اذكر كذا ، اذكر كذا ، لما لم يكن يذكر ، حتى يظل الرجل إن يدري كم صلى ، فإذا وجد أحدكم ذلك ، فليسجد سجدتين قبل السلام " .

متفق عليه .

وقال الزهري : قد ذكر الله [ تعالى ] التأذين في كتابه فقال : ( وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) رواه ابن أبي حاتم .

وقال أسباط عن السدي في قوله : ( وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ) قال : كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي : " أشهد أن محمدا رسول الله " قال : حرق الكاذب!

فدخلت خادمة ليلة من الليالي بنار وهو نائم وأهله نيام ، فسقطت شرارة فأحرقت البيت ، فاحترق هو وأهله .

رواه ابن جرير وابن أبي حاتم .

وذكر محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة عام الفتح ، ومعه بلال فأمره أن يؤذن وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة ، فقال عتاب بن أسيد : لقد أكرم الله أسيدا ألا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه .

وقال الحارث بن هشام : أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته .

فقال أبو سفيان : لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى .

فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " قد علمت الذي قلتم " ثم ذكر ذلك لهم ، فقال الحارث وعتاب : نشهد أنك رسول الله ، [ والله ] ما اطلع على هذا أحد كان معنا ، فنقول أخبرك .

وقال الإمام أحمد : حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا ابن جريج أخبرنا عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة أن عبد الله بن محيريز أخبره - وكان يتيما في حجر أبي محذورة - قال : قلت لأبي محذورة : يا عم ، إني خارج إلى الشام وأخشى أن أسأل عن تأذينك .

فأخبرني أن أبا محذورة قال له : نعم خرجت في نفر ، وكنا ببعض طريق حنين ، مقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين ، فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق ، فأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون فصرخنا نحكيه ونستهزئ به ، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصوت ، فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟

" فأشار القوم كلهم إلي ، وصدقوا ، فأرسل كلهم وحبسني .

وقال " قم فأذن بالصلاة " .

فقمت ولا شيء أكره إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا مما يأمرني به فقمت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فألقى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو بنفسه ، قال : " قل : الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، " ثم قال لي : " ارجع فامدد من صوتك " .

ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، حي على الفلاح ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله " .

ثم دعاني حين قضيت التأذين ، فأعطاني صرة فيها شيء من فضة ، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة ثم أمرها على وجهه ، ثم بين ثدييه ثم على كبده حتى بلغت يد رسول الله سرة أبي محذورة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بارك الله فيك وبارك عليك " .

فقلت : يا رسول الله ، مرني بالتأذين بمكة .

فقال قد " أمرتك به " .

وذهب كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهة ، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرني ذلك من أدركت من أهلي ممن أدرك أبا محذورة على نحو ما أخبرني عبد الله بن محيريز .

هكذا رواه الإمام أحمد وقد أخرجه مسلم في صحيحه ، وأهل السنن الأربعة من طريق عن عبد الله بن محيريز ، عن أبي محذورة - واسمه سمرة بن معير بن لوذان - أحد مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم الأربعة ، وهو مؤذن أهل مكة وامتدت أيامه ، رضي الله عنه وأرضاه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (58) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا أذن مؤذنكم، أيها المؤمنون بالصلاة، سخر من دعوتكم إليها هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين، ولعبوا من ذلك=" ذلك بأنهم قوم لا يعقلون "، يعني تعالى ذكره بقوله: " ذلك "، فعلهم الذي يفعلونه، وهو هزؤهم ولعبهم من الدعاء إلى الصلاة، إنما يفعلونه بجهلهم بربهم، وأنهم لا يعقلون ما لهم في إجابتهم إن أجابوا إلى الصلاة، وما عليهم في استهزائهم ولعبهم بالدعوة إليها، ولو عَقَلوا ما لمن فعل ذلك منهم عند الله من العقاب، ما فعلوه.

* * * وقد ذكر عن السدي في تأويله ما:- 12218 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوًا ولعبًا "، كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: " أشهد أن محمدًا رسول الله "، قال: " حُرِّق الكاذب "!

فدخلت خادمه ذات ليلة من الليالي بنار وهو نائم وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلونفيه اثنتا عشرة مسألة :الأولى : قال الكلبي : كان إذا أذن المؤذن وقام المسلمون إلى الصلاة قالت اليهود : قد قاموا لا قاموا ; وكانوا يضحكون إذا ركع المسلمون وسجدوا وقالوا في حق الأذان : لقد ابتدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم ، فمن أين لك صياح مثل صياح العير ؟

فما أقبحه من صوت ، وما أسمجه من أمر .

وقيل : إنهم كانوا إذا أذن المؤذن للصلاة تضاحكوا فيما بينهم وتغامزوا على طريق السخف والمجون ; تجهيلا لأهلها ، وتنفيرا للناس عنها وعن الداعي إليها .

وقيل : إنهم كانوا يرون المنادي إليها بمنزلة اللاعب الهازئ بفعلها ، جهلا منهم بمنزلتها ; فنزلت هذه الآية ، ونزل قوله سبحانه : ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا والنداء الدعاء برفع الصوت ، وقد يضم مثل الدعاء والرغاء ، وناداه مناداة ونداء أي : صاح به .

وتنادوا أي : نادى بعضهم بعضا ، وتنادوا أي : جلسوا في النادي ، وناداه جالسه في النادي ، وليس في كتاب الله تعالى ذكر الأذان إلا في هذه الآية ، أما إنه ذكر في الجمعة على الاختصاص .الثانية : قال العلماء : ولم يكن الأذان بمكة قبل الهجرة ، وإنما كانوا ينادون " الصلاة جامعة " فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وصرفت القبلة إلى الكعبة أمر بالأذان ، وبقي " الصلاة جامعة " للأمر يعرض ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أهمه أمر الأذان حتى أريه عبد الله بن زيد ، وعمر بن [ ص: 165 ] الخطاب ، وأبو بكر الصديق رضي الله عنهم ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم سمع الأذان ليلة الإسراء في السماء ، وأما رؤيا عبد الله بن زيد الخزرجي الأنصاري وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما فمشهورة ; وأن عبد الله بن زيد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ليلا طرقه به ، وأن عمر رضي الله عنه قال : إذا أصبحت أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم ; فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن بالصلاة أذان الناس اليوم ، وزاد بلال في الصبح " الصلاة خير من النوم " فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وليست فيما أري الأنصاري ; ذكره ابن سعد عن ابن عمر ، وذكر الدارقطني رحمه الله أن الصديق رضي الله عنه أري الأذان ، وأنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالا قبل أن يخبره الأنصاري ; ذكره في كتاب " المديح " له في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر الصديق وحديث أبي بكر عنه .الثالثة : واختلف العلماء في وجوب الأذان والإقامة ; فأما مالك وأصحابه فإن الأذان عندهم إنما يجب في المساجد للجماعات حيث يجتمع الناس ، وقد نص على ذلك مالك في موطئه ، واختلف المتأخرون من أصحابه على قولين : أحدهما : سنة مؤكدة واجبة على الكفاية في المصر وما جرى مجرى المصر من القرى .

وقال بعضهم : هو فرض على الكفاية .

وكذلك اختلف أصحاب الشافعي ، وحكى الطبري عن مالك قال : إن ترك أهل مصر الأذان عامدين أعادوا الصلاة ; قال أبو عمر : ولا أعلم اختلافا في وجوب الأذان جملة على أهل المصر ; لأن الأذان هو العلامة الدالة المفرقة بين دار الإسلام ودار الكفر ; وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية قال لهم : إذ سمعتم الأذان فأمسكوا وكفوا وإن لم تسمعوا الأذان فأغيروا - أو قال - فشنوا الغارة ، وفي صحيح مسلم قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير إذا طلع الفجر ، فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار الحديث وقال عطاء ومجاهد والأوزاعي وداود : الأذان فرض ، ولم يقولوا على الكفاية ، وقال الطبري : الأذان سنة وليس بواجب ، وذكر عن أشهب عن مالك : إن ترك الأذان مسافر عمدا فعليه إعادة الصلاة ، وكره الكوفيون أن يصلي المسافر بغير أذان ولا إقامة ; قالوا : وأما ساكن المصر فيستحب له أن يؤذن ويقيم ; فإن استجزأ بأذان الناس وإقامتهم أجزأه ، وقال الثوري : تجزئه الإقامة عن الأذان في السفر ، وإن شئت أذنت وأقمت ، وقال أحمد بن حنبل : يؤذن المسافر على حديث مالك بن الحويرث .

وقال داود : الأذان واجب على كل مسافر في خاصته والإقامة ; لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث ولصاحبه : إذا كنتما في سفر فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما خرجه البخاري وهو قول أهل الظاهر .

قال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمالك بن الحويرث ولابن عم له : إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما .

قال ابن المنذر : فالأذان والإقامة واجبان على كل جماعة في الحضر [ ص: 166 ] والسفر ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأذان وأمره على الوجوب .

قال أبو عمر : واتفق الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور والطبري على أن المسافر إذا ترك الأذان عامدا أو ناسيا أجزأته صلاته ; وكذلك لو ترك الإقامة عندهم ، وهم أشد كراهة لتركه الإقامة ، واحتج الشافعي في أن الأذان غير واجب وليس فرضا من فروض الصلاة بسقوط الأذان للواحد عند الجمع بعرفة والمزدلفة ، وتحصيل مذهب مالك في الأذان في السفر كالشافعي سواء .الرابعة : واتفق مالك والشافعي وأصحابهما على أن الأذان مثنى والإقامة مرة مرة ، إلا أن الشافعي يربع التكبير الأول ; وذلك محفوظ من روايات الثقات في حديث أبي محذورة ، وفي حديث عبد الله بن زيد ; قال : وهي زيادة يجب قبولها ، وزعم الشافعي أن أذان أهل مكة لم يزل في آل أبي محذورة كذلك إلى وقته وعصره .

قال أصحابه : وكذلك هو الآن عندهم ; وما ذهب إليه مالك موجود أيضا في أحاديث صحاح في أذان أبي محذورة ، وفي أذان عبد الله بن زيد ، والعمل عندهم بالمدينة على ذلك في آل سعد القرظي إلى زمانهم ، واتفق مالك والشافعي على الترجيع في الأذان ; وذلك رجوع المؤذن إذا قال : " أشهد أن لا إله إلا الله مرتين أشهد أن محمدا رسول الله مرتين " رجع فمد من صوته جهده .

ولا خلاف بين مالك والشافعي في الإقامة إلا قوله : " قد قامت الصلاة " فإن مالكا يقولها مرة ، والشافعي مرتين ; وأكثر العلماء على ما قال الشافعي ، وبه جاءت الآثار ، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي : الأذان والإقامة جميعا مثنى مثنى ، والتكبير عندهم في أول الأذان وأول الإقامة " الله أكبر " أربع مرات ، ولا ترجيع عندهم في الأذان ; وحجتهم في ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن زيد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، رأيت في المنام كان رجلا قام وعليه بردان أخضران على جذم حائط فأذن مثنى وأقام مثنى وقعد بينهما قعدة ، فسمع بلال بذلك فقام وأذن مثنى وقعد قعدة وأقام مثنى ; رواه الأعمش وغيره عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى ، وهو قول جماعة التابعين والفقهاء بالعراق .

قال أبو إسحاق السبيعي : كان أصحاب علي وعبد الله يشفعون الأذان والإقامة ; فهذا أذان الكوفيين ، متوارث عندهم به العمل قرنا بعد قرن أيضا ، كما يتوارث الحجازيون ; فأذانهم تربيع التكبير مثل المكيين .

ثم الشهادة بأن لا إله إلا الله مرة واحدة ، وأشهد أن محمدا رسول الله مرة واحدة ، ثم حي على الصلاة مرة ، ثم حي على الفلاح مرة ، ثم يرجع المؤذن فيمد صوته ويقول : أشهد أن لا إله إلا الله - الأذان كله - مرتين مرتين إلى آخره .

قال أبو عمر : ذهب [ ص: 167 ] أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود بن علي ومحمد بن جرير الطبري إلى إجازة القول بكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحملوه على الإباحة والتخيير ، قالوا : كل ذلك جائز ; لأنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع ذلك ، وعمل به أصحابه ، فمن شاء قال : الله أكبر مرتين في أول الأذان ، ومن شاء قال ذلك أربعا ، ومن شاء رجع في أذانه ، ومن شاء لم يرجع ، ومن شاء ثنى الإقامة ، ومن شاء أفردها ، إلا قوله : " قد قامت الصلاة " فإن ذلك مرتان مرتان على كل حال !

!

.الخامسة : واختلفوا في التثويب لصلاة الصبح - وهو قول المؤذن : الصلاة خير من النوم - فقال مالك والثوري والليث : يقول المؤذن في صلاة الصبح - بعد قوله : حي على الفلاح مرتين - الصلاة خير من النوم مرتين ; وهو قول الشافعي بالعراق ، وقال بمصر : لا يقول ذلك ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : يقوله بعد الفراغ من الأذان إن شاء ، وقد روي عنهم أن ذلك في نفس الأذان ; وعليه الناس في صلاة الفجر .

قال أبو عمر روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي محذورة أنه أمره أن يقول في أذان الصبح : ( الصلاة خير من النوم ) .

وروي عنه أيضا ذلك من حديث عبد الله بن زيد ، وروي عن أنس أنه قال : من السنة أن يقال في الفجر " الصلاة خير من النوم " ، وروي عن ابن عمر أنه كان يقوله ; وأما قول مالك في " الموطأ " أنه بلغه أن المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه بصلاة الصبح فوجده نائما فقال : الصلاة خير من النوم ; فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح فلا أعلم أن هذا روي عن عمر من جهة يحتج بها وتعلم صحتها ; وإنما فيه حديث هشام بن عروة عن رجل يقال له " إسماعيل " فاعرفه ; ذكر ابن أبي شيبة حدثنا عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن رجل يقال له " إسماعيل " قال : جاء المؤذن يؤذن عمر بصلاة الصبح فقال : الصلاة خير من النوم " فأعجب به عمر وقال للمؤذن : " أقرها في أذانك " .

قال أبو عمر : والمعنى فيه عندي أنه قال له : نداء الصبح موضع القول بها لا هاهنا ، كأنه كره أن يكون منه نداء آخر عند باب الأمير كما أحدثه الأمراء بعد .

قال أبو عمر : وإنما حملني على هذا التأويل وإن كان الظاهر من الخبر خلافه ; لأن التثويب في صلاة الصبح أشهر عند العلماء والعامة من أن يظن بعمر رضي الله عنه أنه جهل شيئا سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به مؤذنيه ، بالمدينة بلالا ، وبمكة أبا محذورة ; فهو محفوظ معروف في تأذين بلال ، وأذان أبي محذورة في صلاة الصبح للنبي صلى الله عليه وسلم ; مشهور عند العلماء .

روى وكيع عن سفيان عن عمران بن مسلم عن سويد بن غفلة أنه أرسل إلى مؤذنه إذا بلغت " حي على الفلاح " فقل : الصلاة خير من النوم ; فإنه أذان بلال ; ومعلوم أن بلالا لم يؤذن قط لعمر ، ولا سمعه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة بالشام إذ دخلها .[ ص: 168 ] السادسة : وأجمع أهل العلم على أن من السنة ألا يؤذن للصلاة إلا بعد دخول وقتها إلا الفجر ، فإنه يؤذن لها قبل طلوع الفجر في قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ; وحجتهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم .

وقال أبو حنيفة والثوري ومحمد بن الحسن : لا يؤذن لصلاة الصبح حتى يدخل وقتها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث وصاحبه : إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما وليؤمكما أكبركما وقياسا على سائر الصلوات ، وقالت طائفة من أهل الحديث : إذا كان للمسجد مؤذنان أذن أحدهما قبل طلوع الفجر ، والآخر بعد طلوع الفجر .السابعة : واختلفوا في المؤذن يؤذن ويقيم غيره ; فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أنه لا بأس بذلك ; لحديث محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره إذ رأى النداء في النوم أن يلقيه على بلال ; ثم أمر عبد الله بن زيد فأقام .

وقال الثوري والليث والشافعي : من أذن فهو يقيم ; لحديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن زياد بن نعيم عن زياد بن الحارث الصدائي قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان أول الصبح أمرني فأذنت ، ثم قام إلى الصلاة فجاء بلال ليقيم .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم .

قال أبو عمر : عبد الرحمن بن زياد هو الإفريقي ، وأكثرهم يضعفونه ، وليس يروي هذا الحديث غيره ; والأول أحسن إسنادا إن شاء الله تعالى .

وإن صح حديث الإفريقي فإن من أهل العلم من يوثقه ويثني عليه ; فالقول به أولى لأنه نص في موضع الخلاف ، وهو متأخر عن قصة عبد الله بن زيد مع بلال ، والآخر ; فالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى أن يتبع ، ومع هذا فإني أستحب إذا كان المؤذن واحدا راتبا أن يتولى الإقامة ; فإن أقامها غيره فالصلاة ماضية بإجماع ، والحمد لله .الثامنة : وحكم المؤذن أن يترسل في أذانه ، ولا يطرب به كما يفعله اليوم كثير من الجهال ، بل وقد أخرجه كثير من الطغام والعوام عن حد الإطراب ; فيرجعون فيه الترجيعات ، ويكثرون فيه التقطيعات حتى لا يفهم ما يقول ، ولا بما به يصول .

روى الدارقطني من حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن يطرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 169 ] إن الأذان سهل سمح فإن كان أذانك سهلا سمحا وإلا فلا تؤذن ، ويستقبل في أذانه القبلة عند جماعة العلماء ، ويلوي رأسه يمينا وشمالا في " حي على الصلاة حي على الفلاح " عند كثير من أهل العلم .

قال أحمد : لا يدور إلا أن يكون في منارة يريد أن يسمع الناس ; وبه قال إسحاق ، والأفضل أن يكون متطهرا .التاسعة : ويستحب لسامع الأذان أن يحكيه إلى آخر التشهدين وإن أتمه جاز ; لحديث أبي سعيد ; وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا قال المؤذن : الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر ، ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، قال : أشهد أن لا إله إلا الله ثم قال : أشهد أن محمدا رسول الله قال : أشهد أن محمدا رسول الله ، ثم قال : حي على الصلاة قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال : حي على الفلاح قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال : الله أكبر الله أكبر قال : الله أكبر الله أكبر ، ثم قال : لا إله إلا الله قال : لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة ، وفيه عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من قال حين يسمع المؤذن : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا غفر له ما تقدم من ذنبه .العاشرة : وأما فضل الأذان والمؤذن فقد جاءت فيه أيضا آثار صحاح ; منها ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين الحديث .

وحسبك أنه شعار الإسلام ، وعلم على الإيمان كما تقدم ، وأما المؤذن فروى مسلم عن معاوية قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة ، وهذه إشارة إلى الأمن من هول ذلك اليوم .

والله أعلم ، والعرب تكني بطول العنق عن أشراف القوم وساداتهم ; كما قال قائلهم :يشبهون ملوكا في تجلتهم طوال أنضية الأعناق واللمموفي الموطأ عن أبي سعيد الخدري سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة ، وفي سنن ابن ماجه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أذن محتسبا سبع سنين كتبت له براءة من النار وفيه عن ابن عمر أن [ ص: 170 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أذن ثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة وكتب له بتأذينه في كل يوم ستون حسنة ولكل إقامة ثلاثون حسنة .

قال أبو حاتم : هذا الإسناد منكر والحديث صحيح .

وعن عثمان بن أبي العاص قال : كان آخر ما عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم : ( ألا أتخذ مؤذنا يأخذ على أذانه أجرا ) حديث ثابت .الحادية عشرة : واختلفوا في أخذ الأجرة على الأذان ; فكره ذلك القاسم بن عبد الرحمن وأصحاب الرأي ، ورخص فيه مالك ، وقال : لا بأس به ، وقال الأوزاعي : ذلك مكروه ، ولا بأس بأخذ الرزق على ذلك من بيت المال ، وقال الشافعي : لا يرزق المؤذن إلا من خمس الخمس سهم النبي صلى الله عليه وسلم .

قال ابن المنذر : لا يجوز أخذ الأجرة على الأذان .

وقد استدل علماؤنا بأخذ الأجرة بحديث أبي محذورة ، وفيه نظر ; أخرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما قال : خرجت في نفر فكنا ببعض الطريق فأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسمعنا صوت المؤذن ونحن عنه متنكبون فصرخنا نحكيه نهزأ به ; فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلينا قوما فأقعدونا بين يديه فقال : أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع فأشار إلي القوم كلهم وصدقوا فأرسل كلهم وحبسني وقال لي : قم فأذن فقمت ولا شيء أكره إلي من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مما يأمرني به ، فقمت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فألقى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو بنفسه فقال : قل الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله ، ثم قال لي : ارفع فمد صوتك أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ، ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة ، قد وضع يده على ناصية أبي محذورة ثم أمرها على وجهه ، ثم على ثدييه ، ثم على كبده حتى بلغت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم سرة أبي محذورة ; ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بارك الله لك وبارك عليك ، فقلت : يا رسول الله مرني بالتأذين بمكة ، قال : قد أمرتك .

فذهب كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهية ، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ; فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ; لفظ ابن ماجه .[ ص: 171 ] الثانية عشرة : ذلك بأنهم قوم لا يعقلون أي : أنهم بمنزلة من لا عقل له يمنعه من القبائح .

روي أن رجلا من النصارى وكان بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول : " أشهد أن محمدا رسول الله " قال : حرق الكاذب ; فسقطت في بيته شرارة من نار وهو نائم فتعلقت بالبيت فأحرقته وأحرقت ذلك الكافر معه ; فكانت عبرة للخلق " والبلاء موكل بالمنطق " وقد كانوا يمهلون مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى يستفتحوا ، فلا يؤخروا بعد ذلك ; ذكره ابن العربي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

خصوصا الصلاة التي هي أظهر شعائر المسلمين، وأجلُّ عباداتهم، إنهم إذا نادوا إليها اتخذوها هزوا ولعبا، وذلك لعدم عقلهم ولجهلهم العظيم، وإلا فلو كان لهم عقول لخضعوا لها، ولعلموا أنها أكبر من جميع الفضائل التي تتصف بها النفوس.

فإذا علمتم -أيها المؤمنون- حال الكفار وشدة معاداتهم لكم ولدينكم، فمن لم يعادهم بعد هذا دل على أن الإسلام عنده رخيص، وأنه لا يبالي بمن قدح فيه أو قدح بالكفر والضلال، وأنه ليس عنده من المروءة والإنسانية شيء.

فكيف تدعي لنفسك دينا قيما، وأنه الدين الحق وما سواه باطل، وترضى بموالاة من اتخذه هزوا ولعبا، وسخر به وبأهله، من أهل الجهل والحمق؟!

وهذا فيه من التهييج على عداوتهم ما هو معلوم لكل من له أدنى مفهوم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) قال الكلبي : كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى إلى الصلاة وقام المسلمون إليها ، قالت اليهود : قد قاموا لا قاموا ، وصلوا لا صلوا ، على طريق الاستهزاء ، وضحكوا ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية .

وقال السدي : نزلت في رجل من النصارى بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول : أشهد أن محمدا رسول الله ، قال : حرق الكاذب ، فدخل خادمه ذات ليلة بنار [ وهو وأهله نيام ] فتطايرت منها شرارة فاحترق البيت واحترق هو وأهله .

وقال الآخرون : إن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا المسلمين فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : يا محمد لقد أبدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت - فيما أحدثت - الأنبياء قبلك ، ولو كان فيه خير لكان أولى الناس به الأنبياء ، فمن أين لك صياح كصياح [ العنز ] ؟

فما أقبح من صوت وما أسمج من أمر ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ونزل " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله " ، الآية .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» الذين «إذا ناديتم» دعوتم «إلى الصلاة» بالأذان «اتخذوها» أي الصلاة «هزوا ولعبا» بأن يستهزئوا بها ويتضاحكوا «ذلك» الاتخاذ «بأنهم» أي بسبب أنهم «قوم لا يعقلون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا أذَّن مؤذنكم -أيها المؤمنون- بالصلاة سخر اليهود والنصارى والمشركون واستهزؤوا من دعوتكم إليها؛ وذلك بسبب جهلهم بربهم، وأنهم لا يعقلون حقيقة العبادة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر - سبحانه - بعض مظاهر استهزاء أولئك الضالين بالدين وشعائره ، فقال - تعالى - : ( وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصلاة اتخذوها هُزُواً وَلَعِباً ) .والمراد بالنداء للصلاة : الإِعلام بها عن طريق الأذن .قال القرطبي : كان إذا أذن وقام المسلمون إلى الصلاة قالت اليهود : قاموا لا قاموا ، وكانوا يضحكون إذا ركع المسلمون وسجدوا .وقالوا في حق الأذان : لقد ابتدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم .

فمن أين لك صياح مثل صياح العير؟

فما أقبحه من صوت ، وما أسمحه من أمر .وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله : ( وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصلاة اتخذوها هُزُواً وَلَعِباً ) قال : كان رجل من النصارى بالمدينة ، إذا سمع المنادي ينادي : أشهد أن محمدا رسول الله .

قال : حرف الكاذب .

فدخل خادمه ليلا من الليالي بنار ، وهو نائم وأهله نيام ، فسقطت شرارة فأحرقت البيت .

فاحترق هو وأهله .وقيل : كان المنافقون يتضاحكون عند القيام إلى الصلاة تنفيرا للناس منها .أي : وإذا ناديتم - أيها المؤمنون - بعضكم بعضا إلى الصلاة عن طريق الأذان ، اتخذ هؤلاء الضالون الصلاة والمناداة بها موضعا لسخريتهم وعبثهم وتهكمهم .واسم الإِشارة في قوله : ( ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ) يعود إلى ما كان منهم من استهزاء وسخرية .أي : ذلك الذي صدر عنهم من استهزاء وعبث سببه أنهم قوم سفهاء جهلاء ، لا يدركون الأمور على وجهها الصحيح ، ولا يستجيبون للحق الذي ظهر لهم بسبب عنادهم وأحقادهم .قال ابن كثير : هذا تنفير من موالاة أعداء الإِسلام من الكتابيين والمشركين الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون وهي شرائع الإِسلام المطهرة المحكمة المشتملة على كل خير دينوي وأخروي ، يتخذونها هزوا يستهزئون بها ، ولعبا يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد ، وفكرهم البارد ، كما قال القائل .وكم من عائب قولا صحيحا ...

وآفته من الفهم السقيم

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما حكى في الآية الأولى عنهم أنهم اتخذوا دين المسلمين هزواً ولعباً ذكر هاهنا بعض ما يتخذونه من هذا الدين هزواً ولعباً فقال: ﴿ وَإِذَا ناديتم إِلَى الصلاة اتخذوها هُزُواً وَلَعِباً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الضمير في قوله: ﴿ اتخذوها ﴾ للصلاة أو المناداة.

قيل: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المؤذن بالمدينة يقول: أشهد أن محمداً رسول الله يقول: احرق الكاذب، فدخلت خادمته بنار ذات ليلة فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله.

وقيل: كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي للصلاة وقام المسلمون إليها، فقالت اليهود: قاموا لا قاموا، صلوا لا صلوا على طريق الاستهزاء، فنزلت الآية.

وقيل: كان المنافقون يتضاحكون عند القيام إلى الصلاة تنفيراً للناس عنها.

وقيل: قالوا يا محمد لقد أبدعت شيئاً لم يسمع فيما مضى، فإن كنت نبياً فقد خالفت فيما أحدثت جميع الأنبياء، فمن أين لك صياح كصياح العير، فأنزل الله هذه الآية.

المسألة الثانية: قالوا: دلت الآية على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ هُزُواً وَلَعِباً ﴾ أمران، وذلك لأنهم عند إقامة الصلاة يقولون: هذه الأعمال التي أتينا بها استهزاءً بالمسلمين وسخرية منهم، فإنهم يظنون أنا على دينهم مع أنا لسنا كذلك.

ولما اعتقدوا أنه ليس فيها فائدة ومنفعة في الدين والدنيا قالوا إنها لعب.

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ﴾ أي لو كان لهم عقل كامل لعلموا أن تعظيم الخالق المنعم وخدمته مقرونة بغاية التعظيم لا يكون هزواً ولعباً، بل هو أحسن أعمال العباد وأشرف أفعالهم، ولذلك قال بعض الحكماء: أشرف الحركات الصلاة، وأنفع السكنات الصيام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

روي أن رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث كانا قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يؤادّونهما، فنزلت.

يعني أن اتخاذهم دينكم هزواً ولعباً لا يصحّ أن يقابل باتخاذكم إياهم أولياء، بل يقابل ذلك بالبغضاء والشنآن والمنابذة.

وفصل المستهزئين بأهل الكتاب والكفار- وإن كان أهل الكتاب من الكفار- إطلاقاً للكفار على المشركين خاصة.

والدليل عليه قراءة عبد الله: ﴿ ومن الذين أشركوا ﴾ .

وقرئ: ﴿ والكفار ﴾ بالنصب والجرّ.

وتعضد قراءة الجرّ قراءة أُبيّ: ﴿ ومن الكفار ﴾ ﴿ واتقوا الله ﴾ في موالاة الكفار وغيرها ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ حقاً؛ لأن الإيمان حقاً يأبى موالاة أعداء الدين ﴿ اتخذوها ﴾ الضمير للصلاة أو للمناداة.

قيل: كان رجلاً من النصارى بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول: (أشهد أن محمداً رسول الله) قال: حرّق الكاذب، فدخلت خادمه بنار ذات ليلة وهو نائم، فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت، واحترق هو وأهله.

وقيل: فيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده ﴿ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ لأنّ لعبهم وهزؤهم من أفعال السفهاء والجهلة، فكأنه لا عقل لهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا ﴾ أيِ اتَّخَذُوا الصَّلاةَ، أوِ المُناداةَ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأذانَ مَشْرُوعٌ لِلصَّلاةِ.

رُوِيَ: أنَّ نَصْرانِيًّا بِالمَدِينَةِ كانَ إذا سَمِعَ المُؤَذِّنَ يَقُولُ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: أحْرَقَ اللَّهُ الكاذِبَ، فَدَخَلَ خادِمُهُ ذاتَ لَيْلَةٍ بِنارٍ وأهْلُهُ نِيامٌ فَتَطايَرَ شَرَرُها في البَيْتِ فَأحْرَقَهُ وأهْلَهُ.

﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ﴾ فَإنَّ السَّفَهَ يُؤَدِّي إلى الجَهْلِ بِالحَقِّ والهَزْءِ بِهِ، والعَقْلُ يَمْنَعُ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)

{وَإِذَا ناديتم إِلَى الصلاة اتخذوها} أي الصلاة أو المناداة {هُزُواً وَلَعِباً ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} لأن لعبهم وهزوهم من أفعال السفهاء والجهلة فكأنهم لا عقل لهم وفيه دليل على ثبوت الأذان بنصب الكتاب لا بالمنام وحده

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا نادَيْتُمْ ﴾ أيْ دَعا بَعْضُكم بَعْضًا ﴿ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها ﴾ أيِ الصَّلاةَ أوِ المُناداةَ إلَيْها ﴿ هُزُوًا ولَعِبًا ﴾ .

أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««كانَ مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إذا نادى بِالصَّلاةِ فَقامَ المُسْلِمُونَ إلَيْها، قالَتِ اليَهُودُ: قَدْ قامُوا لا قامُوا، فَإذا رَأوْهم رُكَّعًا وسُجَّدًا اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ، وضَحِكُوا مِنهم»».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «كانَ رَجُلٌ مِنَ النَّصارى بِالمَدِينَةِ إذا سَمِعَ المُنادِيَ يُنادِي: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: حُرِّقَ الكاذِبُ، فَدَخَلَتْ خادِمُهُ ذاتَ لَيْلَةٍ بِنارٍ وهو نائِمٌ وأهْلُهُ نِيامٌ فَسَقَطَتْ شَرارَةٌ فَأحْرَقَتِ البَيْتَ، وأُحْرِقَ هو وأهْلُهُ».

والكَلامُ مَسُوقٌ لِبَيانِ اسْتِهْزائِهِمْ بِحُكْمٍ خاصٍّ مِن أحْكامِ الدِّينِ بَعْدَ بَيانِ اسْتِهْزائِهِمْ بِالدِّينِ عَلى الإطْلاقِ؛ إظْهارًا لِكَمالِ شَقاوَتِهِمْ ﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ الِاتِّخاذُ المَذْكُورُ ﴿ بِأنَّهُمْ ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ﴾ فَإنَّ السَّفَهَ يُؤَدِّي إلى الجَهْلِ بِمَحاسِنِ الحَقِّ والهُزْءِ بِهِ، ولَوْ كانَ لَهم عَقْلٌ في الجُمْلَةِ لَما اجْتَرَءُوا عَلى تِلْكَ العَظِيمَةِ.

قِيلَ: وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ثُبُوتِ الأذانِ بِنَصِّ الكِتابِ لا بِالمَنامِ وحْدَهُ، واعْتُرِضَ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وإذا نادَيْتُمْ ﴾ لا يَدُلُّ عَلى الأذانِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: حَيْثُ ورَدَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ كانَ إشارَةً إلَيْهِ، فَيَكُونُ تَقْرِيرًا لَهُ، قالَ في الكَشْفِ: أقُولُ فِيهِ: إنَّ اتِّخاذَ المُناداةِ هُزُؤًا مُنْكَرٌ مِنَ المَناكِيرِ لِأنَّها مِن مَعْرُوفاتِ الشَّرْعِ، فَمِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ دَلَّ عَلى أنَّ المُناداةَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها حَقٌّ مَشْرُوعٌ مِنهُ تَعالى، وهو المُرادُ بِثُبُوتِهِ بِالنَّصِّ بَعْدَ أنْ ثَبَتَ ابْتِداءً بِالسُّنَّةِ، ومَنامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الأنْصارِيِّ، الحَدِيثَ بِطُولِهِ، ولا يُنافِيهِ أنَّ ذَلِكَ كانَ أوَّلَ ما قَدِمُوا المَدِينَةَ، والمائِدَةُ مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا.

وقَوْلُهُ: لا بِالمَنامِ وحْدَهُ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ السُّنَّةَ غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ في الدَّلالَةِ؛ لِأنَّ الأدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ مُعْرِفاتٌ وأماراتٌ، لا مُؤَثِّراتٌ ومُوجِباتٌ، وتَرادُفُ المَعْرِفاتِ لا يُنْكَرُ، انْتَهى.

ولِأبِي حَيّانَ في هَذا المَقامِ كَلامٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ لِما فِيهِ مِنَ المُكابَرَةِ الظّاهِرَةِ، وسُمِّيَ الأذانُ مُناداةً لِقَوْلِ المُؤَذِّنِ فِيهِ: حَيَّ عَلى الصَّلاةِ حَيَّ عَلى الفَلّاحِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً يعني: الذين آمنوا بلسانهم، ولم يؤمنوا بقلوبهم.

ويقال: أراد به المخلصين نهاهم الله تعالى عن ولاية الكفار.

وروى محمد بن إسحاق بإسناده، عن عبد الله بن عباس قال: كان «رفاعة بن زيد بن تابوت وسويد بن الحارث» قد أظهرا الإسلام، ونافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما، فأنزل الله تعالى لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ الإسلام هُزُواً وَلَعِباً يعني: سخرية وباطلاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ يعني: مشركي العرب.

قرأ أبو عمرو والكسائي وَالْكُفَّارَ بالخفض، وقرأ الباقون بالنصب.

فمن قرأ بالخفض فمعناه: من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، ومن الكفار أولياء، ومن قرأ بالنصب، فهو معطوف على قوله: لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ ...

وَلاَ تَتَّخِذُوا الْكُفَّارَ أَوْلِياءَ ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: إن كنتم مؤمنين فلا تتخذوا الكفار أولياء.

قوله تعالى: وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ يعني: إذا أذن المؤذن للصلاة، وإنما أضاف النداء إلى جميع المسلمين، لأن المؤذن يؤذن لهم ويناديهم، فأضاف إليهم فقال: وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً يعني: الكفار، إذا سمعوا الأذان استهزءوا به.

وإذا رأوهم ركعاً وسجدا ضحكوا واستهزءوا بذلك.

ذلِكَ الاستهزاء بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ يعني: لا يعلمون ثوابه.

وقال الضحاك: سأل النبيّ  جبريل، وقال: «من أَتَّخِذُه مؤذّناً؟» .

قال: يا محمد عليك بالعبد الأسود، فإنه مشهود في الملائكة، وجهير الصوت، وأحبّ المؤذنين إلى الله تعالى.

فدعا رسول الله  بلالاً، وعلمه الأذان، وأمره أن يصعد سطح المسجد ويؤذن.

فلما أذن سخر منه أهل النفاق، وأهل الشرك، وكذلك يوم فتح مكة.

أمره رسول الله  ، أن يؤذن على ظهر الكعبة، فسخر منه كفار الأعراب، وجهالهم، فنزل قوله تعالى: وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً يعني: المنافقين، واليهود، ومشركي العرب.

وروى أسباط عن السدي قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله قال: حرق الله الكاذب.

فدخلت خادمته ليلة من الليالي بنار، وهم نيام فسقطت شرارة في البيت فاحترق البيت، واحترق هو وأهله، واستجيب دعاؤه في نفسه.

وروي عن ابن عباس هذه الحكاية نحو هذا إلا أنه ذكر اليهودي.

وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يقول المؤمنون: أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا ...

الآية.

وتحتمل الآيةُ أنْ تكون حكايةً لقولِ المؤمنين في وقْتِ قولِ الذين في قلوبهم مرضٌ:

نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ: إذ فُهِمَ منهم أنَّ تمسُّكهم باليهودِ إنما هو إرصاد لِلَّهِ ولرسولِهِ، فمَقَتَهم النبيُّ- عليه السلام- والمؤمنون، وترك لهم النبيُّ- عليه السلام- بني قَيْنُقَاعٍ رغْبةً في المصلحة والأُلْفة، وأما قراءة أَبي عَمْرٍو: «وَيَقُولَ» - بالنصب-، فلا يتجه معها أَنْ يكون قولَ المؤمنين إلاَّ عند الفَتْح، وظُهورِ ندامة المنافقينَ، وفَضيحَتِهِمْ.

وقوله تعالى: جَهْدَ أَيْمانِهِمْ: نصْبُ «جَهْدَ» على المصدر المؤكِّد، والمعنى:

أهؤلاء هم المُقْسِمُون باجتهاد منهم في الأيمانِ إنهم لَمَعَكُمْ، قد ظهر الآنَ منهم مِنْ موالاة اليهودِ، وخَذْلِ الشريعةِ- ما يُكَذِّبُ أيمانهم.

وقوله: حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ: يحتملُ أنْ يكون/ إخباراً من اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يكون مِنْ قول المؤمنين، ويحتمل أنْ يكون قوله: حَبِطَتْ دعاءً، أي: بطلت أعمالهم.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (٥٨)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ...

الآية: خطابٌ للمؤمنين إلى يوم القيامة، ومعنى الآية أَنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ وعَدَ هذه الأمة أنَّ من ارتدَّ منها، فإنه يجيءُ سبحانه بقومٍ ينصُرُونَ الدِّين، ويُغْنُونَ عن المرتدِّين.

قال الفَخْر «١» : وقدَّم اللَّه تعالى محبَّته لهم على محبَّتهم له إذ لولا حُبُّه لهم، لما وفَّقهم أنْ صاروا محبِّين له.

انتهى، وفي كتاب «القصد إلى اللَّه سبحانه» للمُحَاسِبِيِّ، قُلْتُ للشيخ: فَهَلْ يَلْحَقُ المحبِّينَ للَّه عزَّ وجلَّ خَوْفٌ؟

قال: نَعَمِ، الخَوْفُ لازمٌ لهم كما لزمهم الإيمَانُ لا يزولُ إلاَّ بزَوَاله، وهذا هو خَوْفُ عذابِ التَّقْصيرِ في بدايتهم حتى إذا صاروا

إلى خَوْفِ الفَوْت، صاروا إلى الخوف الذي يكُونُ في أعلى حالٍ، فكان الخوف الأوَّلُ يطرقهم خطراتٍ، وصارِ خوْفُ الفَوْتِ وطنات، قلْتُ: فما الحالَةُ التي تَكْشِفُ عن قلوبهم شَدِيدَ الخَوْف والحُزْن؟

قال: الرجاءُ بحُسْن الظَّنِّ لمعرفتهم بسعة فَضْل اللَّه عزَّ وجلَّ، وأَمَلُهُمْ منه أنْ يظفروا بمرادهم، إذا وَرَدُوا عليه، ولولا حُسْن ظنِّهم بربِّهم، لَتَقطَّعت أنفسهم حسراتٍ، وماتوا كَمَداً، قلْتُ: أيُّ شيءٍ أكثَرُ شُغْلِهِمْ، وما الغالبُ على قلوبِهِمْ في جميعِ أحوالهم؟

قال: كثرةُ الذِّكْر لمحبوبهم على طريق الدوامِ والاستقامةِ، لا يَمَلُّونَ، ولا يَفْتُرُون، وقد أجمع الحكماءُ أنَّ من أحَبَّ شيئاً، أكْثَرَ مِنْ ذكره، ثم قال: قال ذُو النُّونِ: مَا أُولِعَ أحَدٌ بذكْرِ اللَّه إلا أفاد منْهُ حُبَّ اللَّهِ تعالَى.

انتهى.

وفي الآية إنحاءٌ على المنافِقِينَ، وعلى من ارتد في مدة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم.

قال الفَخْر «١» : وهذه الآيةُ إخبارٌ بغَيْبٍ، وقد وقع الخَبَر على وَفْقِهِ فيكون معجزاً، وقد ارتدَّتِ العربُ وغيرهم أيام أبِي بَكْر، فنَصَر اللَّه الدِّين، وأتى بخَيْرٍ منهم.

انتهى.

وقوله سبحانه: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، معناه: متذلِّلين مِنْ قِبَلِ أنفسهم، غَيْرَ متكبِّرين، وهذا كقوله عزَّ وجلَّ: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩] وكقوله- عليه السلام-: «المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ» ، وفي قراءة «٢» ابن مسعودٍ: «أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ غُلَظَاءَ عَلَى الكَافِرِينَ» .

وقوله تعالى: وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ: إشارةٌ إلى الرَّدِّ على المنافقين في أَنَّهم يعتَذِرُونَ بممالأَة الأحْلاَفِ والمعارِفِ مِنَ الكفَّار، ويراعُونَ أمرهم، قُلْتُ: وخرَّج أبو بكرِ بْنُ الخطيبِ بسنده على أبي ذِر، قال: «أَوْصَانِي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بِسَبْعٍ: أوْصَانِي أَنْ أَنْظُرَ إلى مَنْ هُوَ دُونِي وَلاَ أَنْظُرَ إلى مَنْ هُوَ فَوْقِي- يعني: فِي شَأْنِ الدُّنْيَا-، وأوْصَانِي بِحُبِّ المَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَوْصَانِي أَنْ أَقُولَ الحَقَّ وَإنْ كَانَ مُرًّا، وَأَوْصَانِي أَنْ أَصِلَ رَحِمِي وَإنْ أَدْبَرَتْ، وَأَوْصَانِي أَلاَّ أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَأَوْصَانِي ألاَّ أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئاً، وَأَوْصَانِي أَنْ أسْتَكْثِرَ مِنْ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ» «٣» .

انتهى.

وقوله سبحانه: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ: الإشارةُ ب «ذلك» إلى كون القومِ يحبّون الله

عزّ وجلّ ويحبّهم، وواسع: ذو سَعَةٍ فيما يملكُ ويُعْطِي وينعم به سبحانه.

وقوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ...

الآية: «إنما» في هذه الآية حاصرةٌ، وقرأ ابن مسعود «١» : «إنَّمَا/ مَوْلاَكُمُ اللَّهُ» ، والزكاةُ هنا: لفظٌ عامٌّ للزكاةِ المفروضةِ، والتطوُّعِ بالصدَقَةِ، ولكلِّ أفعالِ البِرِّ، إذ هي مُنَمِّيَةٌ للحسنات، مطَهِّرة للمَرْءِ مِنْ دَنَسِ السيِّئات، ثم وصفهم سبحانه بتَكْثير الركُوعِ، وخُصَّ بالذكْر لكونه مِنْ أعظم أركان الصلاة، وهي هيئَةُ تواضعٍ، فعبَّر عن جميعِ الصلاَةِ كما قال سبحانه: وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج: ٢٦] هذا هو الصحيحُ.، وهو تأويل الجمهورِ، ولكن اتفق مع ذلك أنَّ عليَّ بْنَ أبي طالِبٍ (رضي اللَّه عنه) أعطى خاتَمَهُ، وهو راكعٌ «٢» .

قال السُّدِّيُّ: وإن اتفَقَ ذلك لعليٍّ، فالآية عامَّة في جميعِ المؤمنين «٣» .

ثم أخبر تعالى: أنَّ مَنْ يتولَّى اللَّه ورسولَهُ والمؤمنين، فإنه غالبٌ كُلَّ مَنْ ناوأه، وجاءَتِ العبارةُ عامَّة في أنَّ حِزْبَ اللَّه هم الغالِبُون، ثم نهى سبحانه المؤمنينَ عنِ اتخاذ الَّذينَ اتخذوا دينَنَا هُزُواً ولعباً، وقد ثبت استهزاء الكُفَّار في قوله سبحانه: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: ٩٥] وثبت استهزاء أهْل الكتاب في لفظ هذه الآية، وثبت استهزاءُ المُنَافِقِينَ في قولهم لشياطينهم: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [البقرة: ١٤] .

ثم أمر سبحانه بتَقْواه، ونبَّه النفوسَ بقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.

وقوله سبحانه: وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ...

الآية: إنحاءٌ على اليَهُودِ، وتبيينٌ لسوء فعلهم.

وقوله: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ: معنى المحاورةِ: هَلْ تَنْقِمُونَ منا إلا مجموعَ هذه الحالِ مِنْ أنا مؤمنون، وأنتم فاسقون كما تقول لمن تخاصمه: هل تَنْقِمُ مني إلاَّ أَنْ صَدَقْتُ أَنَا، وَكَذَبْتَ أَنْتَ، وقال بعضُ المتأوِّلين: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ: معطوفٌ علَى ما كأَنَّه قال: إِلاَّ أَنْ آمنَّا باللَّهِ وبكُتُبِهِ، وبأنَّ أكثركم فاسقُونَ، وهذا مستقيم المعنى، وقال:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ مُنادِيَ رَسُولِ اللَّهِ  كانَ إذا نادى إلى الصَّلاةِ، وقامَ المُسْلِمُونَ إلَيْها، قالَتِ اليَهُودُ: قامُوا لا قامُوا، صَلَّوْا لا صَلَّوْا، عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والضَّحِكِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: «أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا الأذانَ حَسَدُوا رَسُولَ اللَّهِ  والمُسْلِمِينَ عَلى ذَلِكَ، وقالُوا: يا مُحَمَّدُ لَقَدْ أبْدَعْتَ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْ بِهِ فِيما مَضى مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، فَإنْ كُنْتَ تَدَّعِي النُّبُوَّةَ، فَقَدْ خالَفْتَ في هَذا الأذانِ الأنْبِياءَ قَبْلَكَ، فَما أقْبَحَ هَذا الصَّوْتَ، وأسْمَجَ هَذا الأمْرَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ رَجُلٌ مِنَ النَّصارى بِالمَدِينَةِ إذا سَمِعَ المُنادِي يُنادِي: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: حُرِقَ الكاذِبُ، فَدَخَلَتْ خادِمُهُ ذاتَ لَيْلَةٍ بِنارٍ وهو نائِمٌ، وأهْلُهُ نِيامٌ، فَسَقَطَتْ شَرارَةٌ فَأحْرَقَتِ البَيْتَ، فاحْتَرَقَ هو وأهْلُهُ.

والمُناداةُ: هي الأذانُ، واتِّخاذُهم إيّاها هُزُوًا: تَضاحُكُهم وتَغامُزُهم ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ﴾ ما لَهم في إجابَةِ الصَّلاةِ، وما عَلَيْهِمْ في اسْتِهْزائِهِمْ بِها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإذا نادَيْتُمْ إلى الصَلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِاللهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ﴾ ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مِن لَعَنَهُ اللهِ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ عن سَواءِ السَبِيلِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا نادَيْتُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إنْحاءٌ عَلى اليَهُودِ؛ وتَبْيِينٌ لِسُوءِ فِعْلِهِمْ؛ فَإنَّهم كانُوا إذا سَمِعُوا قِيامَ المُؤْمِنِينَ إلى الصَلاةِ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: قَدْ قامُوا؛ لا قامُوا؛ إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الألْفاظِ الَّتِي يَسْتَخِفُّونَ بِها في وقْتِ الأذانِ؛ وغَيْرِهِ؛ وكُلُّ ما ذُكِرَ مِن ذَلِكَ فَهو مِثالٌ؛ وقَدْ ذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهُ كانَ رَجُلٌ مِنَ النَصارى بِالمَدِينَةِ؛ فَكانَ إذا سَمِعَ المُؤَذِّنَ يَقُولُ: "أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ"؛ قالَ: حَرَقَ اللهُ الكاذِبَ؛ فَما زالَ كَذَلِكَ حَتّى سَقَطَ مِصْباحٌ في بَيْتِهِ لَيْلَةً فَأحْرَقَهُ؛ واحْتَرَقَ النَصْرانِيُّ؛ لَعَنَهُ اللهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ فِعْلَهم هَذا إنَّما هو لِعَدَمِ عُقُولِهِمْ؛ وإنَّما عَدِمُوها إذْ لَمْ تَتَصَرَّفْ كَما يَنْبَغِي لَها؛ فَكَأنَّها لَمْ تُوجَدْ.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لِأهْلِ الكِتابِ: ﴿ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا ﴾ ؛ ومَعْناهُ: "هَلْ تَعُدُّونَ عَلَيْنا ذَنَبًا أو نَقِيصَةً؟"؛ يُقالُ: "نَقَمَ"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ "يَنْقِمُ"؛ بِكَسْرِها؛ وعَلى هَذِهِ اللُغَةِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ؛ ويُقالُ: "نَقِمَ"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ "يَنْقَمُ"؛ بِفَتْحِها؛ وعَلى هَذِهِ اللُغَةِ قَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ؛ وأبُو البَرَهْسَمِ؛ والنَخَعِيُّ.

وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُحاوَرَةِ البَلِيغَةِ الوَجِيزَةِ؛ ومِثْلُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ  ﴾ ؛ ونَظِيرُ هَذا الغَرَضِ في الِاسْتِثْناءِ قَوْلُ النابِغَةِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أُنْزِلَ"؛ بِضَمِّ الهَمْزَةِ؛ وكَذَلِكَ في الثانِي؛ وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ "أنْزَلَ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والزايِ فِيهِما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ﴾ ؛ هو عِنْدَ أكْثَرِ المُتَأوِّلِينَ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "أنْ آمَنّا" فَيَدْخُلُ كَوْنُهم فاسِقِينَ فِيما نَقِمُوهُ؛ وهَذا لا يُتَّجَهُ مَعْناهُ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: بِفِسْقِهِمْ نَقِمُوا عَلَيْنا الإيمانَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الكَلامُ صَحِيحٌ في نَفْسِهِ؛ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُغْنٍ في تَقْوِيمِ مَعْنى الألْفاظِ؛ وإنَّما يُتَّجَهُ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْنى المُحاوَرَةِ: "هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا عُمُومَ هَذِهِ الحالِ مِن أنَّنا مُؤْمِنُونَ وأنْتُمْ فاسِقُونَ؟"؛ ويَكُونَ: ﴿ وَأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ﴾ ؛ مِمّا قَرَّرَهُ المُخاطِبُ لَهُمْ؛ وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن تُخاصِمُهُ: "هَلْ تَنْقِمُ مِنِّي إلّا أنْ صَدَقْتُ أنا وكَذَبْتَ أنْتَ؟"؛ وهو لا يُقِرُّ بِأنَّهُ كاذِبٌ؛ ولا يَنْقِمُ ذَلِكَ؛ لَكِنَّ مَعْنى كَلامِكَ: "هَلْ تَنْقِمُ إلّا مَجْمُوعَ هَذِهِ الحالِ؟"؛ وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: قَوْلُهُ: "وَأنَّ أكْثَرَكُمْ"؛ مَعْطُوفٌ عَلى "وَما"؛ كَأنَّهُ قالَ: "إلّا أنْ آمَنّا بِاللهِ؛ وبِكُتُبِهِ؛ وبِأنَّ أكْثَرَكُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مُسْتَقِيمُ المَعْنى؛ لِأنَّ إيمانَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ أهْلَ الكِتابِ المُسْتَمِرِّينَ عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ فَسَقَةٌ هو مِمّا يَنْقِمُونَهُ؛ وذَكَرَ تَعالى الأكْثَرَ مِنهم مِن حَيْثُ فِيهِمْ مَن آمَنَ واهْتَدى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ ﴾ ؛ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ النُونِ؛ وشَدِّ الباءِ؛ وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ: "أُنْبِئُكُمْ"؛ بِسُكُونِ النُونِ؛ وتَخْفِيفِ الباءِ؛ مِن "أنْبَأ"؛ وقَرَأ الناسُ: "مَثُوبَةً"؛ بِضَمِّ الثاءِ وسُكُونِ الواوِ؛ وقَرَأ ابْنُ بِرَيْدَةَ ؛ والأعْرَجُ ؛ ونُبَيْحٌ؛ وابْنُ عِمْرانَ: "مَثْوَبَةً"؛ بِسُكُونِ الثاءِ؛ وفَتْحِ الواوِ؛ وقالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا مِمّا خَرَجَ عن أصْلِهِ شاذًّا عن نَظائِرِهِ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ العَرَبِ: "اَلْفاكِهَةُ مَقْوَدَةٌ إلى الأذى"؛ بِسُكُونِ القافِ؛ وفَتْحِ الواوِ؛ والقِياسُ: "مَثابَةٌ"؛ و"مَقادَةٌ"؛ وأمّا "مَثُوبَةٌ"؛ بِضَمِّ الثاءِ؛ فَأصْلُها "مَثْوُبَةٌ"؛ وزْنُها "مَفْعُلَةٌ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى الثاءِ؛ وكانَتْ قَبْلُ "مَثْوُوبَةٌ"؛ مِثْلَ "مَقْوُولَةٌ"؛ والمَعْنى في القِراءَتَيْنِ: "مَرْجِعًا عِنْدَ اللهِ؛ أيْ: في الحَشْرِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ تَقُولُ العَرَبُ: "ثابَ؛ يَثُوبُ"؛ إذا رَجَعَ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا  ﴾ .

ومَشى المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الَّذِينَ أُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿ "هَلْ أُنَبِّئُكُمْ"؛ ﴾ هُمُ اليَهُودُ؛ والكُفّارُ المُتَّخِذُونَ دِينَنا هُزُؤًا؛ ولَعِبًا؛ قالَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ وتُوبِعَ عَلَيْهِ؛ ولَمْ يُسْنِدْ في ذَلِكَ إلى مُتَقَدِّمٍ شَيْئًا؛ والآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ أيْ: "قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَلْ أُنْبِئُكم بِشَرٍّ مِن حالِ هَؤُلاءِ الفاسِقِينَ في وقْتِ الرُجُوعِ إلى اللهِ ؛ أُولَئِكَ أسْلافُهُمُ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وغَضِبَ عَلَيْهِمْ"؛ فَتَكُونَ الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ"؛ إلى حالِهِمْ مِن كَوْنِ أكْثَرِهِمْ فاسِقِينَ؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ لِلْحاضِرِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ وتَكُونَ الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى حالِ الحاضِرِينَ؛ مِن كَوْنِ أكْثَرِهِمْ فاسِقِينَ؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ: "بِشَرٍّ"؛ و"وَأضَلُّ"؛ صِفَتَيْ تَفْضِيلٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لَهُما اشْتِراكٌ في الشَرِّ والضَلالِ.

وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ لِلْحاضِرِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى إيمانِ المُؤْمِنِينَ؛ وجَمِيعِ حالِهِمْ؛ ويُوَجَّهُ التَفْضِيلُ بِـ "بِشَرٍّ"؛ و"وَأضَلُّ"؛ عَلى أنَّ الِاشْتِراكَ في الشَرِّ والضَلالِ هو في مُعْتَقَدِ اليَهُودِ؛ فَأمّا في الحَقِيقَةِ فَلا شَرَّ؛ ولا ضَلالَ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ؛ ولا شَرِكَةَ لَهم في ذَلِكَ مَعَ اليَهُودِ والكُفّارِ؛ ويَكُونُ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ قَوْلُهُ: ﴿ مَن لَعَنَهُ اللهُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يُرادُ بِهِ جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ؛ الأسْلافِ؛ والأخْلافِ؛ لِأنَّ الخَلَفَ يُذَمُّ ويُعَيَّرُ بِمَذَمّاتِ السَلَفِ؛ إذا كانَ الخَلَفُ غَيْرَ مُراجِعٍ ولا ذامٍّ لِما كانَ عَلَيْهِ سَلَفُهُ؛ فَهو في حُكْمِهِ.

وفِي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ؛ وعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "مَن غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وجَعَلَهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ"؛ واللَعْنَةُ: اَلْإبْعادُ عَنِ الخَيْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَجَعَلَ"؛ هي بِمَعْنى: صَيَّرَ؛ وقالَ أبُو عَلِيٍّ - في كِتابِ "اَلْحُجَّةُ" -: هي بِمَعْنى "خَلَقَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ مِنهُ - رَحِمَهُ اللهُ - نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَعَبَدَ الطاغُوتَ ﴾ ؛ تَقْدِيرُهُ: ومَن عَبَدَ الطاغُوتَ؛ والمُعْتَزِلَةُ لا تَرى أنَّ اللهَ يُصَيِّرُ أحَدًا عابِدَ الطاغُوتِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ مَسْخِهِمْ قِرَدَةً في سُورَةِ البَقَرَةِ؛ وأمّا مَسْخُهم خَنازِيرَ فَرُوِيَ أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ امْرَأةٍ كانَتْ مُؤْمِنَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ وكَفَرَ مَلِكٌ مِنهم في مَدِينَةٍ مِن مُدُنِهِمْ؛ وكَفَرَ مَعَهُ أهْلُ مَمْلَكَتِهِ؛ فَدَعَتِ المَرْأةُ قَوْمًا إلى نُصْرَةِ الدِينِ فَأجابُوها؛ فَخَرَجَتْ بِهِمْ فَهُزِمُوا؛ ثُمَّ فَعَلَتْ ذَلِكَ ثانِيَةً؛ وثالِثَةً؛ وفي كُلِّ مَرَّةٍ يُهْزَمُ جَمْعُها؛ فَيَئِسَتْ؛ وباتَتْ مَهْمُومَةً؛ فَلَمّا أُصْبِحْ رَأتْ أهْلَ تِلْكَ المَدِينَةِ يَسْعَوْنَ في نَواحِيها خَنازِيرَ؛ فَقالَتْ: "اَلْآنَ أعْلَمُ أنَّ اللهَ أعَزَّ دِينَهُ وآثَرَ دِينَهُ"؛ قالَ عَمْرُو بْنُ كَثِيرِ بْنِ أفْلَحَ؛ مَوْلى أبِي أيُّوبٍ الأنْصارِيِّ: ما كانَ مَسْخُ بَنِي إسْرائِيلَ إلّا عَلى يَدَيْ تِلْكَ المَرْأةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَبَدَ الطاغُوتَ ﴾ ؛ تَقْدِيرُهُ: ومَن عَبَدَ الطاغُوتَ؛ وذَلِكَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ مَن لَعَنَهُ اللهُ ﴾ ؛ أو مَعْمُولٌ لِـ "وَجَعَلَ"؛ وفي هَذا يَقُولُ أبُو عَلِيٍّ: إنَّ "جَعَلَ"؛ بِمَعْنى "خَلَقَ".

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذا الحَرْفِ؛ فَقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَعَبُدَ الطاغُوتِ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وضَمِّ الباءِ؛ وكَسْرِ التاءِ مِن "اَلطّاغُوتِ"؛ وذَلِكَ أنَّ "عَبُدَ"؛ لَفْظُ مُبالَغَةٍ؛ كَـ "يَقُظٌ"؛ و"نَدُسٌ"؛ فَهو لَفْظٌ مُفْرَدٌ؛ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ؛ وبُنِيَ بِناءَ الصِفاتِ؛ لِأنَّ "عَبُدَ"؛ في الأصْلِ صِفَةٌ؛ وإنْ كانَ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ؛ وذَلِكَ لا يُخْرِجُهُ عن حُكْمِ الصِفَةِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يُمْتَنَعْ أنْ يُبْنى مِنهُ بِناءُ الصِفاتِ؛ وقَرَأ بِهَذِهِ القِراءَةِ الأعْمَشُ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أبَنِي لُبَيْنى إنَّ أُمَّكُمُ....

∗∗∗ أمَةٌ وإنَّ أباكُمُ عَبُدُ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ بِضَمِّ الباءِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: ﴿ وَعَبَدَ الطاغُوتَ ﴾ ؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ والباءِ؛ وإعْمالِهِ في "اَلطّاغُوتَ"؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "عَبَدُوا الطاغُوتَ"؛ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ الماضِي إلى ضَمِيرِ جَمْعٍ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ فِيما رَوى عَبْدُ الغَفّارِ عن عَلْقَمَةَ ؛ عنهُ: "وَعَبُدَ الطاغُوتُ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وضَمِّ الباءِ؛ ورَفْعِ التاءِ مِن "اَلطّاغُوتُ"؛ وذَلِكَ عَلى أنْ يَصِيرَ لَهُ أنَّ "عَبُدَ"؛ كالخُلُقِ؛ والأمْرِ المُعْتادِ المَعْرُوفِ؛ فَهي في مَعْنى: "فَقُهَ"؛ و"شَرُفَ" و"ظَرُفَ"؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَعَبَدُ الطاغُوتِ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ والباءِ؛ وكَسْرِ التاءِ مِن "اَلطّاغُوتِ"؛ وذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ: "عَبَدَةُ الطاغُوتِ"؛ وحُذِفَتِ الهاءُ تَخْفِيفًا؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الراجِزِ: قامَ وُلاها فَسَقَوْهُ صَرْخَدا أرادَ: "وُلاتُها"؛ فَحُذِفَ تَخْفِيفًا؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ في رِوايَةِ عَبّادٍ عنهُ: "وَعَبْدُ الطاغُوتِ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وسُكُونِ الباءِ؛ وكَسْرِ التاءِ مِن "اَلطّاغُوتِ"؛ وهَذا عَلى أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ مُفْرَدٌ؛ يُرادُ بِهِ جَمْعٌ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ؛ مِن غَيْرِ طَرِيقِ عَبّادٍ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ والدالِ؛ وسُكُونِ الباءِ؛ ونَصْبِ التاءِ مِن "اَلطّاغُوتَ"؛ وهَذِهِ تُتَّجَهُ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّهُ أرادَ: "وَعَبْدًا الطاغُوتَ"؛ فَحَذَفَ التَنْوِينَ؛ كَما حُذِفَ في قَوْلِ الشاعِرِ: .................

∗∗∗ ∗∗∗ ولا ذاكِرَ اللهَ إلّا قَلِيلًا والوَجْهُ الآخَرُ أنْ يُرِيدَ: "عَبَدَ"؛ اَلَّذِي هو فِعْلٌ ماضٍ؛ وسَكَّنَ الباءَ عَلى نَحْوِ ما هي عَيْنُ الفِعْلِ مُسَكَّنَةً في قَوْلِ الشاعِرِ: وما كُلُّ مَغْبُونٍ ولَوْ سَلْفَ صَفْقُهُ ∗∗∗ ∗∗∗................

فَإنَّ اللامَ مِن "سَلْفَ" مُسَكَّنَةٌ؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ أبِي السَمّالِ: "وَلُعْنُوا بِما قالُوا"؛ فَهَذِهِ قِراءاتٌ العَيْنُ فِيها مَفْتُوحَةٌ.

وقَرَأ أبُو واقِدٍ الأعْرابِيُّ في رِوايَةِ العَبّاسِ بْنِ الفَضْلِ عنهُ: "وَعُبّادَ الطاغُوتِ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ وشَدِّ الباءِ المَفْتُوحَةِ؛ وألِفٍ بَعْدَها؛ وفَتْحِ الدالِ وكَسْرِ التاءِ مِن "اَلطّاغُوتِ"؛ وذَلِكَ جَمْعُ "عابِدٌ"؛ وقَرَأ عَوْنٌ العُقَيْلِيُّ فِيما رَوى عنهُ العَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ أيْضًا: "وَعابِدُ الطاغُوتِ"؛ عَلى وزْنِ فاعِلٍ؛ والدالُ مَرْفُوعَةٌ؛ قالَ أبُو عَمْرٍو: تَقْدِيرُهُ: "وَهم عابِدُ الطاغُوتِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَهو اسْمُ جِنْسٍ؛ ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: "وَعابِدُوا الطاغُوتِ"؛ بِضَمِيرِ جَمْعٍ؛ وقَدْ قالَ بَعْضُ الرُواةِ في هَذِهِ الأخِيرَةِ: إنَّها تَجْوِيزٌ؛ لا قِراءَةٌ؛ وقَرَأ ابْنُ بُرَيْدَةَ: "وَعابِدَ الطاغُوتِ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ والدالِ؛ وكَسْرِ الباءِ؛ والتاءِ؛ وقَرَأ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: "وَعِبادَ الطاغُوتِ"؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ وفَتْحِ الباءِ؛ والدالِ؛ وألِفٍ بَيْنَهُما؛ وكَسْرِ التاءِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَمْعَ "عابِدٌ"؛ كَـ "قائِمٌ"؛ و"قِيامٌ"؛ و"صائِمٌ"؛ و"صِيامٌ"؛ وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ "عَبْدٌ"؛ وقَلَّما يَأْتِي "عِبادُ" مُضافًا إلى غَيْرِ اللهِ ؛ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: أتُوعِدُنِي بِقَوْمِكَ يا ابْنَ حَجْلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ أُشاباتٍ يُخالُونَ العِبادا؟

قالَ أبُو الفَتْحِ: يُرِيدُ "عِبادَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ"؛ ولَوْ أرادَ "عِبادَ اللهِ"؛ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ يُسَبُّ بِهِ أحَدٌ؛ وجَمِيعُ الخَلْقِ عِبادُ اللهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَعْلِيقُ بِآدَمَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شاذٌّ بَعِيدٌ؛ والِاعْتِراضُ فِيهِ باقٍ؛ ولَيْسَ هَذا مِمّا يُتَخَيَّلُ أنَّ الشاعِرَ قَصَدَهُ؛ وإنَّما أرادَ "اَلْعَبِيدَ"؛ فَساقَتْهُ القافِيَةُ إلى "اَلْعِبادَ"؛ إذْ يُقالُ ذَلِكَ لِمَن تَمَلَّكَ مَلْكَةً ما؛ وقَدْ ذُكِرَ أنَّ عَرَبَ الحِيرَةِ مِنَ العِراقِ إنَّما سُمُّوا "اَلْعِبادَ"؛ لِأنَّهم دَخَلُوا في طاعَةِ كِسْرى ؛ فَدانَتْهم مَمْلَكَتُهُ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيِّ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: "وَعابِدَ الشَيْطانِ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ والدالِ؛ وكَسْرِ الباءِ؛ وألِفٍ قَبْلَها؛ وذَكَرَ "اَلشَّيْطانَ"؛ بَدَلَ "اَلطّاغُوتِ"؛ فَهَذِهِ قِراءاتٌ فِيها ألِفٌ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ فِيما رُوِيَ عن عِكْرِمَةَ ؛ وقَرَأها مُجاهِدٌ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَعُبُدَ الطاغُوتِ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ والباءِ؛ وفَتْحِ الدالِ؛ وكَسْرِ التاءِ؛ وذَلِكَ جَمْعُ "عَبْدٌ"؛ كَـ "رَهْنٌ"؛ و"رُهُنٌ"؛ و"سَقْفٌ"؛ و"سُقُفٌ"؛ وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ؛ ثَعْلَبٌ: هو جَمْعُ "عابِدٌ"؛ كَـ "شارِفٌ"؛ و"شُرُفٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ القَيْنَةِ: ألا يا حَمْزَ لِلشُّرُفِ النِواءِ ∗∗∗ ∗∗∗ وهُنَّ مُعَقَّلاتٌ بِالفِناءِ وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: هو جَمْعُ "عَبِيدٌ"؛ وأنْشَدَ: اُنْسُبِ العَبْدَ إلى آبائِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ أسْوَدَ الجِلْدَةِ مِن قَوْمٍ عُبُدْ وَقَرَأ الأعْمَشُ وغَيْرُهُ: "وَعُبَّدَ الطاغُوتِ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ وشَدِّ الباءِ المَفْتُوحَةِ؛ وفَتْحِ الدالِ؛ وكَسْرِ التاءِ؛ وذَلِكَ عَلى جَمْعِ "عابِدٌ"؛ كَـ "ضارِبٌ"؛ و"ضُرَّبٌ"؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وأبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ؛ والأعْمَشُ ؛ في رِوايَةِ هارُونَ: "وَعُبِدَ الطاغُوتُ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ وكَسْرِ الباءِ؛ وفَتْحِ الدالِ؛ وضَمِّ التاءِ؛ كَما تَقُولُ: "ضُرِبَ زِيدٌ"؛ وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ؛ وهي مُتَّجَهَةٌ؛ ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: "وَعُبِدَتِ الطاغُوتُ"؛ كَما تَقُولُ: "ضُرِبَتِ المَرْأةُ"؛ ورَوى عَلْقَمَةُ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَعُبَدَ الطاغُوتِ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ وفَتْحِ الباءِ؛ والدالِ؛ وكَسْرِ التاءِ؛ وهَذا أيْضًا بِناءُ مُبالَغَةٍ؛ اسْمٌ مُفْرَدٌ يُرادُ بِهِ هُنا الجَمْعُ؛ بُنِيَ كَـ "حُطَمٌ"؛ و"لُبَدٌ"؛ ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: "وَعُبَّدَ الطاغُوتَ"؛ عَلى وزْنِ "فُعَّلٌ"؛ بِضَمِّ الفاءِ؛ وشَدِّ العَيْنِ المَفْتُوحَةِ؛ وفَتْحِ اللامِ؛ ونَصْبِ التاءِ؛ وهَذِهِ تَتَخَرَّجُ عَلى أنَّهُ أرادَ: "وَعُبَّدًا"؛ مُنَوَّنًا؛ ثُمَّ حُذِفَ التَنْوِينُ لِلِالتِقاءِ؛ كَما قالَ: "وَلا ذاكِرَ اللهَ"؛ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ.

و"اَلطّاغُوتُ": كُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ ؛ مِن وثَنٍ؛ أو آدَمِيٍّ يَرْضى ذَلِكَ؛ أو شَيْطانٍ؛ وقَدِ اسْتَوْعَبْتُ تَفْسِيرَهُ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ".

و"مَكانًا"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "فِي الآخِرَةِ"؛ فالمَكانُ عَلى وجْهِهِ؛ أيْ: اَلْمَحَلُّ؛ إذْ مَحَلُّهم جَهَنَّمُ؛ وأنْ يُرِيدَ: "فِي الدُنْيا"؛ فَهي اسْتِعارَةٌ لِلْمَكانَةِ؛ والحالَةِ.

و ﴿ سَواءِ السَبِيلِ ﴾ : وسَطُهُ؛ ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: "قُمْتُ حَتّى انْقَطَعَ سَوائِي"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي سَواءِ الجَحِيمِ  ﴾ ؛ وخَطُّ الِاسْتِقامَةِ في السُبُلِ إنَّما هو مُتَمَكِّنٌ غايَةَ التَمَكُّنِ في الأوساطِ؛ فَلِذَلِكَ خُصَّ السَواءُ بِالذِكْرِ؛ ومِن لَفْظِ السَواءِ قِيلَ: "خَطُّ الِاسْتِواءِ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف هو تأكيد لبعض مضمون الكلام الّذي قبله، فإنّ قوله: ﴿ يأيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا اليهود والنّصارى أولياءَ ﴾ [المائدة: 51] تحذير من موالاة أهل الكتاب ليظهر تميّز المسلمين.

وهذه الآية تحذير من موالاة اليهود والمشركين الّذين بالمدينة، ولا مدخل للنصارى فيها، إذ لم يكن في المدينة نصارى فيهزأوا بالدّين.

وقد عدل عن لفظ اليهود إلى الموصول والصلة وهي ﴿ الّذين اتّخذوا دينَكم هزؤاً ﴾ الخ لما في الصلة من الإيمان إلى تعليل موجب النّهي.

والدّين هو ما عليه المرء من عقائد وأعمال ناشئة عن العقيدة، فهو عنوان عقل المتديّن وروائدُ آماله وباعث أعماله، فالذي يتخذ دين امرئ هزُؤاً فقد اتّخذ ذلك المتديِّن هزؤاً ورمَقه بعين الاحتقار، إذ عَدّ أعظَمَ شيء عنده سخرية، فما دون ذلك أوْلى.

والّذي يَرمُق بهذا الاعتبار ليس جديراً بالموالاة، لأنّ شرط الموالاة التماثل في التّفكير، ولأنّ الاستهزاء والاستخفاف احتقار، والمودّة تستدعي تعظيم الودود.

وأريد بالكفار في قوله: ﴿ والكفار ﴾ المشركون، وهذا اصطلاح القرآن في إطلاق لفظ الكفّار، والمراد بذلك المشركون من أهل المدينة الّذين أظهروا الإسلام نفاقاً مثل رفاعة بن زيد، وسويد بن الحارث، فقد كان بعض المسلمين يوادّهما اغتراراً بظاهر حالهما.

روي عن ابن عبّاس: أنّ قوماً من اليهود والمشركين ضحكوا من المسلمين وقت سجودهم.

وقال الكلبي: كانوا إذا نادى منادي رسول الله قالوا: صياح مثل صياح العَير، وتضاحكوا، فأنزل الله هذه الآية.

وقرأ الجمهور ﴿ والكفّارَ ﴾ بالنّصب عطفاً على ﴿ الّذين اتخذوا دينَكم ﴾ المبيَّن بقوله: ﴿ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ .

وقرأ أبو عمرو، والكسائي، ويعقوب ﴿ والكفارِ ﴾ بالخفض عطْفاً على ﴿ الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ ، ومآل القراءتين واحد.

وقوله: ﴿ واتّقوا الله إن كنتم مؤمنين ﴾ أي احذروه بامتثال ما نهاكم عنه.

وذكر هذا الشرط استنهاض للهمّة في الانتهاء، وإلهابٌ لنفوس المؤمنين ليظهروا أنّهم مؤمنون، لأنّ شأن المؤمن الامتثال.

وليس للشرط مفهوم هنا، لأنّ الكلام إنشاء ولأنّ خبرَ كان لَقب لا مفهوم له إذ لم يقصد به الموصوف بالتّصديق، ذلك لأنّ نفي التّقوى لا ينفي الإيمان عند من يُعتدّ به من علماء الإسلام الّذين فهموا مقصد الإسلام في جامعته حقّ الفهم.

وإذا أريد بالموالاة المنهي عنها الموالاة التّامة بمعنى الموافقة في الدّين فالأمر بالتّقوى، أي الحذر من الوقوع فيما نُهوا عنه معلّق بكونهم مؤمنين بوجه ظاهر.

والحاصل أنّ الآية مفسّرة أو مؤوّلة على حسب ما تقدّم في سالفتها ﴿ ومن يتوّلهم منكم فإنّه منهم ﴾ [المائدة: 51].

والنّداء إلى الصّلاة هو الأذان، وما عبّر عنه في القرآن إلاّ بالنداء.

وقد دلّت الآية على أنّ الأذان شيْء معروف، فهي مؤيّدة لمشروعية الأذان وليست مشرّعة له، لأنّه شُرع بالسنّة.

وقوله: ﴿ ذلك بأنّهم قوم لا يعقلون ﴾ تحقير لهم إذ ليس في النداء إلى الصّلاة ما يوجب الاستهزاء؛ فجعْله موجباً للاستهزاء سخافة لعقولهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ ﴾ يُرِيدُ بِالإثْمِ مَعْصِيَةَ اللَّهِ تَعالى.

﴿ والعُدْوانِ ﴾ أيْ ظُلْمِ النّاسِ.

﴿ وَأكْلِهِمُ السُّحْتَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الرُّشا.

والثّانِي: الرِّبا.

﴿ لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ أيْ لَبِئْسَ صَنِيعُ الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ إذْ لَمْ يَنْهَوْهم، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أشَدُّ تَوْبِيخًا لِلْعُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَؤُها: ﴿ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ لَوْلا ﴾ بِمَعْنى هَلّا.

والرَّبّانِيُّونَ: هم عُلَماءُ الإنْجِيلِ، والأحْبارُ: هم عُلَماءُ التَّوْراةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البيهقي في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ أمر الله.

قال: «كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى بالصلاة فقام المسلمون إلى الصلاة قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا، فإذا رأوهم ركعاً وسجداً استهزأوا بهم وضحكوا منهم» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعباً ﴾ قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: أشهد أن محمداً رسول الله.

قال: أحرق الله الكاذب، فدخل خادمه ذات ليلة من الليالي بنار وهو قائم وأهله نيام، فسقطت شرارة فاحرقت البيت واحترق هو وأهله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن شهاب الزهري قال: قد ذكر الله الأذان في كتابه فقال: ﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبيد بن عمير قال: «ائتمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كيف يجعلون شيئاً إذا أرادوا جمع الصلاة اجتمعوا لها به؟

فائتمروا بالناقوس، فبينا عمر بن الخطاب يريد أن يشتري خشبتين للناقوس إذ رأى في المنام أن لا تجعلوا الناقوس بل أذنوا بالصلاة، فذهب عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره بالذي رأى، وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بذلك، فما راع عمر إلا بلال يؤذن فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد سبقك بذلك الوحي، حين أخبره بذلك عمر» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا ﴾ .

أي: دعوتم الناس إليها بالأذان (١) والنداء: الدعاء برفع الصوت، وندى الصوت: بعد مذهبه (٢)  لصاحب الرؤيا بالأذان: "ألقها على بلال، فإنه أندى صوتاً منك" (٣) وقوله تعالى: ﴿ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ﴾ ، ذكر أهل المعاني فيه قولين: أحدهما: أنهم كانوا إذا أذن المؤذن للصلاة تضاحكوا فيما بينهم وتغامزوا على طريق السخف والمجون، تجهيلاً لأهلها وتنفيراً للناس عنها وعن الداعي إليها (٤) وهذا معنى قول الكلبي قال: كان إذا نادي منادي رسول الله  إلى الصلاة وقام المسلمون إليها، قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا، فإذا رأوهم سجدوا أو ركعوا استهزؤوا وضحكوا منهم (٥) القول الثاني: أنهم كانوا يرون المنادي إليها بمنزلة اللاعب أو الهازي الكاذب، جهلاً عنهم بها.

وهذا معنى قول السدي في هذه الآية: "أن رجلاً من النصارى بالمدينة كلما سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله.

يقول: حُرِّق الكاذب ، فدخل خادمه بنار ذات ليلة، فتطايرت منها شرارة في البيت، فاحترق هو وأهله (٦) وقوله تعالى: ﴿ هُزُوًا وَلَعِبًا ﴾ مصدران يراد بهما المفعول.

وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ  ﴾ أي: لا يعقلون ما لهم في إجابتهم لو (٧) (٨) (٩) (١) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 291، "بحر العلوم" 1/ 445.

(٢) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3538 (ندأ).

(٣) هذا الحديث في كيفية الأذان ورؤيا عبد الله بن زيد  في ذلك.

أخرجه، وأبو داود (499) كتاب الصلاة، باب: كيف الأذان، والترمذي (189)، كتاب: الصلاة، باب: بدء الأذان، وابن ماجه (706) كتاب: الأذان، باب: بدء الأذان ، وأحمد في "مسنده" 4/ 43.

(٤) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 291، "بحر العلوم" 1/ 446.

(٥) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 74، "زاد المسير" 2/ 385، 386، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" إلى البيهقي في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وهي طريق واهية "الدر المنثور" 2/ 521.

(٦) أخرجه الطبري 6/ 291، وعزاه السيوطي أيضًا إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ "الدر المنثور" 2/ 521.

وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 74، "زاد المسير" 2/ 386، "تفسير ابن كثير" 2/ 82.

(٧) في (ج): (ولو).

(٨) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 291، "زاد المسير" 2/ 386.

(٩) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 118.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصلاوة ﴾ الآية: روي أن رجلاً من النصارى كان بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: حرق الله الكاذب، فوقعت النار في بيته فاحترق هو وأهله، واستدل بعضهم بهذه الآية على ثبوت الأذان من القرآن ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ﴾ جعل قلة عقولهم علة لاستهزائهم بالدين ﴿ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ ﴾ هل تعيبون علينا وتنكرون منا إلا إيماننا بالله، وبجميع كتبه ورسله، وذلك أمر لا ينكر ولا يعاب، ونظير هذا في الاستثناء العجيب قول النابغة: ولا عيبَ فيهم غير أن سيوفهم ** بهنّ فلولٌ من قراع الكتائب ونزلت الآية بسبب أبي ياسر بن أخطب، ونافع بن أبي نافع، وجماعة من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرسل الذين يؤمن بهم فتلا: آمنا بالله وما أنزل إلينا إلى آخر الآية، فلما ذكر عيسى قالوا: لا نؤمن بعيسى ولا بمن آمن به ﴿ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسقون ﴾ قيل: إنه معطوف على آمنا، وقيل: على ما أنزل، وقيل: هو تعليل معطوف على تعليل محذوف تقديره: هل تنقمون منا إلا لقلة إنصافكم ولأن أكثركم فاسقون، ويحتمل أن يكون: وأن أكثركم مبتدأ وخبره محذوف تقديره فسقكم معلوم، أو ثابت.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تبغون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر والخراز عن هبيرة.

الباقون بالياء.

﴿ ويقول ﴾ بالواو وبالرفع: عاصم وحمزة وعلي وخلف، وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب بالنصب.

عياش: مخير.

الباقون ﴿ يقول ﴾ بدون واو العطف.

﴿ من يرتد ﴾ بالإظهار: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون بالإدغام.

﴿ والكفار ﴾ بالجر: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي.

الباقون بالنصب عطفاً على محل ﴿ الذين اتخذوا ﴾ وقرأ أبو عمرو وعلي غير ليث وأبي حمدون وحمدوية وابن رستم الطبري عن نصير طريق ابن مهران بالإمالة.

الوقوف: ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ ومنهاجاً ﴾ ط ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ تختلفون ﴾ ه لا لعطف ﴿ وأن احكم ﴾ على ما قبله.

ومن وقف فلأنه رأس آية.

﴿ أنزل الله إليك ﴾ ط ﴿ ذنوبهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ يبغون ﴾ ط ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ه ليلزم النهي عن اتخاذ الأولياء مطلقاً ﴿ أولياء بعض ﴾ ط ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ دائرة ﴾ ط لتمام المقول.

﴿ نادمين ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ ويقول ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ أن يأتي ﴾ .

﴿ جهد أيمانهم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ إنهم ﴾ جواب القسم ﴿ لمعكم ﴾ ط ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ ويحبونه ﴾ لا لأن ما بعده صفة قوم ﴿ الكافرين ﴾ ه لشبه الآية.

﴿ لائم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ راكعون ﴾ ه ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ج للعطف ولطول الكلام.

﴿ مؤمنين ﴾ ﴿ ولعباً ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه.

/التفسير: منّ الله  على نبينا  بإنزال القرآن إليه مصدقاً لما بين يديه من الكتاب أي جنسه وهو كل كتاب سوى القرآن نازل من السماء.

وفي المهيمن قولان: قال الخليل وأبو عبيدة: هيمن على الشيء يهيمن إذا كان رقيباً على الشيء وشاهداً ومصدقاً.

وقال الجوهري: أصله أأمن بهمزتين قلبت الثانية ياء لكراهة اجتماع الهمزتين، ثم الأولى هاء كما في هرقت وهياك.

والمعنى إنه أمين على الكتب التي قبله لأنه لا ينسخ ألبتة ولا يحرف لقوله: ﴿ وإنا له لحافظون  ﴾ ومن هنا قرىء: ﴿ ومهيمناً عليه ﴾ فتح الميم أي هو من عليه بأن حوفظ من التغيير والتبديل، والذي هيمن عليه عز وجل كما قلنا، أو الحفاظ في كل بلد والقراء المشهود لهم بالإجادة ﴿ فاحكم بينهم ﴾ بين اليهود بالقرآن ﴿ ولا تتبع أهواءهم ﴾ منحرفاً ﴿ عما جاءك من الحق ﴾ أو ضمن لا تتبع معنى لا تحزن.

قيل: لولا جواز المعصية على الأنبياء لم يجز هذا النهي.

والجواب أن ذلك مقدور له ولكن لا يفعله لمكان النهي.

أو الخطاب له والمراد غيره ﴿ لكل جعلنا منكم ﴾ أيها الناس أو الأمم أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد  لتقدم ذكر الثلاث ﴿ شرعة ومنهاجاً ﴾ قال ابن السكيت: الشرع مصدر شرعت الإهاب إذا شققته وملحته.

وقيل: إنه من الشروع في الشيء الدخول فيه، والشرعة مصدر للهيئة بمعنى الشريعة "فعيلة" بمعنى "مفعولة" وهي الأمور التي أوجب الله  على المكلفين أن يشرعوا فيها والمنهاج الطريق الواضح وهما عبارتان عن معبر واحد هو الدين والتكرير للتأكيد.

ويحتمل أن يقال: الشريعة عامة والمنهاج مكارم الشريعة، فالأولى أقدم وهذه تتلوها وهي الطريقة.

وقال المبرد: الشريعة ابتداء الطريق والطريقة المنهاج المستمر ﴿ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ﴾ جماعة متفقة على شريعة واحدة أو ذوي أمة واحدة أي دين واحد لا خلاف فيه.

وفيه دليل على أن الكل بمشيئة الله تعالى.

والمعتزلة حملوه على مشيئته الإلجاء ﴿ ولكن ليبلوكم ﴾ أي جعلكم مختلفين متخالفين ليعاملكم معاملة المختبر هل تعملون بالنواميس الإلهية وتذعنون للعقائد الحقة أم تقصرون في العمل وتتبعون الشبه ولذلك قال ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ سارعوا إليها وتسابقوا نحوها.

ويعني بالخيرات ههنا ما هو الحق من الاعتقادات والمحقق من التكاليف.

ثم علّل الاستئناف بقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم ﴾ فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين المحق والمبطل والعام والمقصر.

والمراد أن الأمر سيؤل إلى ما يحصل معه اليقين من مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ﴿ وأن احكم ﴾ قيل معطوف على ﴿ الكتاب ﴾ أي وأنزلنا إليك أن احكم على أن "أن" المصدرية وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الأفعال، أو على قوله: ﴿ بالحق ﴾ أي أنزلناه بالحق وبأن احكم.

وأقول: يحتمل أن تكون "أن" مفسرة وفعل الأمر محذوف أي وأمرناك أن احكم.

وتكرار الأمر بالحكم إما للتأكيد/ وإما لأنهما حكمان لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصنين ثم احتكموا في قتل كان بينهم.

وزعم بعض الأئمة أن هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله: ﴿ فاحكم بينهم أو أعرض ﴾ وعن ابن عباس أن جماعة من اليهود منهم كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشماس بن قيس من أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد  لعلنا نفتنه عن دينه.

فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قوم خصومة ونحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله  وأنزل فيهم: ﴿ واحذرهم أن يفتنوك ﴾ محله نصب على أنه مفعول له أي مخافة أن يفتنوك، أو على أنه بدل اشتمال من مفعول احذر.

والمراد بالفتنة رده إلى أهوائهم فكل من صرف من الحق إلى الباطل فقد فتن.

قال بعض أهل العلم: في الآية دليل على أن الخطأ والنسيان جائزان على النبي  ، لأن التعمد في مثل هذا غير جائز فلم يبق إلاّ الخطأ والنسيان فلو لم يكونا جائزين أيضاً لم يكن للحذر فائدة، ﴿ فإن تولوا ﴾ عن الحكم المنزل أي فإن لم يقبلوا حكمك ﴿ فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ﴾ أما الإصابة فالمراد بها قتلهم وإجلاؤهم، وأما ذكر بعض الذنوب فلأن مجازاتهم ببعض الذنوب كافية في إهلاكهم وتدميرهم، أو أراد بالبعض ذنب التولي عن حكم الله.

وفيه أن لهم ذنوباً جمة وأن هذا الذنب عظيم جداً كقول لبيد: تراك أمكنة إذا لم أرضها *** أو يرتبط بعض النفوس حمامها أراد نفسه وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام فكأنه قال نفساً كبيرة لأن التنكير في معنى البعضية أيضاً.

﴿ لفاسقون ﴾ لمتمردون في الكفر.

وفيه أن التولي عن حكم الله فسق مؤكد جداً.

ثم استفهم منكراً لرأيهم فقال: ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ وفيه تعيير لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم ومع ذلك يطلبون حكم الملّة الجاهلية التي هي محض الجهل وصريح الهوى.

وقال مقاتل: إن قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى.

فقال رسول الله  : القتلى بواء أي سواء.

فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك فنزلت.

وعن الحسن هو عام في كل من يبتغي غير حكم الله.

وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض فتلا هذه الآية.

واللام في قوله: ﴿ لقوم يوقنون ﴾ للبيان كاللام في: ﴿ هيت لك  ﴾ أي هذا لخطاب وهذا الاستفهام لهم لأنهم الذين يعرفون أنه لا أحد أعدل من الله حكماً ولا أحسن منه بياناً.

قال عطية العوفي: "جاء عبادة بن الصامت فقال: يا رسول الله إن لي موالي من اليهود كثيراً عددهم حاضراً نصرهم/ وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولاية اليهود، أو إلى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية اليهود.

فقال رسول الله  : يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه.

قال: قد قبلت فأنزل الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ﴾ " تعاشرونهم معاشرة المؤمنين.

ثم علل النهي بقوله: ﴿ بعضهم أولياء بعض ﴾ لأن الجنسية علة الضم.

ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ ومن يتولهم منكم فإنه منهم ﴾ من جملتهم وحكمه حكمهم ولذلك قال ابن عباس: يريد أنه كافر مثلهم وفيه من التغليظ والتشديد ما فيه.

﴿ إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفرة فوضعوا الولاء في غير موضعه.

عن أبي موسى الأشعري قال: قلت لعمر بن الخطاب: إن لي كاتباً نصرانياً فقال: ما لك قاتلك الله ألا اتخذت حنيفاً؟

أما سمعت هذه الآية؟

قلت: له دينه ولي كتابته.

فقال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذا أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله.

قلت: لا قوام بالبصرة إلاّ به.

قال: مات النصراني والسلام يعني هب أنه قد مات فما كنت تكون صانعاً حينئذٍ فاصنعه الآن.

﴿ فترى الذين في قلوبهم مرض ﴾ يعني أمثال عبدالله بن أبي ﴿ يسارعون فيهم ﴾ في موالاة اليهود والنصارى يهود بني قينقاع ونصارى نجران لأنهم كانوا أهل ثروة وكانوا يعينونهم على مهامهم ويقرضونهم ﴿ يقولون ﴾ يعتذرون عن الموالاة بقولهم: ﴿ نخشى أن تصيبنا دائرة ﴾ قال الواحدي: هي الدولة ومثلها صروف الزمان ونوائبه.

وقال الزجاج: نخشى أن لا يتم الأمر لمحمد فيدور الأمر كما كان قبل ذلك.

ثم سلى رسوله والمؤمنين بقوله: ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ﴾ فعسى من الله الكريم إطماع واجب.

والفتح إما فتح مكة أو مطلق دولة الإسلام وغلبة ذويه.

وقوله: ﴿ أو أمر من عنده ﴾ المراد به فعل لا يكون للناس فيه مدخل ألبتة كقذف الرعب في قلوب بني النضير وغيرهم من الكفار.

وقيل: هو أن يؤمر النبي  بإظهار المنافقين وقتلهم.

﴿ فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم ﴾ من النفاق والشك في أن أمر الرسول  يتم ﴿ نادمين ويقول الذين آمنوا ﴾ قال الواحدي: حذف الواو ههنا كإثباتها فلهذا جاء في مصاحف أهل الحجاز والشام بغير واو، وفي مصاحف أهل العراق بالواو، وذلك أن في الجملة المعطوفة ذكراً من المعطوف عليها، فإنقوله: ﴿ أهؤلاء ﴾ إشارة إلى الذين يسارعون، فلما حصل في كل من الجملتين ذكر من الأخرى حسن الوجهان.

ووجه العطف مع النصب ظاهر ووجه ذلك مع الرفع على أنه كلام مبتدأ أي ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت.

ووجه الفصل هو أن يكون جواب سائل يسأل فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ وإنما يقولون هذا القول فيما بينهم تعجباً من حالهم وفرحاً بما/ منّ الله عليهم من التوفيق في الإخلاص، أو يقولونه لليهود الذين كانوا يحلفون لهم بالمعاضدة والنصرة كما حكى الله عنهم: ﴿ وإن قوتلتم لننصرنكم  ﴾ وقوله: ﴿ جهد أيمانهم ﴾ أي بإغلاظ الأيمان نصب على الحال أي يجتهدون جهد أيمانهم أو على المصدر من غير لفظه.

﴿ حبطت أعمالهم ﴾ من قول الله  أو من جملة قول المؤمنين أي بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها رياء.

وفيه معنى التعجب أي ما أحبط أعمالهم فما أخسرهم حيث بقي عليهم التعب في الدنيا والعذاب في العقبى ﴿ من يرتدّ منكم عن دينه ﴾ أي من يتولّ الكفار منكم فيرتد فليعلم أن الله  يأتي بقوم آخرين ينصرون هذا الدين على أبلغ الوجوه.

وقال الحسن: علم الله  أن قوماً يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم فأخبرهم أنه  سيأتي ﴿ بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ فتكون الآية إخباراً عن الغيب وقد وقع فيكون معجزاً.

روي في الكشاف أن أهل الردّة كانوا إحدى عشرة فرقة، ثلاث في عهد رسول الله  بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار الأسود العنسي وكان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلاده وأخرج عمال رسول الله  فكتب رسول الله  إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن فأهلكه الله على يدي فيروز الديلمي، بيته فقتله وأخبر رسول الله  بقتله ليلة قتل فسر المسلمون وقبض رسول الله  من الغد وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول.

وبنو حنيفة قوم مسليمة تنبأ وكتب إلى رسول الله  : من مسليمة رسول الله إلى محمد رسول الله  وأما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك.

فأجاب  : من محمد رسول الله  إلى مسيلمة الكذاب.

أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.

فحاربه أبو بكر بجنود المسلمين وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة وكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام.

أراد في جاهليتي وإسلامي.

وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه رسول الله  خالداً فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه.

وسبع في عهد أبي بكر: فزارة قوم عيينة بن حصن وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض بني تميم قوم سجاج بنت المنذر المتنبئة التي زوّجت نفسها مسيلمة الكذاب، وكندة قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد وحاربهم أبو بكر وكفى الله أمرهم على يديه.

وفرقة واحدة في عهد عمر غسان قوم جبلة بن الأيهم كان يطوف بالبيت ذات يوم بعد أن كان أسلم على يد عمر فرأى رجلاً جارّاً رداءه فلطمه فتظلم الرجل إلى عمر فقضى بالقصاص عليه.

فقال: أنا أشتريها بألف فأبى الرجل فلم يزل يزيد في الفداء إلى أن بلغ عشرة آلاف فأبى الرجل إلاّ القصاص فاستنظره فأنظره عمر فهرب إلى/ الروم وتنصر.

وتفسير المحبة قد مر في سورة البقرة في قوله: ﴿ يحبونهم كحب الله  ﴾ وإنما قدم محبته على محبتهم لأن محبتهم إياه نتيجة محبته الأزلية إياهم فتلك أصل وهذه فرع.

والراجع من الجزاء إلى الاسم المتضمن للشرط محذوف معناه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم غيرهم ﴿ أذلة ﴾ جمع ذليل لأن ذلولاً من الذل نقيض الصعوبة لا يجمع على أذلة وإنما يجمع على ذلل.

وليس المراد أنهم مهانون عند المؤمنين بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق ولين الجانب، فإن من كان ذليلاً عند إنسان فإنه لا يظهر الكبر والترفع ألبتة.

ولتضمين الذل معنى الحنو العطف عدّي بعلى دون اللام كأنه قيل: عاطفين عليهم.

أو المراد أنهم مع شرفهم واستعلاء حالهم واستيلائهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم ليضموا إلى منصبهم فضيلة التواضع ﴿ أعزة على الكافرين ﴾ يظهرون الغلظة والترفع عليهم من عزه يعزه إذا غلبه ونحو هذه الآية قوله: ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم  ﴾ أما الواو في قوله: ﴿ ولا يخافون ﴾ فإما أن تكون للحال أي يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين حيث يخافون لومة أوليائهم اليهود، وإما أن تكون للعطف كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام *** أي هم الجامعون بين المجاهدة لله وبين الصلابة في الدين إذا شرعوا في أمر من أمور الدين، لا يرعبهم اعتراض معترض.

وفي وحدة اللوم وتنكير اللائم مبالغتان كأنه قيل: لا يخافون شيئاً قط من لوم أحد من اللوام ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من نعوت الكمال من المحبة والذلة وغيرها ﴿ فضل الله ﴾ إحسانه وتوفيقه.

قالت الأشاعرة: إنه صريح في أن الأعمال مخلوقة لله  .

والمعتزلة حملوه على فعل الألطاف.

وضعف بأن اللطف عام في حق الكل فلا بد للتخصيص من فائدة ﴿ والله واسع عليم ﴾ تام القدرة كامل العلم يعلم أهل الفضل فيؤتيهم الفضل.

واعلم أن للمفسرين خلافاً في أن القوم المذكورين في الآية من هم.

قال الحسن وقتادة والضحاك وابن جريج: هم أبو بكر وأصحابه لأنهم الذين قاتلوا أهل الردة.

وقال السدي: نزلت في الأنصار.

وقال مجاهد: هم أهل اليمن لأنها لما نزلت أشار النبي  إلى أبي موسى الأشعري, وقال: هم قوم هذا.

وقال آخرون: هم الفرس لما روي "أنه  سئل عن هذه الآية فضرب يده على عاتق سلمان وقال: هذا وذووه ثم قال: لو كان الدين معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس" .

وقالت الشيعة: نزلت في علي  وكرّم الله وجهه لما روي أنه  دفع الراية إلى علي يوم خيبر وكان قد قال: لأدفعن الراية إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ولأن ما بعد هذه الآية نازلة فيه باتفاق أكثر المفسرين قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهب الإمامية لأن الذين اتفقوا على إمامة أبي بكر، لو كانوا أنكروا نصاً جلياً على إمامة علي  لكان كلهم مرتدين ثم لجاء الله بقوم تحاربهم وتردهم إلى الحق.

ولما لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضد فإن فرقة الشيعة مقهورون أبداً حصل الجزم بعدم النص.

ولناصر مذهب الشيعة أن يقول: ما يدريك أنه  لا يجيء بقوم تحاربهم، ولعل المراد بخروج المهدي هو ذلك فإن محاربة من دان بدين الأوائل هي محاربة الأوائل وهذا إنما ذكرته بطريق المنع لا لأجل العصبية والميل فإن اعتقاد ارتداد الصحابة الكرام أمر فظيع والله أعلم.

ثم إنه  لما نهى في الآي المتقدمة عن موالاة الكفار أمر بعد ذلك بموالاة من يحق موالاته فقال: ﴿ إنما وليكم ﴾ ولم يقل أولياؤكم ليعلم أن ولاية الله أصل والباقي تبع ﴿ الله ورسوله والذين آمنوا ﴾ وفيه قولان: الأول أن المراد عامة المؤمنين لأنّ الآية نزلت على وفق ما مر من قصة عبادة من الصامت.

وروي أيضاً أن عبد الله بن سلام قال: يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل فنزلت هذه الآية.

فقالوا: رضينا بالله  وبرسوله وبالمؤمنين أولياء.

ثم قال: ﴿ الذين يقيمون الصلاة ﴾ ومحله رفع على البدل أو على هم الذين يقيمون، أو نصب بمعنى أخص أو أعني وفي الكل مدح والغرض تميز المؤمن المخلص عمن يدعي الإيمان نفاقاً ومعنى ﴿ وهم راكعون ﴾ قال أبو مسلم: أي منقادون خاضعون لأوامر الله  ونواهيه.

وقيل: المراد ومن شأنهم إقامة الصلاة وخص الركوع بالذكر لشرفه.

وقيل: إنّ الصحابة كانوا عند نزول الآية مختلفين في هذه الصفات منهم من قد أتم الصلاة ومنهم من دفع المال إلى الفقير ومنهم من كان بعد الصلاة راكعاً فنزلت الآية على وفق أحوالهم.

القول الثاني أن المراد شخص معين وجيء به على لفظ الجمع ليرغب الناس في مثل فعله.

ثم إن ذلك الشخص من هو؟

روى عكرمة أنه أبو بكر وروى عطاء عن ابن عباس أنه علي  .

روي أن عبد الله بن سلام قال: "لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله أنا رأيت علياً تصدق بخاتمه على محتاج وهو راكع فنحن نتولاه" .

وروي عن أبي ذر أنه قال: " صليت مع رسول الله  يوماً صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء.

وقال: اللهم أشهد أني سألت في مسجد الرسول فما أعطاني أحد شيئاً وعليّ  كان راكعاً فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم فرآه النبي  فقال: اللهم إن أخي موسى سألك فقال: ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ إلى قوله: ﴿ وأشركه في أمري  ﴾ فأنزلت قرآناً ناطقاً ﴿ سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً  ﴾ اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي علياً اشدد به أزري.

قال أبو ذر: فوالله ما أتم رسول الله  هذه الكلمة حتى نزل جبريل فقال: يا محمد اقرأ ﴿ إنما وليكم الله ﴾ الآية" .

فاستدلت الشيعة بها على أن الإمام بعد رسول الله  هو علي بن أبي طالب  لأن الولي هو الوالي المتصرف في أمور الأمة، وأنه علي  برواية أبي ذر وغيره.

وأجيب بالمنع من أن الولي ههنا هو المتصرف بل المراد به الناصر والمحب لأن الولاية المنهي عنها فيما قبل هذه الآية، وفيما بعدها هي بهذا المعنى فكذا الولاية المأمور بها.

وأيضاً إن علياً لم يكن نافذ التصرف حال نزول الآية وإنها تقتضي ظاهراً أن تكون الولاية حاصلة في الحال.

وأيضاً إطلاق لفظ الجمع على الواحد لأجل التعظيم مجاز والأصل في الإطلاق الحقيقة، فالمراد بالذين آمنوا عامة المؤمنين وأن بعضهم يجب أن يكون ناصراً لبعض كقوله: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض  ﴾ وأيضاً الآية المتقدمة نزلت في أبي بكر كما مر من أنه هو الذي حارب المرتدين فالمناسب أن تكون هذه أيضاً فيه.

ثم إن علي بن أبي طالب  كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الإمامية فلو كانت الآية دالة على إمامة عليّ لاحتج بها كما احتج بما ينقلون عنه أنه تمسك يوم الشورى بخبر الغدير وخبر المباهلة وجميع مناقبه وفضائله.

وهب أنها دالة على إمامته لكنه ما كان نافذ التصرف في حياة رسول الله  فلم يبق إلا أنه سيصير إماماً ونحن نقول بموجبه ولكنه بعد الشيوخ الثلاثة.

ومن أين قلتم إنها تدل على إمامته بعد رسول الله  من غير فصل؟

وأيضاً إنهم كانوا قاطعين بأن المتصرف فيهم هو الله ورسوله فلا حاجة بهم إلى ذكر ذلك.

فالمراد بقوله: ﴿ إنما وليكم الله ورسوله ﴾ أن من كان الله ورسوله ناصرين له فأي حاجة به إلى طلب النصرة والمحبة عن غيره، وإذا كان الولي مستعملاً بمعنى النصرة مرة امتنع أن يراد به معنى المتصرف لأنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه معاً فكأنه  قسم المؤمنين قسمين وجعل أحدهما أنصاراً للآخر.

وأيضاً الزكاة اسم للواجب لا للمندوب، ومن المشهور أن علياً  ما كان يجب عليه الزكاة، ولو سلم فاللائق بحاله أن يكون في الصلاة مستغرق القلب بالله فلا يتفرغ لاستماع كلام السائل ولا إلى دفع الخاتم إليه لأنه عمل كثير، اللهم إلا أن يكون الخاتم سهل المأخذ أو كان قد أومأ به إلى السائل فأخذه السائل.

والحق أنه إن صحت الرواية فللآية دلالة قوية على عظم شأن/ علي  ، والمناقشة في أمثال ذلك تطويل بلا طائل إلا أن أصحاب المذاهب لما تكلموا فيها أوردنا حاصل كلامهم على سبيل الاختصار ﴿ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله ﴾ من إقامة المظهر مقام المضمر تشريفاً.

والمراد فإنهم هم الغالبون.

حزب الرجل أصحابه المجتمعون لأمر حزبهم.

وقال الحسن: جند الله.

أبو روق: أولياء الله.

أبو العالية: شيعة الله.

وقيل: أنصار الله.

الأخفش: هم الذين يدينون بدينه ويطيعونه فينصرهم.

صاحب الكشاف: يحتمل أن يراد بحزب الله الرسول والمؤمنون أي ومن يتولهم فقد تولى حزب الله واعتضد بمن لا يغالب.

ثم عمم النهي عن موالاة جميع الكفار فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ﴾ عن ابن عباس: كان رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، فكان رجال من المسلمين يوادّونهما فنزلت، يعني أن اتخاذهم دينكم هزواً ولعباً ينافي اتخاذكم إياهم أولياء بل يجب أن يقابل ذلك بالشنآن والبغضاء.

وإنما عطف الكفار على أهل الكتاب مع أن أهل الكتاب أيضاً كفار والعطف يقتضي المغايرة، لأنه أراد بالكفار المشركين الوثنيين خاصة لما أن كفرهم أغلظ فكانوا أحق باسم الكفر.

ومعنى تلاعبهم بالدين واستهزائهم به إظهارهم ذلك باللسان دون مواطأة الجنان.

﴿ واتقوا الله ﴾ في موالاة الكفار ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ حقاً لأن الإيمان الحقيقي يأبى موالاة أعداء الدين.

قال الكلبي: "كان منادي رسول الله  إذا نادى إلى الصلاة فقام المسلمون إليها قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا صلوا لا صلوا ركعوا لا ركعوا على طريق الاستهزاء والضحك فنزل ﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها ﴾ " أي الصلاة والمناداة.

وهذا بعض ما اتخذوه من هذا الدين هزواًَ ولعباً، فلهذا أردفه بالآية المقدمة الكلية.

وقال السدي: "نزلت في رجل من النصارى بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله.

قال: حرق الكاذب.فدخل خادمه بنار ذات ليلة وهو نائم وأهله نيام فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله" .

وقال آخرون: "إن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا رسول الله والمسلمين على ذلك فدخلوا على رسول الله  فقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئاً لم نسمع به فيما مضى من الأمم الخالية.

فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت من هذا الأذان الأنبياء قبلك، ولو كان في هذا الأمر خير كان أولى الناس به الأنبياء والرسل قبلك، فمن أين لك صياح كصياح العنز؟

فما أقبح من صوت وما أسمج من أمر.

فأنزل الله  هذه الآية" ، وأنزل: ﴿ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ﴾ قال بعض العلماء: فيه دليل على ثبوت الآذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده.

وأقول: لو قيل إن أصل الأذان بالمنام والتقرير بنص الكتاب كان اصوب ذلك الاتخاذ.

﴿ بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ ما في الصلاة من المنافع لأنها التوجه إلى الخالق والاشتغال بخدمة المعبود، أو لا يفهمون ما في اللعب والهزء من السفه/ والجهل.

قال بعض الحكماء: أشرف الحركات الصلاة وأنفع السكنات الصيام.

التأويل: ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ﴾ أي بالحقيقة لأنه أنزل على قلبه وأنزل سائر الكتب في الألواح والصحف فلهذا كان خلقه القرآن.

وكان مهيمناً على جميع الكتب تصديقاً عيانياً لا بيانياً بحيث يشاهد قلب المنزل عليه بنوره حقائق جميع الكتب وأسرارها بخلاف ما أنزل في الألواح فإن الألواح لا تشهد ولا تشاهد حقائق الكتب ومعانيها ﴿ لكل جعلنا منكم ﴾ معاشر الأنبياء ﴿ شرعة ﴾ يشرع فيها بالبيان ﴿ ومنهاجاً ﴾ يسلك فيه بالعيان ﴿ ولكن ليبلوكم ﴾ أيها الأمم ﴿ فيما آتاكم ﴾ من البيات والتبيان والحجج والبرهان والعزة والسلطان، فابتلاكم بزينة الدنيا واتباع الهوى ونيل المنى والرفعة بين الورى والنجاة في العقبى ليهتدي التائبون بالبيان، ويستفيد العاملون بالبرهان، ويحكم العارفون بالسلطان بل يقصد الزاهدون برفض الدنيا ويقدم العابدون بنهي الهوى، ويسلك المشتاقون بنفي المنى، ويجذب العارفون بترك الورى، ويسلب الواصلون بالسلو عن الدنيا والعقبى ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ من هذه المقامات ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ اختياراً بقدم الصدق أو اضطراراً بحلول الأجل ﴿ فإن تولوا ﴾ عن قبول الحق ﴿ فاعلم ﴾ بمطالعة القضاء ﴿ أنما يريد الله ﴾ في حكم القدر ﴿ أن يصيبهم ﴾ مصيبة الإعراض ﴿ ببعض ذنوبهم ﴾ وهو الاعتراض، فإن الحق  يلزم بشرط التكاليف ويقدمهم ويؤخرهم بعين التصريف.

فالتكليف فيما أوجب والتصريف فيما أوجدوا العبرة بالإيجاد لا بالإيجاب ﴿ لفاسقون ﴾ لخارجون عن جذبات العناية ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ أيطلبون منك أن تحيد عن المحجة المثلى بعد ما طلعت شموس الدنيا وسطعت براهين اليقين وانهتكت أستار الريب واستنار القلب بأنوار الغيب ﴿ يسارعون فيهم ﴾ لأن شبيه الشيء منجذب إليه ﴿ أن يأتي بالفتح ﴾ فتح عيون القلوب ﴿ أو أمر من عنده ﴾ وهو الجذبة التي توازي عمل الثقلين ﴿ ويقول الذين آمنوا ﴾ بأنوار الغيوب في أستار القلوب ﴿ فأصبحوا خاسرين ﴾ بإبطال الاستعداد الفطري.

﴿ بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ هم أرباب السلوك أفناهم عنهم بسطوات يحبهم ثم أبقاهم به عند هبوب نفحات يحبونه، فإن محبة الله للعبد إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية، ومحبة العبد بصفته ذاته أزلاً وهي الإرادة القديمة الناسوتية.

والشيخ نجم الدين الرازي المعروف بداية  قد عكس القضية، فلعله فهم غير ما فهمنا.

ثم قال إنه  يحب العبد بصفته ذاته أزلاً وهي الإرادة القديمة المخصوصة بالغاية، والعبد يحب الله بذات تلك الصفة أبداً ﴿ أذلة على المؤمنين ﴾ لارتفاع الأنانية ﴿ أعزه على الكافرين ﴾ ببقاء اللاهوتية وإثبات الوحدانية ﴿ يجاهدون في سبيل الله ﴾ في طلب الحق في البداية ببذل الوجود ﴿ ولا يخافون لومة لائم ﴾ عند غلبات الوجد في/ الوسط لدوام الشهود ذلك يعني صدق الطلب في البداية وغلبات الوجد في الوسط والاختصاص بالمحبة في النهاية ﴿ والله واسع ﴾ كرمه قادر على أن يتفضل على كل أحد لكنه ﴿ عليم ﴾ بحال كل أحد فلا يتفضل إلا على من يستأهله.

﴿ يقيمون الصلاة ﴾ يديمونها مراقبين حقوقها في الباطن بمراعاة السر ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ ما زكى من وجودهم وهو الفناء في الله ﴿ وهم راكعون ﴾ راجعون إلى الله بانحطاط.

فمن قيام البشرية إلى قيام القيومية هم الغالبون على أهوائهم وأنفسهم والدنيا والشيطان ﴿ الذين اتخذوا دينكم ﴾ يعني أهل الغفلة والسلو المستهزئين بأهل المحبة والقرب ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ أي العلوم الظاهرة والكفار يعني الفلاسفة ومقلديهم لأنهم بمعزل عن العلوم اللدنية والكشفية ﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة ﴾ دعوتموهم إلى محل القرب والنجوى ولا يعقلون بالوهم والخيال لذاذة شهود ذلك الجمال.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ...

﴾ الآية.

قوله -  -: ﴿ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ ﴾ : إن قوله: ﴿ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ ﴾ - وإن كان حرف توحيد وتفريد - فإن المراد منه الجماعة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ ﴾ ؟!

دل هذا على أن المراد منه الجماعة والعصابة، ولأن الواحد - والاثنين - إذا ارتد عن الإسلام يؤخذ ويحبس ويقتل إن أبى الإسلام، والجماعة إذا ارتدوا عن الإسلام احتيج إلى نصب الحرب والقتال؛ على ما نصب أبو بكر الحرب مع أهل الردة.

وفي الآية دلالة إمامة أبي بكر الصديق -  - لأن العرب لما ارتدت [عن الإسلام] بعد رسول الله  حاربهم؛ فكان هو ومن قام بحربهم ممن أحب الله وأحبه الله.

وعن الحسن -  -: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ قال: هو - والله - أبو بكر وأصحابه،  م أجمعين.

وقوله -  -: ﴿ قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً  ﴾ : يدل على إمامة أبي بكر -  - لأنه كان الداعي إلى حرب أهل الردة.

فإن قيل: يجوز أن يكون النبي  هو الذي دعاهم - قيل له: قال الله -  -: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً  ﴾ فمحال أن يدعوهم فيطيعوا، وقد قال الله -  -: إنهم لن يخرجوا معه أبداً.

فإن قيل: قد يجوز أن يكون عمر -  - هو الذي دعاهم - قيل له: فإن كان، فإمامة عمر -  - ثابتة بدليل الآية، وإذا صحت إمامته صحت إمامة أبي بكر -  - لأنه المختار له والمستخلف.

فإن قيل: قد يجوز أن يكون علي -  - هو الذي دعاهم إلى محاربة من حارب - قيل له: قال الله -  -: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ ، وهذه صفة من يُحَارَبُ من مشركي العرب الذين لا تقبل منهم الجزية، وعلي -  - إنما حارب أهل البغي وهم مسلمون، ولم يحارب أحد بعد النبي أهل الردة غير أبي بكر -  - فكانت الآية دليلا على صحة إمامته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ .

﴿ فَسَوْفَ ﴾ كقوله: ﴿ عَسَى ﴾ ، والعسى من الله واجب.

أخبر - عز وجل - أنه يأتي بقوم يحبهم؛ لبذلهم أنفسهم في مجاهدة [أعداء الله]، وتركهم في الله لومة لائم؛ فذلك لحبهم لله؛ لأنه لا أحد يبذل نفسه للهلاك، وترك لومة لائم - إلا لمن يحب الله، وأحبهم الله: لما أثنى عليهم بقوله: ﴿ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ ﴾ ، وحبهم لله: لما بذلوا أنفسهم في مجاهدة أعدائه، وتركهم لومة لائم.

وفيه دلالة إثبات إمامة أبي بكر -  - لأنه - عز وجل - اثنى عليهم بخروجهم في سبيل الله ومجاهدة أعدائه؛ فلو كان غاصباً ذلك على عليٍّ -  - أو كان غير محق لذلك - لم يكن الله ليثني عليه بذلك؛ لأنه كان آخذاً ما ليس له أخذه ومضيعاً حقا لغيره، ومن كان هذا سبيله لم يكن يستوجب كل هذا الثناء في الله  ؛ فهذا ينقض على الروافض قولهم وما روي: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ" وغيره من الأخبار، وذلك في الوقت الذي طلب علي -  - الخلافة وحارب عليها؛ لأنه لا يحتمل أن يعلم أن له الخلافة في زمن أبي بكر -  - ويرى الحق لنفسه، ثم يترك طلبها؛ لأنه كان مضيعاً حق الله عليه؛ فدل سكوته وترك طلبه على أن الحق ليس له، ولكن كان لأبي بكر -  - والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

أي: للمؤمنين، أي: ذوو رحمة ورأفة للمؤمنين.

﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

أي: شاقة شديدة على الكافرين، وهو ما وصفهم، عز وجل: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ الآية، بذلك وصفهم عز وجل.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك الجهاد في سبيل الله، أي: في طاعة الله ﴿ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ، وقيل: ذلك الإسلام ﴿ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ .

﴿ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قد ذكرنا هذا في غير موضع.

قوله  : ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية.

قال بعض أهل التأويل: قوله -  -: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ هو صلة قوله: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ [وكذلك قوله -  -]: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ  ﴾ هو صلة ما تقدم [ذكره]: نهى المؤمنين أن يتخذوا الذين أوتوا الكتاب، والذين لم يؤتوا الكتاب أولياء في غير آي من القرآن، وأخبر أن الله ورسوله هو ولي الذين آمنوا، والمؤمنون - أيضاً - بعضهم أولياء بعض [كما في] قوله: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ ، فإذا كان الله - عز وجل - ورسوله والذين آمنوا أولياء لمن آمن - لم ينبغ أن يتخذوا الكفار أولياء.

وذكر في بعض القصة أن عبد الله بن سلام قال للنبي  : إن اليهود أظهروا لنا العداوة من أجل إسلامنا، وحلفوا ألا يكلمونا، ولا يخالطونا في شيء، ومنازلنا فيهم، وإنا لا نجد متحدثاً دون هذا المسجد؛ فنزلت الآية - فقالوا: قد رضينا بالله وبرسوله والمؤمنين أولياء.

ثم اختلف في نزوله: قال بعضهم: نزلت في شأن علي -  - تصدق بخاتمه وهو في الركوع.

ويقولون: "خرج النبي  فإذا هو بمسكين، فدعاه النبي  قال: هَلْ أَعْطَاكَ أَحَدٌ شَيْئاً، قال: نعم [يا رسول الله]، قال النبي  : ماذا؟

قال: خاتم فضة؟

قال: مَنْ أَعْطَاكَ؟

قال: ذلك الرجل القائم - يعني: عليا - قال النبي  : على أي حال أعطاكه؟

قال: أعطانيه وهو راكع؛ فكبر النبي  ودعا له وأثنى عليه" .

فاحتج الروافض بهذه الآية على تفضيل علي بن أبي طالب -  - على أبي بكر وإثبات الخلافة له دون غيره.

ويقولون: نزلت في شأنه -  - لما روي عن أبي جعفر -  - قال: "تصدق علي بن أبي طالب -  - بخاتمه وهو راكع؛ فنزل: ﴿ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ .

فيقال لهم: هب أن الآية نزلت في شأنه، وليس فيها دلالة إثبات الخلافة له في زمن أبي بكر -  - لأنا قد ذكرنا في الآية الأولى ما يدل على إثبات الإمامة له في الوقت الذي كان هو إماماً، ونحن لا نجعل لعلي - كرم الله وجهه - الخلافة له في الوقت الذي لم ير لنفسه فيه الخلافة؛ لأنه روي عنه أنه قال: "إن أبا بكر هو خير الناس بعد رسول الله،  " أو كلام نحو هذا.

وفي الخبر عن النبي  أنه قال: "لَوْ وَلَّيْتُمْ أَبَا بَكْرٍ لَوَجَدْتُمُوهُ قَوِيّاً فِي دِينِهِ، ضَعِيفاً فِي بَدَنِهِ، وَإِنْ وَلَّيْتُمْ عُمَرَ لَوَجَدْتُمُوهُ قَويّاً فِي دِينِهِ وَبَدَنِهِ، وَإِنْ وَلَّيْتُمْ عَلِيّاً لَوَجَدْتُمُوهُ هَادِياً مَهْدِيّاً مُرْشِداً" فنقول: نحن على ما كان من علي وسائر الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - من تسليم الأمور، إلى أبي بكر، وتفويضهم إليه من غير منازعة ظهرت من علي - كرم الله وجهه - في ذلك؛ فلو كان الحق له في ذلك الوقت، لظهرت منه المنازعة على ما ظهرت في الوقت الذي كان له.

فقالوا: لأن عليّاً -  - لم يكن له أنصار، وفي الوقت الذي ظهرت المنازعة منه والطلب كان له أنصار.

قيل: لا يحتمل أن يكون الحق له فيها ثم لا يطلب؛ لما لم يكن له أنصار؛ ألا ترى أن أبا بكر -  - مع ضعفه في بدنه، خرج وحده لحرب أهل الردة، حتى لما رأوه خرج وحده حيئنذ تبعوه؟!

فأبو بكر لم يترك طلب الحق لعدم الأنصار، مع ضعفه في بدنه، فعلي -  - مع شدته وقوته وفضل علمه بأمر الحرب؛ حتى لم يبارز أحداً من الأعداء إلا غلبه وأهلكه؛ فكيف توهمتم في ترك طلب الحق لفقد الأنصار له والأعوان في ذلك؟!

هذا لعمري لا يتوهم في أضعف أصحاب رسول الله  فضلا أن يتوهم في علي -  - فدل ترك طلب ذلك منه على أنه ترك؛ لما رأى الحق له، والله أعلم.

واحتجوا بما روي عن [رسول] الله  أنه قال لعلي: "أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، غَيْرَ أَنْ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي" ، وهارون كان خليفة موسى؛ فَلِمَ أنكرتم - أيضاً - أن عليّاً -  - كان خليفة رسول الله  ؟!

قيل: لهذا جوابان: أحدهما: أن قوله: "أَنْتَ مِنْي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى" يحتمل أن يكون في الأخوة التي كان آخاه رسول الله  وليس في إثبات الأخوة إثبات الخلافة له.

والثاني: أنه كانت له الخلافة في الوقت الذي كان هو، وليس في الخبر جعل الخلافة له في الأوقات كلها وهكذا جواب ما روي عنه: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَليٌّ مَوْلاَهُ" والله أعلم.

ثم إن كان الحديث الذي روي عن أبي جعفر -  - صحيحاً؛ ففي الآية معنيان: أحدهما: فضيلة علي - كرم الله وجهه - وقد كان كثير الفضائل، مُسْتَكْمِلاً خصال الخير.

والآخر: أن العمل اليسير في الصلاة لا يفسدها، وقد روي في بعض الأخبار عن النبي  أنه خلع نعله في الصلاة، وأنه مس لحيته، وأنه أشار بيده، وغير ذلك من العمل اليسير فعله في صلاته؛ فيقاس كل عمل يسير على ما دل عليه الخبر على جواز الصلاة.

وفيه وجه آخر: وهو أن الصدقة التطوع تسمى زكاة؛ لأن صدقة علي -  - بالخاتم لم تكن صدقة مفروضة، بل كانت تطوعاً؛ فسماها الله زكاة وإن كانت تطوعاً؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ  ﴾ ، فسماها [الله] زكاة، وإن كانت تطوعاً؛ كما تسمى صلاة الفرض والتطوع: صلاة، وصوم التطوع والفرض: صياماً؛ فعلى ذلك هذا.

وظاهر الآية في جملة المؤمنين، [و] ليس علي -  - أولى بها من غيره، فإن كان فيه نزل، فهو ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ ﴾ .

ظاهر هذا لو صرف إلى أبي بكر الصديق -  - كان أقرب؛ لأنه كان هو الغالب على أهل الردة من أول ما وقع بينهم إلى آخره، وعلي -  - إنما صار الأمر له في آخره حين حارب الخوارج، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً...

﴾ إلى آخره.

يحتمل النهي عن اتخاذ أولئك أولياء وجوهاً: يحتمل: النهي قبل أن يتخذوا؛ لئلا يتخذوا.

ويحتمل: النهي بعدما اتخذوا أولياء: لا في الدين، ولكن في بعض المكاسب.

ويحتمل: أن يكون النهي للمنافقين ألا يكونوا مع أولئك على المؤمنين، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

والحزب: هو العون والنصر في اللغة؛ قال الكسائي: تقول العرب: فلان حزبي، أي ناصري وعوني.

وقوله: ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ﴾ .

يخبر نبيه  غاية سفههم بصنيعهم إذا نودي [إلى الصلاة]؛ لأنه ذكر في القصة: أنهم إذا سمعوا المنادي يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"، قالوا: حرق الكاذب، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين من هذه الأديان أقل حظّاً في الدنيا والآخرة منهم، يعنون: محمداً  وأصحابه -  م - فدخل خادمهم ليلة من الليالي بنار وهو نائم، فسقطت شرارة؛ فحرقت البيت واحترق هو وأهله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ﴾ .

نفي عنهم العقل؛ لما لم ينتفعوا بما عقلوا؛ وإلا كانوا يعقلون؛ وعلى ذلك يخرج قوله ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ  ﴾ ، لما لم ينتفعوا بما سمعوا به وعقلوا، وكذلك قوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ...

﴾ الآية [البقرة: 18]: إنا نعلم أنهم كانوا يبصرون ويسمعون؛ لكن نفي عنهم لما لم ينتفعوا بالبصر والسمع واللسان؛ كمن ليس له ذلك في الأصل، والله أعلم.

ويحتمل وجها آخر: وهو أن شدة بغضهم وحسدهم [لنبينا محمد]  تمنعهم عن فهم ما خوطبوا به، وتحول بينهم وبين معرفة ذلك - فكانوا كمن ليس لهم ذلك رأساً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وكذلك يسخرون ويلعبون إذا أَذنْتُم للصلاة التي هي أعظم قربة، ذلك بسبب أنهم قوم لا يعقلون عن الله معاني عبادته وشرائعه التي شرعها للناس.

<div class="verse-tafsir" id="91.6LGon"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله