تفسير سورة المائدة الآية ٨٩ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 5 المائدة > الآية ٨٩

لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَـٰنَ ۖ فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍۢ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَٱحْفَظُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٨٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس والمفسرون: إن القوم لما حرموا الطيبات من المآكل والمناكح والملابس حلفوا على ذلك، فلما نزل: ﴿ لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ قالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا؟

فأنزل الله هذه الآية (١) وقد مضى الكلام في معنى لغو اليمين وحكمه مستقصى في سورة البقرة (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ﴾ ، اختلف القراء في (عقدتم) فقرؤوا مخففًا، ومشددًا، وبالألف من عاقد (٣) (٤) وإن عاهدوا أوفوا وإن عاقدوا شدوا (٥) وقال في عقد: قومٌ إذا عَقَدوا عقدًا لجارِهُم (٦) فقال في بيت: عاقدوا، وفي بيت: عقدوا، فمن قرأ بالتشديد احتمل أمرين: أحدهما أن يكون لتكثير الفعل، لأنه خاطب بهذا الجماعة، فصار كقوله تعالى: ﴿ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ  ﴾ ، والآخر أن يكون عَقَّد مثل عقد في أنه لا يراد به التكثير (٧) (٨) قال أبو عبيد: على هذا وجدنا الآثار كلها، يقال: الأيمان ما عُقِدتَ عليه القلوب، وأما من قرأ بالألف فإنه من المفاعلة التي تختص بالواحد مثل: عافاه الله، وطارقت النعل، وعاقبت اللص، فتكون هذه القراءة كقراءة من خفف (٩) (١٠) وأما التفسير قال عطاء: "هو أن يضمر الأمر، ثم يحلف بالله لا إله إلا هو، فيعقد عليه اليمين (١١) وقال مجاهد: ما عقد عليه قلبك وتعمدته، يعني كفارة عقدكم (...) (١٢) (١٣) قال الكلبي: هو أن يحلف على اليمين، وهو يعلم أنه فيها كاذب (١٤) وقال الزجاج: أعلم الله عز وجل أن اليمين يؤاخذ بها العبد، ويجب في بعضها الكفارة، وهو ما جرى على عقد (١٥) وقوله تعالى: ﴿ فَكَفَّارَتُهُ ﴾ ، أي: كفارة ما عقدتم يكون حنثًا، فلا يحتاج إلى الإضمار، وقد يكون موقوفًا على الحنث والبر فيحتاج إلى إضمار إذا حنثتم، ويستغنى عنه أنه مدلول عليه.

وقوله تعالى: ﴿ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ﴾ ، نصيب كل مسكين مُدّ، وهو ثلثا منٍّ (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: كان الرجل يقوت أهله قوتًا فيه سعة، وقوتًا وسطًا، وقوتًا دون ذلك، فأمر بالوسط (٢١) ومثل هذا قال سعيد بن جبير: كان أهل المدينة يفرضون للصغير على قدره، وللكبير على قدره، وللوسط على قدره، فأمروا بأوسط ما يطعمون (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ كِسْوَتُهُمْ ﴾ ، الكسوة في اللغة معناها: اللباس، وهي كل ما يكتسي به (٢٥) (٢٦)  (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ ، قيل: (رقبة) والمراد الجملة؛ لأنه مشبه بالأسير الذي يفك عن رقبته ويطلق (٢٨) (٢٩) قال ابن عباس في رواية عطاء: (أو تحرير رقبة) يريد مؤمنة (٣٠) وهو قول الحسن أيضًا ومذهب الشافعي (٣١) (٣٢) قال أبو إسحاق: خُيِّر الحالف بين هذه الثلاثة، وأفضلها عند الله أكثرها نفْعًا وأحسنها موقعًا من المساكين أو من المعتق، فإن كان الناس في جدب لا يقدرون على المأكول إلا بما هو أشد تكلفًا من الكسوة والإعتاق فالإطعام أفضل؛ لأن به قوام الحياة، وإلا فالإعتاق والكسوة أفضل (٣٣) وهذا إجماع من العلماء أن المكفر مخير بين هذه الثلاث (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ﴾ ، قال الحسن: من كان عنده عشرة دراهم فعليه أن يطعم في الكفارة (٣٥) وقال عطاء الخراساني: عشرون درهما (٣٦) وقال قتادة: من ليس عنده ما يفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته فهو غير واجد، وجاز له الصيام (٣٧) (٣٨) (٣٩) وقال الزجاج: من كان لا يقدر على شيء مما حد في الكفارة (٤٠) قال الشافعي: إذا كان عنده قوته وقوت عياله، يومه وليلته، ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين، لزمته الكفارة بالإطعام، وإن لم يكن عنده هذا القدر فله الصيام (٤١) وعند أبي حنيفة: يجوز له الصيام إذا كان عنده من المال ما لا تجب فيه الزكاة (٤٢) (٤٣) وقوله تعالى: ﴿ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ﴾ ، أي: فعليه، أو فكفارته ثلاثة أيام، قال ابن عباس والحسن: متتابعات (٤٤) (٤٥) (٤٦) وقال عطاء وإبراهيم: ما لم يذكر في كتاب الله متتابعًا فصمه كيف شئت (٤٧) (٤٨) (٤٩) أحدهما: أن التتابع يجب قياسًا على الصيام في كفارة الظهار، ولأن في قراءة عبد الله وأُبي: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (٥٠) والثاني: أنه مخير، إن شاء فرق، وإن شاء تابع (٥١) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ ﴾ ، يعني: أيمانكم الكاذبة، التي حنثتم بها، فحذف النعت لأنه مدلول عليه، وإن شئت قلت: ذلك كفارة حنث أيمانكم، ثم حذف المضاف، وقال أبو إسحاق: أي ذلك الذي يغطي على آثامكم (٥٢) وقوله تعالى: ﴿ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد لا تحلفوا (٥٣) (٥٤) (٥٥) (١) أخرجه الطبري عن ابن عباس 7/ 13، "الوسيط" 2/ 220، البغوي 3/ 90، "زاد المسير" 2/ 412.

(٢) الظاهر أنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ (225) سورة البقرة.

(٣) قال أبو علي: " ...

فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (بما عقَّدتُمْ) بغير ألف مشددة القاف، وكذا روى حفص عن عاصم.

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (بما عَقَدتُمْ) بغير ألف خفيفة، وكذلك قرأ حمزة والكسائي".

وقرأ ابن عامر: (عاقدتم) بألف.

"الحجة للقراء السبعة" 3/ 251.

(٤) "تهذيب اللغة" 3/ 2512 (عقد).

(٥) "ديوانه" ص 140 وصدره: أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البُنى وهو في تهذيب اللغة 3/ 2512 (عقد).

(٦) صدر بيت للحطيئة في ديوانه ص 128، وعجزه: شدوا العِنَاج وشدوا فوقه الكربا وهو في "تهذيب اللغة" 3/ 2512 (عقد)، و"الحجة" 3/ 252.

(٧) "الحجة للقراءة السبعة" 3/ 251.

(٨) "الحجة للقراء السبعة" 3/ 252.

(٩) "الحجة" 3/ 252.

(١٠) "الحجة للقراء السبعة" 3/ 253، 254.

(١١) لم أقف عليه.

(١٢) بياض في (ج) فقط بمقدار كلمة.

(١٣) أخرجه بمعناه الطبري 7/ 14، "الوسيط" 2/ 221، "زاد المسير" 2/ 413.

(١٤) لم أقف عليه، وفي هذا نظر لأن اليمين الكاذبة، وهي الغموس، لا تكفر.

انظر: بحر العلوم 1/ 456 وما نقله عن وهب بن منبه، "الدر المنثور" 2/ 551 وما رواه عن أبي مالك.

(١٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 201، 202.

(١٦) الصالح أربعة أمداد، مقدارها بالوزن الحاضر كيلوان ونصف تقريبًا، فيكون المد أقل من الكيلو.

(١٧) انظر: الطبري 7/ 18 - 21، والبغوي 3/ 91، وابن كثير 2/ 101.

(١٨) "الأم" للشافعي 7/ 64، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 61، والوسيط 2/ 221، وابن كثير 2/ 102.

(١٩) "بحر العلوم" 1/ 456، "النكت والعيون" 2/ 61، والبغوي 3/ 91، وابن كثير 2/ 102.

(٢٠) لم أجده بهذا اللفظ أو قريب منه، والذي أخرج الطبري 7/ 19 عن مجاهد بلفظ: مدان من طعام لكل مسكين.

والمدان: نصف صاع، فهو بمعناه.

(٢١) أخرجه الطبري بمعناه 7/ 22، وانظر: زاد المسير 2/ 414.

(٢٢) أخرجه بنحوه الطبري 7/ 22، انظر: "النكت والعيون" 2/ 61، "زاد المسير" 2/ 413.

(٢٣) "تفسير البغوي" 3/ 91، "زاد المسير" 2/ 414.

(٢٤) لم أقف عليه، وانظر: القرطبي 6/ 276.

(٢٥) "تهذيب اللغة" 4/ 3139 (كسو).

(٢٦) انظر: الطبري 7/ 23 - 24، "بحر العلوم" 1/ 456، "النكت والعيون" 2/ 61، "زاد المسير" 2/ 414.

(٢٧) "النكت والعيون" 2/ 61، والبغوي 3/ 91، "زاد المسير" 2/ 414.

(٢٨) "تفسير الطبري" 7/ 26.

(٢٩) "تفسير الطبري" 7/ 28 - 29، البغوي 3/ 92، "زاد المسير" 2/ 415.

(٣٠) أخرج الطبري 7/ 27 عن عطاء قال: يجزئ المولود في الإِسلام من رقبة.

(٣١) "الأم" 7/ 65.

(٣٢) "تفسير البغوي" 3/ 92، "زاد المسير" 2/ 415.

(٣٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 202.

(٣٤) حكى الإجماع هنا الطبري 10/ 555.

(٣٥) المروي عن الحسن درهمان، كما أخرجه الطبري 7/ 29، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 62، "زاد المسير" 2/ 415.

(٣٦) لم أقف عليه.

(٣٧) انظر: "الوسيط" 2/ 221، "زاد المسير" 2/ 415.

(٣٨) "الأم" 7/ 66، الطبري 7/ 29، "النكت والعيون" 2/ 62، "الوسيط" 2/ 221، "زاد المسير" 2/ 415.

(٣٩) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 122.

(٤٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 202.

(٤١) "الأم" 7/ 66، "الوسيط" 2/ 221، 222، "زاد المسير" 2/ 415.

(٤٢) "النكت والعيون" 7/ 63، "زاد المسير" 2/ 415.

(٤٣) وهذا القول مخالف لظاهر الآية، وما عليه جمهور العلماء.

(٤٤) أخرجه عن ابن عباس الطبري 7/ 30 - 31، "الوسيط" 2/ 222.

أما الحسن فقد نسب إليه ابن الجوزي في زاد المسير 2/ 415 القول بجواز التفريق بين صيام الأيام، والله أعلم.

(٤٥) "بحر العلوم" 1/ 456، والبغوي 3/ 93، و"زاد المسير" 2/ 415، وزاد ابن الجوزي: وهو قول أصحابنا -يعني الحنابلة-.

(٤٦) هكذا نسب المؤلف لمجاهد رحمه الله القول بالتخيير وكذا في الوسيط 2/ 222 إلا أن المعروف عن مجاهد عند عامة المفسرين القول بلزوم التتابع، كما أخرج ذلك عنه الطبري 7/ 30، "بحر العلوم" 1/ 456، "النكت والعيون" 2/ 63، "زاد المسير" 2/ 415.

(٤٧) "تفسير الطبري" 7/ 30.

(٤٨) "تفسير البغوي" 3/ 93، و"زاد المسير" 2/ 415، وابن كثير 2/ 103.

(٤٩) "الأم" 7/ 66، والبغوي 3/ 93، و"زاد المسير" 2/ 415، وابن كثير 2/ 103.

(٥٠) "الأم" 7/ 66، والبغوي 3/ 93، وابن كثير 2/ 103.

(٥١) "تفسير البغوي" 3/ 93 ، وابن كثير 2/ 103.

(٥٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 203.

(٥٣) انظر: "الوسيط" 2/ 222، ونسبه محققه لتفسير ابن عباس ص 100، والبغوي 3/ 93، و"زاد المسير" 2/ 416.

(٥٤) "تفسير الطبري" 7/ 31، "النكت والعيون" 2/ 63، "زاد المسير" 2/ 416.

(٥٥) "النكت والعيون" 2/ 63.

ورجح البغوي 3/ 93 القول الثاني.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله