الآية ٦٠ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٦٠ من سورة المائدة

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّۢ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٦٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 128 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٠ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٠ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ) أي : هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟

وهم أنتم الذين هم متصفون بهذه الصفات القصيرة ، فقوله : ( من لعنه الله ) أي : أبعده من رحمته ( وغضب عليه ) أي : غضبا لا يرضى بعده أبدا ( وجعل منهم القردة والخنازير ) كما تقدم بيانه في سورة البقرة .

وكما سيأتي إيضاحه في سورة الأعراف [ إن شاء الله تعالى ] وقد قال سفيان الثوري : عن علقمة بن مرثد ، عن المغيرة بن عبد الله ، عن المعرور بن سويد عن ابن مسعود قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير ، أهي مما مسخ الله [ تعالى ] ؟

فقال : إن الله لم يهلك قوما - أو قال : لم يمسخ قوما - فيجعل لهم نسلا ولا عقبا وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك " .

وقد رواه مسلم من حديث سفيان الثوري ومسعر كلاهما ، عن مغيرة بن عبد الله اليشكري به .

وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا داود بن أبي الفرات ، عن محمد بن زيد ، عن أبي الأعين العبدي عن أبي الأحوص ، عن ابن مسعود قال : سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير ، أهي من نسل اليهود؟

فقال : " لا ، إن الله لم يلعن قوما فيمسخهم فكان لهم نسل ، ولكن هذا خلق كان ، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم ، جعلهم مثلهم " .

ورواه أحمد من حديث داود بن أبي الفرات به .

وقال ابن مردويه : حدثنا عبد الباقي ، حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا الحسن بن محبوب ، حدثنا عبد العزيز بن المختار ، عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الحيات مسخ الجن ، كما مسخت القردة والخنازير " .

هذا حديث غريب جدا .

وقوله : ( وعبد الطاغوت ) وقرئ ( وعبد الطاغوت ) على أنه فعل ماض ، " والطاغوت " منصوب به ، أي : وجعل منهم من عبد الطاغوت .

وقرئ : ( وعبد الطاغوت ) بالإضافة على أن المعنى : وجعل منهم خدم الطاغوت ، أي : خدامه وعبيده .

وقرئ ( وعبد الطاغوت ) على أنه جمع الجمع : عبد وعبيد وعبد ، مثل ثمار وثمر .

حكاها ابن جرير ، عن الأعمش .

وحكي عن بريدة الأسلمي أنه كان يقرؤها : " وعابد الطاغوت " ، وعن أبي وابن مسعود : " وعبدوا " ، وحكى ابن جرير ، عن أبي جعفر القارئ أنه كان يقرؤها : ( وعبد الطاغوت ) على أنه مفعول ما لم يسم فاعله ، ثم استبعد معناها .

والظاهر أنه لا بعد في ذلك ; لأن هذا من باب التعريض بهم ، أي : وقد عبدت الطاغوت فيكم ، وكنتم أنتم الذين تعاطوا ذلك .

وكل هذه القراءات يرجع معناها إلى أنكم يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا ، والذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادات دون [ ما ] سواه ، كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟

ولهذا قال : ( أولئك شر مكانا ) أي : مما تظنون بنا ( وأضل عن سواء السبيل ) وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة ، كقوله : ( أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ) [ الفرقان : 24 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل "، يا محمد، لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار=" هل أنبئكم "، يا معشر أهل الكتاب، بشر من ثواب ما تنقِمون منا من إيماننا بالله وما أنـزل إلينا من كتاب الله، وما أنـزل من قبلنا من كتبه؟

(13) * * * [و " مثوبة "، تقديرها " مفعولة "]، غير أن عين الفعل لما سقطت نقلت حركتها إلى " الفاء "، (14) وهي" الثاء " من " مثوبة "، فخرجت مخرج " مَقُولة "، و " مَحُورة "، و " مَضُوفة "، (15) كما قال الشاعر: (16) &; 10-436 &; وَكــنْتُ إذَا جَـارِي دَعَـا لِمَضُوفـةٍ أُشَـمِّر حَـتَّى يَنْصُـفَ السَّاقُ مِئْزَرِي (17) * * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 12220 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله "، يقول: ثوابًا عند الله.

12221 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله " قال: " المثوبة "، الثواب،" مثوبة الخير "، و " مثوبة الشر "، وقرأ: خَيْرٌ ثَوَابًا [سورة الكهف: 44].

(18) * * * وأما " مَنْ" في قوله: " من لعنه الله "، فإنه في موضع خفض، ردًّا على قوله: " بشرّ من ذلك ".

فكأن تأويل الكلام، إذ كان ذلك كذلك: قل هل أنبئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله، بمن لعنه الله.

ولو قيل: هو في موضع رفع، لكان صوابًا، على الاستئناف، بمعنى: ذلك من لعنه الله= أو: وهو من لعنه الله.

ولو قيل: هو في موضع نصب، لم يكن فاسدًا، بمعنى: قل هل أنبئكم من لعنه الله (19) = فيجعل " أنبئكم " عاملا في" من "، واقعًا عليه.

(20) * * * وأما معنى قوله: " من لعنه الله "، فإنه يعني: من أبعده الله وأسْحَقه من رحمته (21) =" وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير "، يقول: وغضب عليه، وجعل منهم المُسوخَ القردة والخنازير، غضبًا منه عليهم وسخطًا، فعجَّل لهم الخزي والنكال في الدنيا.

(22) * * * وأما سبب مَسْخ الله من مَسخ منهم قردة، فقد ذكرنا بعضه فيما مضى من كتابنا هذا، وسنذكر بقيته إن شاء الله في مكان غير هذا.

(23) * * * وأما سبب مسخ الله من مَسخ منهم خنازير، فإنه كان فيما:- 12223 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن عُمرَ بن كثير بن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري، قال: حدِّثت أن المسخ في بني إسرائيل من الخنازير، كان أن امرأة من بني إسرائيل كانت في قرية من قرى بني إسرائيل، وكان فيها مَلِك بني إسرائيل، وكانوا قد استجمعوا على الهلكة، إلا أنّ تلك المرأة كانت على بقية من الإسلام متمسكة به، فجعلت تدعو إلى الله، (24) حتى إذا اجتمع إليها ناس فتابعوها على أمرها قالت لهم: إنه لا بد لكم من أن تجاهدوا عن دين الله، وأن تنادوا قومكم بذلك، فاخرجوا فإني خارجة.

فخرجت، وخرج إليها ذلك الملك في الناس، فقتل أصحابها جميعًا، وانفلتت من بينهم.

قال: ودعت إلى الله حتى تجمَّع الناس إليها، حتى إذا رضيت منهم، أمرتهم بالخروج، فخرجوا وخرجت معهم، وأصيبوا جميعًا وانفلتت من بينهم.

ثم دعت إلى الله حتى إذا اجتمع إليها رجال واستجابوا لها، أمرتهم بالخروج، فخرجوا وخرجت، فأصيبوا جميعًا، وانفلتت من بينهم، فرجعت وقد أيست، وهي تقول: سبحان الله، لو كان لهذا الدين وليٌّ وناصرٌ، لقد أظهره بَعْدُ!

قال: فباتت محزونة، وأصبح أهل القرية يسعون في نواحيها خنازيرَ، قد مسخهم الله في ليلتهم تلك، فقالت حين أصبحت ورأت ما رأت: اليوم أعلم أن الله قد أعزَّ دينه وأمر دينه!

قال: فما كان مسخ الخنازير في بني إسرائيل إلا على يديْ تلك المرأة.

(25) 12224 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وجعل منهم القردة والخنازير "، قال: مسخت من يهود.

12225 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

وللمسخ سبب فيما ذكر غير الذي ذكرناه، سنذكره في موضعه إن شاء الله.

(26) * * * القول في تأويل قوله : وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته قرأة الحجاز والشأم والبصرة وبعض الكوفيين: ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، بمعنى: وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت، بمعنى: " عابد "، فجعل " عبد "، فعلا ماضيًا من صلة المضمر، ونصب " الطاغوتَ"، بوقوع " عبَدَ" عليه.

* * * وقرأ ذلك جماعة من الكوفيين: ( وَعَبُدَ الطَّاغُوتَ ) بفتح " العين " من " عبد " وضم بائها، وخفض " الطاغوت " بإضافة " عَبُد " إليه.

وعنوا بذلك: وخدَمَ الطاغوت.

12226 - حدثني بذلك المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد قال، حدثني حمزة، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب أنه قرأ: ( وَعُبَدَ الطَّاغُوتِ ) يقول: خدم= قال عبد الرحمن: وكان حمزة كذلك يقرأها.

12227 - حدثني ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن الأعمش: أنه كان يقرأها كذلك.

* * * وكان الفَرَّاء يقول: إن تكن فيه لغة مثل " حَذِرٍ" و " حَذُر "، و " عجِلٍ"، و " وعَجُلٍ"، فهو وجه، والله أعلم= وإلا فإن أراد قول الشاعر: (27) أَبَنِــــي لُبَيْنَــــى إنَّ أُمَّكُـــمُ أَمَــــةٌ وَإنَّ أَبَــــاكُمُ عَبُـــدُ (28) فإن هذا من ضرورة الشعر، وهذا يجوز في الشعر لضرورة القوافي، وأما في القراءة فلا.

(29) * * * وقرأ ذلك آخرون: ( وَعُبُدَ الطَّاغُوتِ ) ذكر ذلك عن الأعمش.

* * * وكأنَّ من قرأ ذلك كذلك، أراد جمع الجمع من " العبد "، كأنه جمع " العبد "" عبيدًا "، ثم جمع " العبيد "" عُبُدًا "، مثل: " ثِمَار وُثُمر ".

(30) * * * وذكر عن أبي جعفر القارئ أنه كان يقرأه: (31) ( وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ ).

12228 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن قال: كان أبو جعفر النحويّ يقرأها: ( وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ )، كما يقول: " ضُرِب عبدُ الله ".

* * * قال أبو جعفر: وهذه قراءة لا معنى لها، لأن الله تعالى ذكره، إنما ابتدأ الخبر بذمّ أقوام، فكان فيما ذمَّهم به عبادُتهم الطاغوت.

وأما الخبر عن أن الطاغوت قد عُبد، فليس من نوع الخبر الذي ابتدأ به الآية، ولا من جنس ما ختمها به، فيكون له وجه يوجَّه إليه في الصحة.

(32) * * * وذكر أن بُريدة الأسلمي كان يقرأه: ( وعابد الطاغوت ).

(33) 12229 - حدثني بذلك المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شيخ بصري: أن بريدة كان يقرأه كذلك.

* * * ولو قرئ ذلك: ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، بالكسر، كان له مخرج في العربية صحيح، وإن لم أستجز اليوم القراءة بها، إذ كانت قراءة الحجة من القرأة بخلافها.

ووجه جوازها في العربية، أن يكون مرادًا بها " وعَبَدَة الطاغوت "، ثم حذفت " الهاء " للإضافة، كما قال الراجز: (34) قَامَ وُلاهَا فَسَقَوْهُ صَرْخَدَا (35) يريد: قام وُلاتها، فحذف " التاء " من " ولاتها " للإضافة.

(36) * * * قال أبو جعفر: وأما قراءة القرأة، فبأحد الوجهين اللذين بدأت بذكرهما، &; 10-442 &; وهو: ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، بنصب " الطاغوت " وإعمال " عبد " فيه، وتوجيه " عبد " إلى أنه فعل ماض من " العبادة ".

والآخر: (وعبد الطاغوت)، على مثال " فَعُلٍ"، وخفض " الطاغوت " بإضافة " عَبُدٍ" إليه.

فإذ كانت قراءة القرأة بأحد هذين الوجهين دون غيرهما من الأوجه التي هي أصح مخرجًا في العربية منهما، فأولاهما بالصواب من القراءة، قراءة من قرأ ذلك ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، بمعنى: وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت، لأنه ذكر أن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب وابن مسعود: ( وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، بمعنى: والذين عبدوا الطاغوت= ففي ذلك دليل واضحٌ على صحة المعنى الذي ذكرنا من أنه مراد به: ومَن عبد الطاغوت، وأن النصب بـ" الطاغوت " أولى، على ما وصفت في القراءة، لإعمال " عبد " فيه، إذ كان الوجه الآخر غير مستفيض في العرب ولا معروف في كلامها.

على أن أهل العربية يستنكرون إعمال شيء في" مَنْ" و " الذي" المضمرين مع " مِنْ" و " في" إذا كفت " مِنْ" أو " في" منهما ويستقبحونه، حتى كان بعضهم يُحيل ذلك ولا يجيزه.

وكان الذي يحيل ذلك يقرأه: ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، فهو على قوله خطأ ولحن غير جائز.

وكان آخرون منهم يستجيزونه على قبح.

فالواجب على قولهم أن تكون القراءة بذلك قبيحة.

وهم مع استقباحهم ذلك في الكلام، قد اختاروا القراءة بها، وإعمال و " جعل " في" مَنْ"، وهي محذوفة مع " مِن ".

ولو كنا نستجيز مخالفة الجماعة في شيء مما جاءت به مجمعة عليه، لاخترنا القراءة بغير هاتين القراءتين، غير أن ما جاء به المسلمون مستفيضًا فيهم لا يتناكرونه، (37) فلا نستجيز الخروجَ منه إلى غيره.

فلذلك لم نستجز القراءة بخلاف إحدى القراءتين اللتين ذكرنا أنهم لم يعدُوهما.

* * * وإذ كانت القراءة عندنا ما ذكرنا، فتأويل الآية: قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله، من لعنه الله وغضب عليه، وجعل منهم القردة والخنازير، ومن عبد الطاغوت.

* * * وقد بينا معنى " الطاغوت " فيما مضى بشواهده من الروايات وغيرها، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا.

(38) * * * وأما قوله: " أولئك شر مكانًا وأضلُّ عن سواء السبيل "، فإنه يعني بقوله: " أولئك "، هؤلاء الذين ذكرهم تعالى ذكره، وهم الذين وصفَ صفتهم فقال: " من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت "، وكل ذلك من صفة اليهود من بني إسرائيل.

يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم=" شر مكانًا "، في عاجل الدنيا والآخرة عند الله ممن نَقَمتم عليهم، يا معشر اليهود، إيمانَهم بالله، وبما أنـزل إليهم من عند الله من الكتاب، وبما أنـزل إلى من قبلهم من الأنبياء=" وأضل عن سواء السبيل "، يقول تعالى ذكره: وأنتم مع ذلك، أيها اليهود، أشد أخذًا على غير الطريق القويم، وأجورُ عن سبيل الرشد والقصد منهم.

(39) * * * قال أبو جعفر: وهذا من لَحْنِ الكلام.

(40) وذلك أن الله تعالى ذكره إنما قصد بهذا الخبر إخبارَ اليهود الذين وصف صفتهم في الآيات قبل هذه، بقبيح فعالهم وذميم أخلاقهم، واستيجابهم سخطه بكثرة ذنوبهم ومعاصيهم، حتى مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير، خطابًا منه لهم بذلك، تعريضًا بالجميل من الخطاب، ولَحَن لهم بما عَرَفوا معناه من الكلام بأحسن اللحن، (41) وعلَّم نبيه صلى الله عليه وسلم من الأدب أحسنه فقال له: قل لهم، يا محمد، أهؤلاء المؤمنون بالله وبكتبه الذين تستهزئون منهم، شرٌّ، أم من لعنه الله؟

وهو يعني المقولَ ذلك لهم.

---------------- الهوامش : (13) انظر تفسير"مثوبة" فيما سلف 2: 458 ، 459.

(14) كان في المطبوعة: "غير أن العين لما سكنت نقلت حركتها إلى الفاء..." ، سقط صدر الكلام ، فغير ما كان في المخطوطة ، فأثبت ما أثبته بين القوسين ، استظهارًا من إشتقاق الكلمة.

والذي كان في المخطوطة: "غير أن الفعل لما سقط نقلت حركتها إلى الفاء" ، سقط أيضًا صدر الكلام الذي أثبته بين القوسين ، وسقط أيضًا"عين" من قوله: "عين الفعل".

وأخشى أن يكون سقط من الكلام غير هذا.

انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 170 ، وذلك قراءة من قرأ"مثوبة" (بفتح فسكون ففتح).

(15) في المطبوعة: "محوزة" بالحاء والزاي وفي المخطوطة: "محوره ومصرفه" غير منقوطة.

والصواب ما أثبت.

ويأتي في بعض الكتب كالقرطبي 6: 243"مجوزة" بالجيم والزاي ، وكل ذلك خطأ ، صوابه ما أثبت.

و"المحورة" من"المحاورة" ، مثل" المشورة" و"المشاورة" يقال: "ما جاءتني عنه محورة" ، أي: ما رجع إليّ عنه خبر.

وحكى ثعلب: "اقض محورتك" ، أي الأمر الذي أنت فيه.

ويقال فيها أيضًا: "محورة" (بفتح الميم وسكون الحاء) ومنه قول الشاعر: لِحَاجَــةِ ذي بَــثٍّ ومَحْـوَرةٍ لَـهُ، كَـفَى رَجْعُهَـا مِـنْ قِصَّـةِ المُتَكَـلِّمِ (16) هو أبو جندب الهذلي.

(17) أشعار الهذليين 3: 92 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 170 ، واللسان (ضيف) (نصف) وغيرها كثير ، وبعده: وَلَكِـنَّنيِ جَـمْرُ الغَضَـا مــن وَرَائِـهِ يُخَــفِّرُنِي سَــيْفِي إذَا لَــمْ أُخَـفَّرِ أَبَـى النَّـاسُ إلا الشَّـرَّ مِنِّـي، فَدَعْهُمُ وَإيّــايَ مَــا جَـاءُوا إلَـيَّ بِمُنْكَـرِ إذَا مَعْشَــرٌ يَوْمًــا بَغَـوْنِي بَغَيْتُهُـمُ بِمُسْــقِطَةِ الأحْبَــالِ فَقْمَـاءَ قِنْطِـرِ و"المضوفة" و"المضيفة" و"المضافة": الأمر يشفق منه الرجل.

وبها جميعًا روى البيت."ضاف الرجل وأضاف": خاف.

و"نصف الإزار ساقه": إذا بلغ نصفها.

يريد بذلك اجتهاده في الدفاع عمن استجار به.

وقوله: "ولكني جمر الغضا..." ، يقول: أتحرق في نصرته تحرقًا كأنه لهب باق من جمر الغضا.

وقوله: "يخفرني سيفي...".

يقول: سيفي خفيري إذا لم أجد لي خفيرًا ينصرني.

وقوله: "مسقطة الأحبال": يريد: أعمد إليهم بداهية تسقط الحبالي من الرعب.

و"فقماء".

وصف للداهية المنكرة ، يذكر بشاعة منظرها يقال: "امرأة فقماء": وهي التي تدخل أسنانها العليا إلى الفم ، فلا تقع على الثنايا السفلى ، وهي مع ذلك مائلة الحنك.

و"قنطر" هي الداهية ، وجاء بها هنا وصفًا ، وكأن معناها عندئذ أنها داهية تطبق عليه إطباقًا ، كالقنطرة التي يعبر عليها تطبق على الماء.

ولم يذكر أصحاب اللغة هذا الاشتقاق ، وإنما هو اجتهاد مني في طلب المعنى.

وكان صدر البيت الشاهد في المخطوطة: "وكنت إذا جاي دعالم" ، ولم يتم البيت ، وأتمته المطبوعة.

(18) في المطبوعة والمخطوطة: "شر ثوابا" ، وليس في كتاب الله آية فيها"شر ثوابا" ، فأثبت آية الكهف التي استظهرت أن يكون قرأها ابن زيد في هذا الموضع.

ونقل السيوطي في الدر المنثور 2: 295 ، وكتب: "وقرئ: بشر ثوابًا" ، ولم أجد هذه القراءة الشاذة ، فلذلك استظهرت ما أثبت.

هذا ، وقد سقط من الترقيم رقم: 12222 سهوا.

(19) انظر هذا كله في معاني القرآن للفراء 1: 314.

(20) في المطبوعة: "فيجعل"أنبئكم" على ما في"من" واقعًا عليه" ، وفي المخطوطة: "فيجعل"أنبئكم" علامًا فيمن واقعًا عليه" ، وكلاهما فاسد ، وصواب قراءة ما أثبت ، ولكن أخطأ الناسخ كعادته في كتابته أحيانًا.

و"الوقوع" التعدي ، كما سلف مرارًا ، انظر فهارس المصطلحات في الأجزاء السالفة.

(21) انظر تفسير"اللعنة" فيما سلف 9: 213 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(22) انظر تفسير"غضب الله" فيما سلف 1: 188 ، 189/2: 138 ، 345/7: 116/9: 57.

(23) انظر ما سلف 2: 167- 172/8: 447 ، 448/ وما سيأتي في التفسير 9: 63- 70 (بولاق).

(24) في المخطوطة: "تدعوا الله" بحذف"إلى" ، والصواب ما في المطبوعة ، بدليل ما سيأتي بعد .

وأما قوله: "واستجمعوا على الهلكة" فإنه يعني: قد أشرفت جمعاتهم على الهلاك بكفرهم.

(25) الأثر: 12223-"عمر بن كثير بن أفلح ، مولى أبي أيوب الأنصاري" ، روى عن كعب بن مالك ، وابن عمر ، وسفينة ، وغيرهم.

وذكره ابن حبان في الثقات ، في أتباع التابعين.

وقال ابن سعد: "كان ثقة ، له أحاديث".

وقال ابن أبي حاتم: "روى عنه محمد بن بشر العبدي ، وحماد بن خالد الخياط ، وأبو عون الزيادي" ، غير أن أبا عون قال: "عمرو بن كثير بن أفلح" ، وهو وهم منه".

وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا"عمرو بن كثير" ، فتابعت ابن أبي حاتم.

وهو مترجم في التهذيب"عمر" ، وابن أبي حاتم 3/1/130.

(26) لم أعرف مكانه فيما سيأتي من التفسير ، فإذا عثرت عليه أثبته إن شاء الله.

ولعل منه ما سيأتي في الآثار رقم: 12301- 12304.

وانظر رقم: 7110.

(27) هو أوس بن حجر.

(28) ديوانه ، القصيدة: 5 ، البيت: 4 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 314 ، 315 ، واللسان (عبد) ، وقد مضى منها بيت فيما سلف ص: 275 ، وقبل البيت: أَبَنِــي لُبَيْنِــيَ لَسْــتُ مُعْترِفًــا لِيَكُــــونَ أَلأَمَ مِنْكُـــمُ أَحَـــدُ (29) انظر معاني القرآن للفراء 1: 314 ، 315.

(30) كان الأجود أن يقول: "كأنه جمع العبد عبادًا ، ثم جمع العباد عبدًا ، مثل ثمار وثمر" ، وهو ظاهر مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 314.

(31) في المطبوعة: "أنه يقرؤه" بحذف"كان" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(32) في المطبوعة: "من الصحة" ، والصواب ما في المخطوطة.

(33) في المخطوطة: "وعابد الشيطان" ، وهو خطأ لا شك فيه ، صححته المطبوعة ، وانظر القراءات الشاذة لابن خالويه: 34.

(34) لم أعرف الراجز.

(35) معاني القرآن للفراء 1: 314 ، وقوله: "صرخد" جعلها الخمر الصرخدية نفسها.

وأما أصحاب اللغة ، فيقولون: "صرخد" ، موضع بالشأم ، من عمل حوران ، تنسب إليه الخمر الجيدة.

(36) انظر ما سلف جميعه في معاني القرآن للفراء 1: 314 ، 315.

(37) في المطبوعة: "فهم لا يتناكرونه" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(38) انظر تفسير"الطاغوت" فيما سلف 5: 416- 419/8: 461-465 ، 507- 513 ، 546.

(39) انظر تفسير"الضلال" فيما سلف من فهارس اللغة.

= وتفسير"سواء السبيل" فيما سلف 10: 124 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(40) "اللحن" هنا بمعنى التعريض والإيماء ، عدولا عن تصريح القول.

قال ابن بري: "للحن ستة معان: الخطأ في الإعراب ، واللغة ، والغناء ، والفطنة ، والتعريض ، والمعنى".

(41) أي: عرض لهم بأحسن التعريض والإيماء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل هل أنبئكم بشر من ذلك أي : بشر من نقمكم علينا ، وقيل : بشر ما تريدون لنا من المكروه ; وهذا جواب قولهم : ما نعرف دينا شرا من دينكم .

مثوبة نصب على البيان وأصلها مفعولة فألقيت حركة الواو على الثاء فسكنت الواو وبعدها واو ساكنة فحذفت إحداهما لذلك ; ومثله مقولة ومجوزة ومضوفة على معنى المصدر ; كما قال الشاعر :وكنت إذا جاري دعا لمضوفة أشمر حتى ينصف الساق مئزريوقيل : مفعلة كقولك مكرمة ومعقلة .

من لعنه الله من في موضع رفع ; كما قال : بشر من ذلكم النار والتقدير هو لعن من لعنه الله ، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى : قل هل أنبئكم بشر من ذلك من لعنه الله ، ويجوز أن يكون في موضع خفض على البدل من ( شر ) والتقدير : هل أنبئكم بمن لعنه الله ; والمراد اليهود ، وقد تقدم القول في الطاغوت ، أي : وجعل منهم من عبد الطاغوت ، والموصول محذوف عند الفراء ، وقال البصريون : لا يجوز حذف الموصول ; والمعنى من لعنه الله وعبد الطاغوت .وقرأ ابن وثاب النخعي " وأنبئكم " بالتخفيف ، وقرأ حمزة : " عبد الطاغوت " بضم الباء وكسر التاء ; جعله اسما على فعل كعضد فهو بناء للمبالغة والكثرة كيقظ وندس وحذر ، وأصله الصفة ; ومنه قول النابغة :من وحش وجرة موشي أكارعه طاوي المصير كسيف الصيقل الفردبضم الراء ونصبه ب جعل ; أي : جعل منهم عبدا للطاغوت ، وأضاف عبد إلى الطاغوت فخفضه ، وجعل بمعنى خلق ، والمعنى وجعل منهم من يبالغ في عبادة الطاغوت .

وقرأ الباقون بفتح الباء والتاء ; وجعلوه فعلا ماضيا ، وعطفوه على فعل ماض وهو غضب ولعن ; والمعنى عندهم من لعنه الله ومن عبد الطاغوت ، أو منصوبا ب جعل ; أي : جعل منهم القردة والخنازير وعبدة الطاغوت ، ووحد الضمير في عبد حملا على لفظ من دون معناها .

وقرأ أبي وابن مسعود " وعبدوا الطاغوت " على المعنى .

ابن عباس : " وعبد الطاغوت " ، [ ص: 173 ] فيجوز أن يكون جمع عبد كما يقال : رهن ورهن ، وسقف وسقف ، ويجوز أن يكون جمع عباد كما يقال : مثال ومثل ، ويجوز أن يكون جمع عبيد كرغيف ورغف ، ويجوز أن يكون جمع عادل كبازل وبزل ; والمعنى : وخدم الطاغوت ، وعن ابن عباس أيضا " وعبد الطاغوت " جعله جمع عابد كما يقال شاهد وشهد وغايب وغيب ، وعن أبي واقد : وعباد الطاغوت للمبالغة ، جمع عابد أيضا ; كعامل وعمال ، وضارب وضراب ، وذكر محبوب أن البصريين قرءوا : ( وعباد الطاغوت ) جمع عابد أيضا ، كقائم وقيام ، ويجوز أن يكون جمع عبد .

وقرأ أبو جعفر الرؤاسي ( وعبد الطاغوت ) على المفعول ، والتقدير : وعبد الطاغوت فيهم ، وقرأ عون العقيلي وابن بريدة : ( وعابد الطاغوت ) على التوحيد ، وهو يؤدي عن جماعة ، وقرأ ابن مسعود أيضا ( وعبد الطاغوت ) وعنه أيضا وأبي ( وعبدت الطاغوت ) على تأنيث الجماعة ; كما قال تعالى : قالت الأعراب وقرأ عبيد بن عمير : ( وأعبد الطاغوت ) مثل كلب وأكلب .

فهذه اثنا عشر وجها .قوله تعالى : أولئك شر مكانا لأن مكانهم النار ; وأما المؤمنون فلا شر في مكانهم ، وقال الزجاج : أولئك شر مكانا على قولكم .

النحاس : ومن أحسن ما قيل فيه : أولئك الذين لعنهم الله شر مكانا في الآخرة من مكانكم في الدنيا لما لحقكم من الشر ، وقيل : أولئك الذين لعنهم الله شر مكانا من الذين نقموا عليكم ، وقيل : أولئك الذين نقموا عليكم شر مكانا من الذين لعنهم الله ، ولما نزلت هذه الآية قال المسلمون لهم : يا إخوة القردة والخنازير فنكسوا رءوسهم افتضاحا ، وفيهم يقول الشاعر :فلعنة الله على اليهود إن اليهود إخوة القرود

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما كان قدحهم في المؤمنين يقتضي أنهم يعتقدون أنهم على شر، قال تعالى: { قُلْ ْ} لهم مخبرا عن شناعة ما كانوا عليه: { هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ ْ} الذي نقمتم فيه علينا، مع التنزل معكم.

{ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ ْ} أي: أبعده عن رحمته { وَغَضِبَ عَلَيْهِ ْ} وعاقبه في الدنيا والآخرة { وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ْ} وهو الشيطان، وكل ما عبد من دون الله فهو طاغوت.

{ أُولَئِكَ ْ} المذكورون بهذه الخصال القبيحة { شَرٌّ مَّكَانًا ْ} من المؤمنين الذين رحمة الله قريب منهم، ورضي الله عنهم وأثابهم في الدنيا والآخرة، لأنهم أخلصوا له الدين.

وهذا النوع من باب استعمال أفعل التفضيل في غير بابه وكذلك قوله: { وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ ْ} أي: وأبعد عن قصد السبيل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم قال : ) ( قل ) يا محمد ، ) ( هل أنبئكم ) أخبركم ، ) ( بشر من ذلك ) الذي ذكرتم ، يعني قولهم لم نر أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرا من دينكم ، فذكر الجواب بلفظ الابتداء ، وإن لم يكن الابتداء شرا كقوله تعالى : قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار ( الحج ، 72 ) ، ) ( مثوبة ) ثوابا وجزاء ، نصب على التفسير ، ( عند الله من لعنه الله ) أي : هو من لعنه الله ، ( وغضب عليه ) يعني : اليهود ، ( وجعل منهم القردة والخنازير ) فالقردة أصحاب السبت ، والخنازير كفار مائدة عيسى عليه السلام .

وروي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن الممسوخين كلاهما من أصحاب السبت ، فشبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير .

( وعبد الطاغوت ) أي : جعل منهم من عبد الطاغوت ، أي : أطاع الشيطان فيما سول له ، وتصديقها قراءة ابن مسعود : ومن عبدوا الطاغوت ، وقرأ حمزة " وعبد " بضم الباء " الطاغوت " بجر التاء ، أراد العبد وهما لغتان عبد بجزم الباء وعبد بضم الباء ، مثل سبع وسبع ، وقيل : هو جمع العباد ، وقرأ الحسن وعبد الطاغوت ، على الواحد ، ( أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل ) أي : عن طريق الحق .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل هل أنبئكم» أخبركم «بشر من» أهل «ذلك» الذي تنقمونه «مثوبة» ثوابا بمعنى جزاء «عند الله» هو «من لعنه الله» أبعده عن رحمته «وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير» بالمسخ «و» من «عَبَدَ الطاغوتَ» الشيطان بطاعته، وروعي في منهم معنى من وفيما قبله لفظها وهم اليهود، وفي قراءة بضم باء عبد وإضافته إلى ما بعد اسم جمع لعبد ونصبه بالعطف على القردة «أولئك شر مكانا» تمييز لأن مأواهم النار «وأضل عن سواء السبيل» طريق الحق وأصل السواء الوسط وذكر شر وأضل في مقابلة قولهم لا نعلم دينا شرا من دينكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها النبي- للمؤمنين: هل أخبركم بمن يُجازَى يوم القيامة جزاءً أشدَّ مِن جزاء هؤلاء الفاسقين؟

إنهم أسلافهم الذين طردهم الله من رحمته وغَضِب عليهم، ومَسَخَ خَلْقهم، فجعل منهم القردة والخنازير، بعصيانهم وافترائهم وتكبرهم، كما كان منهم عُبَّاد الطاغوت (وهو كل ما عُبِد من دون الله وهو راضٍ)، لقد ساء مكانهم في الآخرة، وضلَّ سَعْيُهم في الدنيا عن الطريق الصحيح.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تابع - سبحانه - التهكم بهم ، وتعجب الناس من أفن رأيهم ، مع تذكيرهم بسوء مصيرهم فقال : - ( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله ) ؟والمشار إليه بقوله : ( ذلك ) يعود إلى ما نقمه اليهود على المؤمنين من إيمانهم بالله وبالكتب السماوية وقيل يعود إلى الكثرة الفاسقة من أهل الكتاب المعبر عنها بقوله : ( وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ) وتوحيد اسم الإِشارة لكونه يشار به إلى الواحد وغيره .

أو لتأويله بالمذكور ونحوه .والخاطب لأهل الكتاب المتقدم ذكرهم وقيل للكفار مطلقا ، وقيل للمؤمنين .والمثوبة : مصدر ميمي بمعنى الثواب الثابت على العمل ، وأكثر استعمالها في الخير .وقد استعملت هنا بمعنى العقوبة على طريقة التهكم بهم كما في قوله - تعالى - : ( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) وهي منصوبة على أنها تمييز لقوله ( بشر ) .وقوله : ( مَن لَّعَنَهُ الله ) خبر لمبتدأ محذوف أي : هو من لعنه الله : والمراد اليهود لأن الصفات التي ذكرت في الآية لا تنطبق إلا عليهم .والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين عابوا على المؤمنين إيمانهم بالله وبما أنزله من كتب سماوية والذين قالوا لكم : ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ، ولا دينا شرا من دنيكم قل لهم على سبيل التبكيت والتنبيه على ضلالهم : هل أخبركم بشر من أهل ذلك الدين عقوبة عند الله يوم القيامة؟

هو من ( لَّعَنَهُ الله ) أي أبعده من رحمته ( وَغَضِبَ عَلَيْهِ ) بأن منع عنه رضاه ( وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير ) بأن مسخ بعضهم قردة وبضعهم خنازير وجعل منهم من عبد الطاغوت ، أي : من عبد كل معبود باطل من دون الله كالأصنام والأوثان وغير ذلك من المعبودات الباطلة التي ابتعوها بسبب طغيانهم وفساد نفوسهم .فإن قيل : إن قوله - ( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك مَثُوبَةً ) يفيد أن ما عابه اليهود على المؤمنين من إيمانهم بالله فيه شر .

إلا أن ما عليه اليهود أشد شرا ، مع أن إِيمان المؤمنين لا شر فيه ألبتة بل هو عين الخير فكيف ذلك؟فالجواب ، أن الكلام مسوق على سبيل المشاكلة ، والمجاراة لتفكير اليهود الفاسد ، وزعمهم الباطل ، فكأنه - سبحانه - يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم إن هؤلاء اليهود - يا محمد - ينكورن عليهكم إيمانكم بالله وبالكتب السماوية ويعتبرون ذلك شراً - مع أنه عين الخير - قل لهم على سبيل التبكيت وإلزامهم الحجة :لئن كنتم تعيبون علينا إيماننا وتعتبرونه شرا لا خير فيه - في زعمكم فشر منه عاقبة ومآلا ما أنتم عليه من لعن وطرد من رحمة الله ، وما أصاب أسلافكم من مسخ بعضهم قردة ، وبعضهم خنازير ، وما عرف عنكم من عبادة لغير الله .

.

.

وشبيه بهذه الآية في مجاراة الخصم في زعمه قوله - تعالى - ( وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) وقوله : ( أولئك شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السبيل ) بيان لسوء عاقبتهم وقبح مكانتهم .

.أي : أولئك المتصفون بما ذكر من الفسوق واللعن والطرد من رحمة الله أولئك المتصفون بذلك ( شَرٌّ مَّكَاناً ) من غيرهم وأكثر ضلالا عن طريق الحق المستقيم من سواهم ، فهم في الدنيا يشركون بالله ، وينتهكون محارمه وفي الآخرة مأواهم النار وبئس القرار .وقوله ( أولئك ) مبتدأ وقوله ( شر ) خبره ، وقوله ( مكانا ) تمييز محول عن الفاعل .وأثبت - سبحانه - الشرية لمكانهم ليكون أبلغ في الدلالة على كثرة شرورهم ، إذ أن إثبات الشرية لمكان الشيء كناية عن إثباتها للشيء نفسه .

فكأن شرهم قد أثر في مكانهم ، أو عظم وضخم حتى صار متجسما .وقوله : ( وأضل ) معطوف على ( شر ) مقرر له .

والمقصود من صيغتي التفضيل في قوله : ( أولئك شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ ) الزيادة مطلقا من غير نظر إلى مشاركة غيرهم في ذلك .

أو بالنسبة إلى غيرهم من الكفار الذين لم يفجروا فجورهم ، ولم يحقدوا على المؤمنين حقدهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ مّن ذلك ﴾ إشارة إلى المنقم، ولا بدّ من حذف المضاف، وتقديره: بشر من أهل ذلك؛ لأنه قال: ﴿ مَن لَّعَنَهُ الله ﴾ ولا يقال الملعون شر من ذلك الدين، بل يقال: إنه شر ممن له ذلك الدين.

فإن قيل: فهذا يقتضي كون الموصوفين بذلك الدين محكوماً عليهم بالشر، ومعلوم أنه ليس كذلك.

قلنا: إنما خرج الكلام على حسب قولهم واعتقادهم، فإنهم حكموا بأن اعتقاد ذلك الدين شر، فقيل لهم: هب أن الأمر كذلك ولكن لعنة الله وغضبه ومسخ الصور شر من ذلك.

المسألة الثانية: ﴿ مَثُوبَةً ﴾ نصب على التمييز، ووزنها مفعلة كقولك: مقولة ومجوزة، وهو بمعنى المصدر، وقد جاءت مصادر على مفعول كالمعقول والميسور.

فإن قيل: المثوبة مختصة بالإحسان، فكيف جاءت في الإساءة؟

قلنا: هذا على طريقة قوله: ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ وقول الشاعر: تحية بينهم ضرب وجيع *** المسألة الثالثة: ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ مَن لَّعَنَهُ الله ﴾ يحتمل وجهين: الأول: أنه في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، فإنه لما قال: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذلك ﴾ فكأن قائلاً قال: من ذلك؟

فقيل: هو من لعنه الله، ونظيره قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَفَأُنَبّئُكُم بِشَرّ مّن ذلكم النار  ﴾ كأنه قال: هو النار.

الثاني: يجوز أن يكون في موضع خفض بدلاً من (شر) والمعنى أنبئكم بمن لعنه الله.

المسألة الرابعة: اعلم أنه تعالى ذكر من صفاتهم أنواعاً: أولها: أنه تعالى لعنهم.

وثانيها: أنه غضب عليهم.

وثالثها: أنه جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت.

قال أهل التفسير: عنى بالقردة أصحاب السبت، وبالخنازير كفار مائدة عيسى.

وروي أيضاً أن المسخين كانا في أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة، ومشايخهم مسخوا خنازير.

المسألة الخامسة: ذكر صاحب الكشاف في قوله: ﴿ وَعَبَدَ الطاغوت ﴾ أنواعاً من القرآات: أحدها: قرأ أُبي: وعبدوا الطاغوت.

وثانيها: قرأ ابن مسعود: ومن عبدوا.

وثالثها: وعابد الطاغوت عطفاً على القردة.

ورابعها: وعابدي.

وخامسها: وعباد.

وسادسها: وعبد.

وسابعها: وعبد، بوزن حطم.

وثامنها: وعبيد.

وتاسعها: وعبد بضمتين جميع عبيد.

وعاشرها: وعبدة بوزن كفرة، والحادي عشر: وعبد، وأصله عبدة، فحذفت التاء للإضافة، أو هو كخدم في جمع خادم، والثاني عشر: عبد، والثالث عشر: عباد، والرابع عشر: وأعبد، والخامس عشر: وعبد الطاغوت على البناء للمفعول، وحذف الراجع، بمعنى وعبد الطاغوت فيهم أو بينهم، والسادس عشر: وعبد الطاغوت، بمعنى صار الطاغوت معبوداً من دون الله تعالى، كقولك: أمر إذا صار أميراً، والسابع عشر: قرأ حمزة: عبد الطاغوت بفتح العين وضم الباء ونصب الدال وجر الطاغوت، وعابوا هذه القراءة على حمزة ولحنوه ونسبوه إلى ما لا يجوز ذكره، وقال قوم: إنها ليست بلحن ولا خطأ، وذكروا فيها وجوهاً: الأول: أن العبد هو العبد إلا أنهم ضموا الباء للمبالغة، كقولهم: رجل حذر وفطن للبليغ في الحذر والفطنة، فتأويل عبد الطاغوت أنه بلغ الغاية في طاعة الشيطان، وهذا أحسن الوجوه.

الثاني: أن العبد، والعبد لغتان كقولهم: سبع وسبع.

والثالث: أن العبد جمعه عباد، والعباد جمعه عبد، كثمار وثمر.

ثم استثلقوا ضمتين متواليتين فأبدلت الأولى بالفتحة.

الرابع: يحتمل أنه أراد أعبد الطاغوت، فيكون مثل فلس وأفلس، ثم حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى العين.

الخامس: يحتمل أنه أراد: وعبدة الطاغوت كما قريء، ثم حذف الهاء وضم الباء لئلا يشتبه بالفعل.

المسألة السادسة: قوله: ﴿ وَعَبَدَ الطاغوت ﴾ قال الفرّاء: تأويله وجعل منهم القردة ومن عبد الطاغوت، فعلى هذا: الموصول محذوف.

المسألة السابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر بقضاء الله.

قالوا: لأن تقدير الآية وجعل الله منهم من عبد الطاغوت، وإنما يعقل معنى هذا الجعل إذا كان هو الذي جعل فيهم تلك العبادة، إذ لو كان جعل تلك العبادة منهم لكان الله تعالى ما جعلهم عبدة الطاغوت، بل كانوا هم الذين جعلوا أنفسهم كذلك، وذلك على خلاف الآية.

قالت المعتزلة: معناه أنه تعالى حكم عليهم بذلك ووصفهم به كقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا  ﴾ والكلام فيه قد تقدم مراراً.

المسألة الثامنة: قيل: الطاغوت العجل، وقيل: الطاغوت الأحبار، وكل من أطاع أحداً في معصية الله فقد عبده.

ثم قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ أي أولئك الملعونون الممسوخون شر مكاناً من المؤمنين، وفي لفظ المكان وجهان: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لأن مكانهم سقر، ولا مكان أشد شراً منه.

والثاني: أنه أضيف الشر في اللفظ إلى المكان وهو في الحقيقة لأهله، وهو من باب الكناية كقولهم: فلان طويل النجاد كثير الرماد، ويرجع حاصله إلى الإشارة إلى الشيء بذكر لوازمه وتوابعه.

ثم قال: ﴿ وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السبيل ﴾ أي عن قصد السبيل والدين الحق.

قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية عبر المسلمون أهل الكتاب وقالوا: يا إخوان القردة والخنازير، فافتضحوا ونكسوا رؤوسهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وروي: أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من اليهود فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟

فقال: «أومن بالله وما أنزل إلينا إلى قوله: ونحن له مسلمون» فقالوا حين سمعوا ذكر عيسى عليه السلام: ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً أشرّ من دينكم.

فنزلت.

وعن نعيم بن ميسرة: ﴿ وإنّ أكثركم ﴾ ، بالكسر.

ويحتمل أن ينتصب (وأن أكثركم) بفعل محذوف يدل عليه هل تنقمون، أي: ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، أو يرتفع على الابتداء والخبر محذوف، أي و فسقكم ثابت معلوم عندكم، لأنكم علمتم أنا على الحق وأنكم على الباطل، إلا أن حب الرياسة وكسب الأموال لا يدعكم فتنصفوا ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى المنقوم، ولا بدّ من حذف مضاف قبله، أو قبل (من) تقديره: بشرّ من أهل ذلك، أو دين من لعنه الله.

و ﴿ مَن لَّعَنَهُ الله ﴾ في محل الرفع على قولك: هو من لعنه الله، كقوله تعالى: ﴿ قُلْ أَفَأُنَبّئُكُم بِشَرّ مّن ذلكم النار ﴾ [الحج: 72] أو في محل الجرّ على البدل من شرّ.

وقرئ: ﴿ مثوبة ﴾ .

﴿ ومثوبة ﴾ .

ومثالهما: مشورة، ومشورة.

فإن قلت: المثوبة مختصة بالإحسان، فكيف جاءت في الإساءة؟

قلت: وضعت المثوبة موضع العقوبة على طريقة قوله: شع تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ ومنه ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران: 21] .

فإن قلت: المعاقبون من الفريقين هم اليهود، فلم شورك بينهم في العقوبة؟

قلت: كان اليهود- لعنوا- يزعمون أن المسلمين ضالون مستوجبون للعقاب، فقيل لهم: من لعنه الله شرّ عقوبة في الحقيقة واليقين من أهل الإسلام في زعمكم ودعواكم ﴿ وَعَبَدَ الطاغوت ﴾ عطف على صلة (من) كأنه قيل: ومن عبد الطاغوت.

وفي قراءة أبيّ ﴿ وعبدوا الطاغوت ﴾ ، على المعنى.

وعن ابن مسعود: ﴿ ومن عبدوا ﴾ .

وقرئ: ﴿ وعابد الطاغوت ﴾ عطفاً على القردة.

﴿ وعابدي ﴾ .

﴿ وعباد ﴾ .

﴿ وعبد ﴾ .

﴿ وعبد ﴾ .

ومعناه: الغلوّ في العبودية، كقولهم، رجل حذر وفطن، للبليغ في الحذر والفطنة.

قال: أَبَنِي لُبَيْنَى إنَّ أُمَّكُم ** أَمَةٌ وَإنَّ أَبَاكُمُو عَبْدُ وعبد بوزن حطم.

وعبيد.

وعبد- بضمتين- جمع عبيد: وعبدة بوزن كفرة.

وعبد، وأصله عبدة، فحذفت التاء للإضافة.

أو هو كخدم في جمع خادم.

وعبد وعباد.

وأعبد، وعبد الطاغوت، على البناء للمفعول، وحذف الراجع، بمعنى: وعبد الطاغوت فيهم، أو بينهم، وعبد الطاغوت بمعنى صار الطاغوت معبوداً من دون الله، كقولك (أمر) إذا صار أميراً.

وعبد الطاغوت، بالجر عطفاً على ﴿ مَن لَّعَنَهُ الله ﴾ .

فإن قلت: كيف جاز أن يجعل الله منهم عباد الطاغوت؟

قلت: فيه وجهان، أحدهما: أنه خذلهم حتى عبدوه.

والثاني: أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به، كقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا ﴾ [الزخرف: 19] وقيل: الطاغوت: العجل؛ لأنه معبود من دون الله، ولأن عبادتهم للعجل مما زينه لهم الشيطان، فكانت عبادتهم له عبادة للشيطان وهو الطاغوت.

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه: أطاعوا الكهنة، وكل من أطاع أحداً في معصية الله فقد عبده.

وقرأ الحسن: ﴿ الطواغيت ﴾ .

وقيل: وجعل منهم القردة أصحاب السبت، والخنازير كفار أهل مائدة عيسى.

وقيل: كلا المسخين من أصحاب السبت، فشبانهم مسخوا قردة، ومشايخهم مسخوا خنازير.

وروي أنها لما نزلت كان المسلمون يعيرون اليهود ويقولون: يا أخوة القردة والخنازير فينكسون رءوسهم ﴿ أولئك ﴾ الملعونون الممسوخون ﴿ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ جعلت الشرارة للمكان وهي لأهله.

وفيه مبالغة ليست في قولك: أولئك شرّ وأضلّ، لدخوله في باب الكناية التي هي أخت المجاز.

نزلت في ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهرون له الإيمان نفاقاً، فأخبره الله تعالى بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسك كما دخلوا، لم يتعلق بهم شيء مما سمعوا به من تذكيرك بآيات الله ومواعظك.

وقوله: (بالكفر) و(به) حالان، أي دخلوا كافرين وخرجوا كافرين.

وتقديره: ملتبسين بالكفر.

وكذلك قوله: (وقد دخلوا)؛ (وهم قد خرجوا) ولذلك دخلت (قد) تقريباً للماضي في الحال.

ولمعنى آخر: وهو أن أمارات النفاق كانت لائحة عليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متوقعاً لإظهار الله ما كتموه، فدخل حرف التوقع وهو متعلق بقوله: (قالوا آمنا) أي قالوا ذلك وهذه حالهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ المَنقُومِ.

﴿ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ﴾ جَزاءً ثابِتًا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والمَثُوبَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالخَيْرِ كالعُقُوبَةِ بِالشَّرِّ فَوُضِعَتْ هاهُنا مَوْضِعَها عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: تَحِيَّةٌ بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعُ وَنَصَبَها عَلى التَّمْيِيزِ عَنْ بِشَرٍّ.

﴿ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ ﴾ بَدَلٌ مِن بِشَرٍّ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ بِشَرٍّ مِن أهْلِ ذَلِكَ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ، أوْ بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ دِينُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أيْ هو مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وهُمُ اليَهُودُ أبْعَدَهُمُ اللَّهُ مِن رَحْمَتِهِ وسَخِطَ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ وانْهِماكِهِمْ في المَعاصِي بَعْدَ وُضُوحِ الآياتِ، ومَسَخَ بَعْضَهم قِرَدَةً وهم أصْحابُ السَّبْتِ، وبَعْضَهم خَنازِيرَ وهم كُفّارُ أهْلِ مائِدَةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقِيلَ كِلا المَسْخَيْنِ في أصْحابِ السَّبْتِ مُسِخَتْ شُبّانُهم قِرَدَةً ومَشايِخُهم خَنازِيرَ.

﴿ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ ﴾ عُطِفَ عَلى صِلَةِ مَن وكَذا عُبِدَ الطّاغُوتُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ الطّاغُوتِ وعُبِدَ بِمَعْنى صارَ مَعْبُودًا، فَيَكُونُ الرّاجِعُ مَحْذُوفًا أيْ فِيهِمْ أوْ بَيْنَهُمْ، ومَن قَرَأ «وَعابِدَ الطّاغُوتَ» أوْ عَبِدَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ كَفَطِنٍ ويَقِظٍ أوْ عَبَدَةٍ أوْ عَبَدَ الطّاغُوتَ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ كَخَدَمٍ أوْ أنَّ أصْلَهُ عَبَدَةُ فَحَذَفَ التّاءَ لِلْإضافَةِ عَطَفَهُ عَلى القِرَدَةِ، ومَن قَرَأ وعَبَدَ الطّاغُوتِ بِالجَرِّ عَطَفَهُ عَلى مَن، والمُرادُ مِنَ الطّاغُوتِ العَجَلُ وقِيلَ الكَهَنَةُ وكُلُّ مَن أطاعُوهُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المَلْعُونُونَ.

﴿ شَرٌّ مَكانًا ﴾ جَعَلَ مَكانَهم شَرًّا لِيَكُونَ أبْلَغَ في الدَّلالَةِ عَلى شَرارَتِهِمْ، وقِيلَ مَكانًا مُنْصَرِفًا.

﴿ وَأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ﴾ قَصْدِ الطَّرِيقِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ غُلُوِّ النَّصارى وقَدْحِ اليَهُودِ، والمُرادُ مِن صِيغَتَيِ التَّفْضِيلِ الزِّيادَةُ مُطْلَقًا لا بِالإضافَةِ إلى المُؤْمِنِينَ في الشَّرارَةِ والضَّلالَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عِندَ الله} أي ثواباً وهو نصب على التمييز والمثوبة وإن كانت مختصة بالإحسان ولكنها وضعت موضع العقوبة كقوله {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} وكان اليهود يزعمون أن المسلمين مستوجبون للعقوبة فقيل لهم {مَن لَّعَنَهُ الله} شر عقوبة في الحقيقة من أهل الإسلام في زعمكم وذلك إشارة إلى المتقدم أي

الإيمان أي بشر مما نقمتم من إيماننا ثواباً أي جزاء ولا بد من حذف مضاف قبله أو قبل من تقديره بشر من أهل ذلك أو دين من لعنه الله {وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة} يعني أصحاب السبت {والخنازير} أي كفار أهل مائدة عيسى عليه السلام أو كلا المسخين من أصحاب السبت فشبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير {وَعَبَدَ الطاغوت} أي العجل أو الشيطان لأن عبادتهم العجل بتزيين الشيطان وهو عطف على صلة من كأنه قيل ومن عبد الطاغوت وعبد الطاغوتِ حمزة جعله اسماً موضوعاً للمبالغة كقولهم رجل حذر وفطن للبليغ في الحذر والفطنة وهو معطوف على القردة والخنازير أي جعل الله منهم عبد الطاغوت {أولئك} الممسوخون الملعونون {شَرٌّ مَّكَاناً} جعلت الشرارة للمكان وهي لأهله مبالغة {وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السبيل} عن قصد الطريق الموصل إلى الجنة ونزل في ناس من اليهود كانوا يدخلون على النبى صلى الله عليه وسلم ويظهرون له الإيمان نفاقا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ ﴾ تَبْكِيتٌ لِأُولَئِكَ الفَجَرَةِ أيْضًا، بِبَيانِ أنَّ الحَقِيقَ بِالنَّقْمِ والعَيْبِ حَقِيقَةً ما هم عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ المُحَرَّفِ، وفِيهِ نَعْيٌ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ بِجِناياتِهِمْ، وما حاقَ بِهِمْ مِن تَبِعاتِها وعُقُوباتِها، ولَمْ يُصَرِّحْ سُبْحانَهُ لِئَلّا يَحْمِلَهُمُ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ عَلى رُكُوبِ مَتْنِ المُكابَرَةِ والعِنادِ، وخاطَبَهم قَبْلَ البَيانِ بِما يُنْبِئُ عَنْ عِظَمِ شَأْنِ المُبَيَّنِ، ويَسْتَدْعِي إقْبالَهم عَلى تَلَقِّيهِ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ المُشَوِّقَةِ إلى المُخْبَرِ بِهِ، والتَّنْبِئَةِ المُشْعِرَةِ بِكَوْنِهِ أمْرًا خَطِرًا لِما أنَّ النَّبَأ هو الخَبَرُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ وخَطَرٌ، والإشارَةُ إلى الدِّينِ المُتَقَوَّمِ لَهُمْ، واعْتُبِرَتِ الشَّرِّيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ - مَعَ أنَّهُ خَيْرٌ مَحْضٌ مُنَزَّهٌ عَنْ شائِبَةِ الشَّرِّيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ - مُجاراةً مَعَهم عَلى زَعْمِهِمُ الباطِلِ المُنْعَقِدِ عَلى كَمالٍ شَرِّيَّتِهِ - وحاشاهُ - لِيُثْبِتَ أنَّ دِينَهم شَرٌّ مِن كُلِّ شَرٍّ، ولَمْ يَقِلْ سُبْحانَهُ بِـ( أنْقَمَ ) تَنْصِيصًا عَلى مَناطِ الشَّرِّيَّةِ؛ لِأنَّ مُجَرَّدَ النَّقْمِ لا يُفِيدُها البَتَّةَ لِجَوازِ كَوْنِ العَيْبِ مِن جِهَةِ العائِبِ.

فَكَمْ مِن عائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ وفِي ذَلِكَ تَحْقِيقٌ لِشَرِّيَّةِ ما سَيُذْكَرُ، وزِيادَةُ تَقْرِيرٍ لَها، وقِيلَ: إنَّما قالَ: ( بِشَرٍّ ) لِوُقُوعِهِ في عِبارَةِ المُخاطَبِينَ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««أتى النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - نَفَرٌ مِن يَهُودَ، فِيهِمْ أبُو ياسِرِ بْنُ أخْطَبَ، ونافِعُ بْنُ أبِي نافِعٍ، وغازِي بْنُ عَمْرٍو، وزَيْدٌ، وخالِدٌ، وإزارُ بْنُ أبِي إزارٍ، فَسَألُوهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ؟

قُلْ: أُومِنُ بِاللَّهِ تَعالى، وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ، وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَلَمّا ذَكَرَ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وقالُوا: لا نُؤْمِنُ بِعِيسى، ولا نُؤْمِنُ بِمَن آمَنَ بِهِ، ثُمَّ قالُوا - كَما في رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ - لا نَعْلَمُ دِينًا شَرًّا مِن دِينِكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ»» وبِهَذا الخَبَرِ انْتَصَرَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُخاطَبِينَ بِـ( أُنَبِّئُكم ) هم أهْلُ الكِتابِ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: المُخاطَبُ هُمُ الكُفّارُ مُطْلَقًا، وقِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ، وكَما اخْتُلِفَ في الخِطابِ اخْتُلِفَ في المُشارِ إلَيْهِ بِذَلِكَ، فالجُمْهُورُ عَلى ما قَدَّمْناهُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الأكْثَرِ الفاسِقِينَ، ووُحِّدَ الِاسْمُ إمّا لِأنَّهُ يُشارُ بِهِ إلى الواحِدِ وغَيْرِهِ ولَيْسَ كالضَّمِيرِ، أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِالمَذْكُورِ ونَحْوِهِ.

وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الأشْخاصِ المُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ هم أهْلُ الكِتابِ، والمُرادُ أنَّ السَّلَفَ شَرٌّ مِنَ الخَلَفِ ﴿ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ جَزاءً ثابِتًا عِنْدَهُ تَعالى، وهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الثَّوابِ، ويُقالُ في الخَيْرِ والشَّرِّ؛ لِأنَّهُ ما رَجَعَ إلى الإنْسانِ مِن جَزاءِ أعْمالِهِ، سُمِّيَ بِهِ بِتَصَوُّرِ أنَّ ما عَلِمَهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ ﴿ ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: يَرَ جَزاءَهُ، إلّا أنَّ الأكْثَرَ المُتَعارَفَ اسْتِعْمالُهُ في الخَيْرِ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ المَثُوبَةُ، واسْتِعْمالُها هُنا في الشَّرِّ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ، كَقَوْلِهِ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ ونَصْبُها عَلى التَّمْيِيزِ مِن ( بِشَرٍّ ) وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ مَفْعُولًا لَهُ لِـ( أُنَبِّئُكم )، أيْ: هَلْ أُنَبِّئُكم لِطَلَبِ مَثُوبَةٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى في هَذا الإنْباءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَصِيرَ سَبَبَ مَخافَتِكم ويُفْضِي إلى هِدايَتِكُمْ، وعَلَيْهِ فالمَثُوبَةُ في المُتَعارَفِ مِنِ اسْتِعْمالِها، وهو وإنْ كانَ لَهُ وجْهٌ لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ.

وقُرِئَ: ( مَثْوَبَةً ) بِسُكُونِ الثّاءِ وفَتْحِ الواوِ، ومِثْلُها مَشُورَةٌ ومَشْوَرَةٌ خِلافًا لِلْحَرِيرِيِّ في إيجابِهِ مَشُورَةً كَمَعُونَةٍ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ قَبْلَهُ مُناسِبٍ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ، أيْ: دِينِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ إلَخْ، أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ مُناسِبٍ لِـ( مَن ) أيْ: بِشَرٍّ مِن أهْلِ ذَلِكَ، والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا لِسُؤالٍ نَشَأ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ - كَما قالَ الزَّجّاجُ - إمّا عَلى حالِها أوْ بِاعْتِبارِ التَّقْدِيرِ فِيها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي هو شَرٌّ مِن ذَلِكَ؟

فَقِيلَ: هو دِينُ مَن لَعَنَهُ إلَخْ، أوْ مَنِ الَّذِي هو شَرٌّ مِن أهْلِ ذَلِكَ؟

فَقِيلَ: هو مَن لَعَنَهُ اللَّهُ، إلَخْ.

وجُوِّزَ - ولا يَنْبَغِي أنْ يُجَوَّزَ عِنْدَ التَّأمُّلِ - أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن شَرٍّ، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْضًا عَلى نَحْوِ ما سَبَقَ آنِفًا، والِاحْتِياجُ إلَيْهِ ها هُنا لِيُخْرَجَ مِن كَوْنِهِ بَدَلَ غَلَطٍ، وهو لا يَقَعُ في فَصِيحِ الكَلامِ، وأمّا في الوَجْهِ الأوَّلِ فَأظْهَرُ مِن أنْ يُخْفى، وإذا جُعِلَ ذَلِكَ إشارَةً إلى الأشْخاصِ لَمْ يَحْتَجِ الكَلامُ إلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ، كَما هو ظاهِرٌ، ووَضْعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، وتَهْوِيلِ أمْرِ اللَّعْنِ وما تَبِعَهُ، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، حَيْثُ أبْعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ رَحْمَتِهِ، وسَخِطَ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ، وانْهِماكِهِمْ في المَعاصِي، بَعْدَ وُضُوحِ الآياتِ، وسُطُوعِ البَيِّناتِ.

﴿ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ ﴾ أيْ: مَسَخَ بَعْضَهم قِرَدَةً، وهم أصْحابُ السَّبْتِ، وبَعْضَهم خَنازِيرَ، وهم كُفّارُ مائِدَةِ عِيسى، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ المَسْخَيْنِ كانا في أصْحابِ السَّبْتِ، مُسِخَتْ شُبّانُهم قِرَدَةً، وشُيُوخُهم خَنازِيرَ، وضَمِيرُ ( مِنهم ) راجِعٌ إلى ( مَن ) بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، كَما أنَّ الضَّمِيرَيْنِ الأوَّلَيْنِ لَهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، وكَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وعَبَدَ الطّاغُوتَ ﴾ فَإنَّهُ عَطْفٌ عَلى صِلَةِ ( مَن ) كَما قالَ الزَّجّاجُ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ في الكَلامِ مَوْصُولًا مَحْذُوفًا، أيْ: ومَن عَبَدَ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مَنصُوبِ ( جَعَلَ ) أيْ: وجَعَلَ مِنهم مَن عَبَدَ إلَخْ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يَصْلُحُ إلّا عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، والمُرادُ بِالطّاغُوتِ - عِنْدَ الجُبّائِيِّ - العِجْلُ الَّذِي عَبَدَ اليَهُودُ،وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - والحَسَنِ أنَّهُ الشَّيْطانُ، وقِيلَ: الكَهَنَةُ وكُلُّ مَن أطاعُوهُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، والعِبادَةُ - فِيما عَدا القَوْلِ الأوَّلِ - مَجازٌ عَنِ الإطاعَةِ.

قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: وتَقْدِيمُ أوْصافِهِمُ المَذْكُورَةِ بِصَدَدِ إثْباتِ شَرِّيَّةِ دِينِهِمْ عَلى وصْفِهِمْ هَذا مَعَ أنَّهُ الأصْلُ المُسْتَتْبِعُ لَها في الوُجُودِ، وأنَّ دَلالَتَهُ عَلى شَرِّيَّتِهِ بِالذّاتِ؛ لِأنَّ عِبادَةَ الطّاغُوتِ عَيْنُ دِينِهِمُ البَيِّنِ البُطْلانِ، ودَلالَتُها عَلَيْها بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ بِشَرِّيَّةِ الآثارِ عَلى شَرِّيَّةِ ما يُوجِبُها مِنَ الِاعْتِقادِ والعَمَلِ، إمّا لِلْقَصْدِ إلى تَبْكِيتِهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِوَصْفِهِمْ بِما لا سَبِيلَ لَهم إلى الجُحُودِ لا بِشَرِّيَّتِهِ وفَظاعَتِهِ ولا بِاتِّصافِهِمْ بِهِ، وإمّا لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ بِالدَّلالَةِ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الشَّرِّيَّةِ، ولَوْ رُوعِيَ تَرْتِيبُ الوُجُودِ وقِيلَ: مَن عَبَدَ الطّاغُوتَ، ولَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ - إلَخْ - لَرُبَّما فُهِمَ أنَّ عِلِّيَّةَ الشَّرِّيَّةِ هو المَجْمُوعُ، انْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ الوَصْفِ أصْلًا غَيْرُ ظاهِرٍ - عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُبّائِيُّ - وأنَّ كَوْنَ الِاتِّصافِ بِاللَّعْنِ والغَضَبِ مِمّا لا سَبِيلَ لَهُمُ إلى الجُحُودِ بِهِ في حَيِّزِ المَنعِ، كَيْفَ وهَمَ يَقُولُونَ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ ؟!

إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ الآثارَ المُتَرَتِّبَةَ عَلى ذَلِكَ الدّالَّةَ عَلَيْهِ في غايَةِ الظُّهُورِ، بِحَيْثُ يَكُونُ إنْكارُ مَدْلُولِها مُكابَرَةً.

وقِيلَ: قَدَّمَ وصْفَيِ اللَّعْنِ والغَضَبِ؛ لِأنَّهُما صَرِيحانِ في أنَّ القَوْمَ مَنقُومُونَ، ومُشِيرانِ إلى أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ عَظِيمٌ، وعَقَّبَهُما بِالجَعْلِ المَذْكُورِ لِيَكُونَ كالِاسْتِدْلالِ عَلى ذَلِكَ، وأرْدَفَهُ بِعِبادَةِ الطّاغُوتِ الدّالَّةِ عَلى شَرِّيَّةِ دِينِهِمْ أتَمَّ دَلالَةٍ لِيَتَمَكَّنَ في الذِّهْنِ أتَمَّ تَمَكُّنٍ لِتَقَدُّمِ ما يُشِيرُ إلَيْها إجْمالًا، وهَذا أيْضًا غَيْرُ ظاهِرٍ عَلى مَذْهَبِ الجُبّائِيِّ، ولَعَلَّ رِعايَتَهُ غَيْرُ لازِمَةٍ لِانْحِطاطِ دَرَجَتِهِ في هَذا المَقامِ، والظّاهِرُ مِن عِبارَةِ شَيْخِ الإسْلامِ أنَّهُ بَنى كَلامَهُ عَلى هَذا المَذْهَبِ، حَيْثُ قالَ بَعْدَما قالَ: والمُرادُ مِنَ الطّاغُوتِ العِجْلُ، وقِيلَ: الكَهَنَةُ وكُلُّ مَن أطاعُوهُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، فَيَعُمُّ الحُكْمُ دِينَ النَّصارى أيْضًا، ويَتَّضِحُ وجْهُ تَأْخِيرِ عِبادَتِهِ عَنِ العُقُوباتِ المَذْكُورَةِ، إذْ لَوْ قُدِّمَتْ عَلَيْها لَزِمَ اشْتِراكُ الفَرِيقَيْنِ في تِلْكَ العُقُوباتِ، انْتَهى، فَتَدَبَّرْ حَقَّهُ.

وفِي الآيَةِ - كَما قالَ جَمْعٌ - عِدَّةُ قِراءاتٍ، اثْنَتانِ مِنَ السَّبْعَةِ، وما عَداهُما شاذٌّ، فَقَرَأ الجُمْهُورُ غَيْرَ حَمْزَةَ ( عَبَدَ ) عَلى صِيغَةِ الماضِي المَعْلُومِ و( الطّاغُوتَ ) بِالنَّصْبِ، وهي القِراءَةُ الَّتِي بُنِيَ التَّفْسِيرُ عَلَيْها، وقَرَأ حَمْزَةُ و( عَبُدَ الطّاغُوتِ ) بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّ الباءِ وفَتْحِ الدّالِّ وخَفْضِ الطّاغُوتِ، عَلى أنَّ ( عَبُدَ ) واحِدٌ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، ولَيْسَ بِجَمْعٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ مِثْلُهُ في أبْنِيَتِهِ، بَلْ هو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ الغُلُوُّ في العُبُودِيَّةِ، وأنْشَدَ عَلَيْهِ قَوْلَ طَرَفَةَ: أبَنِي لُبَيْنى إنَّ أُمَّكم ∗∗∗ أمَةٌ وإنَّ أباكم عَبُدُ أرادَ عَبْدًا، وقَدْ ذَكَرَ مِثْلَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ والزَّجّاجُ، فَقالا: ضُمَّتِ الباءُ لِلْمُبالَغَةِ، كَقَوْلِهِمْ لِلْفَطِنِ والحَذِرِ: فَطُنٌ وحَذُرٌ بِضَمِّ العَيْنِ، فَطَعْنُ أبِي عُبَيْدَةَ والفَرّاءِ في هَذِهِ القِراءَةِ ونِسْبَةُ قارِئِها إلى الوَهْمِ وهْمٌ، والنُّصْبُ بِالعَطْفِ عَلى القِرَدَةِ والخَنازِيرِ.

وقُرِئَ ( وعَبُدِ ) بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّ الباءِ وكَسْرِ الدّالِّ وجَرِّ الطّاغُوتِ بِالإضافَةِ والعَطْفِ عَلى ( مِن ) بِناءً عَلى أنَّهُ مَجْرُورٌ بِتَقْدِيرِ المُضافِ أوْ بِالبَدَلِيَّةِ عَلى ما قِيلَ، ولَمْ يُرْتَضَ.

وقَرَأ أُبَيٌّ ( عَبَدُوا ) بِضَمِيرِ الجَمْعِ العائِدِ عَلى ( مِن ) بِاعْتِبارِ مَعْناها، والعَطْفُ مِثْلُهُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ ( عِبادَ ) جَمْعُ عَبْدٍ، و( عَبْدَ ) بِالإفْرادِ، بِجَرِّ الطّاغُوتِ ونَصْبِهِ، والجَرُّ بِالإضافَةِ، والنَّصْبُ إمّا عَلى أنَّ الأصْلَ ( عَبَدَ ) بِفَتْحِ الباءِ، أوْ ( عَبْدٌ ) بِالتَّنْوِينِ فَحُذِفَ كَقَوْلِهِ: ولا ذاكِرِ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا بِنَصْبِ الِاسْمِ الجَلِيلِ، والعَطْفُ ظاهِرٌ.

وقَرَأ الأعْمَشُ والنَّخَعِيُّ وأبانٌ ( عُبِدَ ) عَلى صِيغَةِ الماضِي المَجْهُولِ مَعَ رَفْعِ الطّاغُوتِ، عَلى أنَّهُ نائِبُ الفاعِلِ، والعَطْفُ عَلى صِلَةِ ( مِن ) وعائِدُ المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، أيْ ( عُبِدَ ) فِيهِمْ أوْ بَيْنَهُمْ، وقَرَأ بَعْضٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ أنَّثَ فَقَرَأ ( عُبِدَتْ ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ السّاكِنَةِ، والطّاغُوتُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ كَما مَرَّ، وأمْرُ العَطْفِ والعائِدِ عَلى طِرْزِ القِراءَةِ قَبْلُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( عَبُدَ ) بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّ الباءِ وفَتْحِ الدّالِّ مَعَ رَفْعِ الطّاغُوتِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِـ( عَبُدَ ) وهو كَـ( شَرُفَ )، كَأنَّ العِبادَةَ صارَتْ سَجِيَّةً لَهُ، أوْ أنَّهُ بِمَعْنى صارَ مَعْبُودًا كَـ( أُمِرَ ) أيْ صارَ أمِيرًا، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ عَلى هَذا أيْضًا مَحْذُوفٌ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( عُبُدَ ) بِضَمِّ العَيْنِ والباءِ وفَتْحِ الدّالِّ وجَرِّ ( الطّاغُوتِ )، فَعَنِ الأخْفَشِ أنَّهُ جَمْعُ ( عَبِيدٍ ) جَمْعِ ( عَبْدٍ ) فَهو جَمْعُ الجَمْعِ، أوْ جَمْعُ ( عابِدٍ ) كَـ( شارِفٍ ) و( شُرُفٍ ) أوْ جَمْعُ ( عَبْدٍ ) كَـ( سَقْفٍ ) و( سُقُفٍ ) أوْ جَمْعُ ( عِبادٍ ) كَـ( كِتابٍ ) و( كُتُبٍ ) فَهو جَمْعُ الجَمْعِ أيْضًا، مِثْلُ ( ثِمارٍ ) و( ثُمُرٍ ).

وقَرَأ الأعْمَشُ أيْضًا ( عُبَّدَ ) بِضَمِّ العَيْنِ، وتَشْدِيدِ الباءِ المَفْتُوحَةِ، وفَتْحِ الدّالِّ، وجَرِّ ( الطّاغُوتِ )، جَمْعُ ( عابِدٍ ) و( عَبْدٍ ) ( كَحُطَّمٍ وزُفَّرٍ ) مَنصُوبًا مُضافًا لِلطّاغُوتِ مُفْرِدًا.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا ( عُبَّدَ ) بِضَمِّ العَيْنِ، وفَتَحِ الباءِ المُشَدَّدَةِ، وفَتْحِ الدّالِّ، ونَصْبِ ( الطّاغُوتِ ) عَلى حَدِّ: ولا ذاكِرِ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا بِنَصْبِ الِاسْمِ الجَلِيلِ.

وقُرِئَ ( وعابِدَ الشَّيْطانِ ) بِنَصْبِ ( عابِدٍ ) وجَرِّ ( الشَّيْطانِ ) بَدَلَ الطّاغُوتِ، وهو تَفْسِيرٌ عِنْدَ بَعْضِ لا قِراءَةٌ.

وقُرِئَ ( عُبّادَ ) كَجُهّالٍ و( عِبادَ ) كَرِجالٍ، جَمْعُ عابِدٍ أوْ عَبْدٍ، وفِيهِ إضافَةُ العِبادِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ مَنَعَهُ بَعْضُهم.

وقُرِئَ ( عابِدُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ، وجَرِّ الطّاغُوتِ.

وقُرِئَ ( عابِدُوا ) بِالجَمْعِ والإضافَةِ.

وقُرِئَ ( عابَدَ ) مَنصُوبًا.

وقُرِئَ ( عَبَدَ الطّاغُوتِ ) بِفَتَحاتٍ مُضافًا عَلى أنَّ أصْلَهُ ( عَبَدَةٌ ) كَـ( كَفَرَةٍ ) فَحُذِفَتْ تاؤُهُ لِلْإضافَةِ، كَقَوْلِهِ: وأخْلَفُوكَ عِدا الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا أيْ عِدَتَهُ، كَإقامِ الصَّلاةِ، أوْ هو جَمْعٌ، أوِ اسْمُ جَمْعٍ لِعابِدٍ، كَخادِمٍ وخَدَمٍ.

وقُرِئَ ( أعْبُدَ ) كَأكْلُبٍ، و( عَبِيدَ ) جَمْعٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ، و( عابِدِي ) جَمْعٌ بِالياءِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا ( ومَن عَبَدُوا ).

﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ القَبائِحِ والفَضائِحِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ شَرٌّ ﴾ خَبَرُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَكانًا ﴾ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ، وإثْباتُ الشَّرارَةِ لِمَكانِهِمْ؛ لِيَكُونَ أبْلَغَ في الدَّلالَةِ عَلى شَرارَتِهِمْ، فَقَدْ صَرَّحُوا أنَّ إثْباتَ الشَّرارَةِ لِمَكانِ الشَّيْءِ كِنايَةٌ عَنْ إثْباتِها لَهُ كَقَوْلِهِمْ: سَلامٌ عَلى المَجْلِسِ العالِي.

والمَجْدُ بَيْنَ بُرْدَيْهِ.

فَكَأنَّ شَرَّهم أثَّرَ في مَكانِهِمْ، أوْ عَظُمَ حَتّى صارَ مُجَسَّمًا.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ مَجازِيًّا، كَـ( جَرى النَّهْرُ ) وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَكانُ بِمَعْنى مَحَلِّ السُّكُونِ والقَرارِ الَّذِي يَكُونُ أمْرُهم إلى التَّمَكُّنِ فِيهِ، أيْ شَرٌّ مُنْصَرِفًا، والمُرادُ بِهِ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، مَسُوقَةٌ مِنهُ تَعالى شَهادَةً عَلَيْهِمْ بِكَمالِ الشَّرارَةِ والضَّلالِ، وداخِلَةٌ تَحْتَ الأمْرِ؛ تَأْكِيدًا لِلْإلْزامِ، وتَشْدِيدًا لِلتَّبْكِيتِ، وجَعْلُها جَوابًا لِلسُّؤالِ النّاشِئِ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ لِيَسْتَقِيمَ احْتِمالُ البَدَلِيَّةِ السّابِقُ مِمّا لا يَكادُ يَسْتَقِيمُ.

﴿ وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ﴾ أيْ أكْثَرَ ضَلالًا عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ المُعْتَدِلِ، وهو دِينُ الإسْلامِ والحَنِيفِيَّةِ، وهو عَطْفٌ عَلى ( شَرٌّ ) مُقَرِّرٌ لَهُ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى كَوْنِ دِينِهِمْ شَرًّا مَحْضًا بَعِيدًا عَنِ الحَقِّ؛ لِأنَّ ما يَسْلُكُونَهُ مِنَ الطَّرِيقِ دِينُهُمْ، فَإذا كانُوا أضَلَّ كانَ دِينُهم ضَلالًا مُبِينًا لا غايَةَ وراءَهُ، والمَقْصُودُ مِن صِيغَتَيِ التَّفْضِيلِ الزِّيادَةُ مُطْلَقًا، مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى مُشارَكَةِ غَيْرٍ في ذَلِكَ، وقِيلَ: لِلتَّفْضِيلِ عَلى زَعْمِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: لا مانِعَ أنْ يُقالَ: إنَّ مَكانَهم في الآخِرَةِ شَرٌّ مِن مَكانِ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا؛ لِما لَحِقَهم فِيهِ مِن مَكارِهِ الدَّهْرِ، وسَماعِ الأذى، والهَضْمِ مِن جانِبِ أعْدائِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا يقول: ما تطعنون فينا وتعيبوننا، إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ أي سوى أنا قد آمنا بالله وآمنا ب وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا يعني: من القرآن، وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ القرآن يعني: التوراة والإنجيل، وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ يعني: لم تؤمنوا لفسقكم، وعصيانكم.

وقال الزجاج: معنى هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا هل تكرهون منا إلا إيماننا.

وبفسقكم إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنا على الحق، لأنكم فسقتم، ولم تثبتوا على دينكم، لمحبتكم الرئاسة ومحبتكم المال.

وقوله تعالى قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ قال مقاتل: وذلك أن اليهود، قالوا للمؤمنين: ما نعلم أحداً من أهل هذه الأديان أقلّ حظاً في الدنيا ولا فى الآخرة منكم، فنزل قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ يعني: أخبركم بشر من ذلك مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ يعني: ثواباً عند الله فقالت اليهود: من هم؟

قال: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ فقال المسلمون لليهود: يا إخْوَةَ القِرَدَةِ وَالخَنَازِيرِ.

فنكسوا رؤوسهم، وخجلوا.

ومثوبة صار نصباً للتمييز يعني: التفسير.

ثم قال: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ قرأ حمزة وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بنصب العين والدال، وضم الباء، وكسر التاء، من الطاغوت، لم يصح في اللغة أن يقال لجماعة: الأعبد.

وإنما يقال: أعبد، ولا يقال: عبد.

وقرأ الباقون: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ يعني: جعل منهم من عبد الطاغوت، ومعناه: خذلهم حتى عبدوا الشيطان، وروي عن ابن عباس أنه قرأ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بضم العين، ونصب الباء بالتشديد، يعني: جمع عابد.

يقال: عابد وعبَّد، مثل راجع وركَّع، وساجد، وسُجَّد.

وقرأ ابن مسعود (وعبدوا الطاغوت) يعني: يعبدون الطاغوت، وقرأ بعضهم وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بضم العين والباء، ونصب الدال، وهو جماعة العبيد.

ويقال: عبيد وعُبُد، على ميزان رغيف ورُغُف، وسرير وسُرُر.

ثم قال: أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً يعني: شر منزلة عند الله وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ يعني أخطأ عن قصد الطريق وهو الهدى.

ثم قال: وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وهم المنافقون من أهل الكتاب.

قالوا: صدقنا ووجدنا نعتك.

وأرادوا بذلك أن يمدحهم المسلمون، وهذا كقوله وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا [آل عمران: 188] فأخبر الله تعالى عن حالهم فقال: وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ يعني: هم كافرون في الأحوال كلها، ولا ينفعهم ذلك القول: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ يعني: عليم بمجازاتهم وهذا تهديد لهم.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أَكْثَرَكُمْ، من حيث إنَّ فيهم مَنْ آمن كابن سلام وغيره.

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)

وقوله سبحانه: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً، يعني: مرجعاً عند اللَّه يوم القيامة ومنه: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ [البقرة: ١٢٥] ، ومشى المفسِّرون في هذه الآية على أنَّ الذين أُمِرَ- عليه السلام- أنْ يقول لهم: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ هم اليهودُ والكُفَّار المتَّخِذُون دينَنَا هُزُواً ولعباً قال ذلك «١» الطبريُّ «٢» ، وتُوبِعَ عليه، ولم يُسْنِدْ في ذلك إلى متقدِّم شيئاً، والآيةُ تحتملُ أنْ يكون القول للمؤمنين، أي: قُلْ يا محمَّد، للمؤمنين: هَلْ أنبئكم بِشَرٍّ مِنْ حال هؤُلاء الفاسِقِينَ في وَقْتِ المَرْجِعَ إلى اللَّهِ أولئك أسلافهم الَّذين لعنهم اللَّه، وغَضِبَ عليهم.

وقوله سبحانه: وَجَعَلَ، هِيَ بمعنى «صَيَّرَ» ، وقد تقدَّم قصص مَسْخِهِمْ قِرَدَةً في «البقرة» ، وعَبَدَ الطَّاغُوتَ: تقديره: ومَنْ عبَدَ الطاغوتَ، وقرأ حمزةُ وحده «٣» «وعَبُدَ الطَّاغُوتِ» - بفتحِ العين، وضمِّ الباءِ، وكسرِ التاء مِنَ الطاغوت- وذلك أنَّ «عَبُدَ» لفظُ مبالغةٍ كقَدُسَ.

قال الفَخْر: قيل: الطاغوتُ هنا: العِجْلُ، وقيل: الطاغوتُ أحبارهم، وكلُّ من أطاع أحداً في معصية اللَّهِ فقد عبده.

انتهى.

ومَكاناً: يحتمل أن يريد في الآخرةِ، فالمكان على وجْهه، أي: المحلّ إذْ محلُّهم جهنَّم، ويحتملُ أنْ يريد في الدنيا، فهي استعارةٌ للمكانةِ، والحالة.

وقوله سبحانه: وَإِذا جاؤُكُمْ يعني: اليهودَ، وخاصَّة المنافقين منهم قاله ابن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِها: قَوْلُ اليَهُودِ لِلْمُؤْمِنِينَ: واللَّهِ ما عَلِمْنا أهْلَ دِينٍ أقَلَّ حَظًّا مِنكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولا دِينًا شَرًّا مِن دِينِكم.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بَشَرٍّ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: بَشَرٍّ مِمّا نَقَمْتُمْ مِن إيمانِنا، قالَهُ الزَّجّاجُ.

فَأمّا "المَثُوبَةُ": فَهي الثَّوابُ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَوْضِعُ "مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ ﴾ إنْ شِئْتَ كانَ رَفْعًا، وإنْ شِئْتَ كانَ خَفْضًا، فَمَن خَفَضَ جَعَلَهُ بَدَلًا مِن "شَرٍّ" فَيَكُونُ المَعْنى: أُنْبِئُكم بِمَن لَعَنَهُ اللَّهُ؟

ومَن رَفَعَ فَبِإضْمارِ "هُوَ" كَأنَّ قائِلًا قالَ: مَن ذَلِكَ؟

فَقِيلَ: هو مَن لَعَنَهُ اللَّهُ.

قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَن لَعَنَهُ اللَّهُ بِالجِزْيَةِ، وغَضِبَ عَلَيْهِ بِعِبادَةِ العِجْلِ، فَهم شَرٌّ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَسْخَيْنِ مِن أصْحابِ السَّبْتِ: مَسْخُ شَبابِهِمْ قِرَدَةً، ومَشايِخِهِمْ خَنازِيرَ.

وقالَ غَيْرُهُ: القِرَدَةُ: أصْحابُ السَّبْتِ، والخَنازِيرُ: كُفّارُ مائِدَةِ عِيسى.

وكانَ ابْنَ قُتَيْبَةَ يَقُولُ: أنا أظُنُّ أنَّ هَذِهِ القِرَدَةَ، والخَنازِيرَ هي المُسُوخُ بِأعْيانِها تَوالَدَتْ.

قالَ: واسْتَدْلَلْتُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ ﴾ فَدُخُولُ الألِفِ واللّامِ يَدُلُّ عَلى المَعْرِفَةِ، وعَلى أنَّها القِرَدَةُ الَّتِي تُعايَنُ، ولَوْ كانَ أرادَ شَيْئًا انْقَرَضَ ومَضى، لَقالَ: وجَعَلَ مِنهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، إلّا أنْ يَصِحَّ حَدِيثُ أمِّ حَبِيبَةَ في "المُسُوخِ" فَيَكُونُ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

قُلْتُ: أنا.

وحَدِيثُ أمِّ حَبِيبَةَ في "الصَّحِيحِ" انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ، وهو «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ  ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، القِرَدَةُ والخَنازِيرُ هي مِمّا مُسِخَ؟

فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: "[إنَّ اللَّهَ] لَمْ يَمْسَخْ قَوْمًا أوْ يُهْلِكْ قَوْمًا، فَيُجْعَلْ لَهم نَسْلًا ولا عاقِبَةً، وإنَّ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ قَدْ كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ"» وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ (البَقَرَةِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ زِيادَةَ بَيانِ ذَلِكَ، فَلا يُلْتَفَتُ إلى ظَنِّ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ ﴾ فِيها عِشْرُونَ قِراءَةً.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: "وَعَبَدَ" بِفَتْحِ العَيْنِ والباءِ والدّالِ، ونَصْبِ تاءِ "الطّاغُوتَ" وفِيها وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ ومَن عَبَدَ الطّاغُوتَ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وعَبَدَ الطّاغُوتَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ: "وَعَبُدَ الطّاغُوتِ" بِفَتْحِ العَيْنِ والدّالِ، وضَمِّ الباءِ، وخَفْضِ تاءِ الطّاغُوتِ.

قالَ ثَعْلَبٌ: لَيْسَ لَها وجْهٌ إلّا أنْ يُجْمَعَ فَعْلٌ عَلى فَعُلٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: وجْهُها أنَّ الِاسْمَ بُنِيَ عَلى "فَعُلَ" كَما تَقُولُ عَلُمَ زَيْدٌ، ورَجُلٌ حَذُرٌ، أيْ: مُبالِغٌ في الحَذَرِ.

فالمَعْنى: جُعِلَ مِنهم خَدَمَةَ الطّاغُوتِ ومَن بَلَغَ في طاعَةِ الطّاغُوتِ الغايَةَ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَعَبَدُوا" بِفَتْحِ العَيْنِ والباءِ، ورَفْعِ الدّالِ عَلى الجَمْعِ "الطّاغُوتَ" بِالنَّصْبِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَعَبَدَ" بِفَتْحِ العَيْنِ والباءِ والدّالِ، إلّا أنَّهُما كَسَرا تاءَ "الطّاغُوتِ" .

قالَ الفَرّاءُ: أرادا "عَبَدَةَ" فَحَذَفا الهاءَ.

وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "وَعَبِيدَ" بِفَتْحِ العَيْنِ والدّالِ وبِياءٍ بَعْدَ الباءِ وخَفْضِ تاءِ "الطّاغُوتِ" .

وقَرَأ أيُّوبُ، والأعْمَشُ: "وَعُبَّدَ" بِرَفْعِ العَيْنِ ونَصْبِ الباءِ والدّالِ مَعَ تَشْدِيدِ الباءِ، وكَسْرِ تاءِ "الطّاغُوتِ" .

وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "وَعابِدَ" بِألِفٍ، مَكْسُورَةَ الباءِ، مَفْتُوحَةَ الدّالِ، مَعَ كَسْرِ تاءِ "الطّاغُوتِ" .

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَعُبُدَ" بِرَفْعِ العَيْنِ والباءِ، وفَتْحِ الدّال، مَعَ كَسْرِ تاءِ "الطّاغُوتِ" .

قالَ الزَّجّاجُ: هو جَمْعُ عَبِيدٍ وعُبُدٍ، مِثْلُ رَغِيفٍ ورُغُفٍ، وسَرِيرٍ وسُرُرٍ، والمَعْنى: وجَعَلَ مِنهم عَبِيدَ الطّاغُوتِ.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، ومُورِقٌ العِجْلِيُّ، والنَّخْعِيُّ: "وَعُبِدَ" بِرَفْعِ العَيْنِ وكَسْرِ الباءِ مُخَفَّفَةً، وفَتْحِ الدّالِ مَعَ ضَمِّ تاءِ "الطّاغُوتِ" .

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وعِكْرِمَةُ: "وَعَبَّدَ" بِفَتْحِ العَيْنِ والدّالِ، وتَشْدِيدِ الباءِ، مَعَ نَصْبِ تاءِ "الطّاغُوتِ" .

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو نَهْيِكٍ: "وَعَبْدَ" بِفَتْحِ العَيْنِ والدّالِ، وسُكُونِ الباءِ خَفِيفَةً مَعَ كَسْرِ تاءِ "الطّاغُوتِ" .

وقَرَأ قَتادَةُ، وهُذَيْلُ ابْنُ شُرَحْبِيلَ: "وَعَبَدَةَ" بِفَتْحِ العَيْنِ والباءِ والدّالِ وتاءٍ في اللَّفْظِ مَنصُوبَةً بَعْدَ الدّالِ "الطَّواغِيتَ" بِألِفٍ وواوٍ وياءٍ بَعْدَ الغَيْنِ عَلى الجَمْعِ.

وقَرَأ الضَّحّاكُ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ: "وَعُبَدَ" بِرَفْعِ العَيْنِ وفَتْحِ الباءِ والدّالِ، مَعَ تَخْفِيفِ الباءِ، وكَسْرِ تاءِ "الطّاغُوتِ" .

وَقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والشَّعْبِيُّ: "وَعَبْدَةَ" مِثْلُ حَمْزَةَ، إلّا أنَّهُما رَفَعا تاءَ "الطّاغُوتِ" .

وَقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعَمَرَ، والجَحْدَرِيُّ: "وَعَبُدُ" بِفَتْحِ العَيْنِ ورَفْعِ الباءِ والدّالِ، مَعَ كَسْرِ تاءِ "الطّاغُوتِ" .

وقَرَأ أبُو الأشْهَبِ العُطارِدِيُّ: "وَعُبْدَ" بِرَفْعِ العَيْنِ وتَسْكِينِ الباءِ ونَصْبِ الدّالِ، مَعَ كَسْرِ تاءِ "الطّاغُوتِ" .

وقَرَأ أبُو السِّماكِ: "وَعَبَدَةُ" بِفَتْحِ العَيْنِ والباءِ والدّالِ وتاءٍ في اللَّفْظِ بَعْدَ الدّالِ مَرْفُوعَةً، مَعَ كَسْرِ تاءِ "الطّاغُوتِ" .

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ: "وَعابِدُ" مِثْلُ قِراءَةِ أبِي هُرَيْرَةَ، إلّا أنَّهُ ضَمَّ الدّالَ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَعُبّادَ" بِتَشْدِيدِ الباءِ وبِألِفٍ بَعْدَها مَعَ رَفْعِ العَيْنِ، وفَتْحِ الدّالِ.

وقَرَأ ابْنُ حَذْلَمَ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "وَعَبّادُ" مِثْلُ أبِي حَيْوَةَ، إلّا أنَّ العَيْنَ مَفْتُوحَةٌ، والدّالَ مَضْمُومَةٌ.

وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ "الطّاغُوتِ" في سُورَةِ (البَقَرَةِ) وَفِي المُرادِ بِهِ هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الأصْنامُ.

والثّانِي: الشَّيْطانُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ وصَفْناهم شَرٌّ مَكانًا مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولا شَرَّ في مَكانِ المُؤْمِنِينَ، ولَكِنَّ الكَلامَ مَبْنِيٌّ عَلى كَلامِ الخَصْمِ، حِينَ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: لا نَعْرِفُ شَرًّا مِنكم، فَقِيلَ: مَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهو شَرٌّ مِنهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإذا نادَيْتُمْ إلى الصَلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِاللهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ﴾ ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مِن لَعَنَهُ اللهِ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ عن سَواءِ السَبِيلِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا نادَيْتُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إنْحاءٌ عَلى اليَهُودِ؛ وتَبْيِينٌ لِسُوءِ فِعْلِهِمْ؛ فَإنَّهم كانُوا إذا سَمِعُوا قِيامَ المُؤْمِنِينَ إلى الصَلاةِ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: قَدْ قامُوا؛ لا قامُوا؛ إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الألْفاظِ الَّتِي يَسْتَخِفُّونَ بِها في وقْتِ الأذانِ؛ وغَيْرِهِ؛ وكُلُّ ما ذُكِرَ مِن ذَلِكَ فَهو مِثالٌ؛ وقَدْ ذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهُ كانَ رَجُلٌ مِنَ النَصارى بِالمَدِينَةِ؛ فَكانَ إذا سَمِعَ المُؤَذِّنَ يَقُولُ: "أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ"؛ قالَ: حَرَقَ اللهُ الكاذِبَ؛ فَما زالَ كَذَلِكَ حَتّى سَقَطَ مِصْباحٌ في بَيْتِهِ لَيْلَةً فَأحْرَقَهُ؛ واحْتَرَقَ النَصْرانِيُّ؛ لَعَنَهُ اللهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ فِعْلَهم هَذا إنَّما هو لِعَدَمِ عُقُولِهِمْ؛ وإنَّما عَدِمُوها إذْ لَمْ تَتَصَرَّفْ كَما يَنْبَغِي لَها؛ فَكَأنَّها لَمْ تُوجَدْ.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لِأهْلِ الكِتابِ: ﴿ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا ﴾ ؛ ومَعْناهُ: "هَلْ تَعُدُّونَ عَلَيْنا ذَنَبًا أو نَقِيصَةً؟"؛ يُقالُ: "نَقَمَ"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ "يَنْقِمُ"؛ بِكَسْرِها؛ وعَلى هَذِهِ اللُغَةِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ؛ ويُقالُ: "نَقِمَ"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ "يَنْقَمُ"؛ بِفَتْحِها؛ وعَلى هَذِهِ اللُغَةِ قَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ؛ وأبُو البَرَهْسَمِ؛ والنَخَعِيُّ.

وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُحاوَرَةِ البَلِيغَةِ الوَجِيزَةِ؛ ومِثْلُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ  ﴾ ؛ ونَظِيرُ هَذا الغَرَضِ في الِاسْتِثْناءِ قَوْلُ النابِغَةِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أُنْزِلَ"؛ بِضَمِّ الهَمْزَةِ؛ وكَذَلِكَ في الثانِي؛ وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ "أنْزَلَ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والزايِ فِيهِما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ﴾ ؛ هو عِنْدَ أكْثَرِ المُتَأوِّلِينَ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "أنْ آمَنّا" فَيَدْخُلُ كَوْنُهم فاسِقِينَ فِيما نَقِمُوهُ؛ وهَذا لا يُتَّجَهُ مَعْناهُ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: بِفِسْقِهِمْ نَقِمُوا عَلَيْنا الإيمانَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الكَلامُ صَحِيحٌ في نَفْسِهِ؛ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُغْنٍ في تَقْوِيمِ مَعْنى الألْفاظِ؛ وإنَّما يُتَّجَهُ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْنى المُحاوَرَةِ: "هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا عُمُومَ هَذِهِ الحالِ مِن أنَّنا مُؤْمِنُونَ وأنْتُمْ فاسِقُونَ؟"؛ ويَكُونَ: ﴿ وَأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ﴾ ؛ مِمّا قَرَّرَهُ المُخاطِبُ لَهُمْ؛ وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن تُخاصِمُهُ: "هَلْ تَنْقِمُ مِنِّي إلّا أنْ صَدَقْتُ أنا وكَذَبْتَ أنْتَ؟"؛ وهو لا يُقِرُّ بِأنَّهُ كاذِبٌ؛ ولا يَنْقِمُ ذَلِكَ؛ لَكِنَّ مَعْنى كَلامِكَ: "هَلْ تَنْقِمُ إلّا مَجْمُوعَ هَذِهِ الحالِ؟"؛ وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: قَوْلُهُ: "وَأنَّ أكْثَرَكُمْ"؛ مَعْطُوفٌ عَلى "وَما"؛ كَأنَّهُ قالَ: "إلّا أنْ آمَنّا بِاللهِ؛ وبِكُتُبِهِ؛ وبِأنَّ أكْثَرَكُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مُسْتَقِيمُ المَعْنى؛ لِأنَّ إيمانَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ أهْلَ الكِتابِ المُسْتَمِرِّينَ عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ فَسَقَةٌ هو مِمّا يَنْقِمُونَهُ؛ وذَكَرَ تَعالى الأكْثَرَ مِنهم مِن حَيْثُ فِيهِمْ مَن آمَنَ واهْتَدى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ ﴾ ؛ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ النُونِ؛ وشَدِّ الباءِ؛ وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ: "أُنْبِئُكُمْ"؛ بِسُكُونِ النُونِ؛ وتَخْفِيفِ الباءِ؛ مِن "أنْبَأ"؛ وقَرَأ الناسُ: "مَثُوبَةً"؛ بِضَمِّ الثاءِ وسُكُونِ الواوِ؛ وقَرَأ ابْنُ بِرَيْدَةَ ؛ والأعْرَجُ ؛ ونُبَيْحٌ؛ وابْنُ عِمْرانَ: "مَثْوَبَةً"؛ بِسُكُونِ الثاءِ؛ وفَتْحِ الواوِ؛ وقالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا مِمّا خَرَجَ عن أصْلِهِ شاذًّا عن نَظائِرِهِ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ العَرَبِ: "اَلْفاكِهَةُ مَقْوَدَةٌ إلى الأذى"؛ بِسُكُونِ القافِ؛ وفَتْحِ الواوِ؛ والقِياسُ: "مَثابَةٌ"؛ و"مَقادَةٌ"؛ وأمّا "مَثُوبَةٌ"؛ بِضَمِّ الثاءِ؛ فَأصْلُها "مَثْوُبَةٌ"؛ وزْنُها "مَفْعُلَةٌ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى الثاءِ؛ وكانَتْ قَبْلُ "مَثْوُوبَةٌ"؛ مِثْلَ "مَقْوُولَةٌ"؛ والمَعْنى في القِراءَتَيْنِ: "مَرْجِعًا عِنْدَ اللهِ؛ أيْ: في الحَشْرِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ تَقُولُ العَرَبُ: "ثابَ؛ يَثُوبُ"؛ إذا رَجَعَ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا  ﴾ .

ومَشى المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الَّذِينَ أُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿ "هَلْ أُنَبِّئُكُمْ"؛ ﴾ هُمُ اليَهُودُ؛ والكُفّارُ المُتَّخِذُونَ دِينَنا هُزُؤًا؛ ولَعِبًا؛ قالَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ وتُوبِعَ عَلَيْهِ؛ ولَمْ يُسْنِدْ في ذَلِكَ إلى مُتَقَدِّمٍ شَيْئًا؛ والآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ أيْ: "قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَلْ أُنْبِئُكم بِشَرٍّ مِن حالِ هَؤُلاءِ الفاسِقِينَ في وقْتِ الرُجُوعِ إلى اللهِ ؛ أُولَئِكَ أسْلافُهُمُ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وغَضِبَ عَلَيْهِمْ"؛ فَتَكُونَ الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ"؛ إلى حالِهِمْ مِن كَوْنِ أكْثَرِهِمْ فاسِقِينَ؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ لِلْحاضِرِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ وتَكُونَ الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى حالِ الحاضِرِينَ؛ مِن كَوْنِ أكْثَرِهِمْ فاسِقِينَ؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ: "بِشَرٍّ"؛ و"وَأضَلُّ"؛ صِفَتَيْ تَفْضِيلٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لَهُما اشْتِراكٌ في الشَرِّ والضَلالِ.

وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ لِلْحاضِرِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى إيمانِ المُؤْمِنِينَ؛ وجَمِيعِ حالِهِمْ؛ ويُوَجَّهُ التَفْضِيلُ بِـ "بِشَرٍّ"؛ و"وَأضَلُّ"؛ عَلى أنَّ الِاشْتِراكَ في الشَرِّ والضَلالِ هو في مُعْتَقَدِ اليَهُودِ؛ فَأمّا في الحَقِيقَةِ فَلا شَرَّ؛ ولا ضَلالَ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ؛ ولا شَرِكَةَ لَهم في ذَلِكَ مَعَ اليَهُودِ والكُفّارِ؛ ويَكُونُ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ قَوْلُهُ: ﴿ مَن لَعَنَهُ اللهُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يُرادُ بِهِ جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ؛ الأسْلافِ؛ والأخْلافِ؛ لِأنَّ الخَلَفَ يُذَمُّ ويُعَيَّرُ بِمَذَمّاتِ السَلَفِ؛ إذا كانَ الخَلَفُ غَيْرَ مُراجِعٍ ولا ذامٍّ لِما كانَ عَلَيْهِ سَلَفُهُ؛ فَهو في حُكْمِهِ.

وفِي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ؛ وعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "مَن غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وجَعَلَهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ"؛ واللَعْنَةُ: اَلْإبْعادُ عَنِ الخَيْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَجَعَلَ"؛ هي بِمَعْنى: صَيَّرَ؛ وقالَ أبُو عَلِيٍّ - في كِتابِ "اَلْحُجَّةُ" -: هي بِمَعْنى "خَلَقَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ مِنهُ - رَحِمَهُ اللهُ - نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَعَبَدَ الطاغُوتَ ﴾ ؛ تَقْدِيرُهُ: ومَن عَبَدَ الطاغُوتَ؛ والمُعْتَزِلَةُ لا تَرى أنَّ اللهَ يُصَيِّرُ أحَدًا عابِدَ الطاغُوتِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ مَسْخِهِمْ قِرَدَةً في سُورَةِ البَقَرَةِ؛ وأمّا مَسْخُهم خَنازِيرَ فَرُوِيَ أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ امْرَأةٍ كانَتْ مُؤْمِنَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ وكَفَرَ مَلِكٌ مِنهم في مَدِينَةٍ مِن مُدُنِهِمْ؛ وكَفَرَ مَعَهُ أهْلُ مَمْلَكَتِهِ؛ فَدَعَتِ المَرْأةُ قَوْمًا إلى نُصْرَةِ الدِينِ فَأجابُوها؛ فَخَرَجَتْ بِهِمْ فَهُزِمُوا؛ ثُمَّ فَعَلَتْ ذَلِكَ ثانِيَةً؛ وثالِثَةً؛ وفي كُلِّ مَرَّةٍ يُهْزَمُ جَمْعُها؛ فَيَئِسَتْ؛ وباتَتْ مَهْمُومَةً؛ فَلَمّا أُصْبِحْ رَأتْ أهْلَ تِلْكَ المَدِينَةِ يَسْعَوْنَ في نَواحِيها خَنازِيرَ؛ فَقالَتْ: "اَلْآنَ أعْلَمُ أنَّ اللهَ أعَزَّ دِينَهُ وآثَرَ دِينَهُ"؛ قالَ عَمْرُو بْنُ كَثِيرِ بْنِ أفْلَحَ؛ مَوْلى أبِي أيُّوبٍ الأنْصارِيِّ: ما كانَ مَسْخُ بَنِي إسْرائِيلَ إلّا عَلى يَدَيْ تِلْكَ المَرْأةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَبَدَ الطاغُوتَ ﴾ ؛ تَقْدِيرُهُ: ومَن عَبَدَ الطاغُوتَ؛ وذَلِكَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ مَن لَعَنَهُ اللهُ ﴾ ؛ أو مَعْمُولٌ لِـ "وَجَعَلَ"؛ وفي هَذا يَقُولُ أبُو عَلِيٍّ: إنَّ "جَعَلَ"؛ بِمَعْنى "خَلَقَ".

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذا الحَرْفِ؛ فَقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَعَبُدَ الطاغُوتِ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وضَمِّ الباءِ؛ وكَسْرِ التاءِ مِن "اَلطّاغُوتِ"؛ وذَلِكَ أنَّ "عَبُدَ"؛ لَفْظُ مُبالَغَةٍ؛ كَـ "يَقُظٌ"؛ و"نَدُسٌ"؛ فَهو لَفْظٌ مُفْرَدٌ؛ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ؛ وبُنِيَ بِناءَ الصِفاتِ؛ لِأنَّ "عَبُدَ"؛ في الأصْلِ صِفَةٌ؛ وإنْ كانَ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ؛ وذَلِكَ لا يُخْرِجُهُ عن حُكْمِ الصِفَةِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يُمْتَنَعْ أنْ يُبْنى مِنهُ بِناءُ الصِفاتِ؛ وقَرَأ بِهَذِهِ القِراءَةِ الأعْمَشُ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أبَنِي لُبَيْنى إنَّ أُمَّكُمُ....

∗∗∗ أمَةٌ وإنَّ أباكُمُ عَبُدُ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ بِضَمِّ الباءِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: ﴿ وَعَبَدَ الطاغُوتَ ﴾ ؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ والباءِ؛ وإعْمالِهِ في "اَلطّاغُوتَ"؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "عَبَدُوا الطاغُوتَ"؛ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ الماضِي إلى ضَمِيرِ جَمْعٍ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ فِيما رَوى عَبْدُ الغَفّارِ عن عَلْقَمَةَ ؛ عنهُ: "وَعَبُدَ الطاغُوتُ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وضَمِّ الباءِ؛ ورَفْعِ التاءِ مِن "اَلطّاغُوتُ"؛ وذَلِكَ عَلى أنْ يَصِيرَ لَهُ أنَّ "عَبُدَ"؛ كالخُلُقِ؛ والأمْرِ المُعْتادِ المَعْرُوفِ؛ فَهي في مَعْنى: "فَقُهَ"؛ و"شَرُفَ" و"ظَرُفَ"؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَعَبَدُ الطاغُوتِ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ والباءِ؛ وكَسْرِ التاءِ مِن "اَلطّاغُوتِ"؛ وذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ: "عَبَدَةُ الطاغُوتِ"؛ وحُذِفَتِ الهاءُ تَخْفِيفًا؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الراجِزِ: قامَ وُلاها فَسَقَوْهُ صَرْخَدا أرادَ: "وُلاتُها"؛ فَحُذِفَ تَخْفِيفًا؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ في رِوايَةِ عَبّادٍ عنهُ: "وَعَبْدُ الطاغُوتِ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وسُكُونِ الباءِ؛ وكَسْرِ التاءِ مِن "اَلطّاغُوتِ"؛ وهَذا عَلى أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ مُفْرَدٌ؛ يُرادُ بِهِ جَمْعٌ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ؛ مِن غَيْرِ طَرِيقِ عَبّادٍ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ والدالِ؛ وسُكُونِ الباءِ؛ ونَصْبِ التاءِ مِن "اَلطّاغُوتَ"؛ وهَذِهِ تُتَّجَهُ عَلى وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّهُ أرادَ: "وَعَبْدًا الطاغُوتَ"؛ فَحَذَفَ التَنْوِينَ؛ كَما حُذِفَ في قَوْلِ الشاعِرِ: .................

∗∗∗ ∗∗∗ ولا ذاكِرَ اللهَ إلّا قَلِيلًا والوَجْهُ الآخَرُ أنْ يُرِيدَ: "عَبَدَ"؛ اَلَّذِي هو فِعْلٌ ماضٍ؛ وسَكَّنَ الباءَ عَلى نَحْوِ ما هي عَيْنُ الفِعْلِ مُسَكَّنَةً في قَوْلِ الشاعِرِ: وما كُلُّ مَغْبُونٍ ولَوْ سَلْفَ صَفْقُهُ ∗∗∗ ∗∗∗................

فَإنَّ اللامَ مِن "سَلْفَ" مُسَكَّنَةٌ؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ أبِي السَمّالِ: "وَلُعْنُوا بِما قالُوا"؛ فَهَذِهِ قِراءاتٌ العَيْنُ فِيها مَفْتُوحَةٌ.

وقَرَأ أبُو واقِدٍ الأعْرابِيُّ في رِوايَةِ العَبّاسِ بْنِ الفَضْلِ عنهُ: "وَعُبّادَ الطاغُوتِ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ وشَدِّ الباءِ المَفْتُوحَةِ؛ وألِفٍ بَعْدَها؛ وفَتْحِ الدالِ وكَسْرِ التاءِ مِن "اَلطّاغُوتِ"؛ وذَلِكَ جَمْعُ "عابِدٌ"؛ وقَرَأ عَوْنٌ العُقَيْلِيُّ فِيما رَوى عنهُ العَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ أيْضًا: "وَعابِدُ الطاغُوتِ"؛ عَلى وزْنِ فاعِلٍ؛ والدالُ مَرْفُوعَةٌ؛ قالَ أبُو عَمْرٍو: تَقْدِيرُهُ: "وَهم عابِدُ الطاغُوتِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَهو اسْمُ جِنْسٍ؛ ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: "وَعابِدُوا الطاغُوتِ"؛ بِضَمِيرِ جَمْعٍ؛ وقَدْ قالَ بَعْضُ الرُواةِ في هَذِهِ الأخِيرَةِ: إنَّها تَجْوِيزٌ؛ لا قِراءَةٌ؛ وقَرَأ ابْنُ بُرَيْدَةَ: "وَعابِدَ الطاغُوتِ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ والدالِ؛ وكَسْرِ الباءِ؛ والتاءِ؛ وقَرَأ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: "وَعِبادَ الطاغُوتِ"؛ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ وفَتْحِ الباءِ؛ والدالِ؛ وألِفٍ بَيْنَهُما؛ وكَسْرِ التاءِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَمْعَ "عابِدٌ"؛ كَـ "قائِمٌ"؛ و"قِيامٌ"؛ و"صائِمٌ"؛ و"صِيامٌ"؛ وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ "عَبْدٌ"؛ وقَلَّما يَأْتِي "عِبادُ" مُضافًا إلى غَيْرِ اللهِ ؛ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: أتُوعِدُنِي بِقَوْمِكَ يا ابْنَ حَجْلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ أُشاباتٍ يُخالُونَ العِبادا؟

قالَ أبُو الفَتْحِ: يُرِيدُ "عِبادَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ"؛ ولَوْ أرادَ "عِبادَ اللهِ"؛ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ يُسَبُّ بِهِ أحَدٌ؛ وجَمِيعُ الخَلْقِ عِبادُ اللهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَعْلِيقُ بِآدَمَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شاذٌّ بَعِيدٌ؛ والِاعْتِراضُ فِيهِ باقٍ؛ ولَيْسَ هَذا مِمّا يُتَخَيَّلُ أنَّ الشاعِرَ قَصَدَهُ؛ وإنَّما أرادَ "اَلْعَبِيدَ"؛ فَساقَتْهُ القافِيَةُ إلى "اَلْعِبادَ"؛ إذْ يُقالُ ذَلِكَ لِمَن تَمَلَّكَ مَلْكَةً ما؛ وقَدْ ذُكِرَ أنَّ عَرَبَ الحِيرَةِ مِنَ العِراقِ إنَّما سُمُّوا "اَلْعِبادَ"؛ لِأنَّهم دَخَلُوا في طاعَةِ كِسْرى ؛ فَدانَتْهم مَمْلَكَتُهُ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيِّ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: "وَعابِدَ الشَيْطانِ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ والدالِ؛ وكَسْرِ الباءِ؛ وألِفٍ قَبْلَها؛ وذَكَرَ "اَلشَّيْطانَ"؛ بَدَلَ "اَلطّاغُوتِ"؛ فَهَذِهِ قِراءاتٌ فِيها ألِفٌ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ فِيما رُوِيَ عن عِكْرِمَةَ ؛ وقَرَأها مُجاهِدٌ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَعُبُدَ الطاغُوتِ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ والباءِ؛ وفَتْحِ الدالِ؛ وكَسْرِ التاءِ؛ وذَلِكَ جَمْعُ "عَبْدٌ"؛ كَـ "رَهْنٌ"؛ و"رُهُنٌ"؛ و"سَقْفٌ"؛ و"سُقُفٌ"؛ وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ؛ ثَعْلَبٌ: هو جَمْعُ "عابِدٌ"؛ كَـ "شارِفٌ"؛ و"شُرُفٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ القَيْنَةِ: ألا يا حَمْزَ لِلشُّرُفِ النِواءِ ∗∗∗ ∗∗∗ وهُنَّ مُعَقَّلاتٌ بِالفِناءِ وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: هو جَمْعُ "عَبِيدٌ"؛ وأنْشَدَ: اُنْسُبِ العَبْدَ إلى آبائِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ أسْوَدَ الجِلْدَةِ مِن قَوْمٍ عُبُدْ وَقَرَأ الأعْمَشُ وغَيْرُهُ: "وَعُبَّدَ الطاغُوتِ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ وشَدِّ الباءِ المَفْتُوحَةِ؛ وفَتْحِ الدالِ؛ وكَسْرِ التاءِ؛ وذَلِكَ عَلى جَمْعِ "عابِدٌ"؛ كَـ "ضارِبٌ"؛ و"ضُرَّبٌ"؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وأبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ؛ والأعْمَشُ ؛ في رِوايَةِ هارُونَ: "وَعُبِدَ الطاغُوتُ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ وكَسْرِ الباءِ؛ وفَتْحِ الدالِ؛ وضَمِّ التاءِ؛ كَما تَقُولُ: "ضُرِبَ زِيدٌ"؛ وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ؛ وهي مُتَّجَهَةٌ؛ ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: "وَعُبِدَتِ الطاغُوتُ"؛ كَما تَقُولُ: "ضُرِبَتِ المَرْأةُ"؛ ورَوى عَلْقَمَةُ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَعُبَدَ الطاغُوتِ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ وفَتْحِ الباءِ؛ والدالِ؛ وكَسْرِ التاءِ؛ وهَذا أيْضًا بِناءُ مُبالَغَةٍ؛ اسْمٌ مُفْرَدٌ يُرادُ بِهِ هُنا الجَمْعُ؛ بُنِيَ كَـ "حُطَمٌ"؛ و"لُبَدٌ"؛ ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: "وَعُبَّدَ الطاغُوتَ"؛ عَلى وزْنِ "فُعَّلٌ"؛ بِضَمِّ الفاءِ؛ وشَدِّ العَيْنِ المَفْتُوحَةِ؛ وفَتْحِ اللامِ؛ ونَصْبِ التاءِ؛ وهَذِهِ تَتَخَرَّجُ عَلى أنَّهُ أرادَ: "وَعُبَّدًا"؛ مُنَوَّنًا؛ ثُمَّ حُذِفَ التَنْوِينُ لِلِالتِقاءِ؛ كَما قالَ: "وَلا ذاكِرَ اللهَ"؛ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ.

و"اَلطّاغُوتُ": كُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ ؛ مِن وثَنٍ؛ أو آدَمِيٍّ يَرْضى ذَلِكَ؛ أو شَيْطانٍ؛ وقَدِ اسْتَوْعَبْتُ تَفْسِيرَهُ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ".

و"مَكانًا"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "فِي الآخِرَةِ"؛ فالمَكانُ عَلى وجْهِهِ؛ أيْ: اَلْمَحَلُّ؛ إذْ مَحَلُّهم جَهَنَّمُ؛ وأنْ يُرِيدَ: "فِي الدُنْيا"؛ فَهي اسْتِعارَةٌ لِلْمَكانَةِ؛ والحالَةِ.

و ﴿ سَواءِ السَبِيلِ ﴾ : وسَطُهُ؛ ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: "قُمْتُ حَتّى انْقَطَعَ سَوائِي"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي سَواءِ الجَحِيمِ  ﴾ ؛ وخَطُّ الِاسْتِقامَةِ في السُبُلِ إنَّما هو مُتَمَكِّنٌ غايَةَ التَمَكُّنِ في الأوساطِ؛ فَلِذَلِكَ خُصَّ السَواءُ بِالذِكْرِ؛ ومِن لَفْظِ السَواءِ قِيلَ: "خَطُّ الِاسْتِواءِ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الجمل معترضة بين ما تقدّمها وبين قوله: ﴿ وإذا جاؤوكم ﴾ [المائدة: 61].

ولا يتّضح معنى الآية أتمّ وضوح ويظهرُ الدّاعي إلى أمْرِ الله ورسوله عليه الصّلاة والسلام بأن يواجههم بغليظ القول مع أنّه القائل ﴿ لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول إلاّ من ظُلم ﴾ [لنساء: 148] والقائل ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالّتي هي أحسن إلاّ الّذين ظلموا منهم ﴾ [العنكبوت: 46] إلاّ بعد معرفة سبب نزول هذه الآية، فيعلم أنّهم قد ظَلَموا بطعنهم في الإسلام والمسلمين.

فذكر الواحدي وابن جرير عن ابن عبّاس قال: جاء نفر من اليهود فيهم أبو ياسر بنُ أخطب، ورافعُ بن أبي رَافع، وعازر، وزيد، وخالد، وأزار بن أبي أزار، وأشيع، إلى النّبيء فسألوه عمّن يُؤمِن به من الرسل، فلمّا ذكر عيسى ابن مريم قالوا: لا نؤمن بمَن آمن بعيسى ولا نعلم ديناً شَرّاً من دينكم وما نعلم أهلَ دين أقلّ حظّاً في الدنيا والآخرة منكم، فأنزل الله ﴿ قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منّا إلاّ أن آمنا بالله إلى قوله وأضلّ عن سواء السبيل ﴾ .

فخصّ بهذه المجادلة أهل الكتاب لأنّ الكفّار لا تنهض عليهم حجّتها، وأريد من أهل الكتاب خصوص اليهود كما يُنبئ به الموصولُ وصلتُه في قوله: ﴿ مَن لَعنه اللّهُ وغضب عليه ﴾ الآية.

وكانت هذه المجادلة لهم بأنّ ما ينقمونه من المؤمنين في دينهم إذا تأمّلوا لا يجدون إلاّ الإيمانَ بالله وبما عند أهل الكتاب وزيادة الإيمان بما أنزل على محمّد صلى الله عليه وسلم والاستفهام إنكاري وتعجّبي.

فالإنكار دلّ عليه الاستثناء، والتعجّبُ دلّ عليه أنّ مفعولات ﴿ تنقمون ﴾ كلّها محامد لا يَحقّ نَقْمُها، أي لا تجدون شيئاً تنقمونه غير ما ذكر.

وكلّ ذلك ليس حقيقاً بأن يُنقم.

فأمّا الإيمان بالله وما أنزل من قبلُ فظاهر أنّهم رَضُوه لأنفسهم فلا ينقمونه على من ماثَلَهم فيه، وأمّا الإيمان بما أنزل إلى محمّد فكذلك، لأنّ ذلك شيء رضيه المسلمون لأنفسهم وذلك لا يهُمّ أهل الكتاب، وَدَعا الرسول إليه أهل الكتاب فمن شاء منهم فليؤمن ومن شاء فليكفر، فما وجْه النقْم منه.

وعدّي فعل ﴿ تنقمون ﴾ إلى متعلِّقه بحرف (من)، وهي ابتدائية.

وقد يعدّى بحرف (على).

وأمّا عطف قوله تعالى: ﴿ وأنّ أكثرهم فاسقون ﴾ فقرأه جميع القرّاء بفتح همزة (أنّ) على أنّه معطوف على ﴿ أن آمنّا بالله ﴾ .

وقد تحيّر في تأويلها المفسّرون لاقتضاء ظاهرها فسق أكثر المخاطبين مع أنّ ذلك لا يَعترف به أهله، وعلى تقدير اعترافهم به فذلك ليس ممّا يُنْقَم على المُؤمنين إذ لا عمل للمؤمنين فيه، وعلى تقدير أن يكون ممّا يُنقم على المؤمنين فليس نقْمُه عليهم بمحلّ للإنكار والتعَجّب الّذي هو سياق الكلام.

فذهب المفسّرون في تأويل موْقع هذا المعطوف مذاهب شتّى؛ فقيل: هو عطف على متعلّق ﴿ آمنَّا ﴾ أي آمنّا بالله، وبفسق أكثركم، أي تَنقِمون منّا مجموعَ هذين الأمرين.

وهذا يُفيت معنى الإنكار التعجّبي لأنّ اعتقاد المؤمنين كَونَ أكثر المخاطبين فاسقون يجعل المخاطبين معذورين في نقْمه فلا يتعجّب منه ولا ينكر عليهم نقمه، وذلك يخالف السياق من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه فلا يلتئم مع المعطوف عليه، فالجمع بين المتعاطفين حينئذٍ كالجمع بين الضبّ والنّون، فهذا وجه بعيد.

وقيل: هو معطوف على المستثنى، أي ما تنقمون منّا إلاّ إيمانَنا وفسقَ أكثركم، أي تنقمون تخالف حالينا، فهو نَقْمُ حَسَد، ولذلك حسن موقع الإنكار التعجّبي.

وهذا الوجه ذكره في «الكشاف» وقَدّمَه وهو يحسن لو لم تكن كلمة ﴿ مِنّا ﴾ لأنّ اختلاف الحالين لا ينقم من المؤمنين، إذ ليس من فعلهم ولكن من مُصَادفة الزّمان.

وقيلَ: حُذف مجرور دلّ عليه المذْكور، والتّقدير: هل تنقمون منّا إلاّ الإيمانَ لأنّكم جائرُون وأكثركم فاسقون، وهذا تخريج على أسلوب غير معهود، إذ لم يعرف حذف المعطوف عليه في مثل هذا.

وذكر وجهان آخران غير مرضيين.

والّذي يظهر لي أن يكون قوله: ﴿ وأنّ أكثركم فاسقون ﴾ معطوفاً على ﴿ أنّ آمنّا بالله ﴾ على ما هو المتبادر ويكون الكلام تهكّماً، أي تنقمون منّا أنّنا آمنّا كإيمانكم وصدّقنا رسلكم وكتبكم، وذلك نَقْمُهُ عجيب وأنّنا آمنّا بما أنزل إلينا وذلك لا يهمّكم.

وتنقمون منّا أنّ أكثركم فاسقون، أي ونحنُ صالحون، أي هذا نَقْم حَسَد، أي ونحن لا نملك لكم أن تكونوا صالحين.

فظهرت قرينة التهكّم فصار في الاستفهام إنكار فتعَجُّب فتهكُّم، تولَّد بعضُها عن بعض وكّلها متولّدة من استعمال الاستفهام في مجازاته أو في معان كنائية، وبهذا يكمل الوجه الّذي قدّمه صاحب «الكشاف».

ثمّ اطّرد في التهكّم بهم والعَجببِ من أَفَن رأيهم مع تذكيرِهم بمساويهم فقال: ﴿ قل هل أنبّئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله ﴾ الخ.

وشرّ اسم تفضيل، أصله أشَرّ، وهو للزيادة في الصفة، حذفت همزته تخفيفاً لكثرة الاستعمال، والزّيادة تقتضي المشاركة في أصل الوصف فتقتضي أنّ المسلمين لهم حظّ من الشرّ، وإنّما جَرى هذا تهكّماً باليهود لأنّهم قالوا للمسلمين: لا دِينَ شَرّ من دينكم، وهو ممّا عبّر عنه بفعل ﴿ تنقمون ﴾ .

وهذا من مقابلة الغلظة بالغلظة كما يقال: «قُلْتَ فأوْجبْت».

والإشارة في قوله ﴿ من ذلك ﴾ إلى الإيمان في قوله: ﴿ هل تنقمون منّا إلا أن آمنّا بالله ﴾ الخ باعتبار أنّه منقوم على سبيللِ الفرض.

والتّقدير: ولمّا كان شأن المنقوم أن يكون شرّاً بني عليه التهكّم في قوله: ﴿ هل أنبّئكم بشرّ من ذلك ﴾ ، أي ممّا هو أشدّ شرّاً.

والمثُوبة مشتقّة من ثَاب يثوب، أي رجع، فهي بوزن مفعولة، سمّي بها الشيء الّذي يثوب به المرء إلى منزله إذا ناله جزاء عن عمللٍ عملَه أو سعْي سعاه، وأصلها مثوب بها، اعتبروا فيها التّأنيث على تأويلها بالعطيّة أو الجائزة ثمّ حذف المتعلّق لكثرة الاستعمال.

وأصلها مؤذن بأنّها لا تطلق إلاّ على شيء وجودي يعطاه العامل ويحمله معه، فلا تطلق على الضّرْب والشتم لأنّ ذلك ليس ممّا يثُوب به المرء إلى منزله، ولأنّ العرب إنّما يبْنون كلامهم على طباعهم وهم أهل كرم لنزيلهم، فلا يريدون بالمثوبة إلاّ عطية نافعة.

ويصحّ إطلاقها على الشيء النّفيس وعلى الشيء الحقير من كلّ ما يثوب به المعطَى.

فَجَعْلها في هذه الآية تمييزاً لاسم الزيادة في الشرّ تهكّم لأنّ اللّغة والغضب والمسخ ليست مثوبات، وذلك كقول عمرو بن كلثوم: قَرَيْنَاكم فعجَّلْنَا قِراكم *** قُبَيْلَ الصبح مِرْداة طحونا وقول عمرو بن معديكرب: وخيللٍ قد دَلَفتُ لها بِخيْل *** تَحِيَّةُ بَيْنهم ضرْب وَجِيع وقوله: ﴿ مَن لَعَنَهُ الله ﴾ مبْتدأ، أريد به بيان من هو شرّ مثوبة.

وفيه مضاف مقدّر دلّ عليه السياق.

وتقديره: مثوبةُ مَنْ لَعنهُ الله.

والعدول عن أن يقال: أنتم أو اليهودُ، إلى الإتيان بالموصول للعِلم بالمعنيّ من الصلة، لأنّ اليهود يعلمون أنّ أسلافاً منهم وقعت عليهم اللّعنة والغضب من عهد أنبيائهم، ودلائله ثابتة في التّوراة وكتب أنبيائهم، فالموصول كناية عنهم.

وأمّا جعلهم قردة وخنازير فقد تقدّم القول في حقيقته في سورة البقرة.

وأمّا كونهم عبدوا الطاغوت فهو إذ عبدوا الأصنام بعد أن كانوا أهل توحيد فمن ذلك عبادتهم العِجل.

والطاغوت: الأصنام، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ في سورة النّساء (51).

وقرأ الجمهور ﴿ وعبدَ الطاغوتَ ﴾ بصيغة فعل المضيّ في ﴿ عبد ﴾ وبفتح التّاء من ﴿ الطاغوت ﴾ على أنّه مفعول ﴿ عبد ﴾ ، وهو معطوف على الصّلة في قوله ﴿ من لَعنهُ الله ﴾ ، أي ومن عبدوا الطاغوت.

وقرأه حمزة وحْده بفتح العين وضمّ الموحّدة وفتح الدّال وبكسر الفوقيّة من كلمة الطاغوت على أن «عَبُد» جمع عَبْد، وهو جمع سماعي قليل، وهو على هذه القراءة معطوف على ﴿ القردة والخنازير ﴾ .

والمقصود من ذكر ذلك هنا تعيير اليهود المجادلين للمسلمين بمساوي أسلافهم إبكاتاً لهم عن التطاول.

على أنّه إذا كانت تلك شنشنتهم أزمانَ قيام الرسل والنبيئين بين ظهرانَيْهم فهم فيما بعد ذلك أسوأ حالاً وأجدر بكونهم شرّاً، فيكون الكلام من ذمّ القبيل كلّه.

على أنّ كثيراً من موجبات اللّعنة والغضب والمسخ قد ارتكبتها الأخلاف، على أنّهم شتموا المسلمين بما زعموا أنّه دينهم فيحقّ شتمهم بما نعتقده فيهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ ﴾ يُرِيدُ بِالإثْمِ مَعْصِيَةَ اللَّهِ تَعالى.

﴿ والعُدْوانِ ﴾ أيْ ظُلْمِ النّاسِ.

﴿ وَأكْلِهِمُ السُّحْتَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الرُّشا.

والثّانِي: الرِّبا.

﴿ لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ أيْ لَبِئْسَ صَنِيعُ الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ إذْ لَمْ يَنْهَوْهم، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أشَدُّ تَوْبِيخًا لِلْعُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَؤُها: ﴿ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ لَوْلا ﴾ بِمَعْنى هَلّا.

والرَّبّانِيُّونَ: هم عُلَماءُ الإنْجِيلِ، والأحْبارُ: هم عُلَماءُ التَّوْراةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: المثوبة.

الثواب، مثوبة الخير ومثوبة الشر، وقرئ ﴿ بشر ثواباً ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ مثوبة عند الله ﴾ يقول: ثواباً عند الله.

قوله تعالى: ﴿ وجعل منهم القردة والخنازير ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وجعل منهم القردة والخنازير ﴾ قال: مسخت من يهود.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك.

أنه قيل: أكانت القردة والخنازير قبل أن يمسخوا؟

قال: نعم، وكانوا مما خلق من الأمم.

وأخرج مسلم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير أهي مما مسخ الله؟

فقال: إن الله لم يهلك قوماً أو يمسخ قوماً فيجعل لهم نسلاً ولا عاقبة، وإن القردة والخنازير قبل ذلك» .

وأخرج الطيالسي وأحمد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود قال: «سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير أهي من نسل اليهود؟

فقال: لا، إن الله لم يعلن قوماً قط فمسخهم فكان لهم نسل، ولكن هذا خلق، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم جعلهم مثلهم» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحيات مسخ الجن كما مسخت القردة والخنازير» .

وأخرج ابن جرير عن عمرو بن كثير عن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري قال: حدثت ان المسخ في بني إسرائيل من الخنازير كان أن امرأة كانت من بني إسرائيل كانت في قرية من قرى بني إسرائيل، وكان فيها ملك بني إسرائيل، وكانوا قد استجمعوا على الهلكة، إلا أن تلك المرأة كانت على بقية من الإسلام متمسكة، فجعلت تدعو إلى الله حتى إذا اجتمع إليها ناس فبايعوها على أمرها، قالت لهم: أنه لا بد لكم من أن تجاهدوا عن دين الله وأن تنادوا قومكم بذلك، فاخرجوا فإني خارجة، فخرجت وخرج إليها ذلك الملك في الناس، فقتل أصحابها جميعاً وانفلتت من بينهم، ودعت إلى الله حتى تجمع الناس إليها، إذا رضيت منهم أمرتهم بالخروج فخرجوا وخرجت معهم فأصيبوا جميعاً، وانفلتت منهم، ثم دعت إلى الله حتى إذا اجتمع اليها رجال واستجابوا لها أمرتهم بالخروج فخرجوا وخرجت معهم فأصيبوا جميعاً، وانفلتت منهم، ثم دعت إلى الله حتى إذا اجتمع إليها رجال واستجابوا لها أمرتهم بالخروج فخرجوا وخرجت معهم فأصيبوا جميعاً، وانفلتت من بينهم فرجعت وقد أيست وهي تقول: سبحان الله...

!

لو كان لهذا الدين ولي وناصر لقد أظهره بعد، فباتت محزونة وأصبح أهل القرية يسعون في نواحيها خنازير مسخهم الله في ليلتهم تلك، فقالت حين أصبحت ورأت ما رأت: اليوم أعلم أن الله قد أعز دينه وأمر دينه قال: فما كان مسخ الخنازير في بني إسرائيل إلا على يدي تلك المرأة.

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيكون في أمتي خسف، ورجف، وقردة، وخنازير» والله أعلم.

أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن زهير قال: قلت لابن أبي ليلى: كيف كان طلحة يقرأ الحرف ﴿ وعبد الطاغوت ﴾ ؟

فسره ابن أبي ليلى وخففه.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء بن السائب قال: كان أبو عبد الرحمن يقرأ ﴿ وعبد الطاغوت ﴾ بنصب العين والباء.

وأخرج ابن جرير عن أبي جعفر النحوي.

أنه كان يقرأها ﴿ وعبد الطاغوت ﴾ كما يقول: ضرب الله.

وأخرج ابن جرير عن بريدة.

أنه كان يقرؤها ﴿ وعابد الطاغوت ﴾ .

وأخرج ابن جرير من طريق عبد الرحمن بن أبي حماد قال: حدثني الأعمش، وعن يحيى بن وثاب، أنه قرأ ﴿ وعبد الطاغوت ﴾ يقول: خدم قال عبد الرحمن: وكان حمزة رحمه الله يقرؤها كذلك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً ﴾ ، هذا جواب لليهود حين قالوا: ما نعرف ديناً شراً من دينكم.

كما حكينا (١) (٢) (٣) (٤) (٥) مضى الكلام في المثوبة في غير هذا الموضع (٦) ﴿ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ ﴾ ، (من) يجوز أن يكون في موضع خفض بدلاً من (شر) والمعنى: أنبئكم بمن لعنه الله.

ويجوز أن يكون رفعاً بالاستئناف.

قاله الفراء (٧) ﴿ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ  ﴾ كأنه قال: هو النار (٨) وقال الفراء: لو نصبت (من) بوقوع الإنباء عليه، كما تقول: أنبأتك خبراً، وأنبأتك زيداً قائماً، جاز، والوجه الخفض (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ ﴾ ، قال المفسرون: يعني بـ (القردة) أصحاب السبت وبـ (الخنازير) كفار مائدة عيسى (١٠) (١١) ﴿ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ﴾ ، قال الفراء: تأويله وجعل منهم القردة ومَن عبد الطاغوت (١٢) (١٣) قال ابن الأنباري: وتأخره بعد القردة والخنازير لا يُزيله عن معناه المعروف له، والعرب تقول: قد جعل منكم زيدٌ من بني (١٤) وقال أبو علي: قوله (عبد الطاغوت) عطف على مثال الماضي الذي في الصلة وهو قوله: (لعنه الله وغضب عليه)، وأفرد الضمير في (عَبَدَ) وإن كان المعنى على الكثرة؛ لأن الكلام محمول على لفظ (مَنْ) دون معناه (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) قال الفراء: وكان أصحاب عبد الله يقرأون: (وعَبُدَ الطاغوتِ) على (فَعَل) ويضيفونها إلي الطاغوت، ويفسرونها: خدم الطاغوت (٢٠) قال الزجاج: وهذه القراءة ليس بالوجه، لأن (عَبُدَ) على: فَعُلَ، وليس هذا من أمثلة الجمع (٢١) قال أوس بن حُجْر: أبني لُبَينَى إنَّ أُمَّكُمُ ...

أَمةٌ وإن أباكُمُ عَبُدُ (٢٢) أراد عبداً فضم الباء (٢٣) (٢٤) وقال نُصيَر الرازي (٢٥) (٢٦) (٢٧) وتتبع أبو علي هذا القول فشرحه وزاده بيانًا فقال: حجة حمزة أنه يحمله على ما عمل فيه جعل، كأنه: وجعل منهم عَبُدَ الطاغوت، وليس عَبُدَ لفظ جمع؛ لأنه ليس في أبنية المجموع شيء على هذا البناء، ولكنه واحد يراد به الكثرة، ألا ترى أن في الأسماء المفردة المضافة إلى المعارف ما لفظه لفظ الإفراد، ومعناه الجمع، كقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ  ﴾ كذلك قوله: (وعبُدَ الطاغوت) جاء على: فَعُلَ، لأن هذا البناء يراد به المبالغة نحو: يَقُظ ونَدُس، فكأن تأويله أنه قد ذهب في عبادة الطاغوت والتذلل له كل مذهب، وجاء هذا البناء في (عبُدَ) لأنه في الأصل صفة وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء، وذلك لا يزيل عنه كونه صفة، كالأبرق والأبطح، فإنهما استعملا استعمال الأسماء حتى جمعا جمعها وهو: الأبارق والأباطح، كالأجادل في جمع الأجدل، ونحوه، ثم لم يُزِل عنه ذلك حكم الصفة، يدلك على ذلك تركهم لصرفه كتركهم صرف "أحمر"، إذ لم يخرج "العبد" عن أن يكون صفة لم يمتنع أن يُبنى بناء الصفات على: فَعُل، نحو: لَفُظ (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ ، أي: أهل هذه الصفة (٣٠) ﴿ شَرٌّ مَكَانًا ﴾ من المؤمنين (٣١) (٣٢) ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً ﴾ لأنهم قالوا: لا نعرف أهل دين شرًا منكم، فقيل لهم: شر منهم من كان بهذه الصفة، ومن كان بهذه الصفة فهو شر مكانًا ممن جعلتموهم شرًّا، ووصفتموهم به (٣٣) وقوله تعالى: ﴿ وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ  ﴾ قال الزجاج: أي: عن قصد السبيل (٣٤) (٣٥) (١) في سبب نزول الآية السابقة.

(٢) انظر:"تفسير البغوي" 3/ 75.

(٣) انظر: "بحر العلوم" 1/ 446.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 187، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 75.

(٥) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 292، "إعراب القرآن للنحاس" 1/ 507.

(٦) يحتمل عند قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ ﴾ (103) سورة البقرة.

(٧) "معاني القرآن" 1/ 314، انظر: "معاني الزجاج" 2/ 187.

(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 187.

(٩) "معاني القرآن" 1/ 314.

(١٠) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 75، "زاد المسير" 2/ 387.

(١١) "تفسير البغوي" 3/ 75، انظر: "زاد المسير" 2/ 387.

(١٢) "معاني القرآن" 1/ 314.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 189.

(١٤) في (ج)، (ش): (بنا).

(١٥) الحجة 3/ 238.

(١٦) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 75.

(١٧) ليس في (ش).

(١٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 187.

(١٩) الحجة 3/ 236، انظر: "معاني الزجاج" 2/ 187.

(٢٠) "معاني القرآن" 1/ 314.

(٢١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 187، 188.

(٢٢) البيت في: "معاني القرآن" للفراء 1/ 315، و"تفسير الطبري" 6/ 294، "تهذيب اللغة" 3/ 2302 (عبد)، "اللسان" 5/ 2778 (عبد).

(٢٣) "الزاهر" لأبي بكر بن الأنباري 1/ 374، انظر: "معاني الزجاج" 2/ 188.

(٢٤) "معاني القرآن" 1/ 315.

(٢٥) لم أقف على ترجمة له.

(٢٦) من "تهذيب اللغة" 3/ 2302 (عبد).

(٢٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 188.

(٢٨) هكذا في (ج) و (ش)، وفي الحجة: "يقظ".

(٢٩) الحجة 3/ 236 - 238 بتصرف.

(٣٠) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 290، "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 189.

(٣١) انظر: "زاد المسير" 2/ 390.

(٣٢) انظر: "تفسير الوسيط" 2/ 205.

(٣٣) انظر: "تفسير الوسيط" 2/ 205، "زاد المسير" 2/ 390.

(٣٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 189.

(٣٥) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك ﴾ لما ذكر أن أهل الكتاب يعيبون المسلمين بالإيمان بالله، ورسله، ذكر عيوب أهل الكتاب في مقابلة ذلك رداً عليهم، فالخطاب في أنبئكم لليهود، والإشارة بذلك إلى ما تقدّم من حال المؤمنين ﴿ مَثُوبَةً عِندَ الله ﴾ هي من الثواب، ووضع الثواب موضع العقاب تهكماً بهم نحو قولهم: فبشرهم بعذاب أليم ﴿ مَن لَّعَنَهُ الله ﴾ يعني اليهود ومن في موضع رفع بخبر مبتدأ مضمر تقديره: هو من لعنة الله، أو في موضع خفض على البدل من بشرّ ولابد في الكلام من حذف مضاف تقديره بشر من أهل ذلك وتقديره دين من لعنه الله ﴿ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير ﴾ مسخ قوم من اليهود قروداً حين اعتدوا في السبت ومُسخ قوم منهم خنازير حين كذبوا بعيسى بن مريم ﴿ وَعَبَدَ الطاغوت ﴾ القراءة بفتح الباء فعل معطوف على لعنه الله، وقرئ بضم الباء وخفض الطاغوت على أن يكون عبد اسماً على وجه المبالغة كيقُظ أضيف إلى الطاغوت، وقرئ وعابد وعباد وهو في هذه الوجوه عطف على القردة والخنازير ﴿ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ أي منزلة ونسب الشرّ للمكان وهو في الحقيقة لأهله، وذلك مبالغة في الذمّ.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هل تنقمون ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام ﴿ وعبد الطاعون ﴾ بضم الباء ونصب الدال وجر الطاغوت: حمزة.

الباقون بنصب الطاغوت على أن.

﴿ عبد ﴾ فعل ماض عطفاً على صلة من كأنه قيل: ومن عبد الطاغوت.

﴿ مبصوطتان ﴾ بالصاد مثل ﴿ وزاده بصطة  ﴾ وقد مر في البقرة ﴿ رسالته ﴾ أبو عمرو وابن كثير وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون ﴿ رسالاته ﴾ .

الوقوف: ﴿ من قبل ﴾ لا لعطف ﴿ وأن أكثركم ﴾ على ﴿ أن آمنا ﴾ .

﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط لتناهي الاستفهام والتقدير هو ﴿ من لعنه الله ﴾ ط ومن جعل محله جراً على البدل من ﴿ شر ﴾ لم يقف.

﴿ الطاغوت ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ط ﴿ خرجوا به ﴾ ط ﴿ يكتمون ﴾ ه ﴿ السحت ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ السحت ﴾ ط ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ مغلولة ﴾ ط وقيل: لا وقف ليتصل قوله: ﴿ غلت ﴾ وهو جزاء قولهم ﴿ يد الله مغلولة ﴾ .

﴿ بما قالوا ﴾ م لئلا يوهم أن قوله: ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ مفعول ﴿ قالوا ﴾ .

﴿ مبسوطتان ﴾ ط لأن قوله: ﴿ ينفق ﴾ من مقصود الكلام فلا يستأنف.

﴿ كيف يشاء ﴾ ط ﴿ وكفراً ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ أطفأها الله ﴾ لا قال السجاوندي: لأن الواو للحال أي وهم يسعون وفيه نظر ﴿ فساداً ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ أرجلهم ﴾ ط ﴿ مقتصدة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ رسالته ﴾ ط ﴿ من الناس ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ط ﴿ وكفراً ﴾ ج لاختلاف النظم مع فاء التعقيب.

﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه.

التفسير: لما حكى عنهم أنهم اتخذوا دين الإسلام هزواً ولعباً قال لهم: ما الذي تنقمون من أهل هذا الدين.

نقمت على الجل أنقم بالكسر، إذا عتبت عليه، ونقمت بالكسر لغة ونقمت الأمر أيضاً إذا كرهته وأنكرته.

وسمى العقاب نقمة لأنه يجب على ما ينكر من الفعل.

والمعنى هل تعيبون منا وتنكرون إلاّ الإيمان بالكتب المنزلة كلها؟

وليس هذا مما يوجب عتباً وعيباً لأن الإيمان بالله رأس جميع الطاعات، وأما الإيمان بمحمد  وجميع الأنبياء عليهم السلام فهو الحق الذي لا محيد عنه لأن الطريق إلى تصديق الأنبياء هو المعجز وأنه حاصل في الكل فلا وجه للإيمان ببعض والكفر ببعض.

ثم عطف عليه: ﴿ وأن أكثركم فاسقون ﴾ والمراد ما تنقمون منا إلاّ الجمع بين إيماننا وبين تمرّدكم كأنه قيل: ما تنكرون منا إلاّ مخالفتكم فآمنا وما فسقنا مثلكم.

وفيه من حسن الازدواج والطباق ما فيه كقول القائل: هل تنقم مني إلاّ أني عفيف وأنك فاجر.

ويجوز أن يعطف على المجرور أي ما تنقمون منا إلاّ الإيمان بالله وبما أنزل وبأن أكثركم خارجون عن الدين، ويجوز أن تكون الواو بمعنى "مع" أي ما تنكرون منا إلاّ الإيمان مع فسقكم لأن أحد الخصمين إذا كان مكتسباً للصفات/ الحميدة مع اتصاف الآخر بالصفات الذميمة كان ذلك أشد تأثيراً في وقوع البغض والحسد في قلب الخصم.

ويحتمل أن يكون تعليلاً معطوفاً على تعليل محذوف أي ما تنقمون منا إلاّ الإيمان لقلة إنصافكم ولأجل فسقكم، ومن هنا قال الحسن في تفسيره: بفسقكم نقمتم ذلك علينا.

ويجوز أن ينتصب بفعل محذوف يدل عليه ما قبله أي ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، أو يرتفع بالابتداء والخبر محذوف أي وفسقكم ثابت محقق عندكم إلا أن حب الجاه والمال يدعوكم إلى عدم الإنصاف.

وانما خص الأكثر بالفسق مع أن اليهود كلهم فساق تعريضاً بأحبارهم ورؤسائهم الطالبين للرياسة والمال والتقرب إلى الملوك.

والمراد أن أكثرهم في دينهم فساق لا عدول، فإن الكافر والمبتدع قد يكون عدل دينه أو ذكر أكثرهم لئلا يظن أن من آمن منهم داخل في ذلك.

قال ابن عباس: "أتى نفر من اليهود إلى رسول الله  فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟

فقال: أؤمن بالله ﴿ وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل  ﴾ إلى قوله ﴿ ونحن له مسلمون  ﴾ فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً شراً من دينكم، فأنزل الله  : ﴿ قل هل أنبئكم بشر من ذلك ﴾ " يعني المتقدم وهو الإيمان, ولا بدّ من حذف مضاف قبله أو قبل من تقديره بشر من أهل ذلك أو دين من لعنه الله و ﴿ مثوبة ﴾ نصب على التمييز من ﴿ شر ﴾ وهي من المصادر التي جاءت على "مفعول" كالميسور والمجلود ومثلها المشورة، وقرىء مثوبة كما يقال مشورة والمثوبة ضدّ العقوبة.

واستعمال أحد الضدّين مكان الآخر مجاز رخصه إرادة التهكم مثل: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ وقد أخرج الكلام ههنا على حسب قولهم واعتقادهم وإلاّ فلا شركة بين المسلمين وبين اليهود في أصل العقوبة حتى يقال إن عقوبة أحد الفريقين شر، ولكنهم حكموا بأن دين الإسلام شر فقيل لهم: هب أن الأمر كذلك ولكن لعن الله وغضبه ومسخ الصور شر من ذلك.

قال المفسرون: عنى بالقردة أصحاب السبت وبالخنازير كفار مائدة عيسى  .

ويروى أن كلا المسخين كان في أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير، ولهذا كان المسلمون يعيرون اليهود بعد نزول الآية ويقولون: يا إخوة القردة والخنازير فينكسون رؤوسهم.

أما قوله: ﴿ وعبد الطاغوت ﴾ فقد ذكر في الكشاف فيه أنواعاً من القراءة لا مزيد فائدة في تعدادها لشذوذها إلاّ قراءة حمزة، والوجه فيه أن العبد بمعنى العبد إلاّ أنه بناء مبالغة كقولهم: رجل حذر وفطن البليغ في الحذر والفطنة.

قال الشاعر: أبني لبيني إن أمكم *** أمة وإن أباكم عبد أبني لبيني لستم بيدٍ *** إلاّ يداً ليست لها عضد وقيل: هما لغتان مثل سبع وسبع.

وقيل: إن العبد جمعه عباد والعباد جمعه عبد كثمار وثمر إلا أنهم استثقلوا الضمتين فأبدلت الأولى فتحة.

وقيل: أرادوا أعبد الطاغوت مثل: فلس وأفلس إلا أنه حذف الألف وضم الباء لئلا يشبه الفعل.

والطاغوت ههنا قيل: هو العجل.

وقيل: هو الأحبار.

والظاهر أنه كل ما عبد من دون الله، وكل من أطاع أحداً في معصية فقد عبده.

احتجت الأشاعرة بالآية على أن الكفر بجعل الله  .

وقالت المعتزلة: معنى هذا الجعل أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به كقوله: ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً  ﴾ أو أنه خذلهم حتى عبدوها ﴿ أولئك ﴾ المعلونون الممسوخون ﴿ شر مكاناً ﴾ من المؤمنين.

قال ابن عباس: إن مكانهم سقر ولا مكان شر منه.

وقال علماء البيان: هو من باب الكناية لأنه ذكر المكان وأريد أهله الذي هو ملزوم المكان.

﴿ وأضل عن سواء السبيل ﴾ قصده ووسطه.

كان ناس من اليهود يدخلون على رسول الله  يظهرون له الإيمان نفاقاً فأخبره الله بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسه كما دخلوا لم يؤثر فيهم شيء من النصيحة والموعظة قط.

وقوله: ﴿ بالكفر ﴾ وبه حالان أي ملتبسين بالكفر، وكذلك قوله: ﴿ وقد دخلوا ﴾ ﴿ وهم قد خرجوا ﴾ ولذلك دخلت "قد" تقريباً للماضي من الحال، وليفيد التوقع أيضاً.

وذلك أن أمارات النفاق كانت لائحة على صفحات أحوالهم فكان رسول الله  متوقعاً لإظهار الله أسرارهم.

والعامل في هذه الحال قالوا: وفي الأولى: ﴿ دخلوا ﴾ و ﴿ خرجوا ﴾ أي قالوا آمنا وحالهم أنهم دخلوا كافرين وخرجوا كافرين.

وإنما ذكر عند الخروج كلمة "هم" لتأكيد إضافة الكفر إليهم.

ونفى أن يكون من النبي  في ذلك فعل أي لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم ما يوجب كفراً فتكون أنت الذي ألقيتهم في الكفر، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم.

وههنا استدل المعتزلي على صحة مذهبه أن الكفر من العبد لا من الله ولكنه معارض بالعلم والداعي.

﴿ والله أعلم بما يكتمون ﴾ فيه أن حسدهم وخبثهم لا يحيط به إلا الله فما أعظم ذلك وأبلغ.

الإثم الكذب كقوله بعد: ﴿ عن قولهم الإثم ﴾ والعدوان الظلم وقيل: الإثم ما يختص بهم، والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم.

وقيل: الإثم كلمة الشرك قولهم عزير ابن الله.

وفي الآية فوائد منها: ذكر كثير لأن كلهم كان لا يفعل ذلك إذ بعضهم يستحيي فيترك.

ومنها أن المسارعة إنما تليق بالخيرات وإنهم كانوا يستعملونها في المنكرات.

ومنها أن الإثم يتناول جميع المعاصي فذكر بعده العدوان وأكل السحت ليدل على أنهما أعظم أنواع الإثم والكلام في معنى السحت.

وفي تفسير الربانيين والأحبار قد مر في السورة عن قريب.

وقال/ الحسن: الربانيون علماء الإنجيل، والأحبار علماء التوراة.

وإنما قال ههنا: ﴿ لبئس ما كانوا يصنعون ﴾ وفي الأول ﴿ يعملون ﴾ لأن الصنع أرسخ من العمل فلا يسمى العامل صانعاً ولا العمل صناعة إلا إذا تمكن فيه وتدرب وينسب إليه فكان ذنب العلماء إذا تركوا النهي عن المنكر أشد وأعظم وأثبت وأرسخ.

وتحقيقه أن المعصية مرض الروح وعلاجه العلم بالله وصفاته وأحكامه، فإذا حصل هذا العلم ولم تزل المعصية دل على أن مرض القلب في غاية القوة والشدة كالمرض الذي شرب صاحبه الدواء فما زال.

وعن ابن عباس: هي أشد آية في القرآن.

وعن الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها ﴿ وقالت اليهود يد الله مغلولة ﴾ قيل: في هذه الآية إشكال لأن اليهود مطبقون على أنا لا نقول ذلك، كيف وبطلانه معلوم بالضرورة لأن الله اسم لموجود قديم قادر على خلق العالم وإيجاده وتكوينه، وهذا الموجود يمتنع أن تكون يده مغلولة وقدرته قاصرة.

والجواب أن الله  صادق في كل ما أخبر عنه فلا بد من تصحيح هذا النقل عنهم، فلعل القوم قالوا هذا على سبيل الإلزام فإنهم لما سمعوا قوله: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ قالوا من احتاج إلى القرض كان فقيراً عاجزاً مغلول اليدين، أو لعلهم لما رأوا أصحاب محمد  في غاية الفقر والضر قالوا: إن إله محمد كذلك.

وقال الحسن: أرادوا أنه لا تمسهم النار إلا أياماً معدودة إلا أنهم عبروا عن كونه  غير معذب لهم إلا هذا القدر من الزمان بهذه العبارة الفاسدة فاستوجبوا اللعن لفساد العبارة وسوء الأدب.

وقيل: لعلهم كانوا على مذهب بعض الفلاسفة أنه  موجب لذاته، وأن حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نسق واحد فعبروا عن عدم اقتداره على غير ذلك النسق بغل اليد.

وقال المفسرون: كان اليهود أكثر الناس مالاً وثروة، فلما بعث الله محمداً  وكذبوه ضيق الله عليهم المعيشة فعند ذلك قالوا: يد الله مغلولة أي مقبوضة عن العطاء على جهة النعت بالبخل، والجاهل إذا وقع في البلاء والشدة قد يقول مثل هذه الألفاظ.

وغل اليد وبسطها مجاز مستفيض عن البخل والجود ومنه قوله: ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط  ﴾ وذلك أن اليد آلة لأكثر الأعمال لا سيما لأخذ المال وإعطائه، فأطلقوا اسم السبب على المسبب فقيل للجواد فياض الكف مبسوط اليد سبط البنان رطب الأنامل، وللبخيل أبتر الأصابع مقبوض الكف جعد الأنامل، ولا فرق عندهم بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازاً عنه حتى إنه يستعمل في ملك لا يعطي ولا يمنع إلا بالإشارة بل يقال للأقطع: ما أبسط يده بالنوال.

وقد يستعمل حيث لا يصح اليد كقول لبيد: قد أصبحت بيد الشمال زمامها *** /فجازاهم الله  بقوله: ﴿ غلت أيديهم ﴾ وهو الدعاء عليهم بالبخل والنكد ومن ثم كانوا أبخل خلق الله وأنكدهم، دعا به عليهم تعليماً لعباده كما علمهم الاستثناء في قوله: ﴿ لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين  ﴾ وكما عملهم الدعاء على المنافقين في قوله: ﴿ فزادهم الله مرضاً  ﴾ وعلى أبي لهب في قوله: ﴿ تبت يدا أبي لهب  ﴾ ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدي حقيقة إو إخباراً.

قال الحسن: يغللون في الدنيا أسارى وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم فيكون الطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز.

وإنما لم يقل فغلت أيديهم مع أن الجزاء يناسب فاء التعقيب ليكون قوله: ﴿ غلت أيديهم ﴾ كالكلام المبتدأ به فيزيده قوة ووثاقة لأن الابتداء بالشيء يدل على شدة الاهتمام به وقوة الاعتناء بتقريره.

﴿ ولعنوا بما قالوا ﴾ قال الحسن: عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار.

ومما وقع في عصرنا من إعجاز القرآن ما حكي أن متغلب من اليهود مسمى بسعد الدولة وهو من أشقى الناس كان قد سمع بهذه الآية، فاتفق أن وصل إلى بغداد فنزل بالمدرسة المستنصرية ودعا بمصحف كان مكتوباً بأحسن خط وأشهره من خطوط الكتاب الماضين، وكان يعلم أن أهل هذا العصر لا يقدرون على كتابة مثله ثم قال: أين هذه الآية يعني قوله: ﴿ غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ﴾ فأروه إياها فمحاها، فلم يمض أسبوع إلاّ وقد سخط السلطان عليه فبعث في طلبه وأمر بغل يديه فغلوه وحملوه إليه فأمر بقتله.

ثم إنه  ردّ على اليهود بقوله: ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ واليد في اللغة تطلق على الجارحة المخصوصة - وهو ظاهر - وعلى النعمة.

يقال: لفلان عندي يد أشكرها له.

وعلى القوة مثل: ﴿ أولي الأيدي والأبصار  ﴾ فسر بذوي القوى والعقول ومنه لا يدين له بهذا.

والمعنى سلب كمال القدرة.

وعلى الملك تقول: هذا بيد فلان أي ملكه قال  : ﴿ بيده عقدة النكاح  ﴾ وقد يراد به شدة العناية قال: ﴿ لما خلقت بيدي  ﴾ ويقال: يدي لك رهن بالوفاء إذا ضمنت له شيئاً.

ولا شك أن اليد بمعنى الجارحة في حقه  محال للدليل الدال على أنه ليس بجسم ولا ذي أجزاء خلافاً للمجسمة، وأما سائر المعاني فلا بأس بها.

وكان طريقة السلف الإيمان بها وأنها من عند الله ثم تفويض معرفتها إلى الله.

وقد جاء في بعض اقوال أبي الحسن الأشعري أن اليد صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء لقوله: ﴿ لما خلقت بيدي  ﴾ والمراد تخصيص آدم بهذا التشريف ونص القرآن ناطق بإثبات اليد تارة: ﴿ يد الله فوق أيديهم  ﴾ وبإثبات اليدين أخرى كما في الآية، وبإثبات الأيدي أخرى: ﴿ مما عملت أيدينا أنعاماً  ﴾ ووجه التوحيد والجمع ظاهر.

وأما وجه التثنية فذلك أن من أعطى بيديه فقد أعطى على أكمل الوجوه فكان أبلغ في رد كلام القوم خذلهم الله، أو/ المراد نعمة الدين نعمة الدنيا، أو نعمة الظاهر ونعمة الباطن، أو نعمة النفع ونعمة الدفع، أو نعمته على أهل اليمين ونعمته على أهل الشمال بل لطفه في حق أولئك وقهره في شأن هؤلاء، أو المراد المبالغة في وصف النعمة نحو: لبيك وسعديك معناه إقامة على طاعتك بعد إقامة وإسعاداً بعد إسعاد.

ثم أكد الوصف بالقدرة والسخاء فقال: ﴿ ينفق كيف يشاء ﴾ وفيه أنه لا ينفق إلاّ على مقتضى الحكمة وقانون العدالة وعلى حسب المشيئة والإرادة، لا مانع له ولا مكره فمن أوجب عليه شيئاً أو اعترض على فعل من أفعاله فقد نازعه في ملكه وحجر تصرفه وقيد وغل ونسبه إلى ما لا يليق به.

﴿ وليزيدن ﴾ جواب قسم محذوف ﴿ كثيراً منهم ﴾ يعني علماء اليهود ﴿ ما أنزل إليك من ربك ﴾ من القرآن والحجج ﴿ طغياناً وكفراً ﴾ مجاوزة في الحد وغلواً في الإنكار لأن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شرهاً ﴿ وألقينا بينهم ﴾ بين اليهود والنصارى - قاله مجاهد والحسن - أو فيما بين اليهود ﴿ العداوة والبغضاء ﴾ لا تأتلف كلمتهم ولا تتساعد أفئدتهم، فمن اليهود جبرية وقدرية وموحدة ومشبهة، ومن النصارى ملكانية ونسطورية، وكل ذلك الاختلاف يوجب السخط واللعن بخلاف هذه الأمة فإن اختلافهم رحمة ولتفرق أهوائهم وتشعب آرائهم ﴿ كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ﴾ فلا يهمون بأمر من الأمور إلاّ وقد رجعوا بخفي حنين.

وقيل: كلما حاربوا رسول الله غلبوا.

وعن قتادة: لا تلقى اليهود بلدة إلاّ وجدتهم أذل الناس ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ يستخفون كيداً للإسلام وذويه ﴿ والله لا يحب المفسدين ﴾ فلا ينجح لهم كيد ولا ينتج لهم سعي.

وقيل: خالفوا حكم التوراة فبعث الله عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فسلط عليهم بطرس الرومي، ثم أفسدوا فسلط عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط عليهم المسلمين إلى يوم القيامة.

ثم لما بالغ في تهجين سيرتهم ذكر أنهم مع ما عدّد من مساويهم لو آمنوا بمحمد  وما جاء به واتقوا المنكرات التي كانوا يأتونها لتكون توبتهم نصوحاً ﴿ لكفرنا عنهم ﴾ تلك السيآت سترناها عليهم ﴿ ولأدخلناهم ﴾ مع المسلمين ﴿ جنات النعيم ﴾ من النعم خلاف البؤس أي نعيم صاحبها فما أوسع رحمة الله  وما أعظم عفوه وغفرانه ﴿ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ﴾ عملوا بما فيهما من الوفاء بعهود الله  ومن الإقرار بنبوّة نبي آخر الزمان محمد  ، أو حافظوا على أحكامهما وحدودهما، أو أقاموهما نصب أعينهم لئلا ينسوا ما فيهما من التكاليف.

﴿ وما أنزل إليهم من ربهم ﴾ يعني القرآن أو سائر الكتب الإلهية كصحف إبراهيم وزبور داود وكتاب شعيا وحبقوق ودانيال فإن كلها مشحونة من البشارة بمبعث محمد  وأنهم مكلفون بالإيمان بجميعها.

﴿ لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾ أي ينزل عليهم بركات السماء وبركات الأرض، أو يكثر لهم الأشجار/ المثمرة والزروع المغلة، أو يرزقهم الجنان اليانعة الثمار يجنون ما تهدل منها من رؤوس الشجر ويلتقطون ما تناثر على وجه الأرض.

ويحتمل أن يراد به المبالغة في شرح السعة والخصب لا أن هناك فوقاً أو تحتاً أي لأكلوا أكلاً كثيراً متصلاً، ويشبه أن يكون هذا إشارة إلى ما جرى على بني قريظة وبني النضير من قطع نخيلهم وإفساد زروعهم وإجلائهم عن أوطانهم.

والحاصل أنه  وعدهم سعادة الدارين بشرط الإيمان بما جاء به محمد  وقدم السعادة الأخروية بقسميها وهما دفع العذاب وإيصال الثواب لشرفها.

ثم فصل حالهم فقال: ﴿ منهم أمة مقتصدة ﴾ طائفة متوسطة في الغلو والتقصير، وذلك أن من عرف مقصوده فإنه يكون قاصداً له على الطريق المستقيم من غير انحراف ولا اضطراب بخلاف من لا مقصد له فإنه يذهب متحيراً يميناً وشمالاَ، فجعل الاقتصاد عبارة عن العمل المؤدي إلى الغرض ومن هم فيه قولان: أحدهما الكفار من أهل الكتاب الذين يكونون عدولاً في دينهم ولا يوجد فيهم عناد شديد ولا غلظة كاملة، والثاني هم المؤمنون منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعين من النصارى.

﴿ وكثير منهم ساء ما يعملون ﴾ فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أسوأ عملهم لكونهم أجلافاً متعصبين لا ينجع فيهم القول ولا يؤثر فيهم الدليل قيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه والروم.

ثم أمر رسوله بأن لا ينظر إلى قلة المقتصدين وكثرة المعاندين ولا يتخوف مكروههم فقال: ﴿ يا أيها الرسول بلغ ﴾ عن أبي سعيد الخدري "أن هذه الآية نزلت في فضل علي بن أبي طالب  وكرم الله وجه يوم غدير خم، فأخذ رسول الله  بيده وقال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه.

اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.

فلقيه عمر وقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة" .

وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي.

وروي "أنه  نام في بعض أسفاره تحت شجرة وعلق سيفه عليه افأتاه أعرابي وهو نائم فأخذ سيفه واخترطه وقال: يا محمد، من يمنعك مني؟

فقال: الله.

فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ونزل: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ " وقيل: لما نزلت آية التخيير: ﴿ يا أيها النبي قل لأزواجك  ﴾ فلم يعرضها عليهن خوفاً من اختيارهن الدنيا نزلت ﴿ يا أيها الرسول بلغ ﴾ وقيل: نزلت في أمر زيد وزينت بنت جحش.

وقيل: لما نزل ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله  ﴾ سكت رسول الله  عن عيب آلهتهم فنزلت.

أي بلغ معايب آلهتهم ولا تخفها.

وقيل: إنه  لما بين الشرائع والمناسك في حجة الوداع.

قال: هل بلغت؟

قالوا: نعم.

فقال  : "اللهم اشهد" .

فنزلت وقيل: نزلت في قصة/ الرجم والقصاص المذكورتين.

وقال الحسن: إن نبي الله قال: " لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعاً وعرفت أن من الناس من يكذبني واليهود والنصارى وقريش يخوفونني فنزلت الآية فزال الخوف" .

وقالت عائشة "سهر رسول الله  ذات ليلة فقلت: يا رسول الله ما شأنك؟

قال: ألا رجل صالح يحرسني الليلة.

قالت: فبينما نحن في ذلك سمعت صوت السلاح فقال: من هذا؟

قال سعد وحذيفة: جئنا نحرسك.

فنام رسول الله  حتى سمعت غطيطه فنزلت هذه الآية، فأخرج رسول الله  رأسه من قبة أدم فقال: انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله" .

وعن ابن عباس قال: "كان رسول الله  يحرس فكان يرسل معه أبو طالب كل يوم رجالاً من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت هذه الآية.

فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسونه فقال: يا عماه إن الله  قد عصمني من الجن والإنس" .

ومعنى قوله: ﴿ ما أنزل إليك ﴾ جميع ما أنزل إليك وأي شيء أنزل إليك ﴿ وإن لم تفعل ﴾ ما أمرتك به كما أمرتك به ﴿ فما بلغت رسالته ﴾ من قرأ على الوحدة فلأنّ القرآن كله رسالة واحدة، أو لأن الرسالة اسم المصدر فيقع على الواحد وعلى الجمع.

ومن جمع فلأن كل آية أو حكم رسالة.

فإن قيل: معنى قوله: ﴿ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ﴾ إن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته فما وجه صحته؟

فالجواب أن هذا جار على طريق التهديد والمراد إن لم تبلغ منها أدنى شيء فأنت كمن لم يبلغ شيئاً لأن أداء بعضها ليس أولى من أداء البعض الآخر كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها.

أو المراد إن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحي كله فوضع السبب موضع المسبب، ويعضده ما روي أنه  قال: "بعثني الله برسالاته وضقت بها ذرعاً فأوحى الله إليّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت " .

فإن قيل: اين ضمان العصمة وقد جرى عليه يوم أحد ما جرى؟

فالجواب أن الآية نزلت بعد يوم أحد.

أو المراد أنه يعصمه من القتل وعليه أن يحتمل كل ما دون النفس والناس الكفار لقوله: ﴿ إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ أي لا يمكنهم مما يريدون.

ثم لما أمره بتبليغ أي شيء كان طاب للسامع أو ثقل عليه أمره أن يقول لأهل الكتاب: ﴿ لستم على شيء ﴾ أي على دين يعتد به كما تقول: هذا ليس بشيء تريد تحقير شأنه، وباقي الآية مكرر للتأكيد.

ومعنى ﴿ فلا تأس ﴾ لا تاسف ولاتحزن عليهم بسبب زيادة طغيانهم فإن وبال ذلك عائد عليهم، أو لا تأسف بسبب نزول اللعن والعذاب عليهم فإنهم من الكافرين المستحقين لذلك.

يقال: آسى على مصيبته يأسى أسى أي حزن.

ثم لما بين أن أهل التكاب ليسوا على شيء ما لم يؤمنوا بيَّن أن هذا الحكم عام في الكل وأنه لا يحصل لأحد منقبة ولا سعادة إلاّ إذا آمن وعمل صالحاً، وذلك أن كمال القوة النظرية لا يحصل إلاّ بمعرفة المبدأ والمعاد - أعني/ الإيمان بالله واليوم الآخر - وكمال القوة العملية إنما يحصل بتعظيم المعبود والشفقة على المخلوق - أعني العمل الصالح - وغاية هذا الكمال الخلاص من الخوف مما يستقبل ومن الحزن على ما مضى من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أموراً أعظم وأشرف.

وقد تقدم تفسير الحزن على ما مضى من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أموراَ أعظم وأشرف.

وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة البقرة إلاّ أنه بقي ههنا بحث لفظيّ وهو أن قوله: ﴿ والصابئون ﴾ عطف على ماذا؟

فقال الكوفيون: إنه معطوف على محل ﴿ الذين ﴾ لأن اسم "إن" إذا كان مبنياً جاز العطف على محله، وإن كان قبل ذكر الخبر فيجوز: إنك وزيد ذاهبان.

وإن لم يجز إن زيداً وعمرو قائمان.

وذهب البصريون إلى عدم جواز ذلك مطلقاً لأنه يؤدي إلى إعمال "إنّ" وإعمال معنى الابتداء معاً في "قائمان" فيجتمع على المرفوع الواحد رافعان مختلفان وإنه محال.

فإذن ﴿ الصابئون ﴾ مرفوع بالابتداء على نية التأخير كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك، فتكون هذه جملة معطوفة على جملة قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ إلى آخره ولا محل لها كما لا محل للتي عطفت عليها، وفائدة هذا التقديم التنبيه علىأن التوبة مقبولة ألبتة، وذلك أن الصابئين بين هؤلاء المعدودين ضلال لأنهم صبؤا عن الأديان كلها أي خرجوا فكأنه قال: كل هؤلاء الفرق إذا أتوا بالإيمان والعمل الصالح قبلت توبتهم حتى الصابئون ولو قيل: والصابئين لم يكن من التقديم في شيء لأنه ثابت في مركزه الأصلي وإنما تطلب فائدة التقديم للمزال عن موضعه والراجع إلى اسم "إن" محذوف والتقدير من آمن منهم كما في البقرة والله أعلم.

التأويل: شر الفريقين من جعله الله مستعداً لقبول فيض القهر من اللعن والغضب، وجعل صفة الفردية والخنزيرية أعني الحيلة والحرص والشهوة من بعض خصائصهم.

﴿ أولئك شر مكاناً ﴾ من القردة والخنازير لأن القردة والخنازير لا استعداد لهم وهؤلاء قد أبطلوا استعدادهم الفطري ومثله: ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ ولهذا دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به.

الربانيون مشايخ الطريقة والأحبار علماء الشريعة.

﴿ غلت أيديهم ﴾ كانت أيديهم من إصابة الخير مغلولة ومشامهم عن تنسم روائح الصدق مزكومة فلهذا قالوا: ﴿ يد الله مغلولة ﴾ وكل إناء يرشح بما فيه.

ولكن الذي أدركته العناية الأزلية وسلبت عنه صفات الظلومية والجهولية  قال: " "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ينفق كيف يشاء" بيدي اللطف والقهر على المؤمنين من الهداية والإحسان، وعلى/الكافرين من العواية والخذلان.

﴿ وألقينا بينهم العداوة ﴾ فلا يوجد أحد إلاّ وبينه وبين صاحبه بغض إلى أن يتوارثوا بطناً بعد بطن.

ولو أن أهل العلوم الظاهرة آمنوا بالعلوم الباطنة واتقوا الإنكار والاعتراض، ولو أنهم عملوا بمتفقات الكتب المنزلة ومستحسناتها ﴿ لأكلوا من فوقهم ﴾ ورزقوا من الواردات الروحانية ﴿ ومن تحت أرجلهم ﴾ إلى أعلى مقاماتهم.

من العلماء الظاهريين أمة مقتصدة إن لم تكن سابقة بالخيرات، والمقتصد هو العالم المتقي والمريد الصادق دون السابق وهو الواصل الكامل العالم الرباني ﴿ بلغ ما أنزل إليك ﴾ يندرج تحته الوحي والإلهامات والمنامات والوقائع والواردات والمشاهدات والكشوف والأنوار والأسرار والأخلاق والمواهب والحقائق ومعاني النبوّة والرسالة.

فالرسول إن لم يبلغ بعض هذه الحقائق إلى العباد لم يمكنهم الوصول إلى الله فلا يحصل مقصود ما أرسل به فلم يبلغ رسالته إلاّ أن للتبليغ مراتب كما أنزل إليه.

فتبليغ بالعبارة وتبليغ بالإشارة وتبليغ بالتأديب وتبليغ بالتزكية وتبليغ بالتحلية وتبليغ بالهمة وتبليغ بجذبات الولاية وتبيليغ بقوة النبوة والرسالة وتبليغ بالشفاعة.

وللخلق أيضاً مراتب في قبول الدعوة بحسب الاستعدادات المختلفة ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها  ﴾ ﴿ والله يعصمك ﴾ بأوصاف لاهوتيته عن أوصاف ناسوتيتك لتتصرف في الخلق بقوة اللاهوتية فتوصلهم إلى الله ولا يتصرفون فيك فيقطعوك عن الله.

يا أرباب العلوم الظاهرة لستم على شيء من حقيقة الدين حتى تزينوا ظاهركم وباطنكم بالأعمال والأحوال الواردة في الكتب الإلهية وذلك بمقدمتين وأربع نتائج.

فالمقدمتان: الجذبة الإلهية ونتيجتها الإعراض عن الدنيا والتوجه إلى المولى، ثم تربية الشيخ ونتيجتها تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة وتحلية القلب بالأخلاق الفاضلة والله حسبي ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

ذكر هذا - والله أعلم - على أثر قوله: ﴿ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ...

﴾ على أثر قوله: ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً...

﴾ الآية؛ وذلك أنهم كانوا يستهزئون بالمؤمنين ويضحكون منهم، ويطعنون في دينهم ويعيبون عليهم؛ فقال على أثر ذلك: ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ ﴾ ، أي: مما المؤمنون عليه ﴿ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ﴾ قالوا: من؟

قال الله: ﴿ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ...

﴾ الآية؛ فمن كان هذا وصفه فهو شر مما عليه المؤمنون، وقد كان فيهم جميع ذلك مما غضب الله عليهم ولعنهم، أي: حول جوهرهم إلى أقبح جواهر في الطبع وأوخسها - وهي القردة والخنازير - بسوء صنيعهم.

أو يكون ذلك على أثر قول ما قالوا: ما ذكر في بعض القصة: "والله ما نعلم من أهل دين أقل حظّاً في الدنيا والآخرة من هؤلاء"، يعنون: المؤمنين؛ لأنهم كانوا يَدَّعُون أن الدنيا والآخرة لهم، وليس لهؤلاء لا دنيا ولا آخرة؛ فقال الله -  وتعالى -: ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: ثواباً عند الله، فقالوا: من هم؟

قال: ﴿ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ ﴾ .

والملعون: هو المطرود عن الخيرات، وجعل من حول جوهره إلى جوهر القرد والخنزير، وهو أقبح جوهر في الطبع والعقل وأوسخه، ومن ﴿ وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ ﴾ يعني: الشيطان ﴿ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ في الدنيا؛ لما حول جوهرهم إلى أقبح جوهر في الأرض - من الذين لم يحول جوهرهم إلى ذلك؛ إذ لم يروا أحداً من المؤمنين حُوِّل جوهره إلى جوهر مَنْ ذُكِرَ، وقد رأوا كثيراً من أوائلهم قد حولوا من جوهرهم إلى هذه الجواهر المستقبحة في الطبع المؤذية.

أو يكون على الإضمار على أثر أمر كان ونحن لم نعلم به؛ فنزل عند ذلك.

وعن الحسن قال: قوله -  -: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ ﴾ : الذين لعنهم الله، والذين غضب عليهم، والذين عبدوا الطاغوت، والذين جعل منهم القردة والخنازير: منهم من جعله قردة، ومنهم من أبقى على جوهره الذي كان، ﴿ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ في الدنيا والآخرة.

﴿ وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .

أي: أخطأ طريقاً وديناً، والله أعلم بالقصة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول-: هل أخبركم بمن هم أولى بالعيب، وأشد عقابًا من هؤلاء، إنهم أسلافهم الذين طردهم الله من رحمته، وصيرهم بعد المسخ قردة وخنازير، وجعل منهم عُبَّادًا للطاغوت، والطاغوت هو كل من يُعْبد من دون الله راضيًا، أولئك المذكورون شر منزلة يوم القيامة، وأضل سعيًا عن الطريق المستقيم.

<div class="verse-tafsir" id="91.vAqYl"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله