الآية ٥٩ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٥٩ من سورة المائدة

قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ ٥٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 91 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٩ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٩ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من أهل الكتاب : ( هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل ) أي : هل لكم علينا مطعن أو عيب إلا هذا؟

وهذا ليس بعيب ولا مذمة ، فيكون الاستثناء منقطعا كما في قوله : ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) [ البروج : 8 ] وكقوله : ( وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ) [ التوبة : 74 ] وفي الحديث المتفق عليه : " ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه الله " .

وقوله : ( وأن أكثركم فاسقون ) معطوف على ( أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل ) أي : وآمنا بأن أكثركم فاسقون ، أي : خارجون عن الطريق المستقيم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لأهل الكتاب من اليهود والنصارى: يا أهل الكتاب، هل تكرهون منا أو تجدون علينا في شيء إذ تستهزئون بديننا، وإذ أنتم إذا نادينا إلى الصلاة اتخذتم نداءنا ذلك هزوًا ولعبًا (1) =" إلا أن آمنا بالله "، يقول: إلا أن صدقنا وأقررنا بالله فوحدناه، وبما أنـزل إلينا من عند الله من الكتاب، وما أنـزل إلى أنبياء الله من الكتب من قبل كتابنا=" وأن أكثركم فاسقون "، يقول: وإلا أن أكثركم مخالفون أمر الله، خارجون عن طاعته، تكذبون عليه.

(2) * * * والعرب تقول: " نقَمتُ عليك كذا أنقِم "= وبه قرأه القرأة من أهل الحجاز والعراق وغيرهم= و " نقِمت أنقِم "، لغتان (3) = ولا نعلم قارئًا قرأ بهما (4) بمعنى وجدت وكرهت، (5) ومنه قول عبد الله بن قيس الرقيات: (6) مَــا نَقَمُــوا مِـنْ بَنِـي أُمَيَّـةَ إِلا أَنَّهُـــمْ يَحْـــلُمُونَ إِنْ غَضِبُــوا (7) * * * وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت بسبب قوم من اليهود.

ذكر من قال ذلك: 12219 - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق، قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نفرٌ من اليهود فيهم أبو ياسر بن أخطب، ورافع بن أبي رافع، وعازر، (8) وزيد، وخالد، وأزار بن أبي أزار، وأشيع، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟

قال: أومن بالله وما أنـزل إلينا وما أنـزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون.

(9) فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا: لا نؤمن بمن آمن به!

(10) فأنـزل الله فيهم: " قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا آمنا بالله وما أنـزل إلينا وما أنـزل من قبل وأن أكثركم فاسقون ".

(11) * * * = عطفًا بها على " أن " التي في قوله: " إلا أن آمنا بالله "، (12) لأن معنى الكلام: هل تنقمون منا إلا إيمانَنا بالله وفسقكم.

----------------- الهوامش : (1) في المطبوعة: "أو تجدون علينا حتى تستهزئوا بديننا إذ أنتم إذا نادينا إلى الصلاة" ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، فحذف وغير وبدل ، وأساء غاية الإساءة.

(2) انظر تفسير"الفسق" فيما سلف ص: 393 تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(3) اللغة الأولى"نقم" (بفتحتين)"ينقم" (بكسر القاف) = واللغة الثانية"نقم" (بفتح فكسر)"ينقم" (بكسر القاف أيضا).

(4) في المطبوعة: "قرأ بها" بالإفراد ، والصواب ما في المخطوطة ، ويعني"نقمت" ، أنقم.

من اللغة الثانية.

(5) "وجدت" من قولهم: "وجد عليه يجد وجدًا وموجدة": غضب.

(6) مختلف في اسمه يقال: "عبد الله" ويقال: "عبيد الله" بالتصغير ، وهو الأكثر.

(7) ديوانه: 70 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 170 ، واللسان (نقم) ، من قصيدته التي قالها لعبد الملك بن مروان ، في خبر طويل ذكره أبو الفرج في الأغاني 5: 76- 80 ، وبعد البيت: وأنَّهُــمْ مَعْــدِنَ المُلُــوكِ، فَــلا تَصْلُـــحُ إلا عَلَيْهِــــمُ العَــرَبُ إِن الفَنِيــق الَّــذِي أَبُــوهُ أَبُــو العَــاصِي، عَلَيْـهِ الوَقَـارُ والحُجُـبُ خَلِيفَــةُ اللـــهِ فَــوْقَ مِنْــبَرِه جَــفَّتْ بِــذَاكَ الأقْـــلامُ والكُـتُبُ يَعْتَــدِلُ التَّــاجُ فَــوْقَ مَفْرِقِــهِ عَـــلَى جَــبِينٍ كأَنّــهُ الــذَّهَبُ (8) في المخطوطة: "عازي" ، وصوابه من المراجع الآتي ذكرها.

(9) هذا تضمين آية سورة البقرة: 136.

(10) في المخطوطة: "لا نؤمن آمن به" ، أسقط"بمن".

(11) الأثر: 12219- سيرة ابن هشام 2: 216 ، ومضى بالإسنادين رقم 2101 ، 2102 (12) يعني قوله: "وأن أكثركم فاسقون" ، فتح الألف من"وأن" ، عطفًا بها على"أن" التي في قوله: "إلا أن آمنا بالله".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقونقوله تعالى : قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا قال ابن عباس رضي الله عنه : جاء نفر من اليهود فيهم أبو ياسر بن أخطب ورافع بن أبي رافع - إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل عليهم السلام ; فقال : نؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله ونحن له مسلمون ، فلما ذكر عيسى عليه السلام جحدوا نبوته وقالوا : والله ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرا من دينكم ; فنزلت هذه الآية وما بعدها ، وهي متصلة بما سبقها من إنكارهم الأذان ; فهو جامع للشهادة لله بالتوحيد ، ولمحمد بالنبوة ، والمتناقض دين من فرق بين أنبياء الله لا دين من يؤمن بالكل ، ويجوز إدغام اللام في التاء لقربها منها .

وتنقمون معناه تسخطون ، وقيل : تكرهون وقيل : تنكرون ، والمعنى متقارب ; يقال : نقم من كذا ينقم ونقم ينقم ، والأول أكثر قال عبد الله بن قيس الرقيات :ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبواوفي التنزيل وما نقموا منهم ويقال : نقمت على الرجل بالكسر فأنا ناقم إذا عتبت عليه ; يقال : ما نقمت عليه الإحسان .

قال الكسائي : نقمت بالكسر لغة ، ونقمت الأمر أيضا ونقمته إذا كرهته ، وانتقم الله منه أي : عاقبه ، والاسم منه النقمة ، والجمع نقمات ونقم مثل كلمة [ ص: 172 ] وكلمات وكلم ، وإن شئت سكنت القاف ونقلت حركتها إلى النون فقلت : نقمة والجمع نقم ; مثل نعمة ونعم ، إلا أن آمنا بالله في موضع نصب ب تنقمون و تنقمون بمعنى تعيبون ، أي : هل تنقمون منا إلا إيماننا بالله وقد علمتم أنا على الحق .

وأن أكثركم فاسقون أي : في ترككم الإيمان ، وخروجكم عن امتثال أمر الله فقيل هو مثل قول القائل : هل تنقم مني إلا أني عفيف وأنك فاجر ، وقيل : أي : لأن أكثركم فاسقون تنقمون منا ذلك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قُلْ ْ} يا أيها الرسول { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ْ} ملزما لهم، إن دين الإسلام هو الدين الحق، وإن قدحهم فيه قدح بأمر ينبغي المدح عليه: { هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ْ} أي: هل لنا عندكم من العيب إلا إيماننا بالله، وبكتبه السابقة واللاحقة، وبأنبيائه المتقدمين والمتأخرين، وبأننا نجزم أن من لم يؤمن كهذا الإيمان فإنه كافر فاسق؟

فهل تنقمون منا بهذا الذي هو أوجب الواجبات على جميع المكلفين؟\" ومع هذا فأكثركم فاسقون، أي: خارجون عن طاعة الله، متجرئون على معاصيه، فأولى لكم -أيها الفاسقون- السكوت، فلو كان عيبكم وأنتم سالمون من الفسق، وهيهات ذلك - لكان الشر أخف من قدحكم فينا مع فسقكم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( قل ياأهل الكتاب هل تنقمون منا ) الآية .

قرأ الكسائي : " هل تنقمون " ، بإدغام اللام في التاء ، وكذلك يدغم لام هل في التاء والثاء والنون ، ووافقه حمزة في التاء والثاء وأبو عمرو في " هل ترى " في موضعين .

قال ابن عباس : أتى النبي صلى الله عليه وسلم نفر من اليهود ، أبو ياسر بن أخطب ورافع بن أبي رافع وغيرهما ، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل ، فقال : أومن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله : ونحن له مسلمون فلما ذكر عيسى عليه السلام جحدوا نبوته ، وقالوا : والله ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ، ولا دينا شرا من دينكم ، فأنزل الله هذه الآية " قل ياأهل الكتاب هل تنقمون منا " أي : تكرهون منا ، ( إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون ) أي : هل تكرهون منا إلا إيماننا وفسقكم ، أي : إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنا على حق ، لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لحب الرياسة وحب الأموال .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل لما قال اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم بمن تؤمن من الرسل فقال: (بالله وما أنزل إلينا) الآية فلما ذكر عيسى قالوا لا نعلم دينا شرا من دينكم «قل يا أهل الكتاب هل تنقمون» تنكرون «منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل» إلى الأنبياء «وأن أكثركم فاسقون» عطف على أن آمنا- المعنى ما تنكرون إلا إيماننا ومخالفتكم في عدم قبوله المعبر عنه بالفعل اللازم عنه وليس هذا مما ينكر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المستهزئين من أهل الكتاب: ما تَجِدُونه مطعنًا أو عيبًا هو محمدة لنا: من إيماننا بالله وكتبه المنزلة علينا، وعلى من كان قبلنا، وإيماننا بأن أكثركم خارجون عن الطريق المستقيم!

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن حذر - سبحانه - المؤمنين تحذيرا شديدا من موالاة أعدائه .

عقب ذلك بتوبيخ أهل الكتاب على عنادهم وحسدهم ، ووصفهم بجملة من الصفات القبيحة التي ينأى عنها العقلاء وأصحاب المروءة فقال - تعالى - :( قُلْ ياأهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ .

.

.

)قال القرطبي : قال ابن عباس : " جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل - عليهم السلام - فقال : نؤمن بالله وما أنزل إلينا ، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله : ونحن له مسلمون " .

فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته ، وقالوا : والله ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ، ولا دينا شراً من دينكم .

فنزلت هذه الآية وما بعدها .وتنقمون معناه : تسخطون .

وقيل تكرهون .

وقيل تنكرون .

والمعنى متقارب يقال : نقم من كذا ينقم ونقم ينقم والأول أكثر .

.

وفي التنزيل وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد .

وانتقم منه أي : عاقبة : والاسم النقمة والجمع نقم .والاستفهام ، للانكار والتعجب من حالهم حيث يعيبون على المؤمنين ما هو المدح والثناء والتكريم .والمعنى : قل يا محمد على سبيل التوبيخ لأهل الكتاب ، والتعجيب من أحوالهم قل لهم : ( ياأهل الكتاب ) يا من كتابكم عرفكم مواطن الذم ( هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ ) أي : ما تعيبون وتنكرون وتكرهون منا ( إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بالله ) الذي يجب الإِيمان به ، والخضوع له ، لأنه الخالق لكل شيء ، وآمنا بما أنزل إلينا من القرآن الكريم وآمنا بما أنزل من قبل من كتب سماوية كالتوراة والإِنجيل والزبور وغير ذلك من الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه قبل إنزال القرآن الكريم .ولا شك أن إيماننا بذلك لا يعاب ولا ينكر ، بل يمدح ويشكر ، ولكن لأن ( أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ) - أي : خارجون عن دائرة هذا الإِيمان الحق - كرهتم منا ذلك ، وأنكرتموه علينا ، وحسدتمونا على توفيق الله إيانا لما يحبه ويرضاه .وقال الجمل ما ملخصه : وقوله : ( إِلاَّ أَنْ آمَنَّا ) مفعول لقوله ( تَنقِمُونَ ) بمعنى تكرهون .وهو استثناء مفرغ .

وقوله : ( منا ) متعلق به .

أي ما تكرهون من جهتنا إلا الإِيمان بالله وبما أنزل إلينا وأصل نقم أن يتعدى بعلى .

تقول : نقمت عليه بكذا .

وإنما عدي هنا بمن؛ لتضمنه معنى تكرهون وتنكرون .وقوله : ( وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ) يحتمل أن يكون في محل رفع أو نصب أو جر فالرفع على أن يكون مبتدأ والخبر محذوف أي : وفسقكم ثابت عندكم ، لأنكم علمتم أنا على الحق وأنكم على الباطل إلا أن حب الرياسة وجمع الأموال حملكم على العناد .والنصب على أن يكون معطوفا على قوله ( أن آمنا ) ولكن الكلام فيه مضاف محذوف لفهم المعنى .

والتقدير : واعتقاد أن أكثرهم فاسقون وهو معنى واضح فإن الكفار ينقمون اعتقاد المؤمنين أنهم - أي الكفار - فاسقون - أي : ما تعيبون منا إلا إيماننا بالله وما أنزل إلينا .

واعتقادنا أن أكثركم فاسقون .وأما الجر فعلى أن يكون معطوفاً على علة محذوفة والتقدير : ما تنقمون منا إلا الإِيمان بالله وبما أنزل .لقلة إنصافكم وفسقكم واتباعكم شهواتكم .هذا ومن بلاغة القرآن الكريم ، وإنصافه في الأحكام ، واحتراسه في التعبير أنه لم يعمم الحكم بالفسق على جميعهم .

بل جعل الحكم بالفسق منصباً على الأكثرين منهم ، حتى يخرج عن هذا الحكم القلة المؤمنة من أهل الكتاب .وشبيه بهذا قوله في آية أخرى : ( مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ ) قال بعض العلماء : في الآية تسجيل على أهل الكتاب بكمال المكابرة والتعكيس ، حيث جعلوا الإِيمان بما ذكر ، موجبا للنقمة ، مع كونه في نفسه موجبا للقبول والرضا .

وهذا مما تقصد العرب في مثله تأكيد النفي والمبالغة فيه بإثبات شيء وذلك الشيء لا يقتضي إثباته فهو منتف أبداً .

ويسمى مثل ذلك عند علماء البيان تأكيد المدح بما يشبه الذم وبالعكس .

فمن الأول قول القائل :ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ...

بهن فلول من قراع الكتائبوقول الآخر :فتى كملت أخلاقه غير أنه ...

جواد ، فما يبقى من المال باقياًومن الثاني هذه الآية وما يشبهها .

أي : ما ينبغي لهم أن ينقموا شيئاً إلا هذا ، وهذا لا يوجب لهم أن ينقموا شيئاً إذاً فليس هناك شيء ينقمونه ، وما دام الأمر كذلك ، فينبغي لهم أن يؤمنوا ولا يكفروا .

وفيه أيضاً تقريع لهم حيث قابلوا الإِحسان بسوء الصنيع .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن وجه النظم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم اتخذوا دين الإسلام هزواً ولعباً قال لهم: ما الذين تنقمون من هذا الدين، وما الذي تجدون فيه مما يوجب اتخاذه هزواً ولعباً وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ الحسن ﴿ هَلْ تَنقِمُونَ ﴾ بفتح القاف، والفصيح كسرها.

يقال: نقمت الشيء ونقمته بكسر القاف وفتحها إذا أنكرته، وللمفسرين عبارات: هل تنقمون منا: هل تعيبون هل تنكرون، هل تكرهون.

قال بعضهم: سمي العقاب نقمة لأنه يجب على ما ينكر من الفعل.

وقال آخرون: الكراهة التي يتبعها سخط من الكاره تسمى نقمة، لأنها تتبعها النقمة التي هي العذاب فعلى القول الأول لفظ النقمة موضوع أولاً للمكروه، ثم سمي العذاب نقمة لكونه مكروهاً، وعلى القول الثاني لفظ النقمة موضوع للعذاب، ثم سمي المنكر والمكروه نقمة لأنه يتبعه العذاب.

المسألة الثانية: معنى الآية أنه يقول لأهل الكتاب: لم اتخذتم هذا الدين هزواً ولعباً، ثم قال على سبيل التعجب: هل تجدون في هذا الدين إلا الإيمان بالله والإيمان بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، والإيمان بجميع الأنبياء الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم يعني أن هذا ليس مما ينقم، أما الإيمان بالله فهو رأس جميع الطاعات، وأما الإيمان بمحمد وبجميع الأنبياء فهو الحق والصدق؛ لأنه إذا كان الطريق إلى تصديق بعض الأنبياء في ادعاء الرسالة والنبوّة هو المعجز، ثم رأينا أن المعجز حصل على يد محمد عليه الصلاة والسلام وجب الإقرار بكونه رسولاً، فأما الإقرار بالبعض وإنكار البعض فذلك كلام متناقض، ومذهب باطل، فثبت أن الذي نحن عليه هو الدين الحق والطريق المستقيم، فلم تنقموه علينا!قال ابن عباس: إن نفراً من اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال: أؤمن بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل إلى قوله ونحن له مسلمون، فلما ذكر عيسى جحدوا نبوّته وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم ولا ديناً شراً من دينكم، فأنزل الله تعالى هذه الآية وما بعدها.

وأما قوله: ﴿ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسقون ﴾ فالقراءة العامة ﴿ أن ﴾ بفتح الألف، وقرأ نعيم بن ميسرة ﴿ إن ﴾ بالكسر، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: كيف ينقم اليهود على المسلمين مع كون أكثر اليهود فاسقين؟

والجواب من وجوه: الأول: قوله: ﴿ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسقون ﴾ تخصيص لهم بالفسق، فيدل على سبيل التعريض أنهم لم يتبعوهم على فسقهم، فكان المعنى: وما تنقمون منا إلا أن آمنا.

وما فسقنا مثلكم.

الثاني: لما ذكر تعالى ما ينقم اليهود عليهم من الإيمان بجميع الرسل وليس ذلك مما ينقم ذكر في مقابله فسقهم، وهو مما ينقم، ومثل هذا حسن في الازدواج.

يقول القائل: هل تنقم مني إلا أني عفيف وأنك فاجر، وأني غني وأنت فقير، فيحسن ذلك لإتمام المعنى على سبيل المقابلة.

والثالث: أن يكون الواو بمعنى (مع) أي وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله مع أن أكثركم فاسقون، فإن أحد الخصمين إذا كان موصوفاً بالصفات الذميمة واكتسب الثاني شيئاً كثيراً من الصفات الحميدة كان اكتسابه للصفات الحميدة مع كون خصمه مكتسباً للصفات الذميمة أشد تأثيراً في وقوع البغض والحسد في قلب الخصم.

والرابع: أن يكون على تقدير حذف المضاف، أي واعتقاد أنكم فاسقون.

الخامس: أن يكون التقدير: وما تنقمون منا إلا بأن آمنا بالله وبأن أكثركم فاسقون، يعني بسبب فسقكم نقمتم الإيمان علينا.

السادس: يجوز أن يكون تعليلاً معطوفاً على تعليل محذوف كأنه قيل: وما تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم، ولأجل أن أكثركم فاسقون.

السؤال الثاني: اليهود كلهم فساق وكفار، فلم خص الأكثر بوصف الفسق؟

والجواب من وجهين: الأول: يعني أن أكثركم إنما يقولون ما يقولون، ويفعلون ما يفعلون طلباً للرياسة والجاه وأخذ الرشوة والتقرب إلى الملوك، فأنتم في دينكم فساق لا عدول، فإن الكافر والمبتدع قد يكون عدل دينه، وقد يكون فاسق دينه، ومعلوم أن كلهم ما كانوا كذلك فلذلك خصّ أكثرهم بهذا الحكم، والثاني: ذكر أكثرهم لئلا يظن أن من آمن منهم داخل في ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرأ الحسن: ﴿ هل تنقمون ﴾ بفتح القاف.

والفصيح كسرها.

والمعنى هل تعيبون منا وتنكرون إلا الإيمان بالكتب المنزلة كلها ﴿ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسقون ﴾ .

فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَأَنْ أَكْثَرَكُمْ فاسقون ﴾ ؟

قلت: فيه وجوه: منها أن يعطف على أن آمنا، بمعنى: وما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين تمرّدكم وخروجكم عن الإيمان، كأنه قيل: وما تنكرون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا في دين الإسلام وأنتم خارجون منه.

ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف، أي واعتقاد أنكم فاسقون ومنها أن يعطف على المجرور، أي وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله وبما أنزل وبأن أكثركم فاسقون.

ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع، أي وما تنقمون منا إلا الإيمان مع أنّ أكثركم فاسقون.

ويجوز أن يكون تعليلاً معطوفاً على تعليل محذوف، كأنه قيل: وما تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم وفسقكم واتباعكم الشهوات.

ويدل عليه تفسير الحسن: بفسقكم نقمتم ذلك علينا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا ﴾ هَلْ تُنْكِرُونَ مِنّا وتَعِيبُونَ، يُقالُ نِقَمَ مِنهُ كَذا إذا أنْكَرَهُ وانْتَقَمَ إذا كافَأهُ.

وقُرِئَ تَنْقَمُونَ بِفَتْحِ القافِ وهي لُغَةٌ.

﴿ إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ ﴾ الإيمانِ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ كُلِّها.

﴿ وَأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ﴾ عُطِفَ عَلى أنْ آمَنّا وكَأنَّ المُسْتَثْنى لازِمُ الأمْرَيْنِ وهو المُخالَفَةُ أيْ: ما تُنْكِرُونَ مِنّا إلّا مُخالَفَتَكم حَيْثُ دَخَلْنا الإيمانَ وأنْتُمْ خارِجُونَ مِنهُ، أوْ كانَ الأصْلُ واعْتِقادُ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ فَحَذَفَ المُضافَ، أوْ عَلى ما أيْ: وما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ بِاللَّهِ وبِما أنْزَلَ وبِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، أوْ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ والتَّقْدِيرُ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا لِقِلَّةِ إنْصافِكم وفِسْقِكُمْ، أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَلْ تَنْقِمُونَ أيْ: ولا تَنْقِمُونَ أنْ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، أوْ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ: وفِسْقُكم ثابِتٌ مَعْلُومٌ عِنْدَكم ولَكِنَّ حُبَّ الرِّياسَةِ والمالِ يَمْنَعُكم عَنِ الإنْصافِ.

والآيَةُ خِطابٌ لِيَهُودٍ «سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ فَقالَ: أُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا إلى قَوْلِهِ: ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَقالُوا حِينَ سَمِعُوا ذِكْرَ عِيسى: لا نَعْلَمُ دِينًا شَرًّا مِن دِينِكم.» <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قل يا أهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ} يعني هل تعيبون منا وتنكرون إلا الإيمان بالله وبالكتب

المائدة (٥٩ _ ٦٣)

المنزلة كلها {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسقون} وهو عطف على المجرور أى وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله وما أنزل وبأن أكثركم فاسقون والمعنى أعاديتمونا لأنا اعتقدنا توحيد الله وصدق أنبيائه وفسقكم لمخالفتكم لنا في ذلك ويجوز أن يكون الواو بمعنى مع أى وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله مع أنكم فاسقون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ - بَعْدَ نَهْيِ المُؤْمِنِينَ عَنْ قَوْلِ المُسْتَهْزِئِينَ - بِأنْ يُخاطِبَهم ويُبَيِّنَ أنَّ الدِّينَ مُنَزَّهٌ عَمّا يُصَحِّحُ صُدُورَ ما صَدَرَ مِنهم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ، ويُظْهِرَ لَهم سَبَبَ ما ارْتَكَبُوهُ، ويُلْقِمَهُمُ الحَجَرَ، ووُصِفُوا بِأهْلِيَّةِ الكِتابِ تَمْهِيدًا لِما سَيَذْكُرُ سُبْحانَهُ مِن تَبْكِيتِهِمْ وإلْزامِهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِكِتابِهِمْ، أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُولَئِكَ الفَجَرَةِ ﴿ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا ﴾ أيْ: هَلْ تُنْكِرُونَ وتَعِيبُونَ مِنّا، وهو مِن ( نَقَمَ مِنهُ كَذا ) إذا أنْكَرَهُ وكَرِهَهُ، مَن حَدِّ ضَرَبَ.

وقَرَأ الحَسَنُ: ( تَنْقَمُونَ ) بِفَتْحِ القافِ، مِن حَدِّ عَلِمَ، وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: نَقَِمَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، ومَعْناهُ بالَغَ في كَراهَةِ الشَّيْءِ، وأنْشَدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ: ما نَقِمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا وفِي النِّهايَةِ يُقالُ: نَقَمَ يَنْقِمُ إذْ بَلَغَتْ بِهِ الكَراهَةُ حَدَّ السَّخَطِ، ويُقالُ: نَقِمَ مِن فُلانٍ الإحْسانَ إذا جَعَلَهُ مِمّا يُؤَدِّيهِ إلى كُفْرِ النِّعْمَةِ، ومِنهُ حَدِيثُ الزَّكاةِ: ««ما يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إلّا أنَّهُ كانَ فَقِيرًا فَأغْناهُ اللَّهُ تَعالى»» أيْ: ما يَنْقِمُ شَيْئًا مِن مَنعِ الزَّكاةِ إلّا أنْ يَكْفُرَ النِّعْمَةَ، فَكَأنَّ غِناهُ أدّاهُ إلى كُفْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ الرّاغِبِ: إنَّ تَفْسِيرَ ( نَقَمَ ) بِـ( أنْكَرَ ) و( أعابَ ) لِأنَّ النِّقْمَةَ مَعْناها الإنْكارُ بِاللِّسانِ أوْ بِالعُقُوبَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُعاقَبُ إلّا عَلى ما يُنْكِرُ، فَيَكُونُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ونَشْتُمُ بِالأفْعالِ لا بِالتَّكَلُّمِ وهُوَ - كَما قالَ الشِّهابُ - مِمّا يُعَدّى بِـ( مِن ) و( عَلى ).

وقالَ أبُو حَيّانَ: أصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِـ( عَلى ) ثُمَّ افْتَعَلَ المَبْنِيُّ مِنهُ يُعَدّى بِـ( مِن ) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإصابَةِ بِالمَكْرُوهِ، وهُنا فَعَلَ بِمَعْنى افْتَعَلَ، ولَمْ يَذْكُرْ لَهُ مُسْتَنَدًا في ذَلِكَ.

﴿ إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا ﴾ مِنَ القُرْآنِ المَجِيدِ، ﴿ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إنْزالِهِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وسائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ﴾ أيْ مُتَمَرِّدُونَ خارِجُونَ عَنْ دائِرَةِ الإيمانِ بِما ذُكِرَ، فَإنَّ الكُفْرَ بِالقُرْآنِ العَظِيمِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْكُفْرِ بِسائِرِ الكُتُبِ كَما لا يَخْفى، والواوُ لِلْعَطْفِ، وما بَعْدَها عَطْفٌ عَلى ( أنْ آمَنّا ).

واخْتارَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لِـ( تَنْقِمُونَ ) والمَفْعُولُ بِهِ الدِّينُ، وحُذِفَ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلُ وما بَعْدُ عَلَيْهِ دَلالَةً واضِحَةً، فَإنَّ اتِّخاذَ الدِّينِ هُزُوًا ولَعِبًا عَيْنُ نَقْمِهِ وإنْكارِهِ، والإيمانَ بِما فُصِّلَ عَيْنُ الدِّينِ الَّذِي نَقَمُوهُ، خَلا أنَّهُ في مَعْرِضِ عِلَّةِ نَقْمِهِمْ لَهم تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِكَمالِ المُكابَرَةِ والتَّعْكِيسِ، حَيْثُ جَعَلُوهُ مُوجِبًا لِنَقْمِهِ مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ مُوجِبًا لِقَبُولِهِ وارْتِضائِهِ، فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مِن أعَمِّ العِلَلِ، أيْ ما تَنْقِمُونَ مِنّا دِينَنا لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِإيمانِنا بِاللَّهِ تَعالى، وما أُنْزِلَ إلَيْنا، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ مِن كُتُبِكُمْ؛ ولِأنَّ أكْثَرَكم مُتَمَرِّدُونَ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِشَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ حَتّى لَوْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِكِتابِكُمُ النّاطِقِ بِصِحَّةِ كِتابِنا لَآمَنتُمْ بِهِ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المَفْعُولَ المَحْذُوفَ شَيْئًا ولا أرى فِيهِ بَأْسًا.

وقِيلَ: العَطْفُ عَلى ( أنْ آمَنّا ) بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ المَفْعُولَ بِهِ، لَكِنْ لا عَلى أنَّ المُسْتَثْنى مَجْمُوعُ المَعْطُوفَيْنِ؛ إذْ لا يَعْتَرِفُونَ أنَّ أكْثَرَهم فاسِقُونَ حَتّى يُنْكِرُوهُ، بَلْ هو ما يَلْزَمُهُما مِنَ المُخالَفَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ تُنْكِرُونَ مِنّا إلّا أنّا عَلى حالٍ يُخالِفُ حالَكُمْ، حَيْثُ دَخَلْنا في الإسْلامِ وخَرَجْتُمْ مِنهُ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: واعْتِقادِ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: العَطْفُ عَلى المُؤْمَنِ بِهِ، أيْ: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا إيمانَنا بِاللَّهِ، وما أُنْزِلَ إلَيْنا، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ، وبِأنَّ أكْثَرَكم كافِرُونَ، وهَذا في المَعْنى كالوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ.

وقِيلَ: العَطْفُ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، وقَدْ حُذِفَ الجارُّ في جانِبِ المَعْطُوفِ، ومَحَلُّهُ إمّا جَرٌّ أوْ نَصْبٌ عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ، أيْ: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ لِقِلَّةِ إنْصافِكُمْ، ولِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَنفِيٍّ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ، أيْ: ولا تَنْقِمُونَ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، ويُقَدَّرُ مُقَدَّمًا عِنْدَ بَعْضٍ؛ لِأنَّ ( أنَّ ) المَفْتُوحَةَ لا يَقَعُ ما مَعَها مُبْتَدَأً إلّا إذا تَقَدَّمَ الخَبَرُ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ ( أنَّ ) لا يُبْتَدَأُ بِها مُتَقَدِّمَةً إلّا بَعْدَ ( أمّا ) فَقَطْ، وخالَفَ الكَثِيرَ مِنَ النُّحاةِ في هَذا الشَّرْطِ، عَلى أنَّهُ يُغْتَفَرُ في الأُمُورِ التَّقْدِيرِيَّةِ ما لا يُغْتَفَرُ في غَيْرِها، والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ حالِيَّةٌ أوْ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ: وفِسْقُكم ثابِتٌ أوْ مَعْلُومٌ وقِيلَ: الواوُ بِمَعْنى ( مَعَ ) أيْ: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ مَعَ أنَّ أكْثَرَكُمْ، إلَخْ.

وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ بِأنَّ هَذا لا يَتِمُّ عَلى ظاهِرِ كَلامِ النُّحاةِ مِن أنَّهُ لا بُدَّ في المَفْعُولِ مَعَهُ مِنَ المُصاحَبَةِ في مَعْمُولِيَّةِ الفِعْلِ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ المَحْذُورُ، وهو أنَّهم نَقَمُوا كَوْنَ أكْثَرِهِمْ فاسِقِينَ، نَعَمْ، يَصِحُّ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ حَيْثُ اكْتُفى في المَفْعُولِ مَعَهُ بِالمُقارَنَةِ في الوُجُودِ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِمْ: سِرْتُ والنِّيلَ، وجِئْتُكَ وطُلُوعَ الشَّمْسِ، وبَحْثٌ فِيهِ، بِأنَّ ذَلِكَ الِاشْتِراطَ في المَفْعُولِ مَعَهُ لا يُوجِبُ الِاشْتِراطَ في كُلِّ واوٍ بِمَعْنى مَعَ، فَلْيَكُنِ الواوُ بِمَعْنى مَعَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ لِانْتِفاءِ شَرْطِهِ وهو مُصاحَبَتُهُ مَعْمُولَ الفِعْلِ، بَلْ يَكُونُ لِلْعَطْفِ.

وقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ ( وأنَّ أكْثَرَكم ) إلَخْ، في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ، أيْ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ؛ لِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ.

وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: ( وإنَّ أكْثَرَكم ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَوْنِ أكْثَرِهِمْ مُتَمَرِّدِينَ، والمُرادُ بِالأكْثَرِ مَن لَمْ يُؤْمِن وما آمَنَ مِنهم إلا قليل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا يقول: ما تطعنون فينا وتعيبوننا، إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ أي سوى أنا قد آمنا بالله وآمنا ب وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا يعني: من القرآن، وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ القرآن يعني: التوراة والإنجيل، وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ يعني: لم تؤمنوا لفسقكم، وعصيانكم.

وقال الزجاج: معنى هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا هل تكرهون منا إلا إيماننا.

وبفسقكم إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنا على الحق، لأنكم فسقتم، ولم تثبتوا على دينكم، لمحبتكم الرئاسة ومحبتكم المال.

وقوله تعالى قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ قال مقاتل: وذلك أن اليهود، قالوا للمؤمنين: ما نعلم أحداً من أهل هذه الأديان أقلّ حظاً في الدنيا ولا فى الآخرة منكم، فنزل قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ يعني: أخبركم بشر من ذلك مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ يعني: ثواباً عند الله فقالت اليهود: من هم؟

قال: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ فقال المسلمون لليهود: يا إخْوَةَ القِرَدَةِ وَالخَنَازِيرِ.

فنكسوا رؤوسهم، وخجلوا.

ومثوبة صار نصباً للتمييز يعني: التفسير.

ثم قال: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ قرأ حمزة وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بنصب العين والدال، وضم الباء، وكسر التاء، من الطاغوت، لم يصح في اللغة أن يقال لجماعة: الأعبد.

وإنما يقال: أعبد، ولا يقال: عبد.

وقرأ الباقون: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ يعني: جعل منهم من عبد الطاغوت، ومعناه: خذلهم حتى عبدوا الشيطان، وروي عن ابن عباس أنه قرأ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بضم العين، ونصب الباء بالتشديد، يعني: جمع عابد.

يقال: عابد وعبَّد، مثل راجع وركَّع، وساجد، وسُجَّد.

وقرأ ابن مسعود (وعبدوا الطاغوت) يعني: يعبدون الطاغوت، وقرأ بعضهم وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بضم العين والباء، ونصب الدال، وهو جماعة العبيد.

ويقال: عبيد وعُبُد، على ميزان رغيف ورُغُف، وسرير وسُرُر.

ثم قال: أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً يعني: شر منزلة عند الله وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ يعني أخطأ عن قصد الطريق وهو الهدى.

ثم قال: وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وهم المنافقون من أهل الكتاب.

قالوا: صدقنا ووجدنا نعتك.

وأرادوا بذلك أن يمدحهم المسلمون، وهذا كقوله وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا [آل عمران: 188] فأخبر الله تعالى عن حالهم فقال: وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ يعني: هم كافرون في الأحوال كلها، ولا ينفعهم ذلك القول: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ يعني: عليم بمجازاتهم وهذا تهديد لهم.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يقول المؤمنون: أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا ...

الآية.

وتحتمل الآيةُ أنْ تكون حكايةً لقولِ المؤمنين في وقْتِ قولِ الذين في قلوبهم مرضٌ:

نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ: إذ فُهِمَ منهم أنَّ تمسُّكهم باليهودِ إنما هو إرصاد لِلَّهِ ولرسولِهِ، فمَقَتَهم النبيُّ- عليه السلام- والمؤمنون، وترك لهم النبيُّ- عليه السلام- بني قَيْنُقَاعٍ رغْبةً في المصلحة والأُلْفة، وأما قراءة أَبي عَمْرٍو: «وَيَقُولَ» - بالنصب-، فلا يتجه معها أَنْ يكون قولَ المؤمنين إلاَّ عند الفَتْح، وظُهورِ ندامة المنافقينَ، وفَضيحَتِهِمْ.

وقوله تعالى: جَهْدَ أَيْمانِهِمْ: نصْبُ «جَهْدَ» على المصدر المؤكِّد، والمعنى:

أهؤلاء هم المُقْسِمُون باجتهاد منهم في الأيمانِ إنهم لَمَعَكُمْ، قد ظهر الآنَ منهم مِنْ موالاة اليهودِ، وخَذْلِ الشريعةِ- ما يُكَذِّبُ أيمانهم.

وقوله: حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ: يحتملُ أنْ يكون/ إخباراً من اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يكون مِنْ قول المؤمنين، ويحتمل أنْ يكون قوله: حَبِطَتْ دعاءً، أي: بطلت أعمالهم.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (٥٨)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ...

الآية: خطابٌ للمؤمنين إلى يوم القيامة، ومعنى الآية أَنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ وعَدَ هذه الأمة أنَّ من ارتدَّ منها، فإنه يجيءُ سبحانه بقومٍ ينصُرُونَ الدِّين، ويُغْنُونَ عن المرتدِّين.

قال الفَخْر «١» : وقدَّم اللَّه تعالى محبَّته لهم على محبَّتهم له إذ لولا حُبُّه لهم، لما وفَّقهم أنْ صاروا محبِّين له.

انتهى، وفي كتاب «القصد إلى اللَّه سبحانه» للمُحَاسِبِيِّ، قُلْتُ للشيخ: فَهَلْ يَلْحَقُ المحبِّينَ للَّه عزَّ وجلَّ خَوْفٌ؟

قال: نَعَمِ، الخَوْفُ لازمٌ لهم كما لزمهم الإيمَانُ لا يزولُ إلاَّ بزَوَاله، وهذا هو خَوْفُ عذابِ التَّقْصيرِ في بدايتهم حتى إذا صاروا

إلى خَوْفِ الفَوْت، صاروا إلى الخوف الذي يكُونُ في أعلى حالٍ، فكان الخوف الأوَّلُ يطرقهم خطراتٍ، وصارِ خوْفُ الفَوْتِ وطنات، قلْتُ: فما الحالَةُ التي تَكْشِفُ عن قلوبهم شَدِيدَ الخَوْف والحُزْن؟

قال: الرجاءُ بحُسْن الظَّنِّ لمعرفتهم بسعة فَضْل اللَّه عزَّ وجلَّ، وأَمَلُهُمْ منه أنْ يظفروا بمرادهم، إذا وَرَدُوا عليه، ولولا حُسْن ظنِّهم بربِّهم، لَتَقطَّعت أنفسهم حسراتٍ، وماتوا كَمَداً، قلْتُ: أيُّ شيءٍ أكثَرُ شُغْلِهِمْ، وما الغالبُ على قلوبِهِمْ في جميعِ أحوالهم؟

قال: كثرةُ الذِّكْر لمحبوبهم على طريق الدوامِ والاستقامةِ، لا يَمَلُّونَ، ولا يَفْتُرُون، وقد أجمع الحكماءُ أنَّ من أحَبَّ شيئاً، أكْثَرَ مِنْ ذكره، ثم قال: قال ذُو النُّونِ: مَا أُولِعَ أحَدٌ بذكْرِ اللَّه إلا أفاد منْهُ حُبَّ اللَّهِ تعالَى.

انتهى.

وفي الآية إنحاءٌ على المنافِقِينَ، وعلى من ارتد في مدة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم.

قال الفَخْر «١» : وهذه الآيةُ إخبارٌ بغَيْبٍ، وقد وقع الخَبَر على وَفْقِهِ فيكون معجزاً، وقد ارتدَّتِ العربُ وغيرهم أيام أبِي بَكْر، فنَصَر اللَّه الدِّين، وأتى بخَيْرٍ منهم.

انتهى.

وقوله سبحانه: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، معناه: متذلِّلين مِنْ قِبَلِ أنفسهم، غَيْرَ متكبِّرين، وهذا كقوله عزَّ وجلَّ: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩] وكقوله- عليه السلام-: «المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ» ، وفي قراءة «٢» ابن مسعودٍ: «أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ غُلَظَاءَ عَلَى الكَافِرِينَ» .

وقوله تعالى: وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ: إشارةٌ إلى الرَّدِّ على المنافقين في أَنَّهم يعتَذِرُونَ بممالأَة الأحْلاَفِ والمعارِفِ مِنَ الكفَّار، ويراعُونَ أمرهم، قُلْتُ: وخرَّج أبو بكرِ بْنُ الخطيبِ بسنده على أبي ذِر، قال: «أَوْصَانِي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بِسَبْعٍ: أوْصَانِي أَنْ أَنْظُرَ إلى مَنْ هُوَ دُونِي وَلاَ أَنْظُرَ إلى مَنْ هُوَ فَوْقِي- يعني: فِي شَأْنِ الدُّنْيَا-، وأوْصَانِي بِحُبِّ المَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَوْصَانِي أَنْ أَقُولَ الحَقَّ وَإنْ كَانَ مُرًّا، وَأَوْصَانِي أَنْ أَصِلَ رَحِمِي وَإنْ أَدْبَرَتْ، وَأَوْصَانِي أَلاَّ أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَأَوْصَانِي ألاَّ أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئاً، وَأَوْصَانِي أَنْ أسْتَكْثِرَ مِنْ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ» «٣» .

انتهى.

وقوله سبحانه: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ: الإشارةُ ب «ذلك» إلى كون القومِ يحبّون الله

عزّ وجلّ ويحبّهم، وواسع: ذو سَعَةٍ فيما يملكُ ويُعْطِي وينعم به سبحانه.

وقوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ...

الآية: «إنما» في هذه الآية حاصرةٌ، وقرأ ابن مسعود «١» : «إنَّمَا/ مَوْلاَكُمُ اللَّهُ» ، والزكاةُ هنا: لفظٌ عامٌّ للزكاةِ المفروضةِ، والتطوُّعِ بالصدَقَةِ، ولكلِّ أفعالِ البِرِّ، إذ هي مُنَمِّيَةٌ للحسنات، مطَهِّرة للمَرْءِ مِنْ دَنَسِ السيِّئات، ثم وصفهم سبحانه بتَكْثير الركُوعِ، وخُصَّ بالذكْر لكونه مِنْ أعظم أركان الصلاة، وهي هيئَةُ تواضعٍ، فعبَّر عن جميعِ الصلاَةِ كما قال سبحانه: وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج: ٢٦] هذا هو الصحيحُ.، وهو تأويل الجمهورِ، ولكن اتفق مع ذلك أنَّ عليَّ بْنَ أبي طالِبٍ (رضي اللَّه عنه) أعطى خاتَمَهُ، وهو راكعٌ «٢» .

قال السُّدِّيُّ: وإن اتفَقَ ذلك لعليٍّ، فالآية عامَّة في جميعِ المؤمنين «٣» .

ثم أخبر تعالى: أنَّ مَنْ يتولَّى اللَّه ورسولَهُ والمؤمنين، فإنه غالبٌ كُلَّ مَنْ ناوأه، وجاءَتِ العبارةُ عامَّة في أنَّ حِزْبَ اللَّه هم الغالِبُون، ثم نهى سبحانه المؤمنينَ عنِ اتخاذ الَّذينَ اتخذوا دينَنَا هُزُواً ولعباً، وقد ثبت استهزاء الكُفَّار في قوله سبحانه: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: ٩٥] وثبت استهزاء أهْل الكتاب في لفظ هذه الآية، وثبت استهزاءُ المُنَافِقِينَ في قولهم لشياطينهم: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [البقرة: ١٤] .

ثم أمر سبحانه بتَقْواه، ونبَّه النفوسَ بقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.

وقوله سبحانه: وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ...

الآية: إنحاءٌ على اليَهُودِ، وتبيينٌ لسوء فعلهم.

وقوله: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ: معنى المحاورةِ: هَلْ تَنْقِمُونَ منا إلا مجموعَ هذه الحالِ مِنْ أنا مؤمنون، وأنتم فاسقون كما تقول لمن تخاصمه: هل تَنْقِمُ مني إلاَّ أَنْ صَدَقْتُ أَنَا، وَكَذَبْتَ أَنْتَ، وقال بعضُ المتأوِّلين: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ: معطوفٌ علَى ما كأَنَّه قال: إِلاَّ أَنْ آمنَّا باللَّهِ وبكُتُبِهِ، وبأنَّ أكثركم فاسقُونَ، وهذا مستقيم المعنى، وقال:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  ، فَسَألُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ، فَذَكَرَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ، فَلَمّا ذَكَرَ عِيسى، جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وقالُوا: واللَّهِ ما نَعْلَمُ دِينًا شَرًّا مِن دِينِكم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي بَعْدَها،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: "تَنْقَمُونَ" بِفَتْحِ القافِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: نَقَمْتُ عَلى الرَّجُلِ أنْقِمُ، ونَقِمْتُ عَلَيْهِ أنْقَمُ، والأوَّلُ أجْوَدُ.

ومَعْنى "نَقِمْتُ": بالَغْتُ في كَراهَةِ الشَّيْءِ، والمَعْنى: هَلْ تَكْرَهُونَ مِنّا إلّا إيمانَنا، وفِسْقَكم، لِأنَّكم عَلِمْتُمْ أنَّنا عَلى حَقٍّ، وأنَّكم فَسَقْتُمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإذا نادَيْتُمْ إلى الصَلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِاللهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ﴾ ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مِن لَعَنَهُ اللهِ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ عن سَواءِ السَبِيلِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا نادَيْتُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إنْحاءٌ عَلى اليَهُودِ؛ وتَبْيِينٌ لِسُوءِ فِعْلِهِمْ؛ فَإنَّهم كانُوا إذا سَمِعُوا قِيامَ المُؤْمِنِينَ إلى الصَلاةِ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: قَدْ قامُوا؛ لا قامُوا؛ إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الألْفاظِ الَّتِي يَسْتَخِفُّونَ بِها في وقْتِ الأذانِ؛ وغَيْرِهِ؛ وكُلُّ ما ذُكِرَ مِن ذَلِكَ فَهو مِثالٌ؛ وقَدْ ذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهُ كانَ رَجُلٌ مِنَ النَصارى بِالمَدِينَةِ؛ فَكانَ إذا سَمِعَ المُؤَذِّنَ يَقُولُ: "أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ"؛ قالَ: حَرَقَ اللهُ الكاذِبَ؛ فَما زالَ كَذَلِكَ حَتّى سَقَطَ مِصْباحٌ في بَيْتِهِ لَيْلَةً فَأحْرَقَهُ؛ واحْتَرَقَ النَصْرانِيُّ؛ لَعَنَهُ اللهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ فِعْلَهم هَذا إنَّما هو لِعَدَمِ عُقُولِهِمْ؛ وإنَّما عَدِمُوها إذْ لَمْ تَتَصَرَّفْ كَما يَنْبَغِي لَها؛ فَكَأنَّها لَمْ تُوجَدْ.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لِأهْلِ الكِتابِ: ﴿ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا ﴾ ؛ ومَعْناهُ: "هَلْ تَعُدُّونَ عَلَيْنا ذَنَبًا أو نَقِيصَةً؟"؛ يُقالُ: "نَقَمَ"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ "يَنْقِمُ"؛ بِكَسْرِها؛ وعَلى هَذِهِ اللُغَةِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ؛ ويُقالُ: "نَقِمَ"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ "يَنْقَمُ"؛ بِفَتْحِها؛ وعَلى هَذِهِ اللُغَةِ قَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ؛ وأبُو البَرَهْسَمِ؛ والنَخَعِيُّ.

وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُحاوَرَةِ البَلِيغَةِ الوَجِيزَةِ؛ ومِثْلُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ  ﴾ ؛ ونَظِيرُ هَذا الغَرَضِ في الِاسْتِثْناءِ قَوْلُ النابِغَةِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أُنْزِلَ"؛ بِضَمِّ الهَمْزَةِ؛ وكَذَلِكَ في الثانِي؛ وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ "أنْزَلَ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والزايِ فِيهِما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ﴾ ؛ هو عِنْدَ أكْثَرِ المُتَأوِّلِينَ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "أنْ آمَنّا" فَيَدْخُلُ كَوْنُهم فاسِقِينَ فِيما نَقِمُوهُ؛ وهَذا لا يُتَّجَهُ مَعْناهُ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: بِفِسْقِهِمْ نَقِمُوا عَلَيْنا الإيمانَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الكَلامُ صَحِيحٌ في نَفْسِهِ؛ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُغْنٍ في تَقْوِيمِ مَعْنى الألْفاظِ؛ وإنَّما يُتَّجَهُ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْنى المُحاوَرَةِ: "هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا عُمُومَ هَذِهِ الحالِ مِن أنَّنا مُؤْمِنُونَ وأنْتُمْ فاسِقُونَ؟"؛ ويَكُونَ: ﴿ وَأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ﴾ ؛ مِمّا قَرَّرَهُ المُخاطِبُ لَهُمْ؛ وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن تُخاصِمُهُ: "هَلْ تَنْقِمُ مِنِّي إلّا أنْ صَدَقْتُ أنا وكَذَبْتَ أنْتَ؟"؛ وهو لا يُقِرُّ بِأنَّهُ كاذِبٌ؛ ولا يَنْقِمُ ذَلِكَ؛ لَكِنَّ مَعْنى كَلامِكَ: "هَلْ تَنْقِمُ إلّا مَجْمُوعَ هَذِهِ الحالِ؟"؛ وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: قَوْلُهُ: "وَأنَّ أكْثَرَكُمْ"؛ مَعْطُوفٌ عَلى "وَما"؛ كَأنَّهُ قالَ: "إلّا أنْ آمَنّا بِاللهِ؛ وبِكُتُبِهِ؛ وبِأنَّ أكْثَرَكُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مُسْتَقِيمُ المَعْنى؛ لِأنَّ إيمانَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ أهْلَ الكِتابِ المُسْتَمِرِّينَ عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ فَسَقَةٌ هو مِمّا يَنْقِمُونَهُ؛ وذَكَرَ تَعالى الأكْثَرَ مِنهم مِن حَيْثُ فِيهِمْ مَن آمَنَ واهْتَدى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ ﴾ ؛ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ النُونِ؛ وشَدِّ الباءِ؛ وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ: "أُنْبِئُكُمْ"؛ بِسُكُونِ النُونِ؛ وتَخْفِيفِ الباءِ؛ مِن "أنْبَأ"؛ وقَرَأ الناسُ: "مَثُوبَةً"؛ بِضَمِّ الثاءِ وسُكُونِ الواوِ؛ وقَرَأ ابْنُ بِرَيْدَةَ ؛ والأعْرَجُ ؛ ونُبَيْحٌ؛ وابْنُ عِمْرانَ: "مَثْوَبَةً"؛ بِسُكُونِ الثاءِ؛ وفَتْحِ الواوِ؛ وقالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا مِمّا خَرَجَ عن أصْلِهِ شاذًّا عن نَظائِرِهِ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ العَرَبِ: "اَلْفاكِهَةُ مَقْوَدَةٌ إلى الأذى"؛ بِسُكُونِ القافِ؛ وفَتْحِ الواوِ؛ والقِياسُ: "مَثابَةٌ"؛ و"مَقادَةٌ"؛ وأمّا "مَثُوبَةٌ"؛ بِضَمِّ الثاءِ؛ فَأصْلُها "مَثْوُبَةٌ"؛ وزْنُها "مَفْعُلَةٌ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى الثاءِ؛ وكانَتْ قَبْلُ "مَثْوُوبَةٌ"؛ مِثْلَ "مَقْوُولَةٌ"؛ والمَعْنى في القِراءَتَيْنِ: "مَرْجِعًا عِنْدَ اللهِ؛ أيْ: في الحَشْرِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ تَقُولُ العَرَبُ: "ثابَ؛ يَثُوبُ"؛ إذا رَجَعَ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا  ﴾ .

ومَشى المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الَّذِينَ أُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿ "هَلْ أُنَبِّئُكُمْ"؛ ﴾ هُمُ اليَهُودُ؛ والكُفّارُ المُتَّخِذُونَ دِينَنا هُزُؤًا؛ ولَعِبًا؛ قالَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ وتُوبِعَ عَلَيْهِ؛ ولَمْ يُسْنِدْ في ذَلِكَ إلى مُتَقَدِّمٍ شَيْئًا؛ والآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ أيْ: "قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَلْ أُنْبِئُكم بِشَرٍّ مِن حالِ هَؤُلاءِ الفاسِقِينَ في وقْتِ الرُجُوعِ إلى اللهِ ؛ أُولَئِكَ أسْلافُهُمُ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وغَضِبَ عَلَيْهِمْ"؛ فَتَكُونَ الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ"؛ إلى حالِهِمْ مِن كَوْنِ أكْثَرِهِمْ فاسِقِينَ؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ لِلْحاضِرِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ وتَكُونَ الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى حالِ الحاضِرِينَ؛ مِن كَوْنِ أكْثَرِهِمْ فاسِقِينَ؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ: "بِشَرٍّ"؛ و"وَأضَلُّ"؛ صِفَتَيْ تَفْضِيلٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لَهُما اشْتِراكٌ في الشَرِّ والضَلالِ.

وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ لِلْحاضِرِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى إيمانِ المُؤْمِنِينَ؛ وجَمِيعِ حالِهِمْ؛ ويُوَجَّهُ التَفْضِيلُ بِـ "بِشَرٍّ"؛ و"وَأضَلُّ"؛ عَلى أنَّ الِاشْتِراكَ في الشَرِّ والضَلالِ هو في مُعْتَقَدِ اليَهُودِ؛ فَأمّا في الحَقِيقَةِ فَلا شَرَّ؛ ولا ضَلالَ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ؛ ولا شَرِكَةَ لَهم في ذَلِكَ مَعَ اليَهُودِ والكُفّارِ؛ ويَكُونُ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ قَوْلُهُ: ﴿ مَن لَعَنَهُ اللهُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يُرادُ بِهِ جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ؛ الأسْلافِ؛ والأخْلافِ؛ لِأنَّ الخَلَفَ يُذَمُّ ويُعَيَّرُ بِمَذَمّاتِ السَلَفِ؛ إذا كانَ الخَلَفُ غَيْرَ مُراجِعٍ ولا ذامٍّ لِما كانَ عَلَيْهِ سَلَفُهُ؛ فَهو في حُكْمِهِ.

وفِي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ؛ وعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "مَن غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وجَعَلَهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ"؛ واللَعْنَةُ: اَلْإبْعادُ عَنِ الخَيْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَجَعَلَ"؛ هي بِمَعْنى: صَيَّرَ؛ وقالَ أبُو عَلِيٍّ - في كِتابِ "اَلْحُجَّةُ" -: هي بِمَعْنى "خَلَقَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ مِنهُ - رَحِمَهُ اللهُ - نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَعَبَدَ الطاغُوتَ ﴾ ؛ تَقْدِيرُهُ: ومَن عَبَدَ الطاغُوتَ؛ والمُعْتَزِلَةُ لا تَرى أنَّ اللهَ يُصَيِّرُ أحَدًا عابِدَ الطاغُوتِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ مَسْخِهِمْ قِرَدَةً في سُورَةِ البَقَرَةِ؛ وأمّا مَسْخُهم خَنازِيرَ فَرُوِيَ أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ امْرَأةٍ كانَتْ مُؤْمِنَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ وكَفَرَ مَلِكٌ مِنهم في مَدِينَةٍ مِن مُدُنِهِمْ؛ وكَفَرَ مَعَهُ أهْلُ مَمْلَكَتِهِ؛ فَدَعَتِ المَرْأةُ قَوْمًا إلى نُصْرَةِ الدِينِ فَأجابُوها؛ فَخَرَجَتْ بِهِمْ فَهُزِمُوا؛ ثُمَّ فَعَلَتْ ذَلِكَ ثانِيَةً؛ وثالِثَةً؛ وفي كُلِّ مَرَّةٍ يُهْزَمُ جَمْعُها؛ فَيَئِسَتْ؛ وباتَتْ مَهْمُومَةً؛ فَلَمّا أُصْبِحْ رَأتْ أهْلَ تِلْكَ المَدِينَةِ يَسْعَوْنَ في نَواحِيها خَنازِيرَ؛ فَقالَتْ: "اَلْآنَ أعْلَمُ أنَّ اللهَ أعَزَّ دِينَهُ وآثَرَ دِينَهُ"؛ قالَ عَمْرُو بْنُ كَثِيرِ بْنِ أفْلَحَ؛ مَوْلى أبِي أيُّوبٍ الأنْصارِيِّ: ما كانَ مَسْخُ بَنِي إسْرائِيلَ إلّا عَلى يَدَيْ تِلْكَ المَرْأةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَبَدَ الطاغُوتَ ﴾ ؛ تَقْدِيرُهُ: ومَن عَبَدَ الطاغُوتَ؛ وذَلِكَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ مَن لَعَنَهُ اللهُ ﴾ ؛ أو مَعْمُولٌ لِـ "وَجَعَلَ"؛ وفي هَذا يَقُولُ أبُو عَلِيٍّ: إنَّ "جَعَلَ"؛ بِمَعْنى "خَلَقَ".

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذا الحَرْفِ؛ فَقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَعَبُدَ الطاغُوتِ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وضَمِّ الباءِ؛ وكَسْرِ التاءِ مِن "اَلطّاغُوتِ"؛ وذَلِكَ أنَّ "عَبُدَ"؛ لَفْظُ مُبالَغَةٍ؛ كَـ "يَقُظٌ"؛ و"نَدُسٌ"؛ فَهو لَفْظٌ مُفْرَدٌ؛ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ؛ وبُنِيَ بِناءَ الصِفاتِ؛ لِأنَّ "عَبُدَ"؛ في الأصْلِ صِفَةٌ؛ وإنْ كانَ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ؛ وذَلِكَ لا يُخْرِجُهُ عن حُكْمِ الصِفَةِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يُمْتَنَعْ أنْ يُبْنى مِنهُ بِناءُ الصِفاتِ؛ وقَرَأ بِهَذِهِ القِراءَةِ الأعْمَشُ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أبَنِي لُبَيْنى إنَّ أُمَّكُمُ....

∗∗∗ أمَةٌ وإنَّ أباكُمُ عَبُدُ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ بِضَمِّ الباءِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: ﴿ وَعَبَدَ الطاغُوتَ ﴾ ؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ والباءِ؛ وإعْمالِهِ في "اَلطّاغُوتَ"؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "عَبَدُوا الطاغُوتَ"؛ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ الماضِي إلى ضَمِيرِ جَمْعٍ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ فِيما رَوى عَبْدُ الغَفّارِ عن عَلْقَمَةَ ؛ عنهُ: "وَعَبُدَ الطاغُوتُ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وضَمِّ الباءِ؛ ورَفْعِ التاءِ مِن "اَلطّاغُوتُ"؛ وذَلِكَ عَلى أنْ يَصِيرَ لَهُ أنَّ "عَبُدَ"؛ كالخُلُقِ؛ والأمْرِ المُعْتادِ المَعْرُوفِ؛ فَهي في مَعْنى: "فَقُهَ"؛ و"شَرُفَ" و"ظَرُفَ"؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَعَبَدُ الطاغُوتِ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ والباءِ؛ وكَسْرِ التاءِ مِن "اَلطّاغُوتِ"؛ وذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ: "عَبَدَةُ الطاغُوتِ"؛ وحُذِفَتِ الهاءُ تَخْفِيفًا؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الراجِزِ: قامَ وُلاها فَسَقَوْهُ صَرْخَدا أرادَ: "وُلاتُها"؛ فَحُذِفَ تَخْفِيفًا؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ في رِوايَةِ عَبّادٍ عنهُ: "وَعَبْدُ الطاغُوتِ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وسُكُونِ الباءِ؛ وكَسْرِ التاءِ مِن "اَلطّاغُوتِ"؛ وهَذا عَلى أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ مُفْرَدٌ؛ يُرادُ بِهِ جَمْعٌ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ؛ مِن غَيْرِ طَرِيقِ عَبّادٍ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ والدالِ؛ وسُكُونِ الباءِ؛ ونَصْبِ التاءِ مِن "اَلطّاغُوتَ"؛ وهَذِهِ تُتَّجَهُ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّهُ أرادَ: "وَعَبْدًا الطاغُوتَ"؛ فَحَذَفَ التَنْوِينَ؛ كَما حُذِفَ في قَوْلِ الشاعِرِ: .................

∗∗∗ ∗∗∗ ولا ذاكِرَ اللهَ إلّا قَلِيلًا والوَجْهُ الآخَرُ أنْ يُرِيدَ: "عَبَدَ"؛ اَلَّذِي هو فِعْلٌ ماضٍ؛ وسَكَّنَ الباءَ عَلى نَحْوِ ما هي عَيْنُ الفِعْلِ مُسَكَّنَةً في قَوْلِ الشاعِرِ: وما كُلُّ مَغْبُونٍ ولَوْ سَلْفَ صَفْقُهُ ∗∗∗ ∗∗∗................

فَإنَّ اللامَ مِن "سَلْفَ" مُسَكَّنَةٌ؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ أبِي السَمّالِ: "وَلُعْنُوا بِما قالُوا"؛ فَهَذِهِ قِراءاتٌ العَيْنُ فِيها مَفْتُوحَةٌ.

وقَرَأ أبُو واقِدٍ الأعْرابِيُّ في رِوايَةِ العَبّاسِ بْنِ الفَضْلِ عنهُ: "وَعُبّادَ الطاغُوتِ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ وشَدِّ الباءِ المَفْتُوحَةِ؛ وألِفٍ بَعْدَها؛ وفَتْحِ الدالِ وكَسْرِ التاءِ مِن "اَلطّاغُوتِ"؛ وذَلِكَ جَمْعُ "عابِدٌ"؛ وقَرَأ عَوْنٌ العُقَيْلِيُّ فِيما رَوى عنهُ العَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ أيْضًا: "وَعابِدُ الطاغُوتِ"؛ عَلى وزْنِ فاعِلٍ؛ والدالُ مَرْفُوعَةٌ؛ قالَ أبُو عَمْرٍو: تَقْدِيرُهُ: "وَهم عابِدُ الطاغُوتِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَهو اسْمُ جِنْسٍ؛ ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: "وَعابِدُوا الطاغُوتِ"؛ بِضَمِيرِ جَمْعٍ؛ وقَدْ قالَ بَعْضُ الرُواةِ في هَذِهِ الأخِيرَةِ: إنَّها تَجْوِيزٌ؛ لا قِراءَةٌ؛ وقَرَأ ابْنُ بُرَيْدَةَ: "وَعابِدَ الطاغُوتِ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ والدالِ؛ وكَسْرِ الباءِ؛ والتاءِ؛ وقَرَأ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: "وَعِبادَ الطاغُوتِ"؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ وفَتْحِ الباءِ؛ والدالِ؛ وألِفٍ بَيْنَهُما؛ وكَسْرِ التاءِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَمْعَ "عابِدٌ"؛ كَـ "قائِمٌ"؛ و"قِيامٌ"؛ و"صائِمٌ"؛ و"صِيامٌ"؛ وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ "عَبْدٌ"؛ وقَلَّما يَأْتِي "عِبادُ" مُضافًا إلى غَيْرِ اللهِ ؛ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: أتُوعِدُنِي بِقَوْمِكَ يا ابْنَ حَجْلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ أُشاباتٍ يُخالُونَ العِبادا؟

قالَ أبُو الفَتْحِ: يُرِيدُ "عِبادَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ"؛ ولَوْ أرادَ "عِبادَ اللهِ"؛ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ يُسَبُّ بِهِ أحَدٌ؛ وجَمِيعُ الخَلْقِ عِبادُ اللهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَعْلِيقُ بِآدَمَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شاذٌّ بَعِيدٌ؛ والِاعْتِراضُ فِيهِ باقٍ؛ ولَيْسَ هَذا مِمّا يُتَخَيَّلُ أنَّ الشاعِرَ قَصَدَهُ؛ وإنَّما أرادَ "اَلْعَبِيدَ"؛ فَساقَتْهُ القافِيَةُ إلى "اَلْعِبادَ"؛ إذْ يُقالُ ذَلِكَ لِمَن تَمَلَّكَ مَلْكَةً ما؛ وقَدْ ذُكِرَ أنَّ عَرَبَ الحِيرَةِ مِنَ العِراقِ إنَّما سُمُّوا "اَلْعِبادَ"؛ لِأنَّهم دَخَلُوا في طاعَةِ كِسْرى ؛ فَدانَتْهم مَمْلَكَتُهُ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيِّ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: "وَعابِدَ الشَيْطانِ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ والدالِ؛ وكَسْرِ الباءِ؛ وألِفٍ قَبْلَها؛ وذَكَرَ "اَلشَّيْطانَ"؛ بَدَلَ "اَلطّاغُوتِ"؛ فَهَذِهِ قِراءاتٌ فِيها ألِفٌ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ فِيما رُوِيَ عن عِكْرِمَةَ ؛ وقَرَأها مُجاهِدٌ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَعُبُدَ الطاغُوتِ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ والباءِ؛ وفَتْحِ الدالِ؛ وكَسْرِ التاءِ؛ وذَلِكَ جَمْعُ "عَبْدٌ"؛ كَـ "رَهْنٌ"؛ و"رُهُنٌ"؛ و"سَقْفٌ"؛ و"سُقُفٌ"؛ وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ؛ ثَعْلَبٌ: هو جَمْعُ "عابِدٌ"؛ كَـ "شارِفٌ"؛ و"شُرُفٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ القَيْنَةِ: ألا يا حَمْزَ لِلشُّرُفِ النِواءِ ∗∗∗ ∗∗∗ وهُنَّ مُعَقَّلاتٌ بِالفِناءِ وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: هو جَمْعُ "عَبِيدٌ"؛ وأنْشَدَ: اُنْسُبِ العَبْدَ إلى آبائِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ أسْوَدَ الجِلْدَةِ مِن قَوْمٍ عُبُدْ وَقَرَأ الأعْمَشُ وغَيْرُهُ: "وَعُبَّدَ الطاغُوتِ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ وشَدِّ الباءِ المَفْتُوحَةِ؛ وفَتْحِ الدالِ؛ وكَسْرِ التاءِ؛ وذَلِكَ عَلى جَمْعِ "عابِدٌ"؛ كَـ "ضارِبٌ"؛ و"ضُرَّبٌ"؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وأبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ؛ والأعْمَشُ ؛ في رِوايَةِ هارُونَ: "وَعُبِدَ الطاغُوتُ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ وكَسْرِ الباءِ؛ وفَتْحِ الدالِ؛ وضَمِّ التاءِ؛ كَما تَقُولُ: "ضُرِبَ زِيدٌ"؛ وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ؛ وهي مُتَّجَهَةٌ؛ ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: "وَعُبِدَتِ الطاغُوتُ"؛ كَما تَقُولُ: "ضُرِبَتِ المَرْأةُ"؛ ورَوى عَلْقَمَةُ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَعُبَدَ الطاغُوتِ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ وفَتْحِ الباءِ؛ والدالِ؛ وكَسْرِ التاءِ؛ وهَذا أيْضًا بِناءُ مُبالَغَةٍ؛ اسْمٌ مُفْرَدٌ يُرادُ بِهِ هُنا الجَمْعُ؛ بُنِيَ كَـ "حُطَمٌ"؛ و"لُبَدٌ"؛ ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: "وَعُبَّدَ الطاغُوتَ"؛ عَلى وزْنِ "فُعَّلٌ"؛ بِضَمِّ الفاءِ؛ وشَدِّ العَيْنِ المَفْتُوحَةِ؛ وفَتْحِ اللامِ؛ ونَصْبِ التاءِ؛ وهَذِهِ تَتَخَرَّجُ عَلى أنَّهُ أرادَ: "وَعُبَّدًا"؛ مُنَوَّنًا؛ ثُمَّ حُذِفَ التَنْوِينُ لِلِالتِقاءِ؛ كَما قالَ: "وَلا ذاكِرَ اللهَ"؛ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ.

و"اَلطّاغُوتُ": كُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ ؛ مِن وثَنٍ؛ أو آدَمِيٍّ يَرْضى ذَلِكَ؛ أو شَيْطانٍ؛ وقَدِ اسْتَوْعَبْتُ تَفْسِيرَهُ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ".

و"مَكانًا"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "فِي الآخِرَةِ"؛ فالمَكانُ عَلى وجْهِهِ؛ أيْ: اَلْمَحَلُّ؛ إذْ مَحَلُّهم جَهَنَّمُ؛ وأنْ يُرِيدَ: "فِي الدُنْيا"؛ فَهي اسْتِعارَةٌ لِلْمَكانَةِ؛ والحالَةِ.

و ﴿ سَواءِ السَبِيلِ ﴾ : وسَطُهُ؛ ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: "قُمْتُ حَتّى انْقَطَعَ سَوائِي"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي سَواءِ الجَحِيمِ  ﴾ ؛ وخَطُّ الِاسْتِقامَةِ في السُبُلِ إنَّما هو مُتَمَكِّنٌ غايَةَ التَمَكُّنِ في الأوساطِ؛ فَلِذَلِكَ خُصَّ السَواءُ بِالذِكْرِ؛ ومِن لَفْظِ السَواءِ قِيلَ: "خَطُّ الِاسْتِواءِ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الجمل معترضة بين ما تقدّمها وبين قوله: ﴿ وإذا جاؤوكم ﴾ [المائدة: 61].

ولا يتّضح معنى الآية أتمّ وضوح ويظهرُ الدّاعي إلى أمْرِ الله ورسوله عليه الصّلاة والسلام بأن يواجههم بغليظ القول مع أنّه القائل ﴿ لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول إلاّ من ظُلم ﴾ [لنساء: 148] والقائل ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالّتي هي أحسن إلاّ الّذين ظلموا منهم ﴾ [العنكبوت: 46] إلاّ بعد معرفة سبب نزول هذه الآية، فيعلم أنّهم قد ظَلَموا بطعنهم في الإسلام والمسلمين.

فذكر الواحدي وابن جرير عن ابن عبّاس قال: جاء نفر من اليهود فيهم أبو ياسر بنُ أخطب، ورافعُ بن أبي رَافع، وعازر، وزيد، وخالد، وأزار بن أبي أزار، وأشيع، إلى النّبيء فسألوه عمّن يُؤمِن به من الرسل، فلمّا ذكر عيسى ابن مريم قالوا: لا نؤمن بمَن آمن بعيسى ولا نعلم ديناً شَرّاً من دينكم وما نعلم أهلَ دين أقلّ حظّاً في الدنيا والآخرة منكم، فأنزل الله ﴿ قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منّا إلاّ أن آمنا بالله إلى قوله وأضلّ عن سواء السبيل ﴾ .

فخصّ بهذه المجادلة أهل الكتاب لأنّ الكفّار لا تنهض عليهم حجّتها، وأريد من أهل الكتاب خصوص اليهود كما يُنبئ به الموصولُ وصلتُه في قوله: ﴿ مَن لَعنه اللّهُ وغضب عليه ﴾ الآية.

وكانت هذه المجادلة لهم بأنّ ما ينقمونه من المؤمنين في دينهم إذا تأمّلوا لا يجدون إلاّ الإيمانَ بالله وبما عند أهل الكتاب وزيادة الإيمان بما أنزل على محمّد صلى الله عليه وسلم والاستفهام إنكاري وتعجّبي.

فالإنكار دلّ عليه الاستثناء، والتعجّبُ دلّ عليه أنّ مفعولات ﴿ تنقمون ﴾ كلّها محامد لا يَحقّ نَقْمُها، أي لا تجدون شيئاً تنقمونه غير ما ذكر.

وكلّ ذلك ليس حقيقاً بأن يُنقم.

فأمّا الإيمان بالله وما أنزل من قبلُ فظاهر أنّهم رَضُوه لأنفسهم فلا ينقمونه على من ماثَلَهم فيه، وأمّا الإيمان بما أنزل إلى محمّد فكذلك، لأنّ ذلك شيء رضيه المسلمون لأنفسهم وذلك لا يهُمّ أهل الكتاب، وَدَعا الرسول إليه أهل الكتاب فمن شاء منهم فليؤمن ومن شاء فليكفر، فما وجْه النقْم منه.

وعدّي فعل ﴿ تنقمون ﴾ إلى متعلِّقه بحرف (من)، وهي ابتدائية.

وقد يعدّى بحرف (على).

وأمّا عطف قوله تعالى: ﴿ وأنّ أكثرهم فاسقون ﴾ فقرأه جميع القرّاء بفتح همزة (أنّ) على أنّه معطوف على ﴿ أن آمنّا بالله ﴾ .

وقد تحيّر في تأويلها المفسّرون لاقتضاء ظاهرها فسق أكثر المخاطبين مع أنّ ذلك لا يَعترف به أهله، وعلى تقدير اعترافهم به فذلك ليس ممّا يُنْقَم على المُؤمنين إذ لا عمل للمؤمنين فيه، وعلى تقدير أن يكون ممّا يُنقم على المؤمنين فليس نقْمُه عليهم بمحلّ للإنكار والتعَجّب الّذي هو سياق الكلام.

فذهب المفسّرون في تأويل موْقع هذا المعطوف مذاهب شتّى؛ فقيل: هو عطف على متعلّق ﴿ آمنَّا ﴾ أي آمنّا بالله، وبفسق أكثركم، أي تَنقِمون منّا مجموعَ هذين الأمرين.

وهذا يُفيت معنى الإنكار التعجّبي لأنّ اعتقاد المؤمنين كَونَ أكثر المخاطبين فاسقون يجعل المخاطبين معذورين في نقْمه فلا يتعجّب منه ولا ينكر عليهم نقمه، وذلك يخالف السياق من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه فلا يلتئم مع المعطوف عليه، فالجمع بين المتعاطفين حينئذٍ كالجمع بين الضبّ والنّون، فهذا وجه بعيد.

وقيل: هو معطوف على المستثنى، أي ما تنقمون منّا إلاّ إيمانَنا وفسقَ أكثركم، أي تنقمون تخالف حالينا، فهو نَقْمُ حَسَد، ولذلك حسن موقع الإنكار التعجّبي.

وهذا الوجه ذكره في «الكشاف» وقَدّمَه وهو يحسن لو لم تكن كلمة ﴿ مِنّا ﴾ لأنّ اختلاف الحالين لا ينقم من المؤمنين، إذ ليس من فعلهم ولكن من مُصَادفة الزّمان.

وقيلَ: حُذف مجرور دلّ عليه المذْكور، والتّقدير: هل تنقمون منّا إلاّ الإيمانَ لأنّكم جائرُون وأكثركم فاسقون، وهذا تخريج على أسلوب غير معهود، إذ لم يعرف حذف المعطوف عليه في مثل هذا.

وذكر وجهان آخران غير مرضيين.

والّذي يظهر لي أن يكون قوله: ﴿ وأنّ أكثركم فاسقون ﴾ معطوفاً على ﴿ أنّ آمنّا بالله ﴾ على ما هو المتبادر ويكون الكلام تهكّماً، أي تنقمون منّا أنّنا آمنّا كإيمانكم وصدّقنا رسلكم وكتبكم، وذلك نَقْمُهُ عجيب وأنّنا آمنّا بما أنزل إلينا وذلك لا يهمّكم.

وتنقمون منّا أنّ أكثركم فاسقون، أي ونحنُ صالحون، أي هذا نَقْم حَسَد، أي ونحن لا نملك لكم أن تكونوا صالحين.

فظهرت قرينة التهكّم فصار في الاستفهام إنكار فتعَجُّب فتهكُّم، تولَّد بعضُها عن بعض وكّلها متولّدة من استعمال الاستفهام في مجازاته أو في معان كنائية، وبهذا يكمل الوجه الّذي قدّمه صاحب «الكشاف».

ثمّ اطّرد في التهكّم بهم والعَجببِ من أَفَن رأيهم مع تذكيرِهم بمساويهم فقال: ﴿ قل هل أنبّئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله ﴾ الخ.

وشرّ اسم تفضيل، أصله أشَرّ، وهو للزيادة في الصفة، حذفت همزته تخفيفاً لكثرة الاستعمال، والزّيادة تقتضي المشاركة في أصل الوصف فتقتضي أنّ المسلمين لهم حظّ من الشرّ، وإنّما جَرى هذا تهكّماً باليهود لأنّهم قالوا للمسلمين: لا دِينَ شَرّ من دينكم، وهو ممّا عبّر عنه بفعل ﴿ تنقمون ﴾ .

وهذا من مقابلة الغلظة بالغلظة كما يقال: «قُلْتَ فأوْجبْت».

والإشارة في قوله ﴿ من ذلك ﴾ إلى الإيمان في قوله: ﴿ هل تنقمون منّا إلا أن آمنّا بالله ﴾ الخ باعتبار أنّه منقوم على سبيللِ الفرض.

والتّقدير: ولمّا كان شأن المنقوم أن يكون شرّاً بني عليه التهكّم في قوله: ﴿ هل أنبّئكم بشرّ من ذلك ﴾ ، أي ممّا هو أشدّ شرّاً.

والمثُوبة مشتقّة من ثَاب يثوب، أي رجع، فهي بوزن مفعولة، سمّي بها الشيء الّذي يثوب به المرء إلى منزله إذا ناله جزاء عن عمللٍ عملَه أو سعْي سعاه، وأصلها مثوب بها، اعتبروا فيها التّأنيث على تأويلها بالعطيّة أو الجائزة ثمّ حذف المتعلّق لكثرة الاستعمال.

وأصلها مؤذن بأنّها لا تطلق إلاّ على شيء وجودي يعطاه العامل ويحمله معه، فلا تطلق على الضّرْب والشتم لأنّ ذلك ليس ممّا يثُوب به المرء إلى منزله، ولأنّ العرب إنّما يبْنون كلامهم على طباعهم وهم أهل كرم لنزيلهم، فلا يريدون بالمثوبة إلاّ عطية نافعة.

ويصحّ إطلاقها على الشيء النّفيس وعلى الشيء الحقير من كلّ ما يثوب به المعطَى.

فَجَعْلها في هذه الآية تمييزاً لاسم الزيادة في الشرّ تهكّم لأنّ اللّغة والغضب والمسخ ليست مثوبات، وذلك كقول عمرو بن كلثوم: قَرَيْنَاكم فعجَّلْنَا قِراكم *** قُبَيْلَ الصبح مِرْداة طحونا وقول عمرو بن معديكرب: وخيللٍ قد دَلَفتُ لها بِخيْل *** تَحِيَّةُ بَيْنهم ضرْب وَجِيع وقوله: ﴿ مَن لَعَنَهُ الله ﴾ مبْتدأ، أريد به بيان من هو شرّ مثوبة.

وفيه مضاف مقدّر دلّ عليه السياق.

وتقديره: مثوبةُ مَنْ لَعنهُ الله.

والعدول عن أن يقال: أنتم أو اليهودُ، إلى الإتيان بالموصول للعِلم بالمعنيّ من الصلة، لأنّ اليهود يعلمون أنّ أسلافاً منهم وقعت عليهم اللّعنة والغضب من عهد أنبيائهم، ودلائله ثابتة في التّوراة وكتب أنبيائهم، فالموصول كناية عنهم.

وأمّا جعلهم قردة وخنازير فقد تقدّم القول في حقيقته في سورة البقرة.

وأمّا كونهم عبدوا الطاغوت فهو إذ عبدوا الأصنام بعد أن كانوا أهل توحيد فمن ذلك عبادتهم العِجل.

والطاغوت: الأصنام، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ في سورة النّساء (51).

وقرأ الجمهور ﴿ وعبدَ الطاغوتَ ﴾ بصيغة فعل المضيّ في ﴿ عبد ﴾ وبفتح التّاء من ﴿ الطاغوت ﴾ على أنّه مفعول ﴿ عبد ﴾ ، وهو معطوف على الصّلة في قوله ﴿ من لَعنهُ الله ﴾ ، أي ومن عبدوا الطاغوت.

وقرأه حمزة وحْده بفتح العين وضمّ الموحّدة وفتح الدّال وبكسر الفوقيّة من كلمة الطاغوت على أن «عَبُد» جمع عَبْد، وهو جمع سماعي قليل، وهو على هذه القراءة معطوف على ﴿ القردة والخنازير ﴾ .

والمقصود من ذكر ذلك هنا تعيير اليهود المجادلين للمسلمين بمساوي أسلافهم إبكاتاً لهم عن التطاول.

على أنّه إذا كانت تلك شنشنتهم أزمانَ قيام الرسل والنبيئين بين ظهرانَيْهم فهم فيما بعد ذلك أسوأ حالاً وأجدر بكونهم شرّاً، فيكون الكلام من ذمّ القبيل كلّه.

على أنّ كثيراً من موجبات اللّعنة والغضب والمسخ قد ارتكبتها الأخلاف، على أنّهم شتموا المسلمين بما زعموا أنّه دينهم فيحقّ شتمهم بما نعتقده فيهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ ﴾ يُرِيدُ بِالإثْمِ مَعْصِيَةَ اللَّهِ تَعالى.

﴿ والعُدْوانِ ﴾ أيْ ظُلْمِ النّاسِ.

﴿ وَأكْلِهِمُ السُّحْتَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الرُّشا.

والثّانِي: الرِّبا.

﴿ لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ أيْ لَبِئْسَ صَنِيعُ الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ إذْ لَمْ يَنْهَوْهم، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أشَدُّ تَوْبِيخًا لِلْعُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَؤُها: ﴿ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ لَوْلا ﴾ بِمَعْنى هَلّا.

والرَّبّانِيُّونَ: هم عُلَماءُ الإنْجِيلِ، والأحْبارُ: هم عُلَماءُ التَّوْراةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من يهود، فيهم أبو ياسر بن أخطب، ونافع بن أبي نافع، وغازي بن عمرو، وزيد بن خالد، وازار بن أبي أزار، وأسقع، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟

قال: أؤمن بالله ﴿ وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرِّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ﴾ فلما ذكر عيسى جحدوا نبوّته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى، فأنزل الله: ﴿ قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا ﴾ إلى قوله: ﴿ فاسقون ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا ﴾ الآية.

قال ابن عباس: "إن نفراً من اليهود أتوا رسول الله  فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال: "أؤمن باللهِ وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله تعالى: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ  ﴾ فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً شرًّا من دينكم، فأنزل الله هذه الآية وما بعدها" (١) وقوله تعالى: ﴿ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا ﴾ يقال: نَقَمتُ على الرجل أَنْقِمُ ونَقِمْتُ عليه أَنْقَمُ، والأجود فتح الماضي، وهو الأكثر في القراءة، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ  ﴾ .

ومعنى نقَمت: بالغت في كراهة الشيء (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ  ﴾ ، فقال كيف ينقم اليهود على المسلمين فسق أكثرهم.

قال أبو إسحاق: المعنى: هل تكرهون إلا إيماننا وفسقكم، أي إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنا على حق؛ لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لمحبتكم الرئاسة وكسبكم بها الأموال (٣) وهذا معنى قول الحسن: لفسقكم نقمتم علينا ذلك (٤) قال صاحب النظم (٥) (٦) (٧) وقال غيره: إنما نقموا على المسلمين فسقهم؛ لأنهم لم يتابعوهم عليه.

وقال بعضهم: لما ذكر ما نقم اليهود عليهم من الإيمان بجميع الرسل، وليس هو مما يُنقم، ذكر في مقابلته فسقهم وهو مما يُنقم، ومثل هذا حسن في الازدواج، يقول القائل: هل تنقم مني إلا أني عفيف وأنك فاجر، وإلا أني غني وأنت فقير، فحسن ذلك لإتمام المعنى بالمقابلة.

ومعنى: ﴿ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ﴾ أي خارجون عن أمر الله طلباً للرئاسة وحسداً على منزلة النبوة (٨) والمراد بالأكثر: من لم يؤمن منهم؛ لأن قليلاً من أهل الكتاب آمن.

وذكر أبو علي الجرجاني قولاً آخر في قوله: ﴿ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ﴾ قال: تجعله منظوماً بقوله: ﴿ آمَنَّا بِاللَّهِ ﴾ على تأويل: آمنا بالله وبأن أكثركم فاسقون، فيكون موضع (أن) خفضاً بالياء.

(١) أخرجه الطبري 6/ 292 بنحوه، وعزاه السيوطي أيضًا إلى ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ كما في "الدر المنثور" 2/ 522.

وذكره المؤلف في "أسباب النزول" ص 203.

(٢) هذا الكلام من أوله للزجاج في: "معاني القرآن" 2/ 186، ونقله الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3654 (نقم).

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 186، 187، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 75، "زاد المسير" 2/ 387.

(٤) انظر: "زاد المسير" 2/ 387.

(٥) أبو علي الجرجاني تقدمت ترجمته.

(٦) في (ج): (والوا زائدة).

(٧) تقدم أن بعض المحققين كالحافظ ابن كثير رحمه الله نبهوا على خطأ مثل هذا التعبير، فلا ينبغي أن يقال: إن في القرآن زائدًا.

(٨) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 187.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصلاوة ﴾ الآية: روي أن رجلاً من النصارى كان بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: حرق الله الكاذب، فوقعت النار في بيته فاحترق هو وأهله، واستدل بعضهم بهذه الآية على ثبوت الأذان من القرآن ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ﴾ جعل قلة عقولهم علة لاستهزائهم بالدين ﴿ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ ﴾ هل تعيبون علينا وتنكرون منا إلا إيماننا بالله، وبجميع كتبه ورسله، وذلك أمر لا ينكر ولا يعاب، ونظير هذا في الاستثناء العجيب قول النابغة: ولا عيبَ فيهم غير أن سيوفهم ** بهنّ فلولٌ من قراع الكتائب ونزلت الآية بسبب أبي ياسر بن أخطب، ونافع بن أبي نافع، وجماعة من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرسل الذين يؤمن بهم فتلا: آمنا بالله وما أنزل إلينا إلى آخر الآية، فلما ذكر عيسى قالوا: لا نؤمن بعيسى ولا بمن آمن به ﴿ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسقون ﴾ قيل: إنه معطوف على آمنا، وقيل: على ما أنزل، وقيل: هو تعليل معطوف على تعليل محذوف تقديره: هل تنقمون منا إلا لقلة إنصافكم ولأن أكثركم فاسقون، ويحتمل أن يكون: وأن أكثركم مبتدأ وخبره محذوف تقديره فسقكم معلوم، أو ثابت.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هل تنقمون ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام ﴿ وعبد الطاعون ﴾ بضم الباء ونصب الدال وجر الطاغوت: حمزة.

الباقون بنصب الطاغوت على أن.

﴿ عبد ﴾ فعل ماض عطفاً على صلة من كأنه قيل: ومن عبد الطاغوت.

﴿ مبصوطتان ﴾ بالصاد مثل ﴿ وزاده بصطة  ﴾ وقد مر في البقرة ﴿ رسالته ﴾ أبو عمرو وابن كثير وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون ﴿ رسالاته ﴾ .

الوقوف: ﴿ من قبل ﴾ لا لعطف ﴿ وأن أكثركم ﴾ على ﴿ أن آمنا ﴾ .

﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط لتناهي الاستفهام والتقدير هو ﴿ من لعنه الله ﴾ ط ومن جعل محله جراً على البدل من ﴿ شر ﴾ لم يقف.

﴿ الطاغوت ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ط ﴿ خرجوا به ﴾ ط ﴿ يكتمون ﴾ ه ﴿ السحت ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ السحت ﴾ ط ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ مغلولة ﴾ ط وقيل: لا وقف ليتصل قوله: ﴿ غلت ﴾ وهو جزاء قولهم ﴿ يد الله مغلولة ﴾ .

﴿ بما قالوا ﴾ م لئلا يوهم أن قوله: ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ مفعول ﴿ قالوا ﴾ .

﴿ مبسوطتان ﴾ ط لأن قوله: ﴿ ينفق ﴾ من مقصود الكلام فلا يستأنف.

﴿ كيف يشاء ﴾ ط ﴿ وكفراً ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ أطفأها الله ﴾ لا قال السجاوندي: لأن الواو للحال أي وهم يسعون وفيه نظر ﴿ فساداً ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ أرجلهم ﴾ ط ﴿ مقتصدة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ رسالته ﴾ ط ﴿ من الناس ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ط ﴿ وكفراً ﴾ ج لاختلاف النظم مع فاء التعقيب.

﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه.

التفسير: لما حكى عنهم أنهم اتخذوا دين الإسلام هزواً ولعباً قال لهم: ما الذي تنقمون من أهل هذا الدين.

نقمت على الجل أنقم بالكسر، إذا عتبت عليه، ونقمت بالكسر لغة ونقمت الأمر أيضاً إذا كرهته وأنكرته.

وسمى العقاب نقمة لأنه يجب على ما ينكر من الفعل.

والمعنى هل تعيبون منا وتنكرون إلاّ الإيمان بالكتب المنزلة كلها؟

وليس هذا مما يوجب عتباً وعيباً لأن الإيمان بالله رأس جميع الطاعات، وأما الإيمان بمحمد  وجميع الأنبياء عليهم السلام فهو الحق الذي لا محيد عنه لأن الطريق إلى تصديق الأنبياء هو المعجز وأنه حاصل في الكل فلا وجه للإيمان ببعض والكفر ببعض.

ثم عطف عليه: ﴿ وأن أكثركم فاسقون ﴾ والمراد ما تنقمون منا إلاّ الجمع بين إيماننا وبين تمرّدكم كأنه قيل: ما تنكرون منا إلاّ مخالفتكم فآمنا وما فسقنا مثلكم.

وفيه من حسن الازدواج والطباق ما فيه كقول القائل: هل تنقم مني إلاّ أني عفيف وأنك فاجر.

ويجوز أن يعطف على المجرور أي ما تنقمون منا إلاّ الإيمان بالله وبما أنزل وبأن أكثركم خارجون عن الدين، ويجوز أن تكون الواو بمعنى "مع" أي ما تنكرون منا إلاّ الإيمان مع فسقكم لأن أحد الخصمين إذا كان مكتسباً للصفات/ الحميدة مع اتصاف الآخر بالصفات الذميمة كان ذلك أشد تأثيراً في وقوع البغض والحسد في قلب الخصم.

ويحتمل أن يكون تعليلاً معطوفاً على تعليل محذوف أي ما تنقمون منا إلاّ الإيمان لقلة إنصافكم ولأجل فسقكم، ومن هنا قال الحسن في تفسيره: بفسقكم نقمتم ذلك علينا.

ويجوز أن ينتصب بفعل محذوف يدل عليه ما قبله أي ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، أو يرتفع بالابتداء والخبر محذوف أي وفسقكم ثابت محقق عندكم إلا أن حب الجاه والمال يدعوكم إلى عدم الإنصاف.

وانما خص الأكثر بالفسق مع أن اليهود كلهم فساق تعريضاً بأحبارهم ورؤسائهم الطالبين للرياسة والمال والتقرب إلى الملوك.

والمراد أن أكثرهم في دينهم فساق لا عدول، فإن الكافر والمبتدع قد يكون عدل دينه أو ذكر أكثرهم لئلا يظن أن من آمن منهم داخل في ذلك.

قال ابن عباس: "أتى نفر من اليهود إلى رسول الله  فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟

فقال: أؤمن بالله ﴿ وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل  ﴾ إلى قوله ﴿ ونحن له مسلمون  ﴾ فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً شراً من دينكم، فأنزل الله  : ﴿ قل هل أنبئكم بشر من ذلك ﴾ " يعني المتقدم وهو الإيمان, ولا بدّ من حذف مضاف قبله أو قبل من تقديره بشر من أهل ذلك أو دين من لعنه الله و ﴿ مثوبة ﴾ نصب على التمييز من ﴿ شر ﴾ وهي من المصادر التي جاءت على "مفعول" كالميسور والمجلود ومثلها المشورة، وقرىء مثوبة كما يقال مشورة والمثوبة ضدّ العقوبة.

واستعمال أحد الضدّين مكان الآخر مجاز رخصه إرادة التهكم مثل: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ وقد أخرج الكلام ههنا على حسب قولهم واعتقادهم وإلاّ فلا شركة بين المسلمين وبين اليهود في أصل العقوبة حتى يقال إن عقوبة أحد الفريقين شر، ولكنهم حكموا بأن دين الإسلام شر فقيل لهم: هب أن الأمر كذلك ولكن لعن الله وغضبه ومسخ الصور شر من ذلك.

قال المفسرون: عنى بالقردة أصحاب السبت وبالخنازير كفار مائدة عيسى  .

ويروى أن كلا المسخين كان في أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير، ولهذا كان المسلمون يعيرون اليهود بعد نزول الآية ويقولون: يا إخوة القردة والخنازير فينكسون رؤوسهم.

أما قوله: ﴿ وعبد الطاغوت ﴾ فقد ذكر في الكشاف فيه أنواعاً من القراءة لا مزيد فائدة في تعدادها لشذوذها إلاّ قراءة حمزة، والوجه فيه أن العبد بمعنى العبد إلاّ أنه بناء مبالغة كقولهم: رجل حذر وفطن البليغ في الحذر والفطنة.

قال الشاعر: أبني لبيني إن أمكم *** أمة وإن أباكم عبد أبني لبيني لستم بيدٍ *** إلاّ يداً ليست لها عضد وقيل: هما لغتان مثل سبع وسبع.

وقيل: إن العبد جمعه عباد والعباد جمعه عبد كثمار وثمر إلا أنهم استثقلوا الضمتين فأبدلت الأولى فتحة.

وقيل: أرادوا أعبد الطاغوت مثل: فلس وأفلس إلا أنه حذف الألف وضم الباء لئلا يشبه الفعل.

والطاغوت ههنا قيل: هو العجل.

وقيل: هو الأحبار.

والظاهر أنه كل ما عبد من دون الله، وكل من أطاع أحداً في معصية فقد عبده.

احتجت الأشاعرة بالآية على أن الكفر بجعل الله  .

وقالت المعتزلة: معنى هذا الجعل أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به كقوله: ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً  ﴾ أو أنه خذلهم حتى عبدوها ﴿ أولئك ﴾ المعلونون الممسوخون ﴿ شر مكاناً ﴾ من المؤمنين.

قال ابن عباس: إن مكانهم سقر ولا مكان شر منه.

وقال علماء البيان: هو من باب الكناية لأنه ذكر المكان وأريد أهله الذي هو ملزوم المكان.

﴿ وأضل عن سواء السبيل ﴾ قصده ووسطه.

كان ناس من اليهود يدخلون على رسول الله  يظهرون له الإيمان نفاقاً فأخبره الله بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسه كما دخلوا لم يؤثر فيهم شيء من النصيحة والموعظة قط.

وقوله: ﴿ بالكفر ﴾ وبه حالان أي ملتبسين بالكفر، وكذلك قوله: ﴿ وقد دخلوا ﴾ ﴿ وهم قد خرجوا ﴾ ولذلك دخلت "قد" تقريباً للماضي من الحال، وليفيد التوقع أيضاً.

وذلك أن أمارات النفاق كانت لائحة على صفحات أحوالهم فكان رسول الله  متوقعاً لإظهار الله أسرارهم.

والعامل في هذه الحال قالوا: وفي الأولى: ﴿ دخلوا ﴾ و ﴿ خرجوا ﴾ أي قالوا آمنا وحالهم أنهم دخلوا كافرين وخرجوا كافرين.

وإنما ذكر عند الخروج كلمة "هم" لتأكيد إضافة الكفر إليهم.

ونفى أن يكون من النبي  في ذلك فعل أي لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم ما يوجب كفراً فتكون أنت الذي ألقيتهم في الكفر، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم.

وههنا استدل المعتزلي على صحة مذهبه أن الكفر من العبد لا من الله ولكنه معارض بالعلم والداعي.

﴿ والله أعلم بما يكتمون ﴾ فيه أن حسدهم وخبثهم لا يحيط به إلا الله فما أعظم ذلك وأبلغ.

الإثم الكذب كقوله بعد: ﴿ عن قولهم الإثم ﴾ والعدوان الظلم وقيل: الإثم ما يختص بهم، والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم.

وقيل: الإثم كلمة الشرك قولهم عزير ابن الله.

وفي الآية فوائد منها: ذكر كثير لأن كلهم كان لا يفعل ذلك إذ بعضهم يستحيي فيترك.

ومنها أن المسارعة إنما تليق بالخيرات وإنهم كانوا يستعملونها في المنكرات.

ومنها أن الإثم يتناول جميع المعاصي فذكر بعده العدوان وأكل السحت ليدل على أنهما أعظم أنواع الإثم والكلام في معنى السحت.

وفي تفسير الربانيين والأحبار قد مر في السورة عن قريب.

وقال/ الحسن: الربانيون علماء الإنجيل، والأحبار علماء التوراة.

وإنما قال ههنا: ﴿ لبئس ما كانوا يصنعون ﴾ وفي الأول ﴿ يعملون ﴾ لأن الصنع أرسخ من العمل فلا يسمى العامل صانعاً ولا العمل صناعة إلا إذا تمكن فيه وتدرب وينسب إليه فكان ذنب العلماء إذا تركوا النهي عن المنكر أشد وأعظم وأثبت وأرسخ.

وتحقيقه أن المعصية مرض الروح وعلاجه العلم بالله وصفاته وأحكامه، فإذا حصل هذا العلم ولم تزل المعصية دل على أن مرض القلب في غاية القوة والشدة كالمرض الذي شرب صاحبه الدواء فما زال.

وعن ابن عباس: هي أشد آية في القرآن.

وعن الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها ﴿ وقالت اليهود يد الله مغلولة ﴾ قيل: في هذه الآية إشكال لأن اليهود مطبقون على أنا لا نقول ذلك، كيف وبطلانه معلوم بالضرورة لأن الله اسم لموجود قديم قادر على خلق العالم وإيجاده وتكوينه، وهذا الموجود يمتنع أن تكون يده مغلولة وقدرته قاصرة.

والجواب أن الله  صادق في كل ما أخبر عنه فلا بد من تصحيح هذا النقل عنهم، فلعل القوم قالوا هذا على سبيل الإلزام فإنهم لما سمعوا قوله: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ قالوا من احتاج إلى القرض كان فقيراً عاجزاً مغلول اليدين، أو لعلهم لما رأوا أصحاب محمد  في غاية الفقر والضر قالوا: إن إله محمد كذلك.

وقال الحسن: أرادوا أنه لا تمسهم النار إلا أياماً معدودة إلا أنهم عبروا عن كونه  غير معذب لهم إلا هذا القدر من الزمان بهذه العبارة الفاسدة فاستوجبوا اللعن لفساد العبارة وسوء الأدب.

وقيل: لعلهم كانوا على مذهب بعض الفلاسفة أنه  موجب لذاته، وأن حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نسق واحد فعبروا عن عدم اقتداره على غير ذلك النسق بغل اليد.

وقال المفسرون: كان اليهود أكثر الناس مالاً وثروة، فلما بعث الله محمداً  وكذبوه ضيق الله عليهم المعيشة فعند ذلك قالوا: يد الله مغلولة أي مقبوضة عن العطاء على جهة النعت بالبخل، والجاهل إذا وقع في البلاء والشدة قد يقول مثل هذه الألفاظ.

وغل اليد وبسطها مجاز مستفيض عن البخل والجود ومنه قوله: ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط  ﴾ وذلك أن اليد آلة لأكثر الأعمال لا سيما لأخذ المال وإعطائه، فأطلقوا اسم السبب على المسبب فقيل للجواد فياض الكف مبسوط اليد سبط البنان رطب الأنامل، وللبخيل أبتر الأصابع مقبوض الكف جعد الأنامل، ولا فرق عندهم بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازاً عنه حتى إنه يستعمل في ملك لا يعطي ولا يمنع إلا بالإشارة بل يقال للأقطع: ما أبسط يده بالنوال.

وقد يستعمل حيث لا يصح اليد كقول لبيد: قد أصبحت بيد الشمال زمامها *** /فجازاهم الله  بقوله: ﴿ غلت أيديهم ﴾ وهو الدعاء عليهم بالبخل والنكد ومن ثم كانوا أبخل خلق الله وأنكدهم، دعا به عليهم تعليماً لعباده كما علمهم الاستثناء في قوله: ﴿ لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين  ﴾ وكما عملهم الدعاء على المنافقين في قوله: ﴿ فزادهم الله مرضاً  ﴾ وعلى أبي لهب في قوله: ﴿ تبت يدا أبي لهب  ﴾ ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدي حقيقة إو إخباراً.

قال الحسن: يغللون في الدنيا أسارى وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم فيكون الطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز.

وإنما لم يقل فغلت أيديهم مع أن الجزاء يناسب فاء التعقيب ليكون قوله: ﴿ غلت أيديهم ﴾ كالكلام المبتدأ به فيزيده قوة ووثاقة لأن الابتداء بالشيء يدل على شدة الاهتمام به وقوة الاعتناء بتقريره.

﴿ ولعنوا بما قالوا ﴾ قال الحسن: عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار.

ومما وقع في عصرنا من إعجاز القرآن ما حكي أن متغلب من اليهود مسمى بسعد الدولة وهو من أشقى الناس كان قد سمع بهذه الآية، فاتفق أن وصل إلى بغداد فنزل بالمدرسة المستنصرية ودعا بمصحف كان مكتوباً بأحسن خط وأشهره من خطوط الكتاب الماضين، وكان يعلم أن أهل هذا العصر لا يقدرون على كتابة مثله ثم قال: أين هذه الآية يعني قوله: ﴿ غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ﴾ فأروه إياها فمحاها، فلم يمض أسبوع إلاّ وقد سخط السلطان عليه فبعث في طلبه وأمر بغل يديه فغلوه وحملوه إليه فأمر بقتله.

ثم إنه  ردّ على اليهود بقوله: ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ واليد في اللغة تطلق على الجارحة المخصوصة - وهو ظاهر - وعلى النعمة.

يقال: لفلان عندي يد أشكرها له.

وعلى القوة مثل: ﴿ أولي الأيدي والأبصار  ﴾ فسر بذوي القوى والعقول ومنه لا يدين له بهذا.

والمعنى سلب كمال القدرة.

وعلى الملك تقول: هذا بيد فلان أي ملكه قال  : ﴿ بيده عقدة النكاح  ﴾ وقد يراد به شدة العناية قال: ﴿ لما خلقت بيدي  ﴾ ويقال: يدي لك رهن بالوفاء إذا ضمنت له شيئاً.

ولا شك أن اليد بمعنى الجارحة في حقه  محال للدليل الدال على أنه ليس بجسم ولا ذي أجزاء خلافاً للمجسمة، وأما سائر المعاني فلا بأس بها.

وكان طريقة السلف الإيمان بها وأنها من عند الله ثم تفويض معرفتها إلى الله.

وقد جاء في بعض اقوال أبي الحسن الأشعري أن اليد صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء لقوله: ﴿ لما خلقت بيدي  ﴾ والمراد تخصيص آدم بهذا التشريف ونص القرآن ناطق بإثبات اليد تارة: ﴿ يد الله فوق أيديهم  ﴾ وبإثبات اليدين أخرى كما في الآية، وبإثبات الأيدي أخرى: ﴿ مما عملت أيدينا أنعاماً  ﴾ ووجه التوحيد والجمع ظاهر.

وأما وجه التثنية فذلك أن من أعطى بيديه فقد أعطى على أكمل الوجوه فكان أبلغ في رد كلام القوم خذلهم الله، أو/ المراد نعمة الدين نعمة الدنيا، أو نعمة الظاهر ونعمة الباطن، أو نعمة النفع ونعمة الدفع، أو نعمته على أهل اليمين ونعمته على أهل الشمال بل لطفه في حق أولئك وقهره في شأن هؤلاء، أو المراد المبالغة في وصف النعمة نحو: لبيك وسعديك معناه إقامة على طاعتك بعد إقامة وإسعاداً بعد إسعاد.

ثم أكد الوصف بالقدرة والسخاء فقال: ﴿ ينفق كيف يشاء ﴾ وفيه أنه لا ينفق إلاّ على مقتضى الحكمة وقانون العدالة وعلى حسب المشيئة والإرادة، لا مانع له ولا مكره فمن أوجب عليه شيئاً أو اعترض على فعل من أفعاله فقد نازعه في ملكه وحجر تصرفه وقيد وغل ونسبه إلى ما لا يليق به.

﴿ وليزيدن ﴾ جواب قسم محذوف ﴿ كثيراً منهم ﴾ يعني علماء اليهود ﴿ ما أنزل إليك من ربك ﴾ من القرآن والحجج ﴿ طغياناً وكفراً ﴾ مجاوزة في الحد وغلواً في الإنكار لأن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شرهاً ﴿ وألقينا بينهم ﴾ بين اليهود والنصارى - قاله مجاهد والحسن - أو فيما بين اليهود ﴿ العداوة والبغضاء ﴾ لا تأتلف كلمتهم ولا تتساعد أفئدتهم، فمن اليهود جبرية وقدرية وموحدة ومشبهة، ومن النصارى ملكانية ونسطورية، وكل ذلك الاختلاف يوجب السخط واللعن بخلاف هذه الأمة فإن اختلافهم رحمة ولتفرق أهوائهم وتشعب آرائهم ﴿ كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ﴾ فلا يهمون بأمر من الأمور إلاّ وقد رجعوا بخفي حنين.

وقيل: كلما حاربوا رسول الله غلبوا.

وعن قتادة: لا تلقى اليهود بلدة إلاّ وجدتهم أذل الناس ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ يستخفون كيداً للإسلام وذويه ﴿ والله لا يحب المفسدين ﴾ فلا ينجح لهم كيد ولا ينتج لهم سعي.

وقيل: خالفوا حكم التوراة فبعث الله عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فسلط عليهم بطرس الرومي، ثم أفسدوا فسلط عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط عليهم المسلمين إلى يوم القيامة.

ثم لما بالغ في تهجين سيرتهم ذكر أنهم مع ما عدّد من مساويهم لو آمنوا بمحمد  وما جاء به واتقوا المنكرات التي كانوا يأتونها لتكون توبتهم نصوحاً ﴿ لكفرنا عنهم ﴾ تلك السيآت سترناها عليهم ﴿ ولأدخلناهم ﴾ مع المسلمين ﴿ جنات النعيم ﴾ من النعم خلاف البؤس أي نعيم صاحبها فما أوسع رحمة الله  وما أعظم عفوه وغفرانه ﴿ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ﴾ عملوا بما فيهما من الوفاء بعهود الله  ومن الإقرار بنبوّة نبي آخر الزمان محمد  ، أو حافظوا على أحكامهما وحدودهما، أو أقاموهما نصب أعينهم لئلا ينسوا ما فيهما من التكاليف.

﴿ وما أنزل إليهم من ربهم ﴾ يعني القرآن أو سائر الكتب الإلهية كصحف إبراهيم وزبور داود وكتاب شعيا وحبقوق ودانيال فإن كلها مشحونة من البشارة بمبعث محمد  وأنهم مكلفون بالإيمان بجميعها.

﴿ لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾ أي ينزل عليهم بركات السماء وبركات الأرض، أو يكثر لهم الأشجار/ المثمرة والزروع المغلة، أو يرزقهم الجنان اليانعة الثمار يجنون ما تهدل منها من رؤوس الشجر ويلتقطون ما تناثر على وجه الأرض.

ويحتمل أن يراد به المبالغة في شرح السعة والخصب لا أن هناك فوقاً أو تحتاً أي لأكلوا أكلاً كثيراً متصلاً، ويشبه أن يكون هذا إشارة إلى ما جرى على بني قريظة وبني النضير من قطع نخيلهم وإفساد زروعهم وإجلائهم عن أوطانهم.

والحاصل أنه  وعدهم سعادة الدارين بشرط الإيمان بما جاء به محمد  وقدم السعادة الأخروية بقسميها وهما دفع العذاب وإيصال الثواب لشرفها.

ثم فصل حالهم فقال: ﴿ منهم أمة مقتصدة ﴾ طائفة متوسطة في الغلو والتقصير، وذلك أن من عرف مقصوده فإنه يكون قاصداً له على الطريق المستقيم من غير انحراف ولا اضطراب بخلاف من لا مقصد له فإنه يذهب متحيراً يميناً وشمالاَ، فجعل الاقتصاد عبارة عن العمل المؤدي إلى الغرض ومن هم فيه قولان: أحدهما الكفار من أهل الكتاب الذين يكونون عدولاً في دينهم ولا يوجد فيهم عناد شديد ولا غلظة كاملة، والثاني هم المؤمنون منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعين من النصارى.

﴿ وكثير منهم ساء ما يعملون ﴾ فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أسوأ عملهم لكونهم أجلافاً متعصبين لا ينجع فيهم القول ولا يؤثر فيهم الدليل قيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه والروم.

ثم أمر رسوله بأن لا ينظر إلى قلة المقتصدين وكثرة المعاندين ولا يتخوف مكروههم فقال: ﴿ يا أيها الرسول بلغ ﴾ عن أبي سعيد الخدري "أن هذه الآية نزلت في فضل علي بن أبي طالب  وكرم الله وجه يوم غدير خم، فأخذ رسول الله  بيده وقال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه.

اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.

فلقيه عمر وقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة" .

وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي.

وروي "أنه  نام في بعض أسفاره تحت شجرة وعلق سيفه عليه افأتاه أعرابي وهو نائم فأخذ سيفه واخترطه وقال: يا محمد، من يمنعك مني؟

فقال: الله.

فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ونزل: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ " وقيل: لما نزلت آية التخيير: ﴿ يا أيها النبي قل لأزواجك  ﴾ فلم يعرضها عليهن خوفاً من اختيارهن الدنيا نزلت ﴿ يا أيها الرسول بلغ ﴾ وقيل: نزلت في أمر زيد وزينت بنت جحش.

وقيل: لما نزل ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله  ﴾ سكت رسول الله  عن عيب آلهتهم فنزلت.

أي بلغ معايب آلهتهم ولا تخفها.

وقيل: إنه  لما بين الشرائع والمناسك في حجة الوداع.

قال: هل بلغت؟

قالوا: نعم.

فقال  : "اللهم اشهد" .

فنزلت وقيل: نزلت في قصة/ الرجم والقصاص المذكورتين.

وقال الحسن: إن نبي الله قال: " لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعاً وعرفت أن من الناس من يكذبني واليهود والنصارى وقريش يخوفونني فنزلت الآية فزال الخوف" .

وقالت عائشة "سهر رسول الله  ذات ليلة فقلت: يا رسول الله ما شأنك؟

قال: ألا رجل صالح يحرسني الليلة.

قالت: فبينما نحن في ذلك سمعت صوت السلاح فقال: من هذا؟

قال سعد وحذيفة: جئنا نحرسك.

فنام رسول الله  حتى سمعت غطيطه فنزلت هذه الآية، فأخرج رسول الله  رأسه من قبة أدم فقال: انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله" .

وعن ابن عباس قال: "كان رسول الله  يحرس فكان يرسل معه أبو طالب كل يوم رجالاً من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت هذه الآية.

فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسونه فقال: يا عماه إن الله  قد عصمني من الجن والإنس" .

ومعنى قوله: ﴿ ما أنزل إليك ﴾ جميع ما أنزل إليك وأي شيء أنزل إليك ﴿ وإن لم تفعل ﴾ ما أمرتك به كما أمرتك به ﴿ فما بلغت رسالته ﴾ من قرأ على الوحدة فلأنّ القرآن كله رسالة واحدة، أو لأن الرسالة اسم المصدر فيقع على الواحد وعلى الجمع.

ومن جمع فلأن كل آية أو حكم رسالة.

فإن قيل: معنى قوله: ﴿ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ﴾ إن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته فما وجه صحته؟

فالجواب أن هذا جار على طريق التهديد والمراد إن لم تبلغ منها أدنى شيء فأنت كمن لم يبلغ شيئاً لأن أداء بعضها ليس أولى من أداء البعض الآخر كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها.

أو المراد إن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحي كله فوضع السبب موضع المسبب، ويعضده ما روي أنه  قال: "بعثني الله برسالاته وضقت بها ذرعاً فأوحى الله إليّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت " .

فإن قيل: اين ضمان العصمة وقد جرى عليه يوم أحد ما جرى؟

فالجواب أن الآية نزلت بعد يوم أحد.

أو المراد أنه يعصمه من القتل وعليه أن يحتمل كل ما دون النفس والناس الكفار لقوله: ﴿ إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ أي لا يمكنهم مما يريدون.

ثم لما أمره بتبليغ أي شيء كان طاب للسامع أو ثقل عليه أمره أن يقول لأهل الكتاب: ﴿ لستم على شيء ﴾ أي على دين يعتد به كما تقول: هذا ليس بشيء تريد تحقير شأنه، وباقي الآية مكرر للتأكيد.

ومعنى ﴿ فلا تأس ﴾ لا تاسف ولاتحزن عليهم بسبب زيادة طغيانهم فإن وبال ذلك عائد عليهم، أو لا تأسف بسبب نزول اللعن والعذاب عليهم فإنهم من الكافرين المستحقين لذلك.

يقال: آسى على مصيبته يأسى أسى أي حزن.

ثم لما بين أن أهل التكاب ليسوا على شيء ما لم يؤمنوا بيَّن أن هذا الحكم عام في الكل وأنه لا يحصل لأحد منقبة ولا سعادة إلاّ إذا آمن وعمل صالحاً، وذلك أن كمال القوة النظرية لا يحصل إلاّ بمعرفة المبدأ والمعاد - أعني/ الإيمان بالله واليوم الآخر - وكمال القوة العملية إنما يحصل بتعظيم المعبود والشفقة على المخلوق - أعني العمل الصالح - وغاية هذا الكمال الخلاص من الخوف مما يستقبل ومن الحزن على ما مضى من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أموراً أعظم وأشرف.

وقد تقدم تفسير الحزن على ما مضى من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أموراَ أعظم وأشرف.

وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة البقرة إلاّ أنه بقي ههنا بحث لفظيّ وهو أن قوله: ﴿ والصابئون ﴾ عطف على ماذا؟

فقال الكوفيون: إنه معطوف على محل ﴿ الذين ﴾ لأن اسم "إن" إذا كان مبنياً جاز العطف على محله، وإن كان قبل ذكر الخبر فيجوز: إنك وزيد ذاهبان.

وإن لم يجز إن زيداً وعمرو قائمان.

وذهب البصريون إلى عدم جواز ذلك مطلقاً لأنه يؤدي إلى إعمال "إنّ" وإعمال معنى الابتداء معاً في "قائمان" فيجتمع على المرفوع الواحد رافعان مختلفان وإنه محال.

فإذن ﴿ الصابئون ﴾ مرفوع بالابتداء على نية التأخير كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك، فتكون هذه جملة معطوفة على جملة قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ إلى آخره ولا محل لها كما لا محل للتي عطفت عليها، وفائدة هذا التقديم التنبيه علىأن التوبة مقبولة ألبتة، وذلك أن الصابئين بين هؤلاء المعدودين ضلال لأنهم صبؤا عن الأديان كلها أي خرجوا فكأنه قال: كل هؤلاء الفرق إذا أتوا بالإيمان والعمل الصالح قبلت توبتهم حتى الصابئون ولو قيل: والصابئين لم يكن من التقديم في شيء لأنه ثابت في مركزه الأصلي وإنما تطلب فائدة التقديم للمزال عن موضعه والراجع إلى اسم "إن" محذوف والتقدير من آمن منهم كما في البقرة والله أعلم.

التأويل: شر الفريقين من جعله الله مستعداً لقبول فيض القهر من اللعن والغضب، وجعل صفة الفردية والخنزيرية أعني الحيلة والحرص والشهوة من بعض خصائصهم.

﴿ أولئك شر مكاناً ﴾ من القردة والخنازير لأن القردة والخنازير لا استعداد لهم وهؤلاء قد أبطلوا استعدادهم الفطري ومثله: ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ ولهذا دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به.

الربانيون مشايخ الطريقة والأحبار علماء الشريعة.

﴿ غلت أيديهم ﴾ كانت أيديهم من إصابة الخير مغلولة ومشامهم عن تنسم روائح الصدق مزكومة فلهذا قالوا: ﴿ يد الله مغلولة ﴾ وكل إناء يرشح بما فيه.

ولكن الذي أدركته العناية الأزلية وسلبت عنه صفات الظلومية والجهولية  قال: " "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ينفق كيف يشاء" بيدي اللطف والقهر على المؤمنين من الهداية والإحسان، وعلى/الكافرين من العواية والخذلان.

﴿ وألقينا بينهم العداوة ﴾ فلا يوجد أحد إلاّ وبينه وبين صاحبه بغض إلى أن يتوارثوا بطناً بعد بطن.

ولو أن أهل العلوم الظاهرة آمنوا بالعلوم الباطنة واتقوا الإنكار والاعتراض، ولو أنهم عملوا بمتفقات الكتب المنزلة ومستحسناتها ﴿ لأكلوا من فوقهم ﴾ ورزقوا من الواردات الروحانية ﴿ ومن تحت أرجلهم ﴾ إلى أعلى مقاماتهم.

من العلماء الظاهريين أمة مقتصدة إن لم تكن سابقة بالخيرات، والمقتصد هو العالم المتقي والمريد الصادق دون السابق وهو الواصل الكامل العالم الرباني ﴿ بلغ ما أنزل إليك ﴾ يندرج تحته الوحي والإلهامات والمنامات والوقائع والواردات والمشاهدات والكشوف والأنوار والأسرار والأخلاق والمواهب والحقائق ومعاني النبوّة والرسالة.

فالرسول إن لم يبلغ بعض هذه الحقائق إلى العباد لم يمكنهم الوصول إلى الله فلا يحصل مقصود ما أرسل به فلم يبلغ رسالته إلاّ أن للتبليغ مراتب كما أنزل إليه.

فتبليغ بالعبارة وتبليغ بالإشارة وتبليغ بالتأديب وتبليغ بالتزكية وتبليغ بالتحلية وتبليغ بالهمة وتبليغ بجذبات الولاية وتبيليغ بقوة النبوة والرسالة وتبليغ بالشفاعة.

وللخلق أيضاً مراتب في قبول الدعوة بحسب الاستعدادات المختلفة ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها  ﴾ ﴿ والله يعصمك ﴾ بأوصاف لاهوتيته عن أوصاف ناسوتيتك لتتصرف في الخلق بقوة اللاهوتية فتوصلهم إلى الله ولا يتصرفون فيك فيقطعوك عن الله.

يا أرباب العلوم الظاهرة لستم على شيء من حقيقة الدين حتى تزينوا ظاهركم وباطنكم بالأعمال والأحوال الواردة في الكتب الإلهية وذلك بمقدمتين وأربع نتائج.

فالمقدمتان: الجذبة الإلهية ونتيجتها الإعراض عن الدنيا والتوجه إلى المولى، ثم تربية الشيخ ونتيجتها تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة وتحلية القلب بالأخلاق الفاضلة والله حسبي ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قيل: ﴿ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ ﴾ : هل تطعنون علينا، وهو قول ابن عباس،  .

وقيل: وهل تعيبون علينا.

وقال أبو عوسجة: ﴿ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ ﴾ ، أي: تنكرون منا.

وهو يرجع إلى واحد.

والنقم: هو العيب والطعن، والانتقام: هو الانتصار، ومعناه: ﴿ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ ﴾ ، أي: كيف تطعنون علينا وتعيبون، وأنتم ممن قد دعوتم إلى الإيمان بالله، والإيمان بما أنزل في الكتب، وأنتم ممن قد أوتيتم الكتاب، وفي كتابكم الإيمان بالله، والإيمان بالكتب كلها؛ فكيف تنكرون الإيمان بذلك كله، وتعيبون علينا، ولا تعيبون على أنفسكم بفسقكم وخروجكم عن أمر الله  ، وعما أمركم كتابكم ودعاكم إليه، ونهاكم عما أنتم فيه؟!

﴿ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا ﴾ وهو القرآن، وهو يصدق ما قبله من الكتب، ﴿ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ ﴾ من الكتب المتقدمة من التوراة والزبور والإنجيل، وهي تصدق القرآن، بعضها يصدق بعضاً، فكيف تنكرون الإيمان به؟!

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- للمستهزئين من أهل الكتاب: هل تعيبون علينا إلا إيماننا بالله وبما أنزل إلينا، وبما أنزل على من قبلنا، وإيمانَنَا أن أكثركم خارجون عن طاعة الله بتركهم للإيمان وامتثال الأوامر؟!

فما تعيبونه علينا مَحْمَدَةٌ لنا، وليس مَذَمَّةً.

<div class="verse-tafsir" id="91.Az86E"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل