الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٨٩ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 315 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٩ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قد تقدم في سورة البقرة الكلام على لغو اليمين وإنه قول الرجل في الكلام من غير قصد : لا والله ، بلى والله ، وهذا مذهب الشافعي وقيل : هو في الهزل .
وقيل : في المعصية .
وقيل : على غلبة الظن وهو قول أبي حنيفة وأحمد .
وقيل : اليمين في الغضب .
وقيل : في النسيان .
وقيل : هو الحلف على ترك المأكل والمشرب والملبس ونحو ذلك ، واستدلوا بقوله : ( لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) والصحيح أنه اليمين من غير قصد ; بدليل قوله : ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) أي : بما صممتم عليه من الأيمان وقصدتموها ، فكفارته إطعام عشرة مساكين ؛ يعني : محاويج من الفقراء ، ومن لا يجد ما يكفيه .
وقوله : ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة : أي من أعدل ما تطعمون أهليكم .
وقال عطاء الخراساني : من أمثل ما تطعمون أهليكم .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن حجاج ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن الحارث ، عن علي قال : خبز ولبن ، خبز وسمن .
وقال ابن أبي حاتم : أنبأنا يونس بن عبد الأعلى قراءة ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن سليمان - يعني ابن أبي المغيرة - ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان الرجل يقوت بعض أهله قوت دون ، وبعضهم قوتا فيه سعة ، فقال الله تعالى : ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) أي : من الخبز والزيت .
وحدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن عامر ، عن ابن عباس : ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) قال : من عسرهم ويسرهم .
وحدثنا عبد الرحمن بن خلف الحمصي ، حدثنا محمد بن شعيب - يعني ابن شابور - ، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن التميمي ، عن ليث بن أبي سليم ، عن عاصم الأحول عن رجل يقال له : عبد الرحمن ، عن ابن عمر أنه قال : ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) قال : الخبز واللحم ، والخبز والسمن ، والخبز واللبن ، والخبز والزيت ، والخبز والخل .
وحدثنا علي بن حرب الموصلي ، حدثنا أبو معاوية ، عن عاصم ، عن ابن سيرين ، عن ابن عمر في قوله : ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) قال : الخبز والسمن ، والخبز والزيت ، والخبز والتمر ، ومن أفضل ما تطعمون أهليكم : الخبز واللحم .
ورواه ابن جرير ، عن هناد وابن وكيع كلاهما عن أبي معاوية .
ثم روى ابن جرير ، عن عبيدة والأسود وشريح القاضي ومحمد بن سيرين والحسن والضحاك وأبي رزين : أنهم قالوا نحو ذلك ، وحكاه ابن أبي حاتم ، عن مكحول أيضا .
واختار ابن جرير أن المراد بقوله : ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) أي : في القلة والكثرة .
ثم اختلف العلماء في مقدار ما يطعمهم ، فقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن حجاج ، عن حصين الحارثي ، عن الشعبي ، عن الحارث ، عن علي [ رضي الله عنه ] في قوله : ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) قال : يغذيهم ويعشيهم .
وقال الحسن ومحمد بن سيرين : يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة خبزا ولحما ، زاد الحسن : فإن لم يجد فخبزا وسمنا ولبنا ، فإن لم يجد فخبزا وزيتا وخلا حتى يشبعوا .
وقال آخرون : يطعم كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر ، ونحوهما .
هذا قول عمر وعلي وعائشة ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران وأبي مالك والضحاك والحاكم ومكحول وأبي قلابة ومقاتل بن حيان .
وقال أبو حنيفة : نصف صاع [ من ] بر ، وصاع مما عداه .
وقد قال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن الثقفي ، حدثنا عبيد بن الحسن بن يوسف ، حدثنا محمد بن معاوية ، حدثنا زياد بن عبد الله بن الطفيل بن سخبرة ابن أخي عائشة لأمه ، حدثنا عمر بن يعلى ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر ، وأمر الناس به ، ومن لم يجد فنصف صاع من بر .
ورواه ابن ماجه ، عن العباس بن يزيد ، عن زياد بن عبد الله البكائي ، عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي ، عن المنهال بن عمرو به .
لا يصح هذا الحديث لحال عمر بن عبد الله هذا ، فإنه مجمع على ضعفه ، وذكروا أنه كان يشرب الخمر .
وقال الدارقطني : متروك .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا ابن إدريس ، عن داود - يعني ابن أبي هند - عن عكرمة ، عن ابن عباس : مد من بر - يعني لكل مسكين - ومعه إدامه .
ثم قال : وروي عن ابن عمر وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء وعكرمة وأبي الشعثاء والقاسم وسالم وأبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار والحسن ومحمد بن سيرين والزهري نحو ذلك .
وقال الشافعي : الواجب في كفارة اليمين مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم لكل مسكين .
ولم يتعرض للأدم - واحتج بأمر النبي صلى الله عليه وسلم للذي جامع في رمضان بأن يطعم ستين مسكينا من مكيل يسع خمسة عشر صاعا لكل واحد منهم مد .
وقد ورد حديث آخر صريح في ذلك ، فقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا أحمد بن علي بن الحسن المقري ، حدثنا محمد بن إسحاق السراج ، حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا النضر بن زرارة الكوفي ، عن عبد الله بن عمر العمري ، عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقيم كفارة اليمين مدا من حنطة بالمد الأول .
إسناده ضعيف ، لحال النضر بن زرارة بن عبد الأكرم الذهلي الكوفي نزيل بلخ قال فيه أبو حاتم الرازي : هو مجهول مع أنه قد روى عنه غير واحد .
وذكره ابن حبان في الثقات وقال : روى عنه قتيبة بن سعيد أشياء مستقيمة ، فالله أعلم .
ثم إن شيخه العمري ضعيف أيضا .
وقال أحمد بن حنبل : الواجب مد من بر ، أو مدان من غيره .
والله أعلم .
وقوله : ( أو كسوتهم ) قال الشافعي رحمه الله : لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة من قميص أو سراويل أو إزار أو عمامة أو مقنعة أجزأه ذلك .
واختلف أصحابه في القلنسوة : هل تجزئ أم لا ؟
على وجهين ، فمنهم من ذهب إلى الجواز ، احتجاجا بما رواه ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج وعمار بن خالد الواسطي ، قالا : حدثنا القاسم بن مالك عن محمد بن الزبير عن أبيه قال : سألت عمران بن حصين عن قوله : ( أو كسوتهم ) قال : لو أن وفدا قدموا على أميركم وكساهم قلنسوة قلنسوة ، قلتم : قد كسوا .
ولكن هذا إسناد ضعيف ; لحال محمد بن الزبير هذا ، والله أعلم .
وهكذا حكى الشيخ أبو حامد الاسفرايني في الخف وجهين أيضا ، والصحيح عدم الإجزاء .
وقال مالك وأحمد بن حنبل : لا بد أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصح أن يصلي فيه ، إن كان رجلا أو امرأة ، كل بحسبه .
والله أعلم .
وقال العوفي ، عن ابن عباس : عباءة لكل مسكين ، أو ثملة .
وقال مجاهد : أدناه ثوب ، وأعلاه ما شئت .
وقال ليث عن مجاهد : يجزئ في كفارة اليمين كل شيء إلا التبان .
وقال الحسن وأبو جعفر الباقر وعطاء وطاوس وإبراهيم النخعي وحماد بن أبى سليمان وأبو مالك : ثوب ثوب .
وعن إبراهيم النخعي أيضا : ثوب جامع كالملحفة والرداء ، ولا يرى الدرع والقميص والخمار ونحوه جامعا .
وقال الأنصاري ، عن أشعث ، عن ابن سيرين والحسن : ثوبان .
وقال الثوري ، عن داود بن أبي هند ، عن سعيد بن المسيب : عمامة يلف بها رأسه ، وعباءة يلتحف بها .
وقال ابن جرير : حدثنا هناد ، حدثنا ابن المبارك ، عن عاصم الأحول ، عن ابن سيرين ، عن أبي موسى أنه حلف على يمين ، فكسا ثوبين من معقدة البحرين .
وقال ابن مردويه : حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا أحمد بن المعلى ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن مقاتل بن سليمان ، عن أبي عثمان ، عن أبي عياض عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : ( أو كسوتهم ) قال : " عباءة لكل مسكين " .
حديث غريب .
وقوله : ( أو تحرير رقبة ) أخذ أبو حنيفة بإطلاقها ، فقال : تجزئ الكافرة كما تجزئ المؤمنة .
وقال الشافعي وآخرون : لا بد أن تكون مؤمنة .
وأخذ تقييدها بالإيمان من كفارة القتل ; لاتحاد الموجب وإن اختلف السبب ولحديث معاوية بن الحكم السلمي الذي هو في موطأ مالك ومسند الشافعي وصحيح مسلم : أنه ذكر أن عليه عتق رقبة ، وجاء معه بجارية سوداء ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أين الله؟
" قالت : في السماء .
قال : " من أنا؟
" قالت : رسول الله .
قال : " أعتقها فإنها مؤمنة " .
الحديث بطوله .
فهذه خصال ثلاث في كفارة اليمين أيها فعل الحانث أجزأ عنه بالإجماع .
وقد بدأ بالأسهل فالأسهل ، فالإطعام أيسر من الكسوة ، كما أن الكسوة أيسر من العتق ، فرقي فيها من الأدنى إلى الأعلى .
فإن لم يقدر المكلف على واحدة من هذه الخصال الثلاث كفر بصيام ثلاثة أيام ، كما قال تعالى : ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ) وروى ابن جرير ، عن سعيد بن جبير والحسن البصري أنهما قالا من وجد ثلاثة دراهم لزمه الإطعام وإلا صام .
وقال ابن جرير حاكيا عن بعض متأخري متفقهة زمانه أنه قال : جائز لمن لم يكن له فضل عن رأس مال يتصرف به لمعاشه ما يكفر به بالإطعام ، أن يصوم إلا أن يكون له كفاية ، ومن المال ما يتصرف به لمعاشه ، ومن الفضل عن ذلك ما يكفر به عن يمينه .
ثم اختار ابن جرير : أنه الذي لا يفضل عن قوته وقوت عياله في يومه ذلك ما يخرج به كفارة اليمين .
واختلف العلماء : هل يجب فيها التتابع أو يستحب ولا يجب ويجزئ التفريق؟
على قولين : أحدهما أنه لا يجب التتابع ، هذا منصوص الشافعي في كتاب " الأيمان " ، وهو قول مالك لإطلاق قوله : ( فصيام ثلاثة أيام ) وهو صادق على المجموعة والمفرقة ، كما في قضاء رمضان ; لقوله : ( فعدة من أيام أخر ) [ البقرة : 184 ] .
ونص الشافعي في موضع آخر في " الأم " على وجوب التتابع ، كما هو قول الحنفية والحنابلة ; لأنه قد روي عن أبي بن كعب وغيرهم أنهم كانوا يقرءونها : " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " .
قال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها : " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " .
وحكاها مجاهد والشعبي وأبو إسحاق ، عن عبد الله بن مسعود .
وقال إبراهيم : في قراءة عبد الله بن مسعود : " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " .
وقال الأعمش : كان أصحاب ابن مسعود يقرءونها كذلك .
وهذه إذا لم يثبت كونها قرآنا متواترا ، فلا أقل أن يكون خبرا واحدا ، أو تفسيرا من الصحابي ، وهو في حكم المرفوع .
وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن علي ، حدثنا محمد بن جعفر الأشعري ، حدثنا الهيثم بن خالد القرشي ، حدثنا يزيد بن قيس ، عن إسماعيل بن يحيى عن ابن عباس قال : لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة : يا رسول الله ، نحن بالخيار؟
قال : " أنت بالخيار ، إن شئت أعتقت ، وإن شئت كسوت ، وإن شئت أطعمت ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات " .
وهذا حديث غريب جدا .
وقوله : ( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم ) قال ابن جرير : معناه لا تتركوها بغير تكفير .
( كذلك يبين الله لكم آياته ) أي : يوضحها وينشرها ( لعلكم تشكرون )
لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم القول في تأويل قوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } يقول تعالى ذكره للذين كانوا حرموا على أنفسهم الطيبات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا حرموا ذلك بأيمان حلفوا بها , فنهاهم عن تحريمها , وقال لهم : لا يؤاخذكم ربكم باللغو في أيمانكم .
كما : 9642 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قال : لما نزلت : { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } في القوم الذين كانوا حرموا النساء واللحم على أنفسهم , قالوا : يا رسول الله , كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟
فأنزل الله تعالى ذكره : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } الآية .
فهذا يدل على ما قلنا من أن القوم كانوا حرموا على أنفسهم بأيمان حلفوا بها , فنزلت هذه الآية بسببهم .ولكن يؤاخذكم واختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأته عامة قراء الحجاز وبعض البصريين : { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } بتشديد القاف , بمعنى : وكدتم الأيمان ورددتموها ; وقراء الكوفيين : " بما عقدتم الأيمان " بتخفيف القاف , بمعنى : أوجبتموها على أنفسكم , وعزمت عليها قلوبكم .
وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ بتخفيف القاف , وذلك أن العرب لا تكاد تستعمل فعلت في الكلام , إلا فيما يكون فيه تردد مرة بعد مرة , مثل قولهم : شددت على فلان في كذا إذا كرر عليه الشد مرة بعد أخرى , فإذا أرادوا الخبر عن فعل مرة واحدة قيل : شددت عليه بالتخفيف .
وقد أجمع الجميع لا خلاف بينهم أن اليمين التي تجب بالحنث فيها الكفارة تلزم بالحنث في حلف مرة واحدة وإن لم يكررها الحالف مرات , وكان معلوما بذلك أن الله مؤاخذ الحالف العاقد قلبه على حلفه وإن لم يكرره ولم يردده ; وإذا كان ذلك كذلك لم يكن لتشديد القاف من عقدتم وجه مفهوم .
فتأويل الكلام إذن : لا يؤاخذكم الله أيها المؤمنون من أيمانكم بما لغوتم فيه , ولكن يؤاخذكم بما أوجبتموه على أنفسكم منها وعقدت عليه قلوبكم .
وقد بينا اليمين التي هي لغو والتي الله مؤاخذ العبد بها , والتي فيها الحنث والتي لا حنث فيها , فيما مضى من كتابنا هذا فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع .بما عقدتم الأيمان وأما قوله : { بما عقدتم الأيمان } فإن هنادا : 9643 - حدثنا قال : ثنا وكيع , عن سفيان , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } قال : بما تعمدتم .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .
9644 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن الحسن : { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } يقول : ما تعمدت فيه المأثم , فعليك فيه الكفارة .فكفارته إطعام عشرة مساكين القول في تأويل قوله تعالى .
{ فكفارته إطعام عشرة مساكين } اختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله : { فكفارته } على ما هي عائدة , ومن ذكر ما ؟
فقال بعضهم : هي عائدة على " ما " التي في قوله : { بما عقدتم الأيمان } ذكر من قال ذلك : 9645 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن عوف , عن الحسن في هذه الآية : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : هو أن تحلف على الشيء وأنت يخيل إليك أنه كما حلفت وليس كذلك , فلا يؤاخذكم الله , فلا كفارة , ولكن المؤاخذة والكفارة فيما حلفت عليه على علم .
9646 - حدثنا ابن حميد , وابن وكيع , قالا : ثنا جرير , عن منصور , عن مغيرة , عن الشعبي , قال : اللغو ليس فيه كفارة { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } قال : ما عقد فيه يمينه فعليه الكفارة .
9647 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حصين , عن أبي مالك , قال : الأيمان ثلاث : يمين تكفر , ويمين لا تكفر , ويمين لا يؤاخذ بها صاحبها .
فأما اليمين التي تكفر , فالرجل يحلف على الأمر لا يفعله ثم يفعله , فعليه الكفارة .
وأما اليمين التي لا تكفر : فالرجل يحلف على الأمر يتعمد فيه الكذب , فليس فيه كفارة .
وأما اليمين التي لا يؤاخذ بها صاحبها : فالرجل يحلف على الأمر يرى أنه كما حلف عليه فلا يكون كذلك , فليس عليه فيه كفارة , وهو اللغو .
9648 - حدثنا يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا ابن أبي ليلى , عن عطاء , قال : قالت عائشة : لغو اليمين ما لم يعقد عليه الحالف قلبه .
9649 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا هشام , قال : ثنا حماد , عن إبراهيم , قال : ليس في لغو اليمين كفارة .
9650 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني يونس , عن ابن شهاب , أن عروة حدثه أن عائشة قالت : أيمان الكفارة كل يمين حلف فيها الرجل على جد من الأمور في غضب أو غيره ليفعلن ليتركن , فذلك عقد الأيمان التي فرض الله فيها الكفارة , وقال تعالى ذكره : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } .
9651 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني معاوية بن صالح , عن يحيى بن سعيد , وعن علي بن أبي طلحة , قالا : ليس في لغو اليمين كفارة .
9652 - حدثنا بشر , قال : ثنا جامع بن حماد , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن الحسن : { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } يقول : ما تعمدت فيه المأثم فعليك فيه الكفارة .
قال : وقال قتادة : أما اللغو فلا كفارة فيه .
* - حدثنا هناد , قال : ثنا عبدة , عن سعيد , عن قتادة , عن الحسن , قال : لا كفارة في لغو اليمين .
9653 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عمرو العنقزي , عن أسباط , عن السدي : ليس في لغو اليمين كفارة .
فمعنى الكلام على هذا التأويل : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم , ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان , فكفارة ما عقدتم منها : إطعام عشرة مساكين .
وقال آخرون : الهاء في قوله : { فكفارته } عائدة على اللغو , وهي كناية عنه .
قالوا : وإنما معنى الكلام : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم إذا كفرتموه , ولكن يؤاخذكم إذا عقدتم الأيمان فأقمتم على المضي عليه بترك الحنث والكفارة فيه , والإقامة على المضي عليه غير جائزة لكم , فكفارة اللغو منها إذا حنثتم فيه : إطعام عشرة مساكين .
ذكر من قال ذلك : 9654 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : هو الرجل يحلف على أمر ضرار أن يفعله فلا يفعله فيرى الذي هو خير منه , فأمره الله أن يكفر عن يمينه ويأتي هو خير .
وقال مرة أخرى قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } إلى قوله : { بما عقدتم الأيمان } قال : واللغو من اليمين هي التي تكفر لا يؤاخذ الله بها , ولكن من أقام على تحريم ما أحل الله له ولم يتحول عنه ولم يكفر عن يمينه , فتلك التي يؤاخذ بها .
9655 - حدثنا هناد , قال : ثنا حفص بن غياث , عن داود بن أبي هند , عن سعيد بن جبير , قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : هو الذي يحلف على المعصية فلا يفي , فيكفر .
9656 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا داود , عن سعيد بن جبير : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : هو الرجل يحلف على المعصية فلا يؤاخذها الله تعالى , يكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } الرجل يحلف على المعصية ثم يقيم عليها , فكفارته إطعام عشرة مساكين .
9657 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا داود , عن سعيد بن جبير , قال في لغو اليمين : هي اليمين في المعصية , فقال : أولا تقرأ فتفهم ؟
قال : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } قال : فلا يؤاخذه بالإلغاء , ولكن يؤاخذه بالمقام عليها .
قال : وقال : { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } .
* - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا أبو بشر , عن سعيد بن جبير , في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : هو الرجل يحلف على المعصية فلا يؤاخذه الله بتركها إن تركها .
قلت : وكيف يصنع ؟
قال : يكفر يمينه , ويترك المعصية .
9658 - حدثني يحيى بن جعفر , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك , في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : اليمين المكفرة .
9659 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو الأحوص , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال : اللغو : يمين لا يؤاخذ بها صاحبها , وفيها كفارة .
والذي هو أولى عندي بالصواب في ذلك , أن تكون الهاء في قوله : { فكفارته } عائدة على " ما " التي في قوله : { بما عقدتم الأيمان } لما قدمنا فيما مضى قبل أن من لزمته في يمينه كفارة وأوخذ بها , غير جائز أن يقال لمن قد أوخذ : لا يؤاخذه الله باللغو ; وفي قوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } دليل واضح أنه لا يكون مؤاخذ بوجه من الوجوه من أخبرنا تعالى ذكره أنه غير مؤاخذ .
فإن ظن ظان أنه إنما عنى تعالى ذكره بقوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } بالعقوبة عليها في الآخرة إذا حنثتم وكفرتم , لا أنه لا يؤاخذهم بها في الدنيا بتكفير ; فإن إخبار الله تعالى ذكره وأمره ونهيه في كتابه على الظاهر العام عندنا بما قد دللنا على صحة القول به في غير هذا الموضع فأغنى عن إعادته , دون الباطن العام الذي لا دلالة على خصوصه في عقل ولا خبر ولا دلالة من عقل ولا خبر , أنه عنى تعالى ذكره بقوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } بعض معاني المؤاخذة دون جميعها .
وإذ كان ذلك كذلك , وكان من لزمته كفارة في يمين حنث فيها مؤاخذا بها بعقوبة في ماله عاجلة , كان معلوما أنه غير الذي أخبرنا تعالى ذكره أنه لا يؤاخذه بها .
وإذا كان الصحيح من التأويل في ذلك ما قلنا بالذي عليه دللنا , فمعنى الكلام إذن : لا يؤاخذكم الله أيها الناس بلغو من القول والأيمان إذا لم تتعمدوا بها معصية الله تعالى ولا خلاف أمره ولم تقصدوا بها إثما , ولكن يؤاخذكم بما تعمدتم به الإثم وأوجبتموه على أنفسكم وعزمت عليه قلوبكم , ويكفر ذلك عنكم , فيغطي على سيئ ما كان منكم من كذب وزور قول ويمحوه عنكم , فلا يتبعكم به ربكم ; إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم .من أوسط ما تطعمون أهليكم القول في تأويل قوله تعالى : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } يعني تعالى ذكره بقوله : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } أعدله .
كما : 9660 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : سمعت عطاء يقول في هذه الآية : { من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم } قال عطاء : أوسطه : أعدله , واختلف أهل التأويل في معنى قوله : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } فقال بعضهم : معناه : من أوسط ما يطعم من أجناس الطعام الذي يقتاته أهل بلد المكفر أهاليهم .
ذكر من قال ذلك : 9661 - حدثنا هناد , قال : أخبرنا شريك , عن عبد الله بن حنش , عن الأسود , قال : سألته عن : { أوسط ما تطعمون أهليكم } قال : الخبز والتمر والزيت والسمن , وأفضله اللحم .
* - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن عبد الله بن حنش , قال : سألت الأسود بن يزيد , عن ذلك , فقال : الخبز والتمر .
زاد هناد في حديثه : الزيت , قال : وأحسبه الخل .
9662 - حدثنا هناد وابن وكيع , قالا : ثنا أبو الأحوص , عن عاصم الأحول , عن ابن سيرين , عن ابن عمر في قوله : { أوسط ما تطعمون أهليكم } قال : من أوسط ما يطعم أهله الخبز والتمر , والخبز والسمن والخبز والزيت , ومن أفضل ما يطعمهم : الخبز واللحم .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا محمد بن فضيل , عن ليث , عن ابن سيرين , عن ابن عمر : { أوسط ما تطعمون أهليكم } الخبز واللحم , والخبز والسمن , والخبز والجبن , والخبز والخل .
* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن عبد الله بن حنش , قال : سألت الأسود بن يزيد عن أوسط ما تطعمون أهليكم ؟
قال : الخبز والتمر .
* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا يحيى , قال : ثنا سفيان , قال : ثنا عبد الله بن حنش , قال : سألت الأسود بن يزيد , فذكر مثله .
9663 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سعيد بن عبد الرحمن , عن محمد بن سيرين , عن عبيدة السلماني : { أوسط ما تطعمون أهليكم } قال : الخبز والسمن .
* - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سعيد بن عبد الرحمن , عن ابن سيرين , قال : سألت عبيدة عن ذلك , فذكر مثله .
* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أزهر , قال : أخبرنا ابن عون , عن محمد بن سيرين , عن عبيدة : { أوسط ما تطعمون أهليكم } الخبز والسمن .
9664 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن يزيد بن إبراهيم , عن ابن سيرين , قال : كانوا يقولون : أفضله الخبز واللحم , وأوسطه : الخبز والسمن , وأخسه : الخبز والتمر .
9665 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن الربيع , عن الحسن , قال : خبز ولحم , أو خبز وسمن , أو خبز ولبن .
9666 - حدثنا هناد وابن وكيع , قالا : ثنا عمر بن هارون , عن أبي مصلح , عن الضحاك في قوله : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } قال : الخبز واللحم والمرقة .
9667 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا زائدة , عن يحيى بن حبان الطائي , قال : كنت عند شريح , فأتاه رجل , فقال : إني حلفت على يمين فأثمت !
قال شريح : ما حملك على ذلك ؟
قال : قدر علي , فما أوسط ما أطعم أهلي ؟
قال له شريح .
الخبز والزيت والخل طيب .
قال : فأعاد عليه , فقال له شريح ذلك ثلاث مرار لا يزيده شريح على ذلك .
فقال له : أرأيت إن أطعمت الخبز واللحم ؟
قال : ذاك أرفع طعام أهلك وطعام الناس .
9668 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو خالد الأحمر , عن حجاج , عن أبي إسحاق , عن الحارث , عن علي , قال في كفارة اليمين : يغديهم ويعشيهم خبزا وزيتا , أو خبزا وسمنا .
أو خلا وزيتا .
9669 - حدثنا هناد وابن وكيع , قالا .
ثنا أبو أسامة , عن زبرقان , عن أبي رزين : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } خبز وزيت وخل .
9670 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبد الأعلى , عن هشام بن محمد , قال : أكلة واحدة خبز ولحم .
قال : وهو من أوسط ما تطعمون أهليكم , وإنكم لتأكلون الخبيص والفاكهة .
9671 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبد الأعلى , وحدثنا هناد , قال : ثنا أبو أسامة , عن هشام , عن الحسن قال في كفارة اليمين : يجزيك أن تطعم عشرة مساكين أكلة واحدة خبزا ولحما , فإن لم تجد فخبزا وسمنا ولبنا , فإن لم تجد فخبزا وخلا وزيتا حتى يشبعوا .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن نمير , عن زبرقان , قال : سألت أبا رزين , عن كفارة اليمين ما يطعم ؟
قال : خبزا وخلا وزيتا من أوسط ما تطعمون أهليكم , وذلك قدر قوتهم يوما واحدا .
ثم اختلف قائلو ذلك في مبلغه .
فقال بعضهم : مبلغ ذلك نصف صاع من حنطة .
أو صاع من سائر الحبوب غيرها .
ذكر من قال ذلك : 9672 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن عبد الله بن عمرو بن مرة , عن أبيه , عن إبراهيم , عن عمر , قال : إني أحلف على اليمين ثم يبدو لي , فإذا رأيتني قد فعلت ذلك فأطعم عشرة مساكين لكل مسكين مدان من حنطة .
9673 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو معاوية , ويعلى عن الأعمش , عن شقيق , عن يسار بن نمير , قال : قال عمر : إني أحلف أن لا أعطي أقواما ثم يبدو لي أن أعطيهم , فإذا رأيتني فعلت ذلك , فأطعم عني عشرة مساكين بين كل مسكينين صاعا من بر أو صاعا من تمر .
9674 - حدثنا هناد ومحمد بن العلاء قالا : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع قال : ثنا أبي , عن ابن أبي ليلى , عن عمرو بن مرة , عن عبد الله بن سلمة , عن علي , قال : كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين , لكل مسكين نصف صاع من حنطة .
9675 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو الأحوص , عن مغيرة , عن إبراهيم : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } نصف صاع بر لكل مسكين .
9676 - حدثنا هناد , قال : ثنا حفص عن عبد الكريم الجزري , قال : قلت لسعيد بن جبير : أجمعهم ؟
قال : لا , أعطهم مدين من حنطة , مدا لطعامه ومدا لإدامه .
* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن عبد الكريم الجزري , قال : قلت لسعيد , فذكر نحوه .
9677 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو زيد , عن حصين , قال : سألت الشعبي , عن كفارة اليمين , فقال : مكوكين : مكوكا لطعامه , ومكوكا لإدامه .
9678 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا هشام , عن عطاء , عن ابن عباس , قال : لكل مسكين مدين .
* - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو أسامة , عن هشام , عن عطاء , عن ابن عباس , قال : لكل مسكين مدين من بر في كفارة اليمين .
9679 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : مدان من طعام لكل مسكين .
9680 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا سعد بن يزيد أبو سلمة , قال : سألت جابر بن زيد عن إطعام المسكين في كفارة اليمين , فقال : أكلة .
قلت : فإن الحسن يقول : مكوك بر , ومكوك تمر , فما ترى في مكوك بر ؟
فقال : إن مكوك بر لا , أو مكوك تمر لا .
قال يعقوب : قال ابن علية وقال أبو سلمة بيده , كأنه يراه حسنا , وقلب أبو سلمة يده .
9681 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو أسامة , عن هشام , عن الحسن : أنه كان يقول في كفارة اليمين فيما وجب فيه الطعام : مكوك تمر , ومكوك بر لكل مسكين .
9682 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , قال : ثنا أبي , عن الربيع , عن الحسن قال , قال : إن جمعهم أشبعهم إشباعة واحدة , وإن أعطاهم أعطاهم مكوكا مكوكا .
* - حدثنا يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن يونس , قال : كان الحسن يقول : فإن أعطاهم في أيديهم فمكوك بر ومكوك تمر .
9683 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبيد الله , عن إسرائيل , عن السدي , عن أبي مالك في كفارة اليمين : نصف صاع لكل مسكين .
9684 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن علية , عن أبيه , عن الحكم , في قوله : { إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم } قال : إطعام نصف صاع لكل مسكين .
9685 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا زائدة , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال : { أوسط ما تطعمون أهليكم } نصف صاع .
9686 - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد , قال : ثنا عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله : { فكفارته إطعام عشرة مساكين } قال : الطعام لكل مسكين : نصف صاع من تمر أو بر .
وقال آخرون : بل مبلغ ذلك من كل شيء من الحبوب مد واحد .
ذكر من قال ذلك : 9687 - حدثنا هناد وأبو كريب , قالا : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن هشام الدستوائي , عن يحيى بن أبي كثير , عن أبي سلمة , عن زيد بن ثابت , أنه قال في كفارة اليمين : مد من حنطة لكل مسكين .
9688 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو معاوية , عن داود بن أبي هند , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال في كفارة اليمين : مد من حنطة لكل مسكين ربعه إدامه .
* - حدثنا هناد وأبو كريب , قالا : ثنا وكيع , عن سفيان , عن داود بن أبي هند , عن عكرمة , عن ابن عباس , نحوه .
9689 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جرير , عن ابن عجلان , عن نافع , عن ابن عمر : إطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد .
* - حدثنا هناد وأبو كريب , قالا : ثنا وكيع , قال : ثنا العمري , عن نافع , عن ابن عمر , قال : مد من حنطة لكل مسكين .
9690 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو الأحوص , عن يحيى بن سعيد , عن نافع , عن ابن عمر : أنه كان يكفر اليمين بعشرة أمداد بالمد الأصغر .
9691 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن مهدي , عن حماد بن سلمة , عن عبيد الله , عن القاسم وسالم في كفارة اليمين : ما يطعم ؟
قالا : مد لكل مسكين .
9692 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو الأحوص , عن يحيى بن سعيد , عن سليمان بن يسار , قال : كان الناس إذا كفر أحدهم , كفر بعشرة أمداد بالمد الأصغر .
9693 - حدثنا هناد , قال : ثنا عمر بن هارون , عن ابن جريج , عن عطاء في قوله : { إطعام عشرة مساكين } قال : عشرة أمداد لعشرة مساكين .
9694 - حدثنا بشر , قال : ثنا جامع بن حماد , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن الحسن : { إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم } قال : كان يقال : البر والتمر , لكل مسكين مد من تمر ومد من بر .
9695 - حدثنا أبو كريب وهناد , قالا : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن مالك بن مغول , عن عطاء , قال : مد لكل مسكين .
9696 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } قال : من أوسط ما تعولونهم .
قال : وكان المسلمون رأوا أوسط ذلك مدا بمد رسول الله من حنطة .
قال ابن زيد : هو الوسط مما يقوت به أهله , ليس بأدناه ولا بأرفعه .
9697 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم , عن يحيى بن سعيد , عن سعيد بن المسيب : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } قال : مد .
وقال آخرون : بل ذلك غداء وعشاء .
ذكر من قال ذلك : 9698 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو خالد الأحمر , عن حجاج , عن أبي إسحاق , عن الحارث , عن علي , قال في كفارة اليمين : يغديهم ويعشيهم .
9699 - حدثنا هناد , قال : ثنا عمر بن هارون , عن موسى بن عبيدة , عن محمد بن كعب القرظي في كفارة اليمين قال : غداء وعشاء .
9700 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن يونس , عن الحسن , قال : يغديهم ويعشيهم .
وقال آخرون : إنما عنى بقوله : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } من أوسط ما يطعم المكفر أهله .
قال : إن كان ممن يشبع أهله أشبع المساكين العشرة , وإن كان ممن لا يشبعهم لعجزه عن ذلك أطعم المساكين على قدر ما يفعل من ذلك بأهله في عسره ويسره .
ذكر من قال ذلك : 9701 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قوله : { فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم } قال : إن كنت تشبع أهلك فأشبع المساكين , وإلا فعلى ما تطعم أهلك بقدره .
* - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم } وهو أن تطعم كل مسكين من نحو ما تطعم أهلك من الشبع , أو نصف صاع من بر .
9702 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , قال : ثنا أبي , عن إسرائيل , عن جابر , عن عامر , عن ابن عباس , قال : من عسرهم ويسرهم .
9703 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , عن إسرائيل , عن جابر , عن عامر , قال : من عسرهم ويسرهم .
9704 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن مهدي , قال : ثنا سفيان , عن سليمان بن أبي المغيرة , عن سعيد بن جبير : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } قال : قوتهم .
* - حدثنا هناد وأبو كريب , قالا : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن سليمان العبسي , عن سعيد بن جبير , في قوله : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } قال : قوتهم .
9705 - حدثنا أبو حميد , قال : ثنا حكام بن سلم , قال : ثنا عنبسة , عن سليمان بن عبيد العبسي , عن سعيد بن جبير في قوله : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } قال : كانوا يفضلون الحر على العبد والكبير على الصغير , فنزلت : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } .
* - حدثنا الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال .
ثنا قيس بن الربيع , عن سالم الأفطس , عن سعيد بن جبير , قال : كانوا يطعمون الكبير ما لا يطعمون الصغير , ويطعمون الحر ما لا يطعمون العبد , فقال : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } .
9706 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا هشيم , قال : ثنا جويبر , عن الضحاك , في قوله : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } قال : إن كنت تشبع أهلك فأشبعهم , وإن كنت لا تشبعهم , فعلى قدر ذلك .
* - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : ثنا شيبان النحوي , عن جابر , عن عامر , عن ابن عباس : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } قال : من عسرهم ويسرهم .
9707 - حدثنا يونس , قال : ثنا سفيان عن سليمان , عن سعيد بن جبير , قال : قال ابن عباس : كان الرجل يقوت بعض أهله قوتا دونا وبعضهم قوتا فيه سعة , فقال الله : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } الخبز والزيت .
وأولى الأقوال في تأويل قوله : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } عندنا قول من قال : من أوسط ما تطعمون أهليكم في القلة والكثرة .
وذلك أن أحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكفارات كلها بذلك وردت , وذلك كحكمه صلى الله عليه وسلم في كفارة الحلق من الأذى بفرق من طعام بين ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع , وكحكمه في كفارة الوطء في شهر رمضان بخمسة عشر صاعا بين ستين مسكينا لكل مسكين ربع صاع .
ولا يعرف له صلى الله عليه وسلم شيء من الكفارات أمر بإطعام خبز وإدام ولا بغداء وعشاء .
فإذ كان ذلك كذلك , وكانت كفارة اليمين إحدى الكفارات التي تلزم من لزمته , كان سبيلها سبيل ما تولى الحكم فيه صلى الله عليه وسلم من أن الواجب على مكفرها من الطعام مقدار للمساكين العشرة , محدود بكيل دون جمعهم على غداء أو عشاء مخبوز مأدوم , إذ كانت سنته صلى الله عليه وسلم في سائر الكفارات كذلك .
فإذ كان صحيحا ما قلنا بما به استشهدنا , فبين أن تأويل الكلام : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان , فكفارته إطعام عشرة مساكين من أعدل إطعامكم أهليكم , وأن " ما " التي في قوله : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } بمعنى المصدر , لا بمعنى الأسماء .
وإذا كان ذلك كذلك , فأعدل أقوات الموسع على أهله مدان , وذلك نصف صاع في ربعه إدامه , وذلك أعلى ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم في كفارة في إطعام مساكين , وأعدل أقوات المقتر على أهله مد وذلك ربع صاع , وهو أدنى ما حكم به في كفارة في إطعام مساكين .
وأما الذين رأوا إطعام المساكين في كفارة اليمين الخبز واللحم وما ذكرنا عنهم قبل , والذين رأوا أن يغدوا أو يعشوا , والذين رأوا أن يغدوا ويعشوا , فإنهم ذهبوا إلى تأويل قوله : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } من أوسط الطعام الذي تطعمونه أهليكم , فجعلوا " ما " التي في قوله : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } اسما لا مصدرا , فأوجبوا على المكفر إطعام المساكين من أعدل ما يطعم أهله من الأغذية .
وذلك مذهب لولا ما ذكرنا من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكفارات غيرها التي يجب إلحاق أشكالها بها , وأن كفارة اليمين لها نظيرة وشبيهة يجب إلحاقها بها .أو كسوتهم القول في تأويل قوله تعالى : { أو كسوتهم } يعني تعالى ذكره بذلك : فكفارة ما عقدتم من الأيمان إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم .
يقول إما أن تطعموهم أو تكسوهم , والخيار في ذلك إلى المكفر .
واختلف أهل التأويل في الكسوة التي عنى الله بقوله : { أو كسوتهم } فقال بعضهم : عنى بذلك كسوة ثوب واحد .
ذكر من قال ذلك : 9708 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن علية , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في كسوة المساكين في كفارة اليمين : أدناه ثوب .
* - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : أدناه ثوب , وأعلاه ما شئت .
9709 - حدثنا هناد وأبو كريب , قالا : ثنا وكيع , عن الربيع , عن الحسن , قال في كفارة اليمين في قوله : { أو كسوتهم } ثوب لكل مسكين .
9710 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن مهدي , عن وهيب , عن ابن طاوس , عن أبيه : { أو كسوتهم } قال : ثوب .
* - حدثنا هناد , قال : ثنا عبيدة , وحدثنا ابن حميد وابن وكيع , قالا : ثنا جرير جميعا , عن منصور , عن مجاهد , في قوله : { أو كسوتهم } قال : ثوب .
9711 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن مجاهد , في قوله : { أو كسوتهم } قال : ثوب ثوب .
قال منصور : القميص , أو الرداء , أو الإزار .
9712 - حدثنا أبو كريب وهناد , قالا : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن إسرائيل , عن جابر , عن أبي جعفر , في قوله : { أو كسوتهم } قال : كسوة الشتاء والصيف ثوب ثوب .
9713 - حدثنا هناد , قال : قال ثنا عمر بن هارون , عن ابن جريج , عن عطاء في قوله : { أو كسوتهم } قال : ثوب ثوب لكل مسكين .
9714 - حدثنا هناد , قال : ثنا عبدة بن سلمان , عن سعيد بن أبي عروبة , عن أبي معشر , عن إبراهيم , في قوله : { أو كسوتهم } قال : إذا كساهم ثوبا ثوبا أجزأ عنه .
9715 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا إسحاق بن سليمان الرازي .
عن ابن سنان , عن حماد , قال : ثوب أو ثوبان , وثوب لا بد منه .
9716 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن عطاء الخراساني , عن ابن عباس قال : ثوب ثوب لكل إنسان , وقد كانت العباءة تقضي يومئذ من الكسوة .
* - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , عن معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { أو كسوتهم } قال : الكسوة : عباءة لكل مسكين أو شملة .
9717 - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال .
ثنا إسرائيل .
عن السدي , عن أبي مالك , قال : ثوب , أو قميص , أو رداء , أو إزار .
9718 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قال : إن اختار صاحب اليمين الكسوة , كسا عشرة أناسي كل إنسان عباءة .
9719 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : سمعت عطاء يقول في قوله : { أو كسوتهم } الكسوة : ثوب ثوب .
وقال بعضهم : عنى بذلك : الكسوة ثوبين ثوبين .
ذكر من قال ذلك : 9720 - حدثنا هناد , قال : ثنا عبيدة , وحدثنا ابن وكيع , قال .
ثنا أبو معاوية جميعا , عن داود بن أبي هند , عن سعيد بن المسيب , في قوله : { أو كسوتهم } قال : عباءة وعمامة .
* - حدثنا هناد وأبو كريب , قالا : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال .
ثنا أبي .
عن سفيان , عن داود بن أبي هند , عن سعيد بن المسيب , قال : عمامة يلف بها رأسه , وعباءة يلتحف بها .
9721 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري , عن أشعث , عن الحسن وابن سيرين , قالا : ثوبين ثوبين .
9722 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبد الأعلى , عن يونس , عن الحسن , قال : ثوبين .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن يونس , عن الحسن , مثله .
* - حدثنا أبو كريب وهناد , قالا : ثنا وكيع , عن سفيان , عن يونس بن عبيد , عن الحسن , قال : ثوبان ثوبان لكل مسكين .
9723 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن المبارك , عن عاصم الأحول , عن ابن سيرين , عن أبي موسى : أنه حلف على يمين , كسا ثوبين من معقدة البحرين .
* - حدثنا هناد وأبو كريب , قالا : ثنا وكيع , عن يزيد بن إبراهيم , عن ابن سيرين : أن أبا موسى كسا ثوبين من معقدة البحرين .
9724 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو أسامة , عن هشام , عن محمد بن عبد الأعلى : أن أبا موسى الأشعري حلف على يمين , فرأى أن يكفر ففعل , وكسا سمرة ثوبين ثوبين .
9725 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبد الأعلى , عن هشام , عن محمد : أن أبا موسى حلف على يمين فكفر , فكسا عشرة مساكين ثوبين ثوبين .
* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا هشيم , عن داود بن أبي هند , عن سعيد بن المسيب , قال : عباءة وعمامة لكل مسكين .
9726 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا هشيم , عن جويبر , عن الضحاك , مثله .
9727 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا داود بن أبي هند , قال : قال رجل عند سعيد بن المسيب : " أو كأسوتهم " فقال سعيد : لا إنما هي : " أو كسوتهم " .
قال : فقلت : يا أبا محمد ما كسوتهم ؟
قال : لكل مسكين عباءة وعمامة , عباءة يلتحف بها , وعمامة يشد بها رأسه .
9728 - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد , قال : ثنا عبيد بن سلمان , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { أو كسوتهم } قال : الكسوة لكل مسكين : رداء وإزار , كنحو ما يجد من الميسرة والفاقة .
وقال آخرون : بل عنى بذلك : كسوتهم : ثوب جامع , كالملحفة والكساء والشيء الذي يصلح للبس والنوم .
ذكر من قال ذلك : 9729 - حدثنا هناد بن السري , قال : ثنا أبو الأحوص , عن مغيرة , عن حماد , عن إبراهيم , قال : الكسوة : ثوب جامع .
9730 - حدثنا هناد وابن وكيع قالا : ثنا ابن فضيل , عن مغيرة , عن إبراهيم , في قوله : 34 { أو كسوتهم } قال : ثوب جامع .
قال : وقال مغيرة : والثوب الجامع الملحفة أو الكساء أو نحوه , ولا نرى الدرع والقميص والخمار ونحوه جامعا .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال : ثوب جامع .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن إدريس , عن أبيه , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال : ثوب جامع .
* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا هشيم , عن مغيرة , عن إبراهيم : { أو كسوتهم } قال : ثوب جامع لكل مسكين .
* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان وشعبة , عن المغيرة , عن إبراهيم في قوله : { أو كسوتهم } قال : ثوب جامع .
9731 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن شعبة , عن المغيرة , مثله .
وقال آخرون : عنى بذلك كسوة إزار ورداء وقميص .
ذكر من قال ذلك : 9732 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبد الأعلى , عن بردة , عن نافع , عن ابن عمر , قال في الكسوة في الكفارة : إزار , ورداء , وقميص .
وقال آخرون : كل ما كسا فيجزي , والآية على عمومها .
ذكر من قال ذلك : 9733 - حدثنا هناد , قال : ثنا عبد السلام بن حرب , عن ليث , عن مجاهد , قال : يجزي في كفارة اليمين كل شيء إلا التبان .
9734 - حدثنا هناد وأبو كريب , قالا : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن أشعث , عن الحسن , قال : يجزئ عمامة في كفارة اليمين .
9735 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن أويس الصيرفي , عن أبي الهيثم , قال : قال سلمان : نعم الثوب التبان .
9736 - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : ثنا سفيان , عن الشيباني , عن الحكم , قال : عمامة يلف بها رأسه .
وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصحة وأشبهها بتأويل القرآن قول من قال : عنى بقوله : { أو كسوتهم } ما وقع عليه اسم كسوة مما يكون ثوبا فصاعدا , لأن ما دون الثوب لا خلاف بين جميع الحجة أنه ليس مما دخل في حكم الآية , فكان ما دون قدر ذلك خارجا من أن يكون الله تعالى عناه بالنقل المستفيض , والثوب وما فوقه داخل في حكم الآية , إذ لم يأت من الله تعالى وحي ولا من رسوله صلى الله عليه وسلم خبر ولم يكن من الأمة إجماع بأنه غير داخل في حكمها , وغير جائز إخراج ما كان ظاهر الآية محتمله من حكم الآية إلا بحجة يجب التسليم لها , ولا حجة بذلك .أو تحرير رقبة القول في تأويل قوله تعالى : { أو تحرير رقبة } يعني تعالى ذكره بذلك : أو فك عبد من أسر العبودة وذلها .
وأصل التحرير : الفك من الأسر , ومنه قول الفرزدق بن غالب : أبني غدانة إنني حررتكم فوهبتكم لعطية بن جعال يعني بقوله : " حررتكم " : فككت رقابكم من ذل الهجاء ولزوم العار .
وقيل : تحرير رقبة , والمحرر صاحب الرقبة ; لأن العرب كان من شأنها إذا أسرت أسيرا أن تجمع يديه إلى عنقه بقيد أو حبل أو غير ذلك , وإذا أطلقته من الأسر أطلقت يديه وحلتهما مما كانتا به مشدودتين إلى الرقبة .
فجرى الكلام عند إطلاقهم الأسير , بالخبر عن فك يديه عن رقبته , وهم يريدون الخبر عن إطلاقه من أسره , كما يقال : قبض فلان يده عن فلان : إذا أمسك يده عن نواله ; وبسط فيه لسانه : إذا قال فيه سوءا , فيضاف الفعل إلى الجارحة التي يكون بها ذلك الفعل دون فاعله , لاستعمال الناس ذلك بينهم وعلمهم بمعنى ذلك ; فكذلك ذلك في قول الله تعالى ذكره : { أو تحرير رقبة } أضيف التحرير إلى الرقبة وإن لم يكن هناك غل في رقبته ولا شد يد إليها , وكان المراد بالتحرير نفس العبد بما وصفنا من جري استعمال الناس ذلك بينهم لمعرفتهم بمعناه .
فإن قال قائل : أفكل الرقاب معني بذلك أو بعضها ؟
قيل : بل معني بذلك كل رقبة كانت سليمة من الإقعاد والعمى والخرس وقطع اليدين أو شللهما والجنون المطبق , ونظائر ذلك , فإن من كان به ذلك أو شيء منه من الرقاب , فلا خلاف بين الجميع من الحجة أنه لا يجزي في كفارة اليمين .
فكان معلوما بذلك أن الله تعالى ذكره لم يعنه بالتحرير في هذه الآية .
فأما الصغير والكبير والمسلم والكافر , فإنهم معنيون به .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل العلم .
ذكر من قال ذلك : 9737 - حدثنا هناد , قال : ثنا مغيرة , عن إبراهيم , أنه كان يقول : من كانت عليه رقبة واجبة , فاشترى نسمة , قال : إذا أنقذها من عمل أجزأته , ولا يجوز عتق من لا يعمل ; فأما الذي يعمل , كالأعور ونحوه .
وأما الذي لا يعمل فلا يجزي كالأعمى والمقعد .
9738 - حدثنا هناد , قال : ثنا هشيم , عن يونس , عن الحسن , قال : كان يكره عتق المخبل في شيء من الكفارات .
9739 - حدثنا هناد , قال : ثنا هشيم , عن مغيرة , عن إبراهيم : أنه كان لا يرى عتق المغلوب على عقله يجزئ في شيء من الكفارات .
وقال بعضهم : لا يجزئ في الكفارة من الرقاب إلا صحيح , ويجزئ الصغير فيها .
ذكر من قال ذلك : 9740 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , عن سفيان , عن ابن جريج , عن عطاء , قال : لا يجزئ في الرقبة إلا صحيح .
9741 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , عن سفيان , عن ابن جريج , عن عطاء , قال : يجزئ المولود في الإسلام من رقبة .
9742 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن الأعمش , عن إبراهيم , قال : ما كان في القرآن من رقبة مؤمنة فلا يجزئ إلا ما صام وصلى , وما كان ليس بمؤمنة فالصبي يجزئ .
وقال بعضهم : لا يقال للمولود رقبة إلا بعد مدة تأتي عليه .
ذكر من قال ذلك : 9743 - حدثني محمد بن يزيد الرفاعي , قال : ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة , عن محمد بن شعيب بن شابور , عن النعمان بن المنذر , عن سليمان , قال : إذا ولد الصبي فهو نسمة , وإذا انقلب ظهرا لبطن فهو رقبة , وإذا صلى فهو مؤمنة .
والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى عم بذكر الرقبة كل رقبة , فأي رقبة حررها المكفر يمينه في كفارته فقد أدى ما كلف , إلا ما ذكرنا أن الحجة مجمعة على أن الله تعالى لم يعنه بالتحرير , فذلك خارج من حكم الآية , وما عدا ذلك فجائز تحريره في الكفارة بظاهر التنزيل .
والمكفر مخير في تكفير يمينه التي حنث فيها بإحدى هذه الحالات الثلاث التي سماها الله في كتابه , وذلك : إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله , أو كسوتهم , أو تحرير رقبة , بإجماع من الجميع لا خلاف بينهم في ذلك .
فإن ظن ظان أن ما قلنا من أن ذلك إجماع من الجميع ليس كما قلنا لما : 9744 - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب , قال : ثنا عبد الواحد بن زياد , قال : ثنا سليمان الشيباني , قال : ثنا أبو الضحى , عن مسروق , قال : جاء نعمان بن مقرن إلى عبد الله , فقال : إني آليت من النساء والفراش !
فقرأ عبد الله هذه الآية : { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } قال : فقال نعمان : إنما سألتك لكوني أتيت على هذه الآية .
فقال عبد الله : ائت النساء ونم واعتق رقبة , فإنك موسر .
* - حدثني يونس , أخبرنا ابن وهب , قال : ثني جرير بن حازم أن سليمان الأعمش حدثه عن إبراهيم بن يزيد النخعي , عن همام بن الحارث : أن نعمان بن مقرن سأل عبد الله بن مسعود , فقال : إني حلفت أن لا أنام على فراشي سنة !
فقال ابن مسعود : { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } كفر عن يمينك ونم على فراشك !
قال : بم أكفر عن يميني ؟
قال : أعتق رقبة فإنك موسر .
ونحو هذا من الأخبار التي رويت عن ابن مسعود وابن عمر وغيرهما , فإن ذلك منهم كان على وجه الاستحباب لمن أمروه بالتكفير بما أمروه بالتكفير به من الرقاب , لا على أنه كان لا يجزي عندهم التكفير للموسر إلا بالرقبة ; لأنه لم ينقل أحد عن أحد منهم أنه قال لا يجزي الموسر التكفير إلا بالرقبة .
والجميع من علماء الأمصار قديمهم وحديثهم مجمعون على أن التكفير بغير الرقاب جائز للموسر , ففي ذلك مكتفى عن الاستشهاد على صحة ما قلنا في ذلك بغيره .فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام القول في تأويل قوله تعالى : { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } يقول تعالى ذكره : فمن لم يجد لكفارة يمينه التي لزمه تكفيرها من الطعام والكسوة والرقاب ما يكفرها به على ما فرضنا عليه وأوجبناه في كتابنا وعلى لسان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم { فصيام ثلاثة أيام } يقول : فعليه صيام ثلاثة أيام .
ثم اختلف أهل العلم في معنى قوله : { فمن لم يجد } ومتى يستحق الحانث في يمينه الذي قد لزمته الكفارة اسم غير واجد حتى يكون ممن له الصيام في ذلك ؟
فقال بعضهم : إذا لم يكن للحانث في وقت تكفيره عن يمينه إلا قدر قوته وقوت عياله يومه وليلته فإن له أن يكفر بالصيام , فإن كان عنده في ذلك الوقت قوته وقوت عياله يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين أو ما يكسوهم , لزمه التكفير بالإطعام أو الكسوة ولم يجزه الصيام حينئذ .
وممن قال ذلك الشافعي .
حدثنا بذلك عنه الربيع .
وهذا القول قصد إن شاء الله - من أوجب الطعام على من كان عنده درهمان - من أوجبه على من عنده ثلاثة دراهم .
وبنحو ذلك : 9745 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن المبارك , عن حماد بن سلمة , عن عبد الكريم , عن سعيد بن جبير , قال : إذا لم يكن له إلا ثلاثة دراهم أطعم .
قال : يعني في الكفارة .
9746 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني معتمر بن سليمان , قال : قلت لعمر بن راشد : الرجل يحلف , ولا يكون عنده من الطعام إلا بقدر ما يكفر ؟
قال : كان قتادة يقول : يصوم ثلاثة أيام .
9747 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا المعتمر بن سليمان , قال : ثنا يونس بن عبيد , عن الحسن قال : إذا كان عنده درهمان .
9748 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا معتمر , عن حماد , عن عبد الكريم بن أبي أمية , عن سعيد بن جبير , قال : ثلاثة دراهم .
وقال آخرون : جائز لمن لم يكن عنده مئتا درهم أن يصوم وهو ممن لا يجد .
وقال آخرون : جائز لمن لم يكن عنده فضل عن رأس ماله يتصرف به لمعاشه ما يكفر به بالإطعام أن يصوم , إلا أن يكون له كفاية من المال ما يتصرف به لمعاشه ومن الفضل عن ذلك ما يكفر به عن يمينه .
وهذا قول كان يقوله بعض متأخري المتفقهة .
والصواب من القول في ذلك عندنا , أن من لم يكن عنده في حال حنثه في يمينه إلا قدر قوته وقوت عياله يومه وليلته لا فضل له عن ذلك , يصوم ثلاثة أيام , وهو ممن دخل في جملة من لا يجد ما يطعم أو يكسو أو يعتق .
وإن كان عنده في ذلك الوقت من الفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته ما يطعم أو يكسو عشرة مساكين أو يعتق رقبة , فلا يجزيه حينئذ الصوم ; لأن إحدى الحالات الثلاث حينئذ من إطعام أو كسوة أو عتق حق قد أوجبه الله تعالى في ماله وجوب الدين , وقد قامت الحجة بأن المفلس إذا فرق ماله بين غرمائه أنه لا يترك ذلك اليوم إلا ما لا بد له من قوته وقوت عياله يومه وليلته , فكذلك حكم المعدم بالدين الذي أوجبه الله تعالى في ماله بسبب الكفارة التي لزمت ماله .
واختلف أهل العلم في صفة الصوم الذي أوجبه الله في كفارة اليمين , فقال بعضهم : صفته أن يكون مواصلا بين الأيام الثلاثة غير مفرقها .
ذكر من قال ذلك : 9749 - حدثنا محمد بن العلاء , قال : ثنا وكيع , عن سفيان , عن ليث , عن مجاهد , قال : كل صوم في القرآن فهو متتابع إلا قضاء رمضان , فإنه عدة من أيام أخر .
9750 - حدثنا أبو كريب وهناد , قالا : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن أبي جعفر , عن الربيع بن أنس , قال : كان أبي بن كعب يقرأ : " صيام ثلاثة أيام متتابعات " .
* - حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي , قال : ثنا عبيد الله بن موسى , عن أبي جعفر الرازي , عن الربيع بن أنس , عن أبي العالية , عن أبي بن كعب , أنه كان يقرأ : .
" فصيام ثلاثة أيام متتابعات " .
9751 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا يزيد بن هارون , عن قزعة بن سويد , عن سيف بن سليمان , عن مجاهد , قال : في قراءة عبد الله : " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " .
9752 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن المبارك , عن ابن عون , عن إبراهيم , قال : في قراءتنا : " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " .
* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن علية , عن ابن عون , عن إبراهيم , مثله .
9753 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن إبراهيم : في قراءة أصحاب عبد الله : " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " .
9754 - حدثنا هناد وأبو كريب , قالا : ثنا وكيع , عن سفيان , عن جابر , عن عامر , قال : في قراءة عبد الله : " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " .
9755 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا محمد بن حميد , عن معمر , عن أبي إسحاق : في قراءة عبد الله : " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " .
9756 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا محمد بن حميد , عن معمر , عن الأعمش , قال : كان أصحاب عبد الله يقرءون : " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " .
9757 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , قال : سمعت سفيان , يقول : إذا فرق صيام ثلاثة أيام لم يجزه .
قال : وسمعته يقول في رجل صام في كفارة يمين ثم أفطر , قال : يستقبل الصوم .
9758 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا جامع بن حماد , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قوله : { فصيام ثلاثة أيام } قال : إذا لم يجد طعاما ; وكان في بعض القراءة : " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " .
وبه كان يأخذ قتادة .
9759 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قال : هو بالخيار في هؤلاء الثلاثة الأول فالأول , فإن لم يجد من ذلك شيئا فصيام ثلاثة أيام متتابعات .
وقال آخرون : جائز لمن صامهن أن يصومهن كيف شاء مجتمعات ومفترقات .
ذكر من قال ذلك : 9760 - حدثني يونس , قال : أخبرنا أشهب , قال : قال مالك : كل ما ذكر الله في القرآن من الصيام , فأن يصام تباعا أعجب , فإن فرقها رجوت أن تجزي عنه .
والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى أوجب على من لزمته كفارة يمين إذا لم يجد إلى تكفيرها بالإطعام أو الكسوة أو العتق سبيلا , أن يكفرها بصيام ثلاثة أيام , ولم يشرط في ذلك متتابعة , فكيفما صامهن المكفر مفرقة ومتتابعة أجزأه ; لأن الله تعالى إنما أوجب عليه صيام ثلاثة أيام , فكيفما أتى بصومهن أجزأ .
فأما ما روي عن أبي وابن مسعود من قراءتهما " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " فذلك خلاف ما في مصاحفنا , وغير جائز لنا أن نشهد بشيء ليس في مصاحفنا من الكلام أنه من كتاب الله .
غير أني أختار للصائم في كفارة اليمين أن يتابع بين الأيام الثلاثة ولا يفرق , لأنه لا خلاف بين الجميع أنه إذا فعل ذلك فقد أجزأ ذلك عنه من كفارته .
وهم في غير ذلك مختلفون , ففعل ما لا يختلف في جوازه أحب إلي وإن كان الآخر جائزا .ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم القول في تأويل قوله تعالى : { ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } يعني تعالى ذكره بقوله : { ذلك } هذا الذي ذكرت لكم أنه { كفارة أيمانكم } من إطعام العشرة المساكين أو كسوتهم أو تحرير الرقبة , وصيام الثلاثة
لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرونفيه سبع وأربعون مسألة :الأولى : قوله تعالى : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم تقدم معنى اللغو في " البقرة " ومعنى في أيمانكم أي : من أيمانكم ، والأيمان جمع يمين ، وقيل : ويمين فعيل من اليمن وهو البركة ; سماها الله تعالى بذلك ; لأنها تحفظ الحقوق ، ويمين تذكر وتؤنث وتجمع أيمان وأيمن .
قال زهير :فتجمع أيمن منا ومنكمالثانية : واختلف في سبب نزول هذه الآية ; فقال ابن عباس : سبب نزولها القوم الذين حرموا طيبات المطاعم والملابس والمناكح على أنفسهم ، حلفوا على ذلك فلما نزلت لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم قالوا : كيف نصنع بأيماننا ؟
فنزلت هذه الآية .
والمعنى على هذا القول ; إذا أتيتم باليمين ثم ألغيتموها - أي : أسقطتم حكمها بالتكفير وكفرتم - فلا يؤاخذكم الله بذلك ; وإنما يؤاخذكم بما أقمتم عليه فلم تلغوه ; أي : فلم تكفروا ; فبان بهذا أن الحلف لا يحرم شيئا .
وهو دليل الشافعي على أن اليمين لا يتعلق بها تحريم الحلال ، وأن تحريم الحلال لغو ، كما أن تحليل الحرام لغو مثل قول القائل : استحللت شرب الخمر ، فتقتضي الآية على هذا القول أن الله تعالى جعل تحريم الحلال لغوا في أنه لا يحرم ; فقال : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم أي : بتحريم الحلال ، وروي أن عبد الله بن رواحة كان له أيتام وضيف ، فانقلب من شغله بعد ساعة من الليل .
فقال : أعشيتم ضيفي ؟
فقالوا : انتظرناك ; فقال : لا والله لا آكله الليلة ; فقال ضيفه : وما أنا بالذي يأكل ; وقال أيتامه : ونحن لا نأكل ; فلما رأى ذلك [ ص: 198 ] أكل وأكلوا .
ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال له : أطعت الرحمن وعصيت الشيطان فنزلت الآية .الثالثة : الأيمان في الشريعة على أربعة أقسام : قسمان فيهما الكفارة ، وقسمان لا كفارة فيهما .
خرج الدارقطني في سننه ، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز حدثنا خلف بن هشام حدثنا عبثر عن ليث عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ، قال : الأيمان أربعة ، يمينان يكفران ويمينان لا يكفران ; فاليمينان اللذان يكفران فالرجل الذي يحلف والله لا أفعل كذا وكذا فيفعل ، والرجل يقول والله لأفعلن كذا وكذا فلا يفعل ، واليمينان اللذان لا يكفران فالرجل يحلف والله ما فعلت كذا وكذا وقد فعل ، والرجل يحلف لقد فعلت كذا وكذا ولم يفعله .
قال ابن عبد البر : وذكر سفيان الثوري في ( جامعه ) وذكره المروزي عنه أيضا ، قال سفيان : الأيمان أربعة ; يمينان يكفران وهو أن يقول الرجل والله لا أفعل فيفعل ، أو يقول والله لأفعلن ثم لا يفعل ; ويمينان لا يكفران وهو أن يقول الرجل والله ما فعلت وقد فعل ، أو يقول والله لقد فعلت وما فعل ; قال المروزي : أما اليمينان الأوليان فلا اختلاف فيهما بين العلماء على ما قال سفيان ; وأما اليمينان الأخريان فقد اختلف أهل العلم فيهما ; فإن كان الحالف حلف على أنه لم يفعل كذا وكذا ، أو أنه قد فعل كذا وكذا عند نفسه صادقا يرى أنه على ما حلف عليه فلا إثم عليه ولا كفارة عليه في قول مالك وسفيان الثوري وأصحاب الرأي وكذلك قال أحمد وأبو عبيد ; وقال الشافعي لا إثم عليه وعليه الكفارة .
قال المروزي : وليس قول الشافعي في هذا بالقوي .
قال : وإن كان الحالف على أنه لم يفعل كذا وكذا وقد فعل متعمدا للكذب فهو آثم ولا كفارة عليه في قول عامة العلماء : مالك وسفيان الثوري وأصحاب الرأي وأحمد بن حنبل وأبي ثور وأبي عبيد ، وكان الشافعي يقول يكفر ; قال : وقد روي عن بعض التابعين مثل قول الشافعي .
قال المروزي : أميل إلى قول مالك وأحمد .
قال : فأما يمين اللغو الذي اتفق عامة العلماء على أنها لغو فهو قول الرجل : لا والله ، وبلى والله في حديثه ، وكلامه غير منعقد لليمين ولا مريدها .
قال الشافعي : وذلك عند اللجاج والغضب والعجلة .الرابعة : قوله تعالى : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان مخفف القاف من العقد ، والعقد على ضربين حسي كعقد الحبل ، وحكمي كعقد البيع ; قال الشاعر ( هو الحطيئة ) :قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم شدوا العناج وشدوا فوقه الكربافاليمين المنعقدة منفعلة من العقد ، وهي عقد القلب في المستقبل ألا يفعل ففعل ; أو ليفعلن فلا يفعل كما تقدم .
فهذه التي يحلها الاستثناء والكفارة على ما يأتي ، وقرئ [ ص: 199 ] " عاقدتم " بألف بعد العين على وزن فاعل وذلك لا يكون إلا من اثنين في الأكثر ، وقد يكون الثاني من حلف لأجله في كلام وقع معه ، أو يكون المعنى بما عاقدتم عليه الأيمان ; لأن عاقد قريب من معنى عاهد فعدي بحرف الجر ، لما كان في معنى عاهد ، وعاهد يتعدى إلى مفعولين الثاني منهما بحرف جر ; قال الله تعالى : ومن أوفى بما عاهد عليه الله وهذا كما عديت ناديتم إلى الصلاة بإلى ، وبابها أن تقول ناديت زيدا وناديناه من جانب الطور الأيمن لكن لما كانت بمعنى دعوت عدي بإلى ; قال الله تعالى : ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله ثم اتسع في قوله تعالى : " عاقدتم عليه الأيمان " .
فحذف حرف الجر ; فوصل الفعل إلى المفعول فصار عاقدتموه ، ثم حذفت الهاء كما حذفت من قوله تعالى : فاصدع بما تؤمر .
أو يكون فاعل بمعنى فعل كما قال تعالى : قاتلهم الله أي : قتلهم ، وقد تأتي المفاعلة في كلام العرب من واحد بغير معنى ( فاعلت ) كقولهم : سافرت وظاهرت ، وقرئ " عقدتم " بتشديد القاف .
قال مجاهد : معناه تعمدتم أي : قصدتم ، وروي عن ابن عمر أن التشديد يقتضي التكرار فلا تجب عليه الكفارة إلا إذا كرر ، وهذا يرده ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني .
فذكر وجوب الكفارة في اليمين التي لم تتكرر .
قال أبو عبيد : التشديد يقتضي التكرير مرة بعد مرة ، ولست آمن أن يلزم من قرأ بتلك القراءة ألا توجب عليه كفارة في اليمين الواحدة حتى يرددها مرارا .
وهذا قول خلاف الإجماع .
وروى نافع أن ابن عمر كان إذا حنث من غير أن يؤكد اليمين أطعم عشرة مساكين ، فإذا وكد اليمين أعتق رقبة .
قيل لنافع ما معنى وكد اليمين ؟
قال : أن يحلف على الشيء مرارا .الخامسة : اختلف في اليمين الغموس هل هي يمين منعقدة أم لا ؟
فالذي عليه الجمهور أنها يمين مكر وخديعة وكذب فلا تنعقد ولا كفارة فيها ، وقال الشافعي : هي يمين منعقدة ; لأنها مكتسبة بالقلب ، معقودة بخبر ، مقرونة باسم الله تعالى ، وفيها الكفارة ، والصحيح الأول .
قال ابن المنذر : وهذا قول مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة ، وبه قال الأوزاعي ومن وافقه من أهل الشام ، وهو قول الثوري وأهل العراق ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد ، وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي من أهل الكوفة ; قال أبو بكر : وقول النبي صلى الله عليه وسلم : [ ص: 200 ] من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه وقوله : فليكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير يدل على أن الكفارة إنما تجب فيمن حلف على فعل يفعله مما يستقبل فلا يفعله ، أو على فعل ألا يفعله فيما يستقبل فيفعله .
وفي المسألة قول ثان وهو أن يكفر وإن أثم وعمد الحلف بالله كاذبا ; هذا قول الشافعي .
قال أبو بكر : ولا نعلم خبرا يدل على هذا القول ، والكتاب والسنة دالان على القول الأول ; قال الله تعالى : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس قال ابن عباس : هو الرجل يحلف ألا يصل قرابته فجعل الله له مخرجا في التكفير ، وأمره ألا يعتل بالله وليكفر عن يمينه ، والأخبار دالة على أن اليمين التي يحلف بها الرجل يقتطع بها مالا حراما هي أعظم من أن يكفرها ما يكفر اليمين .
قال ابن العربي : الآية وردت بقسمين : لغو ومنعقدة ، وخرجت على الغالب في أيمان الناس فدع ما بعدها يكون مائة قسم فإنه لم تعلق عليه كفارة .قلت : خرج البخاري عن عبد الله بن عمرو قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما الكبائر ؟
قال : الإشراك بالله قال : ثم ماذا ؟
قال : عقوق الوالدين قال : ثم ماذا ؟
قال : اليمين الغموس قلت : وما اليمين الغموس ؟
قال : التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب ، وخرج مسلم عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة فقال رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله ؟
قال : وإن كان قضيبا من أراك ، ومن حديث عبد الله بن مسعود ; فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان .
فنزلت إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا إلى آخر الآية ولم يذكر كفارة ، فلو أوجبنا عليه كفارة لسقط جرمه ، ولقي الله وهو عنه راض ، ولم يستحق الوعيد المتوعد عليه ; وكيف لا يكون ذلك وقد جمع هذا الحالف الكذب ، واستحلال مال الغير ، [ ص: 201 ] والاستخفاف باليمين بالله تعالى ، والتهاون بها وتعظيم الدنيا ؟
فأهان ما عظمه الله ، وعظم ما حقره الله وحسبك ، ولهذا قيل : إنما سميت اليمين الغموس غموسا لأنها تغمس صاحبها في النار .السادسة : الحالف بألا يفعل على بر ما لم يفعل ، فإن فعل حنث ولزمته الكفارة لوجود المخالفة منه ; وكذلك إذا قال إن فعلت ، وإذا حلف بأن ليفعلن فإنه في الحال على حنث لوجود المخالفة ، فإن فعل بر ، وكذلك إن قال إن لم أفعل .السابعة : قول الحالف : لأفعلن ; وإن لم أفعل ، بمنزلة الأمر وقوله : لا أفعل ، وإن فعلت ، بمنزلة النهي .
ففي الأول لا يبر حتى يفعل جميع المحلوف عليه : مثاله لآكلن هذا الرغيف فأكل بعضه لا يبر حتى يأكل جميعه : لأن كل جزء منه محلوف عليه .
فإن قال : والله لآكلن - مطلقا - فإنه يبر بأقل جزء مما يقع عليه الاسم ; لإدخال ماهية الأكل في الوجود .
وأما في النهي فإنه يحنث بأقل ما ينطلق عليه الاسم ; لأن مقتضاه ألا يدخل فرد من أفراد المنهي عنه في الوجود ; فإن حلف ألا يدخل دارا فأدخل إحدى رجليه حنث ; والدليل عليه أنا وجدنا الشارع غلظ جهة التحريم بأول الاسم في قوله تعالى : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ; فمن عقد على امرأة ولم يدخل بها حرمت على أبيه وابنه ، ولم يكتف في جهة التحليل بأول الاسم فقال : ( لا حتى تذوقي عسيلته ) .الثامنة : المحلوف به هو الله سبحانه وأسماؤه الحسنى ، كالرحمن والرحيم والسميع والعليم والحليم ، ونحو ذلك من أسمائه وصفاته العليا ، كعزته وقدرته وعلمه وإرادته وكبريائه وعظمته وعهده وميثاقه وسائر صفات ذاته ; لأنها يمين بقديم غير مخلوق ، فكان الحالف بها كالحالف بالذات .
روى الترمذي والنسائي وغيرهما أن جبريل عليه السلام لما نظر إلى الجنة ورجع إلى الله تعالى قال : وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها ، وكذلك قال في النار : وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها ، وخرجا أيضا وغيرهما عن ابن عمر قال : كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم لا ومقلب القلوب وفى رواية لا ومصرف القلوب وأجمع أهل العلم على أن من حلف فقال : والله أو بالله أو تالله فحنث أن عليه الكفارة .
قال ابن المنذر : وكان مالك والشافعي وأبو [ ص: 202 ] عبيد وأبو ثور وإسحاق وأصحاب الرأي يقولون : من حلف باسم من أسماء الله وحنث فعليه الكفارة ، وبه نقول ولا أعلم في ذلك خلافا .قلت : قد نقل ( في باب ذكر الحلف بالقرآن ) ; وقال يعقوب : من حلف بالرحمن فحنث فلا كفارة عليه .قلت : والرحمن من أسمائه سبحانه مجمع عليه ولا خلاف فيه .التاسعة : واختلفوا في وحق الله وعظمة الله وقدرة الله وعلم الله ولعمر الله وايم الله ; فقال مالك : كلها أيمان تجب فيها الكفارة ، وقال الشافعي : في وحق الله وجلال الله وعظمة الله وقدرة الله ، يمين إن نوى بها اليمين ، وإن لم يرد اليمين فليست بيمين ; لأنه يحتمل وحق الله واجب وقدرته ماضية ، وقال في أمانة الله : ليست بيمين ، ولعمر الله وايم الله إن لم يرد بها اليمين فليست بيمين ، وقال أصحاب الرأي إذا قال : وعظمة الله وعزة الله وجلال الله وكبرياء الله وأمانة الله فحنث فعليه الكفارة ، وقال الحسن في وحق الله : ليست بيمين ولا كفارة فيها ; وهو قول أبي حنيفة حكاه عنه الرازي ، وكذلك عهد الله وميثاقه وأمانته ليست بيمين ، وقال بعض أصحابه هي يمين ، وقال الطحاوي : ليست بيمين ، وكذا إذا قال : وعلم الله لم يكن يمينا في قول أبي حنيفة ، وخالفه صاحبه أبو يوسف فقال : يكون يمينا .
قال ابن العربي : والذي أوقعه في ذلك أن العلم قد ينطلق على المعلوم وهو المحدث فلا يكون يمينا ، وذهل عن أن القدرة تنطلق على المقدور ، فكل كلام له في المقدور فهو حجتنا في المعلوم .
قال ابن المنذر : وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وايم الله إن كان لخليقا للإمارة في قصة زيد وابنه أسامة ، وكان ابن عباس يقول : وايم الله ; وكذلك قال ابن عمر ، وقال إسحاق : إذا أراد بايم الله يمينا كانت يمينا بالإرادة وعقد القلب .العاشرة : واختلفوا في الحلف بالقرآن ; فقال ابن مسعود : عليه بكل آية يمين ; وبه قال الحسن البصري وابن المبارك ، وقال أحمد : ما أعلم شيئا يدفعه ، وقال أبو عبيد : يكون يمينا واحدة ، وقال أبو حنيفة : لا كفارة عليه ، وكان قتادة يحلف بالمصحف ، وقال أحمد وإسحاق لا نكره ذلك .الحادية عشرة لا تنعقد اليمين بغير الله تعالى وأسمائه وصفاته ، وقال أحمد بن حنبل : إذا حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم انعقدت يمينه ; لأنه حلف بما لا يتم الإيمان إلا به فتلزمه الكفارة كما لو حلف بالله ، وهذا يرده ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وعمر يحلف بأبيه ، فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا [ ص: 203 ] بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت وهذا حصر في عدم الحلف بكل شيء سوى الله تعالى وأسمائه وصفاته كما ذكرنا ، ومما يحقق ذلك ما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون ثم ينتقض عليه بمن قال : وآدم وإبراهيم فإنه لا كفارة عليه ، وقد حلف بما لا يتم الإيمان إلا به .الثانية عشرة : روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حلف منكم فقال في حلفه باللات فليقل لا إله إلا الله ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق .
وخرج النسائي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : كنا نذكر بعض الأمر وأنا حديث عهد بالجاهلية فحلفت باللات والعزى ، فقال لي بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : بئس ما قلت : وفي رواية قلت هجرا ; فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال : قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وانفث عن يسارك ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان ثم لا تعد .
قال العلماء : فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من نطق بذلك أن يقول بعده لا إله إلا الله تكفيرا لتلك اللفظة ، وتذكيرا من الغفلة ، وإتماما للنعمة ، وخص اللات بالذكر لأنها أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم ، وحكم غيرها من أسماء آلهتهم حكمها إذ لا فرق بينها ، وكذا من قال لصاحبه : تعال أقامرك فليتصدق فالقول فيه كالقول في اللات ; لأنهم كانوا اعتادوا المقامرة وهي من أكل المال بالباطل .الثالثة عشرة : قال أبو حنيفة في الرجل يقول : هو يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام أو من النبي أو من القرآن أو أشرك بالله أو أكفر بالله : إنها يمين تلزم فيها الكفارة ، ولا تلزم فيما إذا قال : واليهودية والنصرانية والنبي والكعبة وإن كانت على صيغة الأيمان ، ومتمسكه ما رواه الدارقطني عن أبي رافع أن مولاته أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته فقالت : هي يوما يهودية ، ويوما نصرانية ، وكل مملوك لها حر ; وكل مال لها في سبيل الله ، وعليها مشي إلى بيت الله إن لم تفرق بينهما ، فسألت عائشة وحفصة وابن عمر وابن عباس وأم سلمة فكلهم قال لها : أتريدين أن تكوني مثل هاروت وماروت ؟
وأمروها أن تكفر عن يمينها وتخلي بينهما ، وخرج [ ص: 204 ] أيضا عنه قال : قالت مولاتي لأفرقن بينك وبين امرأتك ، وكل مال لها في رتاج الكعبة وهي يوما يهودية ويوما نصرانية ويوما مجوسية إن لم أفرق بينك وبين امرأتك ; قال : فانطلقت إلى أم المؤمنين أم سلمة فقلت : إن مولاتي تريد أن تفرق بيني وبين امرأتي ; فقالت انطلق إلى مولاتك فقل لها : إن هذا لا يحل لك ; قال : فرجعت إليها ; قال ثم أتيت ابن عمر فأخبرته فجاء حتى انتهى إلى الباب فقال : هاهنا هاروت وماروت ; فقالت : إني جعلت كل مال لي في رتاج الكعبة .
قال : فمم تأكلين ؟
قالت : وقلت أنا يوما يهودية ويوما نصرانية ويوما مجوسية ; فقال : إن تهودت قتلت وإن تنصرت قتلت وإن تمجست قتلت ; قالت : فما تأمرني ؟
قال : تكفرين عن يمينك ، وتجمعين بين فتاك وفتاتك ، وأجمع العلماء على أن الحالف إذا قال : أقسم بالله أنها يمين ، واختلفوا إذا قال أقسم أو أشهد ليكونن كذا وكذا ولم يقل بالله فإنها تكون أيمانا عند مالك إذا أراد بالله ، وإن لم يرد بالله لم تكن أيمانا تكفر ، وقال أبو حنيفة والأوزاعي والحسن والنخعي : هي أيمان في الموضعين ، وقال الشافعي : لا تكون أيمانا حتى يذكر اسم الله تعالى ; هذه رواية المزني عنه ، وروى عنه الربيع مثل قول مالك .الرابعة عشرة : إذا قال : أقسمت عليك لتفعلن ; فإن أراد سؤاله فلا كفارة فيه وليست بيمين ; وإن أراد اليمين كان ما ذكرناه آنفا .الخامسة عشرة : من حلف بما يضاف إلى الله تعالى مما ليس بصفة كقوله : وخلق الله ورزقه وبيته لا شيء عليه ; لأنها أيمان غير جائزة ، وحلف بغير الله تعالى .السادسة عشرة : إذا انعقدت اليمين حلتها الكفارة أو الاستثناء ، وقال ابن الماجشون : الاستثناء بدل عن الكفارة وليست حلا لليمين .
قال ابن القاسم : هي حل لليمين ; وقال ابن العربي : وهو مذهب فقهاء الأمصار وهو الصحيح ; وشرطه أن يكون متصلا منطوقا به لفظا ; لما رواه النسائي وأبو داود عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من حلف فاستثنى فإن شاء مضى وإن شاء ترك عن غير حنث فإن نواه من غير نطق أو قطعه من غير عذر لم ينفعه ، وقال محمد بن المواز : يكون الاستثناء مقترنا باليمين اعتقادا ولو بآخر حرف ; قال : فإن فرغ منها واستثنى لم ينفعه ذلك ; لأن اليمين فرغت عارية من الاستثناء ، فورودها بعده لا يؤثر كالتراخي ; وهذا يرده الحديث من حلف فاستثنى ، والفاء للتعقيب وعليه جمهور أهل العلم ، وأيضا فإن ذلك يؤدي إلى ألا تنحل يمين ابتدئ عقدها وذلك باطل ، وقال ابن خويز منداد : واختلف أصحابنا متى استثنى في نفسه تخصيص ما حلف عليه ، فقال بعض أصحابنا : [ ص: 205 ] يصح استثناؤه وقد ظلم المحلوف له .
وقال بعضهم : لا يصح حتى يسمع المحلوف له ، وقال بعضهم : يصح إذا حرك به لسانه وشفتيه وإن لم يسمع المحلوف له .
قال ابن خويز منداد : وإنما قلنا يصح استثناؤه في نفسه ، فلأن الأيمان تعتبر بالنيات ، وإنما قلنا لا يصح ذلك حتى يحرك به لسانه وشفتيه ، فإن من لم يحرك به لسانه وشفتيه لم يكن متكلما ، والاستثناء من الكلام يقع بالكلام دون غيره ; وإنما قلنا لا يصح بحال فلأن ذلك حق للمحلوف له ، وإنما يقع على حسب ما يستوفيه له الحاكم ، فلما لم تكن اليمين على اختيار الحالف بل كانت مستوفاة منه ، وجب ألا يكون له فيها حكم ، وقال ابن عباس : يدرك الاستثناء اليمين بعد سنة ; وتابعه على ذلك أبو العالية والحسن وتعلق بقوله تعالى : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر الآية ; فلما كان بعد عام نزل إلا من تاب ، وقال مجاهد : من قال بعد سنتين إن شاء الله أجزأه ، وقال سعيد بن جبير : إن استثنى بعد أربعة أشهر أجزأه ، وقال طاوس : له أن يستثني ما دام في مجلسه ، وقال قتادة : إن استثنى قبل أن يقوم أو يتكلم فله ثنياه .
وقال أحمد بن حنبل وإسحاق : يستثني ما دام في ذلك الأمر ، وقال عطاء : له ذلك قدر حلب الناقة الغزيرة .السابعة عشرة : قال ابن العربي : أما ما تعلق به ابن عباس من الآية فلا متعلق له فيها ; لأن الآيتين كانتا متصلتين في علم الله وفي لوحه ، وإنما تأخر نزولها لحكمة علم الله ذلك فيها ، أما إنه يتركب عليها فرع حسن ; وهو أن الحالف إذا قال والله لا دخلت الدار ، وأنت طالق إن دخلت الدار ، واستثنى في يمينه الأول إن شاء الله في قلبه ، واستثنى في اليمين الثانية في قلبه أيضا ما يصلح للاستثناء الذي يرفع اليمين لمدة أو سبب أو مشيئة أحد ، ولم يظهر شيئا من الاستثناء إرهابا على المحلوف له ، فإن ذلك ينفعه ولا تنعقد اليمينان عليه ; وهذا في الطلاق ما لم تحضره البينة ; فإن حضرته بينة لم تقبل منه دعواه الاستثناء ، وإنما يكون ذلك نافعا له إذا جاء مستفتيا .قلت : وجه الاستثناء أن الله تعالى أظهر الآية الأولى وأخفى الثانية ، فكذلك الحالف إذا حلف إرهابا وأخفى الاستثناء ، والله أعلم .
قال ابن العربي : وكان أبو الفضل المراغي يقرأ بمدينة السلام ، وكانت الكتب تأتي إليه من بلده ، فيضعها في صندوق ولا يقرأ منها واحدا مخافة أن يطلع فيها على ما يزعجه ويقطع به عن طلبه ; فلما كان بعد خمسة أعوام وقضى غرضا من الطلب وعزم على الرحيل ، شد رحله وأبرز كتبه وأخرج تلك الرسائل ، فقرأ فيها ما لو أن واحدا منها يقرؤه بعد وصوله ما تمكن بعده من تحصيل حرف من العلم ، فحمد الله ورحل [ ص: 206 ] على دابة قماشه وخرج إلى باب الحلبة طريق خراسان ، وتقدمه الكري بالدابة وأقام هو على فامي يبتاع منه سفرته ، فبينما هو يحاول ذلك معه إذ سمعه يقول لفامي آخر : أما سمعت العالم يقول - يعني الواعظ - إن ابن عباس يجوز الاستثناء ولو بعد سنة ، لقد اشتغل بذلك بالي منذ سمعته فظللت فيه متفكرا ، ولو كان ذلك صحيحا لما قال الله تعالى لأيوب : وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث وما الذي يمنعه من أن يقول : قل إن شاء الله !
فلما سمعه يقول ذلك قال : بلد يكون فيه الفاميون بهذا الحظ من العلم وهذه المرتبة أخرج عنه إلى المراغة ؟
لا أفعله أبدا ; واقتفى أثر الكري وحلله من الكراء وأقام بها حتى مات .الثامنة عشرة : الاستثناء إنما يرفع اليمين بالله تعالى إذ هي رخصة من الله تعالى ، ولا خلاف في هذا ، واختلفوا في الاستثناء في اليمين بغير الله ; فقال الشافعي وأبو حنيفة : الاستثناء يقع في كل يمين كالطلاق والعتاق وغير ذلك كاليمين بالله تعالى : قال أبو عمر : ما أجمعوا عليه فهو الحق ، وإنما ورد التوقيف بالاستثناء في اليمين بالله عز وجل لا في غير ذلك .التاسعة عشرة : قوله تعالى : فكفارته اختلف العلماء في تقديم الكفارة على الحنث هل تجزئ أم لا ؟
- بعد إجماعهم على أن الحنث قبل الكفارة مباح حسن وهو عندهم أولى - على ثلاثة أقوال :أحدها : يجزئ مطلقا وهو مذهب أربعة عشر من الصحابة وجمهور الفقهاء وهو مشهور مذهب مالك ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يجزئ بوجه ، وهي رواية أشهب عن مالك ; وجه الجواز ما رواه أبو موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خيرخرجه أبو داود ; ومن جهة المعنى أن اليمين سبب الكفارة ; لقوله تعالى : ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم فأضاف الكفارة إلى اليمين والمعاني تضاف إلى أسبابها ; وأيضا فإن الكفارة بدل عن البر فيجوز تقديمها قبل الحنث .
ووجه المنع ما رواه مسلم عن عدي بن حاتم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير زاد النسائي وليكفر عن يمينه ومن جهة المعنى أن الكفارة إنما هي لرفع الإثم ، وما لم يحنث لم يكن هناك ما يرفع فلا معنى لفعلها ; وكان معنى قوله تعالى : إذا حلفتم أي : إذا حلفتم وحنثتم ، وأيضا فإن كل عبادة فعلت قبل وجوبها لم تصح اعتبارا بالصلوات وسائر العبادات ، وقال الشافعي : تجزئ بالإطعام والعتق والكسوة ، ولا تجزئ بالصوم ; لأن عمل البدن لا يقوم قبل وقته ، ويجزئ في غير ذلك تقديم الكفارة ; وهو القول الثالث .[ ص: 207 ] الموفية عشرين : ذكر الله سبحانه في الكفارة الخلال الثلاث فخير فيها ، وعقب عند عدمها بالصيام ، وبدأ بالطعام لأنه كان الأفضل في بلاد الحجاز لغلبة الحاجة إليه وعدم شبعهم ، ولا خلاف في أن كفارة اليمين على التخيير ; قال ابن العربي : والذي عندي أنها تكون بحسب الحال ; فإن علمت محتاجا فالطعام أفضل ; لأنك إذا أعتقت لم تدفع حاجتهم وزدت محتاجا حادي عشر إليهم ، وكذلك الكسوة تليه ، ولما علم الله الحاجة بدأ بالمقدم المهم .الحادية والعشرون : قوله تعالى : إطعام عشرة مساكين لا بد عندنا وعند الشافعي من تمليك المساكين ما يخرج لهم ، ودفعه إليهم حتى يتملكوه ويتصرفوا فيه ; لقوله تعالى : وهو يطعم ولا يطعم وفي الحديث أطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجد السدس ; ولأنه أحد نوعي الكفارة فلم يجز فيها إلا التمليك ; أصله الكسوة ، وقال أبو حنيفة : لو غداهم وعشاهم جاز ; وهو اختيار ابن الماجشون من علمائنا ; قال ابن الماجشون : إن التمكين من الطعام إطعام ، قال الله تعالى : ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا فبأي وجه أطعمه دخل في الآية .الثانية والعشرون : قوله تعالى : من أوسط ما تطعمون أهليكم قد تقدم في " البقرة " أن الوسط بمعنى الأعلى والخيار ، وهو هنا منزلة بين منزلتين ونصف بين طرفين ، ومنه الحديث خير الأمور أوسطها ، وخرج ابن ماجه ; حدثنا محمد بن يحيى ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن سليمان بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان الرجل يقوت أهله قوتا فيه سعة وكان الرجل يقوت أهله قوتا فيه شدة ; فنزلت : من أوسط ما تطعمون أهليكم ، وهذا يدل على أن الوسط ما ذكرناه وهو ما كان بين شيئين .الثالثة والعشرون : الإطعام عند مالك مد لكل واحد من المساكين العشرة ، إن كان بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم ; وبه قال الشافعي وأهل المدينة .
قال سليمان بن يسار : أدركت الناس وهم إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مدا من حنطة بالمد الأصغر ، ورأوا ذلك مجزئا عنهم ; وهو قول ابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وبه قال عطاء بن أبي رباح ، واختلف إذا كان بغيرها ; فقال ابن القاسم : يجزئه المد بكل مكان ، وقال ابن المواز : أفتى ابن وهب بمصر بمد ونصف ، وأشهب بمد وثلث ; قال : وإن مدا وثلثا لوسط من عيش الأمصار في الغداء والعشاء ، [ ص: 208 ] وقال أبو حنيفة : يخرج من البر نصف صاع ، ومن التمر والشعير صاعا ; على حديث عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن أبيه قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فأمر بصدقة الفطر صاع من تمر ، أو صاع من شعير عن كل رأس ، أو صاع بر بين اثنين ، وبه أخذ سفيان وابن المبارك ، وروي عن علي وعمر وابن عمر وعائشة ، رضي الله عنهم وبه قال سعيد بن المسيب ، وهو قول عامة فقهاء العراق ; لما رواه ابن عباس قال : كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس بذلك ، فمن لم يجد فنصف صاع من بر من أوسط ما تطعمون أهليكم ; خرجه ابن ماجه في سننه .الرابعة والعشرون : لا يجوز أن يطعم غنيا ولا ذا رحم تلزمه نفقته ، وإن كان ممن لا تلزمه نفقته فقد قال مالك : لا يعجبني أن يطعمه ، ولكن إن فعل وكان فقيرا أجزأه ، فإن أطعم غنيا جاهلا بغناه ففي " المدونة " وغير كتاب لا يجزئ ، وفي " الأسدية " أنه يجزئ .الخامسة والعشرون : ويخرج الرجل مما يأكل ; قال ابن العربي : وقد زلت هنا جماعة من العلماء فقالوا : إنه إذا كان يأكل الشعير ويأكل الناس البر فليخرج مما يأكل الناس ; وهذا سهو بين فإن المكفر إذا لم يستطع في خاصة نفسه إلا الشعير لم يكلف أن يعطي لغيره سواه ; وقد قال صلى الله عليه وسلم : صاعا من طعام صاعا من شعير ففصل ذكرهما ليخرج كل أحد فرضه مما يأكل ; وهذا مما لا خفاء فيه .السادسة والعشرون : قال مالك : إن غدى عشرة مساكين وعشاهم أجزأه ، وقال الشافعي : لا يجوز أن يطعمهم جملة واحدة ; لأنهم يختلفون في الأكل ، ولكن يعطي كل مسكين مدا ، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لا يجزئ إطعام العشرة وجبة واحدة ; يعني غداء دون عشاء ، أو عشاء دون غداء ، حتى يغديهم ويعشيهم ; قال أبو عمر : وهو قول أئمة الفتوى بالأمصار .السابعة والعشرون : قال ابن حبيب : ولا يجزئ الخبز قفارا بل يعطي معه إدامه زيتا أو كشكا أو كامخا أو ما تيسر ; قال ابن العربي : هذه زيادة ما أراها واجبة أما إنه يستحب له أن يطعم مع الخبز السكر - نعم - واللحم ، وأما تعيين الإدام للطعام فلا سبيل إليه ; لأن اللفظ لا يتضمنه .قلت : نزول الآية في الوسط يقتضي الخبز والزيت أو الخل ، وما كان في معناه من [ ص: 209 ] الجبن والكشك كما قال ابن حبيب ، والله أعلم .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم الإدام الخل وقال الحسن البصري : إن أطعمهم خبزا ولحما ، أو خبزا وزيتا مرة واحدة في اليوم حتى يشبعوا أجزأه ، وهو قول ابن سيرين وجابر بن زيد ومكحول ، وروي ذلك عن أنس بن مالك .الثامنة والعشرون : لا يجوز عندنا دفع الكفارة إلى مسكين واحد ، وبه قال الشافعي ، وأصحاب أبي حنيفة يمنعون صرف الجميع إلى واحد دفعة واحدة ، ويختلفون فيما إذا صرف الجميع في يوم واحد بدفعات مختلفة ; فمنهم من أجاز ذلك ، وأنه إذا تعدد الفعل حسن أن يقال في الفعل الثاني لا يمنع من الذي دفعت إليه أولا ; فإن اسم المسكين يتناوله ، وقال آخرون : يجوز دفع ذلك إليه في أيام ، وإن تعدد الأيام يقوم مقام أعداد المساكين ، وقال أبو حنيفة : يجزئه ذلك ; لأن المقصود من الآية التعريف بقدر ما يطعم ، فلو دفع ذلك القدر لواحد أجزأه ، ودليلنا نص الله تعالى على العشرة فلا يجوز العدول عنهم ، وأيضا فإن فيه إحياء جماعة من المسلمين وكفايتهم يوما واحدا ، فيتفرغون فيه لعبادة الله تبارك وتعالى ولدعائه ، فيغفر للمكفر بسبب ذلك ، والله أعلم .التاسعة والعشرون : قوله تعالى : فكفارته الضمير على الصناعة النحوية عائدا على ( ما ) ويحتمل في هذا الموضع أن تكون بمعنى الذي ، ويحتمل أن تكون مصدرية .
أو يعود على إثم الحنث وإن لم يجر له ذكر صريح ولكن المعنى يقتضيه .الموفية ثلاثين : قوله تعالى : أهليكم هو جمع أهل على السلامة ، وقرأ جعفر بن محمد الصادق : ( أهاليكم ) وهذا جمع مكسر ; قال أبو الفتح : أهال بمنزلة ليال واحدها أهلات وليلات ; والعرب تقول : أهل وأهلة .
قال الشاعر ( هو أبو الطمحان القيني ) :وأهلة ود قد تبريت ودهم وأبليتهم في الجهد حمدي ونائلييقول : تعرضت لودهم ; قاله ابن السكيت .الحادية والثلاثون : قوله تعالى : أو كسوتهم قرئ بكسر الكاف وضمها هما لغتان مثل إسوة وأسوة .
وقرأ سعيد بن جبير ومحمد بن السميقع اليماني : ( أو كإسوتهم ) يعني كإسوة أهلك ، والكسوة في حق الرجال الثوب الواحد الساتر لجميع الجسد ; فأما في حق النساء فأقل [ ص: 210 ] ما يجزئهن فيه الصلاة ، وهو الدرع والخمار ، وهكذا حكم الصغار .
قال ابن القاسم في ( العتبية ) : تكسى الصغيرة كسوة كبيرة ، والصغير كسوة كبير ، قياسا على الطعام ، وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي : أقل ما يقع عليه الاسم وذلك ثوب واحد ; وفي رواية أبي الفرج عن مالك ، وبه قال إبراهيم النخعي ومغيرة : ما يستر جميع البدن ; بناء على أن الصلاة لا تجزئ في أقل من ذلك .
وروي عن سلمان رضي الله عنه أنه قال : نعم الثوب التبان ; أسنده الطبري .
وقال الحكم بن عتيبة تجزئ عمامة يلف بها رأسه ، وهو قول الثوري .
قال ابن العربي : وما كان أحرصني على أن يقال : إنه لا يجزئ إلا كسوة تستر عن أذى الحر والبرد كما أن عليه طعاما يشبعه من الرجوع فأقول به ، وأما القول بمئزر واحد فلا أدريه ; والله يفتح لي ولكم في المعرفة بعونه .قلت : قد راعى قوم معهود الزي والكسوة المتعارفة ; فقال بعضهم : لا يجزئ الثوب الواحد إلا إذا كان جامعا مما قد يتزيا به كالكساء والملحفة ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : الكسوة في كفارة اليمين لكل مسكين ثوب وإزار ، أو رداء أو قميص أو قباء أو كساء ، وروي عن أبي موسى الأشعري أنه أمر أن يكسي عنه ثوبين ثوبين ; وبه قال الحسن وابن سيرين وهذا معنى ما اختاره ابن العربي والله أعلم .الثانية والثلاثون : لا تجزئ القيمة عن الطعام والكسوة ; وبه قال الشافعي .
وقال أبو حنيفة : تجزئ ; وهو يقول : تجزئ القيمة في الزكاة فكيف في الكفارة !
قال ابن العربي : وعمدته أن الغرض سد الخلة ، ورفع الحاجة ; فالقيمة تجزئ فيه .
قلنا : إن نظرتم إلى سد الخلة فأين العبادة ؟
وأين نص القرآن على الأعيان الثلاثة ، والانتقال بالبيان من نوع إلى نوع ؟
!الثالثة والثلاثون : إذا دفع الكسوة إلى ذمي أو إلى عبد لم يجزه ، وقال أبو حنيفة : يجزئه ; لأنه مسكين يتناوله لفظ المسكنة ، ويشتمل عليه عموم الآية .
قلنا : هذا يخصه بأن يقول : جزء من المال يجب إخراجه للمساكين فلا يجوز دفعه للكافر ; أصله الزكاة ; وقد اتفقنا على أنه لا يجوز دفعه للمرتد ; فكل دليل خص به المرتد فهو دليلنا في الذمي ، والعبد ليس بمسكين لاستغنائه بنفقة سيده فلا تدفع إليه كالغني .الرابعة والثلاثون : قوله تعالى : أو تحرير رقبة التحرير الإخراج من الرق ; [ ص: 211 ] ويستعمل في الأسر والمشقات وتعب الدنيا ونحوها ، ومنه قول أم مريم : إني نذرت لك ما في بطني محررا أي : من شغوب الدنيا ونحوها ، ومن ذلك قول الفرزدق بن غالب :أبني غدانة إنني حررتكم فوهبتكم لعطية بن جعالأي : حررتكم من الهجاء ، وخص الرقبة من الإنسان ، إذ هو العضو الذي يكون فيه الغل والتوثق غالبا من الحيوان ، فهو موضع الملك فأضيف التحرير إليها .الخامسة والثلاثون : لا يجوز عندنا إلا إعتاق رقبة مؤمنة كاملة ليس فيها شرك لغيره ، ولا عتاقة بعضها ، ولا عتق إلى أجل ، ولا كتابة ولا تدبير ، ولا تكون أم ولد ولا من يعتق عليه إذا ملكه ، ولا يكون بها من الهرم والزمانة ما يضر بها في الاكتساب ، سليمة غير معيبة ; خلافا لداود في تجويزه إعتاق المعيبة .
وقال أبو حنيفة : يجوز عتق الكافرة ; لأن مطلق اللفظ يقتضيها .
ودليلنا أنها قربة واجبة فلا يكون الكافر محلا لها كالزكاة ; وأيضا فكل مطلق في القرآن من هذا فهو راجع إلى المقيد في عتق الرقبة في القتل الخطأ .
وإنما قلنا : لا يكون فيها شرك ، لقوله تعالى : فتحرير رقبة وبعض الرقبة ليس برقبة .
وإنما قلنا لا يكون فيها عقد عتق ; لأن التحرير يقتضي ابتداء عتق دون تنجيز عتق مقدم .
وإنما قلنا : سليمة ; لقوله تعالى : فتحرير رقبة والإطلاق يقتضي تحرير رقبة كاملة والعمياء ناقصة ، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما من مسلم يعتق امرأ مسلما إلا كان فكاكه من النار كل عضو منه بعضو منها حتى الفرج بالفرج وهذا نص ، وقد روي في الأعور قولان في المذهب ، وكذلك في الأصم والخصي .السادسة والثلاثون : من أخرجه مالا ليعتق رقبة في كفارة فتلف كانت الكفارة باقية عليه ، بخلاف مخرج المال في الزكاة ليدفعه إلى الفقراء ، أو ليشتري به رقبة فتلف ، لم يكن عليه غيره لامتثال الأمر .السابعة والثلاثون : اختلفوا في الكفارة إذا مات الحالف ; فقال الشافعي وأبو ثور : كفارات الأيمان تخرج من رأس مال الميت ، وقال أبو حنيفة : تكون في الثلث ; وكذلك قال مالك إن أوصى بها .الثامنة والثلاثون : من حلف وهو موسر فلم يكفر حتى أعسر ، أو حنث وهو معسر فلم [ ص: 212 ] يكفر حتى أيسر ، أو حنث وهو عبد فلم يكفر حتى عتق ، فالمراعاة في ذلك كله بوقت التكفير لا وقت الحنث .التاسعة والثلاثون : روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي فرض الله اللجاج في اليمين هو المضي على مقتضاه ، وإن لزم من ذلك حرج ومشقة ، وترك ما فيه منفعة عاجلة أو آجلة ; فإن كان شيء من ذلك فالأولى به تحنيث نفسه وفعل الكفارة ، ولا يعتل باليمين كما ذكرناه في قوله تعالى : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم وقال عليه السلام : من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير أي الذي هو أكثر خيرا .الموفية أربعين : روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اليمين على نية المستحلف قال العلماء : معناه أن من وجبت عليه يمين في حق وجب عليه فحلف وهو ينوي غيره لم تنفعه نيته ، ولا يخرج بها عن إثم تلك اليمين ، وهو معنى قوله في الحديث الآخر : يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك ، وروي يصدقك به صاحبك خرجه مسلم أيضا .
قال مالك : من حلف لطالبه في حق له عليه ، واستثنى في يمينه ، أو حرك لسانه أو شفتيه ، أو تكلم به ، لم ينفعه استثناؤه ذلك ; لأن النية نية المحلوف له ; لأن اليمين حق له ، وإنما تقع على حسب ما يستوفيه له الحاكم لا على اختيار الحالف ; لأنها مستوفاة منه .
هذا تحصيل مذهبه وقوله .الحادية والأربعون : قوله تعالى : فمن لم يجد معناه لم يجد في ملكه أحد هذه الثلاثة ; من الإطعام أو الكسوة أو عتق الرقبة بإجماع ; فإذا عدم هذه الثلاثة الأشياء صام ، والعدم يكون بوجهين إما بمغيب المال عنه أو عدمه ; فالأول أن يكون في بلد غير بلده فإن وجد من يسلفه لم يجزه الصوم ، وإن لم يجد من يسلفه فقد اختلف فيه ; فقيل : ينتظر إلى بلده ; قال ابن العربي : وذلك لا يلزمه بل يكفر بالصيام ; لأن الوجوب قد تقرر في الذمة والشرط من العدم قد تحقق فلا وجه لتأخير الأمر ; فليكفر مكانه لعجزه عن الأنواع الثلاثة ; لقوله تعالى : فمن لم يجد ، وقيل : من لم يكن له فضل عن رأس ماله الذي يعيش به فهو الذي لم يجد ، وقيل : هو من لم يكن له إلا قوت يومه وليلته ، وليس عنده فضل يطعمه ; [ ص: 213 ] وبه قال الشافعي واختاره الطبري ، وهو مذهب مالك وأصحابه ، وروي عن ابن القاسم أن من تفضل عنه نفقة يومه فإنه لا يصوم ; قال ابن القاسم في كتاب ابن مزين : إنه إن كان للحانث فضل عن قوت يومه أطعم إلا أن يخاف الجوع ، أو يكون في بلد لا يعطف عليه فيه .
وقال أبو حنيفة : إذا لم يكن عنده نصاب فهو غير واجد ، وقال أحمد وإسحاق : إذا كان عنده قوت يوم وليلة أطعم ما فضل عنه ، وقال أبو عبيد : إذا كان عنده قوت يومه وليلته وعياله ، وكسوة تكون لكفايتهم ، ثم يكون بعد ذلك مالكا لقدر الكفارة فهو عندنا واجد .
قال ابن المنذر : قول أبي عبيد حسن .الثانية والأربعون : قوله تعالى : فصيام ثلاثة أيام قرأها ابن مسعود ( متتابعات ) فيقيد بها المطلق ; وبه قال أبو حنيفة والثوري ، وهو أحد قولي الشافعي واختاره المزني قياسا على الصوم في كفارة الظهار ، واعتبارا بقراءة عبد الله ، وقال مالك والشافعي في قوله الآخر : يجزئه التفريق ; لأن التتابع صفة لا تجب إلا بنص أو قياس على منصوص وقد عدما .الثالثة والأربعون : من أفطر في يوم من أيام الصيام ناسيا فقال مالك : عليه القضاء ، وقال الشافعي : لا قضاء عليه ; على ما تقدم بيانه في الصيام في " البقرة " .الرابعة والأربعون : هذه الكفارة التي نص الله عليها لازمة للحر المسلم باتفاق .
واختلفوا فيما يجب منها على العبد إذا حنث ; فكان سفيان الثوري والشافعي وأصحاب الرأي يقولون : ليس عليه إلا الصوم ، لا يجزئه غير ذلك ; واختلف فيه قول مالك ، فحكى عنه ابن نافع أنه قال : لا يكفر العبد بالعتق ; لأنه لا يكون له الولاء ، ولكن يكفر بالصدقة إن أذن له سيده ; وأصوب ذلك أن يصوم .وحكى ابن القاسم عنه أنه قال : إن أطعم أو كسا بإذن السيد فما هو بالبين ، وفي قلبي منه شيء .الخامسة والأربعون : قوله تعالى : ذلك كفارة أيمانكم أي : تغطية أيمانكم ; وكفرت الشيء غطيته وسترته وقد تقدم ، ولا خلاف أن هذه الكفارة في اليمين بالله تعالى ، وقد ذهب بعض التابعين إلى أن كفارة اليمين فعل الخير الذي حلف في تركه ، وترجم ابن ماجه في سننه ( من قال كفارتها تركها ) حدثنا علي بن محمد حدثنا عبد الله بن نمير عن حارثة بن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حلف في قطيعة رحم أو فيما لا يصح فبره ألا يتم على ذلك وأسند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها .[ ص: 214 ] قلت : ويعتضد هذا بقصة الصديق رضي الله عنه حين حلف ألا يطعم الطعام ، وحلفت امرأته ألا تطعمه حتى يطعمه ، وحلف الضيف - أو الأضياف - ألا يطعمه أو لا يطعموه حتى يطعمه ، فقال أبو بكر : كان هذا من الشيطان ; فدعا بالطعام فأكل وأكلوا .
خرجه البخاري ، وزاد مسلم قال : فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال يا رسول الله ، بروا وحنثت ; قال : فأخبره ; قال : بل أنت أبرهم وأخيرهم قال : ولم تبلغني كفارة .السادسة والأربعون : واختلفوا في كفارة غير اليمين بالله عز وجل ; فقال مالك : من حلف بصدقة ماله أخرج ثلثه ، وقال الشافعي : عليه كفارة يمين ; وبه قال إسحاق وأبو ثور ، وروي عن عمر وعائشة رضي الله عنهما ، وقال الشعبي وعطاء وطاوس : لا شيء عليه ، وأما اليمين بالمشي إلى مكة فعليه أن يفي به عند مالك وأبي حنيفة ، وتجزئه كفارة يمين عند الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور ، وقال ابن المسيب والقاسم بن محمد : لا شيء عليه ; قال ابن عبد البر : أكثر أهل العلم بالمدينة وغيرها يوجبون في اليمين بالمشي إلى مكة كفارة مثل كفارة اليمين بالله عز وجل ; وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين وجمهور فقهاء المسلمين ، وقد أفتى به ابن القاسم ابنه عبد الصمد ، وذكر له أنه قول الليث بن سعد ، والمشهور عن ابن القاسم أنه لا كفارة عنده في المشي إلى مكة إلا بالمشي لمن قدر عليه ; وهو قول مالك .
وأما الحالف بالعتق فعليه عتق من حلف عليه بعتقه في قول مالك والشافعي وغيرهما ، وروي عن ابن عمر وابن عباس وعائشة أنه يكفر كفارة يمين ولا يلزمه العتق - وقال عطاء : يتصدق بشيء .
قال المهدوي : وأجمع من يعتمد على قوله من العلماء على أن الطلاق لازم لمن حلف به وحنث .السابعة والأربعون : قوله تعالى : واحفظوا أيمانكم أي : بالبدار إلى ما لزمكم من الكفارة إذا حنثتم ، وقيل : أي : بترك الحلف ; فإنكم إذا لم تحلفوا لم تتوجه عليكم هذه التكليفات .
لعلكم تشكرون تقدم معنى الشكر و ( لعل ) في البقرة ، والحمد لله .
{ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ } أي: في أيمانكم التي صدرت على وجه اللغو، وهي الأيمان التي حلف بها المقسم من غير نية ولا قصد، أو عقدها يظن صدق نفسه، فبان بخلاف ذلك.
{ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ } أي: بما عزمتم عليه، وعقدت عليه قلوبكم.
كما قال في الآية الأخرى: { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } { فَكَفَّارَتُهُ } أي: كفارة اليمين الذي عقدتموها بقصدكم { إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } وذلك الإطعام { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ } أي: كسوة عشرة مساكين، والكسوة هي التي تجزئ في الصلاة.
{ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } أي: عتق رقبة مؤمنة كما قيدت في غير هذا الموضع، فمتى فعل واحدا من هذه الثلاثة فقد انحلت يمينه.
{ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ } واحدا من هذه الثلاثة { فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ } المذكور { كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } تكفرها وتمحوها وتمنع من الإثم.
{ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ } عن الحلف بالله كاذبا، وعن كثرة الأيمان، واحفظوها إذا حلفتم عن الحنث فيهـا، إلا إذا كان الحنث خيرا، فتمام الحفظ: أن يفعل الخير، ولا يكون يمينه عرضة لذلك الخير.
{ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ } المبينة للحلال من الحرام، الموضحة للأحكام.
{ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } اللهَ حيث علمكم ما لم تكونوا تعلمون.
فعلى العباد شكر الله تعالى على ما منَّ به عليهم، من معرفة الأحكام الشرعية وتبيينها.
قوله عز وجل : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما نزلت : ( لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) ، قالوا : يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟
وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه ، فأنزل الله : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) قرأ حمزة والكسائي [ وأبو بكر ] ( عقدتم ) بالتخفيف ، وقرأ ابن عامر ( عاقدتم ) بالألف وقرأ الآخرون ( عقدتم ) بالتشديد ، أي : وكدتم ، والمراد من الآية قصدتم وتعمدتم ، ) ( فكفارته ) أي : كفارة ما عقدتم الأيمان إذا حنثتم ( إطعام عشرة مساكين ) واختلفوا في قدره : فذهب قوم إلى أنه يطعم كل مسكين مدا من الطعام بمد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو رطل وثلث من غالب قوت البلد ، وكذلك في جميع الكفارات ، وهو قول زيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر ، وبه قال سعيد بن المسيب والقاسم وسليمان بن اليسار وعطاء والحسن .
وقال أهل العراق : عليه لكل مسكين مدان ، وهو نصف صاع ، يروى ذلك عن عمر وعلي رضي الله عنهما .
وقال أبو حنيفة : إن أطعم من الحنطة فنصف صاع ، وإن أطعم من غيرها فصاع ، وهو قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير ومجاهد والحكم .
ولو غداهم وعشاهم لا يجوز ، وجوز أبو حنيفة ، ويروى ذلك عن علي رضي الله عنه .
ولا تجوز الدراهم والدنانير ولا الخبز ولا الدقيق ، بل يجب إخراج الحب إليهم ، وجوز أبو حنيفة رضي الله عنه كل ذلك .
ولو صرف الكل إلى مسكين واحد [ لا يجوز ] وجوز أبو حنيفة أن يصرف طعام عشرة إلى مسكين واحد في عشرة أيام ، ولا يجوز أن يصرف إلا إلى مسلم حر محتاج ، فإن صرف إلى ذمي أو عبد أو غني لا يجوز ، وجوز أبو حنيفة صرفها إلى أهل الذمة ، واتفقوا على أن صرف الزكاة إلى أهل الذمة لا يجوز .
قوله تعالى : ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) أي : من خير قوت عيالكم ، وقال عبيدة السلماني : الأوسط الخبز والخل ، والأعلى الخبز واللحم ، والأدنى الخبز البحت والكل [ يجزئ ] .
قوله تعالى : ) ( أو كسوتهم ) كل من لزمته كفارة اليمين فهو فيها مخير إن شاء أطعم عشرة من المساكين ، وإن شاء كساهم ، وإن شاء أعتق رقبة ، فإن اختار الكسوة ، فاختلفوا في قدرها : فذهب قوم إلى أنه يكسو كل مسكين ثوبا واحدا مما يقع عليه اسم الكسوة ، إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو عمامة أو كساء ونحوها ، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وعطاء وطاوس ، وإليه ذهب الشافعي رحمه الله تعالى .
وقال مالك : يجب لكل إنسان ما تجوز فيه صلاته ، فيكسو الرجال ثوبا واحدا والنساء ثوبين درعا وخمارا .
وقال سعيد بن المسيب لكل مسكين ثوبان .
قوله عز وجل : ( أو تحرير رقبة ) وإذا اختار العتق يجب إعتاق رقبة مؤمنة ، وكذلك جميع الكفارات مثل كفارة القتل والظهار والجماع في نهار رمضان يجب فيها إعتاق رقبة مؤمنة ، وأجاز أبو حنيفة رضي الله عنه والثوري رضي الله عنه إعتاق الرقبة الكافرة في جميعها إلا في كفارة القتل ، لأن الله تعالى قيد الرقبة فيها بالإيمان ، قلنا : المطلق يحمل على المقيد [ كما أن الله تعالى قيد الشهادة بالعدالة في موضع فقال : " وأشهدوا ذوي عدل منكم " ، ( الطلاق 2 ) ، وأطلق في موضع ، فقال : " واستشهدوا شهيدين من رجالكم " ( البقرة 282 ) ، ثم العدالة شرط في جميعها حملا للمطلق على المقيد ] كذلك هاهنا ، ولا يجوز إعتاق المرتد بالاتفاق عن الكفارة .
ويشترط أن يكون سليم الرق حتى لو أعتق عن كفارته مكاتبا أو أم ولد أو عبدا اشتراه بشرط العتق أو اشترى قريبه الذي يعتق عليه بنية الكفارة ، يعتق ولكن لا يجوز عن الكفارة ، وجوز أصحاب الرأي عتق المكاتب إذا لم يكن أدى شيئا من النجوم ، وعتق القريب عن الكفارة ويشترط أن تكون الرقبة سليمة من كل عيب يضر بالعمل ضررا بينا حتى لا يجوز مقطوع إحدى اليدين ، أو إحدى الرجلين ، ولا الأعمى ولا الزمن ولا المجنون المطبق ، ويجوز الأعور والأصم ومقطوع الأذنين والأنف لأن هذه العيوب لا تضر بالعمل ضررا بينا .
وعند أبي حنيفة رضي الله عنه كل عيب يفوت جنسا من المنفعة [ على الكمال ] يمنع الجواز ، حتى جوز مقطوع إحدى اليدين ، ولم يجوز مقطوع الأذنين .
قوله عز وجل : ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ) إذا عجز الذي لزمته كفارة اليمين عن الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة ، يجب عليه صوم ثلاثة أيام ، والعجز أن لا يفضل من ماله عن قوته وقوت عياله وحاجته ما يطعم أو يكسو أو يعتق فإنه يصوم ثلاثة أيام .
وقال بعضهم : إذا ملك ما يمكنه الإطعام وإن لم يفضل عن كفايته فليس له الصيام ، وهو قول الحسن وسعيد بن جبير .
واختلفوا في وجوب التتابع في هذا الصوم : فذهب جماعة إلى أنه لا يجب فيه التتابع بل إن شاء تابع وإن شاء فرق ، والتتابع أفضل وهو أحد قولي الشافعي ، وذهب قوم إلى أنه يجب فيه التتابع قياسا على كفارة القتل والظهار ، وهو قول الثوري وأبي حنيفة ، ويدل عليه قراءة ابن مسعود رضي الله عنه فصيام ثلاثة أيام متتابعات ) ( ذلك ) أي : ذلك الذي ذكرت ( كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) وحنثتم ، فإن الكفارة لا تجب إلا بعد الحنث .
واختلفوا في تقديم الكفارة على الحنث : فذهب قوم إلى جوازه ، لما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه ، وليفعل الذي هو خير " .
وهو قول عمر [ وابن عمر ] وابن عباس وعائشة وبه قال الحسن وابن سيرين ، وإليه ذهب مالك والأوزاعي والشافعي ، إلا أن الشافعي يقول : إن كفر بالصوم قبل الحنث لا يجوز لأنه بدني ، إنما يجوز بالإطعام أو الكسوة أو العتق كما يجوز تقديم الزكاة على الحول ، ولا يجوز تعجيل صوم رمضان قبل وقته ، وذهب قوم إلى أنه لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث ، وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه .
قوله عز وجل ( واحفظوا أيمانكم ) قيل : أراد به ترك الحلف ، أي : لا تحلفوا ، وقيل : وهو الأصح ، أراد به : إذا حلفتم فلا تحنثوا ، فالمراد منه حفظ اليمين عن الحنث هذا إذا لم تكن يمينه على ترك مندوب أو فعل مكروه ، فإن حلف على فعل مكروه أو ترك مندوب ، فالأفضل أن يحنث نفسه ويكفر ، لما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا حجاج بن منهال أنا جرير بن حازم عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة ، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها ، وإن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها ، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير " .
قوله تعالى : ( كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون )
«لا يؤاخذكم الله باللغو» الكائن «في أيمانكم» هو ما يسبق إليه اللسان من غير قصد الحلف كقول الإنسان: لا والله، وبلى والله «ولكن يؤاخذكم بما عَقّدتُمُ» بالتخفيف والتشديد وفي قراءة عاقدتم «الأيمان» عليه بأن حلفتم عن قصد «فكفارته» أي اليمين إذا حنثتم فيه «إطعام عشرة مساكين» لكل مسكين مدٌ «من أوسط ما تطعمون» منه «أهليكم» أي أقصده وأغلبه لا أعلاه ولا أدناه «أو كسوتهم» بما يسمى كسوة كقميص وعمامة وإزار ولا يكفي دفع ما ذكر إلى مسكين واحد وعليه الشافعي «أو تحرير» عتق «رقبة» أي مؤمنة كما في كفارة القتل والظهار حملا للمطلق على المقيد «فمن لم يجد» واحدا مما ذكر «فصيام ثلاثة أيام» كفارته وظاهره أنه لا يشترط التتابع وعليه الشافعي «ذلك» المذكور «كفارة أيمانكم إذا حلفتم» وحنثتم «واحفظوا أيمانكم» أن تنكثوها ما لم تكن على فعل بر أو إصلاح بين الناس كما في سورة البقرة «كذلك» أي مثل ما بين لكم ما ذكر «يبيِّن الله لكم آياته لعلكم تشكرونـ» ـه على ذلك.
لا يعاقبكم الله -أيها المسلمون- فيما لا تقصدون عَقْدَه من الأيمان، مثل قول بعضكم: لا والله، وبلى والله، ولكن يعاقبكم فيما قصدتم عقده بقلوبكم، فإذا لم تَفُوا باليمين فإثم ذلك يمحوه الله بما تقدِّمونه مما شرعه الله لكم كفارة من إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من أوسط طعام أهل البلد، أو كسوتهم، لكل مسكين ما يكفي في الكسوة عُرفًا، أو إعتاق مملوك من الرق، فالحالف الذي لم يف بيمينه مخير بين هنا الأمور الثلاثة، فمن لم يجد شيئًا من ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام.
تلك مكفرات عدم الوفاء بأيمانكم، واحفظوا -أيها المسلمون- أيمانكم: باجتناب الحلف، أو الوفاء إن حلفتم، أو الكفارة إذا لم تفوا بها.
وكما بيَّن الله لكم حكم الأيمان والتحلل منها يُبيِّن لكم أحكام دينه؛ لتشكروا له على هدايته إياكم إلى الطريق المستقيم.
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : لما نزلت ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ ) في القوم الذين كانوا حرموا على أنفسهم النساء واللحم : قالوا يا رسول الله .
كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟
فأنزل الله - تعالى - قوله : ( لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان ) الآية واللغو من الكلام - كما يقول الراغب : ما لا يعتد به منه ، وهو الذي يورد لا عن روية وفكر فيجري مجرى اللغا وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور .
وقد يسمي كل قبيح لغو .
قال - تعالى - ( وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ ) ولغو اليمين .
أن يحلف الحالف على شيء يرى أنه صادق فيه ثم يتبين له خلاف ذلك .ويرى بعضهم أن لغو اليمين هو الذي يجري على اللسان بدون قصد ، كقولك لا والله ويلي والله .وقد رجح هذا القول ابن كثير فقال ما ملخصه .
واللغو في اليمين هو قول الرجل في الكلام من غير قصد : لا والله وبلى والله وهو مذهب الشافعي .
وقيل هو في الهزل .
وقيل في المعصية : وقيل على غلبة الظن وهو قول أبي حنيفة وأحمد والصحيح أنه اليمين من غير قصد بدليل قوله : ( ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان ) .وقولهك ( عَقَّدتُّمُ ) من العقد وهو الجميع بين أطراف الشيء لتوثيقه وهو نقيض الحل : وقرأ حمزة والكسائي ( عَقَّدتُّمُ ) بالتخفيف .
وقرأ ابن عامر " عاقدتم " .ولمراد بعقد الأيمان توكيدها وتوثيقها قصدا ونية .والمعنى : لا يؤاخذكم الله - أيها المؤمنون - فضلا منه وكرما على اللغو في اليمين وهو ما يجري على ألسنتكم بدون قصد .
ولكن يؤاخذكم بالعقوبة في الآخرة أو بوجوب الكفارة بتعيدكم الأيمان وتوثيقها بالقصد والنية ، إذا حنثتم فيها ، بأن تعمدتم الكذب في إيمانكم .فالمراد بعدم المؤاخذة في قوله ( لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ ) : عدم المعاقبة في الدنيا بالكفارة ولا في الآخرة بالعقوبة .والمراد بالمؤاخذة في قوله : ( ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان ) : العقوبة الأخروية عند جمهور الفقهاء ويرى الشافعي أن المراد بها الكفارة التي تجب على الحانث .وقوله ( في أَيْمَانِكُمْ ) متعلق باللغو .
وما في قوله ( بِمَا عَقَّدتُّمُ ) مصدرية أي : ولكن يؤاخذكم بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها .
ويحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف .
أي ولكن يؤاخذكم بالذي عقدتم الأيمان عليه .وقوله : ( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) بيان لكيفية الكفارة والضمير في قوله : فكفارته يعود على الحنث الدال عليه سياق الكلام وإن لم يرج له ذكر .أي : فكفارة الحنث .
ولا مانع من عودته إلى الحالف إذا حنث في يمينه فيكون المعنى : فكفارة الحالف إذا حنث في يمينه إطعام عشرة مساكين لأن الشخص الحانث في يمينه هو الذي يجب عليه التكفير عن حنثه .والكفارة من الكفر بمعنى الستر ، وهي اسم للفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة ، أي تسترها وتمحوها ، لأن الشيء الممحي يكون كالشيء المستور الذي لا يرى ولا يشاهد .وكلمة ( أَوْسَطِ ) يرى بعضهم أنها بمعنى الأمثل والأحسن .
لأن لفظ الأوسط كثيراً ما يستعمل بهذا المعنى ومنه قوله - تعالى ( قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ ) أي : قال أحسنهم عقلا وأمثلهم فكرا ونظراً .ويرى آخرون أن الأوسط هنا بمعنى المتوسط لأن هذا هو الغالب في استعمال هذه الكلمة ، أي يطعمهم لا من أفخر أنواع الطعام ولا من اردئه ولكن من الطعام الذي يطعم منه أهله في الغالب .والمعنى : لقد تفضل الله عليكم - أيها المؤمنون - بأن رفع عنكم العقوبة والكفارة في الأيمان اللغو ، ولكنه - سبحانه - يؤاخذكم بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها إذا ما حنثتم فيها ومتى حنث أحدكم في يمينه ، فمن الواجب عليه لتكفير هذا اليمين ومحو إثمه أن يطعم عشرة مساكين طعاما يكون من متوسط ما يطعم منه أهله في الجودة والمقدار ، أو أن يكسو هؤلاء المساكين العشرة كساء مناسبا ساترا للبدن أو أن يحرر رقبة بأن يعتق عبدا من الرق فيجعله حراً .قال الجمل ما ملخصه : وقوله : ( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ ) مبتدأ وخبر .وقوله : إطعام مصدر مضاف لمفعوله ، وهو مقدر بحرف وفعل مبني للفاعل أي فكفارته أن يطعم الحانث عشرة ، وفاعل المصدر يحذف كثيراً .وقوله : ( مِنْ أَوْسَطِ ) في محل نصب مفعول ثان لإطعام؛ ومفعوله الأول عشرة أي : فكفارته أن تطعموا عشرة مساكين إطعاما من أوسط ما تطعمون أهليكم .
.
وقوله : ( مَا تُطْعِمُونَ ) مفعوله الأول : أهليكم ، ومفعوله الثاني : محذوف أي : " تطعمونه إهليكم " .فأنت ترى أن الله - قد خبر الحانث في يمينه بين أمور ثلاثة يختار إحداها ، فإذا لم يستطع إحداها ، فقد بين سبحانه له حكما آخر فقال : ( فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ) .أي : فمن لم يجد ما يكفر حنثه في يمينه من إطعام أو كساء أو تحرير رقبة فعليه حينئذ أن يصوم ثلاثة أيام ، تطهيرا لنفسه ، وتكفيرا عن ذنبه ، وتقوية لإرادته وعزيمته .واسم الإِشارة في قوله : ( ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ) يعود إلى المذكور من الإِطعام والكساء وتحرير الرقبة والصوم .أي : ذلك الذي شرعناه لكم كفارة لأيمانكم إذا حلفتم وحنثتم فيها ، وخالفتم طريق الحق الذي أمركم الله تعالى باتباعه .وقوله : ( واحفظوا أَيْمَانَكُمْ ) أمر من الله تعالى لعباده بأن يصونوا أنفسهم عن الحنث في أيمانهم ، وعن الإِكثار منها لغير ضرورة ، فإن الإِكثار من الحلف بغير ضرورة يؤدي إلى قلة الحياء من الله تعالى .
كما أن الحلف الكاذب يؤدي إلى سخطه سبحانه على الحالف وبغضه له .وقوله : ( كذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) تذييل قصد به التذكير بنعم الله حتى يداوم الناس على شكرها وطاعة واهبها عز وجل .أي : مثل هذا البيان البديع الجامع لوجوه والفلاح ، يبين الله لكم آياته المشتملة على الأحكام الميسرة ، والتشريعات الحكيمة ، والهدايات الجليلة لعلكم بذلك تستمرون على شكر الله وطاعته ، وتواظبون على خشيته ومراقبته فتنالون ما وعدكم من فلاح وسعادة .هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتي :1 - أن اليمين اللغو لا مؤاخذة فيها .
أي : لا عقوبة عليها في الآخرة ولا كفارة لها في الدنيا لقوله تعالى : ( لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ ) .ونعني بها - كما سبق أن أشرنا - أن يقول الرجل من غير قصد الحلف لا والله وبلى والله .ومع هذا فمن الأفضل للمؤمن ألا يلجأ إلى الحلف إلا إذا كانت هناك ضرورة تدعو لذلك؛ لأن الإِكثار من الحلف يسقط مهابة الإِنسان ، وقد يفضي به إلى الاستهانة بالآداب الحميدة التي شرعها الله .قال تعالى : ( وَلاَ تتخذوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ السواء بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ الله وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) 2 - أن اليمين التي يحلفها الحالف بالقصد والنية وهو كاذب فيها ، يستحق صاحبها العذاب الشديد من الله - تعالى - ، وهي التي يسميها الفقهاء باليمين الغموس ، أي التي تغمس صاحبها في النار - تعالى - ( ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان ) .أيِ : بما صممتم عليه منها وقصدتموه وأنتم حانثون فيها .قال القرطبي ما ملخصه : خرج البخاري عن عبد الله بن عمرو قال : " جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما الكبائر؟
قال : " الإِشراك بالله .
قال : ثم ماذا؟
قال : عقوق الوالدين .
قال : ثم ماذا؟
قال : اليمين الغموس " قلت : وما اليمين الغموس؟
قال : التي يقتطع بها مال أمرئ مسلم وهو كاذب فيها " .وخرج مسلم عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من اقطتع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة .
فقال رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟
قال صلى الله عليه وسلم : وإن كان قضيبا من أراك " .وقد اختلف في اليمين الغموس فالذي عليه الجمهور أنها يمين مكر وخديعة وكذب فلا تنعقد ولا كفارة فيها .
لأن هذا الحالف قد جمع بين الكذب ، واستحلال مال الغير ، والاستخفاف باليمين بالله .
فأهان ما عظمه الله ، وعظم ما حقره الله ، ولهذا قيل : إنما سميت اليمين الغموس غموسا ، لأنها تغمس صاحبها في النار .وقال الشافعي : " هي يمين منعقدة ، لأنها مكتسبة بالقلب ، معقودة بخبر ، مقرونة باسم الله - تعالى - ، وفيها الكفارة .والصحيح الأول : وهو قول مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة ، وبه قال الأوزاعي والثوري وأهل العراق وأحمد وإسحاق وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي من أهل الكوفة .3 - أن ( أو ) في قوله - تعالى : ( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) للتخيير .أي : أن الحالف إذا حنث في يمينه فهو مخير بين واحد من أمور ثلاثة ليكفر عن يمينه التي حنث فيها .
وهذه الثلاثة هي الإِطعام أو الكسوة ، أو عتق الرقبة .
فإّا لم يجد إحدى هذه الكفارات الثلاث انتقل إلى الصوم .قال الفخر الرازي : وأعلم أن الآية دالة على أن الواجب في كفارة اليمين أحد الأمور الثلاثة على التخيير ، فإن عجز عنها جميعا فالوجب شيء آخر وهو الصوم .ومعنى الواجب المخير أنه لا يجب عليه الإِتيان بكل واحد من هذه الثلاثة ولا يجوز له تركها جميعا .
ومتى أتى بأي واحد شاء من هذه الثلاثة فإنه يخرج عن العهدة .
فإذا اجتمعت هذه القيود الثلاثة فذاك هو الواجب المخير .وللعلماء أقوال متعددة في الإِطعام المطلوب لكفارة اليمين .قال القرطبي ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) لابد عندنا - أي المالكية - وعند الشافعي من تمليك ما يخرج لهم ودفعه إليهم حتى يتملكوه ويتصرفوا فيه .وقال أبو حنيفة : لو غداهم وعشاهم جاز .
والأوسط هنا منزلة بين منزلتين ونصفا بين طرفين - أي يطعمهم من غالب الطعام الذي يطعم منه أهله لا من أدناه حتى لا يبخس المساكين حقهم ولا من أعلاه حتى لا يتكلف ما يشق عليه - .والإِطعام عند مالك : مد لكل واحد من المساكين العشرة .
وبه قال الشافعي .
وقال أبو حنيفة : يخرج من البر نصف صاع ، ومن التمر والشعير صاعا .
أي يخرج ما يجب في صدقه الفطر .ولا يجوز عندنا دفع الكفارة إلى مسكين واحد وبه قال الشافعي ، لأن الله - تعالى - نص على العشرة فلا يجوز العدول عنهم ، وأيضاً فإن فيه إحياء جماعة من المسلمين وكفايتهم يوما واحدا ، فيتفرغون فيه لعبادة الله ولدعائه ، فغفر للمكفر بسبب ذلك .وقال أبو حنيفة : يجزئه - أي : إذا أطعم واحد عشر مرات أغني عن إطعام العشرة - لأن المقصود من الآية التعريف بقدر ما يطعم ، فلو دفع ذلك القدر لواحد أجزأه ذلك .قال الشافعي : لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة - من قميص أو سراويل - أجزأه ذلك .وقال مالك وأحمد : لابد أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصح أن يصلي فيه ، إن كان رجلا أو امرأة كل بحسبه .وقال أبو حنيفة : الكسوة في كفارة اليمين لكل مسكين ثوب وإزار .ولا تجزئ القيمة عن الطعام والكسوة عند الشافعي .وقال أبو حنيفة : تجزئ القيمة ، لأن الغرض سد حاجة المحتاج ، وقد تكون القيمة أنفع له .والنوع الثالث الذي به تكون كافرة اليمين : تحرير رقبة أي : إعتاقها من الرق ، والمراد بالرقبة جملة الإِنسان .قال الرازي : المراد بالرقبة : الجملة قيل : الأصل في هذا المجاز أن الأسير في العرب كانت تجمع يداه إلى رقبته بحبل .
فإذا أطلق حل ذلك الحبل .
فسمى الإِطلاق من الرقبة فك الرقبة .
ثم جرى ذلك على العتق .
وقد أخذ بإطلاقها أبو حنيفة فقال : تجزئ الكافرة كما تجزئ المؤمنة .
وقال الشافعي وآخرون : لابد أن تكون مؤمنة .فإن قيل : أي فائدة في تقديم الإِطعام على العتق مع أن العتق أفضل لا محالة؟
قلنا له وجوه .أحدها : أن المقصود منه التنبيه على أن هذه الكفارة وجبت على التخيير لا على الترتيب ، لأنها لو وجبت على الترتيب لوجبت البداءة بالأغلظ .وثانيها : قدم الإِطعام لأنه أسهل ، لكون الطعام أعم وجودا ، والمقصود منه التنبيه على أنه - تعالى - يراعي التخفيف والتسهيل في التكاليف .وثالثها : أن الإِطعام أفضل ، لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام ، ولا يكون هناك من يعطيه الطعام فيقع في الضر .
أما العبد فإنه يجب على مولاه إطعامه وكسوته .4 - يرى مالك والشافعي أن قوله : تعالى : ( فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ) يصدق على الصيام المتتابع والمتفرق ، فلو صام الحالف ثلاثة أيام متفرقة أجزأه ذلك ، لأن التتابع صفة لا تجب إلا بنص أو قياس على منصوص وقد عدما .ويرى أبو حنيفة وأحمد صوم الثلاثة أيام متتابعة ، فقد قرأ أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " وقراءتهما لا تختلف عن روايتهما .وقال ابن كثير : واختلف العلماء هل يجب فيها التتابع أو يستحب ولا يجب ويجزئ التفريق؟
قولان :أحدهما : لا يجب وهذا منصوص الشافعي في كتاب الأيمان .
وهو قول مالك ، لإِطلاق قوله : ( فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ) وهو صادق على المجموعة والمفرقة كما في قضاء رمضان لقوله : ( فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) ونص الشافعي في موضع آخر في الأم على وجوب التتابع كما هو مذهب الحنفية والحنابلة لأنه قد روى عن أبي بن كعب وغيره أنه كان يقرؤها " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " وحكاها مجاهد والشعبي وأبو إسحاق عن عبد الله بن مسعود .
وهذه ، أيام لم يثبت كونها قرآنا متواترا فلا أقل من أن يكون خبر واحد أو تفسيرا من الصحابة وهو في حكم المرفوع .وروى ابن مردويه عن ابن عباس قال : لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة يا رسول الله نحن بالخيار؟
قال : أنت بالخيار .
إن شئت أعتقت .
وإن شئت كسوت .
وإن شئت أطعمت .فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات .ويبدو لنا أن الصيام المتتابع أفضل ، لأن قراءة أبي وحديث حذيفة يزكيانه ، ولأنه رأى عدد كبير من الصحابة منهم عبد الله بن مسعود .5 - أخذ بعض العلماء من قوله - تعالى : ( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ) .
.
.
إلخ .
أن الكفارة لا تكون إلا بعد الحنث؛ لأن السبب في الكفارة هو الحنث ، وم ادام لم يتحقق فإن لا كفارة .وقال آخرون يجوز أن تتقدم الكفارة عند نية الحنث ، وتقوم النية مقام الحنث بالفعل .وقد تكلم عن هذه المسألة الإِمام القرطبي فقال ما ملخصه : اختلف العلماء في تقديم الكفارة على الحنث أتجزئ أم لا على ثلاثة أقوال :أحدها : يجزئ مطلقا وهو مذهب أربعة وعشرين من الصحابة ، وجمهور الفقهاء ، وهو مشهور مذهب مالك ، فقد قال أبو موسى الأشعري : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يمين وأتيت الذي هو خير " رواه وأخرجه أبو داود .ومن جهة المعنى أن اليمين سبب الكفارة ، لقوله - تعالى ( ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ) فأضاف الكفارة إلى اليمين والمعاني تضاف إلى أسبابها .
وأيضاً بدل عن البر فيجوز تقديمها قبل الحنث .وثانيها : قال أبو حنيفة وأصحابه لا يجزئ بوجه لما رواه مسلم عن عدي بن حاتم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير - زاد النسائي - وليكفر عن يمينه "ومن جهة المعنى أن الكفارة إنما هو لرفع الإِثم ، وما لم يحنث لم يكن هناك ما يرفع فلا معنى لفعلها .
وأيضاً فإن كل عبادة فعلت قبل وجوبها لم تصح اعتباراً بالصلوات وسائر العبادات .وثالثها : قال الشافعي : تجزئ بالإِطعام والعتق والكسوة ولا تجزئ بالصوم؛ لأن عمل البدن لا يقدم قبل وقته .
ويجزئ في غير ذلك تقديم الكفارة .6 - أخذ العلماء من قوله - تعالى - ( واحفظوا أَيْمَانَكُم ) أن من الواجب على المؤمن أن يقلل من الأيمان فلا يلجأ إليها إلا عند الضرورة ، وأن يحرص على أن يكون صادقا فيها حتى لا يحتاج إلى التفكير عنها؛ وأن يبادر إلى التفكير عنها إذا كانت المصلحة تستدعي الحنث فيها ، لما سبق أن ذكره القرطبي من حديث أبي موسى الأشعري وحديث عدي بن حاتم .ولما رواه الشيخان عن عبد الرحمن بن سمرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " يا عبد الرحمن بن سمرة ، لا تسأل الإِمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها ، وأن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها .
وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير " .هذا " وقد ساق صاحب المنار في نهاية تفسيره لهذه الآية بحوثا تتعلق بالأيمان فقال ما ملخصه :( أ ) لا يجوز في الإِسلام الحلف بغير الله تعالى - وأسمائه وصفاته ، لما رواه الشيخان من حديث ابن عمر : " من كان حالفا لا يحلف إلا بالله " ورويا عنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يحلف بأبيه فقال : " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت " .روى أحمد والبخاري وأصحاب السنن عن ابن عمر أيضا قال : كان أكثر ما يحلف به النبي صلى الله عليه وسلم يحلف : " لا ومقلب القلوب " .وهذه الأحاديث الصحيحة صريحة في حظر الحلف بغير الله ويدخل النبي صلى الله عليه وسلم في عموم غير الله وكذلك الكعبة وسائر ما هو معظم شرعا تعظيما يليق به .( ب ) ثم قال ويجوز الحنث للمصلحة الراجحة فقد روى الشيخان وأحمد عن عبد الرحمن بن سمرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا حلفت على يمين ورأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك وفي رواية فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير " .وينقسم الحلف باعتبار المحلوف عليه إلى أقسام :1 - أن يحلف على فعل واجب وترك حرام ، فهذا تأكيد لما كلفه الله إياه فيحرم الحنث ويكون إثمه مضاعفا .2 - إن يحلف على ترك واجب أو فعل محرم ، فهذا يجب عليه الحنث ، لأنه يمين معصية على ترك فريضة من الفرائض ، أو حق من الحقوق الواجبة عليه .3 - أن يحلف على فعل مندوب أو ترك مكروه ، فهذا طاعة فيندب له الوفاء ويكره الحنث كذا قال بعضهم .
والظاهر وجوب الوفاء كما قالوا في النذر .4 - أن يحلف على ترك مندوب أو فعل مكروه ، فيستحب له الحنث ويكره التمادي كذا قالوا .
وظاهر الحديث وجوب الكفارة والحنث مطلقا .5 - أن يحلف على ترك مباح وقد اختلفوا فيه : فقال ابن الصباغ : إن ذلك يختلف باختلاف الأحوال .أي أن الحالف يوازن بين مقدار الضرر الذي سيترتب على الاستمرار في الترك ، والخير الذي يجلبه الحنث ، فإن رجح أحدهما مضى فيه .( ج ) - ثم قال : وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية : الأيمان - بحسب صيغتها وأحكامها ثلاثة أقسام :أحدها : ما ليس من أيمان المسلمين وهو الحلف بالمخلوقات كالكعبة والملائكة والمشايخ والملوك والآباء ونحو ذلك ، فهذه يمين غير منعقدة ولا كفارة فيها باتفاق العلماء بلهي منهى عنها باتفاق أهل العلم والنهي نهي تحريم في أصح الأقوال .
ففي الحديث : " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، ومن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت "الثاني : اليمين بالله كقول القائل : والله لأفعلن كذا .
فهذه يمين منعقدة فيها الكفارة إذا حنث فيها باتفاق المسلمين .الثالث : أيمان المسلمين التي هي في معنى الحلف بالله ، ومقصود الحالف بها تعظيم الخالق لا الحلف بالمخلوقات كالحلف بالنذر والطلاق والعتاق كقوله إن فعلت كذا فعلى صيام شهر أو الحج إلى بيت الله .فهذه الأيمان للعلماء فيها أقوال أظهرها أنه إذا حنث فيها لزمته كافارة يمين كما قال - تعالى - ( ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ) وقال تعالى ( قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ) ( د ) ثم ختم صاحب المنار مباحثه بقوله : واليمين الغموس التي يهضم بها الحق أو يقصد بها الغش والخيانة ، لن يكفرها عتق ولا صدقة ولا صيام ، بل لابد من التوبة وأداء الحقوق والاستقامة .
قال - تعالى - ( وَلاَ تتخذوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ السواء بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ الله وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين ما يجب عليهم إذا ما حنثوا في إيمانهم ، وحضتهم على حفظ أيمانهم ، لكي ينالوا من الله - تعالى - الرضا والفلاح .
النوع الثاني: من الأحكام المذكورة في هذا الموضع قوله تعالى: ﴿ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِي أيمانكم ﴾ .
قد ذكرنا أنه تعالى بيّن في هذا الموضع أنواعاً من الشرائع والأحكام.
بقي أن يقال: أي مناسبة بين هذا الحكم وبين ما قبله حتى يحسن ذكره عقيبه؟
فنقول: قد ذكرنا أن سبب نزول الآية الأولى أن قوماً من الصحابة حرّموا على أنفسهم المطاعم والملابس واختاروا الرهبانية وحلفوا على ذلك فلما نهاهم الله تعالى عنها قالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا أنزل الله هذه الآية.
واعلم أن الكلام في أن يمين اللغو ما هو قد سبق على الاستقصاء في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ لا يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِي أيمانكم ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُم ﴾ فلا وجه للاعادة.
ثم قال تعالى: ﴿ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم ﴿ عَقَّدتُّمُ ﴾ بتشديد القاف بغير ألف، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ﴿ عَقَّدتُّمُ ﴾ بتخفيف القاف بغير ألف، وقرأ ابن عامر عاقدتم بالألف والتخفيف.
قال الواحدي: يقال عقد فلان اليمين والعهد والحبل عقداً إذا وكده وأحكمه، ومثل ذلك أيضاً عقد بالتشديد إذا وكد، ومثله أيضاً عاقد بالألف.
إذا عرفت هذا فنقول: أما من قرأ بالتخفيف فإنه صالح للقليل والكثير، يقال: عقد زيد يمينه، وعقدوا أيمانهم، وأما من قرأ بالتشديد فاعلم أن أبا عبيدة زيف هذه القراءة وقال: التشديد للتكرير مرة بعد مرة فالقراءة بالتشديد توجب سقوط الكفارة عن اليمين الواحدة لأنها لم تتكرر.
وأجاب الواحدي رحمه الله عنه من وجهين: الأول: أن بعضهم قال: عقد بالتخفيف والتشديد واحد في المعنى.
الثاني: هب أنها تفيد التكرير كما في قوله: ﴿ وَغَلَّقَتِ الأبواب ﴾ إلا أن هذا التكرير يحصل بأن يعقدها بقلبه ولسانه، ومتى جمع بين القلب واللسان فقد حصل التكرير أما لو عقد اليمين بأحدهما دون الآخر لم يكن معقداً، وأما من قرأ بالألف فإنه من المفاعلة التي تختص بالواحد مثل عافاه الله وطارقت النعل وعاقبت اللص فتكون هذه القراءة كقراءة من خفف.
المسألة الثانية: (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر، والتقدير: ولكن يؤاخذكم بعقدكم أو بتعقيدكم أو بمعاقدتكم الأيمان.
المسألة الثالثة: في الآية محذوف، والتقدير: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم، فحذف وقت المؤاخذة لأنه كان معلوماً عندهم أو بنكث ما عقدتم، فحذف المضاف.
وأما كيفية استدلال الشافعي بهذه الآية على أن اليمين الغموس توجب الكفارة فقد ذكرناها في سورة البقرة.
ثم قال تعالى: ﴿ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مساكين مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ .
واعلم أن الآية دالة على أن الواجب في كفارة اليمين أحد الأمور الثلاثة على التخيير، فإن عجز عنها جميعاً فالواجب شيء آخر، وهو الصوم.
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: معنى الواجب المخير أنه لا يجب عليه الإتيان بكل واحد من هذه الثلاثة، ولا يجوز له تركها جميعاً، ومتى أتى بأي واحد شاء من هذه الثلاثة، فإنه يخرج عن العهدة، فإذا اجتمعت هذه القيود الثلاثة فذاك هو الواجب المخير، ومن الفقهاء من قال: الواحد لا بعينه، وهذا الكلام يحتمل وجهين: الأول: أن يقال: الواجب عليه أن يدخل في الوجود واحداً من هذه الثلاثة لا بعينه.
وهذامحال في العقول لأن الشيء الذي لا يكون معيناً في نفسه يكون ممتنع الوجود لذاته، وما كان كذلك فإنه لا يراد به التكليف.
الثاني: أن يقال: الواجب عليه واحد معين في نفسه وفي علم الله تعالى، إلا أنه مجهول العين عند الفاعل، وذلك أيضاً محال لأن كون ذلك الشيء واجباً بعينه في علم الله تعالى هو أنه لا يجوز تركه بحال، وأجمعت الأمة على أنه يجوز له تركه بتقدير الإتيان بغيره، والجمع بين هذين القولين جمع بين النفي والإثبات وهو محال، وتمام الكلام فيه مذكور في أصول الفقه.
المسألة الثانية: قال الشافعي رحمه الله نصيب كل مسكين مد، وهو ثلثا من، وهو قول ابن عباس وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والحسن والقاسم، وقال أبو حنيفة رحمه الله الواجب نصف صاع من الحنطة، وصاع من غير الحنطة.
حجة الشافعي أنه تعالى لم يذكر في الاطعام إلا قوله: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ وهذا الوسط إما أن يكون المراد منه ما كان متوسطاً في العرف، أو ما كان متوسطاً في الشرع، فإن كان المراد ما كان متوسطاً في العرف فثلثا من الحنطة إذاجعل دقيقاً أو جعل خبزاً فإنه يصير قريباً من المن، وذلك كاف في قوت اليوم الواحد ظاهراً، وإن كان المراد ما كان متوسطاً في الشرع فلم يرد في الشرع له مقدار إلا في موضع واحد، وهو ما روي في خبر المفطر في نهار رمضان أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بإطعام ستين مسكيناً من غير ذكر مقدار، فقال الرجل: ما أجد فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه خمسة عشر صاعاً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أطعم هذا، وذلك يدل على تقدير طعام المسكين بربع الصاع، وهو مد، ولا يلزم كفارة الحلف لأنها شرعت بلفظ الصدقة مطلقة عن التقدير بإطعام الأهل، فكان قدرها معتبراً بصدقة الفطر، وقد ثبت بالنص تقديرها بالصاع لا بالمد.
وحجة أبي حنيفة رحمه الله أنه تعالى قال: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ والأوسط هو الأعدل والذي ذكره الشافعي رحمه الله هو أدنى ما يكفي، فأما الأعدل فيكون بإدام، وهكذا روي عن ابن عباس رحمهما الله: مد معه إدامه، والإدام يبلغ قيمته قيمة مد آخر أو يزيد في الأغلب.
أجاب الشافعي رحمه الله بأن قوله: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ يحتمل أن يكون المراد التوسط في القدر، فإن الإنسان ربما كان قليل الأكل جداً يكفيه الرغيف الواحد، وربما كان كثير الأكل فلا يكفيه المنوان، إلا أن المتوسط الغالب أنه يكفيه من الخبز ما يقرب من المن، ويحتمل أن يكون المراد التوسط في القيمة لا يكون غالباً كالسكر، ولا يكون خسيس الثمن كالنخالة والذرة، والأوسط هو الحنطة والتمر والزبيب والخبز، ويحتمل أن يكون المراد الأوسط في الطيب واللذاذة، ولما كان اللفظ محتملاً لكل واحد من الأمرين فنقول: يجب حمل اللفظ على ما ذكرناه لوجهين: الأول: أن الإدام غير واجب بالإجماع فلم يبق إلا حمل اللفظ على التوسط في قدر الطعام.
الثاني: أن هذا القدر واجب بيقين، والباقي مشكوك فيه لأن اللفظ لا دلالة فيه عليه فأوجبنا اليقين وطرحنا الشك والله أعلم.
المسألة الثانية: قال الشافعي رحمه الله: الواجب تمليك الطعام.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا غدى أو عشى عشرة مساكين جاز.
حجة الشافعي: أن الواجب في هذه الكفارة أحد الأمور الثلاثة، إما الاطعام، أو الكسوة، أو الاعتاق، ثم أجمعنا على أن الواجب في الكسوة التمليك، فوجب أن يكون الواجب في الاطعام هو التمليك.
حجة أبي حنيفة: أن الآية دلّت على أن الواجب هو الاطعام، والتغدية والتعشية هما إطعام بدليل قوله تعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبّهِ ﴾ وقال: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ وإطعام الأهل يكون بالتمكين لا بالتمليك، ويقال في العرف: فلان يطعم الفقراء إذا كان يقدم الطعام إليهم ويمكنهم من أكله.
وإذا ثبت أنه أمر بالاطعام وجب أن يكون كافياً.
أجاب الشافعي رضي الله عنه: أن الواجب إما المد أو الأزيد، والتغدية والتعشية قد تكون أقل من ذلك فلا يخرج عن العهدة إلا باليقين والله أعلم.
المسألة الرابعة: قال الشافعي رحمه الله: لا يجزئه إلا طعام عشرة وقال أبو حنيفة رحمه الله لو أطعم مسكيناً واحداً عشرة أيام جاز.
حجة الشافعي رحمه الله: أن مدار هذا الباب على التعبد الذي لا يعقل معناه، وما كان كذلك فإنه يجب الاعتماد فيه على مورد النص.
المسألة الخامسة: الكسوة في اللغة معناها اللباس، وهو كل ما يكتسى به، فأما التي تجزى في الكفارة فهو أقل ما يقع عليه اسم الكسوة إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو عمامة أو مقنعة ثوب واحد لكل مسكين، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وهو مذهب الشافعي رحمه الله.
المسألة السادسة: المراد بالرقبة الجملة، وقيل الأصل في هذا المجاز أن الأسير في العرب كان يجمع يداه إلى رقبته بحبل، فإذا أطلق حل ذلك الحبل فسمي الاطلاق من الرقبة فك الرقبة، ثم جرى ذلك على العتق، ومذهب أهل الظاهر أن جميع الرقبات تجزيه.
وقال الشافعي رحمه الله: الرقبة المجزية في الكفارة كل رقبة سليمة من عيب يمنع من العمل، صغيرة كانت أو كبيرة، ذكراً أو أنثى، بعد أن تكون مؤمنة، ولا يجوز إعتاق الكافرة في شيء من الكفارات، ولا إعتاق المكاتب، ولا شرء القريب، وهذه المسائل قد ذكرناها في آية الظهار.
المسألة السابعة: لقائل أن يقول: أي فائدة لتقديم الاطعام على العتق مع أن العتق أفضل لا محالة.
قلنا له وجوه: أحدها: أن المقصود منه التنبيه على أن هذه الكفارة وجبت على التخيير لا على الترتيب لأنها لو وجبت على الترتيب لوجبت البداءة بالأغلظ.
وثانيها: قدم الاطعام لأنه أسهل لكون الطعام أعم وجوداً، والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى يراعي التخفيف والتسهيل في التكاليف.
وثالثها: أن الاطعام أفضل لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام، ولا يكون هناك من يعطيه الطعام فيقع في الضر، أما العبد فإنه يجب على مولاه إطعامه وكسوته.
ثم قال تعالى: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الشافعي رحمه الله: إذا كان عنده قوته وقوت عياله يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة بالاطعام، وإن لم يكن عنده هذا القدر جاز له الصيام وعند أبي حنيفة رحمه الله، يجوز له الصيام إذا كان عنده من المال ما لا يجب فيه الزكاة، فجعل من لا زكاة عليه عادماً.
حجة الشافعي رحمه الله، أنه تعالى علق جواز الصيام على عدم وجدان هذه الثلاثة، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط، فعند عدم وجدان هذه الثلاثة وجب أن لا يجوز الصوم، تركنا العمل به عند وجدان قوت نفسه وقوت عياله يوماً وليلة لأن ذلك كالأمر المضطر إليه، وقد رأينا في الشرع أنه متى وقع التعارض في حق النفس وحق الغير كان تقديم حق النفس واجباً، فوجب أن تبقى الآية معمولاً بها في غير هذه الصورة.
المسألة الثانية: قال الشافعي رحمه الله في أصح قوليه: أنه يصوم ثلاثة أيام إن شاء متتابعة وإن شاء متفرقة.
وقال أبو حنيفة: يجب التتابع.
حجة الشافعي: أنه تعالى أوجب صيام ثلاثة أيام، والآتي بصوم ثلاثة أيام على التفرق آت بصوم ثلاثة أيام، فوجب أن يخرج عن العهدة.
حجة أبي حنيفة رحمه الله، ما روي في قراءة أُبي بن كعب وابن مسعود: فصوم ثلاثة أيام متتابعات، وقراءتهما لا تختلف عن روايتهما.
والجواب أن القراءة الشاذة مردودة لأنها لو كانت قرآناً لنقلت نقلاً متواتراً، إذ لو جوزنا في القرآن أن لا ينقل على التواتر لزم طعن الروافض والملاحدة في القرآن وذلك باطل، فعلمنا أن القراءة الشاذة مردودة، فلا تصلح لأن تكون حجة.
وأيضاً نقل في قراءة أُبي بن كعب أنه قرأ (فعدة من أيام أُخر متتابعات) مع أن التتابع هناك ما كان شرطاً، وأجابوا عنه بأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً قال له علي أيام من رمضان أفأقضيها متفرقات؟
فقال عليه الصلاة والسلام: أرأيت لو كان عليك دين فقضيت الدرهم فالدرهم أما كان يجزيك قال بلى، قال فالله أحق أن يعفو وأن يصفح.
قلنا: فهذا الحديث وإن وقع جواباً عن هذا السؤال في صوم رمضان إلا أن لفظه عام، وتعليله عام في جميع الصيامات، وقد ثبت في الأصول أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكان ذلك من أقوى الدلائل على جواز التفريق هاهنا أيضاً.
المسألة الثالثة: من صام ستة أيام عن يمينين أجزأه سواء عين إحدى الثلاثتين لإحدى اليمينين أو لا والدليل عليه أنه تعالى أوجب صيام ثلاثة أيام عليه، وقد أتى بها، فوجب أن يخرج عن العهدة.
ثم قال تعالى: ﴿ ذلك كَفَّارَةُ أيمانكم إِذَا حَلَفْتُمْ ﴾ قوله: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم ذكره من الطعام والكسوة وتحرير الرقبة، أي ذلك المذكور كفارة أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم لأن الكفارة لا تجب بمجرد الحلف، إلا أنه حذف ذكر الحنث لكونه معلوماً، كما قال: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ أي فأفطر.
احتج الشافعي بهذه الآية على أن التكفير قبل الحنث جائز فقال: الآية دلّت على أن كل واحد من الأشياء الثلاثة كفارة لليمين عند وجود الحلف، فإذا أداها بعد الحلف قبل الحنث فقد أدى الكفارة عن ذلك اليمين، وإذا كان كذلك وجب أن يخرج عن العهدة.
قال: وقوله: ﴿ إِذَا حَلَفْتُمْ ﴾ فيه دقيقة وهي التنبيه على أن تقديم الكفارة قبل اليمين لا يجوز، وأما بعد اليمين وقبل الحنث فإنه يجوز.
ثم قال تعالى: ﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ وفيه وجهان: الأول: المراد منه قللوا الأيمان ولا تكثروا منها قال كثير: قَليلُ الألا يا حافظٌ ليمينه *** وإن سبقت منه الأَليَّةُ بَرَّتِ فدل قوله (وإن سبقت منه الألية) على أن قوله (حافظ ليمينه) وصف منه له بأنه لا يحلف.
الثاني: واحفظوا أيمانكم إذا حلفتم عن الحنث لئلا تحتاجوا إلى التفكير، واللفظ محتمل للوجهين، إلا أن على هذا التقدير يكون مخصوصاً بقوله عليه السلام: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه».
ثم قال: تعالى: ﴿ كذلك يُبَيّنُ الله لَكُمْ ءاياته لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ والمعنى ظاهر، والكلام في لفظ لعلّ تقدم مراراً.
<div class="verse-tafsir"
اللغو في اليمين: الساقط الذي لا يتعلق به حكم: واختلف فيه، فعن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عنه فقالت: هو قول الرجل (لا والله، بلى والله) وهو مذهب الشافعي.
وعن مجاهد: هو الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك وليس كما ظن.
وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله ﴿ بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان ﴾ بتعقيدكم الأيمان وهو توثيقها بالقصد والنية.
وروي أن الحسن رضي الله عنه سئل عن لغو اليمين وكان عنده الفرزدق فقال: يا أبا سعيد، دعني أجب عنك فقال: وَلَسْتُ بِمَأْخُوذِ بِلَغْوٍ تَقُولُه ** إِذَا لَمْ تَعَمَّدْ عَاقِدَاتِ الْعَزَائِمِ وقرئ: ﴿ عقدتم ﴾ ، بالتخفيف.
﴿ وعاقدتم ﴾ .
والمعنى: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم، فحذف وقت المؤاخذة.
لأنه كان معلوماً عندهم، أو بنكث ما عقدتم.
فحذف المضاف ﴿ فَكَفَّارَتُهُ ﴾ فكفارة نكثه.
والكفارة: الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ ﴾ من أقصده، لأنّ منهم من يسرف في إطعام أهله، ومنهم من يقتر وهو عند أبي حنيفة رحمه الله نصف صاع من برّ أو صاع من غيره لكل مسكين، أو يغديهم ويعشيهم.
وعند الشافعي رحمه الله: مدّ لكل مسكين.
وقرأ جعفر بن محمد: ﴿ أهاليكم ﴾ ، بسكون الياء، والأهالي: اسم جمع لأهل: كالليالي في جمع ليلة، والأراضي في جمع أرض.
وقولهم: (أهلون) كقولهم (أرضون) بسكون الراء.
وأما تسكين الياء في حال النصب فللتخفيف، كما قالوا: رأيت معد يكرب، تشبيها للياء بالألف ﴿ أَوْ كِسْوَتُهُمْ ﴾ عطف على محل (من أوسط) وقرئ بضم الكاف، ونحوه: قُدوة في قِدوة، وأسوة في إسوة، والكسوة ثوب يغطي العورة، وعن ابن عباس رضي الله عنه كانت العباءة تجزئ يومئذٍ.
وعن ابن عمر: إزار أو قميص أو رداء أو كساء.
وعن مجاهد: ثوب جامع.
وعن الحسن: ثوبان أبيضان.
وقرأ سعيد بن المسيب واليماني: ﴿ أو كأسوتهم ﴾ ، بمعنى: أو مثل ماتطعمون أهليكم إسرافاً كان أو تقتيراً.
لا تنقصونهم عن مقدار نفقتهم، ولكن تواسون بينهم وبينهم.
فإن قلت: ما محل الكاف؟
قلت: الرفع، تقديره: أو طعامهم كأسوتهم، بمعنى: كمثل طعامهم إن لم يطعموهم الأوسط ﴿ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ شرط الشافعي رحمه الله الإيمان قياساً على كفارة القتل.
وأما أبو حنيفة وأصحابه، فقد جوّزوا تحرير الرقبة الكافرة في كل كفارة سوى كفارة القتل.
فإن قلت: ما معنى أو؟
قلت: التخيير وإيجاب إحدى الكفارات الثلاث على الاطلاق، بأيتها أخذ المكفر فقد أصاب ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ ﴾ إحداها ﴿ فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ ﴾ متتابعات عند أبي حنيفة رحمه الله، تمسكاً بقراءة أبيّ وابن مسعود رضي الله عنهما: ﴿ فصيام ثلاثة أيام متتابعات ﴾ .
وعن مجاهد: كل صوم متتابع إلا قضاء رمضان، ويخير في كفارة اليمين ﴿ ذلك ﴾ المذكور ﴿ كَفَّارَةُ أيمانكم ﴾ ولو قيل: تلك كفارة أيمانكم، لكان صحيحاً بمعنى تلك الأشياء أو لتأنيث الكفارة.
والمعنى ﴿ إِذَا حَلَفْتُمْ ﴾ وحنثتم.
فترك ذكر الحنث لوقوع العلم بأنّ الكفارة إنما تجب بالحنث في الحلف، لا بنفس الحلف، والتكفير قبل الحنث لا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه ويجوز عند الشافعي بالمال إذا لم يعص الحانث ﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ فبروا فيها ولا تحنثوا أراد الأيمان التي الحنث فيها معصية، لأن الأيمان اسم جنس يجوز إطلاقه على بعض الجنس وعلى كله.
وقيل: احفظوها بأن تكفروها.
وقيل: احفظوها كيف حلفتم بها، ولا تنسوها تهاوناً بها ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك البيان ﴿ يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته ﴾ أعلام شريعته وأحكامه ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج منه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ ﴾ هو ما يَبْدُو مِنَ المَرْءِ بِلا قَصْدٍ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقِيلَ الحَلِفُ عَلى ما يَظُنُّ أنَّهُ كَذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وفي أيْمانِكم صِلَةُ يُؤاخِذُكم أوِ اللَّغْوِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ أوْ حالٌ مِنهُ.
﴿ وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ ﴾ بِما وثَّقْتُمُ الأيْمانَ عَلَيْهِ بِالقَصْدِ والنِّيَّةِ، والمَعْنى ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمْ إذا حَنِثْتُمْ أوْ بِنَكْثِ ما عَقَدْتُمْ فَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ عَيّاشٍ عَنْ عاصِمٍ عَقَدْتُمُ بِالتَّخْفِيفِ، وابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ «عاقَدْتُمُ» وهو مِن فاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ.
﴿ فَكَفّارَتُهُ ﴾ فَكَفّارَةُ نَكْثِهِ أيِ الفِعْلَةِ الَّتِي تُذْهِبُ إثْمَهُ وتَسْتُرُهُ، واسْتُدِلَّ بِظاهِرِهِ عَلى جَوازِ التَّكْفِيرِ بِالمالِ قَبْلَ الحِنْثِ وهو عِنْدَنا خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.
لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ ورَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ولْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ» .
﴿ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ ﴾ مِن أقْصَدِهِ في النَّوْعِ أوِ القَدْرِ، وهو مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ عِنْدَنا ونِصْفُ صاعٍ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، وما مَحَلُّهُ النَّصْبُ لِأنَّهُ صِفَةُ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أنْ تُطْعِمُوا عَشَرَةَ مَساكِينَ طَعامًا مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ، أوِ الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ مِن إطْعامِ، وأهْلُونَ كَأرْضُونَ.
وقُرِئَ «أهالِيكُمْ» بِسُكُونِ الياءِ عَلى لُغَةِ مَن يُسَكِّنُها في الأحْوالِ الثَّلاثِ كالألِفِ، وهو جَمْعُ أهْلٍ كاللَّيالِي في جَمْعِ لَيْلٍ والأراضِي في جَمْعِ أرْضٍ.
وَقِيلَ هو جَمْعُ أهْلاةٍ.
﴿ أوْ كِسْوَتُهُمْ ﴾ عُطِفَ عَلى إطْعامٍ أوْ مِن أوْسَطِ إنْ جُعِلَ بَدَلًا وهو ثَوْبٌ يُغَطِّي العَوْرَةَ.
وَقِيلَ ثَوْبٌ جامِعٌ قَمِيصٌ أوْ رِداءٌ أوْ إزارٌ.
وقُرِئَ بِضَمِّ الكافِ وهو لُغَةٌ كَقُدْوَةٍ في قُدْوَةٍ وكَأُسْوَتِهِمْ بِمَعْنى أوْ كَمِثْلِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم إسْرافًا كانَ أوْ تَقْتِيرًا تُواسُونَ بَيْنَهم وبَيْنَهم إنْ لَمْ تُطْعِمُوهُمُ الأوْسَطَ، والكافُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ وتَقْدِيرُهُ: أوْ إطْعامُهم كَأُسْوَتِهِمْ.
﴿ أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ أوْ إعْتاقُ إنْسانٍ، وشَرْطُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الأيْمانِ قِياسًا عَلى كَفّارَةِ القَتْلِ، ومَعْنى أوْ إيجابُ إحْدى الخِصالِ الثَّلاثِ مُطْلَقًا وتَخْيِيرُ المُكَلَّفِ في التَّعْيِينِ.
﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ ﴾ أيْ واحِدًا مِنها.
﴿ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ ﴾ فَكَفّارَتُهُ صِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وشَرَطَ فِيهِ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ التَّتابُعَ لِأنَّهُ قُرِئَ «ثَلاثَةُ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ»، والشَّواذُّ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عِنْدَنا إذا لَمْ تَثْبُتْ كِتابًا ولَمْ تُرْوَ سُنَّةً.
﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ المَذْكُورُ.
﴿ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ ﴾ وحَنِثْتُمْ.
﴿ واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ ﴾ بِأنْ تَضُنُّوا بِها ولا تَبْذُلُوها لِكُلِّ أمْرٍ، أوْ بِأنْ تَبَرُّوا فِيها ما اسْتَطَعْتُمْ ولَمْ يَفُتْ بِها خَيْرٌ، أوْ بِأنْ تُكَفِّرُوها إذا حَنِثْتُمْ.
﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ البَيانِ.
﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ ﴾ أعْلامَ شَرائِعِهِ.
﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ نِعْمَةَ التَّعْلِيمِ أوْ نِعْمَةَ الواجِبِ شُكْرَها فَإنَّ مِثْلَ هَذا التَّبْيِينِ يُسَهِّلُ لَكُمُ المَخْرَجَ مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
{لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم} اللغو في اليمين الساقط الذي لا يتعلق به حكم وهو أن يحلف على شيء يرى أنه كذلك وليس كما ظن وكانوا حلفوا على تحريم الطيبات على ظن أنه قربة فلما نزلت الآية قالوا فكيف أيماننا فنزلت وعند الشافعي رحمه الله ما يجري على اللسان بلا قصد {ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان} أي بتعقيدكم الأيمان
وهو توثيقها وبالتخفيف كوفي غير حفص والعقد العزم على الوطء وذا لا يتصور في الماضي فلا كفارة في الغموس وعند الشافعي رحمه الله القصد بالقلب ويمين الغموس مقصودة فكانت معقودة فكانت الكفارة فيها مشروعة والمعنى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم فحذف وقت المؤاخذة لأنه كان معلوماً عندهم أو بنكث ما عقدتم فحذف المضاف {فَكَفَّارَتُهُ} أي فكفارة نكثه أو فكفارة معقود الأيمان والكفارة الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مساكين} هو أن يغديهم ويعشيهم ويجوز
المائدة (٨٩ _ ٩١)
أن يعطيهم بطريق التمليك وهو لكل أحد نصف صاع من بر أو صاع من شعير أو صاع من تمر وعند الشافعي رحمه الله مد لكل مسكين {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أهليكم} أى غذاء وعشاء من بر إذ الأوسع ثلاث مرات مع الإدام والأدنى مرة من تمر أو شعير {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} عطف على إطعام أو على محل من أوسط ووجهه أن من أوسط بدل من إطعام والبدل هو المقصود في الكلام وهو ثوب يغطي العورة وعن ابن عمر رضى الله عنه إزار وقميص ورداء {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} مؤمنة أو كافرة لإطلاق النص وشرط الشافعى رحمة الله الإيمان حملاً للمطلق على المقيد في كفارة القتل ومعنى أو التخيير وإيجاب إحدى الكفارات الثلاث {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} إحداها {فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ} متتابعة لقراءة أبيّ وابن مسعود كذلك {ذلك} المذكور {كَفَّارَةُ أيمانكم إِذَا حَلَفْتُمْ} وحنثتم فترك ذكر الحنث لوقوع العلم بأن الكفارة لا تجب بنفس الحلف ولذا لم يجز التكفير قبل الحنث {واحفظوا أيمانكم} فبروا فيها ولا تحنثوا إذا لم يكن الحنث خيراً أو ولا تحلفوا أصلاً
{كذلك} مثل ذلك البيان {يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته} أعلام شريعته وأحكامه {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج منه
﴿ لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ ﴾ اللَّغْوُ في اليَمِينِ السّاقِطُ الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ وهو عِنْدَنا أنْ يَحْلِفَ عَلى أمْرٍ مَضى يَظُنُّهُ كَذَلِكَ فَإنْ عَلِمَهُ عَلى خِلافِهِ فاليَمِينُ غَمُوسٌ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ما يَسْبِقُ إلَيْهِ اللِّسانُ مِن غَيْرِ نِيَّةِ اليَمِينِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم والأدِلَّةُ عَلى المَذْهَبَيْنِ مَبْسُوطَةٌ في الفُرُوعِ والأُصُولِ وقَدْ تَقَدَّمَ شَطْرٌ مِنَ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ في (أيْمانِكُمْ) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِاللَّغْوِ فَإنَّهُ يُقالُ: لَغا في يَمِينِهِ لَغْوًا، وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنهُ أيْ كائِنًا أوْ واقِعًا في أيْمانِكم وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ (يُؤاخِذُكُمْ)، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ لا يَظْهَرُ رَبْطُهُ بِالمُؤاخَذَةِ إلّا أنْ يُجْعَلَ في العِلَّةِ كَما فِي: «إنَّ امْرَأةً دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ»، ﴿ ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ ﴾ أيْ بِتَعْقِيدِكُمُ الأيْمانَ وتَوْثِيقِها بِالقَصْدِ والنِّيَّةِ فَـ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ وقِيلَ: إنَّها مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ بِما عَقَّدْتُّمُ الأيْمانَ عَلَيْهِ ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّ الكَلامَ في مُقابَلَةِ اللَّغْوِ وبِأنَّهُ خالٍ عَنْ مُؤْنَةِ التَّقْدِيرِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيرَ في غَيْرِ مَحَلِّهِ لِأنَّ شَرْطَ حَذْفِ العائِدِ المَجْرُورِ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بِمِثْلِ ما جُرَّ بِهِ المَوْصُولُ لَفْظًا ومَعْنًى ومُتَعَلِّقًا و(ما) هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ فَلْيُتَدَبَّرْ، والمَعْنى: ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِنَكْثِ ما عَقَّدْتُّمُ أوْ لَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُّمُوها إذا حَنِثْتُمْ وحُذِفَ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ، والمُرادُ بِالمُؤاخَذَةِ المُؤاخَذَةُ في الدُّنْيا وهي الإثْمُ والكَفّارَةِ فَلا إشْكالَ في تَقْدِيرِ الظَّرْفِ وتَعْقِيدُ الأيْمانِ شامِلٌ لِلْغَمُوسِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ وفِيهِ كَفّارَةٌ عِنْدَهم وأمّا عِنْدَنا فَلا كَفّارَةَ ولا حَنْثَ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ عَيّاشٍ عَنْ عاصِمٍ (عَقَدْتُمُ) بِالتَّخْفِيفِ وابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ (عاقَدْتُمُ) والمُفاعَلَةِ فِيها لِأصْلِ الفِعْلِ وكَذا قِراءَةُ التَّشْدِيدِ لِأنَّ القِراءاتِ يُفَسِّرُ بَعْضُها بَعْضًا، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ فِيها لِلْمُبالَغَةِ بِاعْتِبارِ أنَّ العَقْدَ بِاللِّسانِ والقَلْبِ لا أنْ ذَلِكَ للتَّكْرارِ اللِّسانِيِّ كَما تُوُهِّمَ، والآيَةُ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَزَلَتْ حِينَ نُهِيَ القَوْمُ عَمّا صَنَعُوا فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَصْنَعُ بِأيْمانِنا الَّتِي حَلَفْنا عَلَيْها ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ كانَ عِنْدَهُ ضَيْفٌ فَأخَّرَتْ زَوْجَتُهُ عَشاءَهُ فَحَلَفَ لا يَأْكُلَ مِنَ الطَّعامِ وحَلَفَتِ المَرْأةُ لا تَأْكُلَ إنْ لَمْ يَأْكُلْ وحَلَفَ الضَّيْفُ لا يَأْكُلَ إنْ لَمْ يَأْكُلا فَأكَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ وأكَلا مَعَهُ فَأخْبَرَ النَّبِيَّ بِذَلِكَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ: أحْسَنْتَ ونَزَلَتْ ﴿ فَكَفّارَتُهُ ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إمّا عَلى الحِنْثِ المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ أوْ عَلى العَقْدِ الَّذِي في ضِمْنِ الفِعْلِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ فَكَفّارَةُ نَكْثِهِ أوْ عَلى (ما) المَوْصُولَةِ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ وأمّا عَوْدُهُ عَلى الأيْمانِ لِأنَّهُ مُفْرَدٌ كالأنْعامِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ أوْ مُؤَوَّلٌ بِمُفْرِدٍ فَكَما تَرى والمُرادُ بِالكَفّارَةِ المَعْنى المَصْدَرِيُّ وهي الفِعْلَةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُكَفِّرَ الخَطِيئَةَ وتَسْتُرَها والمُرادُ بِالسَّتْرِ المَحْوُ لِأنَّ المَمْحُوَّ يُرى كالمَسْتُورِ وبِهَذا وجْهُ تَأْنِيثِها وذَكَرَ عِصامُ الدِّينِ أنَّ فَعّالًا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ إلّا أنْ ما يَسْتَوِي فِيهِ ذَلِكَ كَفَعِيلٍ إذا حُذِفَ مَوْصُوفُهُ يُؤَنَّثُ لِلْمُؤَنَّثِ كَـمَرَرْتُ بِقَتِيلَةِ بَنِي فُلانٍ ولا يُقالُ بِقَتِيلٍ لِلِالتِباسِ، وذَكَرَ أنَّ التّاءَ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلنَّقْلِ وأنْ تَكُونَ لِلْمُبالَغَةِ انْتَهى ويَدُلُّ عَلى أنَّها بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ الإخْبارُ عَنْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ ﴾ واسْتَدَلَّ الشّافِعِيَّةُ بِظاهِرِ الآيَةِ عَلى جَوازِ التَّكْفِيرِ بِالمالِ قَبْلَ الحِنْثِ سَواءً كانَ الحِنْثُ مَعْصِيَةً أمْ لا وتَقْيِيدُ ذَلِكَ كَما فَعَلَ الرّافِعِيُّ بِما إذا لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ عَلى ما ذُكِرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الكَفّارَةَ عَقِبَ اليَمِينِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الحِنْثِ وقالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ ﴾ وقَيَّدُوا ذَلِكَ بِالمالِ لِيَخْرُجَ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الحِنْثِ عِنْدَهم لِأنَّهُ عِنْدَ العَجْزِ عَنْ غَيْرِهِ، والعَجْزُ يَتَحَقَّقُ بِدُونِ حَنْثٍ وقَدْ قاسُوا ذَلِكَ أيْضًا عَلى تَقْدِيمِ الزَّكاةِ عَلى الحَوْلِ واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةً رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ ورَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ولْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ» ونَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتْ إيجابَ الكَفّارَةِ عِنْدَ الحِنْثِ وهي غَيْرُ واجِبَةٍ قَبْلَهُ فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِما عَقَّدْتُّمُ الأيْمانَ وحَنِثْتُمْ فِيها وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ ﴾ فَأفْطِرْ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ فَكَذا هَذا، والحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلالِ لِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ دَلالَةِ الفاءِ الجَزائِيَّةِ عَلى التَّعْقِيبِ مِن غَيْرِ تَراخٍ يُقالُ: إنَّ الواقِعَ في حَيِّزِها مَجْمُوعُ التَّكْفِيرِ والإيتاءِ ودَلالَةٌ عَلى التَّرْتِيبِ بَيْنَهُما ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ ﴾ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ السَّعْيِ عَلى تَرْكِ البَيْعِ بِالِاتِّفاقِ، وأيْضًا جاءَ في رِوايَةٍ: «فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ثُمَّ لْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ»، ونَقَلَ بَعْضُهم عَنِ الشّافِعِيَّةِ أنَّهم يَجْمَعُونَ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ بِأنَّ إحْداهُما لِبَيانِ الجَوازِ والأُخْرى لِبَيانِ الوُجُوبِ وقالَ عِصامُ الدِّينِ: إنَّ تَقْدِيمَ الكَفّارَةِ تارَةً وتَأْخِيرَها أُخْرى يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ سِيّانٌ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الشّافِعِيَّةَ كالحَنَفِيَّةِ في أنَّهم يُقَدِّرُونَ في الآيَةِ ما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ في تَفْسِيرِها إلّا أنَّ ذَلِكَ عِنْدَهم قَيْدٌ لِلْوُجُوبِ وإلّا فالِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ في غايَةِ الخَفاءِ كَما لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ، و (إطْعامٌ) مَصْدَرٌ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ وهو مُقَدَّرٌ بِحَرْفٍ وفِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْفاعِلِ، وفاعِلُ المَصْدَرِ يُحْذَفُ كَثِيرًا ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى تَقْدِيرِ الفِعْلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الأصْلِ في تَقْدِيرِهِ خِلافٌ، ذَكَرَهُ السَّمِينُ فالتَّقْدِيرُ هُنا: فَكَفّارَتُهُ أنْ يُطْعِمَ الحانِثُ أوِ الحالِفُ عَشَرَةَ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم أيْ مِن أقْصَدِهِ في النَّوْعِ أوِ المِقْدارِ وهو عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ وعِنْدَنا نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ أوْ صاعٍ مِن شَعِيرٍ وأخْرَجَ ابْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ الأوْسَطَ الخُبْزُ والتَّمْرُ، والخُبْزُ والزَّيْتُ، والخُبْزُ والسَّمْنُ، والأفْضَلُ نَحْوَ الخُبْزِ واللَّحْمِ وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: كانُوا يَقُولُونَ: الأفْضَلُ الخُبْزُ واللَّحْمُ، والأوْسَطُ الخُبْزُ والسَّمْنُ، والأخَسُّ الخُبْزُ والتَّمْرُ.
ومَحَلُّ الجارِّ والمَجْرُورِ النَّصْبُ لِأنَّهُ صِفَةُ مَفْعُولٍ ثانٍ لِلْإطْعامِ لِأنَّهُ يَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ، وأوَّلُهُما هُنا ما أُضِيفَ إلَيْهِ والتَّقْدِيرُ: طَعامًا أوْ قُوتًا كائِنًا مِن أوْسَطَ، وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ إطْعامًا كائِنًا مِن ذَلِكَ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ الرَّفْعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ طَعامُهم مِن أوْسَطَ أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِإطْعامٍ أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن إطْعامٍ واعْتُرِضَ هَذا بِأنَّ أقْسامَ البَدَلِ تَتَصَوَّرُ هُنا وأُجِيبَ بِأنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ بِتَقْدِيرِ مَوْصُوفٍ وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ ابْنِ الحاجِبِ وصاحِبِ اللُّبابِ ومُتابِعِيهِما ظاهِرٌ لِأنَّهم يَكْتَفُونَ بِمُلابَسَةٍ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِغَيْرِ الجُزْئِيَّةِ والكُلِّيَّةِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ فَلِأنَّهم يَشْتَرِطُونَ اشْتِمالَ التّابِعِ عَلى المَتْبُوعِ لا كاشْتِمالِ الظَّرْفِ عَلى المَظْرُوفِ بَلْ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ دالًّا عَلَيْهِ إجْمالًا ومُتَقاضِيًا لَهُ بِوَجْهٍ ما بِحَيْثُ تَبْقى النَّفْسُ عِنْدَ ذِكْرِ الأوَّلِ مُتَشَوِّقَةً إلى ذِكْرِ الثّانِي فَيُجاءُ بِالثّانِي مُلَخَّصًا لِما أجْمَلَهُ الأوَّلُ ومُبَيِّنًا لَهُ ويَعُدُّونَ مِن هَذا القَبِيلِ قَوْلَهم: نَظَرْتُ إلى القَمَرِ فَلَكِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ رُكْنُ الدِّينِ في شَرْحِ اللُّبابِ ولا يَخْفى أنَّ إطْعامَ عَشَرَةِ مَساكِينَ دالٌّ عَلى الطَّعامِ إجْمالًا ومُتَقاضٍ لَهُ بِوَجْهٍ واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ بِتَقْدِيرِ إطْعامٌ مِن أوْسَطَ نَحْوَ أعْجَبَنِي قِرى الأضْيافِ قِراهم مِن أحْسَنِ ما وُجِدَ و(ما) إمّا مَصْدَرِيَّةٌ وإمّا مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ مِن أوْسَطِ الَّذِي تُطْعِمُونَ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَقْدِيرَهُ مَجْرُورًا بِمِن أيْ تُطْعِمُونَ مِنهُ، ونَظَرَ فِيهِ السَّمِينُ بِأنَّ مِن شَرْطِ العائِدِ المَحْذُوفِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بِمِثْلِ ما جُرَّ بِهِ المَوْصُولُ لَفْظًا ومَعْنًى ومُتَعَلَّقًا، والحَرْفانِ هُنا وإنِ اتَّفَقا مِن وجْهٍ إلّا أنَّ المُتَعَلِّقَ مُخْتَلِفٌ لِأنَّ (مِن) الثّانِيَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِتُطْعِمُونَ والأُولى لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِذَلِكَ ثُمَّ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: المَوْصُولُ غَيْرُ مَجْرُورٍ بِالإضافَةِ فالجَوابُ أنَّ المُضافَ إلى المَوْصُولِ كالمَوْصُولِ في ذَلِكَ اهـ، وقَدْ قَدَّمْنا آنِفًا نَحْوَ هَذا النَّظَرِ وأجابَ بَعْضُهم عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ الحَذْفَ تَدْرِيجِيٌّ ولا يَخْفى أنَّ فِيهِ تَطْوِيلًا لِلْمَسافَةِ، و(الأهْلُونَ) جَمْعُ أهْلٍ عَلى خِلافِ القِياسِ كَأرْضٍ وأرْضُونَ إذْ شَرْطُ هَذا الجَمْعِ أنْ يَكُونَ عَلَمًا أوْ صِفَةً وأهْلٌ اسْمٌ جامِدٌ قِيلَ: والَّذِي سَوَّغَهُ أنَّهُ اسْتُعْمِلَ كَثِيرًا بِمَعْنًى مُسْتَحَقٍّ فَأشْبَهَ الصِّفَةَ ورُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ (أهالِيكُمْ) بِسُكُونِ الياءِ عَلى لُغَةِ مَن يُسَكِّنُها في الحالاتِ الثَّلاثِ كالألِفِ وهو أيْضًا جَمْعُ أهْلٍ عَلى خِلافِ القِياسِ كَلَيالٍ في جَمْعِ لَيْلَةٍ وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: واحِدُهُما لَيْلاةٌ وأهْلاةٌ وهو مُحْتَمَلٌ كَما قِيلَ لِأنْ يَكُونَ مُرادُهُ أنَّ لَهُما مُفْرَدًا مُقَدَّرًا هو ما ذُكِرَ، ولَأنْ يَكُونَ مُرادُهُ أنَّ لَهُما مُفْرَدًا مُحَقَّقًا مَسْمُوعًا مِنَ العَرَبِ هو ذاكَ وقِيلَ: إنَّ أهالِيَ جَمْعُ أهْلُونَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ (أوْ كِسْوَتُهُمْ) عَطْفٌ كَما قالَ أبُو البَقاءِ عَلى (إطْعامٍ) واسْتَظْهَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى مَحِلِّ ﴿ مِن أوْسَطِ ﴾ ووَجْهُهُ فِيما نُسِبَ إلَيْهِ بِأنَّ ﴿ مِن أوْسَطِ ﴾ بَدَّلٌ مِنَ الإطْعامِ، والبَدَلُ هو المَقْصُودُ ولِذَلِكَ كانَ المُبْدَلُ مِنهُ في حُكْمِ المُنَحّى فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَكَفّارَتُهُ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ ووَجَّهَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ عُدُولَهُ عَنِ الظّاهِرِ بِأنَّ الكِسْوَةَ اسْمٌ لِنَحْوِ الثَّوْبِ لا مَصْدَرًا فَقَدْ قالَ الرّاغِبُ: الكِساءُ والكِسْوَةُ اللِّباسُ فَلا يَلِيقُ عَطْفُهُ عَلى المَصْدَرِ السّابِقِ مَعَ أنَّ كِلَيْهِما فِيما يَتَعَلَّقُ بِالمَساكِينِ وبِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى تَرْكِ ذِكْرِ كَيْفِيَّةِ الكِسْوَةِ وهو كَوْنُها أوْسَطَ ثُمَّ قالَ: ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ الكِسْوَةَ إمّا مَصْدَرٌ كَما يُشْعِرُ بِهِ كَلامُ الزَّجّاجِ أوْ يُضْمِرُ مَصْدَرًا كالإلْباسِ وعَنِ الثّانِي بِأنْ يُقَدَّرَ: أوْ كَسَوْتُهم مِن أوْسَطِ ما تَكْسُونَ، وحُذِفَ ذَلِكَ لِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أوْ بِأنْ تُتْرَكَ عَلى إطْلاقِها إمّا بِإرادَةِ إطْلاقِها أوْ بِإحالَةِ بَيانِها عَلى الغَيْرِ وأيْضًا العَطْفُ عَلى مَحَلِّ ﴿ مِن أوْسَطِ ﴾ يُفِيدُ هَذا المَقْصُودَ وهو تَقْدِيرُ الأوْسَطِ في الكِسْوَةِ فالإلْزامُ مُشْتَرَكٌ ويُؤَدِّي إلى صِحَّةِ إقامَتِهِ مَقامَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهو غَيْرُ سَدِيدٍ اهـ واعْتَرَضَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ عَلى ما نُسِبَ إلى الزَّمَخْشَرِيِّ أيْضًا بِأنَّ العَطْفَ عَلى البَدَلِ يَسْتَدْعِي كَوْنَ المَعْطُوفِ بَدَلًا أيْضًا، وإبْدالُ الكِسْوَةِ مِن (إطْعامٍ) لا يَكُونُ إلّا غَلَطًا لِعَدَمِ المُناسَبَةِ بَيْنَهُما أصْلًا، وبَدَلُ الغَلَطِ يَقَعُ في الفَصِيحِ فَضْلًا عَنْ أفْصَحِ الأفْصَحِ، ومَنعُ عَدَمِ الوُقُوعِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ هَذا العَطْفَ مِن بابِ عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا كَأنَّهُ قِيلَ إطْعامٌ هو أوْسَطُ ما تُطْعِمُونَ أوِ اللِّباسُ هو كُسْوَتُهم عَلى مَعْنى إطْعامٍ هو إطْعامُ الأوْسَطِ، وإلْباسٌ هو إلْباسُ الكِسْوَةِ وفِيهِ إبْهامٌ وتَفْسِيرٌ في المَوْضِعَيْنِ واعْتُرِضَ بِأنَّ العَطْفَ عَلى هَذا يَكُونُ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ لا البَدَلِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ بِالنَّظَرِ إلى ظاهِرِ اللَّفْظِ عَطْفٌ عَلى البَدَلِ وهو كَما تَرى، واعْتَرَضَ الشِّهابُ عَلى دَعْوى أنَّ الدّاعِيَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ عَنِ العُدُولِ إلى الظّاهِرِ إلى اخْتِيارِ العَطْفِ عَلى مَحَلِّ (مِن أوْسَطِ) تَحْصِيلُ التَّناسُبِ بَيْنَ نَوْعَيِ الكَفّارَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمَساكِينِ بِأنَّهُ كَيْفَ يَتَأتّى ذَلِكَ وقَدْ جُعِلَ العَطْفُ عَلى (مِن أوْسَطِ) عَلى تَقْدِيرِ بَدَلِيَّتِهِ وهو عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ صِفَةُ (إطْعامٍ) مُقَدَّرٌ انْتَهى وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ هَذا رَأْيٌ لِبَعْضِهِمْ، وبِالجُمْلَةِ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ دَغْدَغَةٌ حَتّى قالَ العَلَمُ العِراقِيُّ: إنَّهُ غَلَطٌ والصَّوابُ العَطْفُ عَلى (إطْعامٍ) وقالَ الحَلَبِيُّ: ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ إنَّما يَتَمَشّى عَلى وجْهٍ وهو أنْ يَكُونَ ﴿ مِن أوْسَطِ ﴾ خَبَرًا لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ تَقْدِيرُهُ طَعامُهم ﴿ مِن أوْسَطِ ﴾ فالكَلامُ تامٌّ عَلى هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ عَشَرَةِ مَساكِينَ ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ إخْبارًا آخَرَ بِأنَّ الطَّعامَ يَكُونُ أوْسَطَ كَذا، وأمّا إذْ قُلْنا إنَّ ﴿ مِن أوْسَطِ ﴾ هو المَفْعُولُ الثّانِي فَيَسْتَحِيلُ عَطْفُ ﴿ كِسْوَتُهُمْ ﴾ عَلَيْهِ لِتَخالُفِهِما إعْرابًا انْتَهى، ثُمَّ المُرادُ بِالكِسْوَةِ ما يَسْتُرُ عامَّةَ البَدَنِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأبِي يُوسُفَ فَلا يَجْزِي عِنْدَهُما السَّراوِيلُ لِأنَّ لابِسَهُ يُسَمّى عُرْيانًا في العُرْفِ لَكِنْ ما لا يُجْزِئُهُ عَنِ الكِسْوَةِ يُجْزِئُهُ عَنِ الإطْعامِ بِاعْتِبارِ القِيمَةِ وهو اشْتِراطُ النِّيَّةِ حِينَئِذٍ رِوايَتانِ وظاهِرُ الرِّوايَةِ الإجْزاءُ نَوى أوْ لَمْ يَنْوِ، ورُوِيَ أيْضًا أنَّهُ إنْ أعْطى السَّراوِيلَ المَرْأةَ يَجُوزُ وإنْ أُعْطِيَ الرَّجُلَ يَجُوزُ لِأنَّ المُعْتَبَرَ رَدُّ العُرِيِّ بِقَدْرِ ما تَجُوزُ بِهِ الصَّلاةُ وذَلِكَ ما بِهِ يَحْصُلُ سَتْرُ العَوْرَةِ والزّائِدُ تَفَضُّلٌ لِلتَّجَمُّلِ أوْ نَحْوِهِ فَلا يَجِبُ في الكِسْوَةِ كالإدامِ في الطَّعامِ، والمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ أنْ تَجُوزَ فِيهِ الصَّلاةُ يُجْزِئُ مُطْلَقًا والصَّحِيحُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَنا هو الأوَّلُ ويُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمّا يَصْلُحُ لِلْأوْساطِ ويَنْتَفِعُ بِهِ فَوْقَ ثَلاثَةِ أشْهُرٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما كانَتِ العَباءَةُ تُجْزِئُ يَوْمَئِذٍ وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ يُجْزِئُ قَمِيصٌ أوْ رِداءٌ أوْ كِساءٌ وعَنِ الحَسَنِ أنَّها ثَوْبانِ أبْيَضانِ ورَوى الإمامِيَّةُ عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّها ثَوْبانِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ويُجْزِئُ ثَوْبٌ واحِدٌ عِنْدَ الضَّرُورَةِ واشْتَرَطَ أصْحابُنا في المِسْكِينِ أنْ يَكُونَ مُراهِقًا فَما فَوْقَهُ فَلا يُجْزِئُ غَيْرَ المُراهِقِ عَلى ما ذَكَرَهُ الحَصْكَفِيُّ نَقْلًا عَنِ البَدائِعِ في كَفّارَةِ الظِّهارِ وسَيَأْتِي إنْ شاءُ اللَّهِ تَعالى في آيَةِ كَفّارَةِ الظِّهارِ أنَّ المُرادَ مِنَ الطَّعامِ التَّمْكِينُ مِنَ الطُّعْمِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ في ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وقُرِئَ (أوْ كُسْوَتِهِمْ) بِضَمِّ الكافِ وهو لُغَةٌ كَقُدْوَةٍ في قِدْوَةٍ وأُسْوَةٍ في إسْوَةٍ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ واليَمانِيُّ أوْ (كَإسْوَتِهِمْ) بِكافِ الجَرِّ الدّاخِلَةِ عَلى أُسْوَةٍ وهي كَما قالَ الرّاغِبُ: الحالُ الَّتِي يَكُونُ الإنْسانُ عَلَيْها في اتِّباعِ غَيْرِهِ إنْ حَسَنًا وإنْ قَبِيحًا والهَمْزَةُ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: بَدَلٌ مِن واوٍ لِأنَّهُ مِنَ المُواساةِ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ (أوْ طَعامُهم كَإسْوَةِ أهْلِيكُمْ) وقالَ السَّعْدُ: الكافُ زائِدَةٌ أيْ (أوْ طَعامُهم أُسْوَةَ أهْلِيكُمْ) وقِيلَ: الأُولى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ (طَعامٌ كَإسْوَتِهِمْ) عَلى الوَصْفِ فَهو عَطْفٌ أيْضًا عَلى (مِن أوْسَطِ) وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الإطْعامِ والتَّحْرِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ فَقَطْ وتَكُونُ الكِسْوَةُ ثابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ الآيَةَ تَنْفِي الكِسْوَةَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ وقالَ أبُو البَقاءِ: المَعْنى مِثْلُ أُسْوَةِ أهْلِيكم في الكِسْوَةِ فَلا تَكُونُ الآيَةُ عارِيَةً عَنِ الكِسْوَةِ وفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ والمُرادُ بِتَحْرِيرِ رَقَبَةٍ: إعْتاقُ إنْسانٍ كَيْفَ ما كانَ وشَرْطُ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فِيهِ الإيمانُ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ هُنا عَلى المُقَيَّدِ في كَفّارَةِ القَتْلِ وعِنْدَنا يُحْمَلُ لِاخْتِلافِ السَّبَبِ واسْتَدَلَّ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ الكَفّارَةَ حَقُّ اللَّهِ تَعالى وحَقُّ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلى عَدُوِّ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ كالزَّكاةِ ونَحْنُ نَقُولُ: المَنصُوصُ عَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وقَدْ تَحَقَّقَ، والقَصْدُ بِالِإعْتاقِ: أنْ يَتَمَكَّنَ المُعْتَقُ مِنَ الطّاعَةِ بِخُلُوصِهِ عَنْ خِدْمَةِ المَوْلى ثُمَّ مُقارَفَتِهِ المَعْصِيَةَ، وبَقاؤُهُ عَلى الكُفْرِ يُحالُ بِهِ إلى سُوءِ اخْتِيارِهِ واعْتُرِضَ بَأنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: نَعَمْ مُقارَفَتُهُ المَعْصِيَةَ يُحالُ بِهِ إلى ما ذُكِرَ لَكِنْ لِمَ لا يَكُونُ تَصَوُّرُ ذَلِكَ مِنهُ مانِعًا عَنِ الصَّرْفِ إلَيْهِ كَما في الزَّكاةِ؟
وأُجِيبَ بِأنَّ القِياسَ جَوازُ صَرْفِ الزَّكاةِ إلَيْهِ أيْضًا لِأنَّ فِيهِ مُواساةَ عَبِيدِ اللَّهِ تَعالى أيْضًا، لَكِنَّ قَوْلَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ( «خُذْها مِن أغْنِيائِهِمْ ورُدَّها إلى فُقَرائِهِمْ» ) أخْرَجَهم عَنِ المَصْرِفِ وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أصْحابِنا ضابِطًا لِما يَجُوزُ إعْتاقُهُ في الكَفّارَةِ وما يَجُوزُ فَقالَ: مَتى أعْتَقَ رَقَبَةً كامِلَةَ الرِّقِّ في مِلْكِهِ مَقْرُونًا بِنِيَّةِ الكَفّارَةِ وجِنْسُ ما يَبْتَغِي مِنَ المَنافِعِ فِيها قائِمٌ بِلا بَدَلٍ جازَ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَجُوزُ، وهَلْ يَجُوزُ عِتْقُ الأصَمِّ أمْ لا؟
قَوْلانِ: وفي الهِدايَةِ، ويَجُوزُ الأصَمُّ والقِياسُ أنْ لا يَجُوزَ وهو رِوايَةُ النَّوادِرِ لِأنَّ الفائِتَ جِنْسُ المَنفَعَةِ إلّا أنّا اسْتَحْسَنّا الجَوازَ لِأنَّ أصْلَ المَنفَعَةِ باقٍ فَإنَّهُ إذا صِيحَ عَلَيْهِ يَسْمَعُ حَتّى لَوْ كانَ بِحالٍ يَسْمَعُ أصْلًا بِأنْ وُلِدَ أصَمَّ وهو الأخْرَسُ يُجْزِئُهُ انْتَهى ومَعْنى ( أوْ) إيجابُ إحْدى الخِصالِ الثَّلاثِ مُطْلَقًا وتَخْيِيرُ المُكَلَّفِ في التَّعْيِينِ ونُسِبَ إلى بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ أنَّ الواجِبَ الجَمْعُ ويَسْقُطُ واحِدٌ، وقِيلَ: الواجِبُ مُتَعَيِّنٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وهو ما يَفْعَلُهُ المُكَلَّفُ فَيَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إلى المُكَلَّفِينَ وقِيلَ: أنَّ الواجِبَ واحِدٌ مُعَيَّنٌ يَخْتَلِفُ لَكِنْ يَسْقُطُ بِهِ وبِالآخَرِ وتَفاوُتُها قَدْرًا وثَوابًا لا يُنافِي التَّخْيِيرَ المُفَوَّضَ تَفاوُتُهُ إلى الهِمَمِ وقَصْدِ زِيادَةِ الثَّوابِ فَإنَّ الكِسْوَةَ أعْظَمُ مِنَ الإطْعامِ، والتَّحْرِيرُ أعْظَمُ مِنهُما.
وبَدَأ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالِإطْعامِ تَسْهِيلًا عَلى العِبادِ وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِن أصْحابِنا أنَّ المُكَلَّفَ لَوْ أدّى الكُلَّ جُمْلَةً أوْ مُرَتَّبًا ولَمْ يَنْوِ إلّا بَعْدَ تَمامِها وقَعَ عَنْها واحِدٌ هو أعْلاها قِيمَةً ولَوْ تَرَكَ الكُلَّ عُوقِبَ بِواحِدٍ هو أدْناها قِيمَةً لِسُقُوطِ الفَرْضِ بِالأدْنى وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في الأُصُولِ ﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ ﴿ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ ﴾ أيْ فَكَفّارَتُهُ ذَلِكَ ويُشْتَرَطُ الوَلاءُ عِنْدَنا ويَبْطُلُ بِالحَيْضِ بِخِلافِ كَفّارَةِ الفِطْرِ وإلى اشْتِراطِ الوَلاءِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والنَّخْعِيُّ وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الكَفّاراتِ قالَ حُذَيْفَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ بِالخِيارِ فَقالَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَ-لَّمَ: ”أنْتَ بِالخِيارِ إنْ شِئْتَ أعْتَقْتَ وإنْ شِئْتَ كَسَوْتَ وإنْ شِئْتَ أطْعَمْتَ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ»“، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ (فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ) وأخْرَجَ غالِبُ هَؤُلاءِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ أيْضًا كَذَلِكَ وقالَ سُفْيانُ: نَظَرْتُ في مُصْحَفِ الرَّبِيعِ فَرَأيْتُ فِيهِ (فَمَن لَمْ يَجِدْ شَيْئًا فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ) وبِمَجْمُوعِ ذَلِكَ يَثْبُتُ اشْتِراطُ التَّتابُعِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وجَوَّزَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى التَّفْرِيقَ ولا يَرى الشَّواذَّ حُجَّةً ولَعَلَّ غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ واعْتَبَرَ عَدَمَ الوِجْدانِ والعَجُزَ عَمّا ذُكِرَ عِنْدَنا وقْتَ الأداءِ حَتّى لَوْ وهَبَ مالَهُ وسُلَّمَهُ ثُمَّ صامَ ثُمَّ رَجَعَ بِهِبَتِهِ أجْزَأهُ الصَّوْمُ كَما في المُجْتَبى، ونُسِبَ إلى الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اعْتِبارُ العَجْزِ عِنْدَ الحِنْثِ، ويُشْتَرَطُ اسْتِمْرارُ العَجْزِ إلى الفَراغِ مِنَ الصَّوْمِ فَلَوْ صامَ المُعْسِرُ يَوْمَيْنِ ثُمَّ قَبِلَ فَراغِهِ ولَوْ بِساعَةٍ أيْسَرَ ولَوْ بِمَوْتِ مُوَرِّثِهِ مُوسِرًا يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ ويَسْتَأْنِفُ بِالمالِ ولَوْ صامَ ناسِيًا لَهُ لَمْ يَجُزْ عَلى الصَّحِيحِ واخْتُلِفَ في الواجِدِ فَأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إذا كانَ عِنْدَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا فَهو مِمَّنْ يَجِدُ ويَجِبُ عَلَيْهِ الإطْعامُ وإنْ كانَ عِنْدَهُ أقَلُّ فَهو مِمَّنْ يَجِدُ ويَصُومُ وأخْرَجَ عَنِ النَّخْعِيِّ قالَ: إذا كانَ عِنْدَهُ عِشْرُونَ دِرْهَمًا فَعَلَيْهِ أنْ يُطْعِمَ في الكَفّارَةِ ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ ومالِكٍ أنَّ مَن كانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ عَنْ قُوتِهِ وقُوتِ مَن تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ يَوْمَهُ ولَيْلَتَهُ وعَنْ كِسْوَتِهِ بِقَدْرِ ما يُطْعِمُ أوْ يَكْسُو فَهو واجِدٌ، وعَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ نِصابٌ فَهو غَيْرُ واجِدٍ (ذَلِكَ) أيِ الَّذِي مَضى ذِكْرُهُ ﴿ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ ﴾ أيْ وحَنِثْتُمْ وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُ ذَلِكَ، و(إذا) عَلى ما قالَ السَّمِينُ لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ ولَيْسَ فِيها مَعْنى الشَّرْطِ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً ويَكُونَ جَوابُها مَحْذُوفًا عِنْدَ المِصْرِيِّينَ، والتَّقْدِيرُ: إذا حَلَفْتُمْ وحَنِثْتُمْ فَذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ أوْ هو ما تَقَدَّمَ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، والخِلافُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مَشْهُورٌ، ﴿ واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ ﴾ أيْ راعُوها لِكَيْ تُؤَدُّوا الكَفّارَةَ عَنْها إذا حَنِثْتُمْ أوِ احْفَظُوا أنْفُسَكم مِنَ الحِنْثِ فِيها وإنْ لَمْ يَكُنِ الحِنْثُ مَعْصِيَةً أوْ لا تَبْذُلُوها وأقِلُّوا مِنها كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ ﴾ وعَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ إذا بَدَرَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ أوِ احْفَظُوها ولا تَنْسَوْا كَيْفَ حَلَفْتُمْ تَهاوُنًا بِها وصَحَّحَ الشِّهابُ الأوَّلَ واعْتَرَضَ الثّانِيَ بِأنَّهُ لا مَعْنًى لَهُ لِأنَّهُ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنِ الحِنْثِ إذا لَمْ يَكُنِ الفِعْلُ مَعْصِيَةً، وقَدْ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ولْيُكَفِّرْ» وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ ﴾ فَثَبَتَ أنَّ الحِنْثَ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ إذا لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ احْفَظُوا أيْمانَكم نَهْيًا عَنِ الحِنْثِ، والثّالِثَ بِأنَّهُ ساقِطٌ واهٍ لِأنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ الأمْرُ بِحِفْظِ اليَمِينِ نَهْيًا عَنِ اليَمِينِ وهَلْ هو إلّا كَقَوْلِكَ: احْفَظِ المالَ بِمَعْنى تَكْسِبُهُ وأمّا البَيْتُ فَلا شاهِدَ فِيهِ لِأنَّ مَعْنى حافِظْ لِيَمِينِهِ أنَّهُ مُراعٍ لَها بِأداءِ الكَفّارَةِ ولَوْ كانَ مَعْناهُ ما ذُكِرَ لَكانَ مُكَرَّرًا مَعَ ما قَبْلَهُ أعْنِي - قَلِيلَ الألايا -، واعْتَرَضَ الرّابِعَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ فَتَدَبَّرْ، ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ ذَلِكَ البَيانُ البَدِيعُ ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ ﴾ إعْلامَ شَرِيعَتِهِ وأحْكامَهُ لا بَيانًا أدْنى مِنهُ، وتَقْدِيمُ (لَكُمْ) عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ 98 - نِعْمَةَ التَّعْلِيمِ أوْ نِعَمَهُ الواجِبُ شُكْرُها، <div class="verse-tafsir"
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ نزلت في جماعة من أصحاب رسول الله ، أنهم سمعوا من النبي وصف القيامة يوماً، وخوف النار والحساب، فاجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون، فتواثقوا بأن يخصوا أنفسهم، ويترهبوا فنهاهم الله عن ذلك.
فنزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ.
قال: حدثنا الفقيه أبو جعفر قال: حدثنا أبو القاسم أحمد بن محمد، قال: حدّثنا محمد بن فضيل، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن مدرك بن قزعة، عن سعيد بن المسيب، قال: جاء عثمان بن مظعون إلى رسول الله ، وقال: يا رسول الله غلبني حديث النفس، ولا أحب أن أحدث شيئاً حتى أذكر لك، قال : «وَمَا تُحَدِّثُكَ نَفْسُكَ يَا عُثْمَانُ» ؟
قال: تحدثني أن أخصي نفسي.
قال: «مَهْلاً يَا عُثْمَانُ، فَإِنَّ إِخْصَاءَ أُمَّتِي الصِّيَامُ» قال: يا رسول الله، إن نفسي تحدثني أن أترهب في رؤوس الجبال.
فقال: «مَهْلاً يَا عُثْمَانُ فَإِنَّ تَرْهِيبَ أُمَّتِي، الجُلُوسُ فِي المَسَاجِدِ لانْتِظَارِ الصَّلَوَاتِ» .
قال: يا رسول الله فإن نفسي تحدثني أن أسيح في الأرض؟.
قال: «مَهْلاً يَا عُثْمَانُ: فَإِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الغَزْوُ فِي سَبِيلِ الله، وَالحَجُّ وَالعُمْرَةُ» .
قال: فإن نفسي تحدثني أن أخرج من مالي كله؟
قال: «مَهْلاً يَا عُثْمَانُ فَإِنَّ صَدَقَتَكَ يَوْماً بِيَوْمٍ، وَتَكُفُّ نَفْسَكَ وَعِيَالَكَ، وَتَرْحَمُ المَسَاكِينَ، وَاليَتِيمَ، أَفْضَلُ مِنْ ذلك» .
فقال: يا رسول الله، فإن نفسي تحدثني أن أطلق خَوْلة.
فقال: «مَهْلاً يَا عُثْمَانُ، فَإِنَّ الهِجْرَةَ فِي أُمَّتِي، مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ الله، أَوْ هَاجَرَ إِليَّ فِي حَيَاتِي، أَوْ زَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي، أَوْ مَاتَ وَلَهُ امْرَأَةٌ، أَوِ امْرَأَتَانِ، أَوْ ثَلاثٌ، أَوْ أَرْبَعٌ» قال يا رسول الله فإن نهيتني أن أطلقها، فإن نفسي تحدثني بأن لا أغشاها.
قال: «مَهْلاً يَا عُثْمَانُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ المُسْلِمَ إِذَا غَشِيَ أَهْلَهُ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ وَقْعَتِهِ تِلْكَ وَلَدٌ، كَانَ لَهُ وَصِيفاً فِي الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ وَقْعَتِهِ تِلْكَ وَلَدٌ، فَمَاتَ قَبْلَهُ كَانَ فَرَطاً وَشَفِيعاً يَوْمَ القِيامَةِ.
فَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُ كَانَ لَهُ نُوراً يَوْم القِيَامَةِ» .
فقال: يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن لا آكل اللحم.
قال: «مَهْلاً يَا عُثْمَانُ، فَإِنِّي أُحِبُّ اللَّحْمَ، وَآكُلُهُ إِذَا وَجَدْتُهُ، وَلَوْ سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُطْعِمَنِيهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ لأَطْعَمَنِيهِ» .
قال: يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن لا أمسّ الطيب.
قال: «مَهْلاً يَا عُثْمَانُ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَنِي بَالطَّيِّبِ غبّاً غبّاً» .
وقال: «لا تَتْرُكْهُ يَا عُثْمَانُ، لا تَرْغَبْ عَنْ سُنَّتِي، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ، صَرَفَتِ المَلاَئِكَةُ وَجْهَهُ عَنْ حَوْضِي يَوْمَ القِيَامَةِ» .
ونزلت هذه الآية لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ.
وَلا تَعْتَدُوا يقول: يعني: لا تحرموا حلاله، إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.
ويقال: إن محرم ما أحل الله كمُحِلِّ ما حرم الله.
ثم قال: وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً من الطعام والشراب، وَاتَّقُوا اللَّهَ ولا تحرموا ما أحل الله لكم، الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ يعني: إن كنتم مصدقين به، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه.
ثم أمرهم الله تعالى بأن يكفروا أيمانهم، لأنه لما حرموا الحلال على أنفسهم، كان ذلك يميناً منهم.
ولهذا قال أصحابنا: إذا قال الرجل لشيء حلال: هذا الشيء عليّ حرام يكون ذلك يميناً، فأمرهم الله تعالى بأن يأكلوا، ويحنثوا في أيمانهم، وفي الآية دليل: أن الرجل إذا حلف على شيء، والحنث خير له، ينبغي أن يحنث ويكفر بيمينه.
وفيها دليل: أن الكفارة بعد الحنث، لأنه أمرهم بالحنث، بقوله: فكلوا ثم أمرهم بالكفارة وهو قوله تعالى: لاَّ يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ قال ابن عباس: اللغو أن يحلف الرجل على شيء بالله، وهو يرى أنه صادق، وهو فيه كاذب.
وهكذا روي عن أبي هريرة أنه كان يقول: لغو اليمين: أن يحلف الرجل على شيء، يظن أنه الذي حلف عليه هو صادق، فإذا هو غير ذلك.
وقال الحسن: هو الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك، وليس هو كذلك.
وقال سعيد بن جبير: الرجل يحلف باليمين الذي لا ينبغي أن يحلف بها، يحرم شيئاً هو حلال، فلا يؤاخذه الله بتركه، لكن يؤاخذه الله إن فعل.
وقال زيد بن أسلم: هو قول الرجل أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا، وأخرجني الله من مالي وولدي، وقالت عائشة: اللغو: هو قول الرجل لا والله، وبلى والله، على شيء لم يعقده قلبه.
ثم قال: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم في رواية حفص عَقَّدْتُمُ بالتشديد، وقرأ حمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية أبي بكر: عَقَّدْتُمُ بالتخفيف، وقرأ ابن عامر: بِما عَقَّدْتُمُ فمن قرأ: عاقدتم فهو من المعاقدة، والمعاقدة تجري بين الاثنين، وهو أن يحلف الرجل لصاحبه بشيء، ومن قرأ بالتشديد فهو للتأكيد.
ومن قرأ بالتخفيف لأن اليمين تكون مرة واحدة.
والتشديد تجري في التكرار والإعادة.
وروى عبد الرزاق عن بكار بن عبد الله قال: سئل وهب بن منبه عن قوله: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ قال: الأيمان ثلاثة: لغو وعقد وصبر، فأما اللغو: فلا والله، وبلى والله، لا يعقد عليه القلب، وأما العقد: أن يحلف الرجل لا يفعله فيفعله، فعليه الكفارة، وأما الصبر: بأن يحلف على مال ليقتطعه بيمينه، فلا كفارة له.
وروى حسين بن عبد الرحمن عن أبي مالك الغفاري قال: الأيمان ثلاثة: يمين تكفر، ويمين لا تكفر، ويمين لا يؤاخذ الله بها.
وذكر إلى آخره ثم بيّن كفارة اليمين فقال تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ روي عن علي بن أبي طالب ، أنه قال: الغداء والعشاء.
وسئل شريح عن الكفارة فقال: الخبز والزيت والخل والطيب.
فقال السائل: أرأيت إن أطعمت الخبز واللحم؟
قال: ذلك أرفع طعام أهلك وطعام الناس.
وروي عن ابن الخطاب وعلي بن أبي طالب ما أنهما قالا: لكل مسكين نصف صاع من حنطة يعني: إذا أراد أن يدفع إليهم، وإن أراد أن يطعمهم، فالغداء والعشاء.
ثم قال: أَوْ كِسْوَتُهُمْ قال مجاهد: أدناه ثوب وأعلاه ما شئت وقال إبراهيم النخعي: لكل مسكين ثوب وقال الحسن: ثوبان أبيضان ثم قال: أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ يعني: يعتق رقبة، ولم يشترط هاهنا المؤمنة، فيجوز الكفارة بالكافرة والمؤمنة، فالرجل بالخيار بين هذه الأشياء الثلاثة، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الطعام ولا الكسوة ولا الرقبة فعليه فَصِيامُ يعني: صيام ثَلاثَةِ أَيَّامٍ.
وروى سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح قال: سئل طاوس عن صيام الكفارة، قال: يفرق.
قال له مجاهد كان عبد الله يقرأ: متتابعات، قال طاوس: فهو أيضاً متتابعات.
وروى مالك عن حميد، عن مجاهد قال: كان أبي يقرأ فصيام ثلاثة أيام متتابعات في الكفارة اليمين.
ثم قال: ذلِكَ يعني: الذي ذكر كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ عن الطعام والكسوة والعتق والصوم، ثم قال: إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ يعني: ليعلم الرجل ما حلف عليه، فليكفر يمينه إذا حنث، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ يعني: أمره ونهيه، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: لكي تشكروا رب هذه النعمة، إذ جعل لكم مخرجاً من أيمانكم بالكفارة، والكفارة في اللغة: هو التغطية يعني: يغطي إثمه.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
قال العراقيُّ: تَفِيضُ، أي: تسيل منها العَبْرَةُ، وفي الحديثِ: «اقرءوا القُرْآنَ، وابكوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا، فَتَبَاكَوْا» ، خرَّجه البزِّار «١» .
انتهى من «الكوكب الدري» ، وفيه عن البزَّار أيضاً أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ خَرَجَ مِنْ عَيْنَيْهِ مِثْلُ جَنَاحِ ذُبَابٍ دُمُوعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ حتى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهِ» .
انتهى.
وقولهم: مَعَ الشَّاهِدِينَ، يعني: نبيّنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم، وأمته قاله ابن عباس «٢» وغيره، وقال «٣» الطبريُّ: لو قال قائلٌ: معنى ذلك: «مع الشاهِدينَ بتَوْحيدك من جميع العَالَمِ» ، لكان صواباً، وهو كلامٌ صحيحٌ وكأن ابنَ عَبَّاس خصَّص أمة محمد لقول اللَّه سبحانه: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ...
[البقرة: ١٤٣] الآية، وقولهم: وَما لَنا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ: توقيفٌ لأنفسهم أو مُحَاجَّةٌ لِمَنْ عارضهم من الكفار، والقومُ الصالِحُون: محمَّد صلّى الله عليه وسلّم، وأصحابه قاله ابن زيد وغيره «٤» من المفسِّرين، ثم ذكر تعالى ما أثابهم به مِنَ النعيم على إيمانهم وإحسانهم، ثم ذكر سبحانه حال الكافرين المكذّبين، وأنهم قرناء الجحيم.
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ...
الآية: قال ابن عباس وغيره «٥» نزلَتْ بسبب جماعة من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بلغَتْ منهم المواعظ، وخوفُ اللَّه تعالى إلى أنْ حرَّم بعضهم النساء، وبعضُهم النوْمَ بالليلِ، والطِّيبَ، وهَمَّ بعضهم بالاختصاءِ، فبلَغَ ذلك النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «أَمَّا أنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وآتي
النِّسَاءَ، وَأَنَالُ الطِّيبَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي» ، قال الطبريُّ: كان فيما يتلى:
«مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِكَ، فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِكَ، وَقَدْ ضَلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ» ، والطيباتُ في هذه الآية: المستلَذَّات بدليل إضافتها إلى ما أحلَّ اللَّه وبقرينة ما ذُكِرَ من سبب الآية.
وقوله سبحانه: وَلا تَعْتَدُوا، قال عكرمة وغيره: معناه: في تحريم ما أحلَّ اللَّه «١» ، وقال الحسنُ بنُ أبي الحَسَنِ: المعنى: ولا تعتدُوا، فَتُحِلُّوا ما حرَّم اللَّه «٢» ، فالنهْيَان على هذا تضمَّنا الطرفَيْن كأنه قال: لا تشدِّدوا فتحرِّموا حلالاً، ولا تترخَّصوا فتحلُّوا حراماً، قلتُ: وروى مالكٌ في «الموطإ» ، عن أبي النَّضْر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لَمَّا ماتَ عثمانُ بْنُ مظعونٍ، ومُرَّ بجَنَازَتِهِ: «ذَهَبْتَ، وَلَمْ تَلْتَبِسْ مِنْهَا بِشَيْءٍ» «٣» .
قال أبو عمر في «التمهيد» : هذا الحديثُ في «الموطإ» مقطوعٌ، وقد رُوِّينَاه متصلاً مُسْنَداً من وجه صالحٍ حسن، ثم أسند أبو عمر عن عائشةَ، قالَتْ: «لمَّا ماتَ عُثْمَانُ بنُ مظعونٍ، كشف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الثَّوْبَ عن وجْهِهِ، وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وبكى بُكَاءً طويلاً، فلما رُفِعَ عَلَى السَّرِيرِ، قَالَ: طوبى لَكَ يَا عُثْمَان!
لَمْ تَلْبَسْكَ الدُّنْيَا وَلَمْ تَلْبَسْهَا» «٤» .
قال أبو عمر: كان عثمانُ بنُ مظعونٍ أحد الفُضَلاء العُبَّاد الزاهدين في الدنيا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المتبتِّلين منهم، وقد كان هو وعليُّ بن أبي طالب هَمَّا أنْ يترهَّبا ويَتْرُكَا النساء، ويُقْبِلا على العبادة، ويحرِّما طيِّباتِ الطعامِ على أنفسهما، فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ...
الآية.
ونقل هذا مَعْمَرٌ وغيره عن قتادة «٥» .
انتهى.
وقوله سبحانه: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ: معناه: شدَّدتم، وعَقْدُ اليمينِ كَعَقْدِ الحبل والعهد قال الحطيئة: [البسيط]
قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْداً لِجَارِهِمُ ...
شَدُّوا الْعِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا «١»
قال «٢» الفَخْر: وأما وجه المناسبة بَيْنَ هذه الآية والَّتي قبلها، فهو ما تقدَّم مِنْ أنَّ قوماً من الصحابة (رضي اللَّه عنهم) حَرَّموا على أنفسهم المطاعِمَ والمَلاَذَّ، وحلفوا على ذلك، فلمَّا نهاهم/ اللَّه تعالى عن ذلك، قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فكيف نصنع بأَيْمَانِنَا؟
فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية.
انتهى.
وقوله سبحانه: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ، أي: إشباعهم مرةً واحدةً، وحكم هؤلاءِ ألاَّ يتكرَّر واحدٌ منهم في كفَّارة «٣» يمينٍ واحدةً.
واختلفَ في معنى قوله سبحانه: مِنْ أَوْسَطِ، فرأى مالك وجماعةٌ معه هذا التوسُّط في القَدْر، ورأى ذلك جماعةٌ في الصِّنْف، والوَجْهُ أن يُعَمَّ بلفظ «الوسَطِ» القَدْرُ والصِّنْفُ، فرأى مالكٌ أنْ يُطْعَمَ المسكينُ ب «المدينة» مدّا بمدّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وذلك رطل
وثُلُثٌ، وهذا لضيقِ المعيشة بالمدينة، ورأى في غيرها أنْ يتوسَّع، ورأى من يقول: إنَّ التوسُّط إنما هو في الصِّنْف أنْ يكون الرجُلُ المكفِّر يتجنب أدنى ما يأكل الناس في البلد، وينحطُّ عن الأعلى، ويكفِّرُ بالوَسَط من ذلك، ومذهب «المدونة» أنْ يراعي المكفِّر عيش البلد، وتأويلُ العلماء في الحانث في اليمين باللَّه: أنه مخيَّر في الإطعام، أو الكُسْوة، أو العِتْق، والعلماءُ على أنَّ العتق أفضلُ ذلك، ثم الكسوة، ثم الإطعام، وبدأ اللَّه تعالى عباده بالأيسر، فالأيسر، قال الفَخْر «١» : وبدأ سبحانه بالإطعام لأنه أعمُّ وجوداً، والمقصودُ منه التنبيهُ على أنه سبحانه يُرَاعِي التخفيفَ، والتسهيلَ في التكاليفِ، وثانيها: أنَّ الإطعام أفضلُ، قلتُ: وهذا هو مشهورُ مذهب مالكٍ.
انتهى، ويجزىء عند مالكٍ من الكُسْوَة في الكفارة ما يجزىء في الصّلاة «٢» .
وقوله سبحانه: أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، أيْ: مؤمنة قاله مالك «١» وجماعةٌ لأن هذا المطْلَق راجعٌ إلى المقيدِ في عِتْقِ الرقبة في قَتْل الخطإ.
وقوله سبحانه: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ: معناه: لم يجدْ في ملكه أحد هذه الثلاث
المذكورة.
واختلفَ العلماءُ في حدِّ هذا العادِمِ، ومتى يصحُّ له «١» الصيام فقال الشافعيُّ ومالكٌ وجماعة من العلماء: إذا كان المكفِّر لا يملك إلاَّ قوته، وقُوتَ عياله، يَوْمَهُ وليلته، فله أنْ يصوم، فإن كان عنده زائدٌ على ذلك مَا يُطْعِم عشرةَ مساكينَ، لزمه الإطعام، قال «٢» الطبريُّ: وقال آخرون: جائز لِمَنْ لم يكُنْ له فضْلٌ على رأس ماله الذي يتصرَّف به في معايشه أنْ يصوم، وقرأ أبيُّ بن كعبٍ، وابن مسعود: «ثلاثة أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ» ، وقال بذلك جماعة.
وقال مالك وغيره: إن تابع، فحَسَنٌ، وإن فرق، أجزأ، وقوله: إِذا حَلَفْتُمْ، معناه: وأردتم الحِنْثَ، أو وقعتم فيه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ ﴾ سَبَبِ نُزُولِها: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ قالَ القَوْمُ الَّذِينَ كانُوا حَرَّمُوا النِّساءَ واللَّحْمَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَصْنَعُ بِأيْمانِنا الَّتِي حَلَفْنا عَلَيْها؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ "اللَّغْوِ" في سُورَةِ (البَقَرَةِ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "عَقَّدْتُمْ" بِغَيْرِ ألِفٍ، مُشَدَّدَةَ القافِ.
قالَ أبُو عَمْرٍو: مَعْناها: وَكَّدْتُمْ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "عَقَدْتُمْ" خَفِيفَةً بِغَيْرِ ألِفٍ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْناها: أوْجَبْتُمُوها عَلى أنْفُسِكم.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "عاقَدْتُمْ" بِألِفٍ، مِثْلُ "عاهَدْتُمْ" .
قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذِهِ القِراءَةُ المُشَدَّدَةُ لا تَحْتَمِلُ إلّا عَقْدَ قَوْلٍ.
فَأمّا المُخَفَّفَةُ، فَتَحْتَمِلُ عَقْدَ القَلْبِ، وعَقْدَ القَوْلِ.
وَذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمْ عَلَيْهِ قُلُوبَكم في التَّعَمُّدِ لِلْيَمِينِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: بِما عَقَّدْتُمْ عَلَيْهِ قُلُوبَكم أنَّهُ كَذِبٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَفّارَتُهُ ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الهاءُ عائِدَةٌ عَلى "ما" في قَوْلِهِ: ﴿ بِما عَقَّدْتُمُ ﴾ .
* فَصْلٌ فَأمّا إطْعامُ المَساكِينِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ في آخَرِينَ: أنَّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرٍّ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وعَلِيٍّ، وعائِشَةَ في آخَرِينَ: لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ، قالَ عُمَرُ، وعائِشَةُ: أوْ صاعًا مِن تَمْرٍ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ.
ومَذْهَبُ أصْحابِنا في جَمِيعِ الكَفّاراتِ الَّتِي فِيها إطْعامٌ، مِثْلَ كَفّارَةِ اليَمِينِ، والظِّهارِ، وفِدْيَةِ الأذى، والمُفَرِّطَةِ في قَضاءِ رَمَضانَ، مُدُّ بُرٍّ، أوْ نِصْفُ صاعِ تَمْرٍ أوْ شَعِيرٍ.
ومِن شَرْطِ صِحَّةِ الكَفّارَةِ، تَمْلِيكُ الطَّعامِ لِلْفُقَراءِ، فَإنْ غَدّاهم وعَشّاهم، لَمْ يُجْزِئْهُ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَكَمُ، والشّافِعِيُّ.
وقالَ الثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ: يُجْزْئُهُ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ.
ولا يَجُوزُ صَرْفُ مُدَّيْنِ إلى مِسْكِينٍ واحِدٍ، ولا إخْراجُ القِيمَةِ في الكَفّارَةِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما وقَعَ لَفْظُ التَّذْكِيرِ في المَساكِينِ، ولَوْ كانُوا إناثًا لَأجْزَأ، لِأنَّ المُغَلَّبَ في كَلامِ العَرَبِ التَّذْكِيرُ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مَن أوْسَطِهِ في القَدْرِ، قالَهُ عُمَرُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: مِن أوْسَطِ أجْناسِ الطَّعامِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، والأسْوَدُ، وعُبَيْدَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أهْلُ المَدِينَةِ [يَقُولُونَ:] لِلْحُرِّ مِنَ القُوتِ أكْثَرُ ما لِلْمَمْلُوكِ، ولِلْكَبِيرِ أكْثَرُ ما لِلصَّغِيرِ، فَنَزَلَتْ ﴿ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ ﴾ لَيْسَ بِأفْضَلِهِ ولا بِأخَسِّهِ.
وفي كِسْوَتِهِمْ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها ثَوْبٌ واحِدٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وطاوُوسُ، وعَطاءٌ، والشّافِعِيُّ.
والثّانِي: ثَوْبانُ، قالَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وابْنُ المُسَيَّبِ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: إزارٌ ورِداءٌ وقَمِيصٌ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
والرّابِعُ: ثَوْبٌ جامِعٌ كالمِلْحَفَةِ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ.
والخامِسُ: كِسْوَةٌ تُجْزِئُ فِيها الصَّلاةُ، قالَهُ مالِكٌ.
ومَذْهَبُ أصْحابِنا: أنَّهُ إنْ كَسا الرَّجُلَ، كَساهُ ثَوْبًا، والمَرْأةَ ثَوْبَيْنِ، دِرْعًا وخِمارًا، وهو أدْنى ما تُجْزِئُ فِيهِ الصَّلاةُ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: "أوْ كُسْوَتُهُمْ"، بِضَمِّ الكافِ.
وقَدْ قَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو نُهَيْكٍ، ومُعاذٌ القارِئُ: "أوْكَإسْوَتِهِمْ" بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، مَفْتُوحَةَ الكافِ، مَكْسُورَةَ التّاءِ والهاءِ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْزِيُّ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُما فَتَحا الهَمْزَةَ.
قالَ المُصَنِّفُ: ولا أرى هَذِهِ القِراءَةَ جائِزَةً، لِأنَّها تُسْقِطُ أصْلًا مَن أُصُولِ الكَفّارَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ تَحْرِيرُها: عِتْقُها، والمُرادُ بِالرَّقَبَةِ: جُمْلَةُ الشَّخْصِ.
واتَّفَقُوا عَلى اشْتِراطِ إيمانِ الرَّقَبَةِ في كَفّارَةِ القَتْلِ لِمَوْضِعِ النَّصِّ.
واخْتَلَفُوا في إيمانِ الرَّقَبَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الكَفّارَةِ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ شَرْطٌ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَيَّدَ بِذِكْرِ الإيمانِ في كَفّارَةِ القَتْلِ، فَوَجَبَ حَمْلُ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ.
والثّانِي: لَيْسَ بِشَرْطٍ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، وعَنْ أحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في إيمانِ الرَّقَبَةِ المُعْتَقَةِ في كَفّارَةِ اليَمِينِ، وكَفّارَةِ الظِّهارِ، وكَفّارَةِ الجِماعِ، والمَنذُورَةِ، رِوايَتانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيما إذا لَمْ يَجِدْهُ، صامَ، عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ إذا لَمْ يَجِدْ دِرْهَمَيْنِ صامَ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: ثَلاثَةَ دَراهِمَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: إذا لَمْ يَجِدْ إلّا قَدْرَ ما يُكَفِّرُ بِهِ، صامَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: مِئَتَيْ دِرْهَمٍ، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ.
والخامِسُ: إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا قَدْرُ قُوتِهِ وقُوتِ عائِلَتِهِ يَوْمَهُ ولَيْلَتَهُ، قالَهُ أحْمَدُ، والشّافِعِيُّ، وفي تَتابُعِ الثَّلاثَةِ أيّامٍ، قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ شَرْطٌ، وكانَ أُبَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَآنِ: ( فَصِيام ثَلاثَةِ أيّام مُتَتابِعات ) وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وطاوُوسُ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، وأبُو حَنِيفَةَ، وهو قَوْلُ أصْحابِنا.
والثّانِي: لَيْسَ بِشَرْطٍ، ويَجُوزُ التَّفْرِيقُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ فِيهِ قَوْلانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ ﴾ فِيهِ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ: إذا حَلَفْتُمْ وحَنِثْتُمْ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أقِلُّوا مِنها، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ ﴾ وأنْشَدُوا: قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ والثّانِي: احْفَظُوا أنْفُسَكم مِنَ الحَنَثِ فِيها.
والثّالِثُ: راعُوها لِكَيْ تُؤَدُّوا الكَفّارَةَ عِنْدَ الحَنَثِ فِيها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالا طَيِّبًا واتَّقُوا اللهُ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكُمُ بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم أو كِسْوَتُهم أو تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ واحْفَظُوا أيْمانِكم كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ "كُلُوا"؛ في هَذِهِ الآيَةِ عِبارَةٌ عن: "تَمَتَّعُوا بِالأكْلِ؛ والشُرْبِ؛ واللِباسِ؛ والرُكُوبِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ"؛ وخُصَّ الأكْلُ بِالذِكْرِ لِأنَّهُ أعْظَمُ المَقْصُودِ؛ وأخَصُّ الِانْتِفاعاتِ بِالإنْسانِ.
والرِزْقُ عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ: ما صَحَّ الِانْتِفاعُ بِهِ؛ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: اَلرِّزْقُ: كُلُّ ما صَحَّ تَمَلُّكُهُ؛ والحَرامُ لَيْسَ بِرِزْقٍ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ؛ ويُرَدُّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ يَلْزَمُهم أنَّ آكِلَ الحَرامِ لَيْسَ بِمَرْزُوقٍ مِنَ اللهِ تَعالى؛ وقَدْ خَرَّجَ بَعْضُ النُبَلاءِ أنَّ الحَرامَ رِزْقٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ ﴾ ؛ قالَ: فَذَكَرَ المَغْفِرَةَ مُشِيرًا إلى أنَّ الرِزْقَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ حَرامٌ؛ ورَدَّ أبُو المَعالِي - في "اَلْإرْشادُ" - عَلى المُعْتَزِلَةِ بِأنَّهم إذا قالُوا: "اَلرِّزْقُ ما تُمُلِّكَ"؛ فَيَلْزَمُهم أنَّ ما مُلِكَ فَهو الرِزْقُ؛ ومُلْكُ اللهِ تَعالى لِلْأشْياءِ لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ فِيهِ: إنَّهُ رِزْقٌ لَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا الَّذِي أُلْزِمَ غَيْرُ لازِمٍ؛ فَتَأمَّلْهُ"؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ؛ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ"؛ في نَظِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَغْوِ في أيْمانِكُمْ ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: شَدَّدْتُمْ.
وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "عَقَّدْتُمُ"؛ مُشَدَّدَةَ القافِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "عَقَدْتُمُ"؛ خَفِيفَةَ القافِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "عاقَدْتُمُ"؛ بِألِفٍ؛ عَلى وزْنِ "فاعَلْتُمُ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن شَدَّدَ القافَ احْتَمَلَ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ لِتَكْثِيرِ الفِعْلِ؛ لِأنَّهُ خاطَبَ جَماعَةً؛ والآخَرُ أنْ يَكُونَ "عَقَّدَ"؛ مِثْلَ "ضَعَّفَ"؛ لا يُرادُ بِهِ التَكْثِيرُ؛ كَما أنَّ "ضاعَفَ"؛ لا يُرادُ بِهِ فِعْلٌ مِنَ اثْنَيْنِ؛ ومَن قَرَأ: "عَقَدْتُمُ"؛ فَخَفَّفَ القافَ؛ جازَ أنْ يُرادَ بِهِ الكَثِيرُ مِنَ الفِعْلِ؛ والقَلِيلُ؛ وعَقْدُ اليَمِينِ كَعَقْدِ الحَبْلِ؛ والعَهْدِ؛ وقالَ الحُطَيْئَةُ: قَوْمٌ إذا عَقَدُوا عَقْدًا لِجارِهِمُ ∗∗∗ شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فَوْقَهُ الكَرَبا وَمَن قَرَأ "عاقَدْتُمُ" فَيَحْتَمِلُ ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ كَـ "طارَقْتُ النَعْلَ"؛ و"عاقَبْتُ اللِصَّ"؛ والآخَرُ أنْ يُرادَ بِهِ "فاعَلْتُ"؛ اَلَّذِي يَقْتَضِي فاعِلَيْنِ؛ كَأنَّ المَعْنى: يُؤاخِذُكم بِما عاقَدْتُمْ عَلَيْهِ الأيْمانَ؛ ويُعَدّى "عاقَدَ" بِـ "عَلى"؛ لِما هو في مَعْنى "عاهَدَ"؛ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أوفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ ﴾ ؛ وهَذا كَما عُدِّيَتْ ﴿ نادَيْتُمْ إلى الصَلاةِ ﴾ بِـ "إلى"؛ وبابُها أنْ تَقُولَ: نادَيْتُ زَيْدًا؛ ﴿ وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُورِ الأيْمَنِ ﴾ ؛ لَكِنْ لَمّا كانَتْ بِمَعْنى: "دَعَوْتُ إلى كَذا"؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللهِ ﴾ ؛ عُدِّيَتْ "نادى" بِـ "إلى"؛ ثُمَّ يُتَّسَعُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عاقَدْتُمْ عَلَيْهِ الأيْمانَ"؛ فَيُحْذَفُ الجارُ؛ ويَصِلُ الفِعْلُ إلى المَفْعُولِ؛ ثُمَّ يُحْذَفُ مِنَ الصِلَةِ الضَمِيرُ الَّذِي يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ؛ وتَقْدِيرُهُ: "يُؤاخِذُكم بِما عَقَدْتُمُوهُ الأيْمانَ"؛ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ﴾ .
والأيْمانُ: جَمْعُ "يَمِينٌ"؛ وهي الألِيَّةُ؛ سُمِّيَتْ "يَمِينًا"؛ لَمّا كانَ عُرْفُهم أنْ يُصَفِّقُوا بِأيْمانِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ عِنْدَ الألِيَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَكَفّارَتُهُ"؛ ﴾ مَعْناهُ: "فالشَيْءُ الساتِرُ عَلى إثْمِ الحِنْثِ في اليَمِينِ إطْعامُ..."؛ والضَمِيرُ - عَلى الصِناعَةِ النَحْوِيَّةِ - عائِدٌ عَلى "ما"؛ وتَحْتَمِلُ "ما" في هَذا المَوْضِعِ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ وهو عائِدٌ - مَعَ المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ - عَلى إثْمِ الحِنْثِ؛ ولَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ صَحِيحٌ؛ لَكِنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِ.
وَ"إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ"؛ مَعْناهُ: إشْباعُهم مَرَّةً؛ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إنْ جَمَعَهم أشْبَعَهم إشْباعَةً واحِدَةً؛ وإنْ أعْطاهم أعْطاهم مَكُّوكًا مَكُّوكًا؛ وحُكْمُ هَؤُلاءِ ألّا يَتَكَرَّرَ واحِدٌ مِنهم في كَفّارَةِ يَمِينٍ واحِدَةٍ؛ وسَواءٌ أطَعِمُوا أفْرادًا؛ أو جَماعَةً في حِينٍ واحِدٍ؛ ولا يُجْزِئُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ذِمِّيٌّ؛ وإنْ أُطْعِمَ صَبِيٌّ [يُعْطى حَظًّا كَبِيرًا]؛ ولا يَجُوزُ أنْ يُطْعَمَ عَبْدٌ؛ ولا ذُو رَحِمٍ تَلْزَمُ نَفَقَتُهُ؛ فَإنْ كانَ مِمَّنْ لا تَلْزَمُ المُكَفِّرَ نَفَقَتُهُ فَقَدْ قالَ مالِكٌ: لا يُعْجِبُنِي أنْ يُطْعِمَهُ؛ ولَكِنْ إنْ فَعَلَ؛ وكانَ فَقِيرًا؛ أجْزَأهُ؛ ولا يَجُوزُ أنْ يُطْعَمَ مِنها غَنِيٌّ؛ وإنْ أُطْعِمَ جَهْلًا بِغِناهُ؛ فَفي "اَلْمُدَوَّنَةُ"؛ وغَيْرِ كِتابٍ؛ أنَّهُ لا يُجْزِئُ؛ وفي "اَلْأسَدِيَّةُ" أنَّهُ يُجْزِئُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ "مِن أوسَطِ"؛ ﴾ فَرَأى مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - وجَماعَةٌ مَعَهُ هَذا التَوَسُّطَ في القَدْرِ؛ ورَأى ذَلِكَ جَماعَةٌ في الصِنْفِ؛ والوَجْهُ أنْ يَعُمَّ بِلَفْظِ الوَسَطِ القَدْرَ والصِنْفَ؛ فَرَأى مالِكٌ أنْ يُطْعَمَ المِسْكِينُ بِالمَدِينَةِ مُدًّا بِمُدِّ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وذَلِكَ رِطْلٌ وثُلُثٌ مِنَ الدَقِيقِ؛ وهَذا لِضِيقِ المَعِيشَةِ بِالمَدِينَةِ؛ ورَأى في غَيْرِها أنْ يَتَوَسَّعَ؛ ولِذَلِكَ اسْتَحْسَنَ الغَداءَ؛ والعَشاءَ؛ وأفْتى ابْنُ وهْبٍ بِمِصْرَ بِمُدٍّ ونِصْفٍ؛ وأشْهَبُ بِمُدٍّ وثُلُثٍ؛ قالَ ابْنُ المَوّازِ: ومُدٌّ وثُلُثٌ وسَطٌ مِن عَيْشِ أهْلِ الأمْصارِ في الغَداءِ؛ والعَشاءِ؛ قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ولا يُجْزِئُ الخُبْزُ قَفارًا؛ ولَكِنْ بِإدامِ زَيْتٍ؛ أو لَبَنٍ؛ أو لَحْمٍ؛ أو نَحْوِهِ؛ وفي شَرْحِ ابْنِ مُزَيْنٍ أنَّ الخُبْزَ القَفارَ يُجْزِئُ؛ ورَأى مَن يَقُولُ: "إنَّ التَوَسُّطَ في الصِنْفِ"؛ أنْ يَكُونَ الرَجُلُ المُكَفِّرُ يَتَجَنَّبُ أدْنى ما يَأْكُلُ الناسُ في البَلَدِ؛ ويَنْحَطُّ عَنِ الأعْلى؛ ويُكَفِّرَ بِالوَسَطِ مِن ذَلِكَ؛ ومَذْهَبُ "اَلْمُدَوَّنَةُ" أنْ يُراعِيَ المُكَفِّرُ عَيْشَ البَلَدِ؛ وفي كِتابِ ابْنِ المَوّازِ أنَّ المُراعى عَيْشُهُ في أهْلِهِ الخاصُّ بِهِ.
وكَأنَّ الآيَةَ - عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ - مَعْناها: "مِن أوسَطِ ما تُطْعِمُونَ أيُّها الناسُ أهْلِيكم في الجُمْلَةِ؛ مِن مَدِينَةٍ؛ أو صِقْعٍ"؛ وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي مَعْناها: "مِن أوسَطِ ما يُطْعِمُ شَخْصٌ أهْلَهُ".
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أهْلِيكُمْ"؛ وهو جَمْعُ "أهْلٌ"؛ عَلى السَلامَةِ؛ وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "مِن أوسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهالِيَكُمْ"؛ وهَذا جَمْعُ مُكَسَّرٍ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: "أهالٍ"؛ بِمَنزِلَةِ "لَيالٍ"؛ كَأنَّ واحِدَها: "أهْلاتٌ"؛ و"لَيْلاتٌ"؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "أهْلٌ"؛ و"أهْلَةٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وأهْلَةِ وُدٍّ قَدْ تَبَرَّيْتُ وُدَّهم ∗∗∗ ∗∗∗.................
ويُقالُ: "لَيْلَةٌ"؛ و"لَيْلاةٌ"؛ وأنْشُدُ ابْنَ الأعْرابِيِّ: في كُلِّ ما يَوْمٍ وكُلِّ لَيْلاهْ ∗∗∗ ∗∗∗ حَتّى يَقُولَ مَن رَآهُ إذْ رَآهْ يا ويْحَهُ مِن جَمَلٍ ما أشْقاهْ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أو كِسْوَتُهُمْ"؛ ﴾ بِكَسْرِ الكافِ؛ يُرادُ بِهِ كِسْوَةُ الثِيابِ؛ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ؛ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "أو كُسْوَتُهُمْ"؛ بِضَمِّ الكافِ؛ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "أو كَإسْوَتِهِمْ"؛ مِن "اَلْإسْوَةُ"؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: كَأنَّهُ قالَ: أو بِما يَكْفِي مِثْلَهُمْ؛ فَهو عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ بِتَقْدِيرِ: "أو كَكِفايَةِ إسْوَتِهِمْ"؛ قالَ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الإسْوَةُ هي الكِفايَةَ؛ فَلَمْ تَحْتَجْ إلى حَذْفِ مُضافٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا نَظَرٌ؛ والقِراءَةُ مُخالِفَةٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ؛ ومَعْناها عَلى خِلافِ ما تَأوَّلَ أهْلُ العِلْمِ مِن أنَّ الحانِثَ في اليَمِينِ بِاللهِ تَعالى مُخَيَّرٌ في الإطْعامِ؛ أوِ الكِسْوَةِ؛ أوِ العِتْقِ؛ والعُلَماءُ عَلى أنَّ العِتْقَ أفْضَلُ ذَلِكَ؛ ثُمَّ الكِسْوَةَ؛ ثُمَّ الإطْعامَ؛ وبَدَأ اللهُ تَعالى عِبادَهُ بِالأيْسَرِ فالأيْسَرِ؛ ورُبَّ مُدَّةٍ ومَسْغَبَةٍ يَكُونُ فِيها الإطْعامُ أفْضَلَ مِنَ العِتْقِ؛ لَكِنَّ ذَلِكَ شاذٌّ وغَيْرُ مَعْهُودٍ؛ والحُكْمُ لِلْأغْلَبِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حَدِّ الكِسْوَةِ؛ فَراعى قَوْمٌ نَفْسَ اللَفْظَةِ؛ فَإذا كانَ الحانِثُ المُكَفِّرُ كاسِيًا؛ والمِسْكِينُ مَكْسُوًّا؛ حَصَلَ الإجْزاءُ؛ وهَذِهِ رُتْبَةٌ تُتَحَصَّلُ بِثَوْبٍ واحِدٍ؛ أيِّ ثَوْبٍ كانَ؛ بَعْدَ إجْماعِ الناسِ أنَّ القَلَنْسُوَةَ بِانْفِرادِها لا تُجْزِئُ في كَفّارَةِ اليَمِينِ؛ قالَ مُجاهِدٌ: يُجْزِئُ في كَفّارَةِ اليَمِينِ ثَوْبٌ واحِدٌ؛ فَما زادَ؛ وقالَ الحَسَنُ: اَلْكِسْوَةُ ثَوْبٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ؛ وقالَهُ طاوُسٌ ؛ وقالَ مَنصُورٌ: اَلْكِسْوَةُ: ثَوْبٌ؛ قَمِيصٌ أو رِداءٌ أو إزارٌ؛ قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ ؛ وعَطاءٌ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقالَ: قَدْ تُجْزِئُ العَباءَةُ في الكَفّارَةِ؛ وكَذَلِكَ الشَمْلَةُ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: تُجْزِئُ العِمامَةُ في كَفّارَةِ اليَمِينِ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: يُجْزِئُ كُلُّ شَيْءٍ إلّا التُبّانَ؛ ورُوِيَ عن سَلْمانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ قالَ: "نِعْمَ الثَوْبُ التُبّانُ"؛ أسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ ؛ وقالَ الحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ: تُجْزِئُ عِمامَةٌ يَلُفُّ بِها رَأْسَهُ.
وراعى قَوْمٌ مَعْهُودَ الزِيِّ والكِسْوَةِ المُتَعارَفَةِ؛ فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا يُجْزِئُ الثَوْبُ الواحِدُ؛ إلّا إذا كانَ جامِعًا؛ مِمّا قَدْ يُتَزَيّا بِهِ؛ كالكِساءِ؛ والمِلْحَفَةِ؛ قالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: يُجْزِئُ الثَوْبُ الجامِعُ؛ ولَيْسَ القَمِيصُ والدِرْعُ؛ والخِمارُ ثَوْبًا جامِعًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: قَدْ يَكُونُ القَمِيصُ الكامِلُ جامِعًا؛ وزِيًّا؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: اَلْكِسْوَةُ في الكَفّارَةِ: إزارٌ؛ وقَمِيصٌ؛ ورِداءٌ؛ قالَهُ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ؛ وابْنِ سِيرِينَ ؛ وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ؛ أنَّ الكِسْوَةَ في الكَفّارَةِ ثَوْبانِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ؛ وعَلَّقَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - الحُكْمَ بِما يُجْزِئُ في الصَلاةِ؛ وهَذا أحْسَنُ نَظَرٍ؛ فَقالَ: يُجْزِئُ في الرَجُلِ ثَوْبٌ واحِدٌ؛ وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُكْسى قَمِيصًا؛ أو إزارًا؛ يَبْلُغُ أنْ يَلْتَفَّ بِهِ مُشْتَمِلًا؛ وكَلامُ ابْنِ حَبِيبٍ تَفْسِيرٌ؛ قالَ مالِكٌ: تُكْسى المَرْأةُ دِرْعًا؛ وخِمارًا؛ وقالَ ابْنُ القاسِمِ في "اَلْعُتْبِيَّةُ": وإنْ كَسا صَغِيرَ الإناثِ فَدِرْعٌ وخِمارٌ؛ كالكَبِيرَةِ؛ والكَفّارَةُ واحِدَةٌ لا يُنْقَصُ مِنها لِصَغِيرٍ؛ قالَ عنهُ ابْنُ المَوّازِ: ولا تُعْجِبُنِي كِسْوَةُ المَراضِعِ بِحالٍ؛ فَأمّا مَن أُمِرَ بِالصَلاةِ فَيَكْسُوهُ قَمِيصًا؛ ويُجْزِئُهُ؛ قالَ ابْنُ المَوّازِ مِن رَأْيِهِ: بَلْ كِسْوَةُ رَجُلٍ كَبِيرٍ؛ وإلّا لَمْ يُجْزِئْ؛ قالَ أشْهَبُ: تُعْطى الأُنْثى إذا لَمْ تَبْلُغِ الصَلاةَ ثَوْبَ رَجُلٍ ويُجْزِئُ؛ وقالَهُ ابْنُ الماجِشُونِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أو تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ ؛ اَلتَّحْرِيرُ: اَلْإخْراجُ مِنَ الرِقِّ؛ ويُسْتَعْمَلُ في الأسْرِ؛ والمَشَقّاتِ؛ وتَعَبِ الدُنْيا؛ ونَحْوِها؛ فَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى عنأُمِّ مَرْيَمَ: ﴿ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا ﴾ ؛ أيْ مِن شُغُوبِ الدُنْيا؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: أبَنِي غُدانَةَ إنَّنِي حَرَّرْتُكم ∗∗∗ ∗∗∗ فَوَهَبْتُكم لِعَطِيَّةَ بْنِ جِعالِ أيْ: حَرَّرْتُكم مِنَ الهِجاءِ؛ وخُصَّ الرَقَبَةُ مِنَ الإنْسانِ إذْ هي العُضْوُ الَّذِي فِيهِ يَكُونُ الغَلُّ؛ والتَوَثُّقُ غالِبًا مِنَ الحَيَوانِ؛ فَهو مَوْضِعُ المِلْكِ؛ فَأُضِيفَ التَحْرِيرُ إلَيْها.
واخْتَلَفَ الناسُ في صِفَةِ المُعَتَقِ في الكَفّارَةِ: كَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ؟
فَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: هَذِهِ رَقَبَةٌ مُطْلَقَةٌ لَمْ تُقَيَّدْ بِأيْمانٍ؛ فَيَجُوزُ في كَفّارَةِ اليَمِينِ عِتْقُ الكافِرِ؛ وهَذا مَذْهَبُ الطَبَرِيِّ ؛ وجَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: كُلُّ مُطْلَقٍ في القُرْآنِ مِن هَذا فَهو راجِعٌ إلى المُقَيَّدِ في عِتْقِ الرَقَبَةِ؛ في القَتْلِ الخَطَإ؛ فَلا يُجْزِئُ في شَيْءٍ مِنَ الكَفّاراتِ كافِرٌ؛ وهَذا قَوْلُ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللهُ - وجَماعَةٌ مَعَهُ؛ وقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -: لا يُجْزِئُ أعْمى؛ ولا أبْرَصَ؛ ولا مَجْنُونٌ؛ وقالَ ابْنُ شِهابٍ وجَماعَةٌ؛ وفي الأعْوَرِ قَوْلانِ في المَذْهَبِ؛ وكَذَلِكَ في الأصَمِّ ؛ وفي الخَصِيِّ؛ وفي العُلَماءِ مَن رَأى أنَّ جَمِيعَ هَذا يُجْزِئُ؛ وفَرَّقَ النَخَعِيُّ فَجَوَّزَ عِتْقَ مَن يَعْمَلُ أشْغالَهُ وخِدْمَتَهُ؛ ومَنَعَ عِتْقَ مَن لا يَعْمَلُ؛ كالأعْمى؛ والمُقْعَدِ؛ والأشَلِّ اليَدَيْنِ؛ قالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأعْجَمِيُّ عِنْدِي يُجْزِئُ مِن قَصْرِ النَفَقَةِ؛ وغَيْرُهُ أحَبُّ إلَيَّ؛ قالَ سَحْنُونٌ: يُرِيدُ بَعْدَ أنْ يُجِيبَ إلى الإسْلامِ؛ فَإنْ كانَ الأعْجَمِيُّ لَمْ يُجِبْ إلّا أنَّهُ مِمَّنْ يُجْبَرُ عَلى الإسْلامِ؛ كالكَبِيرِ مِنَ المَجُوسِ؛ والصَغِيرِ مِنَ الحَرْبِيِّينَ الكِتابِيِّينَ؛ فَقالَ ابْنُ القاسِمِ: يُجْزِئُ عِتْقُهُ وإنْ لَمْ يُسْلِمْ؛ وقالَ أشْهَبُ: لا يُجْزِئُ حَتّى يُسْلِمَ؛ ولا يُجْزِئُ عِنْدَ مالِكٍ مَن فِيهِ شُعْبَةُ حُرِّيَّةٍ كالمُدَبِّرِ؛ وأُمِّ الوَلَدِ؛ ونَحْوِهِما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَمَن لَمْ يَجِدْ"؛ ﴾ مَعْناهُ: لَمْ يَجِدْ في مِلْكِهِ أحَدَ هَذِهِ الثَلاثَةِ مِنَ الإطْعامِ؛ أوِ الكِسْوَةِ؛ أو عِتْقِ الرَقَبَةِ؛ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حَدِّ هَذا العادِمِ الوَجْدِ حَتّى يَصِحَّ لَهُ الصِيامُ؛ فَقالَ الشافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: إذا كانَ المُكَفِّرُ لا يَمْلِكُ إلّا قُوتَهُ وقُوتَ عِيالِهِ يَوْمَهُ ولَيْلَتَهُ؛ فَلَهُ أنْ يَصُومَ؛ فَإنْ كانَ عِنْدَهُ - زائِدًا عَلى ذَلِكَ - ما يُطْعِمُ عَشَرَةَ مَساكِينَ؛ لَزِمَهُ الإطْعامُ؛ وهَذا أيْضًا هو مَذْهَبُ مالِكٍ ؛ وأصْحابِهِ؛ قالَ مالِكٌ في "اَلْمُدَوَّنَةُ": لا يُجْزِئُهُ صِيامٌ وهو يَقْدِرُ عَلى أحَدِ الوُجُوهِ الثَلاثَةِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ القاسِمِ أنَّ مَن تَفْضُلُ لَهُ نَفَقَةُ يَوْمٍ فَإنَّهُ لا يَصُومُ؛ وقالَ ابْنُ المَوّازِ: ولا يَصُومُ الحانِثُ حَتّى لا يَجِدَ إلّا قُوتَهُ أو يَكُونَ في بَلَدٍ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ فِيهِ؛ وقالَ ابْنُ القاسِمِ في كِتابِ ابْنِ مُزَيْنٍ: إنْ كانَ لِحانِثٍ فَضْلٌ عن قُوتِ يَوْمِهِ؛ أطْعَمَ؛ إلّا أنْ يَخافَ الجُوعَ؛ أو يَكُونَ في بَلَدٍ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ فِيهِ؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا ثَلاثَةُ دَراهِمَ؛ أطْعَمَ؛ وقالَ قَتادَةُ: إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا قَدْرُ ما يُكَفِّرُ بِهِ؛ صامَ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا كانَ لَهُ دِرْهَمانِ؛ أطْعَمَ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ آخَرُونَ: جائِزٌ لِمَن لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ مِائَتا دِرْهَمٍ أنْ يَصُومَ؛ وهو مِمَّنْ لا يَجِدُ؛ وقالَ آخَرُونَ: جائِزٌ لِمَن لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فَضْلٌ عَلى رَأْسِ مالِهِ الَّذِي يَتَصَرَّفُ بِهِ في مَعاشِهِ أنْ يَصُومَ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ"؛ وكَذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وقالَ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ - مِنهم مُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُ -؛ وقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - وغَيْرُهُ: إنْ تابَعَ فَحَسَنٌ؛ وإنْ فَرَّقَ أجْزَأ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكُمْ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأشْياءِ الثَلاثَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا حَلَفْتُمْ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "ثُمَّ أرَدْتُمُ الحِنْثَ؛ أو وقَعْتُمْ فِيهِ"؛ وباقِي الآيَةِ وصاةٌ وتَوْقِيفٌ عَلى النِعْمَةِ؛ والإيمانِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي نشأ بمناسبة قوله: ﴿ لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم ﴾ [المائدة: 87] لأنّ التحريم يقع في غالب الأحوال بأيْمان معزومة، أو بأيمان تجري على اللسان لقصد تأكيد الكلام، كأنْ يقول: والله لا آكل كذا، أو تجري بسبب غضب.
وقيل: إنّها نزلت مع الآية السابقة فلا حاجة لإبداء المناسبة لذكر هذا بعد ما قبله.
روى الطبري والواحدي عن ابن عبّاس أنّه لمّا نزل قوله تعالى: ﴿ يأيّها الّذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم ﴾ [المائدة: 87] ونهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عمّا عزموا عليه من ذلك، كما تقدّم آنفاً، قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع بأيماننا التي حلفناها عليها، فأنزل الله تعالى: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ الآية.
فشرع الله الكفّارة.
وتقدّم القول في نَظير صدر هذه الآية في سورة البقرة.
وتقدّم الاختلاف في معنى لغو اليمين.
وليس في شيء من ذلك ما في سبب نزول آية ﴿ يأيّها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم ﴾ [المائدة: 87]، ولا في جعل مثل ما عزم عليه الذين نزلت تلك الآية في شأنهم من لغو اليمين.
فتأويل ما رواه الطبري والواحدي في سبب نزول هذه الآية أنّ حادثة أولئك الذين حرّموا على أنفسهم بعض الطيّبات ألحقت بحكم لغو اليمين في الرخصة لهم في التحلّل من أيمانهم.
وقوله: ﴿ بما عَقَّدْتُمْ الأيمان ﴾ ، أي ما قصدتم به الحَلف.
وهو يُبيّن مجمل قوله في سورة البقرة (225) ﴿ بما كَسَبَتْ قلوبُكم ﴾ وقَرَأ الجمهورُ عقَّدتم } بتشديد القاف.
وقرأه حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلَف بتخفيف القاف.
وقرأه ابن ذكوان عن ابننِ عامر ﴿ عَاقدتم ﴾ بألف بعد العين من باب المفاعلة.
فأمّا ﴿ عقّدتم ﴾ بالتشديد فيفيد المبالغة في فعل عَقَد، وكذلك قراءة ﴿ عاقدتم ﴾ لأنّ المفاعلة فيه ليست على بابها، فالمقصود منها المبالغة، مثل عافَاه الله.
وأمّا قراءة التخفيف فلأنّ مادّة العقد كافية في إفادة التثبيت.
والمقصود أنّ المؤاخذة تكون على نية التوثّق باليمين، فالتعبير عن التوثّق بثلاثة أفعال في كلام العرب: عقَد المخفّف، وعقَّد المشدّد، وعَاقَد.
وقوله: ﴿ ذلك كفّارة أيمانكم ﴾ إشارة إلى المذكور، زيادة في الإيضاح.
والكفّارة مبالغة في كفَر بمعنى ستَر وأزال.
وأصل الكَفْر بفتح الكاف الستر.
وقد جاءت فيها دلالتان على المبالغة هما التضعيف والتاء الزائدة، كتاء نسَّابة وعلاّمة.
والعرب يجمعون بينهما غالباً.
وقوله: ﴿ إذا حلفتم ﴾ أي إذا حلفتم وأردتم التحلّل ممّا حلفتم عليه فدلالة هذا من دلالة الاقتضاء لظهور أن ليست الكفّارة على صدور الحلف بل على عدم العمل بالحلف لأنّ معنى الكفارة يقتضي حصول إثم، وذلك هو إثم الحِنث.
وعن الشافعي أنّه استدلّ بقوله: ﴿ كفّارة أيمانكم إذا حلفتم ﴾ على جواز تقديم الكفّارة على وقوع الحنث، فيحتمل أنّه أخذ بظاهر إضافة ﴿ كفّارة ﴾ إلى ﴿ أيمانكم ﴾ ، ويحتمل أنّه أراد أنّ الحلف هو سبب السبب فإذا عزم الحالف على عدم العمل بيمينه بعد أن حلف جاز له أن يكفّر قبل الحنث لأنّه من تقديم العوض، ولا بأس به.
ولا أحسب أنّه يعني غير ذلك.
وليس مراده أنّ مجرّد الحلف هو موجب الكفّارة.
وإذ قد كان في الكلام دلالة اقتضاء لا محالة فلا وجه للاستدلال بلفظ الآية على صحّة تقديم الكفّارة.
وأصل هذا الحكم قول مالك بجواز التكفير قبل الحنث إذا عزم على الحنث.
ولم يستدلّ بالآية.
فاستدلّ بها الشافعي تأييداً للسنّة.
والتكفيرُ بعد الحنث أولى.
وعقّب الترخيص الذي رخّصه الله للنّاس في عدم المؤاخذة بأيمان اللغو فقال ﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ .
فأمر بتوخّي البرّ إذا لم يكن فيه حرج ولا ضُرّ بالغير، لأنّ في البرّ تعظيم اسم الله تعالى.
فقد ذكرنا في سورة البقرة أنّهم جرى معتادهم بأنّ يقسموا إذا أرادوا تحقيق الخبر، أو إلجاء أنفسهم إلى عمل يعزمون عليه لئلاّ يندموا عن عزمهم، فكان في قوله ﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ زجر لهم عن تلك العادة السخيفة.
وهذا الأمر يستلزم الأمر بالإقلال من الحلف لئلاّ يعرّض الحالف نفسه للحنث.
والكفّارة ما هي إلاّ خروج من الإثم.
وقد قال تعالى لأيّوب عليه السلام: ﴿ وخُذ بيدك ضِغثاً فاضرب به ولا تحنَث ﴾ [ص: 44].
فنزّهه عن الحنث بفتوى خصّه بها.
وجملة ﴿ كذلك يبيّن الله لكم آياته ﴾ تذييل.
ومعنى ﴿ كذلك ﴾ كهذا البيان يبيّن الله، فتلك عادة شرعه أن يكون بيّناً، وقد تقدّم القول في نظيره في قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً ﴾ في سورة البقرة (143).
وتقدّم القول في معنى لعلّكم تشكرون } عند قوله تعالى: ﴿ يأيّها الناس اعبدوا ربّكم ﴾ في سورة البقرة (21).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا اخْتِلافَ المُفَسِّرِينَ والفُقَهاءِ في لَغْوِ اليَمِينِ.
﴿ وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: «أنَّها نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ، حِينَ حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ الطَّعامَ، والنِّساءَ، بِيَمِينٍ حَلَفَها، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ، بِالحِنْثِ فِيها» قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: «أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، وكانَ عِنْدَهُ ضَيْفٌ فَأخَّرَتْ زَوْجَتُهُ قِراهُ فَحَلَفَ لا يَأْكُلُ مِنَ الطَّعامِ شَيْئًا، وحَلَفَتِ الزَّوْجَةُ لا تَأْكُلُ مِنهُ إنْ لَمْ يَأْكُلْ، وحَلَفَ الضَّيْفُ لا يَأْكُلُ مِنهُ إنْ لَمْ يَأْكُلا، فَأكَلَ عَبْدُ اللَّهِ وأكَلا مَعَهُ، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ بِذَلِكَ، فَقالَ: (أحْسَنْتَ ونَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ ﴾ وعَقْدُها هو لَفْظٌ بِاللِّسانِ وقَصْدٌ بِالقَلْبِ، لِأنَّ ما لَمْ يَقْصِدْهُ في أيْمانِهِ، فَهو لَغْوٌ لا يُؤاخَذُ بِهِ.
ثُمَّ في عَقْدِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ عَلى فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ، ولا يَكُونُ عَلى خَبَرٍ ماضٍ، والفِعْلُ المُسْتَقْبَلُ نَوْعانِ: نَفْيٌ وإثْباتٌ، فالنَّفْيُ أنْ يَقُولَ واللَّهِ لا فَعَلْتُ كَذا، والإثْباتُ أنْ يَقُولَ: واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ كَذا.
وَأمّا الخَبَرُ الماضِي فَهو أنْ يَقُولَ: واللَّهِ ما فَعَلْتُ، وقَدْ فَعَلَ، أوْ يَقُولَ: واللَّهِ لَقَدْ فَعَلْتُ كَذا، وما فَعَلَ، فَيَنْعَقِدُ يَمِينُهُ بِالفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ في نَوْعَيْ إثْباتِهِ ونَفْيِهِ.
وَفي انْعِقادِها بِالخَبَرِ الماضِي قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها لا تَنْعَقِدُ بِالخَبَرِ الماضِي، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ وأهْلُ العِراقِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَنْعَقِدُ عَلى فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ وخَبَرٍ ماضٍ يَتَعَلَّقُ الحِنْثُ بِهِما، قالَهُ الشّافِعِيُّ، وأهْلُ الحِجازِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كَفّارَةُ ما عَقَدُوهُ مِنَ الأيْمانِ، قالَتْهُ عائِشَةُ، والحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّها كَفّارَةُ الحِنْثِ فِيما عَقَدَهُ مِنها، وهَذا يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، وإبْراهِيمَ.
والأصَحُّ مِن إطْلاقِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ أنْ يُعْتَبَرَ حالُ اليَمِينِ في عَقْدِها وحَلِّها، فَإنَّها لا تَخْلُو مِن ثَلاثَةِ أحْوالٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ عَقْدُها وحَلُّها مَعْصِيَةً كَقَوْلِهِ: واللَّهِ لا قَتَلْتُ نَفْسًا ولا شَرِبْتُ خَمْرًا، فَإذا حَنِثَ فَقَتَلَ النَّفْسَ، وشَرِبَ الخَمْرَ، كانَتِ الكَفّارَةُ لِتَكْفِيرِ مَأْثَمِ الحِنْثِ.
والحالُ الثّالِثَةُ: أنْ يَكُونَ عَقْدُها مُباحًا، وحَلُّها مُباحًا كَقَوْلِهِ: واللَّهِ لا لَبِسْتُ هَذا الثَّوْبَ، فالكَفّارَةُ تَتَعَلَّقُ بِهِما وهي بِالحِنْثِ أخَصُّ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن أوْسَطِ أجْناسِ الطَّعامِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ.
والثّانِي: مِن أوْسَطِهِ في القَدْرِ، قالَهُ عَلِيٌّ، وعُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
وَقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ( مِن وسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم ) ثُمَّ اخْتَلَفُوا في القَدْرِ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مُدٌّ واحِدٌ مِن سائِرِ الأجْناسِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ نِصْفُ صاعٍ مِن سائِرِ الأجْناسِ، قالَهُ عَلِيٌّ، وعُمَرُ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ غَداءٌ وعَشاءٌ، قالَهُ عَلِيٌّ في رِوايَةِ الحارِثِ عَنْهُ، وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ المُكَفِّرِ في عِيالِهِ، إنْ كانَ يُشْبِعُهم أشْبَعَ المَساكِينَ، وإنْ كانَ لا يُشْبِعُهم فَعَلى قَدْرِ ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ أحَدُ الأمْرَيْنِ مِن غَداءٍ أوْ عَشاءٍ، قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ أوْ كِسْوَتُهُمْ ﴾ وفِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: كُسْوَةُ ثَوْبٍ واحِدٍ، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وطاوُسٌ، وعَطاءٌ، والشّافِعِيُّ.
والثّانِي: كُسْوَةُ ثَوْبَيْنِ، قالَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وابْنُ المُسَيِّبِ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ.
والثّالِثُ: كُسْوَةُ ثَوْبٍ جامِعٍ كالمِلْحَفَةِ والكِساءِ، قالَهُ إبْراهِيمُ.
والرّابِعُ: كُسْوَةُ إزارٍ ورِداءٍ وقَمِيصٍ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
والخامِسُ: كُسْوَةُ ما تُجْزِئُ فِيهِ الصَّلاةُ، قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ يَعْنِي أوْ فَكُّ رَقَبَةٍ مِن أسْرِ العُبُودِيَّةِ إلى حالِ الحُرِّيَّةِ والتَّحْرِيرِ، والفَكُّ: العِتْقُ، قالَ الفَرَزْدَقُ أبَنِي غَدانَةَ إنَّنِي حَرَّرْتُكم فَوَهَبْتُكم لِعَطِيَّةَ بْنِ جِعالٍ وَيُجْزِئُ صَغِيرُها، وكَبِيرُها، وذَكَرُها، وأُنْثاها، وفي اسْتِحْقاقِ أثْمانِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُسْتَحَقٌّ ولا تُجْزِئُ الكَفّارَةُ، قالَهُ الشّافِعِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ ﴾ فَجَعَلَ اللَّهُ الصَّوْمَ بَدَلًا مِنَ المالِ عِنْدَ العَجْزِ عَنْهُ، وجَعَلَهُ مَعَ اليَسارِ مُخَيَّرًا بَيْنَ التَّكْفِيرِ بِالإطْعامِ، أوْ بِالكُسْوَةِ، أوْ بِالعِتْقِ، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الواجِبَ مِنها أحَدُها لا يُعَيِّنُهُ عِنْدَ الجُمْهُورِ مِنَ الفُقَهاءِ.
والثّانِي: أنَّ جَمِيعَها واجِبٌ، ولَهُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِها، قالَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ، وشاذٌّ مِنَ الفُقَهاءِ.
وَهَذا إذا حُقِّقَ خَلْفٌ في العِبارَةِ دُونَ المَعْنى.
واخْتُلِفَ فِيما إذا لَمْ يَجِدْهُ صامَ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: إذا لَمْ يَجِدْ قُوتَهُ وقُوتَ مَن يَقُوتُ صامَ، قالَهُ الشّافِعِيُّ.
والثّانِي: إذا لَمْ يَجِدْ ثَلاثَةَ دَراهِمَ صامَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: إذا لَمْ يَجِدْ دِرْهَمَيْنِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: إذا لَمْ يَجِدْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ صامَ، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ.
والخامِسُ: إذا لَمْ يَجِدْ فاضِلًا عَنْ رَأْسِ مالِهِ الَّذِي يَتَصَرَّفُ فِيهِ لِمَعاشِهِ صامَ.
وَفي تَتابُعِ صِيامِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَلْزَمُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، وكانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَآنِ: ( فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ ) والثّانِي: إنْ صامَها مُتَفَرِّقَةً جازَ، قالَهُ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: ﴿ ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ ﴾ يَعْنِي وحَنِثْتُمْ، فَإنْ قِيلَ فَلِمَ لَمْ يَذْكُرْ مَعَ الكَفّارَةِ التَّوْبَةَ؟
قِيلَ: لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ يَمِينٍ حَنِثَ فِيها كانَتْ مَأْثَمًا تُوجِبُ التَّوْبَةَ، فَإنِ اقْتَرَنَ بِها المَأْثَمُ لَزِمَتِ التَّوْبَةُ بِالنَّدَمِ، وتَرَكَ العَزْمَ عَلى المُعاوَدَةِ.
﴿ واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي احْفَظُوها أنْ تَحْلِفُوا.
والثّانِي: احْفَظُوها أنْ تَحْنَثُوا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: «لما نزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم ﴾ [ المائدة: 87] في القوم الذين كانوا حرَّموا النساء، واللحم على أنفسهم، قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟
فأنزل الله: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ » .
وأخرج أبو الشيخ عن يعلى بن مسلم قال: سألت سعيد بن جبير عن هذه الآية ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ﴾ قال: اقرأ ما قبلها فقرأت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ قال: اللغو أن تحرم هذا الذي أحل الله لك وأشباهه تكفرعن يمينك ولا تحرمه، فهذا اللغو الذي لا يؤاخذكم به ﴿ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ﴾ فإن مت عليه أخذت به.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ قال: هو الرجل يحلف على الحلال أن يحرمه، فقال الله: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ أن تتركه وتكفر عن يمينك ﴿ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ﴾ قال: ما أقمت عليه.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ قال: هما الرجلان يتبايعان.
يقول أحدهما: والله لا أبيعك بكذا، ويقول الآخر: والله لا أشتريه بكذا.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن إبراهيم قال: اللغو.
أن يصل الرجل كلامه بالحلف، والله لتجيئن، والله لتأكلن، والله لتشربن، ونحو هذا لا يريد به يميناً، ولا يتعمد به حلفاً، فهو لغو اليمين ليس عليه كفارة.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك قال: الأيمان ثلاثة.
يمين تكفر، ويمين لا تكفر، ويمين لا يؤاخذ بها، فأما التي تكفر فالرجل يحلف على قطيعة رحم أو معصية الله فيكفر يمينه، والتي لا تكفر الرجل يحلف على الكذب متعمداً ولا تكفر، والتي لا يؤاخذ بها فالرجل يحلف على الشيء يرى أنه صادق فهو اللغو لا يؤاخذ به.
والله أعلم.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة قال: اللغو.
الخطأ، أن يحلف على الشيء وأنت ترى أنه كما حلفت عليه، فلا يكون كذلك تجوّز لك عنه ولا كفَّارة عليك فيه ﴿ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ﴾ قال: ما تعمدت فيه المآثم فعليك فيه الكفارة.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن مجاهد ﴿ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ﴾ قال: بما تعمدتم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ قال: الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك وليس كذلك ﴿ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ﴾ قال: الرجل يحلف على الشيء وهو يعلمه.
وأخرج أبو الشيخ عن عائشة قالت: إنما اللغو في المراء والهزل والمزاحة في الحديث الذي لا يعقد عليه القلب، وإنما الكفارة في كل يمين حلف عليها في جد من الأمر في غضب أو غيره ليفعلن أو ليتركن، فذاك عقد الأيمان الذي فرض الله فيه الكفارة.
قوله تعالى: ﴿ فكفارته إطعام عشرة مساكين ﴾ .
وأخرج ابن ماجة وابن مردويه عن ابن عباس قال: «كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس به، ومن لم يجد فنصف صاع من بر» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقيم كفارة اليمين مداً من حنطة بمد الأول» .
وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنا نعطي في كفارة اليمين بالمد الذي يقتات به.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب قال: أني أحلف لا أعطي أقواماً ثم يبدو لي أن أعطيهم، فأطعم عشرة مساكين كل مسكين صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو نصف صاع من قمح.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال: في كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من قمح.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال: في كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من حنطة.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس: في كفارة اليمين نصف صاع من حنطة.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد قال: كل طعام في القرآن فهو نصف صاع، في كفارة اليمين وغيرها.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس قال: في كفارة اليمين مد من حنطة لكل مسكين.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن زيد بن ثابت.
أنه قال: في كفارة اليمين مد من حنطة لكل مسكين.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عمر.
في كفارة اليمين قال: إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين مد من حنطة.
وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة قال: ثلاث فيهن مد مد، كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة الصيام.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ فكفارته إطعام عشرة مساكين ﴾ قال: يغديهم ويعشيهم، إن شئت خبزاً ولحماً، أو خبزاً وزيتاً، أو خبزاً وسمناً، أو خبزاً وتمراً.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن محمد بن سيرين.
في كفارة اليمين قال: أكلة واحدة.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن الشعبي أنه سئل عن كفارة اليمين فقال: رغيفين وعرق لكل مسكين.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن سفيان الثوري عن جابر قال: قيل للشعبي أردد على مسكين واحد.
قال: لا يجزيك إلا عشرة مساكين.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن.
أنه كان لا يرى بأساً أن يطعم مسكيناً واحداً عشر مرات في كفارة اليمين.
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ قال: من عسركم ويسركم.
وأخرج ابن ماجة عن ابن عباس قال: كان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه سعة، وكان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه شدة، فنزلت ﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه فضل، وبعضهم يقوت قوتاً دون ذلك، فقال الله: ﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ ليس بأرفعه ولا أدناه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر ﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ قال: من أوسط ما نطعم أهلينا الخبز والتمر، والخبز والزيت، والخبز والسمن، ومن أفضل ما نطعمهم الخبز واللحم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن سيرين قال: كانوا يقولون: أفضله الخبز واللحم، وأوسطه الخبز والسمن، وأخسه الخبز والتمر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: كان أهل المدينة يفضلون الحر على العبد، والكبير على الصغير، يقولون: الصغير على قدره والكبير على قدره، فنزلت ﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ فأمروا بأوسط من ذلك ليس بأرفعه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ من أوسط ﴾ يعني من أعدل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله: ﴿ من أوسط ﴾ قال: من أمثل.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير ﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ قال: قوتهم، والطعام صاع من كل شيء إلا الحنطة.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: كل شيء فيه إطعام مسكين فهو مد بمد أهل مكة.
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ أو كسوتهم ﴾ قال «عباءة لكل مسكين» .
وأخرج ابن مردويه عن حذيفة قال: «قلنا يا رسول الله ﴿ أو كسوتهم ﴾ ما هو؟
قال: عباءة» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ أو كسوتهم ﴾ قال: عباءة لكل مسكين أو شملة.
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ أو كسوتهم ﴾ قال: ثوب ثوب لكل إنسان، وقد كانت العباءة تقضي يومئذ من الكسوة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: الكسوة ثوب أو إزار.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ أو كسوتهم ﴾ قال: القميص أو الرداء أو الإزار.
قال: ويجزي في كفارة اليمين كل ثوب إلا التبان أو القلنسوة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ أو كسوتهم ﴾ قال: أدناه ثوب، وأعلاه ما شئت.
وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن سعيد بن المسيب ﴿ أو كسوتهم ﴾ قال: إزار وعمامة.
وأخرج أبو الشيخ عن الزهري قال: السراويل لا يجزي، والقلنسوة لا تجزي.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمران بن حصين.
أنه سئل عن قوله: ﴿ أو كسوتهم ﴾ قال: لو أن وفداً قدموا على أميركم فكساهم قلنسوة قلنسوة قلتم قد كسوا.
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء.
في الرجل يكون عليه الكفارة من اليمين فيكسو خمس مساكين، ويطعم خمسة أن ذلك جائز؟.
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير أنه قرأ ﴿ إطعام عشرة مساكين أو كاسوتهم ﴾ ثم قال سعيد: أو كاسوتهم في الطعام.
أما قوله تعالى: ﴿ أو تحرير رقبة ﴾ .
وأخرج ابن أبو شيبة وأبو الشيخ عن الحسن قال: لا يجزي الأعمى ولا المقعد في الرقبة.
وأخرج أبو الشيخ عن فضالة بن عبيد قال: يجزي ولد الزنا في الرقبة الواجبة.
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء بن أبي رياح قال: تجزي الرقبة لصغيرة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن: أنه كان لا يرى عتق الكافر في شيء من الكفارات.
وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال: لا يجزي ولد الزنا في الرقبة، ويجزئ اليهودي والنصراني في كفارة اليمين.
والله تعالى أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ﴾ .
وأخرج ابن جرير والبيهقي في سننه عن ابن عباس.
في آية كفارة اليمين قال: هو بالخيار في هؤلاء الثلاثة، الأول فالأوّل، فإن لم يجد شيئاً من ذلك فصيام ثلاثة أيام متتابعات.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة: يا رسول الله نحن بالخيار؟
قال «أنت بالخيار، إن شئت أعتقت، وإن شئت كسوت، وإن شئت أطعمت، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات» .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: من كان عنده درهمان فعليه أن يطعم في الكفارة.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال: إذا كان عنده خمسون درهماً فهو ممن يجد ويجب عليه الإطعام، وإن كانت أقل فهو ممن لا يجد ويصوم.
وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم النخعي قال: إذا كان عنده عشرون درهماً فعليه أن يطعم في الكفارة.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي بن كعب.
أنه كان يقرأها ﴿ فصيام ثلاثة أيام متتابعات ﴾ .
وأخرج مالك والبيهقي عن حميد بن قيس المكي قال: كنت أطوف مع مجاهد، فجاءه إنسان يسأله عن صيام الكفارة أيتابع؟
قال حميد: فقلت: لا.
فضرب مجاهد في صدري، ثم قال: إنها في قراءة أبي بن كعب ﴿ متتابعات ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري وأبو الشيخ والبيهقي من طرق عن ابن مسعود.
أنه كان يقرأها ﴿ فصيام ثلاثة أيام متتابعات ﴾ قال سفيان: ونظرت في مصحف ربيع بن خيثم، فرأيت فيه ﴿ فمن لم يجد من ذلك شيئاً فصيام ثلاثة أيام متتابعات ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود، أنه كان يقرأ كل شيء في القرآن متتابعات.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن عباس، أنه كان يقرأها ﴿ فصيام ثلاثة أيام متتابعات ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: كل صوم في القرآن فهو متتابع، إلاَّ قضاء رمضان فإنه عدة من أيام أخر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي.
أنه كان لا يفرق في صيام اليمين ثلاثة أيام.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن.
إنه كان يقول في صوم كفارة اليمين: يصومه متتابعات، فإن أفطر من عذر يقضي يوماً مكان يوم.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير ﴿ ذلك ﴾ يعني الذي ذكر من الكفارة ﴿ كفارة أيمانكم إذا حلفتم ﴾ يعني اليمين العمد ﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ يعني لا تعمدوا الأيمان الكاذبة ﴿ كذلك ﴾ يعني هكذا ﴿ يبين الله لكم آياته ﴾ يعني ما ذكر من الكفارة ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ فمن صام من كفارة اليمين يوماً أو يومين ثم وجد ما يطعم فليطعم، ويجعل صومه تطوّعاً.
وأخرج عبد الرزاق والبخاري وابن أبي شيبة وابن مردويه عن عائشة قالت: كان أبو بكر إذا حلف لم يحنث، حتى نزلت آية الكفارة، فكان بعد ذلك يقول: لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وقبلت رخصة الله.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: من حلف على ملك يمين ليضربه فكفارته تركه، ومع الكفارة حسنة.
وأخرج أبو الشيخ عن جبير بن مطعم.
أنه افتدى يمينه بعشرة آلاف درهم، وقال: ورب هذه القبلة لو حلفت لحلفت صادقاً، وإنما هو شيء افتديت به يميني.
وأخرج أبو الشيخ عن أبي نجيح.
أن ناساً من أهل البيت حلفوا عند البيت خمسين رجلاً قسامة، فكأنهم حلفوا على باطل، ثم خرجوا حتى إذا كانوا في بعض الطريق قالوا تحت صخرة، فبينما هم قائلون تحتها إذ انقلبت الصخرة عليهم، فخرجوا يشتدون من تحتها، فانفلقت خمسين فلقة، فقتلت كل فلقة رجلاً.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس والمفسرون: إن القوم لما حرموا الطيبات من المآكل والمناكح والملابس حلفوا على ذلك، فلما نزل: ﴿ لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ قالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا؟
فأنزل الله هذه الآية (١) وقد مضى الكلام في معنى لغو اليمين وحكمه مستقصى في سورة البقرة (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ﴾ ، اختلف القراء في (عقدتم) فقرؤوا مخففًا، ومشددًا، وبالألف من عاقد (٣) (٤) وإن عاهدوا أوفوا وإن عاقدوا شدوا (٥) وقال في عقد: قومٌ إذا عَقَدوا عقدًا لجارِهُم (٦) فقال في بيت: عاقدوا، وفي بيت: عقدوا، فمن قرأ بالتشديد احتمل أمرين: أحدهما أن يكون لتكثير الفعل، لأنه خاطب بهذا الجماعة، فصار كقوله تعالى: ﴿ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ ﴾ ، والآخر أن يكون عَقَّد مثل عقد في أنه لا يراد به التكثير (٧) (٨) قال أبو عبيد: على هذا وجدنا الآثار كلها، يقال: الأيمان ما عُقِدتَ عليه القلوب، وأما من قرأ بالألف فإنه من المفاعلة التي تختص بالواحد مثل: عافاه الله، وطارقت النعل، وعاقبت اللص، فتكون هذه القراءة كقراءة من خفف (٩) (١٠) وأما التفسير قال عطاء: "هو أن يضمر الأمر، ثم يحلف بالله لا إله إلا هو، فيعقد عليه اليمين (١١) وقال مجاهد: ما عقد عليه قلبك وتعمدته، يعني كفارة عقدكم (...) (١٢) (١٣) قال الكلبي: هو أن يحلف على اليمين، وهو يعلم أنه فيها كاذب (١٤) وقال الزجاج: أعلم الله عز وجل أن اليمين يؤاخذ بها العبد، ويجب في بعضها الكفارة، وهو ما جرى على عقد (١٥) وقوله تعالى: ﴿ فَكَفَّارَتُهُ ﴾ ، أي: كفارة ما عقدتم يكون حنثًا، فلا يحتاج إلى الإضمار، وقد يكون موقوفًا على الحنث والبر فيحتاج إلى إضمار إذا حنثتم، ويستغنى عنه أنه مدلول عليه.
وقوله تعالى: ﴿ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ﴾ ، نصيب كل مسكين مُدّ، وهو ثلثا منٍّ (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: كان الرجل يقوت أهله قوتًا فيه سعة، وقوتًا وسطًا، وقوتًا دون ذلك، فأمر بالوسط (٢١) ومثل هذا قال سعيد بن جبير: كان أهل المدينة يفرضون للصغير على قدره، وللكبير على قدره، وللوسط على قدره، فأمروا بأوسط ما يطعمون (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ كِسْوَتُهُمْ ﴾ ، الكسوة في اللغة معناها: اللباس، وهي كل ما يكتسي به (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ ، قيل: (رقبة) والمراد الجملة؛ لأنه مشبه بالأسير الذي يفك عن رقبته ويطلق (٢٨) (٢٩) قال ابن عباس في رواية عطاء: (أو تحرير رقبة) يريد مؤمنة (٣٠) وهو قول الحسن أيضًا ومذهب الشافعي (٣١) (٣٢) قال أبو إسحاق: خُيِّر الحالف بين هذه الثلاثة، وأفضلها عند الله أكثرها نفْعًا وأحسنها موقعًا من المساكين أو من المعتق، فإن كان الناس في جدب لا يقدرون على المأكول إلا بما هو أشد تكلفًا من الكسوة والإعتاق فالإطعام أفضل؛ لأن به قوام الحياة، وإلا فالإعتاق والكسوة أفضل (٣٣) وهذا إجماع من العلماء أن المكفر مخير بين هذه الثلاث (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ﴾ ، قال الحسن: من كان عنده عشرة دراهم فعليه أن يطعم في الكفارة (٣٥) وقال عطاء الخراساني: عشرون درهما (٣٦) وقال قتادة: من ليس عنده ما يفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته فهو غير واجد، وجاز له الصيام (٣٧) (٣٨) (٣٩) وقال الزجاج: من كان لا يقدر على شيء مما حد في الكفارة (٤٠) قال الشافعي: إذا كان عنده قوته وقوت عياله، يومه وليلته، ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين، لزمته الكفارة بالإطعام، وإن لم يكن عنده هذا القدر فله الصيام (٤١) وعند أبي حنيفة: يجوز له الصيام إذا كان عنده من المال ما لا تجب فيه الزكاة (٤٢) (٤٣) وقوله تعالى: ﴿ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ﴾ ، أي: فعليه، أو فكفارته ثلاثة أيام، قال ابن عباس والحسن: متتابعات (٤٤) (٤٥) (٤٦) وقال عطاء وإبراهيم: ما لم يذكر في كتاب الله متتابعًا فصمه كيف شئت (٤٧) (٤٨) (٤٩) أحدهما: أن التتابع يجب قياسًا على الصيام في كفارة الظهار، ولأن في قراءة عبد الله وأُبي: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (٥٠) والثاني: أنه مخير، إن شاء فرق، وإن شاء تابع (٥١) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ ﴾ ، يعني: أيمانكم الكاذبة، التي حنثتم بها، فحذف النعت لأنه مدلول عليه، وإن شئت قلت: ذلك كفارة حنث أيمانكم، ثم حذف المضاف، وقال أبو إسحاق: أي ذلك الذي يغطي على آثامكم (٥٢) وقوله تعالى: ﴿ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد لا تحلفوا (٥٣) (٥٤) (٥٥) (١) أخرجه الطبري عن ابن عباس 7/ 13، "الوسيط" 2/ 220، البغوي 3/ 90، "زاد المسير" 2/ 412.
(٢) الظاهر أنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ (225) سورة البقرة.
(٣) قال أبو علي: " ...
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (بما عقَّدتُمْ) بغير ألف مشددة القاف، وكذا روى حفص عن عاصم.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (بما عَقَدتُمْ) بغير ألف خفيفة، وكذلك قرأ حمزة والكسائي".
وقرأ ابن عامر: (عاقدتم) بألف.
"الحجة للقراء السبعة" 3/ 251.
(٤) "تهذيب اللغة" 3/ 2512 (عقد).
(٥) "ديوانه" ص 140 وصدره: أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البُنى وهو في تهذيب اللغة 3/ 2512 (عقد).
(٦) صدر بيت للحطيئة في ديوانه ص 128، وعجزه: شدوا العِنَاج وشدوا فوقه الكربا وهو في "تهذيب اللغة" 3/ 2512 (عقد)، و"الحجة" 3/ 252.
(٧) "الحجة للقراءة السبعة" 3/ 251.
(٨) "الحجة للقراء السبعة" 3/ 252.
(٩) "الحجة" 3/ 252.
(١٠) "الحجة للقراء السبعة" 3/ 253، 254.
(١١) لم أقف عليه.
(١٢) بياض في (ج) فقط بمقدار كلمة.
(١٣) أخرجه بمعناه الطبري 7/ 14، "الوسيط" 2/ 221، "زاد المسير" 2/ 413.
(١٤) لم أقف عليه، وفي هذا نظر لأن اليمين الكاذبة، وهي الغموس، لا تكفر.
انظر: بحر العلوم 1/ 456 وما نقله عن وهب بن منبه، "الدر المنثور" 2/ 551 وما رواه عن أبي مالك.
(١٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 201، 202.
(١٦) الصالح أربعة أمداد، مقدارها بالوزن الحاضر كيلوان ونصف تقريبًا، فيكون المد أقل من الكيلو.
(١٧) انظر: الطبري 7/ 18 - 21، والبغوي 3/ 91، وابن كثير 2/ 101.
(١٨) "الأم" للشافعي 7/ 64، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 61، والوسيط 2/ 221، وابن كثير 2/ 102.
(١٩) "بحر العلوم" 1/ 456، "النكت والعيون" 2/ 61، والبغوي 3/ 91، وابن كثير 2/ 102.
(٢٠) لم أجده بهذا اللفظ أو قريب منه، والذي أخرج الطبري 7/ 19 عن مجاهد بلفظ: مدان من طعام لكل مسكين.
والمدان: نصف صاع، فهو بمعناه.
(٢١) أخرجه الطبري بمعناه 7/ 22، وانظر: زاد المسير 2/ 414.
(٢٢) أخرجه بنحوه الطبري 7/ 22، انظر: "النكت والعيون" 2/ 61، "زاد المسير" 2/ 413.
(٢٣) "تفسير البغوي" 3/ 91، "زاد المسير" 2/ 414.
(٢٤) لم أقف عليه، وانظر: القرطبي 6/ 276.
(٢٥) "تهذيب اللغة" 4/ 3139 (كسو).
(٢٦) انظر: الطبري 7/ 23 - 24، "بحر العلوم" 1/ 456، "النكت والعيون" 2/ 61، "زاد المسير" 2/ 414.
(٢٧) "النكت والعيون" 2/ 61، والبغوي 3/ 91، "زاد المسير" 2/ 414.
(٢٨) "تفسير الطبري" 7/ 26.
(٢٩) "تفسير الطبري" 7/ 28 - 29، البغوي 3/ 92، "زاد المسير" 2/ 415.
(٣٠) أخرج الطبري 7/ 27 عن عطاء قال: يجزئ المولود في الإِسلام من رقبة.
(٣١) "الأم" 7/ 65.
(٣٢) "تفسير البغوي" 3/ 92، "زاد المسير" 2/ 415.
(٣٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 202.
(٣٤) حكى الإجماع هنا الطبري 10/ 555.
(٣٥) المروي عن الحسن درهمان، كما أخرجه الطبري 7/ 29، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 62، "زاد المسير" 2/ 415.
(٣٦) لم أقف عليه.
(٣٧) انظر: "الوسيط" 2/ 221، "زاد المسير" 2/ 415.
(٣٨) "الأم" 7/ 66، الطبري 7/ 29، "النكت والعيون" 2/ 62، "الوسيط" 2/ 221، "زاد المسير" 2/ 415.
(٣٩) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 122.
(٤٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 202.
(٤١) "الأم" 7/ 66، "الوسيط" 2/ 221، 222، "زاد المسير" 2/ 415.
(٤٢) "النكت والعيون" 7/ 63، "زاد المسير" 2/ 415.
(٤٣) وهذا القول مخالف لظاهر الآية، وما عليه جمهور العلماء.
(٤٤) أخرجه عن ابن عباس الطبري 7/ 30 - 31، "الوسيط" 2/ 222.
أما الحسن فقد نسب إليه ابن الجوزي في زاد المسير 2/ 415 القول بجواز التفريق بين صيام الأيام، والله أعلم.
(٤٥) "بحر العلوم" 1/ 456، والبغوي 3/ 93، و"زاد المسير" 2/ 415، وزاد ابن الجوزي: وهو قول أصحابنا -يعني الحنابلة-.
(٤٦) هكذا نسب المؤلف لمجاهد رحمه الله القول بالتخيير وكذا في الوسيط 2/ 222 إلا أن المعروف عن مجاهد عند عامة المفسرين القول بلزوم التتابع، كما أخرج ذلك عنه الطبري 7/ 30، "بحر العلوم" 1/ 456، "النكت والعيون" 2/ 63، "زاد المسير" 2/ 415.
(٤٧) "تفسير الطبري" 7/ 30.
(٤٨) "تفسير البغوي" 3/ 93، و"زاد المسير" 2/ 415، وابن كثير 2/ 103.
(٤٩) "الأم" 7/ 66، والبغوي 3/ 93، و"زاد المسير" 2/ 415، وابن كثير 2/ 103.
(٥٠) "الأم" 7/ 66، والبغوي 3/ 93، وابن كثير 2/ 103.
(٥١) "تفسير البغوي" 3/ 93 ، وابن كثير 2/ 103.
(٥٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 203.
(٥٣) انظر: "الوسيط" 2/ 222، ونسبه محققه لتفسير ابن عباس ص 100، والبغوي 3/ 93، و"زاد المسير" 2/ 416.
(٥٤) "تفسير الطبري" 7/ 31، "النكت والعيون" 2/ 63، "زاد المسير" 2/ 416.
(٥٥) "النكت والعيون" 2/ 63.
ورجح البغوي 3/ 93 القول الثاني.
<div class="verse-tafsir"
﴿ باللغو ﴾ تقدم في البقرة ﴿ بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان ﴾ أي بما قصدتم عقده بالنية، وقرئ عَقَدتم بالتخفيف، وعاقدتم بالألف ﴿ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مساكين ﴾ اشتراط المسكنة دليل على أنه لا يُجزي في الكفارة إطعام غني، فإن أطعم جهلاً لم يجزيه على المشهور من المذهب، واشترط مالك أيضاً أن يكونوا أحراراً مسلمين، وليس في الآية ما يدل على ذلك ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ اختلف في هذا التوسط هل هو في القدر أو في الصنف، واللفظ يحتمل الوجهين، فأما القدر فقال مالك يطعم بالمدينة مدّاً بمدّ النبي صلى الله عليه وسلم، وبغيرها: وسط من الشبع، وقال الشافعي وابن القاسم: يجزي المدّ في كل مكان وقال أبو حنيفة إن غدّاهم وعشاهم أجزأه، وأما الصنف فاختلف هل يطعم من عيش نفسه، أو من عيش أهل بلده؟
فمعنى الآية على التأويل الثاني من أوسط ما تطعمون أيها الناس أهليكم على الجملة، وعلى الأول يختص الخطاب بالمكفِّر ﴿ أَوْ كِسْوَتُهُمْ ﴾ قال كثير من العلماء: يجزي ثوب واحد لمسكين، لنه يقال فيه كسوة، وقال مالك: إنما يجزي ما تصح به الصلاة، فللرجل ثوب واحد، وللمرأة قميص وخمار ﴿ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ اشترط مالك فيها أن تكون مؤمنة؛ لتقيدها بذلك في كفارة القتل، فحمل هذا المطلق على ذلك المقيد، وأجاز أبو حنيفة هنا عتق الكفارة، لإطلاق اللفظ هنا، واشترط مالك أيضاً أن تكون سليمة من العيوب وليس في اللفظ ما يدل على ذلك ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ ﴾ أي من لم يملك ما يعتق ولا ما يطعم ولا ما يكسو فعليه صيام ثلاثة أيام، فالخصال الثلاث على التخيير، والصيام مرتب بعدها لمن عدمها، وهو عند مالك من لم يفضل عن قوته وقوت عياله في يومه زيادة ﴿ ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ﴾ معناه إذ حلفتم وخشيتم أو أردتم الحنث، واختلف هل يجوز تقديم الكفارة على الحنث أم لا ﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ أي احفظوها فبروا فيها، ولا تحنثوا، وقيل: احفظوها بأن تكفروها إذا حنثتم، وقيل: احفظوها ألا تنسوها تهاوناً بها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بما عقدتم ﴾ بالتخفيف: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل، وقرأ ابن ذكوان ﴿ عاقدتم ﴾ بالألف.
الباقون ﴿ عقدتم ﴾ بالتشديد ﴿ من أوصط ﴾ مثل ﴿ مبصوطتان ﴾ ﴿ فجزاء ﴾ بالتنوين ﴿ مثل ﴾ بالرفع: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم عن المفضل.
﴿ كفارة طعام ﴾ بالإضافة: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون ﴿ كفارة ﴾ بالتنوين ﴿ طعام ﴾ بالرفع ﴿ فبما ﴾ بغير ألف ابن عامر.
الوقوف: ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ طيباً ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ الأيمان ﴾ ج لاختلاف النظم مع اتحاد الكلام وفاء التعقيب.
﴿ رقبة ﴾ ط ﴿ ثلاثة أيام ﴾ ط ﴿ حلفتم ﴾ ط للإضمار أي حلفتم وحنثتم ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ وعن الصلاة ﴾ ج لابتداء الاستفهام لأجل التحذير مع دخول الفاء فيه.
﴿ منتهون ﴾ ه ﴿ واحذروا ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ وأحسنوا ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ج ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وأنتم حرم ﴾ ط ﴿ وبال أمره ﴾ ط ﴿ سلف ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ﴿ وللسيارة ﴾ ج لطول الكلام وتضاد المعنيين وإن اتفقت الجملتان لفظاً.
﴿ حرما ﴾ ط لإطلاق الأمر بالابتداء ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ والقلائد ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ البلاغ ﴾ ط ﴿ تكتمون ﴾ ه ﴿ كثرة الخبيث ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ تفلحون ﴾ ه.
التفسير: إنه بعد استقصاء المناظرة مع أهل الكتابين عاد الى بيان الأحكام فبدأ بحل المطاعم والمشارب واستيفاء اللذات كيلا يتوهم متوهم أن مدح القسيسين والرهبان يوجب إيثار طريقتهم في هذا الدين.
قال المفسرون: "جلس رسول الله يوماً فذكر الناس ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف، فرق الناس وبكوا فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون منهم أبو بكر وعلي وابن مسعود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبوا المذاكير، فبلغ ذلك رسول الله فقال لهم: ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا و كذا؟
قالوا: يا رسول الله وما أردنا إلا الخير.
فقال: إني لم أؤمر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم، من رغب عن سنتي فليس مني.
ثم جمع الناس وخطبهم فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا!
أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان، فإنما هلك من قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع، فأنزل الله هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها - وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه " - فنزلت هذه الآية ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ فهذا وجه اتصال الآيات.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله ﴿ لا تحرّموا ﴾ ومن المعلوم أن توسع الإنسان في اللذات والطيبات يمنعه عن الاستغراق في تحصيل السعادات الباقيات، ولهذا قالت الحكماء: إذا شبعت الأجسام صارت الأرواح أجساداً، وإذا جاعت الأجسام صارت الأجساد أرواحاً؟
فالجواب أن الرهبانية المفرطة مما توقع الآفة في الأعضاء الرئيسة التي هي القلب والكبد والدماغ والأنثيان فيختل الفكر ويقل التأمل في الجواهر الروحانية ومباديها، على أن النفوس القوية لا يمنعها التصرف في الجسمانيات عن التأمل في الروحانيات.
فالرهبانية دليل الضعف والقصور والكمال في الوفاء بالجهتين، وكيف والرهبانية توجب خراب الدنيا وانقطاع الحرث والنسل وترك الترهب مع رعاية وظائف الطاعة يفضي الى سعادة الدارين، قال القفال: إنه قال في أوّل السورة ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ فبين أنه كما لا يجوز تحليل المحرم لا يجوز تحريم المحلل، وذلك أنهم كانوا يحللون الميتة والدم ويحرمون البحائر والسوائب.
ومعنى ﴿ لا تحرموا ﴾ لا تعتقدوا تحريم ﴿ ما أحل الله ﴾ ولا تظهروا باللسان تحريمه ولا تجتنبوه اجتناباً يشبه اجتناب المحرمات.
فهذه الوجوه محمولة على الاعتقاد والقول والعمل، ويحتمل أن يراد لا تحرموا على غيركم بالفتوى، أو لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين كقوله ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ أو لا تخلطوا المملوك بالمغصوب أو الطاهر بالنجس خلطاً لا يبقى معه التمييز فإنه يحرم الكل.
والطيبات المستلذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب.
ثم نهى عن الاعتداء مطلقاً ليدخل تحته النهي عن الإسراف كقوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا ﴾ و ﴿ كلوا ﴾ أمر إباحة وتحليل ﴿ مما رزقكم الله ﴾ في إدخال "من" التبعيضية إرشاد الى الاقتصاد والاقتصار في الأكل على البعض وصرف الباقي الى المحتاجين، وفيه أنه هو الذي يرزق عبيده وتكفل برزقهم.
قال في التفسير الكبير: قوله ﴿ حلالاً طيباً ﴾ إن كان متعلقاً بالأكل كان حجة للمعتزلة على أن الرزق لا يكون إلا حلالاً لأنه يدل على الإذن في أكل كل ما رزق الله وإنما يأذن في أكل الحلال فيلزم أن يكون كل رزق حلالاً، وإن كان متعلقاً بالمأكول أي كلوا من الرزق الذي يكون حلالاً كان حجة لأصحابنا لأن التقييد يؤذن بأن الرزق قد لا يكون حلالاً.
أقول: هذا فرق ضعيف ولهذا قال في الكشاف: ﴿ حلالاً ﴾ حال ﴿ مما رزقكم الله ﴾ مع أنه من المعتزلة.
ثم أكد التوصية بقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ وزاده تأكيداً بقوله ﴿ الذي أنتم به مؤمنون ﴾ لأن الإيمان به يوجب اتقاءه في أوامره ونواهيه.
ثم قال ﴿ لا يؤاخذكم ﴾ وقد ذكرنا وجه النظم آنفاً، وقد تقدم معنى يمين اللغو في سورة البقرة.
أما قوله ﴿ بما عقدتم الأيمان ﴾ فمن قرأ بالتخفيف فإنه صالح للقليل والكثير فلا إشكال، ومن قرأ بالتشديد فإن أبا عبيدة اعترض عليه بأن التشديد للتكثير فهذه القراءة توجب سقوط الكفارة عن اليمين الواحدة.
وأجاب الواحدي بأن عقد بالتخفيف وعقد بالتشديد واحد في المعنى، ولو سلم فالتكرير يحصل بأن يعقدها بقلبه ولسانه، أما لو عقد اليمين بأحدهما دون الآخر فلا كفارة.
ومن قرأ بالألف فمثل القراءة المخففة كقولك: عاقبت اللص وعافاه الله.
والمعنى على القراآت: ولكن يؤاخذكم بعقد الأيمان أو بتعقيدها أو معاقدتها إذا حنثتم.
فحذف الظرف للعلم به، أو المراد بنكث ما عقدتم بحذف المضاف ﴿ فكفارته ﴾ أي الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها أحد هذه الأمور ويسمى بالواجب المخير.
وحاصله أنه لا يجب الإتيان بكل واحد منها، ولا يجوز الإخلال بجميعها، ولكنه إذا أتى بأيّ واحد منها فإنه يخرج عن العهدة، ومن هنا قال أكثر الفقهاء الواجب واحد لا بعينه من الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة فإن عجز عنها جميعاً فالواجب شيء آخر وهو الصوم.
أما مقدار الطعام فقد قال الشافعي: نصيب كل مسكين مد أي ثلثا منّ، وهو قول ابن عباس وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والحسن والقاسم لأنه قال ﴿ من أوسط ما تطعمون ﴾ فإن كان المراد ما كان متوسطاً في العرف فثلثا منّ من الحنطة إذا جعل دقيقاً وخبز فإنه يصير قريباً من المنّ وذلك كاف لواحد في يوم واحد، وإن كان المراد ما كان متوسطاً في الشرع فليس له في الشرع مقدار إلا ما جاء في قصة الأعرابي المفطر في نهار رمضان أن النبي أمره بإطعام ستين مسكيناً من غير ذكر مقدار.
فقال الرجل: ما أجد.
فأتى النبي بعرق فيه خمسة عشر صاعاً فقال النبي : أطعم هذا.
وذلك يدل على تقدير طعام المسكين بربع الصاع وهو مدّ.
ولا تلزم كفارة الحلق لأنها شرعت بلفظ الصدقة مطلقة عن التقدير بإطعام الأهل فكان تكفيرها معتبراً بصدقة الفطر وقد ثبت بالنص تقديرها بالصاع لا بالمد.
وقال أبو حنيفة: الواجب نصف صاع من الحنطة أو صاع من غيرها قال: لأن الأسط هو الأعدل.
وما ذكره الشافعي هو أدنى ما يكفي.
وأما الأعدل فيكون بإدام وهكذا روي عن ابن عباس مدّ بإدامه والإدام تبلغ قيمته مداً آخر ويزيد في الأغلب.
أجاب الشافعي أن الإدام غير واجب بالإجماع فلم يبق إلا حمل اللفظ على التوسط في قدر الطعام ومقداره ما ذكرنا، وجنس الطعام المخرج جنس الفطرة.
ثم قال الشافعي: الواجب تمليك الطعام قياساً على الكسوة.
وقال أبو حنيفة: إذا غدّى وعشى عشرة مساكين جاز لأن ذلك إطعام، ولأن إطعام الأهل يكون بالتمكين لا بالتمليك وقد قال ﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ والقائل أن يقول: ذكر إطعام الأهل لتعيين مقدار المطعم لا لأجل كيفية الإطعام.
وقال أبو حنيفة: لو أطعم مسكيناً واحد عشر مرات جاز.
وقال الشافعي: لا يجزي إلا إطعام عشرة لأن مدار الباب على التعبد الذي لا يعقل معناه فيجب الوقوف على مورد النص.
قال في الكشاف ﴿ أو كسوتهم ﴾ عطف على محل ﴿ من أوسط ﴾ ووجه بأن البدل هو المقصود فكأنه قيل: فكفارته من أوسط.
وأقول: الأظهر أن يكون ﴿ من أوسط ﴾ مفعولاً آخر للإطعام سواء كان "من" للابتداء أو للتبعيض، ويكون ﴿ كسوتهم ﴾ معطوفاً على الإطعام.
والكسوة معناها اللباس وهو كل ما يكتسى به.
قال الشافعي: يجزىء في الكفارة أقل ما يقع عليه اسم الكسوة وهو الثوب يغطي العورة إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو عمامة أو مقنعة لكل مسكين ثوب واحد لما روي عن ابن عباس كانت العباءة تجزىء يومئذٍ.
وعن مجاهد: ثوب جامع.
وقال الحسن: ثوبان أبيضان.
و المراد بالرقبة الجملة كان الأسير في العرب تجمع يداه الى رقبته فإذا أطلق حل ذلك الحبل فسمي الإطلاق من الحبل فك رقبة.
ثم أجرى ذلك على العتق هكذا قيل في أصل هذا المجاز.
ومذهب أهل الظاهر أن جميع الرقاب تجزئه.
وقال الشافعي: لا يجزىء إلا كل سليمة من عيب يخل بالعمل صغيرة كانت أو كبيرة ذكراً أو أنثى بعد أن كانت مؤمنة قياساً على كفارة القتل، ولم يجوز إعتاق المكاتب ولا شراء القريب.
وفي تقديم الإطعام على العتق مع أن العتق أفضل تنبيه على التخيير وأن الأمر مبني على التخفيف.
ويمكن أن يقال: الإطعام أفضل لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام أو لا يكون هناك من يعطيه فيقع في الضر، أما العبد فيجب على مولاه طعامه وكسوته، فالعتق يحتمل التأخير والإطعام قد لا يحتمل ذلك.
﴿ فمن لم يجد ﴾ أحد الأمور الثلاثة المذكورة ﴿ فصيام ﴾ فعليه صيام ﴿ ثلاثة أيام ﴾ قال الشافعي: إذا وجد قوت نفسه وقوت عياله يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة بالإطعام، وإن لم يكن عنده ذلك القدر جاز له الصيام وذلك أنه علق جواز الصيام على عدم وجدان الخصال الثلاث فعند وجدانها وجب أن لا يجوز الصوم.
تركنا العمل به عند وجدان قوت نفسه وقوت عياله يوماً وليلة لأن ذلك ضروري، وتقديم حق النفس على حق الغير واجب شرعاً فبقي الآية معمولاً بها في غيره.
وعند أبي حنيفة: يجوز الصيام إذا كان عنده من المال ما لا تجب فيه الزكاة.
ثم صيام الأيام الثلاثة المشروط عند أبي حنيفة بالتتابع تمسكاً بقراءة أبيّ وابن مسعود ﴿ فصيام ثلاثة أيام متتابعات ﴾ فإن قراءتهما لا تتخلف عن روايتهما.
وقال الشافعي في أصح قوليه: إن التفريق جائز والقراءة الشاذة لا يعتدّ بها لأنها لو كانت صحيحة لنقلت نقلاً متوتراً وقد "روي عن النبي أن رجلاً قال له: عليّ أيام من رمضان أفأقضيها متفرقات؟
فقال رسول الله : أرأيت لو كان عليك دين فقضيت الدرهم فالدرهم أما كان يجزيك؟
قال: بلى.
قال: فالله أحق أن يعفو ويصفح" .
وإذا جاز هذا التفريق في صوم رمضان ففي غيره أولى، وأيضاً العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿ مسألة ﴾ : من صام ستة أيام عن يمينين أجزأته ولا حاجة الى تعيين إحدى الثلاثتين لإحدى اليمينين لأن الواجب عن كل منهما ثلاثة أيام وقد أتى بها فيخرج عن العهدة ﴿ ذلك ﴾ المذكور ﴿ كفارة أيمانكم إذا حلفتم ﴾ وحنثتم فحذف ذكر الحنث للعلم بأن الكفارة لا تجب بمجرد الحلف، وللتنبيه على أن الكفارة لا يجوز تقديمها على اليمين، وأما بعد اليمين وقبل الحنث فيجوز وبه قال مالك والشافعي وأحمد موافقاً لما روي أن النبي قال "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً فكفر عن يمينك ثم ائت بالذي هو خير" .
ولأن الكفارة حق ماليّ يتعلق بسببين فجاز تعجيله بعد وجود أحد السببين كتعجيل الزكاة بعد وجود النصاب.
هذا إذا كان يكفر بغير الصوم، أما الصوم فلا يجوز تقديمه لأن العبادات البدنية لا تقدّم على وقتها إذا لم تمس إليه حاجة كالصلاة وصوم رمضان، ولأن الصوم إنما يجوز التكفير به عند العجز عن جميع الخصال المالية، وإنما يتحقق العجز بعد الوجوب وإن كان الحنث بارتكاب محظور كأن حلف أن لا يشرب الخمر أجزأه التكفير قبل الشرب أيضاً لوجود أحد السببين.
والتكفير لا يتعلق به استباحة ولا تحريم بل المحلوف عليه حرام قبل اليمين وبعدها وقبل التكفير وبعده لا أثر لهما فيه.
جميع ما ذكرنا ظاهر مذهب الشافعي، أما عند أبي حنيفة وأصحابه فلا يجوز التكفير قبل الحنث مطلقاً.
﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ قللوها ولا تكثروا منها، أو احفظوها إذا حلفتم عن الحنث، وعلى هذا تكون الأيمان المختصة بالتي الحنث فيها معصية كمن حلف أن لا يشرب الخمر بخلاف مالو حلف ليشربن فإنه لا يؤمر حينئذ بالحفظ عن الحنث.
وقيل: احفظوها بأن تكفروها أو المراد لا تنسوها تهاوناً بها ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك البيان الشافي ﴿ يبين الله لكم آياته ﴾ أحكامه وأعلام شريعته ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ نعمة البيان وتسهيل المخرج من الحرج.
ثم إنه استثنى من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر - وقد تقدم معناهما وما يتعلق بهما في سورة البقرة، وسلك في سلك التحريم الأنصاب والأزلام وقد ذكرناهما في أول هذه السورة.
واعلم أنه كانت تحدث قبل تحريم الخمر أشياء يكرهها رسول الله منها قصة علي بن أبي طالب وكرم الله وجهه مع عمه حمزة على ما روي في الصحيحين أنه قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر وكان رسول الله أعطاني شارفاً من الخمس، فلما أردت أن أبني بفاطمة بنت رسول الله واعدت رجلاً صوّاغاً من بني قينقاع أن يرتحل معي لأذخر، أردت أن أبيعه من الصوّاغين فأستعين به في وليمة عرسي.
فبينا أنا أجمع لشارفيّ متاعاً من الأقتاب والغرائر والحبال وشارفاي مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، أقبلت فإذا أنا بشارفيّ قد جبت أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر وقلت: من فعل هذا؟
قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب وهو في البيت في شرب مع امرأة من الأنصار غنت أغنية فقالت في غنائها: ألا يا حمز للشرف النواء *** وهن معقلات بالفناء ضع السكين في اللبات منها *** فضرجهن حمزة بالدماء وأطعم من شرائحها كباباً *** ملهوجة على وهج الصلاء فأنت أبا عمارة المرجى *** لكشف الضر عنا والبلاء فوثب الى السيف أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما.
قال علي : فانطلقت حتى دخلت على النبي وعنده زيد بن حارثة فعرف رسول الله الذي أتيت له فقال: ما لك؟
فقلت يا رسول الله ما رأيت كاليوم!
عدا حمزة على ناقتي فاجتب أسنمتهما وبقر خواصرهما وها هوذا في بيت معه شرب.
قال: فدعا رسول الله بردائه ثم انطلق يمشي واتبعت أثره، - أنا وزيد بن حارثة - حتى جاء البيت الذي فيه.
فاستأذن فأذن له فإذا هم شرب، فطفق رسول الله يلوم حمزة فيما فعل فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه، فنظر إلى رسول الله ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه ثم قال: وهل أنتم إلا عبيد أبي؟
فعرف رسول الله أنه ثمل فنكص على عقبيه القهقرى، فخرج وخرجنا فكانت هذه القصة من الأسباب الموجبة لنزول تحريم الخمر.
قالت العلماء: هذه الآية تدل على تحريمها من وجوه منها: تصدير الجملة بـ"إنما" الدالة على الحصر معناه ليست الخمر إلا الرجس وعمل الشيطان.
ومنها أنه قرنها بعبادة الأصنام ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم "شارب الخمر كعابد الوثن" ومنها أنه جعلها رجساً كما قال في موضع آخر ﴿ فاجتنبوا الرجس من الأوثان ﴾ وأصل الرجس العمل القبيح القذر.
قال الفراء: ﴿ ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ﴾ أي العقاب والغضب وكأنه إبدال الرجز والرجس بالفتح الصوت الشديد من الرعد ومن هدير البعير فلهذا سمي العمل القوي الدرجة في القبح رجساً.
ومنها أنه جعلها من عمل الشيطان، ومن المعلوم أنه لا يصدر منه إلا الشر البحت.
ومنها أنه أمر بالاجتناب وظاهر الامر للوجوب.
ومنها انه جعل الاجتناب من الفلاح فيكون القرب منه خيبة.
والضمير في ﴿ فاجتنبوه ﴾ عائد الى الرجس أو العمل أو إلى المضاف المحذوف أي إنما تعاطي الخمر ونحو ذلك.
ومنها شرح أنواع المفاسد المنتجة منها من التعادي والتباغض والصد عن ذكر الله وعن الصلاة خصوصاً وفيه أن غرض الشرب من الاجتماع تأكد الألفة والمودّة.
ثم إنها تورث نقيض المقصود لأن العقل إذا زال استولت الشهوة والغضب ويؤدي الى التنازع واللجاج، وكذا القمار يفضي الى إفناء المال وإلى أن يقامر على حليلته وأهله وولده وكل ذلك يورث العداوة والفتن وهذان من مكايد الشيطان ومضادّان لمصالح الإنسان.
وأيضاً الخمر سبب تهييج اللذة الجسمية، والقمار يورث لذة الغلبة الحالية، وكلتاهما توجب الاشتغال عن اللذات الحقيقية الحاصلة من الاستغراق في طاعة المعبود.
وإنما أفرد ذكر الخمر والميسر ثانياً لأن الخطاب مع المؤمنين فقرنهما أولاً بذكر الأنصاب والأزلام تنبيهاً على أنها جميعاً من أعمال الجاهلية وأهل الشرك، ثم أفردهما لأن الكلام مسوق لتحريمهما على المخاطبين حيث إنهم كانوا لا يتعاطون سوى هذين.
ومنها سوق الكلام بطريق الاستفهام في قوله ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ كأنه قيل: قد تلي عليكم ما هو كاف في باب المنع فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم تزجروا؟
ولهذا قالوا: قد انتهينا يا رب.
إذ فهموا التحريم المؤكد.
ومنها إنه قال عقيب ذلك ﴿ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ﴾ والظاهر أن المراد الطاعة فيما تقدم من الأمر بالاجتناب والحذر عن المخالفة في ذلك الباب.
ومنها تهديد من خالف هذا التكليف بقوله ﴿ فإن توليتم ﴾ الآية.
والمراد إن أعرضتم فالحجة قد قامت عليكم والرسول قد خرج عن عهدة البلاغ وقد أعذر من أنذر وجزاء المخالف الى الله المقتدر.
عن أنس قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلا فضيخ البسر والتمر، فإذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت.
قال: فجزت في سكك المدينة فقال أبو طلحة: اخرج فأرقها.
فقالوا: قتل فلان وفلان وهي في بطونهم فأنزل الله ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ الطعم خلاف الشرب في الأغلب وقد يقع على المشروب كقوله ﴿ ومن لم يطعمه فإنه مني ﴾ فيجوز أن يكون المراد فيما شربوا من الخمر، ويحتمل أن يكون معنى الطعم راجعاً إلى التلذذ بما يؤكل ويشرب جميعاً، فقد تقول العرب: أطعم أي ذق.
ونظير هذه الآية قوله في نسخ القبلة ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ والعامل في ﴿ إذا ما اتقوا ﴾ معنى الكلام المتقدم أي لا يأثمون في ذلك إذا اتقوا المحرمّات لأنهم شربوها حين كانت محللة.
والمراد أن أولئك كانوا على هذه الصفة وهو ثناء عليهم وحمد لأحوالهم في الإيمان والتقوى والإحسان.
وزعم بعض الجهلة أن هذا الحكم متعلق بالمستقبل وإلا قيل: لم يكن أو ما كان جناح مثل ﴿ وما كان الله ليضيع ﴾ والمعنى لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه العداوة والبغضاء وسائر المفاسد المذكورة بل حصل معه أنواع المصالح من الطاعة والتقوى والإحسان إلى الخلق.
والجواب أن صيغة طعموا وهي المضي تأباه، وأيضاً إن سبب نزول الآية يكذبه.
روى أبو بكر الأصم أنه لما نزل تحريم الخمر قال أبو بكر: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وأكلوا القمار، وكيف بالغائبين عنا في البلاد لا يشعرون بتحريم الخمر وهم يطعمونها؟
فنزلت.
وعلى هذا فالحل قد ثبت فيما يستقبل لكن في حق الغائبين الذين لم يبلغهم هذا النص.
ثم أنه شرط في نفي الجناح حصول التقوى والإيمان مرتين، وفي الثالثة التقوى والإحسان.
فقال الأكثرون: الأول فعل الاتقاء، والثاني دوامه والثبات عليه، والثالث اتقاء ظلم العباد مع الإحسان إليهم.
وقيل الأول اتقاء جميع المعاصي قبل نزول الآية، والثاني اتقاء الخمر والميسر وما في هذه الآية، والثالث اتقاء ما يحدث تحريمه بعد هذه الآية وهذا قول الأصم.
وقيل: اتقوا الكفر ثم الكبائر ثم الصغائر.
وقال القفال: الأول الاتقاء من القدح في صحة النسخ ليثبت تحريم الخمر بعد أن كانت مباحة، والثاني الإتيان بالعمل المطابق للآية، والثالث المداومة على التقوى مع الإحسان إلى الخلق.
ثم إنه استثنى بعض الصيد من المحللات فقال على سبيل التوكيد القسمي ﴿ ليبلونكم الله ﴾ أي ليعاملنكم معاملة المختبر ﴿ بشيءٍ ﴾ التنوين للتحقير وفيه أنه ليس من الفتن العظام التي تدحض عندها الأقدام كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال، فامتحن الله أمة محمد بصيد البر كما امتحن أصحاب أيلة بصيد البحر.
قال مقاتل بن حيان: ابتلاهم بالصيد وهم محرمون عام الحديبية حتى إن الوحش والطير يغشاهم في رحالهم فيقدرون على أخذها بالأيدي وصيدها بالرماح وما رأوا مثل ذلك قط، فنهاهم الله عن ذلك ابتلاء.
قال الواحدي: الذي تناله أيديهم من الصيد الفراخ والبيض وصغار الوحش، والذي تناله الرماح الكبار.
و"من" في ﴿ من الصيد ﴾ للبيان أو للتبعيض وهو صيد البر أو صيد الإحرام والمراد به العين لا الحدث بدليل عود الضمير في ﴿ تناله ﴾ إليه ﴿ ليعلم الله ﴾ ليظهر معلومه وهو خوف الخائف أو ليعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم أو ليعلم أولياء الله ومحل ﴿ بالغيب ﴾ النصب على الحال أي يخافه حال كونه غائباً عن رؤيته أو عن حضور الناس ﴿ فمن اعتدى ﴾ فصاد ﴿ بعد ذلك ﴾ الابتلاء ﴿ فله عذاب أليم ﴾ في الآخرة وقيل في الدنيا.
عن ابن عباس: هو أن يضرب بطنه وظهره ضرباً وجيعاً وينزع ثيابه.
﴿ لا تقتلوا الصيد ﴾ قال الشافعي: إنه البري المتوحش المأكول اللحم.
أما الأول فلقوله بعد ذلك ﴿ أحل لكم صيد البحر ﴾ وأما المتوحش فيدخل فيه نحو الظبي وإن صار مستأنساً ويخرج الإنسي وإن صار متوحشاً إبقاء لحكم الأصل، وأما كونه مأكولاً فلقوله ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ فيعلم منه أنه مما يحل أكله في غير الإحرام.
وقال أبو حنيفة: المحرم إذا قتل سبعاً لا يؤكل لحمه ضمن.
وسلم أنه لا يجب الضمان في قتل الذئب وفي قتل الفواسق الخمس فقال الشافعي: لا معنى في قتلها إلا الإيذاء فيلزم جواز قتل جميع المؤذيات لا سيما وقد جاء "خمس يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والحية والعقرب والكلب والعقور" وفي رواية بزيادة السبع العادي واحتج لأبي حنيفة بقول علي : صيد الملوك أرانب وثعالب *** فإذا ركبت فصيدي الأبطال.
وزيف بأن الثعلب عندنا حلال.
﴿ وأنتم حرم ﴾ أي محرمون بالحج والعمرة أيضاً على الأصح.
وقيل: وقد دخلتم الحرم.
وقيل: هما مرادان بالآية وهو قول الشافعي.
وقوله ﴿ لا تقتلوا ﴾ يفيد المنع ابتداء والمنع تسبباً فليس له أن يتعرض للصيد ما دام محرماً أو في الحرم بالسلاح ولا بالجوارح من الكلاب والطيور سواء كان الصيد صيد الحل أو صيد الحرم ﴿ ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل ﴾ من قرأ ﴿ جزاء ﴾ بالتنوين ﴿ ومثل ﴾ بالرفع فالمعنى: فعليه جزاء صفته كذا.
ومن قرأ بالإضافة فمن باب إضافة المصدر إلى المفعول أي فعلية أن يجزىء مثل ما قتل.
قال بعض العلماء: المثل مقحم للتأكيد إذ الواجب عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله فهو قولهم: أنا أحب مثلك أي أحبك.
وقيل: الإضافة بمعنى "من" أي جزاء من مثل ما قتل.
قال سعيد بن جبير: المحرم إذا قتل الصيد خطأ لا يلزمه شيء.
وهو قول داود لأن النهي ورد عن التعمد وهو أن يقتله ذاكراً لإحرامه أو عالماً أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله، فإن قتله وهو ناسٍ لإحرامه أو رمى صيداً وهو يظن أنه ليس بصيد، أو رمى غير الصيد فعدل السهم فأصاب صيداً فهو مخطىء لا شيء عليه لفقدان القيد المذكور.
ويتأكد هذا الرأي بقوله ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ وبقوله ﴿ ومن عاد ﴾ أي الى ما تقدم ذكره وهو القتل العمد، والانتقام أيضاً يناسب العمد لا الخطأ قال جمهور الفقهاء: يلزمه الضمان سواء قتل عمداً أو خطأ قياساً على سائر محظورات الإحرام كحلق الرأس وغيره وكما في ضمان مال المسلم، فإنه لما ثبتت الحرمة لحق المالك لم يختلف ذلك بكونه عمداً أو لا.
وإنما وردت الآية بالتعمد لأن العمد أصل والخطأ ملحق به للتغليظ، ولما روي أنه عنّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فحمل عليه أبو اليسر فطعنه برمحه فقتله فقيل له: إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت الآية على وفق القصة.
وعن الزهري نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ.
قال "في الضبع كبش إذا قتله المحرم" وقالت الصحابة: في الظبي شاة.
أطلقوا الضمان من غير فرق بين العمد والخطأ.
ثم العلماء اختلفوا في المثل فقال الشافعي ومحمد بن الحسن: الصيد ضربان: منه ما له مثل ومنه ما لا مثل له فيضمن بالقيمة.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: المثل الواجب هو القيمة قياساً على ما لا مثل له.
حجة الشافعي قوله ﴿ من النعم ﴾ فإنه بيان للمثل وكذا قوله ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ وعن النبي أنه حكم في الضبع بكبش.
وعن علي وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر أنهم حكموا في أمكنة مختلفة وأزمان متعدّدة في جزاء الصيد بالمثل من النعم.
فحكموا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الظبي بشاة، وفي الأرنب بحمل - وفي رواية بعناق - وفي الضب بسخلة، وفي اليربوع بجفرة، وفي الحمام بشاة، ويعني به كل ما عب وهدر كالقمري والدبسي الفاختة.
والعب شرب الماء مرة، والهدير ترجيعه صوته وتغريده.
وفيه دليل على أنهم نظروا إلى أقرب الأشياء شبهاً بالصيد من النعم، ولو نظروا إلى القيمة لاختلف باختلاف الأسعار.
والظبي الذكر من هذا الجنس والغزال أنثاه، والجفرة من أولاد المعز إذا انفصلت من أمها، والعناق الأنثى من أولاد المعز.
وأيضاً المقصود من الضمان جبر الهلاك فكلما كانت المماثلة أتم كان الجبر أكمل.
(وههنا مسائل) الأولى: جماعة محرومون قتلوا صيداً.
فالشافعي وأحمد وإسحق: لا يجب عليهم إلا جزاء واحد لأن مثل الواحد واحد.
وقال أبو حنيفة ومالك والثوري: على كل منهم جزاء واحد كما لو قتل جماعة واحداً يقتص منهم جميعاً، وكذا لو حلف كل منهم أن لا يقتل صيداً فقتلوا صيداً واحداً لزم كلاً منهم كفارة.
وأجيب بأن قتل الجماعة بالواحد تعبدي وتعدد الكفارة لتعدد الإيمان.
الثانية: قال الشافعي: المحرم إذا دل غيره على صيد فقتله لم يضمن كما لا يجب بالدلالة كفارة القتل ولا الدية، وكما لو دل على مال المسلم وذلك لأن الدلالة ليست بقتل ولا إتلاف.
وقال أبو حنيفة: يضمن لما روي أن عمر عبد الرحمن بن عوف وابن عباس أوجبوا الجزاء على الدال.
الثالثة: قال الشافعي: إذا جرح ظبياً فنقص من قيمته العشر فعليه عشر قيمة الشاة إرشاداً إلى ما هو الأسهل لأنه قد لا يجد شريكاً في ذبح شاة ويتعذر عليه إخراج قسط من الحيوان.
وقال المزني: عليه شاة.
وقال داود: لا ضمان إلا بالقتل لظاهر الآية حيث نيط الجزاء بالقتل فقط.
الرابعة: إذا قتل المحرم صيداً وأدى جزاءه ثم قتل صيداً آخر لزمه جزاء آخر خلافاً لداود، وينقل عن ابن عباس وشريح.
حجة الجمهور أن الحكم يتكرر بتكرر العلة بخلاف ما لو قال لنسائه: من دخل منكن الدار فهي طالق فدخلت واحدة مرتين، فإنه لا يقع إلا طلاق واحد لأن تكرر الحكم بتكرر الشرط غير لازم.
حجة داود ﴿ ومن عاد فينتقم الله منه ﴾ فإنه جعل جزاء العائد الانتقام لا الكفارة.
الخامسة: قال الشافعي: إذا أصاب صيداً أعور أو مكسور اليد أو الرجل فداه بمثله والصحيح أحب، وكذا الكبير لأجل الصغير.
والذكر يفدى بالذكر والأنثى بالذكر والأنثى والأولى أن لا يغير تحقيقاً للمثلية.
فالأنثى أفضل لأنها تلد، والذكر أفضل من حيث إن لحمه أطيب وصورته أحسن.
قوله ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ قال ابن عباس: أي رجلان صالحان فقيهان من أهل دينكم ينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به.
وبهذا احتج من نصر قول أبي حنيفة فقال: التقويم هو المحتاج إلى النظر والاجتهاد، وأما الخلقة والصورة فمشاهد لا يفتقر إلى الاجتهاد.
ورد بأن وجه المشابهة بين النعم والصيد أيضاً يتوقف على الاجتهاد.
عن قبيصة بن جابر أنه ضرب ظبياً في الإحرام فمات فسأل عمر - وكان الى جانبه عبد الرحمن ابن عوف - فقال له: ما ترى؟
قال: عليه شاة.
قال: وأنا أرى ذلك، فاذهب فأهد شاة.
قال قبيصة: فخرجت إلى صاحبي وقلت: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره.
قال: ففاجأني عمر وعلاني بالدرّة وقال: أتقتل في الحرم وتسفه الحكم؟
قال الله ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ فأنا عمر وهذا عبد الرحمن.
قال الشافعي: ما ورد فيه نص فهو متبع كما روي أنه قضى في الضبع بكبش.
وكل ما حكم به عدلان من الصحابة أو التابعين أو من أهل عصر آخر من النعم أنه مثل الصيد المقتول يتبع حكمهم ولا حاجة إلى تحكيم غيرهم لأن بحثهم أوفى ونظرهم أعلى.
وقال مالك: يجب التحكيم فيما حكمت به الصحابة وفيما لم تحكم.
وهل يجوز أن يكون قاتل الصيد حكماً؟
إن كان القتل عمداً عدواناً فلا لأنه يورث الفسق والحكم موصوف بالعدالة، وإن كان خطأ أو كان مضطراً إليه فكذلك عند مالك كما في تقويم المتلفات.
وجوّزه الشافعي لما روي أن بعض الصحابة أوطأ فرسه ظبياً فسأل عمر فقال: احكم فيه.
فقال: أنت خير مني وأعلم يا أمير المؤمنين.
فقال: إنما أمرتك أن تحكم فيه ولم آمرك أن تزكيني.
فقال الرجل: أرى فيه جدياً فقال عمر: فذلك فيه.
وأيضاً فإنه حق الله فيجوز أن يكون من عليه أميناً فيه كما أن رب المال أمين في الزكاة.
ولو حكم عدلان بـأن الله له مثلاً وآخران بأنه لا مثل له فالأخذ بقول الأولين.
ولو حكم عدلان بمثل وآخران بمثل آخر فأصح الوجهين أنه يتخير والآخر أنه يأخذ بالأغلظ.
قيل: في الآية دلالة على أن العمل بالاجتهاد والقياس جائز.
وأجيب بأنه لا نزاع في الصور الجزئية كالاجتهاد في القبلة وكالعمل بشهادة الشاهدين وبتقويم المقوّمين في قيم المتلفات وأروش الجنايات، وكعمل العامي بالفتوى، وكالعمل بالظن في مصالح الدنيا، إنما النزاع في إثبات شرع عام في حق جميع المكلفين باق على وجه الدهر والإنصاف أن تجويز الاجتهاد في القبلة وفي تعيين مثل الصيد المقتول أمر كلي أيضاً.
وانتصب ﴿ هدياً ﴾ على أنه حال من ﴿ جزاء ﴾ عند من وصفه بمثل لأنه حينئذ قريب من المعرفة أو بدل من محل ﴿ مثل ﴾ عند من أضاف، أو حال من الضمير في ﴿ به ﴾ ووصف هدياً ببالغ الكعبة لأن إضافته غير حقيقية تقديره بالغاً الكعبة.
والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة ولا سيما إذا كان مرتفعاً.
ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح في الحرم لأن الذبح والنحر لا يقعان في نفس الكعبة ولا في غاية القرب والتلاصق منها فإن دفع مثل الصيد المقتول إلى الفقراء حياً لم يجز.
قال الشافعي: يجب عليه أن يتصدق به في الحرم أيضاً لأن نفس الذبح إيلام ولا قربة فيه وإنما القربة في التصدّق على فقراء الحرم.
وقال أبو حنيفة: له أن يتصدق به حيث شاء لأنها لما وصلت إلى الكعبة فقد خرج عن العهدة.
قوله ﴿ أو كفارة ﴾ عطف على قوله ﴿ فجزاء ﴾ و ﴿ طعام مساكين ﴾ بيان له.
ومن أضاف فللبيان أيضاً أي كفارة من طعام مساكين مثل: خاتم فضة ﴿ أو عدل ذلك ﴾ الطعام ﴿ صياماً ﴾ نصب على التمييز كقولك: لي مثله رجلاً.
وعدل الشيء ما عادله من غير جنسه، والعدل بالكسر المثل تقول: عندي عدل غلامك إذا كان غلاماً يعدل غلاماً، فإذا أردت قيمته من غير جنسه فتحت العين.
ثم مذهب الشافعي أنه يصوم لكل مد يوماً.
ومذهب أبي حنيفة أنه يصوم لكل نصف صاع يوماً وذلك بحسب الاختلاف في طعام مسكين واحد كما مر في كفارة اليمين.
وبالجملة فحاصل مذهب أبي حنيفة أنه يوجب قيمة الصيد يقوّم حيث صيد، فإن بلغت قيمته ثمن هدي تخير بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد وبين أن يشتري بقيمته طعاماً فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره، وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوماً.
وحاصل مذهب الشافعي أن الصيد قسمان: ما له مثل من النعم وما ليس كذلك.
فالأوّل جزاؤه على التخيير والتعديل فيتخير بين أن يذبح مثله فيتصدق به على مساكين الحرم إما بأن يفرق اللحم أو يملك جملته إياهم مذبوحاً، وبين أن يقوّم المثل بدراهم ولا يجوز أن يتصدق بالدراهم ولكن إن شاء اشترى بها طعاماً وتصدق به على مساكين الحرم وإن شاء صام عن كل مد من الطعام يوماً حيث كان.
والثاني وهو ما ليس بمثلي كالعصافير وغيرها.
وبالجملة كل ما دون الحمام أو فوقه فيه قيمته ولا يتصدق بها بل يجعلها طعاماً، ثم إن شاء تصدق بها وإن شاء صام عن كل مد يوماً، فإن انكسر مد في القسمين صام يوماً لأن الصوم لا يتبعض.
فللجزاء في القسم الأوّل ثلاثة أركان: الحيوان والطعام والصيام.
وفي القسم الثاني ركنان: الطعام والصيام و ﴿ أو ﴾ هنا على التخيير في ظاهر المذهب لا على الترتيب.
ووافق مالك وأبو حنيفة لأن "أو" للتخيير غالباً، وخالف أحمد وزفر فقالا إنها في الآية للترتيب لأن الواجب هنا شرع على سبيل التغليظ بدليل قوله ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ والتخيير ينافي التغليظ.
ثم القائلون بالتخيير اتفقوا على أن الخيار في تعيين هذه الثلاثة إلى قاتل الصيد كما هو ظاهر الآية إلا محمد بن الحسن فإنه قال: الخيار إلى الحكمين قياساً على تعيين المثل.
ثم إن يكن الصيد مثلياً فالعبرة في القيمة بمحل الإتلاف قياساً على كل متلف متقوّم، والمعتبر في الصرف إلى الطعام سعر الطعام بمكة.
وإن كان مثلياً وأراد تقويم مثله من النعم ليرجع إلى الإطعام أو الصيام فالعبرة في قيمته بمكة يومئذ أنها محل الذبح لو كان يذبح.
ولا جزاء عل المحرم بأكل الصيد سواء ذبحه بنفسه أو اصطيد له أو بدلالته لأنه ليس بنام بعد الذبح ولا يؤل إلى النماء فلا يتعلق بإتلافه الجزاء، كما لو أتلف بيضة مذرة هذا في الجديد من قولي الشافعي وفي قوله القديم - وبه قال مالك وأحمد - يلزمه القيمة بعدما أكل.
وإذا ذبح المحرم صيداً لم يحل له الأكل منه ولا لغيره في الجديد - وبه قال مالك وأحمد وأبو حنيفة - لأنه يكون ميتة كذبيحة المجوسي حتى لو كان مملوكاً وجب مع الجزاء القيمة للمالك.
وهل يحل له بعد زوال الإحرام؟
أظهر الوجهين لا، وكذا الكلام في الصيد الحرم إذا ذبح.
أما قوله ﴿ ليذوق ﴾ فإنه متعلق بقوله ﴿ فجزاء ﴾ أي فعليه أن يجازي أو يكفر ليذوق، ويحتمل أن يقال: يتعلق بمحذوف أي شرعنا ما شرعنا ليذوق سوء عاقبة فعله وهو هتك حرمة الحرم والإحرام.
والتركيب يدور على الثقل يقال: مرعى وبيل إذا كان فيه وخامة، وطعام وبيل تقيل على الطبع والمعدة.
والأمور الثلاثة اثنان منها نقص في المال فيثقل على الطبع، والثالث وهو الصوم ثقيل على البدن أيضاً، وكل منها نوع عقوبة ﴿ عفا الله عما سلف ﴾ في الجاهلية لأنهم متعبدون بشرع من قبلهم، أو عما سلف قبل التحريم في الإسلام.
وعلى مذهب داود ﴿ عفا الله عما سلف ﴾ في المرة الأولى بسبب أداء الجزاء ﴿ ومن عاد ﴾ فإنه أعظم من أن يعفى بالجزاء ﴿ فينتقم الله منه ﴾ أي فهو ينتقم الله منه وإلا لم يحتج إلى إدخال فاء الجزاء لارتباطه بنفسه.
﴿ أحل لكم صيد البحر ﴾ أي مصيداته.
ويعني بالبحر جميع هذه المياه والأنهار، وجملة ما يصاد منه ثلاث أجناس: الحيتان وجميع أنواعها حلال، والضفادع وجميع أنواعها حرام، وفيما سوى هذين خلاف.
فقال أبو حنيفة: حرام.
وقال ابن أبي ليلى والأكثرون: حلال.
قوله ﴿ وطعامه ﴾ العطف يقتضي المغايرة وفيه وجوه: يروى عن أبي بكر الصديق أن الصيد ما صيد بالحيلة حال حياته، والطعام ما يوجد مما لفظه البحر أو نضب عنه الماء من غير معالجة في أخذه.
وقال جمع من العلماء: الاصطياد قد يكون للأكل وقد يكون لغيره كاصطياد الصدف لأجل اللؤلؤ واصطياد بعض الحيوانات البحرية لأجل عظامها وأسنانها.
فالمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصطاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه.
وعن سعيد بن جبير أن الصيد هو الطري، والطعام هو القديد منه وفي الفرق ضعف.
قال الشافعي: السمكة الطافية في البحر محللة لأنه طعام البحر وقد قال ﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه ﴾ وقال رسول الله في البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" ﴿ متاعاً لكم ﴾ في الحضر طرياً و ﴿ للسيارة ﴾ في السفر مالحاً.
وانتصب ﴿ متاعاً ﴾ على أنه مفعول له ولكنه مختص بالطعام.
وقال الزجاج: انه مصدر مؤكد لأن قوله ﴿ أحل لكم ﴾ في معنى التمتيع ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ قال العلماء: صيد البحر هو الذي لا يعيش إلا في الماء، أما الذي لا يعيش إلا في البر والذي يمكنه أن يعيش في البر تارة وفي البحر أخرى فذاك كله صيد البر، والسلحفاة والسرطان والضفدع وطير الماء كل ذلك من صيد البر،ويجب على قاتله الجزاء.
واتفق المسلمون على أن المحرم يحرم عليه الصيد الذي صاده أما الذي صاده الحلال فعن علي وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وطاوس والثوري واسحق أن الحكم كذلك لإطلاق الآية، ولما روي عن علي أن النبي أهدي إليه حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله.
وقال مالك والشافعي وأحمد: إن لحم الصيد مباح للمحرم بشرط أن لا يصطاده المحرم ولا يصطاد له لما روى أبو داود في سننه عن جابر أن رسول الله قال: "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" وعن أبي هريرة وعطاء ومجاهد أنهم أجازوا للمحرم ما صاده الحلال وإن صاده لأجله إذا لم يدل ولم يشر، وكذلك ما ذبحه قبل إحرامه وهو مذهب أبي حنيفه وأصحابه لما روي عن أبي قتادة أنه اصطاد حمار وحش وهو حلال في أصحاب محرمين له فقال رسول الله : هل أشرتم؟
هل أعنتم؟
فقالوا: هل بقي من لحمه شيء؟
قالوا معنا رجله.
فأخذها النبي فأكلها.
هذان قولان مفرعان على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.
وقال في الكشاف.
أخذ أبو حنيفة بالمفهوم فكأنه قيل: وحرم عليكم أيها المحرمون ما صدتم في البر، فيخرج عنه مصيد غيرهم.
ويرد عليه أن المفهوم ليس بحجة.
ثم حث على الطاعة والاجتناب عن المعاصي بقوله ﴿ واتقوا الله الذي إليه تحشرون ﴾ وهو كلام جامع للوعد والوعيد.
ثم ذكر سبب حرمة الصيد في الحرم وفي الإحرام فقال ﴿ جعل الله ﴾ أي حكم وبين بالخطاب والتعريف، أو صير بخلق دواعي التعظيم في القلوب ﴿ قياماً للناس ﴾ وهم العرب ووجه المجاز أن أهل بلدة إذا قالوا "الناس فعلوا كذا" أرادوا أهل بلدتهم فنطق القرآن على مجرى عادتهم.
وبيان القيام أن قوام المعيشه إما بكثرة المنافع وقد جعله بحيث يجبي إليه ثمرات كل شيء، وإما بدفع المضار وقد صيره حرماً آمناً، وإما بحصول الجاه والرياسة وتوفر الدواعي والرغبات وذلك بدعاء إبراهيم .
﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ﴾ ثم المنافع الدينية الحاصلة من مناسكها وشعائرها أكثر من أن تحصى وأظهر من أن تخفى.
وانتصب ﴿ البيت الحرام ﴾ على أنه عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح إذ الكعبة أوضح من أن توضح، ويحتمل أن يراد بالناس عامة الناس لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم وأنواع منافعهم الدينية والدنيوية.
وعن عطاء بن أبي رباح: لو تركوه عاماً واحداً لم ينظروا ولم يؤخروا.
وتفسير الشهر الحرام والهدي والقلائد تقدم في أوّل السورة.
وإنما كان الشهر الحرام سبباً لقيام الناس وقوامهم لأنه إذا دخل الشهر الحرام كان يزول خوفهم ويقدرون على الأسفار وتحصيل الأقوات قدر ما يكفيهم طول السنة، فلولا حرمة ذلك لهلكوا من الجوع.
وأيضاً هو سبب لاكتساب الثواب من قبل مناسك الحج وإقامتها.
وأما الهدي فأنه نسك للمهدي وقوام لمعايش الفقراء، وكذا القلائد فكان من قلد الهدي أو قلد نفسه من لحاء شجر الحرم لم يتعرض له أحد، وكل ذلك لأن الله أوقع في قلوبهم تعظيم الكعبة وما يتعلق بها ذلك الذي ذكر من جعل الكعبة قياماً للناس أو من حفظ حرمة الإحرام والحرم مشروع ﴿ لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ﴾ وذلك أنه علم في الأزل أن مقتضى طباع العرب الحرص على القتل والغارة وكان ذلك مما يفضي إلى الفناء وانقطاع النسل، فدبر هذا التدبير المحكم والفعل المتقن كي يصير سبباً للأمان في بعض الأمكنة وفي بعض الأزمان فتستقيم مصالح الإنسان.
ولا ريب أن مثل هذا التقدير والتدبير لا يصح إلا ممن يعلم الكائنات وأسبابها وغاياتها بل يعلم المعلومات بأسرها كلياتها وجزئياتها قديمها وحديثها، عللها ومعلولها، موجودها ومعدومها، وذلك قوله ﴿ وأن الله بكل شيء عليم ﴾ فما أحسن هذا الترتيب!
ثم خوّفهم وأطمعهم بقوله ﴿ اعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ لمن انتهك محارمه ﴿ وأن الله غفور رحيم ﴾ لمن حافظ عليها.
وذكر الوصفين في جانب الرحمة دليل على أن جانب الرحمة أغلب كما قال "سبقت رحمتي غضبي" .
ثم قرر أن الرسول الله ما كان مكلفاً إلا بالتبليغ فإذا بلغ خرج من العهدة وبقي الأمر من جانبكم وأنه يعلم جهركم وسركم، وفيه من الوعيد ما فيه، عن جابر أن النبي قال "إن الله عز وجل حرم عليكم عبادة الأوثان وشرب الخمر والطعن في الأنساب ألا وإن الخمر لعن الله شاربها وعاصرها وساقيها وبائعها وآكل ثمنها.
فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول الله إني كنت رجلاً كانت هذه تجارتي واستفدت من بيع الخمر مالاً فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟
فقال له النبي : إن أنفقته في الحج أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيب" ، وأنزل الله عز وجل تصديقاً لقول رسوله ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ﴾ وهو عام في حرام الأموال وحلالها وفاسد الأعمال وصالحها وسقيم المذاهب وصحيحها ورديء النفوس وجيدها، وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية، وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله وطاعته، والبون بين الصنفين في العالم الروحاني أبعد منه في العالم الجسماني، لأن أثرهما في عالم الأرواح أبقى وأدوم وأجل وأعظم، فلا تستبدل الخيبث يا إنسان بالطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث، لأن كثرته في تحقيق قلة، ولذته في نفس الأمر ذلة، ونقده زيف وصرف العمر في طلبه حيف.
التأويل: ﴿ لا تحرموا ﴾ على أنفسكم بالاستمتاعات النفسانية ﴿ طيبات ما أحل الله لكم ﴾ دون سائر المخلوقات من المواهب الربانية ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ولا تجاوزوا عن حد العبودية ﴿ وكلوا مما رزقكم الله ﴾ واجتهدوا في طلب ما خصكم به الله من تجلى جماله وجلاله ﴿ حلالاً طيباً ﴾ يحل فيكم بريئاً من سمات النقائص.
﴿ باللغو في أيمانكم ﴾ أن تحلفوا بآلائه عن التبرم من ولائه لملالة النفوس وكلالة القوي واستيلاء النفس وغلبة سلطان الهوى في أثناء المجاهدات وإعواز المشاهدات ﴿ ولكن يؤاخذكم ﴾ إذا عزمتم على الهجران وتعرضتم للخذلان ﴿ فكفارته ﴾ حينئذ ﴿ إطعام عشرة مساكين ﴾ الحواس الظاهرة والباطنة.
﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ وهم القلب والسر والروح والخفاء، طعامهم الشوق والمحبة والصدق والإخلاص والتفويض والتسليم والرضا والأنس والهيبة والشهود والكشوف، وأوسطه الذكر والتذكر والفكر والتفكر والشوق والتوكل والتعبد والخوف والرجاء يشغل الحواس العشرة بهذه الأمور، أو يكسوهم لباس التقوى، أو يحرر رقبة النفس من عبودية الحرص والهوى ﴿ فمن لم يجد ﴾ أمسك في اليوم الماضي عما عزم عليه وفي اليوم الحاضر عما لا يعنيه وفي اليوم المستقبل عن العود إليه.
ومن لغو اليمين عند أرباب اليقين أن الطالب الصادق عند غلبات الشوق ووجدان الذوق يقسم عليه بجماله وحلاله أن يرزقه شيئاً من إقباله ووصاله وذلك في شريعة الرضا لغو، وفي مذهب التسليم سهو ولكن يرجى له عفو فلا يؤاخذه بمقاله لعلمه بضعف حاله والكمال في الثبات والاستقامة.
أريـد وصـالـه ويـريـد هجـري *** فـأتـرك مـا أريـد لمـا يـريـد ومن اللغو في اليمين عندهم ما يجري على لسانهم في حال غلبات الوجد من تجديد العهد وتأكيد العقد كقول بعضهم: وحقـك مـا نظــرت إلـى سـواكـا *** بعـين مــودّة حتــى أراكــا فإن هذا ينافي التوحيد وأين في دار ديار كلا بل هو الله الواحد القهار ﴿ ليس على الذين آمنوا ﴾ بالتقليد ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ الأعمال البدنية الشرعية ﴿ جناح فيما طعموا ﴾ من المباحات ﴿ إذا ما اتقوا ﴾ الشبهة والإسراف ﴿ وآمنوا ﴾ بالتحقيق بعد التقليد ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ الأعمال القلبية الحقيقية من تخلية القلب عما سواه ومن تحليته بالأخلاق المضادة لهواه كالصدق والإخلاص والتوكل والتسليم وما عداه ﴿ ثم اتقوا ﴾ شرك الأنانية ﴿ وآمنوا ﴾ بهويته ﴿ ثم اتقوا ﴾ هذا الشرك وهو الفناء في الفناء ﴿ وأحسنوا ﴾ وهو البقاء به فافهم جعل الله البلاء لأهل الولاء كاللهب للذهب فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ إيمان المحسنين الذين تجردوا عن ملاذ وشهواتها الحلال وأحرموا بحج الوصول وعمرة الوصال ﴿ ليبلونكم الله ﴾ في أثناء السلوك بشيء من الصيد وهو المطالب النفسانية والمقاصد الدنيوية الدنية.
﴿ تناله أيديكم ﴾ يعني اللذات البدنية ورماحكم يعني اللذات الخيالية ﴿ فله عذاب ﴾ الردّ والصد ﴿ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ يعني من أحرم لزيارة كعبة الوصال فعليه حسم الأطماع من الحرام والحلال ﴿ متعمداً ﴾ أي عالماً بما في الالتفات إلى غيره من المضار ﴿ مثل ما قتل من النعم ﴾ يجازي نفسه برياضة ومجاهدة يماثل ألمها تلك اللذة ﴿ ذوا عدل ﴾ هما القلب والروح يحكمان على مقدار الإسلام وعلى حسب قوّة السالك بتقليل الطعام والشراب، أو ببذل المال أو بترك الجاه أو بالعزلة وضبط الحواس ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ خالصاً عن الخلق لأجل الحق ﴿ طعام مساكين ﴾ هم العقل والقلب والسر والروح والخفاء كانوا محرومين عن أغذيتهم الروحانية فيطعمهم المعاملات الروحانية من صدق التوجه والصبر على المكاره والفطام عن المألوفات ومن الشكر والرضا وغير ذلك.
﴿ أو عدل ذلك صياماً ﴾ هو الإمساك عن الأغيار والركون إلى الواحد القهار لتذوق النفس الأمارة وبال أمرها، فإن كل هذه الأمور على خلاف طبعها ﴿ ذو انتقام ﴾ ينتقم من أحبائه بنقاب الدلال، ومن أعدائه بحجاب الملام والملال.
﴿ أحل لكم صيد ﴾ بحر المعارف والكشوف تنتفعون بالواردات وتطعمون منها السائرين إلى الله من أهل الإرادات ﴿ صيد البر ﴾ ما سنح للسائرين من مطالب الدنيا ﴿ ما دمتم حرماً ﴾ أي في حال المحو لا في حال الصحو.
﴿ جعل الله الكعبة ﴾ كعبة الظاهر ﴿ قياماً ﴾ للعوام والخواص يستنجحون بها حاجاتهم الدنيوية والأخروية، وكعبة القلب قواماً للخواص ولخواص الخواص يلوذون بها بدوام الذكر ونفي الخواطر حتى يعلموا أن لا موجود إلا هو، ولا وجود إلا له ﴿ البيت الحرام ﴾ حرام أن يسكن في كعبة القلب غيره والشهر الحرام هو أيام الطلب حرام على الطالب فيها مخالطة الخلق وملاحظة ما سوى الحق.
والهدي هو النفس البهيمية تساق إلى كعبة القلب مع قلائد أركان الشريعة فتذبح على عتبة القلب بسكين آداب الطريقة عن شهواتها، فإذا وصل العبد إلى كعبة القلب شاهد بأنواره أن لله ما في السموات وما في الأرض.
﴿ شديد العقاب ﴾ يسدل الحجاب لغير الأحباء غفور رحيم للصادقين في الطلب بفتح الأبواب ﴿ إلا البلاغ ﴾ بالقال يتلو عليهم آياته وبالحال ويزكيهم ﴿ ما تبدون ﴾ بإقرار اللسان ﴿ وما تكتمون ﴾ من تصديق الجنان الخبيث ما يشغلك عن الله والطيب ما يوصلك إلى الله بل الطيب هو الله والخبيث ما سوى الله وفي ذلك كثرة والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
مسألة: اختلف الناس في تأويل أحرف ذكرت في قوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ...
﴾ إلى قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ مما للناس حاجة إلى معرفة حقيقة ما في كل حرف منها: أنه لم يزل يتنازع أهل الفقه في أحكامه، مما يعلم أن حق البيان في الخطاب لا يبلغ ما يقطع موضع التنازع فيه، ولا بحيث يبلغ حقيقته كل سامع، وأن في شرط المحن بالأسباب التي يمتحن بها لزوم الفكر فيها، والبحث عنها، والسؤال عنها الذين خصوا بفهمها بسؤالهم من ولي الإبانة عنها، أو مقابلتهم بما سبق لهم العلم بها في معرفة ذلك بيان ما خفي من معنى الذي قرع سمعه، أو بغير ذلك مما فيه دليل ذلك؛ إذ لا تجوز المحنة بالذي لا يحتمل الوسع الوصول إليه، ولا في جملة ما به امتحن إيضاح ذلك لما يوجب الأمر بفعل ما هو عنه ممنوع، وذلك بعيد، بل يكون البيان السمعي على قدر البيان العقلي أن من المعارف ما يكون بالحواس، ومنها ما بها يوصل إليها: إما بالتعليم، أو بالاستدلال، فمثله حق السمعي، والله أعلم.
من ذلك: قوله - -: ﴿ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ ﴾ أنه - عز وجل - ذكر يميناً لا يؤاخذ فيها في موضعين من غير أن ذكر أنها أي يمين هي؟
ولا بأي شيء لا يؤاخذ فيها والحاجة لازمة؛ إذ لك في موضع الامتنان منه - جل وعلا - في العفو عن أمر كان له المؤاخذة، وحق على السامع معرفة مِنَّة الله ؛ ليشكره عليها.
ثم معلوم أن اليمين لو كانت بالطلاق والعتاق، كان صاحب ذلك يؤاخذ بهما؛ بما روي عن نبي الله : "إِنَّ ثلاثاً جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَّلاقُ، وَالعِتَاقُ، وَالنِّكَاحُ" ، واللاغي لا يعدو أمرين مع ما كانا يلزمان بلا شرط يصير به الموقع حالفا، وأعظم ما في رفع المؤاخذة في اليمين أن يرفع عنه اليمين وهما يجبان دونهما، فيقعان من غير أن كان في الآية ذكر التفضيل، ولكن يجب معرفة حقيقة ذلك بالذي بَيَّنَّا من الخبر والنظر، مع ما لا يعرف في ذلك خلافاً، وهذا يوضح أن العفو فيما كانت الأيمان بالله ؛ فعلى ذلك ما نسق على ما لا يؤاخذ من المؤاخذة، وذلك يمنع من احتج بإيجاب الكفارة على الحالف بالقرب من حيث كان ذلك منه يميناً، والله أوجب في اليمين كفارة، وإنما ذلك في اليمين لا في اليمين بالقرب، ثم كانت اليمين بالقرب لو كانت على مخرج اليمين بالله لم يجب فيها شيء؛ نحو أن يقول: "بالعتق لا أفعل كذا..." أو: "بالصلاة..." أو "بالصيام..."، ولو قال: "بالله..." يجب؛ ثبت أن وجوب ذلك وصيرورته يميناً كان بحق النذور، وقد أمر الله ورسوله في النذور بالوفاء؛ فكذلك اليمين بها، ومما يبين ذلك أنه لو قال: "إن فعل كذا فعليه قتل فلان، أو إتلاف ماله"، أنه لا يلزمه شيء؛ ثبت أن ما لزم - لزم بحق لزوم ذلك في النذور، وحق ذلك الوفاء لا غير، مع ما جاء الخبر بالأمر بالحلف بالله، والنهي عن الحلف بغيره والنذور أبداً تكون بغيره؛ ثبت أن وجوب ذلك بحق النذر؛ فلذلك يجب الوفاء به، والله أعلم.
ثم الأصل في ذلك أن الحلف بغير الله يكون على قسمين: قسم: ألا يجب فيه شيء.
وقسم: أنه لو وجب لوجب المسمى، نحو: الطلاق، والعتاق فيما يجب، فلما كان في الحلف بالقرب في الذمة وهو حلف بغير الله - - يجب به شيء يجب أن يكون الواجب في ذلك ما أوجب، والله أعلم.
ثم اختلف في معنى اللغو: فقال قوم: هو الإثم؛ كقوله - -: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً ﴾ ، وقوله - -: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً ﴾ .
ثم اختلف من قال بهذا على قولين: أحدهما: أنه لا يؤاخذ بالإثم في أيمانكم التي لم تعتقدوها، لكنها جرت على اللسان، وبمثل ذلك روي عن عائشة - ا - أنها قالت: هو قول الرجل: "لا والله ما كان كذا"؛ وبه قال أبو بكر الكيساني في تفسيره، وأيد ذلك قوله: ﴿ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ ؛ دل أن الأول بما يجري على اللسان دون ما يقصده قلبه، والله أعلم.
والثاني: ألا يؤاخذ بترك المحافظة فيما كان في المحافظة مأثم؛ دليله: صلة ذلك قوله - -: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ...
﴾ الآية؛ فكأنهم تحرجوا عن ترك المحافظة فيما سبقت منهم الأيمان قبل النهي بقوله - -: ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ ؛ فنزل قوله: ﴿ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ ﴾ في بعض أيمانكم إذا كان حفظها مأثماً، وذلك نحو ما روي عن رسول الله أنه قال: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيرَهَا خَيراً مِنْهَا، فَلْيَأتِ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ [عَنْ] يَمِينِهِ" وعلى ذلك قوله: ﴿ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ ﴾ .
ولا يحتمل أن يؤخذ بالعقد وهو به معظِّم ربه، ولكن لمحافظة ما عقدتم الأيمان إذا كانت المحافظة إثماً، وفيما لم يكن فهو في قوله: ﴿ وَٱحْفَظُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ ﴾ ، والله أعلم.
وإلى هذا يذهب سعيد بن جبير في تأويل الآية.
وقال قائلون: إنه هو الشيء الذي لا حقيقة له نحو اللعب، وعلى ذلك ﴿ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ أنهم لم يقصدوا تحقيق أمر يظهرونه، ولكن قصدوا التلبيس بما ينطق به ما كان؛ وكذا قيل: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً ﴾ باطلا، بل كل ما يسمع فيها هو حق وحكمة.
ثم رجع تأويله إلى وجهين: أحدهما: فيما يجري على اللسان من غير عقد القلب على ما مرَّ به تفسيره.
والثاني: أن يكون الحلف بما لا حقيقة له على ظن أن حقيقة ما حلف عليه الحالف كما حلف؛ وكذلك روي عن ابن عباس والحسن - ما - في تأويل الآية.
ثم لو كانت الآية على التأويل الأول لكانت في رفع المأثم خاصة، وهو التأويل الذي ذكره سعيد بن جبير، .
وأما الكفارة: فهي لازمة على ما ذكر في الخبر المرفوع في ذلك، وبما هي واجبة للحنث في اليمين ولترك الوفاء بالعهد، والمعنى في الأمرين موجود؛ لذلك لزمت الكفارة في الوجهين جميعاً، مع ما لا بد من الإلزام فيما أخطأ أو تعمد من حيث لم يكن استثناء حالا منهما صاحبه، وذلك يبين أن ذلك للحلف في عقد اليمين، أو لما يخرج الفعل مخرج الاستحقاق إذا قوبل فعله بعقد، وإن كان المسلم قد عصم عن ذلك الوجه، فأمر بتكفير ذلك، وذلك المعنى موجود في الوجهين؛ لذلك لزمت الكفارة في الأمرين، والله أعلم.
ولو كانت على التأويل الثاني أو على أحد وجهي التأويل، لأمكن ألا يؤاخذ بالمأثم ولا بالكفارة جميعاً، والذي يبين أن هذا التأويل أنه ذكر المؤاخذة في الآيتين.
فأحدهما: بكسب القلوب وكسبها تعمدها، والمؤاخذة به تكون بالمأثم لا بالحقوق والكفارات، ؛ إذ لا يؤاخذ في شيء بكسب القلب خاصة كفارة أو حقّاً يوجب، وإن كان قد يؤخذ لذلك عند أفعال الجوارح، فأما له خاصة فلا، وقد يكون به الطاعة والمعصية؛ وعلى ذلك قوله: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ .
وإذا ثبت أن ذلك في المآثم فلا يؤاخذ، ثم لا مأثم فيما ذكر من عقد اليمين في العقد؛ إذ هو يخرج مخرج التعظيم لله، وقد رويت عقود الأيمان عن الرسل؛ فثبت أن المؤاخذة فيها بالكفارة؛ فلا يؤاخذ بها في اللغو أيضاً، وأيَّد ذلك أن الله ذكر ما لا يؤاخذ مرتين، وذكر المؤاخذة كذلك، فلو كانت المؤاخذة بواحد لكان الذكر الواحد كافياً؛ فثبت أنه بأمرين مختلفين؛ فعلى ذلك أمر العفو، والله أعلم.
مع ما أنه قد تبين في آية المعاقدة كيفية المؤاخذة ولم يبين في كسب القلب؛ فيجب أن يكون العفو عما جرى به بيان المؤاخذة أحق منه مما لم يَجْرِ به؛ فثبت أنه في رفع المؤاخذة بالكفارة، ولو كان على ما يقوله سعيد لكانت تجب الكفارة بما سلف بيانه؛ لذلك قلنا: [إن هذا] أحق بالآية، والله أعلم.
ثم إذا ثبت أن اللغو مما لا يجب فيه الكفارة، يحتمل أن يكون لم يجب من حيث لم يعص الله به، ويحتمل أن يكون لم يجب؛ لأن يمينه كانت على ما كان الحنث به معه أو قبله؛ فيمنع صحة اليمين وإن أطلق لها الاسم؛ إذ كانت الأسماء مطلقة لما فسد من العقود وصحت، وإنما تختلف لها الأحكام والمقاصد منها، فإن كان لما لم يعص الله فيجب أن يكون في كل حنث يؤمر به لا يجب به الكفارة، فإذا جرت السنة بإيجابها على الأمر بالحنث، وقد يجب - أيضاً - فيما كان فعل الحنث على حال خطأ أو نوم أو جنون، أو فعل غير الحالف فيم الحنث به على تعمد أن يأثم بغيره؛ إذ قال الله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾ - ثبت أنها تجب لا لأنه لم يعص الله، ولكن للوجه الذي ذكرت، والله أعلم.
ثم كان ذلك المعنى قائماً في اليمين الذي تعمد عليه الكذب، وهو ما قيل: اليمين الغموس يجب ألا يلزمه كفارة اليمين، إنما يلزمه كفارة فعل الجرأة والمخالفة لله، والله أعلم.
وأيد هذا الأصل وجهان: أحدهما: استواء الأمرين في اليمين المعقودة على الحانث فيما عصى من الحنث فيها أو أطاع أن يستويا في اليمين على الماضي في الوجهين جميعاً، فإذا لم تجب الكفارة في أحد الوجهين لم تجب في الآخر، والله أعلم.
والثاني: ما روي عن نبي الرحمة في شأن اللعان بعد الفراغ منه: "إِنَّ أَحَدَكُمَا لَكَاذِبٌ، هَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟" ومعلوم أن حاجتهما لو كانت تجب فيه الكفارة إلى البيان عنها أكثر من حاجتهما إلى بيان كذب أحدهما ثم لزوم التوبة؛ إذ ذلك يعرفه كل سفيه وحكيم بلا سمع، والكفارة لا تعرف إلا بالسمع، ثبت أنها غير واجبة؛ وكذا الأخبار التي رويت في الخصمين: أنه قضى لأحدهما حتى ذكر فيه الوعيد الشديد، ثم أمرهما بالتساهم بينهما وأن يحلل كل واحد منهما الآخر، فلا يحتمل أن يكون فيه كفارة ولا يمين؛ وكذلك علم في الموضع الذي أمر بالحنث؛ إذ قد يشتبه على بعض من ليس له روية، وقد قال إسحاق: أجمع المسلمون على ألا يجب فيه الكفارة، فقول من يوجبها ابتداء شرع، ونصب حكم لله على الخلق، وهو لم يشرك في حكمه أحدا.
ثم الأصل في ذلك أن الأسباب التي ترفع العقود وتوجب الحرمات إذا تأخرت العقود وأسباب الحل فهي على اختلافها متفقة على منع ابتدائها إذا قارنتها؛ فعلى ذلك أمر سبب الحنث؛ فلذلك بطلت اليمين والكفارة، وهي كفارة اليمين فلا يجب فيما لا يمين يجب فيها، وليس ذلك كالقول بمس السماء ونحو ذلك؛ لأن اليمين في هذا على ما يكون، فسبب الحنث لم يقترن بها فصحت؛ لذلك اختلف الأمران، وهذه المسألة توضح حال رجلين: الشافعي في قوله: إن الكفارة تجب للحنث وهاهنا لا حنث؛ لما لم يصح العقد؛ ليحنث فيه، ويكون الحنث - أيضاً - بعد العقد، ولم يكن مع ما كان النص بالكفارة في اليمين المعقودة التي أمر فيها بالحفظ، ومحال الأمر بالحفظ في هذه اليمين، وإنما يجب الحفظ عنها أن يحلف به، والله أعلم.
وحال أبي عبيد حيث يوجب الكفارة بعقد اليمين، وعنده اليمين الغموس يمين لا يجب فيها الكفارة، فهذا يوضح أن الكفارة تجب للذي يرد في اليمين لا لنفسها، والله أعلم.
ثم احتج قوم بوجوب الكفارة بعقد اليمين بقوله: ﴿ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ ﴾ ثم قال: ﴿ فَكَفَّارَتُهُ ﴾ - أي: عندهم - كفارة ما عقد من الأيمان بما فيها الإضافة، ولم يسبق غير ذلك العقد يضاف إليه؛ وكقوله: ﴿ ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ ﴾ أضيف إلى اليمين؛ وعلى ذلك تسمية المؤمنين كفارة اليمين مع ما فيه وجهان من المعتبر: أحدهما: ما روي عن رسول الله لما رأى بحمزة الطعنة أقسم لَيُمَثِّلَنَّ بكذا من قريش؛ فنزل النهي عن الوفاء بذلك؛ فكفر عن يمينه.
ومعلوم أنه لا يحنث في يمينه إلا في الوقت الذي لا يحتمل برّ مسألة في حياته ثبت أنها كانت لليمين؛ وكذا ما جاء: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ..." إلى أن قال: "وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ" إنما أمر بتكفير يمينه، والله أعلم.
والثاني: ذكر أبو عبيد أن الله إذ نهى عن الوعد إلا بالثنيا بقوله: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ ، فذلك النهي في اليمين أوكد وأشد، فمن حلف بلا ثنيا عصى الله؛ فيلزمه الكفارة.
والأصل عندنا: أن الكفارة تجب للحنث في اليمين؛ إذ هي كفارة، والكفارات إنما تكون للسيئات؛ كقوله - -: ﴿ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ وغير ذلك من الآيات.
ومن البعيد في العقل طلب تكفير الحسنات، بل الحسنات تكفر السيئات، والحنث في التحقيق اسم المأثم.
ثم معنى الذنب فيه؛ لأنه كان عاهد الله ألاَّ يفعل كذا، ففعله يخرج مخرج نقض العهد فيه؛ فيأثم لا بالعهد؛ ولذلك قال الله - -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ .
وفي الجملة أمر الله أن يوفوا بعهده لا أن ينقضوا، وقد جعلت اليمين عهده وأمرنا بوفائه، فنقضه يوجب الخلف في وعده والنقض لعهده؛ فيأثم الحالف لا بالحلف؛ فلذا تجب الكفارة، ولو كان لليمين كفارة لكان الحنث أحق أن يوجب الكفارة.
ثم لا يجوز أن يكون من حلف أن يطيع الله يكون به عاصياً؛ ثبت أن الكفارة لو كانت تجب بيمين على المعصية لتصير تلك معصية فيجب ثم حق كفارة مثلها الحنث فيها.
وعلى ذلك روى أبو هريرة - -: أنّ "مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ فَرَأَى غَيْرَهُ خَيْراً مِنْهَا، فَإِنَّمَا كَفَّارَتُهُ أَنْ يَأْتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" ؛ فكذلك تكون كفارة اليمين لو احتملت [أن يرجع عن الوفاء بها.
وأما كفارة ما لا وجه لدفعه: تكون بالتوبة والحسنة تكفر، لا بالرجوع؛ وعلى] ذلك جميع أنواع الكفارات أن ما احتمل دفع الحقيقة والرجوع عنه جعلت كفارته بالتوبة عنه، ونقض ما قد فعل، وما لا يحتمل فلا فيعتبر ذلك، فلو كان لليمين كفارة لكانت توبة وفسخاً لا غير، فإذا أوجب الله غير الرجوع ثبت أن ذلك للحنث، والله أعلم.
ثم الدليل على أنه لا يحتمل إيجاب الكفارة بعقد اليمين أوجه: أحدها: أن العقد يخرج مخرج التعظيم لله والتبجيل، وجعله مفرعا إليه ومأمنا للخلق عنه؛ فلذلك جعلت الأيمان لدفع التهم وتحقيق الأمر للخلق عن الحالفين، وأيد ذلك أوجه: أحدها: ما روي عن نبي الله أنه قال: "إِذَا حَلَفْتُمْ فَاحْلِفُوا بِالله" ، وقال: "لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلاَ بِالطَّواغِيتِ" فحذر الحلف بغيره بما فيه تعظيم ذلك ورفعه عن قدره، وألزم ألا يجعلوا لأحد ذلك القدر إلا لله .
والثاني: قوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ ، ولا يجوز أن ينهى عن الرجوع عن المعصية ويأمره بالوفاء بها.
والثالث: الأمر الظاهر عن نبي الرحمة لحلفه وقسمه في غير موضع، وما ذكر في قصة يعقوب وأولاده، وأمر إبراهيم - - في شأن الأصنام، وأمر أيوب - - لم يجز أن يكونوا عصاة بفعلهم، وذلك ينبىء عن جرأة من زعم أن الحالف عاص بما ترك الثنيا، ومن ذكرنا من الأنبياء - عليهم السلام - قد تركوا الثنيا، وليس ذلك كالوعد؛ لأنه إلى نفسه يضيف الفعل وهو يفعله، تحت مشيئة الله - - وفي اليمين بالله يستغيث وإليه يرجع، فلذلك اختلف الأمران، والله أعلم.
والدليل على أنها لم تجب باليمين قول رسول الله : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَلْيَأْتِ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيَكَفِّرْ يَمِينَهُ" ، أو قال: "فَلْيَكَفِّرْ يمِينَهُ، وَلْيَأتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" ولو كانت الكفارة واجبة باليمين، لكان لا وجه للأمر بالذي يأتي وهي واجبة، ويقول: من حلف على يمين فليكفر يمينه، فإذا لم يقل، ولكن قال فيما كان ثم حنث؛ ثبت أنها له تجب، والله أعلم.
ووجه آخر: اتفاق القول: إنه إذا كان مع اليمين بِرٌّ فلا كفارة عليه، وإذا كان معها حنث تجب، فلو كانت تجب لليمين لكانت هي عند الوفاء أوجب، فالكفارة فيه تكون أوجب، فإذا لم تكن عليه إذا بر ثبت أنها بالحنث وجبت، والله أعلم.
وأيضاً ما أجمع أن من حلف ألا يقرب امرأته بشيء، لا يلزمه لو حنث به لم يلزم فيه حكم الإيلاء، فلو كانت الكفارة تجب باليمين، لكان الحالف به عند الفراغ عن يمينه صار بحيث لا يلزمه من بعد شيء؛ فيجب أن يسقط حق الإيلاء، فإذا بقى عليه حكمه جاء بذلك الكتاب وجرت به السنة؛ ثبت أن القول بوجوبها قول مهجور، والله أعلم.
ثم إذا ثبت هذا رجع تأويل الآية إلى وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم ﴾ بمحافظة ما عقدتم من الأيمان؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ ، فإن تركتم ذلك فكفارته كذا.
والثاني: أن يكون على إضمار حيث يؤاخذكم بحنثكم فيما عقدتم، وذلك غير مدفوع في حق الكفارات؛ كقوله - -: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ...
﴾ الآية [البقرة: 196]، وقوله - -: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ ﴾ الآية [البقرة: 196]، لا على الوجوب للعذر، ولكن باستعمال الرخصة فيه؛ إذ لا يكون العذر سبب الإيجاب، فمثله في الأول لا يكون تعظيم الرب سبب إيجاب الكفارة؛ فيصير الحنث فيه مضمراً، والله أعلم.
والإضافة إلى الأيمان على إرادة الحنث فيها؛ كإضافة كفارة الفطر إلى الصيام، والدم إلى الحج، والسجود إلى السهو، وإن كانت الكفارات ليست لما أضيفت إليه؛ أيد ذلك ما ذكرت، والله أعلم.
وتكفير رسول الله [يمينه]؛ لأنه قد عصم عن المعصية، وفي الوفاء بذلك معصية؛ إذ نهي عنه، ويمينه كانت قبل النهي، فصار آيساً عن البر بذلك، وبذلك يكون الحنث لا بعدم إمكان الوفاء، لكن غيره؛ إذ لا يؤمن منه العصيان، فذلك وقت إياسه عنه، ورسول الله إذ قد عصم عن ذلك فوقت إياسه وقت النهي، ولا قوة إلا بالله.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ﴾ : في متعارف اللغة على التقريب؛ ليأكلوا، لا على التمليك؛ وكذلك الأمر المتعارف بين الخلق فيما ينسب بعضهم إلى بعض الإطعام، وأيد ذلك قوله: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ ، ولا يعرف التمليك في إطعام الأهل، ولا خطر ببال أحد ذلك، وقد عرفهم الله - - ما فرض عليهم بالذي كان علمه عند كل أحد معلوماً؛ إذ قَلَّ إنسان يخلو من أن يكون أهلا لأحد، أو له أهل؛ فلا يحتمل أن يُظَنَّ بأحد الجهل به حتى يسأل؛ فيكون ذلك إلزام الفرض مع رفع وهم الجهل به عن العقل، ثم لا نعرف بها، والله أعلم.
والذي يوضح هذا من طريق العبرة أنه ذكر في ذلك إطعام عشرة مساكين، والمسكنة: هي الحاجة، وحاجة المسكين إلى الطعام معلوم أنها تكون إلى أكله دون ملكه، وجهات حاجات الأملاك مما يعم المساكين وغيرهم، مع ما قَدَّر ذلك بالكفاية والشبع؛ وحق ذلك في التقريب للتطعم لا في التمليك عليه، ولكن يجوز التمليك بما به التمكين لذلك؛ فيجب بذلك الجواز بكل ما فيه تمكين ذلك بهما أو ما كان، إذ جواز التمليك بحق التمكين لا بحق النظر، مع ما كان في تمليك الثمن الوصول إلى ما يختار هو على الوجه الذي يختار الاغتذاء، فإن ذلك أقرب إلى قضاء حاجته، ولو كان الأمر على تمليك المأكول خاصة، لكان الدعاء والتقريب إليهم للملك أحق أن يجوز لوجهين: أحدهما: أنه أقرب إلى دفع الجوع وسد المسكنة من تمليك بر لا يصل إليه إلا بعد تحمل المؤنة وطول المدة.
والثاني: أن الكفارة جعلت بما ينفر عنه الطبع؛ ليذيقه ألم الإخراج من الملك والبذل، فيكفر ما أعطى نفسه من الشهوة التي لم يؤذن له فيها؛ وكذلك معنى الحسنات المكفرة للسيئات، ثم كان دعاء المساكين وجمعهم على الطعام، وخدمتهم والقيام بما فيه الاختيار إليهم - أشد على الطبع من التصدق عليهم؛ فيجيء أن يكون أقرب للتكفير به؛ وعلى ذلك يجوز بذل الثمن لما فيه تحمل المكروه على الطبع كهو في الإطعام، فيجوز مع ما إذا جعل ذلك حقّاً للمساكين يخرج من عليه بالتسليم إليهم عن طوع منهم، ويجوز مثله من التبادل في جميع الحقوق، فمثله عن الكفارات، والله أعلم.
على أن الله - - قال: ﴿ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ ﴾ ويجوز فيه غير ذلك النوع؛ وكذلك في كل الصدقات، والله أعلم.
ثم جعل ذلك أكلتين لوجهين: أحدهما: القول بإطعام المساكين، ثم أريد به دفع المسكنة، والمسكين: هو الخاضع؛ فأحق من يستحق اسمه السائل؛ لأنه يخضع للمسئول بالسؤال.
وقد روي عن نبي الله أنه قال في يوم الفطر: "أغْنُوهُم عَنِ المَسْأَلَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ" ، ثم كان أقل ما أجيز فيه نصف صاع من حنطة؛ فعلى ذلك صدقة المسكين، ومثل ذلك إذا أطعم يكفي مرتين؛ وكذلك روي عن رسول الله في كفارة المتأذي ثلاثة آصع بين ستة مساكين، فمثل مقدار طعام المسكين فيما أريد الإطعام القدر ذلك، فمثله ما نحن فيه، وذلك يعدل أكلتين، وبه قال عمر وعلي - ما -.
والثاني: أنه - عز وجل - قال: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ والأوسط: فيما له حدود ثلاثة، يرجع ذلك إلى أوجه ثلاثة: أحدها: إلى الأوسط من صفات المأكول.
والثاني: إلى الأوسط من مقدار الأكل.
والثالث: إلى الوسط من أحوال الأكل.
فالأول: نحو الأجود والأردأ وبين ذلك.
والثاني: نحو السرف والقتر وبين ذلك.
والثالث: نحو مرة وثلاث مرات في يوم واحد وبين ذلك.
فإذا لم يثبت في خبر ما إليه رجع المراد، فحق الاحتياطات أن يكون الوسط من الكل؛ فيخرج بما فرض عليه؛ فلذلك وجبت أكلتان مع ما كان لا يعرف حقيقة الأوسط من الأنواع والمقادير لما لا منتهى لطرفيه، وقد يعرف حقيقة عدد الأكثر والأقل من الوقت فهو أحق أن يعتبر، والله أعلم.
ثم كان الأمر في الظاهر بالإطعام، وأجمع على رجوع الأمر إلى الحد، وإن لم يذكر، فهو - والله أعلم - يحتمل أن يكون انتزع حده من حكم الكتاب من وجهين: أحدهما: أن الآية إذا كانت على ما يؤكل ويطعم، كان فيما عليه العرف ألا أحد يقرب إلى آخر ما يطعمه، فيقتصر على أقل ما يستحق اسمه، وقد يتصدق بالقليل في العرف؛ فلذلك في الأمر به تحديد إذا كان مما يعرف فيه التحديد؛ ولذلك لم يذكر فيه التفسير مرفوعاً، وذكر في قصة المتأذي لما ليس في لفظها دلالة الحد، وفي لفظ الإطعام دلالته؛ إذ فيه عُرْفٌ، وعلى هذا أمر ما جاء من البيان في الصدقات، ولم يذكر في الإطعام إلا لمكان النوازل؛ وعلى هذا يجب أن يجوز الإطعام أيضاً، وإن لم يكن فيه تمليك، والله أعلم.
والثاني: قوله - -: ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ ومعلوم أن كل شيء له واسط، فهو ذو حدود وأطراف، على أنه رُدَّ إلى طعام الأهل، وفيه الإشباع لا محالة؛ لذلك وجب القول بالحد، والله أعلم.
وإذا ثبت القدر فيه بحق الخطاب يجب وصل ذلك به؛ ليعرف [به] حقيقة المقصود، والله أعلم.
فصار كأنه قال: إطعام عشرة مساكين؛ إذ طعام عشرة في العرف عبارة عن قدر طعامهم، وإطعام عشرة عبارة عن فعل الإطعام، وقد ثبت أنهما ارتدا جميعاً فكأنهما ذكرا موصولين، ولو توهمنا ذلك لم يكن بحق حفظ العدد، بل بحق حفظ مقدار ذلك العدد من الصيام كان مدفوعاً إلى الواحد أو أكثر، والله أعلم؛ لذلك أجاز أصحابنا جمع الكل في مسكين واحد عشرة أيام، ولم يجيزوا في يوم واحد؛ إذ حق الأمر على أن يغدي ويعشي، وإن كان يجوز الدفع لما فيه حق الإطعام، فصير طعام كمال ذلك، وهو قدر طعام مسكين؛ فيزول عنه المسكنة، لكن الإطعام فيه لا يجوز، أو إذا صح كان حق ما ذكرت الجواز، ففساده لمعنى اعترض فمنع، لا لأنه خارج عن أن يراد له على ذلك، وذلك كخروج بعض المساكين لعلل عن الدفع إليهم، لا لأنه لو أجيز كان كالخلاف للذكر، فمثله الأول، والله أعلم.
ودليل آخر مما له جرى ذكر عشرة لا لأن يجعل العشرة شرطاً: أنه معلوم بالمعنى الذي له جعل الدفع إليهم أو الإطعام لهم سبباً للجواز: أن ذلك ثبت بحيث تحمل المكروه على الطبع، وكف الهوى عن مثلها، وإذاقة النفس مرارة الدفع لله - جل ثناؤه - يكفر ما أتبعها هواها، وأوصلها إلى مناها فيما خالف الله في فعله حيث لم يف بالعهد الذي عهد لله، أو ألزم نفسه عهداً من منع عن الوفاء، فيخرج فعله مخرج [فعل] ناقض العهد، ومخلف الوعد بالله، وذلك المعنى في البذل لا في مراعاة العدد، ولا في أنه كان حقّاً لهم قبل الدفع، بل باختيار الدفع إليهم يجعلهم محقين فيه بما له إيثار غيرهم، والخروج عن ذلك بالعتق والصيام الذي لا يعود إليهم نفعه، ولكن الكفارة إذا جعلت مما يغدي ويعشي، ونحو ذلك إذا أريد الخروج به منه بمسكين واحد يحتاج إلى تجديد الأيام ومرور الأوقات، وفي ذلك خوف بقاء الذنوب عليه، ولعله يعجله الموت فيبقى ذنبه غير مكفر، فجعل الله له التفريق في المساكين؛ تيسيراً عليه وتمكيناً من الخروج الذي ركبه، لا لفوت معنى ما له التكفير، فلذلك يجوز على ما ذكرت، وهذا الوجه يوجب منع الجواز في يوم واحد، والله أعلم.
وبعد: فإنه متى أطعم مسكيناً بقى عليه خطاب إطعام تسعة، وذلك لو ابتدأ الخطاب بتسعة مما يتضمنه الخطاب، فكذلك إذا كان بعد إسقاط الواحد من الخطاب، والله أعلم.
ثم لو كان العدد شرطاً لكان بوجود معنى العدد في الواحد إسقاطه؛ إذ ذلك في موضع التكفير والتطهير، وكل ذلك يتعلق بالمعاني مما ذكر فيها من الأعداد نحو الغسل من الأحداث - كالجنابة - والأنجاس، فمثله الكفارة.
وبعد: فإنه معلوم أن لكل مسكين قدراً من الطعام، ثم كان المقدار الواحد بتفرق الأملاك عليه يستوجب حق قدر العشر، فعلى ذلك المسكين الواحد بما يتفرق عليه المسكنة كل يوم، ويجدد الحاجة؛ فيصير كعدد المساكين، وذلك - أيضاً - شبيه بما روي من "الاستنجاء بثلاثة أحجار" على استحقاق كل حرف من ذلك حق حجر على حدة من حيث كان غير مستنجى به، فكذا ما نحن فيه؛ إذ له كل يوم حق مسكين آخر من حيث حدثت له حاجة لم تدفع بالإطعام الأول، والله أعلم.
وليس كالأعداد في الشهادة؛ لما جعل العدد فيها بما يلحق الواحد تهمة، أو له به منفعة التصديق، أو نوع عبادة في موضع الحكم والقضاء وتسليم الأمر لغيره من الحجج.
وفي هذا معنى التكفير قد بينا، وذلك كمعنى التطهير في الذي وصفنا، على أن الشهادة في اليوم الثاني إعادة للأولى، والإطعام هو تجديد الدفع، والواحد قد يقوم في الشهادة مقام مائة إذا كان لِكُلٍّ حَقُّ التجديد، والله أعلم.
ثم قوله - -: ﴿ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ﴾ من غير ذكر القريب والبعيد، أو المؤمن والكافر، أو الصغير والكبير، أو قدر المسكنة، أو العلم الذي به يعرف، ومعلوم أن لكل جهة مما بينا حدّاً بالناس إلى معرفته حاجة، وللناس في كل جهة تنازع، والاجتهاد في الوقوف على الحقيقة على الاتفاق، على أنه لم يحصل الأمر على الاسم خاصة، وأن الذي هو في حد الفقير فيما ذكر فيه المساكين، والفقير قائم مقام المسكين هاهنا في الجواز؛ ليعلم أن المعنى فيهم مقصود يجب طلبه والبحث عنه؛ والله أعلم.
ثم أجمع أن الصغير الذي يكفيه قدر اللقمة - لقمة الكبير - لم يقم في حق الإطعام إلا من حيث التمليك؛ إذ أجمع على أقل المقدار أنه مد، والمدُّ يكفي عشرة مثله؛ ثبت أنه لا إلى مثله رجع الخطاب، وأيد ذلك قوله ﴿ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ أن مثله لا يبلغ أقل ما يطعم الأهل، على أنه لو أريد بالأهل: الزوجة، لكان مثلها لا يطعمها الزوج، فثبت أن المراد راجع إلى الخصوص، والله أعلم.
والأصل في ذلك ما بينا من تألم الطبع بدفع مثله، وابن يوم يميل الطبع إلى إرضاع مثله، بل لا يحتمل إمهاله.
وبعد: فإن مثله لا يطعم؛ فثبت أن الأمر راجع إلى حَدٍّ، والله أعلم.
وعلى ما ذكرنا قالوا في الوالدين والولد إنه لا يجوز؛ لأن الطبع يألم بمسكنة هؤلاء، لا بما به دفع المسكنة عنهم، بل جعل الله - - الطبائع بين هؤلاء بحيث لا تحتمل نزول البلاء والشدة بهم، وبحيث يجتهد كل بدفع الضرر عنهم على مثل الدفع عن نفسه، وبذل المال لصون عرضهم؛ حتى لقد يشتم من لم يتعاهد منهم ذلك، ويلام أعظم اللوم، وإذا كان كذلك لم يتضمنهم هذا الأمر؛ إذ هم بهذا يقومون بذلك بحق الطبيعة، لا بأمر، وقد بينا وجه الكفارة أنه في مخالفة الطبع، والله أعلم.
وعلى ذلك ما روي "عن الذي أمر بتفريق زكاته فأعطى ابنه؛ فاختصما إلى رسول الله ، فقال: يَا فُلاَنُ، لَكَ مَا نَوَيْتَ، وقال للآخر: لَكَ مَا أَخَذْتَ" ولو كان يجوز اختيار مثله لكان ذلك أحب ما صار إليه وآثر.
ثم قد روي عن رسول الله - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: "أَنْتَ وَمَالُكَ لأِبِيكَ" ؛ فلا يحتمل مع هذا الجواز بالاختيار، ويصير ما يدفع إلى ابنه كأنه له، وما يدفع إلى أبيه كأنه لنفسه دفع؛ فلذلك لم يجز.
والأصل في هذا وفي الزكاة أنها حقوق جعلها الله - - في الأموال لوجهين: أحدهما: بما ابتدأ الله عبيده بالنعم، وخصهم بإعطاء ما اشتهت أنفسهم، ومالت إليه طباعهم؛ فاستأداهم شكر ذلك بالذي جعل في طباعهم النفار عنه، وفي أنفسهم الألم به من الإخراج عن الملك، ومعونة من لم يكرمهم به، ولا أنعم عليهم به.
والثاني: أن يكونوا اقترفوا مأثماً بما أعطوا أنفسهم مناها، وأوصلوا طباعهم إلى هواها بغير الوجه الذي أذن له في ذلك من هو له في الحقيقة، وهو الذي اختصهم، [فعرض عليهم] الخروج بما فعلوا من الوجه الذي في الطبع النفار عنه، وفي النفس الألم به؛ ليذيقوا أنفسهم بدل ما أعطوها من اللذة المرارةَ، فمن هو من المتصدق بالمحل الذي يجد به هذا، فهو مقابل ما له أكرم وبه اقترف، ومن لا يجد به هذا فليس بمقابل ذلك، فلم يف بحق الشكر ولا بحق التكفير، فلم يخرج مما عليه من الفرض، وإن كان الله بكرمه وجوده بحيث يرجى منه العفو وعنه والقبول منه، والله أعلم.
وعلى ذلك عندنا أمر الزوجين؛ إذ يوجد بينهما في البذل شهوة وميل الطبيعة، ويكون التناكح بمثله على ما ذكر من النكاح لأربعة أوجه: أحدها: لمالها، وما كذلك الموجود في الطباع، والله أعلم.
وعلى هذا المعنى يخرج أمر الشهادة؛ إذ هي مؤسَّسة على دفع التهم عن المدعين، فإذا رجعت منافعهم إلى حججهم تمكنت فيهم ذلك فلم يقبل.
وجملة ذلك: أن الشهادة ودفع الزكاة والكفارات بحق الأمانات، وهي بحيث لا يسع للأمناء الانتفاع بها، فكل وجه فيه انتفاع المؤتمن فإنما له الانتفاع به بلا تمانع في العرف أو بما في الطبع إيثار نفعه، فكان له فيه ما بزواله جعل آميناً؛ فلا تثبت له الأمانة فيه، والله أعلم.
وعلى هذا يخرج أمر الدفع إلى المكاتب والشهادة له، والله أعلم.
ثم الدفع إلى الكفار: القياس أن يجوز جميع ذلك من حيث كان المعنى الذي له يختار في الدفع إليهم أن يجد من ثقل الطبع وألم النفس، وعلى ذلك أجيزت عندنا الكفارات، وأيد ذلك قوله - -: ﴿ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ } [البقرة: 271] صير الصدقات مكفرة لما ذكرتم؛ يدل على ذلك فيما قال أهل التفسير في قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ...
﴾ الآية [البقرة: 272] أن ذلك في التصدق على أهل الكفر، أي: لا يمنعك ذلك، وكان على إثر الوعد بالتكفير بالصدقة، فأمكن أن يكونوا هم في ذلك مع ما كانت الكفارات جعلت بشرط المسكنة، وقبيح في المسلم دفع السُّؤَّال وإن كانوا كفرة، فجائز الدفع إليهم.
وجملة ذلك: أن ذلك بما اختار من إعطاء النفس شهوتها فيما لم يؤذن له، فيكون كفارتها بالكف عن شهوتها فيما كان يحل، والبذل بالذي كان يسعه منع ذلك، وذلك المعنى موجود في ذلك، على أن التصدق عليهم بعض ما يرغبهم في الإسلام؛ لم يجز المنع، والله أعلم.
وأما الزكاة: فهي مخصوصة بما جاء من إضافة الدفع إلى من يؤخذ من غنيهم، ولما بين أهلها، وجعل عليها سعاة؛ ليتحروا المواضع.
وأمر الكفارات جعل إلى أربابها إيجابها والخروج عنها في تخير أهلها مع ما كانت الزكاة أوجبت بلا كسب بحق الشكر، وحق الشكر الإنفاق في الطاعة.
ثم كان الإنفاق على من يطيع الله به يخرج مخرج المعونة على الطاعة، وعلى الكافر لا؛ فيقتصر عن شرط التمام في معنى الشكر، والكفارة في حق إعطاء النفس الشهوة، فيمتحنها بإخراج ما في شهوتها المنع، وذلك المعنى موجود في الكافر على التمام؛ لذلك اختلفا.
وبعد: فإن الزكاة تجب بلا إيجاب، وقد قطع الله الحق الذي ذلك سبيله، ثم بين مختلفي الملك بحق المواريث والكفارات يجب بما اكتسبوا، وبين الفريقين في الحقوق المكتسبة اشتراك ولا قوة إلا بالله.
والأصل في ذلك أن الزكاة أوجبت في الأموال حقّاً للفقراء، ثم هي تخرج إلى من أوجبت لهم، فما لم يعلم من أوجبت له لم تخرج على مثل حقوق المواريث؛ للقرابة، وغير ذلك، والكفارات ليست بواجبة في الأموال تخرج، بل ينظر إلى وقت الدفع والقيام بالتكفير، فإن كانت له أموال دفعها منها، وإلا ليست عليه؛ فصارت الحقوق كأنها بالدفع تقع؛ إذ لو توهم وقت الوجوب له الغنى والفقر لكان الأمر لا يختلف، وإذا كان، كان كذلك، وله ابتداء التصدق عليهم بحق التطوع والنذور وغيرهما فيجوز فيهم، والزكوات؛ إذ الدفع منها تسليم إلى من كان له الحق، احتيج في ذلك إلى مبين ذلك، والله أعلم.
وصدقة الفطر بحق إظهار السرور، ودفع السؤال؛ كما روي عن نبي الله أنه قال: "أغْنُوهُمْ عَنِ المَسْأَلَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ" لا بحق ما كان جعل في ماله يخرج منه، بل بحق المعونة، وذلك لازم في العقول لكل سائل وبخاصة في الدفع إليهم؛ ليمتنعوا هم بما فيه سرور أهل الإسلام، والله أعلم.
وأيضاً: إن الزكوات أوجبت في الابتداء حقّاً للفقراء؛ إذ الله - وتعالى - أخرج أرزاق الخلق أملاكاً لبعضهم، وألزمهم تحمل كفاية من لم يملكهم أعين تلك الأموال؛ إذ لم يخلق ابتداء الخلق لهم الجملة.
وإذا كان محل الزكوات في الابتداء وجعل لأهلها بها الغنى، وأهل الكفر أبوا قبول الدين الذي ذلك حق جعل للمحتاجين في أموال الأغنياء، فلم يكن لهم في مذهبهم ذلك الحق، بل لو كان، كان في أموال أغنياء مذهبهم، ولأهل الإسلام أن ذلك الحق في أموال أغنيائهم، وكذلك من عليهم الحق قبلوه بالدين لأهله لم يدخل في ذلك غيرهم.
ثم كانت الكفارات والنذور ونحوها ليست بمجعولة بالدين لحق الفقراء، وإنما هي واجبة بتعاطي [أرباب] من لزمهم؛ ليتقربوا بها إلى ربهم، ويخرجوا بها مما جنوا على مذهبهم، وقد جعل ذلك في جملة الصدقات، وفي أنواع العبادات التي لا عبرة فيها لمنافع الخلق؛ فثبت أنها لم تجب لهم، وإنّما الشرط عليهم فيها ما يكون عبادة وقربة إلى الله ، وقد جعل الله - - في الدفع إلى مساكينهم قربة وعبادة، فجازت، وعلى هذا يخرج قولنا في العتق، على أن قولنا بجميع المخالفين لنا في هذا أولى؛ لأن مذهبهم اعتماد العموم إلا في قدر ما يمنعهم عن ذلك، والعموم بجميع الفرق كلهم باسم المساكين، واسم تحرير الرقبة، ولا دليل لهم على الخصوص إلا ضرب من القياس.
ومَنْ مَذْهَبُهُ أن إخراج بعض ما تضمنه الاسم لا يوجب خصوص ذلك، فكذا يلزمهم ألا يخصوا الوجود التخصيص في غيره؛ إذ ذلك أبعد، على أنهم أجمعوا ألا يقاس ما ليس فيه ذكر التتابع على المذكور، فمثله أمر الإيمان.
وجملته: أنه قد يجوز في العتق مع قيام كثير من العيوب التي لا تحتمل التغير؛ فيعيب الدين الذي يمكنه أحق، وكذلك من قول الجميع: إن العجز بالمرض عن المكاسب لا يمنع؛ إذ هو قد يزول، فالذي لا عجز فيه ويمكنه اختياره أحق أن يجوز، والله أعلم.
ثم الأصل: أن الله - - في الكفارة التي جعل الإيمان فيها شرطاً، ذكر العتق في ذلك في قتل ثلاث فرق، ذكر في كل مرة ﴿ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ ، لم يدع ذكر ذلك في شيء منها للذكر في نوع من ذلك، على قرب ما بين أولئك الأسباب، فلو كان يحتمل الاقتصار على بيان الكفاية دون المبالغة، أو يجب ذلك في النظر - لكان يذكر مرة كفاية على نحو الصوم فيه، فإذا لم يكتف على تقارب المعنى بان أن ذلك نوع ما لم يؤذن فيه تعليق الحكم بالمعنى، بل لو كان مأذوناً فيه، لكان يوجد في القتل معان لا توجد في غير ذلك؛ فلا يجوز قياس غيره عليه، والله أعلم.
فإن قال قائل: إذ قال الله - -: ﴿ مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا ﴾ ثم قد جعل سيئة الظهار والقتل: عتق رقبة، وبالصيام: صوم شهرين متتابعين، فكيف جعل مثل سيئة الحنث بالعتق: عتق رقبة، وبالصيام: ثلاثة أيام؛ فلو كان ثلاثة عديل العتق لماذا زاد في الظهار والقتل في الجزاء؟
نقول - وبالله التوفيق -: لذلك أجوبة ثلاثة: أن الجزاء في الدنيا هو ما يجوز به المحنة ابتداء؛ لا على الجزاء، فعلى ذلك يجوز فيه الزيادة بحق المحنة، لا الجزاء والقضاء، وبحق العفو، كما قال - عز وجل - ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ ، وقال ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ وفي الآخرة لا يكون بحق ابتداء المحنة، إنما ذلك بحق الجزاء وهو - عز وجل - حكيم عدل لا يزيد على ما توجبه الحكمة، ويجوز التجاوز بما هو عفو كريم؛ فلذلك اختلف الأمران.
والثاني: أن يقال: حق جزاء كل ما فيه العتق صيامُ شهرين متتابعين، ولله العفو فيه، عامل الحانث فرضي منه بصوم ثلاثة أيام؛ لما علم - عز وجل - في ذلك من المصالح، والله أعلم.
والثالث: أن يكون حق الجزاء في اليمين بالصيام ما ذكره، وكذلك في القتل والظهار، وفيهما حق العتق كذلك، وفي اليمين دونه، ولكنه تمم بما لا يحتمل التجزئة على حق كل شيء لا يتجزأ أن جزءًا منه متى وجب يجب كله؛ فعلى ذلك العتق، والله أعلم.
ثم نقول: وظاهر هذا يشهد لأبي يوسف - رحمه الله - ومحمد - رحمه الله -: أنه متى أوجب جزءًا منه عتق كله؛ إذ لا يحتمل التجزئة؛ دليله أمر الكفارات، والله أعلم.
ومذهب أبي حنيفة: أنه يحتمل أن يكون هذا لما لا يحتمل العتق التجزئة، ويحتمل: أن يكون؛ لما لا تحتمل حقوق العتق التجزئة، وإن كان العتق في نفسه محتملا؛ فيجب عرض ذلك على ما فيه بيانه؛ فوجد الأمر بالتحرير حيث كان، كان بذكر الرقبة، ولو كان لا يحتمل من حيث التحرير التجزئة، لكان ذكر التحرير كافياً عن ذكر الرقبة، فإذا ذكر في كل ما أمر بان أنه ذكر؛ ليتمم بالإعتاق، لا أنه يتم بلا ذكر؛ فعلى ذلك أمر الطلاق لم يذكر فيها معنى رقبتها؛ لما لا يحتمل - والله أعلم - بعض ذلك، ثم كانت الحقوق ترجع إلى الانتفاع، أو قول، أو مضرة، أو نحو ذلك، لا يحتمل نفوذ من المعتق من دون غيره، ثبت أن ذلك إن كان كذلك، فهو لما لا يحتمل حقوقه أكمل؛ إذ في ترك الإكمال فوت نفع ما أوجب، والله أعلم.
ثم قد يجوز إعتاق الجزء من حيث كان الملك والحرية بأخذ العين، والمنافع تصل إلى المباشرة، والمباشرة لا تحتمل التميز، وفي القول فيه، والملك فيه جملة يحتمل لذلك اختلفا، وعلى ذلك أمر الطلاق لا ملك، ثم في النفس، إنما حقيقة المباشرة والانتفاع، وذلك لا يحتمل الجزء المطلق منها أوجب دون غيره؛ فلذلك أكمل، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
لا يحاسبكم الله -أيها المؤمنون- بما يجري على ألسنتكم من الحَلِفِ من غير قصد، وإنما يحاسبكم بما عزمتم عليه، وعَقَدتُّمُ القلوب عليه وحنثتم، فيمحو عنكم إثم ما عزمتم عليه من أيمان ونطقتموه إذا حنثتم أحد ثلاثة أشياء على التخيير هي: إطعام عشرة مساكين من أوسط طعام أهل بلدكم، لكل مسكين نصف صاع، أو كسوتهم بما يُعْتبر عُرْفًا كسوة، أو إعتاق رقبة مؤمنة، فإذا لم يجد المكفِّر عن يمينه أحد هذه الأشياء الثلاثة كَفَّر عنها بصيام ثلاثة أيام، ذلك المذكور هو كفارة أيمانكم -أيها المؤمنون- إذا أقسمتم بالله وحنثتم، وصونوا أيمانكم عن الحلف بالله كذبًا، وعن كثرة القسم بالله، وعن عدم الوفاء بالقسم ما لم يكن عدم الوفاء خيرًا، فافعلوا الخير، وكَفِّرُوا عن أيمانِكم، كما بَيَّن الله لكم كفارة اليمين يُبَيِّنُ الله لكم أحكامه المبينة للحلال والحرام، لعلكم تشكرون الله على أن علّمكم ما لم تكونوا تعلمون.
<div class="verse-tafsir" id="91.dQDmd"