تفسير سورة المائدة الآية ١٠٦ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 5 المائدة > الآية ١٠٦

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَأَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعْدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِۦ ثَمَنًۭا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلْـَٔاثِمِينَ ١٠٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 19 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ الآية، قال المفسرون كلهم في سبب نزول هذه الآية وما بعدها: أن تميمًا الداري (١) (٢)  ، فأنزل الله هذه الآية (٣) وهذه الآية وما بعدها من أعوص ما في القرآن من الآيات معنًى وإعرابًا، وسأسوقهما بعون الله مشروحتين مُبَيَّنتين إن شاء الله.

وقوله تعالى: ﴿ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ ، اختلف النحويون في تقديره، فقال الفراء: وقوله: ﴿ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ﴾ رفع الاثنين بالشهادة، أي ليشهدكم اثنان (٤) (٥) (٦) وقال صاحب النظم: (شهادة) مصدر وضع موضع الأسماء، يريد بالشهادة الشهود، كما يقال: رجل عدلٌ ورضا، ورجال عدل ورضا وزَوْرٌ، وإذا جعلت الشهادة بمعنى الشهود قدرت معه حذف المضاف، ويكون المعنى: عدد شهود بينكم اثنان، واستشهد على هذا بقوله تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ  ﴾ أراد وقت الحج، ولولا هذا التأويل لكان قوله: (أشهر) منصوبًا على تأويل: الحج في أشهر معلومات، فقدر صاحب النظم حذف المضاف من الابتداء، وقدره الزجاج من الخبر.

وقوله تعالى: ﴿ بَيْنِكُمْ ﴾ ، قال أبو علي: اتسع في (بين) وهي ظرف فجعل اسمًا، وأضيف إليه المصدر، وهذا يدل على أنه يجوز الاتساع في الظروف بجعلها اسمًا في غير الشعر، كقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ  ﴾ في قول من رفع، فجاء في غير الشعر، كما جاء في الشعر نحو قوله: فصادفَ بين عَيْنَيه (الجنونا) (٧) (٨) ﴿ بَيْنِكُمْ ﴾ بمعنى: لما بينكم، وما بينكم كناية عن التنازع والتشاجر، ثم أضاف الشهادة إلى التنازع، لأن الشهود إنما يحتاج إليها في التنازع الواقع في ما بين القوم، والعرب تضيف الشيء إلى الشيء إذا كان منه بسبب كقوله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ  ﴾ أي: مقامه بين يدي ربه.

ثم حذف (ما) من قوله: ما بينكم، والعرب تحذف كثيراً ذكر (ما) و (من) في الموضع الذي يحتاج إليهما فيه كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ  ﴾ أي: ما ثِّم، وكما قال: ﴿ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ  ﴾ على معنى: ما بيني وبينك، ومثله قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ  ﴾ في قول من نصب، وهذا الذي ذكره الجرجاني شرح ما أجمله أبو علي، لأنه إذا حُذف (ما) وأضيف إليه فقد جعل الظرف اسمًا متسعًا فيه، فأبو علي أجمل، والجرجاني فسر.

وقوله تعالى: ﴿ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾ ، (إذا) ظرف يتعلق بالشهادة، وهو معمولها على تقدير: يشهدان (٩) أحدهما: أن الوصية مصدر، ولا يتعلق بالمصدر ما يتقدم عليه، لأنه ليس له قوة الفعل، فلا يجوز: زيدًا ضربًا، بمعنى: اضرب زيدًا، كما يجوز: ضربًا زيدًا.

والثاني: أن الوصية مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف؛ لأنه لو عمل فيما قبله لجاز تقديره في ذلك الموضع، وإذا قُدر ذلك لزم تقديم المضاف إليه على المضاف، بيان هذا: أنك لو قدرت أن يكون (إذا) متعلقًا بالوصية جعلت التقدير: الوصية إذا حضر أحدكم الموت، فيحتاج أن تقدم الوصية على ما أضيف إليه وهو حين (١٠) (١١) وقال في قوله: ﴿ حِينَ الْوَصِيَّةِ ﴾ : لا يجوز أن يتعلق حين بالشهادة، لأن الشهادة قد عمل في ظرف من الزمان، فلا يعمل في ظرف آخر منه، وكان تحمله على أحد ثلاثة أوجه: أحدها: أن تعلقه بالموت، كأنه: الموت في ذلك الحين، والآخر: أن تحمله على حضر، أي: إذا حضر في هذا الحين، ويراد بالموت: حضوره في الوجهين قربه لا نزوله، كقوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ  ﴾ ولا يسند إليه القول بعد الموت، الوجه الثالث: أن تحمله على البدل من (إذا) لأن ذلك الزمان في المعنى هو ذلك الزمان، فتبدله منه كما تبدل الشيء من الشيء إذا كان إياه (١٢) وقوله تعالى: ﴿ اثْنَانِ ﴾ ، ذكرنا أنه خبر المبتدأ.

وقوله تعالى: ﴿ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ ، جملة مرتفعة لأنها صفة لقوله: ﴿ اثْنَانِ ﴾ (١٣) وقوله تعالى: ﴿ مِنْكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس وعامة أهل التفسير: منكم يا معشر المؤمنين، أي من أهل دينكم وملتكم (١٤) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ ، تقديره: أو شهادة آخرين من غيركم، أي: من غير أهل ملتكم في قول ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح وإبراهيم وعَبِيدة وابن سيرين ومجاهد وابن زيد (١٥) قال شريح: إذا كان الرجل بأرض غربة ولم يجد مسلمًا يُشهِده على وصيته، فأشهد يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيَّا، أو عابد وثن، أو أي كائن كان، فشهادتهم جائزة (١٦) وقال الشعبي: حضر رجلاً من المسلمين الموت وهو بدَقُوقَا (١٧)  فأحلفهما في مسجد الكوفة بعد العصر بالله ما بدلا ولا كذبا، وأجاز شهادتهما (١٨) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ ، الشرط متعلق بقوله: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ والمعنى: أو شهادة آخرين من غيركم إن أنتم سافرتم، قال أبو علي: وهو وإن كان على لفظ الخبر، فالمعنى على الأمر، تأويله: ينبغي أن تُشْهِدوا إذا ضربتم في الأرض آخرين من غير أهل ملتكم (١٩) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ مع قوله: ﴿ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ﴾ فصلان معترضان بين الصفة والموصوف؛ لأن قوله: (تحبسونهما) من صفة قوله: (أو آخران)، والفاء في قوله: (فأصابتكم) لعطف جملة على جملة (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ ﴾ قال صاحب النظم: أي تقيمونهما وتقفونهما، كما يقول الرجل: مر بي فلان على فرس فحبس على دابته، أي: وقفه، وحبست الرجل في الطريق أكلمه، أي: وقفته.

قال: ويقال إن معنى قوله: (تحبسونهما) تعبرونهما على اليمين، وهو أن يحمل الإنسان على اليمين وهو غير متبرع بها.

وقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ ﴾ ، أي من بعد صلاة أهل دينهما، عن ابن عباس والسدي (٢١) (٢٢) (٢٣) وقال ابن الأنباري: قالوا: إنما أمرنا باستحلاف الشاهِدَين بعد صلاة العصر، لأنه وقت تعظمه اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الملل، فندبنا الله إلى استحلافهم في الوقت الذي يشرفونه، ويعظمونه، ويتجنبون فيه الأكاذيب.

وقوله تعالى: ﴿ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ ﴾ ، الفاء لعطف جملة على جملة، قال أبو علي: وإن شئت جعلت الفاء للجزاء كقول ذي الرُّمة: وإنسانُ عيني يَحْسِرُ الماءُ مرَّةً ...

فيبدو وتاراتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ (٢٤) تقديره إذا حَسَرَ بدا، وكذلك إذا حبستموهما أقسما (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ إِنِ ارْتَبْتُمْ ﴾ ، أي في قول الآخَرين الّذَين ليسا من أهل من ملتكم، وغلب على ظنكم خيانتهما.

قال أبو بكر (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ ، قال أبو علي: (لا نشتري) جواب ما يقتضيه قوله: (فيقسمان بالله) لأن أقسمُ ونحوه يتلقى بما يتلقى به الأيمان (٢٧) وقال صاحب النظم: تأويله فيقسمان بالله ويقولان هذا القول في أيمانهما.

والعرب تضمر القول كثيراً كقوله تعالى: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ  ﴾ ، أي: يقولون: سلام.

وقوله تعالى: ﴿ بِهِ ثَمَنًا ﴾ قال أبو علي: المعنى: لا نشتري بتحريف شهادتنا ثمنًا، فحُذِفَ المضاف وذُكِّر الشهادةٌ لأن الشهادة قول.

قال: وتقدير لا نشتري به ثمنًا: لا نشتري به ذا ثمنٍ، ألا ترى أن الثمن لا يُشترى وإنما يُشترى ذو الثمن.

قال: وليس الاشتراء ههنا بمعنى البيع وإن جاز في اللغة، لأن بيع الشيء إبعاد له من البائع، وليس المعنى ههنا على الإبعاد، وإنما هو على التمسك به والإيثار له على الحق (٢٨) وقال غيره: معنى: ﴿ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ أي لا نبيع عهد الله بعرض نأخذه (٢٩) ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا  ﴾ فمعنى ﴿ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ أي لا نأخذ ولا نستبدل، ومن باع شيئًا فقد اشترى ثمنه، ومعنى الآية: لا نأخذ بعهد الله ثمنًا بأن نبيعه بعرض من الدنيا، ونستغني في هذا عن كثير من تكلف أبي علي.

وهذا معنى قول القتيبي (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾ ، التقدير: ولو كان المشهود له ذا قربى، وخص ذو القربى بالذكر لميل الناس إلى قراباتهم ومن يناسبونه (٣١) ﴿ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِين  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ ﴾ ، أضيفت الشهادة إلى الله سبحانه لأمره بإقامتها والنهي عن كتمانها في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ  ﴾ (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ ﴾ أي: إنا إن كتمناها كنا من الآثمين، وهذا الذي ذكرنا في الآية قول أكثر المفسرين واختيار أعظم أصحاب المعاني (٣٣) قال عبد الله بن مسلم وذكر معنى الآية على الوجه: أراد الله عز وجل أن يعرفنا كيف نشهد بالوصية عند حضور الموت فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ أي: رجلان عدلان من المسلمين تشهدونهما على الوصية، وعلم جل ثناؤه أن من الناس من يسافر فيصحبه في سفره أهل الكتاب دون المسلمين، وينزل القرية التي لا يسكنها غيرهم، ويحضره الموت فلا يجد من يشهده من المسلمين فقال: (أو آخران من غيركم) أي: من غير دينكم، إذا (ضربتم في الأرض) أي: سافرتم (فأصابتكم مصيبة الموت) وتم الكلام، فالعدلان من المسلمين للحضَر والسفَر إن أمكن إشهادهما في السفر، والذميان في السفَر خاصة إذا لم يوجد غيرهما.

ثم قال: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا ﴾ من بعد صلاة العصر ﴿ إِنِ ارْتَبْتُمْ ﴾ في شهادتهما وشككتم وخشيتم أن يكونا قد غيرا وبدلا وكتما وخانا، ﴿ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ﴾ أي: لا نبيعه بعرض، ولا نحابي في شهادتنا أحدًا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة علمناها، فإذا حلفا بهذه اليمين على ما شهدا به قبلت شهادتهما: وأمضي الأمر على قولهما (٣٤) وقال ابن الأنباري: تلخيص الآية: يا أيها الذين آمنوا ليشهدكم في سفركم إذا حضركم الموت وأردتم الوصية، اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غير دينكم.

فإن قيل: إن أهل الذمة لا يكونون عدولًا ولا تقبل شهادتهم، قيل: هذا من مواضع الضرورات التي يجوز فيها ما لا يجوز في مواضع الاختيارات، وقد أجاز الله تعالى في الضرورة التيمم وقصر الصلاة في السفر والجمع، والإفطار في شهر رمضان، وأكل الميتة في حال الضرورة، ولا ضرورة أعظم من ضرورة تبطل حقوقا وتضيع أمورًا على الميت من زكوات وكفارات أيمان وودائع للناس من ديون وحقوق، متى لم يبينها بطلت، فجاز (٣٥) وقال أبو عبيد (٣٦) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فعم في خطابه المؤمنين، فلما قال بعد ذلك ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ لم يغلب عليه إلا معنى: من غير أهل دينكم، إذ كان لم يخصص في أول الآية، ولم يخاطب قومًا مختصين من المؤمنين دون قوم (٣٧) وذهب آخرون، إلى أنه لا يجوز شهادة أهل الذمة في شيء من أحكام المسلمين، ولا يقبل قولهم، ولا يثبت بشهادتهم حكم، وعليه الناس اليوم، فقالوا في قوله تعالى: ﴿ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ أي: من حَيِّكم وقبيلتكم ورفقتكم ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ أي: من غير قبيلتكم ورفقتكم، وهو قول الحسن والزهري وأبي موسى، قالوا: ولا يجوز شهادة كافر في سفر ولا حضر (٣٨) ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ  ﴾ وقال: ﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ  ﴾ ، والشاهد إذا عُلِمَ أنه كذاب لم تقبل شهادته، وقد علمنا أن النصارى زعمت أن الله تعالى: ﴿ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ  ﴾ وأن اليهود قالت: ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ  ﴾ فعلمنا أنهم يكذبون، فكيف تجوز شهادة من هو مقيم على الكذب؟

(٣٩) فهؤلاء جعلوا الآية في المسلمين.

وذهب جماعة إلى أن الآية كانت في شهادة أهل الذمة ثم نسخت، وقد بين أبو عبيد هذه المذاهب (٤٠) (٤١) ثم ذكر بإسناده إجازة شهادة أهل الذمة، وأن الآية نزلت في ذاك عن أبي موسى وشريح والشعبي ومجاهد وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وإبراهيم (٤٢) وقال: هذا مذهب الذين رأوا الآية محكمة، ومما يزيد قولهم قوة تتابع الآثار في سورة المائدة بقلة المنسوخ وأنها من محكم القرآن وآخر ما نزل (٤٣) وأما الآخرون (٤٤) ﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ  ﴾ قال: ولست أدري إلى من يسند هذا القول؟

غير أنه قول مالك بن أنس وأهل الحجاز وكثير من أهل العراق غير سفيان، فإنه أخذ بالقول الأول، وأما الذين تأولوا الآية في أهل الإِسلام وأخرجوا المشركين منها فشيء يروى عن أبي موسى والحسن وابن شهاب.

روى خالد عن أبي قلابة عن أبي موسى في قوله تعالى: {ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} قال: كلهم مسلمون.

وقال الحسن: ﴿ ذَوَا عَدْلٍ ﴾ من قبيلتكم ﴿ أَوْ آخَرَانِ ﴾ من غير قبيلتكم.

وقال ابن شهاب في هذه الآية: هي في الرجل يموت في السفر فيحضره بعض ورثته ويغيب بعضهم (٤٥) قال أبو عبيد: أما حديث أبي موسى فلا أراه حَفِظَ، لأن الشعبي حدث عنه إجازة شهادة أهل الذمة على الوصية.

وقد ذكرناه (٤٦) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فلم يبق أحد منهم إلا وقد خوطب بها، وكيف يجوز أن يقال ﴿ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ إلا من كان خارجًا منهم، وأما قول ابن شهاب: إنها في أهل الميراث، فأنى يكون هذا؟

وإنما (سما الله بشهادة) (٤٧) ﴿ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا ﴾ وقال: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ ﴾ .

وهو تناولها (٤٨) فهذان نوعان من التأويل لا أعرف لهما وجهًا، مع أن فيهما أمرين لا يجوزان في أحكام المسلمين، قال: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ ﴾ فهل يُعرف في حكم الإِسلام أن يُحَلَّف الشاهدان أو يجب عليهما يمين؟

أم هل يعرف في حكم الإسلام أن لا يقبل الحاكم شهادتهما ولا ينفذها إلا بعد صلاة العصر؟

هذا ما لا يجب على شهود المسلمين، وليس الأمر عندنا إلا القول الأول عن من سمينا من الصحابة والتابعين (٤٩) (٥٠) ﴿ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾ إلى آخر الآية، ثم أمر اليهود والنصارى أن يحلفوا بالله لقد ترك من المال كذا، ولشهادتنا أحق من شهادة هذين المسلِمَيْنِ، ثم أمر أهل المتوفى أن يحلفوا بالله ما شهدت به اليهود والنصارى، فحلفوا، فأمرهم ابن مسعود أن يأخذوا من المسلِمَيْنِ ما شهدت به اليهود والنصارى.

قال: وكان ذلك في خلافة عثمان.

انتهى كلام أبي عبيد (٥١) والذين يتأولون الآية في غير أهل الذمة يقولون إنما استُحلِف الشاهدان لأنهما صارا مدَّعى عليهما، ادَّعى الورثة انهما خانا في المال، وأما الحبس بعد الصلاة فهو من تغليظ الأيمان، ومذهب أهل الحجاز أن الأيمان تغلَّط في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان واللفظ، أما الزمان: فهو ما قال الله تعالى في هذه الآية، وهي صلاة العصر، وكان الناس يكثرون في المساجد بالحجاز بعد صلاة العصر.

وأما المكان: فعند المقام بمكة، وعلى المنبر بالمدينة، وسائر البلاد.

وأما الألفاظ: فما يؤدي إليه اجتهاد القضاة، رجعنا إلى حديث تميم وعدي وقصتهما: ولما رفعوهما إلى رسول الله  ، ونزلت الآية، أمرهم رسول الله  أن يستحلفوهما بالله الذي لا إله إلا هو ما قبضا له غير هذا ولا كتما، فحلفا على ذلك، وخلى رسول الله  سبيلهما، فكتما الإناء ما شاء الله أن يكتما، ثم اطُّلِعَ على إناء من فضة منقوش من ذهب معهما، فقالوا هذا من متاعه، فقالا: اشتريناه منه فارتفعوا إلى النبي  .

(١) هو أبو رقية، تميم بن أوس الداري، مشهور في الصحابة، كان نصرانيا فأسلم سنة 9 هـ، كان كثير التهجد، قام ليلة بآية حتى أصبح وهي: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ  ﴾ انظر: "الإصابة" 1/ 186.

(٢) هو عدي بن بداء، قال ابن حبان: له صحبة، وأنكر أبو نعيم ذلك، وجاء في "تفسير مقاتل" أنه مات نصرانيًا.

انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 514، و"الإصابة" 2/ 467.

(٣) أخرجه البخاري (2780) كتاب: الوصايا، باب: قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ مختصرًا، والترمذي (3059) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة، وأبو داود (3606) كتاب: الأقضية، باب: شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر، والطبري 7/ 101 - 112 من طرق والمؤلف في "أسباب النزول" ص 214.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 323.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 214.

(٦) انظر: "الحجة للقراء السبعة" لأبي علي الفارسي 3/ 262.

(٧) هكذا في النسختين (ج)، (ش) بالنون، وفي "الحجة" لأبي علي 3/ 362 (الجبوبا) وكذا في اللسان 1/ 532 (جبب) قال في شرحه: "الجبوب وجه الأرض ومتنها" ولعل ما في "الحجة" هو الأصوب فهو الأصل، وقد نسب البيت في اللسان لأبي خراش الهذلي.

(٨) "الحجة" 3/ 362.

(٩) قد تكون: يشهد أن؛ لأن الفاعل: اثنان.

(١٠) أي ظرف زمان.

(١١) "الحجة" 3/ 263.

(١٢) "الحجة" 2/ 263، 264.

(١٣) "الحجة" 3/ 264.

(١٤) أخرج معناه عنه الطبري في "تفسيره" 7/ 101، وهذا قول الجمهور "بحر العلوم" 1/ 264، "النكت والعيون" 2/ 75، "زاد المسير" 2/ 446.

(١٥) "تفسير الطبري" 7/ 103، "بحر العلوم" 1/ 464، "النكت والعيون" 2/ 75، "تفسير البغوي" 3/ 112، "زاد المسير" 2/ 446.

(١٦) أخرجه الطبري 7/ 104، "تفسير البغوي" 3/ 112.

(١٧) قال محقق الطبري: "دَقُوقا: مدينة بين إربل وبغداد معروفة، لها ذكر في الأخبار والفتوح، كان بها وقعة للخوارج" "تفسير الطبري" 11/ 162 (ط.

شاكر).

(١٨) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 157، 158 رقم 290 مختصرًا، وأبو داود (3605) كتاب: الأقضية، باب: شهادة أهل الذمة وفي الوصية في السفر، والطبري 7/ 105، وانظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 379.

(١٩) "الحجة" 3/ 265.

(٢٠) انظر: "الحجة" 3/ 264.

(٢١) أخرجه عن السدي: الطبري 7/ 109، وعزاه لهما الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 76، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 448، وقد استبعد الطبري هذا القول.

(٢٢) "تفسير الطبري" 7/ 111، و"معاني الزجاج" 2/ 216، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 378، و"بحر العلوم" 1/ 465، "النكت والعيون" 2/ 76، "تفسير البغوي" 3/ 112، 113.

(٢٣) "تأويل مشكل القرآن" ص 378، وانظر: "زاد المسير" 2/ 448.

(٢٤) "ديوانه" ص 391، وفيه (تارة) بدل (مرةً).

وانظر: "المحتسب" 1/ 150.

(٢٥) "الحجة" 3/ 265.

(٢٦) ابن الأنباري.

(٢٧) "الحجة" 3/ 266.

(٢٨) "الحجة" 3/ 266.

(٢٩) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 378.

(٣٠) أي ابن قتيبة.

انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 378، 379.

(٣١) من "الحجة" لأبي علي 3/ 266.

(٣٢) "الحجة" 3/ 266.

(٣٣) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 181، الطبري 7/ 111، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 378، "بحر العلوم" 1/ 465.

(٣٤) "تأويل مشكل القرآن" ص 377، 378.

(٣٥) في (ج): (فجازت).

(٣٦) ينظر: "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 155 - 165.

(٣٧) ينظر: "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 163، 164.

(٣٨) "تفسير الطبري" 7/ 106، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 377، "النكت والعيون" 1/ 494، "زاد المسير" 2/ 446.

(٣٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 216.

(٤٠) ينظر: "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 155 - 165.

(٤١) "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 155.

(٤٢) انظر: "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 155 - 160.

(٤٣) "الناسخ والمنسوح في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 160.

(٤٤) لا يزال الكلام لأبي عبيد.

(٤٥) "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 162 ، 163.

(٤٦) في (ج): (وقد ذكرنا).

(٤٧) في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز": (سماها الله لنا شهادة).

(٤٨) في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز": وهذا يتأولها.

(٤٩) "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 163.

(٥٠) هذا الأثر متقدم في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" على ما نقله المؤلف فهو في ص 157.

(٥١) "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 157 - 163.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر